قال المصنف رحمه الله تعالى:
(باب) ما يجب منه الوضوء والغسل
(الوضوء يجب لما يخرج من أحد المخرجين من بول أو غائط أو ريح، أو لما يخرج من الذكر من مذي مع غسل الذكر كله منه، وهو ماء أبيض رقيق يخرج عند اللذة بالإنعاظ عند الملاعبة أو التذكار.
وأما الودي فهو ماء أبيض خائر يخرج بإثر البول يجب منه ما يجب من البول؛ وأما المني فهو الماء الدافق الذي يخرج عند اللذة (^١) الكبرى بالجماع، رائحته كرائحة الطلع.
وماء المرأة ماء رقيق أصفر، يجب منه (^٢) الطهر فيجب من هذا طهر جميع الجسد كما يجب من طهر الحيضة.
وأما دم الإستحاضة فيجب منه الوضوء، ويستحب لها ولسلس البول أن يتوضنا (^٣) لكل صلاة).
_________________
(١) في نسخة: (الدافق عند اللذة).
(٢) في نسخة: (به).
(٣) في نسخة: (يتوضيا).
[ ١ / ١٧١ ]
باب ما يجب منه الوضوء والغسل
(باب ما يجب منه الوضوء والغسل) (^١)؛ أي: هذا باب في بيان الشيء الذي يجب لأجله الوضوء، وذكر ما يجب منه الغسل؛ أي: وما ينقضه بعد صحته.
والباب: هو لغة ما يتوصل منه إلى غيره، وهو حقيقة في الأجساد كباب المسجد ومجاز في المعاني، والمراد هنا ليس الحقيقة.
معنى الوضوء والغسل في اللغة والاصطلاح:
و(الوضوء) بضم الواو اسم للفعل، وبفتحها اسم للماء. على أن الخليل ذهب إلى أنه لا فرق بينهما وكلاهما بفتح الواو، وقال: «الضم لا أعرفه» (^٢).
ولغة: الحسن والنظافة، وشرعا: تطهير أعضاء مخصوصة بالماء لتنظف ويرفع عنها حكم الحدث لتستباح به العبادة الممنوعة.
(والغسل): بالضم الفعل، وبالفتح اسم للماء على الأشهر (^٣)، والدليل على وجوب الوضوء والغسل الكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: ٦] الآية وقال: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكرى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ [النساء: ٤٣]، والحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ» (^٤)، ولا خلاف بين الأئمة في وجوبهما.
_________________
(١) قال زروق: والصحيح سقوط الباب من الترجمة. شرح زروق على الرسالة (١/ ٩٠).
(٢) المسالك في شرح موطأ مالك لابن العربي (٢/ ٩).
(٣) الذخيرة للقرافي (١/ ٢٤٠).
(٤) رواه البخاري (١/ ٢٠٦ - ٢٠٧)، ومسلم (٢٢٥)، وأبو داود (٦٠).
[ ١ / ١٧٢ ]
• موجبات الوضوء:
(الوضوء يجب) وجوب الفرائض لا وجوب السنن، والذي يجب منه الوضوء شيئان: أحداث وأسباب.
فالحدث: ما ينقض الوضوء بنفسه كالبول، والسبب: ما لا ينقض الوضوء بنفسه، ولكن بما يؤدي إلى الحدث وهو ثلاثة أشياء: زوال العقل، ولمس من تشتهى، ومس الذكر، والحدث شامل (لـ) كل ما يخرج من أحد المخرجين المعتادين وهما القبل والدبر خروجا معتادا، وقيد بالمعتاد للاحتراز عما يخرج غير معتاد كالحصاة والدود فإنه لا ينقض على المشهور (^١)، لأنهما غير معتادين.
ولا بد أن يكون الخروج على وفق العادة، فلو خرج لعلة كالسلس في غالب أحواله، وهو أن يلازمه كل الزمن أو جله أو نصفه فلا نقض، ففي الأول لا يجب الوضوء ولا يستحب، وفي الأخيرين يستحب إلا أن يشق عليه ذلك، وإلا فلا استحباب، وتقييد المخرجين بالمعتادين للاحتراز أيضا عما يخرج من غيرهما كدم الفصاد (^٢) والحجامة والقيء المتغير عن حالة الطعام، والحدث الخارج من فتق تحت المعدة، ولم ينسد المخرجان، فلا ينقض، أما إذا انسد المخرجان وكان الفتق تحت المعدة فيعتبر كالخارج المعتاد من المخرج المعتاد.
البول والغائط والريح:
(من بول، أو غائط، أو ريح) بيان لما يخرج؛ أي: يجب الوضوء من
_________________
(١) شرح زروق (٩٠)، ط: العلمية، سنة ١٤٢٧ هـ/ ٢٠٠٤ م.
(٢) فائدة: (فصد يفصد)، بالكسر، (فصدا)، بفتح فسكون، (وفصادا، بالكسر)، وهذه عن الصاغاني قال شيخنا: وقول العامة: الفصادة بالهاء، ليس من كلام العرب، وافتصد: شق العرق، وهو مفصود ليستخرج دمه فيشربه. تاج العروس من جواهر القاموس لمرتضى الزبيدي (المتوفى: ١٢٠٥ هـ)، المحقق: مجموعة من المحققين، الناشر: دار الهداية. مادة: (فصد) (٨/ ٤٩٨).
[ ١ / ١٧٣ ]
أجل خروج البول من القبل، ومن خروج الغائط من الدبر، ومن خروج الريح، والمراد به ما يخرج من الدبر سواء كان بصوت أم لا؛ لقوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغابط﴾ [النساء: ٤٣]، ولحديث صفوان بن عسال ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم» (^١)، وحديث عبد الله بن زيد ﵁ قال: شكي إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، قال: «لا ينفتل - أو لا ينصرف - حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» متفق عليه (^٢)، ولحديث همام بن منبة أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: «لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ»، قال رجل من حضر موت (^٣): ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: «فساء أو ضراط» (^٤)، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «فسره أبو هريرة بأخص من ذلك تنبيها بالأخف على الأغلظ؛ ولأنهما قد يقعان في أثناء الصلاة أكثر من غيرهما»، … واستدل بالحديث على بطلان الصلاة بالحدث سواء كان خروجه اختياريا أم اضطراريا، وعلى أن الوضوء لا يجب لكل صلاة لأن القبول انتفى إلى غاية الوضوء، وما بعدها مخالف لما قبلها فاقتضى ذلك قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقا (^٥).
وأما الريح الخارج من الذكر أو من فرج المرأة فلا يوجب الوضوء لعدم اعتباره في نواقض الوضوء (^٦).
_________________
(١) رواه أحمد (١٨٠٩١)، والنسائي (١٢٦)، وابن ماجه (٤٧٨)، وصححه الترمذي (٩٦) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) البخاري (١٣٧)، باب: لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن، ومسلم (٨٣٠).
(٣) بلدة باليمن.
(٤) رواه البخاري (١٣٥)، ومسلم (٢٢٥).
(٥) من الفتح باختصار (١/ ٢٨٣).
(٦) شرح زروق على الرسالة (١/ ٩١)
[ ١ / ١٧٤ ]
المذي (^١):
(أو لما يخرج من الذكر من مذي مع غسل الذكر كله منه، وهو ماء أبيض رقيق يخرج عند اللذة بالإنعاظ (^٢) عند الملاعبة، أو التذكار)؛ أي: يجب الوضوء لأجل الشيء الذي يخرج من القبل وهو المذي، وصفته: أنه ماء أبيض رقيق يخرج عند اللذة بالتفكر أو ملاعبة من يلتذ به، وعليه فإنه: ١ - يوجب الوضوء.
٢ - يوجب غسل الذكر كله بنية قبل الوضوء بالماء -، وقيل يغسل محل الأذى فقط (^٣).
٣ - يجب غسل المحل من الثوب الذي أصابه، لأنه نجس بإجماع حكاه النووي (^٤).
٤ - يتعين الماء ولا تكفي الأحجار؛ لحديث علي ﵁ قال: كنت رجلا مذاء (^٥) وكنت أستحيي أن أسأل النبي ﷺ لمكان ابنته فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال: «يغسل ذكره ويتوضأ» (^٦).
قال ابن عبد البر: وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قال قيس
_________________
(١) المذي: ماء رقيق يخرج عند الملاعبة ويضرب إلى البياض، وفيه ثلاث لغات (الأولى): سكون الذال و(الثانية): كسرها مع التثقيل مذي بوزن غني، و(الثالثة): الكسر مع التخفيف.
(٢) الإنعاظ: قال الخليل: نعظ ذكر الرجل، ينعظ نعظا ونعوظا؛ يعني: انتبه، وأنعظ الرجل وأنعظت المرأة: إذا علاهما الشوق؛ أي: الحب، غرر المقالة في شرح غريب الرسالة لمحمد بن منصور المغراوي، تحقيق: الهادي حمو وأبي الأجفان، ط: دار الغرب الإسلامي.
(٣) انظر: التوضيح للشيخ خليل (٢٤٩/ ٢٥٠). والتبصرة في نقد الرسالة (١٠٢)، ط: دار ابن حزم ضمن مجموع، بتحقيق: الطنجي.
(٤) المجموع (٢/ ٥٧١).
(٥) أي: كان المذي كثير الخروج منه؛ لأن مذاء صيغة مبالغة.
(٦) أحمد (٦٠٦)، والبخاري (١٧٨)، ومسلم (٣٠٣) واللفظ له، والنسائي (٤٣٨)، ومالك في الموطأ (١٢٠) تحقيق: الأعظمي.
[ ١ / ١٧٥ ]
لعطاء: أرأيت المذي أكنت ماسحه مسحا؟ قال: «لا المذي أشد من البول يغسل غسلا» (^١).
وإن كان صاحب المذي سلسا فكسلس البول، وإن كان لطول عزبة أو تذكر فعند ابن الحاجب وإن كثر المذي للعزبة (^٢) أو للتذكر فالمشهور الوضوء، وفي الذي يمكنه أن يتداوى منه قولان (^٣).
وهل تغسل المرأة فرجها من المذي أم محل الأذى فقط؟ لم يذكر المؤلف في هذا شيئا؛ وقال الأقفهسي (^٤): خص الذكر بالذكر لأن المرأة وإن شاركته في ذلك إنما تغسل محل الأذى.
مسألة: هل غسل الذكر كله للتعبد أو لقطع مادة المذي، وإذا قلنا إنه للتعبد افتقر إلى النية، وظاهر كلام المؤلف عدم افتقاره لها، ولذلك حكى خليل القولين في صحة الصلاة وبطلانها (^٥)، وصحح ابن العربي عدمها (^٦).
الودي (^٧): (وأما الودي فهو ماء أبيض خائر)؛ أي: ثخين (يخرج) غالبا عقب
_________________
(١) التمهيد (٢١/ ٢٠٤).
(٢) عزب: (العزاب) بالضم والتشديد الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء. قال الكسائي: الرجل (عزب) والمرأة (عزبة) والاسم (العربة) كالعزلة و(العزوبة) أيضا (مختار الصحاح).
(٣) جامع الأمهات (٥٤)، والتوضيح (٢٦٦/ ١)، دار ابن حزم.
(٤) الأقفهسي: هو القاضي الفاضل جمال الدين عبد الله بن مقداد الأقفهسي، انتهت إليه رئاسة المذهب المالكي بمصر، من شيوخه خليل، له شرح على الرسالة، وآخر على خليل، ولد سنة (٧٤٥ هـ وتوفي سنة ٨٢٣ هـ رحمه الله تعالى). شجرة النور (٢٤٠)، والإعلام للزركلي (١٤٠/ ٤).
(٥) مواهب الجليل للحطاب (١/ ٢٨٥)، ط: دار الفكر، الطبعة: الثالثة، ١٤١٢ هـ/ ١٩٩٢ م، وانظر: القولين في تنوير المقالة (٣٨٨/ ١).
(٦) المسالك لابن العربي (١٧٢/ ٢).
(٧) الودي: ماء أبيض خاثر يخرج إثر البول - يخفف ويثقل - والودي بالدال المهملة، قال ابن الأعرابي: وإعجامها شاذ.
[ ١ / ١٧٦ ]
البول وقد يخرج بنفسه أو مع البول (فيجب منه ما يجب من البول)؛ أي: الوضوء والاستبراء منه، لقول ابن عباس: «هو المني، والمذي، والودي، فأما المذي والودي فإنه يغسل ذكره ويتوضأ، وأما المني ففيه الغسل» (^١)، وقول ابن مسعود: «في الودي الوضوء» (^٢).
والخلاصة من كلام المصنف: أن الأحداث الناقضة للوضوء والموجبة له، ثلاثة من القبل: وهي البول، والودي، والمذي (^٣).
واثنان من الدبر وهما: الغائط، والريح.
والفائدة التي من أجلها ذكر المصنف أوصاف المياه الخارجة لإفادة أحكامها، فيحصل حكم كل ماء بحسب (^٤).
المني:
(وأما المني فـ) خروجه من موجبات الغسل لا الوضوء، وإنما ذكره المؤلف في موجبات الوضوء استطرادا لما أنه يوجب الوضوء في بعض أحواله، وهو ما إذا خرج بلذة غير معتادة، وإن كانت الحالة التي ذكرها المؤلف من موجبات الغسل، ولذكر ما يخرج من القبل وكان المني من جملته، وعرفه ليميزه عن غيره بأنه (هو الماء الدافق)؛ أي: الماء (الذي يخرج) دفقة بعد دفقة قال تعالى ﴿فلينظر الإنسان مم خلق * خلق من ماء دافق﴾ [الطارق: ٥، ٦]، (عند اللذة الكبرى بالجماع) أو الاحتلام، وله رائحة كرائحة الطلع (^٥)، أي: طلع النخل؛ أي: رائحة غباره الذي يسقط منه، وهذه الرائحة ما دام رطبا، أو
_________________
(١) قال العيني في عمدة القاري (٣/ ٢٢٠): أخرجه الطحاوي من طريقين حسنين جيدين، (باب: من تطيب ثم اغتسل). وأخرجه ابن أبي شيبة أيضا نحوه.
(٢) رواه البيهقى في السنن الكبرى (٥٦٤) وفيه انقطاع، كما لابن دقيق في الإمام (٢/ ٢٣١).
(٣) ويضاف المني عمن لم يكن له موجب غسل.
(٤) شرح زروق على الرسالة (١/ ٩٥).
(٥) الطلع: أول حمل النخلة، ولها سبعة أطوار كأطوار الجنين عند الإنسان: طلع فأغريض فبلح فزهو فبسر فرطب فتمر. تنوير المقالة (١/ ٣٩٣).
[ ١ / ١٧٧ ]
كرائحة العجين، أو البيض إذا يبس (^١)؛ يعقبه فتور واسترخاء.
(وماء المرأة)؛ أي: منيها فصفته أنه (ماء أصفر رقيق) إذا خرج على وجه العادة والصحة لا على وجه المرض. (فيجب من هذا طهر جميع الجسد) ولا يشترط بروزه إلى خارج، بل المدار على إحساسها به فبمجرد الإحساس يجب عليها الطهر (كما يجب من طهر الحيضة) (^٢) صفة وحكما، لحديث قتادة أن أنس بن مالك ﵁ حدثهم أن أم سليم حدثت أنها سألت نبي الله ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل؟ فقال رسول الله ﷺ: «إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل» فقالت أم سليم: واستحييت من ذلك، قالت وهل يكون هذا؟ فقال نبي الله ﷺ: «نعم فمن أين يكون الشبه؟ إن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه» (^٣).
قلت: ولا مفهوم لرأت لأنه قد يخرج ولا تراه ويجب عليها الغسل بسببه، فالظاهر أن المراد هنا أن الرؤية القلبية وليس بالضرورة بصرية والله أعلم.
دم الاستحاضة وسلس البول:
(وأما دم الاستحاضة فـ) هو الدم السائل في غير أيام زمن الحيض والنفاس من عرق فمه في أدنى الرحم يسمى العاذل بكسر الذال، وحكمه أنه (يجب منه الوضوء) إذا كان انقطاعه أكثر من إتيانه، فعن عائشة ﵂ قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش (^٤) لرسول الله ﷺ إني امرأة استحاض (^٥) فلا أطهر.
_________________
(١) شرح الرسالة لزروق (١/ ٩٤)، دار الكتب العلمية.
(٢) سيأتي الكلام عن الحيض وما يتعلق به من أحكام.
(٣) رواه مسلم (٣١١) في الحيض، باب: وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها، والنسائي في الطهارة، وابن ماجه (٦٠١).
(٤) أبو حبيش هو: السائب بن المطلب بن أسد، أسد قريش قيل: له صحبة، تقريب التهذيب (١/ ٢٢٨).
(٥) انظر: النساء اللائي كن يستحضن في عهد النبي ﷺ، المسالك لابن العربي (٢/ ٢٧٠).
[ ١ / ١٧٨ ]
أفأدع الصلاة؟ فقال لها رسول الله ﷺ: «إنما ذلك عرق، وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي» (^١)، وفي رواية لأبي داود: «اغتسلي ثم توضئي لكل صلاة وصلي»، قال ابن عبد البر: ليس في حديث مالك هذا ذكر الوضوء لكل صلاة على المستحاضة وذكر في حديث غيره، فلذا كان مالك يستحبه لها ولا يوجبه، كما لا يوجبه على صاحب السلس، فعن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: «ليس على المستحاضة إلا أن تغتسل غسلا واحدا، ثم تتوضأ بعد ذلك لكل صلاة» وعلى ذلك عمل أهل المدينة (^٢).
ولذلك قال ويستحب لها؛ أي: الوضوء، وأما إذا كان إتيانه أكثر من انقطاعه أو تساوى الأمران فلا يجب.
وقد عد ابن غازي أن هذه المسألة من مشكلات الرسالة الثمانية، وقد فصلنا القول في الأصل (^٣).
أحوال المستحاضة وسائر أصحاب الأسلاس:
• تارة يكون إتيانه أكثر من انقطاعه فيستحب منه الوضوء إلا أن يشق لبرد ونحوه.
• وتارة يكون انقطاعه أكثر من إتيانه، فيجب منه الوضوء على المشهور؛ وإلى هاتين الحالتين أشار «الشيخ» بقوله: «فيجب ويستحب».
• وتارة يستوي إتيانه وانقطاعه، ففي وجوب الوضوء واستحبابه قولان، والمشهور الاستحباب.
• وتارة يلازم دائما فلا يجب الوضوء ولا يستحب. اهـ (^٤).
_________________
(١) مالك في الموطأ (١/ ١٧٦)، والبخاري (٣٠٦)، ومسلم (٧٥١)، وغيرهم، وفي رواية لأبي داود (٢٩٨).
(٢) الموطأ للإمام مالك (١/ ٦٣).
(٣) المناهل الزلالة في شرح وأدلة الرسالة (٢/ ٤٠٥)، دار ابن حزم ٢٠١٤ م.
(٤) تحرير المقالة في شرح نظائر الرسالة للإمام محمد الحطاب رحمه الله تعالى (١٨)، تحقيق: الدمياطي أحمد بن علي، ط: ابن حزم، وانظر: التوضيح على جامع =
[ ١ / ١٧٩ ]
والخلاصة في الاستحاضة وسلس الأحداث إن تكررت في أكثر الأوقات فإنه يستحب منها الوضوء، وإلا فهي أحداث يجب منها الوضوء.
(و) كذلك يستحب (لـ) صاحب (سلس البول) وللمستحاضة (أن يتوضأ لكل صلاة)؛ أي: ويستحب لصاحب السلس أن يتوضأ لكل صلاة، فعن وهب عن الليث بن سعد أن كثير بن فرقد حدثه أن عبد الرحمن الأعرج حدثه أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «إنه لينحدر شيء مثل الجمان، أو مثل الخرزة فما أباليه» (^١)، قال ابن عبد البر: وهذا يدل على أن عمر استنكحه أمر المذي، وغلب عليه وسلس منه، كما يسلس من البول، فقال فيه القول.
وقال سعيد بن المسيب «لو سال على فخذي ما انصرفت» (^٢).
وأن يكون وضوءه متصلا بالصلاة، ولا خصوصية لسلس البول بالحكم، بل الحكم عام لكل ذي سلس بولا أو ريحا أو منيا، فالجميع سواء في عدم النقض بالذي خرج منهم، ولازم، ولو نصف الزمن حيث عجز عن رفعه بتداو أو تزوج، فإن قدر على رفعه فإنه يكون ناقضا وتغتفر له مدة التداوي في عدم النقض. فانتبه لهذا يرحمني وإياك الله، ونبه عليه.
موجبات الوضوء من الأسباب كزوال العقل ونحوه:
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ويجب الوضوء من زوال العقل بنوم مستثقل، أو إغماء، أو سكر، أو تخبط جنون، ويجب الوضوء من الملامسة للذة، والمباشرة بالجسد للذة، والقبلة للذة، ومن مس الذكر، واختلف في مس المرأة فرجها في إيجاب الوضوء بذلك).
_________________
(١) = الأمهات (١/ ٢٦٤ - ٢٦٧)، ط: دار ابن حزم، تحقيق د. حسن زقور، وشرح الرسالة لزروق (١/ ٩٦).
(٢) مالك في الموطأ (١/ ١٢٧)، والإستذكار (١/ ٣٠٦)،
(٣) الموطأ (٩٨).
[ ١ / ١٨٠ ]
الشرح
(ويجب الوضوء من زوال العقل) (^١)؛ أي: من الأسباب المؤدية إلى الحدث، وموجبة للوضوء بعد زوالها، زوال العقل بمعنى استتاره لا ذهابه بالكلية، إذ لو ذهب بالكلية لم يعد، وصار صاحبه غير مكلف، إذ الغرض في إنسان يلحقه ما ذكر من نحو نوم أو إغماء ثم يعود له عقله فيحكم عليه بوجوب الوضوء.
(بنوم مستتقل) بفتح القاف؛ أي: أن النوم الثقيل ينقض الوضوء مطلقا طال أو قصر لقوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ [المائدة: ٦] قال مالك: إن ذلك إذا قمتم من المضاجع؛ يعني: النوم، قال الزرقاني: وهذا التفسير موافق لقول أكثر السلف اهـ (^٢).
وعن الحسن رحمه الله تعالى: «إذا استثقل الرجل نوما، قائما، أو قاعدا، أو مضطجعا، توضأ» (^٣).
ولحديث صفوان بن عسال المتقدم، وحقيقة النوم الثقيل أنه الذي يخالط القلب ولا يشعر صاحبه بما فعل - مبنيا للمفعول - سواء فعله أو فعل غيره، ومفهوم قوله: مستثقل أن الخفيف الذي يشعر صاحبه بأدنى سبب لا ينقض مطلقا قصيرا كان أو طويلا (^٤)، لما روى نافع أن ابن عمر ﵁: «كان ينام جالسا ثم يصلي ولا يتوضأ» (^٥)، لكن يستحب الوضوء من النوم الخفيف الطويل، ولم يشترط الاستثقال في غيره فقليل ما سواه وكثيره
_________________
(١) قال المحاسبي: هو غريزة يمنحها الله العبد يميز بها الحق والباطل، وقال ابن فرحون: نور يقذف في القلب لإدراك الأشياء وهو من العلوم الضرورية. اهـ من تنوير المقالة للتتائي (١/ ٣٩٨).
(٢) شرح الموطأ للزرقاني (١/ ٦٤)، والمنتقى للباجي (١/ ٤٩)، والمدونة (١/ ١٢)، ط: دار الفكر، بيروت، ١٤١١ هـ/ ١٩٩١ م، وانظر: تنوير المقالة (١/ ٤٠٠).
(٣) مصنف عبد الرزاق (١/ ١٢٨).
(٤) الذخيرة (٢٢٧).
(٥) الموطأ (٥٨) بإسناد صحيح. انظر: الاستذكار (١/ ١٥١).
[ ١ / ١٨١ ]
سواء (^١)، وأن يكون النائم ممكنا مقعدته من الأرض متربعا، لأنه لا يمكن معها خروج الريح.
(أو إغماء) قال مالك: ومن أغمي عليه فعليه الوضوء، والإغماء زوال العقل مع استرخاء في الأعضاء، وسواء كان إغماء خفيفا أم ثقيلا، ولئن كان النقض ثابتا للنوم بالأحاديث مع أن صاحبه إذا أيقظوه استيقظ فالمذكورات سواه من باب أولى وعليه الإجماع (^٢)، وقد استدل البعض بحديث اغتساله ﷺ لما أغمي عليه في مرضه الذي مات فيه فقال: «ضعوا لي ماء في المخضب ثم ذهب لينوء، فأغمي عليه» (^٣)، وطلبه ليغتسل به دليل في حده الأدنى على الوضوء الذي هو أقل من الغسل، والله أعلم، والإجماع قاض بالوضوء على كل حال.
(أو سكر)؛ يعني: أن من غاب عقله بسبب سكر فعليه الوضوء، ولا تفصيل بين السكر بحرام أو حلال، كأن شرب لبنا حامضا فسكر منه.
(أو تخبط جنون) الأولى حذف تخبط، لأن زوال العقل يكون بالجنون، والتخبط مصاحب لزوال العقل لا أنه سبب له، وإنما وجب الوضوء بسبب الجنون والسكر والإغماء لأنه لما وجب بالنوم مع كونه أخف حالا منها لأنه يزول بيسير الانتباه، وقد وقع الإجماع على أن الوضوء ينتقض بما ذكر قال النووي رحمه الله تعالى: «أجمعت الأمة على انتقاض الوضوء بالجنون، والإغماء، وقد نقل الإجماع فيه ابن المنذر وآخرون» (^٤).
وفي كلام المؤلف دليل على القول منه بمس الجان للإنسان وتلبسه به،
_________________
(١) انظر: شرح زروق (٩٧).
