• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(باب في الوصايا والمدبر والمكاتب والمعتق وأم الولد والولاء).
(ويحق على من له ما يوصي فيه أن يعد وصيته
ولا وصية لوارث.
والوصايا خارجة من الثلث ويرد ما زاد عليه إلا أن يجيزه الورثة.
والعتق بعينه مبدة عليها والمدبر في الصحة مبدة على ما في المرض من عشق وغيره وعلى ما فرط فيه من الزكاة فأوصى به فإن ذلك في ثلثه مبدة على الوصايا، ومدبر الصحة مبدة عليه.
وإذا ضاق الثلث تحاص أهل الوصايا التي لا تبدئة فيها.
وللرجل الرجوع عن وصيته من عثق وغيره) ..
الشرح
ذكر في هذه الترجمة ستة أشياء لكل منها حقيقة وحكم وغير ذلك، وسماها زروق برزمة العبيد لأن أغلب ما فيها يتعلق بأحكام تخصهم (^١).
أما الوصايا: فجمع وصية، مثل هدايا: جمع هدية. قال الأزهري: مأخوذة من «وصيت الشيء أصيه» إذا وصلته. سميت وصية لأن الموصي وصل ما كان له في حياته بما كان بعد مماته. ويقال: وصى - بالتشديد -
_________________
(١) شرح زروق على الرسالة (٢/ ٧٩٤).
[ ٣ / ١١٢٤ ]
وأوصى يوصي أيضا. وهي - لغة - الأمر، قال الله تعالى: ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب﴾ [البقرة: ١٣٢].
وشرعا: وهي في عرف الفقهاء: عقد يوجب حقا في ثلث عاقده، يلزم بموته، أو نيابة عنه بعده (^١).
أو يقال: عهد خاص بالتصرف بالمال، أو التبرع به بعد الموت.
والحكمة فيها: أن من لطف الله بعباده ورحمته بهم، إباحته لعبيده الصالحين ليتزودوا من أموالهم عند خروجهم من الدنيا، لهذا جاء في بعض الأحاديث القدسية قول الله تعالى: «يا ابن آدم، اثنتان لم تكن لك واحدة منهما، جعلت لك نصيبا من مالك حين أخذت بعظمك، لأطهرك به وأزكيك، وصلاة عبادي عليك بعد انقضاء أجلك» (^٢).
واختلف هل هي واجبة أو مندوبة؟ وإليه ذهب أكثر العلماء (^٣)، وعليه حمل بعضهم قول المصنف: (ويحق) بكسر الحاء وفتحها وفتح الياء وضمها (على من له ما)؛ أي: مال (يوصي فيه أن يعد) بضم الياء أي يهيئ (وصيته) ويشهد عليها، لقوله تعالى: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية﴾ [البقرة: ١٨٠]، وعن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به، يبيت ليلة أو ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» (^٤)، زاد «مسلم» قال ابن عمر: «فوالله ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك إلا وعندي وصيتي» (^٥).
قال ابن دقيق العيد: والترخيص في الليلتين والثلاث دفع للحرج والعسر.
_________________
(١) شرح حدود ابن عرفة للرصاع (٦٨١).
(٢) انظر: تيسير العلام للبسام (٢/ ٢٦٨).
(٣) شرح زروق (٢/ ٧٩٤).
(٤) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢٢١٤)، والبخاري (٤/ ٢) (٢٧٣٨)، ومسلم (٥/ ٧٠) (٤٢٩١)
(٥) مسلم (٤٢٩٤).
[ ٣ / ١١٢٥ ]
والحقيقة أن الوصية قسمان: أ مستحب، ب وواجب.
فالمستحب، ما كان للتطوعات والقربات.
والواجب في الحقوق الواجبة، التي ليس لها بينة تثبتها بعد وفاته لأن «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب». وذكر ابن دقيق العيد أن هذا الحديث محمول على النوع الواجب (^١)، فإن لم يشهد عليها فهي باطلة، ولو وجدت بخطه إلا أن يقول: ما وجدتم بخط يدي فأنفذوه فإنه ينفذ. والراجح أنها تنفذ حتى ولو لم يشهد عليها إذا عرف خطه لأن الرسول ﷺ لم يشترط الإشهاد والمشهور في المذهب أن الوصية مندوبة، إلا أن يكون عليه حق يخشى تلفه على أصحابه إن لم يوص له فتجب (^٢).
وللوصية ثلاثة شروط:
١ - العقل.
٢ - الحرية.
٣ - صحة ملكية المال الموصى فيه. ومعنى العقل هنا ما يصح به تمييز القربة على المشهور والله أعلم (^٣).
(و) حديث (لا وصية لوارث) رواه أبو داود والترمذي وحسنه (^٤)، وهل أراد به نفي الصحة أو أراد النهي، المذهب أنها ليست بصحيحة ولو بأقل من الثلث (^٥)، وإن أجازها الوارث كانت ابتداء عطية منه، وقد جاء في لفظ من رواية الدارقطني قال ﷺ: «لا وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة» (^٦)، وعند ابن ماجه أن رسول الله ﷺ خطب فقال: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا
_________________
(١) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (شرح حديث ٢٥٢) باب الوصايا، وانظر: تيسير العلام للبسام (٢/ ٢٦٩ - ٢٧٠).
(٢) التوضيح (٨/ ٤٦٨).
(٣) شرح زروق (٢/ ٧٩٤).
(٤) أخرجه أبو داود (٢٨٧٠) و(٣٥٦٥)، والترمذي (٦٧٠)، وابن ماجه (٢٠٠٧)، وصححه الألباني في إرواء الغليل (١٦٥٥).
(٥) المرجع السابق.
(٦) البيهقي (١٢٩١٢)، وفيه عطاء هذا هو ابن الخراساني لم يدرك ابن عباس ولم يره، قاله أبو داود السجستاني وغيره، وأخرجه الدارقطني (٨٩)، وقال الحافظ في الفتح (٥/ ٣٧٢): رجاله ثقات الا أنه معلول فقد قيل أن عطاء هو الخراساني، والله أعلم.
[ ٣ / ١١٢٦ ]
وصية لوارث» (^١).
وانظر هل أراد بقوله: (والوصايا خارجة من الثلث) أن مصرفها إنما هو في الثلث، أو إنما أراد لا يجوز للموصي أن يوصي إلا بالثلث فأقل، لحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: جاءني رسول الله ﷺ يعودني - عام حجة الوداع - من وجع اشتد بي فقلت: يا رسول الله، قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لا» قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: «لا» قلت: فالثلت؟ قال: «الثلث والثلث كثير. إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في في امرأتك» (^٢)، وحديث أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الله تصدق عليكم، عند وفاتكم، بثلث أموالكم، زيادة لكم في أعمالكم» (^٣).
(ويرد ما زاد عليه)؛ أي: على الثلث ولو كانت الزيادة يسيرة لأن النبي ﷺ منع سعدا من ذلك كما تقدم (إلا أن يجيزه الورثة) ما داموا عاقلين، قال أبو عمر رحمه الله تعالى: أما وصية الصغير إذا كان يعقل ما أوصى به، ولم يأت بمنكر من القول والفعل، فوصيته جائزة ماضية عند مالك والليث وأصحابهما ولا حد عندهم في صغره عشر سنين ولا غيرها، إذا كان ممن يفهم ما يأتي به في ذلك وأصاب وجه الوصية (^٤)، لأنها تكون عطية منهم لانتقال الحق إليهم ففي حديث ابن عباس ﵄ بلفظ: «لا وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة» (^٥).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٧١٤).
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢٢١٩) عن ابن شهاب، والبخاري (١/ ٢٢) (٥٦)، ومسلم (٥/ ٧١) (٤٢١٨).
(٣) أخرجه أحمد (٦/ ٤٤٠) (٢٨٠٣٠)، وابن ماجه (٢٨١٣)، والدارقطني (٤/ ١٥٠)، وحسنه الألباني، انظر: حديث رقم (١٧٣٣) في صحيح الجامع.
(٤) الاستذكار (٧/ ٢٧٠).
(٥) حسنه الحافظ في البلوغ (٨٢٠) وقال المحقق: عصام موسى هادي: منكر، رواه الدارقطني (٤/ ٩٨ و١٥٢) بسند ضعيف، بل أعله الحافظ نفسه في التلخيص (٣/ ٦٢) =
[ ٣ / ١١٢٧ ]
ويعتبر ثلث مال الميت يوم موته لا يوم الوصية، على ما في ابن الحاجب. وتعقبه ابن عبد السلام: أنه خلاف المذهب، فإن المعتبر على المذهب في الوصية أن تخرج من الثلث يوم الوصية لا يوم الموت، حتى لو كانت الوصية يسعها الثلث يوم الموت فطرأ على المال جائحة أذهبت بعضه فصار لا يسعها ثلث ما بقي، كان حكمها يوم القسمة حكم من أوصى بأكثر من الثلث، ولا أعلم في ذلك خلافا في المذهب. اه (^١).
ثم انتقل يتكلم على ما يبدأ بإخراجه من الثلث فقال: (والعتق بعينه) سواء كان في ملكه أو ملك غيره، مثل أن يقول: اشتروا عبد فلان وأعتقوه (مبدأ عليها)؛ أي: على الوصايا بالمال وإنما قيدناه بهذا لأن الزكاة والكفارات إذا أوصى بها الميت مبدأة على العتق؛ أي: على الوصية بالعتق لأن الكلام ليس في تنجيز العتق، إنما هو في الوصية به فالزكاة والكفارة مبدأتان على الوصية بالعتق بصوره المذكورة لما رواه ابن وهب عن حيوة بن شريح قال: حدثني السكن بن أبي كريمة أنه سأل يحيى بن سعيد الأنصاري عن رجل يوصي بوصية كثيرة وعتاقة أكثر من الثلث، قال يحيى: بلغنا أن رسول الله ﷺ أمر أن يبدأ بالعتاقة قال: وقد صنع ذلك أبو بكر وعمر ﵄، وروى عن سفيان الثوري عن رجل حدثه عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: «إذا أوصى رجل بوصايا وبعتاقة بدئ بالعتاقه، وأما تقييده بمعين، فلأن المعين أكد في الشرع من غيره بدليل نفوذه في ملك الغير» (^٢).
_________________
(١) = رقم (١٣٧٠). قلت: وسبب النكارة هذه الزيادة: «إلا أن يشاء الورثة»، فقد ورد الحديث عن جماعة من الصحابة دون هذه الزيادة فلم ترد إلا بهذا الإسناد الضعيف. بل الحديث جاء عن ابن عباس نفسه بسند حسن. رواه الدارقطني (٤/ ٩٨) بدون هذه الزيادة، بل وحسن الحافظ نفسه إسناده من الطريق التي ليست فيها الزيادة فقال في «التلخيص» (٣/ ٦٢) رقم (١٣٦٩) أثناء تخريجه لحديث: «لا وصية لوارث»: «رواه الدارقطني من حديث ابن عباس بسند حسن». ومن راجع «التلخيص» عرف صواب صنيع الحافظ هناك، وأيضا عرف وهمه هنا حمله». والله أعلم.
(٢) التوضيح على جامع الأمهات (٨/ ٤٧٢ - ٤٧٣).
(٣) المدونة (٨/ ١٥/ ٤٣).
[ ٣ / ١١٢٨ ]
(والمدبر في) حال الصحة مبدأ على ما يصدر منه (في) حال (المرض) من عتق أو غيره (و) المدبر في الصحة مبدأ أيضا (على ما فرط فيه من الزكاة فأوصى به فإن ذلك في ثلثه مبدأ على الوصايا) فإن لم يوص به فلا يخرج من الثلث.
وقوله: (ومدبر الصحة مبدأ عليه) تكرار.
(وإذا ضاق الثلث) عما أوصى به (تحاص أهل الوصايا التي لا تبدئة فيها) كما يتحاص في العول في الفرائض مثل: أن يوصي لرجل بنصف ماله، ولآخر بربعه، فإنك تأخذ مقام النصف ومقام الربع وتنظر ما بينهما فتجدهما متداخلين فتكتفي بالكثير وهو الربع، فتأخذ نصفه وربعه. فتجمعها فتكون ثلاثة، فتعلم أن الثلث بينهما على ثلاثة أسهم، لصاحب الربع سهم وللآخر سهمان؛ أي: فيقسم ثلث مال الميت على ثلاثة وهذا إن لم يجز الوارث الوصايا. وأما إن أجازها فيأخذ الموصى له بالنصف اثنين والموصى له بالربع واحدا ويفضل واحدا يأخذه الوارث.
(وللرجل) ولو سفيها وكذا المرأة والصبي (الرجوع عن وصيته من عتق وغيره) ظاهره كانت الوصية أو الرجوع عنها في الصحة أو المرض، لأن الوصية عقد جائز غير لازم، ولأنه وعد والوفاء بالوعد لا يجب، ولأن عليه عمل أهل المدينة كما قال في «الموطأ»: «الأمر المجتمع عليه عندنا أن الموصي إذا أوصى في صحته أو في مرضه بوصية فيها عتاقة رقيق من رقيقه، أو غير ذلك، فإنه يغير من ذلك ما بدا له ويصنع من ذلك ما شاء حتى يموت، وإن أراد أن يطرح تلك الوصية ويبدلها فعل» (^١)، وروى عبد الله بن أبي ربيعة عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يحدث الرجل في وصيته ما شاء، وملاك الوصية آخرها» (^٢)، وظاهره أيضا أن له الرجوع ولو أشهد في وصيته، كأن يقول: هذه الوصية لا رجوع له فيها، وهو الذي جرى عليه العمل.
_________________
(١) شرح الزرقاني (٤/ ٧٥).
(٢) الدارمي في سننه (٢/ ٥٠٢) (٣٢١١) قال المحقق: رجاله ثقات إلا ان فيه انقطاعا.
[ ٣ / ١١٢٩ ]
بعض أحكام المدبر
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والتدبير أن يقول الرجل لعبده: أنت مدبر أو أنت حر عن دبر مني، ثم لا يجوز له بيعه وله خدمته وله انتزاع ماله ما لم يمرض وله وطؤها إن كانت أمة. ولا يطأ المعتقة إلى أجل ولا يبيعها وله أن يستخدمها وله أن ينتزع مالها ما لم يقرب الأجل. وإذا مات فالمدبر من ثلثه. والمعتق إلى أجل من رأس ماله).
الشرح
(والتدبير أن يقول الرجل لعبده: أنت مدبر، أو أنت حر عن دبر مني) مأخوذ من إدبار الحياة، ودبر كل شيء ما وراءه بسكون الباء وضمها، والجارحة بالضم لا غير، وأنكر بعضهم الضم في غيرها. قال ابن الحاجب: وهو عتق معلق على الموت على غير الوصية (^١).
وحكم التدبير الاستحباب.
ومن شروطه: الصيغة التي ينعقد بها: كأنت حر بعد موتي أو أنت حر يوم أموت.
والتكليف.
والرشد فلا يصح من المجنون والصبي ولو مميزا.
(ثم) إذا دبر المكلف الرشيد عبده (لا يجوز له) بعد ذلك (بيعه) فإن بيع فسخ بيعه ورجع مدبرا كما كان إذا لم يتصل به عتق فإن أعتقه المشتري مضى، وكان ولاؤه له، لحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «المدبر لا يباع ولا يوهب وهو حر من الثلث» (^٢)، ولعمل أهل المدينة كما قال مالك في
_________________
(١) التوضيح على جامع الأمهات (٨/ ٢٠٤).
