• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(باب في الجهاد: والجهاد فريضة يحمله بعض الناس عن بعض. وأحب إلينا أن لا يقاتل العدو حتى يدعوا إلى دين الله إلا أن يعاجلونا فإما أن يسلموا أو يؤدوا الجزية، وإلا قوتلوا.
وإنما تقبل منهم الجزية إذا كانوا حيث تنالهم أحكامنا فأما إن بعدوا منا فلا تقبل منهم الجزية إلا أن يرتحلوا إلى بلادنا، وإلا قوتلوا.
والفرار من العدو من الكبائر إذا كانوا مثلي عدد المسلمين فأقل فإن كانوا أكثر من ذلك فلا بأس بذلك.
ويقاتل العدو مع كل بر وفاجر من الولاة.
ولا بأس بقتل من أسر من الأعلاج.
ولا يقتل أحد بعد أمان ولا يخفر لهم بعهد ولا يقتل النساء والصبيان ويجتنب قتل الرهبان والأحبار إلا أن يقاتلوا، وكذلك المرأة تقتل إذا قاتلت.
ويجوز أمان أدنى المسلمين على بقيتهم، وكذلك المرأة والصبي إذا عقل الأمان وقيل: إن أجاز ذلك الإمام جاز.
وما غنم المسلمون بإيجاف فليأخذ الإمام خمسه ويقسم الأربعة الأخماس بين أهل الجيش.
وقسم ذلك ببلد الحرب أولى.
وإنما يخمس ويقسم ما أوجف عليه بالخيل والركاب، وما غنم بقتال.
[ ٢ / ٨٦٣ ]
ولا بأس أن يؤكل من الغنيمة قبل أن يقسم الطعام والعلف لمن احتاج إلى ذلك.
وإنما يسهم لمن حضر القتال أو تخلف عن القتال في شغل المسلمين من أمر جهادهم ويسهم للمريض وللفرس الرهيص.
ويسهم للفرس سهمان وسهم لراكبه.
ولا يسهم لعبد ولا لامرأة ولا لصبي إلا أن يطيق الصبي الذي لم يحتلم القتال ويجيزه الإمام ويقاتل فيسهم له ولا يسهم للأجير إلا أن يقاتل.
ومن أسلم من العدو على شيء في يده من أموال المسلمين فهو له حلال.
ومن اشترى شيئا منها من مال العدو لم يأخذه ربه إلا بالثمن.
وما وقع في المقاسم منها فربه أحق به بالثمن، وما لم يقع في المقاسم فربه أحق به بلا ثمن.
ولا نفل إلا من الخمس على الاجتهاد من الإمام.
ولا يكون ذلك قبل القسم.
والسلب من النفل.
والرباط فيه فضل كبير وذلك بقدر كثرة خوف أهل ذلك الثغر، وكثرة تحرزهم من عدوهم.
ولا يغزى بغير إذن الأبوين إلا أن يفجأ العدو مدينة قوم ويغيرون عليهم ففرض عليهم دفعهم ولا يستأذن الأبوان في مثل هذا).
الشرح
(باب في) حكم (الجهاد):
والجهاد بكسر الجيم أصله لغة: المشقة، يقال: جهدت جهادا بلغت المشقة.
[ ٢ / ٨٦٤ ]
واصطلاحا: قتال مسلم كافرا غير ذي عهد، لإعلاء كلمة الله أو حضوره له، أو دخوله أرضه له (^١).
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والجهاد فريضة) من فروض الكفايات لا يجوز تركه إلا لعذر، وقال المازري: قال ابن المسيب وغيره: هو فرض على الأعيان (^٢) قال تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة﴾ [التوبة: ٣٦]، ولقوله تعالى: ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم﴾ [البقرة: ٢١٦] الآية.
ولا يكف عن الكفار إلا أن يدخلوا في ديننا أو يؤدوا الجزية في بلدنا، ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع: أحدهما: إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان حرم على من حضر الانصراف وتعين عليه المقام لقول الله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا﴾ [الأنفال: ٤٥].
الثاني: إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم (^٣).
الثالث: إذا استنفر الإمام قوما لزمهم النفير معه لقول الله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم أنفروا في سبيل الله أنا قلتم إلى الأرض﴾ [التوبة: ٣٨] الآية والتي بعدها، وقال النبي ﷺ: «إذا استنفرتم فانفروا» (^٤)؛ أي: إذا طلب الإمام منكم الخروج إلى الجهاد. (فانفروا)؛ أي: فاخرجوا.
وما عدا هذه يكون فرض كفاية (^٥).
وإليه أشار بقوله: (يحمله بعض الناس عن بعض) لقوله تعالى: ﴿لا﴾
_________________
(١) شرح حدود ابن عرفة للرصاع (٢٢٠).
(٢) الذخيرة (٣/ ٣٨٥)، وانظر: التفريع لابن الجلاب (١/ ٣٥٧).
(٣) التوضيح على جامع الأمهات (٣/ ٤٠٤).
(٤) أخرجه أحمد (١/ ٢٢٦) (١٩٩١)، والبخاري (٤/ ١٧) (٢٧٨٣)، ومسلم (٦/ ٢٨) (٤٨٦٢) من حديث ابن عباس. - إذا استنفرتم؛ أي: إذا طلب الإمام منكم الخروج إلى الجهاد. «فانفروا» فاخرجوا.
(٥) انظر: التوضيح على جامع الأمهات (٣/ ٤٠٤)، وبداية المجتهد (١/ ٣٨٠).
[ ٢ / ٨٦٥ ]
يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى [النساء: ٩٥]؛ أي: المثوبة الحسنى وهي الجنة، وهذا يدل على أن القاعدين غير آثمين مع جهاد غيرهم وقال تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا﴾ [التوبة: ١٢٢].
وتواتر في السنة أنه أرسل قوما دون آخرين، وبقي مع أصحابه في المدينة.