(٢) الذخيرة (١/ ٢٢٨٩)، وبداية المجتهد (١/ ٧١)، ط: دار المعرفة، بيروت، ١٤٢٠ هـ/ ٢٠٠٠ م، والفتح الرباني على نظم رسالة ابن أبي زيد القيرواني (١/ ٨٥)، تحقيق: د. علي بن حمزة العمري - بتصرف، وانظر: الأوسط لابن المنذر (١٤٢ - ١٥٥/ ١)، والمغني (١/ ١١٣)، والمجموع (٢/ ٢٥).
(٣) البخاري (٦٨٧)، ومسلم (٤١٨).
(٤) المجموع للنووي (٢/ ٢٢)، والإجماع لابن المنذر (٣١).
[ ١ / ١٨٢ ]
وقد جاء في القرآن والسنة ما يدل على ذلك ولا عبرة بخلافه (^١).
• اللمس للمرأة بشهوة:
(ويجب الوضوء من الملامسة)؛ أي: من الأسباب المؤدية إلى الحدث الملامسة، فإذا لمس البالغ امرأة غير محرم تشتهى عادة انتقض وضوءه إذا قصد اللذة وجدها أو لم، أو وجدها دون قصد، فإن لم يقصد ولم يجد فلا نقض، واللمس هنا هو ما دون الجماع على ما فسر به جماعة من الصحابة والتابعين ومالك وأصحابه قوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾ [النساء: ٤٣] قال ابن العربي: ولم يختلف عن ابن مسعود أن الملامسة ما دون الجماع (^٢)، وعن سالم بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن عمر ﵁ أنه كان يقول: «قبلة الرجل امرأته، وجسها بيده من الملامسة، فمن قبل امرأته أو جسها بيده، فعليه الوضوء» (^٣)، قال ابن عبد البر: وحمل الظاهر والعموم على التصريح أولى من حمله على الكناية (^٤).
(للذة) حاصل فقه المسألة أن اللامس إن كان قاصدا اللذة وجب عليه الوضوء بمجرد الملامسة وجد لذة أو لا، وأولى إن قصد ووجد وإن لم يكن قاصدا اللذة بل كان قاصدا بالملامسة الاختبار هل الجسم صلب أو لا، ولكنه وجد لذة فيجب عليه الوضوء لوجود اللذة، أما إن لم يقصد ولم يجد فلا شيء عليه. هذا حكم اللامس، وأما الملموس فإن بلغ والتد توضأ وإلا فلا شيء عليه ما لم يقصد اللذة، وإلا صار حكمه حكم اللامس، فلا ينقض لحديث عائشة ﵁ قالت: «كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي، في قبلته فإذا سجد غمزني، فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما»، قالت: والبيوت
_________________
(١) انظر: تفسير القرطبي (٣/ ٣٥٤).
(٢) المسالك (٢/ ١٨٢). وأثره أخرجه عبد الرزاق (٤٩٩ - ٥٠٠)، والبيهقي (١/ ١٢٤).
(٣) أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ١٣٢).
(٤) الاستذكار (١/ ٣٢٥). وهو قول ابن العربي في المسالك (٢/ ١٨٢) ولعله أخذه من أبي عمر.
[ ١ / ١٨٣ ]
يومئذ ليس فيها مصابيح (^١).
• القبلة:
(والقبلة للدة) القبلة بضم القاف، ضم فم على فم، ظاهر كلامه أن التقبيل مطلقا على الفم أو غيره يجري على القصد أو الوجدان، وليس كذلك، بل المشهور أن القبلة على الفم تنقض مطلقا قصد ووجد أم لا، لأنها مظنة اللذة، لحديث ابن عمر ﵄: «قبلة الرجل امرأته، وجسها بيده من الملامسة، فمن قبل امرأته أو جسها بيده، فعليه الوضوء» (^٢)، ما لم تكن قرينة صارفة للذة، فإن وجدت فلا، وهو ظاهر كلام المصنف، لحديث عائشة ﵂ أنها قالت: «إن رسول الله ﷺ قبل امرأة من نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، قال عروة: فقلت لها: ومن هي إلا أنت؟ فضحكت» (^٣)، وفي رواية: «أن النبي ﷺ قبلها ولم يتوضأ» (^٤).
مس الذكر:
(ومن مس الذكر)؛ أي: من الأسباب المؤدية إلى الحدث مس الذكر لما في «الموطأ» وغيره أن رسول الله ﷺ قال: «إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ» (^٥). قال التتائي: رجح مالك حديث بسرة إما لكونه أصح سندا، أو روايته أكثر، أو لأنه متأخر فيكون ناسخا (^٦). وروى مالك عن مصعب بن
_________________
(١) مالك في الموطأ (١/ ٣٤٥)، البخاري (٣٦٩)، ومسلم (١١٤٥).
(٢) مالك في الموطأ (١/ ١٣٢).
(٣) الترمذي (٨٦)، والنسائي (١/ ١/ ١٠٤) وهو حديث حسن، الرواية لأبي داود (١٧٨، ١٧٩، ١٨٠).
(٤) رواه ابن ماجه بلفظ آخر (٥٠٢)، قال السندي على حاشية سنن ابن ماجه: «وقد جاء بذلك الإسناد موصولا، ذكره الدار قطني، وقد رواه البزار بإسناد حسن»، «ورواه المصنف - أي: ابن ماجه - بإسنادين؛ فالحديث حجة الاتفاق»، باب: الوضوء من القبلة.
(٥) مالك في الموطأ (١/ ١٢٩)، وأبو داود (١٨١)، والنسائي (١/ ١/ ١٠٠)، وعده السيوطي من المتواتر وتبعه على ذلك الكتاني في نظم المتناثر (ص ٧٦).
(٦) تنوير المقالة (١/ ٤٠٥).
[ ١ / ١٨٤ ]
سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت فقال سعد: «لعلك مسست ذكرك»؟ قال: فقلت نعم. فقال: «قم، فتوضأ». فقمت فتوضأت، ثم رجعت (^١).
والمعتبر في المس إذا كان بباطن الكف أو بباطن الأصابع أو بجنبيهما، و«ألـ» في الذكر للعهد، والمعهود ذكر الماس لا ذكر غيره. وأما ذكر الغير فيجري على حكم الملامسة من اعتبار القصد أو الوجدان، ولا بد أن يكون الذكر متصلا بالبدن، وأما المنفصل عن البدن فلا نقض بمسه. ويعتبر في الخنثى الإشكال وعدمه، فإن كان مشكلا نقض مسه، وإن كان غير مشكل اعتبر في حقه ما حكم له به، فإن حكم له بالذكورة نقض وإلا فلا، ويفصل في المس من فوق الحائل، فإن كان كثيفا فلا نقض قولا واحدا، للحديث الآنف الذكر وفي بعض ألفاظه «ليس دونها حجاب»، وإن كان خفيفا فالمشهور عدم النقض.
ولا نقض بمس الدبر والأنثيين على المشهور (^٢).
• مس المرأة فرجها:
واختلف في النقل عن مالك في مس المرأة فرجها في إيجاب الوضوء بذلك فمذهب المدونة عدم النقض لما في الحديث: «إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ» ورد هذا المذهب بأنه مفهوم لقب، ومفهوم اللقب لا يعتبر في الحجية (^٣). واستند القائل بالنقض لحديث: «من مس فرجه
_________________
(١) مالك في الموطأ (١/ ١٣٠).
(٢) وفي المسألة فروع ذكرها زروق فانظرها (١/ ١٠٠)، وانظر: المسائل المختلف فيها في الذخيرة للقرافي (١/ ٢٣٦).
(٣) مفهوم اللقب عند الأصوليين: هو ما دل على تخصيص الحكم بالمنصوص عليه وقطع المشاركة بينه وبين غيره من جنسه عند قوم، منهم: أبو بكر الدقاق وأبو حامد المروذي وبعض الحنابلة والأشعرية ويسمى هذا مفهوم اللقب، وعند جمهور العلماء لا يدل على التخصيص ونفي الحكم عما عداه. ففي الدليل المشار إليه كأن الحكم بالوضوء خاص بالذكر منفي عن فرج المرأة، فعند الجمهور لا يدل على التخصيص،
[ ١ / ١٨٥ ]
«فليتوضأ» (^١) لأن الفرج لغة العورة، فيقع على الذكر وفرج المرأة، وقد ثبت في «مسند أحمد» و«سنن البيهقي» عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵃ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ» (^٢). وللإمام أربع تأويلات: سقوط الوضوء، إيجابه، استحبابه، التفرقة بين الإلطاف وعدمه» (^٣).
والإلطاف أن تدخل يديها بين شفريها، وهذا آخر الكلام على ما يجب من الوضوء. وأما ما يجب منه الغسل فسيأتي بيانه.
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ويجب الطهر مما ذكرنا من خروج الماء الدافق للذة في نوم أو يقظة من رجل أو امرأة، أو انقطاع دم الحيضة أو الاستحاضة أو النفاس، أو بمغيب الحشفة في الفرج وإن لم ينزل.
ومغيب الحشفة في الفرج يوجب الغسل، ويوجب الحد، ويوجب الصداق، ويحصن الزوجين، ويحل المطلقة ثلاثا للذي طلقها، ويفسد الحج، ويفسد الصوم).
باب في موجبات الغسل
• المني:
(ويجب الطهر مما ذكرنا من خروج الماء الدافق للذة في نوم أو يقظة من رجل أو امرأة)؛ أي: أنه يجب الغسل من خروج المني بلذة معتادة سواء خرج في نوم، أو يقظة، من رجل أو امرأة، لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبا
_________________
(١) = لا سيما أنه ثبت الدليل في غير هذا على وضوء المرأة من مس فرجها، عند المالكية إذا ألطفت وهناك أقوال أخر.
(٢) النسائي (٤٤٤)، وابن ماجه (٤٨١)، وقال الألباني: صحيح لغيره.
(٣) ابن الجارود (١٩)، والدارقطني (٥٣٤)، وقال الترمذي في العلل الكبير (١/ ١٦١) عن البخاري: هو عندي صحيح.
(٤) المسالك لابن العربي (٢/ ١٧٩)، ومسالك الدلالة (١٧).
[ ١ / ١٨٦ ]
فاطهروا﴾ [المائدة: ٦]، ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما الماء من الماء» (^١). هذا الحديث وإن كان حكمه أن من جامع امرأته ولم ينزل ألا غسل عليه إلا أنه منسوخ بأحاديث التقاء الختانين، ولكن لتعلم أن حكمه باق فيمن أنزل دون جماع كالاحتلام ونحو ذلك، ولذلك قال ابن عباس ﵁: «إنما الماء من الماء في الاحتلام» (^٢).
ولحديث أم سلمة، قالت: جاءت أم سليم إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال النبي ﷺ: «إذا رأت الماء فغطت أم سلمة؛ تعني: وجهها، وقالت: يا رسول الله أو تحتلم المرأة؟ قال: نعم، تربت يمينك، فبم يشبهها ولدها» (^٣).
وعن عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما. قال: «يغتسل»، وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولا يجد البلل. قال: «لا غسل عليه فقالت: أم سليم المرأة ترى ذلك أعليها غسل؟ قال: نعم. إنما النساء شقائق (^٤) الرجال» (^٥).
وقوله للذة احتراز من الخارج بغير لذة فإنه لا يوجب غسلا قياسا على المذي، ودم الاستحاضة، ولا يشترط في وجوب الغسل من خروجه للذة أن تكون اللذة مقارنة للخروج، فقد يجب الغسل لخروجه بعد ذهاب اللذة، كأن يلتذ بغير جماع ثم يخرج منه المني بعد ذهابها.
_________________
(١) رواه مسلم (٧٧٣)، وأبو داود (٢١٧)، والترمذي (١١٠) بمعناه.
(٢) الترمذي (١١٢).
(٣) مالك في الموطأ (١/ ١٥٤)، والبخاري (٢٨٢)، ومسلم (٧١٠) عن عائشة وأنس ﵄.
(٤) شقائق: قال ابن الأثير: أي: نظائرهم وأمثالهم كأنهن شققن منهم اهـ. والشقيق: المثل والنظير.
(٥) أبو داود (٢٣٦)، والترمذي (١١٣)، قال الأرناؤوط: وهو حسن بشواهده، انظر: جامع الأصول لابن الأثير (٧/ ٢٧٤) تحقيق: الأرناؤوط.
[ ١ / ١٨٧ ]
قال ابن عمر الأنفاسي: ذكر خروجه (أي: المني) وسكت عن دخوله وهو إذا جامع دون الفرج، وأنزل فدخل منيه في فرجها، فقيل: عليها الغسل مطلقا؛ وقيل: إلا أن تلتذ، وقيل: إلا أن تنزل اهـ (^١)، والذي يظهر لي لا غسل عليها، كما قال في «المختصر»، إذ لا دليل على إيجاب ما لم يوجبه الشرع.
انقطاع دم الحيض والنفاس:
(أو انقطاع دم الحيضة) الصواب أن يقول دم الحيض، لأنه أعم من الحيضة إذ هي خاصة بما تقدمها طهر فاصل، وتأخر عنها طهر فاصل، فأول دم خرج لا يقال له حيضة، وكذلك آخر دم.
الحيض لغة: السيلان، يقال حاضت السمرة (نوع من شجر البادية)، تحيض حيضا سال صمعها، وحاضت المرأة حيضا سال دمها.
وشرعا: هو الدم الخارج بنفسه من فرج المرأة الممكن حملها عادة غير زائد على خمسة عشر يوما (^٢)، ويكون خروجه لغير مرض ولا ولادة، فالدم الخارج لا بنفسه، والخارج من الدبر، والخارج من الصغيرة كبنت سبع سنين أو سبعين سنة، والزائد على خمسة عشر يوما، والخارج بسبب مرض، والخارج لأجل الولادة لا يكون حيضا حتى تترتب عليه أحكامه.
والدليل على وجوب الغسل قول الله: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن﴾ [البقرة: ٢٢٢]، قال ابن عباس: «حتى يطهرن»؛ أي: من الدم ﴿فإذا تطهرن﴾؛ أي: بالماء، وإليه ذهب مالك وجمهور العلماء، وأن الطهر الذي يحل به جماع الحائض الذي يذهب عنها الدم هو تطهرها بالماء كطهر الجنب، ولا يجزئ من ذلك تيمم ولا غيره (^٣)، ولحديث
_________________
(١) تنوير المقالة: (١/ ٤٠٧).
(٢) انظر: المذهب في ضبط المذهب لابن راشد (١/ ١٩٤)، والتاج والإكليل (١/ ٣٦٤ - ٣٦٧)، وشرح حدود ابن عرفة (١/ ١٠٢).
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير (١/ ٥٨٨)، والجامع لأحكام القرآن =
[ ١ / ١٨٨ ]
عائشة ﵂ قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله ﷺ: يا رسول الله إني لا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: «إنما ذلك عرق، وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي» (^١)، وفي رواية للبخاري: «ثم اغتسلي، وصلي» (^٢).
(أو الاستحاضة) انظر كيف جعل انقطاع دم الاستحاضة من موجبات الغسل، والذي رجع إليه مالك آخرا استحباب الغسل، وكان أولا يقول: إنها لا تغتسل، وليس من أهل المذهب من يقول بالوجوب إلا الباجي على ما يؤخذ من ظاهر نقله، هكذا قال كثير من الشراح منهم ابن ناجي (^٣)، لكن يظهر من كلام الباجي القول بالاستحباب لا الوجوب والله أعلم (^٤). إلا أنه يمكن أن يستدل له بحسب الظاهر وحمله على الوجوب بحديث عائشة قالت: «استحيضت زينب بنت جحش، فقال لها النبي ﷺ: «اغتسلي لكل صلاة»» (^٥).
(أو النفاس)؛ أي: من موجبات الغسل النفاس.
والنفاس لغة: بالكسر اسم من نفست المرأة تنفس فهي نفساء وهو الولادة، ويقال للدم الذي يخرج من المرأة عند الولادة، وقد يطلق على الحيض نفاس. والنفاس في اصطلاح أهل الشرع: «الدم الخارج من الفرج لأجل الولادة على جهة الصحة والعادة» (^٦)؛ وهو من موجبات الغسل إذا انقطع عن المرأة قبل تمام المدة المحددة شرعا، أو بعدها حيث صار استحاضة وذلك
_________________
(١) = للقرطبي (٣/ ٨٨) عند تفسيرهما الآية.
(٢) مالك في الموطأ (١/ ١٧٦)، والبخاري (٣٠٦)، ومسلم (٧٥١)، وغيرهم.
(٣) البخاري (٣٢٠).
(٤) انظر: العدوي (١/ ١٣١)، وابن ناجي (١/ ٨١).
(٥) وقد أشار إلى هذا في تحقيق تنوير المقالة: الشيخ الدكتور محمد شبر (١/ ٤١١). وبرجوعي إلى قول الباجي تبين أن ما نقله هو الظاهر. لا ما ذهب إليه ابن ناجي. والله أعلم.
(٦) رواه أبو داود (٢٩٢)، وحسن الحافظ المنذري بعض طرقه، قال الألباني: صحيح.
(٧) المختصر لخليل (٢٢)، وشرح الرسالة لزروق (١/ ١٠٣).
[ ١ / ١٨٩ ]
لحديث عائشة لا قالت: نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر، بالشجرة (^١)، فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر يأمرها أن تغتسل وتهل (^٢) (^٣)، وغسلها للاستحباب فدل أنها إذا طهرت وجب الغسل للعبادات.
وأكثر النفاس أربعون يوما لحديث أم سلمة لا قالت: «كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله ﷺ أربعين يوما» (^٤)، وقال الترمذي بعد هذا الحديث - وقد أجمع أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين ومن بعدهم، على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوما، إلا أن ترى الظهر قبل ذلك، فإنها تغتسل وتصلي، فإن رأت الدم بعد الأربعين، فإن أكثر أهل العلم قالوا: «لا تدع الصلاة بعد الأربعين، ولم يعول مالك والشافعي على هذا الحديث، وإن كان قد روي عن مالك الأربعين قال الحطاب: ولا عمل عليه» (^٥)، قال ابن العربي: وهذا الباب بجملته لا يصح فيه خبر عن النبي ﷺ بحال، وإنما المعتبر فيه الوجود وقد قال الأوزاعي: وعندنا امرأة تنفس ستين يوما، وحكى الطحاوي عن الليث عن بعضهم سبعين يوما اهـ (^٦).
وقال الحافظ ابن عبد البر (^٧): كان الإمام مالك يقول أقصى النفاس ستون يوما ثم رجع فقال: يسأل عن ذلك النساء؛ وبقي أصحابه على أن أكثره ستون يوما.
تنبيه: هل تغتسل المرأة إذا خرج الولد جافا؟ نعم يجب الغسل على المشهور (^٨).
_________________
(١) أي: ذي الحليفة، وكانت به شجرة عظيمة. فيقال: ميقات الشجرة.
(٢) الإهلال هو رفع الصوت بالتلبية.
(٣) مالك في الموطأ (٢/ ٢٩٩)، ومسلم (٢٩٠٠).
(٤) رواه أبو داود (٣١١)، والترمذي (١٣٩).
(٥) مواهب الجليل (١/ ٣٧٦).
(٦) عارضة الأحوذي لابن العربي (١/ ٢٢٨)، وعنه تبيين المسالك للشيباني (١/ ٢٨٥).
(٧) الاستذكار (٣/ ٢٤٩)، ط: بتحقيق: القلعجي.
(٨) الفواكه الدواني (١/ ١٢١).
[ ١ / ١٩٠ ]
مغيب الحشفة في الفرج:
(أو بمغيب الحشفة (^١) في الفرج وإن لم ينزل)؛ يعني: أن من موجبات الغسل مغيب الحشفة من البالغ في الفرج وإن لم ينزل، سواء كان فرج آدمية أو بهيمة أو في الدبر، وسواء في ذلك دبر الأنثى والذكر، وسواء كان معه انتشار أو لا، وسواء لف عليها خرقة أم لا. والأصل في ذلك حديث عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: «إذا جاوز الختان الختان (^٢)، وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا» (^٣).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها فقد وجب الغسل» (^٤)، ولمسلم: «وإن لم ينزل» (^٥).
وهذا الحديث ناسخ لما رواه مسلم من قوله: «إذا أعجلت أو قحطت فعليك الوضوء» (^٦)، ولما روي من قوله: «إنما الماء من الماء».
قال العيني هذا الحكم منسوخ وقال النووي اعلم أن الأمة مجتمعة الآن على وجوب الغسل بالجماع وإن لم يكن معه إنزال وعلى وجوبه بالإنزال؛ أي: وإن لم يكن معه جماع (^٧).
_________________
(١) الحشفة: هي رأس الذكر وتسمى الكمرة أيضا.
(٢) الختان: هو الموضع الذي يقطع من الفرج ثم استعمل للفعل.
(٣) مالك في الموطأ (١/ ١٣٩)، والترمذي (١٠٨)، وقال: حديث عائشة، حديث حسن صحيح.
(٤) أحمد (٢/ ٢٣٤)، والبخاري (٢٩١)، ومسلم (٧٨١).
(٥) أخرجه مسلم (٧٨١).
(٦) معناه: أعجلت؛ أي: عن فراغ شغلك وحاجتك عما كنت فيه من الجماع. (قحطت)؛ أي: لم تنزل في الجماع مستعار من قحوط المطر وهو انحباسه وعدم نزوله. (فعليك الوضوء)؛ أي: الزم الوضوء.
(٧) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للإمام النووي (٤/ ٣٦) الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة: الثانية، ١٣٩٢ هـ.
[ ١ / ١٩١ ]
أحكام تترتب على مغيب الحشفة (^١):
(ومغيب الحشفة في الفرج) تقدم أن مغيب الحشفة من موجبات الغسل، وإنما أعاده لجمع النظائر:
(يوجب الحد)؛ أي: حد الزنى على الزاني فعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة، والرجم» (^٢)، وعن زيد بن خالد ﵁ عن رسول الله ﷺ: «أنه أمر فيمن زنى، ولم يحصن بجلد مائة، وتغريب عام» (^٣).
(ويوجب الصداق)؛ أي: كماله لأن العقد موجب لنصفه، قال تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة: ٢٣٧]، روى مالك في «الموطأ» عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب ﵁ قضى في المرأة إذا تزوجها الرجل أنه إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق (^٤).
(و) أنه (يحصن الزوجين) بشرط أن يكونا حرين مسلمين عاقلين بالغين، قال تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين﴾ [النساء: ٢٤].
_________________
(١) فائدة: ذكر ابن العربي في المسالك (٢/ ١٩٧) ثلاثة وستين موجبا لمغيب الحشفة، قال القرافي في الذخيرة (١/ ٢٩٣): يوجب التقاء الختانين نحو ستين حكما ثم عدها. وقال زروق (١/ ١٠٥): وأنهاها بعضهم لزائد على المائة ثم قال: قال بعضهم: والمختص منها بذلك - أي: الحشفة - نفسها لا ما يتعلق بها من أحكام: أربعة: ١ ـ[الحد في محله]، ٢ - [الإحصان]، ٣ - [الإحلال]، ٤ ـ[وسقوط الخيار في العنة والاعتراض] اهـ. منه بتصرف.
(٢) رواه مسلم (٣١٩٩)، والبخاري من حديث أبي هريرة له بغير اللفظ المذكور، ومالك في الموطأ من رواية محمد بن الحسن الشيباني، وأبو داود (٤٤١٥).
(٣) مالك في الموطأ (٣٠٤٠ ما جاء في الرجم)، والبخاري (٢٥٠٦)، ومسلم (١٦٩٧).
(٤) الموطأ (١٥١١)، باب: إرخاء الستور من كتاب النكاح.
[ ١ / ١٩٢ ]
ويحل المطلقة ثلاثا للذي طلقها وهو الحر لقوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠] ولحديث عائشة ﵂ أن رفاعة القرظي تزوج امرأة ثم طلقها فتزوجت آخر فأتت النبي ﷺ فذكرت له أنه لا يأتيها وأنه ليس معه إلا مثل هدبة، فقال: «لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» (^١)، لكن يشترط في التحليل للمطلقة ثلاثا أن يكون مع التغييب انتشار، والحاصل أنه لا يشترط الانتشار في الثلاثة الأول، وأما تحصين الزوجين والمطلقة ثلاثا فلا بد من الانتشار وعدم الحائل.
(ويفسد الحج) مطلقا فرضا كان أو تطوعا، عمدا كان أو نسيانا، إذا وقع قبل الوقوف بعرفة أو بعده قبل طواف الإفاضة ورمي جمرة العقبة في يوم النحر، ويتمادى على حجه ويقضيه من قابل للإجماع على ذلك عند العلماء.
قال تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ [البقرة: ١٩٧]؛ قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن من جامع عامدا قبل وقوفه بعرفة عليه حج قابل والهدي» (^٢).
وروى مالك في «الموطأ» (^٣) أن عمر وعليا وأبا هريرة ﵃ سئلوا عن رجل أصاب أهله وهو محرم بالحج؟ فقالوا: «ينفذان يمضيان لوجههما حتى يقضيا حجهما، ثم عليهما حج قابل والهدي».
(ويفسد الصوم)؛ أي: وإن لم يكن معه انتشار فرضا كان أو نفلا، عمدا كان أو نسيانا، ويلزمه القضاء والكفارة في الفرض إن تعمد إجماعا (^٤)، لحديث الأعرابي الذي جامع أهله في نهار رمضان فقال: «أصبت أهلي، وأنا صائم في رمضان».
_________________
(١) البخاري (٥٢٦٠)، ومسلم (٣٥٩٩)، والعسيلة: تصغير عسل والمراد: لذة الجماع، والهدبة: طرف الثوب والمراد: أنه لا يستطيع جماعها.
(٢) الإجماع (ص ١٧).
(٣) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٤٤٢) بلاغا.
(٤) مراتب الإجماع (٧١).
[ ١ / ١٩٣ ]
فقال له رسول الله: «هل تستطيع أن تعتق رقبة؟» فقال: لا، قال: «فهل تستطيع أن تهدي بدنة؟»، قال: لا، قال: «فاجلس». فأتي رسول الله ﷺ بعرق (^١) تمر. فقال: «خذ هذا، فتصدق به».