(٢) رواه الدارقطني والبيهقي عن ابن عمر، قال الحافظ في التلخيص (٤/ ٥١٥): قال أبو حاتم: عبيدة منكر الحديث، وقال الدارقطني في «العلل»: الأصح وقفه، وقال العقيلي: لا يعرف إلا بعلي بن ظبيان، وهو منكر الحديث، وقال أبو زرعة:
[ ٣ / ١١٣٠ ]
«الموطأ»: «الأمر المجتمع عليه عندنا في المدبر أن صاحبه لا يبيعه ولا يحوله عن موضعه الذي وضعه فيه» (^١).
(وله خدمته)؛ بمعنى: استخدامه لأنه سيده إلى أن يموت ولأن الذين وقع منهم التدبير في حياة النبي ﷺ استمر مدبروهم على خدمتهم وبعلم من النبي ﷺ وإقراره (وله) أيضا (انتزاع ماله ما لم يمرض) السيد مرضا مخوفا فليس له ذلك لأنه ينتزع لغيره (وله) أيضا (وطؤها إن كانت أمة) لأنها على أصل الإباحة فإن حملت كانت أم ولد تعتق من رأس ماله بعد موته.
(ولا يطأ) الأمة (المعتقة إلى أجل) مثل أن يقول لها: اخدميني سنة وأنت حرة لأنه قد يجيء الأجل قبل موته فتخرج حرة فإذا وطئها ربما حملت فلا تخرج حرة إلا بعد موته، وأيضا فإن نكاحها في هذه الحالة يشبه نكاح المتعة (و) كما أنه لا يطأ الأمة المعتقة إلى أجل (لا يبيعها) ولا يهبها ولا يتصدق بها لأن فيها عقدا من عقود الحرية، (وله) أيضا (أن يستخدمها في بيته) لبقائها على ملكه حتى ينقضي الأجل، (وله) أيضا أن (ينتزع مالها) الذي أفادته بهبة مثلا وهذا مقيد ب (ما) إذا لم يقرب الأجل ولا حد في القرب إلا ما يقال قريب.
(وإذا مات) الرجل المدبر (ف) العبد (المدبر) في الصحة يخرج (من ثلثه)؛ أي: من ثلث مال السيد مطلقا، أعني من مال علم به ومال لم يعلم به. والمدبر في المرض يخرج من ثلث مال علم به فقط.
(و) أما (المعتق إلى أجل) فإنه يخالف المدبر فيخرج (من رأس ماله).
أحكام المكاتب
ثم شرع يتكلم على المكاتب فقال:
(والمكاتب عبد ما بقي عليه شيء؛ والكتابة جائزة على ما
_________________
(١) = الموقوف أصح، وقال ابن القطان: المرفوع ضعيف وقال البيهقي: الصحيح موقوف كما رواه الشافعي، قال الألباني: «موضوع». انظر: حديث رقم (٥٩١٩) في ضعيف الجامع.
(٢) الاستذكار (٧/ ٤٤٧)
[ ٣ / ١١٣١ ]
رضيه العبد والسيد من المال منجما قلت النجوم أو كثرت.
فإن عجز رجع رقيقا. وحل له ما أخذ منه.
ولا يعجزه إلا السلطان بعد التلوم إذا امتنع من التعجيز.
وكل ذات رحم فولدها بمنزلتها من مكاتبة أو مدبرة أو معتقة إلى أجل أو مرهونة.
وولد أم الولد من غير السيد بمنزلتها.
ومال العبد له إلا أن ينتزعه السيد فإن أعتقه أو كاتبه ولم يستثن ماله فليس له أن ينتزعه وليس له وطء مكاتبته. وما حدث للمكاتب والمكاتبة من ولد دخل معهما في الكتابة وعتق بعثقهما.
وتجوز كتابة الجماعة ولا يعتقون إلا بأداء الجميع.
وليس للمكاتب عتق ولا إتلاف ماله حتى يعتق ولا يتزوج.
ولا يسافر السفر البعيد بغير إذن سيده.
وإذا مات وله ولد قام مقامه وأدى من ماله ما بقي عليه حالا وورث من معه من ولده ما بقي وإن لم يكن في المال وفاء فإن ولده يسعون فيه ويؤدون نجوما إن كانوا كبارا وإن كانوا صغارا وليس في المال قدر النجوم إلى بلوغهم السعي رقوا وإن لم يكن له ولد معه في كتابته ورثه سيده.
الشرح
الكتابة: اسم مصدر؛ بمعنى: المكاتبة، قال الأزهري: «المكاتبة لفظة وضعت لعتق على مال منجم إلى أوقات معلومة يحل كل نجم لوقته المعلوم؛ وأصلها من الكتب الجمع لأنها تجمع نجوما إذا ابتغاها من سيده - أي طلبها» (^١).
_________________
(١) المطلع على المقنع (٣١٦).
[ ٣ / ١١٣٢ ]
(والمكاتب عبد ما بقي عليه شيء) من كتابته ولو قل لما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ عن النبي ﷺ قال: «المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم» (^١).
وكان حقه أن يؤخر هذه المسألة عن قوله: (والكتابة) وهي إعتاق العبد على مال منجم (جائزة) بدون مخالف في جوازها (على ما رضيه العبد والسيد من المال) دل على مشروعيتها الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمنكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾ [النور: ٣٣]، ومن السنة حديث عائشة ﵂ مع بريرة وقصتها معروفة وفيها فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق … كما عند الشيخين (^٢).
وتكون الكتابة بلفظ يفهم منه ذلك المعنى، وهو إعتاق العبد على مال نحو: كاتبتك أو أنت مكاتب أو أنت معتق على كذا.
وشرطه أن يكون منجما وإليه أشار بقوله: (منجما) والتنجيم التقدير وهو أن يقول له: تعطيني في كل شهر، أو في كل سنة كذا على ما تراضيا عليه (قلت النجوم أو كثرت) وفي الجواهر عن الأستاذ أبي بكر أنه قال: وعلماؤنا النظار؛ أي: الحفاظ يقولون: إن الكتابة الحالة جائزة، وهو القياس قائل ذلك يقول: إنها كالبيع تقبل الحلول والتأجيل (فإن عجز) المكاتب عن العوض (رجع رقيقا) ولا يعتق منه شيء لفقدانه شرط العتق، وقد روى ابن وهب عن جابر بن عبد الله ﵁ في المكاتب يعجز أيرد عبدا؟، قال: «السيده الشرط الذي اشترط عليه» (^٣)، (وحل له)؛ أي: لسيد المكاتب إذا عجز (ما أخذ منه) لأنه عبده، أما إن أعانه أحد ثم عجز فإنه يرجع بذلك على السيد (ولا يعجزه إلا السلطان بعد التلوم إذا امتنع من التعجيز)؛ أي: مع سيده.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٩٢٧)، والترمذي (١٢٦٠)، وابن ماجه (٢٥١٩)، وصححه الألباني كما في إرواء الغليل (٦/ ١١٩).
(٢) الموطأ (١٤٧٧)، والبخاري (٢٠٦٠)، ومسلم (٣٨٥١).
(٣) الآثار في المدونة (٤/ ٧/ ٢٣٥).
[ ٣ / ١١٣٣ ]
(وكل ذات رحم)؛ أي: صاحبة ولد من الآدميات (فولدها بمنزلتها) إذا كان من زوج أو زنى. أما إن كان من السيد فهو حر بلا خلاف إذا كان السيد حرا، وإن كان عبدا فهو عبد بمنزلتها في جميع أحكامها من العتق والخدمة والبيع وغير ذلك (من مكاتبة أو مدبرة أو معتقة إلى أجل أو مرهونة وولد أم الولد من غير السيد) بعد صيرورتها أم ولد فهو (بمنزلتها) بلا خلاف في المذهب أما ولدها من غير السيد قبل صيرورتها أم ولد فرقيق.
(ومال العبد له إلا أن ينتزعه السيد) لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «من أعتق عبدا، وله مال فمال العبد له، إلا أن يشترطه السيد» (^١)؛ والمشهور أنه لا يزكي ماله.
(فإن أعتقه أو كاتبه ولم يستثن ماله فليس له أن ينتزعه) اتفاقا إن اكتسبه بعد الكتابة، وعلى المذهب إن اكتسبه قبل عقد الكتابة.
(وليس له)؛ أي: لا يجوز للسيد وطء مكاتبته لأنها أحرزت نفسها ومالها، فإن وطئ لا حد عليه على المشهور، ويعاقب إلا أن يعذر بجهل؛ أي: أو غلط ولا مهر عليه، وإذا كانت بكرا أو أكرهها فعليه نقصها وإلا فلا. قال في «الجواهر» (^٢): فإن حملت خيرت في التعجيز فتكون أم ولد والبقاء على كتابتها فإن اختارت التعجيز كانت أم ولد وإن اختارت البقاء على كتابتها كانت مستولدة ومكاتبة، ثم إن أدت النجوم عتقت وإلا عتقت بموت السيد.
(وما حدث للمكاتب والمكاتبة من ولد) بعد عقد الكتابة (دخل معهما في الكتابة وعتق بعتقهما، وتجوز كتابة الجماعة ولا يعتقون إلا بأداء الجميع) للعمل حكاه مالك في «الموطأ» (^٣) فقال: الأمر المجتمع عليه عندنا أن العبيد إذا كوتبوا جميعا كتابة واحدة، فإن بعضهم حملاء عن بعض، وأنه لا يوضع عنهم لموت أحدهم شيء وإن قال أحدهم: قد عجزت وألقى بيديه فإن
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٦٩٣)، وابن ماجه (٢٥٢٩).
(٢) الجواهر لابن شاس (،،).
(٣) شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ١٣٣).
[ ٣ / ١١٣٤ ]
لأصحابه أن يستعملوه فيما يطيق من العمل، ويتعاونون في ذلك في كتاباتهم حتى يعتق بعتقهم إن عتقوا ويرق برقهم إن رقوا اه. في عقد واحد إذا كان المالك واحد وتوزع على قدر قوتهم على الأداء يوم عقد الكتابة.
(وليس)؛ أي: لا يجوز (للمكاتب عتق ولا إتلاف ماله) بغير عوض فيما له بال كالهبة والصدقة (حتى يعتق)؛ لأن ذلك الضرر لسيده وربما أدى ذلك إلى عجزه (و) كذلك (لا يتزوج)؛ أي: لا يجوز له ذلك لئلا يعيبه إن عجز (ولا يسافر)؛ أي: ولا يجوز له أن يسافر (السفر البعيد) الذي تحل فيه نجومه قبل قدومه (بغير إذن سيده) لأنه رق ما بقي من كتابته درهم كما تقدم في حديث عمرو بن شعيب وغيره، وليس للرق ملك ولا تصرف تام إلا بإذن سيده، قال الأقفهسي: الضمير في قوله: بغير إذن سيده يعود على التزويج والسفر خاصة وظاهره أنه لو أذن له السيد جاز وهو كذلك.
(وإذا مات) المكاتب (وله ولد) دخل معه في الكتابة، أو حدث بعدها (قام) ولده (مقامه) في أداء الكتابة إلا أنه لا يؤدي ذلك منجما بل حالا. وإليه أشار بقوله: (وودى من ماله)؛ أي: من مال الميت (ما بقي عليه حالا) إذا ترك قدر ما عليه فأكثر لأنه بموته حلت نجومه لخراب ذمته بالموت كسائر الديون المؤجلة تحل بموت من هي عليه، وورث من معه من ولده ما بقي فإن لم يكن في المال وفاء بها؛ أي: بالكتابة (فإن ولده يسعون)؛ أي: يعملون فيه (ويؤدون نجوما) على تنجيم الميت (إن كانوا كبارا) لهم قدرة على السعي وأمانة على المال، وإلا أعطي المال لأمين يؤدي عنهم.
(وإن كانوا)؛ أي: أولاد المكاتب (صغارا وليس في المال قدر النجوم إلى بلوغهم السعي رقوا) مفهومه أنه لو كان فيه ما يبلغهم السعي لم يرقوا، ويوضع ذلك على يد أمين ويعطى للسيد على قدر النجوم (وإن) مات المكاتب و(لم يكن له ولد معه في كتابته وليس في ماله وفاء ورثه سيده)؛ يعني: بالرق لا بالولاء لكونه مات رقيقا.
[ ٣ / ١١٣٥ ]
• أحكام الاستمتاع بالأمة وما يترتب على ذلك من سيدها:
انتقل يتكلم على أم الولد وهي في العرف الأمة التي ولدت من سيدها فقال:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن أولد أمة فله أن يستمتع منها في حياته وتعتق من رأس ماله بعد مماته ولا يجوز بيعها ولا له عليها خدمة ولا غلة.
وله ذلك في ولدها من غيره وهو بمنزلة أمه في العتق يعتق بعثقها.
وكل ما أسقطته مما يعلم أنه ولد فهي به أم ولد.
ولا ينفعه العزل إذا أنكر ولدها وأقر بالوطء فإن ادعى استبراء لم يطأ بعده لم يلحق به ما جاء من ولد).
الشرح
(ومن أولد أمة ف يباح له أن يستمتع منها في حياته بالوطء ودواعيه لقوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمنهم فإنهم غير ملومين﴾ [المؤمنون: ٦] وتسرى رسول الله ﷺ بمارية القبطية ﵄. وتعتق من رأس ماله بعد مماته) من غير حكم حاكم، ولا يرقها دين كان قبل حملها أو بعده، (ولا يجوز بيعها) لحديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «أيما رجل ولدت أمته منه، فهي معتقة عن دبر منه» (^١)، وحديث ابن عمر ﵄ «عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع أمهات الأولاد وقال: لا يبعن ولا يوهبن ولا يورثن يستمتع بها السيد ما دام حيا وإذا مات فهي حرة» (^٢) (ولا له عليها خدمة) كثيرة، وأما اليسيرة فله أن يستخدمها فيها كالطحن والسقي ولا غلة فلا يؤجرها من غيره (وله ذلك)؛
_________________
(١) أحمد (٢٧٥٩)، وابن ماجه (٢٦١١)، والبيهقي (٢٢٣٠٧)، وضعفه الألباني.
(٢) الدارقطني (٤/ ١٣٤) (٣٤)، وابن عدي في «الكامل» (٤/ ١٧٧)، وصحح موقوفا على عمره ﵁.
[ ٣ / ١١٣٦ ]
أي: ما ذكر من الغلة والخدمة (في ولدها من غيره) فيؤاجره من غيره (وهو)؛ أي: ولد أم الولد من غيره (وهو بمنزلة أمه في العتق يعتق بعتقها) هذا إذا مات السيد وهي حية فإن ماتت قبله فلا يعتق أولادها حتى يموت السيد.
(وكل ما أسقطته مما يعلم أنه ولد فهي به أم ولد) مضغة أو علقة وكذلك الدم المنعقد على المشهور (ولا ينفعه)؛ أي: السيد (العزل) وهو الإنزال خارج الفرج؛ أي: لا ينفعه ادعاء العزل عن الأمة (إذا أنكر ولدها) أن يكون منه (و) الحال أنه أقر بالوطء لأن الماء قد يغلبه ولو اليسير منه لما روى مالك أن عمر ﵁ قال: «ما بال رجال يطؤون ولائدهم ثم يعتزلوهن، لا تأتيني أم ولدها يعترف سيدها أنه قد ألم بها، إلا ألحقت به ولدها فأرسلوهن بعد أو أمسكوهن» (^١)، فإن ادعى السيد (استبراء) بحيضة فأكثر لم يطأ بعده لم يلحق به ما جاء من ولد بعدها على المشهور، ولا يلزمه في ذلك يمين.
