باب في أوقات الصلاة وأسمائها
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(أما صلاة الصبح فهي الصلاة الوسطى عند أهل المدينة، وهي صلاة الفجر، فأول وقتها انصداع الفجر المعترض بالنياء في أقصى المشرق ذاهبا من القبلة إلى دبر القبلة، حتى يرتفع، فيعم الأفق، وآخر الوقت الإسفار البين الذي إذا سلم منها بدا حاجب الشمس، وما بين هذين وقت واسع، وأفضل ذلك أوله.
ووقت الظهر إذا زالت الشمس عن كبد السماء، وأخذ الظل في الزيادة، ويستحب أن تؤخر في الصيف إلى أن يزيد ظل كل شيء ربعه بعد الظل الذي زالت عليه الشمس، وقيل: إنما يستحب ذلك في المساجد ليدرك الناس الصلاة، وأما الرجل في خاصة نفسه فأول الوقت أفضل له، وقيل: أما في شدة الحر فالأفضل له أن يبرد بها وإن كان وحده، لقول النبي ﷺ أبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم، وآخر الوقت أن يصير ظل كل شيء مثله بعد ظل نصف النهار.
وأول وقت العصر آخر وقت الظهر، وآخره أن يصير ظل كل شيء مثليه (^١) بعد ظل نصف النهار، وقيل: إذا استقبلت الشمس بوجهك وأنت قائم، غير منكس رأسك، ولا مطاطئ له، فإن نظرت إلى الشمس ببصرك فقد دخل الوقت، وإن لم ترها ببصرك فلم يدخل الوقت، وإن نزلت عن بصرك فقد تمكن دخول الوقت.
والذي وصف مالك ﵀: أن الوقت فيها ما لم تصفر الشمس.
_________________
(١) في نسخة: (مثله).
[ ١ / ٣١٢ ]
ووقت المغرب وهي صلاة الشاهد يعني الحاضر، يعني أن المسافر لا يقصرها ويصليها كصلاة الحاضر، فوقتها غروب الشمس، فإذا توارت بالحجاب وجبت الصلاة ولا تؤخر، وليس لها إلا وقت واحد لا تؤخر عنه.
ووقت صلاة العتمة - وهي صلاة العشاء، وهذا الاسم أولى بها - غيبوبة الشفق، والشفق: الحمرة الباقية في المغرب من بقايا شعاع الشمس، فإذا لم يبق في المغرب صفرة ولا حمرة فقد وجب الوقت، ولا ينظر إلى البياض في المغرب، فذلك لها وقت إلى ثلث الليل ممن (^١) يريد تأخيرها لشغل أو عذر، والمبادرة بها أولى، ولا بأس أن يؤخرها أهل المساجد قليلا لاجتماع الناس ويكره النوم قبلها والحديث لغير شغل بعدها).
الشرح
(باب في أوقات الصلاة) في بيان متعلق معرفة أوقات الصلاة وهي النسب المتعلقة بالأوقات (و) بيان معرفة (أسمائها) أما معرفة الأوقات فهي فرض عين على كل مكلف أمكنه ذلك. ومن لا يمكنه كالأعمى قلد غيره.
والأوقات جمع وقت وهو الزمن المقدر للعبادة شرعا، وهو إما وقت أداء أو وقت قضاء. ووقت الأداء إما وقت اختيار بمعنى أن المكلف مخير في إيقاع الصلاة في أي جزء من أجزائه، وإما وقت ضرورة؛ والاختياري إما وقت فضيلة، وإما وقت توسعة.
وأما الصلاة في اللغة: فهي الدعاء لاشتمالها عليه. وقيل لأنها ثانية لشهادة التوحيد كالمصلى من السابق في خيل الحلبة، وقيل: هي من الصلوين وهما عرقان مع الردف، وقيل: هما عظمان ينحنيان في الركوع والسجود، وقيل: هي من الرحمة، وقيل: أصلها الإقبال على الشيء، وقيل غير ذلك والله تعالى أعلم (^٢).
_________________
(١) في نسخة الغرب: (لمن).
(٢) شرح مسلم للنووي (٤/ ٦٤)، دار الفكر.
[ ١ / ٣١٣ ]
وفي اصطلاح أهل الشرع (^١): قربة فعلية ذات إحرام، وسلام، أو سجود فقط.
• حكمة مشروعيتها:
قال ابن راشد: تشريف العبد بالتكليف، وإرشاده لما يطهر قلبه، فإن ذكر الرب تطهير للقلب (^٢).
وهي مما علم وجوبه من الدين بالضرورة، فجاحدها كافر بالإجماع، وأما تاركها فهو مرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وفاقا للجمهور (^٣).
وقد نظم أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي المالكي الإسكندراني (المتوفى سنة ٦١١ هـ) في حد تاركها فقال:
خسر الذي ترك الصلاة وخابا … وأبى معادا صالحا ومآبا
إن كان يجحدها فحسبك أنه … أمسى بربك كافرا مرتابا
أو كان يتركها لنوع تكاسل … غطى على وجه الصواب حجابا
فالشافعي ومالك رأيا له … إن لم يتب حد الحسام عقابا
وأبو حنيفة قال يترك مرة … هملا ويحبس مرة إيجابا
والظاهر المشهور من أقواله … تعزيره زجرا له وعقابا
إلى أن قال:
والرأي عندي أن يؤدبه الإما … م بكل تأديب يراه صوابا
ويكف عنه القتل طول حياته … حتى يلاقي في المآب حسابا
فالأصل عصمته إلى أن يمتطي … إحدى الثلاث إلى الهلاك ركابا
_________________
(١) شرح حدود ابن عرفة (١/ ١٠٧) تحقيق: أبي الأجفان، والطاهر المعموري، ط: دار الغرب الإسلامي.
(٢) المذهب (١/ ٢٢٨).
(٣) البيان والتحصيل (١/ ٤٧٥)، والتفريع لابن الجلاب (١/ ٢٥٤)، والاستذكار (٥/ ٣٤٢) وما بعدها. والمجموع للنووي (٣/ ١٣)، والمغني لابن قدامة (٣/ ٣٥١).
[ ١ / ٣١٤ ]
الكفر أو قتل المكافي عامدا … أو محصن طلب الزنا فأصابا
فهذا من المنسوبين إلى أتباع مالك، اختار خلاف مذهبه في ترك قتله (^١).
وكذلك جاحد باقي أركان الإسلام التي هي الشهادتان والزكاة والصوم والحج.
ولوجوبها شروط خمسة:
١ - الإسلام.
٢ - والبلوغ.
٣ - والعقل.
٤ - وارتفاع دم الحيض والنفاس.
٥ - ودخول وقت الصلاة. وزاد عياض: بلوغ الدعوة.
فرضت في السماء ليلة الإسراء والمعراج، وذلك بمكة قبل الهجرة بسنة، واختلف في كيفية فرضها، فعن عائشة ﵂: «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر» (^٢).
وأما معرفة أسمائها فواجبة أيضا لأن بها يقع التمييز والتعيين، ولأنه إن لم يعين الصلاة فصلاته باطلة.
وأوقاتها محددة شرعا بالكتاب والسنة والإجماع، من ذلك قوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق اليل وقرآن الفجر﴾ [الإسراء: ٧٨]، قال التتائي: دلت الآية على ثلاثة أوقات: الظهر بدلوكها، وهو ميلها، وعلى العشاء بغسق الليل والصبح بقرآن الفجر، وقيل دلت على الخمس: فدلوكها على الظهر والعصر؛ وغسق الليل على المغرب والعشاء؛ وقرآن الفجر على الصبح (^٣).
_________________
(١) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام للحافظ ابن دقيق العيد (٣/ ٥٥) كتاب القصاص، وانظر: المذهب في ضبط المذهب لابن راشد القفصي (١/ ٣٣٠).
(٢) مالك في الموطأ (٣٣٥)، والبخاري (٣٥٠)، ومسلم (١٦٠٢).
(٣) تنوير المقالة (١/ ٦٠٩).
[ ١ / ٣١٥ ]
وللأحاديث منها ما رواه مالك، عن ابن شهاب: أن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة يوما فدخل عليه عروة بن الزبير، فأخبره أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يوما وهو بالعراق، فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري، فقال: ما هذا يا مغيرة أليس قد علمت أن جبريل ﵇ نزل فصلى، فصلى رسول الله ﷺ، ثم صلى، فصلى رسول الله ﷺ، ثم صلى، فصلى رسول الله ﷺ، ثم صلى، فصلى رسول الله ﷺ، ثم قال: «بهذا أمرت»، فقال عمر لعروة: اعلم ما تحدث، أو أن جبريل هو أقام لرسول الله ﷺ وقت الصلاة؟ قال عروة: كذلك كان بشير بن أبي مسعود يحدث، عن أبيه. قال عروة: ولقد حدثتني عائشة: «أن رسول الله ﷺ كان يصلي العصر، والشمس في حجرتها قبل أن تظهر» (^١).
وفي رواية ثم قال: «ما بين هاتين الصلاتين وقت» (^٢).
• الصلاة الوسطى عند المالكية:
وهكذا بينت السنة تفاصيل أوقات الصلاة، وبدأ المصنف بصلاة الصبح لأنها أول صلاة النهار، وبين بأنها الصلاة الوسطى فقال: (أما صلاة الصبح فهي الصلاة الوسطى عند أهل المدينة وهي صلاة الفجر) (^٣) قلت: قد اختلف الناس في الصلاة الوسطى (^٤) على أقوال بعد اتفاقهم على أنها أكد الصلوات، ومن بين الأقوال قول المالكية والشافعي على أنها صلاة الصبح واستدلوا لذلك بأدلة منها: ما رواه النسائي عن ابن عباس قال: «أدلج رسول الله ﷺ ثم عرس فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس أو بعضها فلم يصل
_________________
(١) مالك (١)، والبخاري (٤٩٩)، ومسلم (٦١٠).
(٢) مالك في الموطأ، والنسائي (٥١٢).
(٣) انظر: الإشراف (١/ ٢٠٧).
(٤) يمكنك أخي الطالب الاطلاع على هذه الأقوال واحتجاجات كل فريق مع الترجيح في: الاستذكار (١/ ٦٦) العلمية، وانظر: المحرر الوجيز لابن عطية (١/ ٥٩٨ - ٦٠٢)، ط: الأوقاف القطرية، نيل الأوطار للشوكاني (١/ ٣٨٢)، ط: دار الفكر.
[ ١ / ٣١٦ ]
حتى ارتفعت الشمس فصلى، وهي صلاة الوسطى» (^١).
وعن أبي يونس مولى عائشة أنه قال: «أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا فقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾، فلما بلغتها آذنتها فأملت علي: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين﴾، قالت عائشة: سمعتها من رسول الله ﷺ» (^٢). واستدلوا بهذه الأحاديث وغيرها على أن الصلاة الوسطى غير صلاة العصر لأن العطف يقتضي المغايرة، وهو راجع إلى الخلاف الثابت في الأصول في القراءة الشاذة هل تنزل منزلة أخبار الآحاد فتكون حجة كما ذهبت إليه الحنفية وغيرهم، أم لا تكون حجة لأن ناقلها لم ينقلها إلا على أنها قرآن، وكذلك في كون الصبح تأتي وقت مشقة بسبب برد الشتاء وطيب النوم في الصيف والنعاس وفتور الأعضاء وغفلة الناس، وبورود الأخبار الصحيحة في تأكيد أمرها، فخصت بالمحافظة لكونها معرضة للضياع بخلاف غيرها (^٣)، قال مالك: وقول علي وابن عباس أحب ما سمعت في ذلك (^٤)، وروي عن بعض الصحابة والتابعين على أنها الوسطى منهم: عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وابن عباس وابن عمر ﵃ (^٥)، وجابر وعطاء وعكرمة ومجاهد والربيع بن أنس.
ولا يخفى أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، فقد ذكر بإزاء هذه
_________________
(١) رواه النسائي (٦٢٤) وأنكر الألباني زيادة (وهي صلاة الوسطى) وبقية الحديث صحيح.
(٢) مالك في الموطأ (١/ ١٣٨ - ١٣٩)، ورواه مسلم (٦٢٩)، وأبو داود (٤١٠)، والترمذي (٢٩٨٦).
(٣) وانظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٣٢)، ونيل الأوطار للشوكاني (١/ ٣٨٢)، باب: بيان أنها الوسطى، وانظر: تفسير ابن عطية، والجامع لأحكام القرآن عند تفسيرهما للآية.
(٤) الموطأ (١/ ١٣٧) بلاغا، باب: الصلاة الوسطى، وأثر ابن عباس وصله ابن أبي شيبة (٣/ ٥٨١) رقم (٨٦٨٣)، وعبد الرزاق (١/ ٥٧٩) رقم (٢٢٠٧)، وانظر: المجموع (٣/ ٥٦)، والمغني (١/ ٤٢١).
(٥) ابن أبي شيبة (٠٣/ ٥٨٥) رقم (٨٧٠٩).
[ ١ / ٣١٧ ]
الصلاة أربعة أسماء: الصبح، والوسطى، والفجر، والغداة (^١). والصبح مشتق من الصباح وهو البياض لوجوبها عنده، والفجر مشتق من الانفجار لوجوبها عند انفجار الفجر من ظلمة الليل.
• وقت صلاة الصبح:
(فأول وقتها)؛ يعني: الاختياري (انصداع)؛ أي: انشقاق (الفجر المعترض)؛ أي: المنتشر بالضياء في أقصى؛ أي: أبعد (المشرق)؛ أي: أن ضياء الفجر مستمد من ضوء الشمس، وهي تارة تطلع من أقصى المشرق، وتارة من غيره، فهو تابع لها، فموضع انفجاره هو موضع طلوع الشمس وخرج بقوله المعترض الفجر الكاذب، وهو البياض الذي يصعد كذنب السرحان؛ أي: الذئب مستدقا فلا ينتشر (^٢)، والمراد أنه لا يذهب مستطيلا ممتدا، بل يرتفع في السماء كالعمود، فليس له حكم، وقد جاء بيان ذلك في حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «الفجر فجران: فجر يحرم الطعام وتحل فيه الصلاة، وفجر تحرم فيه الصلاة - أي صلاة الصبح - ويحل فيه الطعام» (^٣)، وزاد الحاكم (^٤) من حديث جابر ﵁ في الذي يحرم الطعام: «إنه يذهب مستطيلا في الأفق» وفي الآخر: «إنه كذنب السرحان»، (ذاهبا من القبلة إلى دبر القبلة حتى يرتفع فيعم)؛ أي: يسد (الأفق) لحديث سمرة بن جندب ﵁ قال: «قال رسول الله ﷺ: لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق المستطيل هكذا، حتى يستطير هكذا - يعني معترضا» (^٥) وفي
_________________
(١) تنوير المقالة (١/ ٦١٠ - ٦١٢).
(٢) والسرحان: الذئب وإنما يشبه بذنب السرحان؛ لأنه مستدق صاعد في غير اعتراض، وهو الفجر الكاذب. غريب الحديث لابن قتيبة.
(٣) رواه ابن خزيمة (١/ ١٨٤)، والحاكم (١/ ١٩١) و(٤٢٥)، وقال: «إسناده صحيح». وقال الذهبي: «صحيح».
(٤) الحاكم (١/ ١٩١).
(٥) مسلم (٢/ ٧٧٠) رقم (١٠٩٤)، والنسائي (٤/ ١٤٨) رقم (٢١٧١)، وابن خزيمة (٣/ ٢١٠) رقم (١٩٢٩)، والبيهقي (١/ ٣٨٠) رقم (١٦٦٢).
[ ١ / ٣١٨ ]
رواية: ﴿لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال، ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق﴾.
واستشكل ابن عمر (^١) كلام المصنف قائلا: إن المصنف قال: المعترض بالضياء في أقصى المشرق، فبين أنه من أقصى المشرق يطلع ثم قال: ذاهبا من القبلة إلى دبر القبلة، فأفاد أنه من القبلة يطلع وأفاد أيضا أن القبلة لها دبر وليس كذلك. وأجاب الأجهوري (^٢) بأن القبلة والمشرق واحد وهو ما قابل المغرب، والدبر الجوف، فمن عميت عليه القبلة جعل المشرق أمامه والمغرب خلفه، وحينئذ يكون مستقبلا لأن انحرافه عن القبلة يكون انحرافا يسيرا، وهذا في حق أهل الغرب.
(وآخر الوقت)؛ أي: وقت الصبح (الإسفار البين الذي إذا سلم منها)؛ أي من صلاة الصبح (بدا)؛ أي: ظهر (حاجب)؛ أي: طرف قرص (الشمس) لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح …» (^٣)، ولمسلم نحوه من حديث عائشة وحديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: «ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس …» (^٤) وقد مر حديث جبريل؛ ومفاد كلامه أن
_________________
(١) ابن عمر: هو أبو الحجاج يوسف بن عمر الأنفاسي، المتوفى سنة (٧٦١ هـ)، له تقييد على الرسالة قيده الطلبة زمن إقرائهم، فهو يهدي ولا يعتمد كما قال زروق في شرح الرسالة (١/ ٤)، وقال الغلاوي في النظم المسمى بوطليحية (تحقيق: يحيى بن البراء) (ص ٩٨) في فصل الكتب التي لا يعتمد على ما نفردت بنقله: كطرة الجزولي وابن عمرا … على رسالة أمير الأمرا
(٢) الأجهوري (٩٦٧ - ١٠٦٦ هـ): هو علي بن محمد بن عبد الرحمن، نور الدين، الأجهوري. مولده ووفاته بمصر، شيخ المالكية بمصر في عصرة، فقيه محدث، أخذ عن الشمس الرملي وطبقته، له: شرح رساله ابن ابي زيد، له شروح ثلاثة على مختصر خليل في الفقة؛ وقد ألف في الحديث والعقائد وغيرها [شجرة النور (ص ٣٠٣)، والأعلام للرزكلي (٥/ ١٦٧)، وخلاصة الأثر (٣/ ١٥٧)].
(٣) البخاري (٥٣١)، ومسلم (٦٠٨).
(٤) رواه مسلم (١٧٣) (٦١٢)، وأحمد (٦٩٦٦).
[ ١ / ٣١٩ ]
آخر الوقت المختار للصبح طلوع الشمس، وهو مشهور قول مالك، وقال ابن عبد البر (^١): إنه الذي عليه عمل الناس، بل عزاه عياض لكافة العلماء وأئمة الفتوى، وعليه فلا ضروري للصبح (^٢)، والذي في «المدونة» وهو المعتمد (^٣)، ومشى عليه صاحب «المختصر» (^٤) أن وقتها الاختياري من طلوع الفجر الصادق إلى الإسفار الأعلى، والغاية خارجة، والإسفار الأعلى هو الذي يتراءى فيه الوجوه في محل لا سقف فيه ولا غطاء، ويراعى في ذلك البصر المتوسط، وحينئذ يكون الوقت الضروري للصبح من أول الإسفار الأعلى إلى الجزء الأول من الطلوع.
وقال ابن العربي: وقد اختلف عن مالك في ذلك، فمرة قال: ليس لها وقت ضرورة على مقتضى الحديث (^٥)، ومرة قال: لها وقت ضرورة (^٦).
(و) إذا ثبت أن أول وقت صلاة الصبح انصداع الفجر، وآخره طلوع الشمس، ف (ما بين هذين الوقتين وقت واسع) لإيقاع الصلاة متى أوقعها في شيء منه لم يكن مفرطا، وعلى المكلف العزم على أدائها في الوقت، لأن من توجه عليه الأمر، ولم يفعل، ولم يعزم، فهو معرض عن الأمر على الفعل، والمعرض عن الأمر عاص مستحق العقاب واختار الباجي وغيره عدم وجوب العزم حملا للأمر على وجوب الفعل والأصل عدم وجوب غيره (^٧).
(و) إذا تقرر أن الوقت المختار كله سواء في نفي الحرج فاعلم أنه متفاوت في الفضيلة، ف (أفضل ذلك)؛ أي: الوقت المختار (أوله) ظاهره
_________________
(١) التمهيد (٣/ ٢٧٦)، وتنوير المقالة (١/ ٦١٨)، والثمر الداني (٨٩).
(٢) وهو الصحيح المطابق للدليل إذ لا ضروري إلا في صلاة العصر فقط.
(٣) المدونة (١/ ٥٧)، وانظر: المذهب (١/ ٢٣٠).
(٤) مختصر خليل (٢٣).
(٥) ورجحه ابن العربي في العارضة (١/ ٢٦٢ - ٢٦٣).
(٦) المسالك في شرح موطأ مالك لابن العربي (١/ ٣٧٤).
(٧) تنوير المقالة (١/ ٦١٩).
[ ١ / ٣٢٠ ]
مطلقا في الصيف والشتاء للفذ والجماعة، وهو كذلك عند مالك وأكثر العلماء لتحصيل فضيلة الوقت لحديث عبد الله ﵁ قال: «سألت النبي ﷺ: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها» (^١).
• وقت صلاة الظهر:
(ووقت الظهر)؛ أي: أول وقته المختار (إذا زالت)؛ أي: مالت (الشمس عن كبد السماء) الكبد بفتح الكاف وكسر الباء عبر به عن وسط السماء على سبيل المجاز المرسل من إطلاق اسم الحال على المحل في الجملة لأن موضعه من الحيوان الوسط، وقد حكى ابن عبد البر إجماع المسلمين في كل عصر ومصر على هذا الوقت (^٢).
(وأخذ الظل في الزيادة) لما مر ولحديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله، ما لم يحضر العصر …» (^٣).
ويعرف الزوال بأن يقام عود مستقيم، فإذا تناهى الظل في النقصان، وأخذ في الزيادة فهو وقت الزوال ولا اعتداد بالظل الذي زالت عليه الشمس في القامة، بل يعتبر ظله مفردا عن الزيادة.
• استحباب الإبراد بالظهر في الصيف للجماعة:
(ويستحب أن يؤخر)؛ أي: صلاة الظهر (في الصيف) لحديث أبي هريرة قال: «قال رسول الله ﷺ: إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم» (^٤).
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: «كان النبي ﷺ إذا كان الحر أبرد
_________________
(١) البخاري (٥٠٤)، ومسلم (٨٥).
(٢) الاستذكار (١/ ٣٨)، ط: التمهيد (٨/ ٧٠)
(٣) رواه ابن عوانة في مستخرجه، باب: صفة وقت الظهر.
(٤) مالك في الموطأ (٢٧)، والبخاري (٥١٠)، ومسلم (٦١٦).
[ ١ / ٣٢١ ]
بالصلاة وإذا كان البرد عجل» (^١).
قال الفاكهاني نصه اختصاص التأخير بالصيف دون الشتاء جماعة وأفذاذا. وقال ابن ناجي: لا مفهوم لقوله في الصيف، بل وكذلك استحب ابن حبيب تأخيرها في الشتاء وفي رمضان (^٢)، ويستمر التأخير المستحب (إلى أن يزيد ظل كل شيء) مما له ظل كالإنسان (ربعه بعد الظل الذي زالت عليه الشمس) واحترز بذلك من أن يقدر الظل من أصله، وأطلق الظل على ما بعد الزوال، وهي لغة شاذة. واللغة المشهورة أن الظل لما قبل الزوال والفيء لما بعده.
(وقيل إنما يستحب ذلك)؛ أي: التأخير المذكور (في) حق أهل (المساجد) خاصة (ل) أجل أن (يدرك الناس الصلاة) مع الجماعة (وأما الرجل في خاصة نفسه) وفي نسخة في خاصته (فأول الوقت أفضل له)، لأنه لا فائدة في تأخيره، ما دام لا يطلب الجماعة لحديث أبي ذر ﵁ قال: سألت النبي ﷺ: «أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها» (^٣).
(وقيل أما في شدة الحر فالأفضل له)؛ أي: لمن يريد صلاة الظهر (أن يبرد بها وإن كان وحده) وهو الحق إن شاء الله تعالى لأن النبي ﷺ لم يفرق بين الجماعة والمنفرد في الحكم، والله أعلم.
(وآخر الوقت) المختار للظهر (أن يصير ظل كل شيء مثله بعد ظل نصف النهار) وهو قول مالك وأصحابه (^٤)، لما مر في الحديث واعتبار النهار هنا من طلوع الشمس إلى الغروب، بخلاف النهار في الصوم فإن أوله من طلوع الفجر.
_________________
(١) رواه النسائي (٤٩٨)، وصححه الألباني (٤٩٩)، كما في صحيح وضعيف النسائي (٤٩٩)، وانظر: الاستذكار (١/ ٩٩).
(٢) المذهب (١/ ٢٣١).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) التمهيد (٨/ ٧٣)، والإشراف (١/ ٢٠١).
[ ١ / ٣٢٢ ]
• وقت صلاة العصر:
(وأول وقت العصر) (^١) المختار هو (آخر وقت الظهر) المختار، فعلى هذا هما مشتركان، وهو المشهور. واختلف التشهير هل الظهر تشارك العصر في أول وقتها بمقدار أربع ركعات، أو العصر تشارك الظهر في آخر وقتها بمقدار أربع ركعات. فعلى الأول لو أخر الظهر حتى دخل وقت العصر وأوقع الظهر أول الوقت لا إثم عليه. ومن صلى العصر على هذا القول في آخر القامة الأولى كانت باطلة. وعلى الثاني لو صلى العصر عند ما بقي مقدار أربع ركعات من وقت الظهر من القامة الأولى، فإن العصر تقع في أول وقتها؛ أي: ومن صلى الظهر أول القامة الثانية كان آثما لوقوعها بعد خروج وقتها، (وآخره)؛ أي: آخر وقت العصر المختار (أن يصير ظل كل شيء مثليه بعد ظل نصف النهار)، (وقيل) أول وقت العصر أنك (إذا استقبلت الشمس بوجهك)؛ يعني: ببصرك (وأنت قائم غير منكس رأسك، ولا مطاطئ له) التطاطؤ أخفض من التنكيس لأن التنكيس إطراق الجفون إلى الأرض، والتطاطؤ الانحناء على حسب ما يريد الإنسان (فإن نظرت إلى الشمس ببصرك)؛ يعني: إذا جاءت على بصرك (فقد دخل الوقت، وإذا لم ترها ببصرك فلم يدخل الوقت، وإن نزلت عن بصرك)؛ أي: جاءت تحت بصرك (فقد تمكن دخول الوقت) قال القاضي عبد الوهاب وغيره بأنه لا مانع من أن يكون لدخول الوقت وخروجه طرق موصلة إليه، قال ابن رشد وهذا معترض عليه: بأن الشمس مرتفعة في الصيف، منخفضة في الشتاء (^٢).
ثم أشار المصنف إلى رواية ابن القاسم في «المدونة» في بيان آخر الوقت بقوله: (والذي وصف عن مالك ﵀ في تحديد آخر الوقت المختار للعصر (أن الوقت فيها ما لم تصفر الشمس)؛ أي: في الأرض والجدر؛ أي: لا في عين الشمس إذ لا تزال نقية حتى تغرب، والمذهب أن تقديم
_________________
(١) قيل: سميت العصر لانعصار النهار للفراغ، والشمس للغروب.
(٢) تنوير المقالة (١/ ٦٢٩ - ٦٣٠).
[ ١ / ٣٢٣ ]
العصر أول وقتها أفضل. لحديث عبد الله بن عمرو ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: «وقت صلاة الظهر ما لم يحضر العصر، ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس …» (^١)، وهذا في الوقت المختار أما الضروري فيمتد إلى الغروب الحديث: «أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى …» (^٢)، ولحديث أبي قتادة ﵁ وحديث أبي هريرة ﵁: «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر» (^٣).
• وقت صلاة المغرب:
(ووقت صلاة المغرب وهي)؛ أي: صلاة المغرب لها اسمان هذا لأنها تقع عند الغروب، والآخر (صلاة الشاهد يعني)؛ أي: مالك بقوله الشاهد (الحاضر) وكأن قائلا قال له: ما معنى الحاضر؟ فقال: (يعني أن المسافر لا يقصرها) وهما صلاة الصبح والمغرب بإجماع (^٤) (ويصليها كصلاة الحاضر) ورده عبد الوهاب بأنه مسموع لا يقاس.
قلت: وقيل الشاهد: النجم الذي يطلع في ذلك الوقت، وقد ورد ما يؤيد هذا من حديث أبي بصرة الغفاري ﵁ أن رسول الله ﷺ لما صلى العصر، قال: «ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد» (^٥)، ولعله هو الذي يقصده القاضي؛ وقال الحافظ ابن عبد البر: والشاهد النجم (^٦)، قال الحطاب: وذكر ابن ناجي عن التونسي أنه قال الذي جاء في الحديث أن الشاهد النجم أولى
_________________
(١) الحديث رواه مسلم (١٧٣)، وأبو داود (٣٩٦)، والنسائي (٥٢٢).
(٢) رواه مسلم (٣١١)، ورواه الترمذي بلفظ قريب منه (١٥١).
(٣) البخاري (٥٥٤)، ومسلم (١٦٣).
(٤) مراتب الإجماع لابن حزم (٢٤).
(٥) رواه مسلم (٢٩٢).
(٦) قاله مالك في العتبية نقله عنه في النوادر، كما في الاستذكار (١/ ٢٩).
[ ١ / ٣٢٤ ]
بالصواب مما قاله مالك (^١).
(فوقتها غروب الشمس) للإجماع، ولحديث جبريل، ولحديث سلمة بن الأكوع ﵁: «أن رسول الله ﷺ كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب» (^٢).
والمراعي في ذلك غيبوبة جرمها وقرصها المستدير دون أثرها وشعاعها، قال ابن بشير بموضع لا جبال فيه، وأما ما فيه جبال فينظر لجهة المشرق، فإذا ظهرت الظلمة كان دليلا على مغيبها، فإذا توارت؛ أي: استترت وغابت (بالحجاب)؛ أي: لم تظهر لنا بسبب الحجاب الحائل بيننا وبينها، فعن سلمة بن الأكوع ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب (^٣). (وجبت الصلاة)؛ أي: دخل وقتها لا تؤخر عنه مكرر، مع قوله فوقتها غروب الشمس. (وليس لها إلا وقت واحد)؛ أي: اختياري فمتى أخرت عنه وقعت خارج وقتها (لا تؤخر عنه) (^٤)، والمشهور أنه غير ممتد بل بقدر فعلها بعد تحصيل شروطها فوقتها مضيق، ويجوز لمن كان محصلا لشروطها من طهارة، وستر، واستقبال، وأذان وإقامة، تأخير فعلها بمقدار تحصيلها.
وقيل: وقتها ممتد إلى مغيب الشفق الأحمر من غير عذر، واختاره الباجي وابن رشد واللخمي والمازري وكثير من أهل المذهب كابن عبد البر وابن العربي وصححه في العارضة وشهره في الأحكام (^٥)، قلت: وهو الحق الذي يعضده الدليل لما في مسلم من قوله ﵊: «وقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق» (^٦)؛ وعند ابن خزيمة (^٧) من حديث عبد الله بن
_________________
(١) مواهب الجليل (٢/ ٢٣).
(٢) رواه مسلم (٢١٦)، والترمذي (١٦٤) وغيرهما.
(٣) رواه البخاري (٥٦١)، ومسلم (٢١٦).
(٤) العارضة (١/ ٢٧٤)، والمسالك (١/ ٣٧٨).
(٥) أحكام القرآن (٣/ ١٢٢١).
(٦) مسلم (١٧٣)، وأبو داود (٣٩٦).
(٧) صحيح ابن خزيمة (٣٥٤)، تحقيق: الأعظمي، (باب: كراهة تسمية صلاة العشاء عتمة).
[ ١ / ٣٢٥ ]
عمرو مرفوعا: «وقت صلاة المغرب إلى أن تذهب حمرة الشفق».
• وقت صلاة العشاء، وكراهة تسميتها بالعتمة:
(ووقت صلاة العتمة) المختار (وهي صلاة العشاء) بكسر العين والمد، (وهذا الاسم)؛ أي: العشاء أولى بها في التسمية من العتمة على جهة الاستحباب، لوروده في السنة المطهرة، وتسميتها بالعتمة مكروه عند جماعة من العلماء منهم الإمام مالك لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء، فإنها في كتاب الله العشاء، وإنها تعتم بحلاب الإبل» (^١).
وأما ما ورد في من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا» (^٢) من تسميتها بالعتمة فمؤول بأن ذلك لبيان الجواز؛ أي: أن التسمية ليست بحرام فلا ينافي أنها مكروهة، وانظر غير مأمور المناهل الزلالة في هذا الموضع تزداد ريا، وكذا الفتح فتح الله لنا ولك (^٣).
أي ومبدأ وقت العشاء (غيبوبة الشفق) خبر عن قوله: ووقت صلاة العتمة وما بينهما معترض (والشفق) هو (الحمرة الباقية في المغرب)؛ أي: في ناحية غروب الشمس؛ أي: لا كل المغرب كما هو ظاهر المصنف. (من بقايا شعاع الشمس) وهو ما يرى عند ذهابها كالقضبان أي أن ضوءها يشبه القضبان؛ أي: قضبان الذهب (^٤) لما في «الأثر» أن عبادة بن الصامت وشداد بن أوس كانا يصليان العشاء الآخرة إذا ذهبت الحمرة، قال مكحول: «وهو الشفق» (^٥). وفي الموطأ من قول مالك: «إذا ذهبت الحمرة
_________________
(١) رواه مسلم (٦٤٤).
(٢) الموطأ (١٤٩)، والبخاري (٥٩٠)، ومسلم (٤٣٧).
(٣) الفتح (٢/ ٢٣٥) دار الفكر.
(٤) التفريع لابن الجلاب (١/ ٢١٩)، والإشراف (١/ ٢٠٢).
(٥) مصنف عبد الرزاق (١/ ٥٥٦).
[ ١ / ٣٢٦ ]
فقد وجبت العشاء»، وخرج وقت المغرب (فإذا لم يبق في المغرب)؛ أي: ناحية غروب الشمس (صفرة ولا حمرة فقد وجب)؛ أي: دخل (الوقت)؛ أي: وقت العشاء وانظر كيف قدم الصفرة وهي متأخرة عن الحمرة، وأجيب بأن الواو لا تقتضي ترتيبا.
(ولا ينظر إلى البياض الباقي في المغرب) إشارة إلى قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى: إن الشفق هو البياض. ودليل ذلك أن النبي ﷺ قال: «الشفق الحمرة، فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة» (^١)، وحديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «وقت صلاة المغرب إلى أن تذهب حمرة الشفق …» (^٢)، (فذلك)؛ أي: غيبوبة الشفق الأحمر (لها)؛ أي: للعشاء (وقت)؛ يعني: أن أول وقتها المختار مبدؤه من مغيب الشفق الأحمر؛ ونهايته (إلى ثلث الليل الأول) على المشهور وهو أحد ثلاثة أقوال (^٣)، لحديث عائشة ﵂ قالت: «أعتم رسول الله ﷺ ليلة بالعتمة فنادى عمر: نام النساء والصبيان، فخرج رسول الله ﷺ فقال: ما ينتظرها غيركم ولم تصل يومئذ إلا بالمدينة ثم قال: صلوها فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل» (^٤).
وقال ابن حبيب: إنه ينتهي إلى نصف الليل لقوله ﷺ في الحديث الذي مر: «ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل».
ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لولا أن أشق على
_________________
(١) رواه الدارقطني (١/ ٢٦٩)، قال ابن الملقن في البدر المنير (٨٧/ ١): رواه الدارقطني وقال في غرائب مالك: هذا حديث غريب وكل من رواته ثقات، وقال الحاكم (المدخل) والبيهقي: الصحيح وقفه على ابن عمر».
(٢) ابن خزيمة في صحيحه (٣٥٤).
(٣) أ - إلى ثلث الليل، الاستذكار (١/ ٤٥)، وعزاه ابن العربي لمالك، كما في العارضة (١/ ٢٧٧)؛ ب - إلى نصفه، المنتقى (١/ ١٥)، والعارضة (١/ ٢٧٨)، وعزاه لابن حبيب، ج آخر وقتها طلوع الفجر للضرورة، والمقدمات (١٥٠/ ١).
(٤) رواه النسائي (٤٨١). وبنحوه عند البخاري (٥٤١)، ومسلم (٦٣٨).
[ ١ / ٣٢٧ ]
أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه» (^١).
(ممن يريد)، وكان الأولى لمن يريد (تأخيرها لشغل)؛ أي: لأجل شغل مهم (أو) لأجل (عذر)؛ أي: لا ينبغي أن يؤخرها عن أول وقتها إلا أهل الأعذار (و) أما غيرهم فإن كان منفردا ف (المبادرة)؛ أي: المسارعة (بها)؛ أي: بصلاة العشاء في أول وقتها (أولى)؛ أي: مستحب، (و) إن كان غير منفرد ف (لا بأس) ٢؛ بمعنى: يستحب أن يؤخرها أهل المساجد قليلا ل أجل (اجتماع الناس) فعن جابر قال: «كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس نقية، والمغرب إذا وجبت الشمس، والعشاء أحيانا يؤخرها وأحيانا يعجل إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطأوا أخر، والصبح كانوا أو كان النبي ﷺ يصليها بغلس» (^٢).
• كراهية النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها:
والراجح التقديم مطلقا (ويكره) كراهة تنزيه (النوم قبلها)؛ أي: قبل صلاة العشاء (والحديث لغير شغل) مهم (بعدها) لحديث أبي برزة الأسلمي ﵁: «أن النبي ﷺ كان يستحب أن يؤخر العشاء التي يدعونها العتمة، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها» (^٣).
قال ابن عمر: وكراهة الحديث بعدها أشد من كراهة النوم قبلها، لأنه ربما فوت عليه الفواضل من صلاة الصبح جماعة، أو فوات وقتها، أو فوات قيام الليل للتهجد، ولذكر الله، وقيل خشية أن تصيبه دعوة عمر بن الخطاب ﵁: «من نام فلا نامت عيناه» (^٤).
ويستثنى من ذلك السمر في العلم والقربات، أو إدخال السرور على
_________________
(١) رواه أحمد (٩٧٩)، وابن ماجه (٧٣٨)، والترمذي (١٦٧) وصححه.
(٢) البخاري (٥٣٥)، ومسلم (٥٤٠).
(٣) رواه البخاري (٥٢٢)، ومسلم (٦٤٧)، وأبو داود (٣٩٨).
(٤) رواه عبد الرزاق (٢١٤٢)، والطحاوي (١/ ١٥٨).
[ ١ / ٣٢٨ ]
الزوجة والعروس، والضيف، والمسافر أي القادم من سفر، أو المتوجه إلى السفر، لما روى الحافظ ضياء الدين المقدسي في الأحكام من حديث عائشة مرفوعا بلفظ: «لا سمر إلا لثلاثة: مصل أو مسافر أو عروس» (^١)، وما تدعو الحاجة إليه، كالحديث الذي يتعلق به مصالح الإنسان كالبيع والشراء أو أمر العامة فقد كان رسول الله ﷺ ربما سهر في ذلك كما قال عمر ﵁: «كان رسول الله ﷺ يسمر عند أبي بكر الليلة كذلك في الأمر من أمر المسلمين وأنا معه» (^٢).
وقد اختلف أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم في السمر بعد العشاء، فكره قوم منهم السمر بعد صلاة العشاء، ورخص بعضهم إذا كان في معنى العلم وما لا بد منه من الحوائج، وأكثر الحديث على الرخصة، وهذا الحديث يدل على عدم كراهة السمر بعد العشاء إذا كان لحاجة دينية عامة أو خاصة، وحديث أبي برزة وابن مسعود وغيرهما على الكراهة، وطريقة الجمع بينهما بأن توجه أحاديث المنع إلى الكلام المباح الذي ليس فيه فائدة تعود على صاحبه، وأحاديث الجواز إلى ما فيه فائدة تعود على المتكلم، أو يقال: (دليل كراهة الكلام والسمر بعد العشاء عام مخصص بدليل جواز الكلام والسمر بعدها في الأمور العائدة إلى مصالح المسلمين) (^٣).
وقد تكلم الشيخ ﵀ على الوقت الاختياري، ولم يتكلم على الضروري.
أما الصبح: فقد تقدم الكلام عليه لا ضروري له كما عند المصنف، وعلى المشهور أوله آخر اختياريها وآخره طلوع الشمس.
_________________
(١) قال الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٤٣٥): إسناده حسن، وانظر: تحفة الأحوذي، باب ما جاء في السمر بعد العشاء (١/ ٤٣٣).
(٢) رواه أحمد (١٧٨)، والترمذي وحسنه (١٦٩)، قال الترمذي: «حديث عمر حديث حسن».
(٣) تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، باب الرخصة في السمر بعد العشاء الموضع السابق.
[ ١ / ٣٢٩ ]
وأما الظهر: فلا ضروري له على الصحيح من الأدلة وقد جعل المالكية بداية الضروري من أول القامة الثانية، ومبدؤه في العصر الاصفرار وانتهاؤه فيهما غروب الشمس إلا أن العصر تختص بأربع ركعات قبل الغروب، فيكون هذا الوقت ضروريا لها خاصة، بحيث لو صليت الظهر في ذلك الوقت كانت قضاء وكذلك المغرب: الصحيح لا ضروري لها وقد قدر المالكية ضروريها من وقت فراغه منها من غير توان؛ أي: ما يعقب فراغه.
وكذلك العشاء: لا ضروري لها على الصحيح الراجح، وقدره المالكية من أول ثلث الليل الثاني، وانتهاؤه فيهما طلوع الفجر، وتختص الأخيرة منها بمقدار أربع ركعات كما بين في الظهر والعصر؛ وسميت هذه الأوقات في المذهب أوقات ضرورة، لأنه لا يجوز تأخير الصلاة إليها إلا لأصحاب الضرورة. وأصحاب الضرورات الحائض والنفساء، والكافر أصلا وارتدادا، والصبي، والمجنون والمغمى عليه، والنائم والناسي، فكل من زال عنه المانع من هؤلاء وصلى في الوقت الضروري لا إثم عليه. ومن صلى في هذا الوقت من غير أرباب الأعذار يكون عاصيا (^١)، ومن نام عازما على عدم القيام للصلاة ثم مات كان عاصيا الله تعالى والعياذ بالله.
_________________
(١) انظر: تنوير المقالة (١/ ٦٤٤)، والفواكه الدواني (١/ ١٦٩) وشرح زروق (١/ ١٩١ - ٢٠٢).
[ ١ / ٣٣٠ ]
باب في الأذان والإقامة
• قال المصنف رحمه الله تعالى: (باب في الأذان والإقامة:
والأذان واجب في المساجد والجماعات الراتبة.
فأما الرجل في خاصة نفسه فإن أذن فحسن، ولا بد له من الإقامة، وأما المرأة فإن أقامت فحسن، وإلا فلا حرج، ولا يؤذن لصلاة قبل وقتها إلا الصبح، فلا بأس أن يؤذن لها في السدس الأخير من الليل.
والأذان: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، ثم ترجع بأرفع من صوتك أول مرة، فتكرر التشهد فتقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، فإن كنت في نداء الصبح زدت ههنا: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، لا تقل ذلك في غير نداء الصبح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله (مرة واحدة).
والإقامة وتر: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله).
• فضل الأذان:
إن من محاسن الدين الإسلامي مشروعية الأذان لدعوة الناس للاجتماع كي يقفوا صفا واحدا أمام رب كريم، ورتب لذلك أجورا للداعي والمدعو
[ ١ / ٣٣١ ]
فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا …» (^١).
ومنها: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال له رسول الله ﷺ: «إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك، أو باديتك، فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه: «لا يسمع مدى صوت المؤذن، جن ولا إنس ولا شيء، إلا شهد له يوم القيامة»» (^٢).
• حكم الأذان:
(باب) في بيان حكم (الأذان و) حكم (الإقامة) وبيان صفتهما.
والأذان لغة: الإعلام؛ أي: بأي شيء كان.
وفيه لغتان الأذان والأذين، وقيل الأذين المؤذن، قال الشاعر:
فلم نشعر بضوء الصبح حتى … سمعنا في مساجدنا الأذينا
وشرعا: الإعلام بأوقات الصلاة؛ أي: بألفاظ مخصوصة. ولم يرد الأذان بمعناه الاصطلاحي بهذا اللفظ وإنما ورد بلفظ النداء.
ومن أدلة مشروعيته من الكتاب والسنة والإجماع في الحضر والسفر، قول الله تعالى: ﴿وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون﴾ [المائدة: ٥٨] (^٣).
قال الكتاني (^٤): أحاديث أمر رسول الله ﷺ بالأذان متواترة، وقال ابن رشد في أوائل المقدمات أنها منقولة بالتواتر وأن العلم بها حاصل ضرورة.
_________________
(١) رواه البخاري (٥٩٠) ومسلم (٤٣٧). ومعنى: لا استهموا: أي: لاقترعوا.
(٢) أخرجه مالك (١/ ٦٩) رقم (١٥١)، والبخاري (١/ ٢٢١) رقم (٥٨٤).
(٣) قال ابن عطية رحمه الله تعالى: ذكر السدي أن رجلا من النصارى كان بالمدينة إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمدا رسول الله ﷺ قال: حرق الله الكاذب، فما زال كذلك حتى سقط مصباح في بيته ليلة فأحرقه، واحترق النصراني الخبيث عليه لعنة الله.
(٤) نظم المتناثر (٨٣).
[ ١ / ٣٣٢ ]
وذكر ابن المنذر (^١) الإجماع فقال: «وأجمعوا على أن من السنة أن يؤذن للصلاة بعد دخول وقتها إلا الصبح. ومن الأحاديث ما روى سعيد بن المسيب عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه في رؤيته للأذان وفيه قول الطائف الذي رآه في المنام قال: «أفلا أدلك على خير من ذلك؟ فقلت: بلى، قال تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، قال: ثم استأخر غير بعيد، قال: ثم تقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، قال: فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت فقال رسول الله ﷺ: إن هذه الرؤيا حق إن شاء الله ثم أمر بالتأذين …» (^٢).
وعن أنس ﵁ قال: «أمر بلال أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة» (^٣)، ولحديث مالك بن الحويرث ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ أنا وصاحب لي فلما أردنا الانصراف قال لنا: إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما» (^٤).
(والأذان واجب)؛ أي: حكم الأذان أنه واجب وجوب السنن؛ أي: أنه سنة مؤكدة وقيل بوجوبه وجوب الفرائض، ومما استدلوا به على الوجوب حديث أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من ثلاثة لا
_________________
(١) الإجماع (٧).
(٢) أبو داود (١/ ٣٣٧)، والترمذي (١/ ٣٥٨) وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه (١/ ٢٣٢) في كتاب الأذان وغيرهم.
(٣) البخاري (٦٠٣)، ومسلم (٨٣٦ - ٨٣٩).
(٤) البخاري (٦٨٥)، ومسلم (١٥٣٦).
[ ١ / ٣٣٣ ]
يؤذنون ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان» (^١)، والحديث استدل به على وجوب الأذان والإقامة، لأن الترك الذي هو نوع من استحواذ الشيطان يجب تجنبه. ومنها طول الملازمة من أول الهجرة إلى الموت لم يثبت أنه ﷺ ترك ذلك في سفر ولا حضر، وروى ابن عبد البر عن مالك وأصحابه أنهما سنة مؤكدة واجبة على الكفاية.
(في المساجد) ظاهر كلامه عدم الفرق بين المسجد الجامع؛ أي: الذي تقام فيه الجمعة وغير الجامع، ولا فرق أيضا بين أن تتقارب المساجد أو لا، أو أن يكون مسجد فوق مسجد.
قال مالك: «إنما يجب النداء في مساجد الجماعات التي يجمع فيها الصلاة» (^٢).
(و) في أماكن (الجماعات الراتبة) ظاهره سواء كانت في مساجد أو غيرها حيث يطلبون غيرهم بل كل جماعة تطلب غيرها ولو لم تكن راتبة، فإنه يسن في حقها الأذان، وأما في السفر فيندب للجماعة والمنفرد الأذان لحديث أبي سعيد ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: يعجب ربك ﷿ من راعي غنم في شظية بجبل يؤذن للصلاة ويصلي فيقول الله ﷿: انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة يخاف مني فقد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة» (^٣).
ويحرم الأذان قبل دخول الوقت، إلا الصبح فإنه يؤذن قبل طلوع الفجر لتنبيه النائم، وتذكير المستيقظ، ويكره للسنن كما يكره للفائتة، وفي الوقت الضروري، ولفرض الكفاية.
والدليل على سنية الأذان أمره به ومواظبة أهل الدين عليه في زمنه وغير
_________________
(١) رواه أبو داود (٥٤٧)، والنسائي (٨٤٧)، والحاكم وقال: صحيح الإسناد (٧٦٥).
(٢) الموطأ، كتاب الصلاة، ما جاء في النداء للصلاة.
(٣) أخرجه أحمد (٤/ ١٤٥) رقم (١٧٣٥٠)، وأبو داود (٢/ ٤) رقم (١٢٠٣)، والنسائي (٢/ ٢٠) رقم (٦٦٦).
[ ١ / ٣٣٤ ]
زمنه، وهذا ضابط السنة (^١) (فأما الرجل في خاصة نفسه) ويروى في خاصته (فإن أذن فحسن)؛ أي: مستحب ظاهره سواء كان في حضر أو سفر.
والمشهور اختصاصه بالمسافر دون المقيم لما صح أن أبا سعيد سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن إنس ولا جن ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة» (^٢) قال التوربشتي: المراد من هذه الشهادة اشتهار المشهود له يوم القيامة بالفضل وعلو الدرجة (^٣).
(ولا بد له من الإقامة)؛ أي: أن الإقامة تطلب من المكلف طلبا أكيدا إن كان رجلا كما ثبت في غير موضع من سقوط الأذان دون الإقامة لثانية الصلاتين بعرفة، وما بعد أولى الفوائت كما في «سنن أبي داود» عن ابن مسعود ﵁ في قضاء رسول الله ﷺ للفوائت يوم الخندق. والأحاديث على سنيتها متواترة (^٤)، منها حديث أنس ﵁ قال: «أمر بلال ﵁ أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، قال إسماعيل فذكرت ذلك لأيوب فقال: إلا الإقامة» (^٥)، وسئل مالك عن النداء والإقامة فقال: (لم يبلغني في النداء والإقامة إلا ما أدركت الناس عليه، فأما الإقامة فإنها لا تثنى، وذلك الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا)؛ أي: عمل أهل المدينة (^٦).
ومحل سنة الإقامة إن كان الوقت متسعا وإلا تركها؛ وإذا تراخي ما بين الأذان والإقامة بطلت الإقامة واستؤنفت.
_________________
(١) كذا قال الأزهري، وممن نقل عنه ولكن أيضا ضابط الفرض وهو المداومة عليه في زمنه وفي غير زمنه فهذا لا يصلح دليلا هكذا، والله أعلم.
(٢) مالك في الموطأ (١٥١)، والبخاري (٦٠٩).
(٣) تنوير الحوالك (١/ ٨٨). ولابن العربي تعليق على سماع الجمادات وشهادتها على العباد أو لهم. المسالك (٢/ ٣٢٢).
(٤) انظر: نظم المتناثر (ص ٨٥).
(٥) رواه البخاري (٦٠٣)، ومسلم (٨٣٦ - ٨٣٩).
(٦) شرح الزرقاني (١/ ٢١٢).
[ ١ / ٣٣٥ ]
(وأما المرأة فإن أقامت فحسن)؛ أي: مستحب، قال ابن القاسم وإن أقمن فحسن (^١)، وقيده خليل بالسر (^٢)؛ ولأن عائشة ﵂ كانت تؤذن وتقيم (^٣)، (وإلا)؛ أي: وإن لم تقم (فلا حرج عليها)؛ أي: لا إثم عليها هذا غير متوهم.
(ولا يؤذن لصلاة قبل وقتها)؛ أي: حيث كان المقصود من مشروعية الأذان الإعلام بدخول الوقت؛ أي: إعلام المكلفين بدخول الوقت لأجل أدائهم الفرض الواجب عليهم فيكون فعله بعد دخول الوقت. وأما قبل دخول الوقت فلا يجوز أن يؤذن لصلاة من الصلوات الخمس (إلا الصبح)؛ أي: صلاة الصبح (فإنه لا بأس)؛ بمعنى: يستحب (أن يؤذن لها في السدس الأخير) وهو أن تحسب الوقت من غروب الشمس إلى طلوع الفجر ثم تقسمه على ست، فيكون الناتج هو السدس (من) آخر (الليل) قبل طلوع الفجر، ثم يؤذن لها عند دخول الوقت ثانيا على جهة السنية لحديث ابن مسعود: «أن النبي ﷺ قال: لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره فإنه يؤذن أو قال ينادي بليل ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم (^٤)».
فالأذان الأول مستحب والثاني سنة، قال البساطي: ضبط أهل المذهب النداء بالليل بالسدس (^٥).
(والأذان)؛ أي: حقيقته التي شرع بها هو أن يقول المؤذن: (الله أكبر، الله أكبر أشهد)؛ أي: (أتحقق أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد)؛ أي: أتحقق (أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، ثم تربع بأرفع)؛ أي: بأعلى (من صوتك) أول مرة، فتكرر التشهد فتقول: أشهد
_________________
(١) المذهب (١/ ٢٤٧).
(٢) شرح الخرشي (١/ ٢٣٦).
(٣) المحلي، مسألة: لا أذان على النساء ولا إقامة على سبيل الوجوب، المغني (٢/ ٢٣٩).
(٤) رواه البخاري (٥٩٦)، ومسلم (١٠٩٣)، وأبو داود (٢٣٤٧).
(٥) المذهب (١/ ٢٥٠).
[ ١ / ٣٣٦ ]
أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله لحديث أبي محذورة قال: «أن رسول الله ﷺ علمه هذا الأذان: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله، ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن محمدا رسول الله مرتين، حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله» (^١)، ورواه النسائي، وذكر أن التكبير في أوله أربعا.
(حي على الصلاة حي على الصلاة)؛ أي: هلموا فحي اسم فعل أمر؛ بمعنى: أقبلوا وأسرعوا؛ أي: إسراعا بلا هرولة، لئلا تذهب السكينة والوقار فتكره الهرولة حينئذ ولو خاف فوات الجماعة (حي على الفلاح حي على الفلاح)؛ أي: هلموا إلى الفلاح وهو الفوز بالنعيم في الآخرة (فإن كنت في نداء الصبح زدت ههنا: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، لا تقل ذلك في غير نداء الصبح) لحديث بلال ﵁، وكذا أبي محذورة ﵁ قال: علمني رسول الله ﷺ الأذان وقال: إذا كنت في أذان الصبح، فقلت: حي على الفلاح، فقل: «الصلاة خير من النوم» (^٢)، وروى التثويب (^٣) أيضا الطبراني والبيهقي بإسناد حسن عن ابن عمر بلفظ: «كان الأذان بعد حي على الفلاح الصلاة خير من النوم مرتين» قال اليعمري: وهذا إسناد صحيح.
وعن أنس ﵁ أنه قال: «من السنة إذا قال المؤذن في الفجر حي على الفلاح قال: الصلاة خير من النوم» (^٤).
_________________
(١) رواه مسلم (٨٦٨)، والنسائي (٦٣١).
(٢) أخرجه ابن حبان (٤/ ٥٧٨) رقم (١٦٨٢)، وأبو داود (١/ ١٣٦) رقم (٥٠٠)، والبيهقي (١/ ٤٢١) رقم (١٨٣١).
(٣) التشويب: إعادة الصوت يقال: نادى فلان ثم ثوب يريد: أعاد النداء وقد ورد في الشرع؛ بمعنى: الرجوع إلى التشهد في الأذان؛ لأنه رجوع إلى الأذان.
(٤) رواه ابن خزيمة (٣٨٦) بسند صحيح. وصحح إسناده البيهقي. انظر: بلوغ المرام (١٤٤). قال ابن سيد الناس اليعمري: وهو إسناد صحيح.
[ ١ / ٣٣٧ ]
(الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله مرة واحدة) غير مكررة (والإقامة)؛ أي: صفتها أنها (وتر)؛ يعني: ما عدا التكبير الأول والثاني (وهي: الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله مرة واحدة) لحديث: أمر بلال: «أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا الإقامة» البخاري (^١)، وقوله إلا الإقامة؛ أي: إلا قد قامت الصلاة فإنها مثنى.
قال العلماء: والحكمة في تكرير الأذان وإفراد ألفاظ الإقامة هي: أن الأذان لإعلام الغائبين، فاحتيج إلى التكرير، ولذا يشرع فيه رفع الصوت، وأن يكون على محل مرتفع، بخلاف الإقامة، فإنها لإعلام الحاضرين، فلا حاجة إلى تكرير ألفاظها؛ ولذا شرع فيها خفض الصوت والحدر، وإنما كررت جملة «قد قامت الصلاة» لأنها مقصود الإقامة، وما ذكره المصنف من إفراد الإقامة هو المذهب.
• تحذير وتبصير:
إن الأذان دعوة للتوحيد، وشعار أهل الإسلام والإيمان، ولذا كان لزاما على المؤذنين أن يعتنوا بأحكامه، وأن يجتنبوا اللحن المشين برونقه وصفائه، وكثيرا ما تسمع بعض المؤذنين يلحنون لحنا فاحشا قد يؤدي بصاحبه إلى الكفر والعياذ بالله تعالى، ولهذا كان الأولى بالمسؤولين عن المساجد أن لا يرتبوا على هذه المهنة العظيمة إلا من كان أهلا لها من أهل الفقه والعربية السليمة، ولا سيما إن النبي ﷺ قال: «الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن» (^٢)، وهذه الأغاليط ليست جديدة نبه الإمامان القرافي والزركشي رحمهما الله تعالى: (ليحترز من أغلاط يستعملها المؤذنون:
أحدها: مد الهمزة من أشهد فيخرج من الخبر إلى الاستفهام. ثانيها: مد الباء من أكبر فينقلب المعنى إلى جمع كبر وهو الطبل.
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أبو داود (٥١٧)، والترمذي (٢٠٧).
[ ١ / ٣٣٨ ]
ثالثها: الوقف على إله ويبتدئ: إلا الله، فربما يؤدي إلى الكفر.
رابعها: [عدم] إدغام الدال (أي: تنوينها) من محمد في الراء من رسول وهو لحن خفي عند القراء.
وبعضهم ينصب خبر أن: أي: رسول الله وهو مرفوع.
خامسها: أن لا ينطق بالهاء من الصلاة فيصير دعاء إلى النار، لأن الصلا بالمد من غير هاء النار.
سادسها: أن يفتح الراء في أكبر الأولى أو يفتحها ويسكن الثانية.
سابعها: مد الألف من اسم الله ومن الصلاة، والفلاح، فإن مده مدا زائدا على ما تكلمت به العرب لحن.
ثامنها: (قلب الألف هاء من الله) (^١).
تستحب الطهارة للأذان وليست شرطا له، والكراهة في الجنب شديدة وفي الإقامة أشد.
ويشترط في المؤذن أن يكون: «مسلما، عاقلا، ذكرا، بالغا، وفي العتبية قال مالك: لا يؤذن الصبي ولا يقيم، إلا أن يكون مع نساء أو بموضع لا يوجد غيره فيؤذن ويقيم» (^٢).
ويستحب أن يكون صيتا، وأنكر مالك التطريب يريد بالألحان، فكيف لو رأى زماننا.
ويستحب لمن سمع النداء أن يقول مثل ما يقول المؤذن، إلا في الحيعلتين، فيكررها معه أو يقول تارة: لا حول ولا قوة إلا بالله (^٣)، لأن العبد
_________________
(١) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٥٦)، وإعلام الساجد (٣٦٧ - ٣٦٨)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٩٠)، وعن الأخيرين نقل صاحب المناهي اللفظية، وانظر: كتابنا: العرف الناشر (ص ١٤٧).
(٢) البيان والتحصيل (١/ ٤٨٦)، والمذهب (١/ ٢٤٩)، وفيه قولان كما قال زروق (١/ ٤٢٩).
(٣) وهو المشهور عند الجمهور كما قال الحافظ في الفتح (٢/ ١٠٩)، وقال ابن المنذر: فيحتمل أن يكون من الاختلاف المباح فيقول تارة كذا وتارة كذا.
[ ١ / ٣٣٩ ]
لا طاقة له أن يستجيب لكل نداء لكنه حينما يجعل ذلك الله فإنه يعينه ويقويه.
وكذلك عقب الإقامة لأنها أذان وعلى من يسمع الإقامة مثل ما على من يسمع الأذان من الإجابة والصلاة على النبي ﷺ وطلب الوسيلة له وذلك لعموم قوله ﷺ: «إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة» (^١)، ولأن الإقامة آذان لغة وكذلك شرعا لقوله ﷺ: «بين كل أذانين صلاة …» (^٢).
قال الحافظ في شرح الحديث: أي: أذان وإقامة. قال:
«وتوارد الشراح على أن هذا من باب التغليب كقولهم: القمرين للشمس والقمر، ويحتمل أن يكون أطلق على الإقامة أذان، لأنها إعلام بحضور فعل الصلاة كما أن الأذان إعلام بدخول الوقت ولا مانع من حمل قوله: (أذانين) على ظاهره» (^٣).
_________________
(١) رواه مسلم (٣٨٤).
(٢) البخاري (٦٢٤)، ومسلم (٨٣٨).
(٣) الفتح (٢/ ١٢٦).
[ ١ / ٣٤٠ ]
الصلاة وأحكامها
باب في صفة العمل في الصلوات المفروضة وما يتصل بها من النوافل والسنن
o صفة الصلاة:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والإحرام (^١) في الصلاة أن تقول: الله أكبر، لا يجزئ غير هذه الكلمة، وترفع يديك حذو منكبيك أو دون ذلك، ثم تقرأ فإن كنت في الصبح قرأت جهرا بأم القرآن، لا تستفتح ببسم الله الرحمن الرحيم في أم القرآن ولا في السورة التي بعدها فإذا قلت ولا الضالين، فقل آمين، إن كنت وحدك، أو خلف إمام، وتخفيها، ولا يقولها الإمام فيما جهر فيه، ويقولها فيما أسر فيه، وفي قوله إياها في الجهر اختلاف.
ثم تقرأ سورة من طوال المفصل، وإن كانت أطول من ذلك فحسن بقدر التغليس وتجهر بقراءتها. فإذا تمت السورة كبرت في انحطاطك للركوع فتمكن يديك من ركبتيك وتسوي ظهرك مستويا ولا ترفع رأسك ولا تطأطئه وتجافي بضبعيك (^٢) عن جنبيك، وتعتقد الخضوع بذلك بركوعك وسجودك، ولا
_________________
(١) بإضافة (الواو) في نسخة الحلبي.
(٢) بضبعيك: أي: باطن ذراعيك.
[ ١ / ٣٤١ ]
تدعو في ركوعك وقل إن شئت: سبحان ربي العظيم وبحمده، وليس في ذلك توقيت قول ولا حد في اللبث.
ثم ترفع رأسك وأنت قائل: سمع الله لمن حمده ثم تقول: اللهم ربنا ولك الحمد إن كنت وحدك، ولا يقولها الإمام، ولا يقول المأموم: سمع الله لمن حمده، ويقول: اللهم ربنا ولك الحمد، وتستوي قائما مطمئنا مترسلا.
ثم تهوي ساجدا لا تجلس، ثم تسجد وتكبر في انحطاطك للسجود، فتمكن جبهتك وأنفك من الأرض، وتباشر بكفيك الأرض باسطا يديك مستويتين إلى القبلة تجعلهما حذو أذنيك أو دون ذلك، وكل ذلك واسع غير أنك لا تفترش ذراعيك في الأرض ولا تضم عضديك إلى جنبيك، ولكن تجنح بهما تجنيحا وسطا، وتكون رجلاك في سجودك قائمتين، وبطون إبهاميهما إلى الأرض وتقول إن شئت في سجودك سبحانك ربي ظلمت نفسي وعملت سوءا فاغفر لي أو غير ذلك إن شئت، وتدعو في السجود إن شئت، وليس لطول ذلك وقت وأقله أن تطمئن مفاصلك متمكنا.
ثم ترفع رأسك بالتكبير فتجلس فتثني رجلك اليسرى في جلوسك بين السجدتين، وتنصب اليمنى وبطون أصابعها إلى الأرض، وترفع يديك عن الأرض على ركبتيك، ثم تسجد الثانية كما فعلت أولا.
ثم تقوم من الأرض كما أنت معتمدا على يديك، لا ترجع جالسا لتقوم من جلوس، ولكن كما ذكرت لك وتكبر في حال قيامك.
ثم تقرأ كما قرأت في الأولى أو دون ذلك وتفعل مثل ذلك سواء).
الشرح
(باب) في بيان (صفة العمل قولا وفعلا في الصلوات المفروضة و) في بيان (ما يتصل بها من النوافل) كالركوع قبل الظهر والركوع بعده، وقبل العصر وبعد المغرب، وبعد العشاء، (و) ما يتصل بها أيضا من (السنن) احترز
[ ١ / ٣٤٢ ]
المصنف بقوله: وما يتصل بها من السنن عن السنن التي لا تتصل بالصلوات المفروضات فإنه لا يذكرها في هذا الباب، بل يفرد لها أبوابا غير هذا.
وقد اشتملت الصفة التي ذكرها على فرائض وسنن وفضائل ولم يميزها، وسنبين كلا من ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
ويؤخذ من كلامه أن من أتى بصلاته على نحو ما رتب ولم يعلم شيئا من فرائض الصلاة ولا من سننها وفضائلها أن صلاته صحيحة إن كان يعتقد أن فيها فرائض وسننا ومستحبات، وأما لو اعتقد أن كلها سنن أو مندوبات أو الفرض سنة أو مندوب فتبطل، وأما إذا اعتقد أنها كلها فرائض فتصح فيما يظهر إذا سلمت مما يفسدها، وكذا لو اعتقد أن السنة أو الفضيلة فرض أو السنة مستحب أو العكس، بشرط السلامة مما يفسد، وكذا إن كان أخذ وصفها عن عالم بأن رآه يفعل أو علمه كيفية الفعل، وقيل تبطل إن لم يعرف المكلف أحكام ما اشتملت عليه، ولذا قال بعضهم: إن حاجتنا إلى معرفة الأحكام آكد من حاجتنا إلى معرفة الصفة (^١).
وأول شيء ينبغي للعبد فعله بعد تحصيل شروط الصلاة أن ينوي فعل تلك العبادة مع تمييزها وذلك لقول النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» ثم بعد النية عليه أن يستقبل القبلة لقوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٤٩] ولقوله ﷺ للمسيء صلاته: «استقبل القبلة وكبر» (^٢)، لقوله ﷺ: «صل قائما» كما في حديث عمران بن حصين ﵁ (^٣)، فإذا فعل ذلك أتى بتكبيرة (الإحرام) وهل ذكر المصنف للإحرام هو: النية أو التكبير أو هما مع الاستقبال رجح الأجهوري الأخير، فالإضافة على الأول في قولهم تكبيرة الإحرام من إضافة المصاحب
_________________
(١) الثمر الداني (١٠٢).
(٢) البخاري موصولا ومعلقا في صحيحه. انظر: الحديث رقم (٦١٧٤)، وأخرجه مسلم (٤٦).
(٣) البخاري (١١١٧)، وأبو داود (٩٥٢)، والنسائي (٢/ ٣/ ٢٢٤)، والترمذي (٣٧٢).
[ ١ / ٣٤٣ ]
للمصاحب، وعلى الثاني بيانية، وعلى الثالث من إضافة الجزء للكل؛ أي: أن أول الصفة الإحرام وهو الدخول في الصلاة فرضا كانت أو نفلا بالتكبير وهو (أن تقول الله أكبر) بالمد الطبيعي للفظ الجلالة قدر ألف فإن تركه لم يصح إحرامه لحديث المسيء صلاته عن النبي ﷺ أنه قال له: «إذا قمت إلى الصلاة، فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» (^١).
كما أن الذاكر لا يكون ذاكرا إلا به و(لا يجزئ غير هذه الكلمة) (^٢) لما في حديث رفاعة بن رافع في قصة المسيء صلاته أخرجه أبو داود بلفظ: «لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء مواضعه، ثم يكبر» (^٣).
وهذا فيمن كان يحسن العربية أما من لا يحسنها فقال عبد الوهاب: يدخل بالنية دون العجمية (^٤).
والتكبير فرض في حق الإمام والفذ بالاتفاق، وفي حق المأموم على المشهور، فلو ترك الإمام تكبيرة الإحرام عامدا أو ساهيا بطلت صلاته وصلاة من خلفه، ويشترط في التكبير القيام لغير المسبوق اتفاقا، فإن تركه في الفرض بأن أتى به جالسا أو منحنيا أو مستندا لعماد بحيث لو أزيل لسقط بطلت صلاته.
وأما المسبوق ففي «المدونة» (^٥) إذا كبر للركوع ونوى به العقد؛ أي:
_________________
(١) البخاري (٧٥٧، ٧٩٣).
(٢) انظر: الإشراف (١/ ٢٢٤).
(٣) رواه الطبراني في الكبير (٤٣٩٩)، ورجاله رجال الصحيح، والهيثمي في المجمع (١٢٤/ ٢) رقم (٢٦٠٥) قال الحافظ: «هو في السنن الأربعة غير لفظ: الله أكبر» وإنما ورد فيها يكبر.
(٤) المذهب (١/ ٢٥٢)، الإشراف (١/ ٢٢٧).
(٥) المدونة (١/ ٦٣)، وانظر: المسالك لابن العربي (٢/ ٣٤١).
[ ١ / ٣٤٤ ]
الإحرام، أو نواه والركوع، أو لم ينوهما، لأنه ينصرف للإحرام أجزأه ذلك الركوع؛ أي: أنه يصح إحرامه، ويحتسب بهذه الركعة.
(و) إذا أحرمت فإنك (ترفع يديك)؛ أي: ندبا؛ أي: والحال أن ظهورهما إلى السماء وبطونهما إلى الأرض وهي هيئة الراهب، والعكس للراغب (حذو)؛ أي: إزاء (منكبيك) تثنية منكب بوزن مجلس، وهو مجمع عظم العضد والكتف، وقيل انتهاؤه إلى الصدر (^١)، وإليه أشار بقوله: (أو دون ذلك)؛ أي: دون المنكب (^٢)، فأو في كلامه للتنويع لا للشك لحديث وائل ﵁ في رواية عنه: «فرأيته يرفع يديه إذا افتتح الصلاة حتى يحاذي منكبيه» (^٣).
وعن مالك بن الحويرث ﵁ أن رسول الله ﷺ: «كان إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه» (^٤)، وفي رواية له: «حتى يحاذي بهما فروع أذنيه» (^٥).
قال الحافظ (^٦): روى أبو ثور عن الشافعي أنه جمع بينهما فقال: يحاذي بظهر كفيه المنكبين، وبأطراف أنامله الأذنين اهـ.
والرجل والمرأة في هذا الحكم مستويان، ولم يرد ما يدل على التفرقة؛ وإن كان قول الفقهاء (^٧) أن المرأة ترفع أخفض من الرجل والله أعلم.
واختلف في حكم هذا الرفع، فمن ذاهب إلى أنه سنة، ومن ذاهب إلى أنه فضيلة، وهو المعتمد (^٨). وظاهر كلام المصنف أن هذا الرفع مختص
_________________
(١) قال ابن العربي: وليس بشيء، المسالك (٢/ ٣٤٧).
(٢) المعونة (١/ ٢١٥)، والإشراف (١/ ٢٣٠) للقاضي، والمذهب (١/ ٢٦٠).
(٣) النسائي (١/ ٢/ ٢٣٦)، والبخاري (٨٢٨) من حديث أبي حميد، ومالك في الموطأ (١/ ٢٣٦).
(٤) البخاري (٧٣٧)، ومسلم (٨٦٣).
(٥) البخاري (٨٦٤).
(٦) الفتح (٢/ ٢٥٩).
(٧) النوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني (١/ ١٧٠).
(٨) مواهب الجليل (٢/ ٣٢٠).
[ ١ / ٣٤٥ ]
بتكبيرة الإحرام وهو كذلك على المشهور، ومقابله يرفعهما عند الركوع وعند الرفع منه وعند القيام من اثنتين وقد ورد في السنة ما يدل على ذلك وفيه فضل عظيم نقل ابن عبد البر عن ابن عمر ﵁ أنه قال: «رفع اليدين من زينة الصلاة» (^١)، وعن عقبة بن عامر قال: «بكل رفع عشر حسنات، بكل إصبع حسنة» (^٢)، وعن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه: «أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة وإذا كبر للركوع وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما، كذلك أيضا وقال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد وكان لا يفعل ذلك في السجود» (^٣).
مسألة في حكم القبض في الصلاة:
(ثم) بعد أن تفرغ من التكبير، تضع يدك اليمنى على اليسرى، لأنها الصفة المستحبة، والراجح أن من فعل القبض استنانا فلا كراهة قولا واحدا، وقد حقق كثير من أهل العلم مسألة السدل، وألفت في القبض كتب (^٤)، قال شيخ مشايخنا محمد الملقب بداه بن البوصيري رحمه الله تعالى: لم يلف حديث واحد ولو ضعيفا يصلح أن يكون حجة لأهل السدل، وحاصل المذهب في ذلك عن ابن عرفة كما في «البغية» (^٥) ما نصه: وفي إرسال يديه ووضع اليمنى على اليسرى أربعة مذاهب:
الأول: استحبابه في الفرض والنفل … ثم ذكر بقيتها.
_________________
(١) تمهيد (٩/ ٢٢٥).
(٢) فتح الباري (٢/ ٢١٨).
(٣) مالك (٢٤٥/ ٦٨)، والبخاري من طريقه (٧٣٥).
(٤) منها رسالة: «نصرة القبض والرد على من أنكر مشروعيته في صلاة الفرض» لمحمد بن أحمد المسناوي المالكي، ط: دار ابن حزم، وانظر: الصوارم والأسنة في الذب عن السنة للعلامة المحدث المالكي محمد بن أبي مدين الشنقيطي (١٩ - ٦١)، ط: دار الكتب العلمية، وانظر: شفاء الصدر بأري المسائل العشر للعلامة محمد بن علي السنوسي الخطابي الجزائري (٢٣ - ٣٥)، ط: دار الإمام مالك (١٤٢٢ هـ/ ٢٠٠١ م).
(٥) البغية (١٠٦).
[ ١ / ٣٤٦ ]
قال: وفي شرح المواق (^١) على مختصر خليل ما نصه: في رواية أشهب عن مالك أن وضع اليد على الأخرى مستحب في الفريضة والنافلة (^٢) ابن رشد: وهذا هو الأظهر لأن الناس كانوا يؤمرون به في الزمان الأول (^٣).
قال القباب (^٤) في شرح قواعد عياض قال اللخمي: إن القبض أحسن للحديث الثابت عن النبي ﷺ في البخاري وسيأتي (^٥)، ومسلم (^٦)، ولأنها وقفة العبد الذليل لربه. ومن الأحاديث المثبتة لسنيته ما رواه مالك في «الموطأ» عن سهل بن سعد ﵁ قال: «كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة» قال أبو حازم لا أعلمه إلا ينمي ذلك إلى النبي ﷺ قال إسماعيل: ينمى ذلك ولم يقل ينمي (^٧)، قال الزرقاني: أي يرفعه إلى النبي ﷺ.
وهو مصطلح معروف عند أهل الحديث ولك أن تنظر المرفوع في كتب المصطلح (^٨).
_________________
(١) المواق (؟ - ٨٩٧ هـ) هو: محمد بن يوسف بن أبي القاسم بن يوسف العبدري، قيل: العبدوسي، الغرناطي، أبو عبد الله، المعروف بالمواق، من أهل غرناطة. فقيه مالكي، من تصانيفه: التاج والإكليل شرح مختصر خليل في الفقه، وسنن المهتدين في مقامات الدين نيل الابتهاج (ص ٣٢٤).
(٢) التاج والإكليل (١/ ٥٣٦).
(٣) المقدمات (١/ ٦٤)، ط: دار الغرب، ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م. انظر: أسنى المسالك في أن من عمل بالراجح ما خرج عن مذهب مالك.
(٤) القباب (٧٢٤ - ٧٧٨ هـ/ ١٣٢٤ - ١٣٧٧ م): أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن الجذامي الفاسي، أبو العباس الشهير بالقباب فقيه مالكي، قاض مولده ووفاته بفاس، من مؤلفاته «شرح قواعد الإسلام للقاضي عياض وغيره»، وشجرة النور الزكية (٢٣٥).
(٥) كتاب الأذان، باب: وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة (٧٤٠)، وانظر: الفتح (٢/ ٢٢٤).
(٦) كتاب الصلاة (٤٠١).
(٧) مالك في الموطأ (١/ ٤٥٥)، والبخاري (٧٤٠).
(٨) قال السيوطي في ألفية الأثر: وليعط حكم الرفع في الصواب … نحو من السنة من صحابي كذا أمرنا، وكذا كنا نرى … في عهده أو عن إضافة عرى
[ ١ / ٣٤٧ ]
ومنها حديث وائل بن حجر ﵁ «أنه رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر حيال أذنيه ثم التحف بثوبه ثم وضع يده اليمنى على اليسرى … الحديث»، وفي رواية: «على يده اليسرى على صدره» (^١).
قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى (^٢): لم تختلف الآثار عن النبي ﷺ في هذا الباب، ولا أعلم عن أحد من الصحابة في ذلك خلافا إلا شيء روي عن ابن الزبير أنه كان يرسل يديه إذا صلى، وقد روي عنه خلافه مما قدمنا ذكره عنه، وذلك قوله ﵁: وضع اليمين على الشمال من السنة، وعلى هذا جمهور التابعين، وأكثر فقهاء المسلمين من أهل الرأي والأثر .. اهـ.
قال العلماء (^٣) والحكمة في القبض: أنه على صفة السائل الذليل، وهو أمنع من العبث، وأقرب للخشوع ومن اللطائف قول بعضهم: القلب موضع النية والعادة أن من احترز على حفظ شيء جعل يديه عليه.
ثم بعد وضعك لليدين (تقرأ)؛ أي: تتبع التكبير بالقراءة من غير أن تفصل بينهما بشيء، قال ابن القاسم (^٤) عن مالك ﵀ في القول بعد الإحرام: سبحانك اللهم ربنا ولك الحمد، قال: قد سمعت ذلك يقال، وما به من بأس لمن أحب أن يقوله، قيل فالإمام يكبر فقط ثم يقرأ؟ قال: نعم.
وقال ابن العربي: «وقول ذلك أحسن، والافتتاح بالذكر أجمل، وقد روي عن مالك في مختصر ما ليس في المختصر» أنه كان يقول كلمات عمر، وكلمات النبي ﷺ أولى وأحق (^٥).
ودعاء الاستفتاح ثابت عن النبي ﷺ فعن أبي هريرة قال: «كان رسول الله ﷺ إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة قبل القراءة، فقلت: يا رسول الله
_________________
(١) رواه مسلم (٨٩٤)، وروى ابن خزيمة في صحيحه (٤٧٩).
(٢) التمهيد (٧٤/ ٢٠).
(٣) الفتح (٢/ ٢٦٢ - ٢٦٣)، والمنهاج للنووي (٢/ ٣٣٥).
(٤) المرجع السابق (ص ١٧١).
(٥) المسالك في شرح موطأ مالك لابن العربي (٢/ ٣٦٤).
[ ١ / ٣٤٨ ]
بأبي أنت وأمي أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد» (^١)، وهناك آثار أخر يمكن تنويع الاستفتاح بها.
ومن ترك القبض والاستفتاح فلا شيء عليه إن شاء الله تعالى ما لم يكن راغبا عن سنة النبي ﷺ نعوذ بالله من ذلك. لطيفة: قال شيخنا بداه البوصيري رحمه الله تعالى: إن مثل المالكية في إتيانهم بدعاء الاستفتاح قبل تكبيرة الإحرام لا بعدها، كمثل الأعمى الذي يريد أن يبصق فيحفر حفرة ثم يتفل خارجها ويدفن الحفرة.
• مسألة قراءة الفاتحة والبسملة في الصلاة:
(فإن كنت في) صلاة (الصبح قرأت جهرا بأم القرآن) (^٢) أما قراءة أم القرآن ففرض في الصبح وغيرها من الصلوات المفروضات على الإمام والفذ، لحديث عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (^٣)، وفي رواية من حديث عبادة ﵁: «أن النبي ﷺ ثقلت عليه القراءة في الفجر فلما فرغ قال لعلكم تقرؤون خلف إمامكم قلنا نعم قال فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها» (^٤)، وهو دليل راجح على وجوبها على المأموم في الصلاة الجهرية.
وما أجمل ما رواه عبد الرزاق عن سعيد بن جبير قال: «لا بد من أم
_________________
(١) رواه البخاري (٧٤٤)، ومسلم (١٣٣)، وأبو داود (٧٨١).
(٢) أم القرآن: أحد أسماء الفاتحة، وسميت به لأنها تشتمل على المقاصد الأساسية للكتاب العزيز. ولها أسماء كثيرة أوصلها القرطبي في تفسيره إلى اثني عشر اسما (١/ ١١١)، وذكر الألوسي في روح المعاني أن بعض العلماء أوصلها إلى نيف وعشرين اسما وعددها هناك (١/ ٣٧).
(٣) رواه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٨٧٢).
(٤) رواه البخاري في جزء القراءة، والترمذي (٣١١)، وحسنه، وأبو داود (٨٢٣).
[ ١ / ٣٤٩ ]
القرآن ولكن من مضى كان الإمام يسكت ساعة قدر ما يقرأ المأموم بأم القرآن» (^١). فلو كان الأئمة يفعلون ذلك لزال الحرج عن المأمومين.
وهل في كل ركعة تجب قراءتها أو في الجل؟ قولان لمالك في «المدونة» (^٢). والصحيح منهما وجوبها في كل ركعة، قاله ابن الحاجب (^٣).
وأما المأموم فمستحبة في حقه فيما أسر فيه الإمام، وقال الإمام ابن العربي: ولعلمائنا في ذلك ثلاثة أقوال: الأول: يقرؤها إذا أسر خاصة قاله ابن القاسم.
الثاني: قال ابن وهب وأشهب في كتاب محمد: لا يقرأ.
الثالث: قال محمد بن عبد الحكم: يقرؤها خلف الإمام، فإن لم يفعل أجزأه، كأنه رأى ذلك مستحبا، والمسألة عظيمة الخطر، وقد أمضينا القول في مسائل الخلاف في دلائلها بما فيه غنية.
والصحيح عندي وجوب قراءتها فيما يسر، وتحريمها فيما جهر إذا سمع قراءة الإمام، لما عليه من فرض الإنصات له، والاستماع لقراءته … والله أعلم (^٤).
تنبيه:
تجب القراءة بحركة اللسان لا بما يفعله بعض المصلين من جريانها على قلبه، لأن كل من وصف قراءة النبي ﷺ في السر دلل عليها باضطراب لحيته الشريفة، ولا تضطرب إلا بحركة الفكين فانتبه لهذا، ولذلك لا بد من حركة اللسان لا بما يمره على قلبه فلا يسمى قراءة.
وأما كون القراءة في صلاة الصبح جهرا سنة فلحديث أم هشام بنت حارثة بن النعمان ﵄ قالت: «ما أخذت ق والقرآن المجيد إلا من وراء
_________________
(١) الفتح (٢/ ٣٤٣).
(٢) المدونة (١/ ٦٥)، ما جاء في ترك القراءة في الصلاة.
(٣) انظر: المذهب (١/ ٢٥٢)
(٤) أحكام القرآن لابن العربي، المسألة الثانية: أقوال العلماء في قراءة المأموم الفاتحة (١/ ٥)، ط: دار المعرفة، بيروت.
[ ١ / ٣٥٠ ]
رسول الله ﷺ، كان يصلي بها في الصبح» (^١).
وإذا قرأت في صلاة الصبح أو غيرها من الصلوات المفروضات فـ (لا تستفتح) القراءة فيها ببسم الله الرحمن الرحيم مطلقا (لا في أم القرآن ولا في السورة التي بعدها) لا سرا ولا جهرا إماما كنت أو غيره، والنهي في كلامه للكراهة واستدل بحديث حميد الطويل عند مالك: عن أنس بن مالك أنه قال: قمت وراء أبي بكر وعمر وعثمان فكلهم كان لا يقرأ «بسم الله الرحمن الرحيم» إذا افتتحوا الصلاة (^٢)، وبما صح أن عبد الله بن مغفل قال: سمعني أبي وأنا أقول بسم الله الرحمن الرحيم فقال: «يا بني إياك والحدث؛ أي: إياك وأن تحدث شيئا لم يكن عليه المصطفى ﷺ وأصحابه. قال عبد الله مغفل: ولم أر من أصحاب رسول الله ﷺ رجلا أبغض إليه حدثا في الإسلام منه أي لم أر رجلا موصوفا بأشدية بغضه للحدث منه؛ أي: من أبي؛ أي: بل أبي أشد الصحابة بغضا للحدث … . إلخ» (^٣) وقال: حديث عبد الله بن مغفل حديث حسن، والحقيقة أن البسملة في الفاتحة من المسائل التي وقع فيها كلام كثير، ورجح كل فريق قوله بما ظهر له من الأدلة ذكرناها في أصل هذا المختصر فانظره إن شئت.
قال العلامة يحيى بن أحمد فال الشنقيطي:
الأفضل أن يبسمل المصلي … سرا بفرضه إذا يصلي
• التأمين عقب الفاتحة:
(فإذا قلت: ولا الضالين، فقل): على جهة الاستحباب (آمين) بالمد مع التخفيف اسم فعل أمر بمعنى استجب وفيها لغات جمعها ثعلب في الفصيح ونظمها ابن المرحل في نظمه للفصيح فقال:
_________________
(١) رواه أحمد (٦/ ٤٦٣)، والنسائي (١/ ٢/ ١٥٧).
(٢) الموطأ (٢١٤)، المسالك (٢/ ٣٦٠ - ٣٦١).