فقال: ما أحد أحوج مني، فقال: «كله، وصم يوما مكان ما أصبت» (^٢)، وإلا فالقضاء فقط كالعمد في النفل.
• علامات طهر المرأة الحائض والنفسا:
لما أنهى الشيخ كلامه عن موجبات الغسل، شرع يتكلم عن أحكام تختص بها المرأة، إذ من موجبات الغسل انقطاع دم الحيض والنفاس، ولا بد من علامات تميز الحيض من الطهر.
فقال رحمه الله تعالى:
(وإذا رأت المرأة القصة البيضاء تطهرت، وكذلك إذا رأت الجفوف تطهرت مكانها: رأته بعد يوم أو يومين أو ساعة، ثم إن عاودها دم، أو رأت صفرة أو كدرة تركت الصلاة، ثم إذا انقطع عنها اغتسلت وصلت، ولكن ذلك كله كدم واحد في العدة والاستبراء حتى يبعد ما بين الدمين، مثل ثمانية أيام أو عشرة، فيكون حيضا مؤتنفا.
ومن تمادى بها الدم بلغت خمسة عشر يوما، ثم هي مستحاضة، تتطهر، وتصوم، وتصلي، ويأتيها زوجها.
_________________
(١) أكثرهم يرويه بسكون الراء، والصواب عند أهل اللغة فتح الراء. وزعم ابن حبيب أنه رواه مطرف عن مالك بتحريك الراء، قال: «والفرق بتسكين الراء هو العظم، والفرق بفتح الراء المكتل العظيم الذي يسع قدر خمسة عشر صاعا». «ذكر أبو داود أن العرق ستون صاعا». تعليق الأعظمي على الموطأ (٣/ ٤٢٤).
(٢) رواه البخاري (١٩٣٦)، ومسلم (٢٥٩٠) وغيرهم وسيأتي مستوفى في كفارات الصيام. «قال أبو عمر في قوله: كله، لا أعلم لمالك نصا هل هي مضمونة على الواطي الأكل أم لا؟ وكان عيسى بن دينار يقول: هي مضمونة عليه»، «صح». تعليق الأعظمي على الموطأ.
[ ١ / ١٩٤ ]
وإذا انقطع دم النفساء وإن كان قرب الولادة اغتسلت وصلت، وإن تمادى بها الدم جلست ستين ليلة، ثم اغتسلت، وكانت مستحاضة تصلي وتصوم وتوطأ).
الشرح
قوله: (وإذا رأت المرأة القصة البيضاء (^١) تطهرت، وكذلك إذا رأت الجفوف تطهرت مكانها … إلخ): لما ذكر أن من موجبات الغسل دم الحيض انتقل يبين العلامة الدالة على انقطاعه، فذكر له علامتين القصة، والجفوف، فإذا رأت الحائض إحدى العلامتين فقد استبان طهرها، ويحكم لها من ساعتئذ بأنها طاهرة، لما روى مالك عن أم علقمة مرجانة مولاة عائشة ﵂ أنها قالت: «كان النساء يبعثن إلى عائشة أم المؤمنين، بالدرجة (^٢) فيها الكرسف، فيه الصفرة من دم الحيضة، يسألنها عن الصلاة. فتقول لهن: «لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء». تريد بذلك الطهر من الحيضة» (^٣).
وروى مالك أيضا عن عبد الله بن أبي بكر عن عمته عن ابنة زيد بن ثابت أنه بلغها أ «ن نساء كن يدعون بالمصابيح من جوف الليل، ينظرن إلى الظهر، فكانت تعيب ذلك عليهن وتقول: ما كان النساء يصنعن هذا» (^٤).
(رأته بعد يوم أو يومين أو ساعة … إلخ)؛ أي: الطهر المفهوم من قوله
_________________
(١) القصة: بفتح القاف، وهي ماء أبيض يحصل آخر الحيض تشبه الجير الذي يستعمل لتبييض الجدران. الجفوف: مصدر جف، وله مصدر آخر جفافا وهو أن تدخل القطنة أو الخرقة الجافة في فرجها فتخرج جافة تنوير المقالة (١/ ٤١٨).
(٢) الدرجة: بكسر أوله وفتح الراء والجيم، وقيل: بالضم ثم السكون، وهو ما تحتشي به المرأة من قطنة وغيرها لتعرف هل بقي من أثر الحيض شيء أم لا، وقيل: هي وعاء. ويرجحه ظاهر الرواية هنا. الكرسف: بضم الكاف والسين المهملة بينهما راء ساكنة، وهو: القطن.
(٣) الموطأ (١/ ١٧١) كتاب الحيض، الباب، والبخاري (باب: إقبال المحيض وإدباره)، فتح الباري (١/ ٥٠٠).
(٤) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٩٠)، وعلقه البخاري (باب: إقبال المحيض وإدباره).
[ ١ / ١٩٥ ]
تطهرت يشير إلى أنه لا حد لأقل الحيض باعتبار الزمن، وأما باعتبار المقدار فله أقل وهو الدفعة، وذلك لأن الله ﷿ قال: ﴿ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فإذا وجد الأذى وجد الحيض، سواء كان أكثر من يوم وليلة أو أقل، فالحكم يدور مع علته وجودا وعدما، وقد أمر الله باعتزال النساء في المحيض، ولم يحده بحد، بل علق الحكم على وجوده، فيجب اعتزالها ولو كان الدم أقل من يوم وليلة، وقد علق الرسول ﷺ أحكام الحيض على ما يدور مع علته وجودا وعدما، وقد أمر الله باعتزال النساء في المحيض، ولم يحده بحد، بل علق الحكم على وجوده، فيجب اعتزالها ولو كان الدم أقل من يوم وليلة، وقد علق الرسول ﷺ أحكام الحيض على إقبال الحيض وإدباره، ولم يعلقه بمضي مدة معينة، فعلم أن لا تحديد لأقل الحيض، كما في حديث فاطمة بنت أبي حبيش: «فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها، فاغسلي عنك الدم وصلي» (^١)، ثم إنه قياسا على النفاس الذي لا حد لأقله، والحيض والنفاس أحكامهما متشابهة (^٢)، وأما أكثره فلا حد له باعتبار المقدار، وله حد باعتبار الزمن وهو خمسة عشر يوما، (ثم إن عاودها دم)؛ أي: أن من رأت علامة الظهر وحكم بأنها طهرت من ساعتئذ؛ أي: من وقت أن رأت الظهر، إن عاودها دم آخر (أو رأت صفرة) شيء كالصديد تعلوه صفرة (أو كدرة) (^٣) شيء كدر ليس على ألوان الدماء، (تركت الصلاة)؛ أي: فإنها حينئذ تترك الصلاة وتحسب ذلك اليوم يوم حيض، وتجعله كله حيضا واحدا، لحديث عائشة المار قريبا وفيه قولها: «لا
_________________
(١) البخاري (٣٠٦)، ومسلم (٣٣٣).
(٢) انظر: الحيض والنفاس رواية ودراية لأبي عمر دبيان الدبيان (١/ ١٥٤ - ١٥٥)، ط: دار أصداء المجتمع الأولى.
(٣) مسألة الصفرة والكدرة أيام الحيض حيض اختاره ابن الماجشون، وجعله المازري والباجي هو المذهب عند المالكية (مواهب الجليل) (١/ ٣٦٤)، والمنتقى للباجي (١/ ١١٨). ومذهب المدونة أن الصفرة والكدرة حيض مطلقا (١/ ١٥٢).
[ ١ / ١٩٦ ]
تعجلن حتى ترين القصة البيضاء تريد بذلك الطهر من الحيضة وبلغ بنت زيد ابن ثابت: أن نساء يدعون بالمصابيح من جوف الليل ينظرن إلى الظهر، فقالت: «ما كان النساء يصنعن هذا وعابت عليهن» (^١)، وكانت عائشة تنهى النساء أن ينظرن إلى أنفسهن في المحيض ليلا، وتقول: «إنه قد تكون الصفرة والعدرة»» (^٢).
ومحل كونه حيضا واحدا إذا أتاها قبل طهر تام، أو كان انقطاعه أولا قبل تمام عادتها أو بعدها، وقبل الاستظهار أو قبل تمامه، وأما إذا أتاها بعد طهر تام أو كان انقطاعه بعدما تمادى بها عادتها وأيام الاستظهار لا يكون حيضا بل استحاضة.
(ثم إذا انقطع عنها)؛ أي: إذا انقطع عن المرأة ذلك الدم الذي عاودها اغتسلت وصلت ولا تنتظر هل يأتيها دم آخر أو لا، ويعبر عن هذه المسألة بمسألة الملفقة وهي التي تقطع طهرها؛ أي: تخلله دم، ولعل ما يستدل لهذا أن أنس بن سيرين قال: «استحيضت امرأة من نسائه فأمروني فسألت ابن عباس ﵄ فقال: «إذا رأت الدم البحراني (^٣) فلا تصلي، وإذا رأت الظهر ولو ساعة فلتغتسل وتصلي»» (^٤) والله أعلم.
(ولكن ذلك)؛ أي: أن الدم المتخلل يعتبر (كله كدم واحد في باب العدة والاستبراء)؛ بمعنى أنها تلفق أيام الدم بعضها إلى بعض حتى تنتهي لما هو حكمها من عادة أو غيرها ثم تكون مستحاضة (حتى يبعد ما بين الدمين)؛ أي: أن محل كون الدم المتخلل يعتبر كدم واحد في باب العدة
_________________
(١) الموطأ (١٢٩)، والبخاري (باب: إقبال المحيض وإدباره) (١/ ٣٣٠)، والبيهقي (١٤٨٦).
(٢) البيهقي (١٤٨٧)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٩٩٥).
(٣) البحراني: أي: الكثير المستبحر (تشبيها لكثرته بالبحر) مبالغة.
(٤) رواه أبو داود (٢٨٦) وإسناده صحيح، وانظر: شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ١٧٧).
[ ١ / ١٩٧ ]
والاستبراء إن لم يبعد ما بين الدمين فإن بعد ما بينهما بعدا بينا بأن يكون أقل زمن الطهر وهو ثمانية أيام عند سحنون أو عشرة عند حبيب، وإن كان المشهور خمسة عشر يكون الثاني منهما حيضا مؤتنفا؛ أي: مبتدأ تعتد به وحده في العدة والاستبراء، وعليه المختصر قال التتائي: وقول المصنف: (أو) ليست للتخيير وإنما للإخبار بأن في المسألة قولا آخر (^١).
(ومن تمادى بها الدم بلغت خمسة عشر يوما)؛ يعني: أن من استرسل عليها نزول الدم فإنها تتربص خمسة عشر يوما إن كانت مبتدأة لأن أكثر الحيض في حقها خمسة عشر يوما، (ثم هي) في حكم الـ (مستحاضة) بعد ذلك، ميزت بين الدمين أولا، فـ (تتطهر وتصوم وتصلي ويأتيها زوجها) لحديث أم سلمة زوج النبي ﷺ أن امرأة كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله ﷺ، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله ﷺ فقال: «لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت (^٢) ذلك فلتغتسل، ثم لتستغفر (^٣) بثوب، ثم لتصل فيه» (^٤)، وقولنا إن كانت مبتدأة احتراز عن غير المبتدأة، فإن فيها تفصيلا لأنها إما أن تختلف عادتها أو لا، فإن لم تختلف، واسترسل عليها الدم أكثر من عادتها استظهرت بثلاثة أيام ما لم تجاوز خمسة عشر يوما، وإن اختلفت استظهرت على أكثر عادتها وقد استفاض عن السلف من التابعين فمن بعدهم أن أكثر المتمادي من الدم خمسة عشر يوما (^٥)، قال ابن عباس:
_________________
(١) تنوير المقالة (٤٢٣/ ١).
(٢) (فإذا خلفت ذلك) من التخليف؛ أي: تركت أيام الحيض الذي كانت تعهده وراءها.
(٣) الاستثفار: هو أن تشد المرأة فرجها بخرقة عريضة بعد أن تحتشي قطنا، وتوثق طرفيها في شيء تشده على وسطها، فتمنع بذلك سيل الدم.
(٤) رواه مالك في الموطأ (١٣٦)، وأحمد (٢٦٥٩٣)، وأبو داود (٢٤٠).
(٥) انظر: السنن الكبرى للبيهقي (٣٢١/ ١) منهم: عطاء والحسن وغيرهم. (باب أكثر الحيض)، ط: الباز.
[ ١ / ١٩٨ ]
تغتسل وتصلي ولو ساعة ويأتيها زوجها، إذا صلت الصلاة أعظم (^١)، وعنه هـ قال: «المستحاضة لا بأس أن يأتيها زوجها» (^٢) ولأبي داود من وجه آخر عن عكرمة قال: «كانت أم حبيبة تستحاض وكان زوجها يغشاها» وهو حديث صحيح إن كان عكرمة سمعه منها (^٣).
فائدة في عد من استحيضت من النساء زمن النبي ﷺ-:
نظم السيوطي في قلائد الفوائد تسعا فقال:
قد استحيضت في زمان المصطفى … تسع نساء قد رواها الراوية
بنت جحش سودة فاطمة … زينب أسما سهلة وباديه
قال الزرقاني: فعد بنت أبي سلمة وأسقط أم سلمة وأسماء بنت عميس أو بنت مرثد لأن النظم فيه أسماء واحدة وهما اثنتان فلو قال:
قد استحيضت في زمان المصطفى … بنات جحش سهلة وباديه
وهند أسما سودة فاطمة … وبنت مرثد رواها الراوية
لوفى بالعشرة وسلم من عد زينب ابنة أم سلمة واسمها هند والله أعلم (^٤).
فرع: قال زروق: يجب على المرأة أن تتفقد طهرها عند النوم، ويتعين عليها في آخر وقت الصلاة بحيث عليها أداء الصلاة اهـ (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري معلقا (باب: إذا رأت المستحاضة الظهر) قال الحافظ في الفتح (١/ ٤٢٩): «وصله ابن أبي شيبة والدارمي». وقال الحافظ ابن رجب (٢/ ١٧٦): هذا الأثر، ذكره أبو داود تعليقا، وقد ذكره الإمام أحمد واستحسنه، واستدل به وذهب إليه.
(٢) وصله عبد الرزاق وغيره من طريق عكرمة. كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ٤٢٩).
(٣) فتح الباري (١/ ٥١٠).
(٤) شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٢٤٧)، ط: مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ١٤٢٤ هـ/ ٢٠٠٤ م.
(٥) شرح الرسالة لزروق (١/ ١٠٨).
[ ١ / ١٩٩ ]
١ - يمنع الحيض والنفاس وطء الزوج لزوجته
٢ - يمنع الحيض والنفاس ومغيب الحشفة وإنزال المني
فرع ثان: المشهور في المذهب أن الحامل تحيض (^١).
فرع ثالث: موانع الحيض والنفاس والجنابة:
١ - يمنع الحيض والنفاس وطء الزوج لزوجته إلى أن تطهر منهما، وتتطهر، وذلك لقول الله ﷿: ﴿ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢]، قرئ «يطهرن» بالتخفيف والتشديد، والتخفيف انقطاع الدم، والتشديد الاغتسال بالماء (^٢).
ولحديث أنس ﵁ قال: «أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن في البيوت فسأل أصحاب النبي ﷺ رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض﴾ [البقرة: ٢٢٢] إلى آخر الآية، فقال رسول الله ﷺ: اصنعوا كل شيء إلا النكاح» (^٣).
٢ - يمنع الحيض والنفاس ومغيب الحشفة وإنزال المني، تلاوة القرآن لحديث علي ﵁ قال: «ولم يكن يحجبه - أو قال: يحجزه - عن القرآن شيء ليس الجنابة» (^٤)، قال الحافظ (^٥): وضعف بعضهم بعض رواته، والحق أنه من قبيل الحسن يصلح للحجة اهـ.
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ٥٥)، والنوادر (١/ ١٣٦ - ١٣٧)، وعيون الأدلة (٣/ ١٤١٣)، والذخيرة للقرافي (١/ ٣٨٦ - ٣٨٧)، والمذهب في ضبط المذهب (١/ ١٩٦). قلت: لا بد للمرأة أن تميز بين الدماء وهي أهل لذلك مهما أفتاها المفتون فإن عرفت أنه دم حيض بمواصفاته المذكورة، تركت الصلاة؛ لأن عائشة ﵂ كانت تفتي النساء الحوامل إذا حضن أن يتركن الصلاة رواه الدارمي (٩٢٨) وانظر: بقية الأدلة في عيونها (٣/ ١٤١٤). والله أعلم؛ أي: في عيون الأدلة لابن القصار رحمه الكريم الغفار.
(٢) الإشراف للقاضي عبد الوهاب (١/ ١٩٧).
(٣) رواه مسلم (٦٩٢)، وأبو داود (٢٥٨)، والترمذي (٢٩٧٧).
(٤) أبو داود (٢٢٩)، والنسائي (١/ ١/ ١٤٤)، والترمذي (١٤٦) وصححه.
(٥) فتح الباري (١/ ٤٨٧).
[ ١ / ٢٠٠ ]
٣ - يمنع كل من عليه حدث أكبر دخول المسجد
والحيض والنفاس لا يمنعان من قراءة القرآن عن ظهر قلب، ما داما على المرأة وذلك، لأنها لا يمكنها رفع الحدث في هذه الحالة، فربما أضر بحفظها، وسنسوق كلام القاضي عبد الوهاب في هذا.
ولا بأس بالتعوذ به، والاستدلال لحكم، ورقية، بالآية ونحوها (^١).
وأما مس المصحف فيجب له الوضوء ومن باب أولى الطهارة من الجنابة والحيض والنفاس، لورود النهي عن مسه من غير طهارة، لقوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ [الواقعة: ٧٩] ولحديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم مرسلا أنه قد أتاهم كتاب رسول الله ﷺ وفيه: «أن لا يمس القرآن إلا طاهر» (^٢).
٣ - يمنع كل من عليه حدث أكبر دخول المسجد لحديث عائشة ﵂ قالت: جاء رسول الله ﷺ وبيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال: «وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب (^٣) والله أعلم.
والصحيح أن هذه الموجبات تمنع المكث لا الدخول لقوله تعالى: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ [النساء: ٤٣]. وعلى هذا الخلاف أشار خليل بقوله: ودخول مسجد ولو مجتازا» (^٤).
_________________
(١) الشرح الصغير (١/ ١٧٧).
(٢) مالك في الموطأ (٢/ ١٠ - ١١)، وعبد الرزاق في مصنفه (١/ ٣٤٢)، ووصله الدارمي في سننه (٢١٦٦)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣٩٥) وقال: إن هذا الحديث من قواعد الإسلام. وقال ابن عبد البر: لا خلاف في إرسال هذا الحديث، وقد روي من وجه صالح، وهو كتاب مشهور عند أهل السير معروف عند أهل العلم معرفة يستغنى بها في شهرتها عن الإسناد التمهيد لابن عبد البر (٧/ ١٢٣).
(٣) رواه أبو داود (٢٣٢)، وابن خزيمة وصححه (٢/ ٢٨٤) رقم (١٣٢٧)، وذكر الحافظ تحسينه عن ابن القطان وابن سيد الناس، وضعفه بعضهم، وقال البيهقي في معرفة السنن والآثار (٣/ ٤٠٤): قال البخاري: «عند جسرة عجائب، وقد خالفها غيرها عن عائشة في سد الأبواب، ثم هو محمول إن صح على المكث فيه».
(٤) مختصر خليل (١٨).
[ ١ / ٢٠١ ]
٤ - ويمنع كل ممن ذكرنا ممن ليس فرضه التيمم من الصلاة والطواف بالبيت الحرام
٤ - ويمنع كل ممن ذكرنا ممن ليس فرضه التيمم من الصلاة والطواف بالبيت الحرام أما الصلاة فلقوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكرى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ [النساء: ٤٣] قال مالك: أي: لا تفعلوا في حال السكر صلاة، ولا تفعلوها وأنتم جنب إلا عابري سبيل؛ أي: وأنتم مسافرون بالتيمم (^١).
وأما الطواف فلأنه صلاة وقد قال النبي ﷺ لعائشة ﵂: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» (^٢).
تنبيه: رخص مالك للمرأة الحائض الحافظة للقرآن أن تقرأ القرآن خشية التفلت منها، ونعمت الرخصة من أهلها (^٣).
(وإذا انقطع دم النفساء وإن كانت بقرب الولادة) بأن رأت بقرب الولادة العلامة الدالة على انقطاعه من القصة والجفوف (اغتسلت) على الراجح في المذهب، وذلك لأن الولادة بلا دم مظنة خروج الدم الموجب، فتعلق الحكم بها، وبناء على إعطاء الصورة النادرة حكم غالبها (^٤)، (وصلت).
وفهم من قوله بقرب الولادة أنه لا حد لأقل النفاس باعتبار الزمن، وله أقل باعتبار الخارج وهو الدفعة (وإن تمادى بها الدم جلست ستين ليلة ثم اغتسلت)؛ يعني: أن النفساء إذا استرسل عليها الدم تمكث ستين يوما أكثر أمده على المشهور (^٥)، وهذا أحد قولي مالك ورجع عنه وشهره ابن بزيزة واقتصر عليه صاحب «المختصر»، فإن انقطع بعد الستين فالأمر ظاهر؛ أي:
_________________
(١) التاج والإكليل (١/ ٣١٧).
(٢) مالك في «الموطأ» (٩٢٥)، والبخاري (٢٩٠)، ومسلم (١١٩).
(٣) الفتح (١/ ٤٨٦). وقيل: إنه قول الشافعي في القديم. وهو الذي نحا إليه بالبخاري في ترجمته (باب: تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف) وهو قول الطبري وابن المنذر وداود، وانظر: الإشراف للقاضي عبد الوهاب (١/ ١٢٨ - ١٢٩).
(٤) الخرشي (١/ ١٦٥) وكذا في حاشية العدوي، وانظر: الشرح الكبير المطبوع مع حاشية الدسوقي (١/ ١٣٠) قال: وهو المعتمد.
(٥) المدونة (١/ ٥٣)، الخرشي (١/ ٢١٠).
[ ١ / ٢٠٢ ]
تغتسل، وإن تمادى عليها الدم بعد الستين (وكانت مستحاضة تصلي وتصوم وتوطأ)؛ أي: يأتيها زوجها لما مر في المستحاضة قياسا عليها، وأكثر النفاس على الراجح - والله أعلم - أربعون يوما وهو قول الصحابة ل كما تقدم قريبا، قال الحافظ ابن عبد البر (^١): كان الإمام مالك يقول أقصى النفاس ستون يوما ثم رجع فقال: يسأل عن ذلك النساء، وبقي أصحابه على أن أكثره ستون يوما. اه (^٢).
قال سند بن عنان بن إبراهيم الأزدي (^٣): المعروف من المذهب الفرق بين بابي العبادة والعدة لأن المقصود من العدة براءة الرحم، وهي لا تحصل إلا بالدفعة، وأيضا العدة احتياط للنسب وإباحة الوطء في الفرج فشدد فيه، لأنه أكد من العبادة اه (^٤).
تنبيه:
كثير من النساء تظن أن النفساء لا بد لها أن تمكث أربعين يوما لا تصلي ولا تصوم ولا يأتيها زوجها، ظنا منهن أن هذه عطلة لازمة، والذي ينبغي أن تعرفه النساء أن دم النفاس ربما انقطع من اليوم الأول وربما نزل الولد جافا وربما بلغت ستين يوما أو أربعين فالنساء يختلفن في ذلك، ورحم الله مالكا حينما رجع عن قوله الذي كان يقول فيه: أنها تمكث ستين يوما فقد كان فقيها، ورد الأمر فيه للنساء لأنهن أخبر به.
_________________
(١) الاستذكار (٣/ ٢٤٩)، بتحقيق: القلعجي.
(٢) الاستذكار (٣/ ١٥٠).
(٣) سند: هو سند بن عنان بن إبراهيم الأزدي، أبو علي، توفي سنة (٥٤١ هـ)، كان فقيها مالكيا فاضلا. من كتبه: الطراز شرح المدونة، لم يكمل، وله تأليف في علم الجدول وغيره. توفي بالإسكندرية ودفن بجانب باب الأخضر. الديباج المذهب (١٢٦)، وشجرة النور الزكية (١٢٥) وغيرهما.
(٤) تنوير المقالة (١/ ٤١٩).
[ ١ / ٢٠٣ ]
باب الطهارة وأحكام اللباس
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(باب طهارة الماء والثوب والبقعة وما يجزئ من اللباس في الصلاة والمصلي يناجي ربه، فعليه أن يتأهب لذلك بالوضوء، أو بالظهر إن وجب عليه الظهر، ويكون ذلك بماء طاهر غير مشوب بنجاسة، ولا بماء قد تغير لونه لشيء خالطه من شيء نجس، أو طاهر، إلا ما غيرت لونه الأرض التي هو بها من سبحة أو حمأة أو نحوهما.
وماء السماء، وماء العيون، وماء الآبار، وماء البحر طيب طاهر مطهر للنجاسات، وما غير لونه بشيء طاهر حل فيه، فذلك الماء طاهر غير مطهر في وضوء أو طهر أو زوال نجاسة، وما غيرته النجاسة فليس بطاهر ولا مطهر.
وقليل الماء ينجسه قليل النجاسة وإن لم تغيره (^١).
وقلة الماء مع إحكام الغسل سنة، والسرف منه غلو وبدعة.
وقد توضأ رسول الله ﷺ بمد وهو وزن رطل وثلث، وتطهر بصاع وهو أربعة أمداد بمده ﵊.
وطهارة البقعة للصلاة واجبة، وكذلك طهارة الثوب فقيل: إن ذلك فيهما واجب وجوب الفرائض، وقيل: وجوب السنن المؤكدة.