أحكام في العتق
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ولا يجوز عتق من أحاط الدين بماله.
ومن أعتق بعض عبده استتم عليه.
وإن كان لغيره معه فيه شركة قوم عليه نصيب شريكه بقيمته يوم يقام عليه وعتق.
فإن لم يوجد له مال بقي سهم الشريك رقيقا.
ومن مثل بعبده مثلة بينة من قطع جارحة ونحوه عتق عليه. ومن ملك أبويه أو أحدا من ولده أو ولد ولده أو ولد بناته أو جده أو جدته أو أخاه لأم أو لأب أو لهما جميعا عتق عليه.
_________________
(١) الموطأ (١٤٢٢).
[ ٣ / ١١٣٧ ]
ومن أعتق حاملا كان جنينها حرا معها.
ولا يعتق في الرقاب الواجبة من فيه معنى من عتق بتدبير أو كتابة أو غيرهما ولا أعمى ولا أقطع اليد وشبهه ولا من على غير الإسلام.
ولا يجوز عتق الصبي ولا المولى عليه.
والولاء لمن أعتق.
ولا يجوز بيعه ولا هبته ومن أعتق عبدا عن رجل فالولاء للرجل.
ولا يكون الولاء لمن أسلم على يديه وهو للمسلمين.
وولاء ما أعتقت المرأة لها، وولاء من يجر من ولد أو عبد أعتقته.
ولا ترث ما أعتق غيرها من أب أو ابن أو زوج أو غيره. وميراث السائبة لجماعة المسلمين.
والولاء للأقعد من عصبة الميت الأول فإن ترك ابنين فورنا ولاء مولى لأبيهما ثم مات أحدهما وترك ابنين رجع الولاء إلى أخيه دون بنيه.
وإن مات واحد منهما وترك ولدا ومات أخوه وترك ولدين فالولاء بين الثلاثة أثلاثا).
الشرح
العتق - لغة -: بكسر العين، وسكون القاف، قال الأزهري: هو مشتق من قولهم: عتق الفرس إذا سبق ونجا، وعتق الفرخ طار واستقل، لأن العبد يتخلص بالعتق ويذهب حيث شاء (^١).
وشرعا: قال ابن عرفة: «رفع ملك حقيقي لا بسباء محرم عن آدمي حي»؛ أي: تحرير الرقبة المملوكة بسبب الكفر وتخليصها من الرق، وتثبيت الحرية لها، فقوله: لا بسباء محرم ليخرج به فداء المسلم من حربي سباه وكذلك لمن صار له من حربي.
_________________
(١) انظر: شرح مسلم للنووي (١٠/ ١٣٥)، والمطلع (٣١٤)،
[ ٣ / ١١٣٨ ]
والأصل فيه، الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.
فأما الكتاب، فمثل قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾ [٩٢: النساء]
وأما السنة، فكثيرة جدا، ومنها عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: «من أعتق رقبة مسلمة، أعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار، حتى فرجه بفرجه» (^١). وفي لفظ أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار حتى فرجه بفرجه. وهو من أعظم القربات، وقد أجمعت الأمة على صحة العتق وحصول القربة به.
وله ثلاثة أركان أولها: المعتق بكسر التاء: وهو البالغ العاقل الذي لا حجر عليه ولم يحط الدين بماله.
(ولا يجوز عتق الصبي ولا المجنون ولا المحجور عليه ولا من أحاط الدين بماله كان الدين حالا أو مؤجلا لأنه حينئذ تصرف في ملك الغير، فكأنه يعتق مال الغرماء، وللعمل حكاه مالك في «الموطأ» فقال: «الأمر المجتمع عليه عندنا أنه لا تجوز عتاقة رجل وعليه دين يحيط بماله، وأنه لا تجوز عتاقة الغلام حتى يحتلم أو يبلغ مبلغ المحتلم، وأنه لا يجوز عتاقة المولى عليه في ماله، وإن بلغ الحلم حتى يلي ماله» (^٢) اه.
ثانيها: المعتق بفتح التاء وهو كل رقيق قن أو من فيه شائبة من شوائب الحرية كالمدبر (^٣). وثالثها: الصيغة وهي كل ما دل وضعا على رفع الملك كأنت حر.
وإن لم يكن موسرا - بحيث لا يملك قيمة نصيب صاحبه فلا إضرار على صاحبه، فيعتق نصيبه فقط، ويبقى نصيب شريكه رقيقا كما كان، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: (ومن أعتق بعض عبده) كالربع أو الثلث أو
_________________
(١) وأخرجه أحمد (٤/ ١١٣) (١٧١٤٩)، والبخاري (٢٣٨١، ٦٣٣٧)، واللفظ له، ومسلم (٣٨٧٠)، والنسائي في «الكبرى» (٤٨٦٨).
(٢) شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ١٠٥).
(٣) وقد ذكرنا أنواع الرق في باب الفرائض والمواريث فلينظر هناك.
[ ٣ / ١١٣٩ ]
النصف (استتم)؛ أي: عتق (عليه) جميعه بالحكم لا بعتق البعض إذا كان المعتق مسلما عاقلا رشيدا لا دين عليه، هذا إذا كان العبد لمالك واحد لقوله: (وإن كان لغيره معه فيه شركة قوم عليه)؛ أي: على من أعتق البعض (نصيب شريكه بقيمته يوم يقام عليه وعتق) القيمة معتبرة يوم الحكم فقول المصنف يوم يقام عليه؛ أي: إن وقع الحكم فيه وحينئذ يكون العتق مستندا للحكم به لا بالسراية لعتق البعض. ومحله إذا كان موسرا بما يحمل نصيب شريكه يوم الحكم (فإن) كان غير موسر يوم الحكم بأن (لم يوجد له مال بقي سهم الشريك رقيقا) إلا أن يعتقه ربه وإن وجد له من المال ما يفي ببعض حصة شريكه قوم عليه بقدر ما يوجد معه. لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من أعتق شركا له في عبد - فكان له ما يبلغ ثمن العبد - قوم عليه قيمة عدل فأعطي شركاؤه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق» (^١).
(ومن مثل بعبده مثلة) بضم الميم وسكون المثلثة (بينة من قطع جارحة) كيد أو رجل وكخصاء أوجب ولو قصد استزادة الثمن لتعذيبه بذلك (ونحوه)؛ أي: نحو قطع الجارحة كفقء العين أو وسم وجهه وغيره بالنار (عتق إليه) من رأس ماله، لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن زنباعا أبا روح وجد غلاما له مع جارية له، فجدع أنفه وجبه، فأتى النبي ﷺ، فقال: «من فعل هذا بك؟» قال: زنباع، فدعاه النبي ﷺ، فقال: «ما حملك على هذا؟» فقال: كان من أمره كذا وكذا، فقال النبي ﷺ للعبد: «اذهب فأنت حر»، فقال: يا رسول الله، فمولى من أنا؟ قال: «مولى الله ورسوله» فأوصى به المسلمين (^٢) …، وظاهر كلامه أن العتق يحصل بنفس المثلة، وهو لأشهب. والذي لابن القاسم: لا يعتق إلا بالحكم.
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢٢٤٠)، وأحمد (١/ ٥٦) (٣٩٧) و(٢/ ١١٢) (٥٩٢٠)، والبخاري (٣/ ١٨٢) (٢٤٩١)، ومسلم (٤/ ٢١٢) (٣٧٦٣) و(٥/ ٩٥) (٤٣٣٨).
(٢) إسناده حسن: أخرجه أحمد (٢/ ١٨٢) (٦٧١٠)، وأبو داود (٤٥١٩)، وابن ماجه (٢٦٨٠)، وإرواء الغليل (٦/ ١٦٨).
[ ٣ / ١١٤٠ ]
(ومن ملك أبويه) نسبا لا رضاعا (أو أحدا من ولده، أو ولد ولده، أو ولد بناته، أو جده، أو جدته، أو أخاه لأم، أو لأب، أو لهما جميعا، عتق عليه) لحديث سمرة أن النبي ﷺ قال: «من ملك ذا رحم محرم فهو حر» (^١)، وكل من ذكر بنفس الملك ولا يحتاج إلى حكم على المشهور، بشرط أن لا يكون عليه دين يستغرق قيمته، فإن كان عليه دين يستغرق قيمته فإنه لا يعتق عليه بذلك ولا يرد البيع ولا يستقر ملكه عليه بل يباع عليه للدين.
(ومن أعتق) أمة (حاملا) من تزويج أو زنى (كان جنينها حرا معها) لأن كل ولد حدث من غير ملك يمين من تزويج أو زنى فإنه تابع لأمه في الحرية والعبودية. وهذه المسألة مكررة مع قوله: وكل ذات رحم فولدها بمنزلتها.
(ولا يعتق في الرقاب الواجبة) ككفارة القتل (من فيه معنى من عتق بتدبير، أو كتابة أو غيرهما) كأم ولد أو معتق لأجل أو مبعض لنقصان الرقبة بما تشبثت به من عقد الحرية. (و) ذلك (لا) يعتق في الرقاب الواجبة (أعمى ولا أقطع اليد وشبهه)؛ أي: شبه الأقطع نقصان الرقبة بالعيب.
(ولا) يعتق فيها أيضا (من هو على غير الإسلام) لقوله تعالى: في العتق ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾ [النساء: ٩٢]، فنص في كفارة القتل على رقبة مؤمنة، وقيس عليها سائر الكفارات ولحديث: «أعتقها، فإنها مؤمنة» (^٢).
(ولا يجوز عتق الصبي) لأنه ليس من أهل التكليف لحديث: «رفع القلم …» الحديث، (ولا) عتق (المولى عليه) وهو السفيه الذي يضع المال في غير موضعه، لأن الحر إن كان سفيها وجب حجر ماله فكيف بالمولى عليه.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ١٥) (٢٠٤٢٩) و(٥/ ١٨) (٢٠٤٦٨)، واللفظ له، وأبو داود (٣٩٤٩)، والترمذي (١٣٦٥)، والنسائي في «الكبرى» (٤٨٧٨).
(٢) البخاري في «خلق أفعال العباد» (٢٦)، وفي جزء القراءة خلف الإمام (٦٩)، ومسلم (٢/ ٧٠) (١١٣٦) و(٧/ ٣٥) (٥٨٧٣)، وأبو داود (٩٣٠).
[ ٣ / ١١٤١ ]
(والولاء) بفتح الواو ممدودا (لمن أعتق) كما في حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال في قصة بريرة: «إنما الولاء لمن أعتق» (^١)، (ولا يجوز بيعه ولا هبته) لحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ: «نهى عن بيع الولاء، وعن هبته» (^٢)، (ومن أعتق عبدا عن رجل) مثلا (فالولاء للرجل) المعتق عنه إذا كان حرا. لأنهم أجمعوا على أن من وكل رجلا عنه في عتق عبده فالولاء للموكل لا للوكيل الذي تولى فعل الإعتاق فهذا مثله لأنه إذا أعتق عنه فكأنه ملكه إياه ثم ناب عنه في عتقه (و) إذا أسلم كافر على يد مسلم فإنه (لا يكون الولاء) عليه (لمن أسلم على يده، و) إنما هو لجماعة المسلمين وولاء ما أعتقت المرأة لها وكذلك لها ولاء من يجر ولاءه لها من ولد أو عبد أعتقته لأنها لما كانت هي المعتقة أولا، أضاف لها ذلك إقامة للمتسبب مقام المباشر.
(ولا ترث) المرأة من الولاء (ما أعتق غيرها من أب أو ابن أو زوج أو غيره) لأن الولاء إنما يورث بالتعصيب والنساء لا حظ لهن فيه.
لما في حديث ابن مسعود وزيد بن ثابت ﵃: «أنهم كانوا يجعلون الولاء للكبير من العصبة، ولا يورثون النساء من الولاء إلا ما أعتقن، أو أعتق من أعتقن» (^٣)، (وميراث السائبة لجماعة المسلمين) والمراد بها هنا أن يقول لعبده: أنت حر مسيب أو أنت سائبة، ويريد بذلك العتق. كما روي ذلك عن عمر وابن عمر وابن عباس وقال مالك في «الموطأ»: «إن أحسن ما سمع في السائبة أنه لا يوالي أحدا، وأن ميراثه للمسلمين، وعقله عليهم» (^٤). (والولاء للأقعد)؛ أي: الأقرب من عصبة الميت الأول الأولى المباشر للعتق؛ يعني: المعتق الأول لما تقدم عن علي وابن مسعود وزيد بن ثابت ﵃ لنا كانوا يجعلون الولاء للكبير.
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) الموطأ كما في شرح الزرقاني (٤/ ١٢٠)، ورواه مسلم (٣٨٦١)، وقال: الناس كلهم عيال على عبد الله بن دينار في هذا الحديث.
(٣) السنن الكبرى للبيهقي (٢٢٠٣٣).
(٤) شرح الزرقاني (٤/ ١٢٥).
[ ٣ / ١١٤٢ ]
(فإن) مات المعتق، (وترك ابنين فورثا ولاء مولى لأبيهما، ثم مات أحدهما وترك ابنين رجع الولاء إلى أخيه دون بنيه) أطلق الإرث هنا على الولاء وهو لا يورث لأنه سببه، وإلا فالولاء لا يورث وإنما يورث به. (وإن مات واحد) من الابنين المذكورين (وترك ولدا أو مات) بعد ذلك (أخوه، و) الحال أنه (ترك ولدين فالولاء بين الثلاثة أثلاثا) لتساويهم في القرب من الميت المعتق، وفي «الموطأ» أن العاص بن هشام هلك وترك ثلاث بنين: اثنان لأم، ورجل لعلة (^١)، فهلك أحد الذين لأم وترك مالا وموالي فورثه أخوه الذي لأبيه وأمه ماله وولاء مواليه، ثم هلك الذي ورث المال وولاء الموالي، وقال أخوه: ليس كذلك إنما أحرزت المال وأما ولاء الموالي فلا، أرأيت لو هلك أخي اليوم ألست أرثه أنا، فاختصما إلى عثمان بن عفان ﵁ فقضى لأخيه بولاء الموالي» (^٢).
_________________
(١) العلات: هم أبناء الأب الواحد وأمهاتهم شتى.
(٢) شرح الزرقاني (٤/ ١٢٣).
[ ٣ / ١١٤٣ ]
الشفعة، والهبة، والصدقة، والحبس والرهن، والعارية، والوديعة، واللقطة، والغصب
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(باب في الشفعة والهبة والصدقة والحبس والرهن والعارية والوديعة واللقطة والغصب) فهذه تسعة أشياء ذكرها في الباب كما ذكرها في الترجمة.
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وإنما الشفعة في المشاع ولا شفعة فيما قد قسم ولا لجار.
ولا في طريق ولا عرصة دار قد قسمت بيوتها.
ولا في فحل نخل أو بئر إذا قسمت النخل أو الأرض.
ولا شفعة إلا في الأرض وما يتصل بها من البناء والشجر.
ولا شفعة للحاضر بعد السنة والغائب على شفعته وإن طالت غيبته.
وعهدة الشفيع على المشتري ويوقف الشفيع فإما أخذ أو ترك. ولا توهب الشفعة ولا تباع، وتقسم بين الشركاء بقدر الأنصباء).
الشفعة
الشرح
أما الشفعة: فبضم الشين وسكون الفاء مأخوذة من الشفع ضد الوتر لأن الشفيع يضم الحصة التي يأخذها إلى حصته فتصير حصته حصتين.