• تشوف الإسلام لدخول الناس فيه بدل القتال:
(وأحب إلينا)؛ أي: المالكية أن لا يقاتل العدو حتى يدعوا إلى دين الله؛ أي: حتى تدعى كل فرقة إلى الخروج عما كفرت به فيدعى إلى الشهادتين من لم يقر بمضمونهما، ويدعى إلى عموم رسالة المصطفى ﷺ من ينكر العموم ويدعون إلى ذلك ثلاثة أيام متوالية في كل يوم مرة لحديث سهل بن سعد ﷺ أنه سمع النبي ﷺ يوم خيبر فقال: «أين علي؟ فقيل: إنه يشتكي عينيه، فأمر فدعا له فبصق في عينيه فبرأ مكانه حتى كأن لم يكن به شيء فقال: نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يهتدي بك رجل واحد خير لك من حمر النعم» (^١).
(إلا أن يعاجلونا)؛ أي: يبادرونا بالقتال فإن الدعوة حينئذ لا تستحب بل يجب قتالهم لقوله تعالى: ﴿فإن قتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين﴾ [البقرة: ١٩١].
وظاهر قوله (فإما أن يسلموا أو يؤدوا الجزية) أنهم يخيرون بين الأمرين دفعة واحدة فإن أجابوا إلى أحدهما كف عنهم لقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صغرون﴾
_________________
(١) البخاري (٢٩٤٢)، ومسلم (٢٤٠٦).
[ ٢ / ٨٦٦ ]
[التوبة: ٢٩]، ولحديث بريدة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال: اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم الذي يجري على المسلمين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم» … . الحديث (^١).
(وإلا قوتلوا)؛ أي: فلو أسرعوا لمقاتلتنا كافين عن دعوتنا؛ أي: تاركين لها قوتلوا دونها لأن الدعوة حينئذ حرام وإنما تقبل منهم الجزية إذا كانوا حيث تنالهم أحكامنا، فأما إن بعدوا منا فلا تقبل منهم الجزية إلا أن يرتحلوا إلى بلادنا وإلا قوتلوا كما مر في حديث بريدة وغيره، قال ابن عمر: هذا الشرط في أهل العنوة، وأما أهل الصلح فلا يشترط فيهم هذا الشرط وتقبل منهم الجزية في موضعهم لأنهم منعوا أنفسهم حتى صالحوا على أنفسهم وبلادهم.
• حكم من فر من العدو:
(والفرار) بكسر الفاء أن يولي (من العدو) عده العلماء (من الكبائر) لقوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار﴾ [الأنفال: ١٥]، ولحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا
_________________
(١) مسلم (٥/ ١٣٩) (٤٥٤٢ و٤٥٤٣)، وأبو داود (٢٦١٢).
[ ٢ / ٨٦٧ ]
السبع الموبقات، قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» (^١).
ومحل ارتكاب الكبيرة (إذا كانوا)؛ أي: العدو من الكفار (مثلي عدد المسلمين فأقل) سواء كان المسلمون مثلهم في القوة أو أشد أو جهل الأمر، وهو المشهور، إذ المشهور يعتبر الضعف بحسب العدد لا القوة، ومحل حرمة الفرار إذا فر ونيته عدم الرجوع، أما إذا فعل ذلك مكيدة أو تحيزا إلى فئة بأن يرى العدو الانهزام حتى يتبعه فيكر عليه أو يرجع إلى الأمير أو إلى جماعة المسلمين لأجل أن يستعين بهم فلا يحرم الفرار إذا فعن ابن عباس: «لما نزلت ﴿إن يكن منكم عشرون صبرون يغلبوا مائتين﴾ [الأنفال: ٥٦] فكتب عليهم أن لا يفر عشرون من مائتين. ثم نزلت: ﴿الئن خفف الله عنكم﴾ [الأنفال: ٦٦] الآية فكتب أن لا تفر مائة من مائتين» (^٢)؛ وقال ابن عباس: «من فر من اثنين فقد فر، ومن فر من ثلاثة فلم يفر» (^٣).
(فإن كانوا)؛ أي: العدو (أكثر من ذلك)؛ أي: من مثلي عدد المسلمين (فلا بأس بذلك) الفرار من العدو، وظاهره ولو بلغ المسلمون اثني عشر ألفا وهو كذلك في النوادر عن سحنون، ونقل ابن رشد عن جمهور أهل العلم وارتضاه: أن المسلمين إذا بلغوا اثني عشر ألفا لا يجوز لهم الفرار وإن كان الكفار أكثر من مثليهم (^٤). وقيد به بعضهم كلام الشيخ، واعتمده صاحب المختصر (^٥). فعن ابن عباس له عن النبي ﷺ قال: خير الصحابة أربعة
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٧٦٦)، ومسلم (٨٩).
(٢) البخاري (٤٦٥٢).
(٣) بصيغة أخرى، كما في شرح المسند للرافعي (٣/ ٣٠٣ - ٣٠٤)، ط: الأوقاف القطرية، وأخرجه الطبراني (١١١٥١)، قال الهيثمي (٥/ ٣٢٨): رجاله ثقات.
(٤) البيان والتحصيل لابن رشد (١٠/ ٤٨).
(٥) التوضيح (٣/ ٤٠٦).
[ ٢ / ٨٦٨ ]
وخير السرايا أربع مائة وخير الجيوش أربعة آلاف ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة» (^١).
• وجوب الجهاد مع الأمراء برهم وفاجرهم:
(ويقاتل العدو) بالبناء للمفعول؛ أي: ويجب على كل من وجب عليه الجهاد أن يقاتل العدو من الكفار (مع كل بر) بفتح الموحدة وهو الموفي بالعهود (و) مع كل (فاجر) وهو الجائر في أحكامه (من الولاة) لقوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء: ٥٩]، ولحديث أبي هريرة: «الجهاد ماض مع البر والفاجر» (^٢)، قال القرافي: «في الكتاب لا بأس بالجهاد مع ولاة الجور، لأنه لو ترك لأضر بالمسلمين، واستدل البخاري على ذلك بقوله ﷺ: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» (^٣)، ولأنا إن استطعنا إزالة منكرهم أطعنا طاعتين بالجهاد وإزالة المنكر، وإلا سقط عنا وجوب الإنكار فنطيع بالجهاد» (^٤)، وقال النووي: «المراد بأولي الأمر من أوجب الله طاعته من الولاة والأمراء، هذا قول جماهير العلماء من السلف والخلف من المفسرين والفقهاء». اه (^٥).