وينهى عن الصلاة في معاطن الإبل، ومحجة الطريق، وظهر بيت الله الحرام، والحمام حيث لا يوقن منه بطهارة، والمزبلة، والمجزرة، ومقبرة المشركين وكنائسهم.
_________________
(١) في نسختي دار الغرب والحلبي: يغيره؛ بالياء.
[ ١ / ٢٠٤ ]
وأقل ما يصلي فيه الرجل من اللباس ثوب ساتر من درع أو رداء، والدرع: القميص.
ويكره أن يصلي بثوب ليس على أكتافه منه شيء، فإن فعل لم يعد، وأقل ما يجزئ المرأة من اللباس في الصلاة الدرع الحصيف السابغ الذي يستر ظهور قدميها، وخمار تتقنع به، وتباشر بكفيها الأرض في السجود مثل الرجل).
الشرح
(باب طهارة الماء … إلخ)؛ أي: هذا باب في بيان اشتراط طهارة الماء وفي بيان اشتراط طهارة الثوب، وفي بيان اشتراط طهارة البقعة، وفي بيان اشتراط ما يجزئ من اللباس في الصلاة.
الطهارة: لغة بفتح الطاء النزاهة والنظافة من الأدناس والأوساخ، وتستعمل مجازا في التنزيه عن العيوب فيقال فلان طاهر العرض.
وشرعا: صفة حكمية توجب لموصوفها جواز استباحة الصلاة به أو فيه أو له (به)؛ أي: بملابسه من ثوب، وبدن، وماء، وكل ما يجوز للمصلي ملابسته، فيه؛ أي: المكان (له) يريد المصلي.
• الحكمة في مشروعية الطهارة بين يدي الصلاة:
الشرح
(والمصلي يناجي ربه … إلخ) افتتح الباب بقوله والمصلي يناجي ربه، وهو جزء من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿إن المؤمن إذا كان في الصلاة، فإنما يناجي ربه، فلا يبزقن بين يديه، ولا عن يمينه، ولكن عن يساره، أو تحت قدمه﴾ (^١)، قال ابن رجب رحمه الله تعالى: «وكأن مقصود النبي ﷺ بذكر هذا: أن يستشعر المصلي في صلاته قرب الله منه، وأنه بمرأى
_________________
(١) البخاري (٤٠٣)، ومسلم (٥٥١).
[ ١ / ٢٠٥ ]
منه ومسمع، وأنه مناج له وأنه يسمع كلامه ويرد عليه جواب مناجاته له. كما في «صحيح مسلم»، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ: «إذا قال العبد: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، قال الله تعالى: حمدني عبدي» - وذكر رده عليه في آيات الفاتحة إلى آخرها.
فمن استشعر هذا في صلاته أوجب له ذلك حضور قلبه بين يدي ربه، وخشوعه له، وتأدبه في وقوفه بين يديه، فلا يلتفت إلى غيره بقلبه ولا ببدنه، ولا يعبث وهو واقف بين يديه، ولا يبصق أمامه فيصير في عبادته في مقام الإحسان، يعبد الله كأنه يراه، كما فسر النبي ﷺ الإحسان بذلك في سؤال جبريل ﵇ له. اه (^١).
وإنما ذكر المصنف مناجاة المصلي لربه مع أنه ليس داخلا في الترجمة ليرتب عليه قوله (فعليه أن يتأهب لذلك بالوضوء)؛ أي: على المصلي أن يستعد لذلك؛ أي: للمناجاة بأن يكون حاضر القلب خاشعا مستحضرا عظمة من هو قائم بين يديه، ولا بد أن يتخذ الوسيلة لذلك بأن يكون طاهرا بالوضوء للانعدام صحة المشروط مع فقدان الشرط قال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: ٦] الآية، ولحديث عبد الله بن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول» (^٢)، وحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ» (^٣).
(أو بالظهر إن وجب عليه الطهر)؛ أي: ويتهيأ للصلاة بتطهير نفسه من الجنابة إن وجب عليه ذلك ونحوها مما سبق من موجبات الاغتسال، لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ وقوله: ﴿حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من
_________________
(١) فتح الباري لابن رجب (٢/ ٣٩٢) كتاب الصلاة، ط: دار النشر: دار ابن الجوزي، السعودية، الدمام، ١٤٢٢ هـ الطبعة: الثانية، تحقيق: أبو معاذ طارق بن عوض الله بن محمد، عدد الأجزاء/ ٦.
(٢) أخرجه أحمد (٧٤/ ٥) (٢٠٩٨٤)، ومسلم (١/ ١٤٠) (٤٥٦).
(٣) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه.
[ ١ / ٢٠٦ ]
﴿حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢].
أحكام المياه:
الماء المطلق: (ويكون ذلك) التطهر من الأحداث (بماء طاهر غير مشوب بنجاسة، ولا بماء قد تغير لونه لشيء خالطه من شيء نجس أو طاهر)؛ أي: لم يخالطه ما يغير أحد أوصافه الثلاثة وهي: اللون أو الطعم أو الريح لقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، وسواء في ذلك المغير لأوصافه النجس والطاهر، حتى لو تغير بماء الورد الذي هو من الجواهر اللطيفة لا يصح استعماله في الوسائل كالوضوء والغسل لحديث أبي أمامة الباهلي … قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه» (^١)، قال ابن المنذر: [أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة، فغيرت له طعما أو لونا أو ريحا فهو نجس ما دام كذلك] (^٢).
الماء المتغير: (إلا ما غيرت لونه الأرض التي هو بها من سبخة (^٣) أو حمأة أو نحوهما)؛ أي: أنه استثني من ذلك الماء الذي غيرت لونه الأرض التي هو متصل بها وملازم لها، بأن كان استقراره على أرض سبخة ونحوها من الأراضي التي بها ملح أو كبريت أو حمأة وهي طين أسود منتن، فإنه لا
_________________
(١) ابن ماجه (٥٢١)، والدارقطني (١/ ٢٨)، والطبراني في الأوسط كما في المجمع (١/ ٢١٤)، قال الهيثمي: وفيه رشدين بن سعد وهو ضعيف. قال الدارقطني: لم يرفعه غير رشدين بن سعد عن معاوية بن صالح، وليس بالقوي، والصواب في قول راشد. قلنا: يعني في روايته مرسلا. قال الحافظ في «التلخيص»: وصحح أبو حاتم إرساله. قال الدارقطني في «السنن» (١/ ٢٩): ووقفه أبو أسامة على راشد. ونقل الحافظ في «التلخيص» عن النووي قوله: اتفق المحدثون على تضعيفه.
(٢) الإجماع لابن المنذر (ص ٤)، وعليه فإن الإجماع هو الدليل على نجاسة ما تغير أحد أوصافه، ومستندهم الحديث. والله أعلم.
(٣) قال الفاكهاني: رويناها بفتح الباء، وفي مختصر العين بفتح الثلاثة، أرض ذات ملح ورشح ملازم. والحمأة بفتح المهملة وسكون الميم مهموزة قال الخليل: طين أسود منتن. تنوير المقالة (١/ ٤٣١ - ٤٣٢).
[ ١ / ٢٠٧ ]
تأثير لهذا النوع في حكم الإطلاق وقد اتفق أهل المذاهب الأربعة على ذلكوحكى النووي وغيره الإجماع (^١).
• أنواع المياه المطهرة:
(وماء السماء، وماء العيون، وماء الآبار، وماء البحر طيب طاهر مطهر للنجاسات …) هذه المياه التي ذكرها كلها طاهرة في نفسها طيبة لكل ما تستعمل فيه، سواء كان من العادات كالشرب ونحوه، أو من العبادات كالوضوء والغسل وإزالة النجاسة ما دامت باقية على أصل خلقتها لم تتغير بشيء ينفك عنها غالبا فماء السماء كالمطر والندي والثلج والبرد والجليد سواء ذاب بنفسه أو ذوب، لقوله تعالى: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾ [الأنفال: ١١]، قال ابن عطية: الظهور بناء مبالغة في طاهر، وهذه المبالغة اقتضته في ماء السماء، وفي كل ما هو منه وبسبيله أن يكون طاهرا مطهرا اه (^٢)، ولحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول: «اللهم طهرني بالماء والثلج والبرد» (^٣).
(وماء العيون، والآبار) لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قيل: يا رسول الله: إنه يستقى لك من بئر بضاعة - وهي بئر تلقى فيها لحوم الكلاب، وخرق المحائض وعذر الناس؟ فقال رسول الله ﷺ: «إن الماء طهور لا ينجسه شيء» (^٤)، إلا آبار ثمود فقد منع النبي ﷺ استعمال مائها، لأنها آبار
_________________
(١) الإجماع لابن المنذر (٣٢).
(٢) المحرر الوجيز (٦/ ٤٤٤)، ط: الأوقاف القطرية.
(٣) رواه البخاري (٧٤٤) ولفظه: «اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد»، ومسلم (١٣٥٣) واللفظ له.
(٤) رواه أبو داود (٦٦)، والترمذي (٦٦)، والنسائي (١/ ١٧٤/ ١) وحسنه الترمذي، وهو حديث صحيح لشواهده وطرقه، جامع الأصول لابن الأثير (٧/ ٦٤)، تحقيق: الشيخ عبد القادر الأرناؤوط رحمه الله تعالى. وقال الحافظ في التلخيص (١/ ٢٤): حديث حسن.
[ ١ / ٢٠٨ ]
غضب كما في حديث ابن عمر ﵄ (^١)، ويجوز الوضوء بماء زمزم خلافا لابن … شعبان، لأن النبي ﷺ توضأ به ﷺ ليلة مرجعه من عرفة إلى مزدلفة (^٢). قلت: ومقصود ابن شعبان أنه لا يستنجى به، أما الوضوء فقال بجوازه فليفهم ذلك (^٣).
وأما ماء البحر فلا تضر ملوحته ولا التغير الحاصل في أطرافه من الأسماك ونحوها لحديث أبي هريرة ﷺ قال: سأل رجل رسول الله ﷺ، فقال يا رسول الله: إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (^٤).
قال الرافعي: «لما عرف اشتباه الأمر على السائل في ماء البحر أشفق أن يشتبه عليه حكم ميتته، وقد يبتلى بها راكب البحر، فعقب الجواب عن سؤاله ببيان حكم الميتة. قال ابن العربي: وذلك من محاسن الفتوى، أن يجاء في الجواب بأكثر مما سئل عنه تتميما للفائدة، وإفادة لعلم غير المسئول عنه؛ ويتأكد ذلك عند ظهور الحاجة إلى الحكم كما هنا» (^٥).
(وما غير لونه)؛ أي: أن الماء الذي تغير لونه (بشيء طاهر حل فيه) كماء العجين، (فذلك الماء طاهر في نفسه غير مطهر لغيره، فلا يستعمل لا في وضوء أو طهر) كالغسل (^٦) (أو زوال نجاسة) في ثوب أو مكان أو بدن.
_________________
(١) البخاري (٣٣٧٨).
(٢) فتح الباري (١/ ٢٨٩)، باب: إسباغ الوضوء.
(٣) الزاهي لابن شعبان (١١٥).
(٤) رواه مالك في الموطأ (١/ ٢٨)، وأبو داود (٨٣)، والترمذي (٦٩)، وحكى الترمذي تصحيح البخاري له.
(٥) سبل السلام (١/ ٢١).
(٦) والتحقيق في كون ما اختلط بطاهر لم يغير مطلقية الماء أنه متغير فيه نظر والله أعلم؛ لأن النبي ﷺ أمرهم بتغسيل ابنته بماء وسدر؛ كما في الموطأ وغيره، ولو كان ذلك يسلب الطهورية لبينه ﵊ لتعلق العبادة به، وكذلك ما ورد في حديث أمنا ميمونة ﷺ: أنها اغتسلت مع النبي ﷺ في قصعة بها أثر العجين؛
[ ١ / ٢٠٩ ]
• الماء المتنجس:
(وما غيرته النجاسة فليس بطاهر ولا مطهر)؛ أي: أن الماء المتغير بنجس سواء كان التغير في لونه أو طعمه أو ريحه وسواء كان الماء قليلا أو كثيرا، كانت له مادة أو لا، مسلوب الطهارة والطهورية فلا يستعمل في العادات ولا في العبادات لحديث أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه» (^١).
(وقليل الماء ينجسه قليل النجاسة وإن لم تغيره)؛ أي: أن الماء القليل كالماء المعد للوضوء أو الغسل إذا حلت فيه نجاسة ولو قليلة وإن لم تغيره نجس، فلا يجوز استعماله وهو قول ابن القاسم، والمشهور أنه طاهر لكنه مكروه الاستعمال مع وجود غيره، والفرض أنه لم يتغير، وإلا فهو مسلوب الطهورية قطعا.
• النهي عن الإسراف في الماء:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وقلة الماء مع إحكام الغسل سنة، والسرف منه غلو وبدعة … . وقد توضأ رسول الله ﷺ بمد وهو وزن رطل وثلث، وتطهر بصاع وهو أربعة أمداد بمده ﵊.
الشرح
قوله: (وقلة الماء مع إحكام)؛ أي: أن تقليل الماء حال الاستعمال مع إحكام أي إتقان (الغسل) وهو صب الماء مع الدلك (سنة) مستحبة؛ أي: أمر مطلوب على جهة الأحبية للشرع لحديث عبد الله بن زيد ﵁ أنه قال أتي
_________________
(١) كما في سنن النسائي (٢٤٠)، وابن ماجه (٣٧٨)، وصحيح ابن خزيمة (٢٣٧).
(٢) رواه ابن ماجه، وقد مر قريبا.
[ ١ / ٢١٠ ]
بثلثي مد فجعل يدلك به ذراعيه (^١)، (والسرف منه)؛ أي: من صب الماء في حال الاستعمال بكثرة، وهو في اللغة الإكثار في غير حق، فذلك (غلق)؛ أي: زيادة في الدين، لا سيما إن زاد عن الغسلات الثلاثة فقد روى أحمد وغيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ «أن رجلا أتى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله كيف الطهور فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل ذراعيه ثلاثا، ثم مسح برأسه فأدخل إصبعيه السباحتين (^٢) في أذنيه، ومسح بإبهاميه (^٣) على ظاهر أذنيه، وبالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثا ثلاثا، ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم - أو ظلم وأساء -» واللفظ لأبي داود (^٤). أي: فمن زاد على الثلاثة أو نقص من واحدة فقد أساء، وبطل وضوءه في النقصان، وظلم في الزيادة إن تعمد.
(وبدعة)؛ أي: أمر محدث مخالف للسنة وطريقة السلف الصالح، لورود النهي عن السرف في الوضوء قال تعالى: ﴿ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ [الأعراف: ٣١، والأنعام: ١٤١]، ولحديث عبد الله بن عمرو ﵁: «أن رسول الله ﷺ مر بسعد، وهو يتوضأ، فقال: ما هذا السرف فقال: أفي الوضوء إسراف، قال: «نعم، وإن كنت على نهر جار»» (^٥).
وقوله: (وقد توضأ رسول الله ﷺ) استأنس بهذه المسألة على قوله وقلة الماء إلخ لأنه ليس من موضوع الباب؛ أي: أنه ثبت في السنة أن رسول الله ﷺ.
_________________
(١) رواه ابن خزيمة (١/ ٦٢) جماع أبواب ذكر الماء؛ قال الأعظمي: إسناده صحيح، ط: المكتب الإسلامي بيروت، ١٣٩٠ هـ/ ١٩٧٠ م، ورواه الحاكم (١/ ٢٦٦) وقال: صحيح على شرط الشيخين. ولم يخرجاه.
(٢) السباحتين: السباحة والمسبحة: الإصبع التي تلي الإبهام، سميت بذلك لأنها يشار بها عند التسبيح.
(٣) الإبهام مؤنثة وهو الأصبع العظمى وجمعها أباهم.
(٤) رواه أحمد (٢/ ١٨٠)، وأبو داود (١٣٥)، والنسائي (١/ ١/ ٨٨).
(٥) حم (١/ ١٧٢ - ١٧٣)، د (٩٦) قال الحافظ في التلخيص (١/ ١٥٣): «وإسناده صحيح».
[ ١ / ٢١١ ]
توضأ (بمد، وهو وزن رطل وثلث) (^١) إناء يسع رطلا وثلثا بالبغدادي، قاله جمهور أهل العلم (وتطهر بصاع، وهو أربعة أمداد بمده ﵊ (^٢)، فمجموعها خمسة أرطال وثلث، والغرض الإخبار عن فضيلة الاقتصاد وترك الإسراف، وعن القدر الذي كان يكفيه ﵊ في وضوئه وغسله كما في حديث أنس ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد» (^٣). وهذا القدر فيمن كان خلقه معتدلا، قال الحافظ ابن حجر (^٤): فهذا يدل على اختلاف الحال في ذلك بقدر الحاجة، وفيه رد على من قدر الوضوء والغسل بما ذكر في حديث الباب، كابن شعبان من المالكية (^٥) … والله أعلم.
• حكم طهارة الخبث:
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وطهارة البقعة للصلاة واجبة، وكذلك طهارة الثوب فقيل: إن ذلك فيهما واجب وجوب الفرائض، وقيل: وجوب السنن المؤكدة).
الشرح
(وطهارة البقعة) (^٦)، أي: أن طهارة البقعة التي تماسها أعضاء المصلي
_________________
(١) المد: بالضم، مكيال، وهو رطل وثلث عند أهل الحجاز، فهو ربع صاع، والجمع (أمداد) و(مداد) وزنته بالغرام [٥٤٣]، خمسمائة وثلاثة وأربعون غراما عند الجمهور وباللتر [٠، ٦٨٨] مليلتر، وانظر: المسالك لابن العربي (٢/ ١٨٩).
(٢) الصاع: اسم مكيال، وصاع النبي ﷺ الذي بالمدينة أربعة أمداد، وذلك خمسة أرطال وثلث بالبغدادي، والصاع أربعة أمداد وزنته بالغرام [٢١٧٥] ألفان ومائة وخمسة وسبعون غراما تقريبا عند المالكية والشافعية والحنابلة، ويعادله باللتر [٢، ٧٥] اثنان وخمسة وسبعون.
(٣) البخاري (٢٠١)، ومسلم (٧٣٧).
(٤) فتح الباري (١/ ٣٦٥)
(٥) الزاهي لابن شعبان (١٢٩)، مركز نجبيويه.
(٦) البقعة من الأرض: القطعة منها، وتضم الباء في الأكثر فتجمع على بقع مثل غرفة
[ ١ / ٢١٢ ]
وهي المكان الذي يختاره المصلي - (ل) أجل (الصلاة واجبة) على المشهور كما قال ابن الحاجب، لقوله تعالى: ﴿أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود﴾ [البقرة: ١٢٥] ولحديث أبي هريرة ﷺ في بول الأعرابي في المسجد رواه أحمد والبخاري، واتفقا عليه من حديث أنس ﷺ، وفيه فأمر النبي ﷺ رجلا من القوم فجاء بدلو من الماء فشنه عليه، وسياقه لمسلم وفي الباب عن غيرهما، وأما الطهارة لغيرها كالذكر، والدعاء، ورد السلام والنوم، وقراءة القرآن عن ظهر غيب، والدخول على الأمراء … فمندوبة (^١).
(وكذلك طهارة الثوب)؛ أي: أن طهارة ثوب المصلي واجبة كوجوب طهارة بدنه ومكانه (فقيل: إن ذلك فيهما)؛ أي: المكان والثوب (واجب وجوب الفرائض) لكن مع الذكر والقدرة، فلو صلى في ثوب نجس متعمدا قادرا على إزالتها أعاد تلك الصلاة أبدا، وإن صلى ناسيا أو عاجزا أعاد في الوقت. والوقت في الظهرين إلى الاصفرار. وفي العشاءين الليل كله.
(وقيل وجوب السنن المؤكدة) (^٢)، أي: بسنية إزالة النجاسة وشهر كل من القولين، وذلك لأن النبي ﷺ رمي على ظهره سلى جزور فأتم صلاته (^٣)، ولم يعدها فلو كان ذلك واجبا وجوب الفرائض لأعاد، وعلى القول بالسنية يعيد في الوقت مطلقا متعمدا أو قادرا على إزالتها أو ناسيا أو جاهلا ودليل من استدل على الوجوب قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ [المدثر: ٤] (^٤). ولحديث جابر بن سمرة ﷺ قال: سأل رجل رسول الله ﷺ، أصلي في الثوب الذي آتي فيه أهلي؟ قال: «نعم، إلا أن ترى فيه شيئا فتغسله» (^٥)،
_________________
(١) = وغرف، وتفتح فتجمع على بقاع مثل كلبة وكلاب (مصباح).
(٢) انظر: المسالك لابن العربي (٢/ ٧).
(٣) قال ابن عبد البر في الكافي (١/ ٢٠٤): والقائلون به من السلف أكثر.
(٤) البخاري (٢٣٧)، باب: إذا ألقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته، ومسلم (١٧٩٤)، باب: ما لقي النبي ﷺ من أذى المشركين والمنافقين.
(٥) انظر: تفسير الآية في المحرر الوجيز (٨/ ٤٥٢).
(٦) أخرجه ابن ماجه (٥٤٢)، وأحمد (٢٠٩٢٠) وإسناده قوي، لكن اختلف في رفعه =
[ ١ / ٢١٣ ]
وحديث الأمر بغسل المذي وقد تقدم، وحديث خولة بنت يسار أنها أتت النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله، ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه، قال: «فإذا طهرت فاغسلي موضع الدم، ثم صلي فيه»، قالت: يا رسول الله، إن لم يخرج أثره، قال: «يكفيك الماء، ولا يضرك أثره» (^١).
فرع: قال ابن عرفة: من علم نجاسة ثوبه في صلاته ففيها يقطع.
وقال أبو الفرج وإسماعيل إن أمكنه نزعه وإلا قطع، اللخمي عن ابن الماجشون وإلا تمادى وأعاد اه. وذلك كله إن اتسع الوقت وإلا فليصلي ولا يقطع ولا يعيد لأن المحافظة على الوقت أولى (^٢).
الأماكن التي نهى الشارع عن الصلاة فيها:
(وينهى عن الصلاة)؛ يعني: أن فعل الصلاة ينهى عنه نهي كراهة (في معاطن الإبل) جمع معطن وهو موضع اجتماعها عند صدورها من الماء (^٣) وحكم الصلاة فيه مكروه، ولو أمن من النجاسة (^٤)، ولو بسط شيئا طاهرا وصلى عليه، لأن النهي ليس معللا بالنجاسة حتى ينتفي بانتفائها، وقد اختلف العلماء في علة النهي، وثبتت الكراهة شرعا لحديث البراء بن عازب ﵁ قال سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال: «توضثوا منها»، وسئل عن لحوم الغنم؟ فقال: «لا توضثوا منها» وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل؟ فقال: «لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين» وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال: «صلوا فيها فإنها بركة» (^٥)، ولحديث أبي هريرة ﵁ عنه
_________________
(١) = وقفه، ومخلد بن الحسن قال النسائي: لا بأس به، وقال أبو حاتم: صدوق، وباقي رجال الإسناد ثقات رجال الشيخين. وأخرجه أبو يعلى (٧٤٦٠)، وابن حبان (٢٣٣٣) من طريق مخلد بن الحسن، بهذا الإسناد.
(٢) رواه أحمد (٨٧٦٧)، وأبو داود (٣٦٥) حديث حسن، وأحاديث الباب كثيرة.
(٣) شرح زروق (١/ ١٢٤).
(٤) حاشية العدوي (١/ ١٤٤)، ط: دار الفكر.
(٥) تنوير المقالة (١/ ٤٤٦).
(٦) رواه أحمد (١٨٥٣٨)، وأبو داود (١٨٤)، والترمذي (٨١). قال شيخنا شعيب =
[ ١ / ٢١٤ ]
أن النبي ﷺ «نهى رسول الله ﷺ أن يصلى في سبع مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، والحمام، ومعاطن الإبل، وفوق الكعبة» (^١).
(ومحجة الطريق) للحديث السابق؛ أي: تكره الصلاة في قارعة الطريق حيث شك في إصابتها بأرواث الدواب وأبوالها، وحينئذ لو صلى تندب الإعادة في الوقت. ومحل الكراهة إن لم يصل فيها لضيق المسجد. وأما إن صلى فيها لضيق المسجد أو فرش شيئا طاهرا وصلى عليه، أو تيقن طهارتها فلا كراهة.
(وظهر بيت الله الحرام) للحديث السابق؛ أي: ينهى نهي تحريم عن الصلاة فوق ظهر الكعبة بناء على أن العبرة باستقبال بنائها، والذي فوق ظهرها لم يستقبل البناء، فلو صلى صلاة مفروضة على ظهرها يعيد أبدا بناء على أن العبرة باستقبال بنائها.
وأما الصلاة داخل الكعبة فقولان: قول بالحرمة (^٢)، وقول بالكراهة وهو الراجح (^٣)، وذكر الرجراجي ثالثا (^٤): وهو التفصيل جائز في السنن، ممنوعة في الفرائض، وقد ثبت أن النبي ﷺ صلى النافلة داخل الكعبة (^٥).
(والحمام)؛ أي: أن الصلاة في الحمام؛ أي: في داخله مكروهة، للحديث السابق، ولحديث أبي سعيد الخدري ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة، والحمام» (^٦).
_________________
(١) = الأرناؤوط: إسناده صحيح، وصححه الألباني.
(٢) رواه الترمذي (٣٤٦)، وابن ماجه (٧٤٦) في سنده زيد بن جبيرة وهو ضعيف جدا، قال الترمذي: إسناده ليس بذاك القوي.
(٣) المدونة (١/ ٩١).
(٤) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٢٢٩)، وانظر تفصيل ذلك في المذهب (١/ ٢٤١ - ٢٤٢).
(٥) مناهج التحصيل للرجراجي (١/ ٣٤٥).
(٦) البخاري (٥٠٤).