وعرفها ابن الحاجب بأنها: أخذ الشريك حصة شريكه جبرا شراء، فخرج بإضافته إلى الشريك الجار، فإنه لا شفعة له عندنا، وبالجبر ما يأخذه
[ ٣ / ١١٤٤ ]
بالشراء الاختياري، وهي رخصة أرخص فيها دفعا لضرر الشريك (^١).
وأركانها أربعة:
١ - الآخذ بالمد وهو الشافع،
٢ - والمأخوذ منه وهو المشتري،
٣ - والشيء المأخوذ وهو الشقص المبتاع،
٤ - والمأخوذ به وهو الثمن أو قيمة الشقص إذا أخذ في صلح عن دم عمد أو في صداق (^٢).
وهي ثابتة بالسنة، لحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: «جعل (^٣) (وفي لفظ: قضى) النبي ﷺ بالشفعة في كل مال لم يقسم. فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة» (^٤).
وأخذ من هذا الحديث حكمان:
١ - وجوب الشفعة للشريك دون الجار لأنه حكم في الحديث بأنه لا شفعة بعد القسمة، وهو بعد القسمة جار، فالجار لا شفعة له.
٢ - ووجوبها في الرباع دون العروض.
وإلى هذا أشار بقوله: (وإنما الشفعة في المشاع)؛ يعني: الأرض وما يتصل بها من البناء والشجر، لحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الشفعة في كل شرك، في أرض، أو ربع، أو حائط، لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه، فيأخذ أو يدع، فإن أبى، فشريكه أحق به حتى يؤذنه» (^٥)، قال الفاكهاني: الحكمة في ثبوت الشفعة إزالة الضرر عن الشريك، وخصت بالعقار لأنه أكثر الأنواع ضررا، واتفقوا على أنه لا شفعة في الحيوان والثياب والأمتعة وسائر المنقولات (^٦)، ويشترط فيما فيه الشفعة أن يكون قابلا للقسمة.
_________________
(١) التوضيح على جامع الأمهات (٦/ ٥٦١)، وانظر: الشامل (٢/ ٧٤٦).
(٢) الفواكه الدواني (٢/ ١٥٠).
(٣) أخرجه ابن الجوزي في تحقيقه عن طريق أبي سلمة عن جابر بلفظ: «إنما جعل» وقال: انفرد، بإخراجه البخاري، ثم أخرجه عن أبي الزبير عن جابر بلفظ: «قضى».
(٤) أخرجه مالك «الموطأ» ٢٠٧٩، والبخاري (٢٢١٣).
(٥) رواه مسلم (١٦٠٨).
(٦) القبس لابن العربي (٢/ ٨٥٥ - ٨٥٦)، وشرح الزرقاني على الموطأ (٣/ ٤٧٦).
[ ٣ / ١١٤٥ ]
احترازا عما لا يقبلها إلا بفساد كالحمام (^١).
(ولا شفعة فيما قد قسم) لأن الشفعة شرعت إما لضرر القسمة أو لضرر الشركة، وذلك غير موجود في المقسوم، فلذلك لم تجب فيه شفعة.
لحديث جابر ﵁ المتقدم.
(ولا) شفعة (لجار) باتفاق الأئمة الثلاثة، وخالف أبو حنيفة فأثبت له الشفعة (^٢)، لكن الشريك مقدم عنده على الجار، (ولا) شفعة (في طريق) خاص بين الشركاء إلى الدار أو إلى الجنان، وأما الطريق العام فلا يجوز بيعه، (ولا في عرصة دار قد قسمت بيوتها) العرصة هي الموضع الخالي من البناء، وسميت بذلك لأن الصبيان يتعرصون فيها؛ أي: يتفسحون ويلعبون (^٣)، وأما إذا كان الأصل غير مقسوم وباع أحد الشريكين حصته من الأصل والطريق فلشريكه الشفعة في الأصل والطريق باتفاق.
(و) كذا (لا) شفعة (في فحل)؛ أي: ذكر (نخل أو في بئر إذا قسمت النخل والأرض) فلو جوزت الشفعة في ذلك لصار مع الشريك الفحل كله وبقي المشتري من غير فحل، لأن الشفعة إنما هي في الذي فيه الشركة الذي هو الفحل فقط. وقوله: أو بئر فيما إذا قسمت الأرض وبقيت البئر بلا قسم. وقوله: (ولا شفعة إلا في الأرض وما يتصل بها من البناء والشجر) تكرار مع قوله: وإنما الشفعة في المشاع، وتسقط الشفعة بأحد أمور ثلاثة:
أحدها: الترك بصريح اللفظ كقوله: أسقطت شفعتي.
ثانيها: ما يدل على الترك كرؤيته للمشتري يبني ويغرس وهو ساكت.
ثالثها: ما أشار إليه الشيخ بقوله: (ولا شفعة للحاضر)؛ يعني: في البلد دون العقد (بعد السنة) (^٤) أما إذا حضر العقد وسكت عن طلب الشفعة شهرين
_________________
(١) القبس (٢/ ٨٥٦)، والتوضيح (٦/ ٥٧٢)، وانظر: الكافي (٢/ ٨٥٢)، والجامع لأحكام القرآن (٥/ ٤٧).
(٢) بداية المجتهد (٢/ ٢٥٦).
(٣) وفي القاموس «عرص»: العرصة: كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء.
(٤) التوضيح (٦/ ٥٧٨). والقبس (٢/ ٨٥٩ - ٨٦٠)، وانظر: في التوضيح فائدة جليلة في =
[ ٣ / ١١٤٦ ]
فإن ذلك يسقط شفعته، (و) أما (الغائب) غيبة بعيدة فإنه (على شفعته وإن طالت غيبته) إذا كانت غيبته قبل وجود الشفعة له علم بالبيع أو لم يعلم، وليس للبعد والقرب حد على الصحيح واستدل لهذا بما رواه أصحاب السنن بإسناد صحيح عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا» (^١). قال ابن رشد: واختلف قوله في هذا الوقت، هل هو محدود أم لا؟ فمرة قال: هو غير محدود، وإنها لا تنقطع أبدا إلا أن يحدث المبتاع بناء أو تغيرا كثيرا بمعرفته وهو حاضر عالم ساكت. ومرة حدد هذا الوقت، فروي عنه السنة، وهو الأشهر، وقيل أكثر من سنة. وقد قيل عنه: إن الخمسة أعوام لا تنقطع فيها الشفعة (^٢).
(وعهدة الشفيع على المشتري) قال الفاكهاني: إن استحقها أحد من يد الشفيع فإنه يأخذها من غير أن يدفع فيها شيئا ويرجع الشفيع على المشتري بما أعطاه ويرجع المشتري على البائع بالثمن، (ويوقف الشفيع فإما أخذ أو ترك)؛ يعني: أن للمشتري أن يقوم على الشفيع ويلزمه بالترك أو الأخذ بالثمن الذي اشترى به إن كان مما له مثل، أو قيمته إن كان من ذوات القيم، فإن امتثل أحد الأمرين فلا كلام وإلا رفعه للحاكم، وإذا طلب التأخير ليختار أو ليأتي بالثمن أخر ثلاثة أيام.
(ولا توهب الشفعة ولا تباع)؛ يعني: لا يجوز للشفيع أن يهب أو يبيع ما وجب له من الشفعة. وصورة ذلك أن يقول زيد الذي قد وجبت له الشفعة لعمرو الذي لا شفعة له: قد وهبتك شفعتي التي قد وجبت لي عند خالد، أو
_________________
(١) = مسائل في المذهب حدت بسنة (٦/ ٥٨٠).
(٢) أبو داود (٣٥١٨)، والترمذي (١٣٦٩)، قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن غريب قال الحافظ في البلوغ: ورجاله ثقات، قال الصنعاني في سبل السلام (٣/ ٧٥): أحسن المصنف بتوثيق رجاله وعدم إعلاله وإلا فإنهم قد تكلموا في هذه الرواية بأنه انفرد بزيادة قوله: «إذا كان طريقهما واحدا» عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، وصححه الألباني، انظر: حديث رقم (٣١٠٣) في صحيح الجامع.
(٣) بداية المجتهد لابن رشد (٤/ ٥٤)، ط: دار المعرفة.
[ ٣ / ١١٤٧ ]
اشترها مني بكذا، لأن الشفعة إنما جعلت للشريك لأجل إزالة الضرر عنه بأن يدخل عليه من لا يعرف شركته ولا معاملته.
الهبة والصدقة والحبس
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ولا تتم هبة ولا صدقة ولا حبس إلا بالحيازة.
فإن مات قبل أن تحاز عنه فهي ميرات.
إلا أن يكون ذلك في المرض فذلك نافذ من الثلث إن كان لغير
والهبة لصلة الرحم أو لفقير كالصدقة لا رجوع فيها، ومن تصدق على ولده فلا رجوع له.
وله أن يعتصر ما وهب لولده الصغير أو الكبير ما لم ينكح لذلك أو يداين أو يحدث في الهبة حدثا.
والأم تعتصر ما دام الأب حيا فإذا مات لم تعتصر، ولا يعتصر من يتيم واليتم من قبل الأب.
وما وهبه لابنه الصغير فحيازته له جائزة إذا لم يسكن ذلك أو يلبسه إن كان ثوبا وإنما يجوز له ما يعرف بعينه.
وأما الكبير فلا تجوز حيازته له.
ولا يرجع الرجل في صدقته ولا ترجع إليه إلا بالميرات.
ولا بأس أن يشرب من لبن ما تصدق به.
ولا يشتري ما تصدق به.
والموهوب للعوض إما أثاب القيمة أو رد الهبة، فإن فاتت فعليه قيمتها.
وذلك إذا كان يرى أنه أراد الثواب من الموهوب له.
ويكره أن يهب لبعض ولده ماله كله.
[ ٣ / ١١٤٨ ]
وأما الشيء منه فذلك سائغ.
ولا بأس أن يتصدق على الفقراء بماله كله لله.
ومن وهب هبة فلم يحزها الموهوب له حتى مرض الواهب أو أفلس فليس له حينئذ قبضها.
ولو مات الموهوب له كان لورثته القيام فيها على الواهب الصحيح).
الشرح
الهبة:
الهبة هي: التبرع بما ينفع الموهوب له يقال: وهب له مالا وهبا وهبة وموهبة وقد يقال: وهبه مالا ولا يقال وهب منه، (ولا تتم هبة، ولا صدقة، ولا حبس إلا بالحيازة) لا تفترق الهبة والصدقة إلا في شيئين:
أحدهما: أن الهبة تعتصر، والصدقة لا تعتصر، فإذا وهب الأب لابنه شيئا فله أن يعتصره منه، ولا كذلك إذا تصدق عليه.
ثانيهما: أن عود الهبة إلى ملك واهبها ببيع أو هبة أو صدقة أو غير ذلك جائز، ولا كذلك الصدقة بل يكره عودها إلى ملك المتصدق بما ذكر من الأنواع المتقدمة في الهبة.
وحكمها الندب دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وآتى المال على حبه﴾ [البقرة: ١٧٧]، ومن الأحاديث عن أبي كبشة عمر بن سعد الأنماري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ثلاثة أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه» قال: «ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزا، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر أو كلمة نحوها» (^١). والإجماع على ذلك حكاه ابن رشد وغيره.
(فإن مات) الواهب (قبل أن تحاز عنه فهي ميراث) يرثه الورثة، وتبطل
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤/ ٢٣١) (١٨١٩٤)، والترمذي (٢٣٢٥).
[ ٣ / ١١٤٩ ]
لمن جعلت له أو فيه لما رواه مالك، والبيهقي من طريقه عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ أنها قالت: «كان نحلها جاد عشرين وسقا من ماله بالغابة، فلما حضرته الوفاة، قال: والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إلي غنى بعدي منك، ولا أعز علي فقرا بعدي منك، وإني كنت نحلتك جاد عشرين وسقا فلو كنت جددتيه واحترتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث، وإنما هما أخواك وأختاك فاقتسموه على كتاب الله، قالت عائشة: فقلت: يا أبت والله لو كان كذا وكذا لتركته إنما هي أسماء فمن الأخرى، فقال أبو بكر: ذو بطن بنت خارجة أراها جارية» (^١).
وروي أيضا أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «ما بال رجال ينحلون أبناءهم نحلا ثم يمسكونها، فإن مات ابن أحدهم قال: ما لي بيدي لم أعطه أحدا، وإن مات هو قال: هو لابني قد كنت أعطيته إياه، من نحل نحلة فلم يحزها الذي نحلها حتى يكون إن مات لورثته فهي باطل» (^٢)، (إلا أن يكون ذلك في المرض فذلك نافذ من الثلث) لأنه خرج مخرج الوصية، (إن كان لغير وارث) لأن الوصية للوارث غير جائزة، كما تقدم فيها فهي غير نافذة، وإن أجاز الوارث كان ابتداء عطية منه.
(والهبة لصلة الرحم)؛ أي: الهبة للرحم لأجل صلته (أو لفقير) حكمها (كالصدقة لا رجوع) له (فيها) لحديث سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها» (^٣)، وروى
_________________
(١) مالك في الموطأ (١٤٣٨).
(٢) شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٥٧)، ينحلون: بفتح أوله وثالثه يعطون؛ ونحلا: بضم فسكون عطية بلا عوض
(٣) السنن الكبرى للبيهقي (١٢٣٨٤)، والحاكم (٢٣٢٤)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي في التلخيص؛ وقال الحافظ: وسنده ضعيف، وقال الألباني: منكر الضعيفة (١/ ٥٣٦)، وقال: هو مخالف للحديث الصحيح: «لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي يعطي العطية فيرجع فيها كمثل الكلب أكل حتى إذا شبع قاء ثم رجع في =
[ ٣ / ١١٥٠ ]
مالك في «الموطأ» أن عمر بن الخطاب قال: من وهب هبة لصلة رحم، أو على وجه صدقة. فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب فهو على هبته. يرجع فيها، إذا لم يرض منها (^١)، أما منعه الرجوع في الصدقة والهبة للفقير، فإنهما خرجتا عن ملكه على طريق الثواب وابتغاء وجه الله تعالى، ورواه أصحاب السنن، عن ابن عمر، وابن عباس ﵃ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يحل للرجل أن يعطي العطية ثم يرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده» (^٢)، وهذا في العطية للولد.
(و) أما (من تصدق على ولده فلا رجوع له) مستغنى عنه بما قبله (وله أن يعتصر ما وهب لولده)؛ أي: لا لصلة الرحم، ولا لفقره، ولا لقصد ثواب الآخرة، بل وهبه لوجهه، ولا فرق بين أن يكون الولد ذكرا أو أنثى غنيا أو فقيرا للحديث السابق وفيه: «إلا الوالد فيما يعطي ولده»، وحديث عمرو بن شعيب أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يرجع في هبته إلا الوالد من ولده، والعائد في هبته كالعائد في قيئه» (^٣) وسواء في ذلك (الصغير والكبير ما لم ينكح لذلك)؛ أي: للهبة، (أو يداين) لها (أو يحدث في الهبة حدثا) مثل أن يهبه حديدا فيصنعه آنية، وذلك للعمل ذكره مالك في «الموطأ» فقال: الأمر المجتمع عليه عندنا فيمن نحل ولده نحلا أو أعطاه عطاء ليس بصدقة أن له أن يعتصر ما لم يستحدث الولد دينا يداينه الناس به، ويأمنون عليه من أجل ذلك العطاء الذي أعطاه أبوه فليس لأبيه أن يعتصر من ذلك شيئا بعد أن تكون عليه
_________________
(١) = قيئه» أخرجه أحمد رقم (٢١١٩) بسند صحيح، وأصحاب «السنن»، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم من حديث ابن عمر وابن عباس مرفوعا، وهو مخرج في «الإرواء» تحت الحديث رقم (١٦٢٢).
