باب في الحج والعمرة
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وحج بيت الله الحرام الذي ببكة فريضة على كل من استطاع إلى ذلك سبيلا من المسلمين الأحرار البالغين، مرة في عمره.
والسبيل الطريق السابلة، والزاد المبلغ إلى مكة، والقوة على الوصول إلى مكة إما راكبا أو راجلا مع صحة البدن، وإنما يؤمر أن يحرم من الميقات.
وميقات أهل الشام ومصر والمغرب الجحفة، فإن مروا بالمدينة فالأفضل لهم أن يحرموا من ميقات أهلها من ذي الحليفة، وميقات أهل العراق: ذات عرق، وأهل اليمن يلملم، وأهل نجد من قرن، ومن مر من هؤلاء بالمدينة فواجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة إذ لا يتعداه إلى ميقات له.
ويحرم الحاج أو المعتمر بإثر صلاة فريضة أو نافلة يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك؛ وينوي ما أراد من حج أو عمرة، ويؤمر أن يغتسل عند الإحرام قبل أن يحرم ويتجرد من مخيط الثياب.
ويستحب له أن يغتسل لدخول مكة، ولا يزال يلبي دبر الصلوات، وعند كل شرف، وعند ملاقاة الرفاق، وليس عليه كثرة الإلحاح بذلك.
فإذا دخل مكة أمسك عن التلبية حتى يطوف ويسعى، ثم يعاودها حتى تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها.
[ ٢ / ٧٣٥ ]
ويستحب أن يدخل مكة من كداء الثنية التي بأعلى مكة، وإذا خرج خرج من كدى، وإن لم يفعل في الوجهين فلا حرج، فإذا دخل مكة فليدخل المسجد الحرام، ومستحسن أن يدخل من باب بني شيبة، فيستلم الحجر الأسود بفيه إن قدر، وإلا وضع يده عليه ثم وضعها على فيه من غير تقبيل، ثم يطوف والبيت على يساره سبعة أطواف، ثلاثة خببا، ثم أربعة مشيا.
ويستلم الركن كلما مر به كما ذكرنا، ويكبر ولا يستلم الركن اليماني بفيه ولكن بيده ثم يضعها على فيه من غير تقبيل، فإذا تم طوافه ركع عند المقام ركعتين.
ثم استلم الحجر إن قدر، ثم يخرج إلى الصفا فيقف عليه للدعاء، ثم يسعى إلى المروة ويخب في بطن المسيل، فإذا أتى المروة وقف عليها للدعاء، ثم يسعى إلى الصفا يفعل ذلك سبع مرات، فيقف بذلك أربع وقفات على الصفا، وأربعا على المروة.
ثم يخرج يوم التروية إلى منى فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح.
ثم يمضي إلى عرفات ولا يدع التلبية في هذا كله حتى تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها، وليتطهر قبل رواحه، فيجمع بين الظهر والعصر مع الإمام، ثم يروح معه إلى موقف عرفة فيقف معه إلى غروب الشمس، ثم يدفع بدفعه إلى المزدلفة فيصلي معه بالمزدلفة المغرب والعشاء والصبح.
ثم يقف معه بالمشعر الحرام يومئذ بها ثم يدفع بقرب طلوع الشمس إلى منى ويحرك دابته ببطن محسر، فإذا وصل إلى منى رمى جمرة العقبة بسبع حصيات مثل حصى الخذف، ويكبر مع كل حصاة، ثم ينحر إن كان معه هدي، ثم يحلق، ثم يأتي البيت فيفيض ويطوف سبعا، ويركع، ثم يقيم بمنى ثلاثة أيام.
[ ٢ / ٧٣٦ ]
فإذا زالت الشمس من كل يوم منها رمى الجمرة التي تلي منى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم يرمي الجمرتين كل جمرة بمثل ذلك، ويكبر مع كل حصاة، ويقف للدعاء بإثر الرمي في الجمرة الأولى والثانية، ولا يقف عند جمرة العقبة ولينصرف فإذا رمى في اليوم الثالث وهو رابع يوم النحر انصرف إلى مكة وقد تم حجه، وإن شاء تعجل في يومين من أيام منى فرمى وانصرف، فإذا خرج من مكة طاف للوداع وركع وانصرف).
الشرح
(باب في) بيان حكم (الحج) بفتح الحاء وكسرها الفتح هو القياس والكسر أكثر سماعا، وكذا اللغتان في الحجة (و) في بيان (العمرة) وصفتهما وما يتعلق بهما، ولكل واحد منهما معنى لغوي واصطلاحي.
أما الحج في اللغة: القصد. وعن الخليل قال: الحج كثرة القصد إلى من تعظمه.
قال الشاعر:
وأشهد من عوف حؤولا كثيرة … يحجون سب الربرقان المزعفرا
يحجون: أي: يقصدون محاكاة صنع العمائم كعمامة الزبرقان.
والسب: جمعها سبوب، وسبائب وأحدها سبيبة: الثياب الرقاق، وقيل: العمامة.
الزبرقان: هو حصين بن بدر الفزاري التميمي من سادات العرب.
وفي الحج لغتان: الحج والحج - بفتح الحاء وكسرها.
• حكم الحج:
الحج في الشرع: اسم لأفعال مخصوصة يأتي ذكرها إن شاء الله، وهو أحد الأركان الخمسة الواجبة التي بني عليها الإسلام، والأصل في وجوبه:
الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه
[ ٢ / ٧٣٧ ]
سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ [آل عمران: ٩٧]، وروي عن ابن عباس: ومن كفر؛ أي: باعتقاده أنه غير واجب.
وأما السنة: فقول النبي ﷺ: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان» (^١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ، فقال: «أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج، فحجوا»، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله ﷺ: «لو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم»، ثم قال: «ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» (^٢).
وعن ابن عباس ﵁، قال: «أن الأقرع بن حابس، سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، الحج في كل سنة أو مرة واحدة قال: «بل مرة واحدة، فمن زاد فهو تطوع»» (^٣).
وفيه أخبار كثيرة سوى هذين، وأجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرة واحدة (^٤).
• من فضائل الحج والعمرة:
للحج والعمرة فضائل عظيمة، ومزايا عميمة من فضل الله على هذه الأمة فمن ذلك أن الحج يمحو ما قبله من الذنوب والآثام فعن ابن شماسة المهري، قال: أن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ: «أما علمت أن
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ٩ (٨»، ومسلم (٣٤/ ١) (٢٢).
(٢) مسلم (٣٢٣٦) وفي (٦١٨٨)، والنسائي (٥/ ٣/ ١١٠).
(٣) أخرجه أحمد (١/ ٢٥٥ - ٢٩١)، وأبو داود (١٧٢١)، والنسائي (٥/ ٣/ ١١١)، وابن ماجه (٢٨٨٦)، والحاكم وصححه.
(٤) ابن المنذر في الإجماع (ص ٤٨)، ومراتب الإجماع لابن حزم (٤١).
[ ٢ / ٧٣٨ ]
الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله؟» (^١).
والحج والعمرة ينفيان الذنوب والفقر فيجمعان للعبد بين غناه بالحسنات والمال الطيب ولم لا؟ وقد قال ﷺ كما في الحديث الحسن عن عبد الله ابن مسعود له قال: قال رسول الله ﷺ: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد، والذهب، والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة» (^٢).
بدأ بحكم الحج (فقال: وحج بيت الله الحرام الذي ببكة) بالباء لغة في مكة وإضافته إلى الله إضافة تشريف، ولبكة أسماء كثيرة تدل على شرف المسمى منها: أم القرى، ومكة، والبلد الحرام والبلد الأمين، والمسجد الحرام، والمشعر الحرام، وفضائل البيت الحرام لا يحصرها حد، ولا يحيط بها عد، وقد كتب علماء الإسلام، ومصابيح الأنام كتبا في فضلها، وجليل قدرها فمن ذلك: كتاب أخبار مكة للأزرقي، وتاريخ مكة للفاكهي، ومثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن لابن الجوزي، ومن المعاصرين: تاريخ مكة البلد الحرام لمحمد إلياس عبد الغني وغيرهم كثير والحمد لله.
وحرمة بيت الله عظيمة فمن ذلك أنه: لا ينفر صيده، ولا يختلى خلاه (أي: العشب)، ولا يعضد شجره (لا يقطع)، ولا تلتقط لقطته إلا لمنشد؛ وغير ذلك من الفضائل التي وردت في الأحاديث الصحيحة وغيرها.
فالحج (فريضة) بشروط خمسة: أشار إلى أحدها بقوله:
(على كل من استطاع إلى ذلك سبيلا)؛ أي: إلى بيت الله الحرام، للآية والأحاديث الدالة على ذلك، ويحتمل عوده إلى الحج كما في التتائي.
_________________
(١) رواه مسلم (١٧٣) وفيه قصة إسلامه ووفاته ﵁.
(٢) أخرجه أحمد (١/ ٣٨٧) (٣٦٦٩)، والترمذي (٨١٠)، وأخرجه النسائي (٥/ ١١٥) وفي «الكبرى» (٣٥٩٦)، وانظر في فضائل الحج والعمرة: كتاب الترغيب والترهيب للمنذري رحمه الله تعالى ورياض الصالحين، والمتجر الرابح الدمياطي.
[ ٢ / ٧٣٩ ]
وإلى الثاني أشار بقوله: (من المسلمين) ظاهره أن الإسلام شرط وجوب وهو الذي مشى عليه ابن الحاجب (^١)، والذي مشى عليه صاحب المختصر أنه شرط صحة (^٢)، فعلى الأول الكفر مانع من وجوبه، وعلى الثاني مانع من صحته.
وإلى الثالث أشار بقوله: (الأحرار) لا خلاف في كون الحرية شرط وجوب، فالعبد القن ومن فيه شائبة رق لا يجب عليه لأنه حج بأزواجه ولم يحج بأم ولده، وإذا لم يجب على أم الولد فغيرها أولى، لكن إن حج صح حجه ولم يجزئه عن حجة الإسلام.
وإلى الرابع أشار بقوله: (البالغين) فلا يجب على صبي لحديث: «رفع القلم عن ثلاثة» وقد سبق؛ وحديث ابن عباس: «أن رسول الله ﷺ قال أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى … وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه حجة أخرى» (^٣). ويؤيد رفعه ما رواه ابن أبي شيبة: عن ابن عباس- ﵄ -قال: «احفظوا عني ولا تقولوا قال ابن عباس … فذكره» (^٤) فهذا يدل على أنه أراد الرفع؛ وقال ابن المنذر أجمع أهل العلم إلا من شذ عنهم ممن لا يعتد بخلافه، على أن الصبي إذا حج في حال صغره، والعبد إذا حج في حال رقه، ثم بلغ الصبي، وعتق العبد، أن عليهما حجة الإسلام إذا وجدا إليها سبيلا (^٥)، ولا يختص اشتراط البلوغ بالحج؛ أي: فلا ينبغي عده من شروط الحج لأنه لا يعد من شروط الشيء إلا ما كان خاصا به، وكذلك لا
_________________
(١) جامع الأمهات (١٨٣).
(٢) كما في المختصر ومنسكه (١٦)، ط: دار ابن تاشفين.
(٣) البيهقي (٥/ ١٧٩)، وقال الهيثمي في «الزوائد» (٣/ ٢٠٦): رواه الطبراني في «الأوسط» ورجاله رجال الصحيح. اه. وصححه الألباني (كما في الإرواء رقم ٩٨٦).
(٤) قال الألباني في الإرواء: وخلاصته: (أن الحديث صحيح الإسناد مرفوعا وموقوفا وللمرفوع شواهد ومتابعات يتقوى بها).
(٥) الإجماع (٥٧ ٥٦)، ط: قطر.
[ ٢ / ٧٤٠ ]
ينبغي عد الإسلام ولا الحرية لأنهما لا يختصان بالحج، ألا ترى أن الحرية شرط أيضا في الزكاة بقي شرط آخر وهو العقل؛ أي: فلا يجب الحج على غير العاقل، لحديث: «رفع القلم .. وفيه وعلى المجنون حتى يعقل» (^١)، فالمكلف وما قبله شرطا وجوب، فلو حج غير المكلف أو العبد صح حجه ولا يسقط عنه حجة الإسلام.
الحج واجب مرة في العمر:
إنما يجب الحج على من اجتمعت فيه الشروط (مرة) واحدة (^٢) (في عمره) إجماعا، ولحديث ابن عباس المتقدم لما سأل الأقرع بن حابس فبين النبي ﷺ له أن الحج فرض مرة في العمر، ولا التفات لمن قال إنه يجب في كل خمسة أعوام ولكن يستحب تأكدا لمن استطاع لما جاء في حديث أبي سعيد الخدري الله أن رسول الله ﷺ قال: «قال الله: إن عبدا صححت له جسمه، ووسعت عليه في المعيشة يمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إلي لمحروم» (^٣)، وقال قال علي بن المنذر: أخبرني بعض أصحابنا قال: كان حسن بن حيي يعجبه هذا الحديث وبه يأخذ، ويحب للرجل الموسر الصحيح أن لا يترك الحج خمس سنين، والصدقة أفضل من حج النافلة (^٤).
(والسبيل) المذكور عبارة عن مجموع أربعة أشياء: أحدها: (الطريق السابلة)؛ أي: المأمونة، فإن خاف على نفسه سقط عنه اتفاقا (^٥)، وإن خاف
_________________
(١) تقدم تخريجه مرارا.
(٢) مراتب الإجماع (٧٥)، وابن المنذر (٤٨).
(٣) ابن حبان باب فضل الحج والعمرة (٣٧٧٣)، والبيهقي في شعب الإيمان فضل الحج والعمرة (٣٨٣٧)، وأخرجه أبو يعلى (٦٣/ ٢)، والخطيب في تاريخه (٨/ ٣٢٨)، والبيهقي (٢٦٢/ ٥) من طرق عن خلف بن خليفة، بهذا الإسناد. وذكره الهيثمي في «المجمع» (٢٠٦/ ٣)، وقال: رواه أبو يعلى والطبراني في «الأوسط»، ورجال الجميع رجال الصحيح.
(٤) تنوير المقالة (٤٠٤/ ٣).
(٥) تنوير المقالة (٤٠٤/ ٣).
[ ٢ / ٧٤١ ]
على بعض ماله وكان يجحف به سقط عنه، وإن كان لا يجحف به سقط على أحد القولين.
(و) ثانيهما: (الزاد المبلغ)؛ أي: الموصل (إلى مكة) ظاهر كلامه أنه لا يعتبر إلا ما يوصله فقط وهو نص اللخمي في التبصرة، وقيده بقوله: إلا أن يعلم أنه لو بقي هناك ضاع وخشي على نفسه، فيراعي ما يبلغه ويرجع به إلى أقرب المواضع مما يمكنه أن يتمعش فيه.
(و) ثالثها: (القوة على الوصول إلى مكة إما راجلا)؛ أي: ماشيا أو راكبا فالأعمى إذا وجد من يقوده ولم يحصل له مشقة فادحة فإنه يجب عليه، وقيد المشقة لأنه لا يشترط انتفاؤها جملة وإلا سقط الحج عن أغلب الناس المستطيعين، إذ لا بد من أصل المشقة ومثل الأعمى الشيخ الكبير الذي لا يهتدي إلا بقائد فيما ذكر.
ورابعها: أشار إليه بقوله: (مع صحة البدن) قيل هو داخل في قوله: والقوة على الوصول، وقال بعضهم: هو شرط رابع فالمريض لا يجب عليه الحج ولو وجد ما يركبه. ولأن صحة البدن مع القدرة على الوصول ولو مشيا معنى الاستطاعة في الآية وليس الركوب داخلا فيها على من يستطيع المشي لأنه زيادة على صحة البدن وما ذكر معه وهو قول الضحاك، وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من لم يمنعه عن الحج حاجة ظاهرة، أو سلطان جائر، أو مرض حابس فمات ولم يحج، فليمت إن شاء يهوديا، وإن شاء نصرانيا» (^١)، وورد تفسير السبيل بالزاد والراحلة عن النبي ﷺ من طرق متعددة من حديث ابن عمر (^٢) وأنس (^٣) وابن
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٩٢) قال البيهقي: وهذا وإن كان إسناده غير قوي فله شاهد من قول عمر بن الخطاب ثم أخرج عنه نحو هذا وذلك في (باب: إمكان الحج من سننه) (٥/ ٢١٩).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٨٩٦)، والترمذي (٨١٣) وفي (٢٩٩٨).
(٣) كما في المستدرك (١٥٦٥)، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه»، وقد تابع حماد بن سلمة سعيدا على روايته، عن قتادة.
[ ٢ / ٧٤٢ ]
الإحرام
عباس (^١) وابن مسعود (^٢)، وعائشة (^٣) وجابر بن عبد الله (^٤)، وعلي ابن أبي طالب (^٥)، وعمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده (^٦)، وعن جماعة من التابعين كالحسن ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة وغيرهم رحم الله الجميع فالله أعلم.
ثم اعلم أن للحج فرائض وسننا وفضائل ولم يبينها الشيخ وإنما ذكر صفة الحج على الترتيب الواقع المشتمل عليها. ونحن ننبه عليها إن شاء الله تعالى فنقول:
أول أركان الحج الأربعة:
الإحرام وله ميقاتان زماني ومكاني، والميقات من وقت قال القاضي عياض: وقت أي حدد. قال الحافظ: وأصل التوقيت أن يجعل للشيء وقت يختص به وهو بيان مقدار المدة، ثم اتسع فيه فأطلق على المكان أيضا.
قال ابن الأثير: التأقيت أن يجعل للشيء وقت يختص به وهو بيان مقدار المدة، يقال: وقت الشيء بالتشديد يؤقته، ووقته بالتخفيف يقته إذا بين مدته ثم اتسع فيه، فقيل للموضع ميقات (^٧). وقال ابن دقيق العيد: إن التأقيت في اللغة تعليق الحكم بالوقت، ثم استعمل للتحديد والتعيين، وعلى هذا فالتحديد من لوازم الوقت، وقد يكون وقت بمعنى أوجب، ومنه قوله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾ [النساء: ١٠٣] (^٨).
_________________
(١) عند ابن ماجه (٢٨٩٧).
(٢) الدارقطني (٢٤١٧)، وأورده السيوطي معزوا له في الدر المنثور (٢/ ٢٧٤).
(٣) عند ابن أبي شيبة (٤/ ٣٣٠).
(٤) الدارقطني (٢٤١٣).
(٥) عند الدارقطني (٢٤٢٨).
(٦) عند الدارقطني (٢٤٣٩).
(٧) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (٩/ ٤٤٦٧)، وانظر: مطالع الأنوار لابن قرقول (٦/ ٢٣٣)، ط: الأوقاف القطرية.
(٨) انظر: فتح الباري (٣/ ٤٥٠)، وعون المعبود (١٤٧٦).
[ ٢ / ٧٤٣ ]
المواقيت الزمانية: لم يذكرها الشيخ: وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة بتمامه على المشهور (^١)، وقيل العشر الأول منه، لقوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ [البقرة: ١٩٧]؛ وفائدة الخلاف تظهر في تأخير طواف الإفاضة، فعلى المشهور لا يلزمه دم إلا بتأخيره للمحرم، وعلى مقابله إذا أخره إلى حادي عشره.
إذا علمت ذلك علمت أن الزمن المحدد بما ذكر وقت للحج تحللا وإحراما لا إحراما فقط فلو أحرم قبل شوال كره وانعقد إحرامه، هذا فيما يخص الحج أما العمرة فالدهر كله لها ميقات ولا تختص بشهر دون شهر وإن كانت تتفاوت في الفضل بحسب فضائل الشهور والأيام.
المواقيت المكانية (^٢): أما الميقات المكاني فقد بينه فقال: (وإنما يؤمر أن يحرم من الميقات) وهذه المواقيت قد انعقد الإجماع (^٣) عليها لثبوتها عن النبي ﷺ فعن ابن عباس ما «أن النبي ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشأم الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، هن لهن، ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك، فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة» (^٤)، وفي رواية لمسلم عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله لا يسأل عن المهل فقال سمعت «أحسبه رفع إلى النبي ﷺ فقال: مهل أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر الجحفة، ومهل أهل العراق من ذات عرق، ومهل أهل نجد من قرن، ومهل
_________________
(١) منسك خليل (٢٧).
(٢) نظم بعضهم المواقيت ومراحلها، حاشية على كتاب الإيضاح في مناسك الحج والعمرة للنووي (ص ١١٨) فقال: قرن يلملم ذات عرق كلها … في البعد مرحلتان من أم القرى ولذي الحليفة بالمراحل عشرة … وبها لجحفة ستة فاخبر ترى
(٣) الإجماع لابن المنذر (ص ١٧).
(٤) مالك في الموطا (٢/ ٣٢٠) من حديث ابن عمر، ورواه البخاري (١٥٢١)، ومسلم (٢٧٩٥).
[ ٢ / ٧٤٤ ]
أهل اليمن من يلملم) (^١).
فإن أحرم قبله كره؛ أي: ويصح، والمستحب أن يحرم من أوله ولا يؤخره لآخره لأن المبادرة للطاعة أولى وهو يتنوع باختلاف حال المحرم، فإنه إما أن يكون مكيا أو آفاقيا.
والمكي: لم يذكره الشيخ وهو المقيم بها سواء كان من أهلها أو لا فميقاته للحج مكة، لقوله: «حتى أهل مكة من مكة» وقيل: يندب له أن يحرم من جوف المسجد، والأحسن عندي أن يهل من مكانه الذي يقيم فيه، أولا استنانا بما فعله الصحابة في حجتهم مع النبي، وثانيا: دفعا للمشقة.
وميقاته للعمرة وللقران الحل، لأن كل إحرام لا بد فيه من الجمع بين الحل والحرم والأفضل الجعرانة لإحرام النبي منها، أو التنعيم لأمره عائشة بذلك، ولما كان الحج لا بد فيه لحاج مكة أن يخرج إلى عرفات اكتفي في حقه بالإحرام من بيته، أما العمرة فلا بد له من الخروج إلى الحل.
والآفاقي: وقال بعض أهل العلم والأفصح الأفقي، يتنوع ميقاته إلى خمسة أنواع باختلاف أفقه سواء كان محرما بحج أو عمرة كما جاء في حديثي ابن عباس وجابر المتقدمين ولذلك قال المصنف مبينا إياها.
(و) المواقيت منها (ميقات أهل الشام ومصر والمغرب الجحفة) بضم الجيم وسكون الحاء المهملة، وهي قرية على نحو سبع مراحل من المدينة المشرفة، وثلاث ونصف من مكة المكرمة وهي بالكيلومتر (١٨٧ كلم). (فإن مروا)؛ أي: أهل هذه الأفق الثلاثة (بالمدينة) المشرفة (فالأفضل لهم أن يحرموا من ميقات أهلها) وهو المعروف ب (ذي الحليفة) وذو الحليفة تصغير حليفة بفتح الحاء وكسر اللام، اسم لماء بين بني جشم بن بكر من هوازن وبين بني خفاجة رهط توبة، وهي قرية بينها وبين المسجد النبوي اثنا عشر كيلا - وتسمى بأبيار علي (^٢)، ويقال له مسجد الميقات، لأنه ميقات أهل
_________________
(١) مسلم (٢٨٠٢).