قوله: «لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل» فيه دليل على أنه لا فرق في حصول فضيلة الجهاد بين أن يكون الغزو مع الإمام العادل أو الجائر.
_________________
(١) أبو داود (٢٦١١). قال أبو داود: والصحيح أنه مرسل.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٦/ ٦٦ - ٦٧): أخرجه أبو داود وأبو يعلى مرفوعا وموقوفا (قلت: والبيهقي)، وقال لا بأس برواته، إلا أن مكحولا لم يسمع من أبي هريرة ﷺ. اه. وقد بوب البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الجهاد، باب: الجهاد ماض مع البر والفاجر، وأورد حديث «الخيل مربوط في نواصيها الخير».
(٣) أخرجه أحمد (٣/ ١١٤) (١٢١٤٩)، والبخاري (٤/ ٣٤) (٢٨٥١)، ومسلم (٦/ ٣٢) (٤٨٨٧)
(٤) الذخيرة للقرافي (٣/ ٤٠٤).
(٥) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٢٣).
[ ٢ / ٨٦٩ ]
• حكم من يستحق القتل من الأسرى وغيرهم ومن لا يستحق ذلك:
(ولا بأس بقتل من أسر من الأعلاج): جمع علج وهو الرجل من كفار العجم؛ أي: إذا كان في قتله مصلحة بل لا مفهوم هنا للأعلاج فكل من أسر فالإمام مخير فيهم فإن رأى القتل فعله للنكاية في العدو، وإن رأى الاسترقاق فعل أو المن أو الفداء (^١) لقوله تعالى: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أتخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها﴾ [محمد: ٤]، فخير سبحانه بين المن والفداء، ولحديث جبير بن مطعم ﵁: «أن النبي ﷺ قال في أسارى بدر: لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له» (^٢).
(ولا يقتل أحد من العدو بعد أمان) كان الأمان من الإمام أو غيره على المشهور (^٣)، لحديث عبد الله بن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما» (^٤).
(ولا يخفر لهم)؛ أي: للعدو (بعهد) والإخفار نقض العهد وليس هذا تكرارا مع ما قبله، فإن الأول خاص بالقتل، وهذا عام في القتل وغيره، لما روى مسلم بلفظ: «إن ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» وهو أيضا متفق عليه من حديث علي من طريق أخرى بأطول من هذا (^٥)، (ولا يقتل النساء و) لا (الصبيان) لما صح من نهيه ﵊ عن قتلهم، في أحاديث منها حديث ابن عمر ا قال: «وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي ﷺ فنهى رسول الله ﷺ عن
_________________
(١) المرجع السابق (٣/ ٤٢٥ - ٤٢٦).
(٢) البخاري (٤/ ١١١) (٣١٣٩) و(٥/ ١١٠) (٤٠٢٤)، وأبو داود (٢٦٨٩).
(٣) البيان والتحصيل لابن رشد (٣/ ٥٦)، والتفريع لابن الجلاب (١/ ٣٦١).
(٤) رواه البخاري (٣١٦٦)
(٥) البخاري (٣/ ٢٦) (١٨٧٠)، ومسلم (٤/ ١١٥) (٣٣٠٦).
[ ٢ / ٨٧٠ ]
قتل النساء والصبيان» (^١).
وكذلك لا تضرب عليهم الجزية ويتخير الإمام فيهم بين ثلاثة أوجه: الاسترقاق والعتق والفداء ويجتنب قتل الرهبان جمع راهب وهو العابد، ليس النهي عن قتل الرهبان ونحوهم لفضل ترهبهم بل هم من الله أبعد من غيرهم لشدة كفرهم، وإنما تركوا لتركهم أهل دينهم فصاروا كالنساء (^٢)، (و) قتل (الأحبار) جمع حبر بفتح الحاء وكسرها وهو الأفصح: العالم. لحديث ابن عباس ﵄: «ولا أصحاب الصوامع» (^٣).
واختلف في مرجع الضمير من قوله: (إلا أن يقاتلوا) فقيل: عائد على جميع من تقدم من النساء والصبيان والرهبان والأحبار، وقيل: عائد على الرهبان وما بعده واستقرب لسلامته من التكرار مع قوله: (وكذلك المرأة تقتل إذا قاتلت) ظاهره كان ذلك في حال القتال أو بعده، وقيده ابن عمر الأنفاسي بقوله - يعني حال القتال: وأما إذا برد القتال فلا تقتل، والراجح أنها إذا قاتلت بسلاح تقتل مطلقا حال القتال وبعده، ولو لم تقتل أحدا (^٤)، وذلك لحديث ابن عباس لا قال: رأيت رسول الله ﷺ قد رأى امرأة فقال: «من قتل هذه؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله نازعتني سيفي، فسكت رسول الله ﷺ» (^٥)؛ قال أبو عمر: «لم يختلف العلماء فيمن قاتل من النساء والشيوخ أنه مباح قتله، ومن قدر على القتال من الصبيان وقاتل» قتل (^٦)
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (٩٢٠)، والبخاري (٢٨٥٢)، ومسلم (٥/ ١٤٤) (٤٥٦٨).
(٢) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٥٠)، ط: العلمية، وانظر: التوضيح (٣/ ٤٢٧).
(٣) أخرجه أحمد (١/ ٣٠٠) (٢٧٢٨)، وفي إسناده إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة وهو ضعيف ووثقه أحمد.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٥٠)، والذخيرة (٣/ ٣٩٧).
(٥) رواه أحمد ووصله، والطبراني في الكبير كما في المجمع (٥/ ٥٧٠)، وقال: وفي إسنادهما الحجاج بن أرطاة وهو مدلس.
(٦) الاستذكار لابن عبد البر (٥/ ٣٠)، وانظر: الذخيرة للقرافي (٣/ ٣٩٩).