(٢) شرح الزرقاني (١/ ٥٣٦).
(٣) صحيح، رواه أبو داود (٣٥٣٩)، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح (٢١٣٢)، والنسائي (٦/ ٢٦٥)، وابن ماجه (٢٣٧٧).
(٤) أحمد (٦٧٠٥)، ورواه النسائي في «الكبرى» (٦٥١٧)، وابن ماجه (٢٣٨٧) مختصر والبيهقي (١٢٣٧١) وحسنه الألباني، وأصله في الصحيحين.
[ ٣ / ١١٥١ ]
فتنكح المرأة الرجل وإنما تنكحه الديون، أو يعطي الرجل ابنه أو ابنته المال، لغناه وللمال الذي أعطاه أبوه فيريد أن يعتصر ذلك الأب، أو يتزوج الرجل المرأة قد نحلها أبوها النحل إنما يتزوجها ويرفع في صدقها لغناها ومالها وما أعطاها أبوها ثم يقول الأب: أنا أعتصر ذلك فليس له أن يعتصر من ابنه ولا ابنته شيئا من ذلك إذا كان على ما وصفت لك اه (^١).
وقال البيهقي في سننه: بلغنا عن أبي قلابة قال: «كتب عمر بن الخطاب ﵁: يقبض الرجل من ولده ما أعطاه ما لم يمت أو يستهلك أو يقع فيه دين» (^٢).
وروى ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن موسى بن سعد حدثه أن سعدا مولى آل الزبير نحل ابنته جارية له فلما تزوجت أراد ارتجاعها فقضى عمر أن الوالد يعتصرها ما دام يرى ماله ما لم يمت صاحبها فتقع فيها المواريث، أو تكون امرأة فتنكح قال يزيد: وكتب عمر بن عبد العزيز أن الوالد يعتصر ما وهب لابنه ما لم يداين الناس أو ينكح أو يموت ابنه فتقع فيه المواريث وقال في ابنته مثله إذا هي نكحت أو ماتت. وروى ابن وهب أيضا عن مخرمة بن بكير عن أبيه قال: سمعت سليمان بن يسار قال: يعتصر الوالد من ولده ما دام حيا، وما رأى عطيته بعينها، وما لم يستهلكها، وما لم يكن فيها ميراث (^٣)، (والأم تعتصر) ما وهبته لولدها سواء كان صغيرا أو كبيرا (ما دام الأب حيا)؛ أي: ولو مجنونا زمن الهبة إلا أن تكون قصدت بهبتها صلة رحم أو ثواب آخرة أو لفقره فلا تعتصر، وأما إن كان حين الهبة لا أب له فليس لها أن تعتصرها لأنه يتيم وبعد ذلك كالصدقة (فإن مات لم تعتصر ولا يعتصر من يتيم) ويسمى يتيما ما لم يبلغ، فإذا بلغ لم يسم يتيما (واليتيم من قبل الأب) هذا في الآدمي، وأما في الحيوان فمن قبل الأم، وفي الطير
_________________
(١) شرح الزرقاني (٤/ ٥٩ - ٦٠)، وانظر: القبس (٢/ ٩٤١).
(٢) السنن الكبرى للبيهقي (١٢٣٧٢).
(٣) وآثارهم في المدونة (٨/ ١٥/ ١٣٧)، وانظر: المحلى كتاب «الهبات» (١٦٣١).
[ ٣ / ١١٥٢ ]
من قبلهما معا (^١)، (وما وهبه) الأب (لابنه الصغير فحيازته له جائزة)؛ أي: معمول بها ولو استمر عند الأب إلى أن أفلس أو مات لما رواه عبد الرازق عن معمر عن الزهري عن عروة أخبرني المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القاري أنهما سمعا عمر بن الخطاب ﵁ يقول: «ما بال أقوام ينحلون أولادهم فإذا مات الابن قال الأب: مالي وفي يدي وإن مات هو قال: هو لابني قد كنت أعطيته إياه من نحل نحلة فلم يحزها الذي نحلها حتى يكون إن مات لورثته فهي باطل» (^٢).
قال الزهري: فأخبرني سعيد بن المسيب قال: فلما رأى عثمان شكى ذلك إليه فقال عثمان: نظرنا في هذا النحول فرأينا أحق من يحوز عن الصبي أبوه، ورواه مالك عن سعيد بن المسيب عن عثمان بن عفان ﵁ أنه قال: من نحل ولدا صغيرا لم يبلغ أن يحوز نحلة فأعلن بها وأشهد عليها فهي جائزة وإن وليها أبوه (^٣).
وللإجماع حكاه ابن المنذر فقال: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا وهب لولده الطفل دارا بعينها، أو عبدا بعينه، وقبضه له من نفسه، وأشهد عليه، أن الهبة تامة (^٤).
وقال ابن عبد البر: الفقهاء على أن هبة الأب لابنه الصغير في حجره لا يحتاج إلى قبض وأن الإشهاد فيها يغني عن القبض وإن وليه أبوه. اه (^٥)، لكن هذا مقيد بما إذا لم يسكن الأب (ذلك) الشيء الموهوب (أو يلبسه إن كان ثوبا) وأما إذا كان الموهوب دار سكناه واستمر ساكنا لجميعها أو أكثرها، أو استمر لابسا لما وهبه حتى حصل المانع بطلت الهبة. وأما إن
_________________
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي عند قوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ [البقرة: ٨٣].
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» شرح الزرقاني (٤/ ٥٧).
(٣) المصدر السابق (٤/ ٩٦).
(٤) الإجماع لابن المنذر (١٠٨).
(٥) التمهيد (٧/ ٢٤١)، وانظر: فتح الباري (٥/ ٢١٥).
[ ٣ / ١١٥٣ ]
سكن الأقل وأكرى الأكثر فلا بطلان، وإنما يجوز له ما يعرف بعينه مثل أن يقول له: وهبتك الدار التي صفتها كذا وكذا، وأما ما لا يعرف بعينه فلا، مثل أن يقول له: وهبتك دارا من دوري.
(وأما) الابن الكبير فلا تجوز حيازته؛ أي: حيازة الأب (له) إن كان رشيدا. وأما السفيه فتجوز حيازته له. وقوله: (ولا يرجع الرجل في صدقته) مفهوم مما تقدم.
(ولا ترجع) الصدقة (إليه)؛ أي: إلى المتصدق بعد الحوز مطلقا؛ أعني: كانت بشراء أو غيره، لحديث عمر ﵁ قال: حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه وظننت أنه يبيعه برخص، فسألت النبي ﷺ فقال: «لا تشتره ولا تعد في صدقتك وإن أعطاكه بدرهم، فإن العائد في هبته كالعائد في قيئه» (^١).
وفي لفظ: «فإن الذي يعود في صدقته كالكلب يقيء ثم يعود في قيته». ولا يستثنى من ذلك شيء (إلا) إذا كانت (بالميراث) فإنه يجوز له تملكها به إذ لا تسبب منه في رجوعها ولا تهمة فيه.
وحديث عبد الله بن عمرو أن رجلا قال: يا رسول الله إني أعطيت أمي حديقة في حياتها وإنها توفيت ولم تدع وارثا غيري فقال رسول الله ﷺ: «إن الله ﵎ رد عليك حديقتك وقبل صدقتك» (^٢).
أما بغير الميراث فيكره أو يحرم استرجاعها لحديث عمر ﵁ المتقدم قريبا.
(ولا بأس أن يشرب) المتصدق من لبن (ما)؛ أي: الشيء الذي تصدق به كالبقرة والشاة واستعمل لا بأس هنا لما غيره خير منه، (و) كذا (لا يشتري) المتصدق (ما)؛ أي: الشيء الذي (تصدق به) لا من المتصدق
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (٧٦٧)، وأحمد (٢/ ٥٥) (٥١٧٧)، والبخاري (٤/ ١٤) (٢٧٧٥)، ومسلم (٥/ ٣٦) (٤١٧٤).
(٢) رواه البزار بإسناد حسن، المجمع (٤/ ٢٦٩)، وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.
[ ٣ / ١١٥٤ ]
عليه ولا من غيره، وكلامه محتمل للمنع والكراهة وهو المذهب.
(والموهوب)؛ أي: الشيء الذي وهب له (ل) أجل أخذ (العوض) منه (إما أثاب)؛ أي: عاوض (القيمة أو رد الهبة) تعرض هنا لهبة الثواب، وهي أن يعطي الرجل شيئا من ماله لآخر ليثيبه عليه، وهي عقد معاوضة بعوض مجهول، وحكمها الجواز؛ أي: المستوي الطرفين.
قال الباجي (^١): هبة الثواب ليست على وجه القربة، وإنما هي على وجه المعاوضة فإن الموهوب له إما عاوض القيمة عن عين الهبة، أو ردها إذا كانت الهبة قائمة لم تفت، يدل عليه قوله: (فإن فاتت فعليه قيمتها ذلك)؛ أي: الإثابة بالقيمية أو رد الهبة (إذا كان يرى) بالبناء للمفعول؛ أي: يظن (أنه)؛ أي: الواهب (أراد) بهبته (الثواب من الموهوب له) يعرف؛ أي: يظن ذلك بقرائن الأحوال (و) من كان له ولدان فأكثر ومعه مال (يكره) له كراهة تنزيه على المشهور (أن يهب لبعض ولده ماله كله) أو جله ويمضي، ما لم يقم عليه أولاده الآخرون فيمنعونه من ذلك فلهم رده، والأصل ما في الحديث من قوله ﵊: «اعدلوا بين أولادكم ففي العطية» (^٢) (وأما) إذا وهب له (الشيء) اليسير (منه فذلك سائغ)؛ أي: جائز، (ولا بأس أن يتصدق على الفقراء بماله كله لله) جل وعل وهو مقيد أيضا بما لم يمنعه ولده من ذلك، ومقيد أيضا بما لم يمرض وأما إذا كان مريضا فتخرج من ثلثه.
(ومن وهب هبة فلم يحزها الموهوب له حتى مرض الواهب) مرضا مخوفا (أو أفلس فليس له)؛ أي: للموهوب له (حينئذ)؛ أي: حين مرض الواهب أو أفلس (قبضها)؛ أي: الهبة ومثلها الصدقة والحبس (ولو مات الموهوب)؛ أي: الذي وهب له وكان حرا قبل قبض الهبة (كان لورثته القيام فيها)؛ أي: الهبة (على الواهب الصحيح) غير المفلس.
_________________
(١) المنتقى شرح الموطأ للباجي القضاء في الهبة حديث (١٢٤٤).
(٢) البخاري (٢٤٤٦/ ٢٤٤٧)، ومسلم (١٦٢٣).
[ ٣ / ١١٥٥ ]
الحبس أو الوقف والعمري
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن حبس دارا فهي على ما جعلها عليه.
إن حيزت قبل موته.
ولو كانت حبسا على ولده الصغير جازت حيازته له إلى أن يبلغ.
وليكرها له ولا يسكنها فإن لم يدع سكناها حتى مات بطلت.
وإن انقرض من حبست عليه رجعت حبسا على أقرب الناس بالمحبس يوم المرجع.
ومن أعمر رجلا حياته دارا رجعت بعد موت الساكن ملكا لربها وكذلك إن أعمر عقبه فانقرضوا بخلاف الحبس، فإن مات المعمر يومئذ كانت لورثته يوم موته ملكا.
ومن مات من أهل الحبس فنصيبه على من بقي.
ويؤثر في الحبس أهل الحاجة بالسكنى والغلة ومن سكن فلا يخرج لغيره إلا أن يكون في أصل الحبس شرط فيمضى.
ولا يباع الحبس وإن خرب ويباع الفرس الحبس يكلب، ويجعل ثمنه في مثله، أو يعان به فيه.
واختلف في المعاوضة بالربع الخرب بربع غير خرب).
الشرح
انتقل يتكلم على الحبس أو الوقف: بضم الحاء وسكون الباء.
قال ابن فارس في [مقاييس اللغة] الوقف: «الواو والقاف والفاء، أصل يدل على تمكث ثم يقاس عليه. ثم قال: ولا يقال: أوقف» (^١).
وتعريفه شرعا: حبس مالك ماله المنتفع به مع بقاء عينه عن التصرفات
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا (٦/ ١٣٥)، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، ط: دار الفكر: ١٣٩٩ هـ ١٩٧٩ م ..
[ ٣ / ١١٥٦ ]
برقبته، وتسبيل منفعته على شيء من أنواع القرب ابتغاء وجه الله تعالى (^١).
وحكمه: الاستحباب. وقد ثبت بالسنة، لأحاديث كثيرة، منها حديث أبي هريرة ﵁ قال: «إذا مات الإنسان، انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له (^٢)»، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونشره، وولدا صالحا تركه، ومصحفا ورثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، يلحقه من بعد موته» (^٣).
وإجماع الصدر الأول من الصحابة والتابعين على جوازه ولزومه. قال الشافعي: ولم يحبس أهل الجاهلية فيما علمته، وإنما حبس أهل الإسلام (^٤) وهذا إشارة إلى أنه حقيقة شرعية، وقد وقف النبي ﷺ ووقف أصحابه ﵃:
عن أنس ﵁ قال: «لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، وأمر ببناء المسجد قال: «يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا»، قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله؛ أي: فأخذه فبناه مسجدا» (^٥).
وعن عثمان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من يشتري بئر رومة، فيكون
_________________
(١) تيسير العلام شرح عمدة الأحكام (٢/ ٢٤٥)، وانظر: شرح حدود ابن عرفة (٥٣٩).
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٣٧٢) (٨٨٣١)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٣٨)، ومسلم (٤٣١٠)، والترمذي (١٣٧٦).
(٣) سنن ابن ماجه (٢٤٢)، وقال ابن المنذر: إسناده حسن. وفي الزوائد: إسناده غريب، ورواه ابن خزيمة (٢٤٩٠)، وقال الأعظمي: إسناده حسن لغيره لشواهده، وحسنه الألباني.
(٤) حاشية إعانة الطالبين (٣/ ١٨٦) لأبي بكر (المشهور بالبكري) بن محمد شطا الدمياطي (المتوفى: بعد ١٣٠٢ هـ).
(٥) البخاري (٤١٨)، وأخرجه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة، باب ابتناء مسجد النبي ﷺ رقم (٥٢٤).
[ ٣ / ١١٥٧ ]
دلوه فيها كدلاء المسلمين» فاشتراها عثمان ﵁ (^١)، وفي رواية للبغوي: «أنها كانت لرجل من بني غفار عين يقال لها: رومة، وكان يبيع منها القربة بمد، فقال له النبي ﷺ: تبيعنيها بعين في الجنة؟ فقال: يا رسول الله، ليس لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان، فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي ﷺ فقال: أتجعل لي ما جعلت له؟ قال: نعم. قال: قد جعلتها للمسلمين» (^٢).
عن سعد بن عبادة، أنه قال: «يا رسول الله، إن أم سعد ماتت، فأي الصدقة أفضل؟، قال: «الماء»، قال: فحفر بثرا، وقال: هذه لأم سعد» (^٣)، وغيرهم كثير.