(٢) تنبيه: يعرف ذو الحليفة أيضا باسم (آبار علي) أو (أبيار علي) وهي تسمية مبنية على
[ ٢ / ٧٤٥ ]
المدينة ومن يمر بها، ويقع شمال مكة ويبعد عنها بحوالي أربعمائة وخمسون (٤٥٠) كلم.
(و) أما (ميقات أهل العراق)؛ أي: كالبصرة والكوفة زاد في الجلاب وفارس وخراسان (فذات عرق) بكسر المهلمة وإسكان الراء بعدها قاف، ميقات أهل العراق قرية خربت، على مرحلتين من مكة، قال الحازمي: وهي الحد بين نجد وتهامة، تقع في الشمال الشرقي لمكة المكرمة بينه وبينها (٩٤) كلم.
(و) أما ميقات أهل (اليمن) ف (يلملم) بفتح المثناة تحت، ميقات لأهل اليمن ومن جاء عن طريقهم ويسمى الآن بالسعدية وهو جبل يقع جنوب مكة بينه وبينها (٥٤) كلم.
(و) أما ميقات أهل (نجد) ف (من قرن) بفتح القاف وسكون الراء، ويسمى قرن المنازل: وسمي بالسيل - وهو ميقات لأهل نجد ومن جاء عن طريقهم، برا أو جوا، وهو جبل شرقي مكة يطل على عرفات، بينه وبين مكة (٩٤) كلم.
(ومن مر من هؤلاء) يعني أهل العراق واليمن ونجد (بالمدينة) المشرفة (فواجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة إذ لا يتعداه) من مر منهم بالمدينة إلى ميقات له بعد فيحرم منه بخلاف من مر من أهل الشام ومصر والمغرب بالمدينة لم يجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة إذ يتعداه إلى ميقات له بعد فيحرم منه، وإنما خالف الأفضل فقط.
ومن كان بين المواقيت فميقاته من بيته؛ أي: فيحرم منه كما جاء في الحديث. ومن حج في البحر من أهل مصر وشبههم فليحرم إذا حاذى الجحفة.
_________________
(١) = قصة مكذوبة، مختلقة موضوعة هي: أن عليا ﵁ قاتل الجن فيها. وهذا من وضع الرافضة - لا مساهم الله بالخير ولا صبحهم به - وما بني على الاختلاق فينبغي أن يكون محل هجر وفراق المناهي اللفظية (ص ٦٤) بكر بن عبد الله أبو زيد، بتصرف، ورأيت بحثا لأحد الكاتبين أن سلطان دارفور واسمه علي هو من جدد حفر آبار ذي الحليفة فسميت به، لكن يحتاج إلى بحث.
[ ٢ / ٧٤٦ ]
وقد ذكر أهل العلم أن الحجر الأسود كان له نور يصل إلى تلك المواقيت، وبعد أن سودته خطايا بني آدم ذهب نوره والله أعلم (^١)؟.
• استحباب إحداث الإحرام بعد صلاة:
(ويحرم الحاج أو المعتمر بإثر) بكسر الهمزة وسكون المثلثة وفتحهما (صلاة فريضة أو نافلة) يقرأ فيها إن كانت نافلة في الأولى بعد الفاتحة «الكافرون»، وفي الثانية «بالإخلاص»، وذلك لأن النبي ﷺ أهل بعدما صلى الظهر ركعتين، وقد اختلف أهل العلم في استحباب ركعتي الإحرام هل تفعلان قياسا على موضع إهلال النبي ﷺ بعد صلاة؟ أم لا تفعلان، لأن ذلك الإحرام كان عقيب صلاة الظهر لأنه قصرها؟ قال ابن القيم: وقد غلط من زعم أنه صلى ركعتين غير الفريضة لإحرامه (^٢).
وعن عروة بن الزبير: «أن رسول الله ﷺ كان يصلي في مسجد ذي. الحليفة ركعتين، فإذا استوت به راحلته أهل» (^٣) قال ابن عبد البر: لم يختلف الرواة عن مالك في إرساله ومعناه: قد روي من وجوه.
وفيه من الفقه أن الإهلال سنته أن تكون قبله صلاة نافلة أقلها ركعتان، ثم يهل بإثرها، ويركب فيهل أيضا إذا ركب … . (^٤)، وقال الزرقاني: «حديث هشام بن عروة عن أبيه مرسل» (^٥)، وصله الشيخان وغيرهما من حديث أنس ومن طريق صالح بن كيسان عن نافع عن ابن عمر، قال ابن عبد البر بعد أن ساق حديث أنس وابن عمر بسنده: يعني: بعد أن ركع الركعتين اللتين في
_________________
(١) تنوير المقالة (٣/ ٤١٤). نعم الحجر الأسود نزل من الجنة وكان أبيض من الثلج كما في حديث عن ابن عباس ما عن النبي ﷺ قال: «الحجر الأسود من الجنة وكان أشد بياضا من الثلج حتى سودته خطايا أهل الشرك»، رواه الترمذي (٨٧٧)، وأحمد (٢٧٩٥).
(٢) زاد المعاد (١/ ١٧٧).
(٣) الموطأ (٢/ ٣٢٨).
(٤) الاستذكار لابن عبد البر (٤/ ٤٨).
(٥) وصله الشيخان، البخاري (١٥٤٨)، ومسلم (١٥٥٤).
[ ٢ / ٧٤٧ ]
حديث هشام بن عروة بعد طلوع الشمس وأحرم بإثرهما، والله أعلم اه (^١).
(يقول لبيك)؛ أي: في حال كونه قائلا إلخ؛ أي: على جهة السنية، فعن ابن عمر له أن النبي ﷺ كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل فقال: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» (^٢)، وملخصه أن التلبية واجبة في نفسها بحيث لو تركها يلزمه دم ويسن مقارنتها للإحرام، قال ابن عبد البر ومعنى التلبية: إجابة الله فيما فرض عليهم من حج بيته والإقامة على طاعته، فالمحرم بتلبيته مستجيب لدعاء الله إياه في إيجاب الحج عليه، ومن أجل الاستجابة - والله أعلم - لبى لأن من دعى فقال: «لبيك، فقد استجاب». وقد قيل: إن أصل التلبية الإقامة على الطاعة، يقال منه: ألب فلان بالمكان إذا أقام به" اه. ولبيك معناها إجابة لك بعد إجابة، فالإجابة الأولى: لقوله تعالى: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢].
والثانية: حين أذن سيدنا إبراهيم في الناس بالحج فنادى أيها الناس إن الله بيتا فحجوه، فعن ابن عباس ﷺ قال: «لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له: أذن في الناس بالحج، قال: رب وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعلي البلاغ، فنادى إبراهيم: أيها الناس، كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، قال: فسمعه ما بين السماء والأرض، أفلا ترون الناس يجيبون من أقطار البلاد يلبون» (^٣).
فكانوا يجيبونه من مشارق الأرض ومغاربها ومن بطون النساء وأصلاب الرجال (لا شريك لك لبيك، إن الحمد) بكسر الهمزة وفتحها والكسر اختيار الجمهور (والنعمة) بالفتح على الأشهر؛ أي: لعطفه على منصوب إن قبل الاستكمال (لك والملك) اختار بعضهم الوقف عليه والابتداء (^٤) بقوله: (لا
_________________
(١) في الموضع السابق من الاستذكار.
(٢) مالك في الموطأ (٢/ ٣٢٥)، والبخاري (١٥٤٩)، ومسلم (٢٨٠٤).
(٣) التمهيد (١٥/ ١٢٥).
(٤) منسك خليل (٤٥).
[ ٢ / ٧٤٨ ]
شريك لك) قال جابر ﵁ (^١): فأهل رسول الله ﷺ بالتوحيد، لأن أهل الجاهلية كانوا يقولون: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكا ملكته وما ملك (^٢)، فأبطل النبي ﷺ هذا الإشراك وأعلن التوحيد الذي بعث به.
وزاد عمر ﵁: لبيك ذو النعماء والفضل الحسن، لبيك لبيك مرهوبا ومرغوبا إليك.
وزاد ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: لبيك لبيك لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، لبيك والرغباء إليك والعمل.
وزاد أنس ﵁: لبيك حقا حقا، تعبدا ورقا (^٣)
تذكير وتحذير: ليحذر الملبي من الضحك واللعب واللغو أثناء تلبيته، وليقبل على الله جل وعلا وليحاول تذوق معاني ما يقول، فإنه يجد لذلك خشية وخشوعا، وتذللا وخضوعا، أما إن استمر في غفلته فليحذر من مكر الله به وإعراضه هو عن ربه، فإن العبد إن أقبل على الله أقبل الله عليه، وإن أعرض هلك وبعد.
(وينوي ما أراد من حج أو عمرة) قال ابن عمر: ظاهر كلامه على قول ابن حبيب القائل بأن الإحرام إنما ينعقد بالنية، والقول؛ أي: التلبية فجعل التلبية شرطا في صحته، فهي بمنزلة تكبيرة الإحرام في الصلاة.
وفي مناسك خليل (^٤): حقيقة الإحرام الدخول بالنية في أحد النسكين مع قول متعلق به كالتلبية أو فعل متعلق به كالتوجه على الطريق. وقال أيضا: إن الإحرام لا ينعقد بمجرد النية؛ أي: بل لا بد من قول كالتلبية أو فعل كالتوجه إلى الطريق، فليس خصوص التلبية شرطا في صحة الإحرام كما يقول ابن حبيب، بل المدار على وجود أحد الأمرين من القول أو الفعل
_________________
(١) من حديث جابر ﵁ في الصحيح عند مسلم.
(٢) مسلم (١١٨٥).
(٣) ابن أبي شيبة (١٣٤٧٢) وانظر: التلخيص الحبير لابن حجر العسقلاني (٣/ ٨٦٢)، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه وساقه بسنده مرفوعا ورجح وقفه، وهو حديث حسن.
(٤) مناسك خليل (٤٦ - ٤٧).
[ ٢ / ٧٤٩ ]
ويستحب الاقتصار على التلبية المذكورة لأنها تلبيته ﵊، ولا يكون داخلا في النسك إلا إذا عينه وأهل به، أو أهل بما أهل به من يريد الاقتداء به كما فعل علي ﵁ (^١) في إهلاله بما أهل به النبي ﷺ وأقره على ذلك.
ويستحب رفع الصوت بها لما صح من حديث خلاد بن السائب، عن أبيه ﵁، أن النبي ﷺ قال: «أتاني جبريل، فأمرني، أن آمر أصحابي، أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال».
- وفي رواية: «أتاني جبريل، فأمرني أن آمر أصحابي، أو من معي، أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية، أو بالإهلال»، يريد أحدهما (^٢).
(ويؤمر) مريد الحج أو العمرة ولو حائضا أو نفساء على جهة السنية (أن يغتسل عند إرادة الإحرام) قبل أن يحرم لحديث زيد بن ثابت ﵁: «أنه رأى النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل (^٣)»، وقد استحب بعض أهل العلم الاغتسال عند الإحرام. قال ابن الملقن في «شرح المنهاج»: «وفي الباب أحاديث تدل على مشروعية الغسل للإحرام».
وعن ابن عمر ﵄ قال: «من السنة أن يغتسل الرجل إذا أراد أن يحرم (^٤)» إلا أنه قال: «عند إحرامه وعند دخول مكة» (^٥).
فإن كان المحرم امرأة حائضا أو نفساء فعلت مثل الذي فعلته أسماء كما في حديث جابر الطويل في صفة حجه: «أن أسماء بنت عميس ﵂ لما ولدت محمد بن أبي بكر بذي الحليفة قال لها رسول الله ﷺ: اغتسلي،
_________________
(١) كما في حديث جابر في صحيح مسلم.
(٢) وأخرجه مالك في «الموطأ» (٩٣٨)، وأبو داود (١٨١٤)، والترمذي (٨٢٩)، والنسائي (٥/ ١٦٢)، وابن ماجه (٢٩٢٢).
(٣) رواه الترمذي (٨٣٠)، وقال: هذا حديث حسن غريب، وانظر: تحفة الأحوذي للمباركفوري (٣/ ٤٨٠).
(٤) رواه البزار (٦١٥٨)، وابن ابي شيبة (١٥٦٠٤).
(٥) قال الهيثمي في المجمع (٢/ ٣/ ٢٢٠): ورجال البزار كلهم ثقات.
[ ٢ / ٧٥٠ ]
واستغفري بثوب، وأحرمي» (^١)، قال ابن عبد البر (^٢): «الغسل عند الإهلال بالحج أو العمرة سنة مؤكدة عند مالك وأصحابه، لا يرخصون في تركها إلا من عذر، ولا يجوز عندهم ترك السنن اختيارا». اه. ويستحب أن تكون صفة الغسل للإحرام كصفة الغسل الواجب من ذلك بيد أو نحوها، وتعميم للماء وتتبع للمغابن وإزالة الوسخ - بخلاف ما بعده من الاغتسالات الآتية في صفة الحج فإنه يكفي فيها تعميم الماء وتمرير اليد دون ذلك، ويستحسن أن يكون هذا الغسل متصلا بالإحرام لقوله: «اغتسلي .. وأحرمي» ولفعله ﵊ كما في حديث زيد بن ثابت وحديث ابن عمر، ويستحب لمريد الإحرام بأحد النسكين أن يقلم أظفاره ويحلق عانته ويقص شاربه ولا يحلق رأسه طلبا للشعث.
(و) يؤمر أيضا إن كان رجلا على جهة السنية أن (يتجرد من مخيط الثياب) ويلبس إزارا ورداء ونعلين لحديث ابن عباس: «انطلق رسول الله بعدما ترجل، وادهن، ولبس إزاره ورداءه، هو وأصحابه فلم ينه عن شيء من الأردية والأزر تلبس إلا المزعفرة التي تردع (^٣) على الجلد» (^٤)، والحديث ابن عمر أن رجلا قال يا رسول الله ﷺ: ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله ﷺ: «لا يلبس القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين، فليلبس خفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران أو ورس» (^٥).
(ويستحب له)؛ أي: للمحرم إن كان غير حائض ونفساء (أن يغتسل لدخول مكة) والأفضل أن يكون بذي طوى مثلث الطاء وهو ما يسمى بالزاهر
_________________
(١) مالك في الموطأ (٢/ ٣٠٠)، ومسلم (٢٩٤١)، وأبو داود (١٧٤٣).
(٢) الاستذكار لابن عبد البر (٤/ ٥).
(٣) تردع: أي: تصبغ، من الردع وهو الصبغ.
(٤) البخاري (١٥٤٥).
(٥) الموطأ (٢/ ٣٠٥)، والبخاري (١٥٤٢)، ومسلم (٢٧٨٣).
[ ٢ / ٧٥١ ]
حاليا لحديث ابن عمر له أنه كان «إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طوى، ثم يصلي به الصبح، ويغتسل، ويحدث أن نبي الله ﷺ كان يفعل ذلك» (^١).
(ولا يزال) المحرم (يلبي دبر الصلوات) الفرائض والنوافل (وعند كل شرف مكان عال وفي بطون الأودية وعند ملاقاة الرفاق) جمع رفقة بضم الراء وكسرها الجماعة يرتفقون فينزلون معا ويرتحلون معا، وعند اليقظة من النوم، قال ابن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن خيثمة قال: [كانوا يستحبون التلبية عند ست: دبر الصلاة، وإذا استقلت بالرجل راحلته، وإذا صعد شرفا أو هبط واديا وإذا لقي بعضهم بعضا وبالأسحار] (^٢)، ولا يرد الملبي سلاما حتى يفرغ.
ويستحب رفع الصوت بالتلبية رفعا متوسطا، والمرأة تسمع نفسها فقط؛ قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن السنة في المرأة أن لا ترفع صوتها، وإنما عليها أن تسمع نفسها». اه.
ولا تكره التلبية للحائض ولا للجنب لأن النبي ﷺ قال لعائشة ﵂: «افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت» (^٣) فدل على أنها لا تترك التلبية ويلحق بها الجنب لكون المانع يشملهما؛ ولا ينبغي للحاج والمعتمر أن يغفل عن التلبية ففيها فضائل جمة، ومحاسن مهمة فانظر إلى ما أخبر به الحبيب ﷺ في فضلها وعظيم شأنها، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما أهل مهل قط ولا كبر مكبر قط إلا بشر، قيل يا رسول الله: بالجنة؟ قال: «نعم» (^٤).
_________________
(١) مالك في الموطأ (٢/ ٣٠٤)، والبخاري (١٥٧٣)، ومسلم (٣٠٣٤).
(٢) الدراية لابن حجر (٢/ ١٢)، وتلخيص الحبير (٢/ ٢٣٩) له.
(٣) مالك في الموطأ، والبخاري (١٥٥٦)، ومسلم (٢٩١١)، وفي لفظ لمسلم: «حتى تغتسلي» (٢٩١٠).
(٤) رواه الطبراني في الأوسط (٩٧٤) بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح.
[ ٢ / ٧٥٢ ]
(وليس عليه كثرة الإلحاح بذلك) لا وجوبا ولا استحبابا بل هو مكروه عند مالك، والإلحاح الإكثار وهو ملازمة التلبية حتى لا يفتر عن ذلك وكما أنه لا يلح لا يسكت حتى تفوته الشعيرة (فإذا دخل مكة أمسك عن التلبية حتى يطوف ويسعى) لما في حديث ابن عمر السابق: «أنه كان إذا دخل الحرم أمسك عن التلبية ثم يبيت بذي طوى، ثم يصلي الصبح ويغتسل ويحدث أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك» (^١)، (ثم) بعد فراغه من الطواف والسعي (يعاودها)؛ أي: التلبية ويستمر على ذلك (حتى تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها) وفي المذهب ثلاث روايات:
الأولى: وهو مذهب المدونة إذا زالت الشمس وراح إلى الصلاة، وهي التي رجع إليها مالك وثبت عليها. قال ابن الجلاب متمما لهذه الرواية: إلا أن يكون أحرم بالحج من عرفة فيلبي حتى يرمي جمرة العقبة.
والرواية الثانية: رواها أشهب إذا راح إلى الموقف.
والرواية الثالثة: إذا زالت الشمس، وقال اللخمي والباجي أيضا: أنه يلبي إلى جمرة العقبة، وبذلك ورد حديث رواية مسلم (^٢).
قلت: وقد رجحنا هذا القول في كتابنا العرف الناشر فلينظر والله أعلم.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى: اعلم أن الصحيح الذي قام عليه الدليل، أن الحاج لا يقطع التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة، وقال بعض أهل العلم حتى رميه إياها، والدليل على أن هذا القول هو الصواب دون غيره من أقوال أهل العلم هو ما ثبت من حديث الفضل بن عباس له «أن رسول الله ﷺ لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة» (^٣) وقوله: حتى بلغ الجمرة هو وقت الشروع في الرمي.
_________________
(١) مالك في الموطأ (٢/ ٣٠٤)، والبخاري (١٥٧٣)، ومسلم (٣٠٣٤).
(٢) منسك خليل (٤٤).
(٣) البخاري (١٢٨١)، وصحيح مسلم (٣٠٧٦).
[ ٢ / ٧٥٣ ]
وفي لفظ: «لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة» (^١) وهو حجة من قال:
يلبي حتى ينتهي من رميه. فهذه النصوص الصحيحة تدل على عدم قطع التلبية بعرفة، والأظهر أنه يقطعها عند الشروع في رمي العقبة، وأن رواية مسلم حتى رمى جمرة العقبة يراد به الشروع في رميها لا الانتهاء عنه.
ومن القرائن الدالة على ذلك، ما ثبت في الروايات الصحيحة من التكبير مع كل حصاة، فظرف الرمي لا يستغرق غير التكبير مع الحصاة لتتابع رمي الحصيات، ولابن خزيمة عن الفضل: قال: «أفضت مع النبي ﷺ فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة يكبر مع كل حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة»، قال ابن خزيمة: حديث صحيح مفسر لما أبهم في الرواية الأخرى، وأن المراد بقوله: «حتى رمى جمرة العقبة» أتم رميها. اه. وعلى تقدير صحة هذه الرواية لا ينبغي العدول عنها (^٢).
قال الحافظ (^٣): «وقالت طائفة يقطعها إذا راح إلى الموقف، رواه ابن المنذر وسعيد بن منصور بأسانيد صحيحة عن عائشة وسعد بن أبي وقاص وعلي، وبه قال مالك وقيده بزوال الشمس يوم عرفة ..»، وبالذي قاله اللخمي وغيره نأخذ.
(ويستحب) للحاج والمعتمر (أن يدخل مكة من كداء الثنية التي بأعلى مكة)، لأن النبي فعل كذا والصحابة بعده. ويستحب دخولها نهارا لفعله ﵊ كما في حديث جابر الذي رواه مسلم وغيره: «أن النبي دخل مكة ارتفاع الضحى وأناخ راحلته عند باب بني شيبة. ودخل المسجد ورواه النسائي، ولا بأس أن يدخلها ليلا. لأن النبي ﷺ دخل مكة ليلا ونهارا» (^٤)
_________________
(١) لمسلم (٣٠٧٧).
(٢) أضواء البيان للعلامة محمد الأمين الشنقيطي (٥/ ٦).
(٣) فتح الباري (٣/ ٦٢٣).
(٤) رواه النسائي (٢٨١٤) من حديث محرش الكعبي، وانظر: صحيح أبي داود (١٧٤٢) للألباني.
[ ٢ / ٧٥٤ ]
فإن دخل قبل طلوع الشمس فلا يطوف، فإن طاف فلا يركع حتى تطلع الشمس وتحل النافلة، وذلك لفعل عمر الله هـ: «أنه طاف بالبيت مع عمر بن الخطاب، بعد صلاة الصبح. فلما قضى عمر طوافه، نظر، فلم ير الشمس. فركب حتى أناخ بذي طوى، فصلى ركعتين» (^١).
ويستحب للمرأة إذا قدمت نهارا أن تؤخر الطواف إلى الليل، أما وقد أصبح في عصرنا الليل والنهار سواء في الإضاءة فلا معنى له، (و) كذلك يستحب له (إذا خرج) من مكة (أن يرجع من كدى) وهو موضع من أسفل مكة وكدى بضم الكاف منون (^٢)، لحديث ابن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ يدخل من الثنية العليا، ويخرج من الثنية السفلى» (^٣). وفي رواية للبخاري: «دخل مكة من كداء من الثنية العليا التي بالبطحاء، وخرج من الثنية السفلى» (^٤) (وإن لم يفعل في الوجهين) ما ذكر من الدخول من الثنية العليا والخروج من السفلى (فلا حرج)؛ أي: لا إثم عليه ولا دم لأنه لم يترك واجبا.