(٣) رواه الترمذي، باب: ما جاء في ترك الجهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم)، وأبو داود (٧٨٢) بلفظ قريب.
[ ١ / ٣٥١ ]
وإن دعا الإنسان قل أمينا … بالقصر يحكى وزنه ثمينا
قال جبير وهو ابن الأضبط … في الأسدي فطحل فلتضبط
مني تباعد اللئيم فطحل … لما رآني قد أتيت أسأل
آمين زاد الله بعدا بيننا … كما أراد بعدنا وبيننا
قال وإن شئت فقل آمينا … بألف تمدها تمكينا
قال الفتى المجنون في ليلى التي … أولته من طول الهوى ما أولتي
يا رب لا تسلب فؤادي أبدا … حب التي لم تبق عندي جلدا
ويرحم الرحمان عبدا قالا … آمين في دعائه ابتهالا
قال ولا تشددن الميما … كي لا تكون مخطئا مليما (^١)
وسواء (إن كنت تصلي (وحدك) في صلاة سرية أو جهرية (أو) كنت تصلي (خلف إمام) صلاة سرية أو جهرية إن سمعته يقول ولا الضالين فقل آمين لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قال الإمام: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ [الفاتحة: ٧] فقولوا: آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» (^٢).
(و) لا تجهر بها بل تخفيها) في الحالتين ولو كانت الصلاة جهرية؛ أي: فيكره الجهر ويندب الإخفاء لحديث علقمة بن وائل عن أبيه أنه قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ، فلما قرأ: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ قال: «آمين» وأخفى بها صوته …» (^٣)، ووهم الرواية الغماري فقال: ويؤيد كونها وهما ورود الأحاديث الكثيرة الصحيحة بالجهر (^٤).
_________________
(١) متن موطأة الفصيح (ص ١٦٠ - ١٦١).
(٢) رواه مالك في الموطأ (١/ ٢٦٢)، والبخاري (٧٨٢)، ومسلم (٩١٩)، وأبو داود (٩٣٥).
(٣) رواه أحمد (١٨٨٥٤)، والدارقطني (١٢٨٥)، والحاكم والطبراني في الكبير (١٧٥٧٦)، وأبو يعلى لكن قال الدارقطني: إن شعبة وهم فيه وأن الثوري رواه عن شيخ شعبة فقال: ورفع بها صوته. انظر: تحفة الأحوذي (٢/ ٦٧).
(٤) مسالك الدلالة (٥٨).
[ ١ / ٣٥٢ ]
(ولا يقولها الإمام فيما جهر)؛ أي: أعلن (فيه) والظاهر الكراهة، لما روى علقمة والأسود عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «ثلاث يخفيهن الإمام: الاستعاذة وبسم الله الرحمن الرحيم وآمين» (^١) إن صح عنه ذلك، وقال عبد الوهاب في تأمين الإمام روايتان (^٢).
(ويقولها فيما أسر)؛ أي: أخفى (فيه) اتفاقا الإمام والمأموم وكذا الفذ.
وقوله: (وفي قوله إياها في الجهر اختلاف) قال ابن العربي: لم يختلف أصحابنا في أن الإمام يؤمن في صلاة السر لأنه دعاء عرا عن مؤمن.
وفي الجهر ثلاثة أقوال:
الأول: المنع لابن القاسم لما في «الصحيحين» إذا قال الإمام ﴿ولا الضالين﴾ فقولوا آمين.
الثاني: الجواز وهي رواية عن عبد الملك بن حبيب لقوله ﷺ: «إذا أمن الإمام فأمنوا» ولأنه ﵇ كان يقول آمين كما مر قريبا.
الثالث: التخيير وهو قول ابن بكير جمعا بين الأخبار (^٣).
(ثم) إذا فرغت من قراءة أم القرآن جهرا (تقرأ) بعدها (سورة) كذلك جهرا لا تفصل بينهما بدعاء ولا غيره. وحكم قراءة السورة كاملة بعد أم القرآن الاستحباب لحديث سليمان بن يسار عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: «ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان - قال سليمان - كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ
_________________
(١) الإنصاف لابن عبد البر، ذكر الأخبار التي احتج بها من أسقط بسم الله الرحمن الرحيم، وانظر: نيل الأوطار للشوكاني (٢/ ٢٣٢)؛ وقال المباركفوري في التحفة، باب: ما جاء في التأمين: هذا مخالف للأحاديث المرفوعة الصحيحة فلا يلتفت إليه. قال الفاضل اللكنوي في السعاية: أما أثر النخعي ونحوه فلا يوازي الروايات المرفوعة. انتهى.
(٢) انظر: الإشراف، ففيه أدلة الروايتين (١/ ٢٣٦).
(٣) وبعض ما هنا لابن العربي في أحكام القرآن (١/ ٧)، والمسالك (٢/ ٣٨١)، وانظر: مبحث التأمين في كتاب شفاء الصدر للسنوسي (٦٠ - ٦١).
[ ١ / ٣٥٣ ]
في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل، ويقرأ في الصبح بطول المفصل" (^١).
والسنة مطلق الزيادة على أم القرآن ولو آية أو بعض آية له بال كآية الدين، ويؤخذ من قوله: سورة أنه لا يقرأ سورتين في الركعة الواحدة وهو الأفضل للإمام والفذ، ولا بأس بذلك للمأموم والسورة التي تقرأ في الصبح تكون (من طوال المفصل) بكسر الطاء المهملة لحديث مالك عن عمه أبي سهيل عن أبيه: «أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى أبي موسى أن صل الظهر، إذا زاغت الشمس والعصر والشمس بيضاء نقية، قبل أن يدخلها صفرة. والمغرب إذا غربت الشمس، وأخر العشاء ما لم تنم. وصل الصبح، والنجوم بادية مشتبكة. واقرأ فيها بسورتين طويلتين من المفصل» (^٢)، وروى البيهقي (^٣) أنه كان من هديه ﷺ أنه مرة يطيل ومرة يقصر». وإن كان الغالب في الصبح الإطالة.
وأول المفصل الحجرات على القول المرتضى ومقابله أقوال: قيل: من الشورى، وقيل من الجاثية، وقيل من الفتح، وقيل من النجم، وطواله إلى عبس؛ والغاية خارجة ومتوسطاته من عبس إلى والضحى، ثم من الضحى إلى الختم، وسمي مفصلا لكثرة الفصل فيه بالبسملة.
(وإن كانت) السورة التي تقرأ في الركعة الأولى من صلاة الصبح (أطول من ذلك فحسن)؛ أي: من السورة التي من طوال المفصل لما ورد أنه ﷺ «كان النبي ﷺ يصلي الصبح وأحدنا يعرف جليسه، ويقرأ فيها ما بين الستين إلى المائة …» (^٤).
_________________
(١) رواه النسائي (٢/ ١٦٧)، ق (٨٢٧)، وإسناده صحيح، الفتح (٢/ ٢٩٠). قال الحافظ: وصححه ابن خزيمة.
(٢) رواه مالك في الموطأ (٦).
(٣) البيهقي في السنن (٥٤٩٠).
(٤) أخرجه البخاري (٥١٦)، ومسلم (٤٦١).
[ ١ / ٣٥٤ ]
والتطويل إنما هو في حق إمام بقوم محصورين يرضون بذلك، أو منفرد يقوى على ذلك، وإلا فالأفضل عدم التطويل، وظاهر عبارته أن السنة لا تحصل إلا بقراءة سورة من طوال المفصل، وأن الاستحباب إنما هو فيما زاد وليس كذلك، بل السنة تحصل ولو بقراءة آية (بقدر التغليس) وهو اختلاط الظلمة بالضياء والضياء بالظلمة بحيث لا يبلغ الإسفار الحديث عائشة ﵂ قالت: «كن نساء المؤمنات يشهدن مع النبي ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس» (^١) وفي رواية: «ولا يعرف بعضهن بعضا» (^٢)، فدل على أن النبي ﷺ كان ينفتل من صلاته بقدر التغليس والله أعلم.
ويفهم من كلامه أنه إذا لم يكن تغليس لا يطول؛ (وتجهر بقراءتها)؛ أي: يسن أن تجهر بقراءة السورة التي مع أم القرآن فإن حكمهما واحد في الجهر كما سبق في أحاديث بينت قراءة النبي ﷺ في الصبح.
(فإذا تمت السورة التي مع أم القرآن (كبرت في) حال (انحطاطك)؛ أي: انحنائك إلى الركوع) لحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع» (^٣)، قال الترمذي: والعمل عليه عند أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين وعليه عامة الفقهاء والعلماء اهـ (^٤).
(فتمكن يديك)؛ يعني: كفيك (من ركبتيك) لحديث المسيء صلاته «وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك» (^٥)، على جهة الاستحباب إن كانتا سالمتين، ولم يمنع من وضعهما عليهما مانع فإن كان مانع من قطع أو قصر
_________________
(١) رواه مالك في الموطأ (٤)، والبخاري (٥٥٣)، ومسلم (٢٣٢).
(٢) البخاري (٨٤٣).
(٣) البخاري (٧٣٥)، ومسلم، رقم (٣٩٠).
(٤) الترمذي (٢٥٣).
(٥) رواه أبو داود (٨٥٩) بسند صحيح، وقد تقدم حديث المسيء صلاته مجموعا من طرق.
[ ١ / ٣٥٥ ]
لم يزد في الانحناء على تسوية ظهره وليست التسوية واجبة، بل هي مستحبة إذ الواجب مطلق الانحناء، وحيث كان الأكمل وضع يديه على ركبتيه فيندب له تفرقة أصابعهما لما أخرجه الحاكم والبيهقي أنه «كان إذا ركع فرج بين أصابعه، وإذا سجد ضمها» (^١).
وتسوي ظهرك مستويا لما في حديث أبي حميد الساعدي ﵁ «… . وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره …» (^٢)، وفي حديث وابصة بن معبد ﵁ قال رأيت رسول الله ﷺ يصلي فكان إذا ركع سوى ظهره حتى لو صب عليه الماء لاستقر (^٣)، أي: معتدلا على جهة الندب.
(ولا ترفع رأسك ولا تطأطئه)؛ أي: ندبا لحديث عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير. والقراءة، ب ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، وكان إذا ركع لم يشخص رأسه، ولم يصوبه ولكن بين ذلك …» (^٤)، لم يشخصه؛ يعني: لم يرفعه، ولم يصوبه؛ أي: لم ينزله، ولكن بين ذلك، (وتجافي)؛ أي: تباعد - أي: ندبا فلا تبطل الصلاة بترك شيء من ذلك، بل يكره فقط - (بضبعيك) بفتح الضاد وسكون الباء؛ أي: عضديك (عن جنبيك) لما في حديث عباس بن سهل وفيه: «ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما، ووتر يديه فتجافى عن جنبيه، قال: ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته ونحى يديه عن جنبيه ..» (^٥)، وظاهر قول المصنف أنه يباعدهما جدا، ولكن يفسره قوله بعد: يجنح بهما تجنيحا وسطا.
_________________
(١) أخرجه الحاكم (٧٤٧)، وقال صحيح على شرط مسلم.
(٢) رواه البخاري (٨٢٨).
(٣) رواه ابن ماجه (٩٢١)، والطبراني في الكبير (١٤٧/ ٢٢) رقم (٤٠٠)، قال الحافظ في التلخيص: في سنده طلحة بن زيد نسبه أحمد وابن المديني إلى الوضع (٣٩٢/ ١ - ٣٩٣)، وصححه الألباني لشواهد له في الروض النضير (٧٨)، وصحيح الجامع (٤٧٣٢).
(٤) رواه مسلم (١١١٠).
(٥) رواه أبو داود (٧٣٤)، والترمذي (٢٦١).
[ ١ / ٣٥٦ ]
(وتعتقد) بقلبك (الخضوع)؛ أي: التذلل (بذلك) حكم هذا الاعتقاد الندب كما هو مشهور عند الفقهاء، وقال ابن رشد (^١): هو من فرائضها التي لا تبطل الصلاة بتركها، فهو واجب في جزء منها وينبغي أن يكون عند الإحرام وكان عمر ﵁ يقول: «إن وجه دينكم الصلاة فزينوا وجه دينكم بالخشوع» (^٢) (بركوعك وسجودك) لما في حديث عثمان ﵁: «فيصلي ركعتين، مقبل عليهما بقلبه ووجهه» (^٣): قال السيوطي (^٤): قوله: «يقبل عليهما بقلبه ووجهه» قال النووي: «جمع بهاتين اللفظتين أنواع الخضوع والخشوع لأن الخضوع في الأعضاء، والخشوع في القلب على ما قاله جماعة من العلماء، يقبل من الإقبال وهو خلاف الإدبار؛ أي: يتوجه، وأراد بوجهه ذاته؛ أي: يقبل على الركعتين بظاهره وباطنه» اهـ.
(ولا تدعو في ركوعك) لأنه يكره الدعاء في الركوع لما صح أنه ﵊ قال: «أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم» (^٥)، أي: حقيق أن يستجاب لكم، (وقل إن شئت: سبحان ربي العظيم وبحمده) وتعبير المصنف بإن شئت دال على الاستحباب خلافا لأحمد القائل بالوجوب، إذن فليس التخيير بين الفعل والترك، بل التخيير بين هذا القول وغيره من ألفاظ التسبيح، فأي لفظ قاله كان آتيا بالمندوب فمن الألفاظ الواردة فيه عن حذيفة قال: «صليت مع النبي ﷺ فكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى، … الحديث» (^٦).
ولما صح أنه كان يقول في ركوعه وسجوده: «سبوح قدوس رب
_________________
(١) تنوير المقالة (١/ ٤٨)
(٢) جامع الأصول (٣٤٨٥)، وعزاه للموطأ.
(٣) رواه مسلم (٥٧٦).
(٤) شرح السيوطي لسنن النسائي (١/ ١٣)، ط: مكتبة المعرفة.
(٥) رواه مسلم (٢٠٧)، وأبو داود (٨٧٦).
(٦) رواه أحمد (٥/ ٣٨٢)، وأبو داود (٨٧١)، والترمذي (٢/ ٤٨)، وصححه.
[ ١ / ٣٥٧ ]
الملائكة والروح» (^١)، (وليس في ذلك)؛ أي: في عدد ما يقول في الركوع والسجود (توقيت قول) (^٢)؛ أي: تحديد ما يقوله لقوله ﵊: «أما الركوع فعظموا فيه الرب» ولم يعلق ذلك بحد، لكنه ورد التوقيت ولعله لم يبلغ مالكا رحمه الله تعالى، أو بلغه ولم يثبت عنده من طريق صحيح كما في السنن وهو أن يسبح المصلي ثلاثا لما في حديث ابن مسعود ﵁ أنه ﵊ قال: «إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، فقد تم ركوعه وذلك أدناه، وإذا سجد فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات، فقد تم سجوده وذلك أدناه» (^٣).
(ولا حد في اللبث)؛ أي: المكث في الركوع يريد في أكثره؛ أي: الزائد على الطمأنينة التي هي فرض.
(ثم) إذا فرغت من التسبيح في الركوع (ترفع رأسك وأنت قائل) على جهة السنية (سمع الله لمن حمده)؛ يعني: أجاب دعاء من حمده، لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا قام في الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع ويقول سمع الله لمن حمده ولا يفعل ذلك في السجود" (^٤).
(ثم تقول) مع ذلك (اللهم ربنا ولك الحمد)؛ أي: تقبل ولك الحمد على قبولك، أو على توفيقك لي بأداء تلك العبادة، لما في الصحيح من حديث عن أبي هريرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا قال: «سمع الله لمن
_________________
(١) رواه مسلم (٢٢٣)، وأبو داود (٨٧٢).
(٢) قال ابن راشد: ولم يحده مالك كما في رواية ابن وهب. المذهب (١/ ٢٦١).
(٣) رواه أبو داود (٨٨٦)، والترمذي (٢٦١)، وابن ماجه (٨٩٠)، قال أبو داود هذا حديث مرسل، وقال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بمتصل، عون بن عبد الله بن عتبة لم يلق ابن مسعود. وضعفه ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٦٠٦).
(٤) رواه البخاري (٧٣٦).
[ ١ / ٣٥٨ ]
حمده»، قال: «اللهم ربنا ولك الحمد» (^١).
(إن كنت وحدك) أو خلف إمام، (ولا يقولها الإمام) بل يقتصر على قول سمع الله لمن حمده، وقولها ثابت، ولو اقتصر عليها فما خالف وقد جاء في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد …» (^٢)، وقال ابن راشد القفصي: «ولا يقولها الإمام»، وقيل: يقولها كالمنفرد" (^٣).
(ولا يقول المأموم سمع الله لمن حمده) فعن مطرف بن طريف بن الحارث عن عامر قال: «لا يقول القوم خلف الإمام سمع الله لمن حمده ولكن يقولون ربنا لك الحمد» (^٤).
(ويقول اللهم ربنا ولك الحمد) والأصل في هذا التفصيل أنه قال: «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، فإنه من وافق قوله قول الإمام غفر له ما تقدم من ذنبه» (^٥)؛ أي: الصغائر، وأما الكبائر فلا يكفرها إلا التوبة أو عفو الله.
وفي رواية للبخاري ومسلم: «ربنا ولك الحمد» وهذا الحديث يقتضي أن الإمام لا يقول: ربنا ولك الحمد، وأن المأموم لا يقول: سمع الله لمن
_________________
(١) رواه البخاري (٧٥٦، ٧٦٢)، وأبو داود (٧٧٠)، قال العلامة عبد الحي اللكنوي في التعليق الممجد لموطأ الإمام محمد: قال الرافعي: روينا في حديث ابن عمر: ربنا لك الحمد بإسقاط الواو وبإثباتها والروايتان معا صحيحتان. انتهى. قلت: الرواية بإثبات الواو متفق عليها وأما بإسقاطها ففي صحيح أبي عوانة: وقال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الواو في: «ربنا ولك الحمد» فقال: زائدة. وقال النووي: يحتمل أنها عاطفة على محذوف؛ أي: أطعنا لك وحمدناك ولك الحمد. اه كذا في «تلخيص الحبير».
(٢) مالك في الموطأ (١/ ٣٩٣)، والبخاري (٧٣٤)، ومسلم (٩٣٤).
(٣) المذهب (١/ ٢٦١).
(٤) رواه أبو داود (٨٤٩).
(٥) الموطأ (١٩٧)، والبخاري (٧٦٣)، ومسلم (٤٠٩).
[ ١ / ٣٥٩ ]
حمده، وتارة يضيف: «اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد» من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ (^١).
(و) إذا رفعت رأسك من الركوع فإنك (تستوي قائما مطمئنا) أخذ منه شيئان: الطمأنينة وهي فرض (^٢) وسيأتي الكلام عليها، والاعتدال وهو سنة عند ابن القاسم في سائر أركان الصلاة، وفرض عند أشهب، وصححه عبد الوهاب (^٣)؛ والفرق بين الطمأنينة والاعتدال، أن الاعتدال نصب القامة، والطمأنينة استقرار الأعضاء زمنا ما لحديث المسيء صلاته وفيه … «ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، وافعل ذلك في صلاتك كلها» (^٤)؛ (مترسلا) مرادف لمطمئنا، وقيل: معناه: متمهلا؛ أي: زيادة على الطمأنينة.
(ثم) بعد رفعك من الركوع (تهوي) بفتح التاء المثناة فوق؛ أي: تنزل إلى الأرض (ساجدا)؛ أي: ناويا السجود، فيكون سجودك من قيام لفعله ﵊ كما في حديث أبي حميد الساعدي ﵁: «ثم هوى إلى الأرض ساجدا …» (^٥)، والسجود فرض بلا خلاف لقوله تعالى: ﴿اركعوا واسجدوا﴾ [الحج: ٧٧]، ولقوله ﷺ للمسيء صلاته: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا».
(ولا تجلس) في هويك (ثم تسجد) حتى يكون سجودك من جلوس
_________________
(١) من روايات متعددة في مسلم وأبي داود والنسائي وغيرهم. انظر: جامع الأصول لابن الأثير (٤/ ١٥٥).
(٢) الإشراف للقاضي (١/ ٢٤٥)، والمذهب (١/ ٢٥٨).
(٣) الإشراف (١/ ٢٤٥).
(٤) البخاري (٧٩٣)، ومسلم (٨٨٣).
(٥) الترمذي (٣٠٤).
[ ١ / ٣٦٠ ]
إشارة إلى خلاف بعض أهل العلم، وهنا قدم الجلوس على السجود، وفي جلسة الاستراحة العكس، والمعروف في جلسة الاستراحة الوارد فعلها عن النبي ﷺ أنه كان يفعلها بعد الرفع من السجود الثاني للنهوض في الركعات الأوتار، فعن مالك بن الحويرث ﵁: «أنه رأى النبي ﷺ يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا» (^١)، ورأى بعض أهل العلم أنها شاذة؛ وفي الحديث دليل على مشروعية هذه القعدة بعد السجدة الثانية من الركعة الأولى، والركعة الثالثة، ثم ينهض لأداء الركعة الثانية، أو الرابعة، وتسمى جلسة الاستراحة.
فإن جلس عامدا فلا شيء عليه بشرط ألا يكون مقدار التشهد وإلا لزمه السجود بعد السلام، ومن جلس شاكا ينتظر الناس ماذا يفعلون فلا شيء عليه (^٢).
• هيئة الانحطاط إلى السجود وتقديم اليدين على الركبتين:
(وتكبر في) حال (انحطاطك للسجود) على جهة السنية لتعمر الركن بالتكبير لقول أبي حميد الساعدي ﵁ في حديثه: «ثم هوى إلى الأرض ساجدا، ثم قال: الله أكبر …» (^٣)، ولم يذكر ما يسبق به إلى الأرض، والمستحب تقديم اليدين على الركبتين إذا هوى للسجود وتأخيرهما عن الركبتين عند القيام لأمره ﵊ بذلك، كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه» (^٤)، وعن نافع قال: «كان ابن عمر ﵄ يضع يديه قبل ركبتيه» (^٥)، وبه عمل أهل المدينة. وروى الحازمي عن الأوزاعي أنه
_________________
(١) رواه البخاري (٧٨٩)، وأبو داود (٨٤٤).
(٢) انظر: التوضيح (٢/ ٩٠٠)، والبيان والتحصيل (١/ ٤١٦).
(٣) الترمذي (٣٠٤).
(٤) أبو داود (٨٤٠)، والنسائي (٢/ ٢٠٧)، والترمذي (٢٦٨)، بمعناه.
(٥) رواه البخاري تعليقا. انظر: الفتح (٢/ ٣٣٨)، باب: يهوي بالتكبير حين يسجد، وفيه تفصيل أكثر.
[ ١ / ٣٦١ ]
قال: أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم، قال ابن أبي داود: وهو قول أصحاب الحديث؛ واحتجوا بحديث أبي هريرة المتقدم.
(و) إذا سجدت فإنك (تمكن جبهتك وأنفك من الأرض) الجبهة هي مستدير ما بين الحاجبين إلى الناصية، والتمكين أن يضعهما على أبلغ ما يمكنه وهذا على جهة الاستحباب، وأما الواجب من ذلك فيكفي فيه وضع أيسر ما يمكن من الجبهة، لحديث رفاعة بن رافع ﵁: «ثم يكبر فيسجد، ويمكن جبهته من الأرض حتى تطمئن مفاصله وتسترخي …» (^١).
قال الحافظ في «الفتح» (^٢): قال القرطبي: هذا يدل على أن الجبهة الأصل في السجود والأنف تبع. ونقل ابن المنذر: إجماع الصحابة على أنه لا يجزئ السجود على الأنف وحده، وذهب الجمهور إلى أنه يجزئ على الجبهة وحدها …؛ اه بتصرف (^٣).
والسجود على الجبهة والأنف واجب، فإن اقتصر على أحدهما ففيه أقوال: مشهورها إن اقتصر على أنفه لم يجزه ويعيد أبدا، وإن اقتصر على جبهته أجزأه وأعاد في الوقت، وهل الاختياري أو الضروري قيل بكل منهما، وهذا إن كانت الجبهة سالمة (^٤).
وأما إن كان بها قروح فقال في «المدونة» (^٥): أومأ ولم يسجد على أنفه لأن السجود على الأنف إنما يطلب تبعا للسجود على الجبهة فحيث سقط فرضها سقط تابعها فإن وقع وسجد على أنفه فقال أشهب: يجزئه، لأنه زاد على الإيماء، فإن سجد على كور عمامته بفتح الكاف ففي المدونة يكره ويصح؛ أي: إذا كان قدر الطاقة والطاقتين اللطيفتين بأن تكون من الشاش الرفيع.
_________________
(١) رواه أبو داود (٨٥٨)، والنسائي (١١٣٦)، والترمذي وقال: حديث حسن.
(٢) الفتح (٢/ ٣٤٦)، ط: الريان.
(٣) الأوسط (٣/ ٣٣٨).
(٤) مواهب الجليل (٢/ ٢١٧)، وتنوير المقالة (٢٦٤)، والإشراف (١/ ٢٤٧)، والمذهب (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦).
(٥) المدونة (١/ ٧١)، باب في الركوع والسجود، وما جاء في هيئة السجود.
[ ١ / ٣٦٢ ]
(وتباشر) في سجودك؛ أي: من غير حائل (بكفيك الأرض) على جهة الاستحباب، فقد روى ابن أبي شيبة عن عروة بن الزبير: «أنه كان يكره الصلاة على شيء دون الأرض» (^١)، وكذا روي عن غير عروة، ويحتمل أن يحمل على كراهة التنزيه والله أعلم.
وروي أيضا بسند صحيح عن إبراهيم النخعي عن الأسود وأصحابه، أنهم كانوا يكرهون أن يصلوا على الطنافس والفراء والمسوح، وأخرج عن جمع من الصحابة والتابعين جواز ذلك (^٢)، وحكاه الترمذي (^٣).
وإنما استحب المباشرة بالوجه واليدين لأن ذلك من التواضع، ولأجل ذلك كره السجود على ما فيه ترفه وتنعم من صوف وقطن، واغتفر الحصير لأنه كالأرض، والأحسن تركه فالسجود عليه خلاف الأولى، قلت: هكذا قالوا، وهذا الفعل يختلف باختلاف البلاد والعباد فلا تستوي أرض حارة بباردة، ولا المرملة كالمحصبة، ولا الثري المترف، كالثري المتواضع والفقير الصابر.
وبين هيئة المباشرة وهو أن تكون باسطا يديك تكرار مع قوله: وتباشر بكفيك الأرض لأن مباشرة الأرض بالكفين لا تكون إلا مع بسطهما، ويقال إنه كرره لأجل التأكيد (مستويتين للقبلة)؛ أي: ندبا وعلل ذلك القرافي (^٤) بأنهما يسجدان فيتوجهان لها، وأما السجود نفسه على اليدين كالركبتين وأطراف القدمين فسنة، (تجعلهما حذو أذنيك أو دون ذلك) لحديث وائل بن حجر قال: رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر، - وصف همام حيال أذنيه (^٥). وفي حديث أبي حميد: «أن النبي ﷺ كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته من الأرض، ونتى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حذو منكبيه» (^٦).
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٢٣٩)، والاستذكار (٢/ ٣٠٨)، ط: العلمية.
(٢) ابن أبي شيبة (١/ ٣٥١).
(٣) الجامع الصحيح للترمذي (٣٣٤)، ما جاء في جواز الصلاة على البسط.
(٤) الذخيرة (٢/ ١٩٢).
(٥) رواه مسلم (٤٠١).
(٦) رواه أبو داود (٧٣٤)، والترمذي (٢٧١)، وصححه.
[ ١ / ٣٦٣ ]
وقد أشار المصنف إلى أنه لا تحديد في موضع وضع اليدين لقول «المدونة»: لا تحديد في ذلك (^١). (وكل ذلك واسع)؛ أي: جائز يعني إن وضع يديه حذو أذنيه أو دون ذلك من الأمور الجائزة لا من الواجبة حتى يترتب على تركها فساد بل لو خالف فقد ارتكب مكروها فقط، غير أنك لا تفترش ذراعيك في الأرض لما صح عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: ﴿اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب﴾ (^٢)، والأحاديث في هذا النهي كثيرة.
قوله: أن يبسط ذراعيه افتراش الكلب؛ أي: يكره أن يفترش الرجل ذراعيه بالأرض في حال سجوده كما يكره له افتراشهما على فخذيه (ولا تضم عضديك إلى جنبيك)؛ أي: ينهى على جهة الكراهة أن يضم الرجل في حال سجوده عضديه إلى جنبيه (لكن يجنح بهما تجنيحا وسطا)؛ أي: يستحب للرجل خاصة أن يباعد بين عضديه وجنبيه كما كان يفعل ﷺ ففي «الصحيحين» أنه: «كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه» (^٣)، وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تفترش افتراش السبع واعتمد على راحتيك وأبد ضبعيك فإذا فعلت ذلك سجد كل عضو منك» (^٤).
• فائدة في الأمر بمخالفة البهائم والسباع:
قال الصنعاني (^٥) رحمه الله تعالى: وقد ثبت عن النبي ﷺ: الأمر بمخالفة سائر الحيوانات في هيئات الصلاة، فنهى عن التفات كالتفات الثعلب (^٦)،
_________________
(١) المدونة (١/ ٧٣)
(٢) البخاري (٨٢٢)، ومسلم (١١٣٠).
(٣) البخاري (٣٨٣)، ومسلم (٤٩٥).
(٤) الحاكم (١/ ٣٥٠)، وقال: صحيح، كما في الفتح (٢/ ٣٤٣)، ط: الريان.
(٥) سبل السلام للصنعاني (١/ ٣٨٢)، ط: دار الكتاب العربي، بيروت، منه بتصرف يسير.
(٦) من حديث أبي هريرة ﵁ عند أحمد (٨١٠٦)، والبيهقي (٢٧٤١).
[ ١ / ٣٦٤ ]
وعن افتراش كافتراش السبع (^١)، وإقعاء كإقعاء الكلب (^٢)، ونقر كنقر الغراب (^٣)، ورفع الأيدي كأذناب خيل شمس (^٤)، أي: حال السلام، ويجمعها قولنا:
إذا نحن قمنا في الصلاة فإننا … نهينا عن الإتيان فيها بستة
بروك بعير والتفات كثعلب … ونقر غراب في سجود الفريضة
وإقعاء كلب أو كبسط ذراعه … وأذناب خيل عند فعل التحية
وزدنا كتدبيح الحمار (^٥) بمده … لعنق وتصويب لرأس بركعة
والتدبيح: بالدال بعدها موحدة ومثناة تحتية وحاء مهملة، وروي بالذال المعجمة، قيل: وهو تصحيف. قال في «النهاية»: «هو أن يطأطئ المصلي رأسه حتى يكون أخفض من ظهره انتهى. إلا أنه قال النووي: حديث التدبيح ضعيف». اهـ.
قلت: وهنا زيادة أخرى كما في الطيالسي وأحمد وابن أبي شيبة: «وأن أقعي كإقعاء القرد» (^٦).
وفي «سنن أبي داود» عن عبد الرحمن بن شبل قال: «نهى رسول الله ﷺ عن ثلاث عن نقرة الغراب، وعن فرشة السبع، وأن يوطن الرجل المكان الذي يصلى فيه كما يوطن البعير» (^٧).
فلذلك زدت عليه:
وإقعاء كإقعاء القرود بمدرج … وتوطين كتوطين البعير ببقعة.
_________________
(١) عند أبي داود (٨٦٢)، والنسائي (٢/ ٢١٤).
(٢) من حديث علي الله عند ابن ماجه (٨٩٥).
(٣) عند (د، س) نفس السابق. وفي رواية: كنقر الديك.
(٤) كما في حديث جابر بن سمرة ﵁ … مسلم (١١٩) (٤٣٠).
(٥) كما في حديث أبي سعيد عند البيهقي (٢٥٥٣)، والدارقطني (٤٢٦)، إلا أنه ضعيف ضعفا شديدا، وعزاه بعضهم لابن ماجه ولم أعثر عليه.
(٦) انظر: تعليق الألباني على كتاب الأحكام لعبد الحق الإشبيلي (١٣٤٨).
(٧) سنن أبي داود (٨٦٢)، والنسائي (١١١٢)، وحسنه الألباني.
[ ١ / ٣٦٥ ]
(وتكون رجلاك في سجودك قائمتين وبطون إبهاميهما إلى الأرض) لحديث سعد بن أبي وقاص ﵁: «أن النبي ﷺ أمر بوضع اليدين، ونصب القدمين» (^١)، وكان ﷺ «يستقبل بأطراف أصابعهما القبلة» (^٢).
(وتقول إن شئت في سجودك: سبحانك ربي ظلمت نفسي وعملت سوءا فاغفر لي) لحديث أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال قل: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» (^٣) ولعل سبب تخصيص المصنف له بالسجود هو كون السجود أقرب ما يكون فيه العبد من ربه وأدعى للاستجابة له.
(أو) تقول (غير ذلك إن شئت) من الأدعية والأذكار الواردة منها «سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات» (^٤) وكان أحيانا يكررها أكثر من ذلك (^٥)، أو «سبحان ربي الأعلى وبحمده» ثلاثا (^٦)؛ أو «سبوح قدوس رب الملائكة والروح» (^٧)، وغيرها، والتخيير الأول بين القول والترك لا، والثاني بين هذا القول الذي أورده وغيره من الأذكار. والحاصل أن التسبيح في السجود مندوب عند المصنف وغيره وعبارة التخيير المفيدة بحسب ظاهرها استواء الطرفين إنما هي إشارة إلى الرد فقط.
(وتدعو في السجود إن شئت)؛ أي: يستحب أن يدعو بدعاء القرآن وغيره، لقوله ﷺ: «أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد، فأكثروا
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٧٧).
(٢) البخاري (٢٨٢)، وأبو داود (٣٢).
(٣) البخاري (٧٩٩).
(٤) ومسلم (٧٧٢)، وأبو داود (٨٧٠)، والترمذي (٢٦١)، وابن ماجه (٨٨٨) وغيرهم.
(٥) أحمد وأبو داود وابن ماجه.
(٦) أبو داود (٨٧٠).
(٧) مسلم (٤٨٧)، وأبو داود (٨٧٢).
[ ١ / ٣٦٦ ]
الدعاء» (^١)، وزاد البيهقي «فيه» (^٢)، لكن لا بد أن يكون بأمر جائز شرعا، وعادة لا يمتنع، وإن لم تبطل الصلاة به، وليس هذا تكرارا مع الذي قبله لأن هذا دعاء مجرد عن التسبيح.
(وليس لطول ذلك) السجود (وقت)؛ أي: حد في الفريضة، أما في حق المنفرد ما لم يطل جدا فإن طال كره، وأما في النافلة فلا بأس به، وفي حق الإمام ما لم يضر بمن خلفه.
(وأقله)؛ أي: أقل ما يجزئ من اللبث في السجود (أن تطمئن)؛ أي: تستقر (مفاصلك) عن الاضطراب اطمئنانا (متمكنا) لقوله ﷺ للمسيء صلاته: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، وافعل ذلك في صلاتك كلها» (^٣).
والمفاصل: جمع مفصل بفتح الميم وكسر الصاد ملتقى الأعضاء، وأما مفصل بكسر الميم وفتح الصاد فهو اللسان.
(ثم) إذا فرغت من التسبيح والدعاء في السجود (ترفع رأسك بالتكبير)؛ أي: مصاحبا له وهذا الرفع فرض بلا خلاف إذ لا يتصور تعدد السجود بغير فصل بينهما لقوله ﷺ: «ثم ارفع حتى تطمئن جالسا» (^٤)، وعن ابن مسعود ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يكبر في كل خفض، ورفع، وقيام، وقعود» (^٥).
وبعد أن ترفع رأسك، (ف) إنك (تجلس) وجوبا معتدلا (فتثني)؛ أي: تعطف (رجلك اليسرى في جلوسك بين السجدتين وتنصب)؛ أي: تقيم رجلك (اليمنى و) تكون بطون أصابعها إلى الأرض لفعل النبي ﷺ ذلك
_________________
(١) رواه مسلم (٢١٥)، وأبو داود (٨٧٥).
(٢) سنن البيهقي رقم (٢٧٣٢) (٢/ ٤٤٧).
(٣) البخاري (٧٩٣)، ومسلم (٨٨٣).
(٤) البخاري (٧٩٣)، ومسلم (٨٨٣).
(٥) رواه النسائي (١/ ٢/ ١٨٢)، والترمذي وصححه (٢٥٣).
[ ١ / ٣٦٧ ]
أحيانا كما في بعض روايات أبي حميد الساعدي فعن عباس، وفيه: «… ثم كبر فجلس فتورك ونصب قدمه الأخرى، ثم كبر فسجد ثم كبر فقام ولم يتورك. ثم ساق الحديث» (^١). لا مفهوم لقوله في جلوسك بين السجدتين إذ جلوسه حال التشهد كذلك، وأما جلوس من يصلي قاعدا حال القراءة والركوع فهو التربيع استحبابا، ليخالف هيئة جلوسه بين السجدتين وحال تشهده، وسكت عن قدمه اليسرى أين يضعها.
قال عبد الوهاب: يضعها تحت ساقه الأيمن (^٢)، وقيل: بين فخذيه، وقيل: خارجا. والرجال والنساء في ذلك سواء، وفي حديث عبد الله بن الزبير ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قعد في الصلاة، جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، وفرش قدمه اليمنى، …» (^٣)، وعند أبي داود بلفظ: «جعل قدمه اليسرى تحت فخذه اليمنى وساقه، وفرش قدمه اليمنى» (^٤).
(و) إذا رفعت رأسك من السجود فإنك أيضا (ترفع يديك عن الأرض) فتجعلهما (على ركبتيك)؛ أي: على قريب من الركبتين لقوله ﷺ: «إن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه، وإذا رفعه فلير فعهما» (^٥).
ولما ورد في صفة صلاة النبي ﷺ فعن عائشة ﵂ «أنه ﷺ كان إذا رفع رأسه من السجدة، لم يسجد حتى يستوي جالسا» (^٦)، وإذا لم يفعل ذلك المصلي القادر على الفعل فيكون على هيئة المستوفز وهي مخالفة لمعنى الاطمئنان.
_________________
(١) رواه أبو داود (٧٣٣).
(٢) الإشراف (١/ ٢٥٠).
(٣) رواه مسلم (١١٢)، وأبو داود (٩٩٠).
(٤) أبو داود (٩٨٨).
(٥) رواه أبو داود (٨٩٢).
(٦) رواه مسلم (٢٤٠).
[ ١ / ٣٦٨ ]
قال في «الجواهر»: ويضع يديه قريبا من ركبتيه مستويتي الأصابع. وإذا لم يرفعهما عن الأرض ففي بطلان صلاته قولان أشهرهما البطلان، والأصح على ما قال القرافي عدم البطلان (^١)، وهو المعتمد.
(ثم) بعد أن ترفع رأسك من السجدة الأولى مع رفع يديك (تسجد) السجدة (الثانية كما فعلت أولا) في السجدة الأولى من تمكين الجبهة والأنف من الأرض وقيام القدمين ومباشرة الأرض بالكفين وغير ذلك لقوله ﷺ: «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» في حديث المسيء صلاته وتقدم.
(ثم) بعد فراغك من السجدة الثانية (تقوم من الأرض كما أنت معتمدا على يديك)؛ أي: حالة كونك ثابتا على ما أنت عليه من عدم الجلوس لفعله ﷺ أنه: «كان ينهض معتمدا على الأرض إلى الركعة الثانية» (^٢)، قال أبو عمر (^٣): وذكر عبد الرزاق، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يقوم إذا رفع رأسه من السجدة، معتمدا على يديه قبل أن يرفعهما وكذلك روي عن مكحول، وعمر بن عبد العزيز، وجماعة من التابعين اهـ.
(لا ترجع جالسا لتقوم من جلوس) إشارة إلى مخالفة الشافعية القائلين إنه يقوم إلى الركعة الثانية والرابعة من جلوس على جهة السنية، والمقصود به جلسة الاستراحة، (ولكن) الفضيلة عندنا في الرجوع إلى القيام (كما ذكرت لك في السجود) لا حاجة له بعد ما تقدم من قوله ثم تقوم من الأرض كما أنت معتمدا على يديك وتكبر في حال قيامك لأن التكبير عند الحركة والشروع في أفعال الصلاة مستحب لما مر في حديث: «أنه ﷺ كان يكبر في كل خفض ورفع» ولقول أبي هريرة أنه ﷺ: «كان إذا قام من السجدتين قال: الله أكبر» (^٤)، (ثم) بعد أن تنتصب قائما وتفرغ من التكبير (تقرأ) الفاتحة ثم تقرأ.
_________________
(١) الذخيرة (٢/ ٢١٢)، وانظر: مواهب الجليل (٢/ ٢١٧).
(٢) رواه البخاري (٨٢٤).
(٣) التمهيد لابن عبد البر (١٩/ ٢٤٥)، مكتبة السوادي للتوزيع.
(٤) البخاري (٧٩٥)، وانظر: الفتح (٢/ ٣٥٤)، ط: الريان.
[ ١ / ٣٦٩ ]
معها سورة (كما قرأت في الركعة الأولى)؛ أي: بحيث تكون الثانية كالأولى في الطول (أو دون ذلك)؛ أي: بحيث تكون الثانية أقصر من الأولى. وكلا المقروئين من طوال المفصل سواء كانت الثانية مماثلة للأولى في الطول، أو أقصر منها وهو الأفضل لحديث أبي قتادة ﵁: «أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر في الأولين بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب ويسمعنا الآية أحيانا، ويطول في الركعة الأولى ولا يطول في الثانية، وهكذا العصر، وهكذا في الصبح» (^١). والمستحب القراءة على ترتيب المصحف وإن نكس فجائز.
(وتفعل مثل ذلك سواء) الظاهر أن الإشارة راجعة لجميع ما تقدم وعليه يكون قوله بعد ثم تفعل في السجود والجلوس كما تقدم من الوصف تكرارا لقوله ﷺ للمسيء صلاته: «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» (^٢).
• حكم القنوت وصفته في الصلاة:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(غير أنك تقنت بعد الركوع، وإن شئت قنت قبل الركوع بعد تمام القراءة.
والقنوت: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونتوكل عليك، ونخشع لك (^٣)، ونخنع، ونخلع ونترك من يكفرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخاف عذابك الجد إن عذابك بالكافرين ملحق).
الشرح
(غير أنك تقنت) في الركعة الثانية (بعد) الرفع من (الركوع) وإن شئت
_________________
(١) رواه البخاري (٧٢٨)، ومسلم (١٥٤).
(٢) البخاري (٧٩٣)، ومسلم (٤٥) (٣٩٧).
(٣) (لك): ساقطة من نسخة الحلبي، ثابتة في (الغرب).
[ ١ / ٣٧٠ ]
قبل الركوع بعد تمام القراءة) (^١):
والقنوت في اللغة: الطاعة، والسكوت، والدعاء، والقيام في الصلاة، والإمساك عن الكلام:
وهو مشروع مع اختلاف العلماء في حكمه بين الوجوب والاستحباب، والإباحة وقد فصلنا القول فيه في المناهل الزلالة، ومحله عند المالكية الصبح، ويكون قبل الركوع، وجوز مالك قبل وبعد.
(والقنوت)؛ أي: لفظه المختار عند المالكية: هو ما رواه عبيد بن عمير رحمه الله تعالى قال: صليت خلف عمر ﵁ صلاة الصبح - فقنت فيها بعد الركوع وقال في قنوته: «اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، ولك نسعى ونحفد، ونخشى عذابك الجد ونرجو رحمتك إن عذابك بالكافرين ملحق» (^٢).
(اللهم)؛ أي: يا الله (إنا نستعينك)؛ أي: نطلب معونتك على طاعتك (ونستغفرك)؛ أي: نطلب منك المغفرة وهي الستر على الذنوب فلا تؤاخذنا بها (ونؤمن بك)؛ أي: نصدق بما يجب لك (ونتوكل)؛ أي: نعتمد (عليك) في أمورنا. قيل: الصحيح أن قوله: ونتوكل عليك، زيد في الرسالة وليس منها وفي رواية: ونثني عليك الخير بعد قوله ونتوكل عليك. وما يجري على ألسنة العامة من لفظ كله بعد قوله الخير غير مثبت في الرواية مع أن العبد لا يطيق كل الثناء عليه فتركه خير. (ونخنع)؛ أي: نخضع ونذل لك (ونخلع) الأديان كلها لوحدانيتك (ونترك من يكفرك)؛ أي: يجحدك ويفري عليك الكذب (اللهم)؛ أي: يا الله (إياك نعبد)؛ أي: لا نعبد إلا إياك واستفيد الحصر من تقديم المعمول (ولك نصلي ونسجد) ذكر الصلاة بعد دخولها في
_________________
(١) المدونة (١/ ١٠٠)، وانظر: الذخيرة (٢/ ٢٣٠ - ٢٣١).
(٢) رواه البيهقي موقوفا على عمر (٣١٤٣) بزيادة فيه، وقال: بإسناد صحيح، والطحاوي في معاني الآثار (١/ ٢٤٩)، وقال ابن حازم في الاعتبار (٢٤٣): هذا مرسل، أخرجه أبو داود في المراسيل وهو حسن في المتابعات.
[ ١ / ٣٧١ ]
قوله إياك نعبد لشرفها وذكر السجود مع دخوله في الصلاة لشرفه فإنه أشرف أجزاء الصلاة (وإليك نسعى)؛ أي: نعمل الطاعات من السعي للجمعة والحج والعمرة، والسعي بين الصفا والمروة (ونحفد) بفتح الفاء وكسرها وبالدال المهملة؛ أي: نسرع في العمل (نرجو رحمتك)؛ أي: نطمع في نعمتك وهي الجنة، والطمع فيها إنما يكون بامتثال الأمر بالعمل وأما بالقلب واللسان من غير عمل، فهو رجاء الكذابين (ونخاف عذابك الجد) بكسر الجيم؛ أي: الحق الثابت (إن عذابك بالكافرين (ملحق) بكسر الحاء بمعنى لاحق اسم فاعل من ألحق اللازم بمعنى لحق. ويجوز أن يكون اسم فاعل من ألحق المتعدي؛ أي: ملحق بهم الهوان.
• صفة الجلوس بين السجدتين:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ثم تفعل في السجود والجلوس كما تقدم من الوصف فإذا جلست بعد السجدتين نصبت رجلك اليمنى وبطون أصابعها إلى الأرض وثنيت اليسرى وأفضيت بأليتك إلى الأرض ولا تقعد على رجلك اليسرى، وإن شئت حنيت اليمنى في انتصابها فجعلت جنب بهمها إلى الأرض فواسع).
الشرح
(ثم) إذا فرغت من قراءة القنوت فإنك تهوي ساجدا مكبرا لا تجلس ثم تسجد و(تفعل في السجود والجلوس بين السجدتين (كما تقدم من الوصف» لحديث المسيء صلاته وغيره، ففي السجود تمكن جبهتك وأنفك من الأرض، إلى آخر ما تقدم (فإذا جلست بعد السجدتين) من الركعة الثانية للتشهد (نصبت رجلك اليمنى)؛ أي: قدمها (و) جعلت بطون أصابعها إلى الأرض وثنيت)؛ أي: عطفت رجلك اليسرى وأفضيت)؛ أي: ألصقت (بأليتيك)؛ أي: مقعدتك اليسرى (إلى الأرض) وهي الرواية الصحيحة، ويروى بإليتيك وهي خطأ، لأنه إذا جلس عليهما كان إقعاء؛ أي: شبيها به، وهو مكروه، وإنما كان شبيها بالإقعاء، ولم يكن إقعاء لأن حقيقة الإقعاء أن يلصق أليتيه
[ ١ / ٣٧٢ ]
بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض، كما يقعي الكلب.
(ولا تقعد على رجلك اليسرى)؛ أي: قدمك اليسرى، وذلك لأن ابن عمر ﵄ نهى ابنه عن التربع في التشهد وأمره بأن يكون على الهيئة التي ذكرها المصنف ﵀ فقال لابنه إنها «سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني رجلك اليسرى» (^١)، فهذا كله مذهب مالك وأصحابه في الجلوس للتشهدين جميعا في الصلاة، قلت: والجلوس على القدم اليسرى في التشهد الأوسط أحاديثها أكثر من التورك منها حديث: وائل بن حجر ﵁: «أنه رأى النبي ﷺ يصلي فسجد ثم قعد فافترش رجله اليسرى» (^٢).
والصفة التي ذكرها المصنف مثلها في المدونة في جميع جلوس الصلوات (^٣) (وإن شئت حنيت اليمنى في انتصابها فجعلت جنب بهمها فقط إلى الأرض) وتترك القدم قائما، وما ذكره الشيخ مخالف للباجي القائل بأن باطن إبهامها يكون مما يلي الأرض لا جنبها (^٤)، وهو الراجح (فواسع)؛ أي: جائز.
• صفة التشهد والجلوس له:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ثم تتشهد، والتشهد: التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله: فإن سلمت بعد هذا أجزأك ومما تزيده إن شئت: وأشهد أن الذي جاء به محمد حق، وأن الجنة حق وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، اللهم صل على
_________________
(١) الاستذكار (٤٧٩/ ١).
(٢) رواه أحمد (١٩٣٨٩)، وأبو داود (٧٢٦)، والترمذي (٢٩٤)، وقال: حسن صحيح.
(٣) المدونة (١/ ٧٢) ما جاء في جلوس الصلاة.
(٤) المنتقى للباجي: باب العمل في الجلوس في الصلاة.
[ ١ / ٣٧٣ ]
محمد وعلى آل محمد وارحم محمدا وآل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، اللهم صل على ملائكتك المقربين (^١)، وعلى أنبيائك المرسلين، وعلى أهل طاعتك أجمعين اللهم اغفر لي ولوالدي ولأئمتنا ولمن سبقنا بالإيمان مغفرة عزما، اللهم إني أسألك من كل خير سألك منه محمد نبيك، وأعوذ بك من كل شر استعاذك منه محمد نبيك، اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا، وما أنت أعلم به منا ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، ومن فتنة القبر ومن فتنة المسيح الدجال، ومن عذاب النار وسوء المصير، والسلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين).
الشرح
(ثم) إذا جلست بعد السجدتين من الركعة الثانية على الصفة المتقدمة (تتشهد، والتشهد)؛ أي: لفظه المختار عندنا معاشر المالكية: هو ما ورد في حديث عبد الرحمن بن عبد القاري أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ وهو على المنبر يعلم الناس التشهد يقول قولوا: «التحيات لله، الزاكيات الله، الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله» (^٢)، وقال مالك (^٣): تشهد عمر بن الخطاب أفضل لأنه علمه الناس على المنبر ولم ينازعه أحد ولفظه: «التحيات لله الزاكيات الله الطيبات الصلوات الله …» الحديث.
_________________
(١) و(المقربين) في نسخة الحلبي.
(٢) مالك في الموطأ (١/ ٢٦٨).
(٣) قال الحافظ في الفتح (٢/ ٣٦٨): وقد اختار مالك وأصحابه تشهد عمر لكونه علمه للناس وهو على المنبر ولم ينكروه فيكون إجماعا اه، وانظر: المسالك في شرح موطأ مالك لابن العربي (٢/ ٣٨٩ - ٣٩٠).
[ ١ / ٣٧٤ ]
(التحيات) (^١) قال الخطابي والبغوي: المراد بالتحيات أنواع التعظيم (الله) تعالى (الزاكيات)؛ أي: الناميات، وهي الأعمال الصالحة، ونسبة الزكاء إلى الأعمال إما على تقدير؛ أي: التي يزكو جزاؤها، أو تزكو هي نفسها؛ أي: تزيد، لأن تحسين العمل سبب في التوفيق لزيادته (الله) تعالى (الطيبات) قوله: أي: الكلمات الطيبات، وهي ذكر الله وما والاه، ولم يقل الطيبات لله كما قال في غيرها لأنه يوهم المستلذات، وهي لا تليق به (الصلوات) قيل: العبادات كلها، وقيل: التحيات العبادات القولية، والصلوات العبادات الفعلية، والطيبات العبادات المالية، كذا قال الحافظ. (الله) تعالى، (السلام) قيل: إنه اسم من أسمائه تعالى وقيل مصدر. والأصل يسلم الله عليك سلاما، قال البيضاوي: علمهم أن يفردوه بالذكر لشرفه ومزيد حقه عليهم، ثم علمهم أن يخصوا أنفسهم لأن الاهتمام بها أهم، ثم أمرهم بتعميم السلام على الصالحين إعلاما منه بأن الدعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملا لهم اه. (عليك)؛ أي: الله حفيظ وراض عليك (أيها النبي ورحمة الله) إحسانه زاد في بعض روايات «الموطأ» (وبركاته)؛ أي: خيراته المتزايدة (السلام)؛ أي: أمان الله (علينا وعلى عباد الله الصالحين)؛ أي: المؤمنين من الإنس والجن والملائكة قال ﷺ: ﴿فإنكم إذا فعلتم ذلك﴾ في لفظ للبخاري: فإذا قالها أصاب كل عبد الله في السماء والأرض صالح المراد قوله: وعلى عباد الله الصالحين، وهو كلام معترض بين قوله الصالحين وبين قوله أشهد؛ قال الحافظ (^٢): قال الفاكهاني: ينبغي للمصلي أن يستحضر في هذا المحل جميع الأنبياء والملائكة والمؤمنين؛ يعني: ليوافق لفظه مع قصده. اهـ. (أشهد)؛ أي: أتحقق (أن لا إله إلا الله) زاد ابن أبي شيبة: (وحده لا
_________________
(١) انظر: شرح ألفاظ التشهد أيضا في المسالك (٢/ ٣٩٠).
(٢) الفتح (٢/ ٣٦٧)، ط: دار الريان، وقد أوردها الأزهري في الثمر الداني (ص ٨٣): لكنه لم يحدد من هو الترمذي، فقد يسبق إلى القارئ عادة صاحب الجامع الصحيح (السنن) فليتنبه لذلك.
[ ١ / ٣٧٥ ]
شريك له) قال الحافظ في «الفتح» (^١): وسنده ضعيف لكن ثبتت هذه الرواية في حديث أبي موسى عند مسلم، وفي حديث عائشة الموقوف في «الموطأ»، وفي حديث ابن عمر عند الدارقطني، وعند أبي داود عن ابن عمر أنه قال: زدت فيها وحده لا شريك له وإسناده صحيح.
(وحده لا شريك له في أفعاله وأشهد)؛ أي: أتحقق (أن محمدا عبد الله) بصيغة الاسم الظاهر والذي في المدونة وهو في بعض النسخ عبده (ورسوله) (^٢) بالضمير وقد أخرج عبد الرزاق عن عطاء: «أن النبي ﷺ أمر رجلا أن يقول عبده ورسوله» (^٣)، قال التتائي: بالضمير، وكذا في رواية الجلاب والجواهر وابن الحاجب، وفي «الموطأ» ونقله عنه في الذخيرة عبد الله صريحا لا غير (^٤).
(فإن سلمت بعد هذا)؛ أي: بعد وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله (أجزاك)؛ أي: كفاك ولا مفهوم له، بل وكذلك لو قال بعضه أو تركه جملة، قال ابن ناجي: أي على أحد القولين، وكذا لو قال غيره، ولا يصح أن تقول أجزأك؛ أي: على جهة الكمال، لأنه لم يذكر الصلاة على النبي فالحق أنه وصف طردي، أي: لا مفهوم له (^٥).
(ومما تزيده إن شئت) وهذا الذي زاده المصنف رحمه الله تعالى وارد أثناء التشهد من حديث ابن الزبير ﵁ لكنه ضعيف (^٦)، قال العلامة بدر الدين العيني (^٧): قلت: فيه مقال.
_________________
(١) الفتح (٢/ ٣١٥).
(٢) المدونة (١/ ١٤٣)، ما جاء في التشهد والسلام (عبد الله ورسوله).
(٣) مصنف عبد الرزاق (٣٠٧٦)، ورجاله ثقات لولا إرساله.
(٤) تنوير المقالة (٢/ ١٠١).
(٥) تنوير المقالة (٢/ ١٠٢).
(٦) رواه الطبراني، كما في مجمع الزوائد (٢٨٥٨)، وقال: مداره على ابن لهيعة وهو ضعيف.
(٧) عمدة القاري (٦/ ١١٥)، دار الفكر.
[ ١ / ٣٧٦ ]
(وأشهد أن الذي جاء به محمد (حق)؛ أي: ثابت (و) أشهد أن الجنة حق وأن النار (حق) (^١)؛ أي: أتحقق أنهما مخلوقان الآن (و) أشهد أن الساعة)؛ أي: القيامة (آتية لا ريب فيها)؛ بمعنى: النهي؛ أي: لا ترتابوا فيه (و) أشهد (أن الله يبعث من في القبور)؛ أي: يبعث الأموات من قبورهم للعرض على الحساب (اللهم)؛ أي: يا ألله (صل على محمد وعلى آل محمد وارحم محمدا وآل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد اللهم صل على ملائكتك المقربين) وفي نسخة (والمقربين) بزيادة واو العطف (و) صل (على أنبيائك المرسلين) وروي أيضا بإثبات الواو وهو الأكثر في الموضعين (و) صل (على أهل طاعتك أجمعين) وهم القائمون بما وجب عليهم من حقوق الله تعالى وحقوق عباده قال الحكيم الترمذي (^٢): من أراد أن يحظى بهذا السلام الذي سلمه الخلق في صلاتهم فليكن عبدا صالحا وإلا حرم هذا الفضل العظيم، هكذا أورد المصنف الصلاة الإبراهمية.
(اللهم)؛ أي: يا الله اغفر لي ولوالدي المؤمنين (و) اغفر (لأئمتنا) هم العلماء.
(و) اغفر لـ (من سبقنا بالإيمان) وهم الصحابة (مغفرة عزما)؛ أي: قطعا؛ أي: مقطوعا بها لأن من صفة المغفرة التي تكون منك يا رب أنها مقطوع بها، وقد ثبت من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقل أحدكم إذا دعا اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ليعزم المسألة فإنه لا مكره له» (^٣).
(اللهم إني أسألك من كل خير سألك منه محمد نبيك) وهذا حديث
_________________
(١) وردت هاتين اللفظتين في دعائه ﷺ في التهجد، ولا أعلم أنهما في التشهد كما في الموطأ والبخاري وغيرهما من حديث ابن عباس ﵁ وفيه «والجنة حق والنار حق … .». انظر: جامع الأصول (٤/ ١٨٤)، دار الكتب العلمية.
(٢) الفتح (٢/ ٣٦٧).
(٣) البخاري (٥٩٨٠)، ومسلم (٢٦٧٩)، ومالك في الموطأ (٤٩٦).
[ ١ / ٣٧٧ ]
صحيح (^١)، والدعاء به مندوب، وهو عام أريد به الخصوص، إذ الشفاعة العظمى مختصة به لا يشاركه غيره فيها، أي وغيرها من كل ما اختص به (وأعوذ)؛ أي: أتحصن بك (من كل شر استعاذك منه محمد نبيك)، (اللهم)؛ أي: يا الله (اغفر لنا ما قدمنا)؛ أي: من الذنوب (و) اغفر لنا (ما أخرنا) من الطاعات عن أوقاتها، أو من الآثار السيئة التي تبقى بعدنا، (و) (اغفر لنا ما أسررنا)؛ أي: أخفينا من المعاصي عن الخلق (و) اغفر لنا (ما أعلنا)؛ أي: أظهرنا للخلق من المعاصي (و) اغفر لنا (ما أنت أعلم به منا)؛ أي: ما وقع منا ونحن جاهلون بحكمه أو وقع منا عمدا، ونسيناه فأفعل التفضيل ليس على بابه ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة﴾ هي خير الدنيا من الاستقامة والعافية والسير على نهج الشرع القويم ﴿وفي الآخرة حسنة﴾ هي المغفرة بقرينة الآية التي بعدها ﴿وقنا عذاب النار﴾؛ أي: اجعل بيننا وبينها وقاية وليس إلا المغفرة (وأعوذ بك من فتنة المحيا)؛ أي: أتحصن بك أن أفتتن بأعمال السوء التي ترث والعياذ بالله سوء المنقلب (والممات) وأعوذ بك من فتنة الممات، وهي والعياذ بالله التبديل عند الاحتضار، فإن ثبته الله ونزلت ملائكة الرحمة فر الشيطان ومات على الإسلام، قاله ابن عمر الأنفاسي، (و) أعوذ بك من فتنة القبر وهي عدم الثبات عند سؤال الملكين؛ أي: عدم رد الجواب حين يقول له الملك من ربك وما دينك إلخ؛ أي: فلا يجيب بقوله ربي الله. (و) أعوذ بك من فتنة المسيح بالحاء المهملة على الصحيح، وهي فتنة عظيمة لأنه يدعي الربوبية وتتبعه الأرزاق فمن تبعه كفر والعياذ بالله، ووصفه بالدجال لأنه يغطي الحق بالباطل، مأخوذ من دجل إذا ستر وغطى، وللفرق بينه وبين عيسى ﵇، وسمي عيسى ﵇ مسيحا لسياحته في الأرض لأجل الاعتبار. فعيسى ﵇ مسيح الهدى، والدجال مسيح الضلال (^٢).
_________________
(١) صحيح، أخرجه الترمذي (٣٨٦٣)، وقال: حسن غريب.
(٢) وبعض ما ورد في هذا الدعاء عند عبد الرزاق في مصنفه في باب التشهد (٣٠٨٢).
[ ١ / ٣٧٨ ]
(و) أعوذ بك (من عذاب النار وسوء المصير)؛ أي: سوء المرجع؛ أي: الرجوع إلى الله ﴿السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين﴾ ظاهره أن المصلي إذا فرغ من الدعاء فلا يأتي بتسليمة التحليل حتى يقول على جهة الاستحباب: السلام عليك أيها النبي إلخ، وأن ذلك مطلوب من كل مصل، وهو خلاف المشهور، بل المشهور ما حكاه القرافي أنه لا يعيد التسليم على النبي إذا دعا. وعن مالك يستحب للمأموم إذا سلم إمامه أن يقول: السلام عليك إلخ لما روى نافع أن ابن عمر ﵁: كان يتشهد … فإذا قضى تشهده وأراد أن يسلم قال: «السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم عن يمينه، ثم يرد على الإمام فإن سلم عليه أحد عن يساره رد عليه» رواه مالك (^١) - قال الزرقاني: ولعل مالكا ذكر حديث ابن عمر هذا الموقوف عليه لما فيه من أن المأموم يسلم ثلاثا إن كان على يساره أحد لأنه المشهور من قول مالك اهـ (^٢).
قال بعض الشراح والحاصل أن هذه الزيادة ضعيفة، ومع ضعفها هي خاصة بالمأموم، كما قال الإمام مالك ﵀.
فائدة: أولا: مما انتقد على ابن أبي زيد إيراده في الصلاة الإبراهمية وارحم محمدا، قال ابن عبد البر (^٣): رويت الصلاة على النبي ﷺ من طرق متواترة، بألفاظ متقاربة، وليس في شيء منها «وارحم محمدا» فلا أحب لأحد أن يقوله، لأن الصلاة إن كانت من الله الرحمة، فإن النبي ﷺ قد خص بهذا اللفظ.
وحكى القاضي عياض عن جمهور المالكية منعه، قال: وأجازه أبو
_________________
(١) مالك في الموطأ (١/ ٢٧١).
(٢) شرح الزرقاني (١/ ٢٧١)، والاستذكار (٢/ ٣٢٣)، ما جاء في الصلاة على النبي ﷺ، وانظر: مواهب الجليل (٢/ ٢٢٠).
(٣) شرح الزرقاني (١/ ٤٧٦).
[ ١ / ٣٧٩ ]
محمد بن أبي زيد (^١).
ثانيا: على المصلي أن يدعو عقب التشهد والصلاة الإبراهيمية بقوله ﷺ: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم» (^٢).
ثالثا: ورد عن النبي ﷺ أن يدعو المصلي بما شاء في دبر صلاته من خير الدنيا والآخرة وذلك لقوله ﷺ: «ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو» (^٣).
يكون الترتيب هكذا:
التشهد.
الصلاة الإبراهمية.
التعوذ بالله من أربع: عذاب القبر … إلخ.
أفضل ما ورد من الدعاء في الآثار.
أن يدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة، والله أعلم.
ثم السلام.
• صفة السلام:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ثم تقول: السلام عليكم، تسليمة واحدة عن يمينك تقصد بها قبالة وجهك وتتيامن برأسك قليلا هكذا يفعل الإمام والرجل وحده.
وأما المأموم فيسلم واحدة يتيامن بها قليلا، ويرد أخرى على الإمام قبالته يشير بها إليه، ويرد على من كان سلم عليه على يساره فإن لم يكن سلم عليه أحد لم يرد على يساره شيئا).
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير (٦/ ٤٦٣)، دار طيبة.
(٢) البخاري (٨٣٢).
(٣) البخاري (٨٣٥).
[ ١ / ٣٨٠ ]
الشرح
(ثم) بعد ذلك تسلم تسليمة التحليل، ف (تقول السلام عليكم) وهذا السلام فرض بلا خلاف على كل مصل إمام وفذ ومأموم، لا يخرج من الصلاة إلا به، ويتعين له اللفظ الذي ذكره الشيخ؛ أي: بالتعريف والترتيب وصيغة الجمع. فلو قال: عليكم السلام، أو سلامي عليكم، أو سلام الله عليكم، أو أسقط أل لم يجزه (^١). وهل يفتقر إلى نية الخروج من الصلاة أم لا؟ قولان مشهوران والراجح كما يفيده كلام ابن عرفة عدم الاشتراط، لكن يندب الإتيان بها (^٢).
نعم من عجز عن تسليمة التحليل جملة خرج من الصلاة بنيته، وحينئذ تكون نية الخروج واجبة ولا يسقط عنه السلام بالعجز عن بعضه حيث كان ما يقدر عليه له معنى (تسليمة واحدة عن يمينك تقصد بها قبالة وجهك وتتيامن برأسك قليلا هكذا يفعل الإمام، والرجل وحده)؛ يعني: أن صفة السلام تختلف باختلاف المصلي، فإن كان إماما أو فذا فالمطلوب من كل منهما أن يأتي بتسليمة واحدة جهة وجهه، ويتيامن برأسه قليلا (^٣)، فهو يبدأ بها إلى القبلة ويختم بها مع التيامن بقدر ما ترى صفحة وجهه على جهة الندب، قال مالك وعليه العمل (^٤).
ويسن الجهر بتسليمة التحليل لكل مصل وهذه التسليمة كان يفعلها النبي ﷺ أحيانا فعن عائشة ﵂ قالت: «كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة تلقاء وجهه يميل إلى الشق الأيمن» (^٥).
_________________
(١) مناهج التحصيل للرجراجي (١/ ٥٠٩).
(٢) مواهب اللجليل (٢/ ٢٢٠)، والذخيرة للقرافي (٢/ ٢٠١).
(٣) المدونة (١٤٣).
(٤) التوضيح (٩١٤/).
(٥) الترمذي (٢٩٦)، قال: وحديث عائشة لا نعرفه مرفوعا، إلا من هذا الوجه، وأخرجه ابن خزيمة (٧٢٩). قال الأعظمي: إسناده ضعيف لكن له شواهد، وصححه الألباني.
[ ١ / ٣٨١ ]
قال ابن عبد البر: روي في التسليمة الواحدة أحاديث إلا أنها معلولة لا يصححها أهل العلم بالحديث (^١) … وكذا قال الباجي (^٢).
وقال ابن العربي: اختلف علماؤنا في صفة السلام فثبتت عنه في ذلك أحاديث كثيرة، أنه كان يسلم تسليمة واحدة، وهي غير ثابتة، وروي عنه أنه كان يسلم تسليمتين عن يساره ويمينه، ولم يخرجها البخاري وخرجها مسلم .. إلخ (^٣).
قال الترمذي: ورأى قوم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين وغيرهم تسليمة واحدة في المكتوبة (^٤) قال: وأصح الروايات عن النبي ﷺ تسليمتان، وعليه أكثر الصحابة والتابعين ومن بعدهم انتهى. وحكى الطحاوي وغيره عن الحسن بن صالح أنه أوجب التسليمتين جميعا وهي رواية عن أحمد، وبها قال بعض أصحاب مالك، ونقله ابن عبد البر عن بعض أصحاب الظاهر (^٥).
قال ابن عبد البر (^٦): والعمل المشهور بالمدينة التسليمة الواحدة، وهو عمل قد توارثه أهل المدينة كابرا عن كابر، ومثله يصح فيه الاحتجاج بالعمل في كل بلد، لأنه لا يخفى، لوقوعه في كل يوم مرارا، وكذلك العمل بالكوفة وغيرها مستفيض عنهم التسليمين، متوارث عندهم أيضا. وكل ما جرى هذا المجرى فهو اختلاف في المباح كالأذان.
وأما تسليمة غيره ولا يتصور إلا من المأموم، فالأفضل فيها السر وهذا في حق الرجل الذي ليس معه من يحصل بجهره التخليط عليه. وأما المرأة فجهرها أن تسمع نفسها، وأما المأموم (ف) صفة سلامه أن يسلم تسليمة واحدة (يتيامن بها قليلا)؛ أي: يوقع جميعها على جهة يمينه فهو مخالف للإمام والفذ.
_________________
(١) الاستذكار (١/ ٤٨٩).
(٢) المنتقى للباجي (١/ ١٩٦).
(٣) المسالك (٢/ ٣٩٣)، وانظر: المنتقى للباجي (١/ ١٩٦).
(٤) انظر: مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٢٦٧ - ٢٦٨).
(٥) شرح مسلم (٥/ ٨٣).
(٦) الاستذكار (١/ ٤٩١).
[ ١ / ٣٨٢ ]
والفرق بينه وبينهما أن سلامهما وردهما معتبر في الصلاة، فاستقبلا في أوله القبلة كسائر أفعال الصلاة، وأما المأموم فقد سلم إمامه، وهو تبع له فهو في معنى من انقضت صلاته (ويرد أخرى على الإمام قبالته)؛ أي: قبالة الإمام؛ أي: يسن للمأموم أن يأتي بتسليمة أخرى غير تسليمة التحليل يوقعها جهة الإمام، ولا يتيامن ولا يتياسر بها. (يشير بها إليه)؛ أي: بقلبه، وقيل برأسه إن كان أمامه. ومحل الخلاف حيث كان أمامه، فإن كان خلفه أو على يمينه أو على يساره فالإشارة بقلبه اتفاقا.
(ويرد على من كان يسلم عليه على يساره)؛ أي: يسن للمأموم أن يرد على يساره إن كان على يساره أحد، ودليل التسليم على الإمام وعلى من بيمينه حديث سمرة بن جندب ﵁ قال: «أمرنا أن نسلم على أئمتنا، وأن يسلم بعضنا على بعض» (^١)، ولفظ أبي داود (^٢): «أمرنا أن نرد على الإمام، وأن يسلم بعضنا على بعض»، والحديث أخرجه أيضا الحاكم والبزار وزاد: «في الصلاة» قال الحافظ (^٣): وإسناده حسن انتهى.
وظاهر كلام المصنف أنه لا يسلم على يساره إلا إذا سلم الذي على يساره عليه، وأنه لو فرض أنه لم يسلم عليه لذهوله عن السلام مثلا أنه لا يسلم عليه، وليس كذلك (فإن لم يكن سلم عليه أحد لم يرد على يساره شيئا)؛ أي: أن محل طلب رد السلام من المأموم على جهة اليسار إن كان على يساره أحد أدرك فضل الجماعة لحديث نافع أن ابن عمر ﵁: كان يتشهد .. فإذا قضى تشهده وأراد أن يسلم قال: «السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم عن يمينه، ثم يرد على الإمام فإن سلم عليه أحد عن يساره رد عليه» (^٤) قال الزرقاني (^٥):
_________________
(١) رواه أحمد، وابن ماجه (٩٥٧)، وأبو داود (١٠٠١).
(٢) رواه أبو داود (١٠٠١).
(٣) الحافظ في الفتح (٣/ ٨٧)، باب: ما ينهى عنه من الكلام في الصلاة.
(٤) رواه مالك في الموطأ (١/ ٢٧١).
(٥) شرح الزرقاني (١/ ٢٧١).
[ ١ / ٣٨٣ ]
ولعل مالكا ذكر حديث ابن عمر هذا الموقوف عليه لما فيه من أن المأموم يسلم ثلاثا إن كان على يساره أحد لأنه المشهور من قول مالك اهـ.
وأما إن لم يكن على يساره من أدرك فضل الجماعة بأن لم يكن هناك أحد أو كان هناك مسبوق لم يدرك ركعة مع الإمام، فلا يطالب بالرد.
• تحريك السبابة في التشهد والصفات الواردة في ذلك:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ويجعل يديه في تشهده على فخذيه، ويقبض أصابع يده اليمنى، ويبسط السبابة يشير بها، وقد نصب حرفها إلى وجهه واختلف في تحريكها فقيل: يعتقد بالإشارة بها أن الله إله واحد، ويتأول من يحركها أنها مقمعة للشيطان، وأحسب تأويل ذلك أن يذكر بذلك من أمر الصلاة ما يمنعه إن شاء الله عن السهو فيها والشغل عنها، ويبسط يده اليسرى على فخذه الأيسر، ولا يحركها ولا يشير بها).
• الشرح:
(ويجعل يديه في تشهديه) وفي نسخة في تشهده؛ أي: ندبا (على فخذيه) تثنية فخذ وهما قريبتان من ركبتيه، وهذا الجعل مختلف، أما كيفيته في اليمنى فأشار إليه بقوله: (ويقبض يده اليمنى ويبسط)؛ أي: يمد (السبابة) وهي التي تلي الإبهام سميت بذلك: لأن العرب كانوا يتسابون بها، وتسمى أيضا الداعية لأنها يشار بها عند الدعاء، والمسبحة للإشارة بها للتوحيد (^١).
(يشير بها)؛ أي: السبابة الإشارة صفة زائدة على البسط فالبسط المد، والإشارة زائدة على ذلك، وهي تتضمن البسط، والبسط لا يتضمنها (وقد نصب حرفها)؛ أي: جنبها (إلى وجهه)؛ أي: قبالة وجهه (^٢)، واحترز بذلك
_________________
(١) انظر: دراسات في الشريعة الإسلامية للشيخ محمد الخضر حسين (١٩٤)، تحقيق: علي الرضا، ط: التعاونية.
(٢) التوضيح (٢/ ٩٠٥)، تحقيق: الهويمل، جامعة أم القرى.
[ ١ / ٣٨٤ ]
من أن يبسطها وباطنها إلى الأرض وظاهرها إلى وجهه وبالعكس، وفي صفة وضع اليدين حال التشهد حالات منها ما في حديث وائل بن حجر ﵁ أنه قال في صفة صلاة رسول الله ﷺ: «ثم قعد فافترش رجله اليسرى ووضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى، وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض ثنتين من أصابعه وحلق حلقة، ثم رفع أصبعه فرأيته يحركها يدعو بها» (^١).
قوله: «ثم قبض اثنتين»؛ أي: أصبعين من أصابع يده اليمنى وهما الخنصر والبنصر، «وحلق» بتشديد اللام؛ أي: جعل أصبعيه حلقة، والحلقة بسكون اللام جمعها حلق بفتحتين على غير قياس.
(واختلف في تحريكها) قال التتائي: يحتمل أن يريد بالخلاف التحريك وعدمه، ويحتمل في صفته، ويحتمل في محله، وهل جميع التشهد؟ وهو المشهور.
قال الأزهري: قال ابن القاسم: يحركها، وهو المعتمد، وزعم التتائي أنه نقل الأقفهسي (^٢)، وكلام ابن الحاجب يقتضي أن المشهور التحريك عند الشهادة فقط (^٣). وقال غيره: لا يحركها، وعكس يحيى بن مزين (^٤).
وكلا القولين: ورد فيه أثر: فرواية التحريك مرت قريبا من حديث وائل ﵁: «فرأيته يحركها يدعو بها» ورميت الزيادة (يحركها يدعو بها) بالشذوذ (^٥).
_________________
(١) رواه أحمد (١٨٨٧٠)، والنسائي (٨٨٨)، وابن ماجه، وابن خزيمة (٦٩١)، وقال: ليس في شيء من الأخبار يحركها إلا في هذا الخبر زائد ذكره، والبيهقي (٢٨٩٩)، وهو طرف من حديث وائل المذكور في صفة صلاته ﷺ، باب: صفة وضع اليدين على الركبتين في التشهد في الصلاة.
(٢) تنوير المقالة (٢/ ١٤١).
(٣) التوضيح (٢/ ٩٠٦).
(٤) وقول ابن القاسم: لا يحركها في النوادر والزيادات (١/ ١٨٩).
(٥) كما قال شعيب الأرناؤوط في تحقيق المسند، والألباني في صحيح النسائي.
[ ١ / ٣٨٥ ]
وأما عدمه عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن عبد الله أنه ذكر «أن النبي ﷺ كان يشير بإصبعه إذا دعا لا يحركها» (^١)
قال البيهقي: في كلامه عن حديث وائل: «يحتمل أن يكون مراده بالتحريك: الإشارة، لا تكرير تحريكها، حتى لا يعارض حديث ابن الزبير» (^٢).
• الحكمة في تحريك السبابة:
(فقيل يعتقد بالإشارة بها)؛ أي: بنصبها من غير تحريك (إن الله إله واحد و) قيل (يتأول)؛ أي: يعتقد، (من يحركها أنها مقمعة)؛ أي: مطردة (للشيطان) لحديث ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال تحريك الأصبع في الصلاة مذعرة للشيطان (^٣)، وقال روينا عن مجاهد أنه قال: «تحريك الرجل إصبعه في الجلوس في الصلاة، مقمعة للشيطان» (^٤).
ومن لطيف قول ابن العربي: «وأما تحريك الأصبع فليس بمقمعة للشيطان، فإنك إن حركت له واحدة، حرك لك عشرين، وإنما يقمعه التوحيد والإخلاص» (^٥).
(وأحسب)؛ أي: أظن (تأويل)؛ أي: معنى (ذلك) التحريك (من أمر)؛ أي: شأن (الصلاة ما يمنعه إن شاء الله) تعالى؛ أي: شيئا يمنعه وهذا الشيء كونه في صلاة (عن السهو)؛ أي: عن الذهول (فيها)؛ أي: في الصلاة (و) ما يمنعه عن (الشغل عنها)؛ أي: عن الاشتغال عنها بأمر وهو ما يشغل به قلبه خارج الصلاة.
_________________
(١) رواه أبو داود (٩٩١)، قال النووي: سنده صحيح. وأحمد (٥٣٤)، والنسائي (٣/ ٩٣)، وابن خزيمة (٧١٨)، والبيهقي (٢/ ١٣٢)، وأصله في مسلم (٥٧٩) دون قوله: ولا يحركها .. ولذلك جعل بعض العلماء لفظة: «ولا يحركها» شاذة.
(٢) سبل السلام (١/ ٣٦٣)، ط: دار الفكر.
(٣) رواه البيهقي (٢٩٠٠)، وقال: تفرد به الواقدي وهو ضعيف.
(٤) البيهقي (٢٦١٦).
(٥) المسالك (/ ٣٨٧). قلت: مقمعة بكسر الميم الأولى، وهي خشبة يضرب بها الإنسان على رأسه ليذل ويهان. وانظر: التوضيح (٢/ ٩٠٧).
[ ١ / ٣٨٦ ]
(ويبسط)؛ أي: يمد (يده اليسرى على فخذه الأيسر ولا يحركها)؛ أي: سبابتها ولا يشير بها، ولو قطعت يمناه لما مر في الأحاديث، وهذا آخر كلامه على صفة صلاة الصبح، فإذا سلم منها، استحب له الذكر عقبها وإليك هذه الباقة العطرة من الأذكار الواردة عن سيد الأخيار.
• ما ورد من الأذكار عقب الصلاة:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ويستحب الذكر بأثر الصلوات: يسبح الله ثلاثا وثلاثين، ويحمد الله ثلاثا وثلاثين، ويكبر الله ثلاثا وثلاثين، ويختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير).
الشرح
(ويستحب الذكر بإثر الصلوات) المفروضات من غير فصل بنافلة لما روى أبو داود أن رجلا صلى الفريضة فقام يتنفل فجذبه عمر بن الخطاب ﵁، وأجلسه وقال له: «لا تصل النافلة بإثر الفريضة» فقال له النبي ﷺ: «أصبت يا ابن الخطاب أصاب الله بك» (^١)، فتعين الفصل بالزمان، وأما الفصل بالتقدم أو التأخر فكما أخرجه مسلم من حديث معاوية وفيه: «إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تكلم أو تخرج فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك أن لا نوصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج» (^٢).
والذكر يكون بالألفاظ المسموعة من الشارع منها أنه: (يسبح الله ثلاثا وثلاثين) تسبيحة (ويحمد الله ثلاثا وثلاثين) تحميدة، (ويكبر الله ثلاثا
_________________
(١) رواه أبو داود (١٠٠٧)، قال المنذري: في إسناده أشعت بن شعبة والمنهال بن خليفة وفيهما مقال، ورواه الحاكم (١/ ٤٠٣) رقم (٩٩٦)، وقال: صح على شرط مسلم، وتعقبه الذهبي بأن الحديث منكر، وضعفه الألباني.
(٢) رواه مسلم (٧٣)، وانظر: عون المعبود في حل ألفاظ سنن أبي داود للآبادي، باب: في الرجل يتطوع في مكانه الذي صلى فيه المكتوبة.
[ ١ / ٣٨٧ ]
وثلاثين) تكبيرة (ويختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) هذه الرواية هي الصحيحة بترك يحيي ويميت، وقدم التحميد على التكبير، وعكس في باب السلام والاستئذان، وإنما فعل ذلك لينبه على أنه وقع في الحديث كذلك. ففي «الصحيحين» (^١) مثل ما هنا، كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء الفقراء إلى النبي ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى والنعيم المقيم: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموال يحبون بها ويعتمرون، ويجاهدون ويتصدقون. قال: «ألا أحدثكم بأمر إن أخذتم به أدركتم من سبقكم، ولم يدرككم أحد بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه، إلا من عمل مثله: تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين»، فاختلفنا بيننا: فقال بعضنا نسبح ثلاثا وثلاثين، ونحمد ثلاثا وثلاثين، ونكبر أربعا وثلاثين. فرجعت إليه، فقال: تقول سبحان الله والحمد لله والله أكبر حتى يكون منهن كلهن ثلاث وثلاثون.
وظاهر كلامه أنه يقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثا وثلاثين مجموعة لأنه أتى بالواو لا بثم؛ واختاره جماعة منهم ابن عرفة، ومنهم من اختار أن يقولها مفرقة فيقول: سبحان الله ثلاثا وثلاثين، والحمد لله كذلك، والله أكبر كذلك. وتختمها ب (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) كما في حديث أبي ذر ﵁.
وفي فضلها: ما رواه مسلم: «… غفرت له خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر» (^٢).
وهناك أدعية مأثورة عن النبي ﷺ يستحسن الاطلاع عليها، والعمل بها قد ذكرناها في أصل هذا المختصر.
_________________
(١) البخاري (٨٠٧)، ومسلم (٥٩٥).
(٢) رواه مسلم (٥٩٧).
[ ١ / ٣٨٨ ]
• فضل جلوس المصلي بعد صلاة الصبح وذكره الله تعالى في مصلاه حتى تطلع الشمس:
(ويستحب بإثر صلاة الصبح التمادي في الذكر والاستغفار والتسبيح والدعاء) يظهر من كلامه أن الذكر خلاف الاستغفار والتسبيح والدعاء، قال بعضهم: يعني بالذكر قراءة القرآن (^١). وقال بعضهم: تفسير الذكر ما بعده، فكأنه يقول: وهو الاستغفار إلخ. (إلى طلوع الشمس أو قرب طلوعها) (^٢) والأصل في ذلك ما رواه الترمذي وحسنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة تامة». وفي رواية: «كأجر حجة وعمرة»، «تامة تامة تامة» (^٣)، وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: «كان النبي ﷺ إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسنا» (^٤). وعلى هذا مضى عمل السلف الله كانوا يثابرون على الاشتغال بالذكر بعد صلاة الصبح إلى آخر وقتها (وليس بواجب) نبه به على خلاف أهل الظاهر وإلا فهو مستغن عنه بقوله أولا ويستحب.
ولا يقتصر الذكر على التسبيح والتحميد وتلاوة القرآن، بل أيضا تعلم العلم وتعليمه، وفيه ما فيه من الفضائل المتعدية والأجور العظيمة ما لا يعلمه إلا الله.
• ركعتا الفجر والقراءة فيهما:
(ويركع ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح بعد طلوع الفجر) أخذ منه بيان وقتها فلا تجزئ إذا ركعها قبل طلوع الفجر ولو بالإحرام لأنها صلاة
_________________
(١) انظر: الفتح (١١/ ٢٠٩).
(٢) انظر: الترغيب والترهيب للمنذري (١١٣)، ط: الأفكار الدولية مجلد واحد.
(٣) الجامع الصحيح لأبي عيسى الترمذي (٥٨٦)، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب.
(٤) رواه مسلم (٦٧٠)، وأبو داود (٤٨٥٠)، والترمذي (٥٨٥)
[ ١ / ٣٨٩ ]
شرعت تابعة لفريضة الفجر، فتعلقت بوقت المتبوع، وقد حكي فيها في باب جمل من الفرائض قولين: الرغيبة والسنية (^١). ومشى على الأول صاحب المختصر وهو المعتمد، فقال: أو رغيبة (^٢). ولا بد أن ينوي بهما ركعتي الفجر ليمتازا عن النوافل، فإن صلاهما بغير ذلك لم يجزياه وقد رغب فيهما النبي ﷺ فقال: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» (^٣)، وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل» (^٤).