[ ٢ / ٨٧١ ]
• إجارة المسلم الكافر:
(ويجوز أمان أدنى المسلمين) وهو الخسيس الذي إذا غاب لا ينتظر، وإذا حضر لا يستشار (على بقيتهم) لحديث علي ﵁: عن النبي ﷺ أنه قال: «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم» (^١).
فأمان الشريف أحرى بالجواز، وهذا في قوم مخصوصين؛ أي: في قوم كفار مخصوصين.
وأما أهل ناحية أو بلد فلا يعقد لهم الأمان إلا السلطان فإن عقد غيره نقضه إن شاء. قال في «الجواهر»: وشرط الأمان أن لا يكون على المسلمين ضرر فلو أمن جاسوسا أو طليعة أو من فيه مضرة لم ينعقد (^٢). (وكذلك المرأة) يجوز أمانها لحديث أبي هريرة ﵁: «عن النبي ﷺ قال: إن المرأة لتأخذ للقوم يعني تجير على المسلمين» (^٣). ولأن أم هانئ ﵂ أجارت فأجاز النبي ﷺ جوارها وقال: «لقد أجرنا من أجرت يا أم هانئ» (^٤).
(والصبي) مثلها يجوز أمانه (إذا عقل الأمان)؛ أي: علم أن نقض الأمان حرام يعاقب عليه والوفاء به واجب يثاب عليه لقوله ﷺ: «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم» (^٥)، (وقيل: إن أجاز ذلك)؛ أي: أمان الصبي (الإمام جاز) وإن لم يجزه لم يجز (^٦).
• حكم الغنائم:
الغنائم: جمع غنيمة، يقال: غنم فلان الغنيمة، يغنمها. وأصل الغنيمة: الربح والفضل.
_________________
(١) البخاري (٣/ ٢٦) (١٨٧٠)، ومسلم (٤/ ١١٥) (٣٣٠٦).
(٢) الذخيرة للقرافي (٣/ ٤٤٦).
(٣) أخرجه أحمد (٢/ ٣٦٥) (٨٧٦٦)، والترمذي (١٥٧٩).
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) تقدم تخريجه.
(٦) الذخيرة للقرافي (٣/ ٤٤٣ - ٤٤٤).
[ ٢ / ٨٧٢ ]
قال ابن عرفة: «الغنيمة ما كان بقتال أو بحيث يقاتل عليه» (^١).
وقد كانت الغنائم محرمة أخذها في الأمم السابقة (^٢)، وفضل الله تعالى بها نبينا ﷺ وأمته على سائر الأمم، فقد جاء عنه ﷺ أنه: «… وأحلت لي الغنائم، وحرمت على من كان قبلي … الحديث» كما في «الصحيحين» من حديث جابر بن عبد الله ﵁ (^٣).
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وما غنم المسلمون) من العدو (بإيجاف)؛ أي: تعب وحملات في الحرب جمع حملة وهي الكرة في الحرب كما في «القاموس» (^٤)، (فيأخذ الإمام خمسه) يتصرف فيه بما شاء فإما أن يضعه في بيت المال، وإما أن يصرفه في مصالح المسلمين من شراء سلاح أو غيره مما يراه مصلحة للمسلمين، وإن شاء دفعه لآل النبي ﷺ أو لغيرهم أو يجعل بعضه فيهم وبقيته في غيرهم (^٥) لقوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ [الأنفال: ٤١]، وهذا إذا كان الذي غنموه غير أرض من كراع - بوزن غراب - الخيل كما في «المصباح»، وقماش وعبيد ومال وحنطة، وأما الأرض فلا تخمس ولا تقسم بل توقف ويصرف خراجها في مصالح المسلمين (^٦)، (و) بعد أن يأخذ الإمام خمس المغنم (يقسم الأربعة الأخماس) الباقية (بين أهل الجيش المجاهدين) الإضافة للبيان؛ أي: أهل هم الجيش، ولا خلاف في ذلك (^٧)، لحديث عبد الله بن شقيق، عن رجل من بلقين قال: أتيت النبي ﷺ وهو بوادي القرى وهو يعرض فرسا، فقلت: يا رسول الله، ما تقول في
_________________
(١) شرح حدود ابن عرفة للرصاع (٢٢٩).
(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٦/ ١٣١) (١١/ ٢٣٥).
(٣) البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٢/ ٦٣) (١٠٩٩).
(٤) باب اللام فصل الحاء.
(٥) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٨/ ١٢) و(١٤ - ١٥) و(٨/ ٩ - ١٠) و(١٨/ ١٣).
(٦) التوضيح على جامع الأمهات (٣/ ٤٥٨)، والمذهب لابن راشد (٢/ ٦٥٩).
(٧) التوضيح (٣/ ٤٥٩).
[ ٢ / ٨٧٣ ]
الغنيمة؟ قال: «الله خمسها، وأربعة أخماس للجيش». قلت: فما أحد أولى به من أحد؟ قال: «لا، ولا السهم تستخرجه من جنبك ليس أنت أحق به من أخيك المسلم» (^١).
(وقسم ذلك)؛ أي: ما غنمه المسلمون (ببلد الحرب أولى) لما وقع منه ﷺ من ذلك لما فيه من نكاية في العدو، لحديث رافع ﵁ قال: «كنا مع النبي ﷺ بذي الحليفة فأصبنا غنما وإبلا، فعدل عشرة من الغنم ببعير» (^٢)، ولحديث أنس ﵁ قال: «اعتمر النبي ﷺ من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين» (^٣)، قال الحافظ (^٤): وكلا الحديثين ظاهر فيما ترجم له؛ (أي: البخاري) حيث أشار إلى الرد على قول الكوفيين: «إن الغنائم لا تقسم في دار الحرب، والجمهور أن ذلك راجع إلى نظر الإمام واجتهاده». اه ..
(وإنما يخمس ويقسم ما أوجف)؛ أي: حمل (عليه بالخيل والركاب)؛ أي: الإبل، (وما غنم بقتال) عطف عام على خاص.