(٧) رواه أبو داود (٤٩٢)، والترمذي (٣١٧)، وابن ماجه (٧٤٥) قال ابن الملقن بعد أن
[ ١ / ٢١٥ ]
وعلة الكراهة غلبة النجاسة فلو أيقن طهارته انتفت الكراهة، وجازت الصلاة.
(والمزبلة) بفتح الباء وضمها لما سبق من الدليل، وهي مكان طرح الزبل؛ أي: تكره الصلاة في مكان طرح الزبل إن لم يؤمن من النجاسة، وعلى ذلك اتفاق المذاهب (^١)، وإلا فلا كراهة.
(والمجزرة) بفتح الميم وسكون الجيم وكسر الزاي، المكان المعد للذبح والنحر؛ أي: تكره فيه الصلاة إن لم تؤمن نجاسته وإلا فلا. في بعض النسخ إثبات المجزرة وفي بعضها إسقاطها (^٢).
(ومقبرة المشركين) بتثليث الباء موضع دفن موتاهم، وحاصل فقه المسألة أن المقبرة إن كانت من مقابر المسلمين، فإن كانت غير منبوشة؛ أي: لم يكن شيء من أجزاء الموتى في موضع الصلاة فالصلاة جائزة، وإن كان في موضع الصلاة شيء من أجزاء المقبورين فيجري حكم الصلاة فيها على الخلاف في الآدمي هل ينجس بالموت أو لا. وعلى أنه لا ينجس بالموت وهو المعتمد (^٣)، فتكره الصلاة حيث شك أو تحقق وجود الأجزاء من حيث الإهانة، أو من حيث كونها مشيا على القبر. وأما من حيث ذات الصلاة فلا كراهة. فقد روى البيهقي في السنن عن ابن جريج قال قلت لنافع أكان ابن عمر يكره أن يصلي وسط القبور، قال: لقد صلينا على عائشة وأم سلمة ﵂ وسط البقيع والإمام يوم صلينا على عائشة ﵂ أبو هريرة ﵁ وحضر ذلك عبد الله بن عمر (^٤).
_________________
(١) = ذكر اختلاف الأئمة في تصحيحه: فظهر بهذا صحة الحديث. البدر المنير (٤/ ١١٩ - ١٢٥)، وقال الحافظ في الفتح (١/ ٦٣٠ - ٦٣١): رجاله ثقات لكن اختلف في وصله وإرساله، وحكم في ذلك بصحته الحاكم وابن حبان.
(٢) مراتب الإجماع (٤٥).
(٣) شرح الرسالة لزروق (١/ ١٢٧).
(٤) الشرح الصغير على أقرب المسالك للدرديري (١/ ٩٤) ط: دار ابن حزم.
(٥) السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٣٥).
[ ١ / ٢١٦ ]
وأما مقابر الكفار فكره ابن حبيب الصلاة فيها، لأنها حفرة من النار، لكن من صلى فيها وأمن من النجاسة فلا تفسد صلاته، وإن لم يأمن كان مصليا على نجاسة. والذي في الحديث إطلاق المقبرة من غير إضافة، قال ابن عمر: والإضافة من تفسير الراسخين وبيان المتفقهين (^١)؛ وقال ابن عبد البر: حديث «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» ناسخ لما عارضه، وقد ثبت أنه ﷺ بنى المسجد في مقابر المشركين (^٢).
(وكنائسهم) جمع كنيسة بفتح الكاف وكسر النون موضع تعبدهم، وتكره لما فيها من التماثيل، وكرهها عمر بن الخطاب ﵁ لكونها بيوتا متخذة للشرك والكفر بالله (^٣).
وكره الإمام مالك الصلاة فيها لنجاستها من أقدامهم؛ أي: الشأن فيها ذلك لا أنها محققة، وإلا كانت الصلاة فيها حراما مع بطلانها، والكراهة حيث صلى فيها اختيارا لا إن اضطر لذلك، وإلا فلا كراهة لا فرق بين دارسة أو عامرة.
قال التتائي: زاد علماؤنا البقعة المعوجة التي لا يتهيأ الجلوس عليها والبيت الذي فيه تصاوير، والصلاة إلى النائم (قلت: خشية تخبطه أو خروج ما يكره ان يسمعه المستيقظ منه)، وإلى حلق الناس، وإلى وجه الناظر إليه، وإلى وجه امرأة (^٤). وقال القرطبي: وقد زاد علماؤنا: الدار المغصوبة والكنيسة والبيعة والبيت الذي فيه تماثيل، والأرض المغصوبة أو موضعا تستقبل فيه نائما أو وجه رجل أو جدارا عليه نجاسة. قال ابن العربي: ومن هذه المواضع ما منع لحق الغير، ومنه ما منع لحق الله تعالى، ومنه ما منع لأجل النجاسة المحققة أو لغلبتها، فما منع لأجل النجاسة إن فرش فيه ثوب
_________________
(١) تنوير المقالة (١/ ٤٤٧) وقال ابن عبد البر: حديث «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» ناسخ لما عارضه، وقد ثبت أنه ﷺ بنى المسجد في مقابر المشركين.
(٢) شرح زروق (١/ ١٢٨).
(٣) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (١/ ٢٢٥).
(٤) تنوير المقالة (١/ ٤٤٩).
[ ١ / ٢١٧ ]
طاهر كالحمام والمقبرة فيها أو إليها فإن ذلك جائز في المدونة (^١).
قلت ويمكن أن يزاد المرآة، والأجهزة الحديثة كالتلفاز وكل ما يشغل المصلي بين يديه.
• أقل ما يجزئ المصلي من اللباس:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وأقل ما يصلي فيه الرجل من اللباس ثوب ساتر من درع أو رداء، والدرع: القميص.
ويكره أن يصلي بثوب ليس على أكتافه منه شيء، فإن فعل لم يعد، وأقل ما يجزئ المرأة من اللباس في الصلاة الدرع الحصيف السابغ الذي يستر ظهور قدميها، وخمار تتقنع به، وتباشر بكفيها الأرض في السجود مثل الرجل).
الشرح
(وأقل ما يصلي فيه الرجل؛ أي: أن أقل ما ينتفي معه الإثم ويكفي في المطلوب من اللباس للمصلي القادر الذاكر لما يفعل في صلاته (ثوب ساتر) للعورة من درع أو رداء) لقوله جل وعلا: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٣١]، وأقل ما يجزئ في زينة المرء ثوب يستر عورته ابتداء ودواما؛ ولحديث جابر: «أن النبي ﷺ صلى في ثوب واحد متوشحا به» (^٢).
وعن عائشة ل عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (^٣).
_________________
(١) تفسير القرطبي (١٠/ ٤٨).
(٢) رواه مسلم (٢٨١)، باب: الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه، والنسائي (٧٠/ ٢)، والترمذي (٣٣٩) وغيرهم.
(٣) أبو داود (٦٤١)، ت (٣٧٧) وقال: حديث حسن؛ ق (٦٥٥)، قال الزيلعي: رواه ابن خزيمة، وعنه ابن حبان في صحيحيهما.
[ ١ / ٢١٨ ]
وعن أم سلمة ﵂ أنها سألت النبي ﷺ أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار؟، قال: «إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها» (^١).
و(الدرع) هو (القميص) تفسير للدرع، وهو ما يسلك في العنق. وأما الرداء فهو ما يلتحف به، ويشترط فيه أن يكون كثيفا لا يصف، ولا يشف؛ أي: يصف جرم العورة؛ أي: يحدده لرقته أو إحاطته، فإن كان كذلك كره ما لم يكن الوصف بسبب ريح، وإلا فلا، وإن كان يشف فتارة تبدو منه العورة بدون تأمل فالصلاة به باطلة، وتارة لا تبدو إلا بتأمل، وحكمه كالواصف في الكراهة وصحة الصلاة.
(ويكره أن يصلي بثوب ليس على أكتافه منه شيء)؛ أي: يكره للرجل أن يصلي في ثوب ليس على كتفيه شيء منه مع وجود غيره، لأن النبي ﷺ كان إذا صلى في ثوبه جعل على عاتقه منه شيء كما في حديث عمر بن أبي سلمة (^٢)، ولحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عائقيه شيء» (^٣).
(فإن فعل لم يعد)؛ أي: إن صلى ولحم كتفيه بارز مع القدرة على الساتر لم يعد ما صلى لا في الوقت ولا بعده على الصحيح المشهور، لأن النهي الوارد ليس فيه ما يدل على الشرطية بل غايته الدلالة على الفساد لكنه صرف عن حقيقته إلى التنزيه لأدلة منها حديث جابر أن النبي ﷺ قال: «إذا صليت في ثوب واحد فإن كان واسعا فالتحف به، وإن كان ضيقا فاتزر به» (^٤).
وإنما ينبغي للمصلي أن يتجمل في صلاته بما يستطيع من الثياب الحسنة الساترة، فقد جاء مرفوعا من حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ: «إذا صلى
_________________
(١) الموطأ (١/ ٤١٢) موقوفا، وأبو داود (٦٤٠)، والحاكم (١/ ٣٨٠) مرفوعا، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه.
(٢) البخاري (٣٥٦).
(٣) البخاري (٣٥٢)، ومسلم (٥١٦)، وأبو داود (٦٢٦)، والنسائي (٢/ ٧١) (٧٦٨).
(٤) رواه مالك بلاغا (١/ ١٤١)، والبخاري (٣٦١)، ومسلم (٣٠٠٨).
[ ١ / ٢١٩ ]
أحدكم فليلبس ثوبيه فإن الله أحق من تزين له» (^١)، وجاء عن ابن عمر ﵁ أنه قال لغلامه نافع لما رآه حاسر الرأس: «أرأيت لو خرجت إلى الناس كنت تخرج هكذا؟ قال: لا، قال: فالله أحق أن يتجمل له» (^٢).
• أقل ما يجزئ المرأة في صلاتها:
(وأقل ما يجزئ المرأة)؛ أي: أقل ما يجزئ المرأة الحرة البالغة (من اللباس في الصلاة) شيئان أحدهما (الدرع الحصيفة) بالحاء المهملة على الرواية الصحيحة، وروي بالخاء المعجمة. ومعنى الأولى الكثيف الذي لا يصف ولا يشف ومعنى الثانية الساتر (السابغ)؛ أي: الكامل التام (الذي يستر ظهور قدميها)، ويراد به أيضا الذي لا يصف ولا يشف لأن مراد المؤلف أقلية لا إعادة معها لا في الوقت ولا في غيره. (و) ثانيهما (خمار) بكسر الخاء (^٣) تتقنع به؛ أي: تستر به شعرها وعنقها. ومن شرطه أن يكون كثيفا، لحديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (^٤).
قوله: الحائض؛ يعني: المرأة البالغ يعني إذا حاضت. وعن أم سلمة ﵂ أنها سألت النبي ﷺ أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار؟
قال: «إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها» (^٥). وروي ذلك عن ميمونة،
_________________
(١) رواه البيهقي (٣٠٨٨)، وأخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد (٢/ ٥١) وقال الهيثمي: إسناده حسن. وفي الأوسط (٩/ ١٤٥) رقم (٩٣٦٨).
(٢) صحيح أبي داود (٦٤٥).
(٣) الخمار: مفرد جمعه خمر، ويدور معناه على الستر والتغطية، وهو «ما تغطي به المرأة رأسها ووجهها وجبينها إذا لبسته كحجاب خارج صلاتها، ويسمى المقنع، والنصيف ومنه قول النابغة يصف امرأة: سقط النصيف ولم ترد إسقاطه … فتناولته واتقتنا باليد وانظر: شروط الخمار في كتاب حراسة الفضيلة (٣٠) للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى.
(٤) أبو داود (٦٤١)، والترمذي (٣٧٧) وقال حديث حسن وابن ماجه (٦٥٥).
(٥) مالك في الموطأ (١/ ١٤٢) موقوفا، وأبو داود (٦٤٠)، والحاكم (١/ ٣٨٠) مرفوعا،
[ ١ / ٢٢٠ ]
وعائشة، وأم سلمة أزواج الرسول ﷺ، وروي أيضا عن ابن عباس، وهو قول مالك (^١).
وحاصل الفقه أنه يجب على المرأة أن تستر جميع بدنها في الصلاة حتى بطون قدميها لقول مالك: لا يجوز للمرأة أن تبدي في الصلاة إلا وجهها وكفيها؛ وتباشر بكفيها؛ أي: أن المرأة تباشر (الأرض) بكفيها (في) حال (السجود مثل الرجل) ووجه ذكره لهذه المسألة هنا أنه لما كان يتوهم من قوله: تستر ظهور قدميها وبطونهما أنها تستر الكفين لأن كلا منهما من أجزاء المصلي المطلوب بستر جميع بدنه، فلأجل دفع هذا التوهم ذكرها هنا ولقول ابن عباس وعائشة لما في قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ [النور: ٣١] الوجه والكفان (^٢)، قال ابن بطال عقب ذلك: وعلى قول ابن عباس، وابن عمر جماعة الفقهاء (^٣).
وحد عورة الرجل السوأتان بلا خلاف، وفي إلحاق غيرهما قولان (^٤).
وعورة المرأة كل جسدها إلا الوجه والكفين (^٥).
قال في الكتاب: إذا صلت بادية الشعر أو ظهور القدمين أعادت في الوقت، ودليل ذلك ما في «الموطأ» عن أم سلمة زوج النبي ﷺ لما سئلت ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟ فقالت تصلي في الخمار والدرع السابغ الذي يغيب ظهور قدميها (^٦).
وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، قال الحافظ في بلوغ المرام وصحح الأئمة وقفه (٦٣).
_________________
(١) شرح ابن بطال، باب: في كم تصلي المرأة في الثياب؟ وأثر ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٢٠٦) رقم (١٧١٦٥). وقال الحافظ في الدراية (٢/ ٢٢٥): أخرجه البيهقي من حديث عائشة لالا مثله موقوفا.
(٢) ابن أبي شيبة (١٧٠١١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣٢١٧).
(٣) شرح ابن بطال، باب: في كم تصلي المرأة في الثياب، (٢/ ٣٤).
(٤) المذهب في ضبط المذهب (١/ ٢٣٨).
(٥) مواهب الجليل (٢/ ١٧٩ - ١٨٠)، والمذهب (١/ ٢٣٨).
(٦) تقدم تخريج حديث أم سلمة. وأما أقوال المالكية وغيرهم في حدود عورة المرأة =
[ ١ / ٢٢١ ]
تنبيه:
لا يجوز للمرأة أن ترى من الرجل الأجنبي إلا ما يراه هو من محرمه، وهو ما فوق المنحر والذراعين وأطراف القدمين.
وأما المرأة مع المرأة كالرجل مع مثله، وإن كانت كتابية على المشهور.
ومع محرم غير الوجه والأطراف.
_________________
(١) = والرجل فمن الذخيرة للقرافي (٢/ ١٠٤ - ١٠٥).
[ ١ / ٢٢٢ ]
(باب) صفة الوضوء ومسنونه ومفروضه وذكر الاستنجاء والاستجمار
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(باب صفة الوضوء ومسنونه ومفروضه وذكر الاستنجاء والاستجمار.
وليس الاستنجاء مما يجب أن يوصل به الوضوء، لا في سنن الوضوء، ولا في فرائضه، وهو من باب إيجاب زوال النجاسة به أو بالاستجمار لئلا يصلي بها في جسده، ويجزئ فعله بغير نية، وكذلك غسل الثوب النجس).
الشرح
(باب في صفة الوضوء)؛ أي: هذا باب في بيان صفة الوضوء (ومسنونه ومفروضه)؛ أي: وفي بيان المسنون منه والمفروض (و) في بيان (ذكر الاستنجاء) حكما وصفة، فيكون كلام المصنف شاملا للأمرين.
والاستنجاء: غسل موضع الخبث بالماء، مأخوذ من نجوت بمعنى قطعت، فكأن المستنجي يقطع الأذى عنه، وقيل مأخوذ من النجو وهو الغائط، فمعنى استنجى: مسح النجو (^١)، وفيه معان أخرى.
(والاستجمار) (^٢)؛ أي: وفي بيان الاستجمار حكما وصفة.
والاستجمار لغة: إزالة الأذى من المخرج بالأحجار.
_________________
(١) قيل: أصل الاستنجاء نزع الشيء عن موضعه وتخليصه منه، ومنه قولهم: نجوت الرطب واستنجيته إذا جنيته واستنجيت الوتر إذا خلصته من أثناء اللحم والعظم.
(٢) الاستذكار (١٣٥/ ١).
[ ١ / ٢٢٣ ]
• حكم الاستنجاء والاستجمار:
لما كان كثير من الناس يتوهم أن الاستنجاء من جملة الوضوء المأمور به دفع ذلك التوهم بقوله:
(وليس الاستنجاء مما يجب)؛ أي: لا يجب ولا يسن ولا يستحب (أن يوصل به الوضوء)، بل هو عبادة منفردة يجوز تفرقته عن الوضوء في الزمان والمكان، كما فعل النبي ﷺ في كثير من أحيانه، فمن ذلك حديث سعيد بن حويرث ﵁ يقول: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: كنا عند رسول الله ﷺ، فخرج من الغائط فأتي بطعامه فقيل له: ألا تتوضأ؟ فقال: «ما أصلي فأتوضأ» (^١)، وهذا بين أنه (كان ﵇ لا يتوضأ وضوء الصلاة إلا للصلاة، وأنه لا يتوضأ كلما بال وضوء الصلاة) اه (^٢)، ولا يعد (في سنن الوضوء، ولا في فرائضه)، ولا في مستحباته، وإنما المقصود منه إنقاء المحل خاصة، لحديث عائشة ﵂ قالت: بال رسول الله ﷺ فقام عمر خلفه بكوز من ماء فقال: «ما هذا يا عمر» فقال هذا ماء تتوضأ به قال: «ما أمرت كلما بلت أن أتوضأ، ولو فعلت لكانت سنة» (^٣)، ولكن يستحب تقديمه على الوضوء، فإذا أخره فليحذر من مس ذكره ومن خروج حدث (^٤).
(وهو من باب إيجاب)؛ أي: أن الاستنجاء من باب حتمية (إزالة النجاسة) فيجب أن يكون بالماء أو بالاستجمار بالأحجار لئلا يصلي بالنجاسة وهي على جسده. ومما يدل على أنه من باب إزالة النجاسة أنه يجزئ فعله بغير نية؛ وذلك لأن طهارة الخبث من باب التروك ولا يشترط فيها النية، وإنما يجب زوالها حتى ولو لم يزلها من تعلقت به كأن زالت بمطر أو تراب، أو غسلها آخر، فالمطلوب زوالها.
_________________
(١) رواه مسلم (١/ ٢٨٣) رقم (٣٧٤).
(٢) التمهيد لابن عبد البر (١٣/ ١٦٠).
(٣) رواه أحمد (٢٤٦٤٣)، وأبو داود (٤٢)، وابن ماجه (٣٥١) بإسناد حسن.
(٤) تنوير المقالة (١/ ٤٥٨).
[ ١ / ٢٢٤ ]
(وكذلك غسل الثوب النجس)؛ أي: المتنجس لا يحتاج إلى نية.
"والنجاسة هي كل عين يحرم تناولها، لا لضررها، ولا لاستقذارها، ولا لحرمتها.
فقولنا: (لا لضررها) خرج به السم وشبهه فإنه حرام لضرره، وليس بنجس.
وقولنا: (لا لاستقذارها) خرج به المخاط وشبهه، فليس بنجس، لأنه محرم لاستقذاره.
وقولنا: (لا لحرمتها) خرج به الصيد في حال الإحرام، والصيد داخل أميال الحرم فإنه حرام لحرمته (^١).
قاعدة:
قال القرافي (^٢): إزالة النجاسة تارة تكون بالإزالة، كالغسل بالماء، وتارة بالإحالة كالخمر إذا صار خلا، أو العذرة إذا صارت لحم كبش، وتارة بهما كالدباغ، فإنه يزيل الفضلات، ويحيل الهيئات أو لأنه يمنعه من الفساد كالحياة.
• آداب الاستنجاء والاستجمار:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وصفة الاستنجاء أن يبدأ بعد غسل يديه (^٣) فيغسل مخرج البول، ثم يمسح ما في المخرج من الأذى بمدر أو غيره أو بيده ثم يحكها بالأرض ويغسلها، ثم يستنجي بالماء، ويواصل صبه ويسترخي قليلا ويجيد عرك ذلك بيده حتى يتنظف، وليس عليه غسل ما بطن من المخرجين، ولا يستنجي من ريح، ومن استجمر بثلاثة أحجار يخرج
_________________
(١) الشرح الممتع على زاد المستقنع للشيخ محمد صالح العثيمين (١/ ٢٥).
(٢) الذخيرة للقرافي (١/ ١٦٧).
(٣) في رواية (يده) قال التتائي (١/ ٤٦٢): وهي الرواية الصحيحة بإفراد اليد. والمدر: الطين اليابس.
[ ١ / ٢٢٥ ]
آخرهن نقيا أجزأه، والماء أطهر وأطيب وأحب إلى العلماء).
الشرح
(وصفة الاستنجاء)؛ أي: الصفة الكاملة أنه بعد أن يستبرئ بالسلت والنثر الخفيفين ب (أن) يأخذ ذكره بيساره؛ أي: السبابة والإبهام، ثم يجذبه من أسفله إلى الحشفة جذبا رفيقا (^١)، ثم يبدأ بعد ذلك ب (غسل يده اليسرى مخافة أن يعلق بها شيء من رائحة الأذى، ثم يستنجي بالماء، (فيغسل مخرج البول) قبل مخرج الغائط لئلا تتنجس يده (ثم يمسح ما في المخرج من الأذى بمدر أو غيره مما يجوز الاستجمار به كالأحجار ونحوها من كل طاهر منق يابس غير رطب ولا محترم ولا منهي عنه، أو بيده) قال القرافي (^٢): لو استجمر بأصابعه … وأنقى أجزا. وما ذكره المصنف من الجمع بين الاستجمار والاستنجاء بالماء هو الأفضل، ويواصل)؛ أي: يوالي (صبه) للماء من غير تراخ لأنه أعون على الإزالة.
(ويسترخي قليلا) وإنما طلب منه ذلك لأن المخرج فيه طيات، فإذا قابله الماء انكمش، فإذا استرخى تمكن من غسله قلت: وليس شرعا مطالب بتتبع التكاميش لما في ذلك من الغلو والابتداع وإلا لم يكن الاستجمار كافيا.
(ويجيد عرك ذلك)؛ أي: أن المستنجي يعرك المحل (بيده) وقت صب الماء حتى يتنظف من الأذى ويتنزه من البول ما استطاع لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، ولحديث أبي هريرة مرفوعا: «استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه» (^٣)، وتكفي غلبة الظن إن قدر على ذلك، فإن لم يقدر
_________________
(١) والعمدة في هذا على حديث ضعيف بل قال بعض أهل العلم: لا أصل له وهو حديث يزداد اليماني قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات» رواه ابن ماجه والحديث ضعيف. قال الحافظ في بلوغ المرام (٢٢/ ١): إسناده ضعيف، وضعفه الألباني في «السلسلة الضعيفة والموضوعة» (٤/ ١٢٤).
(٢) الذخيرة (١/ ٢٠٩).
(٣) أخرجه الدارقطني، والحاكم (١/ ١٨٣ - ١٨٤)، وكذا البزار والطبراني كما في «مجمع الزوائد» (١/ ٢٠٧)، وقال: «وفيه أبو يحيى من الثقات، وثقه يحيى بن معين =
[ ١ / ٢٢٦ ]
لقطع يده، أو قصرها استناب من يجوز له مباشرة ذلك المحل من زوجة أو سرية، وإلا توضأ وترك ذلك من غير غسل.
(وليس عليه)؛ أي: لا يجب ولا يستحب للمستنجي (غسل ما بطن من المخرجين) والصواب من المخرج بلفظ الإفراد لأن مخرج البول من الرجل لا يمكن غسل داخله، قلت: هكذا قيل في الاعتراض على المصنف، لكن يمكن قصده مخرج المرأة، والأحاديث الواردة في الاستجمار والاستنجاء كثيرة سيأتي ذكر بعضها.
(ولا يستنجى من ريح)؛ أي: ينهى عن الاستنجاء من الريح. وهل الحكم المنع أو الكراهة؟ لا نص على عين الحكم والحديث يحتملهما إلا أنه غير صحيح (^١).
(ومن استجمر بثلاثة أحجار، يخرج آخرهن نقيا) من الأذى (أجزأه) (^٢)، أي: كفاه ذلك، ولو كان الماء موجودا، وإليه ذهب أبو الفرج المالكي وحجة هذا القول حديث سلمان ﵁: «وقد قيل له لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة، قال: أجل لقد نهانا ﷺ أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، وأن لا نستنجي باليمين، وأن لا يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار، أو نستنجي برجيع (^٣) أو عظم (^٤)»؛ ويؤخذ من كلامه أن الاستجمار بدون الثلاثة لا يجزئ ولكن المشهور أن المدار على الإنقاء ولو بواحد لحديث أبي
_________________
(١) = في رواية وضعفه الباقون»، وقال الحافظ في فتح الباري (٣٣٦/ ١): صححه ابن خزيمة وغيره وسكت عنه.
(٢) والحديث الذي أورده الأزهري هو ما روي أن النبي ﷺ قال: «من استنجى من ريح فليس منا» قال الذهبي في ميزان الاعتدال (٢٦٨/ ٢): فيه شرقي بن قطامي له نحو عشرة أحاديث مناكير، وذكر منها هذا الحديث.
(٣) أجزأه؛ يعني: كفاه، وهو من ذوات الهمز، وأما أجزى عنه؛ فمعناه: ناب عنه ولا همز فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿واتقوا يوما لا تجزى نفس﴾ [البقرة: ٤٨].
(٤) الرجيع: روث الدواب.
(٥) مسلم (٦٠٥)، وأبو داود (٧)، والنسائي (١/ ١/ ٣٨)، ت (١٦)، وقال: حديث سلمان حديث حسن صحيح.