(قال) الإمام مالك الله: «فإذا دخل» الحاج أو المعتمر (مكة فليدخل المسجد الحرام)؛ أي: يبادر بدخول المسجد الحرام ولا يقدم عليه غيره إلا ما لا بد منه من حط رحل وأكل خفيف فالتراخي عنه إساءة أدب لحديث جابر في «الصحيح»: «حتى أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا»، وعن عروة بن الزبير عن عائشة لا: «أن النبي حين قدم مكة توضأ ثم طاف بالبيت» (^٥). وروي ذلك عروة عن أبي بكر وعمر وعثمان وعبد الله بن عمر
_________________
(١) مالك في الموطأ (٤١١/ ٢١).
(٢) قال ابن الصلاح: وأما كدي مصغرا (بضم الكاف وفتح الدال وتشديد الياء) فإنه لمن خرج من مكة إلى اليمن، وليست من الموضعين الأولين في شيء، قال خليل: وهي فائدة حسنة ترفع ما هلك فيه الكثيرون (منسك خليل ٦٧ - ٦٨).
(٣) البخاري (١٥٧٥)، ومسلم (٣٠٣٠)، وأبو داود (١٨٦٦)، وغيرهم
(٤) البخاري (١٥٧٦).
(٥) أخرجه البخاري (١٨٦/ ٢) وفي (١٩٢/ ٢)، ومسلم (٤/ ٥٤).
[ ٢ / ٧٥٥ ]
ومعاوية وابن الزبير والمهاجرين وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر (^١)
(وإذا أراد دخول المسجد) الحرام (فمستحسن)؛ أي: مستحب (أن يدخل من باب بني شيبة) ويعرف الآن بباب السلام إلا أن باب السلام من الخارج وباب بني شيبة من داخل المسجد للخارج إلى الصفا والمروة، لما في حديث جابر ﷺ الطويل في صفة حجه ﵊: «أنه أناخ راحلته عند باب بني شيبة ودخل المسجد» (^٢)، وعن ابن عباس- ﵄ «أن رسول الله ﷺ لما قدم في عهد قريش دخل مكة من هذا الباب الأعظم» (^٣) وقد أجمع العلماء على استحباب ذلك؛ ويستحب له أن يقول الدعاء المأثور عند دخوله كل مسجد «بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ، اللهم افتح لي أبواب رحمتك، ويزيد ما أثر عنه ﷺ كما قال الشافعي في «مسنده» (^٤): أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج: أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال: اللهم زد هذا البيت تشريفا وتكريما وتعظيما ومهابة وبرا، وزد من شرفه ممن حجه واعتمره تشريفا وتكريما وتعظيما وبرا»، وروى بإسناده عن سعيد بن المسيب أنه كان حين ينظر إلى البيت يقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام حينا ربنا بالسلام» (^٥) اه.
وبعد دخوله المسجد فليكن أول ما يقصده بعد نية الطواف الركن الأسود فإذا وصل إليه (يستلم) بمعنى يلمس (الحجر الأسود (^٦) بفيه إن قدر) على
_________________
(١) المغني لابن قدامة (٥/ ٢١٣).
(٢) مسلم (٢٩٤١).
(٣) البيهقي (٥/ ١١٦).
(٤) ترتيب مسند الشافعي (١/ ٣٣٩)، وشرح المسند للرافعي (٢/ ٣٤٢)، والحديث معضل، وقال البيهقي (٥/ ٧٣) (٨٩٩٥): هذا منقطع وله شاهد مرسل عن سفيان الثوري عن أبي سعيد الشامي عن مكحول قال النبي … الحديث، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٩/ ٨١) (٢٩٦٢٤) عن مكحول مرسلا.
(٥) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٥/ ٧٣) (٨٩٩٧).
(٦) انظر: كتابنا العرف الناشر في شرح وأدلة فقه متن ابن عاشر (ص ٣٣٢)، ط: دار ابن حزم.
[ ٢ / ٧٥٦ ]
ذلك (وإلا)؛ أي: وإن لم يقدر على استلامه بفيه (وضع يده عليه)؛ أي: على الحجر الأسود (ثم وضعها على فيه من غير تقبيل)؛ أي: تصويت، فإن لم يصل إليه مسه بعود ثم يضعه على فيه من غير تقبيل، فلا يكفي العود مع إمكان اليد، ولا اليد مع إمكان التقبيل. وهذا الاستلام سنة في أول الطواف مستحب في باقيه لحديث ابن عمر هـ قال: «كان رسول الله ﷺ حين يقدم مكة، يستلم الركن الأسود، أول ما يطوف» (^١) وفي رواية: «يستلمه ويقبله» (^٢).، وعن عابس بن ربيعة، عن عمر الله أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله فقال: «إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك» (^٣)، وعن ابن عباس قال: «طاف النبي ﷺ على بعير كلما أتى الحجر أشار إليه بشيء في يده وكبر» (^٤)؛ وروي عن النبي ﷺ أنه قال لعمر: «إنك لرجل شديد تؤذي الضعيف إذا طفت بالبيت. فإذا رأيت خلوة من الحجر فأدن منه وإلا فكبر ثم امض» (^٥)، فإن أمكنه استلام الحجر بشيء في يده كالعصا ونحوها فعل. فقد روى ابن عباس: «طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعير، يستلم الركن بمحجن» (^٦)، وهذا كله مستحب.
• دعاء التقبيل للحجر الأسود:
أخرج البيهقي عن عبد الله بن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا استلم الحجر الأسود يقول: «باسم الله والله أكبر» وعن نافع قال: كان ابن عمر ما إذا استلم الحجر قال: «اللهم إيمانا بك، وتصديقا بكتابك، ووفاء
_________________
(١) البخاري (١٦٠٣)، ومسلم (٣٠٣٩).
(٢) البخاري (١٦١١).
(٣) مالك في الموطأ (٢/ ٤٠٨)، والبخاري (١٥٩٧) ومسلم (١٢٧٠، ٣٠٥٦).
(٤) البخاري (١٦١٢ - ١٦٣٢).
(٥) مسند أحمد (١/ ٢٨) (١٩٠)، والسنن الكبرى للبيهقي (٥/ ٨٠) (٩٠٤٣) قال في المجمع: «وفيه راو لم يسم» (٣/ ٢٤١)، وانظر: معاني الآثار للطحاوي (٢/ ١٧٨).
(٦) البخاري (١٦٠٧)، ومسلم (١٢٧٢).
[ ٢ / ٧٥٧ ]
بعهدك، واتباعا لسنة نبيك محمد ﷺ (^١).
صفات استلام الحجر الأسود:
ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى (^٢): صفات استلام الحجر الأسود وكيفية ذلك:
١ - تقبيله، ووضع شفتيه ﷺ يبكي طويلا.
٢ - استلامه باليد توضع عليه، ثم تقبل.
٣ - استلامه بمحجن (^٣).
٤ - تقبيله والسجود عليه.
٥ - الإشارة إليه من غير استلام ولا تقبيل.
٦ - تقبيله ووضع الخد عليه اه وقد وردت في ذلك أحاديث.
من فضائل استلام الحجر الأسود:
ما جاء في الحديث الصحيح لغيره عن عبد الله بن عبيد بن عمير ﵁ أنه سمع أباه يقول لابن عمر ﵁: ما لي لا أراك تستلم إلا هذين الركنين الحجر الأسود والركن اليماني، فقال ابن عمر: إن أفعل فقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن استلامهما يحط الخطايا» (^٤).
وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في الحجر: «والله ليبعثنه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق» (^٥)،
_________________
(١) رواه الطبراني في الأوسط كما في المجمع (٢/ ٣/ ٢٤٣)، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، قال الحافظ: سنده صحيح، تلخيص الحبير (٢/ ٢٤٧).
(٢) زاد المعاد (١/ ٢١٩)، وتهذيب السنن (٢/ ٣٤٧ - ٣٧٦).
(٣) المحجن: العصا المعقوفة.
(٤) أخرجه أحمد (٢/ ٣) (٤٤٦٢)، والنسائي (٥/ ٢٢١)، وابن خزيمة (٢٧٢٩).
(٥) رواه الترمذي وقال حديث حسن (٩٦١)، وابن خزيمة (٢٧٣٥)، وابن حبان في صحيحيهما.
[ ٢ / ٧٥٨ ]
والحديث صحيح (^١)، وروى ابن ماجة عن ابن عمر ها قال: «استقبل رسول الله ﷺ الحجر، ثم وضع شفتيه عليه، يبكي طويلا، ثم التفت، فإذا هو بعمر بن الخطاب يبكي، فقال يا عمر: ها هنا تسكب العبرات» (^٢).
طواف القدوم:
(ثم) إذا فرغ من استلام الحجر الأسود فإنه (يطوف) بالبيت الشريف طواف القدوم وهو واجب على كل من أحرم من الحل سواء كان من أهل مكة أو غيرها أما إذا أحرم من الحرم فإنه لا قدوم عليه لكونه غير قادم.
وللطواف من حيث هو سواء كان ركنا أو واجبا أو مندوبا واجبات وسنن ومستحبات.
أما واجباته فستة:
الأول: شرائط الصلاة من طهارتي الحدث والخبث وستر العورة، فلو أحدث في أثنائه تطهر وابتدأ، ولا يبني على المشهور - وانتبه للمشهور؛ أي: ما كثر قائله فقد يفيدك خلافه أيام الحج والزحام وإن كنت مفتيا فارفق بالآخرين، والقول بالبناء رواية لابن حبيب عن مالك (^٣) - ويباح فيه الكلام وذلك لحديث عائشة ﵂: «أن أول شيء بدأ به النبي ﷺ حين قدم، أنه توضأ ثم طاف بالبيت» (^٤)
وعنها ﵂: أنها لما حاضت قال لها رسول الله ﷺ: افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري (^٥)، وفي لفظ لمسلم «حتى تغتسلي» (^٦)
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ٢٤٧) (٢٢١٥)، والدارمي (١٨٣٩)، وابن ماجه (٢٩٤٤)، والترمذي (٩٦١)، وابن خزيمة (٢٧٣٥).
(٢) ابن ماجه (٢٩٤٥).
(٣) منسك خليل (٧٣).
(٤) البخاري (١٦٤١)، ومسلم (١٢٣٥).
(٥) البخاري (١٥٥٦)، ومسلم (٢٩١١).
(٦) مسلم (٢٩١٠).
[ ٢ / ٧٥٩ ]
وعن ابن عباس ﵂ قال: قال رسول الله ﷺ: «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله قد أحل فيه النطق فمن نطق فيه فلا ينطق إلا بخير» (^١).
والثاني: أن يكون الطواف داخل المسجد لفعله ﷺ، ومنعه عائشة من فعله لكون الحائض لا يحل لها أن تدخل المسجد ولأنه صلاة ولا تحل الصلاة لمحدث.
والثالث: جعل البيت على يساره، وإليه أشار بقوله: (والبيت) الشريف (على يساره) فلو جعله على يمينه لم يصح طوافه ولزمته الإعادة، لأن النبي ﷺ لما طاف بدأ بالحجر الأسود ثم جعل البيت على يساره وطاف، فعن جابر ﵁ «أن النبي ﷺ لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه، ثم مشى على يمينه فرمل ثلاثا ومشى أربعا» (^٢). وينبغي أن يحتاط عند ابتداء الطواف فيقف قبل الركن بقليل بحيث يكون الحجر عن يسار موقفه ليستوعب جملته بذلك لأنه إن لم يستوعب الحجر لم يعتد بالشوط الأول فليتنبه لذلك، فإن كثيرا ما يقع فيه الجهال ويكون في طوافه خارجا عن البيت، فعلى من قبل الحجر الأسود أن لا يمشي إلا بعد أن ينتصب قائما كما كان، ولا يجوز له أن يقبله ثم يمشي وهو مطأطئ رأسه أو يده لئلا يحصل بعض الطواف وليس جميع بدنه خارجا عن البيت لأنه يكون بعض البدن على الشاذروان وهو من البيت فلا يصح طوافه (^٣).
والرابع: أن يطوف (سبعة أطواف) جمع طوف وهو الشوط لما في حديث جابر ﵁ الطويل: «أن النبي ﷺ رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعا» (^٤)،
_________________
(١) ت (٩٦٠)، س (٥/ ٢٢٢)، قال الحافظ في التلخيص: وصححه ابن السكن، وابن خزيمة وابن حبان، وفي لفظ للحاكم قال: هذا حديث حسن الإسناد ولم يخرجاه، وقد أوقفه جماعة، وصححه الألباني، إرواء الغليل للألباني (٤/ ١٥٤).
(٢) البخاري من حديث ابن عمر (١٦٠٣)، ومسلم من حديث جابر (٢٩٤١).
(٣) منسك خليل (٧٤)، وانظر: الإيضاح في مناسك الحج والعمرة للنووي (٢٢٥)، ط: المكتبة الإمدادية.
(٤) البخاري (١٦٠٤)، ورواه مسلم (٢٤٠) (١٢٦٦).
[ ٢ / ٧٦٠ ]
وابتداؤه من الحجر إلى الحجر؛ أي: الحجر الأسود، فلو ابتدأ من الركن اليماني أتم إليه وعليه دم.
الخامس: الموالاة، لأن النبي ﷺ والى بين أشواط الطواف ولم يثبت أنه فصل بينها، ثم لو نسي شوطا وذكر بالقرب ولم ينتقض وضوءه عاد إليه بالقرب، كما يرجع إلى الصلاة وإن طال بطل الطواف قياسا على الصلاة.
السادس: أن يركع ركعتين عقبه لما في حديث جابر ﵁ قال: «حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين ثم قرأ: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [البقرة: ١٢٥] (^١)؛ وفي رواية مسلم أيضا: «فصلى ركعتين فقرأ فاتحة الكتاب وقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد» (^٢)
تنبيه: يجوز فعل ركعتي الطواف في أي مكان من المسجد قال الحافظ (^٣): الإجماع على أن ركعتي الطواف أينما صليت في المسجد الحرام جاز، ويجوز فعلهما خارج المسجد الحرام لفعل أم سلمة ﵂ وحديثها في «الصحيحين». اه (^٤).
بل يجوز فعلها خارج مكة لفعل عمر ﵁ روى: «أن عمر طاف بعد صلاة الصبح فلما قضى طوافه نظر فلم ير الشمس، فركب حتى أناخ بذي طوى فصلى ركعتين» (^٥).
وأما سننه فأربعة:
أحدها: الرمل بفتح الراء والميم، وهو الإسراع في المشي مع تقارب الخطا دون الوثوب والعدو، وإليه أشار بقوله: (ثلاثة خببا) لما مر قريبا من حديث جابر، وهو في حديث ابن عباس وابن عمر وكلها أحاديث متفق
_________________
(١) مسلم (٢٩٤١)، وابن أبي داود، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في سننه، كما في الدر المنثور (١/ ٢٢٣).
(٢) مسلم (٢٩٤١).
(٣) الفتح (١/ ٤٩٩).
(٤) البخاري (١٦٢٦).
(٥) مالك في الموطأ (٢١/ ٤١١).
[ ٢ / ٧٦١ ]
عليها، الخبب: الرمل وهو الهرولة فوق المشي دون الجري، وهو سنة الرجل لا المرأة ولو مريضا ولا دم في تركه ولو مع القدرة (^١) (ثم أربعة مشيا) ولا يسن إلا في طواف القدوم فقط، ودليل هذا كله فعله ﵊.
وعلة الرمل ما رواه عن ابن عباس ﵄ قال: «قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة وقد وهنتهم حمى يثرب، قال المشركون: إنه يقدم عليكم غدا قوم قد وهنتهم الحمى ولقوا منها شدة فجلسوا مما يلي الحجر، وأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الركنين ليرى المشركون جلدهم» فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم هؤلاء أجلد من كذا وكذا.
قال ابن عباس: «ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم» (^٢).
ثانيها: الدعاء، وهو غير محدود. والثابت منه ما تقدم عند استلام الحجر وكذلك في الطواف ما بين الركنين اليمانيين لما روى الإمام أحمد في المناسك عن عبد الله بن السائب ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: ﴿بين ركن بني جمح والركن الأسود ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ (^٣).
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وكل به يعني: الركن اليماني - سبعون ملكا فمن قال: اللهم أني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ قالوا آمين» (^٤)، وصح عن ابن عباس ﵄ أنه كان يقول بين الركنين ويرفعه إلى النبي ﷺ: «رب قنعني بما رزقتني وبارك لي فيه واخلف علي كل غائبة
_________________
(١) تنوير المقالة (٣/ ٤٣٦).
(٢) البخاري (١٤٩٩)، ومسلم (٢٢٢٠).
(٣) رواه أبو داود (١/ ٤٣٧).
(٤) رواه ابن ماجه (٢/ ٩٨٥).
[ ٢ / ٧٦٢ ]
لي بخير» (^١).
ثالثها: استلام الحجر الأسود أول الطواف سنة، وفي الباقي مستحب كما تقدم.
رابعها: استلام الركن اليماني أول شوط. فعن ابن عمر ﵄ قال: «لم أر النبي ﷺ يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين» (^٢) وروى الطبراني بإسناد جيد أن النبي ﷺ: «كان إذا استلم الركن اليماني قال: بسم الله والله أكبر، وكان كلما أتى على الحجر الأسود قال: الله أكبر» (^٣).
وأما مستحباته فأربعة:
الأول: استلام الحجر الأسود في أول كل شوط ما عدا الأول، وإليه أشار بقوله: (ويستلم الركن)؛ يعني: الحجر الأسود (كلما مر به كما ذكرنا) أولا. وهو أن يستلمه بفيه إن قدر وإلا وضع يده عليه ثم يضعها على فيه من غير تقبيل. وظاهر قوله: (ويكبر) أنه يجمع بين الاستلام والتكبير. وظاهر المدونة خلافه، لكن الراجح الجمع بينهما. لما مر من حديث الطبراني.
الثاني: استلام الركن اليماني في أول كل شوط غير الأول، وإليه وإلى صفة استلامه أشار بقوله: (ولا يستلم الركن اليماني بفيه ولكن بيده ثم يضعها على فيه من غير تقبيل) ونحوه في المدونة. قال ابن عبد البر: جائز عند أهل العلم أن يستلم الركن اليماني والركن الأسود لا يختلفون في شيء من ذلك، وإنما الذي فرقوا به بينهما التقبيل فرأوا تقبيل الأسود، ولم يروا تقبيل اليماني، وأما استلامهما فأمر مجمع عليه، وقد روى مجاهد عن ابن عباس قال: «رأيت رسول الله ﷺ إذا استلم الركن قبله ووضع خده الأيمن عليه» قال: وهذا لا يصح، وإنما يعرف التقبيل في الحجر الأسود وحده، وقد روى ابن عمر: «أن رسول الله ﷺ كان لا يستلم إلا الحجر والركن
_________________
(١) أخرجه ابن خزيمة (٤/ ٢١٧/ ٢٧٢٨)، والحاكم، وصححه.
(٢) البخاري (١٦٠٩)، ومسلم (٣٠٥٠).
(٣) عبد الرزاق (٨٨٩٤).
[ ٢ / ٧٦٣ ]
اليماني (^١)، وقال ابن عمر: «ما تركت استلام هذين الركنين اليماني، والحجر، مذ رأيت رسول الله ﷺ يستلمهما، في شدة ولا رخاء» (^٢)، ولأن الركن اليماني مبني على قواعد إبراهيم ﵇ فسن استلامه كالذي فيه الحجر، وأما تقبيله فلم يصح عن النبي ﷺ فلا يسن …». اه (^٣).
الثالث: الدنو من البيت للرجال دون النساء، لأن الدنو هو المقصود إلا إذا وجد زحاما، وأما النساء فقد روت أمنا أم سلمة ﵂ قالت: «شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي قال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة فطفت ورسول الله ﷺ يصلي إلى جنب البيت يقرأ بالطور وكتاب مسطور» (^٤). وروى عطاء قال: كانت عائشة تطوف حجزة (^٥) من الرجال لا تخالطهم فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين؛ قالت: انطلقي عني، وأبت (^٦).
الرابع: الدعاء بالملتزم بعد الفراغ من الطواف، والملتزم ما بين الركن والباب فيعتنقه ويلح في الدعاء. فعن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: طفت مع عبد الله فلما جئنا دبر الكعبة قلت: ألا تتعوذ؟ قال: "نعوذ بالله من النار، ثم مضى حتى استلم الحجر وأقام بين الركن والباب، فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه هكذا وبسطهما بسطا، ثم قال: «هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله» (^٧).
تنبيه: يجب على الطائف أن يطوف بجميع البيت بما في ذلك الحجر،
_________________
(١) مسلم (١٢٦٧).
(٢) البخاري (٢/ ١٨٥) (١٦٠٦)، ومسلم (٤/ ٦٦) (٣٠٣٩).
(٣) مختصر التمهيد لابن عبد البر (٣/ ٢٩٨)، للأستاذ عبد العزيز القرشي.
(٤) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢٤٢)، والبخاري (٤٦٤)، ومسلم (١٢٧٦).
(٥) حجزة: أي: محجوزا بينها وبين الرجال بثوب، وفي رواية: حجرة بفتح الحاء وضمها؛ أي: معتزلة.
(٦) أخرجه البخاري في باب طواف النساء مع الرجال من كتاب الحج (١٦١٨)، والبيهقي في السنن (٥/ ٧٨).
(٧) أبو داود (١٨٩٩).
[ ٢ / ٧٦٤ ]
وطرف الكعبة ما بين الركنين اليمانيين المسمى بالشاذروان (^١)، فمن لم يطف بهما مع البيت لم يعتد بطوافه؛ فعن أمنا عائشة لها قالت: «سألت رسول الله عن الحجر؟ فقال: هو من البيت» (^٢)، وعنها قالت: «قال رسول الله ﷺ: «إن قومك استقصروا من بنيان البيت، ولولا حداثة عهدهم بالشرك، أعدت ما تركوا منه، فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلمي لأريك ما تركوا منه، فأراها قريبا من سبعة أذرع» (^٣).