(يقرأ في كل ركعة) منهما على جهة الاستحباب (بأم القرآن) فقط (يسرها) لما في البخاري وغيره أن عائشة ل قالت: «كان رسول الله ﷺ يصلي ركعتي الفجر فيخفف حتى أقول هل قرأ فيهما بأم القرآن أم لا؟» (^٥)، وروى ابن القاسم عن مالك: يقرأ فيهما بأم القرآن وسورة من قصار المفصل لما في مسلم أنه قرأ فيهما بعد الفاتحة ب: ﴿قل يأيها الكافرون﴾، و﴿قل هو الله أحد﴾، فعن أبي هريرة له أن رسول الله ﷺ: «قرأ في ركعتي الفجر، ﴿قل يأيها الكافرون﴾، و﴿قل هو الله أحد﴾» (^٦).
وصلاتهما في المسجد أفضل، ومن دخل المسجد ولم يكن ركعهما فأقيمت عليه الفريضة تركهما ودخل مع الإمام، لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» (^٧)، ثم يركعهما بعد الشمس، فإن وقتهما ممتد إلى الزوال، والراجح أنه يجوز صلاتهما بعد الفريضة عند من قال بجواز ذوات الأسباب بعد الفريضة إن كان أدى الفريضة في جماعة، ولم يتمكن من أداء ركعتي الفجر قبلها، وفي ذلك آثار صحيحة،
_________________
(١) المسالك في شرح موطأ مالك لابن العربي (٣/ ١٠).
(٢) المختصر (ص ٣٨).
(٣) رواه مسلم (١٦٨٥).
(٤) رواه أبو داود (١٢٥٨)، وضعف.
(٥) مالك في الموطأ (٤٢٠)، والبخاري (١١٦٥).
(٦) رواه مسلم (١٦٨٧)، وأبو داود (١٢٥٦).
(٧) أخرجه مسلم (٧١٠)، وأبو داود (١٢٦٨)، باب: إذا أدرك الإمام ولم يصل ركعتي الفجر.
[ ١ / ٣٩٠ ]
فعن قيس بن عمرو ﵁ قال رأى رسول الله ﷺ رجلا يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين فقال رسول الله ﷺ: «صلاة الصبح ركعتان»، فقال الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما فصليتهما الآن، فسكت رسول الله ﷺ (^١)، أو يصليهما بعد طلوع الشمس والأمر واسع إن شاء الله تعالى إلى الزوال، ولا يقضي شيء من النوافل غيرهما، ومن نسيهما حتى صلى الصبح أو دخل في صلاة الصبح فلا يركعهما حتى تطلع الشمس، هذا هو المشهور فلو صلاهما بعد الفريضة فلا حرج إذا لم يكن ذلك عند طلوع الشمس والله أعلم لما مر قريبا.
• القرءاة في صلاة الظهر:
(والقراءة في الظهر بنحو القراءة في الصبح من الطوال أو دون ذلك قليلا) أفاد كلامه أن القراءة في الظهر تساوي المقروء في الصبح؛ يعني: تكون من طوال المفصل، وهو للإمام أشهب وابن حبيب. وقال الإمام مالك: إن المستحب أن تكون القراءة في الظهر دون المقروء في الصبح قليلا؛ أي: قريبا منه، وهو الراجح لما في حديث سليمان بن يسار عن أبي هريرة ﵁ قال: «ما رأيت رجلا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان (الإمام كان في المدينة) قال سليمان: كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في الصبح بسورتين طويلتين» (^٢).
فإذا قرأ بالفتح مثلا في الصبح يقرأ في الظهر بنحو الجمعة أو الصف، ولا تفهم أنه يقرأ فيها من أوساط المفصل.
_________________
(١) أبو داود (١٢٦٧)، والترمذي (٤٢٢)، وقال: إنما يروى مرسلا، وتعقب بأنه روي موصولا عند ابن خزيمة وصححه، وابن حبان كما في الموارد (٦٢٤)، ورواه ابن ماجه (١١٥٤).
(٢) رواه النسائي (٢/ ١٦٧)، وابن ماجه (٨٢٧)، وإسناده صحيح، قال الحافظ الفتح (٢/ ٢٩٠): وصححه ابن خزيمة.
[ ١ / ٣٩١ ]
وجعل ابن عمر كلام المصنف قول بالتخيير.
(ولا تجهر فيها)؛ أي: في صلاة الظهر (بشيء من القراءة) لا بالفاتحة ولا بشيء مما زاد عليها لأن النبي ﷺ كان يسر فيها القراءة ولربما جهر أحيانا بالآية ونحوها كما في حديث أبي قتادة ﵁: - «أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بأم القرآن وسورتين في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر والعصر، ويسمعنا الآية أحيانا» (^١). فقوله يسمعنا الآية أحيانا دليل على أن قراءته كانت سرا.
(و) إنما (يقرأ في الأولى والثانية في كل ركعة بأم القرآن وسورة سرا و) يقرأ في الأخيرتين بأم القرآن وحدها سرا؛ أي: على جهة السنية، لحديث أبي قتادة ﵁ «أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين وفى الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب» (^٢).
وهو تكرار مع قوله: ولا يجهر فيها. وأجاب التتائي (^٣) بما يدفع التكرار فقال: ولما فهم من قوله: لا يجهر أنه يقرأ سرا، ولكنه لا يعتبر المفهوم صرح به فقال يقرأ في الأولى والثانية في كل ركعة بأم القرآن وسورة سرا.
(ويتشهد في الجلسة الأولى إلى قوله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) لحديث عائشة ﵂ في صفة صلاة رسول الله ﷺ قالت: «.. وكان إذا رفع من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالسا، وكان يقول في كل ركعتين التحية …» (^٤) فعلم أن في كل ركعتين تشهد إلا المغرب والله أعلم.
(ثم) بعد أن يفرغ من التشهد إلى الحد المذكور (يقوم) إلى الثالثة (فلا يكبر) عند شروعه في القيام، بل (حتى يستوي قائما) على المعروف من المذهب للعمل، ولأنه لم ينتقل عن ركن إنما انتقل عن سنة إلى فرض، فالفرض
_________________
(١) رواه البخاري (٧٦٥)، ومسلم (١٠١٢).
(٢) رواه البخاري (٧٧٦)، ومسلم.
(٣) تنوير المقالة (٢/ ١٥٦ ١٥٧).
(٤) رواه مسلم (١١١٠).
[ ١ / ٣٩٢ ]
أولى بأن يكون التكبير فيه، ولأن القائم إلى الثالثة كالمستفتح لصلاة جديدة، (هكذا يفعل الإمام والرجل وحده)، لحديث وقد جاء في حديث أبي هريرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد، ثم يكبر حين يهوي ساجدا، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل مثل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها ويكبر حين يقوم من المثنى بعد الجلوس» (^١).
(وأما المأموم فـ) ـلا يقوم إلا (بعد أن يكبر الإمام) ويفرغ منه، فحينئذ (يقوم المأموم أيضا فإذا) قام واستوى قائما كبر، لأنه تابع للإمام ومقتد به، فسبيل أفعاله أن تكون بعد أفعاله، وفي الحديث: «لا تسبقوني بركوع ولا سجود» ففيه تنبيه على متابعة المأموم للإمام لأن النهي عن السبق يفيد طلب المتابعة، وهي منتفية في السبق وفي المساواة، ولحديث أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ ركب فرسا فصرع فجحش شقه الأيمن فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد وصلينا وراءه قعودا فلما انصرف قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى قائما فصلوا قياما وإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون» (^٢)، فأفاد بالفاء الترتيب والمتابعة الفورية.
(ويفعل في بقية الصلاة من صفة الركوع والسجود) والرفع منهما والاعتدال والطمأنينة، (والجلوس) بين السجدتين، والاعتماد على اليدين في القيام (نحو ما تقدم ذكره في) صلاة (الصبح) لقوله ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي» وقوله ﷺ للمسيء صلاته: «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها»، ولا خلاف فيما ذكر من كونه فعله وعلمه الناس.
_________________
(١) رواه البخاري (٧٨٩)، ومسلم (٨٦٦)، واللفظ له.
(٢) رواه مالك في الموطأ (٣٠٧)، والبخاري (٦٥٧)، ومسلم (٤١١).
[ ١ / ٣٩٣ ]
• الرواتب القبلية والبعدية:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ويتنفل بعدها، ويستحب له أن يتنفل بأربع ركعات يسلم من كل ركعتين، ويستحب مثل ذلك قبل صلاة العصر).
• الشرح والدليل:
(ويتنفل بعدها)؛ أي: بعد صلاة الظهر (ويستحب له أن يتنفل بأربع ركعات يسلم من كل ركعتين) وإليك جملة ما ورد في السنن الرواتب قبل الفرائض وبعدها: لحديث عبد الله بن شقيق قال: «سألت عائشة عن صلاة النبي ﷺ فقالت: كان يصلي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين، وبعد العشاء ركعتين، وقبل الفجر اثنتين» وفي رواية لمسلم وأبي داود ذكرا فيها: «قبل الظهر أربعا» (^١).
قوله: «حفظت» في لفظ للبخاري: «صليت مع النبي ﷺ».
قال الداودي: وقع في حديث ابن عمر ﵁ أن قبل صلاة الظهر ركعتين، وفي حديث عائشة ﵂ أربعا، وهو محمول على أن كل واحد منهما وصف ما رأى، قال: ويحتمل أن ينسى ابن عمر ركعتين من الأربع.
قال الحافظ: وهذا الاحتمال بعيد، والأولى أن يحمل على حالين: فكان تارة يصلي ثنتين، وتارة يصلي أربعا؛ وعن ابن عمر ﵄: «أن النبي ﷺ كان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلي ركعتين في بيته» (^٢).
• القراءة في العصر والمغرب:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ويفعل في العصر كما وصفنا في الظهر سواء، إلا أنه يقرأ في
_________________
(١) رواه مسلم (٧٣٠)، وأبو داود بمعناه (١٢٥١).
(٢) أخرجه مسلم: (٣/ ١٧) (٨٨٢) (٧١).
[ ١ / ٣٩٤ ]
الركعتين الأوليين مع أم القرآن بالقصار من السور مثل والضحى وإنا أنزلناه ونحوهما، وأما المغرب فيجهر بالقراءة في الركعتين الأوليين منها ويقرأ في كل ركعة منهما بأم القرآن وسورة من السور القصار، وفي الثالثة بأم القرآن فقط ويتشهد).
الشرح
(ويفعل في) صلاة (العصر) كما وصفنا في صفة الظهر سواء لا يستثني منه شيء (إلا أنه يقرأ في الركعتين الأوليين مع أم القرآن بالقصار من السور مثل والضحى، وإنا أنزلناه ونحوهما) فلو افتتحها بسورة من طوال المفصل تركها، وقرأ سورة قصيرة، هكذا قال الشراح، وقد تقدمت صفة قراءة النبي ﷺ في صلاة العصر.
(وأما المغرب فيجهر بالقراءة في الركعتين الأوليين منها فقط ويسر في الثالثة ويقرأ في كل أربعة منهما؛ أي: الأوليين (بأم القرآن وسورة من السور القصار)، لأن العمل استمر على ذلك، (و) يقرأ في الثالثة بأم القرآن فقط) لما مر قريبا في حديث سليمان بن يسار، ولحديث ابن عمر ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في المغرب ﴿قل يأيها الكافرون﴾، و﴿قل هو الله أحد﴾ (^١)، وفي رواية: «بالتين والزيتون» (^٢).
قلت: «الغالب في القراءة في المغرب بقصار السور، لكن لا يمنع أن يقرأ فيها أحيانا بالطوال لا سيما وأن جبير بن مطعم ذكر في حديثه أنه سمع رسول الله ﷺ يقرأ بالطور في المغرب» (^٣).
وقط بمعنى حسب، والفاء لتزيين اللفظ، والحاصل أن قط مضمومة الطاء مع التشديد تختص بالنفي تقول ما فعلته قط مشتقة من قططته؛ أي: قطعته.
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٨٨٢).
(٢) رواه ابن حبان (١٨٤١)، وإسناده ضعيف كما قال شيخنا شعيب الأرناؤوط حفظه الله تعالى.
(٣) البخاري (٧٣١)، ومسلم (٤٦٣).
[ ١ / ٣٩٥ ]
(و) إذا رفع رأسه من سجود الركعة الثالثة (يتشهد) ويصلي على النبي ويدعو (و) بعد ذلك (يسلم) على الصفة المتقدمة.
• تتمة الرواتب:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ويستحب أن يتنفل بعدها بركعتين وما زاد فهو خير، وإن تنفل بست ركعات فحسن والتنفل بين المغرب والعشاء مرغب فيه، وأما غير ذلك من شأنها فكما تقدم ذكره في غيرها).
الشرح:
(ويستحب) له (أن يتنفل بعدها)؛ أي: بعد صلاة المغرب أي بعد فراغه من الذكر عقبها (بركعتين)؛ أي: على جهة الأكدية لقوله: «وما زاد على الركعتين فهو خير». ودليل الاستحباب فعله ﵊ ولما مر في حديث عائشة ﵂.
(وما زاد) على الركعتين (فهو خير) له لقوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾ [الزلزلة: ٧]، وإن تنفل بعدها (بست ركعات فحسن)؛ أي: مستحب فعن ابن عمر ﵄ عند محمد بن نصر في كتاب قيام الليل (^١) بلفظ: سمعت النبي ﷺ يقول: «من صلى ست ركعات بعد المغرب قبل أن يتكلم غفر له بها خمسين سنة» (^٢)، وأغلب الأحاديث الواردة في الست بعد المغرب ضعيفة ضعفا شديدا، ولا ندري هل اعتمد المصنف رحمه الله تعالى على أحاديث أخرى أم على هذه الأحاديث الضعيفة، وأما الأحاديث المطلقة المرغبة في النافلة فكثيرة والحمد لله ولذلك قال:
(والتنفل بعد المغرب والعشاء مرغب فيه) فعن قتادة عن أنس في قوله
_________________
(١) مختصر قيام الليل رقم (٦٦) باب الترغيب في الصلاة ما بين المغرب والعشاء.
(٢) وفي إسناده محمد بن غزوان الدمشقي، قال أبو زرعة: منكر الحديث، وقال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج به.
[ ١ / ٣٩٦ ]
تعالى: ﴿كانوا قليلا من الليل ما يهجعون﴾ [الذاريات: ١٧] قال: كانوا يصلون فيما بين المغرب والعشاء، وكذلك ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ [السجدة: ١٦].
وعن حذيفة قال: «صليت مع النبي ﷺ المغرب فلما قضى الصلاة قام يصلي فلم يزل يصلي حتى صلى العشاء ثم خرج» (^١).
وأخرج محمد بن نصر عن أنس في قوله تعالى: ﴿إن ناشئة الليل﴾ [المزمل: ٦] قال: ما بين المغرب والعشاء.
وقد روي عن محمد بن المنكدر: أن النبي ﷺ قال: «إنها صلاة الأوابين» (^٢).
(وأما غير ذلك)؛ أي: غير ما ذكر من الجهر بالقراءة في الأوليين بأم القرآن وسورة قصيرة وبأم القرآن فقط سرا في الثالثة (من شأنها)؛ أي: من صفتها كتكبيرة الإحرام ورفع اليدين حذو المنكبين والتكبير في الانحطاط من الركوع وتمكين اليدين من الركبتين إلى غير ذلك مما تقدم فحكمها فيه (كما)؛ أي: مثل الذي (تقدم ذكره في غيرها) من صلاة الصبح وما بعدها فلا حاجة إلى إعادته، وإعادة دليله.
• تسمية العشاء بالعتمة وصفة القراءة فيها:
(وأما العشاء الأخيرة) قال ابن عمر: هذا من لحن الفقهاء، لأنه يوهم أن ثم عشاء أولى، وليس كذلك، فقد قال عياض وغيره: لا تسمى المغرب عشاء لا لغة ولا شرعا، لكنه من باب التغليب، قلت: وقد بوب البخاري رحمه الله تعالى «باب من كره أن يقال للمغرب العشاء».
قال الحافظ: قال الزين بن المنير: عدل المصنف عن الجزم كأن يقول باب كراهية كذا لأن لفظ الخبر لا يقتضي نهيا مطلقا، لكن فيه النهي عن غلبة
_________________
(١) أخرجه الترمذي مطولا في مناقب الحسن والحسين (٣٧٨١). قال الحافظ البوصيري في إتحاف المهرة (٢/ ١١٣)، والنسائي: بإسناد جيد.
(٢) سنن البيهقي، باب: من فتر عن قيام الليل (٤٩٣٩) (٢/ ٣٨٧).
[ ١ / ٣٩٧ ]
الأعراب على ذلك، فكأن المصنف رأى أن هذا القدر لا يقتضي المنع من إطلاق العشاء عليه أحيانا، بل يجوز أن يطلق على وجه لا يترك له التسمية الأخرى كما ترك ذلك الأعراب وقوفا مع عادتهم، قال: وإنما شرع لها التسمية بالمغرب لأنه اسم يشعر بمسماها أو بابتداء وقتها، وكره إطلاق اسم العشاء عليها لئلا يقع الالتباس بالصلاة الأخرى، وعلى هذا لا يكره أيضا أن تسمى العشاء بقيد كأن يقول العشاء الأولى، ويؤيده قولهم العشاء الآخرة كما ثبت في الصحيح، وسيأتي من حديث أنس في الباب الذي يليه، ونقل ابن بطال عن غيره أنه لا يقال للمغرب العشاء الأولى ويحتاج إلى دليل خاص، أما من حديث الباب فلا حجة له (^١).
وفي «صحيح مسلم» عن علي ﵁ أن النبي ﷺ صلى العصر يوم الأحزاب بين العشاءين: المغرب والعشاء (^٢).
(وهي العتمة واسم العشاء أخص بها وأولى) تفسير لقوله أخص وقد مر كلام العلماء على تسمية العشاء الآخرة بالعتمة عند قول المصنف: (ووقت صلاة العتمة وهي .. إلخ).
(فيجهر في الأوليين بأم القرآن وسورة في كل ركعة) منهما هذا لا خلاف فيه، وقد جاءت به الأحاديث الصحيحة منها ما قد مر، (وقراءتها)؛ أي: السورة في صلاة العشاء (أطول قليلا من القراءة في) صلاة (العصر) فيقرأ فيها من المتوسطات، وإنما سكت عن المغرب مع أن المغرب أقرب لها لأنه لم يعين فيها القراءة، وإنما عين القراءة في العصر (و) يقرأ في الأخيرتين من العشاء (بأم القرآن) فقط (في كل ركعة سرا ثم يفعل في سائرها كما تقدم من الوصف) في صلاة الصبح.
وهنا انتهى الكلام على صفة العمل في الصلوات المفروضات فمن صلاها على ما وصف فقد صلاها على أكمل الهيئات، ومن ضيع شيئا منها
_________________
(١) فتح الباري لابن حجر (٢/ ٥٢).
(٢) فتح الباري لابن رجب باب من كره أن يقال للمغرب: العشاء (٤/ ٣٦٢).
[ ١ / ٣٩٨ ]
فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه والله يعفو عنا وعن كل مقصر مثلنا.
(ويكره النوم قبلها)؛ أي: قبل صلاة العشاء (والحديث بعدها لغير ضرورة)؛ أي: بعد فعلها. وأما الحديث بعد دخول وقتها وقبل فعلها فلا يكره، قاله الفاكهاني، وكذا يكره السهر بلا كلام خوف تفويت الصبح وقيام الليل وكلامه هنا مكرر فقد تقدمت الأدلة على ذلك والله المستعان.
• وجوب تحريك اللسان بالقراءة:
(والقراءة التي يسر بها في الصلاة كلها) بالرفع تأكيد للقراءة (هي بتحريك اللسان) هذا أدنى السر وأعلاه أن يسمع نفسه فقط واحترز بتحريك اللسان من أن يقرأ في الصلاة بقلبه فإنها لا تجزئه فعن أبي معمر عبد الله بن سخبرة قال سألت خبابا: «أكان رسول الله يقرأ في الأولى والعصر، قال: نعم، قال: قلنا: بأي شيء كنتم تعرفون ذلك، قال: باضطراب لحيته» مخرج في الصحيحين من حديث الأعمش وفيه دليل على أنه لا بد من أن يحرك لسانه بالقراءة.
قال الزرقاني (^١): واستدل به البيهقي على أن الإسرار بالقراءة لا بد فيه من إسماع المرء نفسه وذلك لا يكون إلا بتحريك اللسان والشفتين بخلاف ما لو أطبق شفتيه وحرك لسانه بالقراءة فإنه لا تضطرب بذلك لحيته فلا يسمع نفسه انتهى.
ونقل الحطاب عن ابن ناجي في شرح الرسالة: اعلم أن أدنى السر أن يحرك لسانه بالقراءة وأعلاه أن يسمع نفسه فقط وأدنى الجهر أن يسمع نفسه ومن يليه وأعلاه لا حد له … انتهى.
زاد في شرح المدونة فمن قرأ في قلبه في الصلاة فكالعدم ولذلك يجوز للجنب أن يقرأ في قلبه، وقال ابن عرفة: وسمع سحنون من ابن القاسم
_________________
(١) شرح الموطأ للزرقاني (١/ ١٦٢).
[ ١ / ٣٩٩ ]
أن تحريك لسان المسر فقط يجزئه وأحب إسماع نفسه، وقال: ابن رشد وجهره إسماع غيره، وأحب فوق ذلك انتهى (^١).
(و) احترز (بالتكلم بالقرآن)؛ أي: بقراءة القرآن من أن يقرأ فيها بغيره من التوراة والإنجيل أو الأحاديث القدسية وغير ذلك من الكتب المنزلة، فإنها تبطل. وعلة البطلان إما أن غير القرآن من الكتب السماوية منسوخ أو مبدل، وإما أن ذلك مخالف لفعله ﵊ وقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (^٢).
(وأما الجهر فـ) ـأقله (أن يسمع نفسه ومن يليه)؛ أي: على فرض أن هناك من يسمعه، وأعلاه لا حد له. وإن كان وحده قال الفاكهاني: وانظر ما معنى قوله: إن كان وحده. والظاهر أنه يحترز عن الإمام فإنه يطلب منه أن يسمع نفسه ومن خلفه، فلو لم يسمع من خلفه فصلاته صحيحة، وحصلت السنة بسماعه من يليه. وقال الأقفهسي: إن كان وحده احترز به ممن يقرب منه مصل آخر، فحكمه في جهره حكم المرأة.
تنبيه: محل طلب الجهر كما في شرح الشيخ حيث كان لا يترتب عليه تخليط الغير وإلا نهى عما يحصل به التخليط، ولو أدى إلى إسقاط السنة، لأنه لا يجوز له أن يرتكب محرما لتحصيل السنة، روى مالك في «الموطأ»: «أن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال: «إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن»» (^٣).
وما ذكره من الجهر إنما هو في حق الرجل.
_________________
(١) مواهب الجليل شرح مختصر خليل (٢٢٢/ ٢ - ٢٢٣)، ط: العلمية.
(٢) تنوير المقالة (٢/ ١٦٩)، والحديث تقدم تخريجه.
(٣) مالك في الموطأ (١٧٧)، وأحمد (١٩٠٢٢)، وقال العراقي: بإسناد صحيح؛ وانظر هذه المسألة بمزيد من التوسع في: مواهب الجليل (٢/ ٢٢٣)، فإن كثيرا من الناس عندنا يجهلون محل الجهر إذا كان ثمت مسبوقين فيشوش بعضهم على بعض، ولا ينبه الأئمة على هذه المسائل إما لجهلهم بها؛ أو زهدهم في تعليم الناس.
[ ١ / ٤٠٠ ]
• كيفية صلاة المرأة:
(و) أما (المرأة) فهي (دون الرجل في الجهر) وهي أن تسمع نفسها خاصة كالتلبية فيكون أعلى جهرها وأدناه واحدا، وهو سماع نفسها فقط.
وعلى هذا يستوي في حقها السر والجهر؛ أي: أن أعلى سرها وجهرها يساويان أعلى سر الرجل.
فالمساواة الأولى بين أعلى سر المرأة وجهرها، والمساواة الثانية بينهما وبين أعلى سر الرجل.
ووجه ما ذكر أن صوتها ربما كان فتنة، ولذلك لا تؤذن اتفاقا، وهل حرام أو مكروه؟ قولان (^١). وجاز لها أن تبيع وتشتري للضرورة.
(وهي)؛ أي: المرأة (في هيئة الصلاة مثله)؛ أي: مثل الرجل لأن النساء شقائق الرجال، ﴿وكانت أم الدرداء تجلس في صلاتها جلسة الرجل وكانت فقيهة﴾ (^٢)
(غير أنها تنضم ولا تفرج) بفتح التاء وسكون الفاء وضم الراء، وهو تفسير تنضم، فالعطف للتفسير (فخذيها ولا عضديها) وقوله: (وتكون منضمة منزوية) تكرار؛ أي: قوله: وتكون منضمة منزوية تكرار لا يقال إن المكرر هو قوله: وتكون منضمة، لأنه تقدم في قوله غير أنها تنضم. وأما الانزواء فلم يتقدم له ذكر حتى يكون تكرارا، لأنا نقول: الانزواء هو الانضمام، وكأن قائلا قال له: أين تكون بهذه الحالة؟ فقال: (في جلوسها وسجودها وأمرها)؛ أي شأنها (كله) يدخل فيه الركوع، فلا تجنح كالرجل، وما ذكره المصنف رواية ابن زياد عن مالك، وهو خلاف قول ابن القاسم في «المدونة»، لأنه ساوى بين الرجل والمرأة في الهيئة والذي ذكره المصنف من رواية ابن زياد
_________________
(١) مواهب الجليل (٢/ ١٢٨).
(٢) رواه البخاري تعليقا، قال الحافظ: وصله المصنف (أي: البخاري) في التاريخ الصغير من طريق مكحول باللفظ المذكور، وأخرجه ابن أبي شيبة من هذا الوجه، لكن لم يقع عنده قول مكحول في آخره: «وكانت فقيهة». انظر: الفتح (٢/ ٣٥٤).
[ ١ / ٤٠١ ]
هو الراجح، وكلام ابن القاسم ضعيف هكذا قال غير واحد لكن الظاهر من الأدلة أن قول ابن القاسم هو الأقرب للصواب والله أعلم.
وأما مساواة النساء للرجال ففي النوادر عن مالك: تضع فخذها اليمنى على اليسرى، وتنضم قدر طاقتها ولا تفرج في ركوع ولا سجود ولا جلوس بخلاف الرجل، وهو قول الشافعي؛ وجه الأول: ما في الحديث: «أن النساء شقائق الرجال»، ووجه الثاني: أن انفراج المرأة يذكر بحال الجماع فيفسد عليها صلاتها، ولذلك قيل إنما يؤمرن بذلك إذا صلين مع الرجال. اه (^١).
• صلاة الشفع والوتر:
(ثم) بعد أن (يصلي) العشاء يصلي بعدها (الشفع) ركعتين، وهل يشترط أن يخصهما بنية أو يكتفي بأي ركعتين كانتا؟ قولان. الظاهر منهما الثاني لما في حديث عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يصلي في الحجرة وأنا في البيت فيفصل بين الشفع والوتر بتسليم يسمعناه» (^٢)، وفيه دليل عليهما، (و) بعد أن يصلي ركعتي الشفع يصلي (الوتر) بفتح الواو وكسرها وبتاء مثناة فوق، وأما بالمثلثة مع كسر الواو فالفراش للوطء ومع فتحها ماء الفحل يجتمع في رحم الناقة إذا أكثر الفحل ضرابها ولم تلقح ذكره التتائي، وقد جاء من الآثار المرغبة الكثير فعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿يا أهل القرآن، أوتروا، فإن الله وتر، يحب الوتر﴾ (^٣).
وهو سنة مؤكدة على المشهور، وقيل بوجوبه، وهل الشفع شرط كمال أو شرط صحة؟ قولان، شهر الأول صاحب «الجواهر» وابن الحاجب، وصرح الباجي بمشهورية الثاني فإن أوتر بغير شفع فقال أشهب: يعيد وتره بإثر شفع ما لم يصل الصبح؛ أي: على طريق السنة إن كان أشهب يقول بأن تقدم
_________________
(١) الذخيرة (٢/ ١٩٣).
(٢) ابن حبان (٢٤٣٣). قال شيخنا شعيب الأرنؤوط: إسناده قوي.
(٣) رواه أحمد (١/ ٨٦)، وأبو داود (١٤١٦)، والترمذي (٤٥٣)، وقال: حديث حسن.
[ ١ / ٤٠٢ ]
الشفع شرط صحة أو على طريق الندب إن كان أشهب يقول إنه شرط كمال لأن مذهب أشهب لم يتعين لنا (^١). وإذا قلنا لا بد من تقدم شفع؛ أي: أن تقدمه شرط صحة، فهل يلزم اتصاله بالوتر وفي حكمه الفصل اليسير، أو يجوز أن يفرق بينهما بالزمن الطويل قولان، والراجح الثاني، ويستحب أن يقرأ في الشفع والوتر (جهرا، وكذلك يستحب في نوافل الليل الإجهار) فعن عائشة: «أنها سئلت: كيف كانت قراءة النبي ﷺ بالليل؟ فقالت: كل ذلك قد كان يفعل ربما أسر وربما جهر» (^٢). وللمازري مع علماء عصره مناظرة في ترك الشفع مع التراويح انظرها في شرح التلقين (^٣).
(وفي نوافل النهار الإسرار) قياسا على الظهر والعصر ولحديث يحيى ابن أبي كثير مرسلا أنهم قالوا يا رسول إن ههنا قوما يجهرون بالقرآن بالنهار فقال: «ارموهم بالبعر» (^٤)، (وإن جهر في النهار في تنفله فذلك واسع)؛ أي: جائز؛ أي خلاف الأولى، لا أنه جائز مستوي الطرفين، لحديث البراء بن عازب ﵁ قال: «كنا نصلي خلف النبي ﷺ الظهر فنسمع منه الآية بعد الآيات من سورة لقمان، والذاريات» (^٥)، وفي حديث لأبي قتادة ﵁ «كان النبي ﷺ يقرأ في الركعتين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب، وسورة سورة، ويسمعنا الآية أحيانا» (^٦) وحكى ابن الحاجب في كراهته قولين (^٧):
_________________
(١) حاشية العدوي (١/ ٢٩٢).
(٢) رواه أحمد (٢٤٤٥٣)، وأبو داود (١٤٣٧)، والترمذي (٢٩٢٤)، وصححه، والحديث رجاله رجال الصحيح.
(٣) شرح التلقين للمازري (٢/ ٧٨٤ - ٧٨٥).
(٤) رواه ابن أبي شيبة (١/ ٤٠١) (٣٦٦٩) في المصنف، قال ابن رجب في فتح الباري: مراسل يحيى بن أبي كثير ضعيفة. فتح الباري لابن رجب، باب: من خافت القراءة في الظهر والعصر (٧/ ٨١). ورواه ابن شاهين مسندا من حديث أبي هريرة له، وله طرق متعددة ضعيفة هذا أمثلها.
(٥) رواه النسائي (٩٧٠)، وضعفه الألباني.
(٦) البخاري (٧٦٢)، والنسائي في «الكبرى» (١٠٤٨).
(٧) مواهب الجليل (٢/ ٥٨٩)
[ ١ / ٤٠٣ ]
(وأقل الشفع ركعتان) فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «حفظت عن رسول الله ﷺ … .. وركعتين بعد العشاء، … ..» (^١)، ولحديث ابن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ يفصل بين الوتر والشفع بتسليمة ويسمعناها» (^٢)، وأما أكثره فلا حد له، لأن النوافل المطلقة لا حد لها لقول النبي ﷺ: «صلاة الليل مثنى مثنى .. إلخ» الحديث (^٣)؛ (ويستحب أن يقرأ في الأولى بأم القرآن وسبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية بأم القرآن وقل يا أيها الكافرون) فعن أبي بن كعب قال: كان رسول الله ﷺ يوتر بسبح اسم ربك الأعلى وقل للذين كفروا والله الواحد الصمد (^٤)، قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه وفي حديثهما: ﴿قل يأيها الكافرون﴾ و﴿قل هو الله أحد﴾ (^٥) انتهى. (وفي الثالثة بقل هو الله أحد) الحديث فيه لين كما سيجيء (^٦). (ويتشهد ويسلم)، لأنه يستحب فصله عن الوتر، ويكره وصله، لحديث ابن عمر ﵄: «كان رسول الله ﷺ يفصل بين الوتر والشفع بتسليمة
_________________
(١) متفق عليه، تقدم قريبا.
(٢) رواه أحمد (٥٤٦١)، وإسناده قوي كما قال شيخنا شعيب الأناؤووط، والطبراني في الأوسط (٧٥٧)، ورواه ابن حبان (٢٤٣٢)، ورجال إسناده ثقات غير إبراهيم بن ميمون الصائغ فهو صدوق. التقريب (٢٦٣)، وروي موقوفا عن ابن عمر أنه كان يسلم بين الشفع والوتر حتى يأمر ببعض حاجته، كما في الموطأ (١/ ١٢٥)، ومن طريقه الشافعي في المسند (١/ ١٩٦).
(٣) البخاري (٤٧٢)، ومسلم رقم (٧٤٩ - ٧٥٣).
(٤) أخرجه أبو داود (١٤٢٣)، والترمذي (٤٦٣)، وقال: حسن غريب، والنسائي (١٧٣٠)، وابن ماجه (١/ ٣٧٠) رقم (١١٧١).
(٥) عون المعبود، باب: ما يقرأ في الوتر.
(٦) ورواه ابن حبان والدارقطني من طريق يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة. قال العقيلي: إسناده صالح. وقال ابن الجوزي: أنكر أحمد ويحيى بن معين زيادة المعوذتين، وروى ابن السكن له شاهدا من حديث عبد الله بن سرجس بإسناد غريب كذا في سبل السلام، وانظر: نصب الراية، باب: صلاة التطوع، ونقله سبل السلام (٢/ ٣٣)، ط: الفكر، ١٤١١ هـ.
[ ١ / ٤٠٤ ]
ويسمعناها» (^١).
(ثم يصلي الوتر ركعة واحدة) لحديث عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ «أن رسول الله ﷺ كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة فإذا فرغ اضطجع على شقه الأيمن» (^٢)، و(يقرأ فيها بأم القرآن وقل هو الله أحد والمعوذتين) كما تقدم.
(وإن زاد من الأشفاع جعل آخر ذلك الوتر)؛ أي: وإن زاد من صلاة النوافل أتبع ذلك بركعة الوتر، لأن النوافل المطلقة لا حد لها.
(وكان رسول الله ﷺ) كما في حديث ابن عباس ﵄ (^٣) (يصلي من الليل اثنتي عشرة ركعة ثم يوتر بواحدة) وكذلك حديث عائشة زوج النبي ﷺ: «أن رسول الله ﷺ كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة فإذا فرغ اضطجع على شقه الأيمن» رواه مالك (^٤)، وفي لفظ لغيره: «وإحدى عشرة سوى ركعتي الفجر» وإليها أشار المصنف بقوله: (وقيل عشر ركعات ثم يوتر بواحدة) وفي رواية عن عائشة ﵂ قالت: «أن رسول الله ﷺ، كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة، يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن فيصلي ركعتين خفيفتين» (^٥).
• أفضل أوقات الوتر:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وأفضل الليل آخره في القيام، فمن أخر تنفله ووتره إلى آخره فذلك أفضل إلا من الغالب عليه أن لا يتنبه فليقدم وتره مع ما يريد من النوافل
_________________
(١) أحمد (٥٤٦١)، والطبراني في الأوسط (٧٥٧)، ورجال إسناده ثقات غير إبراهيم بن ميمون الصائغ فهو صدوق، كما نص عليه الحافظ في التقريب (٢٦٣).
(٢) مالك في الموطأ (٢٦٢).
(٣) في الموطأ (١/ ١٢١ - ١٢٢)، والبخاري (٩٧٤)، ومسلم (٧٦٣).
(٤) الموطأ (٣٩٣/ ١١٧)، ومسلم (٧٣٦ - ١٢١).
(٥) رواه مسلم (٧٣٦).
[ ١ / ٤٠٥ ]
أول الليل، ثم إن شاء إذا استيقظ في آخره تنفل ما شاء منها مثنى مثنى. ولا يعيد الوتر.
ومن غلبته عيناه عن حزبه فله أن يصليه ما بينه وبين طلوع الفجر وأول الإسفار، ثم يوتر ويصلي الصبح.
ولا يقضي الوتر من ذكره بعد أن صلى الصبح).
الشرح
شرع يتكلم عن محل الوتر الأفضل بقوله:
(وأفضل الليل آخره في القيام) والمراد بآخره الثلث الأخير من الليل، لأنه وقت مبارك ينزل الله تبارك في علاه نزولا يليق بجلاله إلى سماء الدنيا كما صح الخبر عن سيد البشر بذلك فيما رواه مالك في «الموطأ» والشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه ينزل الله ﵎ إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل يعطى؟ هل من داع يستجاب له؟، هل من مستغفر يغفر له؟، حتى ينفجر الصبح» (^١).
ومن الأحاديث ما صح عن أبي هريرة ﵁ يرفعه قال: سئل: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ وأي الصيام أفضل بعد شهر رمضان؟ فقال: «أفضل الصلاة، بعد الصلاة المكتوبة، الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان، صيام شهر الله المحرم» (^٢). وحث النبي ﷺ أتباعه على قيام الليل فعن أبي أمامة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة للإثم» (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري (١٠٩٤)، ومسلم (٧٥٨)؛ تقدم بيان معنى ما ذهب إليه السلف والخلف في صفة النزول والحق مذهب السلف. قال القاضي عياض: الصحيح رواية: «حين يبقى ثلث الليل الآخر» كذا قاله شيوخ الحديث، وهو الذي تظاهرت عليه الأخبار بلفظه ومعناه.
(٢) مسلم (١١٦٣).
(٣) رواه الترمذي (٣٨٩٥)، وابن خزيمة (١٠٣٥)، ورواه الحاكم وصححه، والحديث حسن بشواهده.
[ ١ / ٤٠٦ ]
ثم فرع على قوله أفضل الليل آخره قوله: (فمن أخر تنفله ووتره إلى آخره)؛ أي: الليل (فذلك أفضل له من أول الليل لما تقدم من حديث النزول، ولحديث عمرو بن عبسة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن» (^١)، (إلا من الغالب عليه أن لا ينتبه آخره) بأن كان غالب أحواله النوم إلى الصبح فليقدم وتره مع ما يريد) صلاته (من النوافل أول الليل) احتياطا، والحاصل أن تأخير الوتر مندوب في صورتين وهما أن تكون عادته الانتباه آخر الليل وتستوي حالتاه، وتقديمه مستحب في صورة واحدة وهي أن يكون أغلب أحواله النوم إلى الصبح.
ويتوقف ذلك على العزم والقوة، والتوفيق من الله أولا وأخيرا، فعن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: «متى توتر؟»، قال: أوتر من أول الليل، وقال لعمر: «متى توتر؟»، قال: آخر الليل، فقال لأبي بكر: «أخذ هذا بالحزم»، وقال لعمر: «أخذ هذا بالقوة» (^٢). (ثم إن شاء) من يغلب عليه عدم الانتباه وقدم وتره أول الليل (إذا استيقظ في آخره) على غير عادته (تنفل) استحبابا ما شاء منها؛ أي من النوافل من قليل أو كثير، ولا يكون تقديمه للوتر مانعا له من ذلك، ومحل ندب التنفل بعد الوتر إذا حدثت له نية التنفل بعد الوتر، وأما من نوى أن يجعل الوتر أثناء نفل فمخالف للسنة، ويستحب لمن أوتر في المسجد وأراد أن يتنفل بعده أن يتربص قليلا، ويكره أن يوقع النفل عقب الوتر من غير فصل، ويكفي الفصل ولو بالمجيء إلى البيت من المسجد بعد الوتر كما في المدونة ويكون تنفله (مثنى مثنى)؛ أي: ركعتين
_________________
(١) وأخرجه أيضا الترمذي (٥/ ٥٦٩) رقم (٣٥٧٩)، وقال: حسن صحيح غريب. والحاكم (١/ ٤٥٣) رقم (١١٦٢)، وقال: صحيح على شرط مسلم. وأخرجه أيضا: ابن خزيمة (٢/ ١٨٢) رقم (١١٤٧)، والبيهقي (٣/ ٤) رقم (٤٤٣٩). قال المناوي (٢/ ٦٩): قال الحاكم على شرط مسلم، وأقره الذهبي، وصححه الترمذي والبغوي.
(٢) رواه ابن حبان (٢٤٤٦)، وقال شيخنا شعيب الأرنؤوط: إسناده ضعيف.
[ ١ / ٤٠٧ ]
ركعتين، لقوله ﷺ: «صلاة الليل مثنى مثنى» (^١) (ولا يعيد الوتر) على المشهور، حكاه ابن الحاجب (^٢)، لنهيه ﷺ عن ذلك بقوله ﷺ: «لا وتران في ليلة» (^٣) قال في «الفواكه الدواني» (^٤): ولا يعارضه حديث: «اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وترا» (^٥)، لأن النهي يقدم على الأمر عند تعارضهما (^٦). فقول المصنف: إن شاء أشار به إلى أنه غير ممتنع ولا مكروه فلا ينافي الندب (ومن) أخر ورده بحيث (غلبته عيناه عن حزبه) فاستغرق في نومه حتى ضاق الوقت فيما بينه وبين طلوع الفجر (فله أن يصليه ما بينه)؛ أي: ما بين وقت انتباهه وبين طلوع الفجر وأول الإسفار الأعلى الذي يميز فيه الشخص جليسه، لحديث عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من نام عن حزبه، أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر، وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل» (^٧).
وحددت «المدونة» (^٨) صلاة الوتر بصلاة الصبح لا بالإسفار وهذا يقتضي أن الوقت أوسع ممن جعل للصبح ضروريا، أما من خشي فوات الجماعة أو ضيق وقت الصبح فلا يصله، وكذلك لا يرخص في صلاته للمتهاون عن صلاته في وقته، وهو مفهوم من قوله ومن غلبته عيناه.
(ثم) بعد الفراغ من حزبه قبل الإسفار (يوتر) ويصلي الفجر (ويصلي الصبح) إذا تبين اتساع الوقت، وأما لو لم يبق إلا قدر ثلاث ركعات صلى الوتر والصبح وأخر الفجر.
_________________
(١) تقدم تخريجه وهو في «الصحيحين»: البخاري (٤٦٠)، ومسلم (٧٤٩).
(٢) جامع الأمهات (١٣٤).
(٣) أبو داود (١٤٤١)، والترمذي (٢٢٧)، والنسائي (١٦٧٩)، وحسنه الحافظ كما في الفتح (٢/ ٤٨١)، باب: ما جاء في الوتر.
(٤) الفواكه الدواني (١/ ٢٠٩).
(٥) البخاري (٣)، ومسلم (٧٤٩).
(٦) انظر خلاف السلف في ذلك في: الجامع الصحيح للترمذي (٤٧٠).
(٧) أخرجه مسلم (١/ ٥١٥) رقم (٧٤٧)، وأبو داود (٢/ ٣٤) رقم (١٣١٣) وغيرهما.
(٨) المدونة (١/ ١٦٢) ما جاء في الوتر.
[ ١ / ٤٠٨ ]
ولما كان ضروري الوتر ينقضي بصلاة الصبح أشار إلى حكم من صلى الصبح ناسيا له بقوله: (ولا يقضي الوتر من ذكره) فاعل يقضي، وذكر الضمير العائد على الوتر من ذكره نظرا إلى لفظ الوتر (بعد أن صلى الصبح) لانقضاء ضروريها؛ وللنهي عن صلاة النافلة بعد صلاة الفجر، ولأن السلف كانوا يوترون بعد طلوع الفجر ما لم يصلوا الصبح، ومفهوم كلامه أنه لو ذكره في صلاة الصبح لم يكن الحكم كذلك، والحكم إن كان لم يعقد ركعة منها استحب له القطع إن كان فذا، ثم يصلي الوتر، وإن كان مأموما فلا يندب له القطع بل يتمادى، وإن كان إماما ففي ندب قطعه روايتان.
قال خليل: وندب قطعها له لفذ لا مؤتم، وفي الإمام روايتان، وعلى قطعه فهل يستخلف أو لا؟ قولان، اقتصر الأجهوري على أنه يستخلف (^١).
• تحية المسجد:
(ومن دخل المسجد على وضوء) فإن كان مسجد غير مكة (فلا يجلس حتى يصلي) ندبا (ركعتين) وذلك لمن أراد أن يجلس فيه في غير وقت النهي عن الصلاة وذلك لحديث أبي قتادة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» (^٢)؛ وروى ابن أبي شيبة من وجه آخر عن أبي قتادة: «أعطوا المساجد حقها» قيل: وما حقها؟ قال: «ركعتان قبل أن تجلس» (^٣).
وأما تحية المسجد الحرام فالطواف في حق القادم من الآفاق، وأما المقيم فيجزئه ركعتان يركعهما (^٤).
_________________
(١) انظر: مواهب الجليل للحطاب وما أورده من الخلاف في المسألة (٢/ ٣٨٧)، وانظر: الاستذكار (٢/ ١٢٢)، باب الوتر بعد الفجر.
(٢) رواه البخاري (١١٦٧)، ومسلم (١٦٥١).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٩٩).
(٤) انظر: الفتح (٢/ ٤٧٨).
[ ١ / ٤٠٩ ]
وتحية المسجد عند المالكية والأحناف إنما تصح (إذا كان وقت) الدخول (يجوز فيه الركوع) للنافلة، لأن النبي ﷺ نهى عن صلاة النافلة بعد العصر حتى تغرب الشمس وهكذا الصبح حتى تطلع الشمس فعن أبي هريرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس» (^١).
• فالحاصل أن تحية المسجد لها ثلاثة شروط:
١ - أن يدخل على طهارة،
٢ - وأن يكون مراده الجلوس في المسجد،
٣ - وأن يكون الوقت وقت جواز.
هل تجزئ الصلوات المفروضة وركعتا الفجر عن تحية المسجد؟:
(ومن دخل المسجد ولم يركع الفجر) في بيته أجزأه لذلك؛ أي: لتحية المسجد (ركعتا الفجر)، لأن القصد شغل البقعة وقد حصل كما أنها تحصل بصلاة الفرض قضاء وأداء.
(ومن ركع)؛ أي: صلى الفجر في بيته ثم أتى المسجد لصلاة الصبح مع الإمام (فاختلف فيه)؛ أي: هل يطلب منه تحية المسجد (فقيل: يركع ركعتين) للحديث المتقدم: «إذا أتى أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين»، وعلى هذا القول هل ينوي بهما التحية أو إعادة الفجر قولان للمتأخرين.
(وقيل: لا يركع) لورود النهي عن الصلاة بعد الفجر بل يجلس حتى يقوم لصلاة الصبح وهو المعتمد في المذهب، واقتصر عليه خليل (^٢).
_________________
(١) رواه البخاري (٥٥٦)، ومسلم (٨٢٦).
(٢) مواهب الجليل (٢/ ٣٧٥ - ٣٧٦)، وتنوير المقالة (٢/ ١٩٨ - ١٩٩).
[ ١ / ٤١٠ ]
• حكم النافلة بعد صلاة الفجر:
(ولا صلاة نافلة) جائزة (بعد الفجر إلا ركعتا الفجر) لحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين» (^١).
والنهي في كلامه على الكراهة، وينتهي (إلى طلوع الشمس) فإن أخذت في الطلوع حرمت النافلة حتى يتكامل طلوعها فتعود الكراهة حتى ترتفع قيد رمح من أرماح العرب الذي قدره اثنا عشر شبرا بالشبر المتوسط.
_________________
(١) رواه أحمد (٥٨١١)، وأبو داود (١٢٧٨)، والترمذي (٤١٩)، والحديث صحيح. وقال الترمذي: حديث ابن عمر حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث قدامة بن موس؛ وروى عنه غير واحد، وهو ما أجمع عليه أهل العلم: كرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر، إلا ركعتي الفجر. وتعقب الإجماع كما قال الحافظ في التلخيص (١/ ٤٨٣).
[ ١ / ٤١١ ]
(باب في الإمامة وحكم الإمام والمأموم)
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ويؤم الناس أفضلهم وأفقههم.
ولا تؤم المرأة في فريضة ولا نافلة لا رجالا ولا نساء.
يقرأ (^١) مع الإمام فيما يسر فيه ولا يقرأ معه فيما يجهر فيه.
ومن أدرك ركعة فأكثر فقد أدرك الجماعة، فليقض بعد سلام الإمام ما فاته على نحو ما فعل الإمام في القراءة، وأما في القيام والجلوس ففعله كفعل الباني المصلي وحده.
ومن صلى وحده فله أن يعيد في الجماعة للفضل في ذلك إلا المغرب وحدها.
ومن أدرك ركعة فأكثر من صلاة الجماعة، فلا يعيدها في جماعة.
ومن لم يدرك إلا التشهد أو السجود فله أن يعيد في جماعة.
والرجل الواحد مع الإمام يقوم عن يمينه، ويقوم الرجلان فأكثر خلفه فإن كانت امرأة معهما قامت خلفهما، وإن كان معهما رجل صلى عن يمين الإمام والمرأة خلفهما.
ومن صلى بزوجته قامت خلفه.
والصبي إن صلى مع رجل واحد خلف الإمام قاما خلفه، إن كان الصبي يعقل لا يذهب ويدع من يقف معه.
والإمام الراتب إن صلى وحده قام مقام الجماعة.
_________________
(١) و(يقرأ): في نسخة الحلبي.
[ ١ / ٤١٢ ]
ويكره في كل مسجد له إمام راتب أن تجمع فيه الصلاة مرتين.
ومن صلى صلاة فلا يؤم فيها أحدا).
الشرح
هذا باب عظيم من أبواب الفقه المهمة في الدين، إذ أن إمامة المسلمين في صلواتهم هي مهمة الأنبياء والمرسلين عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين، ومن ناب عنهم لا بد له من الفقه في الدين، ليصلح لخلافتهم، فهي مسؤولية عظيمة، وشرف كبير، وأمانة تقتضي من حاملها مراعاتها والتبصر في أمورها، وفي ذلك قال المصنف رحمه الله تعالى:
(باب في الإمامة)؛ أي: هذا باب في بيان من هو أولى بالإمامة، ومن يصح الائتمام به، ومن لا تكره إمامته (و) في بيان حكم (الإمام) وأحواله في صلاته وحده، أو صلاة من ائتم به سفرا وحضرا، خوفا وأمنا، جماعة أو فردا (و) كذلك في بيان حكم (المأموم) من أنه يقرأ مع الإمام فيما يسر فيه، وينصت إذا جهر الإمام، وأين يقف إن كان وحده أو مع غيره؟.
• من أحق الناس بالإمامة (^١):
(ويؤم الناس أفضلهم)؛ أي: أكثرهم فضلا، وقد جاءت في السياق أحاديث منها قول النبي ﷺ: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» (^٢). ومعلوم أن الأقرأ أفعل تفضيل فدل على أفضلية الإمامة، ودعاء النبي ﷺ للأئمة بالإرشاد، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين» (^٣).
(وأفقههم) يقال فيه ما قيل في أفضلهم، لحديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن
_________________
(١) مواهب الجليل (٢/ ٤١٢) فما بعدها. والمذهب في ضبط المذهب (١/ ٢٧٤).
(٢) سيأتي تخريجه.
(٣) رواه أبو داود (٥١٧)، والترمذي (٢٠٧)، والحديث صحيح.
[ ١ / ٤١٣ ]
كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء …» (^١). قال مالك والشافعي رحمهما الله تعالى: يؤم القوم أفقههم لا أقرؤهم، قال ابن رشد والحافظ (^٢): ولا يخفى أن محل تقديم الأقرأ إنما هو حيث يكون عارفا بما يتعين من معرفته من أحوال الصلاة، فأما إذا كان جاهلا بذلك فلا يقدم اتفاقا، والسبب في ذلك أن أهل ذلك العصر كانوا يعرفون معاني القرآن لكونهم من أهل اللسان، فالأقرأ منهم بل القارئ، كان أفقه في الدين من كثير من الفقهاء الذين جاءوا بعدهم اه.
• حكم إمامة المرأة:
(ولا تؤم المرأة في فريضة ولا نافلة لا رجالا) لحديث جابر ﵁ قال خطبنا رسول الله ﷺ فقال: … . «ألا لا تؤمن امرأة رجلا، ولا يؤم أعرابي مهاجرا، ولا يؤم فاجر مؤمنا، إلا أن يقهره بسلطان، يخاف سيفه وسوطه» (^٣)، ولعموم حديث: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» (^٤)، وهو أصح في الاستدلال به من الأول لثبوته.
قوله: (ولا نساء) في المذهب، وروى ابن أيمن (^٥): أنها تؤم أمثالها من النساء إذا علمت ذلك (^٦)، قلت: وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لثبوته عن
_________________
(١) رواه مسلم (١٥٣٠)، وأبو داود (٥٨٢).
(٢) انظر: بداية المجتهد (١/ ٢٧٨)، وفتح الباري (٢/ ٢٠١)، وانظر: شروط الإمامة في المذهب (١/ ٢٧٢).
(٣) رواه ابن ماجه (١٠٨١)، وإسناده ضعيف، كما في مصباح الزجاجة لأحمد بن أبي بكر بن إسماعيل الكناني، ط: دار العربية، ١٤٠٣ هـ، ط: الثانية، تحقيق: محمد الكشناوي، ففي إسناد ابن ماجه عبد الله بن محمد العدوي، وشيخه ابن جدعان، ضعيفان، كما قال الحافظ في التلخيص (٥٦٩).
(٤) رواه البخاري (٤٤٢٥).
(٥) أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن أيمن القرطبي، ولد سنة: (٢٥٢ هـ)، وتوفي سنة: (٣٣٠ هـ)، انظر: شجرة النور الزكية (٨٨).
(٦) تنوير المقالة (٢/ ٢٠٦).
[ ١ / ٤١٤ ]
عائشة وغيرها) (^١)، وبوب جمع من الأئمة في جواز إمامة المرأة النساء والصبيان من أهل بيتها (^٢).
ويشترط في الإمامة أن يكون مسلما، عاقلا، ذكرا، عدلا، عالما بما تصح به الصلاة وتبطل، قادرا على الأركان، بالغا فلا تصح إمامة الصبي للبالغ في الفرض على المشهور (^٣)، لأن الصبي متنفل، ولا يصح نفل خلف فرض، قلت: والراجح جوازه إن كان يعقل فقه الصلاة وأكثر القوم قراءة لحديث عمرو بن سلمة وهو في «البخاري» وغيره وفيه عن أبيه أن النبي ﷺ قال: ﴿فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنا﴾ فنظروا في أهل حوائنا (^٤) ذلك فما وجدوا أحدا أكثر مني قرآنا لما كنت ألقى من الركبان فقدموني بين أيديهم وأنا ابن سبع سنين، أو ست سنين … الحديث (^٥). وقال ابن عرفة: بصحة إمامته مطلقا (^٦) للحديث الآنف الذكر.
(ويقرأ)؛ أي: المأموم (مع الإمام فيما يسر فيه) ويروى به، لينشغل بالصلاة عما سواها، فإنه لو ظل ساكتا هاجمته الوساوس والأفكار الشاغلة، وفي ذكر الله مطردة للهواجس والوساوس لا سيما لمن يتدبر القرآن، لحديث أبي هريرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: «هل قرأ معي أحد منكم آنفا؟»، فقال رجل: نعم، يا رسول الله، قال: «إني أقول ما لي أنازع القرآن؟»، قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه النبي ﷺ بالقراءة من الصلوات حين سمعوا ذلك
_________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي (٥١٣٨) (٣/ ١٣٠)، باب: إمامة المرأة النساء دون الرجال.
(٢) باب إمامة النساء عند أبي داود (١/ ١٦١)، وابن خزيمة (١٦٧٦)، وحسنه الألباني.
(٣) تنوير المقالة (٢/ ٢٠٤).
(٤) الحواء: بيوت مجتمعة من الناس على ماء، والجمع أحوية. ووألنا بمعنى لجأنا. كما في النهاية في غريب الحديث.
(٥) البخاري (٤٠٥١).
(٦) شرح زروق على الرسالة (١٢٨٠)، وانظر: التوضيح على جامع الأمهات لخليل (١/ ٢٦٦)
[ ١ / ٤١٥ ]
من رسول الله ﷺ» (^١).
قال في عون المعبود: «زاد البخاري في جزء القراءة: وقرءوا في أنفسهم سرا فيما لا يجهر فيه الإمام». قال ابن الزبير: «إذا جهر فلا تقرأ، وإذا خافت فاقرأ» (^٢).
قال الباجي في «المنتقى»: «فإن كان الإمام ممن يسكت بعد التكبير سكتة، ففي المجموعة من رواية ابن نافع عن مالك: يقرأ من خلفه في سكتته أم القرآن، وإن كان قبل قراءته ووجه ذلك أن اشتغاله بالقراءة أولى من تفريغه للوسواس وحديث النفس إذا لم يقرأ الإمام قراءة ينصت لها ويشتغل بتأملها وتدبرها» (^٣).
(ولا يقرأ معه فيما يجهر فيه)؛ أي: يكره له ذلك ظاهره ولو كان لا يسمع صوته وهو كذلك على المنصوص، فإن قرأ معه فبئس ما صنع ولا تبطل صلاته. والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. (ومن أدرك)؛ أي: مع الإمام من الصلاة المفروضة وأولى غيرها مما شرعت فيه الجماعة كالعيدين (ركعة فأكثر فقد أدرك الجماعة) كذا في «الموطأ» لكن بلفظ: فقد أدرك الصلاة بدل الجماعة (^٤)، ومعنى أدرك الجماعة أو الصلاة أدرك فضلها وحكمها (^٥)، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام، فقد أدرك الصلاة» (^٦)، والمراد بفضلها التضعيف الوارد في حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة الجماعة تفضل صلاة
_________________
(١) رواه مالك في الموطأ (١/ ٢٥٨)، وأبو داود (٨٢٦)، والترمذي (٣٢١).
(٢) القراءة خلف الإمام للبيهقي (١٧١) ذكر ما يؤثر عن أصحاب النبي المصطفى ﷺ في قراءتهم خلف الإمام وأمرهم
(٣) المنتقى للباجي (١/ ٢٠٠)، باب: ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر فيه.
(٤) الموطأ، باب: من أدرك ركعة من الصلاة.
(٥) الفواكه الدواني (٢/ ٣٨٧).
(٦) رواه البخاري (٥٥٤)، واللفظ له، ومسلم (٦٠٨).
[ ١ / ٤١٦ ]
الفذ بسبع وعشرين درجة» (^١).
وإدراك الركعة مع الإمام يكون بوضع اليدين على الركبتين بمعنى أن ينحني بحيث لو أراد وضع يديه على ركبتيه لأمكنه ذلك موقنا بأن الإمام لم يرفع رأسه من الركوع قبل أن يضع يديه على ركبتيه (^٢)، فلو شك هل رفع الإمام رأسه من الركوع قبل أن يضع يديه على ركبتيه قطع واستأنف (^٣).
وحكم المسبوق الذي أدرك مع الإمام ركعة فأكثر أن يأتي بما فاته مع الإمام قاضيا في القول بانيا في الفعل. وإلى الأول أشار بقوله: (فليقض بعد سلام الإمام ما)؛ أي: الذي (فاته) قبل دخوله مع الإمام من القول (على نحو ما فعل الإمام في القراءة لما روى مالك عن نافع: «أن عبد الله بن عمر كان إذا فاته شيء من الصلاة مع الإمام، فيما جهر به الإمام بالقراءة؛ أنه إذا سلم الإمام، قام عبد الله، فقرأ لنفسه فيما يقضي، وجهر» (^٤). ولحديث أبي قتادة أن النبي ﷺ قال: «إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» (^٥)
ولقول علي ﵁: «ما أدركت مع الإمام فهو أول صلاتك، واقض ما سبقك به من القراءة» (^٦).
(وأما) الثاني وهو البناء (في) الفعل ك (القيام والجلوس ففعله) فيه (كفعل الباني المصلي وحده) وهو الذي يصلي صلاته إلى آخرها ثم يذكر ما يفسد له بعضها، فيقضي ما فاته من الفاسد منها.
_________________
(١) رواه البخاري (٦١٩)، ومسلم (٦٥٠).
(٢) زروق على الرسالة (١/ ٢٨١).
(٣) الفواكه الدواني (١/ ٢٠٧).
(٤) الموطأ (١٨٠)، باب: العمل في القراءة.
(٥) البخاري (٦٠٩)، ومسلم (٦٠٣).
(٦) السنن الكبرى (٣٧٧٥)، والدارقطني في سننه (١/ ٤٠٢).
[ ١ / ٤١٧ ]
• هل يعيد من صلى وحده في جماعة؟ (^١):
(ومن صلى وحده) صلاة مفروضة في غير أحد المساجد الثلاثة مسجد مكة والمدينة والمسجد الأقصى، ولم يكن إماما راتبا، ولم تقم الصلاة عليه وهو في المسجد (ف) إنه يستحب (له أن يعيد) ما صلى (في الجماعة) لحديث أبي ذر قال: قال لي رسول الله ﷺ: «كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ قال قلت: فما تأمرني، قال: صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة» (^٢)، ولو كانت الإعادة في وقت الضرورة، فالإعادة لفضل الجماعة مقيدة بعدم خروج وقت الصلاة، فإن خرج وقتها فلا إعادة، ذكره سند، ونحوه لابن عرفة، قلت: وفي فعل النبي ﷺ دلالة على جواز الصلاة قضاء في جماعة لحديث أبي هريرة، قال: عرسنا مع نبي الله ﷺ، فلم نستيقظ حتى طلعت الشمس، فقال النبي ﷺ: «ليأخذ كل رجل برأس راحلته، فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان»، قال: ففعلنا، ثم دعا بالماء فتوضأ، ثم سجد سجدتين، وقال يعقوب: ثم صلى سجدتين، ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة (^٣) وفي «سنن أبي داود» ثم أمر بلالا فأقام الصلاة فصلى بهم صلاة الصبح.
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «اثنان فما فوقهما جماعة» (^٤)، والمقصود من إعادة المنفرد في الجماعة (ل) تحصيل (الفضل) الوارد في ذلك؛ أي: في صلاة الجماعة وقد تقدم، والصلاة التي
_________________
(١) مواهب الجليل (٢/ ٣٩٧ - ٣٩٨).
(٢) أخرجه مسلم (١/ ٤٤٨) رقم (٦٤٨)، وأبو داود (١/ ١١٧) رقم (٤٣١)، والترمذي (١/ ٣٣٢) رقم (١٧٦)، وقال: حديث حسن.
(٣) مسلم (٦٨٠)، وأبو داود (٤٤٤).
(٤) رواه ابن ماجه (٩٧٢)، والحديث ضعيف جدا. وبوب عليه البخاري: باب: اثنان فما فوقهما جماعة، وأورد حديث مالك بن الحويرث: «إذا حضرت الصلاة، فأذنا وأقيما، ثم ليؤمكما أكبركما» (٦٥٨).
[ ١ / ٤١٨ ]
تعاد لفضل الجماعة عامة في كل فريضة (إلا المغرب وحدها) لما روى مالك عن ابن عمر ﵄ كان يقول: «من صلى المغرب أو الصبح ثم أدركهما مع الإمام فلا يعيد لهما» (^١)؛ قال مالك: ولا أرى بأسا أن يصلي مع الإمام من كان قد صلى في بيته إلا صلاة المغرب فإنه إذا أعادها كانت شفعا، قال ابن عبد البر: والعجيب من مالك رحمه الله تعالى يقول: لأنها تصير شفعا، وهو يحتج بقول ابن عمر: لا فضل أفضل من السلام، فكيف وبعد السلام، مشي، وعمل، فكيف تنضاف مع ذلك صلاة أخرى؟ اه. قال الزرقاني (^٢): وعلل محمد بن الحسن عدم إعادة المغرب بأن الإعادة نافلة، ولا تكون نافلة وترا، قال أبو عمر: هذه العلة أحسن من تعليل مالك. اه (ومن أدرك ركعة فأكثر من صلاة الجماعة فلا يعيدها في جماعة)؛ أي: يحرم عليه ذلك ظاهره ولو كانت الجماعة الثانية أكثر عددا، أو أزيد خيرا وتقوى، وهو المشهور، لحديث ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تصلوا صلاة في يوم مرتين» (^٣).
(ومن لم يدرك إلا التشهد أو السجود فله أن يعيد في جماعة) أخرى، وهو مخير بين أمرين أن يبني على إحرامه، أو يقطع ويدرك جماعة أخرى إن رجاها فإن لم يرجها كمل صلاته ولا يقطعها، هذا في حق من لم يصل قبل ذلك.
وأما من صلى قبل ذلك ولم يدرك من صلاة الجماعة إلا هذا المقدار، فإنه يشفع؛ أي: ندبا بعد سلام الإمام، وإنما يشفع إذا كانت الصلاة مما يجوز النفل بعدها كما في التتائي. وعند ابن القاسم يقطع مطلقا سواء أحرم بنية الفرض أو النفل؛ أي: بعد تمام الركعتين؛ أي: لا يتم صلاته، ومقابله ما لمالك في المبسوط إن كانت نيته حين دخل مع الإمام أن يجعلها ظهرا أربعا وصلاته في بيته نافلة فعليه أن يتمها، وأمرهما إلى الله تعالى، يجعل
_________________
(١) مالك في الموطأ (١/ ٣٩١).
(٢) شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٣٩١).
(٣) أخرجه أبو داود (١/ ١٥٨) رقم (٥٧٩)، والنسائي (٢/ ١١٤) رقم (٨٦٠).
[ ١ / ٤١٩ ]
فرضه أيتهما شاء، وإن لم يرد رفض الأولى أجزأته الأولى ولم يكن عليه أن يتم هذه. ا هـ (^١).
للمأموم مع الإمام ست مراتب (^٢):
إما أن يكون المأموم واحدا.
أو مع غيره.
والغير رجلان فأكثر.
أو نساء ولو امرأة واحدة.
والمرأة قد تكون زوجته أو صبيا وامرأة.
وقد أشار إلى أول المراتب بقوله: (والرجل الواحد) فقط أو الصبي الذي يعقل الصلاة يكون موقفه مع الإمام مع إمامه الذي يصلي مقتديا به أنه يقوم عن يمينه على جهة الندب، وأنه يتأخر عنه قليلا بقدر ما يتميز به الامام من قال: بت عند خالتي ميمونة ليلة المأموم، لما في «الصحيح» أن ابن عباس ﵄ فقام النبي ﷺ من الليل فلما كان في بعض الليل قام النبي ﷺ فتوضأ من شن معلق وضوءا خفيفا، وقام يصلي فتوضأت نحوا مما توضأ ثم جئت فقمت عن يمينه (^٣).
والمرتبة الثانية: أشار إليها بقوله: (ويقوم الرجلان فأكثر خلفه) لما في حديث جابر ﵁ قال: «جئت حتى قمت عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه ثم جاء جبار بن صخر فتوضأ ثم جاء فقام عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ رسول الله ﷺ بيدينا جميعا فدفعنا حتى أقامنا خلفه» (^٤).
_________________
(١) الثمر الداني (١٥٥).
(٢) قال في تنوير المقالة (٢/ ٢٢٧): سبع مراتب، وذكر صاحب التلقين أنها أربع وإليها ترجع السبع.
(٣) رواه البخاري (١١٧، ١٣٧)، ومسلم (٧٦٣).
(٤) مسلم (٣٠١٠)، وأبو داود (٦٣٤).
[ ١ / ٤٢٠ ]
والمرتبة الثالثة: أشار إليها بقوله: (فإن كانت امرأة معهما)؛ أي: مع الرجلين (قامت خلفهما) لما في حديث أنس بن مالك ﵁: «أن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام فأكل منه ثم قال رسول الله ﷺ: «قوموا فلأصلي لكم»، قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس، فنضحته بماء، فقام عليه رسول الله ﷺ، وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا ركعتين، ثم انصرف» (^١).
والمرتبة الرابعة: أشار إليها بقوله: (وإن كان معهما)؛ أي: مع الإمام والمرأة (رجل صلى) الرجل ومثله الصبي الذي يعقل القربة (عن يمين الإمام، و) صلت (المرأة خلفهما) لما في حديث أنس ﵁ قال: «صلى بي رسول الله ﷺ وبامرأة من أهلي، فأقامني عن يمينه، والمرأة خلفنا» (^٢)، وحكم جماعة النسوة مع الإمام والرجل حكم المرأة الواحدة معهما، وقد أشار إلى ذلك في باب الجمعة بقوله: وتكون النساء خلف صفوف الرجال.
والمرتبة الخامسة: أشار إليها بقوله: (ومن صلى بزوجته) قال ابن العربي: الأفصح فيه زوج كالرجل، قال تعالى: ﴿أسكن أنت وزوجك الجنة﴾ [البقرة: ٣٥]، قلت: وما قاله المصنف أيضا أفصح لوروده في أحاديث منها قوله ﷺ: «تصدق به على زوجتك» (^٣) قامت خلفه ولا تقف عن يمينه؛ أي: يكره لها ذلك، وينبغي أن يشير إليها بالتأخير، ولا تبطل صلاة واحد منهما بالمحاذاة إلا أن يحصل ما يبطل الطهارة. فإن كانت أجنبية ليس معها محرم حرمت الخلوة بها.
والمرتبة السادسة: أشار إليها بقوله: (والصبي إن صلى مع رجل واحد خلف الإمام قاما)؛ أي: الصبي والرجل (خلفه)؛ أي: خلف الإمام دليله حديث أنس واليتيم المتقدم، لكن قيد أهل المذهب هذا بقيد أشار إليه بقوله:
_________________
(١) مالك في الموطأ (٣٥٩)، والبخاري (٣٧٣)، ومسلم (٦٥٨) في صحيحيهما.
(٢) رواه مسلم (٦٦٠).
(٣) أبو داود (١٦٩١).
[ ١ / ٤٢١ ]
(إن كان الصبي يعقل) ثواب من أتم الصلاة وإثم من قطعها (لا يذهب ويدع)؛ أي: يترك (من يقف معه) فإن لم يعقل ما ذكر قام الرجل عن يمين الإمام، ويترك الصبي يقف حيث شاء. وحكم هذه المراتب الاستحباب، فمن خالف مرتبة وصلى في غيرها لا شي عليه، إلا أن المرأة إذا تقدمت إلى مرتبة الرجل أو أمام الإمام فكالرجل يتقدم أمام الإمام يكره له ذلك من غير عذر، ولا تفسد صلاة الإمام الذي تقدمت المرأة أمامه، ولا صلاة من معه إلا أن يلتذ برؤيتها أو بمماستها، وضعف القول بالبطلان بالتلذذ بالرؤية حيث لا مماسة ولا إنزال، فلو تقدم المأموم لعذر كضيق المسجد جاز من غير كراهة.
والمرتبة السابعة: قال التتائي: النسوة مع الإمام، وتركها لوضوحها (^١).
• صلاة الإمام وحده إن تخلفت الجماعة يقوم مقامها:
(والإمام الراتب) هو من أقامه السلطان أو نائبه أو الواقف أو جماعة المسلمين على أي وجه يجوز أو يكره، لأن شرط الواقف يجب اتباعه وإن كره، وكذلك السلطان أو نائبه، وإن أمرا بمكروه على أحد القولين، وسواء كان المنتصب للإمامة في مسجد حقيقة أو حكما فدخل فيه السفينة والمكان الذي جرت العادة بالجمع فيه (إن صلى وحده قام مقام الجماعة) في حصول فضيلة الجماعة المتقدمة، وفي الحكم فلا يعيد في جماعة أخرى، ولا تجمع الصلاة في ذلك المسجد مرة أخرى، وحصوله على فضل الجماعة لأنه غير متسبب في تأخر الغير، ولا يستطيع أن يفارق مسجده، فيحصل على الفضل الذي خرج من أجله والله أعلم.
• كراهة الجماعات في المسجد الواحد والحكمة في ذلك:
(ويكره) كراهة تنزيه (في كل مسجد له إمام راتب أن تجمع فيه الصلاة مرتين) قبل الراتب أو بعده أو معه على قول، والمذهب أنه يحرم أن يصلي أحد صلاة حال صلاة الإمام الراتب لها انفرادا أو جماعة، لأن ذلك يؤدي
_________________
(١) تنوير المقالة للتتائي (٢/ ٢٣٤).
[ ١ / ٤٢٢ ]
إلى التباغض والتشاجر بين الأئمة وتفريق الجماعة والطعن في الإمام والتخلف عن الجماعة الراتبة بلا عذر، قال ابن العربي: هذا معنى محفوظ في الشريعة عن زيغ المبتدعة، لئلا يتخلف عن الجماعة ثم يأتي فيصلي بإمام آخر، فتذهب حكمة الجماعة وسنتها اه. قلت: لكن ينبغي إذا أذن الإمام في ذلك أن يجوز خلافا لما مشى عليه خليل في مختصره حيث قال: (وإعادة جماعة بعد الراتب ولو أذن الإمام) (^١)، ودليل الجواز حديث أبي سعيد ﵁ قال جاء رجل وقد صلى رسول الله ﷺ فقال: «أيكم يتجر على هذا فقام رجل فصلى معه» (^٢).
(ومن صلى صلاة) من الصلوات المفروضة وحده أو مع جماعة إماما كان أو مأموما (فلا يؤم فيها أحدا)، لأنه يكون في الثانية متنفلا. والمعروف من المذهب أنه لا يجوز أن يأتم المفترض بالمتنفل ويعيد من ائتم به أبدا جماعة إن شاؤوا، وهو معتمد المذهب، أو أفذاذا. وقال ابن حبيب: أفذاذا، وكأنه راعى مذهب المخالف (^٣)، لأن الصلاة الأولى تجزيهم عند الشافعي وغيره، فإذا أعادوها في جماعة صاروا كمن صلى في جماعة ثم أعاد في جماعة أخرى.
• حكم سهو الإمام ومن تبعه:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وإذا سها الإمام وسجد لسهوه فليتبعه من لم يسه معه ممن خلفه. ولا يرفع أحد رأسه قبل الإمام، ولا يفعل إلا بعد فعله، ويفتتح بعده ويقوم من اثنتين بعد قيامه. ويسلم بعد سلامه وما سوى ذلك فواسع أن
_________________
(١) انظر: مواهب الجليل (٢/ ٤٣٧ - ٤٣٨)، وانظر: المذهب في ضبط المذهب (١/ ٢٦٥)، وتنوير المقالة (٢/ ٢٣٨).
(٢) رواه أبو داود (٥٧٤)، والترمذي (٢٢٠)، وقال حديث أبي سعيد حسن. ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره، وأخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رجاله رجال الصحيح.
(٣) شرح زروق على الرسالة (١/ ٢٨٧)، وانظر: التوضيح على جامع الأمهات لخليل (١/ ٢٦٢)، تحقيق: وليد بن عبد الرحمن الحمدان، جامعة أم القرى.
[ ١ / ٤٢٣ ]
يفعله معه، وبعده أحسن. وكل سهو سهاه المأموم فالإمام يحمله عنه إلا ركعة أو سجدة أو تكبيرة الإحرام أو السلام أو اعتقاد نية الفريضة. وإذا سلم الإمام فلا يثبت بعد سلامه، ولينصرف إلا أن يكون في محله فذلك واسع).
الشرح
(وإذا سها الامام) في صلاته (فليتبعه)؛ أي: وجوبا (من لم يسه معه ممن خلفه) ظاهره ولو كان مسبوقا. والمسألة ذات تفصيل، وهو إن كان أدرك معه الصلاة كلها لزمه اتباعه على كل وجه سواء كان السجود قبليا أو بعديا. وإن كان مسبوقا فلا يخلو إما أن يعقد معه ركعة أو لا، فإن عقد معه ركعة وكان السجود قبليا سجد معه، وإن كان بعديا لا يسجد معه، وينتظره جالسا على ما في «المدونة» (^١). قالوا: ويكون ساكتا ولا يتشهد معه، فإن خالف وسجد أفسد صلاته وإن جهل فقال عيسى: يعيد أبدا، قال في «البيان»: وهو الأقيس على أصل المذهب لأنه أدخل في صلاته ما ليس منها، وعذره ابن القاسم في الجهل فحكم له بحكم النسيان مراعاة لمن يقول عليه السجود مع الامام. اه. (^٢)
وإن لم يعقد معه ركعة لم يترتب عليه سجوده البعدي، وأما القبلي فقال ابن القاسم: لا يتبعه، وعليه إذا خالف وتبعه بطلت صلاته. اه. أي: عمدا أو جهلا لا سهوا والأصل فيما قال حديث عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس على من خلف الإمام سهو، فإن سها الإمام فعليه وعلى من خلفه» وإسناده ضعف (^٣)، «ومعنى الحديث أن من سها خلف الإمام فزاد أو نقص غير ركن فلا سجود سهو عليه، وأما إن سها الإمام فعليه وعلى من خلفه».
وعن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه - عن الفقهاء من أهل المدينة
_________________
(١) انظر: المدونة، باب ما جاء في السهو في الصلاة (١/ ١٤٠).
(٢) الثمر الداني للأزهري (١٥٩).
(٣) رواه البيهقي (٢/ ٤٩٥).
[ ١ / ٤٢٤ ]
كانوا يقولون سترة الإمام، سترة لمن خلفه، قلوا أو كثروا وهو يحمل عنهم أوهامهم، وفي حديث معاوية بن الحكم السلمي: «أنه تكلم في الصلاة خلفه ﷺ جاهلا بتحريمه، ثم لم يأمره النبي ﷺ بسجود السهو (^١)». ا هـ.
• الوعيد فيمن تعمد رفع رأسه قبل إمامه:
(ولا يرفع أحد) من المأمومين (رأسه) من ركوع أو سجود؛ أي: تحريما، فلو خالف فإنه يرجع له إن ظن إدراكه قبل الرفع وجوبا كما قال المواق، (قبل الإمام) لما في «الصحيحين» (^٢) عنه ﷺ أنه قال: «أما يخشى أحدكم - أو: لا يخشى أحدكم - إذا رفع رأسه قبل الإمام، أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار» (^٣)، وفي رواية ابن حبان من وجه آخر عن محمد بن زياد «أن يحول الله رأسه رأس كلب» (^٤) فهذا يبعد المجاز الذي قال به البعض لانتفاء المناسبة التي ذكروها من بلادة الحمار» (^٥).
وفي لفظ لمسلم أنه ﷺ قال: «أيها الناس، إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، ولا بالقيام ولا بالانصراف …» (^٦).
(ولا يفعل) أحد فعلا من أفعال الصلاة (إلا بعد فعله)؛ أي: إلا بعد الشروع في فعله؛ أي: فالأولى أن يفعل بعد الشروع في الفعل ويدركه فيه، وهذا في غير القيام من اثنتين. وأما فيه فيطلب منه أن لا يفعل حتى يستقل الإمام قائما. والأصل في ذلك أن البراء قال: كان رسول الله ﷺ: «إذا قال سمع الله لمن حمده لم يحن أحد منا ظهره حتى يقع النبي ﷺ ساجدا ثم نقع
_________________
(١) كما في مسلم (٥٣٧).
(٢) البخاري (٦٥٩)، ومسلم (٤٢٧).
(٣) البخاري، واللفظ له (٦٩١)، ومسلم (٤٢٧).
(٤) صحيح ابن حبان (٢٢٨٣)، باب ما يكره للمصلي وما لا يكره، قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح.
(٥) الفتح (٢/ ٢١٤)، باب: إثم من رفع رأسه قبل الإمام.
(٦) أحمد (٣/ ١٠٢) رقم (١٢٠١٦)، ومسلم (٣٢٠/ ١) رقم (٤٢٦).
[ ١ / ٤٢٥ ]
سجودا بعده» (^١)، وملخصه أن السبق حرام كالتأخر عنه حتى ينتقل إلى ركن آخر، والمصاحبة مكروهة.
(ويفتتح)؛ أي: المأموم بالتكبير (بعده)؛ أي: بعد تكبير الإمام على جهة الوجوب؛ أي: بعد الفراغ من التكبير، فإن سبقه به أو ساواه فيه بطلت صلاته ختم قبله أو معه أو بعده، فهذه ست صور. وإذا ابتدأ بعده إن ختم قبله بطلت، ومعه أو بعده صحت، فالصور تسع. ومثلها في السلام إلا أنه في الإحرام لا فرق بين العمد والسهو؛ وفي السلام يقيد بالعمد لا بالسهو فلا يعتد بذلك السلام، ولا تبطل الصلاة به (^٢).
تنبيه: إذا علم أنه أحرم قبل إمامه وأراد أن يحرم بعده، فقال مالك: يكبر ولا يسلم، لأنه كأنه لم يكبر لمخالفته ما أمر به. وقال سحنون: يسلم لأنه اختلف في صحة الإحرام الأول.
(ويقوم من اثنتين بعد قيامه)؛ أي: بعد قيام الإمام مستقلا على جهة الاستحباب. (ويسلم بعد سلامه) على جهة الوجوب فإن سبقه به أو ساواه فيه بطلت صلاته إلا أن يكون ناشئا عن السهو، وإلا فلا، وينتظر الإمام حتى يسلم ويسلم بعده. (وما سوى ذلك)؛ أي: الافتتاح والقيام من اثنتين والسلام بعده كالانحناء للركوع والسجود والقيام إلى الثانية والرابعة (فواسع)؛ أي: جائز؛ أي: ليس بممتنع فلا ينافي أنه مكروه بقرينة قوله: وبعده أحسن، فأفعل التفضيل ليس على بابه (أن يفعله معه، وبعده أحسن)؛ أي: أفضل وفي هذا تناقض لما سبق.
• جملة السهو الذي يتحمله الإمام:
(وكل سهو سهاه المأموم) في حال قدوته بالإمام (فالإمام يحمله عنه)؛ أي: كتكبيرات الانتقال، ولفظ التشهد، أو زيادة سجدة، أو ركوع، ولا
_________________
(١) رواه البخاري (٦٥٨)، ومسلم (٤٧٤).
(٢) انظر: الثمر الداني (١/ ١٥٩).
[ ١ / ٤٢٦ ]
مفهوم للسهو، بل يحمل عنه بعض العمد كترك التكبير، أو لفظ التشهد، وذلك إذا كان في حال القدوة. وأما إذا كان مسبوقا وسها في حال قضاء ما فاته مع الإمام فإن الإمام لا يحمله عنه، لأن القدوة قد انقطعت، وصار حكمه حكم المنفرد. ثم استثنى من الكلية التي ذكرها مسائل فقال: (إلا ركعة)؛ أي: إلا كركعة؛ أي: من كل ما كان فرضا غير الفاتحة. ولم يرد المصنف الحصر لأن إلا لا تكون للحصر إلا إذا سبقها نفي إذ بقي الجلوس للسلام والرفع وترتيب الأداء وغير ذلك. (أو سجدة أو تكبيرة الإحرام أو السلام أو اعتقاد نية الفريضة)، لأن هذه كلها فرائض، والفرائض لا تسقط بالسهو، ولا يجزئ عنها السجود، ومعلوم أن فرائض الصلاة كلها أفعال ما عدا: الإحرام، والفاتحة والسلام؛ فأقوال، والله الموفق.
• صفة انصراف الإمام بعد السلام:
(و) من فضائل الصلاة أنه (إذا سلم الإمام) من الفريضة (فلا يثبت) في مكانه (بعد سلامه) سواء كانت الصلاة مما يتنفل بعدها أم لا، (ولينصرف)، ويكفي في تغيير هيئته. قال الثعالبي: وهذا هو السنة، لأنه: كان النبي ﷺ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام» وفي رواية ابن نمير: «يا ذا الجلال والإكرام» (^١)، أي: ثم ينصرف إلى أصحابه بوجهه الشريف ﷺ، ثم استثنى من انصراف الإمام بعد سلامه مسألة فقال: (إلا أن يكون في محله) وهو داره في الحضر ورحله في السفر، أو كان بفلاة من الأرض (فذلك)؛ يعني: الجلوس بعد سلامه (واسع)؛ أي: جائز لا كراهة فيه لأنه مأمون مما يخاف منه، ولا ينصب نفسه في الدعاء بين الله وخلقه، ويجوز الدعاء عقيب الأذكار بما شاء من خيري الدنيا والآخرة وقد فصلنا القول في أصل هذا المختصر والله الموفق.
وهذا آخر الكلام على الربع الأول من الرسالة فلله الحمد والمنة في الأولى والآخرة، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
_________________
(١) رواه مسلم (٥٩٢).
[ ١ / ٤٢٧ ]
باب جامع في الصلاة
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وأقل ما يجزئ المرأة من اللباس في الصلاة الدرع الخصيف (^١) السابغ الذي يستر ظهور قدميها، وهو القميص والخمار الخصيف.
ويجزئ الرجل في الصلاة ثوب واحد.
ولا يغطي أنفه أو وجهه في الصلاة أو يضم ثيابه أو يكفت شعره).
• لباس المرأة في الصلاة:
(باب جامع) بالتنوين ويروى بالإضافة وهذه الترجمة من تراجم «الموطأ»، ومعناها: هذا باب أذكر فيه مسائل مختلفة (في الصلاة) وابتدأ الباب بمسألة تقدمت في باب طهارة الماء؛ أي: للمناسبة لأن الستر يطلب حين إرادة الدخول في الصلاة. قال التتائي: وكرر هذه المسألة مع تقدمها في باب طهارة الماء والثوب، وأجيب بأنه إنما كررها لزيادة صفة الخمار أو لأن هذا محلها.
(وأقل ما يجزئ المرأة من اللباس في الصلاة) شيئان الشيء الأول: (الدرع) بدال مهملة فسره ابن العربي هنا بالقميص، (الخصيف) روي بالحاء المهملة، وبالخاء المعجمة، ومعنى الأولى الكثيف بالثاء المثلثة وهو المتين، ومعنى الثانية الساتر (^٢)، فعلى الثانية يكون قوله السابغ تفسيرا للخصيف بالخاء المعجمة (السابغ)؛ أي: الكامل (الذي يستر ظهور قدميها) تفسير للسابغ
_________________
(١) بعض النسخ الخصيف بالخاء المعجمة، وبعضها بالمهملة.