[ ١ / ٢٢٧ ]
هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من استجمر فليوتر، من فعل ذلك فقد … أحسن، ومن لا فلا حرج» (^١)، ولما أفهم كلامه أن الأحجار تجزئ ولو كان الماء موجودا خشي أن يتوهم مساواة ذلك لاستعمال الماء، وأنهما سواء في الفضل دفع ذلك بقوله: (والماء أطهر) للمحل إذ لا يبقى عينا ولا أثرا، (وأطيب) للنفس إذ يذهب الشك ويطيب المحل، وأحب إلى العلماء كافة إلا من يأتي ذكره، لقول عائشة ﵂ لنساء الصحابة: «مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء، فإني أستحييهم، فإن رسول الله ﷺ كان يفعله» (^٢)، ولحديث أنس ﵁: «كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء فأحمل أنا، وغلام نحوي، إداوة من ماء، وعنزة فيستنجي بالماء» (^٣)، قال النووي (^٤): في حديث أنس ﵁ فيه جواز الاستنجاء بالماء، واستحبابه، ورجحانه على الاقتصار على الحجر، وقد اختلف الناس في هذه المسألة، فالذي عليه الجماهير من السلف والخلف وأجمع عليه أهل الفتوى من أهل الأمصار، أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر، فيستعمل الحجر أولا لتخف النجاسة وتقل مباشرتها بيده، ثم يستعمل الماء، فإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل من الحجر، لأن الماء يطهر المحل طهارة حقيقية، وأما الحجر فلا يطهره، وإنما يخفف النجاسة، ويبيح الصلاة مع النجاسة المعفو عنها، وفيه حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ سأل أهل قباء، فقالوا: إنا نتبع الحجارة الماء (^٥). وبعض السلف
_________________
(١) أبو داود (٣٢)، وابن ماجه (٣٦١)، باب: الارتياد للغائط والبول، وصححه ابن حبان والحاكم وفي سنده مقال.
(٢) رواه أحمد (٦/ ١١٣)، والنسائي (١/ ٤٢)، والترمذي (١٩)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن حبان في صحيحه (٤/ ٢٩٠)، ورواه ابن عبد البر بسنده، الاستذكار لابن عبد البر (٢/ ٢٠٥).
(٣) البخاري (١٥٠)، ومسلم (٦١٩) وغيرهما. (عنزة) عصا طويلة في أسفلها زج ويقال: رمح صغير.
(٤) شرح مسلم للنووي (٢/ ١٥٥).
(٥) رواه البزار بسند ضعيف. وأصله عند أبي داود، قال الصنعاني: وصححه صاحب الإلمام سبل السلام (١/ ١٤٧).
[ ١ / ٢٢٨ ]
ذهبوا إلى أن الأفضل الحجر (منهم حذيفة ﵁، وسعيد بن المسيب رحمه الله تعالى)، وربما أوهم كلام بعضهم أن الماء لا يجزي … اه.
«وتعين الماء في حق النساء في حيض ونفاس ومني؛ أي: بالنسبة لمن فرضه التيمم لمرض أو عدم ماء كاف للغسل، ومعه من الماء ما يزيل به النجاسة. ويتعين الماء أيضا في المنتشر عن المخرج كثيرا بأن جاوز ما جرت العادة بتلوثه».
ولذلك قال في «المختصر»: وتعين في مني، وحيض، ونفاس، وبول امرأة، ومنتشر عن مخرج كثير، أو مذي يغسل ذكره كله (^١).
_________________
(١) مواهب الجليل (١/ ٤١١).
[ ١ / ٢٢٩ ]
فرائض الوضوء وسننه ومندوباته وصفته
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن لم يخرج منه بول ولا غائط وتوضأ لحدث أو نوم أو لغير ذلك مما يوجب الوضوء فلا بد من غسل يديه قبل إدخالهما (^١) في الإناء.
ومن سنة الوضوء غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء.
والمضمضة، والاستنشاق، والاستنثار، ومسح الأذنين سنة.
وباقيه فريضة.
فمن قام إلى وضوء من نوم أو غيره، فقد قال بعض العلماء: يبدأ فيسمي الله، ولم يره بعضهم من الأمر المعروف، وكون الإناء على يمينه أمكن له في تناوله، ويبدأ فيغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثا، فإن كان قد بال أو تغوط غسل ذلك منه، ثم توضأ ثم يدخل يده في الإناء فيأخذ الماء فيمضمض فاه ثلاثا من غرفة واحدة إن شاء أو ثلاث غرفات، وإن استاك بأصبعه فحسن.
ثم يستنشق بأنفه الماء ويستنثره ثلاثا يجعل يده على أنفه كامتخاطه ويجزئه أقل من ثلاث في المضمضة والاستنشاق وله جمع ذلك في غرفة واحدة والنهاية أحسن.
ثم يأخذ الماء إن شاء بيديه جميعا وإن شاء بيده اليمنى فيجعله في يديه جميعا ثم ينقله إلى وجهه فيفرغه عليه غاسلا له بيديه من أعلى
_________________
(١) وفي نسخة: (دخولهما).
[ ١ / ٢٣٠ ]
جبهته وحده منابت شعر رأسه إلى طرف ذقنه ودور وجهه كله من حد عظمات (^١) لحييه إلى صدغيه.
ويمر يديه على ما غار من ظاهر أجفانه وأسارير جبهته وما تحت مارنه من ظاهر أنفه يغسل وجهه هكذا ثلاثا ينقل الماء إليه.
ويحرك لحيته في غسل وجهه بكفيه ليداخلها الماء لدفع الشعر لما يلاقيه من الماء وليس عليه تخليلها في الوضوء في قول مالك ويجري عليها يديه إلى آخرها.
ثم يغسل يده اليمنى ثلاثا أو اثنتين يفيض عليها الماء ويعركها بيده اليسرى ويخلل أصابع يديه بعضها ببعض، ثم يغسل اليسرى كذلك ويبلغ فيهما بالغسل إلى المرفقين يدخلهما في غسله، وقد قيل: إليهما حد الغسل فليس بواجب إدخالهما فيه، وإدخالهما فيه أحوط لزوال تكلف التحديد، ثم يأخذ الماء بيده اليمنى فيفرغه على باطن يده اليسرى، ثم يمسح بهما رأسه يبدأ من مقدمه من أول منابت شعر رأسه وقد قرن أطراف أصابع يديه بعضها ببعض على رأسه وجعل إبهاميه على صدغيه ثم يذهب بيديه ماسحا إلى طرف شعر رأسه مما يلي قفاه ثم يردهما إلى حيث بدأ.
ويأخذ بإبهاميه خلف أذنيه إلى صدغيه وكيفما مسح أجزأه إذا أوعب رأسه والأول أحسن ولو أدخل يديه في الإناء ثم رفعهما مبلولتين ومسح بهما رأسه أجزاه،
ثم يفرغ الماء على سبابتيه وإبهاميه وإن شاء غمس ذلك في الماء، ثم يمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما
وتمسح المرأة كما ذكرنا وتمسح على دلاليها ولا تمسح على الوقاية وتدخل يديها من تحت عقاص شعرها في رجوع يديها في المسح، ثم يغسل رجليه يصب الماء بيده اليمنى على رجله اليمنى ويعركها بيده اليسرى قليلا قليلا يوعبها بذلك ثلاثا وإن شاء خلل أصابعه في ذلك وإن
_________________
(١) في بعض النسخ: (عظمي). كما في (الحلبي، والغرب).
[ ١ / ٢٣١ ]
ترك فلا حرج والتخليل أطيب للنفس ويعرك عقبيه وعرقوبيه وما لا يكاد … يداخله الماء بسرعة من جساوة أو شقوق فليبالغ بالعرك مع صب الماء بيديه فإنه جاء الأثر ويل للأعقاب من النار وعقب الشيء طرفه وآخره، ثم يفعل (^١) باليسرى مثل ذلك).
• مسألة في غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء:
(ومن لم يخرج منه بول ولا غائط) ولا غيرهما مما يستنجى منه كمذي وودي، (وتوضأ)؛ أي: وأراد أن يتوضأ (ل) أجل (حدث) كخروج ريح ونحوه، (أو لغير ذلك، مما يوجب الوضوء) كالردة والشك في الحدث والرفض وبقية الأسباب من النوم والسكر والإغماء (فلا بد من غسل يديه قبل إدخالهما في الإناء)؛ أي: يلزمه ذلك على طريق السنية وإن لم يكن بهما ما يقتضي غسلهما بأن كانتا نظيفتين فغسل اليدين مطلوب مطلقا سواء استنجى أو لا. فمن النوم لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده (^٢)، ولحديث عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ لما سئل عن وضوء النبي ﷺ فدعا بتور (^٣) من ماء، فتوضأ لهم وضوء النبي ﷺ فأكفأ على يده من التور، فغسل يديه ثلاثا، ثم أدخل يده في التور، فمضمض واستنشق واستنثر، ثلاث غرفات، ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين، ثم أدخل يده فمسح رأسه، فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة، ثم غسل رجليه إلى الكعبين» (^٤). وهذا من أصول أحاديث الوضوء التي سوف
_________________
(١) في نسختي (الغرب، والحلبي) وفي نسخة أخرى: (ثم يغسل اليسرى).
(٢) أخرجه مالك (١/ ٢١) رقم (٣٧)، والبخاري (١/ ٧٢) رقم (١٦٠)، ومسلم (١/ ٢٣٣) رقم (٢٧٨). ولم يذكر مالك ولا البخاري العدد.
(٣) التور (بتور) إناء يشبه الطشت مصنوع من نحاس أو حجارة (فأكفأ) أفرغ وأكفأ الإناء أماله وكبه.
(٤) البخاري (١٨٥)، ومسلم (٥٤٤)، ومالك في الموطأ (١/ ٦٤).
[ ١ / ٢٣٢ ]
نحيل عليها وحديث عثمان ﵁ الآتي، والشاهد فيه «فأكفأ على يده من التور، فغسل يديه ثلاثا»؛ أي: خارج الإناء.
سنن الوضوء:
(ومن سنة الوضوء)؛ أي: من سنن الوضوء:
١ - (غسل اليدين) إلى الكوعين قبل إدخالهما في الإناء وذلك لفعل النبي ﷺ كما في حديث عبد الله بن زيد بن عاصم وعثمان وغيرهما، فعن حمران، مولى عثمان بن عفان أنه رأى عثمان بن عفان دعا بوضوء، فأفرغ على يديه من إنائه، فغسلهما ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه في الوضوء، ثم تمضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثا ويديه إلى المرفقين ثلاثا، ثم مسح برأسه، ثم غسل كل رجل ثلاثا، ثم قال: رأيت النبي ﷺ يتوضأ نحو وضوئي هذا، وقال: «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه» (^١) وهذا الحديث أصل من أصول الوضوء سنحيل عليه فانتبه رعاك الله.
ومحل كون السنة الغسل قبل الإدخال في الإناء إن كان الماء قليلا وأمكن الإفراغ منه، وإلا فلا يسن الغسل قبل الإدخال، كمن كان على نهر جار وبركة ونحوهما.
٢ - (والمضمضة)؛ أي: من سننه أيضا المضمضة بضادين وهي:
خضخضة الماء في الفم ومجه، فلو ابتلعه لم يكن آتيا بالسنة. وأيضا لو فتح فاه حتى نزل فيه الماء لم يكن آتيا بالسنة، فلا بد من خضخضة الماء ومجه، ودليلها حديثا عثمان وعبد الله بن عاصم لا وقد تقدما.
٣ - (والاستنشاق)؛ أي: من سنن الوضوء الاستنشاق، وهو إدخال الماء في الخياشم بالنفس، فلو دخل الماء أنفه بغير إدخال بالنفس لا يكون آتيا بالسنة.
_________________
(١) البخاري (١٦٤)، ومسلم (٥٣٧)، وأبو داود (١٠٨)، والنسائي (١/ ١/ ٦٤).
[ ١ / ٢٣٣ ]
٤ - (والاستنثار) في اللغة: من النثر وهو أن يستنشق الماء بأنفه، ثم يستخرج ما فيه من أذى ومخاط فيتناثر، وقيل من النثرة وهي الخيشوم وما والاه، لأن المستنثر عادة يمسك بها ليستعين بذلك على إخراج ما في الأنف.
وكيفيته أن يجعل أصبعيه السبابة والإبهام من يده اليسرى على أنفه،
ويرد الماء من خيشومه بريح الأنف وتقدمت أدلة ذلك والحمد لله.
٥ - (ومسح الأذنين)؛ أي: من سنن الوضوء مسح الأذنين ظاهرهما بإبهاميه وباطنهما الظاهر بأصبعيه السبابتين، ويجعلهما في صماخي أذنيه ما كان من جهة الرأس، والباطن ما كان من جهة الوجه لحديث ابن عباس- ﵄ وفيه: «ثم غرف غرفة فمسح برأسه وأذنيه داخلهما بالسبابتين، وخالف بإبها ميه إلى ظاهر أذنيه، فمسح ظاهرهما وباطنهما» (^١).
فرائض الوضوء:
(وباقيه فريضة)؛ أي: باقي الوضوء فريضة وهي:
١ - النية: قال تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ استنبط مالك إرادة الوضوء من الآية إيجاب المقتضي وجوب النية في الوضوء، لأن التقدير إذا أردتم القيام إلى الصلاة فتوضؤا لأجلها (^٢).
ولحديث عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما الأعمال بالنيات - وفي رواية بالنية - وإنما لكل امرئ ما نوى …» (^٣).
وينوي بوضوئه استباحة ما منعه الحدث من مس مصحف، وطواف،
_________________
(١) النسائي (١/ ٧٣ - ٧٤)، وابن ماجه (٤٣٩)، والترمذي (٣٦) في الطهارة، وابن خزيمة (١٤٨)، وابن حبان (١٠٧٨) وإسناده حسن وله شواهد.
(٢) فتح الباري (١/ ٢٨٠) لابن حجر، وانظر: نشر البنود لسيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم (١/ ٣٦).
(٣) أخرجه مالك كما في رواية محمد بن الحسن للموطأ (ص ٣٣٨) رقم (٩٨٣)، طبعة دار ابن خلدون، والبخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧).
[ ١ / ٢٣٤ ]
وصلاة، ونحو ذلك، أو رفع الحدث، أو الفرض، والأحسن للمتوضئ نية استباحة الصلوات المفروضة، فيدخل تحتها ما سواها من العبادات.
وقد أشار إلى ذلك العلامة ابن عاشر رحمه الله تعالى في نظمه فقال:
ولينو رفع حدث أو مفترض … أو استباحة الممنوع عرض
٢ - الدلك: وهو إمرار اليد على العضو مع المرس والعرك الخفيف «والغسل للأعضاء عند العرب إمرار الماء على المغسول باليد، حتى يزول عنه الداعي إليه وقد فرقت العرب بين الغسل في الماء والغمس فيه، والبشرة بطبيعتها تدفع الماء لدهنيتها فلا يتحقق وصوله إلى البشرة إلا به، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» (^١).
ولحديث ابن عباس ﵁ قال: «بت عند خالتي ميمونة ليلة فقام النبي ﷺ من الليل، فتوضأ من شن معلق وضوءا خفيفا - يخففه عمرو ويقلله - وقام يصلي» (^٢).
قال ابن المنير المالكي رحمه الله تعالى: يخففه؛ أي: لا يكثر الدلك، ويقلله؛ أي: لا يزيد على مرة مرة وفيه دليل إيجاب الدلك (^٣).
وعن عبد الله بن زيد ﵁ قال: «إن النبي ﷺ أتي بثلثي مد فجعل يدلك ذراعيه» (^٤).
٣ - الفور: هو الموالاة قال ابن بشير وهي أن يفعل الوضوء كله في فور واحد من غير تفريق. قال ابن الحاجب والتفريق اليسير مغتفر يريد
_________________
(١) مسالك الدلالة للغماري (١٥).
(٢) البخاري (١٣٨)، ومسلم (١٧٩٠).
(٣) الفتح (١/ ٢٨٨).
(٤) رواه أحمد (١٥٨٤٦)، وصححه ابن خزيمة كما قال الحافظ. انظر: بلوغ المرام للحافظ ابن حجر (٣٩)، قلت: ورواه النسائي من حديث أم عمارة بنت كعب ﵂ في «المجتبى» (١/ ٥٨)، وفي «الكبرى» (٧٦) ولفظه عند النسائي: أن النبي ﷺ توضأ، فأتي بماء في إناء قدر ثلثي المد، قال شعبة: فأحفظ أنه غسل ذراعيه وجعل يدلكهما، ويمسح أذنيه باطنهما، ولا أحفظ أنه مسح ظاهرهما.
[ ١ / ٢٣٥ ]
ولو عمدا والمشهور وجوبها مع الذكر والقدرة (^١)، ودليل من أوجبها حديث عمر ﵁ أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي ﷺ فقال: «ارجع فأحسن وضوءك»، فرجع، ثم صلى (^٢)، وكذا حديث خالد بن معدان ﵁ عن بعض أصحاب النبي ﷺ: «أن النبي ﷺ رأى رجلا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم، لم يصبها الماء فأمره النبي ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة» (^٣)، قال الإمام الصالح ابن هبيرة رحمه الله تعالى (^٤): في هذا الحديث من الفقه الحث على إسباغ الوضوء، ويحتج به في وجوب الموالاة في الوضوء، وأن لا يفرق فيه بين عضو وعضو حتى يجف الأول اه.
٤ - غسل الوجه: لقول الله ﷿: ﴿يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: ٦]، وللأحاديث المتواترة منها حديث عثمان وعبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ وقد تقدما.
واستشكل على المصنف قوله: (وباقيه فريضة) بأن من الباقي ما هو سنة كرة مسح الرأس، وتجديد الماء للأذنين، والترتيب.
ومنها ما هو مستحب كالتسمية في ابتدائه. وأجيب بأنه أراد بقوله: وباقيه فريضة؛ أي: بقية الأعضاء المغسولة والممسوحة على طريق الاستقلال، إذ الرأس فرضه المسح، والرد تبع له؛ أي: متعلق - بكسر اللام بقية الأعضاء؛ أي: القائم ببقية الأعضاء على جهة الاستقلال فريضة، وإنما احتجنا لتقدير متعلق لأنه ليس نفس بقية الأعضاء هي الفريضة. وأما التجديد والترتيب فليسا بعضوين؛ أي: فليسا متعلقين بعضوين بل متعلقهما غير عضوين
_________________
(١) الدر الثمين (ص ٨٤).
(٢) رواه مسلم (٥٧٥)، وابن ماجه (٦٦٦).
(٣) أبو داود (١٧٥)، وقال إسناده جيد، وأحمد (٤٢٤/ ٣)، وله شاهد من حديث أبي أمامة ﵁ عند الدارقطني (١٠٨/ ١)، قال الشيخ أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي في التعليق المغني على سنن الدارقطني: الظاهر من هذا الحديث لزوم الموالاة. اه.
(٤) الإفصاح (٢١٣/ ١).
[ ١ / ٢٣٦ ]
لأن متعلق التجديد الماء، ومتعلق الترتيب الغسلات، ثم أدخل المصنف على غير ترتيب منه بين الفرائض والمندوبات. فقال:
• من مندوبات الوضوء:
التسمية: قال:
(فمن قام إلى وضوء) ليس المراد بالقيام حقيقته، وإنما المراد من أراد أن يتوضأ لحصول موجبه من نوم أو غيره مما يوجب الوضوء، (فقد قال بعض العلماء يبدأ فيسمي الله، ولم يره بعضهم من الأمر المعروف)؛ أي: فمن قائل من العلماء إنه يبدأ ب ﴿بسم الله﴾ تعالى قيل بأن يقول ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، وقيل: بأن يقول ﴿بسم الله﴾ فقط. ومن العلماء من لم ير البداءة بالتسمية من الأمر المعروف عند السلف، بل رآه من المنكر أي المكروه.
والظاهر من كلام المصنف حيث عزا كل قول منهما لبعض أنه لم يقف لمالك في التسمية على شيء (^١). والمنقول عن مالك في التسمية ثلاث روايات إحداها الاستحباب، وبه قال ابن حبيب وشهرت؛ لقوله ﷺ كما في حديث رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب عن جدته عن أبيها قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (^٢).
الثانية: الإنكار قائلا أهو يذبح؟ ما علمت أحدا يفعل ذلك (^٣)؛ أي: حتى يحتاج إلى تسمية.
الثالثة: التخيير فالحكم إذا الإباحة (^٤).
وكون الإناء على يمينه؛ أي: يستحب للمتوضئ أن يجعل الإناء الذي
_________________
(١) يحتاج إلى بحث.
(٢) رواه الترمذي (٢٥)، وإسناده ضعيف، وابن ماجه (٣٩٨)، وفي الباب أحاديث لا تخلو من مقال.
(٣) النوادر والزيادات (١/ ٢٠).
(٤) التوضيح للشيخ خليل (١/ ٢٣١) وذكر المواضع التي تجب، وتستحب، وتحرم فيها التسمية، وانظر: سبل السلام (١/ ٨٥) دار الفكر ١٤١١ هـ.
[ ١ / ٢٣٧ ]
يتوضأ منه على يمينه، لأنه أسهل لفعل النبي ﷺ ذلك، ويكون ذلك (أمكن له في تناول الماء) إن كان الإناء مفتوحا يمكن الاغتراف منه، وأما إن كان ضيقا فالأفضل أن يكون عن يساره لأنه أيسر، والتيامن في كل شيء شريف سنة، فعن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يعجبه التيمن، في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله» (^١).
(ويبدأ فيغسل)؛ أي: وبعد أن يجعل الإناء المفتوح عن يمينه. والضيق عن يساره، يبدأ على جهة السنية بغسل (يديه) إلى الكوعين (قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثا) تعبدا؛ أي: ثلاث مرات بنية مفترقتين لما في «المسند» من حديث المغيرة «أنه ﷺ غسل كفيه وفي لفظ فغسلهما فأحسن غسلهما، فغسل يده اليمنى ثلاث مرات» ويده اليسرى ثلاث مرات (قال: وأشك أقال: دلكهما بتراب أم لا) (^٢) ولما مر في حديث عثمان ﵁ ونحوه.
(فإن كان قد بال أو تغوط)؛ أي: أن ما تقدم في حق من لم يبل ومن لم يتغوط. وأما من بال أو تغوط (غسل ذلك منه)؛ أي: غسل موضع البول والغائط ونحوه. (ثم توضأ إلخ)؛ أي: يغسل يديه الذي هو سنة أولى من سنن الوضوء.
(ثم يدخل يده في الإناء) إن أمكنه إدخالها فيه وإلا أفرغ عليها (فيأخذ الماء)؛ أي: يأخذ من الماء بقدر حاجته من غير إسراف، (فيمضمض فاه)؛ أي: يوصل الماء إلى فيه ثم يخضخضه ويمجه (^٣) (ثلاثا من غرفة واحدة إن شاء) ذلك كما في حديث عبد الله بن زيد بن عاصم: «أن رسول الله ﷺ تمضمض واستنشق واستنثر من كف واحدة ففعل ذلك ثلاث مرات» (^٤) لكن الغرفة الأولى سنة، وكل من الباقيتين مستحب، (أو) إن شاء تمضمض ثلاث مرات ب (ثلاث غرفات) لحديث عثمان وقد سئل عن الوضوء
_________________
(١) البخاري (١٦٨)، ومسلم (٦١٦)، وأبو داود (٤١٤٠) وغيرهم.
(٢) أحمد (١٨١٣٤) وإسناده صحيح. انظر هذه الروايات في: الفتح (١/ ٣٦٨).
(٣) تنوير المقالة (١/ ٤٨٢).
(٤) البخاري (١٩١)، ومسلم (٢٣٥).
[ ١ / ٢٣٨ ]
فدعا بماء، فأتي بميضأة فأصغاها على يده اليمنى، ثم أدخلها في الماء فتمضمض ثلاثا، واستنثر ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يده اليمنى ثلاثا، وغسل يده اليسرى ثلاثا، ثم أدخل يده فأخذ ماء فمسح برأسه وأذنيه، فغسل بطونهما وظهورهما مرة واحدة، ثم غسل رجليه، ثم قال: أين السائلون عن الوضوء؟ «هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ» (^١).
والصفة الثانية أرجح من الأولى، قال ابن عبد البر (^٢): وكل قد روي.
(وإن استاك) من يريد الوضوء بعود السواك فذلك سنة مستحبة لحديث علي له قال: قال رسول الله ﷺ: «لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء» (^٣)، وفي مسلم من حديث ابن عباس له أن النبي ﷺ: كان «يستاك فيتوضأ»؛ فإن لم يجد ف (بأصبعه) قبل أن يتوضأ (فحسن)؛ أي: مستحب (^٤)، وقد يصلح للاستدلال له حديث أخرجه أحمد عن علي له أنه قال لمولاه قنبر: ائتني بكور من ماء فغسل كفيه ووجهه ثلاثا، وتمضمض ثلاثا، فأدخل بعض أصابعه في فيه … وقال: هكذا وضوء النبي ﷺ (^٥).
(ثم يستنشق بأنفه الماء) ثم للترتيب فقط لا للتراخي؛ أي: أن
_________________
(١) أبو داود رقم (١٠٨).
(٢) الاستذكار (١/ ١٣٧)، وانظر: سبل السلام للصنعاني والجمع بين الروايات في ذلك (١/ ٨٧ - ٨٩).
(٣) رواه البخاري معلقا عن أبي هريرة (باب: سواك الرطب واليابس للصائم)، ووصله ابن الجارود (٦٣)، وابن خزيمة (١٤٠)، ومالك في الموطأ موقوفا عليه، قال ابن عبد البر: «هذا الحديث يدخل في المسند لاتصاله من غير ما وجه ولما يدل عليه اللفظ»، وصححه الحافظ في التلخيص، وحسنه في التغليق (٣/ ١٦٢)، وحسنه الطبراني في الأوسط.