(فإذا تم طوافه ركع عند المقام ركعتين) اشتمل كلامه على واجب ومستحبين:
فالواجب فعل ركعتين بعد الطواف على المذهب، لما جاء في حديث جابر به وقد تقدم قريبا وفيه «فجعل المقام بينه وبين البيت»، وهل له أن يصلي والناس يمرون بين يديه؟ نعم له ذلك لأن النبي ﷺ صلاهما والطواف بين يديه ليس بينهما شيء» (^٤)، ولحديث المطلب قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي مما يلي باب بني سهم والناس يمرون بين يديه، وليس بينهما سترة (^٥) قال سفيان ليس بينه وبين الكعبة سترة، قلت وقد بوب البخاري باب السترة بمكة وغيرها، قال الحافظ في الفتح: «أراد البخاري التنبيه على ضعف هذا الحديث وأن لا فرق بين مكة وغيرها في مشروعية السترة، واستدل على ذلك بحديث أبي جحيفة وقد قدمنا وجه الدلالة منه. وهذا هو المعروف عند الشافعية وأن لا فرق في منع المرور بين يدي المصلي
_________________
(١) «الشاذروان: بفتح الذال وسكون الراء، هو القدر الذي ترك من عرض الأساس خارجا عن عرض الجدار مرتفعا عن وجه الأرض قدر ثلثي ذراع وقال: قال الأزرقي في كتابه «أخبار مكة»: وطول الشاذروان في السماء ستة عشر أصبعا وعرضه ذراع». اه. من كتاب الإيضاح للنووي.
(٢) رواه مسلم (٤٠٦).
(٣) رواه مسلم (٤٠٣).
(٤) مصنف عبد الرزاق (٢/ ٣٥)، باب: لا يقطع الصلاة شيء بمكة، من كتاب الصلاة.
(٥) سنن أبي داود، باب: في مكة، من كتاب المناسك (١/ ٤٦٥).
[ ٢ / ٧٦٥ ]
بين مكة وغيرها. واغتفر بعض الفقهاء ذلك للطائفين دون غيرهم للضرورة، وعن بعض الحنابلة جواز ذلك في جميع مكة … . - وحديث عبد الرزاق أخرجه من هذا الوجه أيضا أصحاب السنن، ورجاله موتقون إلا أنه معلول …» (^١)، «وكان ابن الزبير يصلي والطواف بين يديه فتمر المرأة بين يديه فينتظرها حتى ترفع رجلها ثم يسجد» (^٢).
والمستحبان: كونهما أي الركعتان عند المقام، واتصالهما بالطواف ومفاده أنه ليس في ترك الاتصال دم مطلقا، وليس كذلك بل الدم في بعض الأحوال، فحينئذ ليس الاستحباب مطلقا بل في البعض، والوجوب في البعض الآخر الذي يترتب فيه الدم، لقول مالك أستحب في مثل هذا أن يهرق دما وذلك أن عبد الله بن عباس قال: «من نسي من نسكه شيئا فليهرق دما» (^٣)، وحاصل القول أن من لم يفعل الركعتين حتى تباعد أو رجع لبلده فإنه يفعلهما مطلقا.
ثم إن كانتا من طواف واجب فعليه الدم، وإن كانتا من غيره لم يجب عليه دم، وإن لم يتباعد ولا رجع لبلده فإن لم تنتقض طهارته أتى بالركعتين فقط مطلقا، وإن انتقضت طهارته عمدا فيأتي بالطواف والركعتين، ولو كانتا من غير فرض ويعيد السعي إن كان فعله، وإن لم يتعمد نقض طهارته ففي الفرض يعيد الطواف والركعتين والسعي، وفي غيره يعيدهما وهل يعيد الطواف أو لا؟ الظاهر ترجيح الثاني.
قلت: ومن التيسير على من طاف بلا طهارة سواء طواف فرض أو نافلة
_________________
(١) فتح الباري للحافظ (١/ ٦٨٦ ٦٨٧).
(٢) مصنف عبد الرزاق (٢/ ٣٥)، باب: لا يقطع الصلاة شيء بمكة، من كتاب الصلاة.
(٣) موطأ مالك (٧٩٨)، باب: التقصير. «وعن مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن رجلا أتى القاسم بن محمد فقال: إني أفضت وأفضت معي بأهلي ثم عدلت إلى شعب فذهبت لأدنو من أهلي فقالت: إني لم أقصر من شعري بعد فأخذت من شعرها بأسناني ثم وقعت بها، فضحك القاسم وقال: مرها فلتأخذ من شعرها بالجلمين».
[ ٢ / ٧٦٦ ]
وسافر يفتى له بصحة طوافه لما في ذلك من الاختلاف في وجوبها عند الفقهاء، - ويستحب بعد استلام الحجر الأسود أن يمر بزمزم فيشرب منها. لفعله كما في حديث جابر ﵁ في وصفه حجة النبي ﷺ قال: «… ثم عاد إلى الركن فاستلم ثم خرج إلى الصفا …» (^١).
الركن الثاني: السعي بين الصفا والمروة:
(ثم يخرج إلى الصفا) صرح الأقفهسي وابن عمر باستحباب الخروج من باب الصفا لكونه أقرب إلى الصفا، وكان يسمى باب بني مخزوم. ونقل زروق عن ابن حبيب أن النبي ﷺ خرج منه (فيقف عليه ل) أجل (الدعاء (^٢» فعن جابر ﵁ «ثم خرج - أي: النبي ﷺ من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إن الصفا والمروة من شعابر الله﴾ [البقرة: ١٥٨] «أبدأ بما بدأ الله به» فبدأ بالصفا، فرقي عليه، حتى رأى البيت فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده»، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ثم دعا بين ذلك، قال: مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدنا مشى، حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة، … الحديث» (^٣).
(ثم) إذا فرغ من الدعاء نزل منه فـ (ـيسعى)؛ أي: يمشي (إلى
_________________
(١) رواه مسلم (٢٩٤١)، والنسائي (٥/ ٢٣٥) وهو بعض لفظ روايته.
(٢) وهذا أول المواقف التي وقف فيها النبي ﷺ للدعاء كما ذكر ابن القيم، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: تضمنت حجة النبي ﷺ ست وقفات للدعاء الموقف الأول: على الصفا. الموقف الثاني: على المروة. الموقف الثالث: في عرفة. الموقف الرابع: المشعر الحرام بمزدلفة الموقف الخامس: عند الجمرة الأولى في أيام التشريق الثلاث. الموقف السادس: عند الجمرة الثانية في أيام التشريق الثلاث. وقال شيخنا محمد محفوظ ولد المختار فال الشنقيطي: وفاته دعاؤه عند الملتزم.
(٣) مالك في الموطأ (٢/ ٤١٨)، ومسلم (٢٩٤١).
[ ٢ / ٧٦٧ ]
المروة (^١) و) الحال أنه (يخب)؛ أي: يسرع في مشيه وهذا سنة الرجل دون المرأة (في بطن المسيل) خاصة في المرور إلى المروة، فعن جابر به … . «ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة، … . الحديث» (^٢)، والمسيل ما بين الميلين الأخضرين وهما اليوم مضاآن بمصابيح خضراء تحدد المسافة بينهما، فإذا أتى المروة وقف عليها ل أجل (الدعاء) والدعاء عليها وعلى الصفا غير محدود والوقوف عليهما سنة، ومن المأثور ما ذكرت لك، وكان ابن عمر كما قال نافع: أنه كان يخرج إلى الصفا من الباب الأعظم فيقوم عليه فيكبر سبع مرات ثلاثا ثلاثا يكبر. ثم يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله لا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. ثم يدعو فيقول: اللهم اعصمني بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك. اللهم جنبني حدودك، اللهم اجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك وأنبياءك ورسلك وعبادك الصالحين، اللهم حببني إليك وإلى ملائكتك وإلى رسلك وإلى عبادك الصالحين، اللهم يسرني لليسرى، وجنبني العسرى، واغفر لي في الآخرة والأولى، واجعلني من أئمة المتقين، واجعلني من ورثة جنة النعيم، واغفر لي خطيئتي يوم الدين اللهم قلت وقولك الحق ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ وإنك لا تخلف الميعاد. اللهم إذ هديتني للإسلام فلا تنزعني منه ولا تنزعه مني حتى توفاني على الإسلام. اللهم لا تقدمني إلى العذاب ولا تؤخرني لسوء الفتن» (^٣) قال: ويدعو دعاء كثيرا حتى إنه ليملنا وإنا لشباب.
_________________
(١) قال في المصباح: المرو الحجارة البيض الواحدة مروة، وسمي بالواحدة الجبل المعروف بمكة.
(٢) مالك في الموطأ (٢/ ٤١٨)، ومسلم (٢٩٤١).
(٣) روى بعض الحديث من دعاء ابن عمر: مالك في الموطأ (٢/ ٤١٩)، وبلفظه كله ابن قدامة عن أحمد في المغني (٥/ ٢٣٥).
[ ٢ / ٧٦٨ ]
واختلف هل يرفع يديه أم لا، وترك الرفع أحب إلى مالك (^١).
(ثم) بعد فراغه من الدعاء على المروة (يسعى)؛ أي: يمشي (إلى الصفا يفعل ذلك)؛ أي: ما ذكر من الوقوف على الصفا والمروة والدعاء عليهما والخبب في بطن المسيل (سبع مرات) فيتحصل مما ذكرنا أنه (يقف لذلك أربع وقفات على الصفا وأربعا على المروة) وهذا السعي ركن من أركان الحج والعمرة التي لا بد منها، لا يجزئ في تركه هدي ولا غيره، وأصل السعي قصة هاجر لما نفد الماء عنها وعن صبيها فقامت إلى الصفا وسعت إلى المروة (^٢)، والسعي دل على فرضيته الكتاب والسنة فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم﴾ [البقرة: ١٥٨].
وعن عروة قال: سألت عائشة ﵂ فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة﴾ فما أرى على أحدنا جناحا أن لا يطوف بهما؟ فقالت عائشة: بئسما قلت يا ابن أختي، إنها لو كانت على ما أولتها، كانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها إنما نزلت أن الأنصار قبل أن يسلموا كانوا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول الله، فقالوا: يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة في الجاهلية، فأنزل الله: ﴿إن الصفا والمروة﴾ الآية، قالت عائشة ﵂: «ثم قد سن رسول الله ﷺ الطواف بهما، فليس لأحد يدع الطواف بهما» (^٣).
قال الحافظ: ويمكن أن يكون الوجوب مستفادا من قول عائشة: «ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة» (^٤).
_________________
(١) منسك خليل (٨٠).
(٢) وقصتها في البخاري (٤/ ١١٣ - ١١٤) كتاب ٦٠ (الأنبياء، باب: ٩). وغيره.
(٣) وأخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٤٢٠)، والبخاري (١٦٤٣)، ومسلم (٣٠٧٠) - (٣٠٧١).
(٤) رواه مسلم (٣٠٦٩).
[ ٢ / ٧٦٩ ]
وعن حبيبة بنت أبي تجراة - بكسر المثناه وسكون الجيم بعدها راء ثم ألف ساكنة ثم هاء وهي إحدى نساء بني عبد الدار أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي»، قال الحافظ (^١): أخرجه الشافعي وأحمد وفي إسناده عبد الله بن المؤمل وفيه ضعف. قال الحافظ: وله طريق أخرى في صحيح ابن خزيمة مختصرة، وعند الطبراني عن ابن عباس كالأولى وإن انضمت إلى الأولى قويت. اه.
وسئل صاحب «الذخيرة»: هل الصفا أفضل أم المروة؟ فأجاب بأن الصفا أفضل، لأن السعي منه أربعا، ومن المروة ثلاثا، وما كانت العبادة فيه أكثر فهو أفضل (^٢).
شرائط السعي وسننه ومستحباته:
أما شرائطه فأربعة:
الأول: الترتيب وهو أن يأتي بالسعي بعد الطواف، لفعل النبي ﷺ ذلك وقوله: «لتأخذوا عني مناسككم» (^٣) فلو بدأ بالسعي رجع فطاف وسعى.
الثاني: الموالاة فإن جلس وطال وصار كالتارك ابتدأ السعي وإن كان شيئا خفيفا لم يضر، وإن أصابه حقن؛ أي: حبس بول توضأ وبني؛ والكلام فيه أخف من الكلام في الطواف؛ أي: لا ينبغي له الكلام إلا أنه أخف، وليشتغل بالذكر والدعاء.
الثالث: إكمال العدد، وإليه أشار بقوله: سبع مرات فمن ترك شوطا من حج أو عمرة سواء كانا صحيحين أو فاسدين فليرجع لذلك من بلده، ومن ترك من السعي ذراعا لم يجزه.
الرابع: أن يتقدمه طواف صحيح ولا يشترط فيه أن يكون واجبا بل
_________________
(١) الفتح (٣/ ٥٨٢)، وانظر: الدر المنثور للسيوطي (١/ ٢٩٣).
(٢) الذخيرة (٣/ ٢٥١).
(٣) أخرجه مسلم (٢/ ٩٤٣)، وأبو داود (١/ ٤٥٦)، والنسائي (٥/ ٢١٩).
[ ٢ / ٧٧٠ ]
يكفي؛ أي: طواف كان على ما صدر به ابن الحاجب وفهمه خليل من المدونة وهو الراجح. وقال زروق: المشهور اشتراط كونه واجبا كطواف الإفاضة والقدوم.
سنن السعي ومستحباته:
١ - الذكر والدعاء على الصفا والمروة ويستحب أن يقول بين الصفا والمروة: «اللهم اغفر وارحم وأنت الأعز الأكرم» رواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر ما
٢ - أن يسعى على طهارة كاملة، وستر عورة، فلو سعى على غير طهارة صح سعيه.
٣ - يستحب له السعي في موضع السعي وهو الإسراع للرجل بين العلمين.
تنبيه: سأورد حديث جابر ﵁ الذي أورد فيه مناسك الحج من يوم التروية إلى آخر ما فعله ﷺ، وما بين القوسين فهو إما من رواية حديثه من طريق غير طريق مسلم أو من روايات أخرى سأبينها بحول الله تعالى. فعن جابر ﵁ (^١): قال: «… فلما كان يوم التروية توجهوا إلى مني، فأهلوا بالحج، وركب رسول الله، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس وقال: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن
_________________
(١) رواه مسلم (٢٩٤١).
[ ٢ / ٧٧١ ]
أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال: بإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس «اللهم، اشهد، اللهم، اشهد» ثلاث مرات، ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب رسول الله ﷺ، حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا، حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، [فإذا وجد فجوة نص] (^١) ويقول بيده اليمنى: أيها الناس؛ السكينة السكينة؛ كلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد [وأفاض من طريق المأزمين] (^٢) حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، وصلى الفجر، حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء، حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس [وقال: لابن عباس القط لي حصى، فالتقطت له
_________________
(١) متفق عليه، من حديث عائشة، مالك في الموطأ (٤٥٤/ ٢)، والبخاري (١٦٦٦)، ومسلم (٣٠٩٤).
(٢) رواه أحمد (١٣١/ ٢).
[ ٢ / ٧٧٢ ]
سبع حصيات، هن حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفه ويقول: أمثال هؤلاء فارموا ثم قال: يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين، فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين] (^١) حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بيده، ثم أعطى عليا، فنحر ما غبر، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر، فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، [ثم حلق رسول الله ﷺ وحلق طائفة من أصحابه، وقصر بعضهم وقال: رحم الله المحلقين (ثلاثا) والمقصرين] (^٢) [وقال: ليس على النساء حلق، وإنما يقصرن] (^٣)، ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر [ولابن عمر: ثم رجع فصلى الظهر بمنى] (^٤) [ومكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى والثانية، فيطيل القيام ويتضرع، ويرمي الثالثة فلا يقف عندها (^٥) (ثم ينصرف) (^٦)] إلى الأبطح فيـ[صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة بالمحصب ثم ركب إلى البيت فطاف به] (^٧) [قبل صلاة الصبح، ثم خرج إلى المدينة] (^٨). وعن ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه،
_________________
(١) رواه أحمد (١/ ٢١٥)، والنسائي (٣/ ٥/ ٢٦٨)، وابن ماجه (٣٠٢٩) وإسناده صحيح.
(٢) البخاري (١٧٢٨ - ١٧٢٩)، ومسلم (٣١٣١) من حديث ابن عمر ﵁.
(٣) رواه أبو داود بإسناد صحيح، كما قال الحافظ في بلوغ المرام (٧٨٧).
(٤) رواه مسلم من حديث ابن عمر (٣١٥٢)، وأبو داود (١٩٩٨)، وأحمد (٢/ ٣٤).
(٥) رواه البخاري (١٧٥١)، وأبو داود واللفظ له إلا قوله: «ثم ينصرف» فللبخاري.
(٦) رواه البخاري (١٧٥١).
(٧) رواه البخاري (١٧٦٤).
(٨) رواه أبو داود (٢٠٠٦).
[ ٢ / ٧٧٣ ]
فقال رسول الله ﷺ: [لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض] (^١).
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ثم) بعد فراغه من السعي إذا قرب وقت الوقوف فإنه يخرج يوم التروية إلى منى سميت بذلك لأن إبراهيم ﵊ تمنى فيها كشف ما نزل به من الأمر بذبح ولده. وقيل: لأن الدماء تمنى؛ أي: تراق فيها، بينها وبين مكة ستة أميال. ويستحب أن يكون خروجه إليها بقدر ما إذا وصل إليها حانت الصلاة (فيصلي بها الظهر والعصر) قصرا كل صلاة في وقتها (و) يستحب أيضا أن يبيت بها فيصلي بها (المغرب والعشاء) قصرا للأخيرة وإتماما للمغرب، ومن ترك المبيت بها كره له ذلك ولا دم عليه، وخالف الأكمل؛ (ثم) إذا صلى الصبح من اليوم التاسع بمنى يستحب له أن لا يخرج منها إلا بعد طلوع الشمس ف (يمضي إلى عرفات) وهو موضع الوقوف فإذا وصل إلى عرفة فالمستحب أن ينزل بنمرة وهو من آخر الحرم وأول الحل ولا يدع التلبية في هذا كله؛ أي ما ذكر من الخروج بعد طلوع الشمس إلخ (حتى تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها) وهو مسجد نمرة، وقد تقدم الكلام على وقت قطع التلبية، (وليتطهر)؛ أي: يغتسل بعد الزوال (قبل رواحه إلى المصلى) ولا يتدلك في هذا الغسل دلكا بالغا بل بإمرار اليد فقط، وهذا آخر اغتسالات الحج الثلاثة. لما روى مالك في «الموطأ»: «أن ابن عمر ﵁ كان يغتسل لوقوفه عشية عرفة» (^٢).
وقد تقدم بيان حكمه وهو للوقوف لا للصلاة فتخاطب به الحائض والنفساء (ف) إذا وصل إلى المصلى (يجمع بين الظهر والعصر مع الإمام) جمعا وقصرا؛ زاد في المدونة بأذانين وإقامتين والقراءة في ذلك سرا لا
_________________
(١) رواه البخاري (١٧٥٥)، ومسلم (٣٢٠٧).
(٢) مالك في الموطأ (١١٥٢).
[ ٢ / ٧٧٤ ]
جهرا، ولو وافقت جمعة، لأنه يصلي ظهرا لا جمعة (^١)، ومن فاته الجمع مع الإمام جمع في رحله.
وما ذكر من القصر فهو في حق غير أهل عرفة أما هم فيتمون، والضابط أن أهل كل مكان يتمون فيه ويقصرون فيما سواه، والقصر بعرفة إنما هو للسنة وإلا فهو ليس بمسافة قصر في حق المكي وأهل المزدلفة ونحوهم.
الركن الثالث من أركان الحج: الوقوف بعرفة:
(ثم) بعد الفراغ من الصلاة مع الإمام (يروح معه إلى موقف عرفة) وعرفة: اسم الموضع الوقوف: وهو واد فسيح الأرجاء يبعد عن مكة المكرمة مقدار (٢٥) كلم، وفيه الجبل الذي يسمى بجبل عرفة ويسميه العامة بجبل الرحمة، ولا أصل لهذه التسمية، وفيه مسجد نمرة، وكان يسمى مسجد إبراهيم الخليل ﷺ.
ويؤخذ من كلامه أن موقف عرفة غير مصلاها، ويصح الوقوف في كل جزء منها إلا أنه يستحب الوقوف عند الصخرات العظام المفروشة في أسفل جبل الرحمة، وهي التي وقف عندها النبي ﷺ راكبا على راحلته يوم عرفة في حجة الوداع، ويؤخذ منه أيضا أن أول الوقوف بعد الزوال.
وظاهر قوله: (فيقف معه)؛ أي: مع الإمام (إلى غروب الشمس) على ما قاله الفاكهاني وغيره، أنه لا يؤخذ جزء من الليل.
والمذهب أنه لا بد من جزء من الليل (^٢). قال ابن الحاجب: والفرض من الوقوف الركن أدنى حضور جزء من الليل وجزء من عرفة حيث شاء، سوى بطن عرنة: بضم العين والراء (^٣).
وحاصل الفقه أن الوقوف بعرفة بعد الزوال واجب ينجبر بالدم،
_________________
(١) منسك خليل (٨٤).
(٢) شرح الرسالة للقاضي عبد الوهاب (٢/ ١٦١).
(٣) جامع الأمهات لابن الحاجب (١٩٦)، ومنسك خليل (٨٦).
[ ٢ / ٧٧٥ ]
والوقوف الركني الوقوف بها جزءا من الليل بعد الغروب. والتعبير بالوقوف بيان للوجه الأكمل، فلا ينافي أنه إذا مر بعرفة ليلا ولم يقف فيها يجزئه بشرطين: أن يكون عالما بأن هذا المحل عرفة، وأن ينوي الحضور بعرفة لا المار الجاهل بأن هذا المحل عرفة.
ولكن في «التوضيح»: عن سند من مر بها وعرفها أجزأه، وإن لم يعرفها: فقال أبو محمد: لا يجزئه، والأشهر الإجزاء لأن تخصيص أركان الحج بالنية ليس شرطا، وفي «المختصر»: الجاهل بعرفة لا يجزئه الوقوف بها، قال في منسكه وهو المشهور. لحديث بكير بن عطاء الليثي؛ سمعت عبد الرحمن بن يعمر الديلي ﵁، يقول: شهدت رسول الله ﷺ وهو واقف بعرفة، وأتاه ناس من أهل نجد، فقالوا: يا رسول الله، كيف الحج؟ قال: «الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر، من ليلة جمع، فقد تم حجه» (^١).
وحديث عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام الطائي أنه حج على عهد رسول الله ﷺ فلم يدرك الناس إلا ليلا، وهو بجمع، فانطلق إلى عرفات، فأفاض منها، ثم رجع فأتى جمعا، فقال: يا رسول الله، أنعبت نفسي، وأنضيت راحلتي، فهل لي من حج؟ فقال: «من صلى معنا صلاة الغداة بجمع، ووقف معنا حتى يفيض، وقد أفاض قبل ذلك من عرفات ليلا، أو نهارا، فقد تم حجه، وقضى تفثه» (^٢).
ويلزم المار على هذا الوجه المجزئ الدم لوجوب الطمأنينة بعرفة، كما قال المالكية ولا دليل عليه.