وأما الفيء وهو الذي أخذ بغير إيجاف ولا قتال كالمأخوذ ممن انجلى عنه أهله حين سماعهم بخروج جيش المسلمين عليهم فلا يخمس، ولا يقسم، بل النظر فيه للإمام مثل خمس الغنيمة يصرف حيث شاء (^٥)، لقوله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾ [الحشر: ٧]، ولحديث عمر ﵁ قال: «كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ، مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل، ولا ركاب، فكانت لرسول الله ﷺ خاصة، وكان ينفق
_________________
(١) رواه البيهقي بسند صحيح (٦/ ٣٢٤) (١٣٢٤١)، وله شواهد كما قال شيخنا شعيب الأرناؤوط في تخريجه لمسند احمد.
(٢) البخاري (٣/ ١٨١) (٢٤٨٨)، ومسلم ٦/ ٧٨ (٥١٣٣).
(٣) البخاري (١٦٨٨، ٣٠٦٦).
(٤) الفتح بتصرف (٦/ ٢١٠).
(٥) الذخيرة للقرافي (٣/ ٤٣١)، والتوضيح (٣/ ٤٥٩).
[ ٢ / ٨٧٤ ]
على أهله نفقة سنته، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله» (^١).
(ولا بأس) بمعنى ويباح فاستعمل لا بأس هنا فيما فعله وتركه سواء (أن يؤكل من الغنيمة قبل أن تقسم الطعام والعلف لمن احتاج إلى ذلك) (^٢) سواء أذن الإمام أم لا، والمراد بالطعام ما يؤكل لحما أو غيره لحديث ابن عمر ﵄: «كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب، فنأكله ولا نرفعه» (^٣)؛ ولحديث عبد الله بن مغفل ﵁ كما تقدم في أخذه جراب الشحم (^٤).
• شروط من يقسم لهم من الغنيمة:
لما كانت أربعة أخماس المغنم لا تقسم بين الجيش إلا بشروط شرع في بيانها فقال:
(وإنما يسهم لمن حضر القتال) المراد حضور المناشبة؛ أي: المضاربة سواء قاتل أم لا، لا حضور المواجهة، فإذا قامت الصفوف ولم يتناشب القتال فلا يسهم لمن مات حينئذ، ويسهم لمن مات بعد انتشاب القتال (^٥)، لحديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ في قصة بعثه أبان بن سعيد بن العاص على سرية من المدينة قبل نجد وفيه أنه لم يقسم لمن لم يحضر الوقعة (^٦)، ولقول عمر ﵁: «إنما الغنيمة لمن شهد الوقعة» (^٧).
_________________
(١) أحمد (١/ ٢٥) (١٧١)، والبخاري (٤/ ٤٦) (٢٩٠٤) و(٦/ ١٨٤) (٤٨٨٥)، ومسلم (٥/ ١٥١) (٤٥٩٦)
(٢) انظر: الموطأ (٣/ ٢٣).
(٣) انظر: المدونة (٣/ ٣٨)، وانظر: نقل الإجماع على جواز أكل الطعام في أرض الغزو ونحوه الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٤/ ٢٥٨).
(٤) البخاري (٥٥٠٨).
(٥) التوضيح على جامع الأمهات (٣/ ٤٧٢).
(٦) أبو داود (٢٧٢٣).
(٧) رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح كما في المجمع (٣/ ٥/ ٣٤٣)، وأخرجه عبد الرزاق، قال الحافظ في الفتح (٦/ ٢٥٩): وإسناده صحيح.
[ ٢ / ٨٧٥ ]
(أو تخلف عن القتال في شغل المسلمين من أمر جهادهم) ككشف طريق، أو جلب عدد، أو نحو ذلك، لأن النبي ﷺ قسم لطلحة والزبير لأنهما اشتغلا بحاجة المسلمين، وقسم من خيبر لأهل السفينة الذين قدموا مع جعفر (^١)، والحديث ابن عمر ﵄ قال: إنما تغيب عثمان عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة فقال له النبي ﷺ: «إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه» (^٢).
ويسهم لمن ضل عن الجيش في بلاد العدو (و) كذلك (يسهم للمريض) إذا حصل له المرض بعد القتال، أو في حال القتال؛ أي: شهد أوله صحيحا ثم مرض واستمر يقاتل مريضا، أما لو حصل له المرض قبل حضور القتال سواء كان ابتدأ مرضه في دار الحرب أو في بلاد الإسلام فلا يسهم له.
(و) كذلك يسهم (للفرس الرهيص) إذا حصل بعد القتال أو في حال القتال (^٣). قال ابن عمر الأنفاسي: «ليس الرهص بشرط وكذا إذا مرض بغيره» (^٤).
(ويسهم للفرس الواحد (سهمان) لحديث ابن عمر ﵄: «إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن له فرس فله سهم» (^٥)، وفي لفظ: «أسهم للفرس سهمين، وللرجل سهما» (^٦)، واحترز بالفرس عن البعير والبغل والحمار فإنه لا يسهم لها، والتقيد بالواحد لإخراج ما زاد عليه فإنه لا يسهم له (^٧)، (و) يسهم (سهم) واحد (لراكبه) وفيه من التسامح ما لا يخفى، فإن الراكب إنما
_________________
(١) فتح الباري (٦/ ٢٢٥).
(٢) البخاري رقم (٣١٣٠) وبوب له بقوله: باب إذا بعث الإمام رسولا في حاجة، أو أمره بالمقام هل يسهم له؟
(٣) قال في القاموس: ورهص الفرس، كعني وفرح، فهو رهيص ومرهوص: أصابته الرهصة، وهي وقرة تصيب باطن حافره، وأرهصه الله تعالى.
(٤) الثمر الداني (٤١٧)، والفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني للنفراوي (١/ ٥٦)، ط: مكتبة الثقافة الدينية.
(٥) أخرجه أحمد (٤/ ١٣٨) (١٧٣٧١). وأبو داود (٢٧٣٤) (٢٧٣٥).
(٦) البخاري (٢٨٦٣)، ومسلم (١٧٦٢).
(٧) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٨/ ١٥ - ١٦).