(٤) انظر: شرح الرسالة لأبي الحسن المسمى كفاية الطالب الرباني (١/ ١٨٣) في تخريج كلام المصنف رحم الله الجميع.
(٥) أخرجه أحمد (١/ ١٥٨). وأورده الحافظ من طرق وهى بعضها وصحح بعضا. انظر: الدراية في تخريج أحاديث الهداية للحافظ ابن حجر (١/ ٥).
[ ١ / ٢٣٩ ]
المتلبس بأعمال الوضوء بعد فراغه من المضمضة يستنشق بأن يجذب الماء إلى أعلى منخريه لحديث مسلم: «فليستنشق بمنخريه الماء» (^١)، فإن كان صائما فلا يبالغ لحديث لقيط بن صبرة له أن النبي ﷺ قال له: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما» (^٢)؛ (ويستنثره ثلاثا) فعن أبي غطفان، قال: دخلت على ابن عباس فوجدته يتوضأ، فمضمض واستنثر، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: «استنثروا اثنتين بالغتين أو ثلاثا» (^٣)، وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا توضأ أحدكم، فليجعل في أنفه ماء، ثم ليستنثر» (^٤).
والمشهور أنه سنة على انفراده وصفة الاستنثار أن يجعل السبابة والإبهام من يده اليسرى على أنفه، ويرد الماء بريح الأنف كما يفعل في امتخاطه. وكره عند مالك امتخاطه كامتخاط الحمار لوقوع النهي عنه في الحديث (^٥).
(ويجزئه أقل من ثلاث)؛ أي: يكفيه أقل من ثلاث (في المضمضة والاستنشاق) والأقل صادق بالمرة الواحدة والثنتين. لحديث ابن عباس ﵁: «أن رسول الله ﷺ توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا» (^٦) (وله جمع ذلك في غرفة واحدة)؛ أي: للمتوضئ أن يجمع بين المضمضة والاستنشاق في غرفة واحدة لحديث عبد الله بن زيد ﵁: «توضأ لنا وضوء رسول الله ﷺ: فدعا بإناء فأكفأ منها على يديه فغسلهما ثلاثا، ثم أدخل يده فاستخرجها فمضمض، واستنشق من كف واحدة ففعل ذلك ثلاثا، ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل وجهه ثلاثا، ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل يديه إلى
_________________
(١) رواه مسلم (٥٨٤).
(٢) أبو داود (١٤٢)، والنسائي (١/ ٦٦)، والترمذي (٣٨)، وقال: «هو حديث حسن صحيح».
(٣) أخرجه أحمد (١/ ٢٢٨) رقم (٢٠١١)، وأبو داود (١/ ٣٥) رقم (١٤١)، وابن ماجه (١/ ١٤٣) رقم (٤٠٨) والحديث حسن.
(٤) رواه مالك في الموطأ (٣٢)، والبخاري (١٦٢)، ومسلم (٥١٣).
(٥) التمهيد (٩/ ٢٢٠).
(٦) رواه البخاري (١٥٧)، وأبو داود (١٣٨)، والترمذي (٤٢).
[ ١ / ٢٤٠ ]
المرفقين مرتين مرتين، ثم أدخل يده فاستخرجها فمسح برأسه فأقبل بيديه … وأدبر، ثم غسل رجليه إلى الكعبين، ثم قال هكذا كان وضوء رسول الله ﷺ» وقد تقدم.
وله صورتان إحداهما أن لا ينتقل إلى الاستنشاق إلا بعد الفراغ من المضمضة. والأخرى أن يتمضمض، ثم يستنشق، ثم يتمضمض، ثم يستنشق، ثم يتمضمض، ثم يستنشق. والأولى أفضل لسلامتها من التنكيس في العبادة (والنهاية أحسن)؛ أي: من فعل ذلك ثلاث مرات فهو الأحسن لأنه الذي واظب عليه النبي ﷺ وأصحابه، وهو نهاية الكمال في الوضوء.
• غسل الوجه وصفته:
(ثم يأخذ الماء) ثم بعد الفراغ من الاستنشاق والاستنثار يأخذ الماء إن كان الإناء منفتحا (إن شاء بيديه جميعا) وهو الأولى عند مالك لما في حديث عبد الله بن زيد في صفة وضوء رسول الله ﷺ وفيه «ثم أدخل يديه فاغترف بهما، فغسل وجهه ثلاثا» (^١).
(وإن شاء) أخذه (بيده اليمنى، فيجعله في يديه جميعا، ثم ينقله إلى وجهه) كما عند ابن القاسم لما في البخارى وغيره عن ابن عباس ﵄ في صفة وضوء النبي ﷺ وفيه «ثم أخذ غرفة فجعل بها هكذا، أضافها إلى يده الأخرى فغسل بهما وجهه … الحديث» (^٢).
وظاهره أن نقل الماء شرط، وهو كذلك عند ابن حبيب وابن الماجشون وسحنون، والمشهور أنه لا يشترط النقل وإنما المطلوب إيقاع الماء على سطح الوجه كيفما أمكن ولو بميزاب (^٣).
(فيفرغه عليه)؛ أي: يفرغ الماء على وجهه من غير أن يلطم وجهه
_________________
(١) رواه البخاري (١٨٤)، ومسلم (٢٣٥).
(٢) البخاري (١٣٠).
(٣) تنوير المقالة (١/ ٤٩١).
[ ١ / ٢٤١ ]
بالماء كما تفعله النساء وعوام الرجال. (غاسلا له بيديه) يستفاد منه أشياء:
فيستفاد منه أن مقارنة الغسل لنقل الماء إلى العضو المغسول شرط للاستحباب في الوضوء بدليل الحالية التي تفيد المقارنة.
ويستفاد منه أيضا أنه يباشر ذلك بنفسه، قال الأزهري: فلو وكل غيره على الوضوء لغير ضرورة لا يجزئه لأنه من أفعال المتكبرين، أما إذا كان الأمر يقتصر على صب الماء فلا بأس؛ قال التتائي: وتجوز النيابة على تفريغ الماء لا على غسل الأعضاء، فقد صح عن النبي ﷺ أن بعض أصحابه كانوا يصبون عليه الماء ليتوضأ منها حديث أسامة والمغيرة في البخاري، وبوب عليه «باب الرجل يوضئ صاحبه» (^١).
(من أعلى جبهته) متعلق بغاسلا، كما في حديث علي ﷺ وفيه: «ثم أخذ بكفه اليمنى قبضة من ماء فصبها على ناصيته فتركها تستن على وجهه» (^٢)، أي: أن السنة أن يبدأ في غسل الأعضاء من أولها، فإن بدأ من أسفلها أجزأه وبئس ما صنع؛ أي: يكره.
(وحده منابت شعر رأسه) تفسير لأعلى الجبهة، أعلاه حده منابت شعر الرأس المعتاد، فلا يعتبر الأغم (الذي نبت بعض الشعر على جبهته) ولا الأصلع (الذي انحسر الشعر عن مقدمة رأسه)، فيدخل موضع الغمم في الغسل ولا يدخل موضع الصلع وفهم من قوله: منابت إلخ أنه لا بد من غسل جزء من الرأس ليتحقق الواجب، (إلى طرف ذقنه) الوجه له طول وله عرض فأول طوله من منابت شعر الرأس المعتاد وآخره طولا إلى طرف ذقنه، وهو مجمع اللحيين بفتح اللام وهو ما تحت العنفقة. ولا خلاف في دخوله
_________________
(١) انظر: الفتح (١/ ٣٤٢). وقد وقع لي مع شيخي العلامة محمد سالم ولد عدود رحمه الله تعالى أنني أردت يوما أن أصب عليه الماء ليتوضأ فقال لي: هذا يؤدي إلى السرف في الماء فقد اعتدت أن أصب على نفسي ودعا لي، وهذا من تربيتهم وتعليمهم لي فرحمهم الله تعالى.
(٢) رواه أبو داود (١١٧).
[ ١ / ٢٤٢ ]
في الغسل. وحده عرضا من الأذن إلى الأذن، (ودور وجهه كله كان من حد عظمي لحييه إلى صدغيه)؛ أي: ويغسل دور وجهه كله، فهو مفعول لفعل محذوف. واللحيين بفتح اللام تثنية لحي بفتحها أيضا. والصدغين تثنية صدع بضم الصاد، وهو ما بين الأذن والعين، والمشهور دخوله في الغسل ف (إلى) في كلام المصنف بمعنى (مع)، (ويمر يديه على ما غار من ظاهر أجفانه) لحديث أبي أمامة ﵁: أنه وصف وضوء رسول الله ﷺ فذكر ثلاثا ثلاثا، قال: وكان يتعاهد الماقين (^١) بلفظ يمسح الماقين (^٢)، (وأسارير جبهته)؛ يعني: أنه يجب إمرار اليد على ما خفي من ظاهر أجفانه، وأما داخل العين فلا يجب غسله، ويجب أيضا إمرار اليد على التكاميش التي تكون في الجبهة، وهي موضع السجود. (وما تحت مارنه من ظاهر أنفه)؛ أي: يجب أن يمر يده يطبقهما في حال غسل الوجه. (يغسل وجهه هكذا ثلاثا)؛ يعني: أن الصفة المطلوبة من إمرار اليد على التكاميش التي تكون في الجبهة، وهي موضع السجود. (وما تحت مارنه من ظاهر أنفه)؛ أي: يجب أن يمر يده على ما تحت مارنه، وهو ما لان من الأنف تفسير لمارن الأنف، وما تحته يقال له وتره. ومفهوم ظاهر أنفه أن باطنه لا يجب غسله. ويجب عليه أن يغسل ظاهر شفتيه ولا يطبقهما في حال غسل الوجه.
(يغسل وجهه هكذا ثلاثا)؛ يعني: أن الصفة المطلوبة من الابتداء بأول العضو والانتهاء إلى آخره، والدلك وتتبع المغابن تفعل في جميع الغسلات. (ينقل الماء إليه)؛ أي: إلى الوجه (ويحرك لحيته الكثيفة (في) حال (غسل وجهه بكفيه ليداخلها الماء، لدفع الشعر لما يلاقيه من الماء)؛ أي: أنه في حال غسل وجهه يحرك بكفيه شعر لحيته الكثيف لأجل أن يداخلها الماء،
_________________
(١) رواه أحمد (٢١٦٣٨)، وأبو داود (١٣٤)، والدارقطني (٣١٢)، وفي سند الحديث شهر بن حوشب: صدوق كثير الإرسال، قال المنذري: في هذا الحديث مقال، وقال الترمذي: سألت البخاري فضعفه.
(٢) «يمسح المأقين»: مأق العين ومؤقها، وتسهل الهمزة فيهما، وفيها أوجه أخرى: طرفها ما يلي الأنف، وهو مجرى الدمع من العين، أو مقدمها، أو مؤخرها.
[ ١ / ٢٤٣ ]
لحديث عثمان ﵁ «أن النبي ﷺ كان يخلل لحيته» (^١)، (وليس عليه تخليلها) وجوبا (في الوضوء) إذا كانت كثيفة في قول مالك كما نقل عبد الوهاب (^٢)، لأنه ثبت عن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، وهذا القدر غير كاف في إيصال الماء إلى البشرة فدل على الاستحباب لا سيما وأن لحيته ﷺ كانت كثيفة والله أعلم، ولكن إذا كانت خفيفة فالأمر يختلف ويجب عليه إيصال الماء للبشرة في قول مالك، قال ابن العربي: اختلف العلماء في تخليلها على أربعة أقوال:
أحدها: أنه لا يستحب، قاله مالك.
الثاني: أنه يستحب، قاله ابن حبيب (^٣).
الثالث: أنها إن كانت خفيفة وجب إيصال الماء إليها، وإن كانت كثيفة لم يجب ذلك قاله مالك، عن عبد الوهاب.
الرابع: من علمائنا من قال يغسل ما قابل الذقن إيجابا وما وراءه استحبابا، وفي تخليل اللحية في الجنابة روايتان عن مالك إحداهما: أنه واجب وإن كثفت رواه ابن وهب، وروى ابن القاسم وابن عبد الحكم سنة (^٤) اه.
فرع من قلم ظفره، أو حلق شعر رأسه لم يعد وضوءه، وفي حلقه للحيته قولان ذكرهما صاحب «المختصر» بغير ترجيح، واقتصر ابن الحاجب على عدم الإعادة وعزاه للمدونة (^٥)، وذلك لسنية قص الأظافر وإباحة حلق الشعر، وحرمة حلق اللحية.
(ويجري عليها)؛ أي: على اللحية (يديه إلى آخره)؛ أي: على آخر الشعر ولو طالت وجوبا على المشهور (^٦)، لأنها من الوجه بحكم التبعية ولأن الوجه ما تقع به المواجهة.
_________________
(١) رواه الترمذي، وقال: حديث صحيح (٢٩).
(٢) تنوير المقالة (١/ ٤٩٥) على وجه السنية.
(٣) المدونة (١/ ١٧).
(٤) انظر: عارضة الأحوذي لابن العربي (١/ ٤٩).
(٥) تنوير المقالة (١/ ٥٠١).
(٦) قال المازري: وعليه أكثر الأصحاب، الذخيرة (١/ ٢٥٤).
[ ١ / ٢٤٤ ]
• غسل اليدين إلى المرفقين:
(ثم) بعد أن يفرغ من غسل الواجب الأول وهو الوجه ينتقل إلى الواجب الثاني، وهو اليدان، ف (يغسل يده اليمنى) أولا، للإجماع حكاه النووي (^١) ولو خالفها فاته فضل التيامن، وصح وضوءه، لحديث عائشة ﵂ كان النبي ﷺ «يعجبه التيمن، في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله» (^٢) وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا لبستم أو توضأتم فابدؤا بأيامنكم»، وفي رواية: «بميامنكم» (^٣)
(ثلاثا أو اثنتين) انظر لم خير في غسل اليدين بقوله ثلاثا أو اثنتين ولم يخير في غسل الوجه والرجلين؟ ووجه ذلك أنه ثبت عنه ﷺ أنه غسل وجهه ثلاثا ويديه مرتين مرتين كما في حديث عمرو بن يحيى عن أبيه قال: كان عمي يكثر من الوضوء، قال لعبد الله بن زيد: أخبرني كيف رأيت النبي ﷺ يتوضأ؟ فدعا بتور من ماء، فكفأ على يديه فغسلهما ثلاث مرار، ثم أدخل يده في التور فمضمض واستنثر ثلاث مرات من غرفة واحدة، ثم أدخل يده فاغترف بها، فغسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، … الحديث (^٤).
(يفيض عليها الماء ويعركها بيده اليسرى)؛ أي: وصفة ذلك أنه يصب الماء على يده اليمنى ويدلكها بيده اليسرى. وينبغي أن يكون الدلك متصلا بصب الماء (^٥)، (ويخلل أصابع يديه بعضها ببعض)؛ يعني: يدخل أصابع إحدى يديه في فروج الأخرى، لحديث ابن عباس ﵄: «إذا توضأت فخلل
_________________
(١) شرح مسلم للنووي (٣/ ١٦٠).
(٢) البخاري (١٦٨).
(٣) رواه أبو داود (٤١٣٤)، وابن ماجه (٤٠٢)، والترمذي (٥/ ٣٨٠)، والنسائي في «الكبرى» (٥/ ٤٨٢) والله أعلم. انظر: بلوغ المرام رقم (٤٢).
(٤) رواه البخاري (١٨٤).
(٥) الإشراف للقاضي عبد الوهاب (١/ ١٢٥)، ط: دار ابن حزم.
[ ١ / ٢٤٥ ]
بين أصابع يديك ورجليك» (^١)؛ ولكن الأمر للوجوب بالنسبة لليدين، وللندب بالنسبة للرجلين (^٢)، وذهب بعضهم للوجوب فيهما، والله أعلم.
(ثم يغسل يده اليسرى كذلك) ثم بعد الفراغ من غسل اليد اليمنى على الصفة المتقدمة يغسل يده اليسرى مثل ذلك روى أحمد في «المسند» من حديث المغيرة بن شعبة ﵁: «فغسل يده اليمنى ثلاث مرات ويده اليسرى ثلاث مرات …» (^٣).
(ويبلغ فيهما بالغسل إلى المرفقين)؛ أي: أن المتوضئ يبلغ في غسل يديه اليمنى واليسرى إلى المرفقين أي يبلغ في غسلهما إلى هذا الموضع (يدخلهما في غسله) لما كان قوله إلى المرفقين محتملا لإدخالهما في الغسل وعدمه. والمشهور وجوب إدخالهما. صرح بذلك بقوله: يدخلهما في غسله. لقوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ فإلى في كلامه كالآية الشريفة بمعنى مع (^٤)، كقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾؛ أي: مع؛ ولحديث نعيم بن عبد الله المجمر قال رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد … ثم قال هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ (^٥)، وفي حديث عن جابر ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه» (^٦)، قال
_________________
(١) الترمذي (٣٩)، وقال: حسن غريب.
(٢) لحديث عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: «إذا توضأت خلل أصابع رجليك» أخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال ابن وهب: أخبرت به مالكا، فرأيته بعد ذلك يسأل عنه، فيأمر بتخليل الأصابع، وانظر: مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل (٢/ ١٢٠)، وانظر: الاستذكار (١/ ١٤١). رواه ابن أبي حاتم كما في سير أعلام النبلاء (٦/ ٢١٤).
(٣) أحمد (١٨٢٠٠)، والنسائي في «الكبرى» (١٦٥).
(٤) انظر: الذخيرة (١/ ٢٥٥). تنوير المقالة (١/ ٥٠٤ - ٥٠٥)، وانظر: الفتح (١/ ٣٥٠)
(٥) رواه مسلم (٦٠٢).
(٦) رواه الدارقطني (١/ ٨٣)، والبيهقي (١/ ٥٦). لكن إسناده ضعيف، وصححه الألباني في الصحيحة (٥/ ٩٩) لشواهد ذكرها، وذهب آخرون إلى تضعيف الحديث ولم
[ ١ / ٢٤٦ ]
إسحاق بن راهويه: «إلى» في الآية يحتمل أن تكون بمعنى الغاية وأن تكون بمعنى مع، فبينت السنة أنها بمعنى مع، انتهى. (وقد قيل إليهما)؛ يعني: أن من ذهب إلى عدم دخول الغاية يقول: إن الغسل ينتهي إلى المرفقين، فإلى في الآية الشريفة على حقيقتها، وليست بمعنى مع، وحينئذ فالغاية خارجة فلا يجب غسل المرفقين، وقد مر الدليل على دخولهما، والحقيقة اللغوية لا تسبق الحقيقة الشرعية إذا جاءت النصوص واضحة والله الهادي، ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإدخالهما فيه أحوط) إشارة إلى قول ثالث يقول باستحباب دخولهما في الغسل (لزوال تكلف) مشقة (التحديد)، لأنه يلزم من يقول إليهما ينتهي حد الغسل أن يحدد نهاية الغسل وفيه مشقة، والقول بدخولهما أرجح.
٦ - مسح الرأس:
(ثم) ثم بعد الفراغ من الواجب الثاني ينتقل إلى فعل الواجب الثالث ف (يأخذ الماء بيده اليمنى فيفرغه على باطن يده اليسرى، ثم يمسح بيديه رأسه) كله لقوله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ [المائدة: ٦] وللأحاديث التي مرت، ثم إن الرأس يقع حقيقة على جميعه دون بعضه، وقد أمر الله تعالى بمسح ما يتناوله الاسم فيجب مسح جميع الرأس (^١)، ف (يبدأ من مقدمه)؛ أي: أن البداءة بمقدم الرأس مستحب لحديث عبد الله بن زيد بن عاصم «ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر: بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه» (^٢)، قال البخاري: وسئل مالك: أيجزئ أن يمسح بعض الرأس؟ فاحتج بحديث عبد الله بن زيد ﵁.
_________________
(١) = يعتدوا بهذه الشواهد والله أعلم. قال الأجهوري: وفي دخول الغاية الأصح لا تدخل مع، إلى وحتى دخلا.
(٢) المنتقى للباجي (١/ ٣٨)، والإشراف للقاضي عبد الوهاب (١/ ١٩).
(٣) مالك في الموطأ (١/ ٩٣)، والبخاري (١٨٥)، ومسلم (٥٨٠).
[ ١ / ٢٤٧ ]
ومقدم الرأس (من أول منابت شعر رأسه المعتاد فلا يعتبر أغم ولا أصلع. (و) تكون البداءة بيديه حالة كونه قد قرن أطراف أصابع يديه ما عدا إبهاميه بعضها ببعض على رأسه وجعل إبهاميه على صدغيه، ثم يذهب بيديه ماسحا إلى طرف شعر رأسه مما يلي قفاه؛ أي: يمسح رأسه إلى منتهى الجمجمة والجمجمة عظم الرأس المشتمل على الدماغ، (ثم يردهما إلى حيث بدأ؛ أي: إلى المكان الذي بدأ منه، ويأخذ بإبهاميه خلف أذنيه إلى صدغيه وعظم الصدغين من الرأس، فيجب مسحه. ويجب أن يمسح مع ذلك أشياء من الوجه فيحيط بالشعر، وكيفما مسح أجزأه إذا أوعب رأسه) أشار إلى أن الكيفية المذكورة في صفة مسح الرأس ليست بواجبة، بل مدار الإجزاء على الإيعاب، وتعميم المسح جميع الشعر لحديث الربيع بنت معوذ ﵂ «أن الرسول ﷺ مسح برأسه مرتين، بدأ بمؤخر رأسه، ثم بمقدمه، وبأذنيه كلتيهما، ظهورهما وبطونهما» (^١)، والأول أحسن) لرواية الأكثر للكيفية الواردة الصحيحة في حديث عبد الله بن زيد، وحديث الربيع.
(ولو أدخل يديه في الإناء ثم رفعهما مبلولتين ومسح بهما رأسه أجزأه) أشار إلى صفة أخرى في أخذ الماء لمسح الرأس، وهو أنه لو أخرج يديه مبلولتين بعد إدخالهما في الماء، سواء كان في إناء أو غيره، ثم مسح بهما رأسه أجزأه ذلك عند مالك من غير كراهة بل هو المستحب عنده لحديث عبد الله بن زيد وفيه: «ثم أدخل يده فاستخرجها فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر» (^٢).
وهل يجزئ غسل الرأس بالماء بدل مسحه؟، اقتصر صاحب المختصر على الإجزاء، لأنه مسح وزيادة، وقول آخر عدم الإجزاء لأنه حقيقة مخالفة لحقيقة المسح حكاهما التتائي؛ وبين أن التعبير بالإجزاء دليل على حرمته أو كراهته وهما قولان (^٣).
_________________
(١) رواه أبو داود (١٢٤)، والترمذي (٣٣) وحسنه. انظر: علته في التمهيد (٢٠/ ١٢٥).
(٢) البخاري (١٨٩)، ومسلم (٢٣٥).
(٣) تنوير المقالة (١/ ٥٠٩).
[ ١ / ٢٤٨ ]
(ثم يفرغ الماء على سبابتيه وإبهاميه وإن شاء غمس ذلك في الماء، ثم يمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما) ثم بعد مسح الرأس ينتقل إلى مسح الأذنين بأن يأخذ الماء بيمينه، ويفرغه على سبابة يده اليسرى مع إبهامها، وما اجتمع في كفه اليسرى يفرغه على سبابة يده اليمنى مع إبهامها، ثم يمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما لحديث: «أن عبد الله بن عمر كان يأخذ الماء بأصبعيه لأذنيه» (^١). وإن شاء غمس السبابتين والإبهامين في الماء، ثم يمسح بهما أذنيه. ولحديث الربيع: قالت: «توضأ النبي، فأدخل إصبعيه في جحري أذنيه» (^٢).
(وتمسح المرأة كما ذكرنا) مثل الرجل في المقدار. والصفة لقوله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ [المائدة: ٦] و«النساء شقائق الرجال» (^٣)، قال ابن المسيب: "المرأة بمنزلة الرجل" (^٤)، (وتمسح على دلاليها)؛ أي: أنها تمسح على ما استرسل من شعرها قال مالك: تمسح المرأة على ما استرخى من دلاليها وإن كان شعرها معقوصا مسحت على ضفرها .. والمشهور وجوب مسح ما استرخى من شعر الرجال على الجانبين بحيث نزل عن محل الفرض، أو على الوجه. وأما القائم بمحل الفرض فمتفق على وجوب مسحه. (ولا تمسح على الوقاية) (^٥) روى ابن وهب «أن عائشة وجويرية لا زوجتي النبي، وصفية زوج ابن عمر الله (^٦): كن إذا توضأن أدخلن أيديهن تحت الوقاية، فيمسحن جميع رؤوسهن»، وقد كانت أم سلمة زوج النبي ﷺ تمسح على خمارها (^٧)، والوقاية هي الخرقة التي تعقد بها المرأة شعر رأسها لتقيه من الغبار وكذلك لا تمسح على ما في معنى الوقاية من خمار وحناء إذا جعلت مثل
_________________
(١) مالك في الموطأ (٣٩).
(٢) أبو داود (١٣١)، والترمذي (٣٣ - ٣٤) وابن ماجه، واللفظ له (٤٤١).
(٣) رواه أبو داود (٢٣٦)، والترمذي (١١٣)، والحديث صحيح.
(٤) البخاري معلقا كتاب الوضوء.
(٥) الذخيرة للقرافي (١/ ٢٦٣).
(٦) المسالك (٢/ ١٣٦).
(٧) ابن أبي شيبة (٢٤٩).
[ ١ / ٢٤٩ ]
اللزقة ووضعت على الرأس، لأن ذلك كله حائل، ما لم تكن ضرورة.
(وتدخل يديها من تحت عقاص (^١) شعرها في رجوع يديها في المسح)؛ يعني: أن المرأة بعد أن بدأت في المسح بمقدم رأسها، وانتهت إلى آخر ما استرخى من شعرها يجب عليها أن تدخل يديها من تحت عقاص شعرها لتوقف التعميم عليه. ثم يسن لها الرد إن بقي بيديها بلل. وهل تمسح المرأة على الحناء (^٢)؟
قال مالك: «في الحناء تكون على الرأس فأراد صاحبه أن يمسح على رأسه في الوضوء قال لا يجزئه أن يمسح على الحناء حتى ينزعها فيمسح على شعره» (^٣).