ويستحب الوقوف راكبا لفعله ﵊، كما في حديث جابر ﵁ عند مسلم: «ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة فلم
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٩٤٩)، وابن ماجه (٣٠١٥).
(٢) أخرجه أبو داود (١٩٥٠)، وابن ماجه (٣٠١٦)، والترمذي (٨٩١) والنسائي (٥/ ٢٦٣).
[ ٢ / ٧٧٦ ]
يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص» (^١)، ويستحب التسبيح والتحميد والتهليل والصلاة على سيدنا محمد ﷺ، والدعاء للنفس وللوالدين، ويستحب الفطر ليقوى على العبادة وهذه سنن كلها قد وردت في ثنايا الأحاديث.
وقفتان مع عرفات:
الوقفة الأولى:
لو أخطأ الناس الوقوف بعرفات فما العمل؟
قال الحطاب: إذا أخطأ جماعة أهل الموسم، فوقفوا في اليوم العاشر، فإن وقوفهم يجزئهم وأما إذا أخطئوا ووقفوا في الثامن، فإن وقوفهم لا يجزئهم، وهذا هو المعروف من المذهب، وقيل: يجزيهم في الصورتين، وقيل: لا يجزئ في الصورتين حكى الأقوال الثلاثة ابن الحاجب وغيره (^٢)، وعلى التفرقة أكثر أهل العلم، وهو قول مالك والليث والأوزاعي وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن؛ والفرق بين الصورتين: أن الذين وقفوا يوم النحر فعلوا ما تعبدهم الله به على لسان رسول الله ﷺ من إكمال العدة دون اجتهاد بخلاف الذين وقفوا في الثامن، فإن ذلك باجتهادهم وقبولهم شهادة من لا يوثق به. اه (^٣).
الوقفة الثانية:
هل وقفة الجمعة أفضل أم لا؟ قال خليل (^٤): «لم أر فيه نصا وينبغي أن تكون أفضل لأنه ورد حديث بذلك، والحديث وإن لم يصح لكن يستأنس به في فضائل الأعمال، ولأنها وقفته الله ولأنه قد ثبت أن الجمعة أفضل الأيام».
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) جامع الأمهات (١٩٦).
(٣) مواهب الجليل للحطاب (٤/ ١٣٤).
(٤) منسك خليل (٨٨).
[ ٢ / ٧٧٧ ]
قلت: والحديث الذي أشار إليه تكلم عنه الحافظ أنه لا أصل له فقال: وأما ما ذكره رزين في «جامعه» مرفوعا: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم عرفة وافق يوم الجمعة، وهو أفضل من سبعين حجة في غيرها» فهو حديث لا أعرف حاله، لأنه لم يذكر صحابيه ولا من أخرجه بل أدرجه في حديث «الموطأ» الذي ذكره مرسلا عن طلحة بن عبد الله بن كريز، وليست الزيادة المذكورة في شيء من الموطات، فإن كان له أصل احتمل أن يراد بالسبعين التحديد أو المبالغة، وعلى كل منهما فثبتت المزية بذلك، والله أعلم اه (^١).
المبيت بمزدلفة:
وتسمى جمع بفتح الجيم ثم سكون والمشعر الحرام، وسبب تسميتها بذلك: قال التتائي: وهل سميت بمزدلفة لقربها من عرفة، أو من التقرب لأن العبادة تؤدى فيها، أو لأن آدم ﵇ تقارب مع حواء بها، أقوال؟ (^٢).
(ثم) بعد غروب الشمس من يوم عرفة وتمكن الليل (يدفع بدفعه)؛ أي: بدفع الإمام إلى المزدلفة، فإن دفع قبل دفعه بعد غروب الشمس كان تاركا للأفضل، فإذا وصل إليها فليكن أول اهتمامه إقامة الصلاة بعد حط ما خف من رحله (فيصلي معه)؛ أي: مع الإمام (بمزدلفة المغرب والعشاء) جمعا وقصرا للعشاء لغير أهل مزدلفة والمذهب أن هذا الجمع سنة، واحذر من تأخير الصلاة عن وقتها إن لم تتمكن من الوصول قبل منتصف الليل أو قبل ثلث الليل الآخر، ويرخص للنساء والضعفة ومن في حكمهم الدفع بعد مغيب الغاسق، ولا يرمون إلا بعد طلوع الفجر، والأفضل بعد طلوع الشمس.
(و) إذا طلع الفجر استحب له أن يصلي مع الإمام (الصبح) أول الوقت أخذ من هذا أنه يطلب منه البيات بالمزدلفة على جهة الاستحباب كما نص عليه في «المختصر». وأما النزول فهو واجب ولا يكفي فيه إناخة البعير بل لا بد من حط الرحال. قال الحطاب: وهذا ظاهر إذا لم يحصل لبث، أما إن
_________________
(١) فتح الباري للحافظ ابن حجر (٨/ ١٢١)، ط: الريان.
(٢) تنوير المقالة (٣/ ٤٦١)، وانظر: مادة: (زلف) في لسان العرب.
[ ٢ / ٧٧٨ ]
حصل لبث ولو لم يحط الرحال بالفعل فالظاهر أنه كاف. ومن ترك النزول من غير عذر حتى طلع الفجر لزمه دم، ومن تركه لعذر فلا شيء عليه، قال خليل: والسنة النزول بمزدلفة والمبيت بها، فإن نزل بها ثم دفع فلا دم مع كونه خالف السنة، وإن لم ينزل فالدم على الأشهر، والظاهر أنه لا يكفي في النزول إناخة البعير بل لا بد من حط الرحل (^١).
(ثم) بعد ذلك يستحب له على المشهور أن (يقف معه بالمشعر الحرام) ويجعل وجهه إلى البيت؛ والمشعر جبل بالمزدلفة سمي بذلك لأن الجاهلية كانت تشعر هداياها فيه، وقيل لأنه كان يشعر بعضهم بعضا، أو لتفاخرهم بالآباء، أقوال، ويسمى قزح، وأينما وقف الحاج بمزدلفة فيجزئه لقول النبي ﷺ: «وقفت ها هنا، وجمع كلها موقف» (^٢) (يومئذ)؛ أي: يوم النحر، المستفاد بطريق اللزوم لأنه لم يتقدم ذكر ليوم النحر، والعامل في قوله يومئذ: ليصلي الصبح المقدر أو ليقف وقوله: (بها)؛ أي: بالمزدلفة أطلق اليوم على بعضه وهو من صلاة الصبح إلى قرب طلوع الشمس يدل عليه قوله: (ثم يدفع بقرب طلوع الشمس إلى منى) ظاهره ك «المختصر» جواز التمادي بالوقوف بالمشعر إلى الإسفار؛ والذي في المدونة: لا يقف أحد بالمشعر الحرام إلى طلوع الشمس أو الإسفار، ولكن يدفع قبل ذلك. وفي الصحيح ما يدل للأول ففيه أنه: «حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس، …» (^٣).
ويلقط حصى رمي الجمرة الكبرى من مزدلفة لفعل النبي ﷺ ذلك فعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على ناقته: «القط لي حصى» فلقطت له سبع حصيات، هن حصى الخذف فجعل ينفضهن في كفه
_________________
(١) منسك خليل (٩١).
(٢) رواه مسلم (٢١٣٨)، وأبو داود (١٩٢٢) والترمذي (٨٨٥) و(١٩٣٥)، وابن ماجه (٣٠١٠).
(٣) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٠٥٧) و١٠٨٩ و١٠٩٠ و١٠٩٧)، ومسلم (٤/ ٦٤) (٣٠٢٨)
[ ٢ / ٧٧٩ ]
ويقول: «أمثال هؤلاء فارموا ثم قال: يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (^١).
إذا فالسنة في الوقوف الدعاء، والذكر من تكبير، وتهليل، وتوحيد لرب الأرض والسماء، ثم الدفع منها قبل طلوع الشمس مخالفة للمشركين، واتباعا لشرع سيد الأولين والآخرين.
فائدة قال ابن عباس ﵁: «المشاعر: الركن، والصفا، والمروة، والمشعر الحرام، والهدي» (^٢).
(و) الدافع إلى منى إن كان راكبا (يحرك دابته) على جهة الاستحباب (ببطن محسر) بكسر السين المهملة وهو واد بين مزدلفة ومنى، والطريق في وسطه، وبين كل موقف وموقف من مشاعر الحج برزخ، فبين عرفات ومزدلفة وادي عرنة، وبين منى ومزدلفة وادي محسر، وإن كان ماشيا أسرع الرجل ولا تسرع المرأة وهذا الإسراع تعبدي (^٣).
رمي جمرة العقبة وما يليها من أعمال الحج:
أعمال الحج يوم النحر: سمي اليوم العاشر من ذي الحجة بيوم الحج الأكبر لاشتماله على عدة مناسك وهي:
صلاة الصبح بمزدلفة.
الوقوف بالمشعر الحرام.
الدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس.
الإسراع في بطن وادي محسرا للماشي في مشيته، وللراكب بدابته المجيء إلى منى.
_________________
(١) ابن ماجه (٣٠٢٩)، والنسائي (٥/ ٢٦٨).
(٢) تنوير المقالة (٣/ ٤٦٤).
(٣) والمشهور عند الفقهاء أنه هو المكان الذي رمى الله فيه أبرهة وجنوده بالنار فسمي بذلك وادي النار، والصحيح الذي ذكره بعض المحققين أن المكان الذي ألقيت فيه عليهم الحجارة هو المعروف بالمغمس.
[ ٢ / ٧٨٠ ]
رمي جمرة العقبة الكبرى.
النحر للهدي لمن ساقه أو كان عليه من متمتع وقارن.
الحلق أو التقصير للرجل، والتقصير للمرأة.
طواف الإفاضة، وتعجيله يوم النحر أفضل.
السعي لمن لم يسع أولا.
أن يعود إلى منى.
أن يبيت بها (^١).
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فإذا وصل إلى منى رمى جمرة العقبة)؛ يعني: بدأ برميها أول ما يأتي منى وهو على حالته التي هو عليها من ركوب أو غيره. وهي آخر منى من ناحية مكة سميت جمرة باسم ما يرمى فيها، وهي الحجارة.
وللرمي وقت أداء وهو من طلوع الفجر إلى غروب شمس يوم النحر ووقت قضاء، وهو كل يوم من أيام الرمي بل الليل عقب كل يوم قضاء لذلك اليوم.
ولا خلاف في وجوب الدم مع الفوات، والفوات يكون بغروب الشمس من اليوم الرابع من أيام منى، واختلف في وجوبه وسقوطه مع القضاء.
ولا يبطل الحج بفوات شيء من الجمار، وللرمي شروط صحة فمن شروط الصحة:
١ - أن يجعل الحصاة بين إبهامه وسبابته. وقيل: يمسكها بإبهامه والوسطى. ومنها ما أشار إليه الشيخ،
٢ - (بسبع حصيات) واحدة بعد واحدة فلا يجزئ أقل من ذلك. ولو رمى السبع في مرة واحدة احتسب منها بواحدة،
٣ منها أن يكون المرمي به حجرا ونحوه، فلا يجزئ الطين ولا المعادن كالحديد.
_________________
(١) مناسك خليل (٩٢).
[ ٢ / ٧٨١ ]
٤ - وأن يكون الرمي في أسفل البناء القائم.
٥ - وأن يكون رميا لا وضعا فلا يجزئه عند ابن القاسم.
واختلف في مقدار المرمي به فالذي عليه أكثر الشيوخ ما أشار إليه بقوله: (مثل حصى الخذف) كما في «صحيح مسلم» (^١)، وعن عبد الرحمن بن معاذ أن رسول الله ﷺ كان يأمر الناس بالمناسك فقال: «ارموا الجمار بمثل حصى الخذف» (^٢)، والخذف بخاء وذال ساكنة معجمتين وفاء، ومقدار حصى الخذف، قيل: قدر النواة، وقيل: قدر الفولة، فلا يجزئ الصغير جدا كالحمصة.
والأصل في الخذف النهي؛ أي: أنه منهي أن ترمي الآخرين بالحجارة الصغيرة، لأنه من فعل الجاهلية كانوا يترامون بها فنهى عنها النبي ﷺ والمثلية هنا في القدر لا في الصفة (^٣).
(ويكبر مع كل حصاة)؛ أي: على جهة الاستحباب فإن لم يكبر أجزأه الرمي، وأن يتابع الرمي وأن يلتقط الحصيات.
ويكره له أن يأخذ حجرا ويكسره ويأخذ الحصيات، بل المندوب أن يلتقطها من الأرض وأن تكون طاهرة فيكره الرمي بالنجس، وأن تكون من غير ما رمى به أولا، لأنه أدي به عبادة فلا يكرر (^٤)، وقيل يجزئ، وأن يكون رميها من بطن الوادي، وبرمي جمرة العقبة يحل من كل شيء ما عدا النساء والصيد، ويسمى التحلل الأصغر (^٥).
_________________
(١) تقدم الحديث قريبا؛ يعني: حصى الرمي وهو أن يجعل الحصى بين أصبعيه فيرمي بها، قاله الخطابي ونقله ابن حمامة عنه في غرر المقالة (١٧٨)، واستشهد له بقول امرئ القيس: كأن الحصا من خلفها وأمامها … إذا نجلته رجلها خذف أعسرا.
(٢) أبو داود (١٩٥٧)، والترمذي (٨٩٧)، وصححه الألباني.
(٣) تنوير المقالة (٣/ ٤٦٨).
(٤) روى البيهقي والأزرقي عن ابن عباس: «أن الله تعالى وكل بها ملكا يرفع منها ما قبل وما لم يقبل يترك».
(٥) منسك خليل (١٠٠).
[ ٢ / ٧٨٢ ]
وبطواف الإفاضة يحل له كل شيء حتى النساء والصيد في غير الحرم، ويسمى التحلل الأكبر.
وهل تجوز الإنابة في الرمي؟:
قال خليل: «من عجز عن الرمي بيديه ولم يجد من يحمله استناب وعليه الدم إن ظن أن لا يقدر أن يرمي قبل فراغ أيام الرمي، وفي الرمي عنه إذا ظن من حاله أنه يقدر على الرمي ولو في آخر وقته، خلاف» (^١).
ومن خصائص الجمرة الكبرى: أن رميها بعد طلوع الشمس قبل الزوال، وانفرادها بالرمي يوم النحر، وعدم الوقوف عندها للدعاء، ورميها من أسفلها (^٢).
(ثم) بعد فراغه من رمي جمرة العقبة (ينحر) ما ينحر، ويذبح ما يذبح (إن كان معه هدي) وقف به في عرفة، ومنى كلها محل للنحر، لقول النبي ﷺ: «نحرت هاهنا ومنى كلها منحر» (^٣)، إلا ما وراء جمرة العقبة.
ولا ينتظر الإمام في ذلك إذ ليس هناك صلاة عيد (ثم) إذا فرغ من النحر (يحلق) أو يقصر إن كان رجلا لم يلبد رأسه ولم يعقصه.
أما إن لبد أو عقص فالحلاق ليس إلا؛ أي: يجب فيهما الحلاق. ولا بد من حلق الرأس كله فبعضه كالعدم وذلك لقول الله تعالى: ﴿محلقين رءوسكم﴾ [الفتح: ٢٧]، وهذا عام في جميعه ولأن النبي ﷺ حلق جميع رأسه تفسيرا لمطلق الأمر به فيجب الرجوع إليه، ولنهيه ﷺ عن القزع وهو حلق بعض وترك بعض آخر (^٤)، ومن برأسه وجع لا يقدر على الحلاق أهدى. وأما المرأة فالسنة في حقها التقصير ليس إلا كما تقدم في حديث جابر ﵁، ومن كان أصلعا فليمر بالموسى على رأسه تعبدا، والله أعلم.
_________________
(١) منسك خليل (٩٦).
(٢) تنوير المقالة (٤٦٩/ ٣).
(٣) مسلم (١٤٩) (١٢١٨).
(٤) كما في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄. والبخاري (٧/ ٢١٠) (٥٩٢٠)، ومسلم (٦/ ١٦٤) (٥٦١٠).
[ ٢ / ٧٨٣ ]
• فضائل الوقوف بعرفة وما تبعه من شعائر:
ومن فضائل الوقوف بعرفة وما تبعه من شعائر؛ ما روى ابن عمر- ﵄ قال: «كنت قاعدا مع النبي ﷺ في مسجد منى فأتاه رجل من الأنصار ورجل من ثقيف فسلما، ثم قالا: يا رسول الله، جئنا نسألك فقال: إن شئتما أخبرتكما بما جئتما تسألاني عنه فعلت، وإن شئتما أن أمسك وتسألاني فعلت.
فقالا: أخبرنا يا رسول الله فقال الثقفي للأنصاري: سل، فقال: أخبرني يا رسول الله قال: جئتني تسألني، عن مخرجك من بيتك تؤم البيت الحرام، وما لك فيه، وعن ركعتيك بعد الطواف، وما لك فيهما، وعن طوافك بين الصفا والمروة، وما لك فيه ووقوفك عشية عرفة، وما لك فيه، وعن رميك الجمار، وما لك فيه، وعن نحرك، وما لك فيه، وعن حلقك رأسك، وما لك فيه، وعن طوافك بالبيت بعد ذلك، وما لك فيه مع الإفاضة. فقال: والذي بعثك بالحق، عن هذا جئت أسألك. قال: فإنك إذا خرجت من بيتك تؤم البيت الحرام لا تضع ناقتك خفا، ولا ترفعه إلا كتب الله لك به حسنة ومحا عنك خطيئة وأما ركعتاك بعد الطواف كعتق رقبة من بني إسماعيل وأما طوافك بالصفا والمروة بعد ذلك كعتق سبعين رقبة وأما وقوفك عشية عرفة فإن الله ﵎ يهبط إلى سماء الدنيا فيباهي بكم الملائكة يقول: عبادي جاءوني شعثا من كل فج عميق يرجون رحمتي فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل، أو كقطر المطر، أو كزبد البحر لغفرها، أو لغفرتها، أفيضوا عبادي مغفورا لكم ولمن شفعتم له وأما رميك الجمار فلك بكل حصاة رميتها كبيرة من الموبقات وأما نحرك فمذخور لك عند ربك وأما حلاقك رأسك فلك بكل شعرة حلقتها حسنة ويمحى عنك بها خطيئة وأما طوافك بالبيت بعد ذلك فإنك تطوف، ولا ذنب لك يأتي ملك حتى يضع يديه بين كتفيك فيقول: اعمل فيما تستقبل فقد غفر لك ما مضى» (^١)؛ ورواه الطبراني في
_________________
(١) (حسن لغيره) رواه الطبراني في الكبير والبزار واللفظ له وقال: وقد روي هذا
[ ٢ / ٧٨٤ ]
«الأوسط» من حديث عبادة بن الصامت وقال فيه: «إن لك من الأجر إذا أممت البيت العتيق ألا ترفع قدما أو تضعها أنت ودابتك إلا كتبت لك حسنة، ورفعت لك درجة، وأما وقوفك بعرفة فإن الله ﷻ يقول لملائكته يا ملائكتي ما جاء بعبادي، قالوا: جاؤوا يلتمسون رضوانك والجنة فيقول الله ﷻ فإني أشهد نفسي وخلقي أني قد غفرت لهم عدد أيام الدهر وعدد القطر وعدد رمل عالج وأما رميك الحمار فإن الله ﷻ يقول: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ [السجدة: ١٧]» (^١).
الركن الرابع: طواف الإفاضة:
(ثم) بعد الحلاق (يأتي البيت) الحرام (فيفيض)؛ أي: يطوف طواف الإفاضة ويسمى طواف الزيارة، وطواف الركن والإفاضة، وهو آخر أركان الحج الأربعة التي لا تنجبر بالدم ويحل به جميع ما كان ممنوعا منه حتى النساء والصيد. وأخذ من كلام الشيخ أن المبادرة به يوم النحر أفضل لفعل النبي ﷺ إياه في يوم الحج الأكبر، كما في حديث جابر ﵁، وهو كذلك. ولو أخره عن أيام التشريق لا يلزمه دم، وإنما يلزمه الدم إذا تركه حتى خرج ذو الحجة على المشهور ومقابله إذا أخره الحادي عشره لزمه الدم (^٢).
وقوله: (ويطوف سبعا ويركع) تفسير لقوله: فيفيض ولا يرمل في هذا الطواف، لأن الرمل كما تقدم خاص بطواف القدوم أو العمرة كيفما كانت، ولا يسعى لأنه سعى بعد طواف القدوم وهذا في حق غير المراهق. وأما
_________________
(١) = الحديث من وجوه ولا نعلم له أحسن من هذا الطريق، قال المملي ﷺ: وهي طريق لا بأس بها رواتها كلهم موثقون ورواه ابن حبان في صحيحه، وانظر: الترغيب والترهيب للمنذري (من كتاب الحج ص ٢٥٨)، ط: دار الأفكار الدولية. قال الألباني: حسن لغيره، صحيح الترغيب والترهيب (١١١٢).
(٢) المعجم الأوسط (٣/ ١٦): لا يروى هذا الحديث عن عبادة إلا بهذا الإسناد تفرد به يحيى بن أبي الحجاج.
(٣) منسك خليل (٧٢).
[ ٢ / ٧٨٥ ]
المراهق الذي ضاق عليه الزمن فلم يتيسر له طواف القدوم فيرمل في طواف الإفاضة ندبا، عند بعض الفقهاء.
(ثم) لا تفيد التراخي؛ أي: بعد الفراغ من طواف الإفاضة وركعتيه يرجع إلى منى فيصلي بها الظهر، وقد ورد ما ظاهره التعارض في بعض الأحاديث الصحيحة أنه أفاض ثم صلى الظهر كما في «مسلم»، وفي «البخاري» عن عائشة وابن عباس لله: «أن النبي ﷺ أخر - يعني - طواف الزيارة إلى الليل»، وقد جمع النووي رحمه الله تعالى فقال: «ووجه الجمع بينهما أنه طاف للإفاضة قبل الزوال ثم صلى الظهر بمكة في أول وقتها، ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك، فيكون متنفلا بالظهر الثانية التي بمنى، وهذا كما ثبت في «الصحيحين» في صلاته ببطن نخل أحد أنواع صلاة الخوف فإنه ﷺ صلى بطائفة من أصحابه الصلاة بكمالها وسلم بهم، ثم صلى بالطائفة الأخرى تلك الصلاة مرة أخرى، فكانت له صلاتان، ولهم صلاة».
وأما الحديث الوارد عن عائشة وغيرها أن النبي ﷺ أخر الزيارة يوم النحر إلى الليل فمحمول على أنه عاد للزيارة مع نسائه لا لطواف الإفاضة، ولا بد من هذا التأويل للجمع بين الأحاديث (^١). (يقيم بمنى ثلاثة أيام) بلياليها إن كان غير متعجل فلو ترك جل لياليها لزمه دم والإقامة هنا لغوية فيقصر الصلاة، لا شرعية إذ لو كانت شرعية لأتم. ولا يجوز المبيت دون جمرة العقبة من جهة مكة، لأنه ليس من منى واستثنوا من لزوم البيات بمنى من ولي السقاية؛ لأنه ﵊ أرخص للعباس البيات بمكة من أجل السقاية (^٢).