[ ٢ / ٨٧٦ ]
يقال لراكب الإبل، وأما راكب الفرس فإنما يقال له: فارس. والأصل فيما ذكر ما صح أنه جعل للفرس سهمين، وللفارس سهما كما ذكرنا آنفا.
(و) من الشروط التي يستحق بها القسم الحرية ف (لا يسهم لعبد) قاتل أو لم يقاتل فعن عمير مولى أبي اللحم (^١) قال: «شهدت خيبر مع ساداتي، فكلموا في رسول الله ﷺ فأمر بي فقلدت سيفا، فإذا أنا أجره، فأخبر أني مملوك، فأمر لي بشيء من خرثي (^٢) المتاع» (^٣)، (و) منها الذكورية ف (لا) يسهم (لامرأة) قاتلت أو لم تقاتل وهو قول مالك، وفي ذلك أحاديث منها حديث ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ كان يغزو بالنساء فيداوين الجرحى، ويحدين من الغنيمة وأما بسهم فلم يضرب لهن» (^٤)، وذهب ابن حبيب إلى أن ذلك مما يستحب للإمام أن يفعله، وهذا على الاختلاف هل للإمام أن ينفل من جملة الغنيمة (^٥).
وقال ابن يونس: «من قاتل من النساء قتال الرجال أسهم لها؛ ولا يسهم للعبد وإن قاتل لأنه مستحق المنافع ويستحب للإمام أن يجزي العبد والمرأة والصبي من الخمس» (^٦).
(و) منها البلوغ ف (لا) يسهم (لصبي)، وأما حديث الأوزاعي قال: أسهم النبي ﷺ للصبيان بخيبر (^٧)، فقد حمل الإسهام على الرضخ، قلت:
_________________
(١) آبي اللحم هو اسم فاعل من أبى يأبى فهو آبي، قال أبو داود: قال أبو عبيد: كان حرم اللحم على نفسه فسمي أبي اللحم.
(٢) من خرتى المتاع بالخاء المعجمة المضمومة وسكون الراء المهملة بعدها مثلثة وهو سقطه. قال في النهاية: هو أثاث البيت. وقال في القاموس: الخرثى بالضم أثاث البيت أو أراد المتاع والغنائم.
(٣) أبو داود (٢٧٣٢)، والترمذي وقال: وهذا حديث حسن صحيح.
(٤) مسلم (٤٧٩١)، وأبو داود (٢٥٣١)، والترمذي (١٥٧٥).
(٥) البيان والتحصيل لابن رشد (٢/ ٥٥٥) و(١٧/ ٥٤١)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٨/ ١٧).
(٦) الذخيرة (٣/ ٤٢٩).
(٧) الترمذي (١٦٤٤).
[ ٢ / ٨٧٧ ]
أو أنه يحمل على من أطاق القتال وهو الذي أشار إليه المصنف بقوله: (إلا) بشروط ثلاثة:
١ - (أن يطيق) الصبي الذي لم يحتلم (القتال).
٢ - (ويجيزه الإمام) لحديث عبد الله بن عمر قال: «أن رسول الله ﷺ عرضه يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني ثم عرضني يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني … .» (^١)، وحديث سمرة بن جندب ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يعرض عليه غلمان الأنصار فيلحق من أدرك …» (^٢)
٣ - (ويقاتل فيسهم له) والذي نقله بهرام عن المدونة وصرح بمشهوريته: أنه لا يسهم له قاتل أو لم يقاتل، ومقتضى صنيع صاحب المختصر أن ما ذكره الشيخ مشهور أيضا (^٣).
(و) منها أن يخرج بنية الجهاد ف (لا يسهم للأجير) الخاص الذي ملكت منافعه كأجير الخدمة ومثله الأجير العام في عدم السهم (إلا أن يقاتل) وهو ظاهر المختصر وهو الظاهر، لما صح «أن سلمة بن الأكوع كان أجيرا لطلحة حين أدركه عبد الرحمن بن عيينة لما أغار على سرح رسول الله ﷺ أعطاه النبي ﷺ سهم الفارس والراجل» (^٤)، وفرق بينهما ابن عمر الأنفاسي وليس بظاهر.
وبقي من الشروط ثلاثة:
أ - العقل لأن المجنون غير مكلف.
_________________
(١) أخرجه البخاري في (٥٢) كتاب الشهادات (١٨) باب بلوغ الصبيان وشهادتهم، ومسلم (٤٩٤٤).
(٢) سنن البيهقي رقم (١٧٩٥١)، والصحيح أنه موقوف، ورواه ابن أبي شيبة، والطبراني. انظر: تلخيص الحبير (٣/ ١١٧).
(٣) انظر: التوضيح على جامع الأمهات (٣/ ٤٦٤).
(٤) وهذا المعنى لأحمد ومسلم في حديث طويل شيق.
[ ٢ / ٨٧٨ ]
ب - الإسلام فلا يصح من كافر ولو أنه مطالب بفروع الشريعة لعدم إيمانه.
ج - الصحة، فالمجنون المطبق لا يسهم له اتفاقا، والذمي لا يسهم له اتفاقا إن لم يقاتل ولا إن قاتل على المشهور، والزمن؛ أي: المقعد؛ أي:
الذي لا رأي له بل ولو كان ذا رأي وتدبير على المشهور (^١)، لكن يجب عليه النصح لقوله تعالى: ﴿وليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم﴾ [التوبة: ٩١] والله أعلم.
(ومن أسلم من العدو على شيء في يده من أموال المسلمين فهو له حلال) لقوله ﷺ: «من أسلم على شيء فهو له» رواه ابن وهب (^٢)، وقال ابن ناجي ظاهر كلامه لو أسلم على أحرار المسلمين أنهم ينتزعون منه، وهو المشهور. وعليه يكون الانتزاع مجانا بغير عوض، وإنما كان هذا ظاهر كلامه لأنه قال: وفي يده شيء من أموال المسلمين والحر ليس بمال (^٣).