(ومن حبس) وشرطه أن يكون أهلا للتصرف بأن يكون من أهل التبرع (دارا) وكذا يجوز وقف الحيوان، والعروض كما تقدم في الأحاديث الدالة على تنوع أوجه الوقف، ويشترط في الموقوف أن يكون مملوكا للواقف ذاتا أو منفعة، ولم يتعلق به حق لغيره وإن لم يجز بيعه كجلد الأضحية وكلب الصيد، (فهي)؛ أي: الدار على ما جعلها عليه يفهم منه أنه عين الجهة الموقوف عليها، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «المسلمون على شروطهم» (^٤)، ولأن أوقاف الصحابة كانت كلها مشروطة بشروط جرى عملهم على رعايتها كما في كتب السنن والآثار وأما لو أوقف داره ولم يعين الشيء الموقوف عليه، فإنه يصرف في غالب مصارف تلك البلد هذا (إن حيزت قبل موته) وكان الوقف على معين، فإن لم تحز حتى مات الواقف أو أفلس بطل الوقف لما مر في حديث عائشة في الهبة التي وهبها لها والدها
_________________
(١) البخاري (٤/ ١٥)، والترمذي (٣٦٩٩)، والنسائي (٦/ ٢٣٦).
(٢) رواه البغوي في الصحابة، كما قال الحافظ في الفتح (٥/ ٤٠٧)، ورواه الطبراني في معجمه الكبير (١٢٢٦) من حديث بشير الأسلمي.
(٣) أبو داود (١٦٨٣)، والنسائي (٦/ ٢٥٥)
(٤) أبو داود (٣٥٩٤)، وأخرجه الترمذي (١٣٥٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، ورواه ابن حبان (٥٠٩١).
[ ٣ / ١١٥٨ ]
الصديق ﵄، أما إذا كان على غير معين كالمسجد فلا يحتاج إلى حيازة معين، بل إذا خلى بين الناس وبين الصلاة فيها صح الوقف.
(ولو كانت) الدار (حبسا على ولد الصغير) الحر (جازت حيازته له إلى أن يبلغ) فغاية الحيازة البلوغ بشرط أن يعلم منه الرشد (وليكرها له) من غيره (ولا يسكنها فإن لم يدع سكناها)؛ أي: لم يترك سكناها (حتى مات) أو مرض أو أفلس (بطلت). صوابه بطل؛ أي: الحبس، وعلى ثبات التاء يحتمل الحيازة، وقيدنا الصغير بالحر احترازا عما إذا كان عبدا، فإن سيده هو الذي يحوز له. (فإن انقرض من حبست) الدار (عليه رجعت حبسا إلى أقرب الناس بالمحبس) سواء كان المحبس حيا أو ميتا، مثل أن يكون للمحبس أخ شقيق وأخ لأب فيموت الشقيق ويترك ابنا، ثم ينقرض من حبس عليه فإنه يرجع للأخ للأب دون ابن الأخ الشقيق، والعبرة في رجوع الحبس على الأقرب إنما هو (يوم المرجع) لا يوم الحبس، لأنه قد يصير البعيد يوم التحبيس قريبا يوم المرجع المثال المذكور. لأنهم أولى الناس بصدقاته النوافل والمفروضات حيث حث الشرع على تقديم القرابة بالصدقة والصلة كما في الآيات والأحاديث الكثيرة وهو المنقول عن علماء المدينة من التابعين كابن شهاب ويحيى بن سعيد وربيعة وأبي الزناد وغيرهم. روى ذلك ابن وهب وغيره.
العمرى
العمرى: بضم العين نوع من الهبة مأخوذة من العمر، قال أبو السعادات: يقال: أعمرته الدار عمري؛ أي: جعلتها له يسكنها مدة عمره، فإذا مات عادت إلي، كذا كانوا يفعلونه في الجاهلية فأبطل ذلك الشارع وأعلمهم أن من أعمر شيئا أو أرقبه في حياته فهو لورثته من بعده.
قال ابن عرفة: «العمرى تمليك منفعة حياة المعطى بغير عوض إنشاء» (^١)
_________________
(١) شرح حدود ابن عرفة (٥٥٠)، وانظر: مواهب الجليل (٨/ ٢١).
[ ٣ / ١١٥٩ ]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (ومن أعمر رجلا حياته)؛ أي: حياة الرجل (دارا رجعت بعد موت الساكن ملكا لربها) أو لوارثه إن مات. لحديث جابر ﵁ قال: «إنما العمرى التي أجاز رسول الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها» (^١) وزاد: وكان الزهري يفتي به، ولما رواه مالك عن يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن القاسم أنه سمع مكحولا الدمشقي يسأل القاسم بن محمد عن العمرى، ما يقول الناس فيها؟ فقال القاسم بن محمد: «ما أدركت الناس إلا وهم على شروطهم في أموالهم وفيما أعطوا» (^٢).
وروي أيضا عن نافع أن عبد الله بن عمر ورث من حفصة بنت عمر ﵃ دارها قال: وكانت حفصة قد أسكنت بنت زيد بن الخطاب ما عاشت، فلما توفيت بنت زيد قبض عبد الله بن عمر المسكن ورأى أنه له (^٣).
وأما من جهة القياس فلأن تعليق الملك بوقت معين يقتضي تمليك المنافع دون الرقبة، لأن تعليق الملك لوقت ينتهي إليه يمنع ملك الرقبة كمالك رقبة لمجيء زيد أو نزول المطر كذا قالوا ولا يخفى ما فيه (^٤) (وكذلك إن أعمرها عقبه)؛ أي: عقب الرجل (فانقرضوا) فإنها ترجع ملكا لربها أو لوارثه إن مات. فحقيقة العمرى في العرف؛ أي: عرف أهل الشرع هبة منافع الملك مدة عمر الموهوب له أو مدة عمره عمر عقبه لا هبة الرقبة، ولا يتعين التقييد بعمر الموهوب له، بل لو قيد بعمر المعمر كانت عمرى أيضا (بخلاف الحبس) فإنه لا يرجع بعد موت المحبس عليه ملكا لربه بل يكون حبسا على أقرب الناس بالمحبس، وإنما فارق الحبس العمرى لأن الحبس تمليك الرقاب، والعمرى تمليك المنافع (^٥).
_________________
(١) مسلم (٤٢٧٨)، والبيهقي (١٢٣١٧).
(٢) شرح الزرقاني (٤/ ٦٢).
(٣) نفس المرجع والصفحة السابقين.
(٤) قاله الغماري (٣١٣) مسالك الدلالة.
(٥) وانظر: القبس (٢/ ٩٤٣).
[ ٣ / ١١٦٠ ]
(فإن مات المعمر) بكسر الميم (يومئذ كان) ما أعمره وهي الدار (لورثته يوم موته ملكا) قال ابن عمر: يحتمل قوله يومئذ أن يعود على يوم التعمير، ويكون على هذا إنما يملكون الرقاب دون المنافع، ويحتمل أن يعود على موت المعمر، فعلى هذا يملكون الرقاب والمنافع.
(ومن مات من أهل الحبس) المعينين (فنصيبه) يقسم (على) رؤوس (من بقي) من أصحابه الذكور والإناث فيه سواء (ويؤثر في الحبس أهل الحاجة بالسكنى والغلة)؛ أي: يجب على متولي الوقف على غير معين كالفقراء أن يؤثر في قسم الحبس أهل الحاجة والعيال على غيرهم بالسكنى والغلة باجتهاده لأن قصد الواقف الإرفاق، وأما لو كان على معينين فإنه يسوي بين الجميع ولا يفضل فقير على غني.
(ومن سكن) من المحبس عليهم (فلا يخرج لغيره) ولو لم يجد الغير مسكنا ولا كراء، ولو استغنى من سكن لأجل فقره بعد أن سكن لأجل هذا الوصف لأن العبرة بالاحتياج في الابتداء لا في الدوام، وأيضا لا تؤمن عودته، فإن سبق غير الأحوج وسكن أخرج، فإن تساووا في الحاجة فمن سبق بالسكنى فهو أحق، (إلا أن يكون في أصل الحبس شرط فيمضي)؛ أي: فيجري الحبس على شرط المحبس لما تقدم من أن المسلمين على شروطهم. (ولا يباع الحبس إن خرب) بحيث صار لا ينتفع به ولو لم يرج عوده، لعموم قوله ﷺ كما سبق: «أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث» ولأن ما لا يجوز بيعه مع بقاء منافعه لا يجوز بيعه مع تعطلها كالمعتق، واستدل في المدونة بقوله: هذه جل الأحباس قد خربت فلا شيء أدل على سنتها منها ألا ترى أنه لو كان البيع يجوز فيها ما أغفله من مضى، ولكن بقاؤه خرابا دليل على أن بيعه غير مستقيم، وبحسبك حجة في أمر قد كان متقادما بأن تأخذ منه ما جرى الأمر عليه فالأحباس قديمة ولم تزل، وجل ما يؤخذ منها بالذي به لم تزل تجري عليه فهو دليلها.
قال سحنون: «فبقاء هذه خرابا دليل على أن البيع فيها غير مستقيم لأنه لو استقام لما أخطأه من مضى من صدر هذه الأمة وما جهله من لم يعمل به
[ ٣ / ١١٦١ ]
حين تركت خرابا، وإن كان قد روي عن ربيعة خلاف لهذا في الرباع والحيوان إذا رأى الإمام ذلك. اه. وكذا لا يجوز بيع أنقاضه، وهذا مقيد ما إذا لم يكن الواقف شرط للموقوف عليه بيعه وإلا عمل بالشرط» (^١).
واستثنى في «المختصر» المقدار الذي احتيج إليه لتوسعة المسجد؛ أي: مسجد الجمعة لا غيره (^٢)، ومثل مسجد الجمعة مقبرة المسلمين وطريقهم، لأن نفع المسجد والطريق والمقبرة أكثر من نفع الوقف، فهو غرض قريب للواقف، ويستبدل بالثمن خلافه، فإن امتنع فلا يقضى عليه بذلك.
(ويباع الفرس الحبس يكلب) بفتح الياء واللام، والكلب شيء يعتري الخيل كالجنون (و) إذا بيع فإنه يجعل ثمنه في شراء فرس، (آخر أو يعان به فيه) بأن يجعل ثمنه مع شيء آخر فشتر به فرس آخر أو يتصدق بثمنه في الجهاد، فما الفرق بين هذا واالذي قبله في تصريف الثمن فيما ينفع.
(واختلف في المعاوضة بالربع) الحبس (الخرب بربع غير خرب) حمله بعضهم على ظاهره بأن يعاوض الربع الخرب بربع غير خرب فيدفعه بعينه في الربع الصحيح، وحمله آخرون على أنه يباع الربع الخرب ويشترى بقيمته صحيحا فيصير ما كان حبسا غير حبس، وما ليس بحبس حبسا فالمباع يكون غير حبس والمشترى يكون حبسا قائلا هو البين. اه من التتائي. قلت: والذي يظهر أن إبقاء الحبس خرابا مخالف لمجمل النصوص الآمرة بالترشيد وتكثير المصالح، ودرء الإسراف والتبذير، فما فائدة حبس خرب ولم يعمر إن كان صاحبه يوم حبسه لا يرجو سوى الإعمار واستمرار الأجر، فأرى والله أعلم أنه يباع الوقف الخرب ويوضع ثمنه في شيء مماثل أو قريب منه فيستفيد الموقوف عليهم والواقف، وهذا في ظني القاصر وظن كل فقيه حصيف موافق للنصوص الكثيرة الآمرة بالاقتصاد الناهية على التبذير والفساد، والله أعلم.
_________________
(١) المدونة (٧/ ١٥/ ٩٩).
(٢) المختصر (٢١٢)، والتاج والإكليل: (٦/ ١٨).
[ ٣ / ١١٦٢ ]
الرهن
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والرهن جائز ولا يتم إلا بالحيازة.
ولا تنفع الشهادة في حيازته إلا بمعاينة البينة.
وضمان الرهن من المرتهن فيما يغاب عليه ولا يضمن ما لا يغاب عليه.
وثمرة النخل الرهن للراهن وكذلك غلة الدور.
والولد رهن مع الأمة الرهن تلده بعد الرهن.
ولا يكون مال العبد رهنا إلا بشرط.
وما هلك بيد أمين فهو من الراهن).
الشرح
انتقل رحمه الله تعالى يتكلم على الرهن. والرهن في اللغة: أصل الرهن الحبس ومنه كل نفس بما كسبت رهينة والهاء للمبالغة؛ أي: محبوسة بكسبها والرهن معروف في الفقهيات كذا في «الفتح». وفي «الاصطلاح»: جعل مال وثيقة على دين؛ أي: أن يجعل شيء من متاع المدين عند الدائن توثقة له في دينه، ويطلق أيضا على العين المرهونة تسمية للمفعول باسم المصدر. وأما الرهن بضمتين فالجمع، ويجمع أيضا على رهان بكسر الراء ككتب وكتاب (^١).
وأركان الرهن أربعة:
١ - العاقدان وهما الراهن؛ أي معطي الرهن، والمرتهن وهو قابض الرهن، ويشترط فيهما أن يكونا ممن يصح البيع منهما، ومن كان قاصرا كصبي ومجنون توقف على إجازة وليه.
٢ - المرهون: ويشترط فيه أن يكون شيئا ذا قيمة يمكن أن يستوفى منه الدين عند بيعه كله أو بعضه.
_________________
(١) الفتح للحافظ ابن حجر (٥/ ١٤٠ الرهن في الحضر).
[ ٣ / ١١٦٣ ]
٣ - المرهون به: وينبغي أن يشتمل على أمرين: أن يكون دينا في الذمة يمكن استيفاؤه من الرهن، وثانيهما: أن يكون ذلك الدين لازما أو صائرا إلى اللزوم، كالجعل بعد العمل لا قبله.
٤ - الصيغة: ولا يتعين لفظ في الإيجاب والقبول من العاقدين بل كل ما دل على ذلك أجزأ، لا سيما أن المعاملات لم يتعبدنا الله فيها بألفاظ معينة.
حكم الرهن: بدأ المصنف بحكمه فقال: (والرهن جائز) حضرا وسفرا بالكتاب والسنة والإجماع في الجملة أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وإنما خص السفر في الآية لغلبة فقدان الكاتب الذي هو البينة فيه، وأما السنة فقال أنس بن مالك ﵁: «ولقد رهن درعا له عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيرا لأهله» (^١)، فذكره المدينة دال على الجواز حضرا.
(ولا يتم) الرهن (إلا بالحيازة) لقوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣] فجعل القبض من صفات الرهن اللازمة له، وذلك بمعنى الشرط فيه فصار حكم الرهن متعلقا بالرهن المقبوض وظاهره أنه يصح قبل القبض، لكن لا يختص المرتهن به عن الغرماء إلا بالقبض، قال ابن الحاجب: «فإن تراخي إلى الفلس أو الموت بطل اتفاقا» (^٢). وقال خليل: «وبموت راهنه أو فلسه قبل حوزه ولو جد فيه». اه. والرهن أحد الأمور التي لا تتم إلا بالحيازة منها: الرهن، والهبة، والعمرى، والحبس، والنحلة، والعرية، والإخدام وغيرها.
(ولا تنفع الشهادة في حيازته إلا بمعاينة البينة) قال ابن عمر الأنفاسي: هذا فيما يبان وينقل، وأما إذا رهنه ما لا يبان ولا ينقل، فإن الشهادة تنفع فيه على إقرارهما. (وضمان الرهن)؛ أي: المرهون (من
_________________
(١) البخاري (٢٠٦٩ و٢٥٠٨).