قال ابن حبيب وأرخص للرعاة (^٣) أن ينصرفوا بعد جمرة العقبة يوم النحر ويأتون ثالثه فيرمون لليومين؛ أي: ثاني النحر وثالثه، ثم إن شاؤوا
_________________
(١) شرح صحيح مسلم للنووي (٨/ ١٩٣) كتاب الحج، باب: حجة النبي ﷺ.
(٢) البخاري (١٦٢٧)، ومسلم (٢٣١٨) ..
(٣) البخاري معلقا كتاب الحج، باب: الزيارة يوم النحر).
[ ٢ / ٧٨٦ ]
تعجلوا فسقط عنهم رمي الرابع، وإن شاؤوا أقاموا اليوم الرابع فيرمونه مع الناس. وأما أهل السقاية فيرمون كل يوم، وإنما يرخص لهم في ترك البيات بمنى لا في ترك الرمي نهارا فيبيتون بمكة ويرمون الجمار نهارا ويعودون لمكة كما في الطراز.
(فإذا زالت الشمس من كل يوم منها)؛ أي: من الأيام الثلاثة (رمى الجمرة الأولى التي تلي مسجد منى بسبع حصيات) بالشروط المتقدمة (يكبر مع كل حصاة ثم يرمي بعدها الجمرتين) فيبدأ بالوسطى ثم يختم بالثالثة وهي جمرة العقبة (كل جمرة بمثل ذلك؛ أي: بسبع حصيات مثل حصى الخذف ويكبر مع كل حصاة ويقف للدعاء بأثر الرمي في الجمرة الأولى) التي تلي مسجد منى بقدر المسرع في قراءة سورة البقرة، وهو زمن لا يقل عن نصف ساعة تقريبا فتأمل أحوالنا (و) في الجمرة (الثانية) وهي الوسطى، قال الأقفهسي: قوله: فإذا زالت يريد قبل الصلاة، فإن رمى قبل الزوال لم يجزه ويعيد بعد الزوال. كما إذا رمى جمرة العقبة قبل الفجر (ولا يقف) للدعاء عند جمرة العقبة، ولينصرف أمامه أي: سريعا عقب رميها من غير دعاء فعن سالم عن ابن عمر ا: «أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة ثم يتقدم حتى يسهل (^١)، فيقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلا، ويدعو، ويرفع يديه ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال، فيستهل ويقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلا ويدعو ويرفع يديه ويقوم طويلا، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها ثم ينصرف فيقول هكذا رأيت النبي ﷺ يفعله» (^٢).
(فإذا رمى في اليوم الثالث وهو رابع يوم النحر انصرف) من منى (إلى مكة) شرفها الله تعالى.
_________________
(١) فيسهل: بضم أوله وسكون المهملة؛ أي: يقصد السهل من الأرض وهو المكان المصطحب الذي لا ارتفاع فيه.
(٢) البخاري (١٦٢٧) باب: إذا رمى الجمرتين يقوم ويسهل مستقبل القبلة.
[ ٢ / ٧٨٧ ]
قال ابن عمر: ولا يقيم بمنى بعد رميه في اليوم الثالث. والمستحب أن ينزل بالمحصب فيصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، والمحصب هو البطحاء التي تقع فيه إمارة مكة حاليا، عند مسجد الإجابة، ويدخل مكة ليلا لفعله ذلك ﵊، وكذا الصحابة بعده رضوان الله عليهم أجمعين. وإن صلى الظهر قبله فلا شيء عليه، كما أنه لو ترك النزول به لا دم عليه، وقيل يفعله من يقتدى به ولم تر عائشة ﵂ نزوله استنانا وإنما نزله ﵊ لأنه كان أسمح له في الخروج كما في «الصحيحين» (^١).
وفي قوله: (وقد تم حجه) شيء وهو أن يقال ماذا أراد بالتمام فإن أراد بسننه وفرائضه وفضائله فقد بقي عليه طواف الوداع، وإن أراد الفرائض فقد تمت قبل هذا، فالجواب أنه أراد تم بفرائضه وسننه ولم يعتبر طواف الوداع، لأنه لا يختص بالحاج بل يفعله كل من خرج من مكة حاجا أو غيره.
وقوله: (وإن شاء تعجل في يومين من أيام منى فرمى وانصرف) قسيم قوله: يقيم بمنى ثلاثة أيام هذا ما لم تغرب الشمس من اليوم الثاني، فإذا غربت فلا تعجيل لأن الليلة إنما أمر بالمقام فيها من أجل رمي النهار، فإذا غربت الشمس فكأنه التزم رمي اليوم الثالث.
طواف الوداع:
(فإذا خرج من مكة)؛ أي: أراد الخروج منها (طاف للوداع) بكسر الواو وفتحها، ويسمى طواف الصدر لأن الناس يصدرون بعده إلى آفاقهم، وحكم هذا الطواف الاستحباب فلا دم في تركه (^٢) لحديث ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه فقال رسول الله ﷺ: «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت» (^٣)، وعنه ﵁ قال: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض»، إلا أن مالكا ﵀
_________________
(١) البخاري (١٦٤٤)، ومسلم (٢٣١١).
(٢) منسك خليل (١٢٤).
(٣) رواه مسلم (٣٧٩) (١٣٢٧).
[ ٢ / ٧٨٨ ]
تعالى رأى أنه لو كان واجبا لوجب على الحائض البدل فلما لم يكن، دل على عدم وجوبه، وأن الأمر للاستحباب، والنهي للكراهة والله أعلم، (و) إذا فرغ منه (ركع) قال ابن فرحون: لطواف الوداع ركعتان إن تركهما حتى تباعد أو بلغ بلده ركعهما ولا شيء عليه، وإن قرب وهو على طهارته رجع لهما، وإن انتقض وضوءه تطهر وابتدأ الطواف وركعهما (وانصرف) إلى حيث أراد، وليس على المكي والمستوطن بها طواف الوداع.
هل يجوز لمن طاف طواف الوداع أن يتسوق وينام أم لا بد من المغادرة؟.
سمي طواف الوداع، لأنه يغادر بعده البيت الحرام، وقال بعض أهل العلم لا بأس بالشيء الخفيف الذي لا ينتفي معه معنى الوداع، ولا شك أنه إذا كان جائعا جاز له شراء الأكل ونحوه بلا مكث طويل، والله أعلم (^١).
أحكام العمرة:
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والعمرة يفعل فيها كما ذكرنا أولا إلى تمام السعي بين الصفا والمروة، ثم يحلق رأسه وقد تمت عمرته. والحلاق أفضل في الحج والعمرة والتقصير يجزئ والتقصير من جميع شعره. وسنة المرأة التقصير ولا يجوز لها الحلاق وتأخذ المرأة من أطراف شعرها قدر الأنملة من جميعه طويله وقصيره والرجل من قرب أصله).
_________________
(١) الإيضاح في مناسك الحج والعمرة للنووي (٤٠٧ - ٤٠٨)، وانظر: منسك خليل (١٢٤).
[ ٢ / ٧٨٩ ]
الشرح
قوله: (والعمرة يفعل فيها كما ذكرنا أولا إلى تمام السعي بين الصفا والمروة) أخذ منه أن أركانها ثلاثة:
١ - الإحرام
٢ - والطواف
٣ - والسعي.
ولها ميقاتان: زماني ومكاني، فالزماني الوقت كله، والمكاني هو الحل سواء كان أفقيا أو مقيما بمكة وقد تقدم الكلام على المواقيت، وظاهر قوله: (ثم يحلق رأسه أو يقصره) وقد تمت عمرته أن العمرة لا تتم حتى يحلق رأسه، وليس كذلك لأن مالكا قال: تتم عمرته بالطواف والسعي.
وأما الحلاق فمن شروط الكمال؛ أي: ليس شرط صحة، فلا ينافي أنه واجب ويمكن الجواب بأن المراد بتمام العمرة كمالها فلا ينافي تمامها بالفراغ من طوافها وسعيها.
وقوله: (والحلاق أفضل في الحج والعمرة) من التقصير ليس على إطلاقه فإن التقصير في عمرة التمتع أفضل لاستبقاء الشعث للحج، قاله زروق (^١) ولا يتم نسك الحلاق إلا بجميع الرأس لفعله ﷺ كما تقدم [حلق رسول الله ﷺ وحلق طائفة من أصحابه، وقصر بعضهم]، قال عبد الله: إن رسول الله ﷺ قال: «رحم الله المحلقين» مرة أو مرتين، ثم قال: «والمقصرين» (^٢)، وكما قال أهل العلم الأفضل الحلاق للأفضل وهو الحج والتقصير للعمرة كما ذكر إذا كان متمتعا وقرب الحج.
(والتقصير يجزئ) عن الحلاق (و) المقصر إن كان رجلا ف (ليقصر من جميع شعره) قال ابن الحاجب: وسنته؛ أي: التقصير من الرجل أن يجز
_________________
(١) شرح الرسالة لزروق (١/ ٥٤٩).
(٢) البخاري (١٧٢٨ - ١٧٢٩)، ومسلم (٣١٣١) من حديث ابن عمر ﵁.
[ ٢ / ٧٩٠ ]
من قرب أصوله (^١)؛ أي: الصفة الكاملة؛ أي: المندوبة أن يجز إلخ، وأقله أن يأخذ من جميع الشعر؛ أي: الذي لا يجزئ بدونه أن يأخذ من جميع الشعر ولو قدر الأنملة، فإن اقتصر على بعضه فكالعدم.
(وسنة المرأة التقصير)؛ أي: الطريقة المتعينة في حقها التقصير، ويكره لها الحلاق، وقيل: هو حرام؛ لأنه مثلة وعليه اقتصر في التحقيق فيفيد اعتماده، وقد قال رسول الله ﷺ: «[وقال: ليس على النساء حلق، وإنما يقصرن]» (^٢).
ولم يذكر المصنف حكم العمرة: كما ذكر في الحج وإن كان ذكر أنها سنة واجبة في باب جملة من الفرائض، واختلف في وجوبها.
هل يجوز تكرار العمرة في سفرة واحدة؟ بمعنى: يعتمر عمرته الواجبة أو النافلة ثم يذهب إلى التنعيم أو أي جهة من الحل ثم يحرم ويعتمر في نفس السفرة؟
قال مالك رحمه الله تعالى: «يكره تكرارها في العام الواحد، واستدل على ذلك بأنه ﵊ لم يكررها في عام واحد مع قدرته على ذلك، فقد روي أنه اعتمر أربعا، كل واحدة في سنة» (^٣).
وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد بجواز تكرارها واستدلوا بما روت عائشة وغيرها أن النبي ﷺ اعتمر عمرتين في ذي القعدة وفي شوال وسنده صحيح (^٤).
ما يجوز للمحرم قتله:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ولا بأس أن يقتل المحرم الفارة والحية والعقرب وشبهها والكلب
_________________
(١) جامع الأمهات (٢٠١).
(٢) رواه أبو داود بإسناد صحيح، كما قال الحافظ في بلوغ المرام (٧٨٧).
(٣) أخرجه البخاري (١٢٥٣)، وانظر: حاشية العدوي على شرح أبي الحسن على الرسالة (١/ ٤٩٧).
(٤) أبو داود (١٩٩١)، وانظر: المجموع للنووي (٧/ ١٢٢).
[ ٢ / ٧٩١ ]
العقور وما يعدو من الذتاب والسباع، ونحوها ويقتل من الطير ما يتقى أذاه من الغربان والأحدية فقط).
الشرح
قال المصنف: ولا بأس؛ أي: يجوز جوازا مستوي الطرفين (أن يقتل المحرم الفأرة بالهمز وبدون همز والتاء فيه للوحدة لا للتأنيث، (و) يجوز أيضا أن يقتل (الحية والعقرب وشبهها)؛ أي: شبه الفأرة والحية والعقرب، فشبه الفأرة ما يقرض الثياب كابن عرس، وشبه الحية الأفعى والثعبان، وشبه العقرب الزنبور (و) يجوز قتل الكلب العقور وما يعدو من الذئاب والسباع ونحوها)، وينظر لم خالف في الأسلوب، حيث قال أولا: ولا بأس إلخ، ثم قال هنا: (ويقتل من الطير ما يتقى أذاه من الغربان والأحدية) فهنا أشياء ثبت جواز قتلها إجماعا ونصا كما في حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «خمس من الدواب، كلهن فاسق، يقتلهن في الحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور» (^١)، وفي رواية: «يقتلن في الحل والحرم»، ولحديث ابن مسعود ﵁ أنهم كانوا مع النبي ﷺ بمنى إذ وثبت حية فقال رسول الله ﷺ: «اقتلوها»، قال: فابتدرناها فذهبت، فقال النبي ﷺ: «وقيتم شركم كما وقيتم شرها» (^٢)، والباقي كالأسد والنمر والفهد والذئب فهو عقور واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ [المائدة: ٤] فاشتقها من اسم الكلب، وبقوله ﷺ على عتبة بن أبي لهب: «اللهم سلط عليه كلبا من كلابك» (^٣).
وقوله: والأحدية قال ابن العربي: صوابه الحدأ بالهمز والقصر، وظاهر كلامه أن هذين النوعين يقتلان وإن لم يبتدئا بالأذية كبيرا كان أو صغيرا، وهو كذلك ومفهوم قوله: (فقط) إن ما آذى من الطير غيرهما وما آذى من غير
_________________
(١) مالك في الموطأ (٢/ ٣٨٢)، والبخاري (١٨٢٩) واللفظ له، ومسلم (٢٨٥٩).
(٢) البخاري (١٨٣٠).
(٣) السنن الكبرى للبيهقي (١٠٠٥٢).
[ ٢ / ٧٩٢ ]
المحظور الأول: (النساء)
الطير لا يقتل وهو أحد قولين حكاهما ابن الحاجب، الراجح منهما قتل ما ذكر حيث ابتدأ بالأذية.
محظورات الإحرام:
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ويجتنب في حجه وعمرته النساء، والطيب، ومخيط الثياب، والصيد، وقتل الدواب، وإلقاء التفث، ولا يغطي رأسه في الإحرام ولا يحلقه إلا من ضرورة ثم يفتدي بصيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين مدين لكل مسكين بمد النبي ﷺ أو ينسك بشاة يذبحها حيث شاء من البلاد، وتلبس المرأة الخفين والثياب في إحرامها وتجتنب ما سوى ذلك مما يجتنبه الرجل وإحرام المرأة في وجهها وكفيها، وإحرام الرجل في وجهه ورأسه، ولا يلبس الرجل الخفين في الإحرام إلا أن لا يجد نعلين فليقطعهما أسفل من الكعبين).
الشرح
و(يجتنب) المحرم (في حجه وعمرته) وجوبا،
المحظور الأول: (النساء)؛ أي: الاستمتاع بهن بالوطء وغيره. أما الوطء فموجب للإفساد مطلقا بإجماع، قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن من جامع عامدا قبل وقوفه بعرفة عليه حج قابل والهدي» (^١)
وسواء كان في قبل أو دبر، آدميا كان الموطوء أو غيره، وقع عمدا أو نسيانا أو جهلا، أنزل أو لا، مباح الأصل أو لا، كان موجبا للحد والمهر أو لا، وقع من بالغ أو لا، وظاهر كلامهم كما في «الأجهوري»: ولو لم يوجب الغسل كأن لف على الذكر خرقة كثيفة، أو أدخله في هواء الفرج أو في غير مطيقة، ويجب عليه إتمام ما أفسده لبقائه على إحرامه.
_________________
(١) الإجماع (ص ١٧).
[ ٢ / ٧٩٣ ]
فعن يزيد بن نعيم الأسلمي أن رجلا من جذام جامع امرأته وهما محرمان، فسألا النبي ﷺ فقال: «اقضيا نسكا، وأهديا هديا» (^١).
وهناك آثار موقوفة منها ما روي عن ابن عباس في رجل وقع على امرأته وهو محرم، قال: «اقضيا نسككما وارجعا إلى بلدكما، فإن كان عام قابل، فاخرجا حاجين، فإن أحرمتما فتفرقا، ولا تلتقيا حتى تقضيا نسككما، وأهديا هديا» (^٢)، وما روى مالك أن عمر وعليا وأبا هريرة رضي عنه سئلوا عن رجل أصاب أهله وهو محرم بالحج؟، فقالوا (ينفذان يمضيان لوجههما حتى يقضيا حجهما، ثم عليهما حج قابل والهدي)، قال: قال علي رضي عنه: «وإذا أهلا بالحج من عام قابل تفرقا حتى يقضيا حجهما» (^٣)، وعن ابن عباس رضي عنه أنه سئل عن رجل وقع بأهله وهو بمنى قبل أن يفيض؟ (فأمره أن ينحر بدنة)، ولمالك عن عكرمة مولى ابن عباس ﵁ أنه قال: «الذي يصيب أهله قبل أن يفيض: يعتمر ويهدي. قال مالك: وذلك أحب ما سمعت إلي في ذلك» (^٤).
فإن لم يتمه ظنا منه أنه خرج منه بإفساده وتمادى إلى السنة الثانية وأحرم بحجة القضاء فإنه لا يجزئه ذلك عن الفائت، وإحرامه الثاني لغو لم يصادف محلا وهو على إحرامه الفاسد. ولا يكون ما أحرم به قضاء عنه، ومحل كونه يجب عليه إتمامه إذا أدرك الوقوف في العام الواقع فيه الفساد فإن لم يدركه فإنه يؤمر أن يتحلل منه بفعل عمرة وجوبا.
ولا يجوز له البقاء على إحرامه اتفاقا لأن فيه التمادي على الفاسد مع تمكنه من الخلوص منه.
فتلخص عندنا أن من جامع قبل التحلل أن عليه:
أن الجماع يفسد الحج ويستوي في ذلك الرجل والمرأة.
_________________
(١) رواه أبو داود في مراسيله (١٤٠) (١/ ١٤٧) قال الحافظ: رجاله ثقات، مع إرساله.
(٢) رواه البيهقي بإسناد صحيح، كما قال في النووي المجموع (٧/ ٣٨٦).
(٣) في الموطأ (١٤٢٢) بلاغا.
(٤) مالك في الموطأ (١٤٣٣).
[ ٢ / ٧٩٤ ]
أنه يجب عليه المضي في فاسده.
أن عليه بدنة.
أنه يجب عليهما قضاؤه وذلك بالإجماع.
أن عليهما أن يتفرقا في القضاء حتى يتما حجهما وجوبا.
وأما مقدمات الوطء كالقبلة والمباشرة فحرام، فإن قبل أو باشر وحصل إنزال أفسد وإلا فليهد بدنة؛ وأما النظر والفكر فلا يحصل فساد بخروج المني بسببهما إلا إذا كان كل منهما للذة وإدامة. وأما خروجه بمجرد النظر والفكر فإنما فيه الهدي فقط.
هذه أحكام خروج المني، وأما خروج المذي فموجب للهدي مطلقا خرج بعد مداومة النظر أو الفكر أو القبلة أو المباشرة أم لا.
المحظور الثاني: الطيب:
(و) يجتنب المحرم في حجه وعمرته (الطيب) مذكرا كان كالورد والياسمين ولا فدية فيه، أو مؤنثا وهو ما له جرم يعلق بالبدن والثوب كالمسك والزعفران، وفيه الفدية ولو أزاله سريعا، ومن أدلة تحريم الطيب على المحرم حديث ابن عباس لا في الذي وقصته راحلته قال: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه بطيب، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» (^١)، وفي رواية (^٢): «ولا يمس طيبا» وفي رواية: «ولا تقربوه طيبا»، ولحديث يعلى بن أمية له أن النبي لله جاءه رجل متضمخ بطيب فقال يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم في جبة بعدما تضمخ بطيب فقال: «أما الطيب الذي بك، فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها، ثم اصنع في عمرتك، ما تصنع في حجك» (^٣)، ولم يأمره بفدية.
_________________
(١) البخاري (١٢٦٨)، ومسلم (٢٨٨٣)، (الحنوط والحناط كل ما يطيب به الميت). الفائق في غريب الحديث والأثر للزمخشري.
(٢) مسلم (٢٨٩١).
(٣) البخاري (١٧٨٩)، ومسلم (٢٧٩٠).
[ ٢ / ٧٩٥ ]
• المحظور الثالث:
لبس الثياب للرجل والنقاب والقفازين للمرأة:
(و) يجتنب المحرم أيضا في حجه وعمرته (مخيط الثياب) لا خلاف في تحريمه على الرجال دون النساء، والمراد به كل ما أحاط بالبدن أو ببعضه مخيطا كان أو غيره، فيحرم عليه أن يلبس ما لبد أو نسج على شكل المخيط، ويحرم عليه أيضا أن يلبس العمائم والسراويل والبرانس، أما لو أحرم في إزار مخيط أصله ولم يلبسه على عضو فلا بأس في ذلك إذ المنهي عنه ما كان على هيئة العضو ولبس؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵁ قال: سأل رجل رسول الله ﷺ؟ ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله ﷺ: «لا يلبس القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين، فليلبس خفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران أو ورس» (^١)، وزاد البيهقي: «ولا يلبس القباء» (^٢) وقال هذه زيادة صحيحة محفوظة، وعن ابن عباس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يخطب يقول: «السراويل لمن لم يجد الإزار، والخفاف لمن لم يجد النعلين» (^٣) وأخرج البخاري نحوه عن ابن عباس (^٤)، ومسلم مثله عن جابر ﵁ وأما النساء فلهن أن يلبسن ما شئن من أنواع الثياب، إلا أنه لا يجوز لهن أن ينتقبن ولا أن يلبسن القفازين، لأن إحرام المرأة في وجهها وكفيها، فعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: «قام رجل فقال يا رسول الله ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب؟ .. الحديث وفيه: «ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين» (^٥)؛ فإذا خشيت المرأة
_________________
(١) مالك في الموطأ (٢/ ٣٠٥)، والبخاري (١٥٤٢)، ومسلم (٢٧٨٤).
(٢) القباء: بفتح أوله ممدود، هو جنس من الثياب ضيق من لباس العجم معروف، والجمع أقبية.
(٣) مسلم (٢٧٨٦).
(٤) البخاري (١٨٤١).
(٥) مالك في الموطأ (٢/ ٣١٣) موقوفا على ابن عمر ﵁، والبخاري (١٥٤٢).
[ ٢ / ٧٩٦ ]
من أن يراها الرجال جاز لها أن تسدل خمارها، فعن عائشة ﵂ قالت: «كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه» (^١).