(٢) انظر: تنوير المقالة للتتائي (٢/ ٢٤٩).
[ ١ / ٤٢٨ ]
وقوله: ظهور قدميها بل لا بد أيضا من ستر بطون قدميها، وإن كان لا إعادة عند ترك ستر بطن القدم.
(وهو)؛ أي: الدرع (القميص) وهو ما يسلك في العنق (و) الشيء الثاني: (الخمار) بكسر الخاء المعجمة، وهو ثوب تجعله المرأة على رأسها (الحصيف) فشرطه شرط القميص من كونه كثيفا لا يشف، فإن صلت بالخفيف النسج الذي يشف فإن كان مما تبدو منه العورة بدون تأمل فإنها تعيد أبدا، وإن كان يصف العورة فقط؛ أي: يحددها فيكره، وتعيد في الوقت، والرجل كالمرأة في ذلك، فيجب على المرأة أن تستر ظهور قدميها وبطونهما وعنقها ودلاليها.
ويجوز أن تظهر وجهها وكفيها في الصلاة خاصة. والأصل فيما ذكر قوله ﷺ: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (^١) (حائض: يعني بالغ)، وفي رواية: «سئل رسول الله ﷺ أتصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار» قال: «إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها» (^٢)، وفي هذا الحديث دليل لمن لم يستثن القدمين من عورة المرأة لأن قوله: «يغطي ظهور قدميها» يدل على عدم العفو.
(ويجزئ الرجل في الصلاة ثوب واحد) من غير كراهة إن كان كثيفا ساترا لجميع جسده، فإن لم يستر إلا عورته فقط أجزأته صلاته مع الكراهة، لحديث محمد بن المنكدر قال: دخلت على جابر بن عبد الله وهو يصلي في ثوب ملتحفا به، ورداؤه موضوع، فلما انصرف قلنا: يا أبا عبد الله تصلي ورداؤك موضوع، قال: نعم، أحببت أن يراني الجهال مثلكم: «رأيت النبي ﷺ يصلي هكذا» (^٣)، وفي «الموطأ»: عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى أنه قال: «سئل
_________________
(١) رواه أبو داود (٦٤١)، والترمذي (٣٧٧)، وقال: حديث حسن.
(٢) رواه مالك في الموطأ (١/ ٤١٢) موقوفا، وأبو داود (٦٤٠)، (١/ ٣٨٠) مرفوعا، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، وضعف بعض العلماء الحديث مرفوعا وموقوفا.
(٣) رواه البخاري (٣٦٣)، واللفظ له، ومسلم (٥١٨)، ومالك (٣٧٦).
[ ١ / ٤٢٩ ]
أبو هريرة هل يصلي الرجل في ثوب واحد؟ فقال: نعم، فقيل له: هل تفعل أنت ذلك؟ فقال: نعم. إني لأصلي في ثوب واحد، وإن ثيابي لعلى المشجب» (^١).
• كراهة تغطية الفم وكفت الثوب في الصلاة:
إنما كرر المصنف المسألة الماضية ليرتب عليها قوله:
(ولا يغطي المصلي ذكرا كان أو أنثى أنفه أو وجهه في الصلاة) وحكمه الكراهة (^٢)، لحديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يصلي أحدكم وثوبه على أنفه، فإن ذلك خطم الشيطان» (^٣)، وعن أبي هريرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ نهى عن السدل في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه» (^٤).
قال ابن راشد: إلا أن يكون زي المصلين، وقد أفتى ابن رشد: أن اللثام للمرابطين زيهم لا كراهة فيه لهم، بل يستحب لهم التزامه، ويكره لهم فراقه، لأنه شعارهم (^٥).
(أو يضم ثيابه أو يكفت)؛ أي: يضم (شعره) وفي رواية: (ولا يكفت أو ينقض شعره). والنهي عن هذه الأمور كلها نهي كراهة، لحديث ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة وأشار بيده على أنفه واليدين والركبتين وأطراف القدمين ولا نكفت الثياب والشعر» (^٦)، قال في «المدونة»: «من صلى محتزما أو جمع شعره بوقاية، أو شمر كميه، قال: إن كان ذلك لباسه قبل ذلك وهيئته، وكان يعمل
_________________
(١) رواه مالك في الموطأ (٣٧٥). «المشجب» هو: عيدان تضم رؤوسها ويفرج بين قوائمها توضع عليها الثياب، الزرقاني (٤١٠/ ١).
(٢) تنوير المقالة للتتائي (٢/ ٢٥٢)، وشرح الرسالة لزروق (١/ ٢٩٣).
(٣) انظر: مجمع الزوائد للهيثمي (٢/ ٨٦)، وفيه ابن لهيعة وفيه كلام.
(٤) أخرجه الترمذي (٣٧٩)، وأبو داود (٦٤٣).
(٥) المذهب (١/ ٢٦٣)، وفتاو ابن رشد (٢/ ٩٦٣). وتنوير المقالة (٢/ ٢٥٢)، وشرح زروق (١/ ٢٩٣).
(٦) البخاري (٧٧٧)، ومسلم (٤٩٠).
[ ١ / ٤٣٠ ]
عملا فتشمر لذلك العمل فدخل في صلاته كما هو فلا بأس أن يصلي بتلك الحال، وإن كان إنما فعل ذلك ليكفت شعرا أو ثوبا فلا خير فيه» (^١).
والحاصل أن تغطية الأنف مكروهة في الصلاة وغيرها إذا لم تكن عادتهم ذلك، وإلا فخلاف الأولى في الصلاة، ومستوي الطرفين في غيرها.
وأما تغطية الوجه فمكروهة مطلقا في الصلاة للرجل والمرأة لما فيها من التعمق في الدين، إلا إذا كانت المرأة بحضرة رجال أجانب فتغطي وجهها.
وأما ضم الثياب فإنما يكره إذا فعل ذلك لأجل الصلاة أو خوفا على ثيابه أن تتغير بالتراب، لأن في ذلك نوعا من ترك الخشوع.
وأما كفت الشعر فإنما يكره إذا قصد بذلك عزة شعره من أن يتلوث بنحو تراب، أو فعل ذلك لأجل الصلاة؛ أي: كفت شعره لأجل الصلاة، قال الحافظ ابن حجر: «وجاء في حكمة النهي عن ذلك أن غرزة الشعر يقعد فيها الشيطان حالة الصلاة». وفي «سنن أبي داود» بإسناد جيد أن أبا رافع رأى الحسن بن علي ﵁ يصلي قد غرز ضفيرته في قفاه فحلها، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ذلك مقعد الشيطان» (^٢).
• سجود السهو في الصلاة (^٣):
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وكل سهو في الصلاة بزيادة فليسجد له سجدتين بعد السلام، يتشهد لهما، ويسلم منهما.
وكل سهو بنقص فليسجد له قبل السلام إذا تم يتشهد، ويسلم.
وقيل: لا يعيد التشهد.
_________________
(١) المدونة (١/ ٩٦) صلاة العريان والمكفت ثيابه. فائدة: قال في الطراز: كل موضع في المدونة فيه «فلا خير فيه» فهو على المنع إلا هذا الموضع. شرح زروق (١/ ٢٩٣) بتصرف يسير.
(٢) فتح الباري (٢/ ٣٤٨). الحديث في أبي داود رقم (٦٤٦)، وأحمد (٢٣٨٧٨).
(٣) انظر: القبس شرح موطأ بن أنس (١/ ٢٤٤).
[ ١ / ٤٣١ ]
ومن نقص وزاد سجد قبل السلام.
ومن نسي أن يسجد بعد السلام فليسجد متى ما ذكره، وإن طال ذلك، وإن كان قبل السلام سجد إن كان قريبا، وإن بعد ابتدأ صلاته إلا أن يكون ذلك من نقص شيء خفيف كالسورة مع أم القرآن، أو تكبيرتين، أو التشهدين، وشبه ذلك فلا شيء عليه، لا يجزئ سجود السهو لنقص ركعة، ولا سجدة، ولا لترك القراءة في الصلاة كلها، أو في ركعتين منها، وكذلك في ترك القراءة في ركعة من الصبح، واختلف في السهو عن القراءة في ركعة من غيرها، فقيل: يجزئ فيه سجود السهو قبل السلام، وقيل: يلغيها ويأتي بركعة، وقيل: يسجد قبل السلام ولا يأتي بركعة ويعيد الصلاة احتياطا، وهذا أحسن ذلك إن شاء الله تعالى.
ومن سها عن تكبيرة، أو عن سمع الله لمن حمده مرة، أو القنوت فلا سجود عليه.
ومن انصرف من الصلاة ثم ذكر أنه بقي عليه منها شيء، فليرجع إن كان بقرب ذلك، فيكبر تكبيرة يحرم بها، ثم يصلي ما بقي عليه وإن تباعد ذلك، أو خرج من المسجد ابتدأ صلاته، وكذلك من نسي السلام، ومن لم يدر ما صلى أثلاث ركعات، أم أربعا، بنى على اليقين وصلى ما شك فيه، وأتى برابعة وسجد بعد سلامه.
ومن تكلم ساهيا سجد بعد السلام، ومن لم يدر أسلم أم لم يسلم سلم ولا سجود عليه.
ومن استنكحه الشك في السهو فليله عنه، ولا إصلاح عليه، ولكن عليه أن يسجد بعد السلام، وهو الذي يكثر ذلك منه يشك كثيرا أن يكون سها زاد أو نقص، ولا يوقن، فليسجد بعد السلام فقط، وإذا أيقن بالسهو سجد بعد إصلاح صلاته، فإن كثر ذلك منه فهو يعتريه كثيرا أصلح صلاته، ولم يسجد لسهوه، ومن قام من اثنتين رجع ما لم يفارق الأرض بيديه وركبتيه، فإذا فارقها تمادى، ولم يرجع وسجد قبل السلام).
[ ١ / ٤٣٢ ]
الشرح
السهو في اللغة: قال في «الصحاح»: والسهو: الغفلة. وقد سها عن الشيء يسهو فهو ساه وسهوان.
والسهو في الاصطلاح: هو الذهول في الشيء، أو عنه بما يؤدي إلى الإخلال به بزيادة أو نقصان أو كل منهما (^١).
• حكم سجود السهو:
(وكل سهو) سهاه الإمام أو الفذ أو المأموم في بعض الصور، وهو فيما إذا شرع يقضي ما عليه في (الصلاة) المفروضة أو النافلة على ما في «المدونة» (^٢)، فإن كان السهو (بزيادة) يسيرة سواء كانت من غير أقوال الصلاة كالتكلم ساهيا أو كانت من جنس أفعال الصلاة كالركوع والسجود (فليسجد له)؛ أي: للسهو على جهة السنية على ما في «المختصر»، ورجح القاضي عبد الوهاب الوجوب (^٣) (سجدتين بعد السلام) لحديث ابن مسعود ﵁: «إذا قام أحدكم في قعود، أو قعد في قيام، أو سلم في الركعتين فليتم ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين يتشهد فيهما ويسلم» (^٤).
وظاهر قوله: (يتشهد لهما)؛ أي: لسجدتي السهو البعدي أنه لا يحرم للسجود البعدي والمشهور افتقاره إلى الإحرام، ويكتفي بتكبيرة الإحرام عن تكبيرة الهوي، وعلى القول بافتقاره إلى الإحرام، فهل يحرم من قيام، وهو لبعض المتقدمين أو من جلوس، وهو قول ابن شبلون، نقله في الجواهر، انتهى (^٥).
_________________
(١) شرح الرسالة لزروق (١/ ٢٩٥).
(٢) المدونة (١/ ٢٢١).
(٣) الإشراف (١/ ٢٧٦ - ٢٧٧)، ودلل على قوله فانظره هناك.
(٤) المدونة (١/ ١٣٦) ما جاء في السهو في الصلاة.
(٥) الجواهر لابن شاس (١/ ١٢٠)، ط: دار الغرب، وانظر: التمهيد (١/ ٣٧١)، ورجح أنه لا يحتاج إلى إحرام من سها في صلاته وخرج منها.
[ ١ / ٤٣٣ ]
(ويسلم منهما)؛ أي: بعد فراغه من التشهد (^١)، ودليل ذلك ما في حديث ذي (^٢) اليدين عن النبي ﷺ لما سها في إحدى صلاتي العشي «… فتقدم فصلى ما ترك ثم سلم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، فربما سألوه: ثم سلم: فيقول: نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم».
(وكل سهو) في الصلاة سهاه الإمام أو الفذ أو المأموم في بعض صوره (بنقص)؛ يعني: بنقص سنة مؤكدة ومثلها السنتان الخفيفتان، وسواء كان النقص محققا أو مشكوكا فيه، والسنن المؤكدة التي يسجد لها ثمانية، وقد أشار بعضهم بالرمز لها فقال:
سينان شينان كذا جيمان … تاءان عدد السنن الثمان (^٣).
سينان: السر والسورة، وشينان: التشهد الأول والأخير؛ وجيمان: الجهر والجلوس للتشهد، وتاءان: التكبير والتسميع.
إنما يكون إذا تم تشهده من الصلاة (ثم) بعد أن يفرغ من السجدتين (يتشهد) ثانيا على المشهور (ويسلم) وهو مختار ابن القاسم، والسلام ثابت في الأحاديث الصحيحة حديث ابن مسعود، وحديث عمران، ففي «الصحيحين» من حديث ابن مسعود ﵁ قال: «صلى النبي ﷺ قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص - فلما سلم قيل له: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ قال: «وما ذاك»، قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه، واستقبل القبلة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه …» (^٤)، ووجهه أن من سنة السلام أن يعقب تشهدا هذا قول الشراح، لكن لم يثبت التشهد من طريق صحيح وإنما أثبته من أثبته لما روي من حديث عمران بن
_________________
(١) المدونة (١/ ٢٢٠).
(٢) رواه مالك في الموطأ (٢١٠)، والبخاري (٤٦٨)، ومسلم (٥٧٣).
(٣) الدر الثمين والمورد المعين (٣١٧).
(٤) رواه البخاري (٣٩٢)، ومسلم (٥٧٤).
[ ١ / ٤٣٤ ]
حصين ﵁ عند أبي داود وغيره: «أن النبي ﷺ صلى بهم فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم» (^١)، فانفرد أشعث بذكر التشهد، لذلك أعل الحفاظ هذه الزيادة لمخالفته أيوب وابن عون وغيرهما (^٢)، وأشعر كلامه أنه لا يعيد الصلاة على النبي ﷺ، وهو كذلك (وقيل لا يعيد التشهد) وهو مروي عن مالك أيضا (^٣)، واختاره عبد الملك (^٤)، لأن طريقة الجلوس الواحد لا يتكرر فيه التشهد مرتين، وهو مروي عن أنس والحسن وعطاء أنه ليس فيهما تشهد ولا تسليم (^٥).
(ومن نقص) في صلاته شيئا من السنن المؤكدة (و) مع ذلك (زاد) فيها شيئا يسيرا مما تقدم بيانه (سجد) له (قبل السلام) أيضا مثل أن يترك التشهد والجلوس له ويزيد سجدة، قال القاضي عبد الوهاب (^٦) وإنما قلنا: إنه إذا اجتمع زيادة ونقصان سجد لهما قبل السلام، فلأنه لا يخلو من ثلاثة أحوال:
إما ألا يسجد أصلا وذلك غير جائز بالاتفاق، أو أن يسجد أربع سجدات، وذلك غير جائز، لأنه خلاف للأصول، أو أن يغلب أحدهما فكان النقصان أولى بالتغليب لأنه جبران، وسجود الزيادة شكر وإرغام للشيطان، ولا يجوز أن يؤتى بسجود الشكر على ترك صلاة ناقصة، ولا أن يرغم الشيطان بترك الصلاة ناقصة غير مكتملة فلذلك وجب تغليب النقصان. اه (^٧).
_________________
(١) رواه أبو داود (١٠٣٩)، والترمذي (٣٩٥)، والنسائي (٣/ ٢٦). وقال الترمذي: حديث حسن غريب، قال بعض أهل العلم: وكونه غريبا يقتضي أنه لا متابع لمن رواه، بل قد انفرد به. رسالة سجود السهو لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: الزمرلي.
(٢) انظر: الأوسط لابن المنذر (٣/ ٣١٦ - ٣١٧)، والتمهيد لابن عبد البر (١٠/ ٢٠٩)، والبيهقي (٢/ ٣٥٥)، والفتح (٣/ ٢٦).
(٣) قال ابن عبد البر: «إن سجد قبل السلام لم يتشهد، وإن سجد بعد السلام تشهد وبهذا قالت طائفة من أصحاب مالك، ورووه أيضا عن مالك» الاستذكار (١/ ٥٢٧).
(٤) مواهب الجليل (٢/ ٢٩٠).
(٥) رواه عن أنس والحسن وقتادة: البخاري تعليقا، ووصله عبد الرزاق كما في مصنفه (٢/ ٣١٥).
(٦) المعونة (١/ ١٠٧).
(٧) قال الحافظ في الفتح (٣/ ٩٣): فيه مشروعية سجود السهو، وأنه سجدتان .. وأنه =
[ ١ / ٤٣٥ ]
قال الشبيبي: صور السهو ثمانية:
اثنان يسجد فيهما بعد السلام:
١ - الزيادة المتيقنة.
٢ - الزيادة المشكوك فيها.
وستة يسجد فيها قبل السلام:
١ - تيقن النقصان.
٢ - والشك فيه.
٣ - وتيقن النقصان والزيادة معا.
٤ - والشك فيهما.
٥ - تيقن أحدهما، ولعل السادس: والشك في الآخر (^١).
(ومن نسي أن يسجد) سجود السهو البعدي الذي يفعله (بعد السلام) ثم تذكره (فليسجد متى ما ذكره وإن طال ذلك)؛ أي: ما بين تذكره والسلام من الصلاة ولو بعد شهر كما في «المدونة» (^٢) ولا مفهوم للنسيان، بل مثله الترك عمدا لأن السجود البعدي ترغيم للشيطان، فناسب أن يسجد وإن بعد.
(وإن كان) سجود السهو الذي نسيه قبليا؛ أي: يفعل (قبل السلام سجد) إذا تذكره (إن كان) تذكره له (قريبا) من انصرافه من الصلاة والقرب غير محدود على المذهب، وهو مذهب ابن القاسم، وكذلك الطول، بل مرجعهما إلى العرف (^٣)، فما قاله العرف يعمل به فيهما (^٤)، ويحد بعدم الخروج من المسجد عند الإمام أشهب، (و) أما (إن بعد) تذكره له (ابتدأ) بمعنى أعاد (الصلاة) وجوبا لبطلانها حيث كان مترتبا عن نقص ثلاث سنن. = يكبر لهما كما يكبر في غيرهما من السجود. واستدل به على مشروعية التكبير فيهما والجهر به كما في الصلاة وأن بينهما جلسة فاصلة.
_________________
(١) شرح الرسالة لزروق (١/ ٢٩٨). وقال زروق: وتأمل في ذلك.
(٢) المدونة (١/ ١٣٧).
(٣) حاشية العدوي على شرح أبي الحسن (١/ ٢٨١).
(٤) العرف: هو ما استقرت عليه النفوس بشهادة العقول، وتلقته الطبائع بالقبول. مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة
[ ١ / ٤٣٦ ]
قال التتائي: كنسيان الجلوس الوسط، أو ثلاث تكبيرات أو تحميدات (^١)، وهذا إن كان تركه على جهة السهو، وأما لو تركه عمدا بطلت الصلاة بمجرد الترك على رأي الأجهوري. وقال السنهوري (^٢): لا تبطل إلا بالطول، ولو كان الترك عمدا، وفي كلام العدوي لعل الأوجه كلام السنهوري لما تقدم من أن تأخير القبلي لا يبطل الصلاة ولو كان عمدا، (إلا أن يكون ذلك) السجود القبلي ترتب من نقص شيء خفيف كالسورة التي تقرأ (مع أم القرآن)؛ أي: فإنها مركبة من سنتين خفيفتين، ذاتها وكونها سرا أو جهرا؛ أي: فيسجد لهما، ولكن إذا ترك وطال لا تبطل صلاته، وهذا إذا أتى بالقيام لها، وإلا فتبطل في هذه الحالة، لأنه ترك ثلاث سنن، وقيل: لا تبطل ولو لم يأت بالقيام لها، وكلام الجزولي يفيد ترجيح الأول ويتفق على البطلان حيث ترك السورة في أكثر من ركعة (^٣). (أو تكبيرتين أو التشهدين وشبه ذلك) كتحميدتين، أو تحميدة وتكبيرة، وهذا مرور منه ﷻ على غير الراجح بناء على أن خصوص اللفظ مندوب، وأنه ترك التشهدين وأتى بالجلوس لهما، لأنه في تلك الحالة ليس سجوده إلا عن سنتين خفيفتين، وقد علمت أن المذهب كما يفيده كلام المواق أنه يسجد لترك تشهد واحد، وحينئذ فمن ترك تشهدا واحدا مع الجلوس له، ولم يسجد حتى طال الأمر بطلت صلاته لتركه السجود المترتب عن ثلاث سنن: الجلوس، ومطلق التشهد، وخصوص اللفظ، فأولى من ذلك لو ترك تشهدين (^٤).
_________________
(١) انظر: التوضيح على جامع الأمهات لخليل (١/ ١٣٠)، تحقيق: وليد بن حمدان، وتنوير المقالة (٢/ ٢٦٤)، وهو بمعنى العادة إلا أن العادة لغة أعم من العرف لإطلاقها على عادة الفرد والجماعة، بخلاف العرف فإنه يختص بعادة الجماعة.
(٢) السنهوري هو: سالم بن محمد عز الدين محمد ناصر الدين السنهوري المصري مفتي المالكية بمصر، وعالمها، له حاشية على مختصر خليل سماها «تيسير الملك الجليل لجمع شروح وحواشي خليل» تسعة مجلدات، توفي سنة: (١٠١٥ هـ). انظر ترجمته في: شجرة النور الزكية (ص ٢٨٩).
(٣) حاشية العدوي (١/ ٣١٨).
(٤) حاشية العدوي (١/ ٣١٨).
[ ١ / ٤٣٧ ]
واعترض القرافي على هذه المسألة قائلا لا يتصور أن ينسى التشهدين ويكون السجود لهما قبل السلام لأنه لا يتحقق سهوه عن التشهد الأخير إلا بالسلام، لأن كل ما قبله ظرف للتشهد، والجواب أن هذا يتصور في الراعف المسبوق بركعة خلف الإمام، ويدرك الثانية، وتفوته الركعة الثالثة والرابعة، فإنه يطالب بتشهدين بعد مفارقته لإمامه غير تشهد السلام، فإذا ترك هذين التشهدين فإنه يسجد قبل السلام (فلا شيء عليه) وهو المشهور، وهو مذهب «المدونة» (^١)، أي: لا إعادة ولا سجود؛ أي: مع الطول إذ هو موضوع مسألة المصنف، وإلا فمن المعلوم أن السنتين الخفيفتين يسجد لهما، لكن إذا طال الأمر ولم يسجد لا يخاطب بسجود ولا يعيد صلاته لكونه عن سنتين خفيفتين.
وقد علمت مما تقدم أن السجود شرع لجبر الخلل الواقع في الصلاة كما لو زاد ركوعا أو سجودا سهوا، أو ترك ركوعا أو سجودا كذلك؛ أي: سهوا، وتلافى ذلك المتروك قبل السلام أو ترك سنة مؤكدة أو سنتين خفيفتين فإنه يطالب بالسجود على حسب أحواله من كونه قبل أو بعد لجبر هذا الخلل، وكان من جملة الخلل الواقع في الصلاة ما لا يجبر بالسجود؛ أي: لا يكون السجود بدلا عنه؛ أي: بحيث يقال إن هذا السجود متمم لصلاة من ترك منها ركنا، وإنه قائم مقام ذلك الركن، نبه على ذلك المصنف بقوله:
• أركان الصلاة لا يجبرها سجود السهو إن تركت:
(ولا يجزئ سجود السهو لنقص ركعة)؛ أي: كاملة تيقن تركها أو شك فيه حال تشهده وقبل سلامه، ولا بد من الإتيان بتلك الركعة، لأن الفرائض لا تجبر بالسهو، وإن كان منها ما يمكن استدراكه في الصلاة بإلغاء البعض كترك سجدة وركعة ونحو ذلك، وهناك ما لا يمكن تداركه إلا باستئناف الصلاة كتكبيرة الإحرام والنية، ومن أساء في صلاته فترك ركنا منها وجب عليه
_________________
(١) تنوير المقالة (٢/ ٢٦٦).
[ ١ / ٤٣٨ ]
إصلاح صلاته لحديث المسيء صلاته وفيه: «ارجع فصل فإنك لم تصل …» (^١)، وكيفية الإتيان بها أنه يأتي بها بانيا على ما سبق من الركعات، ولو كانت تلك الركعة إحدى الأوليين، ويسجد بعد ذلك قبل السلام لانقلاب ركعاته حيث كان إماما أو فذا، فإن لم تكن من إحدى الأوليين، فإنه يسجد بعد الإتيان بتلك الركعة بعد السلام لتمحض الزيادة.
(ولا) لنقص (سجدة)؛ أي: أو ركوع، أو رفع منهما، وذكر ذلك في حال قيامه مثلا أو تشهده قبل سلامه تحقق نقصها، أو شك فيه، والفرض أنه لم يمكنه تلافيه في محله، فإنه يأتي ببدل المشكوك فيه ويسجد قبل السلام، لأن الفرض في السجود قبل، والمراد بالشك مطلق التردد فيشمل الظن والشك والوهم. هذا في الفرائض لأن الشك في النقص فيها كتحققه في وجوب الإتيان ببدل المشكوك فيه بخلاف السنن فلا يسجد لنقصها إلا عند تيقن النقص أو التردد فيه على السواء، لا عند توهمه.
(ولا لترك القراءة في الصلاة كلها، أو في ركعتين منها، وكذلك في ترك القراءة في ركعة من الصبح) لو قال لنقص فريضة أو ركن لكان أخصر، وما ذكره من عدم الجبر بالسجود لنقص ركعة أو سجدة مجمع عليه، وما ذكره من عدم الجبر في ترك القراءة يعني قراءة أم القرآن في الصلاة كلها هو قول الأكثر، وهو الراجح، لقوله ﷺ: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (^٢) وهي نكرة منفية فعمت جميع الركعات، وما ذكره من عدم الجبر في ترك القراءة في الركعتين، قال ابن ناجي: هو مؤثر في البطلان.
وقال الفاكهاني: في ترك القراءة في نصف الصلاة كركعة من الثنائية، أو ركعتين من الرباعية ثلاثة أقوال:
أشهرها: أنه يتمادى ويسجد قبل السلام، ويعيد صلاته احتياطا على جهة الندب.
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) رواه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٤) (٣٩٤).
[ ١ / ٤٣٩ ]
ثانيها: يسجد قبل السلام، وتجزئه.
ثالثها: يلغي ما ترك فيه القراءة ويأتي بمثله ويسجد بعد السلام، وهو الجاري على المعتمد من أنها واجبة في كل ركعة فيكون هو المعتمد، ولما بين ترك حكم قراءة الفاتحة في الصلاة كلها أو في نصفها انتقل يتكلم على تركها في أقل الصلاة.
فقال: (واختلف في السهو عن القراءة في ركعة من غيرها)؛ أي: من غير الصبح كركعة من الثلاثية أو الرباعية على ثلاثة أقوال كلها في المدونة (^١)، (فقيل: يجزئ فيه)؛ أي: في السهو عن القراءة في ركعة من غير الصبح (سجود السهو قبل السلام) ولا يلغيها وتجزئه، واختار هذا القول عبد الملك بن الماجشون والمغيرة (^٢) بناء على أنها فرض في الجل، أو بناء على عدم وجوبها، أو على أنها واجبة في ركعة أو النصف.
(وقيل يلغيها)؛ أي: الركعة التي ترك منها قراءة الفاتحة (ويأتي بركعة) بدلها، واختار هذا القول ابن القاسم، وهذا يقتضي وجوبها في كل ركعة، وهو المعتمد وصححه ابن الحاجب، وقال ابن شاس: هي الرواية المشهورة (^٣).
(وقيل يسجد قبل السلام ولا يأتي بركعة بدلها ويعيد الصلاة احتياطا) لبراءة ذمته، مراعاة لمن يقول بوجوبها في كل ركعة، وبالإعادة افترقت الرواية الثالثة من الأولى.
وظاهر المصنف أن إتمام الأولى واجب، وأن إعادة الثانية مستحب لأن الاحتياط لا يكون إلا مستحبا (وهذا) القول الثالث (أحسن ذلك)؛ أي: الأقوال المذكورة لأن فيه مراعاة القولين السابقين فسجوده قبل السلام وعدم
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ٦٥).
(٢) المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش أحد فقهاء المالكية ولد بالمدينة المنورة سنة: (١٢٤ هـ)، خرج له البخاري فقيه المدينة بعد مالك توفي سنة: (١٨٦ هـ). انظر: الإعلام للزركلي (٧/ ٢٧٧)، وشجرة النور الزكية (٦٥).
(٣) تنوير المقالة (٢/ ٢٧٢).
[ ١ / ٤٤٠ ]
بطلانها رعي للقول بأنها فرض في الجل مثلا وإعادة الصلاة رعي للقول الثاني. (إن شاء الله تعالى) قال ذلك مع كونه أحسن الروايات عنده، إما لعدم جزمه بما قاله من الأحسنية أو للتبرك.
قال ابن عمر: وعادته إذا ذكر شيئا فيه الخلاف يقول: إن شاء الله تعالى؛ أي: الله أعلم بالصواب (^١).
ثم انتقل يبين ما لا يسجد له من نقص سنة خفيفة أو نقص فضيلة فقال:
(ومن سها عن تكبيرة) سوى تكبيرة الإحرام أو عن سمع الله لمن حمده مرة واحدة (أو) عن (القنوت فلا سجود عليه) أما ترك السجود عن التكبيرة الواحدة، فهو المشهور (^٢)، وما ذكره من ترك السجود لترك التحميدة الواحدة هو المذهب، ولا سجود على من ترك القنوت على المشهور، خلافا لابن سحنون، وعلي بن زياد (^٣)، فإن سجد له قبل السلام بطلت صلاته، لأنه فضيلة والفضائل لا سجود لها (^٤).
(ومن انصرف)؛ أي: خرج (من الصلاة) بسلام سهوا مع اعتقاد الإتمام المراد سها عن كونها ناقصة فلا ينافي أنه أوقع السلام عمدا. وأما إن سلم ساهيا عن كونه في الصلاة، أو عن كونه متكلما بالسلام فإنه بمنزلة من لم يسلم فيتدارك ما تركه (ثم) بعد خروجه منها (ذكر)؛ أي: تذكر يقينا أو شك، والمراد مطلق التردد ظنا أو شكا أو وهما أنه بقي عليه شيء منها)؛ أي من أركان الصلاة المفروضة فيها كالركوع أو السجود أو الجلوس بقدر
_________________
(١) تنوير المقالة (٢/ ٢٧٣).
(٢) حاشية العدوي (١/ ٢٨٣)
(٣) ابن زياد (٢٣٤ - ٣١٩ هـ) … هو أحمد بن أحمد بن زياد أبو جعفر الفارسي القيرواني، فقيه مالكي، من أهل أفريقية، كان عالما بالوثائق، من تصانيفه: «كتاب في مواقيت الصلاة»، و«كتاب في أحكام القرآن» في عشرة أجزاء. الديباج (ص ٣٧)، وشجرة النور الزكية (ص ٨١).
(٤) تنوير المقالة للتتائي (٢/ ٢٧٤)، وفي الموضع تعقب على الفاكهاني في رده على المؤلف.
[ ١ / ٤٤١ ]
السلام، فإذا سلم ساهيا في حال رفعه من السجود، فإنه يجلس بقدر السلام ويسلم (فليرجع)؛ أي: للصلاة؛ أي: ينوي تكميلها (إن كان) تذكره (بقرب ذلك الانصراف قال التتائي: ظاهر المذهب يقتضي أنه يصلي بمكانه فورا فإن لم يفعل وصلى بمكان آخر بطلت صلاته، وهو المشهور (^١) (ف) إذا رجع؛ أي: فإذا نوى الرجوع؛ أي نوى تكميل الصلاة (يكبر تكبيرة يحرم بها)؛ أي معها؛ يعني: ينوي الرجوع مصاحبا للتكبير، ظاهر كلامه وإن قرب جدا، وهي رواية ابن القاسم عن مالك، وهذا هو المعتمد، ومقابله أنه إن قرب جدا لا يحرم، والخلاف إنما هو في التكبير، وأما النية فمتفق عليها، وحيث قلنا يرجع بإحرام، فإن القدماء من أصحاب مالك ذهبوا إلى أنه يحرم من قيام لأجل الفور، وعليه فهل يجلس عقيبه ثم ينهض أو لا؟ قولان.
(ثم) بعد أن يكبر التكبيرة التي أحرم بها يصلي ما بقي عليه) من صلاته إذا سلم على يقين أن صلاته تامة، لحديث ذي اليدين السابق، أما إن سلم عالما بأن صلاته لم تتم، أو شك، والمراد مطلق التردد سواء ظهر الكمال أو النقصان، أو لم يظهر شيء، فالصلاة باطلة، وقد عرفت ما إذا تذكر بعد أن سلم.
وأما إن كان تذكره قبل أن يسلم فإن كان من الأخيرة، فلا يخلو إما أن يكون ركوعا أو لا، فإن كان ركوعا أتى به قائما، وإن كان رفعا من ركوع أتى به محدودبا، أو سجدة أتى بها من جلوس، أو اثنتين أتى بهما من قيام، فإن أتى بهما من جلوس سهوا سجد قبل السلام لنقص الانحطاط لهما، فهو غير واجب وإلا لم يجبر بسجود السهو، ويكره تعمد ذلك، كما قال زروق (^٢)، وإن كان المتروك من غير الأخيرة فإنه يأتي به على ما قررنا فيما إذا كان من الأخيرة من جلوس أو قيام أو احديداب ما لم يعقد الركعة التي تلي ركعة النقص، فإذا عقدها فقد فاتت وقامت التي عقدها مقامها، حيث كان فذا أو
_________________
(١) تنوير المقالة للتتائي (٢/ ٢٧٧).
(٢) شرح الرسالة لزروق (٢/ ٣٠٥ - ٣٠٦).
[ ١ / ٤٤٢ ]
إماما، وما ذكرنا من أنه يأتي بالفرض المتروك إن أمكن تداركه، وأما إن كان المتروك هو النية وتكبيرة الإحرام فلا يتداركان لأنهما إذا نسيا لم توجد صلاة، فإذا سها عن واحدة منهما فإنه يبتدئ الصلاة من أولها.
واعلم أن النقص المشكوك كالمحقق، والمراد بالشك مطلق التردد. وأما في السنن فلا يعتبر إلا تيقن النقص أو التردد فيه على السواء لا عند التوهم.
(وإن تباعد ذلك) التذكر عن الانصراف من الصلاة وهو محدود بالعرف عند مالك وابن القاسم، (أو خرج من المسجد) عند أشهب (ابتدأ صلاته)، لأن من شروط الصلاة أن تكون كلها في فور واحد، ويعارضه حديث ذي اليدين القريب الذكر ويؤيد قول مالك في العرف فيه، وظاهر قوله: (وكذلك من نسي السلام) أن فيه التفصيل المتقدم فيرجع إلى الجلوس إن كان بقرب ذلك، فيكبر تكبيرة يحرم بها وهو جالس ويتشهد ويأتي بالسلام ويسجد بعد السلام.
وإن تباعد ذلك أو خرج من المسجد وطال ابتدأ صلاته ومحل كونه يأتي بتكبيرة يحرم بها وهو جالس ويتشهد ويأتي بالسلام إذا تذكر السلام بعد أن فارق مكانه.
أما إن تذكر بالقرب وهو جالس مستقبل القبلة سلم مكانه، ولا يطالب بتكبيرة يحرم بها ولا تشهد، فإن انحرف عنها انحرافا لا تبطل به الصلاة استقبلها وسلم، ولا شيء عليه من تكبيرة إحرام أو تشهد، وإنما عليه أن يسجد بعد السلام للسهو.
قال التتائي: تلخص أن التكبير ثلاث حالات:
١ - لا يسجد للواحدة.
٢ - ويسجد للاثنتين.
٣ - ولا تبطل الصلاة بترك السجود لهما.
إن نسيه لثلاث تكبيرات وطال بطلت صلاته (^١)
_________________
(١) تنوير المقالة للتتائي (٢٧٥/ ٢).
[ ١ / ٤٤٣ ]
(ومن لم يدر ما صلى أثلاث ركعات، أم أربعا، بنى على اليقين)؛ أي: الاعتقاد الجازم (وصلى ما شك فيه)؛ أي: في تركه فالثلاثة محققة، والذي وقع فيه الشك هو الرابعة، فلا يتحقق الكمال الذي تبرأ به الذمة إلا برابعة وهو معنى قول المصنف: وصلى ما شك فيه، فقوله: (وأتى برابعة) تفسير لقوله ما شك فيه (وسجد بعد سلامه) على المشهور، وقال ابن لبابة: يسجد قبل السلام، وهو ظاهر ما في «الموطأ» من قوله ﷺ: ﴿إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثا أم أربعا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم﴾ (^١) وسند المشهور: أن السجود بعد السلام بحمل الحديث على ما إذا لم يتقين سلامة الأولتين.
(ومن) كان إماما أو فذا و(تكلم) في صلاته كلاما يسيرا (ساهيا)؛ أي: عن كونه في الصلاة أو عن كونه متكلما به، وأما لو تكلم عامدا فتبطل صلاته، إلا أن يكون لإصلاحها فلا تبطل إلا أن يكثر في نفسه، والكثرة بالعرف (سجد بعد السلام)، لأنه زيادة فينجبر سهوه بالسجود، واحترز بالساهي من العامد والجاهل والمكره ومن وجب عليه الكلام لإنقاذ أعمى مثلا، فإن صلاتهم باطلة (^٢).
(ومن لم يدر أسلم أو لم يسلم) ولم يقم من مقامه وكان بقرب تشهده (سلم ولا سجود) سهو (عليه)، لأنه إن كان سلم فصلاته تامة، والسلام الثاني واقع في غير الصلاة فلا وجه للسجود، وإن كان سلم فقد سلم الآن ولم يقع منه سهو يسجد له، وأما إذا قرب ولكن تحول عن مقامه؛ أي: ولم ينحرف عن القبلة فإنه يرجع بتكبيرة ويتشهد ويسلم، ويسجد بعد السلام للزيادة، فلو لم يتحول إلا أنه انحرف عن القبلة، فإنه يستقبل ويسلم ولا يتشهد ولا إحرام عليه، ويسجد بعد السلام، وقال التتائي: أن ابن عمر قال: رجع لجلوسه بتكبيرة وتشهد وسلم، وسجد بعد السلام على المشهور.
_________________
(١) الموطأ (٢١٤)، ومسلم (٥٧١).
(٢) حاشية العدوي (١/ ٢٨٦)
[ ١ / ٤٤٤ ]
ومن سلم شاكا ثم تبين له الكمال فإنها باطلة، واختاره ابن رشد، وبه الفتوى بإفريقية (^١).
(ومن استنكحه)؛ أي: داخله (السهو) في الصلاة (فليله عنه) (^٢) وجوبا بمعنى أنه يضرب عنه صفحا، ولا يعول على ما يجده في نفسه من ذلك لأنه بلية من الشيطان إذا تمكنت من القلب لا ينتج معها عمل أبدا، فالدواء النافع من هذا الداء الذي يورث خبل العقل هو الإعراض عنه، وأنفع دواء هو ذكر الله: ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طيف من الشيطان … تذكروا﴾ [الأعراف: ٢٠١]، وفي «الموطأ» عن مالك: «أنه بلغه أن رجلا سأل القاسم بن محمد فقال: إني أهم في صلاتي فيكثر ذلك علي، فقال القاسم بن محمد: امض في صلاتك فإنه لن يذهب عنك حتى تنصرف وأنت تقول: ما أتممت صلاتي» (^٣)، فإذا قال له مثلا ما صليت إلا ثلاثا فيقول له: ما صليت إلا أربعا وإن صلاتي صحيحة، (ولا إصلاح عليه) فلو أصلح وبنى على اليقين لم تبطل صلاته كما قال الخطابي، ولعل وجهه أن الأصل البناء على اليقين، وإنما سقط عن المستنكح تخفيفا عليه، فإذا أصلح فقد وافق الأصل (ولكن عليه أن يسجد بعد السلام) عند ابن القاسم على جهة الاستحباب (^٤)، لأنه إلى الزيادة أقرب، ووجهه أن من هذه صفته على تقدير أن يكون شك هل صلى ثلاثا أو أربعا يقرب أن يكون صلى خمسا، ففي مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁: قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا
_________________
(١) تنوير المقالة للتتائي (٢/ ٢٧٩ - ٢٨٠).
(٢) قال التتائي: فليله: بفتح الهاء لأنه من لهي يلهى، كعلم يعلم؛ لأنه لما دخله الجازم حذف الألف، وهو القياس في العربية فبقيت الهاء مفتوحة على حالها. تنوير (٢/ ٢٨٥)
(٣) الموطأ، باب: العمل في السهو (١/ ١٠٠).
(٤) شرح الرسالة لزروق (١/ ٣٠٩)، وانظر: التوضيح (١/ ٢٠٧)، تحقيق: وليد الحمدان.
[ ١ / ٤٤٥ ]
شفعن له صلاته، وإن كان صلى إثماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان» (^١)، (وهو الذي يكثر ذلك منه)؛ أي: يعتريه الشك في زمن كثير (يشك كثيرا أن يكون سها ونقص)؛ أي: سها فنقص وفي رواية: (سها زاد أو نقص) (^٢)، وتحته صورتان:
الأولى: يشك هل صليت أربعا أو خمسا.
والثانية: يشك هل صليت أربعا أو ثلاثا.
ولكن مفاد قوله فليله عنه، ولا إصلاح عليه لا يعقل إلا فيما إذا كان سها بنقص لا إن كان سها بزيادة.
وغاية الاعتذار عنه أن يقال: الإلهاء بحيث إنه لا يطالب بالسجود على جهة السنية فلا ينافي أنه يسجد ندبا.
وقوله: (ولا يوقن) تكرار مع قوله يشك، وكذا قوله: (فليسجد بعد السلام) تكرار مع قوله، ولكن عليه أن يسجد بعد السلام وقوله: (فقط) إشارة لمن يقول عليه الإصلاح.
(وإذا أيقن) المصلي (بالسهو سجد بعد إصلاح صلاته)؛ يعني: أن من أيقن بأنه ترك ما أفسد له ركعة؛ أي: أيقن بأنه سها عن سجدة أو ركوع وفات التدارك، كأن ذكر وهو في التشهد الأخير مثلا، فإنه يأتي بركعة مكان التي حصل فيها الفساد، ثم يسجد فإن كانت الركعة التي سها فيها إحدى الأولتين سجد قبل السلام، لأنه اجتمع عليه الزيادة والنقصان، أما الزيادة فهي الركعة التي ألغاها، والجلوس في غير محله. وأما النقصان فلترك السورة، لأنه إنما يأتي بالركعة متلبسة بالبناء؛ أي: بالفاتحة فقط، وإن كانت من الأخيرتين لم يكن معه إلا الزيادة خاصة فيسجد بعد السلام.
(وإن كثر ذلك) السهو (منه فهو يعتريه)؛ أي: يصيبه (كثيرا) مثل أن تكون عادته السهو أبدا عن الجلوس الأول، أو تكون عادته نسيان السجود
_________________
(١) ففي مسلم (٥٧١)، والنسائي (١٢٣٨).
(٢) انظر: الرسالة، تحقيق: أبي الأجفان والهادي حمو (١٣١).
[ ١ / ٤٤٦ ]
(أصلح صلاته ولم يسجد لسهوه)، اعلم أن إصلاح ذلك يقع على وجهين، أحدهما: أن يفوت محل التدارك.
الثاني: أن لا يفوت.
مثال الأول: من عادته السهو عن السجدة الثانية من الركعة الثانية مثلا من غير الثنائية، ولم يتذكر إلا بعد السلام أو بعد أن عقد الثالثة، فإنه يأتي بركعة في الأول ولا يسجد، وتنقلب الثالثة ثانية في الثاني ولا يسجد.
ومثال الثاني: ما إذا تذكر في الفرض المذكور قبل أن يعقد الثالثة، وهذان الوجهان يدخلان في قوله: أصلح ولم يسجد لسهوه، فلو سجد في هذه الحالة وكان سجوده قبل السلام، فهل تبطل صلاته إن فعله عمدا أو جهلا أم لا مراعاة لمن يقول إنه يسجد؟ استظهر بعضهم عدم البطلان (^١).
• كيفية العمل فيمن قام من اثنتين ساهيا:
(ومن قام من اثنتين) يريد تزحزح للقيام ولم نبقه على ظاهره لئلا يتناقض مع قوله بعد: رجع، لأن ظاهره أنه لم يقم من اثنتين من صلاة الفريضة تاركا للجلوس، ومن لازمه ترك التشهد. وأما لو جلس وقام ناسيا للتشهد فلا يرجع ولا سجود عليه (رجع) اتفاقا (ما لم يفارق الأرض بيديه وركبتيه) لحديث المغيرة بن شعبة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا قام الإمام في الركعتين فإن ذكر قبل أن يستوي قائما، فليجلس» (^٢)، وأحرى إذا لم يفارق الأرض إلا بيديه فقط أو بركبتيه خاصة، ثم يتشهد، ويتم صلاته ولا سجود عليه لخفة الأمر في ذلك، فإن تمادى على القيام عامدا بطلت صلاته على المشهور، لأنه ترك ثلاث سنن عامدا، وإن تمادى ناسيا سجد قبل السلام.
_________________
(١) انظر: أقسام الشاك في: شرح الرسالة لزروق (١/ ٣٠٩ - ٣١٠)، وتنوير المقالة (٢/ ٢٨٨)
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٢٥٣) رقم (١٨٢٤٧)، وأبو داود (١/ ٢٧٢) رقم (١٠٣٦)، قال شيخنا شعيب الأرناؤوط: وهو حديث حسن.
[ ١ / ٤٤٧ ]
(فإذا فارقها)؛ أي: الأرض بيديه وركبتيه (تمادى ولم يرجع وسجد قبل السلام) لحديث المغيرة المتقدم وفيه: «…، وإذا استوى قائما فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو» وفي لفظ: «إذا صلى أحدكم فقام من الجلوس، فإن لم يستتم قائما، فليجلس، وليس عليه سجدتان، فإن استوى قائما، فليمض في صلاته، وليسجد سجدتين وهو جالس» (^١).
فإن طال زمن الترك ولم يسجد بطلت صلاته.
وهذا صادق بصورتين:
الأولى: أن يفارق الأرض بيديه وركبتيه ولم يعتدل قائما، ثم تذكر بعد أن فارق الأرض.
والثانية: أن يفارق الأرض ويعتدل قائما، والحكم فيهما واحد، وهو أنه يتمادى ولا يرجع ويسجد قبل السلام.
والمعتمد ما رواه ابن القاسم في المجموعة يتمادى على صلاته ويسجد، وإذا رجع فلا ينهض حتى يتشهد، لأن رجوعه معتد به عند ابن القاسم، وينقلب سجوده القبلي بعديا، فلو ترك التشهد عمدا بعد رجوعه بطلت صلاته على كلام ابن القاسم لا على كلام أشهب، ولعل كلام ابن القاسم بناء على بطلانها بتعمد ترك سنة خلافا لأشهب، كذا في بعض «شروح خليل» (^٢).
وإن رجع ناسيا فلا تبطل صلاته اتفاقا، ويسجد بعد السلام (^٣).
_________________
(١) قال الحافظ في بلوغ المرام: وسندها ضعيف، قال أبو داود: فيه جابر الجعفي، قال الدارقطني: قال أحمد بن حنبل: لم يتكلم في جابر في حديثه، إنما تكلم فيه لرأيه. وقال الألباني في إرواء الغليل (٢/ ١١٠): إسناده صحيح رجاله كلهم ثقات.
(٢) مواهب الجليل (٢/ ٣٠٠ - ٣٠١) عند قول خليل: وغير مؤكدة كتشهد.
(٣) انظر: المذهب في ضبط المذهب لابن راشد (١/ ٣٢٠) ففيه بعض أحكام سجود السهو ميسرة.
[ ١ / ٤٤٨ ]
• قضاء الفوائت:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن ذكر صلاة صلاها متى ما ذكرها على نحو ما فاتته، ثم أعاد ما كان في وقته مما صلى بعدها.
ومن عليه صلوات كثيرة صلاها في كل وقت من ليل أو نهار، وعند طلوع الشمس وعند غروبها، وكيفما تيسر له.
وإن كانت يسيرة أقل من صلاة يوم وليلة بدأ بهن، وإن فات وقت ما هو في وقته، وإن كثرت بدأ بما يخاف فوات وقته، ومن ذكر صلاة في صلاة فسدت هذه عليه).
الشرح
انتقل المصنف رحمه الله تعالى يتكلم على ما إذا نسي صلاة أو أكثر من الصلوات المفروضات، ولا يخلو إما أن يتذكرها بعد أن صلى صلاة حاضرة لم يخرج وقتها أو قبل أن يصليها أو فيها، وقد أشار إلى الحالة الأولى بقوله:
(ومن ذكر صلاة) نسيها، أو نام عنها، أو تعمد تركها، على المعروف من المذهب (صلاها)؛ أي: يجب عليه قضاؤها بلا خلاف في المنسية، وعلى المعروف من المذهب في المتروكة عمدا (^١)، وهو قول الجمهور (^٢) فكان الأولى للمصنف أن يذكر العمد، والأصل في ذلك حديث الخندق وسيأتي، وحديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال ﵊: «من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» (^٣)، وفي حديث أبي قتادة ﵁: «ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة أن تؤخر صلاة حتى
_________________
(١) مناهج التحصيل للرجراجي (١/ ٤٦٧ - ٤٦٩)، والبيان والتحصيل (١/ ٢٤١).
(٢) مراتب الإجماع لابن حزم (٣٠ - ٣٧).
(٣) رواه مسلم (٦٨٤).
[ ١ / ٤٤٩ ]
يدخل وقت أخرى» (^١).
وإذا امتنع من قضاء المنسيات فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل (^٢).
وقيل: لا يقتل على المشهور (^٣)، واختلف في المتعمد فقيل: إنه يقتل بعد الاستتابة، وقيل: لا يقتل مراعاة لمن يقول بعدم وجوب القضاء، إذ هو محل خلاف.
وإذا ثبت وجوب قضاء المنسيات فليصلها (متى ما ذكرها في ليل أو نهار عند طلوع الشمس وعند غروبها)؛ أي: حيث تحقق تركها أو ظنه.
وأما المشكوك في تركها وعدمه على السواء فيجب عليه القضاء، وظاهر كلام المصنف: أن قضاء الفوائت يجب على الفور، ولا يجوز التأخير إلا لعذر وهو كذلك في نقل الأكثر؛ أي: أكثر أهل المذهب.
وإذا أراد قضاء المنسية فإنه يفعلها (على نحو ما فاتته) من إعداد الركوع والسجود وهيئاتها من إسرار وجهر، ويقنت إن كان صبحا، ويقيم لكل صلاة، وإن نسيها سفرية قضاها كذلك سفرية، وإن نسيها حضرية قضاها كذلك حضرية، وذلك لحديث أبي قتادة ﵁ في قصة نومهم عن صلاة الفجر قال: «ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله ﷺ ركعتين ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم» (^٤).
وإذا اختلف وقت القضاء ووقت الفوات بالصحة والمرض، فإنه يعتبر وقت القضاء، فإذا فاتته في الصحة وكان في وقت القضاء مريضا لا يقدر إلا على النية فقط أو مع الإيماء بالطرف، فإنه يقضيها بالنية أو النية والطرف، ولا يؤخرها لاحتمال موته، وإذا كفى هذا في الأداء فيكفي في القضاء بالأولى.
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٤١)، والترمذي (١٧٧)، والنسائي (٦١٤)، وأصله في صحيح مسلم (٦٨١)
(٢) التوضيح على جامع الأمهات لخليل (١/ ٢٣٨)، وانظر: شرح التلقين (١/ ٣٧٣ - (٣٧٤)
(٣) تنوير المقالة للتتائي (٢/ ٢٩٦).
(٤) رواه مسلم (٣١١) - (٦٨١).
[ ١ / ٤٥٠ ]
(ثم) بعد قضاء ما فاته من الصلوات المنسية (أعاد ما)؛ أي: الصلاة الحاضرة التي (كان) أوقعها في وقته الضمير عائد على ما، وذكره باعتبار اللفظ، وسواء في ذلك الإمام والفذ والمأموم، فكل منهم مطالب على جهة الندب بأنه لو ذكر يسير الفوائت وهي خمس (^١)، أو أربع بعد أن صلى الحاضرة وقد بقي وقتها أن يعيد الحاضرة بعد قضاء ما نسيه من يسير الفوائت، وقوله (مما صلى) بيان لما والضمير في (بعدها) عائد على المنسية. لحديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ: قال: «من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فليصل مع الإمام، فإذا فرغ من صلاته فليعد الصلاة التي نسي ثم ليعد الصلاة التي صلى مع الإمام» (^٢)، ولحديث أبي سلمة عن جابر بن عبد الله ﵄: أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش قال: يا رسول الله ما كدت أصلي العصر، حتى كادت الشمس تغرب، قال النبي ﷺ: «والله ما صليتها» فقمنا إلى بطحان (^٣)، فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب (^٤)، وحديث أبي جمعة حبيب بن سباع (^٥): صلى رسول الله ﷺ المغرب يوم الأحزاب فلما سلم قال: هل علم أحد منكم أني صليت العصر؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال:
_________________
(١) على ما شهره المازري، شرح التلقين (٢/ ٧٣٨).
(٢) رواه مالك موقوفا على ابن عمر (٥٨٤)، والدارقطني (ص ١٦٢)، وصوب وقفه، والبيهقي (٢/ ٢٢١)، والطحاوي (ص ٢٧٠)، قال الهيثمي: رواه الطبراني في «الأوسط» ورجاله ثقات إلا أن شيخ الطبراني محمد بن هشام المستملي لم أجد من ذكره اه. وكذلك صوب وقفه الحافظ ابن حجر في التلخيص، وقال: والصحيح أنه من قول ابن عمر هكذا رواه مالك وغيره عن نافع.
(٣) بطحان: بضم الباء وسكون الطاء، واد يجري بصحراء المدينة.
(٤) رواه البخاري (٥٧١)، ومسلم (٦٣١).
(٥) أبو جمعة الأنصاري أو الكناني، أو القاري، يقال: اسمه حبيب بن سباع، ويقال: جنبذ بن سبع، (سكن الشام ثم مصر) صحابي توفي بعد (٧٠ هـ) روى له: عخ (البخاري في خلق أفعال العباد).
[ ١ / ٤٥١ ]
فصلى العصر، ثم صلى المعرب» (^١).
• كيفية قضاء الفوائت:
قوله: (ومن عليه صلوات كثيرة) سواء نسيها أو نام عنها أو تعمد تركها (صلاها)؛ أي: قضاها في كل وقت من ليل أو نهار وعند طلوع الشمس وعند غروبها وسوغ التكرار أنه تكلم أولا على الصلوات اليسيرة، وتكلم هنا على الكثيرة، وكرر قوله: «عند طلوع الشمس وعند غروبها»، إشارة إلى أبي حنيفة القائل بأنه لا يصلي عند طلوع الشمس إلا صبح يومه (^٢)، وعند الغروب إلا عصر يومه، والدليل على صحة أداء أو قضاء الفريضة ذلك الوقت هو قوله ﷺ: «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر» (^٣)، فدل على جواز صلاة الفريضة ولو كانت الشمس إلى الغروب.
وقوله: (وكيفما تيسر له) إشارة إلى دفع المشقة في قضائها من غير تفريط. ثم أشار إلى القسم الثاني بقوله: (وإن كانت)؛ أي: الصلوات التي عليه يسيرة أقل من صلاة يوم وليلة وهي أربع صلوات (^٤) (بدأ بهن)؛ أي: قدمهن على الصلاة الحاضرة وجوبا، على المشهور (^٥)، لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب بهوى من الليل كفينا وذلك قول الله -عزو جل-: ﴿وكفى الله المؤمنين القتال
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤/ ١٠٦)، وأخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (١/ ١٧٤/ ٢)، قال الحافظ ابن رجب في فتح الباري: «وهذا حديث ضعيف الإسناد، وابن لهيعة لا يحتج بما ينفرد به». قال ابن عبد البر: «هذا حديث لا يعرف إلا عن ابن لهيعة، عن مجهولين، لا تقوم به حجة». مجمع الزوائد (١/ ٨٨).
(٢) وليس مذهب الأحناف على إطلاقه، فقد قال صاحب بداية المبتدئ ولا بأس أن يصلي في هذين الوقتين الفوائت. انظر: الهداية في شرح البداية (١/ ٤٤).
(٣) البخاري (٥٣١)، ومسلم (٦٠٨).
(٤) المدونة (١/ ٢١٦)، وانظر: البيان والتحصيل (١/ ٣٠٤).
(٥) المدونة (١/ ٢١٦)، والنوادر لابن أبي زيد (١/ ٣٣٤ - ٣٣٥).
[ ١ / ٤٥٢ ]
وكان الله قويا عزيزا﴾ [الأحزاب: ٢٥] قال: فدعا رسول الله ﷺ بلالا، فأقام الظهر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم أمره فأقام العصر فصلاها، فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم أمره فأقام المغرب فصلاها كذلك. قال: وذلك قبل أن ينزل الله ل في صلاة الخوف: ﴿فإن خفتم فرجالا أو ركبانا﴾» [البقرة: ٢٣٩] (^١).
وعن ابن مسعود ﵁: «أن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله ..» (^٢).
ويدخل في الفائتة اليسيرة ما لو كان عليه الظهر والعصر أو المغرب والعشاء، ولم يبق من الوقت إلا ما يسع الأخيرة، فيجب تقديم الأولى، فإن خالف وقدم الحاضرة صحت مع الإثم في العمد دون النسيان، ولا يتأتى هنا إعادة لخروج الوقت.
(وإن فات وقت ما هو في وقته)؛ يعني: أن من عليه يسير الفوائت يجب عليه أن يقدمها على الحاضرة وإن لزم على ذلك أنه يفعل الحاضرة بعد خروج وقتها وما ذكر من تقديم اليسيرة على الحاضرة إذا ضاق الوقت عن إدراك الحاضرة هو المشهور (^٣).
ثم شرع يبين حكم ترتيب الفوائت الكثيرة مع الحاضرة فقال: (وإن كثرت)؛ أي: الفوائت التي عليه وهي على ما قال الشيخ خمس فما فوق، وعلى ما شهره المازري سن فما فوق (^٤)، (بدأ بما يخاف فوات وقته) مفهوم كلامه أنه إذا لم يخف فوات وقت الحاضرة أنه يبدأ بالمنسيات وهذا القول لابن حبيب والمعتمد ما رواه ابن القاسم أنه يبدأ بالحاضرة مطلقا
_________________
(١) رواه أحمد (٣/ ٢٥)، والنسائي (١/ ٢/ ١٧)، ومالك في الموطأ مرسلا من طريق سعيد بن المسيب (١/ ٥٢٥).
(٢) رواه الترمذي (١٧٩)، والنسائي (١/ ٢/ ١٢).
(٣) التوضيح (٣/ ٩٢٣).
(٤) شرح التلقين (٢/ ٧٣٠)، ومناهج التحصيل (١/ ٤٦٣).
[ ١ / ٤٥٣ ]
ضاق الوقت أو اتسع، لكن وجوبا عند ضيق الوقت وندبا عند اتساعه.
• من نسي صلاة ثم ذكرها في صلاة:
انتقل يتكلم على القسم الثالث فقال:
(ومن ذكر صلاة)؛ أي: ذكر يسير الفوائت وهي ما يجب ترتيبها مع الحاضرة (في) حال تلبسه ب (صلاة) مفروضة (فسدت هذه)؛ أي: الصلاة التي هو فيها بمعنى أنه يقطعها لا أنها فسدت بالفعل، (عليه) لحديث ابن عمر المتقدم، قال ابن ناجي: ظاهر كلام الشيخ أن القطع واجب، وهذا القول ظاهر المذهب كما قاله في «التوضيح» (^١)، والمشهور ما في «المدونة» يتمادى مع الإمام ويعيد، وفي وجوب الإعادة خلاف؛ أي: بناء على أن الترتيب بين اليسيرة والحاضرة واجب شرط وشهر في «المختصر» الإعادة في الوقت؛ أي: فلا تكون الإعادة واجبة بل مستحبة (^٢).
• ما يفعله الإمام والفذ إذا ذكر فائتة:
إن حاصل ما في المسألة أنه إذا ذكر الإمام أو الفذ يسير الفوائت قبل عقد ركعة بسجدتيها فإنه يجب القطع، وقيل يندب (^٣)، فلو عقد ركعة بسجدتيها شفع استحبابا وقيل وجوبا، ويتبع المأموم إمامه في ذلك، ولا فرق بين الرباعية والثنائية كالصبح والجمعة والمقصورة، وظاهر المدونة أن المغرب كغيرها؛ أي: يشفعها إن عقد ركعة (^٤)، وهو غير معول عليه بل يتمها مغربا وهو ما رجحه ابن عرفة، فلو تذكر بعد أن كمل من المغرب ركعتين تامتين بسجدتيهما فإنه يكملها بنية الفريضة كما أنه إذا كمل ثلاثا من غيرها فإنه يكملها بنية الفريضة، وبعد تكميل المغرب أو غيرها يعيد ندبا في الوقت؛ أي: بعد إتيانه بيسير الفوائت.
_________________
(١) التوضيح (٣/ ٩٢٦)، وانظر: شرح التلقين (٢/ ٧٧٣)
(٢) انظر هذه الأقوال في: مناهج التحصيل (١/ ٤٥٤ - ٤٥٥).
(٣) مناهج التحصيل (١/ ٤٥٥)، وتنوير المقالة (٢/ ٣٠٣).
(٤) المدونة (١/ ٢١٧)، والتوضيح (٣/ ٩٣١).
[ ١ / ٤٥٤ ]
وإن كان الذاكر ليسير الفوائت المأموم، فإنه يتمادى مع إمامه، ثم تندب له الإعادة في الوقت. ولا فرق بين أن تكون المعادة جمعة أو غيرها، ويعيدها جمعة إن أمكن وإلا ظهرا.
• من مبطلات الصلاة:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن ضحك في الصلاة أعادها ولم يعد الوضوء، وإن كان مع إمام تمادى وأعاد، ولا شيء عليه في التبسم.
والنفخ في الصلاة كالكلام، والعامد لذلك مفسد لصلاته.
ومن أخطأ القبلة أعاد في الوقت.
وكذلك من صلى بثوب نجس أو على مكان نجس.
وكذلك من توضأ بماء نجس مختلف في نجاسته.
وأما من توضأ بماء قد تغير لونه أو طعمه أو ريحه أعاد صلاته أبدا ووضوءه).
• الضحك في الصلاة من مبطلاتها:
قوله: (ومن ضحك)؛ أي: قهقه وهو الضحك بصوت وهو (في الصلاة أعادها) وجوبا أبدا، لأنها بطلت اتفاقا إن كان عمدا، سواء كان إماما أو مأموما أو فذا للإجماع كما نقل ذلك ابن حزم في «مراتبه» (^١)، وابن المنذر (^٢) في الإجماع. ولحديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يقطع الصلاة الكشر، ولكن يقطعها القهقهة» (^٣)، وأما الموقوف فعن جابر ﵁ وقد سئل عن الرجل يضحك في الصلاة قال: «يعيد الصلاة، ولا يعيد الوضوء» (^٤).
_________________
(١) التوضيح على جامع الأمهات لخليل (١/ ١٩٢)، ومراتب الإجماع لابن حزم (٥١ ٥٢).
(٢) الإجماع (ص ٨)، والأوسط (١/ ٢٢٦) و(٢/ ٢٥٤).
(٣) رواه الطبراني مرفوعا وموقوفا، قال الهيثمي في المجمع (٢/ ٨٥)، ورجاله موثقون.
(٤) رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح، كما قال الهيثمي في المجمع (٢/ ٨٥)، وله =
[ ١ / ٤٥٥ ]
وقال الحافظ (^١): وروى ابن عدي عن أحمد بن حنبل قال: «ليس في الضحك حديث صحيح»، أما التبسم فلا يقطع الصلاة ما لم يكن كثيرا لحديث جابر المتقدم مرفوعا، وعلى المشهور إن كان سهوا أو غلبة ومقابله لا يضر قياسا على الكلام، وهل يسجد قبل السلام أو بعده؟ والصحيح لابن القاسم: لا سجود عليه (^٢).
(ولم يعد الوضوء) لحديث جابر ﵁ المتقدم خلافا لأبي حنيفة (^٣) القائل بأن القهقهة تنقض الوضوء أيضا كما أبطلت الصلاة، وعمدتهم أحاديث ضعيفة لا تقوم بمثلها حجة، إلا أن يكون في صلاة الجنازة فتبطل الصلاة فقط.
ولما كان المأموم يخالف الفذ والإمام في حالة نبه على ذلك بقوله:
• مساجين الإمام:
(وإن كان) الذي ضحك في صلاته (مع إمام تمادى) معه استحبابا مراعاة لحقه وقيل وجوبا، وهي من المواضع التي سماها بعضهم بمساجين الإمام؛ أي: لا يحق للمأموم حتى ولو بطلت صلاته أن يخرج منها ونظمها بعضهم (^٤) بقوله:
مساجن الإمام فيما اشتهرا … ونسي الإحرام، أو من ذكرا
أربعة من للركوع كبرا … صلاة أو وترا، كذا الضحك جرى
وتمادي المأموم مقيد بقيود:
الأول: أن لا يقدر على الترك في أثناء الضحك بل غلبه، وكذا فعله نسيانا، فإن قدر على الترك لم يتماد.
_________________
(١) = طرق متعددة عند الدارقطني (١/ ١/ ١٧٢)، والبيهقي (٢/ ٣٥٧).
(٢) التلخيص الحبير (١/ ١١٥).
(٣) التوضيح على جامع الأمهات لخليل (١/ ١٩٦).
(٤) الهداية للمرغيناني (١/ ٦٦).
(٥) الدر الثمين لميارة (١/ ١٦٣)، وانظر: تنوير المقالة للتتائي (٢/ ٣٠٤).
[ ١ / ٤٥٦ ]
الثاني: أن لا يكون ضحكه ابتداء عمدا، وإلا لم يتماد في الغلبة.
الثالث: أن لا يخاف بتماديه خروج الوقت وإلا قطع.
الرابع: أن لا يلزم على بقائه ضحك المأمومين كلا أو بعضا، وإلا قطع ولو بظن ذلك.
الخامس: أن لا يكون جمعة وإلا فيقطع ولو اتسع الوقت.
(ولا شيء عليه)؛ أي: المصلي فذا كان أو إماما أو مأموما (في التبسم) حال تلبسه بالصلاة، فعن ابن مسعود ﵁ قال: «التبسم في الصلاة ليس بشيء» (^١).
ولا سجود في السهو ولا بطلان في العمد أو الجهل (^٢)، غير أن العمد مكروه وإن كثر أبطلها ولو سهوا، لأن التبسم إنما هو تحريك الشفتين فهو كحركة الأجفان أو القدمين.
• حكم النفخ في الصلاة:
(والنفخ في الصلاة كالكلام) والكلام مبطل، على المشهور.
قال خليل: فيبطل عمده دون سهوه، ومقابل المشهور للأبهري لا يبطل.
ومذهبنا أن من أن (^٣) لوجع لا تبطل صلاته، قاله المازري اه (^٤)، لأن النبي ﷺ قال: ﴿إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث: أن لا تكلموا في الصلاة﴾ (^٥).
والنفخ مثله إن كان بالفم وبان منه أحرف لحديث ابن عباس ﵁ قال:
_________________
(١) ابن أبي شيبة (١/ ٤٢٣)
(٢) انظر في التبسم وموضع السجود: المدونة (١/ ١٩٠)، والعتبية مع البيان والتحصيل (١/ ٤٤٦)، (٢/ ٤٦)، والذخيرة (٢/ ١٤٣).
(٣) من الأنين مضارعه يئن: صوت المريض عند اشتداد الألم.
(٤) التوضيح على جامع الأمهات لخليل (١/ ١٩٢)، وانظر: شرح التلقين (٢/ ٦٥٨).
(٥) صحيح البخاري، باب قول الله تعالى: ﴿كل يوم هو في شأن﴾ [الرحمن ٢٩]، وأبو داود (١/ ٢٤٣) رقم (٩٢٤).
[ ١ / ٤٥٧ ]
«النفخ في الصلاة كلام» (^١)، والبيهقي (^٢) بلفظ: «إنه كان يخشى أن يكون كلاما» ثم قال: «والنفخ لا يكون كلاما إلا إذا بان منه كلام له هجاء، وأما إذا لم يفهم منه كلام له هجاء فلا يكون كلاما».
أما إذا كان النفخ لسبب فلا يبطلها، والله أعلم فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه نفخ في صلاة الكسوف فعن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ، فقام رسول الله ﷺ إلى الصلاة وقام الذين معه، فقام قياما فأطال القيام، … فجعل ينفخ في آخر سجوده من الركعة الثانية، ويبكي ويقول: «لم تعدني هذا وأنا فيهم، لم تعدني هذا ونحن نستغفرك …» (^٣) وفي رواية أبي داود (^٤) من حديث عبد الله بن عمرو ﵁: «ثم نفخ في آخر سجوده فقال: أف أف».
قال ابن بطال: وروي عن مالك كراهة النفخ في الصلاة ولا يقطعها كما يقطعها الكلام.
• حكم الكلام في الصلاة:
الكلام لغير إصلاح الصلاة مبطل لها فعن زيد بن أرقم ﵁ قال: «كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام» (^٥)، وللترمذي فيه: «كنا نتكلم خلف رسول الله ﷺ في الصلاة» (^٦).
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في مصنفه (٢/ ١٨٩)، وسعيد بن منصور.
(٢) البيهقي في السنن (٢/ ٣٥٨).
(٣) خت كما في الفتح (٣/ ١٠١)، وقال الحافظ: رواه أحمد (٢/ ١٥٩)، وصححه ابن خزيمة والطبري وابن حبان والنسائي واللفظ له (٢/ ٣/ ١٤٩). اقتصرنا على الشاهد.
(٤) أبو داود (١١٩٤).
(٥) رواه البخاري (١١٤٢)، ومسلم (٥٣٩)، واللفظ له.
(٦) الحديث قال الترمذي: حسن صحيح.
[ ١ / ٤٥٨ ]
(والحديث) يدل على تحريم الكلام في الصلاة، ولا خلاف بين أهل العلم أن من تكلم في صلاته عامدا عالما فسدت صلاته.
قال ابن المنذر (^١): أجمع أهل العلم على أن من تكلم في صلاته عامدا وهو لا يريد إصلاح صلاته أن صلاته فاسدة، واختلفوا في كلام الساهي والجاهل.
وقوله: (والعامد لذلك)؛ أي: للنفخ في الصلاة (مفسد لصلاته) حشو إلا أن يحمل الأول على السهو، ولا يشترط في الإبطال بالنفخ أن يظهر منه حرفان بل ولا حرف واحد، فظهر من ذلك أن المراد النفخ بالفم، وأما بالأنف فلا يبطل عمده ولا سجود في سهوه، قال الأجهوري: وينبغي أن يقيد بأن لا يكون عبثا وإلا جرى على الأفعال الكثيرة، ودليل الإبطال ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: النفخ في الصلاة كلام؛ يعني: فيبطل، ومثل هذا لا يقال من قبل الرأي بل عن سماع من النبي ﷺ.
وأما التنحنح لضرورة لا يبطل الصلاة، وكذلك البكاء إذا كان لتخشع؛ أي: بشرط أن يكون غلبة، قال الله تعالى: ﴿إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا﴾ [مريم: ٥٨].
وعن عبد الله بن الشخير ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي وفي صدره أزيز كأزيز المرجل (^٢) من البكاء» (^٣).
• حكم من أخطأ القبلة:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن) كان من أهل الاجتهاد بالأدلة المنصوبة على الكعبة، ومثله من
_________________
(١) الإجماع لابن المنذر (٣٧).
(٢) أزيز: أي: خنين من الخوف - بالخاء المعجمة - وهو صوت البكاء. وقيل: هو أن يجيش جوفه ويغلي بالبكاء. والمرجل: هو بالكسر: الإناء الذي يغلى فيه الماء.
(٣) رواه أحمد (١٦٣١٢)، وأبو داود (٩٠٤)، والترمذي في «الشمائل» (٣٢٢)، والنسائي في «الكبرى» (٥٤٥).
[ ١ / ٤٥٩ ]
كان مقلدا غيره عدلا عارفا، أو محرابا، وكان بغير مكة والمدينة (^١)، واجتهد في جهة غلبت على ظنه لما قام عنده من الأمارات فصلى إليها، ثم تبين له بعد الفراغ منها أنه (أخطأ القبلة)؛ أي جهة الكعبة باستدبارها أو الانحراف عنها انحرافا شديدا في غير قتال جائز (أعاد) ما صلى ما دام في الوقت المختار استحبابا (^٢).
هذا حكم من كان بغير مكة والمدينة، وكان عنده الأدلة المنصوبة على القبلة (^٣)، واجتهد وأخطأ، لحديث عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي ﷺ، فنزل: قوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ [البقرة: ١١٥]، وزاد أبو داود الطيالسي فقال: «مضت صلاتكم» (^٤)، والترمذي (^٥) وقال: قد ذهب أكثر أهل العلم إلى هذا، وقالوا إذا صلى لغير القبلة ثم استبان له بعد ما صلى أنه صلى لغير القبلة فإن صلاته جائزة.
فلو لم يجتهد وصلى بغير اجتهاد أعاد أبدا، وإن أصاب القبلة.
كما أن من كان بمكة أو المدينة أو المساجد التي صلى فيها النبي ﵊ واجتهد وصلى أعاد أبدا.
_________________
(١) لكون أن من كان بمكة فإنه يستطيع تحقيق جهة الكعبة ومن كان بمسجد النبي ﷺ بالمدينة فقد قيل: إن محرابه، وضع بتسديد جبريل والله أعلم، قال ابن راشد: ومن بالمدينة يستدل بمحرابه ﷺ لأنه قطعي كما ذكرنا. (المذهب ١/ ٢٤٢).
(٢) التوضيح على جامع الأمهات لخليل (٣/ ٧٨٩)، تحقيق: عبد العزيز الهويمل.
(٣) ذكر القرافي الأدلة المنصوبة على الكعبة في الذخيرة (٢/ ١٢٨) فانظره فإنه مفيد. قال: وأصول الأدلة على الكعبة ستة: العروض والأطوال مع الدائرة الهندسية أو غيرها من الأشكال الهندسية على ما بسط في علم المواقيت والقطب والكواكب والشمس والقمر والرياح وهي أضعفها، كما أن أقواها العروض والأطوال ثم القطب.
(٤) أبو داود الطيالسي (١١٤٥).
(٥) الترمذي دون الزيادة وضعفه (٢٩٥٧ - ٣٤٥)، وحسن أحمد شاكر إسناده.
[ ١ / ٤٦٠ ]
• مسألة فيمن صلى على مكان نجس:
(أو) صلى (على مكان نجس) أو ثوب كذلك؛ أي: نجس، أو كان على بدنه نجاسة ثم تذكر بعد الفراغ من الصلاة نجاسة ذلك أعاد في الوقت، للقول بأن طهارة الخبث في أحد قولي مالك أنها سنة (^١) وقد دل على ذلك ﵄ حديث عائشة ﵄ قالت: «كنت مع رسول الله ﷺ …» وفيه: «فلما أصبح رسول الله ﷺ أخذ الكساء فلبسه، ثم خرج فصلى فيه الغداة، ثم جلس فقال رجل: يا رسول الله هذه لمعة من دم في الكساء، فقبض رسول الله ﷺ عليها مع ما يليها وأرسلها إلي مصرورة في يد الغلام فقال: «اغسلي هذه وأجفيها ثم ارسلي بها إلي، فدعوت بقصعتي فغسلتها ثم أجفيتها ثم أخرجتها فجاء رسول الله ﷺ وهو عليه»» (^٢)، ولم يثبت عنه ﷺ أنه أعاد الصلاة، وإنما قالوا بإعادتها احتياطا، وقد علمت الأدلة في كتاب الطهارة.
وهل طهارة ثوب المصلي شرط لصحة الصلاة أم لا؟ (^٣). والإعادة مراعاة للقول بالوجوب.
والوقت في الظهرين للإصفرار، وفي العشاءين الليل كله، والصحيح أن آخر وقت العشاء نصف الليل لما مر معنا في أدلة أوقات الصلاة والله أعلم.
• مسألة من توضأ بماء متنجس:
(وكذلك من توضأ) ناسيا (بماء نجس)؛ أي: متنجس؛ أي: محكوم بنجاسته عند المصنف (مختلف في نجاسته) كماء قليل حلته نجاسة ولم تغيره، ولم يتذكر حتى فرغ من صلاته، مراعاة لدليل القائل بنجاسته، وأما فيها فتبطل بمجرد الذكر فالإعادة في الوقت استحبابا منوطة بالتذكر بعد الفراغ ولا يخفى أن كلام المصنف مبني على مذهبه، وهو أن الماء القليل الذي حلته
_________________
(١) التوضيح على جامع الأمهات لخليل (١/ ١٤١) و(١/ ٢٠٠)، تحقيق: عبد العزيز الهويمل.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٨٨)، قال المنذري هذا الحديث غريب.
(٣) انظر: نيل الأوطار للشوكاني (١/ ١١٣)، دار الفكر.
[ ١ / ٤٦١ ]
نجاسة ولو لم تغيره فهو متنجس ولعله لحديث القلتين (^١)، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث» وفي لفظ: «لم ينجس» (^٢).
والمعتمد أنه ليس بمتنجس (^٣)، وعليه فلا إعادة أصلا، وعلى مذهب المصنف يعيد الوضوء أيضا؛ أي: استحبابا (^٤).
(وأما من توضأ بماء قد تغير لونه أو طعمه؛ يعني: (أو ريحه) بشيء طاهر أو نجس أعاد صلاته أبدا ووضوءه) سواء توضأ به عامدا أو ناسيا، لأنه أوقعها بوضوء لم يجز استعماله في الطهارة لحديث أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه» (^٥).
قال ابن المنذر: [أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة، فغيرت له طعما أو لونا أو ريحا فهو نجس ما دام كذلك] (^٦)، ويعيد الاستنجاء أيضا إن كان استنجى من هذا الماء فلا مفهوم لقول المصنف: وأما من توضأ.
• رخصة الجمع بين الظهرين والعشائين:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ورخص في الجمع بين المغرب والعشاء ليلة المطر، وكذلك في طين
_________________
(١) الذخيرة (١/ ١٧٣).
(٢) صحيح، رواه أبو داود (٦٣ و٦٤ و٦٥)، والنسائي (١/ ٤٦ و١٧٥)، والترمذي (٦٧)، وهو حديث صحيح.
(٣) التوضيح على جامع الأمهات لخليل (١/ ٤٣) الهويمل.
(٤) البيان والتحصيل (١/ ٣٥).
(٥) رواه ابن ماجه (٥٢١)، والدارقطني (١/ ٢٨) كما في المجمع (١/ ٢١٤) قال الهيثمي: وفيه رشدين بن سعد وهو ضعيف.
(٦) الإجماع لابن المنذر (ص ٤)، وعليه فإن الإجماع هو الدليل على نجاسة ما تغير أحد أوصافه، لكن مستنده الحديث الضعيف. والله أعلم.
[ ١ / ٤٦٢ ]
وظلمة؛ يؤذن للمغرب في أول الوقت خارج المسجد، ثم يؤخر قليلا في قول مالك، ثم يقيم في داخل المسجد، ويصليها ثم يؤذن للعشاء في داخل المسجد ويقيم ثم يصليها، ثم ينصرفون، وعليهم إسفار قبل مغيب الشفق.
والجمع بعرفة بين الظهر والعصر عند الزوال سنة واجبة بأذان وإقامة لكل صلاة.
وكذلك في جمع المغرب والعشاء بالمزدلفة إذا وصل إليها، وإذا جد السير بالمسافر فله أن يجمع بين الصلاتين في آخر وقت الظهر، وأول وقت العصر، وكذلك المغرب والعشاء، وإذا ارتحل في أول وقت الصلاة الأولى جمع حينئذ.
وللمريض أن يجمع إذا خاف أن يغلب على عقله عند الزوال، وعند الغروب، وإن كان الجمع أرفق به لبطن به ونحوه جمع وسط وقت الظهر وعند غيبوبة الشفق).
• الشرح:
انتقل المصنف رحمه الله تعالى يتكلم على الجمع بين الصلاتين، والجمع بين الصلاتين رخصة رخصها الشارع الحكيم تخفيفا على المسافر والمريض ومن في معناهما، وقد ذكرها المصنف في ستة مواضع:
أولها: المطر وحده، وثانيها: طين وظلمة، وثالثها: عرفة، ورابعها: مزدلفة، وخامسها: السفر المبيح للقصر، وسادسها: المرض.
وأشار المصنف إلى الأولين بقوله: (ورخص في الجمع بين المغرب والعشاء ليلة المطر، وكذلك في طين وظلمة) ما ذكر من كون الجمع ليلة المطر رخصة هو الذي مشى عليه صاحب «المختصر (^١)»، ولم يبين حكمها، وهل هو الإباحة وهو ظاهر كلامهم أو خلاف الأولى (^٢)، إذ الأولى إيقاع
_________________
(١) المختصر (٤٥).
(٢) خلاف الأولى: هو الذي لم يرد فيه نص خاص بالنهي عنه، وإنما ورد الأمر بضده =
[ ١ / ٤٦٣ ]
الصلاة في وقتها، وهو ما مشى عليه ابن عبد البر مراعاة لمن يقول لا جمع ليلة المطر (^١)، أو الأولى أن يجمع لما روى أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: «من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء قال وكان يصلي المغرب ثم يمكث هنيئة ثم يصلي العشاء» (^٢)، ولحديث ابن عباس ﵄: «صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا، في غير خوف، ولا سفر» (^٣)، قال مالك (^٤): «أرى ذلك في المطر».
والرخصة لغة: التيسير؛ وشرعا: إباحة الشيء الممنوع مع قيام السبب المانع؛ أي: لولا وجود تلك المشقة والسبب المانع هنا، لو كان يمكن فعلها في وقتها، على الوجه المأمور به شرعا.
وما ذكره المصنف في سبب الجمع فمنه ما هو على المشهور: وهو المطر، فالمطر سبب للجمع بين المغرب والعشاء على القول المشهور بشرط أن يكون وابلا أي كثيرا، وهو الذي يحمل أواسط الناس على تغطية رؤوسهم، وسواء كان واقعا أو متوقعا، ويمكن علم ذلك بالقرينة، واليوم يعرف غالبا بالأرصاد الجوية.
ومثل المطر الثلج والبرد ومنه ما هو متفق على أنه سبب للجمع: وهو الطين والظلمة، والمراد بالطين الوحل، وبالظلمة ظلمة الليل من غير قمر، فلو
_________________
(١) = على سبيل الندب، فمثلا: الأمر بصلاة الضحى، وترك الصيام للواقف بعرفة، فعل ضدهما خلاف الأولى. انظر: نثر الورود (١/ ٥١).
(٢) الكافي (١/ ٣٥)، دار الكتب العلمية.
(٣) التمهيد لابن عبد البر (١٢/ ٢١٢).
(٤) رواه مسلم (٤٩) - (٧٠٥)، وأبو داود (١٢١٠)، والترمذي (١٨٧).
(٥) الموطأ (١/ ١٤٤). قال ابن الحاجب: والمنصوص اختصاصه بالمغرب والعشاء، واستقرأ الباجي كما في المنتقى (١/ ٢٥٦ - ٢٥٧) الظهر والعصر من الموطأ. التوضيح على جامع الأمهات لخليل (١/ ٤١٦)، تحقيق: وليد الحمدان، يشير إلى قول مالك الآنف الذكر.
[ ١ / ٤٦٤ ]
غطى السحاب القمر فليس بظلمة فلا يجمع لذلك، وظاهر كلام المصنف أنه للظلمة وحدها ولا للطين وحده، وهو كذلك، أما الظلمة فاتفق أهل المذهب على أنه لا يجمع لها وحدها (^١).
وأما الطين فقد صرح القرافي بمشهورية القول بعدم الجمع (^٢)، وعليه اقتصر صاحب «المختصر» وهو المعتمد (^٣)، وظاهر قصره الرخصة بين المغرب والعشاء أنه لا يجمع بين غيرهما، وهو كذلك قال ابن الحاجب: والمنصوص اختصاصه بالمغرب والعشاء (^٤).
ثم بين صفة الجمع بينهما بقوله: (يؤذن للمغرب أول الوقت خارج المسجد) على المنارة قاله مالك في «الواضحة» (^٥) للأحاديث الواردة في الأذان لكل صلاة ومنها المغرب (ثم يؤخر) صلاة المغرب شيئا (قليلا في) مشهور (قول مالك) الإضافة للبيان؛ أي: في مشهور هو قول مالك لأن القول لمالك، وقد خالفه ابن عبد الحكم وابن وهب لا أن القولين لمالك، وهذا هو المشهور (^٦) وإنما طلب تأخير المغرب شيئا قليلا ليأتي المسجد من بعدت داره؛ قال ابن ناجي تردد شيخنا هل تأخير المغرب على المشهور أمر واجب لا بد منه، أم ذلك على طريق الندب؟ قولان، والراجح أن ذلك على طريق الندب والتأخير بقدر ما يدخل وقت الاشتراك لاختصاص الأولى بثلاث بعد الغروب. (ثم) بعد أن يؤخر المغرب قليلا (يقيم) لها الصلاة؛ أي: على طريق السنية لما مر معك في أحاديث الإقامة، (داخل المسجد ويصليها) ولا يطول على المشهور لأن تقصيرها مطلوب في غير هذا، فهذا أولى. ولا بد من نية الإمامة فيها، فلو ترك الإمام نية الإمامة بطلتا حيث تركها فيهما،
_________________
(١) تنوير المقالة للتتائي (٢/ ٣٢٤).