(٢) جامع الأمهات (٣٧٧).
[ ٣ / ١١٦٤ ]
المرتهن) بكسر الهاء آخذ الرهن ما لم يكن بيد أمين، فإنه من الراهن، وهو دافع الرهن، وإنما يلزم المرتهن الضمان (فيما يغاب عليه) كالحلي لأنه يدعي فيه الضياع على وجه لا يعلم فيه كذب مدعيه غالبا فيؤدي ذلك إلى ضياع أموال الناس، والمرتهن يأخذه لمنفعة نفسه وقد كان له أن يضعه على يد عدل فيبرأ من ضمانه فإذا لم تقم بينة بهلاكه كان عليه ضمانه.
(ولا يضمن ما لا يغاب عليه) كالدور والحيوان على المشهور. لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه» (^١)، قال مالك: وتفسير ذلك فيما نرى والله أعلم أن يرهن الرجل الرهن عند الرجل بالشيء وفي الرهن فضل عما رهن به فيقول الراهن للمرتهن: إن جئتك بحقك إلى أجل يسميه له، وإلا فالرهن لك بما رهن فيه، قال: فهذا لا يصلح ولا يحل وهذا الذي نهي عنه وإن جاء صاحبه بالذي رهن به بعد الأجل فهو له وأرى هذا الشرط منفسخا. اه (^٢).
وللعمل حكاه مالك في «الموطأ» فقال: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا في الرهن أن ما كان من أمر يعرف هلاكه من أرض أو دار أو حيوان فهلك في يد المرتهن وعلم هلاكه فهو من الراهن وأن ذلك لا ينقص من حق المرتهن شيئا ولو شرط المرتهن نفي الضمان فيما يغاب عليه، أو اشترط الراهن الضمان على المرتهن فيما لا يغاب عليه ويحلف المتهم لقد ضاع ولا فرطت ولا ضيعت ولا تعديت ولا أعرف موضعه، وغير المتهم لا يحلف إلا على عدم التفريط خاصة لأنه لا يتهم في إخفائه (^٣). (وثمرة النخل الرهن للراهن) وهو دافع الرهن كانت الثمار موجودة أو معدومة حين الرهن مأبورة أو لا، للحديث السابق: «له غنمه وعليه غرمه»، إلا أن يشترط ذلك المرتهن،
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (١) (٤٥٤)، وابن ماجه (٢٤٤١)، وابن حبان (٥٩٣٤)، وابن أبي شيبة (٧/ ١٨٧) (٢٢٧٩١)، وعبد الرزاق (١٥٠٣٣)
(٢) شرح الزرقاني (٤/ ٧).
(٣) شرح الزرقاني (٤/ ٩).
[ ٣ / ١١٦٥ ]
فإنها تدخل على أي حالة كانت. (وكذلك غلة الدور) للراهن على المشهور إلا أن يشترط المرتهن ذلك فيكون له.
(والولد رهن مع الأمة الرهن تلده بعد الرهن) ولو شرط عدم دخول الولد في الرهن لم يجز، وحينئذ يكون الرهن باطلا. لأنه من جنس الأصل فأشبه سمنها ولأن الولد يتبع الأصل في الحقوق الثابتة كولد أم الولد. قال مالك في «الموطأ»: والفرق بين الثمر وبين ولد الجارية أن رسول الله ﷺ قال: «من باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترط المبتاع» (^١)، قال: «والأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا أن من باع وليدة أو شيئا من الحيوان وفي بطنها جنين أن ذلك الجنين للمشتري اشترطه المشتري أو لم يشترطه فليست النخل مثل الحيوان وليس الثمر مثل الجنين في بطن أمه من الرقيق ولا من الدواب» (^٢).
(ولا يكون مال العبد رهنا معه إلا بشرط) كان ماله معلوما أو مجهولا لأن رهن الغرر جائز. (وما هلك بيد أمين) مما يغاب عليه (فهو من الراهن) دون الأمين لأنه لا ضمان على الأمين.
العارية
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والعارية مؤداة.
يضمن ما يغاب عليه.
ولا يضمن ما لا يغاب عليه من عبد أو دابة إلا أن يتعدى.
والمودع إن قال: رددت الوديعة إليك صدق إلا أن يكون قبضها بإشهاد.
وإن قال: ذهبت فهو مصدق بكل حال.
والعارية لا يصدق في هلاكها فيما يغاب عليه).
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٨٠٦)، والبخاري (٢٧١٦)، ومسلم (٣٨٩٩).
(٢) شرح الزرقاني (٤/ ٨).
[ ٣ / ١١٦٦ ]
الشرح
انتقل يتكلم على العارية وهي: بتشديد المثناة التحتية وتخفيفها ويقال: عارة وهي مأخوذة من عار الفرس إذا ذهب، لأن العارية تذهب من يد المعير، أو من العار لأنه لا يستعير أحد إلا وبه عار وحاجة (^١). واصطلاحا: عرفها ابن الحاجب بأنها تمليك منافع العين بغير عوض (^٢) وحكمها الندب، وتتأكد في القرابة والجيران والأصحاب، والأصل فيها قوله تعالى: ﴿وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾ [الحج: ٧٧]، وفي الحديث: «أنه ﵊ استعار من صفوان درعه فقال: أغصبا يا محمد؟ قال: «بل عارية مضمونة» (^٣)، وإلى هذا أشار الشيخ بقوله: (والعارية مؤداة) كما قال النبي ﷺ: «العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم» (^٤). (العارية مؤداة)؛ أي: واجبة الرد على مالكها عينا حال الوجود وقيمة عند التلف وهو مذهب الشافعي وأحمد وقال أبو حنيفة: هي أمانة في يده لا تضمن إلا بالتعدي، وقال مالك: إن خفي تلفها ضمن وإلا فلا والعارية مشددة الياء مأخوذة من العار منسوبة إليه فإنهم يرون الاستعارة عارا وعيبا، وقيل: هي من التعاور وهو التداول (والمنحة مردودة) هي ما يمنح الرجل صاحبه من أرض يزرعها ثم يردها أو شاة يشرب درها ثم يردها وهي في معنى العارية وحكمها الضمان» (^٥).
وروى البيهقي أن عطاء بن أبي رباح أنه أخبر عن تفسير العارية مؤداة قال: أسلم قوم في أيديهم عواري من المشركين فقالوا: قد أحرز لنا الإسلام
_________________
(١) انظر: التوضيح (٤٨٥/ ٦)، وسبل السلام للصنعاني (٣/ ٦٧).
(٢) جامع الأمهات (٤٠٦).
(٣) أبو داود (٣٥٦٢)، والنسائي في «الكبرى» (٥٧٤٧)، وصححه الألباني.
(٤) أبو داود من حديث أبي أمامة، والنسائي في «الكبرى» (٥٧٤٤)، وصححه الألباني. انظر: حديث رقم (٤١١٥) في صحيح الجامع.
(٥) التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي (٢/ ١٥١).
[ ٣ / ١١٦٧ ]
ما بأيدينا فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «إن الإسلام لا يحرز لكم ما ليس لكم، العارية مؤداة» (^١) فأدى القوم ما بأيديهم من تلك العواري، ثم فسر ذلك بقوله: (يضمن ما يغاب عليه للحديث السابق وحديث سمرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: على اليد ما أخذت حتى تؤديه) رواه أبو داود من رواية قتادة عن الحسن عنه زاد أبو داود: قال قتادة: ثم نسي الحسن فقال: «هو أمينك لا ضمان عليه يعني العارية» (^٢).
وقول النبي ﷺ لصفوان في أدراعه: «بل عارية مضمونة» قال: فضاع بعضها فعرض عليه النبي ﷺ أن يضمنها له فقال: «أنا اليوم في الإسلام أرغب» (^٣)، إلا إذا قامت بينة على هلاكه، فإنه لا يضمن على المشهور لأن الضمان للتهمة وهي تزول بالبينة.
(ولا يضمن ما لا يغاب عليه من عبد أو دابة) قال ابن عمر الأنفاسي: وعليه اليمين متهما كان أو غير متهم، ولو شرط المعير الضمان على المستعير لا ينفعه ذلك، وكذلك لو شرط المستعير على المعير عدم الضمان مما فيه الضمان لا ينفعه، وعليه الضمان على أحد قولي ابن القاسم وأشهب، ولهما أيضا ينفعه ويعمل بالشرط لأن العارية باب معروف؛ أي: وإسقاط الضمان من المعروف. ثم استثنى مما لا ضمان فيه صورة فقال (إلا أن يتعدى) المستعير فيضمن لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ليس على المستودع غير المغل ضمان، ولا على المستعير غير المغل ضمان» (^٤)، وقالا: إنما يروي هذا من قول شريح ثم أخرجاه من قوله (^٥)
_________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي (٦/ ٨٨)، قال علي: هذا مرسل ولا تقوم به حجة.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٥٦١)، والترمذي (١/ ٢٣٩)، وابن ماجه (٢٤٠٠)، والحاكم (٢/ ٤٧)، والبيهقي (٦/ ٩٠)، وأحمد (٥/ ٨ و١٢ و١٣) من طريق الحسن عن سمرة به. وقال الألباني: «ضعيف». انظر: حديث رقم (٣٧٣٧) في ضعيف الجامع.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) الدارقطني (٣/ ٤١)، والبيهقي في السنن الصغرى (٥/ ٣٧١)، بسند ضعيف.
(٥) السنن الكبرى للبيهقي (١١٨٢٠).
[ ٣ / ١١٦٨ ]
وكذلك هو في مصنف عبد الرزاق من قول شريح وحديثه أيضا أن النبي ﷺ قال: «لا ضمان على مؤتمن» (^١)، فكان مقتضى الجمع بين هذه الأحاديث حمل الأولى على ما يغاب عليه، والثانية على ما لا يغاب عليه ولأنه قبضها بإذن مالكها فكانت أمانة كالوديعة (^٢).
ووجوه التعدي كثيرة منها الزيادة في الحمل والزيادة في المسافة، وكذلك يضمن في صورة أخرى وهي أن يتبين كذبه كما إذا قال: تلفت في موضع كذا ولم يسمع أحد من الرفقة بتلفها.
الوديعة
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن تعدى على وديعة ضمنها.
وإن كانت دنانير فردها في صرتها ثم هلكت فقد اختلف في تضمينه.
ومن اتجر بوديعة فذلك مكروه والربح له إن كانت عينا.
وإن باع الوديعة وهي عرض فربها مخير في الثمن أو القيمة يوم التعدي).
الشرح
الوديعة: مأخوذة من الودع وهو الترك، قال تعالى: ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾ [الضحى: ٣]؛ أي: ما ترك عادة إحسانه في الوحي إليك، أو مأخوذة من الدعة وهي السكون، لأنها ساكنة عند المودع. وهي في «الاصطلاح»: استنابة في حفظ المال (^٣)؛ أو مال وكل على حفظه ويجب رده مهما طلب المالك، وانتفى العذر، ويصدق في ردها إلى المودع بالكسر إلا أن يقبض
_________________
(١) البيهقي (١٣٠٧٦)، وقال: سنده ضعيف، والدارقطني (١٦٧).
(٢) مسالك الدلالة للغماري (٣١٦).
(٣) التوضيح (٤٥٤/ ٦).
[ ٣ / ١١٦٩ ]
ذلك ببينة فلا يبرأ إلا ببينة، وإلى ذلك أشار بقوله: (والمودع) بفتح الدال (إن قال: رددت الوديعة إليك صدق إلا أن يكون قبضها بإشهاد) فلا يبرأ إلا بإشهاد على ردها لأنه حين أشهد عليه لم يكتف بأمانته، ولا بد أن تكون البينة مقصودة للتوثق وبذلك قيد غير واحد المدونة فلا تعتبر البينة إلا إذا قال: اشهدوا بأني استودعته كذا وكذا. وظاهر قوله: صدق، أنه لا يمين عليه، وعزوا للمدونة أن عليه اليمين. (وإن قال) المودع بفتح الدال (ذهبت)؛ بمعنى: تلفت الوديعة (فهو مصدق بكل حال) قبضها بإشهاد أولا، ويحلف المتهم دون غيره على المشهور. وقيل: يحلف المتهم وغيره، وصدر به ابن عمر، قاله التتائي (^١).
وقوله: (والعارية لا يصدق في هلاكها فيما يغاب عليه) تكرار لأنه داخل في قوله: «والعارية مؤداة». (ومن تعدى على وديعة ضمنها) لقوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤]، وأوجه التعدي أشياء كثيرة منها: الإيداع عند الغير لغير عذر في السفر والحضر، والسفر بها من غير عذر، والانتفاع بها فتهلك.
وإليه يشير قول الشيخ: (وإن كانت) الوديعة (دنانير) أو دراهم مربوطة أو مختومة فتسلفها أو بعضها (فرد) مثلـ (ـها في صرتها ثم هلكت) الوديعة (فقد اختلف في تضمينه) فقيل: عليه الضمان لأنه متعد في حلها، وقيل: لا ضمان عليه، وبه أخذ ابن القاسم وغيره وشهره قال في «التوضيح»: وعلى المشهور فلا يصدق إلا بيمين (^٢).
(ومن اتجر بوديعة فذلك مكروه والربح له)؛ أي: والخسارة عليه لأنه ضامن، لأنه بالتعدي والتصرف فيه صار في ضمانه وقد قال النبي ﷺ: «الغلة بالضمان» (^٣) كما سبق وقوله: (إن كانت عينا) قيد في قوله وذلك مكروه تقدير
_________________
(١) الثمر الداني (٥٦٣)
(٢) التوضيح على جامع الأمهات (٦/ ٤٧١).
(٣) وقال الألباني: «حسن». انظر: حديث رقم (٤١٧٩) في صحيح الجامع.
[ ٣ / ١١٧٠ ]
كلامه ومن اتجر بوديعة فذلك مكروه إن كانت عينا، قاله الأقهسي.
(وإن باع) المودع (الوديعة وهي عرض) فربها مخير في أخذ (الثمن) الذي باعها به، (أو) في أخذ (القيمة يوم التعدي) هذا إذا فاتت السلعة، وأما إن كانت قائمة فهو مخير بين رد البيع وأخذ السلعة وبين أخذ الثمن الذي بيعت به؛ قال النفراوي: «فالحاصل أن التصرف في الوديعة على ثلاثة أحوال: جائز ومكروه وحرام، فالجائز التصرف بالإذن مطلقا، والحرام التصرف بغير إذن حيث كانت مقومة مطلقا، أو مثلية وهو معدم، وإذا ادعى ردها إلى موضعها فإنه يصدق في قسم المكروه ولا يصدق في الجائز والحرام إلا ببينة تشهد على ردها ليد صاحبها، ولا يكفي شهادتها على ردها إلى موضعها» (^١). قال الشيخ ابن حنفية: ويمكن أن يقال إن المكروه هو ما إذا كانت مثلية وهو مليء. اه (^٢).
اللقطة
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن وجد لقطة فليعرفها سنة بموضع يرجو التعريف بها.
فإن تمت سنة ولم يأت لها أحد فإن شاء حبسها وإن شاء تصدق بها وضمنها لربها إن جاء.
وإن انتفع بها ضمنها وإن هلكت قبل السنة أو بعدها بغير تحريك لم يضمنها.
وإذا عرف طالبها العفاص والوكاء أخذها.
ولا يأخذ الرجل ضالة الإبل من الصحراء وله أخذ الشاة وأكلها إن كانت بفيفاء لا عمارة فيها.
ومن استهلك عرضا فعليه قيمته وكل ما يوزن أو يكال فعليه مثله).