وعن فاطمة بنت المنذر أنها قالت: «كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات، ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق» (^٢)؛ ويجوز للمحرم لبس الساعة والهميان (وهو الحزام الذي يشد في الوسط) من أجل أوراقه ونفقته، لما روي عن عائشة ﵂ أنها سئلت عن الهميان للمحرم فقالت: «وما بأس ليستوثق من نفقته» (^٣). وعن ابن عباس ﵁ أنه قال: «رخص للمحرم في الخاتم والهميان وروى نافع: أنه وجد القر، فقال: ألق علي ثوبا يا نافع، فألقيت عليه برنسا فقال: تلقي علي هذا وقد نهى رسول الله ﷺ أن يلبسه المحرم» (^٤).
المحظور الرابع: الصيد:
(و) كذلك يجتنب المحرم في حجه وعمرته (الصيد)؛ أي: ما شأنه أن يصاد في البر فيحرم صيده والتسبب في اصطياده، سواء كان مأكول اللحم كالغزال وحمار الوحش أو لا كالقرد من غير فرق بين أن يكون متأنسا أو وحشيا، مملوكا أو مباحا. قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن المحرم ممنوع من الجماع، وقتل الصيد، إلخ …».
ولقول الله ﷿: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ [المائدة: ٩٥]؛ وقوله ﵎: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾ [المائدة: ٩٦]؛ فدلت الآية على حل صيد
_________________
(١) أبو داود (١٨٣٣)، وابن ماجه بمعناه (٢٩٣٥) وإسناده جيد.
(٢) مالك في الموطأ (٢/ ٣١٤).
(٣) البيهقي (٥/ ١١١).
(٤) أبو داود (١٨٢٨).
[ ٢ / ٧٩٧ ]
البحر وحرمة صيد البر للمحرم، ولحديث أبي قتادة: «كنت يوما جالسا مع رجال من أصحاب النبي ﷺ في منزل، في طريق مكة، ورسول الله ﷺ نازل أمامنا والقوم محرمون، وأنا غير محرم، فأبصروا حمارا وحشيا، وأنا مشغول أخصف نعلي، فلم يؤذنوني به، وأحبوا لو أني أبصرته، والتفت، فأبصرته فقمت إلى الفرس، فأسرجته، ثم ركبت، ونسيت السوط والرمح، فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح، فقالوا: لا والله، لا نعينك عليه بشيء، فغضبت، فنزلت، فأخذتهما، ثم ركبت فشددت على الحمار فعقرته، ثم جئت به وقد مات، فوقعوا فيه يأكلونه، ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم، فرحنا وخبأت العضد معي، فأدركنا رسول الله ﷺ، فسألناه عن ذلك، فقال: «معكم منه شيء؟»، فقلت: نعم، فناولته العضد، فأكلها حتى نفدها وهو محرم» (^١)، ولمسلم: «هل أشار إليه إنسان أو إمرأة بشيء؟، قالوا: لا؛ قال: فكلوه» (^٢)، ولا يستثنى من التحريم إلا ما يتناوله الحديث وهو الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور. وقد تقدم.
(و) كذلك يجتنب فيهما (قتل الدواب) التي لا يظهر فيها ضر ولا نفع كالخنافس، والدود، والذباب والبعوض، والبراغيث، فيكره قتلها، ولا يقتل القمل ولا يلقيه عن جسده، إلا إذا لحقته منه مشقة كما وقع لكعب بن عجرة عنه: أنه كان مع رسول الله ﷺ، محرما. فآذاه القمل في رأسه، فأمره رسول الله ﷺ أن يحلق رأسه. وقال له: «صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين. مدين، مدين، لكل إنسان. أو انسك بشاة. أي ذلك فعلت أجزأ عنك» (^٣) ونهى النبي ﷺ عن قتل النمل، والنحل، والهدهد، والصرد لحديث ابن عباس: أن النبي ﷺ نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة، والنحلة،
_________________
(١) البخاري (٢٥٧٠)، ومسلم (٥٧) (١١٩٦).
(٢) مسلم (٢٩١٦)، وللبخاري نحوه (١٨٢٤).
(٣) مالك في الموطأ (٢/ ٥١١)، والبخاري (١٨١٤)، ومسلم (٢٨٦٩).
[ ٢ / ٧٩٨ ]
والهدهد، والصرد (^١).
فيتلخص عندنا أن الصيد أقسام:
قسم هو صيد بالإجماع، فيحرم على المحرم صيده، وهو: كل حيوان وحشي بأصل الخلقة، أو طائر، ويكونان مما يؤكل لحمهما، مستأنس، أو غير مستأنس: كالغزال، والظبي، وحمار الوحش، وبقر الوحش، والنعامة، والحمام، وغيرها.
قسم يجوز صيده بالإجماع: وهو صيد البحر.
قسم ليس بصيد إجماعا ويجوز قتله كالغراب، وما مر معك في الحديث.
قسم مختلف فيه وهي السباع مثل الأسد والنمر والفهد والذئب فعند مالك: إذا كان لا يعدو من السباع كالهر والثعلب والدب فلا يقتله المحرم، وإن قتله فداه، وكذلك صغار الذئاب، والقرد والخنزير، وفراخ الغربان لا يقتلها، فإن قتلها فداها، وإن آذته فلا شيء عليه بقتلها، ولا بأس بقتل كل ما عدا على الناس في الغالب كالأسد، والذئب، والنمر، والفهد.
(و) كذلك يجتنب (إلقاء التفث) كقص الشارب تمثيل لإلقاء التفث، فالتفث اسم لما تأنف منه النفس وتكرهه، قال ابن المنذر (^٢): «وأجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من أخذ أظفاره، وعليه الفدية بأخذها في قول أكثرهم، وكذلك أخذ الشعر ..». والصحيح من مذهب مالك رحمه الله تعالى، أن من قلم ظفرين فصاعدا لزمته الفدية مطلقا، وإن قلم ظفرا واحدا لإماطة أذى عنه لزمته الفدية أيضا، وإن قلمه لا لإماطة لزمه إطعام حفنة بيد واحدة.
وقد جاء عن بعض السلف في تفسير قوله الله تعالى: ﴿ثم ليقضوا تفتهم﴾ [الحج: ٢٩]، على منع المحرم من أخذ أظفاره، كمنعه من حلق
_________________
(١) رواه أحمد بإسناد صحيح برقم (٣٠٦٦)، وأبو داود (٥٢٦٧).
(٢) الإجماع لابن المنذر (ص ١٨).
[ ٢ / ٧٩٩ ]
شعره حتى يبلغ الهدي محله، كما روى ذلك ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس، ورواه ابن أبي شيبة عن محمد بن كعب (^١).
المحظور الخامس: تغطية الرأس للرجل:
(ولا يغطي رأسه في الإحرام)؛ أي: يحرم على المحرم أن يغطي رأسه، وكذا وجهه بأي ساتر كان كطين، وأولى العمامة ونحوها كالطربوش، والقلنسوة، والعصابة لقوله: «ولا يلبس العمائم …» ولحديث ابن عباس في الذي وقصته راحلته فقال رسول الله ﷺ: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة يلبي» (^٢)؛ ولقوله: «إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها» (^٣).
أما لو حمل متاعا له على رأسه فلا شيء عليه لأنه لا يقصد به التغطية غالبا والله أعلم.
المحظور السادس: حلق الشعر أو قصه ونحو ذلك:
(ولا يحلقه إلا من ضرورة) لإجماع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من أخذ شعره إلا من عذر والأصل فيه: قول الله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ [البقرة: ١٩٦]. ولما روى كعب بن عجرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: أنه كان مع رسول الله ﷺ، محرما. فإذاه القمل في رأسه، فأمره رسول الله ﷺ أن يحلق رأسه. وقال له: «صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين. مدين، مدين، لكل إنسان. أو انسك بشاة. أي ذلك فعلت أجزأ عنك» (^٤)، وهذا يدل
_________________
(١) الدر المنثور للسيوطي (٤/ ٦٤٣).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) رواه الدارقطني في كتاب الحج من سننه (٢/ ٢٩٤)، والبيهقي في المرأة لا تنتقب ..، من كتاب الكبرى (٥/ ٤٧).
(٤) تقدم تخريجه.
[ ٢ / ٨٠٠ ]
على أنه حلق وكان محرما، وشعر الرأس والجسد في ذلك سواء.
وقد أشار المصنف رحمه الله تعالى إلى ذلك بقوله: (ثم يفتدي بصيام ثلاثة أيام) ولو أيام منى (أو إطعام ستة مساكين مدين لكل مسكين بمد النبي ﷺ أو ينسك بشاة)؛ أي: يتعبد على التخيير، والآية والحديث نصا على الحلق، وألحق به العلماء في وجوب الفدية الأظافر، واللبس، والطيب، لأنه يحرم بالإحرام لأجل الترفه والزينة، وأشبه الحلق الرأس وسواء كان له عذر أو ليس له عذر؛ متعمدا كان أو مخطئا؛ وقوله: بشاة؛ أي: أو غيرها واقتصر على الشاة لأن الفدية كالضحية الأفضل فيها طيب اللحم، ولا بد من ذبحها ولا يكفي إخراجها غير مذبوحة كما أفاده بعضهم، وقوله: (يذبحها حيث شاء من البلاد) مقيدا بما إذا لم يقلدها أو يشعرها، فإن قلدها أو أشعرها لم يذبحها إلا بمنى.
• إحرام المرأة:
بين المصنف ما تخالف فيه المرأة الرجل فقال: (وتلبس المرأة الخفين) مطلقا وجدت نعلين أم لا (و) تلبس (الثياب) المخيطة في إحرامها (وتجتنب ما سوى ذلك)؛ أي: ما سوى لبس الخفين والثياب (مما يجتنبه الرجل) في إحرامه من الوطء، ومقدماته، والصيد، وقتل الدواب، وإلقاء التفث، والطيب، وقص الشعر ونتفه وغير ذلك؛ وأما تغطية الرأس فلا تجتنبه وإليه أشار بقوله: (وإحرام المرأة في وجهها وكفيها)؛ بمعنى: أنها تبديهما فيحرم عليها سترهما بكل شيء ولو طينا. وليس لها لبس النقاب ولا البرقع ولا اللثام فإن فعلت شيئا من ذلك افتدت. لما مر من الأحاديث الدالة على ذلك.
(وإحرام الرجل في وجهه ورأسه)؛ بمعنى: أنه يبديهما في حال الإحرام ليلا ونهارا فإن غطى شيئا من ذلك وانتفع حرم عليه وافتدى، ناسيا كان أو عالما أو جاهلا. وإن نزعه مكانه فلا شيء عليه ويجوز توسده وستره بيده من شمس أو ريح فاليد لا تعد ساترا إلا إذا ألصقها برأسه وطال فعليه الفدية كما
[ ٢ / ٨٠١ ]
في العتبية. ويجوز له أن يحمل على رأسه ما لا بد منه من خرجه وعاء عربي معروف - وجرابه وغير ذلك كحزمة حطب يحملها ليبيعها فإن حمل لغيره أو للتجارة فالفدية. ويجوز استظلاله بالبناء والأخبية.
وللمالكية قولان في الاستظلال بعصا بها ثوب، أحدهما بعدم الجواز وعليه الفدية، والآخر بالجواز ولا فدية؛ قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (^١) رحمه الله تعالى: وهو الحق؛ أي: الأخير. اه. ولعل دليله حديث أم الحصين لا قالت: «حججنا مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالا وأحدهما أخذ بخطام ناقة النبي ﷺ، والآخر رافع ثوبه ليستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة» (^٢).
(ولا يلبس الرجل الخفين في الإحرام إلا أن لا يجد نعلين فليقطعهما أسفل من الكعبين) كما ورد في الحديث.
• أنواع النسك وأفضلها عند المالكية:
انتقل المصنف يبين الفاضل والمفضول من أوجه الإحرام بأحد المناسك الثلاثة التي أجمع علماء الأمصار على جوازها وهي:
(الإفراد، والقران، والتمتع، واختلفوا في أيها أفضل، واستدل كل فريق بما رآه دليلا لمذهبه.
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
والإفراد بالحج أفضل عندنا من التمتع ومن القران.
فمن قرن أو تمتع من غير أهل مكة فعليه هدي يذبحه أو ينحره بمنى إن أوقفه بعرفة وإن لم يوقفه بعرفة فلينحره بمكة بالمروة بعد أن يدخل به من الحل.
فإن لم يجد هديا فصيام ثلاثة أيام في الحج يعني من وقت
_________________
(١) أضواء البيان (٤/ ٥٤).
(٢) مسلم (٣١٢٥)، وأبو داود (١٨٣٤).
[ ٢ / ٨٠٢ ]
يحرم إلى يوم عرفة فإن فاته ذلك صام أيام منى وسبعة إذا رجع.
وصفة التمتع أن يحرم بعمرة ثم يحل منها في أشهر الحج ثم يحج من عامه قبل الرجوع إلى أفقه أو إلى مثل أفقه في البعد ولهذا أن يحرم من مكة إن كان بها ولا يحرم منها من أراد أن يعتمر حتى يخرج إلى الحل.
وصفة القران أن يحرم بحجة وعمرة معا ويبدأ بالعمرة في نيته وإذا أردف الحج على العمرة قبل أن يطوف ويركع فهو قارن.
وليس على أهل مكة هدي في تمتع ولا قران.
ومن حل من عمرته قبل أشهر الحج ثم حج من عامه فليس بمتمتع.
ومن أصاب صيدا فعليه جزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل من فقهاء المسلمين، ومحله منى إن وقف به بعرفة، وإلا فمكة، ويدخل به من الحل، وله أن يختار ذلك أو كفارة طعام مساكين أن ينظر إلى قيمة الصيد طعاما فيتصدق به أو عدل ذلك صياما أن يصوم عن كل مد يوما ولكسر المد يوما كاملا.
والعمرة سنة مؤكدة مرة في العمر.
ويستحب لمن انصرف من مكة من حج أو عمرة أن يقول: آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)
الشرح
• قال المصنف:
(والإفراد) وهو أن يحرم (بالحج) فقط؛ أي: يقول: لبيك اللهم حجا فهو ال (أفضل عندنا)؛ أي: المالكية (من التمتع ومن القرآن) وإنما كان الإفراد أفضل لما ورد في الأحاديث الصحيحة من رواية جابر، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة وغيرهم أن رسول الله ﷺ أفرد في حجة الوداع. واتصل
[ ٢ / ٨٠٣ ]
عمل الخلفاء، فقد أفرد الصديق في السنة الثانية، وعمر بعده عشر سنين، وعثمان اثنتي عشرة سنة، وبه أخذ جابر، وابن مسعود، وابن عمر، وعائشة وهو مذهب الشافعي. ومن الأحاديث الدالة على فضله ما جاء عن عائشة ﵂ قالت: «خرجنا مع رسول الله ﷺ فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحجة، ومنا من أهل بحج وعمرة، وأهل رسول الله الله بالحج، فأما من أهل بالحج أو جمع الحج والعمرة فلم يحلوا حتى يوم النحر» (^١).
وفي حديث جابر في صفة حجة النبي ﷺ قال: «ولبى رسول الله ﷺ تلبية حتى إذا أتينا البيت معه قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج لسنا نعرف العمرة».
وعن ابن عمر (في رواية يحيى) قال أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج مفردا وفي رواية ابن عون أن رسول الله الله أهل بالحج مفردا رواه مسلم.
وغيرها من الأحاديث الواردة في إفراد النبي ﷺ.
قال الشوكاني (^٢): بعد أن ساق أحاديث الأنساك الثلاثة (وقد اختلفت) الأنظار واضطربت الأقوال لاختلاف هذه الأحاديث، فمن أهل العلم من جمع بين الروايات كالخطابي فقال: «إن كلا أضاف إلى النبي ﷺ ما أمر به اتساعا، ثم رجح أنه أفرد الحج، وكذا قال عياض وزاد فقال: وأما إحرامه فقد تظافرت الروايات الصحيحة بأنه كان مفردا، وأما رواية من روى التمتع فمعناه أنه أمر به ..».
وما جاء من أنه قرن أو تمتع فأجاب عنه الإمام بحمله على أن المراد أمر بعض أصحابه بالقران وأمر بعضا بالتمتع، فنسب ذلك إليه على طريق المجاز، ولأن الإفراد لا يحتاج إلى أن يجبر بالهدي بخلاف القرآن والتمتع فإنهما يحتاجان إليه.
_________________
(١) البخاري (٣١٩)، ومسلم (١١٢) (١٢١١).
(٢) انظر: النيل للشوكاني (٤/ ٣٦٦)، باب: التخيير بين المناسك.
[ ٢ / ٨٠٤ ]
• وجوب الهدي على القارن والمتمتع:
وإلى ذلك أشار بقوله: (فمن قرن) بفتح الراء (أو تمتع من غير أهل مكة فعليه هدي) لقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾ [البقرة: ١٩٦] أما القرآن فلا يجب هديه وجوبا تاما إلا يوم النحر، بعد رمي جمرة العقبة لأن النبي ﷺ لم ينحر هديه يومئذ إلا بعد رمي جمرة العقبة الكبرى، ودم القرآن مقيس (^١) على دم التمتع، لأنه في معناه في أنه وجب للترفه في ترك أحد السفرين، وقضائه النسكين في سفر واحد.
ومفهوم قول المصنف أن أهل مكة لا هدي عليهم وهو كذلك؛ والمراد بهم من كان حاضرا بها أو بذي طوى وقت فعل النسكين. وسيأتي ذكر شروط المتعة في الحج.
• ولوجوب الدم على القارن شرطان:
١ - أن لا يكون حاضرا بمكة أو بذي طوى.
٢ - وأن يحج من عامه، فلو فاته الحج وتحلل بعمرة فلا دم عليه، فإن ترك الأولى في حقه ولم يتحلل بعمرة وبقي على إحرامه لم يسقط عنه.
ثم بين محل نحر الهدي وذبحه بقوله: (يذبحه)؛ أي: الهدي إن كان مما يذبح (أو ينحره) إن كان مما ينحر (بمنى)؛ أي: في منى نهارا بعد الفجر فلا يجزئ فعله ليلا، والأصل في هذا كله؛ أي: فيما ذكر من كونه في منى ونهارا وبعد الفجر فعله ﵊ كما في حديث جابر ﷺ.
• ولصحة النحر بها شروط:
أحدها: (إن أوقفه) من وجب عليه الهدي أو نائبه (بعرفة) ليلا. قال ابن هارون: أما اشتراط كون الوقوف ليلا فلا أعلم فيه خلافا، لأن كل من
_________________
(١) انظر: المغني لابن قدامة (٥/ ٤٤٨).
[ ٢ / ٨٠٥ ]
اشترط الوقوف بعرفة ليلا كمالك جعل حكمه حكم ربه فيما يجزئه من الوقوف.
ثانيها: أن يكون النحر في أيام منى، وهي يوم النحر واليومان بعده فلا يدخل اليوم الرابع.
ثالثها: أن يكون النحر في حجة؛ أي: كان الهدي سيق في إحرام حج سواء وجب لنقص فيه، أو في عمرة، أو تطوعا، أو جزاء صيد، فإذا اجتمعت هذه الشروط فلا يجوز النحر بمكة ولا بغيرها؛ أي: فالنحر بمنى واجب، وإن فقد بعضها جاز. وإليه أشار بقوله: (وإن لم يوقفه بعرفة)؛ يعني: أو فاتته أيام منى ولو وقف به بعرفة (فلينحره) أو يذبحه (بمكة) أو ما يليه من البيوت وجوبا. ولا يجزئه الذبح بذي طوى ونحوها مما كان خارجا عن بيوتها ولو كان من لواحقها، وحيث تعين الهدي وذبحه بمكة فلا يفعل ذلك إلا (بعد أن يدخل به من الحل) (^١)؛ أي: من أي جهة كانت لأن كل هدي لا بد فيه من الجمع بين الحل والحرام، والهدي يكون من الغنم والبقر والإبل لكن الأفضل الإبل.
ولا يجزئ في الجميع إلا السليم كالأضحية. والهدي من هذه الثلاثة إنما يتعين على المتمتع والقارن إذا وجده (فإن لم يجد هديا) بأن يئس من وجوده (ف) الواجب عليه (صيام ثلاثة أيام في الحج يعني من وقت يحرم)؛ أي: ابتداء الأيام الثلاثة التي في الحج من وقت يحرم (إلى) آخر (يوم عرفة)؛ يعني: أن النقص الموجب للهدي إن كان سابقا على الوقوف بعرفة فإنه يدخل زمن صوم الثلاثة من إحرامه ويمتد إلى يوم عرفة لأن له صومه
_________________
(١) اعلم رحمني الله وإياك أن للحرم حدودا حدها الله ﵎ وأوحى إلى خليله إبراهيم أن يضع لها علامات، فكان الخليل يضع حيث يريه جبريل ﷺ، وجددها نبينا ﵊، وبعده عدة مرات وقد جمعها بعضهم بقوله ناظما إياها: وللحرم التحديد من أرض طيبة … ثلاثة أميال إذا رمت إتقانه وسبعة أميال عراق وطائف … وجدة عشر ثم تسع جعرانة ومن يمن سبع تقديم سينه … وقد كملت فاشكر لربك إحسانه
[ ٢ / ٨٠٦ ]
وذلك كتعدي الميقات، وتمتع وقران وترك طواف قدوم. ومفهوم قولنا سابقا على الوقوف أن النقص إن تأخر عن الوقوف كترك النزول بالمزدلفة أو ترك رمي أو حلق أو أخر الثلاثة حتى فاتت أيام التشريق فإنه يصومها مع السبعة متى شاء فإن فاته ذلك؛ أي: صوم ثلاثة أيام في الحج (صام أيام منى) ولا إثم عليه إن تأخر الصوم إليها لعذر (و) بعد فراغه من صيام الأيام الثلاثة سواء صامها في الحج أو في منى فإنه (يصوم سبعة)؛ أي: سبعة أيام (إذا رجع) من منى إلى مكة سواء أقام بمكة أو لا فإن أخرها صام متى شاء ويندب التتابع في الثلاثة أيام وليس بلازم وكذا في العشرة وإنما هو مستحب على المشهور.
عن سالم بن عبد الله، أن ابن عمر ﵄، قال: «تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى، فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج، فتمتع الناس مع النبي ﷺ بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى، فساق الهدي ومنهم من لم يهد، فلما قدم النبي ﷺ مكة قال للناس: «من كان منكم أهدى، فإنه لا يحل لشيء حرم منه، حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى، فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج، فمن لم يجد هديا، فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله» … الحديث» (^١) قال الزهري وأخبرني عروة عن عائشة بمثل ما أخبرني سالم عن أبيه وهو في صحيح مسلم أيضا؛ وروى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا أهدى هديا من المدينة قلده وأشعره من ذي الحليفة ثم يساق معه حتى يوقف به مع الناس بعرفة ثم يدفع به معهم إذا دفعوا فإذا قدم منى غداة النحر نحره قبل أن يحلق أو يقصر؛ وروي عن نافع أيضا أن عبد الله بن عمر كان يقول: «الهدي ما قلد وأشعر ووقف به بعرفة».