(٢) الذخيرة للقرافي (٢/ ٣٧٤).
(٣) المختصر (٤٥).
(٤) تقدم في الحاشية السابقة.
(٥) انظر: التوضيح على جامع الأمهات لخليل (١/ ٤١٢).
(٦) المدونة (١/ ٢٠٣)، والمقدمات (١/ ١٨٩)، والتوضيح (١/ ٤١٢).
[ ١ / ٤٦٥ ]
وأما لو تركها في الثانية وأتى بها في الأولى فالظاهر صحتها، وتبطل الثانية ولا يصليها إلا عند مغيب الشفق، وأما لو تركها عند الأولى ونيته الجمع فإنها تبطل لأن صحتها مشروطة بنية الإمامة، كذا في «شرح العدوي» (^١)، (ثم) بعد الفراغ من صلاة المغرب أي من غير مهلة ولا تسبيح ولا تحميد ولا تنفل، فيمنع التنفل بين المغرب والعشاء على المشهور (يؤذن للعشاء) إثر المغرب أذانا ليس بالعالي، والظاهر أن هذا الأذان مستحب، لأنه ليس جماعة تطلب غيرها، ولا يسقط طلب الأذان لها في وقتها، فيؤذن لها عند دخول وقتها، (في داخل المسجد) وإنما كان داخل المسجد لئلا يظن الناس أن وقت العشاء قد دخل، (و) إذا فرغ من الأذان، (يقيم) الصلاة (ثم يصليها) الإمام بالناس بلا مهلة هذا شرط في كل جمع وليس خاصا بالجمع ليلة المطر (ثم) بعد أن يفرغوا من الصلاة (ينصرفون إثر الصلاة بلا مهلة، ويؤخروا صلاة الوتر إلى ما بعد مغيب الشفق. وعليهم إسفار)؛ أي شيء من بقية بياض النهار (قبل مغيب الشفق) ولا يتنفل أحد في المسجد بعد الجمع، ولا يوتر بإثر صلاة العشاء؛ أي: يحرم، لأنه دخل في عبادة باطلة إذ وقتها بعد مغيب الشفق ففعلها قبل مغيب الشفق فعل لها قبل وقتها وهو باطل.
قلت: والأذان للعشاء ليلة الجمع للمطر فيه نظر والقياس عدمه والله أعلم.
مسألة: لابن أبي زمنين عن ابن القاسم: لو صلوا المغرب وبعد فراغهم نزل المطر فلا بأس بتقديم العشاء (^٢).
والموضع الثاني: أشار إليه بقوله: (والجمع بعرفة) يوم وقوف الحاج بها (بين الظهر والعصر عند)؛ بمعنى: بعد (الزوال سنة واجبة)؛ أي:
مؤكدة ومشى صاحب «المختصر» على استحبابه، والمصنف يطلق السنة في بعض المواضع على المستحب، فيحتمل أن هذا منها، فإن أراده فهو موافق
_________________
(١) حاشية العدوي (١/ ٢٩٦).
(٢) المذهب (١/ ٢٨٥)، وله قول من طريق أصبغ بعدم تقديمه.
[ ١ / ٤٦٦ ]
للمختصر (^١)، لحديث جابر ﵁: «أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر بأذان واحد بعرفة، ولم يسبح بينهما وإقامتين وصلى المغرب والعشاء بجمع (^٢) بأذان واحد، وإقامتين ولم يسبح (^٣) بينهما» (^٤)، ثم يؤذن للظهر بعد الفراغ من الخطبة، ثم يقيم الصلاة.
فإذا صلى الظهر أذن للعصر على قول المصنف وأقام لها وصلاها، وما ذكر في صفة الجمع من أن لكل صلاة من الظهر والعصر أذانا وإقامة هو المشهور، وإليه أشار الشيخ بقوله: (بأذان وإقامة لكل صلاة) ومقابله ما نقل عن ابن الماجشون بأذان واحد (^٥)، لأنه روي عن النبي ﷺ كذلك كما في حديث جابر في صفة حجته ﷺ، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى، لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ أنه أمر مؤذنه بالأذان للعصر.
والموضع الثالث: أشار إليه بقوله: (وكذلك في جمع المغرب والعشاء بالمزدلفة)؛ أي: مثل ذلك الحكم في السنية والأذان للمغرب والعشاء بالمزدلفة، (إذا وصل إليها)؛ أي: إذا أمكن أن يصل إليها، أما من لا يمكنه ذلك لمرض به أو بدايته فإنه يجمع حيث غاب عليه الشفق إذا كان وقف مع الإمام.
وقد سئل مالك فيمن وصل إلى مزدلفة قبل مغيب الشفق، فقال: ما أظن ذلك؛ أي: ما أظن أحدا يصل قبل ذلك، فإن وصل أخر الجمع لمغيبه.
وواضح اليوم أن كثيرا من أصحاب السيارات يصلون قبل مغيب الشفق والله أعلم.
والموضع الرابع: أشار إليه بقوله: (وإذا جد السير بالمسافر سفرا)
_________________
(١) تنوير المقالة للتتائي (٢/ ٣٢٩).
(٢) جمع: اسم من أسماء مزدلفة، وتسمى أيضا: المشعر الحرام.
(٣) أي: لم يصل النافلة.
(٤) رواه مسلم (١٢١٨) من حديث جابر، وأبو داود (١٩٠٧)، واللفظ له.
(٥) حاشية العدوي (١/ ٣٣٦)، وأشار إليه الحافظ ابن عبد البر في الكافي (١/ ٣٧٢).
[ ١ / ٤٦٧ ]
واجبا كسفر الحج الواجب، أو مندوبا كسفر حج التطوع، أو مباحا كسفر التجارة سواء كانت تقصر فيه الصلاة أم لا (فله)؛ أي: فيباح له أن يجمع بين (الصلاتين) المشتركتي الوقت وهما الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فإذا أدركه الزوال سائرا ونوى النزول بعد الغروب فله أن يجمع بين الظهر والعصر (في آخر وقت الظهر) وهو آخر القامة الأولى (وأول وقت العصر) وهو أول القامة الثانية، وهذا جمع صوري لا حقيقي، إذ الحقيقي هو الذي تقدم فيه إحدى الصلاتين عن وقتها المعروف أو تؤخر عنه، وهذا تؤدى فيه كل صلاة في وقتها، ولا يحتاج لنية الجمع، ولا يشترط فيه أن يجد السير، وإن كان ظاهر المصنف مع أن ذلك لا يعقل إذ هو جمع صوري، وحكمه أنه خلاف الأولى إذ الأولى إيقاع الصلاة في أول وقتها، فلا معنى لاشتراط الجد فيه.
(وكذلك المغرب والعشاء)؛ أي: أن صفة الجمع بين المغرب والعشاء مثل صفته بين الظهر والعصر في أنه إذا أدركه الغروب سائرا. ونوى النزول بعد طلوع الفجر فله أن يجمع بين المغرب والعشاء جمعا صوريا بأن يصلي المغرب قرب مغيب الشفق، ويصلي العشاء في أول وقتها، لأنه ينزل طلوع الفجر هنا منزلة الغروب في الظهرين.
(وإذا ارتحل)؛ أي: أراد الارتحال لأن فرض المسألة أنه نازل بالمنهل وزالت أو غربت الشمس وهو به (في أول وقت الصلاة الأولى) ونوى النزول بعد الغروب (جمع حينئذ)؛ أي: قبل ارتحاله على المشهور ليوقع أولاهما في أول وقتها المختار، والأخرى في وقتها الضروري، وهذا هو الجمع الحقيقي لحديث معاذ بن جبل ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل، جمع بين الظهر والعصر، وإن يرتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخر الظهر، حتى ينزل للعصر، وفي المغرب مثل ذلك، إن غابت الشمس قبل أن يرتحل، جمع بين المغرب والعشاء، وإن يرتحل قبل أن تغيب الشمس، أخر المغرب حتى ينزل للعشاء ثم جمع بينهما» (^١).
_________________
(١) رواه البخاري (١٠٦٠) من حديث أنس، وأبو داود من حديث معاذ (١٢٠٨).
[ ١ / ٤٦٨ ]
والصحيح كما قال بعض المحققين أن الوقت حال الجمع صار واحدا والذي صيره كذلك هو الشارع.
والجمع الصوري جائز لذي العذر وغيره، وهو أن يصلي الأولى في آخر وقتها المختار، والثانية في أول وقتها.
والموضع الخامس: قسمه قسمين أشار إلى أولهما بقوله: (وللمريض)؛ أي: رخص له (أن يجمع) بين الصلاتين المشتركتي الوقت على المشهور؛ أي: أن يجمع على المشهور. وقال ابن نافع: يصلي كل صلاة لوقتها (إذا خاف أن يغلب على عقله) في وقت الصلاة الثانية، والجمع المذكور يكون في أول وقت الصلاة الأولى على المشهور، وقيل: الأولى في آخر وقتها، والثانية في أول وقتها وعلى المشهور فيجمع بين الظهر والعصر (عند الزوال و) بين المغرب والعشاء (عند الغروب) لحديث عائشة ﵂: «أن سهلة بنت سهيل استحيضت فأتت النبي ﷺ، فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل، وتغتسل للصبح» (^١) فالشاهد في الحديث الجمع للمريض.
قال ابن رجب: «واستدل من أباح الجمع للمريض، بأمر النبي ﷺ المستحاضة أن تجمع بين الصلاتين بغسل واحد؛ لمشقة الغسل عليها لكل صلاة، وذلك ما روي عن النبي ﷺ من حديث حمنة بنت جحش وعائشة وأسماء بنت عميس، وفي أسانيدها بعض شيء» (^٢).
وإذا خاف الغلبة على عقله في أول وقت الثانية فقد نص ابن الجلاب على ذلك بقوله: وكذلك حكم المريض إذا خاف الغلبة على عقله في أول وقت الصلاة الأولى أخرها إلى وقت الصلاة الأخيرة، وإن خاف ذلك في وقت الصلاة الأخيرة قدمها إلى الصلاة الأولى.
وإذا جمع من خاف الغلبة على عقله وقت الثانية، ثم كشف أهل
_________________
(١) رواه أبو داود (٢٩٥).
(٢) فتح الباري لابن رجب، كتاب الصلاة، باب تأخير الظهر إلى العصر (٤/ ٢٧٠).
[ ١ / ٤٦٩ ]
الاختصاص بتوقع السلامة من ذلك فإنه يعيد الصلاة على القول المعتمد، ثم أشار إلى القسم الثاني بقوله: (وإن كان الجمع أرفق به ل) أجل إسهال (بطن به ونحوه) مما يشق عليه من سائر الأمراض القيام معه لكل صلاة (جمع) بين الصلاتين المشتركتي الوقت، فالظهر والعصر يجمع بينهما (وسط وقت الظهر و) المغرب والعشاء يجمع بينهما (عند غيبوبة الشفق)، فيوقع المغرب في آخر وقتها الاختياري بناء على امتداده للشفق، والعشاء في أول اختياريها، وللصحيح فعل هذا الجمع لأنه ليس جمعا حقيقيا. واختلف في المراد بوسط وقت الظهر، فقيل أراد به نصف القامة، لأن حقيقة الوسط النصف، وقيل: أراد به آخر القامة، وهو قول سحنون وغيره، فيجمع جمعا صوريا. واستظهر لأنه لا ضرورة له تدعو إلى قيام الصلاة الثانية قبل وقتها والضرورة إنما هي من أجل تكرار الحركة.
• حكم من فاتته صلاة من أصحاب الضرورات:
وهم الكافر أصلا إذا أسلم في وقت الضرورة، والمرتد يعود لدينه، والحائض والنفساء تطهران، والصبي يبلغ، والمجنون يعقل، والمغمى عليه يفيق.
• المغمى عليه:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والمغمى عليه لا يقضي ما خرج وقته في إغمائه، ويقضي ما أفاق في وقته مما يدرك منه ركعة فأكثر من الصلوات).
الشرح
شرع يتكلم عن أرباب الضرورات الذين إن صلوا في وقت الضرورة كانوا مؤدين لها بخلاف غيرهم، (و) ذكر منهم (المغمى)؛ أي: الذي غاب عقله (عليه لا يقضي ما خرج وقته) من الصلوات المفروضة، ومثله السكران كمن شرب خمرا يظنه لبنا أو عسلا، وأولى المجنون (في) حال (إغمائه) أو
[ ١ / ٤٧٠ ]
في حال سكره الحلال أو في حال جنونه، لما روى مالك عن نافع «أن عبد الله بن عمر ﵄ أغمي عليه فذهب عقله فلم يقض الصلاة» (^١).
(ويقضي)؛ بمعنى: ويؤدي (ما أفاق في وقته) من الصلوات المفروضة اتفاقا، والمراد بالوقت هنا الضروري، وهو في الظهرين الغروب؛ أي: نهايته في الظهرين الغروب وفي العشاءين طلوع الفجر، أي نهايته طلوع الفجر، وفي الصبح طلوع الشمس؛ أي: نهايته طلوع الشمس (مما يدرك منه ركعة فأكثر من الصلوات) بيان للقدر من الوقت الذي يلزمه فيه أداء ما أفاق فيه وسقوط ما أغمي عليه في وقته، ولا بد أن تكون الركعة كاملة بسجدتيها بعد تحصيل ما يكون به أداء الصلاة وهو الطهارة من الحدث فقط على المعتمد، لحديث النبي ﷺ: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك الصلاة …» الحديث وقد تقدم، وهذه أحد المسائل التي يشترط فيها كونها بسجدتيها، وهو قول ابن القاسم ومشى عليه صاحب المختصر، وقال أشهب بالركوع.
ثانيتها: الراعف لا يبني إلا على ركعة بسجدتيها.
ثالثتها: من امتنع من الصلاة أخر لبقاء ركعة بسجدتيها.
رابعتها: حصول فضل الجماعة، لا يحصل إلا بإدراك ركعة مع الإمام بسجدتيها (^٢).
فإذا أغمي عليه ولم يكن صلى الظهر والعصر وقد بقي من النهار ما يدرك فيه خمس ركعات بعد الطهارة من الحدث لم يقضهما، لأنه أغمي عليه في وقتهما. ولو أفاق وقد بقي من النهار مقدار ما يدرك فيه خمس ركعات بعد الطهارة أيضا صلاهما لأنه أفاق في وقتهما وإذا أغمي عليه ولم يكن صلى المغرب والعشاء وقد بقي من وقتهما مقدار خمس ركعات لم يقضهما، ولو أفاق في هذا المقدار صلاهما وكذلك الحكم في السقوط والأداء إذا بقي
_________________
(١) الموطأ (٢٤)، باب: جامع الوقوت وسنن البيهقي (١٦٨٨).
(٢) تنوير المقالة للتتائي (٢/ ٣٣٦).
[ ١ / ٤٧١ ]
للفجر أربع ركعات لأنه يعتبر فضل ركعة عن الأولى، وإن بقي للفجر مقدار ثلاث ركعات سقطت العشاء وتخلدت المغرب في ذمته.
• ما تدرك به الحائض الصلاة وجوبا وسقوطا:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وكذلك الحائض تطهر فإذا بقي من النهار بعد طهرها بغير توان خمس ركعات صلت الظهر والعصر، وإن كان الباقي من الليل أربع ركعات صلت المغرب والعشاء، وإن كان من النهار أو من الليل أقل من ذلك صلت الصلاة الأخيرة، وإن حاضت لهذا التقدير لم تقض ما حاضت في وقته، وإن حاضت لأربع ركعات من النهار فأقل إلى ركعة أو لثلاث ركعات من الليل إلى ركعة قضت الصلاة الأولى فقط، واختلف في حيضها لأربع ركعات من الليل، فقيل: مثل ذلك، وقيل: إنها حاضت في وقتهما فلا تقضيهما).
الشرح
أشار إلى العذر الآخر بقوله: (وكذلك الحائض تطهر)؛ بمعنى: انقطع حيضها ومثلها النفساء فما خرج وقته في حال حيضها لا تقضيه وتؤدي ما بقي من وقته مقدار ما يسع ركعة فأكثر بعد تطهرها، والوقت الذي تطهر فيه إما أن يكون نهارا أو ليلا (فإذا) تطهرت نهارا وبقي من النهار بعد طهرها بالماء حيث لم يكن فرضها التيمم وإلا فمقدار الطهارة الترابية.
والحاصل: أنه يقدر لها الظهر زيادة على ما تدرك فيه ركعة كاملة بسجدتيها. ومثلها سائر أرباب الأعذار غير عذر الكفر (بغير توان)؛ أي: بغير تأخير لطهرها؛ زاد عبد الوهاب ولبس ثيابها، ولكن المعتمد أنه لا يقدر لها إلا الظهر الحدثي، وأما الخبثي كالاستبراء الواجب على تقدير أن هناك حاجة فلا يقدر لها، وكذلك ستر العورة والاستقبال فلا تقدير لشيء من هذه على المعتمد، وكما يعتبر الظهر في جانب الإدراك يعتبر أيضا في جانب السقوط، ثم لو شرعت في الظهر لظن إدراك الصلاتين وغربت الشمس صلت
[ ١ / ٤٧٢ ]
العصر وسقطت الظهر، وتتم ما تشرع فيه نافلة، فتسلم من ركعتين لأنه غير مدخول عليه. فلذلك إذا بقي لها (خمس ركعات صلت الظهر والعصر) بلا خلاف، لأنها تقدر للعصر أربع ركعات وتدرك الظهر بركعة، فإن ذكرت منسيتين قبل حيضها صلتهما أولا للترتيب، ثم تقضي الظهر والعصر، لأنها طهرت في وقتهما، وهذا الترتيب في حق الحاضرة. وأما المسافرة فإنها تقدر للظهر والعصر بثلاث ركعات لأنها تجعل للظهر ركعتين وللعصر ركعة.
(وإن) طهرت ليلا و(كان الباقي من الليل) بعد طهرها (أربع ركعات صلت المغرب والعشاء) على قول ابن القاسم بناء على التقدير بالمغرب فيكون لها ثلاث ركعات وتبقى ركعة للعشاء، وهذا التقدير في حق الحاضرة والمسافرة من غير فرق، إذ لا فرق في الليلتين بين الحاضرة والمسافرة، وحينئذ يكون قول المصنف: وكان من الليل أربع ركعات،؛ أي: ولو في السفر.
(و) أما إن كان الباقي (من النهار أو الليل أقل من ذلك)؛ أي: أقل من خمس ركعات في المثال الأول وأقل من أربع ركعات في المثال الثاني (صلت الصلاة الأخيرة فقط وهي العصر في الأول والعشاء في الثاني، لأنها لم تدرك وهي طاهرة إلا وقتها.
ولما أنهى الكلام على ما إذا طهرت نهارا أو ليلا انتقل يتكلم على ما إذا حاضت كذلك فقال: (وإن حاضت لهذا التقدير)؛ يعني: تقدير خمس ركعات للنهار وأربع ركعات لليل لم تقض ما حاضت في وقته) أخرت ذلك ناسية أو عامدة، لأن ما به الإدراك يكون به السقوط، وإن كانت عاصية في العمد، فإن حاضت وقد بقي من النهار ما يسع خمس ركعات، ولم تكن صلت الظهر والعصر لم تقضهما لأنها حاضت في وقتهما (وإن حاضت لأربع ركعات من النهار فأقل إلى ركعة) ولم تكن صلت الظهر والعصر (أو) حاضت (لثلاث ركعات من الليل)؛ أي: بقي منه مقدار ما يسع أن توقع فيه ثلاث ركعات فأقل إلى ركعة ولم تكن صلت المغرب والعشاء (قضت الأولى فقط)؛ أي: الصلاة الأولى وهي الظهر في المثال الأول والمغرب في المثال
[ ١ / ٤٧٣ ]
الثاني، لأنها أدركتها وهي طاهرة وتسقط الثانية لحيضها في وقتها، والوقت إذا ضاق يختص بالأخيرة إدراكا وسقوطا.
(واختلف في حيضها)؛ يعني: إذا حاضت (لأربع ركعات من الليل)؛ يعني: والباقي منه مقدار ما يسع أن توقع فيه أربع ركعات (فقيل) الحكم فيه (مثل ذلك)؛ أي: مثل ما إذا حاضت لثلاث ركعات من الليل تقضي الصلاة الأولى فقط وهو لابن عبد الحكم وغيره بناء على أن التقدير بالثانية، ووجهه أن الوقت إذا ضاق حتى لا يسع إلا إحدى الصلاتين، فالواجب إنما هو الأخيرة (وقيل) الحكم فيه (أنها حاضت في وقتهما فلا تقضيهما) وهو قول مالك وابن القاسم وغيرهما، وهو المذهب إذ التقدير عندهم في مشتركتي الوقت بالأولى ووجهه أن أول الصلاتين لما وجب تقديمها على الأخرى فعلا وجب التقدير بها.
• مسائل تتعلق بالطهارة:
أولها: حكم من شك في ناقض من نواقض الوضوء:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
﴿ومن أيقن بالوضوء وشك في الحدث ابتدأ الوضوء﴾.
الشرح
انتقل يتكلم على مسألة حقها أن تذكر في موجبات الوضوء فقال: (ومن أيقن بالوضوء وشك في الحدث) وكان غير مستنكح (ابتدأ الوضوء) وجوبا على المشهور لأن الذمة عامرة فلا تبرأ إلا بيقين، قال ابن الحاجب رحمه الله تعالى: «من تيقن الطهارة وشك في الحدث ففيها (أي: المدونة) (^١) فليعد وضوءه» (^٢)، ومقابل المشهور لا يعيد (^٣)، وفرق بعضهم بين الشك في الطهارة
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ١٢٢).
(٢) جامع الأمهات (١/ ٥٨)، وانظر: التوضيح على جامع الأمهات لخليل (٣/ ٣٩٤).
(٣) التوضيح على جامع الأمهات لخليل (٢/ ٢٥٢).
[ ١ / ٤٧٤ ]
داخل الصلاة، وفي الشك فيها خارج الصلاة، وظاهر كلام ابن رشد وجوب الوضوء على الشاك بما إذا شك قبل الدخول في الصلاة، أما بعد الدخول فيها فلا يقطع إلا بيقين؛ وهي رواية عن مالك، وقد دل على هذا حديث عبد الله بن زيد ﵁ قال: شكي إلى النبي ﷺ الرجل يجد في الصلاة شيئا أيقطع الصلاة؟ قال: «لا حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» وقال ابن أبي حفصة، عن الزهري: «لا وضوء إلا فيما وجدت الريح أو سمعت الصوت» (^١) قال النووي (^٢): وأما إن تيقن الحدث، وشك في الطهارة فإنه يلزمه الوضوء بإجماع المسلمين اه.
• مسألة من ترك فرضا أو سنة من الوضوء:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن ذكر من وضوئه شيئا مما هو فريضة منه، فإن كان بالقرب أعاد ذلك وما يليه، وإن تطاول ذلك أعاده فقط.
وإن تعمد ذلك أبتدأ الوضوء وإن طال ذلك، وإن كان قد صلى في جميع ذلك أعاد صلاته أبدا ووضوءه، وإن ذكر مثل المضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين فإن كان قريبا فعل ذلك، ولم يعد ما بعده، وإن تطاول فعل ذلك لما يستقبل ولم يعد ما صلى قبل أن يفعل ذلك).
الشرح
• حكم من ترك شيئا من فرائض الوضوء، أو من سننه:
انتقل يتكلم على حكم من ترك شيئا من فرائض الوضوء، أو من سننه، والأول على أربعة أقسام:
لأنه إما: أن يتركه عمدا، أو نسيانا.
_________________
(١) البخاري (٢٠٥٦)، ومسلم (٣٦١).
(٢) شرح مسلم للنووي (٢/ ٢٧٣).
[ ١ / ٤٧٥ ]
وكل منهما: إما أن يذكر بالقرب أو بعد الطول.
والثاني كذلك فالأقسام ثمانية أشار إلى الأول بقوله:
(وإن ذكر من وضوئه شيئا مما هو فريضة منه) مغسولا كان كالوجه، أو ممسوحا وهو الرأس؛ (فإن كان ذكره له بالقرب أعاد ذلك)؛ أي: فعل ذلك المتروك بنية إتمام الوضوء وجوبا (^١)، لأن الفرض لا يسقط بالنسيان، لحديث عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على ظهر قدمه فأبصره النبي ﷺ فقال: «ارجع فأحسن وضوءك» فرجع فتوضأ ثم صلى (^٢) ولاتفاق المذاهب الأربعة على بطلان صلاة من صلى وقد ترك غسل عضو أو لمعة من فرائض الوضوء (^٣)، ولا بد أن ينوي إتمام الوضوء على المشهور، وإلا لم يجزه كما صرح به التتائي (^٤).
(و) إذا فرغ من فعل المتروك أعاد (ما يليه)؛ يعني: ما بعده إلى آخر الوضوء استحبابا لأجل الترتيب، كذا في بعض الشروح، وفي بعضها استنانا (^٥).
واختلف في حد القرب، فعن ابن القاسم وهو راجع للعرف في كل ما لم يرد عن الشارع فيه تحديد، وقيل: حده ما لم تجف الأعضاء في الزمان المعتدل والعضو المعتدل والمكان المعتدل وهو المشهور (^٦)، والظاهر كما قاله بعضهم: إن المعتبر جفاف الغسلة الأخيرة من العضو الأخير.
والقسم الثاني: أشار إليه بقوله: (وإن تطاول ذلك)؛ يعني: ذكر المنسي
_________________
(١) التوضيح على جامع الأمهات لخليل (٢/ ٢٨٤).
(٢) رواه مسلم (٢٤٣) في الطهارة، باب وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الطهارة، وابن ماجه (٦٦٦).
(٣) مراتب الإجماع لابن حزم (٢٤).
(٤) تنوير المقالة (٢/ ٣٤٦).
(٥) مواهب الجليل (١/ ٣٦٤).
(٦) المعونة (١/ ١٢٩)، التوضيح على جامع الأمهات لخليل (٢/ ٢٨٣)، المذهب (١/ ١٧٤)
[ ١ / ٤٧٦ ]
بأن لم يتذكره إلا بعد جفاف المغسول آخرا (أعاده فقط)؛ يعني: فعله؛ أي: ثلاثا بنية على الفور من زمن التذكر، بناء على أن الفور واجب مع الذكر والقدرة ساقط مع العجز والنسيان، أما وجوبه مع الذكر والقدرة فتقدم دليله في الطهارة وأما سقوطه مع النسيان فلأن الأصل فيه أنه معفو عنه إلى أن يقوم الدليل على غير ذلك لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ولحديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» (^١)، فلو تأخر عن زمن التذكر حتى طال فسد وضوءه، ولو كان ناسيا لأنه لا يعذر بالنسيان الثاني على المعتمد، وهو المشهور.
والقسم الثالث: أشار إليه بقوله: (وإن تعمد ذلك)؛ أي: تعمد ترك شيء من فرائض وضوئه (ابتدأ الوضوء وجوبا إن طال ذلك)؛ أي: ترك الغسل في العضو المغسول والمسح في العضو الممسوح، وهذا مبني على أن الفور واجب وهو الإتيان بالوضوء في زمن واحد من غير تفريق متفاحش مع الذكر والقدرة وهو المشهور، وقيل الفور سنة (^٢).
ومفهوم كلامه وهو القسم الرابع: أنه إن تعمد ترك ذلك ولم يطل أعاده وما بعده لأجل الترتيب، فالعمد والنسيان لا فرق بينهما في القرب، ويفترقان في الطول، فالناسي يبني وإن طال بخلاف العامد فإنه لو طال ابتدأ الوضوء، ومثله العاجز في بعض صوره وهي أن يعد من الماء ما يظن أنه يكفيه فيغصب منه أو يراق، أو يتبين عدم كفايته، فهو في هذه الحال كالعامد يبني ما لم يطل لأن عنده نوع تقصير بعدم احتياطه بتكثير الماء.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (١/ ٦٥٩) رقم (٢٠٤٥)، وقال البوصيري (٢/ ١٢٦): هذا إسناد صحيح إن سلم من الانقطاع، والظاهر أنه منقطع، وأخرجه أيضا: البيهقي (٧/ ٣٥٦) رقم (١٤٨٧١)، وقال: جود إسناده بشر بن بكر وهو من الثقات، ورواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي فلم يذكر في إسناده عبيد بن عمير. ورواه ابن حبان في صحيحه (٧٢١٩)، قال شيخنا شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط البخاري.
(٢) المذهب (١/ ١٧٣).
[ ١ / ٤٧٧ ]
وأما إن أعد من الماء ما يقطع بكفايته فأريق منه مثلا فهو كالناسي، ومثله المكره بمطلق مؤلم من ضرب أو غيره.
• حكم من صلى بوضوء نقص منه فريضة:
(وإن كان) الذي ترك شيئا مما هو فريضة من وضوئه (قد صلى) بهذا الوضوء (في جميع) صور (ذلك) العمد والنسيان والقرب والبعد (أعاد صلاته أبدا)، لأنه قد صلى بغير وضوء. وفي نسخة (ووضوءه) لكن إعادة الوضوء إنما هي في قسم واحد وهو ما إذا تركه عمدا وطال.
والقسم الخامس: أشار إليه بقوله: (وإن ذكر مثل المضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين)؛ أي: مما هو سنة ولم ينب عنه غيره ولم يكن فعله موقعا في مكروه احترازا من ترك فضيلة كشفع غسله وتثليثه، فحكمه أنه لا يطالب بإعادتها أصلا (إن كان) التذكر للمنسي (قريبا فعل ذلك) المنسي فقط (ولم يعد ما بعده) على المذهب لأن الترتيب فيما بين المسنون والمفروض غير واجب.
والقسم السادس: أشار إليه بقوله: (وإن تطاول) ذكر ما نسيه من سنن وضوئه (فعل ذلك) المنسي فقط دون ما بعده (لما يستقبل) من الصلوات.
(و) إذا صلى بالوضوء الذي نسي منه سنة (لم يعد ما صلى به قبل أن يفعل ذلك) المتروك نسيانا لأنه على يقين من الطهارة، ولأن الصلاة لا تبطل بترك شيء من سنن الوضوء.
• حكم الصلاة على حصير ونحوه إذا كان فيه أو في طرفه نجاسة:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن صلى على موضع طاهر من حصير، وبموضع آخر منه نجاسة فلا شيء عليه.
والمريض إذا كان على فراش نجس فلا بأس أن يبسط عليه ثوبا طاهرا كثيفا ويصلي عليه).
[ ١ / ٤٧٨ ]
الشرح
(ومن صلى على موضع طاهر من حصير) أو غيره (وبموضع آخر منه)
ويروى منها (نجاسة) سواء كانت رطبة أو يابسة تحركت بحركته أو لا (فلا شيء عليه)؛ أي: لا إعادة عليه على الأصح كما قال ابن الحاجب رحمه الله تعالى (^١)، بخلاف العمامة يكون بطرفها المسدول على الأرض نجاسة فإن صلاته باطلة باتفاق إن تحركت النجاسة بحركته، وعلى المشهور إن لم تتحرك لأنه حامل للنجاسة بخلاف الحصير فإنه ليس حاملا للنجاسة (^٢).
(والمريض إذا كان) مقيما (على فراش نجس فلا بأس أن يبسط عليه ثوبا طاهرا كثيفا ويصلي عليه) ﴿إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ ويشترط في الثوب الذي يفرش أن يكون منفصلا عن المصلي وإلا بطلت الصلاة، ويشترط فيه أيضا أن يكون كثيفا لا إن كان خفيفا يشف بحيث تبدو منه النجاسة بدون تأمل قياسا على ما قيل في ستر العورة.
وظاهر كلامه أن الصحيح لا يغتفر له ذلك وهو ظاهر المدونة، وقيل: إن ذلك عام للمريض والصحيح. وصوبه ابن يونس وإنما خص المريض بالذكر للغالب أو ليرتب عليه ما بعده.
• حكم المريض العاجز عن الطهارة والقيام في الصلاة:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
وصلاة المريض إن لم يقدر على القيام صلى جالسا إن قدر على التربع، وإلا فبقدر طاقته، وإن لم يقدر على السجود فليومي بالركوع والسجود، ويكون سجوده أخفض من ركوعه، وإن لم يقدر صلى على جنبه الأيمن إيماء، وإن لم يقدر إلا على ظهره فعل ذلك، ولا يؤخر الصلاة إذا كان في عقله، وليصلها بقدر ما يطيق. وإن لم يقدر على مس الماء لضرر
_________________
(١) جامع الأمهات (١/ ٣٧)، وانظر: التوضيح على جامع الأمهات لخليل (١/ ١٦٣).
(٢) تنوير المقالة للتتائي (٢/ ٣٥٢).
[ ١ / ٤٧٩ ]
به؛ أو لأنه لا يجد من يناوله إياه تيمم، فإن لم يجد من يناوله ترابا تيمم بالحائط إلى جانبه إن كان طينا أو عليه طين، فإن كان عليه جص أو جير فلا يتيمم به).
الشرح
قال رحمه الله تعالى: (وصلاة المريض) الصلاة المفروضة (إن لم يقدر على القيام) فيها لقراءة جميع الفاتحة لا مستقلا ولا مستندا لغير جنب أو حائض (^١) بأن عجز عنه جملة أو تلحقه مشقة شديدة إذا كان مريضا؛ فإن استند إلى جنب أو حائض أعاد في الوقت (^٢).
ويجب على المصلي المريض أن يقوم، ثم مستندا، ثم يجلس مستقلا، ثم مستندا، فمتى قدر على واحدة وانتقل إلى التي بعدها بطلت صلاته. وباقي الصور مستحبة وهي إن لم يقدر على القيام ولا على الجلوس فله أن يستلقي على جنبه الأيمن، ثم على ظهره مستلقيا، ثم على الأيسر (^٣).
(صلى جالسا) فذا على المشهور لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾؛ ولحديث عمران بن حصين ﵁ قال كانت بي بواسير، فسألت رسول الله ﷺ عن الصلاة؟ فقال: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب» (^٤).
ويصح أن يكون إماما لمثله على القول المعتمد، والأفضل أن يجلس متربعا في موضع القيام (إن قدر على التربع) (^٥) لينبئ جلوسه على هذا الوجه عن البدلية عن القيام.
_________________
(١) شرح التلقين للمازري (١/ ٨٦٢).
(٢) النوادر (١/ ٢٥٨)، والبيان والتحصيل (١/ ٥١٨)، وفيهما عن ابن القاسم: أن الحائض لا تمسك المريض ولا ترقده، فإن فعل ذلك أعاد في الوقت.
(٣) التوضيح على جامع الأمهات لخليل (٣/ ٨٦٢)، وانظر: النوادر (١/ ٢٥٦)، والمنتقى (١/ ٢٤٢)، والذخيرة (٢/ ١٦١ - ١٦٢).
(٤) رواه البخاري (١١١٧)، وأبو داود (٩٥٢).
(٥) عند المالكية المدونة (١/ ٧٧)، والحنابلة (المغني ١/ ٨١٢ ٨١٤)، والحنفية المبسوط (١/ ٢١٣)
[ ١ / ٤٨٠ ]
وقيل: يجلس كما يجلس للتشهد، واختاره المتأخرون وعلى الأول يغير جلسته بين السجدتين كما في التشهد.
وكذا الأفضل في حق المتنفل جالسا التربع لفعله ﵊ ذلك فعن عائشة ﵂ قالت: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي متربعا» (^١)، وعن حميد قال: «رأيت أنسا يصلي متربعا على فراشه» (^٢).
وصفة التربع أن يجعل باطن قدمه اليمنى تحت الفخذ اليسرى وباطن اليسرى تحت اليمنى مطمئنا وكفيه على ركبتيه مفرقا أنامله كالراكع.
والحديث دليل على كيفية قعود العليل إذا صلى من قعود إذ الحديث وارد في ذلك وهو في صفة صلاته ﷺ لما سقط عن فرسه فانفكت قدمه فصلى متربعا (^٣).
(وإلا)؛ أي: وإن لم يقدر المريض الذي فرضه الجلوس على التربع (ف) إنه يجلس (بقدر طاقته) من الجلوس والترتيب بينه وبين التربع مندوب لا واجب (وإن لم يقدر) المريض الذي فرضه الجلوس (على) الركوع و(السجود) أيضا بأن عجز عنه جملة أو تلحقه المشقة الشديدة (فليومئ بالركوع والسجود) برأسه وظهره؛ أي: لا بد من الإيماء بهما، فإن لم يقدر بظهره أومأ برأسه؛ أي: إن لم يقدر على الإيماء بهما أومأ برأسه، فإن لم يقدر برأسه ويلزم منه عدم القدرة بظهره أومأ بما يستطيع ويضع يديه على ركبتيه إذا أومأ للركوع وإذا رفع رفعهما عنهما، وإذا أومأ للسجود وضع يديه على الأرض وهو قول اللخمي (^٤)، وإذا رفع منه وضعهما على ركبتيه.
_________________
(١) صحيح، رواه النسائي (٢٢٤/ ٣) كتاب قيام الليل، باب: كيف صلاة القاعد، وابن خزيمة (١٢٣٨) وصححه.
(٢) قلت: أورده بهذا اللفظ الحافظ في التلخيص (٣٣٦)، والذي أعلمه من البخاري أنه علق لفظ: رأيت أنسا يصلي على فراشه، دون التربع، ووصله ابن أبي شيبة الباب (٣٦) من قال إذا صلى متربعا فيثني رجله رقم (١) في مصنفه بلفظ التربع.
(٣) كما في صحيح البخاري تعليقا (٣٧٨).
(٤) التوضيح على جامع الأمهات لخليل (٨٦٤/ ٣)، والتبصرة (٦٨/ ١). وقول أبي عمران لا يضعهما.
[ ١ / ٤٨١ ]
(ويكون سجوده أخفض من ركوعه) استحبابا، وقال بعضهم وجوبا وهو المفهوم من كلام المصنف والمدونة. ومفهوم أيضا من بعض شراح خليل إذا علمت ذلك، فالحكم بالاستحباب ضعيف، ويكره للمومئ أن يرفع شيئا يسجد عليه (^١)، حكى ذلك اللخمي اتفاقا، فإن فعل ذلك لم يعد صلاته سواء فعل ذلك عمدا أو جهلا (^٢). وهذا إذا نوى بإيمائه الأرض فإن نوى به ما رفع دون الأرض لم يجزه كما قاله اللخمي.
(وإن لم يقدر) المريض أن يصلي جالسا استقلالا ولا مستندا ولا متربعا ولا غير متربع (صلى على جنبه الأيمن إيماء) ويجعل وجهه إلى القبلة كما يوضع في لحده، فإن لم يقدر على جنبه الأيمن فعلى جنبه الأيسر ووجهه للقبلة أيضا (وإن لم يقدر أن يصلي (إلا) مستلقيا على ظهره فعل ذلك)؛ أي: صلى مستلقيا على ظهره إيماء ورجلاه إلى القبلة، فإن عجز عن الصلاة مستلقيا على ظهره صلى مضطجعا على بطنه ووجهه إلى القبلة ورجلاه إلى دبرها فعن عمران بن حصين (^٣) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «صل قائما فإن لم تستطع»؛ أي: الصلاة قائما «فقاعدا فإن لم تستطع»؛ أي: وإن لم تستطع الصلاة قاعدا (فعلى جنب وإلا)؛ أي: وإن لم تستطع الصلاة على جنب (فأوم) والحديث كما مر معنا مرارا أخرجه البخاري دون قوله: «وإلا فأوم» والنسائي وزاد: «فإن لم تستطع فمستلق لا يكلف الله نفسا إلا وسعها» (^٤)؛ وورد في حديث جابر ذكر الإيماء «إن استطعت وإلا فأوم إيماء واجعل سجودك أخفض من ركوعك» (^٥).
وفي قوله في حديث الطبراني في «الأوسط»: «فإن نالته مشقة فجالسا
_________________
(١) جامع الأمهات (١/ ٩٤)، والتوضيح (٣/ ٨٦٣).
(٢) المدونة (١/ ١٧٢).
(٣) انظر: سبل السلام (١/ ٣٨٦ - ٣٨٧)، باب صلاة المريض على قدر الاستطاعة.
(٤) سنن النسائي (٣/ ٢٢٣، ٢٢٤).
(٥) انظر: الإلمام بأحاديث الأحكام رقم (٣٣٢) للقشيري، تحقيق: حسين إسماعيل الجمل، ط: دار ابن حزم، لبنان، بروت، ١٤٢٣ هـ/ ٢٠٠٢ م.
[ ١ / ٤٨٢ ]
فإن نالته مشقة فنائما» (^١)؛ أي: مضطجعا، وفيه حجة على من قال إن العاجز عن القعود تسقط عنه الصلاة، وهو يدل على أن من نالته مشقة ولو بالتألم يبح له الصلاة من قعود وفيه خلاف.
وحكم الاستقبال في تلك الحالات الوجوب مع القدرة فلو صلى لغيرها مع القدرة بطلت، والقدرة تكون بوجود من يحوله فلو وجد من يحوله بعد الصلاة يندب له الإعادة في الوقت.
واعلم أن الترتيب بين القيام استقلالا واستنادا واجب، وبين القيام استنادا مع الجلوس استقلالا مندوب، وبين الجلوسين واجب كالترتيب بين الجلوس مستندا والاضطجاع بحالتيه والظهر.
وحكم الترتيب في هذه الأحوال الثلاثة الندب وبينها وبين الاضطجاع على البطن الوجوب، والمصلي من اضطجاع يومئ أيضا، وكيفيته أنه يومئ برأسه فإن عجز عن الإيماء برأسه أومأ بعينه وحاجبه، فإن لم يستطع فبأصبعه والظاهر كما قال الأجهوري: إن ترتيب الإيماء بهذه الثلاثة واجب، وقد تقدمت لك مراتبه.
(ولا يؤخر) المكلف؛ بمعنى: لا يترك (الصلاة إذا كان في عقله وليصلها بقدر ما يطيق) من قيام وجلوس وإيماء واضطجاع، ويصلي المريض بقدر ما يستطيع؛ أي: ولو بنية أفعالها إن كان لا يقدر على الإيماء بطرف أو غيره فعن جابر ﵁ قال: عاد النبي ﷺ مريضا فرآه يصلي على وسادة، فرمى بها - وقال: «صل على الأرض إن استطعت، وإلا فأوم إيماء، واجعل سجودك أخفض من ركوعك» (^٢).
والحديث دليل على أنه لا يتخذ المريض ما يسجد عليه حيث تعذر
_________________
(١) الطبراني في الأوسط (٣٩٩٧).
(٢) رواه البيهقي بسند قوي، ولكن صحح أبو حاتم وقفه، انظر: بلوغ المرام (حديث ٣٤٩ - ٤٦٨)، وانظر: سبل السلام للصنعاني (١/ ٣٨٦ - ٣٨٧) صلاة المريض على قدر الاستطاعة.
[ ١ / ٤٨٣ ]
سجوده على الأرض، وقد أرشده إلى أنه يفصل بين ركوعه وسجوده ويجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن تعذر عليه القيام والركوع فإنه يومئ من قعود لهما جاعلا الإيماء بالسجود أخفض من الركوع، أو لم يتعذر عليه القيام فإنه يومئ للركوع من قيام ثم يقعد ويومئ للسجود من قعود.
• كيفية صلاة من انهدم عليهم البيت ونحوه:
«سئل مالك عن الذين ينهدم عليهم البيت فلا يقدرون على الصلاة حتى يذهب النهار كله ثم يخرجون (قال): أرى أن يقضوا ما فاتهم من الصلاة لأن مع هؤلاء عقولهم وإن ذهب الوقت» (^١)، وفي هذا نص خلاف من قالوا لا نص في المسألة والله أعلم (^٢).
ثم بين المصنف رحمه الله تعالى بعض ما يفعله العاجز عن استعمال الماء بعدما ذكر عجزه عن القيام في الصلاة، وإن كان الأولى الاقتصار على هذه المسائل ونحوها في باب التيمم، ولكن كما تقدم مرارا، فقد تعن للمصنف الحاجة للتذكير ببعض المسائل المجاورتها ما يشبهها أو يتعلق بها فقال:
(وإن لم يقدر) المخاطب بأداء الصلاة (على مس الماء لضرر به، أو لأنه لا يجد)؛ أي: المريض (من يناوله إياه)؛ أي: الماء (تيمم)؛ أي: ففرضه التيمم، لما مر من الأدلة في باب التيمم (فإن لم يجد) المريض (من يناوله ترابا تيمم بالحائط إلى جانبه إن كان طينا)؛ أي: بني بالطين (أو) بني بغير طين ولكن ركب عليه طين وفهم من كلامه أنه يتيمم بالتراب المنقول أي حيث قال:
فإن لم يجد من يناوله ترابا، وجاء في العتبية كما في «البيان»: وقال مالك في النفساء التي تمرض فلا تستطيع الغسل: إنها تتيمم، والتيمم لها
_________________
(١) المدونة (١/ ٩٣).
(٢) هذا هو الظاهر كما قاله محقق التوضيح (٣/ ٨٦٨) عبد العزيز الهويمل.
[ ١ / ٤٨٤ ]
جائز؛ قال: ولا بأس أن يرفع إليها التراب في طبق على سرير.
قال وقال ابن القاسم في الرجل يكون في محمله لموضع ليس فيه ماء، وهو يحتاج إلى التيمم، ويريد أن يتنفل على محمله؛ فقال: يسأل من يناوله ترابا فيتيمم على محمله (^١) وفهم منه أيضا أنه لا يتيمم بالحائط إلا مع عدم التراب، وهو خلاف المذهب.
والمذهب جواز التيمم بالحائط مع وجود التراب، لكن يندب له أن لا يتيمم به إلا مع عدم التراب. قال صاحب «المختصر»: «كتراب وهو الأفضل».
والحاصل: أنه يجوز التيمم على الحائط اللبن، والحائط الحجر للمريض والصحيح، ولو مع وجود التراب حيث لم يكن به حائل يمنع من مباشرته (فإن كان عليه)؛ أي: الحائط التي بجنبه (جص أو جير فلا يتيمم به)؛ أي: عليه لدخول الصنعة في ذلك (^٢). وقوله: جير صوابه جيار. ذكره الزبيدي بفتح الزاي في لحن العوام.
• حكم صلاة المسافر على راحلته:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والمسافر يأخذه الوقت في طين خضخاض لا يجد أين يصلي فلينزل عن دابته، ويصلي فيه قائما يومن بالسجود أخفض من الركوع فإن لم يقدر أن ينزل فيه صلى على دابته إلى القبلة.
وللمسافر أن يتنفل على دابته في سفره حيثما توجهت به إن كان سفرا تقصر فيه الصلاة، وليوتر على دابته إن شاء.
ولا يصلي الفريضة وإن كان مريضا إلا بالأرض إلا أن يكون إن نزل صلى جالسا إيماء لمرضه فليصل على الدابة بعد أن توقف له ويستقبل بها القبلة).
_________________
(١) البيان (١/ ١٥٨)، والنوادر (١/ ١٠٦) منسوب لابن القاسم.
(٢) النوادر لابن أبي زيد (١/ ١٠٧).
[ ١ / ٤٨٥ ]
الشرح
• حكم صلاة الفريضة على المركوب:
(والمسافر) الراكب (يأخذه)؛ أي: يضيق عليه (الوقت) المختار حالة كونه سائرا. كذا في بعض «شراح خليل» (^١) و«شرح التتائي» أيضا (^٢). والأحسن الوقت الذي فيه اختياريا أو ضروريا (في طين خضخاض) وهو الطين الرقيق، وييأس أن يخرج منه في الوقت الذي هو فيه اختياريا أو ضروريا وهو يستطيع النزول به ولكنه (لا يجد أين يصلي) لأجل تلطخ ثيابه أو لأجل الغرق بالطريق الأولى فلينزل عن دابته ويصلي فيه قائما يومئ بالركوع والسجود؛ أي: للركوع إلخ، بحسب طاقته ويكون إيماؤه بالسجود أخفض من الركوع وإذا أومأ للركوع وضع يديه على ركبتيه وإذا رفع رفعهما عنهما، وإذا أومأ للسجود أومأ بيديه إلى الأرض وينوي الجلوس بين السجدتين قائما.
وكذلك جلوس التشهد إنما يكون قائما؛ أي: يفرق بين القيام والجلوس بالنية. واحترز بالخضخاض عن اليابس فإنه ينزل ويصلي فيه بالركوع والسجود والجلوس، فأما من غلب على ظنه أنه يخرج منه قبل خروج الوقت فإنه يؤخر إلى آخر الوقت فإن لم يقدر أن ينزل فيه؛ أي: إن محل كونه ينزل عن دابته ويصلي إيماء إن أمكن أن ينزل في الخضخاض، فإن لم يمكن أن ينزل فيه لخوف الغرق (صلى على دابته إلى القبلة) روى ابن القاسم عن مالك إجازة الصلاة على المحمل إذا لم يقدر على السجود، ولا على الجلوس بالأرض. وقال ابن عبد الحكم: يجوز إذا لم يقدر على السجود، وإن قدر على الجلوس اه (^٣).
والأصل في ذلك حديث عمرو بن عثمان بن يعلى بن مرة عن أبيه عن
_________________
(١) شرح مختصر خليل للخرشي «فصل في استقبال القبلة».
(٢) تنوير المقالة (٢/ ٣٦٣).
(٣) البيان والتحصيل (١/ ٣٠١)، وانظر: النوادر (١/ ٢٤٩).
[ ١ / ٤٨٦ ]
جده ﵁: «أن رسول الله ﷺ انتهى إلى مضيق هو وأصحابه، وهو على راحلته، والسماء من فوقهم، والبلة من أسفل منهم، فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن، فأذن وأقام، ثم تقدم رسول الله ﷺ على راحلته، فصلى بهم يؤمئ إيماء، يجعل السجود أخفض من الركوع، أو يجعل سجوده أخفض من ركوعه» (^١).
قال الترمذي: وكذا روي عن أنس بن مالك أنه صلى في ماء وطين على دابته، والعمل على هذا عند أهل العلم وبه يقول أحمد وإسحاق انتهى. وقد ذكرت في أصل هذا الكتاب حكم الصلاة في الطائرة، وما دار بين شيخنا العلامة محمد سالم ولد عدود والشيخ محمد نافع بن حبيب وحكم ذلك فراجعه فإنه في غاية الأهمية (^٢).
• جواز صلاة النافلة على المركوب:
• قال المصنف ﵀:
(و) يجوز (للمسافر أن يتنفل على دابته في سفره حيثما توجهت به) دابته، وسواء أحرم إلى القبلة في أول الأمر أم لا على حسب ظاهر الرسالة، خلافا لما نص عليه ابن حبيب من أنه يوجه الدابة إلى القبلة أولا ثم يحرم ثم يصلي حيثما توجهت ومذهب مالك جواز ذلك ليلا ونهارا.
واحترز بالمسافر عن الحاضر فإنه لا يتنفل على الدابة، وكذلك الماشي لا يتنفل في سفره ماشيا؛ والأصل فيما ذكر ما صح عنه ﷺ: فعن نافع عن ابن عمر ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به يؤمن إيماء صلاة الليل إلا الفرائض ويوتر على راحلته» (^٣).
_________________
(١) رواه أحمد (١٧٥٧٢)، والترمذي (٤١٣)، والدارقطني (١/ ٣٨١) رقم (١٤٤٤)، والحديث صححه عبد الحق وحسنه النووي، وقال الألباني: ضعيف الإسناد.
(٢) المناهل الزلالة (٢/ ٨٥٠).
(٣) رواه البخاري (٩٥٥).
[ ١ / ٤٨٧ ]
والراحلة هي الناقة التي تصلح لأن ترحل (إن كان سفرا تقصر فيه الصلاة)؛ أي: إن شرط جواز تنفل المسافر على الدابة حيثما توجهت أن يكون سفره سفرا تقصر فيه الصلاة فلو كان دون مسافة القصر أو سفر معصية فلا، قال ابن بطال رحمه الله تعالى: واختلفوا في الصلاة على الدابة في السفر الذي لا تقصر في مثله الصلاة، فقال الفقهاء الذين تقدم ذكرهم - وهم: علي، وابن الزبير، وأبو ذر، وابن عمر، وأنس، وبه قال طاووس، وعطاء، والثوري، والكوفيون، والليث، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور: - يصلى في قصير السفر وطويله، غير مالك فإنه قال: لا يصلي أحد على دابته في سفر لا تقصر في مثله الصلاة. والحجة له أن الخبر إنما ورد عن رسول الله ﷺ أنه كان يصلي على راحلته في سفره إلى خيبر، وجائز قصر الصلاة من المدينة إلى خيبر، ولم ينقل عنه أنه ﷺ صلى على دابته إلا في سفر تقصر الصلاة فيه، كذلك رواه مالك عن عمرو بن يحيى، عن سعيد بن يسار، عن ابن عمر، قال: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي على حمار، وهو متوجه إلى خيبر». اه (^١).
(وليوتر) المسافر (على دابته إن شاء) بالشرط المتقدم وإن شاء أوتر على الأرض وهو الأفضل (ولا يصلي)؛ أي: المسافر (الفريضة وإن كان مريضا إلا بالأرض) دليله الحديث المتقدم (إلا أن يكون إن نزل) عن دابته (صلى جالسا إيماء) بالركوع والسجود (ل) أجل مرضه فليصل الفريضة على الدابة بعد أن توقف له ويستقبل بها القبلة وظاهره الجواز من غير كراهة. والذي في المدونة: الكراهة وقيدت بما إذا صلى حيثما توجهت به راحلته، وأما إذا أوقفت له واستقبل وصلى فلا كراهة. وهذا التقييد نقله الفاكهاني عن الشيخ ثم قال: فالذي في الرسالة تقييد لما في المدونة (^٢).
_________________
(١) مالك في الموطأ (١٥٥/ ٥١٣)، وانظر: شرح ابن بطال (٣/ ٨٧).
(٢) الثمر الداني (١/ ٢١٠).
[ ١ / ٤٨٨ ]
• حكم الرعاف في الصلاة وشروط البناء:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن رعف مع الإمام خرج فغسل الدم، ثم بنى ما لم يتكلم أو يمش على نجاسة، ولا يبني على ركعة لم تتم بسجدتيها وليلغها، ولا ينصرف لدم خفيف وليفتله بأصابعه إلا أن يسيل أو يقطر،
ولا يبني في قيء ولا حدث،
ومن رعف بعد سلام الإمام سلم وانصرف،
وإن رعف قبل سلامه انصرف وغسل الدم، ثم رجع فجلس وسلم، وللراعف أن يبني في منزله إذا يئس أن يدرك بقية صلاة الإمام إلا في الجمعة فلا يبني إلا في الجامع.
ويغسل قليل الدم من الثوب ولا تعاد الصلاة: إلا من كثيره،
وقليل كل نجاسة غيره وكثيرها سواء،
ودم البراغيث ليس عليه غسله إلا أن يتفاحش).
الشرح
(ومن رعف) بفتح العين في الماضي وضمها وفتحها في المستقبل، والرعاف هو خروج الدم من الأنف، والمعنى أن من خرج من أنفه دم حالة كونه في الصلاة (مع الإمام خرج فغسل الدم)؛ أي: يخرج لغسل الدم الذي خرج من أنفه، ممسكا لأنفه من أعلاه، ولم يتلطخ به، ولم يظن دوامه لآخر الوقت المختار (^١).
(ثم) بعد أن يفرغ من غسل الدم (بنى)؛ بمعنى: يبني، لأن الفقيه إنما يتكلم على أحكام مستقبلية ولا يقطع الصلاة على المشهور. وقال ابن القاسم: الأفضل القطع، قلت: ولعله الصواب والله أعلم. قال زروق: وهو أولى بالعامي (أي: القطع) ومن لا يحسن التصرف في العلم لجهله. وسند
_________________
(١) تنوير المقالة (٢/ ٣٦٩).
[ ١ / ٤٨٩ ]
المشهور عمل جمهور الصحابة والتابعين روى مالك في «الموطأ» (^١) عن نافع أن عبد الله بن عمر ﵄ «كان إذا رعف، انصرف فتوضأ، ثم رجع فبنى ولم يتكلم». وعنه أيضا أنه بلغه: «أن عبد الله بن عباس، كان يرعف فيخرج فيغسل الدم عنه، ثم يرجع فيبني على ما قد صلى».
قال ابن العربي: «ولضعف المسألة استحب مالك للراعف أن يقطع الصلاة بكلام ولا يبني، وعلى ضعفها قد أكثرت المالكية التفريع فيها وليست عندي من المسائل التي يعول عليها فإنه ليس فيها نص ولا نظير». اه (^٢)
وحيث قلنا بالبناء فله ستة شروط:
أشار إلى اثنين منها بقوله: (ما لم يتكلم أو يمش على نجاسة) أما الأول: فظاهره البطلان إن تكلم مطلقا عمدا أو جهلا أو نسيانا، روى ابن المنذر في «الأوسط»: عن علي ﵁ أنه قال: من وجد رزا في بطنه (^٣)، أو رعافا، أو قيئا، فلينصرف وليتوضأ فإن تكلم استقبل، وإن لم يتكلم بنى على ما مضى من صلاته (^٤).
وأما الثاني: فظاهره البطلان إن مشى على نجاسة مطلقا سواء كانت النجاسة رطبة أو يابسة لآدمي، أما إذا كانت رطبة فمتفق على البطلان؛ وأما إن كانت يابسة كالقشب فكذلك عند سحنون (^٥).
الشرط الثالث: أن لا يتجاوز ماء قريبا إلى آخر، ولا بد أن يكون الماء القريب قريبا في نفسه لا قريبا بالنسبة إلى ما هو أبعد منه، بمعنى الماء الذي على باب المسجد هو المراد لا أن يكون موضعان أحدهما يبعد مائة متر والآخر كيلومترا.
_________________
(١) الموطأ (١١٠)، وانظر: شرح الزرقاني (١/ ٨٢).
(٢) الموضع السابق من القبس، وانظر: شرح التلقين (٢/ ٢٨٤) وما بعدها.
(٣) الرز: الصوت الخفي، والمراد: حركة الريح للخروج.
(٤) الأوسط لابن المنذر، باب: جماع أبواب الأحداث التي تدل على وجوب الطهارة منها السنن (١/ ٢٧٤)، ط: الأوقاف القطرية.
(٥) مواهب الجليل للحطاب (٢/ ١٥٥).
[ ١ / ٤٩٠ ]
الرابع: أن لا يستدبر القبلة لغير طلب الماء، وأما لطلب الماء فلا بطلان، فعن إبراهيم النخعي قال: «أحب إلي في الرعاف إذا استدبر القبلة أن يستقبل» (^١).
الخامس: أن يقطر الدم أو يسيل ولا يتلطخ به، أما إن رشح فقط من غير أن يسيل أو يقطر فلا يخرج لغسله، وعليه أن يفتله بأصابعه.
السادس: أن يكون الراعف في جماعة إماما كان أو مأموما، أما الفذ ففي بنائه قولان مشهوران منشؤهما: هل رخصة البناء لحرمة الصلاة وهي المنع من إبطالها، أو لتحصيل فضل الجماعة؟ فيبني على الأول دون الثاني.
فإذا استكملت الشروط (و) بنى ف (لا يبني على ركعة)؛ يعني: لا يعتد بركعة لم تتم بسجدتيها وإنما يعتد بركعة تمت بسجدتيها على ما نقل عن ابن القاسم لأن النبي ﷺ قال: ﴿من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة﴾ (^٢)، وعليه ما كان أقل فلا يسمى إدراكا للصلاة لفواتها، (وليلغها) تكرار زيادة في البيان وهذا الذي تقدم إذا كان الدم كثيرا يدل عليه قوله: (ولا ينصرف ل) غسل (دم خفيف وليفتله بأصابعه)؛ يعني: برؤوس أصابع يده اليسرى «لقول عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي، أنه قال: رأيت سعيد بن المسيب يرعف، فيخرج منه الدم حتى تختضب أصابعه من الدم الذي يخرج من أنفه، ثم يصلي ولا يتوضأ» (^٣).
وعن مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال لأصحابه: ما تقولون في رجل رعف فلم ينقطع عنه الدم؟ فسكت القوم، قال سعيد: يومئ إيماء (^٤).
وصفة الفتل أن يلقاه أولا برأس الخنصر ويفتله برأس الإبهام ثم بعد
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٢/ ١٤) رقم (٥٩٢٠)، وانظر: الاستذكار (١/ ٣٢١)
(٢) رواه مالك في الموطأ (١٥)، والبخاري (٥٥٥)، ومسلم (٦٠٧).
(٣) الموطأ، [باب: العمل في الرعاف] (٨٠).
(٤) المدونة (١/ ٣٧)، ما جاء في الرعاف.
[ ١ / ٤٩١ ]
الخنصر البنصر ثم الوسطى ثم السبابة، وانظر قول المصنف (إلا أن يسيل أو يقطر) هل أراد ابتداء فيكون تقدير كلامه وليفتله بأصابعه إلا أن يسيل أو يقطر، فلا يبتدئ فتله ولينصرف إلى الماء، وإنما أراد إذا سال أو قطر بعد أن فتله فيكون تقدير الكلام أنه يفتله بأصبعه إلا أن يغلب عليه بالسيل أو القطر فلا يفتله، وهذا هو المناسب.
• وخلاصة المسألة أن للراعف ثلاثة أحوال:
١ - لا يسيل، ولا يقطر، فلا يجوز له أن يخرج ويفتله بأنامله.
٢ - أن يسيل، أو يقطر، ويتلطخ به، فلا يجوز له التمادي.
٣ - أن يسيل، أو يقطر، ولا يتلطخ به، فيجوز له القطع والتمادي، وهل البناء لعمل الصحابة؟ أو القطع لحصول المنافي؟ حكى ابن رشد الأول عن مالك، والثاني عن ابن القاسم (^١).
• وشروط الباني:
١ - أن لا يجد الماء في موضع فيجاوزه إلى غيره.
٢ - أن لا يطأ على نجاسة رطبة، أما اليابسة فذكروا فيها اختلافا.
٣ - أن لا يسقط من الدم على ثوبه أو جسده ما لا يغتفر لكثرته.
٤ - أن لا يتكلم جاهلا أو عامدا، أما الناسي فقد اختلف فيه.
هل حكم القيء في الصلاة ملحق بالرعاف؟:
ولما كان البناء للرعاف تعبديا لا يقاس عليه وخشي أن يتوهم القياس عليه رفع ذلك التوهم بقوله (ولا يبني ويروى ولا يبن، فعلى الأولى لا نافية، وعلى الثانية ناهية والفعل مجزوم بحذف الياء في قيء) مطلقا عمدا أو سهوا؛ أي: قيء متنجس خرج منه حال صلاته ولو قليلا ومثله الطاهر الكثير،
_________________
(١) انظر تفصيل ذلك في: التوضيح على جامع الأمهات لخليل (١/ ٢١١ - ٢١٢)، والمقدمات (١/ ١٠٥)، والبيان والتحصيل (١/ ٢٤٧).
[ ١ / ٤٩٢ ]
قال يحيى (^١): وسئل مالك هل في القيء وضوء؟ قال: «لا، ولكن ليتمضمض من ذلك، وليغسل فاه، وليس عليه وضوء».
• والحاصل أن الصلاة لا تبطل بالطاهر بشرط:
١ - كونه يسيرا.
٢ - وخرج غلبة.
فإذا كان نجسا ولو يسيرا، أو طاهرا كثيرا، أو تعمد إخراجه بطلت صلاته. وكذا لو تعمد ابتلاعه، والموضوع أنه خرج غلبة، وأما لو ابتلعه غلبة في ذلك الموضوع ففي بطلان صلاته قولان متساويان لا أرجحية لأحدهما على الآخر وأما سهوا فلا.
• هل يجوز البناء في الحدث:
(ولا) يبني أيضا في (حدث) ولا غيرهما على المشهور ومقابله ما لأشهب من أنه يبني في الحدث وهو مروي عن سعيد بن جبير والشعبي أنهما قالا: «في الحدث والرعاف ينصرف فيتوضأ فإن تكلم استأنف الصلاة وإن لم يتكلم بنى على صلاته» (^٢).
ويبني أيضا من رأى في ثوبه أو جسده نجاسة، أو أصابه ذلك وهو في الصلاة، وسند القول المشهور أن الأصل عند البناء في الجميع فجاءت الرخصة في الرعاف وبقي ما سواه على الأصل.
• انصراف الراعف قبل سلام الإمام أو بعده:
(ومن رعف بعد سلام الإمام سلم، وانصرف) وإنما أبيح له السلام وهو حامل النجاسة لأنه أخف من ذهابه إلى الماء، (وإن رعف قبل سلامه)؛ أي:
_________________
(١) الموطأ (٤ - باب: ما لا يجب منه الوضوء، رقم ٥٥)، وانظر: المدونة (ما جاء في القيء والحجامة) (١/ ١٨).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٠٠).
[ ١ / ٤٩٣ ]
قبل سلام الإمام (انصرف إلى الماء وغسل الدم)، لأنه إن لم يخرج فقد تعمد حمل النجاسة في صلاته وقد بقي بعضها (ثم رجع) ليسلم (فجلس) وأعاد التشهد إن كان قد تشهد على المشهور، فإن لم يكن تشهد، تشهد من غير خلاف (وسلم) وظاهر كلامه أنه يخرج لغسل الدم ولو كان سلام الإمام عقيب رعافه، وليس كذلك بل إن كان سلام الإمام قريبا من رعافه فإنه يسلم، وينصرف، وتجزئه صلاته كالمسألة التي قبلها لأنه لم يبق عليه شيء من فعل الصلاة يحتاج معه إلى البناء عليه.
• المكان الذي يتم فيه الراعف صلاته:
ثم انتقل يبين أين يتم الراعف صلاته بعد غسل الدم بالشروط المتقدمة فقال: (وللراعف) إذا كان في جماعة (أن يبني في منزله)؛ أي: في مكانه الذي غسل فيه الدم إن أمكنه أو في أقرب الأماكن التي يمكنه فيها الصلاة (إذا يئس أن يدرك بقية صلاة الإمام) المراد باليأس هنا غلبة الظن.
قال ابن ناجي: ظاهر كلامه أنه إذا طمع أن يدرك شيئا من صلاة الإمام ولو السلام فإنه يرجع إليه، وهو كذلك على ظاهر المدونة وغيرها (^١)، وإنما لزم الرجوع مع الشك لأن الأصل لزوم متابعته للإمام فلا يخرج منها إلا بعلم أو ظن. وما تقدم من أن للراعف أن يبني في أي مكان يمكنه الصلاة فيه عام في كل صلاة جماعة (إلا في) صلاة (الجمعة) إذا أدرك مع الإمام ركعة بسجدتيها، وكذلك يجب الرجوع على من ظن إدراك ركعة مع الإمام بعد رجوعه وإن لم يدرك معه ركعة قبل الرعاف، وأما إذا لم يدرك ركعة قبل الرعاف ولا ظن إدراك ركعة بعد رجوعه مع الإمام فإنه لا يرجع بل يقطع ويبتدئ ظهرا بإحرام ولو بنى على إحرامه وصلى أربعا فالظاهر الصحة كما قال الحطاب (^٢)، ومحل ابتدائها ظهرا حيث لم يتمكن من صلاة الجمعة وإلا فلا
_________________
(١) المدونة (١/ ٣٧)، وانظر: المنتقى (١/ ٨٣)، والنوادر (١/ ٢٤٢)، والمقدمات (١/ ١٠٥)
(٢) مواهب الجليل (٢/ ١٥٧).
[ ١ / ٤٩٤ ]
بأن كان البلد مصرا تتعدد فيه الجمعة (ف) إنه (لا يبني) فيها (إلا في الجامع)؛ أي: الذي ابتدأها فيه. ولو ظن فراغ إمامه لأن الجامع شرط في صحة الجمعة ولا يتمها برحابه، ولو كان ابتدأها به لضيق أو اتصال صفوف كما استظهره الحطاب.
وقال ابن عبد السلام: يصح إتمامها في الرحاب، وظاهر قوله لا يبني إلا في الجامع سواء حال بينه وبين عوده إليه حائل أم لا، وهو المشهور، وعليه فإن حال بينه وبين الجامع الذي ابتدأها فيه حائل قبل إتمام صلاته بطلت جمعته.
• حكم اليسير من النجاسات:
لما تكلم على الرعاف شرع يتكلم على مسألة تقدمت في باب الطهارة لمناسبة تلك المسألة لذلك المقام من حيث الحكم على الغسل المذكور بالاستحباب الذي هو المعتمد إذ هو يؤذن بأن هذا الدم معفو عنه فقال: (ويغسل قليل الدم من الثوب)؛ يعني: والجسد والبقعة.
قال العيني في شرح البخاري: قال ابن بطال حديث أسماء أصل عند العلماء في غسل النجاسات من الثياب، والحجة في أن اليسير من دم الحيض كالكثير قوله ﷺ لأسماء ﵂: «حتيه ثم اقرصيه» (^١)، حيث لم يفرق بين قليله وكثيره، ولا سألها عن مقداره، ولم يحد فيه مقدار الدرهم ولا دونه (^٢).
ولا تعاد الصلاة إلا من كثيره، لأن النبي ﷺ لم يعد الصلاة من قليله ومما استدلوا به حديث عائشة قالت: كنت مع رسول الله ﷺ وفيه: فلما أصبح رسول الله ﷺ أخذ الكساء فلبسه ثم خرج فصلى فيه الغداة ثم جلس فقال رجل: يا رسول الله هذه لمعة من دم في الكساء، فقبض رسول الله ﷺ عليها مع ما يليها وأرسلها إلي مصرورة في يد الغلام فقال: «اغسلي هذه
_________________
(١) أخرجه الشيخان: البخاري (٢٢٥)، ومسلم (٢٩١)، وأبو داود (٣٦٢) واللفظ له.
(٢) تحفة الأحوذي، (كتاب الطهارة، باب ما جاء في غسل دم الحيض).
[ ١ / ٤٩٥ ]
وأجفيها ثم أرسلي بها إلي»، فدعوت بقصعتي فغسلتها ثم أجفيتها ثم أخرجتها فجاء رسول الله ﷺ وهو عليه (^١).
وفي حده وحد اليسير مشهور الخلاف فقيل الكثرة معتبرة بالعرف، وقيل لا وهو المشهور؛ أي: إن المشهور اعتبار الكثير بالدرهم البغلي فيما كانت مساحته قدر مساحة الدرهم البغلي؛ أي: الذي في ذراع البغل فهو كثير، وإليه أشار مالك في العتبية، وقال ابن سابق: اليسير ما دون الدرهم والكثير ما فوقه. اه.
وقول المصنف: ولا تعاد … إلخ؛ يعني: في الوقت إذا صلى به ناسيا، وإن صلى به عامدا أعاد أبدا على قول ابن القاسم.
فيفيد هذا أن ابن القاسم يقول: بأن إزالة النجاسة واجبة والدم من أفرادها، وهذا يخالف ما نقله «صاحب البيان» (^٢) أن المشهور من رواية ابن القاسم عن مالك: أن رفع النجاسة سنة.
• النجاسات غير الدم وما يعفى منه وما لا:
لما كان غير الدم من النجاسات مخالفا له في الحكم من حيث التفرقة بين القليل فيعفى عنه والكثير لا عفو فيه، وخشي أن يتوهم أن غيره كذلك دفع هذا بقوله:
(وقليل كل نجاسة) من (غيره)؛ أي: الدم (وكثيره سواء) في وجوب الإزالة على القول بوجوب إزالة النجاسة وإعادة الصلاة أبدا إذا صلى متلبسا بالنجاسة عامدا، في الوقت إذا صلى ناسيا أو عاجزا، والفرق بين الدم وغيره من النجاسات أن الدم لا يكاد يتحفظ منه، ولأن بدن الإنسان كالقربة المملوءة بخلاف سائر النجاسات فإنه يمكن أن يتحرز منها في الغالب، واستدل القائلون بتطهير الثوب من النجاسات بحديث عمار ﵁ مرفوعا بلفظ: «إنما
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٨٨)، قال المنذري: هذا الحديث غريب وله شاهد صحيح في سنن أبي داود.
(٢) البيان والتحصيل (١/ ٤١ - ٤٢).
[ ١ / ٤٩٦ ]
تغسل الثوب من: الغائط، والبول، والمذي، والمني، والدم، والقيء» (^١) وحديث الفرك لعائشة ﵂ أصح منه وقد تقدم قريبا.
• حكم دم البراغيث:
(ودم البراغيث ليس عليه غسله)، لأن في غسله كبير مشقة وزيادة كلفة، إذ لا يكاد يفارق الإنسان مع أن يسير الدم معفو عنه، روى عبد الرزاق (^٢) عن معمر عن قتادة عن الحسن قال: «لم يكن يرى بدم البراغيث بأسا».
وكان الحسن البصري يقول: «قليله وكثيره سواء، ومذهب سائر الفقهاء بخلافه في الفرق بين كثير الدم ويسيره، ورخص في دم البراغيث عطاء، والحسن البصري، والشعبي، وطاوس» (^٣).
(إلا أن يتفاحش) ويخرج عن العادة فيستحب غسله وقيل يجب. وحد التفاحش ما بلغ حدا يستحى من ظهوره بين الناس
_________________
(١) وأخرجه ابن عدي في «الكامل» والدارقطني والبيهقي والعقيلي في «الضعفاء»، وأبو نعيم في «المعرفة»، وأجيب عنه بأن الجماعة المذكورين كلهم ضعفوه، إلا أبا يعلى لأن في إسناده ثابت بن حماد اتهمه بعضهم بالوضع. وقال اللالكائي: أجمعوا على ترك حديثه. وقال البزار: لا يعلم لثابت إلا هذا الحديث. وقال الطبراني: انفرد به ثابت بن حماد ولا يروى عن عمار إلا بهذا الإسناد. وقال البيهقي: هذا حديث باطل إنما رواه ثابت بن حماد وهو متهم. انظر: نيل الأوطار (١/ ٦٥).
(٢) مصنف الصنعاني (١/ ٣٧٢).
(٣) سنن البيهقي (٣/ ٣٩٧).
[ ١ / ٤٩٧ ]
باب في سجود القرآن
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
وسجود القرآن إحدى عشرة سجدة، وهي العزائم ليس في المفصل منها شيء.
في المص عند قوله: ﴿ويسبحونه، وله يسجدون﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وهو آخرها، فمن كان في صلاة فإذا سجدها قام فقرأ من الأنفال، أو من غيرها ما تيسر عليه، ثم ركع وسجد.
وفي الرعد عند قوله ﴿وظلالهم بالغدو والآصال﴾ [الرعد: ١٥].
وفي النحل: ﴿يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ [النحل: ٥٠] وفي بني إسرائيل: ﴿ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا﴾ [الإسراء: ١٠٩]، وفي مريم: ﴿إذا تتلى عليهم آيت الرحمن خروا سجدا وبكيا﴾ [مريم: ٥٨]، وفي الحج أولها: ﴿ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء﴾ [الحج: ١٨] وفي الفرقان: ﴿أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا﴾ [الفرقان: ٦٠] وفي الهدهد: ﴿الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم﴾ [النمل: ٢٦] وفي ألم تنزيل: ﴿وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون﴾ [السجدة: ١٥] وفي ص: ﴿فاستغفر ربه، وخر راكعا وأناب﴾ [ص: ٢٤] وقيل عند قوله: ﴿لزلفى وحسن متاب﴾ [ص: ٢٥] وفي حم تنزيل: ﴿واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون﴾ [فصلت: ٣٧].
الشرح
جاء الباب في بعض النسخ بلفظ: (في) وفي بعضها باب سجود القرآن بحذف في وفي بعضها (وسجود القرآن) من غير ذكر باب وزيادة واو.
[ ١ / ٤٩٨ ]
• حكم سجود التلاوة:
«وقال ابن العربي: وسجود التلاوة واجب وجوب سنة، لا يأثم من تركه عامدا (بلا إحرام وسلام)».
والقول بأنه سنة، هو قول جماهير العلماء (^١)، وهو قول عمر بن الخطاب ﵁، والحجة في ذلك ما جاء عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير التيمي أنه حضر عمر بن الخطاب ﵁، فقرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاء السجدة قال: يا أيها الناس، إنا نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه. ولم يسجد عمر ﵁. وزاد نافع عن ابن عمر ﵄: «أن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء» (^٢)
وظاهر كلام ابن الحاجب وغيره أنه المشهور في حق القارئ، وقاصد الاستماع لا السامع (^٣).
• ويشترط في سجود المستمع ثلاثة شروط:
الأول: أن يكون القارئ صالحا للإمامة (^٤)
الثاني: أن يكون المستمع جلس ليتعلم من القارئ ما يحتاج إليه في القراءة من الإدغام ونحوه أو لحفظ ذلك المقروء.
والثالث: أن لا يجلس القارئ ليسمع الناس حسن قراءته، بل جلس قاصدا تلاوة كلام الله أو قاصدا إسماع الناس لأجل أن يتعظوا فينزجروا عن المعاصي؛ وإذا وجدت هذه الشروط ولم يسجد القارئ سجد قاصد الاستماع على المشهور (^٥).
_________________
(١) المذهب في ضبط المذهب (١/ ٣٤٥)، والإشراف للقاضي عبد الوهاب (١/ ٢٦٩).
(٢) مالك في الموطأ (٥٥٣)، ورواه البخاري (١٠٢٧).
(٣) جامع الأمهات (١/ ١٣٤).
(٤) تنوير المقالة للتتائي (٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥)، وجامع الأمهات في الموضع السابق.
(٥) المذهب (١/ ٣٤٦).
[ ١ / ٤٩٩ ]
• عدد سجدات التلاوة في المذهب:
المشهور أن سجدات القرآن (إحدى عشرة سجدة وهي العزائم) (^١)؛ أي: الأوامر بمعنى المأمور بالسجود عند قراءاتها فليس المراد بالأمر حقيقته بل المراد به اسم المفعول، وهذا أحد قولي مالك رحمه الله تعالى: وهو المشهور عنه (^٢)، قال في «الموطأ»: الأمر عندنا، أن عزائم سجود القرآن إحدى عشرة سجدة، ليس في المفصل منها شيء (^٣).
وإنما سميت بالعزائم للحث على فعلها خشية تركها الذي هو مكروه و(ليس في المفصل) وهو ما كثر فيه الفصل بالبسملة، وأوله الحجرات على ما اختاره بعضهم وقيل: (ق) (منها)؛ أي: العزائم (شيء) فلا سجود في التي في النجم، والانشقاق، والعلق.
وذكر عبد الرزاق (^٤) عن ابن جريج، قال: أخبرني عكرمة بن خالد، أن سعيد بن جبير أخبره أنه سمع ابن عباس وابن عمر يعدان: كم في القرآن من سجدة، فقالا: الأعراف، والرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والحج - أولها، والفرقان، وطس، وألم تنزيل، وص، وحم - السجدة إحدى عشرة سجدة قالا: وليس في المفصل سجود، هذه رواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس
وقال مالك: الأمر المجتمع عليه عندهم أن عزائم سجود القرآن إحدى عشرة سجدة؛ ويعني قوله المجتمع عليه؛ أي: لم يجتمع على غيرها كما اجتمع عليها عندهم هكذا تأول في قوله هذا ابن الجهم وغيره (^٥).
أولها: في (المص عند قوله) تعالى: (﴿ويسبحونه وله يسجدون﴾)، وإنما
_________________
(١) كلمة: عزيمة، معناها واجبة؛ لأن العزيمة في الاصطلاح تقابلها الرخصة.
(٢) وقال ابن وهب وابن حبيب عدتها: خمس عشرة، منها آخر الحج، والنجم، والانشقاق المذهب (١/ ٣٤٦)، وشرح زروق على الرسالة (١/ ٣٥٤).
(٣) تنوير الحوالك (١/ ١٦٣).
(٤) الاستذكار (٢/ ٥٠٨) ما جاء في سجود القرآن، والتمهيد (١٩/ ١١٨).
(٥) التمهيد (١٩/ ١١٨).
[ ١ / ٥٠٠ ]
قال (وهو آخرها) وإن كان من المعلوم أنه آخرها ليرتب عليه قوله (فمن كان في صلاة) نافلة أو فريضة وقرأها (يسجدها)؛ أي: وإن كان في وقت حرمة، لأنها تبع للصلاة، ويكره عند مالك تعمد قراءة آية السجدة في الصلاة المفروضة، وهي كراهة مذهبية وليس شرعية وإنما كرهوا ذلك لئلا تختلط على المأموم صلاته، (فإذا سجد قام فقرأ على جهة الاستحباب (من) سورة الأنفال أو من غيرها ما تيسر عليه) مما يليها على نظم المصحف لما روي عن عمر ﵁: «أنه قرأ بالنجم فسجد فيها ثم قام فقرأ سورة أخرى» (^١)؛ فليس المراد بالذي يليها ما كان بلصقها وإلا نافى قوله أو من غيرها، (ثم ركع وسجد) وإنما أمر بالقراءة لأن الركوع لا يكون إلا عقب القراءة أي الركوع المعتد به.
(و) ثانيها: (في) سورة (الرعد عند قوله) تعالى ﴿وظلالهم بالغدو والآصال﴾ وهي مدح للساجدين.
(و) ثالثها: (في) سورة (النحل) عند قوله تعالى: ﴿يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون﴾؛ أي: يسجدون خائفين وجلين من الرب ﷻ، (ويفعلون ما يؤمرون)؛ أي: مثابرين على طاعته تعالى، وامتثال أوامره، وترك زواجره (^٢). (و) رابعها: (في) سورة (بني إسرائيل)؛ أي: الإسراء، وتسمى سبحان، عند قوله تعالى: ﴿ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا﴾ وهو مدح لهم.
(و) خامسها: (في) سورة (مريم) عند قوله تعالى: ﴿إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا﴾ وهو مدح لهم، وكان أحد السلف يقول إذا قرأها: اللهم هذا السجود فأين البكاء.
(و) سادسها: (في) سورة (الحج) وهو المذكور (أولها) عند قوله تعالى:
_________________
(١) رواه مالك كما في موطأ محمد بن الحسن (٢٦٨)، والبيهقي في السنن (٢٥٦٤)، وانظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٣٦٩)، تحقيق: التركي والحلو.
(٢) فتح الجواد الكريم في اختصار وتحقيق تفسير ابن كثير (٢/ ٦٥١).
[ ١ / ٥٠١ ]
﴿ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء﴾ فيه الذم لمن لم يسجد؛ ونبه بقوله: أولها إلى قول الشافعي وأحمد أن فيها سجدتين أولها وآخرها. وقال يحيى بن يحيى يسجد في التي بآخرها، لأنه فيها ترغيب لساجدها (^١) وهي قوله تعالى: ﴿وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾ [الحج: ٧٧].
(و) سابعها: (في) سورة (الفرقان) عند قوله تعالى: ﴿أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا﴾ وفيه الدم لتاركه.
(و) ثامنها: (في) سورة (الهدهد) أي: النمل عند قوله تعالى: ﴿الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم﴾ وفيها توحيد الرب جل وعلا وإفراده بالعبادة.
(و) تاسعها: (في) سورة (﴿ألم تنزيل﴾) السجدة عند قوله تعالى: ﴿وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون﴾ فيه مدح لأهل القيام.
(و) عاشرها: (في) سورة (ص) عند قوله تعالى: ﴿فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب﴾ (وقيل) السجود فيها (عند قوله) تعالى: ﴿لزلفى وحسن مئاب﴾، والأول هو المشهور لأن قوله تعالى: ﴿فغفرنا له ذلك﴾ كالجزاء على السجود فكان بعد السجود فقدم السجود عليه.
(و) حادية عشرها: (في) سورة (حم تنزيل) وتسمى فصلت (عند قوله) تعالى: ﴿واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون﴾ هذا هو المشهور، لأنه موضع الأمر. وقيل: السجود فيها عند قوله تعالى: ﴿وهم لا يسئمون﴾، لأنه تمام الأول، ولمخالفته للكافر المتكبر بالسآمة؛ أي: المتكبر عن السجود مع ملله وضجره منه.
قال اللخمي: السجود يتضمن ثلاث معان: مدح من سجد، وذم من عاند وجحد، أو هما معا (^٢).
_________________
(١) تنوير المقالة للتتائي (٢/ ٣٩٢).
(٢) انظر تفصيل ذلك في: تنوير المقالة للتتائي (٢/ ٣٩٤).
[ ١ / ٥٠٢ ]
• هل من شرط سجود التلاوة الوضوء:
الشرح
قال المصنف: (ولا يسجد السجدة في التلاوة إلا على وضوء)، لأنه يشترط لها ما يشترط لسائر الصلوات من الطهارتين؛ أي: الحدث والخبث واستقبال القبلة (^١)، وقيل لا يشترط، وإنما هو من الأمر المختلف فيه بين السلف وقد كان ابن عمر (^٢) يسجد على غير وضوء.
وذكر ابن أبي شيبة (^٣) بسنده عن وكيع عن زكريا عن الشعبي في الرجل يقرأ السجدة على غير وضوء، قال: يسجد حيث كان وجهه.
وقال مالك ليس على الحائض سجود. وروي عن عثمان بن عفان ﵁ قال توميء برأسها. وبه قال سعيد بن المسيب قال توميء، وتقول: لك سجدت (^٤).