• حكم ما اشتري من العدو وما وقع في المقاسم:
(ومن اشترى من المسلمين بدار الحرب شيئا منها)؛ أي: من أموال المسلمين، وكذا من أموال أهل الذمة (من مال العدو لم يأخذه ربه) ممن اشتراه إلا بالثمن الذي أخذه به في دار الحرب إن كان يحل له تملكه. أما إن كان لا يحل له تملكه كالخمر والخنزير فإن ربه يأخذه من غير شيء لحديث تميم بن طرفة قال: «إن العدو أصابوا ناقة رجل من المسلمين، فاشتراها رجل من المسلمين من العدو فعرفها صاحبها، وأقام عليها البينة، فاختصما إلى
_________________
(١) التوضيح (٣/ ٤٦٤)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٨/ ١٦ - ١٧ ١٨).
(٢) ومحمد بن الحسن وسعيد بن منصور مرسلا عن عروة بن الزبير مرسلا، وهو صحيح، وروي مرفوعا موصولا من حديث أبي هريرة إلا أنه ضعيف. المدونة (٣/ (١٩)، وانظر: السنن الكبرى للبيهقي (٩/ ١١٣).
(٣) الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (١/ ٤٠٣).
[ ٢ / ٨٧٩ ]
النبي ﷺ، فقضى النبي ﷺ أن يدفع إليه الثمن الذي اشتراها به من العدو، وإلا خلى بينها وبين المشتري» (^١).
(وما وقع في المقاسم منها)؛ أي: من أموال المسلمين (فربه أحق به بالثمن) لحديث ابن عباس ﵁ «فيما أحرز العدو فاستنقذه المسلمون منهم، أو أخذه صاحبه قبل أن يقسم فهو أحق فإن وجده وقد قسم فإن شاء أخذه بالثمن» (^٢)، هذا إذا وجده مع من اشتراه من الغنيمة، أما إذا وجده في يد من أخذه في سهمه أو جهل الثمن فلا يأخذه إلا بالقيمة لتعلق حق الغير به.
(وما لم يقع في المقاسم منها فربه أحق به بلا ثمن) قصده أن المسلم أو الذمي إذا وجد أحدهما متاعه في الغنيمة قبل قسمتها وشهدت له البينة بذلك فإنه يأخذه بغير عوض، لما في حديث ابن عمر ﵄ قال: «ذهب فرس له فأخذه العدو، فظهر عليه المسلمون فرد عليه في زمن رسول الله ﷺ، وأبق عبد له فلحق بالروم، فظهر عليهم المسلمون فرده عليه خالد بن الوليد رضى الله بعد النبي ﷺ» (^٣).
قال مالك فيما يصيب العدو من أموال المسلمين: «إنه إن أدرك قبل أن تقع فيه المقاسم، فهو رد على أهله. وأما ما وقعت فيه المقاسم، فلا يرد على أحد».
وسئل مالك عن رجل حاز المشركون غلامه، ثم غنمه المسلمون. قال مالك: «صاحبه أولى به بغير ثمن، ولا قيمة، ولا غرم، ما لم تصبه المقاسم.
_________________
(١) انظر: الاستذكار (٥/ ٥٦)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٣٣٦٤)، والطبراني في الكبير (١٨٣٣)
(٢) قال الزيلعي في نصب الراية (٣/ ٤٣٤): فيه الحسن بن عمارة وهو متروك، وهناك آثار أوردها كلها ضعيفة وقد تتقوى ببعضها البعض مما يدل على أن للمسألة أصلا. والله اعلم.
(٣) الموطأ رقم (١٧) من كتاب الجهاد، والبخاري موصولا في الجهاد والسير، باب (١٨٧) إذا غنم المشركون مال المسلم ثم وجده المسلم رقم (٣٠٦٧).
[ ٢ / ٨٨٠ ]
فإن وقعت فيه المقاسم، فإني أرى أن يكون الغلام لسيده بالثمن، إن شاء» (^١)، لكن بعد أن يحلف اليمين الشرعية أنه ما باع ولا وهب ولا خرج عن ملكه بناقل شرعي، وأنه باق على ملكه إلى الآن.
(ولا نفل) بفتح الفاء وسكونها وهو لغة: الزيادة، وشرعا: الزيادة على السهم وحكمه أنه مباح لا يعطى (إلا) لمن له سهم في الغنيمة، ولا يكون من أصل الغنيمة وإنما يكون (من الخمس على الاجتهاد من الإمام) لما روى ابن وهب: «أن رسول الله ﷺ إنما نفل يوم حنين من الخمس» (^٢) ولما رواه مالك في «الموطأ» عن أبي الزناد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: «إنما كان الناس يعطون النفل من الخمس» (^٣)، أما أصل النفل فمن حديث ابن عمر ﵁ له رض عنه: «بعث رسول الله ﷺ سرية إلى نجد، فخرجت فيها، فأصبنا إبلا وغنما، فبلغت سهماننا اثني عشر بعيرا، اثني عشر بعيرا، ونفلنا رسول الله ﷺ بعيرا بعيرا» (^٤).
(ولا يكون ذلك) النفل (قبل القسم) ويروى: قبل الغنيمة. وعلى هذا لا يتصور إلا بالوعد بأن يقول مثلا: من قتل قتيلا فله سلبه؛ أي: من يقتل قتيلا وكلامه محتمل للمنع والكراهة؛ أي: نهي الإمام أو أمير الجيش نهي كراهة أو تحريم أن يقول قبل القدرة على العدو:
من قتل قتيلا فله سلبه لأن ذلك يؤدي إلى إبطال نياتهم وإلى فسادها لأن بعضهم ربما ألقى بنفسه في المهالك لأجل الغرض الدنيوي فيصير قتاله لا ثواب فيه، وأما بعد انقضاء القتال فلا محذور فيه، ويكون معنى قوله: من قتل قتيلا إلخ من كان قتل قتيلا.
_________________
(١) الاستذكار (٥٣/ ٥).
(٢) الموطأ من قول مالك: بلغه (٤٥٦/ ٢)، وانظر: البيان والتحصيل لابن رشد (٣/ ٨٠)، وكفاية الطالب الرباني (١٩/ ٢).