_________________
(١) البخاري (١٦٩١)، ومسلم (١٧٤) (١٢٢٧).
[ ٢ / ٨٠٧ ]
قال الباجي: يريد أن من حكمه وسنته التقليد والإشعار، وأن من حكم ما ينحر منه بمنى أن يوقف بعرفة، والأصل في ذلك أن الهدي من شرطه أن يجمع فيه بين الحل والحرم، ولا يجزي من اشتراه بالحرم أن ينحره بالحرم دون أن يخرجه إلى الحل هذا مذهب مالك (^١).
• التمتع:
(وصفة التمتع أن يحرم بعمرة) أولا (ثم يحل منها، في أشهر الحج) ولا يشترط إيقاع جميعها في أشهر الحج بل لو أحرم بها في رمضان وأكملها في ليلة شوال كان متمتعا إن كان ما أوقعه في أشهر الحج ركنا، فلو لم يبق عليه إلا الحلق وأوقعه في أشهر الحج لا يكون متمتعا.
(ثم يحج من عامه)، لأنهما إن لم يكونا في عام واحد لم يحصل التمتع، كما أنه لا يكون متمتعا إذا رجع بعد عمرته في أشهر الحج وقبل إحرامه بالحج إلى بلده، فالتمتع صادق في صورة ما إذا فرغ من العمرة في أشهر الحج وأحرم بالحج قبل رجوعه إلى بلده، وإليه يشير قول المصنف: (قبل الرجوع إلى أفقه) بضم الفاء وسكونها (أو) إلى (مثل أفقه في البعد) ظاهره ولو كان من أهل الحجاز وهو المشهور خلافا لابن المواز القائل بعدم سقوط الدم عمن أفقه بالحجاز إلا بالعودة إلى نفس أفقه لا إلى مثله، إلا أن يخرج عن أرض الحجاز بالكلية، لما رواه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ (^٢) [البقرة: ١٩٦]، يقول من أحرم بالعمرة في أشهر الحج، وروى مالك عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: «من اعتمر في أشهر الحج في شوال، أو ذي القعدة، أو ذي الحجة، قبل الحج. ثم أقام بمكة حتى يدركه الحج، فهو متمتع، إن حج وعليه ما استيسر من الهدي. فإن لم يجد، فصيام ثلاثة أيام في الحج،
_________________
(١) المنتقى للباجي (٢/ ٣١٤)، باب: العمل في الهدي حين يساق.
(٢) مسلم (١٥٦٠).
[ ٢ / ٨٠٨ ]
وسبعة إذا رجع». قال مالك: وذلك إذا أقام حتى الحج، ثم حج، قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن التمتع المراد بقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ أنه الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج.
(ولهذا اللام للإباحة والإشارة عائدة على المحرم بعمرة في أشهر الحج الدال عليه السياق؛ أي: ويباح للمحرم إذا حل من عمرته أن يحرم من مكة إن كان بها لحديث ابن عباس في الميقات عن النبي ﷺ: وكذلك حتى أهل مكة يهلون منها وقد تقدم في المواقيت، والمراد بأهل مكة من كان بها لا فرق بين مستوطن وغيره بالإجماع، ويستحب أن يكون إحرامه من باب المسجد.
فشروط التمتع:
١ - أن يجمع بين الحج والعمرة.
٢ - في أشهر الحج.
٣ - في عام واحد.
٤ - في سفر واحد.
٥ - أن يقدم العمرة.
٦ - أن يتحلل من العمرة ثم يحرم بالحج بعد ذلك.
٧ - أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام. وهم أهل مكة، وذي طوى، وما كان مثل ذلك، ممن هم داخل حدود الحرم.
٨ - ألا يسافر مسافة قصر وقيل إلى الميقات، وقيل إلى بلده.
• إحرام أهل مكة بالعمرة:
(ولا يحرم منها)؛ أي: من مكة (من أراد أن يعتمر) سواء كان من أهلها أصلا أو ممن لزمته الإقامة حتى يخرج إلى الحل)؛ لأن من شروط العمرة أن يجمع فيها بين الحل والحرم لحديث عائشة: «أن النبي ﷺ أمرها وهي بمكة أن تعتمر من التنعيم» (^١) وفي رواية: «أن النبي ﷺ قال
_________________
(١) البخاري (٣١٦).
[ ٢ / ٨٠٩ ]
لعبد الرحمن بن أبي بكر: اخرج بأختك من الحرم … الحديث»، وروى الفاكهي في تاريخ مكة عن محمد بن سيرين قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ وقت لأهل مكة التنعيم؛ وروى أيضا عن عطاء قال: من أراد العمرة ممن هو من أهل مكة أو غيرها فليخرج إلى التنعيم أو إلى الجعرانة فليحرم منها.
• صفة القرآن:
• قال المصنف:
(وصفة القرآن أن يحرم بحج وعمرة معا) لما في حديث عائشة وغيره قالت: «خرجنا مع رسول الله ﷺ فقال: من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل … .. وأهل معه ناس بالعمرة والحج … الحديث» (^١).
وعن نافع قال: «أراد ابن عمر الحج عام حجة الحرورية في عهد ابن الزبير فقيل له: إن الناس كائن بينهم قتال فنخاف أن يصدوك، فقال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، إذن أصنع كما صنع رسول الله ﷺ، أشهدكم أني قد أوجبت عمرة، ثم خرج حتى إذا كان بظاهر البيداء قال: ما شأن الحج والعمرة إلا واحد، أشهدكم أني قد جمعت حجة مع عمرتي، وأهدى هديا مقلدا اشتراه بقديد وانطلق حتى قدم مكة فطاف بالبيت وبالصفا ولم يزد على ذلك، ولم يحلل من شيء حرم منه حتى يوم النحر، فحلق ونحر ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول ثم قال: هكذا صنع النبي ﷺ» (^٢)
ويبدأ بالعمرة في نيته؛ وإذا أردف الحج على العمرة قبل أن يطوف ويركع فهو قارن ظاهر كلامه أنه لا يردف في الطواف، والمشهور جوازه، ويصح بعد كماله وقبل الركوع لكنه مكروه فإن ركع فات الإرداف فإن أردف بعد السعي لم يكن قارنا اتفاقا، وليس على أهل مكة تقدم، لأنهم الحاضرون بها، أو بذي طوى وقت فعل النسكين (هدي في تمتع) اتفاقا.
_________________
(١) مسلم (١١٤) (١٢١١).
(٢) البخاري (١٦٤٠)، ومسلم (١٨١) (١٢٣٠).
[ ٢ / ٨١٠ ]
(ولا) في (قرآن) على المشهور؛ أي: قياسا على التمتع، وأوجبه ابن الماجشون واختاره اللخمي ومن حل من عمرته قبل أشهر الحج، ثم حج من عامه فليس بمتمتع ولو تأخر حلاقه إلى أشهر الحج.
• جزاء الصيد:
(ومن أصاب)؛ أي: قتل (صيدا) بريا مأكول اللحم أو غير مأكوله غير ما نص عليه الشارع، سواء كان القاتل محرما بأحد النسكين أو كان بالحرم ولو لم يكن محرما، وسواء كان حرا أو عبدا، ذكرا كان أو أنثى، صغيرا كان أو كبيرا، كان القتل عمدا أو خطأ أو نسيانا مباشرة أو تسببا، تكرر ذلك منه أو لم يتكرر (فعليه) وجوبا (جزاء مثل ما قتل من النعم) والمثلية تكون في الصورة والمساواة في القدر أو القرب:
فعلى من قتل فيلا بدنة خراسانية ذات سنامين.
وعلى من قتل بقرة وحشية أو حمارا وحشيا أو ظبية بقرة إنسية.
وعلى من قتل نعامة بدنة لأنها تقاربها في القدر والصورة.
وعلى من قتل ضبعا أو ثعلبا أو حماما من حمام مكة والحرم ويمامهما شاة.
وفي غير حمام مكة والحرم حكومة؛ أي: فمن قتل حماما في الحل فإنه يلزمه قيمته طعاما؛ أي: حين الإتلاف. فعن جابر قال: «جعل رسول الله ﷺ في الصبع يصيبه المحرم كبشا وجعله من الصيد» (^١).
وعنه أيضا: «أن عمر ﵁ قضى في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة» (^٢). وأخرجه أيضا الشافعي بسند
_________________
(١) الترمذي (٨٥١)، وابن ماجه (٣٠٨٥)، قال الترمذي: سألت عنه البخاري فصححه، وكذا صححه عبد الحق، وقد أعل بالوقف، وقال البيهقي: هو حديث جيد تقوم به الحجة، ورواه الشافعي موقوفا، وصحح وقفه من هذا الوجه الدارقطني، ورواه من وجه آخر هو والحاكم مرفوعا. انظر: نيل الأوطار (٣/ ٨٠) دار الفكر.
(٢) رواه مالك في الموطأ (١٥٦٢).
[ ٢ / ٨١١ ]
صحيح عن عمر. وأخرج البيهقي عن ابن عباس أنه قضى في الأرنب بعناق؛ وروى عنه الشافعي من طريق الضحاك أنه قضى في الأرنب بشاة، وأخرج البيهقي: عن ابن مسعود أنه قضى في اليربوع بجفرة، ورواه الشافعي عنه من طريق مجاهد وروى أبو يعلى عن عمر وقال: لا أراه إلا رفعه. قوله: «جفرة» الجفرة بفتح الجيم هي الأنثى من ولد الضأن التي بلغت أربعة أشهر وفصلت عن أمها، والعنز بفتح المهملة وسكون النون بعدها زاي الأنثى من المعز، الجمع أعنز وعنوز وعناز.
وعن الأجلح بن عبد الله عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ قال: في الضبع إذا أصابه المحرم كبش، وفي الظبي شاة، وفي الأرنب عناق، وفي اليربوع (^١) جفرة، قال: والجفرة التي قد ارتعت (^٢).
وأدنى ما يجزئ في جزاء الصيد الجذع من الضأن والثني مما سواه لأن الله تعالى سماه هديا فيشترط فيه ما يشترط في الهدي.
ولما كان وجوب جزاء المثل لا يكتفى فيه بمعرفة نفسه قال: (يحكم به ذوا عدل) لقوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره﴾ [المائدة: ٩٥].
فإن أخرج قبل حكمهما عليه أعاد، ولو كان المقوم غير مأكول واشتراط العدالة يستلزم الحرية والبلوغ ولا بد من لفظ الحكم ولا يكفي الفتوى (من فقهاء المسلمين) وعن محمد بن سيرين: أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجريت أنا وصاحب لي فرسين نستبق إلى ثغرة ثنية فأصبنا ظبيا ونحن محرمان فماذا ترى؟ فقال عمر لرجل بجنبه: تعال حتى نحكم أنا
_________________
(١) اليربوع دويبة من فصيلة الفئران رجلاها الأماميتان قصيرة والخلفيتان طويلة وله ذنب طويل.
(٢) أخرجه الإمام مالك في «الموطأ» (١/ ٤١٤)، ومن طريقه الشافعي (١/ ٣٣٠ - ٣٣١)، وأخرجه الدارقطني (٢/ ٢٤٦ - ٢٤٧ و٢٤٧)، والبيهقي (٥/ ١٨٣).
[ ٢ / ٨١٢ ]
وأنت، قال: فحكما عليه بعنز، فولى الرجل وهو يقول: هذا أمير المؤمنين لا يستطيع أن يحكم في ظبي حتى دعا رجلا فحكم معه، فسمع عمر قول الرجل فدعاه فسأله: هل تقرأ سورة المائدة؟ فقال: لا، فقال: هل تعرف هذا الرجل الذي حكم معي؟ فقال: لا، فقال: لو أخبرتني أنك تقرأ سورة المائدة لأوجعتك ضربا ثم قال: إن الله ﷿ ويقول في كتابه: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم هديا بلغ الكعبة﴾ وهذا عبد الرحمن بن عوف) (^١).
ومن شرط حكمهما أن لا يجتهدا بحكمهما في غير ما حكم به النبي ﷺ والصحابة، فإن حكما بما لم يتقدم فيه حكم من مضى فإنه يرد ولا ينفذ. ولا يخرج أحد جزاء من غير حكم فإن أخرجه من غير الحكم أعاده. ولو وافق فيه حكم من مضى وخرج عن ذلك حمام مكة والحرم ويمامه فإنه لا يحتاج في لزوم الشاة لحكم لخروجه عن الاجتهاد بالدليل، فكان حكما مقررا كغيره.
(ومحله)؛ أي: محل نحره؛ أي: جزاء الصيد إن كان مما ينحر، وذبحه إن كان مما يذبح (منى إن وقف به هو أو نائبه (بعرفة وإلا فمكة)؛ أي: وإلا يقف به هو أو نائبه. فمحل ذبحه أو نحره مكة. قال مالك في «الموطأ» والذي يحكم عليه بالهدي في قتل الصيد أو يجب عليه هدي في غير ذلك فإن هديه لا يكون إلا بمكة كما قال الله ﵎: ﴿هديا بلغ الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥] قال الباجي: وهل يجزيه أن ينحره بمنى أم لا ظاهر قوله ههنا يمنع من ذلك ويقتضي اختصاصه بمكة، وكذلك يقتضيه استدلاله بقوله ﵎: ﴿هديا بلغ الكعبة﴾ غير أن حكم الهدي حكم غيره من الهدايا إن ساقه وهو معتمر أو حلال نحره بمكة ولو ساقه في حج فوقف به في عرفة لم يجزه أن ينحره إلا بمنى في أيام منى قاله أشهب وابن القاسم عن مالك، ووجه ذلك أنه هدي وقف به في عرفة فوجب أن ينحر في أيام منى كهدي المتعة؛ وهذا التفصيل في حق الحاج، وأما المعتمر أو الحلال فمحله مكة لا غير (و) حيث كان محله مكة فإنه يدخل به من الحل)، لأن من شرط
_________________
(١) مالك في الموطأ (١٥٦٣).
[ ٢ / ٨١٣ ]
الهدي أن يجمع فيه بين الحل والحرام، فإن ملكه في الحرم فلا بد أن يخرج به إلى الحل.
ثم أشار إلى وجوب مثل ما قتل على التخيير بقوله (وله)؛ أي: لمن قتل صيدا (أن يختار ذلك)؛ أي: مثل ما قتل من النعم (أو) يختار أحد شيئين أحدهما (كفارة طعام مساكين) وصفة الإطعام (أن ينظر إلى قيمة الصيد طعاما) من غالب طعام الموضع الذي قتل فيه الصيد بالغا ما بلغت، فإن لم يكن له قيمة هنالك اعتبرت قيمة أقرب المواضع إليه، (فيتصدق به) عليهم.
وإذا أطعم فلكل مسكين مد ولو أعطى ثمنا أو عرضا لم يجزه.
والشيء الآخر أشار إليه بقوله: (أو عدل ذلك)؛ أي: أو يختار عدل طعام المساكين (صياما) وصفة ذلك (أن يصوم عن كل مد يوما ولكسر المد يوما كاملا) وإنما وجب في كسر المد يوم؛ لأنه لا يمكن إلغاؤه ولا يتبعض الصوم فلم يبق إلا جبره بالكمال، كالأيمان في القسامة. واختلف في العدل في الآية فقيل:
ما عدل الشيء من غير جنسه، كالعشرة الأيام فإنها عدلت العشرة الأمداد وليست من جنسها. وقيل: عدل الشيء بالفتح مثله وليس بالنظير المساوي كما في المصباح؛ أي: أن صيام العشرة الأيام ليس مساويا للعشرة الأمداد لاختلاف الجنس، والمساواة تقتضي اتحاد الجنس.
(فائدة) مثلثات: الحج أوجه الإحرام الثلاثة، وهي حق وعمرة وقران والإطلاق والإحرام بما أحرم به زيد يرجع إلى أحدها، والاغتسالات ثلاثة على المشهور والركوع ثلاثة للإحرام ولطواف القدوم، وللإفاضة، ومن يجمع بين الحل والحرم ثلاثة الحاج والمعتمر والهدي والخبب في ثلاثة مواضع في الطواف، وفي السعي، وفي بطن محسر وخطب الحج ثلاثة والجمار ثلاثة وأيام التشريق ثلاثة وأيام النحر ثلاثة ومتعدي الميقات ثلاثة مريد النسك ومريد مكة بغير النسك وغير مريد لمكة والمحرمون بالنسبة إلى الحلق والتقصير ثلاثة قسم يتعين لهم الحلق، وهم الملبدون، ومن كان شعره قصيرا، ومن يكون
[ ٢ / ٨١٤ ]
برأسه شعر وقسم يتعين لهم التقصير، وذلك في حق المرأة الكبيرة وقسم يجوز في حقهم الأمران والحلق أفضل، وهم من عدا من ذكر والهدي ثلاثة إبل وبقر وغنم، وعلاماته ثلاثة تقليد وإشعار وتجليل، وذلك في الإبل، أما البقر، فتقلد فقط إلا أن يكون لها أسنمة، فتقلد وتشعر فقط، ولا يفعل في الغنم شيء من ذلك، وقال الشيخ زروق في شرح الرسالة وكل أفعال الحج يطلب فيها المشي إلا الوقوف بعرفة بالمشعر ورمي جمرة العقبة انتهى.
وانظر الجزولي، والله أعلم (^١).
• حكم العمرة:
(والعمرة سنة مؤكدة مرة في العمر) وهو المشهور في المذهب، وذهب ابن حبيب إلى الوجوب، واستدل المالكية على سنيتها بما رواه الحجاج بن أرطاة عن محمد بن المنكدر عن جابر أنه قال: «أتى أعرابي النبي ﷺ فقال يا رسول الله؛ أخبرني عن العمرة أواجبة هي؟ فقال: لا، وأن تعتمر خير لك» (^٢) .. وذهب المالكية والأحناف إلى أن القران في قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦]، لا يوجب التسوية بينهما في غير ذلك الحكم المذكور في الآية. قال في «المراقي» (^٣):
أما قران اللفظ في المشهور … فلا يساوي في سوى المذكور
وذلك لأن العمرة والحج من المسائل التي يلزم إتمامها إذا شرع فيها عند المالكية قال صاحب المراقي مضمنا قول الحطاب:
قف واستمع مسائلا قد حكموا … بكونها بالابتداء تلزم
_________________
(١) مواهب الجليل للحطاب (٣/ ٥٠).
(٢) الترمذي (٩٣١)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، قال النووي في المجموع (٧) ٦): أما قول الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، فغير مقبول، ولا يغتر بكلام الترمذي في هذا فقد اتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف. اه. قال الحافظ في الفتح (٣/ ٦٩٨): الحجاج بن أرطاة ضعيف.
(٣) انظر: نثر الورود (١/ ٢٩٧) للشنقيطي.
[ ٢ / ٨١٥ ]
صلاتنا وصومنا وحجنا وعمرة لنا
واستدلوا بقوله ﷺ: «بني الإسلام على خمس …» كما في حديث ابن عمر (^١) ﵁ فذكر الحج ولم يذكر العمرة؛ ولحديث طلحة نهي عنه مرفوعا: «الحج جهاد والعمرة تطوع» (^٢)؛ قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀ تعال (^٣): - الذي يظهر لي أن ما احتج به كل واحد من الفريقين، لا يقل عن درجة الحسن لغيره، فيجب الترجيح بينهما، والذي يظهر بمقتضى الصناعة الأصولية ترجيح أدلة الوجوب على أدلة عدم الوجوب؛ وذكر الأوجه التي رجح بها الوجوب.
ولها ميقاتان مكاني وهو ميقات الحج، وقد تقدم الكلام على المواقيت، وزماني وهو جميع السنة، لفعل النبي ﷺ إياها في عدة أشهر مختلفة (^٤)، وفعل أصحابه ﵃.
وقد تقدم ذكر أركانها؛ وصفة الإحرام بها في استحباب الغسل، وما يجوز من اللباس، وما يحرم عليه في إحرامه كالطيب إلخ، كالحج.
ويكره تكرارها في العام الواحد على المشهور ومقابله لا كراهة وهو المشهور وهو قول مطرف وابن الماجشون من جواز التكرار، بل قال ابن حبيب لا بأس بها في كل شهر مرة.
• أذكار الأوبة إلى الديار:
(ويستحب لمن انصرف من مكة من حج أو عمرة أن يقول: آيبون
_________________
(١) تقدم تخريجه مرارا.
(٢) رواه ابن ماجه (٢٩٨٩)، وهو ضعيف كما قال الحافظ في تلخيص الحبير (٢/ ٢٢٦)، وهو عند الدارقطني والبيهقي، عن أبي هريرة عنه. وقال الحافظ: لا يصح من ذلك شيء، بل روى ابن جهم المالكي بإسناد حسن عن جابر عنه: «ليس مسلم رضي إلا عليه عمرة» فتح الباري (٧/ ٥٩٧).
(٣) خالص الجمان للشيخ إبراهيم الشريم، جمع فيه مناسك الحج لشيخ مشايخنا العلامة محمد الأمين الشنقيطي صاحب أضواء البيان رحمه الله تعالى (٢٩١ - ٢٩٢).
(٤) فقد اعتمر ﵊ في ذي القعدة أربع عمر.
[ ٢ / ٨١٦ ]
تائبون) هما بمعنى واحد وهو الرجوع عن أفعال مذمومة إلى أفعال محمودة (عابدون لربنا) بما افترض علينا (حامدون) له على ذلك (صدق الله وعده) لنبيه محمد من النصر وإنجاز الوعد بدخول مكة بقوله تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين﴾ [الفتح: ٢٧] (ونصر عبده) محمدا (وهزم الأحزاب وحده)، لحديث أنس هـ: "كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة، يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» (^١)، وذلك أن المشركين تحزبوا على النبي ﷺ ونزلوا بالمدينة فأرسل الله عليهم ريح الصبا وهو الريح الشرقي قال: «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور» (^٢) وهو الريح الغربي.
وإنما استحب قول هذا لأن النبي ﷺ كان يقوله إذا انصرف من غزو أو حج أو عمرة.
تم بحمد الله وتوفيقه ما تعلق بالعبادات
_________________
(١) البخاري (١٧٩٧)، ومسلم (٣٢٦٥).
(٢) البخاري (١٠٣٥): «نصرت بالصبا» هي الريح التي تهب من مشرق الشمس، ونصرته بها كانت يوم الخندق إذا أرسلها الله تعالى على الأحزاب باردة في ليلة شاتية فقلعت خيامهم وأطفأت نيرانهم وقلبت قدورهم، وكان ذلك سبب رجوعهم وانهزامهم. (الدبور) هي الريح التي تهب من مغرب الشمس وبها كان هلاك قوم عاد كما قص علينا القرآن الكريم.
[ ٢ / ٨١٧ ]