• التكبير والتشهد والتسليم في سجود التلاوة:
(ويكبر لها) في الخفض والرفع اتفاقا إن كان في صلاة، وعلى المشهور إن كان في غير صلاة، لأنها أشبهت الصلاة وقد كان رسول الله ﷺ يكبر في كل خفض ورفع (^٥). وقيل: يكره، وقيل: هو مخير بين التكبير وعدمه فإذا الأقوال ثلاثة، وعن ابن عمر ﵄ قال: «كان النبي ﷺ يقرأ علينا القرآن فإذا مر بالسجدة، كبر، وسجد، وسجدنا» (^٦).
_________________
(١) الإشراف للقاضي عبد الوهاب (١/ ٢٦٩).
(٢) الفتح (٢/ ٦٤٤).
(٣) مصنف ابن أبي شيبة (٤٣٢٢).
(٤) مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للشيخ: أبي الحسن عبيد الله بن محمد عبد السلام المباركفوري (٣/ ٤٣٠)، الناشر: إدارة البحوث العلمية والدعوة والإفتاء، الجامعة السلفية، بنارس الهند، الطبعة: الثالثة، ١٤٠٤ هـ/ ١٩٨٤ م.
(٥) رواه البخاري (٧٥١)، ومسلم (٣٩٣).
(٦) (الحديث في إسناده العمري عبد الله المكبر وهو ضعيف. وأخرجه الحاكم من رواية =
[ ١ / ٥٠٣ ]
ولا يرفع يديه؛ أي: يكره ذلك في الخفض والرفع، ولا يتشهد على المشهور.
(ولا يسلم) منها على المشهور؛ أي: يكره إلا أن يقصد الخروج من الخلاف «وقال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة وأصحابهم، ليس في سجود القرآن تسليم» (^١).
قال في «التوضيح»: وفي النفس من عدم الإحرام والسلام شيء.
قالوا وقول الشيخ: (وفي التكبير في الرفع منها سعة) أنه رابع في المسألة التي حكى ابن الحاجب فيها الأقوال الثلاثة (^٢)، أي: من حيث إنه خير في الرفع ولم يخير في الخفض كما نبه عليه ابن ناجي، قلت: والذي يظهر لي أن قوله في الرفع لأن الخفض للسجود يكون عقب التلاوة فلا إشكال في المتابعة، ولكن الرفع إن لم يكبر لارتبك من سجد معه، وظن أنه لم يرفع، والأحسن عندي أن يكبر رفعا وخفضا كما هو اختيار المصنف لوجود النساء في الغالب وراء الحائط لا يرون ما يحدث، وقد وقعت معنا إشكالات كثيرة في صفوف النساء خاصة، وتخليط الإمام بتركه التكبير في سجود التلاوة لا أراه يحسن في صلاة الجماعة.
وانظر قوله: ﴿وإن كبر فهو أحب إلينا﴾ هل هو عائد إلى التكبير في الرفع أو إلى التكبير في الرفع والخفض فيكون اختيارا منه للمشهور، وقول العدوي في حاشيته يحتاج إلى نظر، (ويسجدها)؛ أي: سجدة التلاوة (من قرأها) وهو (في) صلاة (الفريضة) على المشهور، ويجهر بها
_________________
(١) = العمري أيضا لكن وقع عنده مصغرا والمصغر ثقة ولهذا قال: على شرط الشيخين. قال الحافظ: وأصله في الصحيحين من حديث ابن عمر بلفظ آخر. قال عبد الرزاق: كان الثوري يعجبه هذا الحديث، وقد أخرج مسلم لعبد الله العمري المذكور في صحيحه لكن مقرونا بأخيه عبيد الله).
(٢) التمهيد (١٩/ ١١٨)، ط: السوادي، والأوسط في الموضع السابق.
(٣) جامع الأمهات (١/ ١٣٥).
[ ١ / ٥٠٤ ]
الإمام (^١) (و) كذا يسجدها من قرأها في صلاة (النافلة) ومما يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ: «أنه سجد بها في الصلاة».
فعن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة ﵁ العتمة. فقرأ: ﴿إذا السماء انشقت﴾ فسجد فقلت: ما هذه؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم، ولا أزال أسجد بها حتى ألقاه (^٢).
سواء كان إماما أو فذا وإن كره لهما تعمدها في الفريضة (^٣)، واختلف في فعلها قبل الإسفار والاصفرار بعد أن تصلى الصبح، وبعد أن تصلى العصر.
ففي «الموطأ»: لا تجوز بعدهما مطلقا اصفرت أو أسفرت أو لا (^٤).
وفي «المدونة» (^٥) وهو المعتمد يسجدها بعدهما ما لم تصفر أو تسفر وعليه مشى الشيخ فقال: (ويسجدها من قرأها بعد الصبح ما لم يسفر) بالسين من الإسفار وهو الضياء، (وبعد العصر ما لم تصفر الشمس) بالصاد من الاصفرار وهو التغير لأنها سنة مؤكدة، وبذلك شبهت بالجنائز، ففارقت من فعلها في الوقتين لأنها سنة مؤكدة ففارقت النوافل المحضة، ومثلها صلاة الجنازة، لأنها؛ أي: النوافل المحضة لا تفعل بعد صلاة العصر وبعد صلاة الصبح.
وكان بعض الصحابة يمسك عن السجود حتى تطلع الشمس، روى ابن المنذر عن كعب بن عجرة ﵁: أنه قرئت عنده السجدة قبل طلوع الشمس، فلم يسجد حتى طلعت الشمس، ثم سجد، قال: وروينا عن أبي أمامة: أنه كان إذا رأى أنهم يقرؤون آية، أو سورة فيها سجدة بعد العصر
_________________
(١) تنوير المقالة للتتائي (٢/ ٣٩٥).
(٢) البخاري (٧٣٤)، ومسلم (٥٧٨).
(٣) كما في المدونة (١/ ١١٠)؛ لأنه يخلط على الناس.
(٤) الموطأ (٥٥٦).
(٥) المدونة (١/ ١١٠).
[ ١ / ٥٠٥ ]
لم يجلس معهم، وقال: عن سالم، قال: «كان ابن عمر يصيح عليهم إذا رآهم، يعني القصاص، يسجدون بعد الصبح» قال معمر: وأخبرنيه أيوب، عن نافع (^١).
_________________
(١) الأوسط لابن المنذر، جماع أبواب السجود (٥/ ٢٨٢).
[ ١ / ٥٠٦ ]
باب في بيان صلاة المسافر
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن سافر مسافة أربعة برد: وهي ثمانية وأربعون ميلا، فعليه أن يقصر الصلاة فيصليها ركعتين إلا المغرب فلا يقصرها.
ولا يقصر حتى يجاوز بيوت المصر، وتصير خلفه ليس بين يديه ولا بحذائه منها شيء، ثم لا يتم حتى يرجع إليها، أو يقاربها بأقل من الميل.
وإن نوى المسافر إقامة أربعة أيام بموضع، أو ما يصلي فيه عشرين صلاة أتم الصلاة حتى يطعن من مكانه ذلك.
ومن خرج ولم يصل الظهر والعصر وقد بقي من النهار قدر ثلاث ركعات صلاهما سفريتين، فإن بقي قدر ما يصلي فيه ركعتين أو ركعة صلى الظهر حضرية والعصر سفرية.
ولو دخل لخمس ركعات ناسيا لهما صلاهما حضريتين، فإن كان بقدر أربع ركعات فأقل إلى ركعة صلى الظهر سفرية والعصر حضرية.
وإن قدم في ليل وقد بقي للفجر ركعة فأكثر ولم يكن صلى المغرب والعشاء صلى المغرب ثلاثا والعشاء حضرية.
ولو خرج وقد بقي من الليل ركعة فأكثر صلى المغرب ثم صلى العشاء سفرية).
الشرح
السفر: سمي سفرا، لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، قال في «المصباح»: السفر بفتحتين وهو قطع المسافة يقال ذلك إذا خرج للارتحال أو
[ ٢ / ٥٠٧ ]
لقصد موضع فوق مسافة العدوى، لأن العرب لا يسمون مسافة العدوى (^١) سفرا، وقال بعض المصنفين أقل السفر يوم (^٢).
(باب في بيان صلاة السفر) وحكمها، وهو السنية والأصل في قصر الصلاة في السفر الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ [النساء: ١٠١]. قال يعلى بن أمية ﵁: قلت لعمر بن الخطاب ﵁: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ وقد أمن الناس. فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» (^٣).
وأما السنة: فقد تواترت الأخبار أن رسول الله ﷺ كان يقصر في أسفاره حاجا ومعتمرا وغازيا. منها حديث أنس ﵁: «خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فصلى ركعتين ركعتين حتى رجع»، قلت: كم أقام بمكة؟ قال: «عشرا» (^٤).
وأجمع أهل العلم على أن من سافر سفرا تقصر في مثله الصلاة في حج أو عمرة أو جهاد أن له أن يقصر الرباعية فيصليها ركعتين (^٥).
_________________
(١) قال ابن فارس: العدوى طلبك إلى وال ليعديك على من ظلمك؛ أي: ينتقم منه باعتدائه عليك، والفقهاء يقولون مسافة العدوى، وكأنهم استعاروها من هذه العدوى؛ لأن صاحبها يصل فيها الذهاب والعود بعدو واحد؛ لما فيه من القوة والجلادة. المصباح المنير (١/ ٢٧٨)، (٢/ ٣٩٨). وقال إمام الحرمين وغيره: هي التي يمكن قطعها في اليوم الواحد ذهابا ورجوعا، ومعناه: أن يتمكن المبتكر إليها من الرجوع إلى منزله قبل الليل. تهذيب الأسماء (٣/ ١٩٦).
(٢) المصباح المنير للفيومي، مادة: (سفر).
(٣) أخرجه مسلم (٦٨٦)، وأبو داود (١٢٠١).
(٤) البخاري (١٠٨١)، ومسلم (٦٩٣).
(٥) الإجماع لابن المنذر (٥).
[ ٢ / ٥٠٨ ]
• مسافة القصر:
قوله: (ومن سافر)؛ أي: قصد سفرا في البر أو في البحر، واجبا كان كسفر الحج الواجب، أو مندوبا كسفر الحج التطوع، أو مباحا كسفر التجارة (مسافة أربعة برد) جمع بريد وهو أربعة فراسخ والفرسخ ثلاثة أميال، والميل ألفا ذراع.
وهذا بيان لأقل المسافة التي تقصر فيه الصلاة وحدها بالزمان سفر يوم وليلة بسير الحيوانات المثقلة بالأحمال المعتادة (وهي)؛ أي: الأربعة برد (ثمانية وأربعون ميلا فعليه أن يقصر) بفتح الياء وسكون القاف وضم الصاد والميل: اثنا عشر ألف قدم، أما بالمقاييس: فالبريد واحد وعشرون كيلو مترا ومئتان وستة وعشرون مترا، ومسافة القصر أربعة برد، فتكون المسافة تقريبا أربعة وثمانون كيلو مترا وتسعمائة وأربعة أمتار (^١)، وقد قدره ابن عباس ﵄ فقال: من عسفان إلى مكة، ومن الطائف إلى مكة، ومن جدة إلى مكة والله أعلم (^٢).
و«كان ابن عمر وابن عباس ﵄ يقصران ويفطران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخا» (^٣).
وفي «التوضيح» يعيد من قصر في ستة وثلاثين ميلا أبدا على المذهب.
إذا فمن كان مسافرا فله أن يقصر (الصلاة) المفروضة المؤداة في السفر، والمقضية لفواتها فيه (فيصليها ركعتين إلا المغرب فلا يقصرها)، لأنها وتر لا نصف لها، وانظر لم سكت عن الصبح مع أنها لا تقصر أيضا لأنه لم يثبت في الشرع قصرها، وإن كان ذلك ممكنا بأن تجعل ركعة، والذي يغني عن تطويل القول فيه وفي المغرب أن الإجماع (^٤) انعقد على أنهما لا يقصران ولا
_________________
(١) الفتح الرباني لأحمد البنا (٥/ ١٠٨)، وتيسير العلام شرح عمدة الأحكام (١/ ٢٧٣)، وقال اثنان وسبعون كلم.
(٢) المسافة بين عسفان ومكة ما بين: اثنين وسبعين وثمانين كيلومترا. وكذلك بين الطائف ومكة وهكذا من جدة إلى مكة.
(٣) الفتح (٢/ ٦٥٩).
(٤) الإجماع لابن المنذر رقم (٦٠).
[ ٢ / ٥٠٩ ]
تأثير للسفر فيهما، ولحديث عائشة ﵂ قالت: «افترض الله الصلاة على نبيكم بمكة ركعتين ركعتين إلا صلاة المغرب (^١)، فلما هاجر إلى المدينة فأقام بها واتخذها دار هجرة زاد إلى كل ركعتين ركعتين إلا صلاة الغداة لطول القراءة فيها، وإلا صلاة الجمعة للخطبة، وإلا صلاة المغرب فإنها وتر النهار فافترضها الله تعالى على عباده إلا هذه الصلاة فإذا سافر صلى الصلاة التي كان افترضها الله عليهم» (^٢).
• وللقصر شروط:
أحدها: أن تكون المسافة مقصودة دفعة واحدة.
ثانيها: أن يكون السفر مباحا، فلا يقصر في السفر المحرم على المشهور ما لم يتب، وفي المكروه كالسفر للهو قولان (^٣).
ثالثها: أن لا يقتدي بمقيم (^٤)؛ قال ابن القاسم في الكتاب: يتم وراءه إن أدرك معه ركعة، فإن أدرك أقل من ركعة قال مالك: لا يتم.
رابعها: أن لا يعدل عن مسافة قصيرة إلى طويلة بلا عذر، كالهائم ومن طلب آبقا إلا أن يعلم أن بينه وبينه مسافة القصر (^٥).
خامسها: لا يقصر حتى يبرز عن بيوت القرية؛ أي: بمعنى الشروع في السفر دون النية عليه، وإليه أشار الشيخ بقوله:
(ولا يقصر حتى يجاوز بيوت المصر) سواء كان الموضع موضع جمعة أم لا، على المشهور. وكذا مجاوزة العمودي (البدوي) حلته بكسر الحاء؛
_________________
(١) أخرجه أحمد (٦/ ٢٤١)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٤٥).
(٢) معجم ابن الأعرابي (المتوفى: ٣٤٠ هـ) (٢/ ٧٣٤)، تحقيق وتخريج: عبد المحسن بن إبراهيم بن أحمد الحسيني، الناشر: دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤١٨ هـ/ ١٩٩٧ م.
(٣) المذهب (١/ ٢٨٧).
(٤) الذخيرة للقرافي (٢/ ٢٤٩)، والمذهب (١/ ٢٩٠).
(٥) المذهب (١/ ٢٨٨).
[ ٢ / ٥١٠ ]
أي: منزل إقامته، ولو تفرقت البيوت فلا بد من مفارقة الجميع حيث جمعهم اسم الحي والدار، أو اسم الدار فقط، أو اسم الحي حيث كان يرتفق بعضهم ببعض وإلا قصر بمجرد انفصاله عن منزله وتصير خلفه ليس بين يديه ولا بحذائه منها شيء هو عين ما قبله فالداعي لتكريره زيادة البيان فكأنه يقول ليس أمامه ولا عن يمينه ولا عن شماله منها شيء، ولما بين المبدأ أراد أن يبين المنتهى فقال: (ثم لا يتم حتى يرجع إليها)؛ أي: إلى البيوت أو يقاربها بأقل من الميل قال أنس ﵁: «صليت الظهر مع النبي ﷺ أربعا بالمدينة، وبذي الحليفة ركعتين …» (^١).
وعن علي بن ربيعة قال: «خرجنا مع علي ﵁ فقصرنا ونحن نرى البيوت، ثم رجعنا فقصرنا ونحن نرى البيوت، فقلنا له: فقال علي: «نقصر حتى ندخلها»» (^٢)، وقد أجمع أهل العلم (^٣) على أن لمن يريد السفر أن يقصر إذا خرج عن جميع بيوت القرية، ويبقى مقصرا حتى يعود.
• المدة التي تقصر فيها الصلاة:
(وإن نوى المسافر إقامة أربعة أيام بموضع، أو ما يصلي فيه عشرين صلاة، أتم الصلاة حتى يظعن) بالظاء المعجمة؛ أي: يرتحل ويصير إذا ظعن كالظاعن من بلده فيقصر إذا جاوز البلد وما في حكمها واعتمد ذلك ابن ناجي.
قال الترمذي رحمه الله تعالى: أجمع أهل العلم أن المسافر يقصر ما لم يجمع إقامة وإن أتى عليه سنون. اهـ (^٤).
وفهم ذلك من قول المصنف: (نوى)؛ أي: أن الإقامة المجردة عن النية لا أثر لها، وإن كثرت كإقامته لحاجة يريد قضاءها كل وقت، فلم تقض في
_________________
(١) رواه البخاري (١٠٨٩)، ومسلم (١٥٨٠).
(٢) البخاري تعليقا الفتح (٢/ ٦٦٣)، والبيهقي في السنن (٥٤٤٩).
(٣) الإجماع لابن المنذر (ص ٩)، وانظر: فتح الباري (٢/ ٦٦٣).
(٤) الجامع الصحيح للترمذي (٢/ ٤٣٤).
[ ٢ / ٥١١ ]
وقتها المأمول، فلا يقطع القصر إلا بالعزم على الإقامة المذكورة (^١)؛ وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن الإقامة هي أربعة أيام صحاح، وقد استدل المالكية وغيرهم على أن النبي ﷺ قال: «للمهاجر مقام ثلاثة أيام بمكة بعد قضاء نسكه» (^٢).
قال ابن رشد رحمه الله تعالى: «فدل هذا عندهم على أن إقامة ثلاثة أيام ليست تسلب عن المقيم فيها اسم السفر، وهي النكتة التي ذهب الجميع إليها». اهـ (^٣).
وعن ابن عمر ﵁ كان يقول: «أصلي صلاة المسافر ما لم أجمع مكثا، وإن حبسني ذلك اثني عشرة ليلة» (^٤).
(من مكانه ذلك) تقدم أن المصنف إذا أتى ب (أو) يكون أراد أن المسألة ذات قولين؛ ومفاد كلامه أن القصر بشرطه يقطعه نية إقامة أربعة أيام صحاح فأكثر مع إدراك عشرين صلاة، وهو الذي مشى عليه ابن القاسم.
واستثنوا من كون نية إقامة أربعة أيام فأكثر يبطل حكم السفر نية العسكر الإقامة بدار الحرب، والمراد بدار الحرب محل إقامة العسكر ولو في دار الإسلام حيث لا أمن (^٥).
لأن النبي ﷺ أقام في محاصرة الطائف ثماني عشرة ليلة يقصر (^٦)، وفي
_________________
(١) تنوير المقالة للتتائي (٢/ ٤١٨).
(٢) رواه البخاري (٣٩٣٣)، ومسلم (٣٢٨٤).
(٣) بداية المجتهد لابن رشد (١/ ٣٢٧)، وتفسير القرطبي جامع الأحكام (٥/ ٣٥٧)، والمنهاج في شرح صحيح مسلم للنووي (٥/ ١٢٦).
(٤) رواه مالك في الموطأ (١/ ٤٢٥).
(٥) تنوير المقالة للتتائي (٢/ ٤١٨).
(٦) كما في سنن أبي داود (١٢٣٠)، وأخرجه عبد الرزاق (٢/ ٥٣٣) رقم (٤٣٣٧)، والطائف تبعد عن مكة إلى جهة الجنوب الشرقي نحو مائة كيلومترا، وتقع على جبل غزوان، وتقع على ارتفاع ١٦٠ مترا عن سطح البحر.
[ ٢ / ٥١٢ ]
تبوك عشرين ليلة (^١) ومما يقطع القصر أيضا العلم بالإقامة عادة كعادة الحاج إذا دخل مكة أن يقيم أربعة أيام.
(ومن خرج)؛ أي: شرع في السفر (و) الحال (أنه لم يصل الظهر والعصر وقد بقي من النهار قدر ثلاث ركعات صلاهما سفريتين) اتفاقا إن كان تركهما ناسيا، وعلى المنصوص إن كان تركهما عامدا (فإن بقي)؛ أي: من النهار بعد أن خرج والحال أنه لم يصلهما قدر ما يصلي فيه ركعتين أو ركعة صلى الظهر حضرية لفوات وقتها وهو غير مسافر فترتبت في ذمته حضرية (و) صلى (العصر سفرية)، لأنه مسافر في وقتها، ويبدأ بالظهر عند ابن القاسم وهو الراجح، وبالعصر عند ابن وهب لئلا يفوتها عن وقتها، وقال أشهب: يبدأ بأيتهما شاء لاختلاف أهل العلم في ذلك فمالك وابن شهاب يقولان يبدأ بالأولى. وسعيد بن المسيب يقول يبدأ بالأخيرة.
(ولو دخل) من سفره (لخمس ركعات)؛ أي: وإذا دخل وقد بقي من النهار مقدار ما يصلي فيه خمس ركعات، والحال أنه لم يصل الظهر والعصر (ناسيا لهما صلاهما حضريتين)، لأنه مدرك لوقتيهما الظهر بأربع، والعصر بركعة وحكم العامد كالناسي، وإنما اقتصر المصنف على الناسي لأنه الغالب فإن كان دخوله (بقدر أربع ركعات فأقل إلى ركعة صلى الظهر سفرية)، لأنها بخروج وقتها ترتبت في ذمته سفرية (و) صلى (العصر حضرية)، لأنه أدركها في الحضر.
ولما أنهى الكلام على الصلاتين المشتركتي الوقت نهارا خروجا ودخولا انتقل يتكلم على المشتركتي الوقت ليلا كذلك لكنه بدأ بالكلام على الدخول عكس ما تقدم في النهار فقال: (وإن قدم في ليل وقد بقي لطلوع الفجر ركعة فأكثر)؛ أي: مما يقدر به (و) الحال أنه (لم يكن صلى المغرب والعشاء) ناسيا
_________________
(١) كما في سنن أبي داود (١٢٣٧). وتبوك مدينة تقع على الشمال من مكة والمدينة على طريق الحاج من الشام، بينها وبين مكة أربع عشرة مرحلة، وهي مشهورة بغزوة تبوك التي وقعت في السنة التاسعة للهجرة بلا خلاف.
[ ٢ / ٥١٣ ]
أو عامدا (صلى المغرب ثلاثا والعشاء حضرية)، لأنه قد بقي من الوقت ما يدرك به العشاء فوجب أن يصليها حضرية. وأما المغرب فلم يختلف حكمها في السفر والحضر فلا معنى لذكرها ثم عقب بالخروج فقال: (ولو خرج وقد بقي عليه من الليل ركعة فأكثر صلى المغرب ثلاثا ثم صلى العشاء سفرية)، لأنه مدرك لوقتها في السفر وقاعدة هذا الباب بالنسبة لليليتين أنه يقدر بركعة دخولا وخروجا وبالنسبة للنهاريتين أو إحداهما أنه في الخروج إذا بقي ما يسع ثلاثا فإنه يصليهما سفريتين واثنتين أو واحدة. فالثانية سفرية وبالنسبة للنهاريتين أنه في الدخول إذا بقي من النهار ما يصلي فيه خمس ركعات صلاهما حضريتين وبقدر أربع ركعات فأقل إلى ركعة صلى الظهر سفرية والله أعلم.
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
باب في صلاة الجمعة
(والسعي إلى الجمعة فريضة، وذلك عند جلوس الإمام على المنبر، وأخذ المؤذنون في الأذان.
والسنة المتقدمة أن يصعدوا حينئذ على المنار فيؤذنون.
ويحرم حينئذ البيع، وكل ما يشغل عن السعي إليها.
وهذا الأذان الثاني أحدثه بنو أمية.
والجمعة تجب بالمصر والجماعة.
والخطبة فيها واجبة قبل الصلاة، ويتوكأ الإمام على قوس أو عصا، ويجلس في أولها وفي وسطها، وتقام الصلاة عند فراغها، ويصلي الإمام ركعتين يجهر فيهما بالقراءة، يقرأ في الأولى بالجمعة ونحوها، وفي الثانية بهل أتاك حديث الغاشية ونحوها.
ويجب السعي إليها على من في المصر ومن على ثلاثة أميال منه فأقل.
ولا تجب على مسافر، ولا على أهل منى، ولا على عبد، ولا امرأة، ولا صبي.
[ ٢ / ٥١٤ ]
وإن حضرها عبد أو امرأة فليصلها.
وتكون النساء خلف صفوف الرجال، ولا تخرج إليها الشابة.
وينصت للإمام في خطبته، ويستقبله الناس.
والغسل لها واجب، والتهجير حسن، وليس ذلك في أول النهار، وليتطيب لها، ويلبس أحسن ثيابه.
وأحب إلينا أن ينصرف بعد فراغها.
ولا يتنفل في المسجد، وليتنفل إن شاء قبلها، ولا يفعل ذلك الإمام وليرق المنبر كما يدخل).
• معنى الجمعة:
«الجمعة» بضم الجيم والميم، ويجوز سكون الميم وفتحها، وسميت بها لاجتماع الناس فيها.
• بيان حكم صلاة الجمعة:
(باب) في بيان حكم السعي إلى (صلاة الجمعة)؛ أي من أنه: واجب، وفي بيان وقت وجوبها، والمحل الذي تجب فيه، ومن تجب عليه، وغير ذلك مما له تعلق بها.
والأصل في فرض الجمعة الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ [الجمعة: ٩]، فأمر بالسعي، ويقتضي الأمر الوجوب، ولا يجب السعي إلا إلى الواجب، ونهى عن البيع لئلا يشتغل به عنها، فلو لم تكن واجبة لما نهى عن البيع من أجلها، والمراد بالسعي ها هنا: الذهاب إليها لا الإسراع (^١).
وأما السنة: فلحديث أبي هريرة ﵁: «أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
_________________
(١) انظر: المسالك في شرح موطأ مالك لابن العربي (٢/ ٤٥٠)، والمنتقى (١/ ١٩٤ - ١٩٥).
[ ٢ / ٥١٥ ]
«نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا، والنصارى بعد غد» (^١).
قال ابن العربي: «قال بعض علمائنا: هذا الحديث أصل في وجوب الجمعة أنها فرض على الأعيان» (^٢).
وأجمع المسلمون على وجوب الجمعة (^٣).
قال ابن الحاجب: الجمعة فرض عين، قال خليل في «التوضيح»: ولم يصح غيره عن مالك (^٤). وابتدأ بحكم السعي فقال: (والسعي إلى الجمعة واجب) وإذا وجب السعي وهو وسيلة فأجرى ما سعي إليه، وقد صرح بوجوب ما سعى إليه في باب جمل فقال: وصلاة الجمعة والسعي إليها فريضة وقد تقدمت أدلة الوجوب، وللسعي إليها وقتان وقت وجوب حين يسمع النداء ووقت فضيلة ويبدأ من الساعات التهجير الواردة في الحديث، وقيل: من أول النهار، ولا خلاف بين الأئمة أن الجمعة واجبة على الأعيان والسعي إليها إنما يجب حيث لا مانع فإن كان ثمت مانع سقطت، والمانع عدة أشياء منها المرض الذي يشق معه السعي إليها، ومنها أن يكون قد اشتد بأحد والديه المرض أو احتضر أو خشي عليه الضيعة، ومثل أحد والديه كل قريب خاص كولد وزوج وقريب فعن نافع: «أن ابن عمر ﵄ ذكر له أن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وكان بدريا، مرض في يوم الجمعة، فراح إليه بعد أن تعالى النهار واقترب الجمعة وترك الجمعة» (^٥).
_________________
(١) رواه البخاري (٢٣٨)، ومسلم (٨٥٥).
(٢) المسالك في شرح موطأ مالك لابن العربي (٢/ ٤٢٦)، والتلقين للقاضي عبد الوهاب (٤٠).
(٣) الإجماع لابن المنذر (٥٥).
(٤) التوضيح على جامع الأمهات لخليل (٢/ ٤٢٢)، تحقيق: وليد الحمدان، والمدونة (١/ ٢٢٨)، وانظر: تنوير المقالة للتتائي (٢/ ٤٢٩).
(٥) رواه البخاري (٣٩٩٠).
[ ٢ / ٥١٦ ]
ومنها أن يخاف على ماله من سلطان، أو سارق، أو حريق، ومنها المطر الشديد والوحل الكثير إلى غير ذلك لقوله ﷺ: «إلا من عذر»، (وذلك)؛ أي: وجوب السعي إلى صلاة الجمعة على من قربت داره يكون (عند جلوس الإمام على المنبر) بكسر الميم وفتح الموحدة (وأخذ) بصيغة الفعل بفتح الخاء والذال المعجمتين بمعنى شرع (المؤذنون في الأذان) لقوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ [الجمعة: ٩].
ويجب السعي إليها على من في المصر ومن على ثلاثة أميال منه فأقل، ولما تقدم ذكر الأذان وكان للجمعة أذانان أحدهما لم يكن في زمن النبي ﷺ والآخر في زمنه أراد أن يبين ذا من ذاك، فقال: (والسنة المتقدمة)؛ أي: الطريقة المندوبة (أن يصعدوا) بمعنى يرتفعوا؛ أي: المؤذنون (حينئذ)؛ أي: حين جلوس الإمام على المنبر (على المنار فيؤذنون) أراد بالسنة المتقدمة سنة الصحابة إذ لم يكن في زمنه منار وإنما كانوا يؤذنون عند باب المسجد. قاله زروق، وحاصل كلامه أنه كان في زمن النبي ﷺ أذان واحد يفعل عند باب المسجد، والنبي ﷺ جالس على المنبر ثم سن سيدنا عثمان ﷺ أذانا آخر يفعل قبل هذا على المنار ويكون الإمام جالسا على المنبر حينئذ أيضا.
قال ابن العربي: وفي الحديث الصحيح: أن الأذان كان على عهد رسول الله ﷺ واحدا، فلما كان زمن عثمان ﵁ زاد الأذان الثالث على الزوراء (^١)، وسماه في الحديث ثالثا، لأنه أضافه إلى الإقامة، كما قال ﵊: «بين كل أذانين صلاة، ثلاثا لمن شاء» (^٢)؛ يعني: الآذان والاقامة.
ويتوهم الناس أنه أذان أصلي فجعلوا المؤذنين ثلاثة فكان وهما، ثم جمعوهم في وقت واحد فكان وهما على وهم.
_________________
(١) رواه البخاري (٨٧٠)، وأبو داود (١٠٨٩)، والترمذي (٥١٦).
(٢) البخاري (٦٢٤).
[ ٢ / ٥١٧ ]
ورأيتهم يؤذنون بمدينة السلام بعد أذان المنار بين يدي الإمام تحت المنبر في جماعة، كما كانوا يفعلون عندنا في الدول الماضية، وكل ذلك محدث (^١).
وجوب الامتناع عن البيع ونحوه عمن تجب عليه الجمعة:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ويحرم حينئذ)؛ أي: حين الأذان بين يدي الإمام (البيع)؛ أي: والشراء على كل من تجب عليه الجمعة لقوله تعالى: ﴿وذروا البيع﴾ [الجمعة: ٩] إلا من اضطر إليه كمن أحدث وقت نداء الجمعة ولا يجد ماء يتطهر به إلا بالثمن فيجوز كل من البيع والشراء قاله ابن أبي زيد وابن يونس (^٢)، لأن هذا من باب التعاون على العبادة، فإن وقع ما حظر من البيع بين من تلزمهما الجمعة فسخ فإن فات فالقيمة حين قبضه؛ أي: فالقيمة معتبرة حين قبضه ويكون مستثنى من قاعدة أن المختلف فيه يمضي بالثمن، وهذا قد مضى بالقيمة.
قال ابن حبيب وينبغي للإمام أن يوكل وقت النداء من ينهى الناس عن البيع والشراء حينئذ، وأن يقيم من الأسواق من تلزمه ومن لا تلزمه للذريعة (^٣).
(و) كذلك يحرم (كل ما يشغل) بفتح الياء والغين (عن السعي إليها) كالأكل، والخياطة، والسفر، وأدخلت الكاف الشركة والهبة والصدقة والأخذ بالشفعة لأن منها عقود معاوضة أشبهت البيع، فإن وقعت العقود في البيع فسخت قال في المدونة: «وإن اشترى رجل أو باع في تلك الساعة فسخ ذلك البيع» (^٤).
_________________
(١) المسالك في شرح موطأ مالك لابن العربي (٢/ ٤٤٥)، وفي العارضة (١/ ٤٩٨).
(٢) النكت (٢٣٠)، والجامع لابن يونس (١/ ٨٥)، وعنهما التوضيح (٢/ ٤٦١).
(٣) التوضيح على جامع الأمهات لخليل (٢/ ٤٦٤).
(٤) المدونة (١/ ١٤٤).
[ ٢ / ٥١٨ ]
وجوز ابن القاسم عقد النكاح والإمام يخطب والصدقة والهبة في تلك الساعة (^١)، وقال ابن العربي بفسخ الجميع، لأن البيع إنما منع للاشتغال به، فكل أمر يشغل عن الجمعة من العقود كلها فهو حرام شرعا مفسوخ ردعا» (^٢).
(وهذا الأذان الثاني) في الأحداث هو الأول في الفعل (أحدثه بنو أمية)؛ يعني: عثمان بن عفان ﵁ وهو أول أمراء بني أمية، ولا ينبغي قول أحدثه لئلا يفهم منه الحدث البدعة، والأولى سنه عثمان ﵁، لأن فعله سنة كما أخبر النبي ﷺ.
وشرائط وجوب الجمعة عشرة: الإعلام بدخول وقتها، والإسلام، والبلوغ، والعقل، والذكورية، والحرية، والإقامة، والصحة، والقرب بحيث لا يكون على أكثر من ثلاثة أميال ويلحق بالثلاثة أميال ربع ميل أو ثلثه، والاستيطان (^٣).
وشرائط الأداء أربعة: الإمام، والجماعة، والجامع، والخطبة؛ وقد ذكر الشيخ بعض هذه الشروط ولم يميز بعضها من بعض فقال:
(والجمعة تجب بالمصر)؛ أي: أنها تكون في المصر وفي القرى المتصلة البنيان؛ أي: جنس القرى فيصدق بالقرية الواحدة، والقرية: يعتبر أن تكون مبنية بما جرت العادة ببنائها به من حجر أو طين أو لبن أو قصب أو شجر ونحوه، فأما أهل الخيام وبيوت الشعر فلا جمعة عليهم، ولا تصح منهم لأن ذلك لا ينصب للاستيطان غالبا، وكذلك كانت قبائل العرب حول المدينة فلم يقيموا جمعة، ولا أمرهم بها النبي ﷺ، ولو كان ذلك لم يخف ولم يترك نقله مع كثرته وعموم البلوى به (^٤)؛ وقد ثبت عن رابع الخلفاء الراشدين علي ﵁ أنه قال: «لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع» (^٥)
_________________
(١) التاج والإكليل (٢/ ١٨١ - ١٨٢)، وانظر: تبيين المسالك للشيباني (١/ ٥٥٤).
(٢) أحكام القرآن (٤/ ١٨٠٦).
(٣) التوضيح على جامع الأمهات لخليل (٢/ ٤٢٤)، وتنوير المقالة (٢/ ٤٤٦ فما بعدها).
(٤) المغني (٣/ ٢٠٣).
(٥) أخرجه أبو عبيد بإسناد صحيح موقوفا عليه كما في الفتح (٢/ ٥٣٠)، ورواه =
[ ٢ / ٥١٩ ]
إلا أن ابن حزم نقل: «أن ابن عمر ﵁ كان يمر على المياه وهم يجمعون فلا ينهاهم عن ذلك»، وعن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: أنه كان يأمر أهل المياه أن يجمعوا، ويأمر أهل كل قرية لا ينتقلون بأن يؤمر عليهم أمير يجمع بهم (^١).
(والجماعة) شرط صحة؛ أي: من شروط إقامة الجمعة أن يكون هناك جماعة ولا يحصرون بعدد عند الإمام مالك وهذا هو الأجود، بل المطلوب وجود من يستقل بحيث يدفع من يقصده ويساعد بعضهم بعضا في المعاش الحاجي وغيره، ومتى كان يمكنهم الإقامة على التأبيد مع الأمن والقدرة على الدفع عن أنفسهم صحت الجمعة ولو لم يحضر منهم إلا اثنا عشر رجلا باقين لتمام الصلاة مع الإمام لا فرق بين أول جمعة وغيرها قال ربيعة: تنعقد باثني عشر رجلا لما روي عن النبي ﷺ أنه كتب إلى مصعب بن عمير بالمدينة، فأمره أن يصلي الجمعة عند الزوال ركعتين وأن يخطب فيهما فجمع مصعب بن عمير في بيت سعد بن خيثمة باثني عشر رجلا (^٢)؛ وعن جابر ﵁ قال: «بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ إذا أقبلت عير تحمل طعاما فالتفتوا إليها، حتى ما بقي مع النبي ﷺ إلا اثنا عشر رجلا فنزلت هذه الآية ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما﴾ [الجمعة: ١١]» (^٣)، قال ابن حجر (^٤): ووجه الدلالة منه أن العدد المعتبر في الابتداء يعتبر في الدوام، فلما لم تبطل الجمعة بانفضاض الزائد عن الإثني عشر دل على أنه كاف. قال وقد تعقب الاستدلال.
_________________
(١) = عبد الرزاق بإسناد صحيح (٣/ ١٦٧)، والمحلى لابن حزم (٥/ ٥٢)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٠١)، وانظر: نصب الراية (٢/ ١٩٥)، والمحلى (٥/ ٩٢)، ط: دار الآفاق الجديدة، بيروت، الدراية في تخريج أحاديث الهداية للحافظ (٢/ ٢١٥)، ط: دار المعرفة، بيروت، تحقيق: السيد عبد الله هاشم اليماني مسالك الدلالة للغماري (٧٧).
(٢) المحلى (٥/ ٥٢).
(٣) المغني (٣/ ٢٠٥)، وقال: لم يصح قوله باثني عشر رجلا.
(٤) والحديث رواه البخاري (٩٣٦).
(٥) الفتح (٢/ ٤٩٢)
[ ٢ / ٥٢٠ ]
وذكر الحافظ ابن عبد البر (^١) قولا آخر عن مالك أنه لم يحد جماعة الجمعة بحد (^٢). قلت: وهذا أجود.
(والخطبة فيها)؛ أي: الجمعة (واجبة) على المشهور (^٣)، ولأن النبي ﷺ ما ترك الخطبة للجمعة في حال، وقد قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (^٤)، وعن عمر ﵁ (^٥) أنه قال: قصرت الصلاة لأجل الخطبة، وقول عائشة نحو هذا. وقال سعيد بن جبير: كانت الجمعة أربعا فجعلت الخطبة مكان الركعتين (^٦)؛ فإذا صلوا بغير خطبة أعادوا في الوقت فإن لم يعيدوا حتى خرج الوقت فإنهم يعيدونها ظهرا.
• شروط صحة الخطبة:
لصحة الخطبة شروط منها ما أشار إليه بقوله: (قبل الصلاة) لقوله تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلوة فانتشروا في الأرض﴾ [الجمعة: ١٠] والفاء للترتيب والتعقيب فمن كونه للتعقيب لا يرد أن يقال إن كون الانتشار بعد الصلاة لا ينافي أن يكون بعد الخطبة بأن تكون الخطبة بعد الصلاة فإن البعدية ظرف متسع ولفعله ﵊ وفعل الخلفاء الراشدين بعده فعن أنس ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ ينزل من المنبر فيعرض له الرجل في الحاجة، فيقوم معه حتى يقضي حاجته، ثم يقوم فيصلي» (^٧).
فمن جهل وصلى بهم قبل الخطبة أعاد الصلاة فقط لمخالفته الموالاة والترتيب النبوي.
_________________
(١) الاستذكار (٢/ ٥٩).
(٢) وذكر ذلك أيضا خليل في التوضيح على جامع الأمهات لخليل (٢/ ٤٣٠).
(٣) التفريع لابن الجلاب (١/ ٢٣١)، والمعونة (١/ ٣٠١)، والتوضيح (٢/ ٤٤٣).
(٤) رواه البخاري (٦٠٥) ..
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٢/ ١٢٨).
(٦) سنن البيهقي (٥٩١٣).
(٧) رواه النسائي (٢/ ٣/ ١١٠)، وأبو داود (١١٢٠)، والترمذي (٥١٧) وهو حديث حسن، وضعفه الألباني كما في ضعيف أبي داود رقم (١١٢٠).
[ ٢ / ٥٢١ ]
ومنها أن تكون بعد الزوال لفعل النبي ﷺ وقوله: «ثم راح في الساعة الأولى … الحديث» (^١) والرواح بعد الزوال (^٢)، والغدو قبله، بحضور الجماعة الذين تنعقد بهم الجمعة.
ومنها أن تكون اثنتين (^٣) لحديث ابن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة قائما، ثم يجلس، ثم يقوم، قال: كما يفعلون اليوم» (^٤).
فإن خطب واحدة وصلى أعاد الجمعة بعد الإتيان بالخطبة الثانية.
والفصل بين الخطبتين بالصلاة يسير فلا يكون موجبا لبطلان الخطبة الأولى، وأقل ما يجزئ من الخطبة على المشهور ما يقع عليه اسم الخطبة عند العرب وهو نوع من الكلام مسجوع مخالف للنظم والنثر، ووقوعها بغير اللغة العربية لغو، فإن لم يوجد من يعرف اللغة العربية سقطت.
وقيل: إن أقله الحمد لله والصلاة على رسول الله ﷺ، وتحذير وتبشير وهو ضعيف إذ المعتمد أنهما يستحبان في الخطبتين، لما روى الشعبي قال:
_________________
(١) أخرجه مالك (١/ ١٠١) رقم (٢٢٧)، والبخاري (١/ ٣٠١) رقم (٨٤١)، ومسلم (٢/ ٥٨٢) رقم (٨٥٠).
(٢) وفي الرواح قولان: قيل: العشي وسمي بذلك لروح الريح فإنها في الأغلب تهب بعد الزوال، وذلك إلى الليل. معجم مقاييس اللغة (٢/ ٤٥٢ - ٤٥٤)، والقول الثاني: السير كل وقت تقول: راح القوم، إذا ساروا وغدوا، قاله الأزهري سماعا عن العرب، وقد طابق بينهما في قوله تعالى: ﴿غدوها شهر ورواحها شهر﴾ [سبأ: ١٢]، ووقع الخلاف بين مالك والجمهور في ساعات الرواح فقال مالك: هي بعد الزوال، وقال الجمهور: من أول وقت النهار. انظر: الاستذكار (٥/ ٩)، وفتح الباري (١/ ٤٦٩).
(٣) المدونة (١/ ٢٣١ - ٢٣٢)، والجواهر لابن شاس (١/ ٢٢٨)، والمعلم بفوائد مسلم (١/ ٣١٧).
(٤) البخاري (٨٨٦)، ومسلم (٨٦١)، ورواه مالك مرسلا، وأورده المقدسي في عمدة الأحكام بلفظ آخر، وصحح الغلط ابن دقيق العيد في (الإحكام ١/ ٣٣٤)، والزركشي في النكت (١٣٥) واقتصر الحميدي في الجمع بين الصحيحين على: «كان النبي ﷺ يخطب خطبتين يقعد بينهما» وهو لفظ البخاري (٩٢٨)، وانظر: تحقيق العمدة لنظر محمد الفاريابي (ص ٢١٤).
[ ٢ / ٥٢٢ ]
كان رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر يوم الجمعة، استقبل الناس بوجهه فقال: «السلام عليكم، ويحمد الله ويثني عليه، ويقرأ سورة، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، ثم ينزل وكان أبو بكر وعمر يفعلانه (^١).
ويشترط في الخطبة أن تكون جهرا وسرها لغو قال جابر بن سمرة ﵁: كنت أصلي مع رسول الله ﷺ، فكانت صلاته قصدا، وخطبته قصدا» (^٢) وقال جابر ﵁: كان رسول الله ﷺ يخطب الناس، يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: «من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله» (^٣)، ولا يمكن معرفة ما يقول إلا إذا كان ذلك جهرا، وهل يشترط في صحتهما الطهارة قولان مشهوران، المشهور منهما أنه لا يشترط فيها الطهارة غايته أنه خلاف الأولى «لأن النبي ﷺ كان يخطب ثم يصلي ولم يثبت أنه فصل بينهما بطهارة» والله أعلم (^٤).
(ويتوكأ)؛ أي: يعتمد (الإمام) في قيامه لخطبته (على قوس أو عصا) على جهة الاستحباب ويكون ما يتوكأ عليه بيده اليمنى لما روى الحكم بن حزن الكلفي، قال: «وفدت إلى رسول الله ﷺ سابع سبعة - أو تاسع تسعة - فدخلنا عليه، فقلنا: يا رسول الله، زرناك فادع الله لنا بخير، فأمر بنا، أو أمر لنا بشيء من التمر، والشأن إذ ذاك دون، فأقمنا بها أياما شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله ﷺ، فقام متوكئا على عصا، أو قوس، فحمد الله وأثنى عليه، كلمات خفيفات طيبات مباركات» (^٥) ورجح بعضهم العصا (ليطمئن بها)،
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٩٣٣)، وابن أبي شيبة (٢/ ١١٤).
(٢) أخرجه مسلم (٨٦٦)، وأبو داود (١/ ٢٥٢)، والترمذي (٥٠٩).
(٣) رواه مسلم (٥٩٣/ ٢)، والنسائي كما في المجتبى (٣/ ١٥٣).
(٤) التوضيح على جامع الأمهات لخليل (٢/ ٤٤٧) تحقيق: وليد الحمدان، وانظر: الذخيرة (٢/ ٣٤٣)، ومواهب الجليل على المختصر (٢/ ١٧٧)، ونقل ابن العربي في القبس (١/ ٢٧٤) عدم اشتراطها في الخطبة عن العلماء وأقر القول على ذلك.
(٥) رواه أبو داود (١/ ٢٥١)، وأحمد في المسند (٤/ ٢١٢).
[ ٢ / ٥٢٣ ]
وقيل: حتى لا يعبث (^١).
(ويجلس في أولها)؛ أي: الخطبة (وفي وسطها) كما في حديث جابر بن سمرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ كان يخطب قائما، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائما، فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة» (^٢)، وحديث ابن عمر ﵄: «كان رسول الله ﷺ يخطب الخطبتين وهو قائم يفصل بينهما بجلوس» (^٣).
واختلف في هذا وفي القيام لها. قال المازري: إن القيام لها واجب شرطا (^٤)، وقيل: سنة فإن خطب جالسا صحت وأساء.
وقال القاضي أبو بكر ابن العربي: الجلستان القيام لهما واجبان، وهو مقتضى القول بحمل أفعاله ﵊ على الوجوب (^٥).
وحاصل الكلام أن كلا من الجلوسين الأول والثاني سنة على المشهور ومقدار الجلوس الوسط مقدار الجلوس بين السجدتين والأصل فيما ذكر استمرار العمل على ذلك في جميع الأمصار والأعصار منذ زمانه إلى هلم جرا.
وأخذ من قوله: (وتقام الصلاة عند فراغها) اشتراط اتصال الصلاة بالخطبة ويسير الفصل عفو، بخلاف كثيره، وهو الذي كان يفعله ﷺ والثابت عنه في صلاة الجمعة، ويجب على سبيل الشرطية أن يكون إمام الصلاة هو الخطيب، فإن طرأ ما يمنع إمامته كحدث أو رعاف فإن كان الماء قريبا يجب انتظاره، وإن كان بعيدا فإنه يستخلف اتفاقا. وكذلك عند مالك في القريب وحيث يستخلف فإنه يندب استخلاف من حضر الخطبة، ولو مسافرا على الأصح.
_________________
(١) التوضيح على جامع الأمهات لخليل (٢/ ٤٥١)، وانظر: الذخيرة (٢/ ٣٤٢).
(٢) أي: ما بين الصلوات الخمس والجمعة. والحديث أخرجه مسلم (٨٦٢)، وأبو داود (١٠٩٥).
(٣) أخرجه البخاري (١/ ٢٣٣ و٢٣٦)، ومسلم (٣/ ٩)، والنسائي (١/ ٢٠٩) واللفظ له.
(٤) المعلم بفوائد مسلم (١/ ٣١٧).
(٥) انظر: الجواهر (١/ ٢٢٨)، والتوضيح (٢/ ٤٤٨).
[ ٢ / ٥٢٤ ]
• صفة صلاة الجمعة:
انتقل يتكلم على صفة صلاة الجمعة فقال: (ويصلي الإمام ركعتين) إجماعا قاله ابن المنذر وعن عمر ﵁ أنه قال: «صلاة الجمعة ركعتان … تمام غير قصر على لسان محمد ﷺ» (^١).
فإن زاد عمدا بطلت، وإن زاد سهوا فتجري على حكم الزيادة في الصلاة، ولا بد أن ينوي الإمام الإمامة وإلا لم تجز ويستحب تعجيلها في أول الوقت.
قال بهرام: لم يختلف أحد أن أوله زوال الشمس والمشهور امتداده إلى الغروب.
وصفة القراءة في ركعتي الجمعة أنه (يجهر فيهما بالقراءة) إجماعا (يقرأ في الركعة الأولى) بعد الفاتحة (ب) سورة (الجمعة) واعترض ابن عمر الأنفاسي على قوله: (ونحوها) بأن القراءة فيها بسورة الجمعة مستحبة لما تضمنته من أحكام الجمعة، ولأن النبي ﷺ كان يقرؤها في أول ركعة، ويجاب عن المصنف بأن غرضه الرد على من قال: إنه ﵊ لم يقرأ في الجمعة إلا بها.
ففي مسلم عن النعمان بن بشير ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين، وفي الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية»، قال: «وإذا اجتمع العيد والجمعة، في يوم واحد، يقرأ بهما أيضا في الصلاتين» (^٢) فلا اعتراض على المصنف (و) يقرأ (في) الركعة (الثانية ب) سورة ﴿هل أتنك حديث الغشية﴾ ونحوها؛ أي: أن المندوب في الركعة الأولى «الجمعة»، وفي الثانية إما ب «هل أتاك، أو سبح، أو المنافقون». ولما روي عن عبيد الله بن أبي رافع قال: «صلى لنا أبو هريرة الجمعة. فقرأ بعد
_________________
(١) رواه الإمام أحمد (٢٥٧)، والنسائي (١٤١٩)، وابن ماجه (١١١٦)، وقال الألباني: صحيح، كما في الإرواء (٦٣٨)، وصحيح وضعيف ابن ماجه (١٠٦٣/ ١٠٦٤).
(٢) رواه مسلم (٨٧٨).
[ ٢ / ٥٢٥ ]
سورة الجمعة في الركعة الآخرة: ﴿إذا جاءك المنافقون﴾. قال فأدركت أبا هريرة حين انصرف. فقلت له: إنك قرأت بسورتين كان علي بن أبي طالب يقرأ بهما بالكوفة. فقال أبو هريرة: إني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بهما يوم الجمعة» (^١). وإن قرأ في الثانية بالغاشية فحسن، فإن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير ﵁: «ماذا كان يقرأ به رسول الله ﷺ يوم الجمعة على إثر سورة الجمعة قال كان يقرأ ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ [الغاشية: ١]» (^٢)؛ وقال مالك: أما الذي جاء به الحديث هل أتاك حديث الغاشية مع سورة الجمعة والذي أدركت عليه الناس بسبح اسم ربك الأعلى.
(ويجب السعي إليها على من في المصر) اتفاقا إذا وجدت فيه شروط الجمعة لما تقدم.
(و) كذا يجب على (من) هو خارج عن المصر إذا كان (على ثلاثة أميال منه)؛ أي: من المصر وهو المشهور، لأن التحديد بالثلاثة أميال للسماع، والسماع إنما هو من المنار وظاهر قوله: (فأقل) أن الثلاثة أميال تحديد فلا يجب على من زاد عليها ولو قلت الزيادة وهو مذهب أشهب، والمعتمد رواية ابن القاسم أن الثلاثة تقريب فيجب على من زاد عليها زيادة يسيرة بنحو الربع أو الثلث لحديث عائشة ﵄ قالت: «كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم من العوالي، فيأتون في العباء، ويصيبهم الغبار، فتخرج منهم الريح، فأتى رسول الله ﷺ إنسان منهم وهو عندي، فقال رسول الله ﷺ: لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا» (^٣).
والعوالي هي القرى المجتمعة حول المدينة من جهة نجدها؛ قال الزهري: «وهي على ميلين أو ثلاثة (^٤)؛ وكان أنس ﵁ في قصره أحيانا
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨٧٧).
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢٤٥)، ومسلم (٢٠٦٥).
(٣) رواه البخاري (٩٠٢)، ومسلم (١٩٥٥).
(٤) الفتح (٢/ ٣٦).
[ ٢ / ٥٢٦ ]
يجمع، وأحيانا لا يجمع، وهو بالزاوية على فرسخين» (^١)، قال مالك: ولم يبلغني أن شهودها يجب على أحد أبعد من ذلك.
والزاوية: موضع ظاهر البصرة معروف، كانت فيه وقعة كبيرة بين الحجاج وابن الأشعث - وقوله على فرسخين؛ أي: من البصرة (^٢).
ثم أشار إلى بعض شروط الجمعة فقال: (ولا تجب على مسافر) اتفاقا لأن النبي ﷺ كان يسافر فلا يصلي الجمعة في سفره، وكان في حجة الوداع بعرفة يوم جمعة فصلى الظهر والعصر وجمع بينهما، ولم يصل جمعة، ولحديث طارق بن شهاب عند أبي داود والبيهقي سيأتي، ولفعل الخلفاء الراشدين الله ﵃ فقد كانوا يسافرون في الحج وغيره فلم يصل أحد منهم الجمعة في سفره، وكذلك غيرهم من أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم.
وقد قال إبراهيم: «كانوا يقيمون بالري السنة وأكثر من ذلك، وبسجستان السنين لا يجمعون ولا يشرقون» (^٣)، وعن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: «أقمت معه سنين بكابل (^٤) يقصر الصلاة، ولا يجمع» (^٥).
وأقام أنس بنيسابور سنة أو سنتين فكان لا يجمع ذكره ابن المنذر، وهذا إجماع مع السنة الثابتة فلا يسوغ مخالفته.
(ولا على أهل منى) غير ساكنيها، وأما ساكنوها فتجب عليهم إذا كان فيهم عدد تنعقد بهم الجمعة كانوا حجاجا أو لا، قلت: وفي كونهم حجاج نظر.
(و) كذلك (لا) تجب الجمعة (على عبد) على المشهور ومقابله أنها
_________________
(١) رواه البخاري معلقا، باب: من أين تؤتى الجمعة، وعلى من تجب.
(٢) قال ياقوت في معجم البلدان (٣/ ١٢٨): موضع قرب المدينة، والذي يظهر أنه قرب مدينة البصرة وليس المقصود المدينة النبوية، والله أعلم.
(٣) أي: لا يصلون العيد لكونه بعد الشروق. أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٢/ ١٠٤)، وإسناده صحيح.
(٤) كابل: عاصمة الأفغان معروفة.
(٥) ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٤١٦).
[ ٢ / ٥٢٧ ]
واجبة على العبد إذا أسقط السيد حقه (ولا على امرأة ولا) على (صبي) اتفاقا فيهما لحديث طارق بن شهاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض» (^١)، وقال وطارق (^٢) رأى النبي ﷺ ولم يسمع منه. اه. وزاد البيهقي في رواية له من شواهد الحديث: «أو مسافر» (^٣)، ولكن إذا حضر أحدهم لزمته، وأجزأت عن ظهر يومه.
وهو الذي نبه عليه بقوله: (وإن حضرها عبد أو امرأة أو مسافر فليصلها)؛ يعني: وتجزئه عن الظهر، وأما المرأة فكذلك يجزئها اتفاقا وصلاتها في بيتها أفضل لها لقول النبي ﷺ: «لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن» (^٤)، وأما المسافر فتجزئه عند مالك، ولما ذكر أن المرأة إذا حضرتها تصليها بين موقفها بقوله: (وتكون النساء خلف صفوف الرجال) لتواتر الفعل في زمن النبوة والخلفاء الراشدين ولقوله ﷺ: «خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها» (^٥)، ولما أوهم كلامه أن المرأة تخرج إلى الجمعة مطلقا شابة أو غيرها رفع ذلك التوهم بقوله: (ولا تخرج إليها)؛ أي: إلى صلاة الجمعة (الشابة) وهذا النهي على جهة الكراهة خشية الافتتان بها، إلا أن تكون فائقة في الجمال فيحرم خروجها، وفهم من كلامه أن المتجالة تخرج إليها؛ أي: جوازا بمعنى خلاف الأولى، والأولى لها صلاتها في بيتها.
_________________
(١) أبو داود (١٠٥٤).
(٢) قال النووي في الخلاصة: وهو غير قادح في صحته فإنه يكون مرسل صحابي، وهو حجة والحديث على شرط الصحيحين. انظر: نصب الراية (١/ ١٩٩). وقد قال الإمام البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢٦١): هذا الحديث وإن كان فيه إرسال فهو مرسل جيد، فطارق من خيار التابعين وممن رأى النبي ﷺ وإن لم يسمع منه، ولحديثه شواهد اهـ.
(٣) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢٦١).
(٤) رواه أبو داود (١/ ١٣٤)، وأصله في مسلم دون زيادة «وبيوتهن خير لهن».
(٥) أخرجه مسلم (١/ ٣٢٦) رقم (٤٤٠)، وأبو داود (١/ ١٨١) رقم (٦٧٨).
[ ٢ / ٥٢٨ ]
• ما ينبغي أن يكون عليه حال من حضر الخطبة:
انتقل يتكلم على شيئين واجبين كان المناسب ذكرهما عند الكلام على الخطبة لأنهما يتعلقان بها أحدهما أشار إليه بقوله:
(وينصت) بالبناء للمفعول؛ أي: يجب الإنصات وهو السكوت على كل من شهد الجمعة (ل) أجل سماع (الإمام) وهو (في) حال (خطبته) الأولى والثانية وفي الجلوس بينهما لقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ [الأعراف: ٢٠٤] قال القرطبي: قيل: إنها نزلت في الخطبة، قاله سعيد بن جبير وآخرون، قال: وهذا ضعيف، لأن القرآن فيها قليل، والإنصات يجب في جميعها، قاله ابن العربي (^١).
ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إذا قلت لصاحبك: أنصت، يوم الجمعة، والإمام يخطب، فقد لغوت» (^٢)، وعليه أن ينصت سواء سمع الخطبة أو لم يسمعها، سب الإمام من لا يجوز سبه، أو مدح من لا يجوز مدحه (^٣).
وقال ابن حبيب: يجوز الكلام إذا تكلم الإمام بما لا يجوز وصوبه اللخمي (^٤). واقتصر عليه صاحب «المختصر»، وكان سعيد بن جبير، والنخعي، والشعبي، وإبراهيم بن مهاجر (^٥)، وأبو بردة يتكلمون والحجاج يخطب، وقال بعضهم: إنا لم نؤمر أن ننصت لهذا (^٦)، ولا يشمت عاطسا،
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٧/ ٣٥٣).
(٢) أخرجه مالك (١/ ١٠٣) رقم (٢٣٢)، والبخاري (١/ ٣١٦) رقم (٨٩٢)، ومسلم (٢/ ٥٨٣) رقم (٨٥١).
(٣) المدونة (١/ ٢٣٠)، والمعونة (١/ ٣٠٨)، والتوضيح (٢/ ٤٥٤)، والبيان والتحصيل (١٨/ ٤٦): يجب بدخوله رحاب المسجد.
(٤) تنوير المقالة للتتائي (٢/ ٤٦٥).
(٥) إبراهيم بن مهاجر بن جابر البجلي، أبو إسحاق الكوفي (والد إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر) من صغار التابعين روى له: (مسلم - أبو داود - الترمذي - النسائي - ابن ماجه).
(٦) الأوسط لابن المنذر (١٧٦٣).
[ ٢ / ٥٢٩ ]
وإذا عطس هو حمد الله سرا في نفسه، روي نحو ذلك عن ابن عمر، وقال مالك أنه بلغه أن رجلا عطس يوم الجمعة والإمام يخطب، فشمته إنسان إلى جنبه، فسأل عن ذلك سعيد بن المسيب، فنهاه عن ذلك، وقال لا تعد (^١)، ولا يسلم ولا يرد سلاما ولو بالإشارة، وجوزها ابن عبد البر فقال: إلا أن يرد إشارة كما يرده في الصلاة. اه (^٢). وقال مالك كما في «العتبية»: ولا يشرب الماء والإمام يخطب، ولا يدور على الناس يسقيهم حينئذ (^٣).
(ويستقبله الناس)؛ يعني: أن الناس يستقبلون الإمام في حال خطبته؛ أي: يستقبلون جهته وذاته، لما روى عدي بن ثابت، عن أبيه، قال: كان النبي ﷺ «إذا قام على المنبر، استقبله أصحابه بوجوههم» (^٤). وعن سعيد بن المسيب أنه كان يستقبل هشام بن إسماعيل إذا خطب فوكل به هشام شرطيا يعطفه إليه.
قال مالك (^٥): السنة عندنا أن يستقبل الناس الإمام يوم الجمعة، إذا أراد أن يخطب من كان منهم يلي القبلة وغيرها.
(والغسل لها)؛ أي: لصلاة الجمعة (واجب) وجوب السنن؛ يعني: أنه سنة مؤكدة ووقته قبل صلاة الجمعة، لحديث سمرة بن جندب له قال: قال رسول الله ﷺ: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل» (^٦).
قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى (^٧): «وفي هذا ما يدل على أن غسل
_________________
(١) الموطأ (٢٣٦)، وانظر: المدونة (١/ ٢٣٠).
(٢) الاستذكار (٥/ ٤٦).
(٣) البيان والتحصيل (١/ ٣٢٢).
(٤) رواه ابن ماجه (١١٣٦)، وقال في الزوائد: رجال إسناده ثقات إلا أنه مرسل، وقال الألباني: «صحيح». حديث رقم (٤٧٦٢) في صحيح الجامع.
(٥) الموطأ (٢٩٧)، وانظر: الاستذكار (٢/ ٥٠) (٨ باب: الهيئة وتخطي الرقاب واستقبال الإمام يوم الجمعة).
(٦) رواه أبو داود (٣٥٤)، والترمذي (٤٩٧)، والنسائي (٣/ ٩٤)، وغيرهم.
(٧) الاستذكار لابن عبد البر (٢/ ١١) - (١٣)، ط: الباز الأولى.
[ ٢ / ٥٣٠ ]
الجمعة فضيلة لا فريضة. فلم يبق إلا أنه على الندب؛ وقد أجمع العلماء على أن صلاة من شهد الجمعة على وضوء دون غسل جائزة ماضية». اهـ.
ولا بد من اتصاله بالرواح إلى الجمعة على المشهور لحديث أبي هريرة ﵁ أن عمر ﵁ قال عن النبي ﷺ: «إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل» (^١)، قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: في الحديث دليل على تعليق الأمر بالغسل بالمجيء إلى الجمعة، واستدل به لمالك في أنه يعتبر أن يكون الغسل متصلا بالذهاب والرواح بعد الزوال، وقال ابن وهب: إن اغتسل بعد الفجر أجزأه، وإن لم يتصل رواحه بغسله (^٢)؛ وصفته كصفة غسل الجنابة لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة …» (^٣)؛ أي: غسلا كغسل الجنابة في صفته.
ولو نواه مع غسل الجنابة صح بشرط تقديم نية الجنابة على الجمعة، وهل غسل الجمعة تعبد فيحتاج للنية، أم للنظافة من الروائح؟ فلا يفتقر على النية قولان (^٤).
(والتهجير)؛ أي: الذهاب إلى الجمعة وقت الهاجرة (حسن)؛ أي: مستحب، لأن النبي ﵃ والصحابة ﵁ كانوا يفعلون ذلك؛ أي: يأتون المسجد في هذا الوقت، وأول أجزائه الساعة السادسة المعنية في قوله ﵊ كما في حديث أبي هريرة ﵁: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح، فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» (^٥).
_________________
(١) البخاري (٨٨٢).
(٢) جامع الأمهات (١ - ١٢٤).
(٣) مالك في الموطأ (١/ ٢٩٥)، والبخاري (٩٢٩)، ومسلم (١٩٦١).
(٤) تنوير المقالة (٢/ ٤٦٧ - ٤٦٨) بتصرف.
(٥) رواه مالك (١/ ٢٩٥)، والبخاري (٩٢٩)، ومسلم (١٩٦١).
[ ٢ / ٥٣١ ]
(وليس ذلك في أول النهار) وأما في أول النهار قال الشارح: فمكروه لأن النبي ﵊ لم يفعله ولا فعله أحد من أصحابه.
وليأخذ من شاربه، وأظفاره، وينتف إبطه، ويحد عانته، إن احتاج لذلك.
(وليتطيب لها)؛ أي: للجمعة استحبابا، لحديث أبي سعيد ﵁ قال: «أشهد على رسول الله ﷺ أنه قال: «الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستن (^١)، وأن يمس طيبا إن وجد»» (^٢).
(ويلبس أحسن ثيابه) غير ثياب مهنته، فالتجمل بجميل الثياب من آداب اليوم والأفضل الأبيض، فقد روى مالك عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: «ما على أحدكم لو اتخذ ثوبين لجمعته، سوى ثوبي مهنته» (^٣) قال ابن عبد البر (^٤): وفي هذا الحديث الندب لكل من وجد سعة أن يتخذ الثياب الحسان للأعياد والجمعات، ويتجمل بها. اهـ.
(وأحب إلينا)؛ أي: المالكية (أن ينصرف) مصلي الجمعة (بعد فراغها)؛ أي: بعد الفراغ مما يتصل بها من تسبيح وغير ذلك لقول الحق ﷻ: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ [الجمعة: ١٠] والانتشار مندوب بعد الصلاة.
• حكم النافلة قبل، وأثناء، وبعد الجمعة:
(ولا يتنفل في المسجد)؛ أي: من الآداب أن من صلى الجمعة ينصرف بعد الصلاة ولا يتنفل في المسجد، لما روى ابن عمر ﵄: «أن النبي ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين» (^٥)، وفي لفظ لمسلم: «فكان لا
_________________
(١) يستن من الاستنان، وهو ذلك الأسنان بالسواك أو غيره.
(٢) رواه مالك في الموطأ (١/ ٣٠٢)، والبخاري (٨٨٠)، ومسلم (١٩٥).
(٣) رواه مالك في الموطأ (١/ ٣٢٨)، وأبو داود (١٠٧٨)، وابن ماجه (١٠٩٦)، «سو ثوبي مهنته»؛ أي: بذلته وخدمته، الزرقاني (١/ ٣٢٩).
(٤) التمهيد (١٠/ ٢٩٦)، والاستذكار (٢/ ٤٨)، قال: والحديث مرسل منقطع يتصل من وجوه حسان.
(٥) البخاري (٨٩٥)، ومسلم (٨٨٢).
[ ٢ / ٥٣٢ ]
يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلي ركعتين في بيته» (^١).
هذا حكم التنفل بعدها، وأما قبلها فيباح للمأموم دون الإمام؛ أي: يندب وإلى الأول أشار بقوله: (وليتنفل)؛ يعني: المأموم في المسجد (إن شاء قبلها)؛ أي: قبل صلاة الجمعة ما لم يجلس الإمام على المنبر فإذا جلس فإنه لا يتنفل، بل إذا خرج للخطبة فإنه لا يتنفل؛ لما روى ثعلبة بن أبي مالك (^٢): «أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب ﵁ يوم الجمعة يصلون حتى يخرج عمر، فإذا خرج عمر، وجلس على المنبر، وأذن المؤذنون، [قال ثعلبة] جلسنا نتحدث، حتى إذا سكت المؤذنون، وقام عمر يخطب، أنصتنا، فلم يتكلم منا أحد»، قال ابن شهاب: فخروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام. اه. وهذا يدل على شهرة الأمر بينهم.
وإذا دخل عليه وهو في أثناء التنفل خفف.
(ولا يفعل ذلك الإمام)؛ أي: التنفل قبل صلاة الجمعة في المسجد؛ أي: يكره ذلك للإمام لما صح أنه ﷺ لم يكن يصلي قبل الجمعة شيئا. قال ابن عمر الأنفاسي: وظاهر كلام الشيخ أن ذلك عام اتسع الوقت أم لا، وليس هو على ظاهره، وإنما يعني به عند دخوله للخطبة دل عليه قوله: (وليرق)؛ أي: يصعد (المنبر كما يدخل)؛ أي: وقت دخوله مريدا الخطبة وهو بعد الزوال، وأما إذا جاء قبل الزوال أو بعده ولم يرد أن يخطب بأن لم تحضر الجماعة فقال ابن حبيب: يجوز له أن يتنفل ويسلم على الناس حين دخوله، ولا يسلم إذا صعد على المنبر (^٣)، أي: يكره كراهة مذهبية لا شرعية.
قلت: روى البيهقي عن نافع عن ابن عمر قال «كان رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر يوم الجمعة، استقبل الناس بوجهه ثم سلم» (^٤)؛ والأمر واسع إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) مسلم (٨٨٢).
(٢) الموطأ (٢٧٦).
(٣) المسالك (٢/ ٤٤٤)، وانظر: النوادر والزيادات (١/ ٤٧١).
(٤) رواه ابن ماجه (١١٠٩)، وفي إسناده ابن لهيعة، وحسنه الألباني، أخرجه البيهقي
[ ٢ / ٥٣٣ ]
ومن الآداب المستحبة قص الشارب والأظفار ونتف الإبط والاستحداد إن احتاج والسواك والمشي لما ورد في ذلك من الأخبار لحديث سنن الفطرة.
_________________
(١) = (٥٧٤٢)، وابن أبي شيبة (٥١٩٥)، قال العيني في عمدة القاري شرح صحيح البخاري (٦/ ٢٢١): هذا مرسل فلا يحتج به عندهم، وقال عبد الحق في «الأحكام الكبرى»: هو مرسل، وإن أسنده أحمد من حديث عبد الله بن لهيعة فهو معروف في الضعفاء، فلا يحتج به. وقال البيهقي: الحديث ليس بقوي.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
باب في صلاة الخوف
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وصلاة الخوف في السفر إذا خافوا العدو أن يتقدم الإمام بطائفة، ويدع طائفة مواجهة العدو، فيصلي الإمام بطائفة ركعة، ثم يثبت قائما، ويصلون لأنفسهم ركعة ثم يسلمون فيقفون مكان أصحابهم، ثم يأتي أصحابهم فيحرمون خلف الإمام، فيصلي بهم الركعة الثانية ثم يتشهد ويسلم، ثم يقضون الركعة التي فاتتهم وينصرفون.
هكذا يفعل في صلاة الفرائض كلها إلا المغرب، فإنه يصلي بالطائفة الأولى ركعتين وبالثانية ركعة.
وإن صلى بهم في الحضر لشدة خوف صلى في الظهر والعصر والعشاء بكل طائفة ركعتين.
ولكل صلاة أذان وإقامة.
وإذا اشتد الخوف عن ذلك صلوا وحدانا بقدر طاقتهم مشاة أو ركبانا، ماشين أو ساعين، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها).
الشرح
(باب) في بيان صفة (صلاة الخوف) وأنها واجبة وجوب السنن، وقال ابن المواز: إنها رخصة، واقتصر عليه صاحب المختصر لصدق الرخصة عليها، وهي مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع.
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلوة﴾ [النساء: ١٠٢].
قال القرطبي رحمه الله تعالى: «هذه الآية خطاب للنبي ﷺ، وهو يتناول
[ ٢ / ٥٣٥ ]
الأمراء بعده إلى يوم القيامة» (^١).
وأما السنة: فثبت أن النبي ﷺ كان يصلي صلاة الخوف، وجمهور العلماء متفقون على أن حكمها باق بعد النبي ﷺ. فمن ذلك ما رواه مالك عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات عمن صلى مع رسول الله ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف:
«أن طائفة صلت مع النبي ﷺ وطائفة وجاء العدو فصلى بالذي معه ركعة ثم ثبت قائما وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم» (^٢).
وأما الإجماع فإن الصحابة ﷺ أجمعوا على صلاة الخوف (^٣) فروي أن عليا ﵁ صلاة الخوف ليلة الهرير (^٤)؛ وصلى أبو موسى الأشعري صلاة الخوف بأصحابه (^٥)، وغيرهم.
وتفعل في السفر والحضر جماعة وفرادى، وهذا إنما يظهر في صلاة الالتحام.
• صفة صلاة الخوف في السفر:
بدأ بالكلام على صفتها في السفر جماعة لأن الخوف غالبا إنما يكون
_________________
(١) تفسير القرطبي (٥/ ٣٦٤).
(٢) رواه مالك في الموطأ (٤٤٠)، والبخاري (٣٩٠٠)، ومسلم (٨٤٢).
(٣) وممن حكى الإجماع ابن قدامة في المغني (٣/ ٢٩٦ - ٢٩٧)، والنووي في المجموع شرح المهذب (٤/ ٤٠٤ - ٤٠٥)، وابن عبد البر في الاستذكار (٧/ ٦٥) (٧/ ٧٩).
(٤) سنن البيهقي (٣/ ٢٥٢)، باب: الدليل على ثبوت صلاة الخوف وأنها لم تنسخ من كتاب صلاة الخوف، وانظر: خبرها في تاريخ الطبري (٥/ ٤٧). سميت ليلة من الليالي صفين التي التقى فيها علي بمعاوية ﵄ بليلة الهرير، انظر: الأخبار الطوال (١/ ١٨٨).
(٥) المرجع السابق، وابن أبي شيبة في مصنفه (٢/ ٤٠٠)، باب: في صلاة الخوف كم هي؟ من كتاب الصلوات.
[ ٢ / ٥٣٦ ]
في السفر فقال: (وصلاة الخوف)؛ أي: وصفتها (في) حال (السفر) أن المسلمين (إذا خافوا العدو)؛ أي: اعتقدوا ضرر العدو أو ظنوا ذلك، والظن كالعلم (^١)، والمراد بهم الكفار لأن قتالهم وهو محل الرخصة وقاسوا عليه قتال المحاربين (أن يتقدم الإمام بطائفة ويدع طائفة مواجهة للعدو) وذلك لقوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورابكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا﴾ [النساء: ١٠٢].
وظاهر كلام المصنف كالمختصر (^٢) كان العدو في جهة القبلة أو لا، وهو كذلك، ولا يشترط تساوي الطائفتين في القسمة خلافا لمن شرط ذلك، والصحيح أن يكون كل طائفة عندها قدرة على العدو وتقاومه، فإن كان العدو يقاوم بالنصف قسمهم نصفين، وإن كان يقاوم بالثلث صلى بالثلث الركعة الأولى وبالثلثين الركعة الثانية، وعلى الإمام أن يعلم الناس كيفيتها قبل أن يشرعوا في الصلاة خوفا من التخليط لعدم إلف أكثر الناس لها (^٣)، (ف) بعد ذلك (يصلي الإمام بطائفة ركعة ثم يثبت قائما)؛ أي: بالطائفة فهم مؤتمون به إلى أن يستقل ثم يفارقونه فإذا أحدث عمدا قبل استقلاله بطلت عليهم، أو سهوا أو غلبة استخلف هو أو هم وهو مخير بعد استقلاله قائما بين القراءة والدعاء والسكوت (و) أما الطائفة التي صلت معه ركعة فإنهم (يصلون لأنفسهم ركعة ثم يسلمون ف) يذهبون (يقفون مكان أصحابهم) مواجهة العدو (ثم يأتي أصحابهم فيحرمون خلف الإمام فيصلي بهم الركعة الثانية ثم يتشهد) الإمام (ويسلم) على المشهور، ومقابله لا يسلم بل يشير للطائفة
_________________
(١) ابن الحاجب في جامع الأمهات (١/ ١٢٥).
(٢) المختصر (٤٧).
(٣) التوضيح على جامع الأمهات لخليل (٢/ ٤٨٤).
[ ٢ / ٥٣٧ ]
الثانية فتقوم للركعة الثانية التي بقيت عليهم فيصلونها ويسلم بها فتدرك معه الثانية السلام كما أدركت الأولى الإحرام، وعلى المشهور من أن الإمام يسلم ولا ينتظر الطائفة الثانية الذين صلوا معه ركعة أنهم يفارقون الإمام (ثم يقضون الركعة الأولى التي فاتتهم) معه (وينصرفون) وقوله: (وهكذا يفعل في صلاة الفرائض كلها) توطئة لقوله: (إلا المغرب فإنه)؛ أي: الإمام (يصلي بالطائفة الأولى ركعتين) ويتشهد فإذا تم تشهده ثبت قائما على المشهور. ويشير إلى الطائفة الأولى بالقيام فإذا قاموا أتموا صلاتهم لأنفسهم، ثم يتشهدون ويسلمون وينصرفون فيقفون في مكان أصحابهم؛ ثم تأتي الطائفة الثانية فيحرمون خلفه (و) يصلي بهم؛ أي: (ب) الطائفة (الثانية ركعة) ثم يتشهد ويسلم ثم يقضون لأنفسهم الركعتين اللتين فاتتهم بالفاتحة وسورة، ثم ينصرفون وهذه الصفة التي ذكرها الشيخ هي المشهورة من قول مالك وصحح فعلها عن النبي ﷺ.
ولها شرطان: الأول: أن يكون القتال جائزا؛ أي: مأذونا فيه فيشمل الواجب كقتال أهل الشرك، والبغي، والمباح كقتال مريد المال من اللصوص (^١)، وأن يكون الذين صلوا مع الإمام يمكنهم الترك فلو كان العدو بحيث لا يقاومه المرصد له لم يجز.
الثاني: إذا انقطع الخوف في أثناء الصلاة أتموا على صفة الأمن، وإن حصل الأمن بعد الصلاة لا إعادة عليهم.
هذه صفة صلاة الخوف في السفر قال أبو عمر (^٢): وأما مالك وسائر أصحابه غير أشهب فإنهم كانوا يذهبون في صلاة الخوف إلى حديث سهل ابن أبي حثمة وهو ما رواه مالك عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات الأنصاري أن سهل بن أبي حثمة حدثه: «أن صلاة الخوف، أن يقوم الإمام ومعه طائفة من أصحابه. وطائفة مواجهة العدو.
_________________
(١) جامع الأمهات لابن الحاجب (١/ ١٢٥).
(٢) التمهيد لابن عبد البر (١٥/ ٢٥٨)، ط: السوادي.
[ ٢ / ٥٣٨ ]
فيركع الإمام ركعة، ويسجد بالذين معه. ثم يقوم فإذا استوى قائما، ثبت وأتموا لأنفسهم الركعة الباقية، ثم يسلمون، وينصرفون. والإمام قائم. فيكونون وجاه العدو. ثم يقبل الآخرون الذين لم يصلوا، فيكبرون وراء الإمام، فيركع بهم ويسجد. ثم يسلم، فيقومون فيركعون لأنفسهم الركعة الثانية، ثم يسلمون» (^١).
وقال ابن القاسم وابن وهب وأشهب وغيرهم عن مالك أنه سئل فقيل له: أي الحديثين أحب إليك أن يعمل به، حديث صالح بن خوات، أو حديث سهل بن أبي حثمة؟ فقال: أحب إلي أن يعمل بحديث سهل بن أبي حثمة، يقومون بعد سلام الإمام فيقضون الركعة التي عليهم، ثم يسلمون لأنفسهم.
وقال ابن القاسم: «العمل عند مالك في صلاة الخوف على حديث القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات قال: وقد كان مالك يقول بحديث يزيد بن رومان، ثم رجع إلى هذا». اهـ.
• صفة صلاة الخوف في الحضر:
وأما صفتها في الحضر فأشار إليها بقوله: (وإن صلى) الإمام (بهم)؛ أي: بمن معه في الحضر لشدة خوف صلى بهم (في الظهر والعصر والعشاء بكل طائفة ركعتين) على المشهور في إقامتها في الحضر (ولكل صلاة) مما تقدم في السفر والحضر جماعة (أذان وإقامة)، لأن كل صلاة فرض مجتمع لها في السفر مطلقا وفي الحضر إن طلبت غيرها أذان وإقامة.
• كيفية صلاة الخوف حال اشتداد الخوف والمسايفة:
أشار رحمه الله تعالى إلى صفة صلاة الخوف فرادى فقال: (وإذا اشتد الخوف عن ذلك)؛ أي: عن صلاة الجماعة على الصفة المتقدمة (صلوا
_________________
(١) الموطأ (٦٣٣)، والبيهقي في السنن (٦٠١٥).
[ ٢ / ٥٣٩ ]
وحدانا)؛ أي: فرادى (بقدر طاقتهم) فإن قدروا على الركوع والسجود فعلوا ذلك، وإن لم يقدروا على شيء من ذلك صلوا إيماء ويكون إيماؤهم للسجود أخفض من الركوع (مشاة)؛ أي: غير راكبين (أو ركبانا) على الخيل والإبل (ماشين)؛ أي: على الهيئة (أو ساعين)؛ أي: جارين (مستقبلي القبلة وغير مستقبليها) ثم لا إعادة عليهم إذا أمنوا لا في الوقت ولا بعده والأصل فيما ذكر قوله تعالى: ﴿فإن خفتم فرجالا أو ركبانا﴾ [البقرة: ٢٣٩] وقوله تعالى: ﴿فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة﴾ [النساء: ١٠٣]، فأمر الله ﷾ أن تصلى الصلاة في وقتها على حسب الحال؛ وفي «الموطأ» قال ابن عمر ﵄: «… فإن كان خوف هو أشد من ذلك، صلوا رجالا قياما على أقدامهم أو ركبانا، مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها» قال مالك: قال نافع: «لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ» (^١).
ولأن عبد الله بن أنيس ﵁ قال: «بعثني رسول الله ﷺ، إلى خالد بن سفيان الهذلي، وكان نحو عرنة وعرفات، فقال: «اذهب فاقتله»، قال: فرأيته وحضرت صلاة العصر، فقلت: إني أخاف أن يكون بيني وبينه ما إن أؤخر الصلاة، فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومي إيماء، نحوه …» (^٢).
• تنبيه:
يجوز في تلك الحالة؛ أعني: حالة اشتداد الخوف مشي كثير، وركض وهو تحريك الرجل، وطعن برمح، ورمي بنبل، وكلام لغير إصلاحها ولو كثر إن احتيج له فيما يتعلق بهم، كتحذير غيره ممن يريده، أو أمره بقتله، وكتسبيح، وافتخار عند الرمي، ورجز إن ترتب على ذلك توهين العدو وإلا لم يكن من المحتاج له (^٣).
_________________
(١) الموطأ (٤٤٢)، والبخاري (٩٤٣)، ومسلم (٨٣٩).
(٢) رواه أبو داود (١٢٥١).
(٣) تنوير المقالة للتتائي (٢/ ٤٨٠ - ٤٨١).
[ ٢ / ٥٤٠ ]
باب في صلاة العيدين
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(باب في صلاة العيدين والتكبير أيام منى.
صلاة العيدين سنة واجبة، يخرج لها الإمام والناس ضحوة بقدر ما إذا وصل حانت الصلاة، وليس فيها أذان ولا إقامة.
فيصلي بهم ركعتين يقرأ فيهما جهرا بأم القرآن وسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، ونحوهما، ويكبر في الأولى سبعا قبل القراءة يعد فيها تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمس تكبيرات لا يعد فيها تكبيرة القيام، وفي كل ركعة سجدتان، ثم يتشهد، ويسلم، ثم يرقى المنبر، ويخطب، ويجلس في أول خطبته ووسطها ثم ينصرف.
ويستحب أن يرجع من طريق غير الطريق التي أتى منها والناس كذلك. وإن كان في الأضحى خرج بأضحيته إلى المصلى فذبحها أو نحرها، ليعلم ذلك الناس فيذبحون بعده.
وليذكر الله في خروجه من بيته في الفطر والأضحى جهرا حتى يأتي المصلى الإمام، والناس كذلك. فإذا دخل الإمام للصلاة قطعوا ذلك.
ويكبرون بتكبير الإمام في خطبته، وينصتون له فيما سوى ذلك.
فإن كانت أيام النحر فليكبر الناس دبر الصلوات: من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الصبح من اليوم الرابع منه وهو آخر أيام منى، يكبر إذا صلى الصبح، ثم يقطع.
[ ٢ / ٥٤١ ]
والتكبير دبر الصلوات: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، وإن جمع مع التكبير تهليلا وتحميدا فحسن، يقول إن شاء ذلك: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر والله الحمد، وقد روي عن مالك هذا، والأول، والكل واسع.
والأيام المعلومات أيام النحر الثلاثة، والأيام المعدودات أيام منى، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر.
والغسل للعيدين حسن وليس بلازم.
ويستحب فيهما الطيب والحسن من الثياب).
الشرح
(باب في) بيان حكم (صلاة العيدين) الفطر والأضحى وفي بيان وقت الخروج إليها وكيفيتها وبيان الطريق التي يرجع منها وبيان ما يفعله وما يقوله عند خروجه إليها (و) في بيان (التكبير) في أيام منى وفي بيان الوقت الذي يوقع فيه التكبير من أيام منى وبيان ما يستحب فعله في يوم العيد.
والعيد: سمي عيدا لأنه يعود كل سنة بفرح مجدد (^١).
• حكم صلاة العيدين:
والأصل في صلاة العيدين الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: ٢] قال قتادة وعطاء وعكرمة: أي: صل لربك صلاة العيد يوم النحر، وانحر نسكك (^٢)، ولقوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى﴾ ﴿وذكر اسم ربه، فصلى﴾ على قول من قال ذلك أنه الغدو لصلاة عيد الفطر والصدقة قبلها كما ذكر شيخ المفسرين الطبري رحمه الله تعالى (^٣). وأما في السنة فستأتي الأحاديث الدالة على ذلك، وأما الإجماع فقد حكاه
_________________
(١) اللسان (٣/ ٣١٩).
(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٢٠/ ٢١٨).
(٣) جامع البيان في تأويل القرآن للطبري (٢٤/ ٣٧٤).
[ ٢ / ٥٤٢ ]
ابن حزم على أنها ليست بفرض (^١).