_________________
(١) الفواكه الدواني (٢/ ١٧١).
(٢) العجالة في شرح الرسالة لابن حنفية العابدين (٤/ ٢٧٧).
[ ٣ / ١١٧١ ]
الشرح
اللقطة: لغة: بضم اللام وفتح القاف: ما يلتقط، والالتقاط وجود الشيء من غير طلب. اصطلاحا: عرفها ابن عرفة بقوله: مال وجد بغير حرز محترما ليس حيوانا ناطقا ولا نعما بل عينا أو عرضا أو رقيقا صغيرا، وسواء وجدت في العمار أو الخراب أو بساحل البحر وعليها علامة المسلمين، لا نحو عنبر وعقيق فلواجده (^١).
شرع يتكلم على اللقطة قال: (ومن وجد لقطة) بضم اللام وفتح القاف ما يلتقط (فليعرفها سنة) وجوبا على الفور، فلو توانى حتى ضاعت ثم جاء ربها ضمنها، قاله التتائي، وإنما وجب تعريفها لحديث زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فسأله عن اللقطة فقال: «اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها»، قال: فضالة الغنم يا رسول الله؟ قال: «هي لك أو لأخيك أو للذنب»، قال: فضالة الإبل؟ قال: «ما لك ولها معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها» (^٢).
والتعريف سنة مختص بالكثير، وأما التافه الذي لا تلتفت إليه النفوس وهو ما دون الدرهم الشرعي كما قاله أبو الحسن شارح المدونة فلا يعرف، وما فوق التافه دون الكثير فيعرف أياما هي مظنة طلبه، وأما ما يفسد بالتأخير كالفاكهة فيختص به الملتقط ولا يعرفه ولذلك فإن الملتقط على ثلاثة أقسام:
١ - فقسم تافه: لا تتبعه همة أوساط الناس، كالسوط، والرغيف ونحوهما، فهذا يملك بالالتقاط ولا يلزم تعريفه، لحديث جابر ﵁ قال: «رخص لنا رسول الله ﷺ في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل
_________________
(١) الفواكه الدواني للنفراوي (٢/ ١٧٢).
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢٢٠٤)، والبخاري (١/ ٣٤) (٩١)، ومسلم (٥/ ١٣٥) (٤٥٢٥)
[ ٣ / ١١٧٢ ]
ينتفع به» (^١).
٢ - والثاني: ما لا يجوز التقاطه، وهي الأشياء التي تمنع نفسها من صغار السباع لعدوها، كالظباء، أو بقوتها وتحملها، كالإبل، والبقر ونحو ذلك. فهذا يحرم التقاطه كما سيأتي دليله.
٣ - والنوع الثالث: ما عدا ذلك، فهذا هو الذي يشرع التقاطه بقصد الحفظ لصاحبه، فإن التقطه بنية التملك حرم، وعليه ضمانه إن تلف.
والتعريف يكون (بموضع يرجو التعريف بها) لأن المقصود لا يحصل إلا بذلك، ولما رواه مالك عن أيوب بن موسى عن معاوية بن عبد الله بن بدر الجهني أن أباه أخبره أنه نزل منزل قوم بطريق الشام فوجد صرة فيها ثمانون دينارا، فذكرها لعمر بن الخطاب فقال له عمر: «عرفها على أبواب المساجد، واذكرها لكل من يأتي من الشام سنة، فإذا مشت السنة فشأنك بها» (^٢)، وكذلك يعرفها في المحافل والأسواق، وفي مكان وجدانها، لأنه مكان بحث صاحبها، ويبلغ الجهات المسؤولة عنها، كدوائر الشرطة، وفي زمننا يمكن أن يكون نشدانها في الصحف والإذاعات والتلفاز، إذا كانت لقطة خطيرة. وإذا عرفها لا يذكر جنسها بل يذكرها بأمر عام بأن يقول: من ضاع له شيء من نوع كذا. (فإن تمت سنة ولم يأت لها أحد، فإن شاء حبسها، وإن شاء تصدق بها) عن نفسه أو عن ربه لقول النبي ﷺ: «وإلا فشأنك بها» (^٣) لأن هذه كلمة معناها التخيير، وكذلك له أن يستنفقها كما في حديث أبي بن كعب كما سيأتي. (و) إذا تصدق بها (ضمنها لربها إن جاء) وإن وجدها ربها قائمة أخذها. وإن انتفع الملتقط (بها)؛ أي: باللقطة (ضمنها) إن تلفت، وأما كونه يضمنها إن جاء فلقول النبي ﷺ: «فإن جاء صاحبها، فلا يكتم، وهو أحق بها، وإن لم يجئ صاحبها، فإنه مال الله يؤتيه من يشاء» (^٤)، وقوله ﷺ: «فإن
_________________
(١) أبو داود (١٧١٧).
(٢) الموطأ (١٤٤٥)، انظر: شرح الزرقاني (٤/ ٦٧).
(٣) الحديث المتقدم زيد بن خالد الجهني به.
(٤) أحمد (١٧٤٨١)، وإسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير =
[ ٣ / ١١٧٣ ]
جاء صاحبها فأدها إليه من حديث زيد بن خالد الجهني، وأما إن لم يحصل تلف فإنما يلزمه كراؤها لصاحبها إن كان مثله يكري الدواب.
(وإن هلكت قبل السنة أو بعدها بغير تحريك)؛ أي: تعد وتفسير التحريك بالتعدي إشارة إلى أنه ليس المراد مطلق التحريك، إذ قد يكون التحريك مأذونا فيه كما إذا كان للعلف مثيلا لم يضمنها لأنه يحفظها لصاحبها فلم يلزم ضمانها من غير تفريط كالوديعة فقط سماها النبي ﷺ وديعة ففي حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن اللقطة، قال: «عرفها سنة، ثم اعرف وكاءها وعفاصها، ثم استنفق بها، فإن جاء ربها، فأدها إليه» (^١).
(وإذا عرف طالبها)؛ أي: اللقطة (العفاص) بكسر العين وبالفاء والصاد المهملة، وهو الوعاء الذي تكون فيه النفقة (والوكاء) بالمد وهو الخيط الذي يشد به الوعاء (أخذها) لحديث زيد بن خالد السالف ظاهر كلامه أنه لا بد من مجموع الأمرين وليس كذلك، بل أحدهما كاف لأنه قد ينسى الآخر. وظاهره أيضا أن معرفة عدد الدراهم كما لأصبغ وهو المعتمد، وغلة اللقطة في مدة التعريف للملتقط.
(ولا يأخذ الرجل ضالة الإبل من الصحراء) لما في حديث زيد بن خالد الجهني ﵁: «وسأله عن ضالة الإبل فقال: ما لك ولها؟ دعها، فإن معها حذاءها وسقاءها، ترد الماء وتأكل الشجر، حتى يجدها ربها» (^٢).
ولا يلحق بضالة الإبل الخيل والحمير، بل هي داخلة في اللقطة
فلواجدها أخذها (وله)؛ أي: للرجل (أخذ الشاة وأكلها إن كانت بفيفاء) وهي
_________________
(١) = صحابي الحديث، فلم يخرج له سوى مسلم. هشيم هو ابن بشير السلمي، وخالد: هو ابن مهران الحذاء. وأخرجه النسائي في «الكبرى» (٥٨٠٨)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٣١٣٧) و(٤٧١٥).
(٢) في بعض روايات حديث زيد بن خالد به ﵁.
(٣) تكرر تخريجه.
[ ٣ / ١١٧٤ ]
الصحراء التي (لا عمارة فيها) ولا ضمان عليه إن أكلها في الصحراء ولا شيء عليها لربها ولو مع تيسير سوقها للعمران على ظاهر المدونة، لما في حديث زيد … وسأله عن الشاة فقال: «خذها، فإنما هي لك، أو لأخيك أو للذئب»، لكن إن أتى بها إلى العمران وهي حية فعليه تعريفها لأنها صارت كاللقطة (^١).
ثم انتقل يتكلم على ما تبرع به في الباب فقال: (ومن استهلك عرضا فعليه قيمته) على المشهور، ويعم اللقطة والوديعة والرهن وما أشبه ذلك لحديث عمر أن النبي ﷺ قال: «من أعتق شركا له في عبد فإن كان معه ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه وأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق عليه ما عتق» (^٢)؛ فأوجب القيمة في العبد بالاختلاف بالعتق، ولأن إيجاب مثله من جهة الخلقة لا يمكن لاختلاف الجنس الواحد في القيمة، فكانت القيمة أقرب إلى إيفاء حقه، ولأن ما لا يجوز الجزاف في عدد مبيعه، فإنه لا يجب بإتلافه المثل كالدور (^٣)، ومقابله ما حكى الباجي عن مالك بأن له قولا: أن جميع المتلفات مثلية، كقول أبي حنيفة والشافعي، وعلى المشهور من اعتبار القيمة فبموضع الاستهلاك سواء كان عمدا أو خطأ إذ العمد والخطأ في أموال الناس سواء.
(وكل ما يوزن أو يكال) أو يعد مما لا تختلف أحاده كالبيض (فعليه مثله) في الموضع الذي استهلكه فيه.
الغصب
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والغاصب ضامن لما غصب فإن رد ذلك بحاله فلا شيء عليه.
_________________
(١) الفواكه الدواني (٢/ ١٧٤).
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢٢٤٠)، والبخاري (٢٣٨٦)، ومسلم (٤/ ٢١٢) (٣٧٦٣) و(٥/ ٩٥) (٤٣٣٨).
(٣) مسالك الدلالة (٣١٨)، وتعقبه الشيخ العابدين، فانظر: العجالة (٤/ ٢٨٧).
[ ٣ / ١١٧٥ ]
وإن تغير في يده فربه مخير بين أخذه بنقصه أو تضمينه القيمة.
ولو كان النقص بتعديه خير أيضا في أخذه وأخذ ما نقصه وقد اختلف في ذلك.
ولا غلة للغاصب ويرد ما أكل من غلة أو انتفع.
وعليه الحد إن وطئ، وولده رقيق لرب الأمة.
ولا يطيب لغاصب المال ربحه حتى يرد رأس المال على ربه، ولو تصدق بالربح كان أحب إلى بعض أصحاب مالك وفي باب الأقضية شيء من هذا المعنى).
الشرح
الغصب: لغة: مصدر «غصبه يغصبه» أخذ الشيء ظلما (^١)، واصطلاحا: «الغصب أخذ مال غير منفعة ظلما قهرا لا لخوف قتال» (^٢).
انتقل رحمه الله تعالى يتكلم على ما ختم به الترجمة وهو الغصب.
وهو من الظلم المحرم في الكتاب، والسنة، والإجماع.
ويجب على الغاصب رد ما غصبه، لأنه من رد المظالم إلى أهلها، وحكمه الحرمة لما ورد في شأنه من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية فمن الآيات قوله تعالى: ﴿إن الله لا يحب المعتدين﴾ [البقرة: ١٩٠، والمائدة: ٨٧]، ومن الأحاديث ما في «الصحيحين» من حديث عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: «من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين» (^٣)، ومن أحكامه الضمان، وإليه أشار بقوله:
(والغاصب ضامن لما غصب) قال القرافي: وهو؛ أي: الغاصب كل
آدمي يتناوله عقد الإسلام أو الذمة، لحديث سمرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:
_________________
(١) المطلع (٢٧٦).
(٢) شرح حدود ابن عرفة للرصاع (٤٦٦).
(٣) البخاري (٣٠٢٣)، ومسلم في المساقاة، باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها رقم (١٦١٢).
[ ٣ / ١١٧٦ ]
«على اليد ما أخذت حتى تؤديه» وفي رواية: «حتى تؤدي» (^١)؛ أي: ملزمة بدفعه إن كان باقيا أو قيمته أو مثله إن فات، والمراد باليد؛ أي: صاحبها، والمشهور أن الضمان يعتبر حالة الغصب إن فات المغصوب (فإن) لم يفت (رد) الغاصب (ذلك) المغصوب (بحاله) إن لم يتغير في بدنه (فلا شيء)؛ أي: لا قيمة (عليه) إنما يلزمه الأدب والتوبة والاستغفار من إثم الاغتصاب، (وإن تغير) المغصوب بنقص في ذاته بأمر سماوي، أو بفعل الغاصب حالة كونه (في يده)؛ أي: يد الغاصب (فربه مخير بين أخذه بنقصه من غير أرش العيب (أو تضمينه)؛ أي: الغاصب (القيمة) يوم الغصب، وذلك كمن غصبت سيارته وأصيبت الأرض تحتها بانهيار طبيعي أو أمر سماوي كبرد كسرها فأفسد حالها فلصاحبها الخيار بأن يأخذها ولا شيء له، أو يعطيه قيمتها يوم غصبها، ولو كان النقص في المغصوب (بتعديه)؛ أي: الغاصب (خير) المغصوب منه أيضا في أخذه وأخذ)؛ أي: مع أخذ (ما نقصه) قال الفاكهاني: أو تضمينه القيمة يوم التعدي وعن أشهب وابن القاسم في أحد قوليه: إنما له أخذ القيمة أو أخذه ناقصا ولا شيء له معه، وإلى هذا الخلاف أشار بقوله: (وقد اختلف في ذلك).
ثم شرع يبين غلة المغصوب لمن هي فقال: (ولا غلة للغاصب، ويرد ما أكل من غلة أو انتفع) ظاهره وجوب رد الغلة مطلقا سواء كان المغصوب ربعا أو حيوانا أو رقيقا أو غير ذلك، وهي رواية أشهب وابن زياد عن مالك، قال الفاكهاني: وظاهر الكتاب اختصاص الضمان بغلة الرباع دون الرقيق والحيوان، وهو قول ابن القاسم في «المدونة». (وعليه)؛ أي: الغاصب (الحد إن) ثبت ببينة أو إقرار أنه (وطئ الأمة) لأنه زان لا شبهة له البتة، (وولده رقيق لرب الأمة) لأن كل ولد نشأ عن زنا، أو عقد نكاح تابع لأمة
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٥٦١)، والترمذي (١/ ٢٣٩)، وابن ماجه (٢٤٠٠)، والحاكم (٢/ ٤٧)، والبيهقي (٦/ ٩٠)، وأحمد (٥/ ٨ و١٢ و١٣) من طريق الحسن عن سمرة به. وقال الألباني: «ضعيف». انظر: حديث رقم (٣٧٣٧) في ضعيف الجامع.
[ ٣ / ١١٧٧ ]
في الملك، (ولا يطيب لغاصب المال ربحه حتى يرد رأس المال على ربه) قال الفاكهاني: يعني: إذا غصب مالا فاتجر فيه ونما في يده وتعلق بذمته كان الربح له كما أن الضمان عليه، ولكنه مكروه لكونه نشأ عن مال لم يطب قلب صاحبه بتقلبه فيه، فإذا رد رأس المال على وجهه واستحل من ربه جاز له وطاب بطيب نفس رب المال. (ولو تصدق) الغاصب (بالربح كان أحب إلى بعض أصحاب مالك) وهو الإمام أشهب لعل التصدق به يكون كفارة لما اقترفه من إثم الغصب، لما في الحديث من قوله ﷺ: «الصدقة تطفئ الخطيئة» (^١) (وفي باب الأقضية شيء من هذا المعنى)؛ أي: مسائل الغصب، والله أعلم.
_________________
(١) رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب وصححه الألباني. انظر: حديث رقم (٥١٣٦) في صحيح الجامع.
[ ٣ / ١١٧٨ ]