(٣) موطأ مالك (٩٧٥).
(٤) البخاري (٣١٣٤)، ومسلم (١٧٤٩).
[ ٢ / ٨٨١ ]
• حكم السلب:
(والسلب من) جملة (النفل) فلا يعطيه الإمام إلا من الخمس على حسب اجتهاده. روى عوف بن مالك ﵁: «أن مدديا اتبعهم فقتل علجا فأخذ خالد بعض سلبه وأعطاه بعضه فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: لا تعطه يا خالد» (^١).
والسلب هو ما يوجد مع القتيل من ثيابه وسلاحه وما شابهها من المعتاد دون ما ينفرد بلبسه عظماء المشركين من سوار وتاج. وكذلك العين فليست هذه المذكورات من السلب على المشهور؛ أي خلافا لابن حبيب في دخول ما ذكر من السوار والتاج والعين في السلب، قال أبو عمر (^٢): قال مالك: إنما قال رسول الله ﷺ: ﴿من قتل قتيلا له عليه بينة، فله سلبه﴾ (^٣) بعد أن برد القتال يوم حنين، ولم يحفظ عنه ذلك في غير يوم حنين.
قال: ولا بلغني عن ذلك عن الخليفتين، وليس السلب للقاتل حتى يقول ذلك. والاجتهاد في ذلك إلى الإمام.
قال مالك: والسلب من النفل، ولا نفل في ذهب ولا فضة، ولا نفل إلا من الخمس .. اه.
• فضل الرباط في سبيل الله تعالى:
(والرباط)؛ معناه: الإقامة بالثغر مقويا للمسلمين على الكفار، والثغر كل مكان يخيف أهله العدو ويخيفهم، قال ابن عرفة: «الرباط المقام حيث يخشى العدو بأرض الإسلام لدفعه، وزاد الباجي: ولو بتكثير السواد» (^٤).
_________________
(١) رواه مسلم في باب استحقاق القاتل سلب القتيل، من كتاب الجهاد (٣/ ١٣٧٣، ١٣٧٤)، وأبو داود (٢/ ٦٥ - ٦٦) مطولا.
(٢) الاستذكار لابن عبد البر (٥/ ٦٠).
(٣) رواه مالك في الموطأ (٩٧٣)، وانظر: الاستذكار في خلاف علماء الأمصار في شأن السلب (٥/ ٥٩ وما بعدها)، والبيان والتحصيل (٨/ ٥).
(٤) شرح حدود ابن عرفة للرصاع (٢٢٣).
[ ٢ / ٨٨٢ ]
وأصل الرباط من رباط الخيل لأن هؤلاء يربطون خيولهم، وهؤلاء يربطون خيولهم كل يعد لصاحبه فسمي المقام بالثغر رباطا وإن لم يكن فيه خيل، و(فيه فضل كبير) روي بالمثلثة والموحدة؛ أي: وفضله عظيم وأجره كبير. قال تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ [النساء: ٢٠٠] فعن زيد بن أسلم قال: «اصبروا على الجهاد، وصابروا العدو، ورابطوا الخيل» (^١).
ورو سلمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه وأمن الفتان» (^٢).
(وذلك) الفضل المذكور متفاوت بقدر كثرة خوف أهل ذلك الثغر، وكثرة تحرزهم من عدوهم وقلته والخوف والتحرز متلازمان فمتى اشتد الخوف اشتد التحرز.
(ولا يغزى بغير إذن الأبوين) إذا كانا مسلمين عند ابن القاسم وعند سحنون مطلقا مسلمين أو كافرين لحديث عبد الله بن عمرو الله ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فاستأذنه في الجهاد، فقال: «أحي والداك؟»، قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهد» (^٣)، قال جمهور العلماء: يحرم الجهاد إذا منع الأبوان
_________________
(١) الدر المنثور (٢/ ٤١٨)، وقال: أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب.
(٢) قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: قوله: «أمن الفتان ضبطوا (أمن) بوجهين: أحدهما: (أمن) بفتح الهمزة وكسر الميم من غير (واو). والثاني: (أومن) بضم الهمزة وبواد. وأما (الفتان) فقال القاضي: رواية الأكثرين بضم الفاء جمع (فاتن) قال: ورواية الطبري بالفتح، وفي رواية أبي داود في سننه أومن من فتاني القبر» والحديث رواه مسلم، باب فضل الرباط في سبيل الله، من كتاب الإمارة (٣/ ١٥٢٠)
(٣) أخرجه أحمد (٢/ ١٦٥) (٦٥٤٤)، والبخاري (٤/ ٧١) (٣٠٠٤)، ومسلم/ ٣ (٦٥٩٦)
[ ٢ / ٨٨٣ ]
أو أحدهما بشرط أن يكونا مسلمين، لأن برهما فرض عين عليه، والجهاد فرض كفاية، فإذا تعين الجهاد فلا إذن. اه (^١).
(إلا أن يفجأ العدق)؛ أي: ينزلوا (مدينة قوم ويغيرون عليهم)؛ أي: على أهل المدينة أو غيرها من القرى (ففرض عليهم)؛ أي: على أهل المدينة وغيرها (دفعهم) وهذا هو المسمى عند العلماء بجهاد الدفع، ولا يستأذن الأبوان في مثل هذا؛ أي: فيجب على من له أب ومن لا أب له عبدا كان أو حرا، وعلى هذا فيسهم للعبيد هنا لأنهم مخاطبون بالجهاد لأننا إنما منعناهم من السهم لأنهم كانوا غير مخاطبين والآن قد خوطبوا. ويجب على من يليهم أن يعينوهم.
وقول المصنف: ولا يستأذن الأبوان في مثل هذا؛ أي: هذا ومثله من فرائض الأعيان كالحج والصلاة وطلب العلم العيني لأنه إنما يلزمه طاعتهما في ترك المباحات والنوافل؛ أي: لا الفرائض المعينة (^٢).
_________________
(١) الفتح (٦/ ١٤٠).
(٢) انظر: فتح الباري (٦/ ١٤١).
[ ٢ / ٨٨٤ ]