وابتدأ بحكمها عند المالكية فقال:
(وصلاة العيدين سنة واجبة) لقول رسول الله ﷺ للأعرابي حين ذكر خمس صلوات قال: هل علي غيرهن؟ قال: «لا إلا أن تطوع» (^٢)، ولأنها صلاة ذات ركوع وسجود لم يشرع لها أذان فلم تجب ابتداء بالشرع كصلاة الاستسقاء والكسوف.
ومراد المصنف رحمه الله تعالى: أن كلا منهما سنة مؤكدة، فقوله: واجبة؛ أي: وجوب السنن وهو التأكد، فهي سنة عين في حق من تلزمه الجمعة من حر مكلف … إلخ، ويستحب لغير المكلف بها لأمر الرسول ﷺ أن يصليها العبد والمرأة والصبي لحديث أم عطية ﵂ قالت: «أمرنا رسول الله ﷺ، أن نخرجهن في الفطر والأضحى العواتق، والحيض، وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين، قلت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب، قال: «لتلبسها أختها من جلبابها»» (^٣).
ومن فاتته صلاة العيد مع الإمام فيستحب له أن يصليها منفردا.
• وقت خروج الناس لصلاة العيد ومكان إقامتها:
ثم بين وقت الخروج ومكان إقامتها فقال:
(يخرج لها الإمام والناس ضحوة)؛ يعني: أن وقت الخروج لصلاة العيد للإمام والناس بعد طلوع الشمس بحيث إذا وصلوا إلى المصلى حل وقت الصلاة، لا خلاف في المذهب (^٤)، وهذا لمن قربت داره، وأما من
_________________
(١) مراتب الإجماع (٣٧).
(٢) مالك في الموطأ (٤٢٣)، والبخاري (٤٦)، ومسلم (١١).
(٣) رواه البخاري (٣١٨)، ومسلم (٨٩٠)، وهذا لفظ رواية مسلم.
(٤) التوضيح (٢/ ٥٠٢)، والمعونة (١/ ٣٢٢)، وشرح التلقين (٣/ ١٠٦١ - ١٠٦٢).
[ ٢ / ٥٤٣ ]
بعدت داره فإنه يخرج قبل ذلك بحيث يدرك الصلاة مع الإمام؛ أي: (قدر ما إذا وصل) الإمام وفي رواية بقدر ما إذا وصل (حانت)؛ أي: حان وقتها وجاء وقت حلها؛ أي: حلت (الصلاة) وحلها إذا ارتفعت الشمس قدر رمح أو رمحين من رماح العرب وهو اثنا عشر شبرا بالأشبار المتوسطة وهذا باعتبار رأي العين، وأما باعتبار الحقيقة فقد قطعت الشمس من المسافة ما لا يعلمه إلا الله قال أبو سعيد: «كان رسول الله ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة» (^١).
قال مالك: «مضت السنة أن يخرج الإمام من منزله قدر ما يبلغ مصلاه وقد حلت الصلاة» (^٢).
فأما غيره فيستحب له التبكير والدنو من الإمام ليحصل له أجر التكبير، وانتظار الصلاة، والدنو من الإمام من غير تخطي رقاب الناس، ولا أذى أحد، قال عطاء بن السائب: كان عبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الله بن معقل يصليان الفجر يوم العيد، وعليهما ثيابهما ثم يتدافعان إلى الجبانة، أحدهما يكبر والآخر يهلل، وروي عن ابن عمر «أنه كان لا يخرج حتى تخرج الشمس» (^٣).
وإيقاعها بالمصلى أفضل لفعل ذلك منه ﵊ مع المداومة واستقر على ذلك عمل أهل المدينة، وظاهر قوله في المدونة، ولأنة آخر الأمرين منه ﷺ (^٤)، وقد تقدم حديث أبي سعيد ﵁ في خروجه ﷺ إلى المصلى، وروي عن علي ﵁: «أنه قيل له: قد اجتمع في المسجد ضعفاء الناس وعميانهم فلو صليت بهم في المسجد؟ فقال: أخالف السنة إذا، ولكن نخرج إلى المصلى، واستخلف من يصلي بهم في المسجد أربعا» (^٥).
_________________
(١) رواه البخاري (٩٥٦)، ومسلم (٨٨٩).
(٢) الموطأ، (٧ - باب: غدو الإمام يوم العيد وانتظار الخطبة).
(٣) المغني (٢/ ٢٧٧).
(٤) كما قال خليل في التوضيح على جامع الأمهات لخليل (٢/ ٤٩٩).
(٥) البيهقي في السنن (٣/ ٣١٠)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٨٤).
[ ٢ / ٥٤٤ ]
ويستحب الأكل قبل الغدو إلى المصلى في عيد الفطر دون الأضحى، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات» (^١).
ويستحب الغسل (^٢)، والتطيب، ولبس جديد الثياب إن تيسر، ووسع مالك أن يكون الغسل لها قبل الفجر، وقال ابن حبيب أفضل أوقات الغسل لها بعد صلاة الصبح (^٣).
(وليس فيها أذان ولا إقامة)، لأن النبي ﷺ كان يصلي العيد بدونهما، فعن جابر بن سمرة، قال: «صليت مع النبي ﷺ غير مرة ولا مرتين العيدين بغير أذان، ولا إقامة» (^٤)؛ وليس فيها أيضا على المشهور نداء الصلاة جامعة لما في «الموطأ» عن مالك: أنه سمع غير واحد من علمائهم يقول لم يكن في عيد الفطر ولا في الأضحى نداء ولا إقامة منذ زمان رسول الله ﷺ إلى اليوم؛ قال مالك: «وتلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا» (^٥)، وإنما يبتدئ الإمام الصلاة (فيصلي بهم)؛ أي: بالناس أي بمجرد وصوله المصلى أو المسجد بعد حل النافلة واجتماع الناس (ركعتين) لما في الصحيحين: «أنه صلاها ركعتين» (^٦) وكذلك الخلفاء بعده (يقرأ فيهما جهرا) بلا خلاف (بأم القرآن ﴿والشمس وضحاها﴾ … ﴿وسبح اسم ربك الأعلى﴾ ونحوهما) (^٧) وفي بعض النسخ تقديم سبح على الشمس وضحاها، وهي ظاهرة وقضيته الاقتصار عليهما، وقضية ما
_________________
(١) البخاري (٩٥٣).
(٢) المدونة (١/ ٢٤٥)، والمنتقى (١/ ٣١٥)، والمعونة (١/ ٣٢١).
(٣) التوضيح على جامع الأمهات لخليل (٢/ ٥٠١ - ٥٠٢).
(٤) رواه أبو داود بسند صحيح (١١٤٨)، وأصله في البخاري (٩٥٩)، قال ابن الملقن: وزاد فيه ذكر أبي بكر وعمر أو عثمان، وكذا رواه أحمد عن ابن عباس ﵄ مختصر البدر المنير (ص ٩٦).
(٥) الموطأ (٤٢٥).
(٦) البخاري (٩٦٤)، ومسلم (٨٤٨).
(٧) التوضيح (٢/ ٤٩٦).
[ ٢ / ٥٤٥ ]
في «الموطأ»: «أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الأضحى والفطر ب ﴿ق والقرآن المجيد﴾ ﴿واقتربت الساعة وانشق القمر﴾» (^١)، وفي رواية: «أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الأضحى والفطر في الأولى ب ﴿وسبح اسم ربك الأعلى﴾ وفي الثانية: ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾» (^٢)، وغير ذلك فلعله لم يصحب لقراءتهما عمل أهل المدينة.
(ويكبر في) الركعة (الأولى سبعا قبل القراءة يعد فيها تكبيرة الإحرام و) يكبر (في) الركعة (الثانية) بعد القيام (خمس تكبيرات لا يعد فيها تكبيرة القيام) لما روى كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده ﵁ «أن النبي ﷺ كبر في العيدين في الأولى سبعا قبل القراءة، وفي الآخرة خمسا قبل القراءة» (^٣).
ولا يرفع يديه في شيء من التكبير لا في الأولى ولا في الثانية إلا في تكبيرة الإحرام على المشهور (^٤).
وروي عن مالك في المجموعة: ليس رفع اليدين مع كل تكبيرة سنة، ولا بأس على من فعله، والخلاف هنا كالخلاف في صلاة الجنازة (^٥)، وقد روي عن عمر ﵁: «أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة على الجنازة، وإذا قام من الركعتين» (^٦).
ويكون التكبير متصلا بعضه ببعض إلا بقدر تكبيرة المؤتم فيندب له الفصل بقدره.
وإذا سها الإمام عن تكبيرة صلاة العيد رجع ما لم ينحن للركوع فإذا وضع يديه على ركبتيه فإنه لا يرجع، ومن جاء بعد أن فرغ الإمام من التكبير
_________________
(١) رواه مالك في الموطأ (٤٣٣)، ومسلم (٨٩١).
(٢) شرح معاني الآثار للطحاوي (٢٣٧٣).
(٣) رواه ابن ماجه (١٢٧٧)، والترمذي (٥٣٩)، وقال: هو حديث حسن.
(٤) المدونة (١/ ٢٤٦).
(٥) التوضيح على جامع الأمهات لخليل (٢/ ٤٩٢)، وجامع الأمهات (١٤١).
(٦) رواه البيهقي في السنن (٣/ ٢٩٣)
[ ٢ / ٥٤٦ ]
ووجده يقرأ كبر على المشهور خلافا لابن وهب (^١).
(وفي كل ركعة سجدتين) هكذا رواه بعضهم، وصوابه سجدتان ليكون مبتدأ وخبرا، وقال بعضهم: هو منصوب بفعل مضمر تقديره ويسجد في كل ركعة سجدتين، وما ذكره لا خلاف فيه إذ لا قائل بسجدة واحدة في ركعة (ثم يتشهد)؛ أي: بعد فراغه من السجدتين؛ أي: ويصلي على النبي ﷺ ويدعو وأراد بالتشهد ما يشمل الكل (ويسلم)؛ أي: بعد فراغه من التشهد.
(ثم يرقى)؛ أي: بعد الفراغ من السلام يرقى بفتح الياء (المنبر، ويخطب ويجلس في أول خطبته، ووسطها) أخذ من كلامه أن الخطبة تكون بعد الصلاة فليست خطبة العيد كخطبة الجمعة لا من حيث الوقت، ونص في المختصر على استحباب البعدية؛ يعني: أن حكم كون الخطبة بعد الصلاة الاستحباب لما في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: «إن النبي وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يصلون العيدين قبل الخطبة» (^٢).
وأخذ من قوله يجلس أولها ووسطها أنهما خطبتان أولى وثانية، وقيل بعدم الجلوس في الأولى كما لعبد الملك، وهو مروي عن مالك، لأنه في الجمعة لأجل الأذان وهو هنا مفقود (^٣)، مشتملة؛ أي: الخطبة الشاملة للأولى والثانية على أحكام العيد وما يشرع فيه واجبا ومستحبا (^٤). ودليل الخطبتين ما روى ابن ماجة عن جابر ﵁ قال: «خرج رسول الله ﷺ يوم فطر أو أضحى، فخطب قائما ثم قعد قعدة ثم قام» والحديث ضعيف (^٥).
وأخذ من قوله: ثم يرقى المنبر أنه خطب عليه، وفي المسألة خلاف، فمن قال به استدل بحديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: «قام النبي ﷺ يوم
_________________
(١) جامع الأمهات لابن الحاجب (١٢٧).
(٢) البخاري (٩٦٢)، ومسلم (٨٨٤).
(٣) المعونة (١/ ٣٢٤)، وشرح التلقين (٣/ ١٠٨١)، وتنوير المقالة للتتائي (٢/ ٤٩٩).
(٤) انظر: المدونة (١/ ١٥٦).
(٥) رواه ابن ماجه (١٣٤٨) بإسناد ضعيف، وقال الألباني في ضعيف ابن ماجه: «منكر متنا وسندا والمحفوظ أن ذلك في خطبة الجمعة» (١٢٧٩).
[ ٢ / ٥٤٧ ]
الفطر فصلى، فبدأ بالصلاة، ثم خطب، فلما فرغ نزل، فأتى النساء، فذكرهن وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه يلقي فيه النساء الصدقة» (^١)، قال الحافظ: قوله: «ثم خطب، فلما فرغ نزل» فيه إشعار بأنه ﷺ كان يخطب على مكان مرتفع لما يقتضيه قوله: «نزل» (^٢)، وممن نزع إلى جواز ذلك المالكية كما عند المصنف، والشافعي كما في الأم (^٣)، واستحبه النووي (^٤).
واستدل القائلون بعدم الخطبة على المنبر بما أخرجه أبو داود عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه قال: أخرج مروان المنبر يوم عيد، وبدأ بالخطبة قبل الصلاة، فقام إليه رجل فقال: يا مروان خالفت السنة الحديث. وعليه بوب البخاري «باب الخروج إلى المصلى بغير منبر» (^٥).
(ثم ينصرف)؛ أي: من غير جلوس إذا فرغ من الخطبة إن شاء، وله أن يقيم مكانه ويكره له وللمأمومين التنفل قبلها وبعدها إن أوقعها في الصحراء لما في «الصحيحين» عن ابن عباس ﵄: ﴿خرج النبي ﷺ يوم عيد، فصلى ركعتين لم يصل قبل ولا بعد﴾ (^٦).
وأما إن أوقعها في المسجد فلا يكره له ولا للمأمومين التنفل قبلها ولا بعدها عند ابن القاسم (^٧)، أما قبل فتحية للمسجد، وأما بعد فلعدم المانع (^٨)، لأن الحديث إنما كان في الصحراء.
_________________
(١) البخاري (٩٧٨).
(٢) الفتح (٢/ ٥٤٠).
(٣) الأم للشافعي (١/ ٣٩٤ - ٣٩٧)
(٤) المجموع (٥/ ٢٢ - ٢٣).
(٥) أخرجه أحمد (١١٤٩٢)، وأبو داود (١١٤٢)، وابن ماجه (١٣٣٤)، وانظر: دراسة الأحاديث المتعلقة بذلك في كتاب: تنوير العينين بأحكام الأضاحي والعيدين (٢٢٦ - ٢٤٠) لأبي الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني، مهم.
(٦) البخاري (٩٨٩)، ومسلم (٨٨٤).
(٧) المدونة (١/ ٢٤٧).
(٨) شرح التلقين (٣/ ١٠٨٢)
[ ٢ / ٥٤٨ ]
(ويستحب) للإمام (أن يرجع من طريق غير الطريق التي أتى منها) لما كان من هديه ﷺ في ذلك فعن ابن عمر ﵄: «أن رسول الله ﷺ أخذ يوم العيد في طريق ثم رجع في طريق آخر» (^١).
وأشار بقوله: (والناس كذلك) إلى أنهما متساويان في هذا الطلب فكما يطلب من الإمام الرجوع من طريق آخر غير الذي أتى منه، فكذلك المأمون لما أن الحكمة منوطة بالجميع.
• استحباب إخراج الإمام أضحيته للمصلى:
(وإن كان) خروج الإمام لصلاة العيد (في الأضحى)؛ أي: يوم النحر خرج بأضحيته بتشديد الياء إلى المصلى فذبحها إن كانت مما يذبح (أو نحرها) إن كانت مما ينحر لحديث ابن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يذبح وينحر بالمصلى» (^٢)، وحديث جندب بن عبد الله ﵁ قال: «صلى النبي ﷺ يوم النحر ثم خطب ثم ذبح» (^٣)، وإنما كان كذلك (ل) أجل أن (يعلم الناس ذلك فيذبحون) أو ينحرون (بعده) إذ لا يجوز لهم الذبح قبله أي: قبل صلاة إمامهم وانتهائه من الذبح - فإن ذبح أحد قبله أعاد اتفاقا لقوله ﷺ كما في حديث جندب السابق: «من كان ذبح قبل أن يصلي، فليعد مكانها، ومن لم يكن ذبح، فليذبح باسم الله» (^٤)، فإن لم يخرج الإمام أضحيته إلى المصلى فإنهم يذبحون بعد رجوعه إلى منزله وتجزيهم وإن أخطؤوا في تحريهم بأن ذهبوا قبله.
• التكبير المطلق:
وهو الذي لا يتقيد بشيء فيسن دائما بكرة وأصيلا عند الصلاة قبلها
_________________
(١) رواه أبو داود (١١٥٨)، والترمذي (٥٤٤)، وقال: هذا حديث حسن، وفي لفظ جابر عند البخاري (٩٤٣): «خالف الطريق».
(٢) رواه البخاري (٩٣٩)، وأبو داود (٢٨١٠)
(٣) البخاري (٩٤٢)، ومسلم (١٩٦٠).
(٤) مسلم (١٩٦٠).
[ ٢ / ٥٤٩ ]
وبعدها وفي كل وقت أيام العشر من ذي الحجة والتشريق، وليلة عيد الفطر إلى صلاة العيد، والتكبير المطلق في ليلة عيد الفطر أكد لقوله تعالى: ﴿ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ [البقرة: ١٨٥]، وإكمال العدة يكون عند آخر يوم من رمضان إما بإكمال ثلاثين منه، أو برؤية الهلال.
• قال المصنف رحمه الله تعالى: (وليذكر)؛ أي: يكبر الإمام (الله) تعالى (في خروجه من بيته) أو غيره يعني أنه يطلب من الإمام على جهة الاستحباب عند خروجه من بيته أو غيره أن يذكر الله تعالى بالتكبير، ويفهم من كلامه أنه لا يكبر قبل الخروج وهو المشهور (^١)، قال ابن المنذر: وممن كان يفعل ذلك ابن عمر، وروي عن علي وأبي أمامة الباهلي وأبي رهم وناس من أصحاب النبي ﷺ ثم ذكر جماعة فعلوا ذلك (^٢).
وهناك قول بأنه يدخل زمن التكبير بغروب الشمس ليلة العيد وذلك (في) عيد الفطر (و) في عيد (الأضحى) قال القاضي عبد الوهاب (^٣): قال ابن عباس: حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا الله تعالى، حتى يفرغوا من عيدهم، ودليلنا ما رواه البيهقي والدارقطني: «أنه ﵊ كان يكبر يوم الفطر حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى» (^٤)، وعليه عمل أهل المدينة خلفا عن سلف.
وظاهر كلام الشيخ أنه يكبر سواء خرج قبل طلوع الشمس أو بعدها وهو لمالك في المبسوط (^٥)، والتكبير المذكور يكون (جهرا) عند عامة العلماء يسمع نفسه ومن يليه وفوق ذلك قليلا.
_________________
(١) المعونة (١/ ٣٢٣)، والإشراف (١/ ٣٤٣).
(٢) الأوسط لابن المنذر (٤/ ٢٤٩ - ٢٥١).
(٣) الإشراف (١/ ٣٤٢)، والأثر في جامع البيان للطبري (٣/ ٤٧٩).
(٤) رواه البيهقي (٥٩٢٦)، والدارقطني (٦).
(٥) كما في شرح التلقين (٣/ ١٠٦٨)، وانظر: التوضيح (٢/ ٥٠٥).
[ ٢ / ٥٥٠ ]
قال القرافي (^١): كان رسول الله ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى رافعا صوته بالتكبير، واستمر على هذا عمل السلف بعده (^٢).
وقوله: (حتى يأتي المصلى الإمام) غاية لتكبير الإمام وأما قوله (والناس كذلك)؛ فمعناه: أنهم مثل الإمام في ابتداء التكبير وصفته، قال نافع: (كان ابن عمر يكبر يوم العيد في الأضحى والفطر ويكبر ويرفع صوته) (^٣).
وأما في الانتهاء فيخالفونه فيه يدل عليه قوله: (فإذا دخل الإمام للصلاة)؛ أي: لمحلها ويروى في الصلاة (قطعوا ذلك) التكبير.
(و) السامعون للخطبة (يكبرون) سرا (بتكبير الإمام في خطبته) على المذهب لعموم الآية ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ [البقرة: ١٨٥] لفعل جماعة من الصحابة ذلك، (وينصتون) له؛ أي: للإمام (فيما سوى ذلك) التكبير عند مالك من رواية ابن القاسم لأن عليهم أن يستمعوا له لكن من غير وجوب للفرق بينها وبين الجمعة، قال ابن أبي موسى: يكبر الناس في خروجهم من منازلهم لصلاتي العيدين جهرا حتى يأتي الإمام المصلى، ويكبر الناس بتكبير الإمام في خطبته وينصتون فيما سوى ذلك.
(فإن كانت) الأيام (أيام النحر) ويجوز رفع أيام على أن كان تامة؛ أي: فإن حضرت أيام النحر (فليكبر الناس) استحبابا (دبر الصلوات) المفروضات الحاضرة، قبل التسبيح والتحميد والتكبير؛ وظاهر كلامه أن الإمام والمأموم والفذ والذكر والأنثى في ذلك سواء، والذي يظهر أن التكبير خاص بالجماعات لا الأفراد، فقد ثبت بالإسناد الصحيح عن ابن عمر أنه كان إذا صلى وحده في أيام التشريق لم يكبر» (^٤)، وأورد الحافظ ابن حجر عكس.
_________________
(١) قلت: إلا أن الآثار المرفوعة لم تصح. انظر: تحقيق ذلك في تنوير العينين (٦٩).
(٢) انظر بعض الآثار عن بعض السلف في: مصنف ابن أبي شيبة (٥٦٢٦ - ٥٦٢٧)، وانظر الكلام عن التكبير في: العيدين في مختصر اختلاف العلماء للطحاوي (١/ ٣٧٦ - ٣٧٨)، وبدائع الصنائع (١/ ٤١٥) للكاساني، وفتح الباري لابن رجب (٩/ ٣١ - ٣٢).
(٣) أخرجه الدارقطني (٢/ ٤٥) في أول كتاب العيدين، والبيهقي (٣/ ٢٨٧).
(٤) أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٠٥) برقم (٢٢١٢).
[ ٢ / ٥٥١ ]
هذا فقال: وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام، وخلف الصلوات، وعلى فراشه، وفي فسطاطه، ومجلسه، وممشاه، تلك الأيام جميعا، وقال: والطريق الأولى من رواية ابن جريج أثبت (^١).
والمشهور في المذهب اختصاص التكبير بالفرائض كما قال الفاكهاني (^٢).
وابتداء التكبير إثر الصلوات المفروضات (من صلاة الظهر من يوم النحر) وانتهاؤه (إلى صلاة الصبح من اليوم الرابع منه)؛ أي: من يوم النحر (^٣) (وهو)؛ أي: اليوم الرابع (آخر أيام منى) ودفع بقوله: (يكبر إذا صلى الصبح) الإيهام في قوله: إلى صلاة الصبح إذ يحتمل أن تكون إلى فيه للغاية؛ أي: والغاية خارجة ويحتمل أن تكون بمعنى بعد، وذلك لحديث شريح بن أبرهة ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ كبر أيام التشريق من صلاة الظهر يوم النحر حتى خرج من منى، يكبر دبر كل صلاة مكتوبة» (^٤)، ولما روي عن ابن عمر، وعمر بن عبد العزيز: أن التكبير من صلاة الظهر يوم النحر إلى الصبح من آخر أيام التشريق (^٥)؛ ولأن الناس تبع للحاج، والحاج يقطعون التلبية مع أول حصاة ويكبرون مع الرمي، وإنما يرمون يوم النحر فأول صلاة بعد ذلك الظهر، وآخر صلاة يصلون بمنى الفجر من اليوم الثالث من أيام التشريق.
_________________
(١) تغليق التعليق (٢/ ٣٧٩ - ٣٨٠).
(٢) شرح التلقين (٣/ ١٠٨٦)، والجواهر (١/ ٢٤٣)، والفاكهاني (٦٥٤ - ٧٣٤ هـ/ ١٢٥٦ - ١٣٣٤ م) عمر بن علي بن سالم بن صدقة اللخمي الإسكندري، تاج الدين الفاكهاني من كتبه «التحرير والتحبير خ» في شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني، في فقه المالكية من أحسن الشروح.
(٣) المدونة (١/ ٢٤٩)، والتفريع (١/ ٢٣٥)، وتنوير المقالة (٢/ ٥٠٨)، والمعونة (١/ ٣٢٦)، والتوضيح (٢/ ٥٠٧).
(٤) الطبراني في الأوسط قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٤٢٩): فيه شرقي بن قطام، والحديث ضعيف.
(٥) أخرجه البيهقي (في باب: من قال يكبر في الأضحى من كتاب العيدين) السنن (٣/ ٣١٣)، وابن أبي شيبة برقم (٥٦٣٧).
[ ٢ / ٥٥٢ ]
ولم يحدد مالك في ذلك شيء، ومن كبر بتكبير أحد من السلف فله ذلك، والأمر واسع.
(ثم) إذا فرغ من التكبير بعد صلاة الصبح من اليوم الرابع من أيام النحر (يقطع) التكبير لعمل أهل المدينة كما ذكره مالك في «الموطأ» (^١)؛ (والتكبير) الذي يكبره الناس (دبر الصلوات) له صفتان إحداهما (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر) والثانية أشار إليها بقوله: (وإن جمع مع التكبير تهليلا وتحميدا فحسن)؛ أي: مستحب لأن جابرا ﵁ (^٢) صلى في أيام التشريق، فلما فرغ من صلاته قال: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر»، وهذا لا يقوله إلا توقيفا، وروي أيضا خلاف قوله، فقد روي عن ابن عباس ﵄: «الله أكبر كبيرا، الله أكبر كبيرا، الله أكبر وأجل، الله أكبر ولله الحمد» (^٣).
ثم بين صفة الجمع بقوله: (يقول إن شاء ذلك: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، وقد روي عن مالك هذا) من رواية ابن عبد الحكم كما تقدم ذلك، (و) روي عنه أيضا (الأول) من رواية علي وصرح عياض بمشهوريته (والكل واسع)؛ أي: جائز لما أنه لم يثبت عن النبي ﷺ تعيين شيء من هاتين الصفتين ولما تقدم له الأمر بالذكر عند خروجه إلى صلاة العيدين وكان مراده به الذكر المأمور به في قوله تعالى: ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات﴾ [الحج: ٢٨]، وقوله: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ [البقرة: ٢٠٣] ناسب أن يذكر الأيام المذكورة ويبين هذه من هذه فقال (والأيام المعلومات)؛ أي: للنحر المذكورة في الآية الأولى هي (أيام النحر الثلاثة) الأول وتالياه (و) أما (الأيام المعدودات)؛ أي: للرمي المذكورة في الآية الأخرى فهي (أيام منى وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر)
_________________
(١) الموطأ (١/ ٤٠٤)، (٤/ ١٢٠٤).
(٢) الدارقطني (٢/ ٥٠) أول كتاب العيدين.
(٣) أخرجه الحاكم (١/ ٢٩٩)، وسنده صحيح، وأخرجه ابن أبي شيبة (٥٦٤٥)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٠١/ ٢٢٠٢)، والبيهقي (٣/ ٣١٤ - ٣١٥)، ورجال الأثر كلهم ثقات، قال في تنوير العينين (٨٤): ولعله أصح ما ورد عن صحابي في هيئة التكبير.
[ ٢ / ٥٥٣ ]
ثاني يوم النحر وتالياه، فأول يوم النحر معلوم غير معدود، ورابعه معدود غير معلوم واليومان الوسطان معلومان معدودان (^١).
(والغسل للعيدين حسن)؛ أي: مستحب، وروي أيضا أن النبي ﷺ قال في جمعة من الجمع: «يا معشر المسلمين، إن هذا يوم جعله الله عيدا فاغتسلوا، ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه وعليكم بالسواك» (^٢)، فعلل هذه الأشياء بكون الجمعة عيدا والناس يجتمعون فيها فيستحب طيب الريح والملبس (^٣).
وصفته كصفة غسل الجنابة ويطلب من كل مميز وإن لم يكن مكلفا ولا مريدا للصلاة (وليس بلازم)؛ أي: لزوم السنن.
وأفضل أوقاته بعد صلاة الصبح ويجزئه إذا اغتسل قبل طلوع الفجر (^٤).
(ويستحب فيهما)؛ أي: العيدين (الطيب) للرجال من خرج منهم للصلاة ومن لم يخرج للحديث السابق، وأما النساء إذا خرجن لها فلا يجوز لهن الطيب لا فرق بين العجائز وغيرهن وأما إذا لم يخرجن فلا حرج.
(و) يستحب فيهما أيضا للرجال (الحسن)؛ أي: لبس الحسن (من الثياب) والمراد بالحسن منها الجديد ولو أسود لحديث عبد الله بن عمر ﵄: «وجد عمر ﵁ حلة من إستبرق في السوق فأخذها فأتى بها النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ابتع هذه تتجمل بها في العيدين والوفد، فقال النبي ﷺ: إنما هذه لباس من لا خلاق لهم» (^٥).
فأنكر عليه نوعها، ولم ينكر ﵊ التجمل للعيدين فدل على استحبابه والله أعلم.
_________________
(١) نقله القرطبي في تفسيره من رواية نافع عن ابن عمر قال: وهو مذهب مالك، ولابن العربي معهم نقاش في اليوم الأول؛ أي: يوم النحر .. تفسير القرطبي (٣/ ٢).
(٢) رواه مالك في الموطأ (١٤٤).
(٣) المجموع للنووي (١/ ٧).
(٤) التوضيح على جامع الأمهات لخليل (٢/ ٥٠٢).
(٥) البخاري (٩٤٨)، ومسلم (٢٠٢٨).
[ ٢ / ٥٥٤ ]
باب في صلاة الخسوف
قال المصنف رحمه الله تعالى
(باب في صلاة الخسوف:
وصلاة الكسوف سنة واجبة،
إذا خسفت الشمس خرج الإمام إلى المسجد، فافتتح الصلاة بالناس بغير أذان ولا إقامة، ثم قرأ قراءة طويلة سرا بنحو سورة البقرة، ثم يركع ركوعا طويلا نحو ذلك، ثم يرفع رأسه يقول: سمع الله لمن حمده، ثم يقرأ دون قراءته الأولى، ثم يركع نحو قراءته الثانية، ثم يرفع رأسه يقول سمع الله لمن حمده، ثم يسجد سجدتين تامتين، ثم يقوم فيقرأ دون قراءته التي تلي ذلك، ثم يركع نحو قراءته، ثم يرفع كما ذكرنا، ثم يقرأ دون قراءته هذه، ثم يركع نحو ذلك، ثم يرفع كما ذكرنا، ثم يسجد كما ذكرنا، ثم يتشهد ويسلم، ولمن شاء أن يصلي في بيته مثل ذلك يفعل.
وليس في صلاة خسوف القمر جماعة، وليصل الناس عند ذلك أفذاذا والقراءة فيها جهرا كسائر ركوع النوافل ..
وليس في أثر صلاة خسوف الشمس خطبة مرتبة، ولا بأس أن يعظ الناس ويذكرهم).
الشرح
الكسوف لغة: التغير إلى سواد، ومنه كسف في وجهه، وكسفت الشمس اسودت وذهب شعاعها.
قال في «الفتح»: والمشهور في استعمال الفقهاء أن الكسوف للشمس
[ ٢ / ٥٥٥ ]
والخسوف للقمر (^١). وقيل فيهما الخسوف لما في الحديث أن النبي ﵊ قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله» (^٢).
• حكم صلاة كسوف الشمس:
(باب في) بيان حكم (صلاة الخسوف) وفي بيان صفتها، وحكم صلاة الخسوف السنية كما قال المصنف: (وصلاة الخسوف سنة واجبة)؛ أي: مؤكدة، وهو متفق عليه في كسوف الشمس لفعل النبي ﷺ ومختلف فيه في خسوف القمر، والمشهور أن صلاة خسوف القمر مستحبة كما قال الأجهوري (^٣).
• صفة صلاة الكسوف:
تفعل صلاة خسوف الشمس جماعة وفرادى، والأول أفضل ولذا بدأ به المصنف فقال: (إذا خسفت الشمس) كلها أو بعضها خرج الإمام (إلى المسجد فـ) إذا وصل إليه (افتتح الصلاة بالناس ولا يشترط فيهم عدد محصور كالجمعة بغير أذان ولا إقامة) ويقول الصلاة جامعة لما هو مأثور من فعله ﵊ ففي حديث عبد الله بن عمرو ﵁ أنه قال: «لما كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ نودي إن الصلاة جامعة» (^٤).
ويكبر في افتتاحه كالتكبير في سائر الصلوات فإذا كبر افتتح القراءة بفاتحة الكتاب (ثم قرأ قراءة طويلة سرا) على المشهور (^٥)، والدليل على ذلك حديث ابن عباس ﵄: (وحديث سمرة ﵁ وفيه: «صلى بنا
_________________
(١) الفتح (٢/ ٦٢٢).
(٢) أخرجه مالك (٤٤٤)، والبخاري (٩٩٧)، ومسلم (٢/ ٦١٨) رقم (٩٠١).
(٣) المدونة (١/ ٢٤٢)، والذخيرة (٢/ ٤٢٧ - ٤٢٨)، وشرح التلقين (٣/ ١٠٩٧).
(٤) رواه البخاري (٩٩٨).
(٥) جامع الأمهات (١٣١)، والتوضيح (٢/ ٥١٣).
[ ٢ / ٥٥٦ ]
رسول الله ﷺ في كسوف لا نسمع له صوتا» رواه الترمذي) (^١): قال الباجي: «المذكور بعد هذا فقام قياما طويلا نحوا من سورة البقرة، فوجه الدليل منه أنه افتقر إلى التقدير لما لم يعلم ما قرأ به، ولو جهر بالقراءة لعلم ما قرأ به ولم يفتقر إلى التقدير ولذكر المقروء به» (^٢)، قلت: لكن صح الجهر كما سيأتي، ولعله كان بعيدا فلم يسمع القراءة فقدر.
وحدها أن تكون (بنحو سورة البقرة) لفظة نحو مقحمة؛ أي زائدة، فإن المذهب استحباب قراءة البقرة في القيام الأول من الركعة الأولى بعد الفاتحة، وقد صح من طرق أن النبي ﷺ جهر بالقراءة وبوب البخاري للجهر بقوله باب: (باب الجهر بالقراءة في الكسوف) وأورد حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ جهر في صلاة الخسوف بقراءته فإذا فرغ من قراءته، كبر فركع، وإذا رفع من الركعة، قال: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد ثم يعاود القراءة في صلاة الكسوف أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات» (^٣). وبالجهر قال ابن العربي من المالكية (^٤)، ومثبت الجهر معه قدر زائد فالأخذ به أولى.
(ثم) بعد الفراغ من قراءتها (يركع ركوعا طويلا نحو ذلك)؛ أي: يقرب منه في الطول (ثم) بعد ذلك يرفع رأسه من الركوع والحال أنه
_________________
(١) ما بين القوسين إدراج مني، والحديث أخرجه أيضا أبو داود (١١٨٤)، والنسائي (٣/ ١٤٠) في الكسوف، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، قال الحافظ - بعد أن ذكر أحاديث الجهر والإسرار في صلاة الكسوف -: «وعلى تقدير صحتها (أي: أحاديث الإسرار) فمثبت الجهر معه قدر زائد فالأخذ به أولى، وإن ثبت العدد فيكون فعل ذلك لبيان الجواز، وهكذا الجواب عن حديث سمرة عند ابن خزيمة والترمذي «لم يسمع له صوتا» وأنه إن ثبت لا يدل على نفي الجهر، قال ابن العربي: الجهر عندي أولى لأنها صلاة جامعة ينادى لها ويخطب فأشبهت العيد والاستسقاء، والله أعلم».
(٢) المنتقى للباجي (باب: العمل في صلاة الكسوف).
(٣) البخاري (١٠٦٥).
(٤) وغلط التتائي في نسبة الجهر للشافعي وإنما قال به بعض محدثي الشافعية. انظر: الفتح (٢/ ٦٣٩ - ٦٤٠).
[ ٢ / ٥٥٧ ]
(يقول سمع الله لمن حمده) والمأموم يقول ربنا ولك الحمد (ثم) بعد ذلك (يقرأ) الفاتحة على المشهور (^١) بل والراجح، خلافا لابن مسلمة في أنه لا يقرؤها وعلل ذلك بأنها ركعتان والركعة الواحدة لا تكرر فيها الفاتحة مرتين (^٢) (دون قراءته الأولى)؛ أي: بعد قراءة الفاتحة يقرأ في القيام الثاني دون قراءته في القيام الأول ويستحب أن تكون بآل عمران (ثم يركع نحو) طول (قراءته الثانية) ويسبح في ركوعه ولا يقرأ ولا يدعو (ثم يرفع رأسه) منه هو والمأمومون وهو يقول سمع الله لمن حمده ويقول المأمومون ربنا ولك الحمد (ثم يسجد) هو والمأمومون (سجدتين تامتين) بطمأنينة وهل يطولهما كالركوع قولان: مشهورهما الأول (^٣)، والثاني في مختصر ابن عبد الحكم وهو ظاهر كلام الشيخ (^٤).
(ثم) بعد أن يفرغ من السجدتين (يقوم فيقرأ) الفاتحة ويقرأ بعدها قراءة (دون قراءته التي تلي ذلك)؛ أي: قراءته التي في القيام الثاني من الركعة الأولى، ويستحب أن تكون بسورة النساء (ثم) بعد فراغه من القراءة في القيام الثالث (يركع نحو قراءته) في القيام الثالث، ويسبح في ركوعه ولا يقرأ ولا يدعو.
(ثم) بعد فراغه من الركوع (يرفع) رأسه والمأمومون كذلك (كما ذكرنا)؛ أي: وهو يقول سمع الله لمن حمده ويقول المأمومون ربنا ولك الحمد (ثم) بعد رفعه يقرأ الفاتحة على المشهور ثم (يقرأ) قراءة (دون قراءته هذه) التي في القيام الثالث، ويستحب أن تكون بسورة المائدة (ثم) بعد فراغه من القراءة في القيام الرابع (يركع نحو ذلك)؛ أي: نحو قراءته في القيام
_________________
(١) انظر: التفريع (١/ ٢٣٥ - ٢٣٦)، والمعونة (١/ ٣٣٠)، والمذهب (١/ ٣٤٠)، والذخيرة (٢/ ٤٢٧).
(٢) المعونة (١/ ٣٢٩)، والجواهر (١/ ٢٤٥)، والمذهب في ضبط المذهب (١/ ٣٤٠).
(٣) المدونة (١/ ٢٤٢)، وانظر: جامع الأمهات وشرحه التوضيح لخليل (٢/ ٥١٥)، وشرح التلقين (٣/ ١٠٩٥)، وهو مذهب ابن القاسم.
(٤) التفريع (١/ ٢٣٦)، وشرح التلقين، وانظر: التوضيح (٢/ ٥١٥).
[ ٢ / ٥٥٨ ]
الرابع (ثم) بعد ذلك (يرفع رأسه كما ذكرنا)؛ يعني: وهو يقول: سمع الله لمن حمده ويقول: المأمون ربنا ولك الحمد، (ثم) بعد ذلك (يسجد كما ذكرنا) سجدتين تامتين بطمأنينة وفيهما القولان المتقدمان في سجدتي الركعة الأولى (ثم يتشهد و) إذا فرغ من تشهده (يسلم) وهذه الصفة التي ذكرها الشيخ. قال الفاكهاني: هي مذهبنا ومذهب الجمهور، ودليلها الأحاديث الصريحة في هذه الكيفية المتقدمة التي نعتها مصنفنا (^١).
فمن الأحاديث الواردة في صفتها: ما رواه مالك من حديث عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها قالت: خسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ فصلى رسول الله ﷺ بالناس، فقام فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فسجد، ثم فعل في الركعة الآخرة مثل ذلك، ثم انصرف وقد تجلت الشمس، فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله، وكبروا، وتصدقوا، ثم قال: يا أمة محمد والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا» (^٢).
قال الحافظ: وكل هذه الأحاديث ظاهرة في أن السجود في الكسوف يطول كما يطول القيام والركوع، وأبدى بعض المالكية فيه بحثا فقال: لا يلزم من كونه أطال أن يكون بلغ به حد الإطالة في الركوع، وكأنه غفل عما رواه مسلم في حديث جابر بلفظ «وسجوده نحوا من ركوعه» (^٣).
(ولمن شاء أن يصلي) صلاة خسوف الشمس (في بيته مثل ذلك)؛
_________________
(١) انظر: رياض الأفهام للفاكهاني (٣/ ١٢٧٣) دار بن حزم، وانظر: إكمال الإكمال للقاضي عياض (٣/ ٢٩١).
(٢) مالك في الموطأ (٤٤٤)، والبخاري (٩٩٧)، ومسلم (٩٠١).
(٣) فتح الباري (٢/ ٦٢٧).
[ ٢ / ٥٥٩ ]
أي: مثل الصفة المتقدمة فله (أن يفعل) إذا لم يؤد ذلك إلى ترك إقامتها في الجماعة، وأما لو أدى ذلك إلى ترك إقامتها في الجماعة فيكره له أن يصليها في بيته.
• صلاة خسوف القمر:
انتقل يتكلم على خسوف القمر فقال: (وليس في صلاة خسوف القمر جماعة) على المشهور (^١)، ظاهر ما نقله القرافي أن النهي على جهة المنع فإنه قال: وأما الجمع فمنعه مالك وأبو حنيفة لأن النبي ﷺ لم يجمع في خسوف القمر، وأجازه أشهب واللخمي وهو الصحيح (^٢)، قال ابن رشد (^٣): وزعم ابن عبد البر أنه روي عن ابن عباس وعثمان ﵄ أنهما صليا في خسوف القمر في جماعة ركعتين، في كل ركعة ركوعان مثل الشافعي اهـ.
وقال بعض أهل العلم: قوله ﷺ: «وصلوا حتى ينجلي» في الحديث الآتي دليل على مشروعية الصلاة للخسوف أيضا في جماعة، وعدم النقل ليس نقلا للعدم، ويكفي هذا مع فعل الصحابة اهـ (^٤).
وقوله: (وليصل الناس عند ذلك)؛ أي: عند خسوف القمر (أفذاذا) بذالين معجمتين؛ أي: فرادى في منازلهم على المعروف من المذهب، ومقابله ما لمالك في المجموعة: من أنهم يصلون أفذاذا في المسجد (^٥)، وعللوا القول الأول بأن خروجهم للمسجد بالليل فيه مشقة.
وفي صفتها قال ابن عبد البر: أنه يصلي ركعتين ركعتين حتى
_________________
(١) المدونة (٢٤٣)، والتفريع (١/ ٢٣٧)، والمعونة (١/ ٣٣١)، والتوضيح (٢/ ٥١٧).
(٢) قال الغماري: بل روي ذلك عنه ﷺ من حديث أبي بكرة ﵁ عند الحاكم والبيهقي، وصححه الحاكم، وقال الذهبي: إسناده حسن، ورواه ابن حبان في صحيحه، انظر: الهداية (٤/ ٢١٢) للغماري.
(٣) بداية المجتهد لابن رشد (١/ ٤٠٨)، قال محققه: وقد روى ذلك الشافعي عن ابن عباس بسند ضعيف.
(٤) انظر: العرف الناشر في شرح وأدلة فقه متن ابن عاشر من تأليفنا (٢٠٤).
(٥) كما في التوضيح (٢/ ٥١٧)، والذخيرة (٢/ ٤٢٨).
[ ٢ / ٥٦٠ ]
تنجلي (^١)، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: تصلى ككسوف الشمس (^٢).
وقوله: (والقراءة فيها جهرا) تكرار ورفع بقوله: (كسائر ركوع النوافل) ما يتوهم في قوله: وليصل الناس … إلخ، لأنه يحتمل أن تكون على هيئة النوافل من غير نية تخصها، ويحتمل أن تكون على صفة خسوف الشمس، ولا بد فيها من نية تخصها.
واعلم أن أصل الندب يحصل بركعتين فقط. وكذا يندب أن يصلي ركعتين ركعتين حتى ينجلي، ووقتها الليل كله. ويفوت فعلها بطلوع الفجر.
• هل في الكسوف خطبة أم موعظة؟:
(وليس في إثر) بكسر الهمزة وسكون المثلثة وبفتحهما؛ أي: بعد الفراغ من (صلاة خسوف الشمس) ولا قبلها (خطبة مرتبة)؛ أي: بحيث يجلس في أولها وفي وسطها، لأن جماعة من الصحابة ﵃ نقلوا صفة صلاة الكسوف، ولم يذكر أحد منهم أنه خطب فيها، وأما ما روي عن عائشة ﵂: أنه صلى صلاة الكسوف ثم انصرف فخطب الناس فحمد الله ﷿ وأثنى عليه، فمعناه أنه أتى بكلام منظوم مشتمل على حمد الله تعالى والصلاة على رسوله وموعظة على طريق ما يؤتى به في الخطبة، وظاهر قوله: (ولا بأس أن يعظ الناس بما يأتي من المصائب الدنيوية التي تحدث بسبب المعاصي (ويذكرهم) بما مضى يخالف ما قبله لأنه لا معنى للخطبة إلا هذا، وأجيب بعدم المخالفة لأن المنفي هو الخطبة المرتبة بالهيئة المخصوصة التي يجلس في أولها وفي وسطها، والوعظ والتذكير من غير ترتيب ليس خطبة بالمعنى الذي نفاه، واستعمل لا بأس هنا فيما فعله أولى من تركه وقد نص في المختصر على استحباب الوعظ، وقد أوردت ما جاء في خطبة النبي ﷺ في أصل هذا المختصر والله الموفق (^٣).
_________________
(١) الكافي (٨٠).
(٢) المدونة (١/ ٢٤٣)، وشرح التلقين (٣/ ١٠٩٩)، والذخيرة (٢/ ٤٣٠).
(٣) المناهل الزلالة (٢/ ٩٦٩).
[ ٢ / ٥٦١ ]
باب في صلاة الاستسقاء
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(باب في صلاة الاستسقاء:
وصلاة الاستسقاء سنة تقام.
يخرج لها الإمام كما يخرج للعيدين ضحوة، فيصلي بالناس ركعتين، يجهر فيهما بالقراءة، يقرأ بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، وفي كل ركعة سجدتان وركعة واحدة، ويتشهد، ويسلم.
ثم يستقبل الناس بوجهه، فيجلس جلسة، فإذا اطمأن الناس، قام متوكئا على قوس أو عصا فخطب ثم جلس، ثم قام فخطب.
فإذا فرغ استقبل القبلة، فحول رداءه: يجعل ما على منكبه الأيمن على الأيسر، وما على الأيسر على الأيمن، ولا يقلب ذلك، وليفعل الناس مثله وهو قائم وهم قعود، ثم يدعو كذلك، ثم ينصرف وينصرفون.
ولا يكبر فيها، ولا في الخسوف غير تكبيرة الإحرام، والخفض، والرفع، ولا أذان فيها ولا إقامة).
الشرح
قال المصنف: (باب في) بيان حكم (صلاة الاستسقاء) وبيان الوقت الذي تفعل فيه وهو من ضحوة النهار إلى زوال الشمس، وفي بيان المحل الذي تفعل فيه وهو الصحراء، وفي بيان صفتها.
والاستسقاء: لغة: طلب السقي (^١).
_________________
(١) المصباح المنير (٢٨١).
[ ٢ / ٥٦٢ ]
وشرعا: طلب السقي من الله تعالى لقحط نزل بهم أو غيره؛ والقحط احتباس المطر، أفاده المصباح (^١). وغير القحط كتخلف جري نهر أو لزرع أو شرب حيوان فلذلك يستسقى من بصحراء أو بسفينة.
وهو مشروع بالكتاب والسنة والإجماع.
قال الله تعالى: ﴿وإذ استسقى موسى لقومه﴾ [البقرة: ٦٠]، وقد ثبت الاستسقاء عن نبينا ﷺ قولا وفعلا فعن أمنا عائشة ﵂ قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر، فوضع له في المصلى، ووعد الناس يوما يخرجون فيه، قالت عائشة: فخرج رسول الله ﷺ، حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبر ﷺ، وحمد الله ﷿، ثم قال: «إنكم شكوتم جدب دياركم، واستنخار المطر عن إيان زمانه عنكم، وقد أمركم الله ﷿ أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم»، ثم قال: «الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين، لا إله إلا الله، يفعل ما يريد، اللهم أنت الله، لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين»، ثم رفع يديه، فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب، أو حول رداءه، وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل، فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابة فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك ﷺ، حتى بدت نواجذه، فقال: «أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله» (^٢)؛ وفي رواية: «كما يصلي في العيد» (^٣)، وفي رواية ابن عباس ﵄: «خرج رسول الله ﷺ متبدلا متواضعا، متضرعا، حتى أتى المصلى».
_________________
(١) المصباح (٤٩١).
(٢) أبو داود (١١٧٣) وقال: «حديث غريب، إسناده جيد، وأهل المدينة يقرءون (ملك يوم الدين)، وإن هذا الحديث حجة لهم»، ورواه ابن حبان كما في الموارد (٦٠٤).
(٣) رواه أبو داود (١١٦٥)، والترمذي وصححه (٥٥٨). قال الحافظ: وقال الشافعي.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
كما أنه يسن الاستسقاء بالدعاء من غير صلاة، فعن قتادة، عن أنس ﵁ قال بينما رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة، إذ جاءه رجل، فقال: يا رسول الله فحط المطر، فادع الله أن يسقينا، فدعا فمطرنا» (^١).
وحكى كثير من أهل العلم الإجماع على صلاة الاستسقاء والخروج له (^٢).
• حكم صلاة الاستسقاء:
(وصلاة الاستسقاء)؛ أي: حكمها أنها (سنة تقام) (^٣)؛ أي: تفعل؛ أي: تتأكد أن تصلى ولا تترك، خلافا لأبي حنيفة ﵀: أنها غير مشروعة والدليل على مشروعيتها ما تقدم من الكتاب والأحاديث الصحيحة والإجماع.
• وقت أدائها:
يسن أن (يخرج لها)؛ أي: لصلاة الاستسقاء (الإمام) زاد في رواية: (والناس) وظاهرها العموم، وليس كذلك فإنهم قسموا من يخرج لها ومن لا يخرج لها على ثلاثة أقسام:
قسم يخرج لها باتفاق وهم المسلمون المكلفون ولو أرقاء، والمتجالات من النساء والصبيان الذين يعقلون القرب.
_________________
(١) = والطبري: يكبر في صلاة الاستسقاء كما يكبر في صلاة العيد، وهو قول ابن عباس وسعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وقال داود: إن شاء كبر كما يكبر في العيدين وإن شاء كبر تكبيرة واحدة كما يكبر في سائر الصلوات تكبيرة واحدة للافتتاح، وقد روي عن أحمد بن حنبل مثل قول الشافعي، وحجة من قال التكبير فيها كالتكبير في صلاة العيد.
(٢) رواه البخاري (١٠١٥).
(٣) الاستذكار (٧/ ١٣١ - ١٣٢)، وبداية المجتهد (١/ ٢١٤)، والأوسط لابن المنذر (٤/ ٣٢٧)، واللباب شرح الكتاب (١/ ١٢٢)، وفتح القدير (٢/ ٩١)، والمغني (٣/ ٣٣٤ - ٣٣٦).
(٤) التوضيح (٢/ ٥١٨)، والإشراف (١/ ٣٥١)، والذخيرة (٢/ ٤٣٢)، والمذهب (١/ ٣٤٠).
[ ٢ / ٥٦٤ ]
وقسم لا يخرج لها اتفاقا وهن الشابات من النساء المفتنات والنفساء والحائض، وقسم اختلف فيه وهم الصبيان الذين لا يعقلون القرب والشابات غير المفتنات وأهل الذمة.
والمشهور فيها عدا أهل الذمة عدم الخروج، وأما أهل الذمة فالمشهور أنهم يخرجون مع الناس لا قبلهم ولا بعدهم، ويكونون غير مخالطين للناس بل منفردين في جهة، ولا ينفردون بزمن خشية أن يسبق القضاء في ذلك الوقت فيفتتن بذلك ضعفة الناس. ويأمرهم بالصدقة والإحسان ويستحب صيام ثلاثة أيام قبل الاستسقاء ويخرجون في ثياب البذلة والمهنة وعليهم السكينة والوقار. والمشهور أن الإمام لا يكبر عند خروجه إليها (^١) وقوله: (كما يخرج للعيدين) يحتمل أن يكون التشبيه فيه للمصلى؛ أي: يخرج لها الإمام إلى المصلى كما يخرج للعيدين؛ أي: في غير أهل مكة.
وأما هم فيستسقون بالمسجد الحرام كما أنهم يصلون فيه، وحينئذ يكون قوله: (ضحوة) بيانا لوقت الخروج لا تكرارا (^٢)، واستدل لوقت الخروج بحديث: «كما يصلي في العيدين»، ولحديث عائشة ﵂ قالت: «شكى الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ووعد الناس يوما يخرجون فيه قالت عائشة فخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر فكبر ﷺ وحمد الله -عزوجل - …» (^٣).
• صفة صلاة الاستسقاء:
إذا وصل الإمام إلى المصلى (ف) إنه (يصلي بالناس ركعتين) فقط باتفاق من يقول بمشروعيتها. والمشهور جواز التنفل قبلها وبعدها، ونقل ابن حبيب عن ابن وهب كراهة ذلك قياسا على صلاة العيد (^٤)، والقائل بالجواز
_________________
(١) التوضيح على جامع الأمهات لخليل (٢/ ٥٢١).
(٢) المدونة (١/ ٢٤٤)، وتنوير المقالة (٢/ ٥٣٩).
(٣) رواه أبو داود (١١٧٥).
(٤) المدونة (١/ ٢٤٥)، والتوضيح (٢/ ٥٢٥).
[ ٢ / ٥٦٥ ]
يفرق بأن الاستسقاء يقصد فيه التقرب بالحسنات لترفع العقوبات ولا كذلك العيد.
(ويجهر فيهما بالقراءة) اتفاقا لما صح أنه ﷺ جهر فيهما بالقراءة لما في حديث عباد بن تميم عن عمه قال: «خرج النبي ﷺ يستسقي، فتوجه إلى القبلة يدعو وحول رداءه، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة» (^١)، قال الحافظ: ونقل ابن بطال أيضا الإجماع عليه (^٢).
فائدة: كل صلاة فيها خطبة فصلاتها جهرية ما عدا صلاة الجمع بعرفة لأن الخطبة ليست للصلاة وإنما هي للنسك (^٣).
و(يقرأ) في الركعة الأولى (ب) أم القرآن وب ﴿وسبح اسم ربك الأعلى﴾ ونحوها وفي الركعة الثانية بأم القرآن وب ﴿والشمس وضحاها﴾ ونحوها وإنما خص هاتين السورتين بالذكر، لأنه قرأ بهما فيهما، ولعله مستنبط من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ صلى الاستسقاء كما يصلي في العيد (^٤)، وقد ورد تفصيل السور المقروءة في حديث ضعيف من حديث طلحة بن يحيى، قال: أرسلني مروان إلى ابن عباس ﵂ اسأله عن سنة الاستسقاء، فقال: «سنة الاستسقاء سنة الصلاة في العيدين، إلا أن رسول الله ﷺ قلب رداءه فجعل يمينه على يساره، ويساره على يمينه، فصلى الركعتين يكبر في الأولى سبع تكبيرات، وقرأ سبح اسم ربك الأعلى، وقرأ في الثانية هل أتاك حديث الغاشية، وكبر فيها خمس تكبيرات» (^٥).
_________________
(١) باب الجهر بالقراءة في الاستستقاء (٢/ ٤١٥)، ومسلم (٨٩٤)، وغيرهما.
(٢) الفتح (٢/ ٥٩٧).
(٣) التوضيح (٢/ ٥٢١)، والذخيرة (٢/ ٤٢٢).
(٤) رواه أبو داود (١١٦٥)، والترمذي وصححه (٥٥٨)، والنسائي (١٥٠٧).
(٥) رواه الحاكم (١٢١٧)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، قال ابن حجر في الفتح (٢/ ٥٧٨) باب تحويل الرداء في الاستسقاء، أخرجه الدارقطني من حديث ابن عباس … . وذكر الحديث ثم قال: وفي إسناده مقال، لكن أصله في السنن بلفظ: «ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيد». اهـ.
[ ٢ / ٥٦٦ ]
وروي قوله: (وفي كل ركعة سجدتين) بالنصب والصواب سجدتان على أنه مبتدأ وخبر، ووجه النصب بإضمار فعل التقدير يسجد سجدتين (و) روي قوله: (ركعة واحدة) بالنصب وهو الصواب، لأنه معطوف على منصوب، وبالرفع ولا وجه له لأنه لم يتقدم ما يعطف عليه ويعني بالركعة الركوع وإنما أكدها بواحدة احترازا من صلاة الكسوف (و) إذا فرغ من سجود الركعة الثانية (يتشهد ويسلم ثم إذا سلم فإنه يستقبل الناس بوجهه)؛ أي: ندبا وهو جالس على الأرض لا يرقى منبرا لأن هذه الحالة يطلب فيها التواضع (ف) إذا استقبلهم (يجلس جلسة) بفتح الجيم ليأخذ الناس أمكنتهم (فإن اطمأن الناس) في أمكنتهم (قام) الإمام على جهة الاستحباب حالة كونه (متوكئا على قوس أو عصا فخطب ثم جلس ثم قام فخطب) أخذ من كلامه أن الخطبة في الاستسقاء نظير الخطبة في العيدين في كونها بعد الصلاة وفي كونها يجلس فيها أولا وثانيا، وهو المشهور لفعله ﵊ ذلك (^١) (فإذا فرغ) الإمام من خطبته (استقبل القبلة) وهو في مكان (فحول رداءه) تفاؤلا بتحويل حالهم من الشدة إلى الرخاء وصفة التحويل أن يجعل ما على منكبه الأيمن على منكبه الأيسر وما على منكبه (الأيسر) على منكبه (الأيمن) لفعله ﵊ فعن أبي هريرة ﵁ قال: «خرج النبي ﷺ يوما يستسقي، فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا، ودعا الله، وحول وجهه نحو القبلة رافعا يديه، ثم قلب رداءه فجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن» (^٢)، (ولا يقلب ذلك)؛ أي: رداءه، قال سند: لأنه لم يحفظ عنه ذلك ولا عن أحد بعده، وخالف الجلاب (^٣)، قلت: وهو الوارد
_________________
(١) المدونة (١/ ٢٤٤)، والتفريع (١/ ٢٣٩)، والمعونة (١/ ٣٣٣)، والتوضيح على جامع الأمهات لخليل (٢/ ٥٢١)، وشرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٥٤٢ - ٥٤٣).
(٢) رجال إسناده ثقات من رجال الشيخين غير النعمان بن راشد، قال الحافظ في التقريب (٧٢٠٤): صدوق سيئ الحفظ، وللحديث شواهد في الصحيحين، ولذلك قال الحافظ في الدراية (١/ ٢٢٦): إسناده حسن، والله أعلم.
(٣) التفريع (١/ ١٣٩).
[ ٢ / ٥٦٧ ]
أنه ﷺ أراد أن يفعل ذلك فثقل عليه: كما في رواية لأبي داود: «استسقى رسول الله ﷺ وعليه خميصة له سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه» (^١)، فأقل ما يمكن أن يقال إنه مباح وقد ذهب إلى ذلك الشافعي في الجمع بين الهم والتحويل (^٢)، قال الحافظ: ولا ريب أن الذي استحبه الشافعي أحوط، وقال الحافظ ابن عبد البر: ففي هذا الحديث دليل على أن الخميصة لو لم تثقل عليه لنكسها وجعل أعلاها أسفلها (^٣).
وأما تحويل ما على الأيمن على الأيسر فلا يمكن إلا مع جعل باطن الرداء ظاهرا وظاهره باطنا وفيه من التفاؤل ما لا يخفى.
(وليفعل الناس) الذكور دون الإناث (مثله)؛ أي: مثل الإمام وهو المشهور (^٤)، إن كانوا أصحاب أردية فيحولون أرديتهم وهم جلوس وأما الإمام فيحول وهو قائم، وهم قعود ثم يدعو (كذلك) وهو قائم مستقبل القبلة جهرا ويكون الدعاء بين الطول والقصر ومن دعائه ما ثبت من حديث أنس ﵁: «اللهم اسقنا اللهم اسقنا اللهم اسقنا» (^٥)، وما جاء أيضا من رواية أبي وجرة يزيد بن عبيد السلمي ﷺ أن النبي ﷺ رفع يديه حتى رئي بياض إبطيه وكان مما حفظ من دعائه: «اللهم اسق بلدك وبهائمك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا طبقا واسعا عاجلا غير آجل نافعا غير ضار اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء» (^٦).
_________________
(١) رواه أبو داود (١١٦٤)، والنسائي (١٥٦٣) مختصرا، وإسناد الحديث على شرط مسلم.
(٢) الفتح (٢/ ٥٧٨)، باب: تحويل الرداء في الاستسقاء.
(٣) الاستذكار (٢/ ٤٢٩).
(٤) المدونة (١/ ٢٤٤)، والتلقين (١٤٠)، والتوضيح (٢/ ٥٢٣).
(٥) رواه البخاري (٩٦٧).
(٦) الاستذكار (٢/ ٤٣٠) رقم (٤١٩)، وروى بعضه أبو داود (١/ ٣٠٣) رقم (١١٦٩)، وابن ماجه (١٣٢٨)، والحاكم (١/ ٤٧٥) رقم (١٢٢٢)، وقال: صحيح على شرط الشيخين. والبيهقي (٣/ ٣٥٥) رقم (٦٢٣٠). (غيئا)؛ أي: مطرا، (مغيثا): بضم أوله؛ أي: معينا من الإغاثة بمعنى الإعانة، (مريئا): بفتح الميم والمد ويجوز
[ ٢ / ٥٦٨ ]
وروي عن عمر ﵁ أنه خرج يستسقي فلم يزد على الاستغفار، وقال: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارا﴾ (^١).
(ثم ينصرف وينصرفون) على المشهور، وقيل يرجع مستقبلا للناس يذكرهم ويدعو ويؤمنون على دعائه ثم ينصرفون.
(ولا يكبر فيها)؛ أي: في صلاة الاستسقاء كتكبيرات العيد، وفيه الإشارة لخلاف الشافعي (^٢)، (ولا في) صلاة (الخسوف غير تكبيرة الإحرام و) تكبيرة (الخفض والرفع) وكذا لا يكبر في الخطبة، ويستبدل التكبير بالاستغفار، فيقول: استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه.
ويكثر في أثناء الخطبتين من قوله: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهرا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢] (و) كذا (ولا إقامة) لحديث أبي هريرة ﵁ قال: «خرج نبي الله ﷺ يوما يستسقي، فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا ودعا الله ﷿، … الحديث» (^٣)، وفي غالب النسخ فيهما؛ أي: في صلاة الاستسقاء وصلاة الخسوف وفيها تكرار بالنسبة لصلاة الخسوف، لأنه قدمه هناك.
_________________
(١) = إدغامه؛ أي: هنيئا محمود العاقبة لا ضرر فيه من الغرق والهدم، (مربعا): يروى على وجهين بالياء والباء فمن رواه بالياء جعله من المراعة وهو الخصب. انظر: عون المعبود، (باب: رفع اليدين في الاستسقاء).
(٢) رواه البيهقي في السنن (٣/ ٣٥١)، وعبد الرزاق في المصنف (٣/ ٨٧). مجاديح السماء: أنواؤها.
(٣) الفتح (٢/ ٥٧٨)، باب: تحويل الرداء في الاستسقاء.
(٤) رواه أحمد (٨٣٢٧)، وابن ماجه (١٣٢٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٢٥) الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ، تحقيق: محمد زهدي النجار.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
باب ما يفعل بالمحتضر وفي غسل الميت وكفنه وتحنيطه وحمله ودفنه
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(باب ما يفعل بالمحتضر وفي غسل الميت، وكفنه، وتحنيطه، وحمله، ودفنه.
ويستحب استقبال القبلة بالمحتضر، وإغماضه إذا قضى، ويلقن لا إله إلا الله، عند الموت، وإن قدر على أن يكون طاهرا وما عليه طاهر فهو أحسن.
ويستحب أن لا يقربه حائض ولا جنب.
وأرخص بعض العلماء في القراءة عند رأسه بسورة يس، ولم يكن ذلك عند مالك أمرا معمولا به.
ولا بأس بالبكاء بالدموع حيئذ، وحسن التعزي والتصبر أجمل لمن استطاع، وينهى عن الصراخ والنياحة.
وليس في غسل الميت حد، ولكن ينقى ويغسل وترا بماء وسدر، ويجعل في الأخيرة كافور، وتستر عورته، ولا تقلم أظفاره، ولا يحلق شعره، ويعصر بطنه عصرا رفيقا، وإن وضئ وضوء الصلاة فحسن وليس بواجب ويقلب لجنبه في الغسل أحسن، وإن أجلس فذلك واسع.
ولا بأس بغسل أحد الزوجين صاحبه من غير ضرورة.
والمرأة تموت في السفر لا نساء معها ولا محرم من الرجال فلييمم رجل وجهها وكفيها، ولو كان الميت رجلا يمم النساء وجهه ويديه إلى المرفقين، إن لم يكن معهن رجل يغسله، ولا امرأة من محارمه فإن كانت
[ ٢ / ٥٧٠ ]
امرأة من محارمه غسلته وسترت عورته، وإن كان مع الميتة ذو محرم
غسلها من فوق ثوب يستر جميع جسدها.
ويستحب أن يكفن الميت في وتر: ثلاثة أثواب، أو خمسة، أو سبعة، وما جعل له من أزرة وقميص وعمامة فذلك محسوب في عدد الأثواب الوتر (وقد كفن النبي ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية أدرج فيها إدراجا).
ولا بأس أن يقمص الميت ويعمم، وينبغي أن يحنط ويجعل الحنوط بين أكفانه وفي جسده ومواضع السجود منه.
ولا يغسل الشهيد في المعترك، ولا يصلى عليه ويدفن بثيابه.
ويصلى على قاتل نفسه، ويصلى على من قتله الإمام في حد أو قود، ولا يصلي عليه الإمام.
ولا يتبع الميت بمجمر.
والمشي أمام الجنازة أفضل.
ويجعل الميت في قبره على شقه الأيمن، وينصب عليه اللبن، ويقول حينئذ: اللهم إن صاحبنا قد نزل بك، وخلف الدنيا وراء ظهره، وافتقر إلى ما عندك، اللهم ثبت عند المسألة منطقه، ولا تبتله في قبره بما لا طاقة له وألحقه بنبيه محمد ﷺ.
ويكره البناء على القبور وتجصيصها.
ولا يغسل المسلم أباه الكافر، ولا يدخله قبره إلا أن يخاف أن يضيع فليواره.
واللحد أحب إلى أهل العلم من الشق وهو: أن يحفر للميت تحت الجرف في حائط قبلة القبر، وذلك إذا كانت تربة صلبة لا تتهيل ولا تتقطع، وكذلك فعل برسول الله ﷺ).
الشرح
(باب ما)؛ أي: في بيان الذي (يفعل بالمحتضر) بفتح الضاد سمي
[ ٢ / ٥٧١ ]
بذلك لأن أجله حضره، والأجل له إطلاقان مدة الحياة وانتهاء تلك المدة، فإن أريد الثاني فلا تقدير، وإن أريد الأول فيحتاج إلى تقدير؛ أي: آخر أجله (وفي) بيان كيفية (غسل الميت) ومن يغسله ونحو ذلك؛ أي: مما يتعلق بالغسل ككونه يعصر بطنه برفق (و) في بيان (كفنه) بفتح الفاء وسكونها، وفي بيان عدد ما يكفن فيه الميت ونحو ذلك؛ أي: مما أشار إليه بقوله ولا بأس أن يقمص أو يعمم (و) في بيان (تحنيطه)؛ أي: الميت وتحنيط كفنه (و) في بيان (حمله) ترجم له ولم يذكره في الباب ولعله سكت عنه لما أن الدفن يتضمنه (و) بيان كيفية (دفنه)؛ أي: وضعه في قبره وما يوضع فيه؛ أي: من اللبن.
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ويستحب استقبال القبلة بالمحتضر) حين تظهر علامات الموت عليه ويوقن بموته، وذلك إذا أشخص الرجل بصره؛ أي: فتح عينيه لا يطرف، ولا يستقبل به قبل ذلك؛ أي: يكره، والمطلوب في صفة الاستقبال أن يجعل على جنبه الأيمن وصدره إلى القبلة لما روى الحاكم من حديث أبي قتادة ﵁ «أن النبي ﷺ حين قدم المدينة سأل عن البراء بن معرور (^١)، فقالوا: توفي وأوصى أن يوجه إلى القبلة لما احتضر، فقال رسول الله ﷺ: «أصاب الفطرة، وقد رددت ثلثه على ولده، ثم ذهب فصلى عليه، وقال: اللهم اغفر له، وارحمه، وأدخله جنتك، وقد فعلت» (^٢). قال الحاكم: ولا أعلم في توجيه المحتضر إلى القبلة غيره (^٣)، ويذكر عن الحسن قال: ذكر عمر الكعبة فقال: والله ما هي إلا أحجار نصبها الله قبلة لأحيائنا، ونوجه إليها موتانا».
(و) يستحب (إغماضه)؛ أي: تغليق عينيه (إذا قضى) نحبه النحب النذر، لما روت أم سلمة ﵂ قالت: «دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة
_________________
(١) البراء بن معرور بن صخر بن خنساء أول نقيب كان في الإسلام ﵁.
(٢) أخرجه الحاكم (١٢٥٢)، والبيهقي (٧٢٧٣)، وقال البيهقي: وهو مرسل جيد.
(٣) سبل السلام للصنعاني (٢/ ١٨٧).
[ ٢ / ٥٧٢ ]
فأغمض بصره» ثم قال: «إن الروح إذا قبض تبعه البصر» (^١).
ولا يخفى أن كل حي لا بد أن يموت - إلا الحي القيوم الذي لا يموت جل في علاه - فكأنه نذر لازم، فإذا مات قضى نحبه؛ أي: نذره، والمراد أنه مات بالفعل، ولذلك أتى المصنف بإذا المفيدة للتحقيق، وإنما استحب ذلك لأن فتح عينيه بعد موته يقبح به منظره، وفي إغلاق بصره تكريم له.
ويستحسن أن يقول ما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن بكر بن عبد الله المزني التابعي الجليل ﵀ قال: «إذا أغمضت الميت فقل: باسم الله وعلى ملة رسول الله، وإذا حملته فقل: باسم الله، ثم تسبيح ما دمت تحمله» (^٢).
ويستحب أيضا شد لحييه بعصابة إكراما لمنظره، ولئلا تدخل الحشرات والهوام جوفه، وتليين مفاصله برفق، ورفعه عن الأرض، وستره بثوب «لأن النبي ﷺ سجي بثوب حبرة» (^٣) من حديث عائشة ﵂، ووضع شيء ثقيل على بطنه نحو سيف لما روي أن أنس بن مالك ﵁ «أمر بوضع حديدة على بطن مولى له مات» وذلك لئلا ينتفخ، وتلقينه وإليه أشار بقوله و(يلقن)؛ أي: المحتضر الذي لم يمت بالفعل؛ وأما الأمور التي تقدمت فهي لمن مات بالفعل والتلقين أن يقول الجالس عنده بحيث يسمعه (لا إله إلا الله) لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: «قال رسول الله ﷺ: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله»» (^٤).
واستظهره خليل في «التوضيح»، وجنح ابن الفاكهاني للشهادتين، معللا أن الشرع اكتفى بذكر إحداهما (^٥)، قلت: والأول أظهر عندي والله أعلم.
(عند الموت)؛ أي: عند ظهور علامات الموت، وإنما طلب التلقين ليتذكرهما بعقله فيموت وهو معترف بهما في ضميره، وإذا قالها المحتضر لا
_________________
(١) أخرجه أحمد (٦/ ٢٩٧) رقم (٢٢٥٨٥)، ومسلم (٢/ ٦٣٤) رقم (٩٢٠).
(٢) «السنن الكبرى» (١/ ٢٩٠)، ومصنف ابن أبي شيبة (١٠٨٧٨)، وعبد الرزاق (٦٠٥١).
(٣) رواه البخاري (١١٨٤)، ومسلم (٩٤٢). «سجي» غطي. «ببرد حبرة» ثوب يماني مخطط.
(٤) رواه مسلم (١/ ٩١٦).
(٥) التوضيح على جامع الأمهات لخليل (٢/ ٥٨٥).
[ ٢ / ٥٧٣ ]
تعاد عليه إلا أن يتكلم بكلام أجنبي فتعاد عليه لتكون آخر كلامه فيدخل الجنة لما مضى في الحديث، ولا يقال له عند الاحتضار قل: لا إله إلا الله، لأنه ربما كان في منازعة الشيطان عند قوله له: مت على دين كذا اليهودية أو النصرانية فيقول لا، فيساء به الظن.
ومن لطف الله بالصالحين تثبيته لهم فقد روى ابن أبي حاتم في ترجمة أبي زرعة: «أنه لما احتضر أرادوا تلقينه، فتذاكروا حديث معاذ، فحدثهم به أبو زرعة بإسناده، وخرجت روحه في آخر قول لا إله إلا الله» (^١).
(وإن قدر على أن يكون جسده (طاهرا، وما عليه طاهر فهو أحسن)؛ والمعنى: أنه يندب لنا أن نجعل ما فوقه وما تحته وجسده طاهرا إن أمكن ذلك، وعلته حضور الملائكة عنده، ويستحب أن لا يقربه حائض ولا جنب)، وكذا يندب أن لا يقربه كلب، ولا تمثال وكل شيء تكرهه الملائكة لحديث علي ﵁ عن النبي ﷺ: «إنها ثلاثة لن يلج عليك ملك ما دام فيها واحدة منها: كلب، أو جنابة، أو صورة روح» (^٢).
(وأرخص)؛ بمعنى: استحب (بعض العلماء) كابن حبيب من المالكية، والإمام أحمد (^٣)، والشافعية (^٤) (في القراءة عند رأسه) أو رجليه أو غير ذلك (بسورة يس) لما روى معقل بن يسار ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اقرأوا على موتاكم - يعني المحتضر تقرأ عنده يس» (^٥).
_________________
(١) أورد قصته الحافظ في الفتح (٣/ ١٣١)، ما جاء في الجنائز، ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله، نسأل الله حسن الختام بها.
(٢) أحمد (١/ ٨٥)، والنسائي بلفظ قريب منه (٤٢٨١)، وفي إسناده عبد الله بن نجي الحضرمي، عن أبيه، وعبد الله: صدوق كما قال الحافظ في التقريب (٣٦٦٤)، ووالده نجي مقبول، تقريب (٧١٠٢).
(٣) المغني (٣/ ٣٦٤).
(٤) المجموع للنووي (٥/ ١٠٢).
(٥) وأخرجه أحمد (٥/ ٢٦) رقم (٢٠٣١٥)، والطبراني (٢٠/ ٢٢٠) رقم (٥١١). قال الهيثمي (٦/ ٣١١): في سنن أبي داود منه طرف رواه أحمد، وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله رجال الصحيح، ورواه الطبراني، وأسقط المبهم، ونقل أبو بكر بن العربي عن
[ ٢ / ٥٧٤ ]
قال الصنعاني: «قال أحمد في «مسنده»: حدثنا صفوان قال: كانت المشيخة يقولون إذا قرئت يس عند الموت خفف عنه بها … ثم أورد الحديث الأنف ثم قال: وهذان يؤيدان ما قاله ابن حبان من أن المراد به المحتضر، وهما أصرح في ذلك مما استدل به».
وأخرج أبو الشيخ في فضائل القرآن، وأبو بكر المروزي في كتاب الجنائز عن أبي الشعثاء صاحب ابن عباس ﵄ أنه يستحب قراءة سورة الرعد، وزاد فإن ذلك يخفف عن الميت، وفيه أيضا عن الشعبي كانت الأنصار يستحبون أن تقرأ عند الميت سورة البقرة (^١).
(ولم يكن ذلك)؛ أي: ما ذكر من القراءة عند المحتضر (عند مالك) ﵀ وإنما هو مكروه عنده لا خصوصية يس بل يكره عنده قراءة يس أو غيرها عند موته أو بعده أو على قبره (أمرا معمولا به) وكذا يكره عنده تلقينه بعد وضعه في قبره وانظر التوضيح لخليل. اهـ (^٢).
(ولا بأس بالبكاء بالدموع حينئذ)؛ أي: حين يحتضر الميت؛ أي: وكذا بعد، لما روى أنس ﵁ قال: شهدنا بنتا لرسول الله ﷺ، قال: ورسول الله ﷺ جالس على القبر، قال: فرأيت عينيه تدمعان، … (^٣).
(وحسن التعزي) وهو تقوية النفس على الصبر على ما نزل بها، والمناسب حذف حسن ويقول: والتعزي والتصبر أجمل؛ أي: أحسن، لأنه على عبارته يلغو الإخبار بقوله أجمل؛ أي: أحسن (والتصبر) وهو حمل النفس على الصبر فعطفه على حسن التعزي من عطف المغاير، لأن التعزي هو
_________________
(١) = الدارقطني أنه قال: هذا حديث ضعيف الإسناد، مجهول المتن، ولا يصح في الباب حديث.
(٢) سبل السلام (٢/ ١٨٨).
(٣) التوضيح على جامع الأمهات لخليل (٢/ ٥٨٤).
(٤) البخاري رقم (١٢٠٥) كتاب الجنائز، باب: قول النبي ﷺ: يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه إذا كان النوح من سنته ..
[ ٢ / ٥٧٥ ]
تقوية النفس على الصبر بحيث يرسخ فيها ولا كذلك التصبر وهو حمل النفس على الصبر، ولا يلزم منه رسوخ (أجمل)؛ أي: أحسن من البكاء ولا يخفى أن البكاء لا حسن فيه فأفعل التفضيل ليس على بابه (لمن استطاع) ويستعان على ذلك بالنظر في الأدلة على أجر المصائب من الآيات والأحاديث الواردة في شأن ذلك فمنها قوله ﷿: ﴿وبشر الصابرين الذين إذا أصبتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]، فصلوات الله ورحمته لا يوازيهما شيء من جميع متعلقات الدنيا، وفي الحديث: «من قال ذلك وقال معه: اللهم آجرني في مصيبتي وأعقبني خيرا منها فعل الله به ذلك» (^١).
ولا يقول الحاضرون إلا خيرا لحديث أم سلمة ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه، ثم قال: «إن الروح إذا قبض تبعه البصر»، فضج ناس من أهله، فقال: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون»، ثم قال: «اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونور له فيه» (^٢).
(وينهى عن الصراخ والنياحة) لقوله ﵊: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» (^٣) وفي رواية لمسلم: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب» (^٤)، وقالت أم عطية ﵂: «أخذ علينا رسول الله ﷺ مع البيعة، ألا ننوح» (^٥).
_________________
(١) رواه مالك (٥٦٠) ومسلم (٢/ ٦٣١) رقم (٩١٨).
(٢) مسلم (٢/ ٦٣٤) رقم (٩٢٠).
(٣) البخاري (١/ ٤٣٥) رقم (١٢٣٢)، ومسلم (١/ ٩٩) رقم (١٠٣).
(٤) مسلم (٢/ ٦٤٤) رقم (٩٣٤) ..
(٥) البخاري (١٢٤٤)، ومسلم (٩٣١).
[ ٢ / ٥٧٦ ]
• حكم تغسيل الميت، وصفته:
تغسيل الميت واجب على الأصح (^١)، وصحح ابن راشد (^٢) أنه فرض على الكفاية، وقيل سنة وبه قال المصنف كما في «جامع الآداب» كما سيأتي.
(وليس في غسل الميت) غير شهيد المعركة عند مالك (حد ولكن) المقصود عنده أنه (ينقى) ولعل دليل مالك في هذا هو تخيير النبي ﷺ من غسلن ابنته بقوله: «اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ..» (^٣)، واعترض على ما ذكره من عدم التحديد بقوله (ويغسل وترا) فإنه تحديد أجيب عنه بأن التحديد هو الذي لا يزاد عليه ولا ينقص منه، والوتر يكون ثلاثا أو خمسا أو سبعا، وكون الغسل وترا مستحب؛ أي: ما عدا الواحد فلا ندب فيه فالاثنان أفضل، والغسل للميت تعبدي لا للنظافة على المشهور. وقيل للنظافة (^٤). ويكون (بماء وسدر) متعلق بيغسل لقوله ﷺ في الذي سقط عن بعيره: «اغسلوه بماء وسدر» (^٥)، ولحديث أم عطية أن رسول الله حين توفيت ابنته قال: «اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن بماء وسدر واجعلن في الآخرة كافورا» (^٦).
قال الفاكهاني: معناه عند جميع العلماء أن يذاب السدر المسحوق بالماء ثم يعرك به بدن الميت، ويدلك به، وهكذا في كل غسلة ما عدا الغسلة الأولى فلا بد فيها من الماء القراح حتى يحصل الغسل الواجب (ويجعل في) الغسلة (الأخيرة) على جهة الاستحباب (كافورا) لأمره ﵊
_________________
(١) التوضيح (٢/ ٥٩٠)، والتلقين (١٤١)، والكافي لابن عبد البر (٨٢).
(٢) وفي التتائي (٢/ ٥٨٤) تصحيف لابن رشد وهو غلط، في اسم المؤلف والكتاب كلاهما، وقول ابن راشد في المذهب (١/ ٣٥٣).
(٣) أخرجه البخاري (١/ ٤٢٣) رقم (١١٩٦)، ومسلم (٢/ ٦٤٦) رقم (٩٣٩).
(٤) المذهب (١/ ٣٥٣).
(٥) أخرجه أحمد (١/ ٣٣٣) رقم (٣٠٧٦)، والبخاري (٢/ ٦٥٦) رقم (١٧٥٢)، ومسلم (٢/ ٨٦٥) رقم (١٢٠٦).
(٦) تقدم تخريجه.
[ ٢ / ٥٧٧ ]
بذلك كما تقدم في حديث أم عطية ﵂، فإن لم يوجد قام غيره من الطيب مقامه، ويقوم مقام السدر عند عدمه الصابون ونحوه.
(و) إذا جرد الميت للغسل (تستر عورته) وهي على ما فهم اللخمي من المدونة السوأتان خاصة، والمعتمد أنها ما بين السرة والركبة كما نقل عن ابن حبيب، ونقل الباجي عن أشهب ستر صدره ووجهه خشية تغيره فيساء به الظن وبالجملة فالأقوال ثلاثة (^١) (وجوبا) ولو كان الغاسل زوجا وسيدا لما في الحديث أن النبي ﷺ قال لعلي: «لا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت» (^٢).
قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى وروي: «الناظر من الرجال إلى فروج الرجال، كالناظر منهم إلى فروج النساء، والمتكشف ملعون» (^٣).
(ولا تقلم أظفاره ولا يحلق شعره) فإن فعل به هذا كره (^٤)، واعتبر فعله بدعة (^٥)، وضم معه في كفنه إن فعل (^٦).
(ويعصر بطنه) استحبابا قبل الغسل إن احتيج إلى ذلك (عصرا رفيقا) مخافة أن يخرج منه شيء يلطخ الكفن، فإن كانت امرأة حاملا فليرفق بها، ولا يضغط على بطنها خشية أن يخرج الجنين لما في حديث أم سليم أم أنس بن مالك ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «إذا توفيت المرأة، فأرادوا أن يغسلوها، فليبدأوا ببطنها، فليمسح بطنها مسحا رفيقا، إن لم تكن حبلى، فإن كانت حبلى فلا تحركيها» (^٧).
_________________
(١) تنوير المقالة للتتائي (٢/ ٥٧٥).
(٢) أخرجه أبو داود (٣/ ١٩٦) رقم (٣١٤٠)، وابن ماجه (١/ ٤٦٩) رقم (١٤٦٠).
(٣) التمهيد (٢/ ١٦٠)، والمغني لابن قدامة (٤/ ٣٦٥).
(٤) شرح التلقين (٣/ ١١٢٠).
(٥) المدونة (١/ ٢٥٦).
(٦) المنتقى (٢/ ٦).
(٧) أخرجه البيهقي (٧٠١٣)، ثم عزاه للترمذي، واستدرك عليه صاحب الجوهر النقي أنه لم يجده فيه، وعزاه المزي في تحفة الأشراف للترمذي ولم يذكر موضع روايته له، والذي عند الترمذي بعد تخريجه حديث أم عطية هو قوله: وفي الباب عن أم سليم، =
[ ٢ / ٥٧٨ ]
(وإن وضئ) الميت (وضوء الصلاة ف) هو (حسن)؛ أي: مستحب، وهو المشهور (^١)، لحديث أم عطية ﵂ أن رسول الله ﷺ قال للنساء اللاتي غسلن ابنته: «ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها» (^٢).
ولا يفتقر لنية لأنه فعل في الغير وقوله: (وليس بواجب) إشارة إلى أن في المسألة قولين: بالاستحباب، والوجوب، لاختلاف العلماء في أمره ﷺ اغسلنها، فأشار للأول بقوله: فحسن، ولدفع الثاني بقوله: وليس بواجب؛ ولو خرجت منه نجاسة بعد الغسل أزيلت، ولا يعاد غسله، ولا وضوءه، بل يغسل المحل فقط (^٣)، ولا بأس أن يجعل بين أليتيه وفي أرفاغه حنوط.
(ويقلب) الميت (لجنبه في الغسل أحسن) من جلوسه لأنه أبلغ في الإنقاء، وأرفق بالميت فيجعل أولا على شقه الأيسر، فيغسل شقه الأيمن تفاؤلا لقوله ﷺ: «ابدأن بميامينها»، ثم يجعل على شقه الأيمن فيغسل شقه الأيسر، وهذا على جهة الاستحباب فإن بدأ بأي جهة وأنقى أجزأ (وإن أجلس) في الغسل (فذلك) الجلوس (واسع)؛ أي: جائز وهو اختيار عبد الوهاب؛ أي: فعنده الإجلاس أحسن لأنه أمكن في تحصيل غسله (^٤).
(ولا بأس بغسل أحد الزوجين صاحبه من غير ضرورة) استعمل لا بأس هنا فيما هو خير من غيره فإن كل واحد من الزوجين مقدم في غسل من مات منهما على سائر الأولياء، حتى أنه يقضى له به عند منازعة الأولياء له،
_________________
(١) = ولم يذكر حديثا، قلت: وقد أجاد العلامة الشيخ المحدث حسن بن محمد بن حيدر الوائلي في كتابه كشف النقاب عما يقول الترمذي وفي الباب، ط: دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى ١٤٢٦ هـ حيث أخرجه في كتابه تحت رقم (١٦٦٠)، وعزاه للطبراني (٢٥/ ١٢٤) رقم (٣٠٤)، قال الهيثمي (٣/ ٢٢): رواه الطبراني في الكبير بإسنادين في أحدهما ليث بن أبي سليم، وهو مدلس ولكنه ثقة وفي الآخر جنيد وقد وثق وفيه بعض كلام .. ولابن أبي حاتم في العلل (١/ ٣٦٠)، والبيهقي (وقد سبق عزوه إليه).
(٢) المدونة (١/ ٢٦٠)، والمنتقى (٢/ ٦)، والتفريع (١/ ٣٧٠)، والتوضيح (٢/ ٥٩٥).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) تنوير المقالة (٢/ ٥٨١).
(٥) تنوير المقالة للتتائي (٢/ ٥٨١).
[ ٢ / ٥٧٩ ]
والأصل فيما ذكر ما روت عائشة فقالت: رجع رسول الله ﷺ من البقيع، فوجدني وأنا أجد صداعا في رأسي، وأنا أقول: وا رأساه، فقال: «بل أنا يا عائشة وا رأساه» ثم قال: «ما ضرك لو مت قبلي، فقمت عليك، فغسلتك، وكفنتك، وصليت عليك، ودفنتك» (^١)، وفي البخاري بلفظ: «ذلك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك».
وروى مالك في «الموطأ» عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: «أن أسماء بنت عميس غسلت أبا بكر الصديق حين توفي، ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين. فقالت: «إني صائمة، وإن هذا يوم شديد البرد، فهل علي من غسل؟ فقالوا: لا»» (^٢).
قال أبو عمر ابن عبد البر: هذا إجماع من العلماء مأخوذ عن إجماع السلف من الصحابة على ما في هذا الحديث من المهاجرين والأنصار من إجازات غسل المرأة زوجها من غير نكير عن أحد منهم (^٣).
وأن عليا ﵁ غسل السيدة فاطمة (^٤)، وغسلت أبا موسى زوجته (^٥).
(وإن كان مع) المرأة (الميتة) في السفر (ذو محرم) من محارمها ولو صهرا ولم يكن معها امرأة (غسلها) محرمها على ما في «المدونة» (^٦)، وقال أشهب: لا يغسلها بل ييممها (^٧) (من فوق ثوب يستر جميع جسدها) وصورة
_________________
(١) رواه ابن ماجه (١٤٦٥)، وصححه الألباني من طريق أحمد وهو في (المسند) (٦/ ٢٢٨)، وأصله في البخاري (٥٣٤٢).
(٢) كتاب الجنائز، باب: غسل الميت (٥٢٢)، وجاء في مصنف عبد الرزاق (٦١١٧): أن أبا بكر ﵁ أوصى بذلك، وهو مرسل صحيح عن ابن أبي مليكة.
(٣) الاستذكار (٣/ ١١).
(٤) اخرجه الدارقطني (٢/ ٧٩)، والبيهقي (٣/ ٣٩٦)، قال الحافظ في التلخيص الحبير (٢/ ١٥٠): إسناده صحيح، وأصله في الصحيحين: أن فاطمة ﵂ لما توفيت دفنها زوجها علي ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر ﵁، البخاري (٤٢٤٠)، ومسلم (١٧٥٩).
(٥) المغني لابن قدامة (٣/ ٤٦١)، والاستذكار (٣/ ١١).
(٦) المدونة (١/ ٢٦١)، وهو المشهور، وانظر: التفريع (١/ ٣٧١)، والمعونة (١/ ٣٤٢).
(٧) المذهب (١/ ٣٥٥)، والنوادر والزيادات.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
غسلها أن يصب عليها الماء صبا ولا يباشر جسدها بيده من فوق الثوب ولا من تحته.
• تكفين الميت:
وحكمه الوجوب على الكفاية (^١)، (ويستحب أن يكفن الميت) غير شهيد المعركة (في وتر ثلاثة أثواب أو خمسة أو سبعة) تكلم على المستحب، وسكت عن الواجب، وهو ثوب ساتر لجميع جسده، وظاهر كلامه أن استحباب السبعة عام للرجال والنساء والذي في المختصر وهو المعتمد اختصاص استحباب التسبيع بالمرأة، وكراهة ما زاد على الخمسة للرجال.
ولما خشي أن يتوهم أن ذلك مقصور على ما يلف فيه دفع ذلك بقوله: (وما جعل له)؛ أي: للميت (من وزرة) صوابه من إزرة (وقميص وعمامة فذلك محسوب في عدد الأثواب الوتر) المستحب ثم استدل على استحباب الوتر بقوله: (وقد كفن النبي في ثلاثة أثواب بيض سحولية) وقول المصنف جزء من حديث عائشة ﵂ قالت: «كفن في ثلاثة أثواب يمانية بيض، سحولية من كرسف ليس فيهن قميص ولا عمامة» (^٢).
بفتح السين وضمها فالفتح منسوب إلى السحول وهو القصار، لأنه يسحلها؛ أي: يغسلها، أو إلى سحول وهي قرية باليمن، والضم جمع سحل وهو الثوب الأبيض (^٣) (أدرج)؛ أي: لف (فيها إدراجا)؛ أي: لفا.
ولا بأس أن يقمص الميت، ويعمم استعمل لا بأس هنا فيما فعله خير من تركه فقد نص في المختصر على استحبابه؛ أي: كل واحد منهما مستحب لا أنهما مستحب واحد أما القميص فقد ثبت أن النبي ﷺ ألبس عبد الله ابن
_________________
(١) المذهب (١/ ٣٥٨)، ومواهب الجليل (٢/ ٢٢٤)، والمازري كما في شرح التلقين (١١٣٤/ ٣)، وانظر: المقدمات (١/ ٢٣٣).
(٢) البخاري (١٢٠٥)، ومسلم (٩٤١).
(٣) النهاية في غريب الأثر لابن الأثير (٢/ ٣٤٧).
[ ٢ / ٥٨١ ]
أبي سلول قميصه لما مات" (^١).
قال أبو عمر (^٢): وزعم أصحاب مالك أن العمامة عندهم في كفن الميت معروفة بالمدينة، وكذلك الخمار للمرأة، واستحبوا أن يقمص الميت، وكان ابن عمر يعمم الميت، وكان جابر بن عبد الله وعطاء لا يعممان، وكفن ابن عمر ابنه واقد في خمسة أثواب قميص وثلاثة لفائف وعمامة. اه. وأما المرأة فلا تعمم، وإنما يجعل على رأسها خمار يترك منه ذؤابة تطرح على وجهها.
وأفضل الكفن الأبيض من القطن أو الكتان، والقطن أفضل لأنه أستر، وكفن فيه ﵊، ويكره المعصفر (^٣) ونحوه من الأخضر وكل لون يخالف البياض. ومحل الكراهة عند إمكان الأبيض وإلا فلا.
والكفن والحنوط ومؤنة تجهيزه يقدم على الدين غير المرتهن والوصية، وإلا بأن كان هناك رهن على الدين قد حازه المرتهن فإنه يقدم الدين المرهون على مؤن التجهيز.
(وينبغي) بمعنى ويستحب أن يحنط الميت إن كان غير محرم ومعتدة ويلي ذلك غير محرم ومعتدة، ويستحب أن ينشف جسده بخرقة طاهرة قبل أن يحنط، ويستحب أيضا أن تجمر ثيابه؛ أي: تبخر وترا ثلاثا أو خمسا أو سبعا بالعود ونحوه (ويجعل الحنوط) بفتح الحاء وهو ما يطيب به من مسك وعنبر وكافور (بين أكفانه)؛ أي: فوق كل لفافة ما عدا العليا لأن الصديق ﵁ قال: لا تجعلوا على أكفاني حنوطا؛ أي: أعلاها، وقوله ﷺ في الذي وقصته راحلته: «اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» (^٤)، وفي رواية لمسلم: «ولا يمس طيبا» (^٥)، فدل على أن غير الذي مات في إحرامه يجوز استعمال الحنوط له، وهل كل محرم
_________________
(١) رواه البخاري (١٢١٠)، ومسلم (٢٧٧٤).
(٢) الاستذكار (٣/ ١٧)، دار الكتب العلمية.
(٣) المدونة (١/ ١٨٨)، وجامع الأمهات وشرحه التوضيح (٢/ ٦٢٢).
(٤) رواه البخاري (١٢٦٨)، ومسلم (٢٨٨٣) من حديث ابن عباس ﵄.
(٥) البخاري (١٧٤٢)، ومسلم (٢٨٩١)، واللفظ لمسلم.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
مات في إحرامه يفعل به ما فعل بالذي وقصته دابته؟ أجاب ابن الحاجب ومن قبله من المالكية بأنه يغسل ويطيب كغيره، قال خليل: الحديث: «إنه سيبعث ملبيا» لا يؤخذ منه تعميم ذلك الحكم، لأن ذلك لا يعلم إلا بالوحي، والنبي ﷺ لما علم أن ذلك المحرم يبعث ملبيا أمر بما أمر، ونحن لا نعلم ذلك، قاله المازري وغيره وفيه تنبيه على خلاف الشافعي. اه (^١). قلت: ويشكل عليهم الشهداء في عدم تغسيلهم والصلاة عليهم، ونحن قطعا لا يمكن الجزم بأنهم شهداء إلا بحسب الظاهر لنا ولا نزكي على الله أحدا، ولكن نجري الأحكام بحسب ما أجراها الشارع عليهم، ولنا الظواهر والله يتولى السرائر والله أعلم.
(و) يوضع الحنوط أيضا (في جسده) كعينيه وأذنيه وأنفه وفمه ومخرجيه بأن يذر منه على قطن ويلصق على عينيه وفي أذنيه وأنفه ومخرجه من غير إدخال فيها، وكان ابن عمر ﵁ «يتبع مغابن الميت ومرافقه بالمسك» (^٢).
ومواضع السجود منه الجبهة والأنف والركبتين واليدين وأطراف أصابع الرجلين، فعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «يوضع الكافور على مواضع سجود الميت» (^٣).
(ولا يغسل الشهيد في المعترك) وهو قول أكثر أهل العلم، قال مالك: ولو كان جنبا لعموم الخبر، والشهيد هو من مات بسيف القتال مع الكفار في وقت قيام القتال، لحديث جابر ﵁ «أن النبي ﷺ أمر بدفن شهداء أحد في دمائهم، ولم يغسلهم، ولم يصل عليهم» (^٤).
ومثل الموت بالسيف لو داسته الخيل فمات، أو سقط عن دابته، أو حمل
_________________
(١) التوضيح على جامع الأمهات لخليل (٢/ ٦١٦)، وانظر: شرح التلقين (٣/ ١١٤٣)، والذي يفهم من كلام مالكية العراق أنهم يجرون الأحكام على ألفاظها لا أسبابها، وهو موافق لما قلناه.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٦١٤١)، وانظر: الأوسط لابن المنذر (٨٥٥).
(٣) رواه ابن أبي شيبة (١٠٩١٦)، والبيهقي في الصغرى (١٠٦٥)
(٤) البخاري (١٣٤٣) بدون لفظ ولم يصل عليهم، باب الصلاة على الشهيد. وكذا أبو داود (٣١٣٧).
[ ٢ / ٥٨٣ ]
على العدو فتردى في بئر أو سقط من شاهق، أو رجع عليه سلاحه فقتله (و) كذلك (لا يصلى عليه) لحديث جابر ﵁ السابق، وظاهر كلامه ولو قتله العدو في بلاد الإسلام وهو المشهور ومقابله يقول: إذا كان في بلاد الإسلام فإنه يغسل ويصلى عليه، لأن درجته انحطت عن الشهيد الذي دخل بلاد العدو، فإن رفع من المعترك حيا ثم مات فالمشهور أنه يغسل ويصلى عليه، لما فعل بسعد بن معاذ ﵁ حين أصيب في أكحله ولم يمت إلا بعد أيام (^١)، ولو كان حين الرفع منفوذ المقاتل إلا أن يكون لم يبق فيه إلا ما يكون من غمرة الموت ولم يأكل ولم يشرب، هذا محصل ذلك القول على ما يستفاد من بعض شروح العلامة خليل (^٢) ولكن المذهب أن منفوذها لا يغسل رفع مغمورا أم لا وكذا غير منفوذها وهو مغمور، (و) كما أنه لا يغسل ولا يصلى عليه (يدفن بثيابه) لأمره ﷺ في قتلى أحد «أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا في ثيابهم» (^٣).
(ويصلى على قاتل نفسه) كان القتل عمدا أو خطأ وإثمه على نفسه في العمد، لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «صلوا على من قال لا إله إلا الله» (^٤) وما في «الصحيح». كقوله: «صلوا على صاحبكم» (^٥).
ويصلى عليه أهل الفضل في الخطأ دون العمد لما روى جابر بن سمرة ﵁: «أتي النبي ﷺ برجل قتل نفسه بمشاقص (^٦)، فلم يصل عليه» (^٧).
_________________
(١) مسلم (٧٥) (٢٢٠٨).
(٢) الشرح الكبير للدردير، ومواهب الجليل للحطاب، والخرشي عند قول خليل: «وإن أنفذت مقاتله»، وانظر: الجواهر (١/ ١٦٤)، والتوضيح (٢/ ٦٣٦).
(٣) أخرجه ابن ماجه (١٥٨٢)، وأخرجه أيضا: أحمد رقم (٢٣٧٠٦)، وأخرجه النسائي (٦/ ٢٩) رقم (٣١٤٨).
(٤) أخرجه الدارقطني (٢/ ٥٦)، باب: صفة من تجوز الصلاة معه والصلاة عليه، قال النووي في المجموع: ضعيف، ورواه أبو نعيم في الحلية (١٠/ ٣٢٠)، والخطيب (١١/ ٢٩٣)، وأخرجه أيضا: الطبراني (١٢/ ٤٤٧) رقم (١٣٦٢٢). قال الهيثمي (٢/ ٦٧): فيه محمد بن الفضل بن عطية وهو كذاب.
(٥) من حديث سلمة بن الأكوع: أخرجه البخاري (٣/ ٨٠) رقم (٢١٧٣).
(٦) (بمشاقص) المشاقص سهام عراض واحدها مشقص.
(٧) رواه مسلم (٩٧٨).
[ ٢ / ٥٨٤ ]
(و) كذلك (يصلي على من قتله الإمام في حد) وجب عليه فيه القتل كتارك الصلاة كسلا، والمحارب؛ أي: قاطع الطريق، ومن وجب عليه الرجم كلائط وزان محصنين (أو) قتله الإمام (في قود) كمن قتل نفسا بغير نفس (ولا يصلى عليه)؛ أي: على من قتله في حد من زنا ونحوه، أو قود (الإمام) ولا أهل الفضل، قال مالك: لا يصلي على من قتل في حد لأن أبا برزة الأسلمي حدث: «أن رسول الله ﷺ لم يصل على ماعز بن مالك، ولم ينه عن الصلاة عليه (^١)» واختلف هل صلى رسول الله ﷺ على الغامدية؟ (^٢).
والصحيح أنه صلى عليها ففي حديث بريدة ﵁ وفيه «… قال فجاءت الغامدية فقالت يا رسول الله إني قد زنيت فطهرني … «لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس (^٣) لغفر له». ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت» (^٤).
وإنما تركت الصلاة على القاتل ونحوه من الإمام وأهل الفضل ليكون ذلك ردعا لغيره عن مثل فعله إذا رأوا الأئمة وأهل الفضل امتنعوا من الصلاة عليه (^٥)، واختار بعض أهل العلم أن يدعو له الإمام سرا ليجمع بين المصلحتين.
(ولا يتبع الميت بمجمر) بفتح الميم الأولى وكسرها اسم للشيء الذي يجعل فيه الجمر والعود نفسه، وكذا المجمر بالضم فيهما، والمعنى أنه لا يتبع الميت بمجمر فيها نار لنهيه ﷺ، روى مسلم من حديث ابن شماسة المهري أن عمرو بن العاص ﵁ لما حضرته الوفاة قال: «… فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة، ولا نار …» (^٦).
_________________
(١) رواه أبو داود (٣٨٨٨).
(٢) طرح هذا السؤال خليل في التوضيح (٢/ ٦٤٤).
(٣) (صاحب مكس) معنى المكس: الجباية وغلب استعماله فيما يأخذه أعوان الظلمة عند البيع والشراء كما قال الشاعر: وفي كل أسواق العراق إتاوة … وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم
(٤) مسلم (١٦٩٥).
(٥) البيان والتحصيل (٢/ ٢٦٩).
(٦) رواه مسلم (١٢١).
[ ٢ / ٥٨٥ ]
فإذا كان الدفن ليلا واحتيج للضوء فلا بأس بذلك، لما ثبت أن النبي ﷺ: «دخل قبرا ليلا فأسرج له سراج» (^١).
(والمشي أمام الجنازة) للرجال (أفضل) من المشي خلفها لأنهم شفعاء (^٢)، وإذا ركبوا فيستحب لهم أن يكونوا خلفها؛ والدليل الأول من حديث ابن عمر ﵄ قال: «رأيت رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة» (^٣).
ودليل الثاني: ما رواه أبو داود أنه قال: «الراكب يسير خلف الجنازة» (^٤).
(ويجعل الميت في قبره) على جهة الاستحباب (على شقه الأيمن) إلى القبلة، لأنها أشرف المجالس لما تقدم من حديث عن عبيد بن عمير عن أبيه وفيه في عد الكبائر «… واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا» (^٥).
وتمد يده اليمنى على جسده ويعدل رأسه بالتراب ويجعل التراب خلفه، وأمامه لئلا ينقلب ويحل عقد كفنه فإن لم يتمكن من جعله على شقه الأيمن فعلى ظهره مستقبل القبلة بوجهه فإن لم يمكن فعلى حسب الإمكان، وإذا خولف به الوجه المطلوب في دفنه كما إذا جعل لغير القبلة أو على شقه الأيسر ولم يطل فإنه يتدارك ويحول عن حاله، والطول يكون بالفراغ من دفنه.
(و) بعد الفراغ من وضع الميت في لحده (ينصب عليه اللبن) بفتح اللام وكسر الباء على الأصح جمع لبنة وهو ما يعمل من طين وتبن وهو أفضل ما وقال: هذا حديث حسن من حديث ابن عباس ﵁.
_________________
(١) الترمذي (٩٧٧)، وقال: هذا حديث حسن من حديث ابن عباس ﵄.
(٢) المدونة (١/ ٢٥٣)، والتفريع (١/ ٣٧٠)، والتوضيح (٢/ ٦٣٠). ولم يرتض صاحب التبصرة كون المشي أمامها للشفاعة.
(٣) رواه مالك في الموطأ (١/ ٢٢٥)، وأبو داود (٢/ ١٨٣)، والترمذي كما في العارضة (٤/ ٢٢٨)، والنسائي (٤/ ٤٦).
(٤) رواه أبو داود (٣١٨٠).
(٥) أخرجه أبو داود (٣/ ١١٥) رقم (٢٨٧٥)، والنسائي (٧/ ٨٩) رقم (٤٠١٢).
[ ٢ / ٥٨٦ ]
يسد به. لما روى ابن حبان عن عائشة: «أن النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب سحولية، ولحد له، ونصب اللبن عليه نصبا» (^١).
ولحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال في مرضه الذي مات فيه: «ألحدوا لي لحدا وانصبوا علي اللبن نصبا كما صنع برسول الله ﷺ» رواه مسلم (^٢).
(ويقول) واضع الميت في قبره أو من حضر دفنه (حينئذ)؛ أي: حين نصب اللبن عليه (اللهم إن صاحبنا) المراد به جنس الميت ليدخل فيه الذكر والأنثى صغيرا كان أو كبيرا أبا أو ابنا أو غيرهما (قد نزل بك)؛ أي: استضافك؛ أي: أنه نزل عندك ضيفا (وخلف)؛ أي: نبذ (الدنيا) المراد بها أهله وماله وولده (وراء ظهره وأقبل على الآخرة وافتقر إلى ما عندك) وهي رحمتك وهو الآن أشد افتقارا إليها (اللهم ثبت عند المسألة)؛ أي: سؤال الملكين (منطقه)؛ أي: كلامه فالمراد بالمنطق المنطوق به الذي هو الكلام بحيث يجيب حين السؤال بقوله: ربي الله ونبيي محمد ﷺ وديني الإسلام (ولا تبتله)؛ أي: لا تختبره الاختبار الامتحان والوارد من ذلك إنما هو السؤال فحينئذ يكون دعاء بأن يلطف به في السؤال؛ أي: بحيث يسأل برفق (في قبره بما)؛ أي: بشيء (لا طاقة له به وألحقه بنبيه)؛ أي: اجعله في جوار نبيه؛ أي: في البرزخ بأن تكون روحه مجاورة لروحه وفي الجنة بأن يكون بجواره بذاته (محمد ﷺ). روى سحنون في «المدونة» قال إبراهيم: كان ابن مسعود يعلم الناس هذا في الجنائز وفي المجالس قال: وقيل له: أكان رسول الله ﷺ يقف على القبر إذا فرغ منه؟ قال: نعم كان إذا فرغ منه وقف عليه ثم قال: [اللهم نزل بك صاحبنا وخلف الدنيا وراء ظهره ونعم
_________________
(١) ابن حبان في صحيحه (٦٧٥٨). إسناده قوي على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير الدراوردي - وهو عبد العزيز بن محمد فقد روى له البخاري تعليقا ومقرونا واحتج به مسلم. ويشهد لقول عائشة: «لحد له، ونصب اللبن عليه نصبا». حديث سعد بن أبي وقاص، وحديث جابر ﵄.
(٢) رواه مسلم (٩٦٦)، والنسائي (٤/ ٦٦).
[ ٢ / ٥٨٧ ]
المنزول به أنت اللهم ثبت عند المسألة منطقه ولا تبتله في قبره بما لا طاقة له به اللهم نور له في قبره وألحقه بنبيه] (^١)، ولما روى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا أدخل الميت القبر قال: «بسم الله، وعلى ملة رسول الله» وروي: «وعلى سنة رسول الله» (^٢).
فلما أخذ في تسوية اللبن على اللحد قال: اللهم أجرها من الشيطان، ومن عذاب القبر، اللهم جاف الأرض عن جنبيها وصعد روحها، ولقها منك رضوانا. قلت: يا ابن عمر أشيء سمعته من رسول الله أم قلته برأيك؟ قال: «إني إذا لقادر على القول بل سمعته عن رسول الله ﷺ؛ وروي عن عمر ﵁: أنه كان إذا سوى على الميت قال: اللهم أسلمه إليك الأهل والمال والعشيرة وذنبه عظيم فاغفر له» (^٣).
ويسأل المشيعون لأخيهم التثبيت بعد مواراته الثرى فهو في أمس الحاجة لذلك وقد فعله النبي ﷺ وأمر أصحابه بذلك، روى أبو داود بإسناده عن عثمان قال: «كان النبي إذا دفن الرجل وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل» (^٤). ووصى بذلك سيدنا عمرو بن العاص ﵁ لما حضرته الوفاة فقال: «فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة، ولا نار، فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شنا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي …» (^٥).
_________________
(١) المدونة (١/ ١٧٦)، دار صادر.
(٢) رواه الترمذي (١٠٦٤)، وقال: هذا حديث حسن غريب، وعارضة الأحوذي (٤/ ٢٦٦)، وابن ماجه (١/ ٤٩٤ - ٤٩٥).
(٣) أخرجه البيهقي (٤/ ٥٦) رقم (٦٨٥٧)، باب: ما يقال بعد الدفن من كتاب الجنائز، والأوسط لابن المنذر (٣٤٣٠).
(٤) أخرجه أبو داود (٣/ ٢١٥) رقم (٣٢٢١)، والبيهقي (٤/ ٥٦) رقم (٦٨٥٦)، والحاكم (١/ ٥٢٦) رقم (١٣٧٢).
(٥) رواه مسلم (١٩٢) (١٢١).
[ ٢ / ٥٨٨ ]
• حكم البناء على القبور:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ويكره البناء على القبور) كراهة تحريم ظاهره مطلقا، قال في التحقيق: ويجب على ولي الأمر أن يأمر بهدمها لأن عليا ﵁ قال لأبي الهياج الأسدي: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته» (^١).
(و) كذا يكره (تجصيصها)؛ أي: تبييضها بالجص وهو الجبس لما روى مسلم (^٢) في «صحيحه» قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه» وفي رواية لأبي داود: «وأن يكتب عليه» (^٣)، قال في «المدونة»: وقال مالك أكره تجصيص القبور والبناء عليها وهذه الحجارة التي يبنى عليها، وروى ابن لهيعة عن بكر بن سوادة قال: إن كانت القبور لتسوى بالأرض، وعن ابن وهب عن بن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي زمعة البلوى صاحب النبي ﵇ أنه أمر أن يصنع ذلك بقبره إذا مات (قال سحنون) فهذه آثار في تسويتها فكيف بمن يريد أن يبني عليها؟. اهـ (^٤).
وجاز تعليمها بشيء كحجارة ونحوها مما لم يدخل في تركيبه النار فرارا من سوء الفال، وذلك لحديث عثمان بن مظعون ﵁ لما توفي ودفنه النبي ﷺ فأخذ صخرة وقال: «أتعلم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي» (^٥).
• هل يغسل المسلم أباه الكافر:
كأن المصنف استشعر سؤال سائل عن حكم تغسيل المسلم للكافر
_________________
(١) رواه مسلم (٩٦٨).
(٢) صحيح مسلم (٢/ ٦٧٧)، والترمذي كما في العارضة (٤/ ٢٧١)، وأبو داود (٢/ ١٩٣)، وغيرهم.
(٣) رواه أبو داود (٣٢٢٨)، والترمذي (١٠٧٢)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٤) المدونة (١/ ١٨٩)، دار صادر.
(٥) أبو داود (٣٢٠٨).
[ ٢ / ٥٨٩ ]
القريب فأجاب: (ولا يغسل المسلم أباه الكافر)؛ لأنه لا يغسل إلا من يصلى عليه وهذا لا يصلى عليه فلا فائدة في غسله والنهي للتحريم وأولى غير أبيه (^١) (و) كما لا يغسله (لا يدخله قبره)؛ لأن بالموت سقط بره اللهم إلا أن يخاف أن يضيع إذا تركه (فليواره)؛ أي: وجوبا (^٢)، لما روي عن علي ﵁ أنه قال للنبي ﷺ إن عمك الشيخ الضال قد مات، فقال النبي ﷺ: «اذهب فواره» (^٣).
ولأن التغسيل عبادة، ولا تنفع في الكافر، «وقد أمر النبي ﷺ بإلقاء طواغيت قريش في القليب لما أصيبوا في بدر على هيئاتهم» (^٤)، ولا فرق بين الكافر الحربي وغيره ولا خصوصية للأب، بل وجوب المواراة عند خوف الضيعة عام حتى في الأجنبي، ولا يستقبل به قبلتنا، لأنه ليس من أهلها ولا قبلتهم لأن في ذلك تعظيما لها.
وأما تعزيته ففي «العتبية»: قال لا يعجبني أن يعزى في أبيه الكافر لقوله تعالى: ﴿ما لكم من وليهم من شيء﴾ [الأنفال: ٧٢] فلم يكن لهم أن يرثوهم وقد أسلموا حتى يهاجروا (^٥)، وروي عن مالك أنه يعزي جاره الكافر (بموت أبيه) الكافر لإمام الجوار فيقول إذا مر به: بلغني الذي كان من مصابك، ألحقه الله بكبار دينه وخيار ذوي ملته (^٦) وغيرها مما يناسب حاله ولا يدعو له بالرحمة والمغفرة.
• صفة القبر:
معلوم شرعا أن دفن الميت واجب، فقد حكى ابن المنذر الإجماع على
_________________
(١) التوضيح (٢/ ٥٩٦)، والبيان والتحصيل (٢/ ٢١٨).
(٢) شرح التلقين (٣/ ١١٣٣)، والبيان والتحصيل (٢/ ٢١٨)، والتوضيح (٢/ ٥٩٦).
(٣) رواه النسائي (١٩٠) قال شيخنا شعيب الأرنؤوط: إسناده ضعيف. فواره: أي: ادفنه.
(٤) رواه البخاري (٢٣٧)، ومسلم (١٧٩٤).
(٥) البيان والتحصيل (٢/ ٢١١).
(٦) التوضيح (٢/ ٢٩٧).
[ ٢ / ٥٩٠ ]
وجوب دفن الميت، وأنه إذا قام به بعض المسلمين يسقط الإثم عن باقيهم» (^١).
ولما كان القبر يحفر على صفتين إما أن يكون لحدا أو شقا، بين المصنف رحمه الله تعالى أن اللحد أفضل فقال: (واللحد) بفتح اللام وضمها مع إسكان الحاء أحب إلى أهل العلم من الشق بفتح الشين لحديث سعد بن أبي وقاص ﵁: «ألحدوا لي لحدا، وانصبوا علي اللبن نصبا كما صنع برسول الله» (^٢)، وروى ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «اللحد لنا، والشق لغيرنا» (^٣).
فإن لم يمكن اللحد شق له في الأرض. ومعنى الشق: أن يحفر في أرض القبر شقا يضع الميت فيه ويسقفه عليه بشيء، ولأن الله تعالى اختار اللحد لنبيه ﵊ فأي داع إلى قول المصنف إلى أهل العلم (وهو)؛ أي: اللحد (أن يحفر للميت تحت الجرف في حائط قبلة القبر وذلك)؛ أي: كون اللحد أفضل إذا كانت حائط قبلة القبر (تربة صلبة لا تتهيل)؛ أي: لا تسيل كأرض الرمل (ولا تتقطع)؛ أي: لا تسقط جذوة جذوة؛ أي: قطعة قطعة أما إذا كانت كذلك فالشق أفضل (وكذلك)؛ أي: الإلحاد المفهوم من السياق (فعل برسول الله) ﷺ وفسر اللحد ولم يفسر الشق، وقد بيناه، ويسقف عليه ويرفع السقف قليلا بحيث لا يمس الميت، ويجعل في شقوقه قطع اللبن، ويوضع عليه التراب وليعمق القبر قدر قامة الرجل المتوسط إلى صدره ليكون بعيدا عن الهوام والسباع.
_________________
(١) الإجماع (٤٢).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) حدث ابن عباس: أخرجه أبو داود (٣/ ٢١٣) رقم (٣٢٠٨)، والترمذي (٣/ ٣٦٣) رقم (١٠٤٥)، وقال: حسن غريب.
[ ٢ / ٥٩١ ]
باب في الصلاة على الجنائز
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(باب في الصلاة على الجنائز والدعاء للميت.
والتكبير على الجنازة أربع تكبيرات، يرفع يديه في أولاهن، وإن رفع في كل تكبيرة فلا بأس.
وإن شاء دعا بعد الأربع ثم يسلم، وإن شاء سلم بعد الرابعة مكانه.
ويقف الإمام في الرجل عند وسطه، وفي المرأة عند منكبيها، والسلام من الصلاة على الجنائز تسليمة واحدة خفية للإمام والمأموم، وفي الصلاة على الميت قيراط من الأجر، وقيراط في حضور دفنه، وذلك في التمثيل مثل: جبل أحد ثوابا.
ويقال في الدعاء على الميت غير شيء محدود، وذلك كله واسع ومن مستحسن ما قيل في ذلك: أن يكبر، ثم يقول: الحمد لله الذي أمات وأحيا، والحمد لله الذي يحيي الموتى له العظمة والكبرياء، والملك والقدرة والسناء، وهو على كل شيء قدير، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك أنت خلقته ورزقته وأنت أمته وأنت تحييه وأنت أعلم بسره وعلانيته، جئناك شفعاء له فشفعنا فيه اللهم إنا نستجير بحبل جوارك له إنك ذو وفاء وذمة، اللهم قه من فتنة القبر ومن عذاب جهنم اللهم اغفر له، وارحمه، واعف عنه، وعافه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بماء وثلج وبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه، اللهم إن كان محسنا فزد
[ ٢ / ٥٩٢ ]
في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عنه، اللهم إنه قد نزل بك وأنت خير منزول به، فقير إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه اللهم ثبت عند المسألة منطقه، ولا تبتله في قبره بما لا طاقة له به، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده.
تقول هذا بأثر كل تكبيرة، وتقول بعد الرابعة:
اللهم اغفر لحينا، وميتنا، وحاضرنا، وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا، وأنثانا إنك تعلم متقلبنا ومثوانا، ولوالدينا ولمن سبقنا بالإيمان، وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام، وأسعدنا بلقائك وطيبنا للموت وطيبه لنا واجعل فيه راحتنا ومسرتنا، ثم تسلم.
وإن كانت امرأة قلت: اللهم إنها أمتك ثم تتمادى بذكرها على التأنيث غير أنك لا تقول: وأبدلها زوجا خيرا من زوجها؛ لأنها قد تكون زوجا في الجنة لزوجها في الدنيا، ونساء الجنة مقصورات على أزواجهن، لا يبغين بهم بدلا، والرجل قد يكون له زوجات كثيرة في الجنة، ولا يكون للمرأة أزواج.
ولا بأس أن تجمع الجنائز في صلاة واحدة، ويلي الإمام الرجال إن كان فيهم نساء، وإن كانوا رجالا جعل أفضلهم مما يلي الإمام، وجعل من دونه النساء، والصبيان من وراء ذلك إلى القبلة، ولا بأس أن يجعلوا صفا واحدا، ويقربوا إلى الإمام أفضلهم، وأما دفن الجماعة في قبر واحد، فيجعل أفضلهم مما يلي القبلة.
ومن دفن ولم يصل عليه ووري فإنه يصلى على قبره، ولا يصلى على من قد صلي عليه.
ويصلى على أكثر الجسد، واختلف في الصلاة على مثل اليد والرجل).
[ ٢ / ٥٩٣ ]
الشرح
(باب في) بيان (الصلاة على الجنائز) جمع جنازة قال ابن العربي: مذهب الخليل أن الجنازة بالكسر خشب سرير الموتى، وبالفتح الميت، وعكس الأصمعي.
(و) في بيان (الدعاء للميت) وحكم الصلاة عليه أنها فرض كفاية وقد ذكر القرطبي (^١) في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا﴾ [التوبة: ٨٤]، قال: علماؤنا: هذا نص في الامتناع من الصلاة على الكفار، وليس فيه دليل على الصلاة على المؤمنين، واختلف هل يؤخذ لأنه علل المنع من الصلاة على الكفار لكفرهم لقوله تعالى: ﴿إنهم كفروا بالله ورسوله﴾ [التوبة: ٨٤]، فإذا زال الكفر وجبت الصلاة، ويكون هذا نحو قوله تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ [المطففين: ١٥]؛ يعني: الكفار، فدل على أن غير الكفار يرونه وهم المؤمنون فذلك مثله، والله أعلم.
أو تؤخذ الصلاة من دليل خارج عن الآية وهي الأحاديث الواردة في الباب والإجماع، ومنشأ الخلاف القول بدليل الخطاب وتركه. ثم قال وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز ترك الصلاة على جنائز المسلمين، من أهل الكبائر كانوا، أو صالحين، ووراثة عن نبيهم ﷺ قولا وعملا، والحمد لله، واتفق العلماء على ذلك إلا في الشهيد، وإلا في أهل البدع والبغاة. اهـ.
• وأركان الصلاة على الجنازة خمسة:
الأول: القيام، فإن صلوا من قعود لم تجز إلا من عذر وهذا على القول بوجوبها ودليل الوجوب مفهوم قوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره﴾ [التوبة: ٨٤] بناء على أن الذي يفيد المفهوم ضد حكم
_________________
(١) تفسير القرطبي (٨/ ٢٢١)، ط: دار الشعب، القاهرة، ١٣٧٢ هـ، ط: ثانية، تحقيق: البردوني.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
المنطوق وهو وجوب الصلاة على المؤمنين لا نقيض الحكم المنطوق به وهو عدم حرمة الصلاة على المؤمنين.
روى مسلم عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أخا لكم قد مات - يعني النجاشي - فقوموا فصلوا عليه» قال: فقمنا فصففنا صفين (^١).
الثاني: الإحرام بمعنى النية؛ والثالث: السلام؛ والرابع: الدعاء؛ الخامس: التكبير.
وإليه أشار بقوله: (والتكبير على الجنازة أربع تكبيرات) لفعله ﷺ وذلك لما ثبت أن آخر صلاة صلاها النبي ﷺ كبر فيها أربعا، وروى مالك عن أبي هريرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي للناس في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم وكبر أربع تكبيرات» (^٢).
قال الحافظ (^٣): روى البيهقي بإسناد حسن إلى أبي وائل قال: «كانوا يكبرون على عهد رسول الله ﷺ، سبعا، وستا، وخمسا، وأربعا، فجمع عمر الناس على أربع كأطول الصلاة». اهـ.
قال ابن رشد: وانعقد الإجماع على ذلك في زمن عمر ﵁ (^٤)، قال ابن حبيب واستقر فعله ﷺ على الأربع ومضى عليه عمل الصحابة (^٥).
ومفهومه أنه لو كان ممن لا يكبر خمسا لكنه كبر خمسا سهوا أن المأموم لا يقطع ولكنه يسكت فإذا سلم الإمام سلم بسلامه. وقاله مالك في الواضحة وأشهب. وبهذا يحسن الجمع بين إطلاقاتهم التي ظاهرها التعارض وعلى هذا فلا اعتراض وإذا ابتدأ التكبير فإنه (يرفع يديه في أولاهن وإن رفع في كل تكبيرة فلا بأس) وهو لأشهب، وهو أحد أقوال أربعة ذكرتها في الأصل.
_________________
(١) مسلم (٢٢٠٦).
(٢) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٧٩) واللفظ له، والبخاري (١٢٤٥)، ومسلم (٢٢٠١).
(٣) الفتح (٣/ ٢٤١).
(٤) البيان والتحصيل (٢/ ٢١٥)، والأوسط لابن المنذر (٥/ ٤٢٩)، وانظر: بداية المجتهد (١/ ٢٣٤).
(٥) التوضيح (٢/ ٦٥٣).
[ ٢ / ٥٩٥ ]
وقد تقدم أن الدعاء أحد أركان الصلاة فتعاد الصلاة لتركه، واختلف في الدعاء بعد الرابعة، فأثبته سحنون قياسا على سائر التكبيرات (^١)، وخالفه سائر الأصحاب وهو قول ابن حبيب (^٢)، قياسا على عدم القراءة بعد الركعة الرابعة لأن التكبيرات الأربع أقيمت مقام الركعات الأربع؛ أي: مجموعها؛ أي: الهيئة الاجتماعية من التكبيرات الأربع مع ما احتوت عليه من الدعاء بمنزلة ركعات أربع ولا قراءة بعد الركعة الرابعة فلا دعاء بعد التكبيرة الرابعة، وليس المراد أن كل تكبيرة بمنزلة ركعة لوحظت وحدها أو مع الدعاء وإلا لزم في الأول عدم الدعاء بعد غير الرابعة، وفي الثاني الدعاء بعد الرابعة وظاهر كلام الشيخ التخيير حيث قال: (وإن شاء دعا بعد الأربع ثم يسلم وإن شاء سلم بعد الرابعة مكانه) فيكون قولا ثالثا، قال التتائي ولم أقف عليه لغيره، وفهمه خليل على ما قلناه (^٣) لما روي أن عبد الله بن أبي أوفى ﵄ كبر على جنازة بنت له فقام بعد التكبيرة الرابعة قدر ما بين التكبيرتين يستغفر لها ويدعو، ثم قال: «كان رسول الله ﷺ يصنع هكذا». وفي رواية كبر أربعا فمكث ساعة حتى ظننا أنه سيكبر خمسا، ثم سلم عن يمينه وعن شماله، فلما انصرف قلنا له فقال: «إني لا أزيدكم على ما رأيت رسول الله ﷺ (^٤)».
تنبيه: لم يتكلم الشيخ على النية وهي أحد الأركان وصفتها أن يقصد بقلبه الصلاة على هذا الميت مع استحضار أنها فرض كفاية ولا يضر إن غفل عن هذا الأخير وتصح، كما تصح لو صلى عليها مع اعتقاد أنها أنثى فوجدت ذكرا وبالعكس، أو أنها فلان ثم تبين أنها غيره لأن مقصوده الشخص الحاضر بين يديه، بخلاف ما لو كان في النعش اثنان أو أكثر واعتقد أن الذي فيه
_________________
(١) التوضيح (٢/ ٦٥٨).
(٢) التوضيح (٢/ ٦٥٨)، وتنوير المقالة (٣/ ٥٠).
(٣) تنوير المقالة (٢/ ٥٠).
(٤) ابن ماجه (١٥٠٣)، والحاكم (١/ ٣٦٠) في «المستدرك»، قال الحاكم: حديث صحيح، وضعفه بعضهم لأجل الهجري في سنده.
[ ٢ / ٥٩٦ ]
واحد فإنها تعاد على الجميع حيث كان ذلك الواحد غير معين وإلا أعيدت على غير المعين الذي نواه.
ولو نوى واحدا بعينه ثم تبين أنهما اثنان أو أكثر وليس فيهما أو فيهم من عينه فإنها تعاد على الجميع.
ولو نوى الصلاة على من في النعش مع اعتقاد أنه جماعة ثم تبين أنه واحد أو اثنان صحت لأن الواحد والاثنين بعض الجماعة.
• موقف الإمام في صلاته على الجنازة وصفة تكبيره وتسليمه:
• قال رحمه الله تعالى:
ويقف الإمام على جهة الاستحباب ومثله المنفرد (في) الصلاة على (الرجل عند وسطه) بفتح السين (و) يقف الإمام ومثله المنفرد (في) الصلاة على (المرأة عند منكبيها) (^١) على المشهور، وقيل كالرجل (^٢)، لما روي أن ابن مسعود ﵁ كان إذا أتى بالجنازة استقبل الناس فقال: «أيها الناس إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: كل مائة أمة، ولن تجتمع مائة لميت فيجتهدوا له بالدعاء إلا وهب الله ﷿ ذنوبه لهم، وإنكم جئتم شفعاء لأخيكم، فاجتهدوا له في الدعاء، ثم يستقبل القبلة، فإن كان رجلا قام عند وسطه، وإن كانت امرأة قام عند منكبيها» (^٣)، والذي في صحيح الأثر المرفوع لسيد البشر ﷺ عكس ما المؤلف زبر فعن سمرة بن جندب ﵁ قال: «صليت وراء النبي ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها فقام عليها وسطها» (^٤).
وبعد قولي هذا والحمد لله: وقفت على كلام للقابسي حول أثر ابن مسعود الذي أورده في المدونة فقال: في إسناده نظر، وفيه رجل مجهول، عن إبراهيم، وإبراهيم لم يدرك ابن مسعود، وهو مخالف للحديث الذي خرج أهل
_________________
(١) تثنية منكب بفتح الميم وكسر الكاف، وهو مجمع عظم الكتف والعضد.
(٢) المذهب (١/ ٣٦٧).
(٣) المدونة (١/ ٢٥٢).
(٤) رواه البخاري (١٣٣١).
[ ٢ / ٥٩٧ ]
الصحيح. اهـ (^١).
وما ذكره المصنف من التفصيل هو المعروف من المذهب والدليل عليه واضح. وقال ابن شعبان: يقف في الرجل والمرأة حيث شاء.
قال أبو عمر (^٢): ليس في ذلك حد لازم من جهة كتاب ولا سنة ولا إجماع، وما كان هذا سبيله لم يجرح أحد في فعله كل ما جاء عن السلف، وليس في قيام رسول الله ﷺ منها في موضع ما يمنع من غيره؛ لأنه لم يوقف عليه. وليس عن مالك والشافعي شيء. اهـ.
قلت: ذكر خليل في «التوضيح» أن لمالك قول بوقوف المرأة في وسطها (^٣).
(والسلام من الصلاة على الجنائز تسليمة واحدة) على المشهور (خفية) وفي نسخة خفيفة بفاءين بينهما ياء ساكنة روى عطاء بن السائب: «أن النبي سلم على الجنازة تسليمة» (^٤)، وروي تسليمة واحدة عن علي وجمع من الصحابة ﵃ (^٥)، وقال ابن المبارك: من سلم على الجنازة تسليمتين فهو جاهل جاهل (^٦).
وينبغي الجمع بين الوصفين فلا يمطط ولا يجهر كل الجهر وظاهر قوله: للإمام والمأموم يخالف قوله في «المدونة»، ويسلم إمام الجنازة واحدة ويسمع نفسه ومن يليه، ويسلم المأموم واحدة يسمع نفسه فقط، وإن أسمع من يليه فلا بأس به، وأجاب بعضهم بأن قوله للإمام والمأموم راجع لواحدة لا لقوله خفية، وقوله: خفية عائد على المأموم فقط، ولكن لا قرينة في اللفظ على ذلك التقدير.
_________________
(١) التوضيح (٢/ ٦٧١).
(٢) الاستذكار (٣/ ٥٠).
(٣) التوضيح (٢/ ٦٧٠)، والمذهب لابن راشد (١/ ٣٦٧).
(٤) رواه البيهقي مرسلا (٤/ ٤٣).
(٥) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٣/ ٣٠٧).
(٦) المغني لابن قدامة (مسألة يسلم على الجنازة تسليمة واحدة).
[ ٢ / ٥٩٨ ]
(وفي الصلاة على الميت) المسلم (قيراط من الأجر، وقيراط في حضور دفنه وذلك) القيراط (في التمثيل مثل جبل أحد ثوابا). القيراط اسم لمقدار من الثواب يقع على القليل والكثير بينه بقوله مثل جبل أحد (^١)، ومعنى المماثلة أنه لو جعل هذا الجبل في كفة وجعل القيراط في كفة مقابلة لها لتعادلا، وأراد المصنف بذلك بيان قوله ﷺ: «من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا، وكان معها حتى يصلى عليها، ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط» (^٢).
(ويقال في الدعاء على الميت غير شيء محدود) (^٣)؛ أي: معين لأن الأدعية المروية عن النبي ﷺ والمروية عن أصحابه رضي الله تعالى عنهم في ذلك مختلفة.
وينبغي الإخلاص له في الدعاء، وحكى ابن الحاجب وغيره الاتفاق على أنه لا يستحب دعاء معين (^٤)، وتعقب بأن مالكا في «الموطأ» استحب دعاء أبي هريرة ﵁ وهو: «اللهم عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، كان يشهد أن لا إله إلا أنت، وأن محمدا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به. اللهم إن كان محسنا، فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا، فتجاوز عن سيئاته. اللهم لا تحرمنا أجره. ولا تفتنا بعده» (^٥).
وتعقب بقول ابن أبي زيد: ومن مستحسن ما قيل (^٦).
_________________
(١) جبل أحد: سيد الجبال بالمدينة «يحبنا ونحبه» كما قال المصطفى ﷺ، طوله: يزيد طوله عن ستة كيلومترات، ومن الإعجاز العلمي اكتشف بتصويره من الأقمار الاصطناعية أنه من فوق مكتوب على شكل اسم محمد ﷺ.
(٢) رواه البخاري (٤٧).
(٣) وكذا قال أحمد كما في المغني (٣/ ٤١٣).
(٤) جامع الأمهات (١٤١)، والتوضيح (٢/ ٦٥٨).
(٥) الموطأ (٥٣٥).
(٦) تنوير المقالة للتتائي (٣/ ٦١).
[ ٢ / ٥٩٩ ]
وقال الشيخ: (وذلك)؛ أي: ما ورد من الدعاء (كله واسع)؛ أي: جائز فقل ما شئت منه ومن مستحسن ما قيل في ذلك؛ أي: الدعاء، أن يكبر ثم يقول الحمد لله الذي أمات وأحيا أمات من أراد إماتته وأحيا من أراد بقاءه (والحمد لله الذي يحيي الموتى) في الآخرة (له العظمة والكبرياء) هما بمعنى واحد (والملك)؛ أي: التصرف بالهداية والإضلال والثواب والعقاب (والقدرة) المتعلقة بكل ممكن إيجادا وإعداما (والسناء) بالمد العلو والرفعة، وإذا كان مقصورا كان معناه الضياء (وهو على كل شيء قدير)؛ أي: مشيء؛ بمعنى: مراد (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) وارحم محمدا وآل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد (كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد) (^١)؛ أي: محمود (مجيد)؛ أي: كريم (اللهم)؛ أي: يا الله (إنه)؛ أي: هذا الميت (عبدك وابن عبدك وابن أمتك)؛ وعن أبي هريرة ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ في صلاته على الجنازة يقول: «اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها، وأنت هديتها، وأنت قبضت روحها، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئنا شفعاء فاغفر لها» (^٢)، وألفاظ المصنف قريبة من هذا اللفظ؛ أنت خلقته؛ أي: أخرجته من العدم إلى الوجود (ورزقته) من يوم خلقته إلى يوم أمته وأنت أمته الآن في الدنيا وأنت تحييه في الآخرة (وأنت أعلم)؛ أي: عالم (بسره) منه ومن غيره وفي بعض النسخ (وعلانيته) وهي أحرى (جئناك شفعاء)؛ أي: نطلب (له) الشفاعة (فشفعنا) أي: اقبل شفاعتنا (فيه)، (اللهم إنا نستجير)؛ أي: نطلب منك الإجارة له والأمن من عذابك (بحبل)؛ أي: بعهد (جوارك) بكسر
_________________
(١) قد تقدمت الصلاة الإبراهيمية، وما أنكر على المصنف رحمه الله تعالى من إيراده لفظ «وارحم» فانظره هناك. أما في صلاة الجنازة فقد روي عن ابن عباس ﵁ أنه صلى على جنازة بمكة فكبر، ثم قرأ وجهر، وصلى على النبي ﷺ ثم دعا لصاحبها فأحسن، ثم انصرف، وقال: هكذا ينبغي أن تكون الصلاة على الجنازة. أخرجه البيهقي (٤٢/ ٤).
(٢) رواه أبو داود (٣٢٠٢)، والحديث حسن.
[ ٢ / ٦٠٠ ]
الجيم على الأفصح؛ أي: أمانك (له إنك ذو وفاء وذمة)؛ أي: صاحب عهد ووفاء (اللهم قه)؛ أي: نجه (من فتنة القبر) لا شك أن الفتنة هي السؤال وهو لا بد منه فيكون طلب النجاة ليس منه بل مما ينشأ عنه وهو عدم الثبات وقه (من عذاب جهنم) وعن عوف بن مالك ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ صلى على جنازة يقول:
(اللهم اغفر له)؛ أي: استر ذنوبه ولا تؤاخذه بها (وارحمه)؛ أي: أنعم عليه (واعف عنه)؛ أي: ضع عنه ذنوبه (وعافه)؛ أي: أذهب عنه ما يكره (وأكرم نزله).
قال الفاكهاني: رويناه بسكون الزاي وهو ما يهيأ للنزيل؛ أي: للضيف، ولا يخفى التجوز في العبارة لعدم صحة المعنى الحقيقي. فالمعنى أكرمه في نزله؛ أي: فيما يهيؤ له، وقال الأقفهسي: نزله حلوله في قبره بأن يرى ما يرضاه ويسره (^١) (ووسع مدخله) بفتح الميم وضمها فبالفتح الدخول وموضع الدخول وبالضم الإدخال (واغسله بماء وثلج وبرد) بفتح الراء قال أبو عمران: الثلج أنقى من الماء، والبرد أنقى من الثلج فارتكب طريق الترقي.
وليس المراد بالغسل هنا ظاهره، بل هو استعارة للطهارة العظيمة من الذنوب (و) كأنه يقول: اللهم (نقه)؛ أي: طهره تنقية عظيمة (من الخطايا)؛ أي: الذنوب (كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس)؛ أي: الأوساخ (وأبدله)؛ أي: عوضه (دارا) وهي الجنة (خيرا من داره) وهي الدنيا (و) أبدله (أهلا)؛ أي قرابة في الآخرة يوالونه خيرا من أهله؛ أي: من قرابته في الدنيا (و) أبدله (زوجا خيرا من زوجه) الذي تركه في الدنيا «وقه فتنة القبر، وعذاب النار» قال عوف: «تمنيت أن لو كنت أنا الميت لدعاء رسول الله ﷺ لذلك الميت» (^٢)، (اللهم إن كان محسنا)؛ أي: ذا إحسان؛ أي: طاعة (فزد)؛
_________________
(١) الثمر الداني (١/ ٢٨٢).
(٢) مسلم (٢/ ٦٦٢) رقم (٩٦٣)، والنسائي (٤/ ٧٣) رقم (١٩٨٤)، وابن ماجه (١/ ٤٨١) رقم (١٥٠٠).
[ ٢ / ٦٠١ ]
أي: فضاعف له (في) ثواب (إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عنه؛ أي: عن سيئاته (اللهم إنه قد نزل بك)؛ أي: استضافك (و) الحال أنك (أنت خير منزول به الضمير في به راجع إلى موصوف؛ أي: أنت خير مضيف؛ أي: أنت خير من ينزل به، ولا يصح جعل الضمير لله، لأنه يلزم عليه أنت يا الله خير من الله، هكذا صرح به الأجهوري، وأنه فقير)؛ أي: أشد افتقارا (إلى رحمتك) الآن (وأنت غني عن عذابه فعن واثلة بن الأسقع قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ على رجل من المسلمين فسمعته يقول: اللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك وحبل جوارك، فقه فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحمد اللهم فاغفر له وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم). (^١)
وكان عمر ﵁ يقول: «اللهم هذا عبدك خرج من الدنيا ونزل بك أفقر ما كان إليك، وأنت غني عنه، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمدا عبدك ورسولك، فاغفر له وتجاوز عنه، فإننا لا نعلم منه إلا خيرا» (^٢).
(اللهم ثبت عند المسألة)؛ أي سؤال الملكين وهما منكر ونكير (منطقه)؛ أي: كلامه ولا تبتله)؛ أي: لا تختبره في قبره بما)؛ أي: بشيء لا طاقة له به؛ أي: لا تجعل نهاية الاختبار بالسؤال شيئا لا طاقة له به، وهو عدم الجواب، بل اجعل له قدرة على الجواب أو أن مصدوق الشيء كون سؤال الملكين بعنف.
(اللهم لا تحرمنا أجره)؛ أي: أجر الصلاة عليه (ولا تفتنا)؛ أي: لا تشغلنا بسواك (بعده) (^٣) فإن كل ما يشغل عنك فهو فتنة.
(تقول هذا) جميع ما ذكر من الثناء على الله تعالى والصلاة على نبيه إلى قوله: ولا تفتنا بعده (بإثر كل تكبيرة) قال بعضهم: هذا عام أريد به
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ٤٩١) رقم (١٦٠٦١)، وأبو داود (٣/ ٢١١) رقم (٣٢٠٢)، وابن ماجه (١/ ٤٨٠) رقم (١٤٩٩).
(٢) الاستذكار (٣/ ٣٨).
(٣) سيأتي تخريجه.
[ ٢ / ٦٠٢ ]
الخصوص، إذ لا يقول ذلك بعد الرابعة، وإنما يقول بعدها ما سيذكره الآن. وقال بعضهم: هو عام بإثر كل تكبيرة حتى الرابعة ويزيد عليه قوله: وتقول بعد الرابعة. ولكن المتبادر من المصنف أن يقول ذلك وحده وإلا لقال: ويزيد بعد الرابعة. (وتقول بعد الرابعة) يريد إن شئت يدل على التخيير ما تقدم من قوله:
وإن شاء دعا بعد الأربع بما رواه أبو هريرة ﵁ قال: «كان النبي ﷺ إذا صلى على جنازة قال: (اللهم اغفر لحينا وميتنا)؛ أي: استر ذنوب من عاش منا ومن مات أي من المؤمنين (وحاضرنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا)، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان» (^١)، وزاد ابن ماجة: «اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده».
وعن عبد الله بن أبي أوفى «أنه ماتت ابنة له فكبر عليها أربعا ثم قام بعد الرابعة قدر ما بين التكبيرتين يدعو ثم قال: كان رسول الله ﷺ يصنع في الجنازة هكذا» (^٢). وفيه دليل على استحباب الدعاء بعد التكبيرة الآخرة قبل التسليم وفيه خلاف، والراجح الاستحباب لهذا الحديث وقد مر التنبيه على ذلك والله الموفق. ثم يقول:
(إنك تعلم متقلبنا)؛ أي: تصرفاتنا في جميع أمورنا (و) تعلم (مثوانا)؛ أي: إقامتنا في أحد الدارين (و) اغفر (لوالدينا ولمن سبقنا بالإيمان و) اغفر (للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، اللهم من أحييته)؛ أي: أبقيته (منا فأحيه) بحذف حرف العلة؛ أي: أبقه (على الإيمان) حتى تميته عليه (ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام) (^٣) وهو شهادة
_________________
(١) رواه الترمذي (١٠٤٠)، وأبو داود (٣٢٠١)، وابن ماجه (١٥٦٥).
(٢) رواه أحمد (١٩٦٥٨)، وابن ماجه بمعناه (١٥٠٣). وأخرجه أيضا البيهقي في السنن الكبرى، وتقدم تخريجه.
(٣) أبو داود في سننه (٢/ ١٨٨)، والترمذي كما في العارضة (٤/ ٢٤١)، وقد تقدم طرف منه وهو قوله: «اللهم لا تحرمنا أجره … .» إلخ.
[ ٢ / ٦٠٣ ]
أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. ولما كان المراد من الإسلام الشهادتين وقد قال: «من مات وهو يقول لا إله إلا الله دخل الجنة» ناسب الدعاء بالوفاة عليه (وأسعدنا بلقائك)؛ أي: برؤيتك في الآخرة (وطيبنا)؛ أي: طهرنا (للموت) بالتوبة الصادقة وهي أن يتوب ثم لا يعود إلى الذنب كما لا يعود اللبن في الضرع. (وطيبه لنا واجعل فيه)؛ أي: في الموت (راحتنا ومسرتنا) بحصول ما يسر (ثم تسلم) كما تسلم من الصلاة.
(وإن كانت) الجنازة (امرأة قلت اللهم إنها أمتك ثم تتمادى بذكرها على التأنيث) فتقول وبنت أمتك وبنت عبدك أنت خلقتها ورزقتها إلخ.
(غير أنك لا تقول وأبدلها زوجا خيرا من زوجها لأنها قد تكون زوجا في الجنة لزوجها في الدنيا) وإنما أتى بقد الدالة على التوقع؛ أي: على شيء يتوقع حصوله لا مجزوم بحصوله لاحتمال أن يكون لها زوج في الدنيا وتكون لغيره في الآخرة، قال تعالى: ﴿ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذريتهم﴾ [الرعد: ٢٣].
قلت: وأحسن منه عندي أن يقرأ الفاتحة فهي ثناء وتعظيم ودعاء وتكريم، لا سيما وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (^١) فهو عام في كل صلاة، وقد ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه صلى جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب، فقال: «إنه من السنة، أو من تمام السنة» (^٢).
واختار أشهب وابن مسلمة: قراءة الفاتحة عقيب التكبيرة الأولى (^٣)، وحكى القرافي عن أشهب الوجوب، وكان يفعله، واحتج بالحديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (^٤). ونصر ابن عبد السلام قول أشهب (^٥).
_________________
(١) رواه البخاري ومسلم ود وت وس وق دمي، تقدم تخريجه.
(٢) رواه الترمذي (١٠٢٧)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٣) الجواهر (١/ ٢٦٧)، والمنتقى (٢/ ١٦)، وشرح التلقين (٣/ ١١٥٣)، والتوضيح (٢/ ٦٥٩).
(٤) الذخيرة (٢/ ٤٥٩)، ونقل التتائي في تنويره (٣/ ٦٣) عن القرافي قوله: بل قراءتها من الورع للخروج من خلاف القائل بفرضيتها وهو كلام جميل.
(٥) شرح ابن عبد السلام على ابن الحاجب (١/ ٧٨/ ب)، محقق التوضيح (٢/ ٦٦٠) حاشية.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
قال العلامة اللكنوي في شرحه ل «موطأ مالك» من رواية محمد بن الحسن الشيباني: «وبالجملة الأمر بين الصحابة مختلف (^١)، ونفس القراءة ثابت فلا سبيل إلى الحكم بالكراهة بل غاية الأمر أن لا يكون لازما» (^٢).
نساء المؤمن في الجنة من الحور العين:
(ونساء الجنة مقصورات على أزواجهن لا يبغين بهم بدلا)؛ أي: محبوسات، أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿فيهن قاصرات الطرف﴾ [الرحمن: ٥٦] قال: قاصرات الطرف على أزواجهن لا يرين غيرهم والله ما هن متبرحات ولا متطلعات (^٣)
(والرجل قد يكون له زوجات كثيرة في الجنة) قال الأقفهسي: وانظر هل من الآدميات أو من الحور العين الجواب أن الزوجات الكثيرات منهما معا، فقد روى أبو نعيم أنه قال: «يزوج كل رجل من أهل الجنة أربعة آلاف بكر وثمانية آلاف أيم ومائة حوراء» (^٤) الحديث والله أعلم. اه.
وروى مسلم حديث إسماعيل بن علية عن أيوب عن محمد بن سيرين قال: إما تفاخروا وإما تذاكروا (أي: الصحابة)، الرجال أكثر في الجنة أم النساء؟ فقال أبو هريرة ﵁: أو لم يقل أبو القاسم ﷺ: «إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضوا كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب؟» (^٥).
_________________
(١) الفتح (٣/ ٢٤٢)، قال: «وهي من المسائل المختلف فيها».
(٢) التعليق الممجد لموطأ الإمام محمد لعبد الحي اللكنوي (باب: ما جاء في الصلاة على الميت والدعاء له) (٢/ ١١٣).
(٣) انظر: الدر المنثور (٦/ ٢٠٥).
(٤) أورده المنذري في الترغيب والترهيب (٥٧٢٥)، وقال الألباني في صحيح وضعيف الترغيب والترهيب: منكر (٢٢٣٣).
(٥) البخاري (٣١٤٩)، ومسلم رقم (٢٨٣٤).
[ ٢ / ٦٠٥ ]
قلت: فإذا كان الرجل المؤمن عنده في الدنيا امرأة أو إلى أربعة مع الحوريتين فأقل شيء ثلاثة، وأكثره ستة، وهذا بالنسبة للرجال أضعاف مضاعفة، ناهيك عمن تقدمنا من الأمم الذين كان التعدد فيهم مباح فنبي الله سليمان عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام دخل على مائة امرأة من نسائه في ليلة واحدة وغيره كثير. والله أعلم.
(ولا يكون للمرأة أزواج) في الجنة لأن اجتماع جماعة من الرجال على فرج واحد في الدنيا مما تنفر منه النفوس. قال تعالى: ﴿فيهن قاصرات الطرف﴾؛ أي: غضيضات عن غير أزواجهن فلا يرين شيئا في الجنة أحسن من أزواجهن، قاله ابن عباس وقتادة وعطاء الخراساني وابن زيد، وقد ورد أن الواحدة منهن تقول لبعلها والله ما أرى في الجنة شيئا أحسن منك. ولا في الجنة شيئا أحب إلي منك فالحمد لله الذي جعلك لي وجعلني لك.
صلاة الجنازة على جمع من الأموات:
(ولا بأس)؛ بمعنى: ويستحب (أن تجمع الجنائز في صلاة واحدة) عند جمهور العلماء بل حكى بعض العلماء أن لا خلاف بين أهل العلم في جواز الصلاة على الجنائز وقد روى مالك في «الموطأ» (^١): «أنه بلغه أن عثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر، وأبا هريرة ﵃ كانوا يصلون على الجنائز بالمدينة: الرجال والنساء. فيجعلون الرجال مما يلي الإمام. والنساء مما يلي القبلة».
خلافا لمن قال إنها لا تجمع بل يصلى على كل ميت وحده وعلى القول بجمع الجنائز في صلاة واحدة على أي هيئة توضع الجنائز هل يلي الإمام الأفضل وغيره إلى جهة القبلة أو يجعلوا صفا واحدا، ويقرب إلى الإمام أفضلهم وإلى الأول أشار بقوله: (ويلي الإمام) بالنصب في الصلاة على جماعة الموتى (الرجال) بالرفع، ويجوز نصبه ورفع الإمام (إن كان فيهم نساء وإن كانوا)؛ أي: الجنائز (رجالا جعل أفضلهم مما يلي الإمام وجعل من دونه
_________________
(١) الاستذكار (٤٨/ ٣).
[ ٢ / ٦٠٦ ]
النساء و) جعل (الصبيان من وراء ذلك إلى القبلة) وما ذكره من تقديم النساء على الصبيان هو قول ابن حبيب والمشهور خلافه، أخرج أبو داود عن عمار مولى بني هاشم قال: «شهدت جنازة صبي وامرأة، فقدم الصبي مما يلي القوم، ووضعت المرأة وراءه، وفي القوم أبو سعيد الخدري وابن عباس وأبو قتادة وأبو هريرة ﵃ فقلنا لهم، فقالوا: السنة» (^١)، ومثلها قصة أم كلثوم وابنها إن لم تكن القصة نفسها، وأظنها كذلك.
وهو أن الذكور الأحرار البالغين يكونون مما يلي الإمام الأفضل فالأفضل، ثم الذكور الأحرار الصغار، ثم الخنثى ثم الأرقاء الذكور، ثم النساء الأحرار، ثم صغارهن ثم أرقاؤهن.
والهيئة الثانية: أشار إليها بقوله (ولا بأس أن يجعلوا)؛ أي: الجنائز (صفا واحدا، ويقرب إلى الإمام أفضلهم) كقرب أولي النهى والفضل للإمام في صلاتهم، وقد كان النبي ﷺ يقدم أهل القرآن، هذا إذا كانوا كلهم من جنس واحد كرجال أو نساء أو صبيان. وأما إن كانوا رجالا ونساء وصبيانا فيتقدم إلى الإمام صف الرجال، ثم صف الصبيان، ثم صف النساء هذا من حيث الجنائز.
وأما من حيث الإمامة فيقدم الأعلم، ثم الأفضل، ثم الأسن.
ومن حيث القرابة: يقدم ابن الميت إن كان صالحا لإخلاصه في الدعاء لوالديه أكثر من غيره إلا أن يكون الميت قد أوصى بأن يصلي عليه فلان، ثم الأمير لأنه لا يؤم في سلطانه إلا بإذنه، ثم أقرب عصبة الهالك: من ابن، فابنه، فأب، فأخ، فابنه فجد، فعم، فابنه وإن سفل، فالمولى الأعلى وإن اجتمعت جنائز وأولياؤها قدم أفضل ولي ولو ولي المرأة (^٢).
السنة في دفن الفرد والجماعة:
لما كان وضع الجنائز إذا اجتمعت للصلاة عليها مخالفا لوضعها في قبر
_________________
(١) اخرجه أبو داود (٢/ ١٨٦)، باب: إذا حضر جنائز رجال ونساء من يقدم. والنسائي (المجتبى ٤/ ٥٧ - ٥٨).
(٢) باختصار من المختصر وشرحه مواهب الجليل (٣/ ٧٣ - ٧٤).
[ ٢ / ٦٠٧ ]
واحد إذا دعت لذلك ضرورة أتى الشيخ بأداة الفصل فقال:
(وأما دفن الجماعة في قبر واحد، فيجعل أفضلهم مما يلي القبلة) لما في السنن الأربعة أن النبي ﷺ قال يوم أحد: «احفروا، وأوسعوا، وعمقوا، وأحسنوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد، وقدموا أكثرهم قرآنا» (^١).
وظاهر كلام الشيخ جواز ذلك مطلقا دعت الضرورة لجمعهم في قبر واحد أم لا، وليس كذلك بل إن دعت الضرورة جاز وإلا كره، ومحل الجواز للضرورة. والكراهة لغيرها إذا حصل دفنهم في وقت واحد وأما لو أردنا دفن ميت على آخر بعد تمام دفنه فيحرم، لأن القبر حبس على الميت لا ينبش ما دام به إلا لضرورة فلا يحرم.
(ومن دفن) من أموات المسلمين (ولم يصل عليه وووري فإنه يصلى على قبره) عند ابن القاسم، وهذا قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، فقد صح أن النبي ﷺ ذكر له أن رجلا مات فقال: «دلوني على قبره - أو قال قبرها - فأتى قبرها فصلى عليها» (^٢)، وقال مالك إن صلي عليه لا تعاد.
قال الباجي: وعلى الجواز جمهور أصحابنا (^٣)، وحكاه خليل (^٤).
(ولا يصلى على من قد صلي عليه) على جهة الكراهة المذهبية لا الشرعية، أي سواء كان مريد الصلاة ثانيا هو الذي صلى عليه أولا أو غيره، وقد صلى النبي ﷺ على من صلي عليه، وإن كانت صلاته شفاعة للميت لكن الاقتداء به لمن أراد فإن الأمر واسع والكراهة لا تنافي الجواز فعن ابن عباس ﵁: «أن رسول الله ﷺ مر بقبر قد دفن ليلا، فقال: «متى دفن هذا؟»
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٦٢٩٩)، وأبو داود (٣/ ٢١٤) رقم (٣٢١٥)، والترمذي (٤/ ٢١٣) رقم (١٧١٣)، وقال: حسن صحيح،
(٢) البخاري، باب: الصلاة على القبر بعدما يدفن من كتاب الجنائز (١/ ٢٤ - ٢/ ٩٢ - ١١٣)، ومسلم (٢/ ٦٥٩).
(٣) المنتقى (٢/ ١٤).
(٤) التوضيح (٢/ ٦٥٠).
[ ٢ / ٦٠٨ ]
قالوا: البارحة، قال: «أفلا آذنتموني؟» قالوا: دفناه في ظلمة الليل فكرهنا أن نوقظك، فقام، فصففنا خلفه، قال ابن عباس: وأنا فيهم فصلى عليه» (^١).
(ويصلى على أكثر الجسد) كالثلثين فأكثر على المشهور (^٢)، ولا يصلى على نصف الجسد عند ابن القاسم، وهو المعتمد، بل ولو زاد على النصف وكان دون الثلثين لأنه يؤدي إلى الصلاة على الغائب، واغتفر غيبة اليسير لأنه تبع.
(واختلف في الصلاة على مثل اليد والرجل) أطلق المثل على الشيء نفسه، فذكر الخلاف في اليد والرجل فقال مالك: لا يصلى عليه لاحتمال أن يكون صاحبها حيا. وقد صلى أهل مكة على يد رجل زمن وقعة الجمل، قال الشافعي (^٣): (ألقى طائر يدا بمكة من وقعة الجمل فعرفت بالخاتم، وكانت يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد فصلى عليها أهل مكة) (^٤) وكان ذلك بمحضر من الصحابة، ولم يعرف من الصحابة مخالفا في ذلك.
وذكر عيسى بن دينار في كتاب ابن مزين أن أبا عبيدة عامر بن الجراح ﵁ صلى على رؤوس وأيد بالشام (^٥). وجوز ابن حبيب جواز تغسيل العضو والصلاة عليه، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة (^٦)، قال ابن يونس وبه أقول ..
_________________
(١) البخاري (١٢٥٨)، ومسلم (٩٤٥)،
(٢) المدونة (١/ ٢٥٦)، والبيان والتحصيل (٢/ ٢٧٩)، وانظر: شرح التلقين (٣/ ١١٨١).
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ١٨)، باب: ما ورد في غسل بعض الأعضاء … من كتاب الجنائز.
(٤) إلا أن الحافظ ذكر في الإصابة أنها ألقيت باليمامة (٥/ ٣٥)، وعبد الرحمن بن عتاب كان واليا على مكة واستشهد في خروجه مع أمنا عائشة ﵂ للصلح بين علي ومعاوية ﵃.
(٥) شرح التلقين (٣/ ١١٨٢)، والتوضيح (٢/ ٦٤٨).
(٦) شرح التلقين (٣/ ١١٨١)، والبيان والتحصيل (٢/ ٢٨٠ - ٢٨١).
[ ٢ / ٦٠٩ ]
باب في الدعاء للطفل والصلاة عليه وغسله
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(باب في الدعاء للطفل والصلاة عليه وغسله:
تثني على الله ﵎، وتصلي على نبيه محمد ﷺ، ثم تقول:
اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك أنت خلقته ورزقته، وأنت أمته، وأنت تحييه، اللهم فاجعله لوالديه سلفا وذخرا وفرطا وأجرا، وثقل به موازينهم، وأعظم به أجورهم، ولا تحرمنا وإياهم أجره، ولا تفتنا وإياهم بعده، اللهم ألحقه بصالح سلف المؤمنين في كفالة إبراهيم، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله وعافه من فتنة القبر، ومن عذاب جهنم.
تقول ذلك في كل تكبيرة، وتقول بعد الرابعة، اللهم اغفر لأسلافنا وأفراطنا ولمن سبقنا بالإيمان اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام، واغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.
ثم تسلم.
ولا يصلى على من لم يستهل صارحا، ولا يرث ولا يورث.
ويكره أن يدفن السقط في الدور.
ولا بأس أن يغسل النساء الصبي الصغير ابن ست سنين أو سبع، ولا يغسل الرجال (^١) الصبية، واختلف فيها إن كانت لم تبلغ أن تشتهى، والأول أحب إلينا).
_________________
(١) في نسخة: (الرجل).
[ ٢ / ٦١٠ ]
الشرح
(باب في الدعاء)؛ أي: في بيان ما يدعى به (للطفل) ذكرا كان أو أنثى، وقال بعض أهل اللغة: يقال للذكر طفل، والأنثى طفلة، وهو ما بلغ سنة فأقل؛ أي: عند أهل اللغة، وعند الفقهاء يطلق على من دون البلوغ؛ أي: مجازا للمشابهة بينهما.
وفي بيان (الصلاة عليه) أراد من يصلى عليه، ومن لا يصلى عليه من الأطفال وقد نقل ابن المنذر (^١) الإجماع فقال: أجمع أهل العلم على أن الطفل إذا عرفت حياته واستهل صلي عليه، (و) في بيان (غسله) أراد به بيان من يغسله ومن لا يغسله وإنما فسر هذا وما قبله بالإرادة المذكورة لا بما يعطيه ظاهر لفظه لأنه هو المذكور في هذا الباب.
وإنما أفرد هذا الباب عما قبله لأن فيه أحكاما تختص بالطفل من الاستهلال وغسل الصغير، ومن أنه يصلى على من استهل صارخا وغير ذلك.
وقد ابتدأ الدعاء له بقوله: (تثني على الله ﵎ وتصلي على نبيه محمد ﷺ لما مر في صلاة الجنازة (ثم تقول: اللهم)؛ أي: يا الله (إنه)؛ أي: الطفل (عبدك وابن عبدك وابن أمتك) ظاهره عام في ولد الزنى وولد الملاعنة وغيرهما. وقد قيل إنما يقال هذا في الثابت النسب. وأما غيره فيقال فيه: اللهم إنه عبدك وابن أمتك أنت خلقته)؛ أي: أنشأته (ورزقته) تقول ذلك ولو مات عقب الاستهلال لأن الله رزقه في بطن أمه (وأنت أمته) في الدنيا، وأنت تحييه في الآخرة (اللهم فاجعله لوالديه) قال الفاكهاني رويناه بكسر الدال فيدخل فيه الأجداد والجدات ولذا قال: وثقل به موازينهم بصيغة الجمع. ولو كان بالفتح لقال: وثقل به موازينهما (سلفا)؛ أي: متقدما (وذخرا) بذال معجمة؛ أي: مدخرا في الآخرة، والادخار في الدنيا بدال مهملة (وفرطا)؛ بمعنى: سلفا (وأجرا) عظيما أي من حيث كون موته مصيبة
_________________
(١) الإجماع لابن المنذر رقم (٨٢).
[ ٢ / ٦١١ ]
عظيمة (وثقل به)؛ أي: بأجر مصيبته (موازينهم)؛ أي: موزوناتهم لأنه الموصوف بالثقل؛ أي: بحيث ترجح حسناتهم على سيئاتهم (وأعظم)؛ أي: كثر (به)؛ أي: بأجر مصيبته (أجورهم) ولما كان لا يلزم من التكثير التثقيل ولا من التثقيل التكثير أتى بقوله: وأعظم به الخ بعد قوله: وثقل به … إلخ.
(ولا تحرمنا وإياهم أجره)؛ أي: أجر شهود الصلاة عليه (ولا تفتنا وإياهم بعده) بما يشغلنا عنك (اللهم ألحقه بصالح سلف) أولاد (المؤمنين في كفالة)؛ أي: حضانة (أبينا إبراهيم) الخليل ﵊ (وأبدله دارا)؛ أي: في الآخرة (خيرا من داره)؛ أي في الدنيا (و) أبدله (أهلا)؛ أي: قرابة في الآخرة (خيرا من أهله)؛ أي: من قرابته في الدنيا بجواره بالأنبياء والصالحين يؤانسونه.
ففي حديث أبي هريرة ﵁ قال صلى رسول الله ﷺ على جنازة فقال: «اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان» (^١)، قال الحافظ (^٢) ويضيف إليه: «اللهم اجعله سلفا وفرطا لأبويه، وذخرا وعظة واعتبارا وشفيعا، وثقل به موازينهما، وافرغ الصبر على قلوبهما، ولا تفتنا بعده ولا تحرمنا أجره». اه. (وعافه)؛ أي: نجه (من فتنة القبر) وهي عدم الثبات الناشئ عن السؤال لأن الفتنة هي السؤال. ويتسبب عنه عدم الثبات وقضيته أن الطفل يسأل وأنه قابل للافتتان وقد جرى الخلاف في السؤال.
وأما الافتتان فهو مشكل إلا أن يقال إنه قابل له، وإن كان غير مكلف نظرا لكون الله ﷿ له أن يعذب الطفل عقلا وإن امتنع شرعا. وكذا يقال في قوله بعد وعافه من عذاب جهنم (و) عافه (من عذاب جهنم تقول ذلك)؛ أي:
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٢٩٩) رقم (٢٢٦٠٧)، قال الهيثمي (٣/ ٣٣): رجاله رجال الصحيح، وأبو داود (٣٢٠٣)، والترمذي (١٠٤٠)، والنسائي (١٩٨٥)، وله شاهد صحيح، انظر: التلخيص (٢/ ١٢٤).
(٢) تلخيص الحبير (٢/ ١٢٤)، ط: دار المعرفة.
[ ٢ / ٦١٢ ]
كل ما تقدم من الثناء على الله تعالى إلى هنا (في كل)؛ أي: بعد كل (تكبيرة) ما عدا الرابعة. (وتقول بعد الرابعة) إن شئت (اللهم اغفر لأسلافنا وأفراطنا) هما بمعنى واحد (و) اغفر (لمن سبقنا بالإيمان اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان) الكامل (ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام)؛ يعني: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله (واغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ثم تسلم)؛ كتسليمك من الصلاة.
(ولا يصلى على من لا يستهل صارخا) لما روي أن النبي ﷺ قال: «الطفل لا يصلى عليه، ولا يرث، ولا يورث، حتى يستهل» (^١)، ولأنه لم يثبت له حكم الحياة، ولا يغسل، ولو تحرك أو بال أو عطس أو رضع يسيرا؛ أي: لا كثيرا فهو علامة الحياة وفي المسألة قولان (^٢).
وهذا النهي على جهة الكراهة لأنه صح عن النبي ﷺ أيضا أنه قال: «والسقط يصلى عليه» (^٣)، وفي لفظ الترمذي: «والطفل يصلى عليه» (^٤)، واحتج أيضا بحديث أبي بكر الصديق ﵁ قال: «ما أحد أحق أن يصلى عليه من الطفل» (^٥)، أما من استهل فله حكم الأحياء في جميع أموره وإن مات بالفور بلا خلاف.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣/ ٣٥٠) رقم (١٠٣٢)، وقال: هذا حديث قد اضطرب الناس فيه فرواه بعضهم عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ مرفوعا وروى أشعث بن سوار وغير واحد عن أبي الزبير عن جابر موقوفا، وروى محمد بن إسحاق عن عطاء بن أبي رباح عن جابر موقوفا، وكأن هذا أصح من الحديث المرفوع، وانظر: العارضة (٤/ ٢٤٩)، وأخرجه الدارمي (٢/ ٣٩٣).
(٢) المذهب (١/ ٣٦٤).
(٣) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٠٥) رقم (٣١٨٠)، والترمذي (٣/ ٣٤٩) رقم (١٠٣١)، وقال: حسن صحيح.
(٤) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، العارضة (٤/ ٢٤٨)، والنسائي كما في المجتبى (٤/ ٤٥ - ٤٦ - ٤٧)، وابن ماجه (١/ ٤٨٣)
(٥) أخرجه البيهقي (٤/ ٩)، باب: السقط يغسل ويكفن ويصلى عليه، من كتاب الجنائز.
[ ٢ / ٦١٣ ]
(و) من أحكام من لا يستهل أنه (لا يرث) من تقدمه بالموت (ولا يورث) ما تصدق به عليه أو وهب له وهو في بطن أمه، لأن الميراث فرع ثبوت الحياة، وخرج بما تصدق به عليه الغرة (^١) فتورث عنه، وإن نزل علقة أو مضغة لأنها مأخوذة عن ذاته، وإذا كان لا يورث ما تصدق به عليه فيرجع إلى من تصدق أو وهب.
(ويكره أن يدفن السقط) بتثليث السين المهملة من لم يستهل صارخا ولو تمت خلقته (في الدور) خوفا من أن تنهدم الدار فتنبش عظامه.
(ولا بأس أن يغسل النساء) الأجانب؛ أي: يباح ذلك (الصبي الصغير ابن ست سنين أو سبع) سنين وثمان سنين (^٢)، ولا يغسلنه إذا زاد على ذلك، ولا يسترن عورته؛ أي: لا يكلفن بستر عورته لأنه يجوز لهن النظر إلى بدنه قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن المرأة تغسل الصبي الصغير».
(ولا يغسل الرجال الصبية) وهذا النهي على جهة المنع اتفاقا إن كانت ممن تشتهى كبنت ست سنين أو سبع (^٣)، ويغسلونها إن كانت رضيعة اتفاقا.
ولأن التابعين فرقوا بين الجارية والغلام إلا أن تكون ابنته فجائز فإنه يروى: «عن أبي قلابة أنه غسل بنتا له صغيرة» (^٤)، والحسن قال: لا بأس أن يغسل ابنته إذا كانت صغيرة، وكره ذلك سعيد بن المسيب والزهري، والمراد بها من لم تبلغ ثلاث سنين بدليل قوله بعد كبنت ثلاث سنين.
(واختلف فيها)؛ أي: في غسلها (إن كانت) غير رضيعة وكانت ممن
_________________
(١) والغرة بضم الغين وراء مشددة مفتوحة بعدها تاء، الأصل فيها بياض في الوجه، وفي الشرع: هي عبد أو أمة تعطى كدية عن الجنين الذي اعتدي على أمه فأسقطته ميتا قبل أن يكتمل، وقدرها الفقهاء بخمسة من الإبل.
(٢) المدونة (١/ ١٨٦).
(٣) التوضيح على جامع الأمهات لخليل (٢/ ٥٩٣).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في باب: ما قالوا في الرجل يغسل ابنته، من كتاب الجنائز (٣/ ٢٥١) من مصنفه.
[ ٢ / ٦١٤ ]
(لم تبلغ أن تشتهى) كبنت ثلاث سنين فأجازه أشهب قياسا (^١) على غسل النساء ابن ثلاث سنين وأربع وخمس، ومنعه ابن القاسم وهو مذهب «المدونة» (^٢)، والمعتمد ما قاله ابن القاسم لأن مطلق الأنوثة مظنة الشهوة، وأحب في قول الشيخ: (والأول أحب إلينا) للوجوب؛ أي: وجوب ترك الغسل.
فرع: قال بعض فقهائنا لا خصوصية للبقر عن الجنين (^٣)، بل من بلع مالا من ذهب أو فضة له قيمة وكثر، لا سيما إن كانت نيته مذمومة كالهروب من أن يورث، وهل اليسير ما دون نصاب الزكاة أو ما دون ربع دينار قولان.
فرع ثان: هل يأكل المضطر لحم الميتة من الآدميين:
اختلف في ذلك، والمعول عليه في المذهب الجواز (^٤)، وقال ابن العربي: ولا يأكل ابن آدم وإن مات، قاله علماؤنا. اه (^٥).
لطيفة: وقعت مسألة في زمن ابن القاسم وأشهب، وهي أن امرأة ماتت واضطرب جنينها في بطنها فقال أشهب بشق بطنها، وإخراج الجنين، ومنع ابن القاسم من ذلك، فأخذ بفتوى أشهب، وعاش الصبي فلما كبر صار من أهل العلم فكان يأخذ بقول أشهب، ويدع قول ابن القاسم (^٦).
ولما أنهى الكلام عن الصلاة والتي هي ركن من أركان الإسلام انتقل يتكلم على الركن الثالث وهو الصوم.
انتهى كتاب الطهارة والصلاة ولله الحمد والمنة.
ويليه بعون الله تعالى كتاب الصوم والزكاة والحج
_________________
(١) النوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني (٢/ ٥١/ ب)،
(٢) المصدر السابق والصفحة، واشترط في التبصرة ستر عورتها ولو كانت لا تشتهى.
(٣) والمستحسن معالجة النساء لإخراجه من بطن أمه برفق إن أمكن وهو أولى من شق بطن المرأة. التوضيح (٢/ ٥٨٧) من رواية ابن نافع عن مالك، انظر: الجواهر (١/ ٢٧٢).
(٤) تنوير المقالة (٣/ ١٠٧).
(٥) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٨٦)، والجواهر (١/ ٦٠٤).
(٦) تنوير المقالة للتتائي (٣/ ١٠٦).
[ ٢ / ٦١٥ ]