وأفاد زروق عن شيخه القوري (^٤) أنه كان يفتي للنساء بالمسح ويقول: لو منعناهم من المسح على الحناء لتركوا الصلاة (^٥)
٧ - غسل الرجلين:
(ثم يغسل رجليه)؛ أي: بعد الفراع من مسح الأذنين يشرع في الفريضة الرابعة؛ أي: أن غسل الرجلين هو الفريضة الرابعة عند الجمهور لقوله تعالى: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾ الآية، وللأحاديث المستفيضة في غسلهما كما مر (^٦)، والمتواتر عنه غسلهما دائما عند عدم الخفين وصفة غسلهما هو أن
_________________
(١) العقاص بكسر العين وفتح القاف، والعقائص جمع عقيصة، والعقص لي الخصلة.
(٢) الحناء: مذكر ممدود واحده حناءة، (الزبيدي كما في المواهب (٢/ ١٥٣».
(٣) المدونة (١/ ٢٥).
(٤) القوري: هو الحافظ أبو عبد الله القوري محمد بن قاسم بن محمد بن أحمد اللخمي نسبا، المكناسي دارا ومسكنا ومولدا، الأندلسي سلفا، القوري شهرة ولقبا، الفاسي وفاة، واشتهر بالقوري، وهي بفتح القاف وسكون الواو ثم راء، نسبة لبلدة قريبة من إشبيلية. ولد بمكناسة الزيتون سنة أربع وثمانمائة، وتوفي سنة ثنتين وسبعين وثمانمائة للهجرة.
(٥) شرح الرسالة لزروق (١/ ١٥٥). بتصرف للبيان.
(٦) التمهيد (٢٠/ ١٢٩)، وانظر: التحرير والتنوير للعلامة الطاهر بن عاشور (٦/ ١٣٠).
[ ١ / ٢٥٠ ]
يصب الماء بيده اليمنى على رجله اليمنى لأنها أول ما يبدأ به في غسلهما لورود السنن في التيامن كما مر (ويعركها)؛ أي: يدلكها (بيده اليسرى) فلا يكفي ذلك إحدى الرجلين بالأخرى لحديث علي الله في صفة وضوء النبي ﷺ وفيه «ثم صب بيده اليمنى ثلاث مرات على قدمه اليمنى ثم غسلها بيده اليسرى، ثم صب بيده اليمنى على قدمه اليسرى، ثم غسلها بيده اليسرى ثلاث مرات» (^١). وفي كلام ابن القاسم أنه يكفي ذلك إحدى الرجلين بالأخرى، (يوعبها بذلك ثلاثا)؛ أي: يستكمل غسلها بالماء والدلك ثلاث مرات على جهة الاستحباب ولا يزيد على ذلك، فيكون غسل الرجلين محدودا بثلاث غسلات، وهو أحد قولين مشهورين. وهل تكره المرة الرابعة أو تمنع؟ خلاف.
والقول الآخر: إن غسل الرجلين لا يحد فالمطلوب الإنقاء ولو زاد على الثلاث وشهر أيضا لورود الرواية في بعض ألفاظها (^٢) عن ابن عباس وعلي في وصفهما وضوء النبي ﷺ: «ثم غسل رجليه ثلاثا» وفي بعضها: «ثم غسل رجليه حتى أنقاهما» أخرجه أحمد (^٣)، وفي بعضها: «ثم غسل رجليه» فقط. (وإن شاء خلل أصابعه في ذلك)؛ أي: أنه إن شاء خلل أصابع رجليه في حال غسلهما. وإن ترك ذلك (فلا حرج)، ولكن (التخليل أطيب للنفس) فلا يبقى معه شك وقد تقدم ذكر ذلك.
(ويعرك عقبيه) ذكره بلفظ الخبر ومعناه الطلب؛ أي: وليعرك عقبيه؛ أي: وليدلكهما، والعقبان تثنية عقب، وهي مؤخر القدم مما يلي الأرض.
والطلب يصدق بالوجوب والندب، والمراد الأول. و(عرقوبيه) تثنية عرقوب بضم أوله وهو العصبة الناتئة من العقب إلى الساق أي يدلك عرقوبيه. (وما
_________________
(١) أبو داود (١/ ٢٧) رقم (١١١)، والنسائي (١/ ٦٨) رقم (٩٢)، وابن خزيمة (١/ ٧٦) رقم (١٤٧)، وابن حبان (٣/ ٣٣٧) رقم (١٠٥٦).
(٢) الاستذكار لابن عبد البر (١/ ١٣٢).
(٣) أحمد (١٦٩٠٦).
[ ١ / ٢٥١ ]
لا يكاد يداخله)؛ أي: ويدلك كل ما لا يداخله (الماء بسرعة)، فيكاد زائدة.
(من جساوة) بيان لما لا يداخله الماء بسرعة، والجساوة بجيم وسين مهملة مفتوحتين غلظ في الجلد نشأ عن قشف، (أو شقوق)؛ أي: تفاتيح تكون من غلبة السوداء أو البلغم (^١) (فليبالغ بالعرك)؛ أي: فليتعهدها بالدلك (مع صب الماء بيده)، وكذلك التكاميش التي تكون من استرخاء الجلد في أهل الأجسام الغليظة. (فإنه جاء الأثر) (^٢) في «الصحيحين»: عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: «تخلف عنا النبي ﷺ في سفرة سافرناها فأدركنا - وقد أرهقتنا الصلاة - ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار» (^٣) مرتين أو ثلاثا» (^٤) وفي الكلام حذف مضاف تقديره لصاحب الأعقاب من النار. وهذا لا يختص بالأعقاب خاصة، بل شامل لكل لمعة تبقى في أعضاء الوضوء. وإنما قال النبي ﷺ هذا حين رأى أعقاب الناس تلوح ولم يمسها ماء الوضوء.
(وعقب الشيء طرفه)؛ أي: عقب الشيء طرفه بفتح الراء وهو آخره (ثم يفعل بالرجل اليسرى مثل ذلك)؛ أي: مثل ما فعل في اليمنى سواء بسواء. ولم يبين منتهى الغسل في الرجلين ومنتهاه الكعبان الناتئان في جانبي الساقين، والمشهور دخولهما في الغسل، لقوله تعالى: ﴿إلى الكعبين﴾ والدليل على دخولهما حديث نعيم بن عبد الله المجمر، قال: «رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق»،
_________________
(١) السوداء: هي أحد الأخلاط الأربعة: الصفراء والدم والسوداء، والبلغم، والسوداء تخرج من المعدة كالدم الخالص؛ والبلغم: المخاط النازل من الرأس إلى الحلق.
(٢) الأثر في اصطلاح المتقدمين يطلق على المرفوع للنبي ﷺ وعلى الموقوف.
(٣) (تخلف) تأخر خلفنا. (أرهقتنا) أعجلتنا لضيق الوقت. (نمسح) نغسل غسلا خفيفا كأنه مسح. (ويل) عذاب وهلاك.
(٤) تقدم تخريجه.
[ ١ / ٢٥٢ ]
ثم قال: «هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ. وقال: قال رسول الله ﷺ: «أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله»» (^١).
_________________
(١) رواه مسلم (٣٤) (٢٤٦).
[ ١ / ٢٥٣ ]
ما جاء في الوضوء مرة ومرتين وثلاثا، وفي الذكر عقبه وما ينبغي للعبد من الخضوع والخشوع في صلاته
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وليس تحديد غسل أعضائه ثلاثا ثلاثا بأمر لا يجزئ دونه، ولكنه أكثر ما يفعل، ومن كان يوعب بأقل من ذلك أجزاه إذا أحكم ذلك، وليس كل الناس في إحكام ذلك سواء.
وقد قال رسول الله ﷺ: «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم رفع طرفه إلى السماء فقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء».
وقد استحب بعض العلماء أن يقول بأثر الوضوء: «اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين».
ويجب عليه أن يعمل عمل الوضوء احتسابا لله تعالى لما أمره به يرجو تقبله وثوابه وتطهيره من الذنوب به ويشعر نفسه أن ذلك تأهب وتنظف لمناجاة ربه والوقوف بين يديه لأداء فرائضه والخضوع له بالركوع والسجود فيعمل على يقين بذلك وتحفظ فيه فإن تمام كل عمل بحسن النية فيه).
• الشرح:
(وليس عليه)؛ أي: ليس على المتوضئ (تحديد غسل أعضائه) التي حقها الغسل (ثلاثا) (ثلاثا) بأمر لا يجزئ دونه لما مر من الأحاديث التي
[ ١ / ٢٥٤ ]
تبين صفة وضوئه ﷺ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا، أو تنويع في ذلك؛ قال ابن عبد البر (^١) رحمه الله تعالى: وأجمع العلماء أن غسلة واحدة في الرجلين وسائر أعضاء الوضوء تجزئ إذا كانت سابغةاه. (ولكنه أكثر ما يفعل)؛ أي: ولكن التحديد بالثلاث أكثر ما يفعله المتوضئ لكثرة وروده عن النبي ﷺ وأصحابه، ولا فضيلة فيما زاد على الثلاث. قال ميارة (^٢): قال في التوضيح ونحوه في المقدمات إن عبد الوهاب، واللخمي، والمازري، قالوا بل تمنع، ونقل سند على المنع اتفاق المذهب وفي المذهب قول بالكراهة - فوجه الكراهة أنه من جهة السرف في الماء، ووجه المنع نهيه ﷺ عن الزيادة، وقد تقدم حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﷺ وفيه: «… فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم - أو ظلم وأساء» واللفظ لأبي داود.
(ومن كان يوعب)؛ أي: يسبع أعضاء الوضوء (بأقل من ذلك)؛ أي: من ثلاث غسلات (أجزأه)؛ أي: ذلك الأقل (إذا أحكم ذلك)؛ أي: أتقن ذلك الفعل. وقد حدد الأكثر ولم يحدد الأقل، لأن الأقل لما كان محصورا في الواحدة والاثنتين فحاله معلوم فلا حاجة للتنبيه عليه. (وليس كل الناس في إحكام ذلك سواء)؛ أي: ليس كل الناس في إتقان ذلك الغسل سواء، فمن لم يحكم بالواحدة لا تجزئه، ويتعين في حقه ما يحكم به، فإن كان لا يسبغ، إلا باثنتين نوى بهما الفرض وبالثالثة الفضيلة. وإن كان لا يسبغ إلا بالثلاث نوى بها الفرض وسقط ندب ما زاد.
تنويه: قال النووي: وقد أجمع المسلمون على أن الواجب في غسل الأعضاء مرة مرة، وعلى أن الثلاث سنة، دليل على جواز ذلك كله، وأن الثلاث هي الكمال والواحدة تجزئ (^٣).
_________________
(١) الاستذكار (١/ ١٣٣).
(٢) التوضيح (٢٣٤)، وانظر: الدر الثمين (١/ ٩٣).
(٣) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٠٦).
[ ١ / ٢٥٥ ]
ولما بين صفة الوضوء المشتملة على فرائض وسنن وفضائل شرع يحث على الإتيان بها على هذه الصفة الحسنة لا يخل بشيء منها فقال:
(وقد قال رسول الله ﷺ: من توضأ فأحسن الوضوء …)؛ أي: من أتى بوضوء كامل بأن كان مستجمعا لفرائضه وسننه وفضائله ولم يخل بشيء منها (ثم رفع طرفه)؛ أي نظره كما في رواية لأحمد (إلى السماء فقال): قبل أن يتكلم (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء) (^١). قال النووي (^٢): أما أحكام الحديث ففيه أنه يستحب للمتوضئ أن يقول عقب وضوئه: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله (^٣)، وينبغي أن يضم إليه ما في رواية الترمذي متصلا بهذا الحديث: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين (^٤). ويستحب أن يضم إليه ما رواه النسائي في كتابه عمل اليوم والليلة مرفوعا: سبحانك اللهم وبحمدك أشهدك أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك أستغفرك وأتوب إليك (^٥)، قال أصحابنا: وتستحب هذه الأذكار للمغتسل أيضا والله أعلم.
(وقد استحب بعض العلماء) هو ابن حبيب قال: إنه يستحب (أن يقول بإثر الوضوء) بكسر الهمزة وسكون المثلثة: (اللهم اجعلني من التوابين)؛ أي: الذين كلما أذنبوا تابوا (واجعلني من المتطهرين)؛ أي: من الذنوب وقد مر بك قول النووي في استحبابه لوروده من طريق الترمذي، ولعل المصنف قال استحب بعض العلماء لاعتقاده أن الحديث في هذا لا يصح (^٦) والله أعلم.
_________________
(١) رواه مسلم من حديث عقبة بن عامر. انظر: شرح النووي (٣/ ٩٦)، وسنن النسائي، وابن ماجه.
(٢) نفس الجزء والصفحة السابقة من شرح النووي.
(٣) رواه مسلم (٢٣٤).
(٤) الترمذي (٥٥).
(٥) عبد الرزاق في مصنفه (٧٣٠). وقال النسائي في عمل اليوم والليلة: موقوف (٨١).
(٦) قال الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه للجامع الصحيح للترمذي (السنن) (١/ ٨٣): تنبيه: كل الروايات التي ذكرنا ليس فيها قوله: «اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من =
[ ١ / ٢٥٦ ]
فائدة (^١): اعلم أن ما ذكره الحنفية والشافعية وغيرهم في كتبهم من الدعاء عند كل عضو كقولهم يقال عند غسل الوجه: اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وعند غسل اليد اليمنى: اللهم اعطني كتابي بيميني وحاسبني حسابا يسيرا إلخ، فلم يثبت في ذلك حديث … . الخ.
قال الحافظ في «التلخيص»: قال الرافعي ورد بها الأثر عن الصالحين، قال النووي في الروضة: هذا الدعاء لا أصل له. وقال ابن الصلاح لم يصح فيه حديث.
قال الحافظ روى فيه عن علي من طرق ضعيفة جدا أوردها المستغفري في الدعوات وابن عساكر في أماليه انتهى (^٢).
(ويجب عليه … إلخ) قال العلماء: إن الشيخ لم يتكلم على النية في الوضوء لأنه لم يقل ينوي عمل الوضوء، وهي فرض اتفاقا عند ابن رشد (^٣)، لأنه لم يحفظ خلافا في وجوبها في الوضوء. ولذا حكى الاتفاق على الوجوب، وعلى الأصح عند ابن الحاجب ومقابله رواية عن مالك بعدم فرضيتها نصا في الوضوء. ويتخرج عليه الغسل. ثم اختلفوا هل تؤخذ من كلامه أم لا؟ فقال بعضهم: لم يتكلم على النية في الرسالة أصلا. وقال بعضهم: تؤخذ من قوله: (ويجب عليه)؛ أي: المتوضئ (أن يعمل عمل
_________________
(١) = المتطهرين إلا في رواية الترمذي وحدها، ولا يكفي ذلك في صحتها لما علمت من الاضطراب والخطأ فيها، وإنما جاءت في حديث بهذا المعنى عن ثوبان مرفوعا، نقله الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٣٩) وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار … إلخ، وذكر فيه من ضعف.
(٢) تحفة الأحوذي للمباركفوري (١/ ١٥١) زاد المعاد (١/ ١٨٤)، ط: مؤسسة الرسالة، تحقيق: الأرناؤوطيين.
(٣) تلخيص الحبير (١/ ٢٩٧).
(٤) المقدمات لابن رشد مع المدونة (٥/ ١٠) حكاية الاتفاق في المذهب، وحكاه الحطاب في شرحه للمختصر (٢/ ٨٧) إلا أنه تعقبه بقوله: (قلت) وما حكاه من الاتفاق على أن النية فرض حكاه ابن حارث وحكى المازري وابن الحاجب فيها الخلاف وسيأتي … .
[ ١ / ٢٥٧ ]
الوضوء احتسابا)؛ أي: خالصا (لله تعالى) لا لرياء ولا لسمعة، (لما أمره به)؛ أي: لأجل ما أمره به من الإخلاص المستفاد من قوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة: ٥]، ولحديث عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما الأعمال بالنيات - وفي رواية بالنية - وإنما لكل امرئ ما نوى ..» (^١) الحديث. وكثير ما يغفل البعض عن الإخلاص ويشتغل بالنية دونه، وهما وإن كانا أمران واجبان إلا أن بينهما خصوصا وعموما، فالنية لتمييز العبادات بعضها من بعض، والإخلاص أن يقصد إفراد المعبود بالعبادة من غير نطق باللسان فإن مدار النية القلب.
ومن شرطها أن تكون مقارنة لأول واجب، وهو غسل الوجه في الوضوء، فإن تقدمت عليه بكثير لم تجز اتفاقا؛ وفي تقدمها بيسير قولان مشهوران أشهرهما الإجزاء. واتفقوا على أنه إذا نوى بعد غسل الوجه لا يجزئه، والأصل في النية أن تكون مستصحبة فإن حصل ذهول عنها اغتفر.
(يرجو تقبله وثوابه وتطهيره من الذنوب به)؛ أي: إذا عمل عمل الوضوء خالصا قاصدا به امتثال ما أمر الله به، واثقا من نفسه بأن الفعل صادر عن طيب نفس، فينبغي له أن يطمع في تقبله وتطهيره من الذنوب به لما في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا توضأ العبد المسلم، أو المؤمن، فغسل وجهه، خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه، خرجت من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه، خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقيا من الذنوب» (^٢).
قال عياض: «مناجاة الله إخلاص القلب، وتفريغ السر لذكره وتحميده وتلاوة كتابه في الصلاة ومساررة المخاطب تكون على وجه يختص به دون
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) مالك في الموطأ (٦١)، ومسلم (٦٠٠).
[ ١ / ٢٥٨ ]
غيره» (^١).
(ويشعر نفسه)؛ أي: يعلم نفسه أن ذلك الوضوء (تأهب)؛ أي: استعداد (وتنظف) من الذنوب والأدران وليعلم بأن الله أسبغ عليه نعمة الطهارة من الشرك باطنا، ومن الذنوب بالتوبة، وأكرمه بتطهير ظاهره من الأدران والأوساخ، كل ذلك لمناجاة ربه والوقوف بين يديه لما في حديث مسلم الطويل في فضل الوضوء الذي ذكرناه آنفا وفيه: «فإن هو قام فصلى، فحمد الله وأثنى عليه، ومجده بالذي هو له أهل، وفرغ قلبه الله، إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه» (^٢)، كل ذلك (لأداء فرائضه)؛ أي: لأجل أداء ما فرض الله عليه (والخضوع)؛ أي: ولأجل التذلل له تعالى (بالركوع والسجود) وإنما خصهما بالذكر مع أن التذلل بغيرهما أيضا، لأن بهما يقع التذلل أعني التذلل الكامل ولأن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وأشرف ما في الإنسان وجهه فإذا وضعه على الأرض فتلك غاية الذلة والخضوع إن كان معه قلب سليم.
(فيعمل على يقين بذلك، وتحفظ فيه) فإذا أشعر نفسه بأن الوضوء تأهب واستعداد لمناجاة ربه تمكن من قلبه الإجلال والتعظيم، فينتج له أنه يعمل الوضوء على يقين بالخضوع؛ أي: جازما بوجوب الخضوع لمولاه، وخلاصته أن الإجلال والتعظيم ينتج أنه يعمل عمل الوضوء في حال كونه على تحفظ في الوضوء عن النقص والوسوسة، وعلى يقين أن عليه أن يخضع الله تعالى بالركوع والسجود. والله در أولئك القوم الذين كانت ترتعد فرائصهم إذا باشروا الوضوء رهبة وخشية لمن يتطهرون، وبين يديه يقفون (فإن تمام كل عمل بحسن النية فيه)؛ أي: لا تجري الأعمال إلا على حسب النية ولا تتكون في دائرة الوجود إلا موافقة لها وغير خارجة عن طورها وحسبك قوله ﵊: «وإنما لكل امرئ ما نوى» (^٣).
_________________
(١) تنوير المقالة (٥٣٥/ ١).
(٢) رواه مسلم (١٩٦٧).
(٣) تقدم تخريجه.
[ ١ / ٢٥٩ ]
وإن قبول الأعمال كما قال أهل العلم يتوقف على شرطين أساسيين إخلاص العمل لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ ولذلك تقدم في العقيدة (لا قول وعمل إلا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة).
تنبيه: لم يذكر الشيخ في هذا الباب حكم الوضوء ولا اشتقاقه، وذكره في باب جمل من الفرائض، وكذا ذكر حكم من ترك شيئا من وضوئه في باب جامع الصلاة وهو أنسب (^١).
_________________
(١) شرح الرسالة لزروق (١/ ١٦٣).
[ ١ / ٢٦٠ ]
باب الغسل
باب في بيان صفة الغسل
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(باب في الغسل: أما الظهر فهو من الجنابة ومن الحيضة والنفاس سواء (^١)، فإن اقتصر المتطهر على الغسل دون الوضوء أجزاه، وأفضل له أن يتوضأ بعد أن يبدأ بغسل ما بفرجه أو جسده من الأذى، ثم يتوضأ وضوء الصلاة، فإن شاء غسل رجليه وإن شاء أخرهما إلى آخر غسله، ثم يغمس يديه في الإناء ويرفعهما غير قابض بهما شيئا، فيخلل بهما أصول شعر رأسه، ثم يغرف بهما الماء على رأسه ثلاث غرفات غاسلا له بهن، وتفعل ذلك المرأة، وتضغث شعر رأسها وليس عليها حل عقاصها، ثم يفيض الماء على شقه الأيمن، ثم على شقه الأيسر، ويتدلك بيديه بأثر صب الماء حتى يعم جسده، وما شك أن يكون الماء أخذه من جسده عاوده بالماء ودلكه بيده حتى يوعب جميع جسده، ويتابع عمق سرته، وتحت حلقه، ويخلل شعر لحيته، وتحت جناحيه، وبين أليتيه ورفغيه، وتحت ركبتيه وأسافل رجليه، ويخلل أصابع يديه، ويغسل رجليه آخر ذلك يجمع ذلك فيهما لتمام غسله ولتمام وضوئه إن كان أخر غسلهما، ويحذر أن يمس ذكره في تدلكه بباطن كفه، فإن فعل ذلك وقد أوعب طهره أعاد الوضوء، وإن مسه في ابتداء غسله وبعد أن غسل مواضع الوضوء منه فليمر بعد ذلك بيديه على مواضع الوضوء بالماء على ما ينبغي من ذلك وينويه).
_________________
(١) كلمة (سواء) سقطت من بعض النسخ كنسخة الرسالة التي حققها أبو الأجفان. وثابتة في نسخة الحلبي.
[ ١ / ٢٦١ ]
الشرح
(باب في) بيان صفة (الغسل) قد تقدم دليله ومعناه وموجباته في باب ما يجب منه الوضوء؛ وصفة الغسل تشتمل على فرائض وسنن وفضائل. ولم يتعرض المصنف لبيان الفرض من غيره، وإنما اقتصر على الصفة التي يكون بها الغسل للرجل والمرأة. وسنبين ذلك فنقول:
أما فرائضه فخمسة:
١ - تعميم الجسد بالماء.
٢ - والنية.
٣ - والموالاة.
٤ - والدلك.
٥ - وتخليل الشعر ولو كثيفا، وضغث المضفور (^١).
و سننه خمس:
١ - غسل اليدين للكوعين أولا.
٢ - والمضمضة.
٣ - والاستنشاق.
٤ - والاستنثار.
٥ - ومسح الصماخين فقط، وهما الثقبان، فيمسح منهما ما لا يمكن غسله. وصفة غسلهما أن يحمل الماء في يديه، وإمالة رأسه حتى يصيب الماء باطن أذنيه، ولا يصب الماء في أذنيه صبا لأنه يورث الضرر.
و فضائله سبع:
١ - التسمية.
٢ - والبدء بإزالة الأذى عن جسده.
_________________
(١) تنوير المقالة (١/ ٥٣٩)، والمذهب في ضبط المذهب لابن راشد القفصي (١/ ١٨٧).
[ ١ / ٢٦٢ ]
٣ - وغسل أعضاء وضوئه كلها قبل الغسل.
٤ - والبدء بغسل الأعالي قبل الأسافل.
٥ - والميا من قبل المياسر.
٦ - وتثليث الرأس.
٧ - وقلة الماء مع أحكام الغسل.
و مكروهاته خمسة:
١ - تنكيس الفعل.
٢ - والإكثار من صب الماء.
٣ - وتكرار الغسل بعد الإسباغ.
٤ - والغسل في الخلاء وفي موضع الأقذار.
٥ - وأن يتطهر بادي العورة (^١). وقد جاءت أدلتها منثورة في أحاديث الغسل.
• موجبات الغسل:
(أما الطهر)؛ أي: الغسل وهو تعميم ظاهر الجسد بالماء؛ أي: مع الدلك (^٢)، لأن حقيقة الغسل مركبة من الأمرين، (فهو من الجنابة) وهي شيئان: الإنزال، ومغيب الحشفة، وقد تقدمت أدلة ذلك عند قوله: (أو بمغيب الحشفة) لقول الله ﵎: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦]، ولحديث علي ﵁ قال: سألت النبي ﷺ عن المذي؟ فقال: «من المذي الوضوء، ومن المني الغسل» (^٣).
وكذلك يجب الغسل عند مغيب الحشفة: وهي رأس الذكر، فمغيب الحشفة سواء في فرج آدمي أو دبره ذكرا أو أنثى حيا أو ميتا بإنعاظ أم لا،
_________________
(١) الفواكه الدواني (١/ ١٤٧)، باب في الغسل.
(٢) حاشية الخرشي (١/ ٣٠١ - ٣٠٧)، والذخيرة (١/ ٣٠٨).
(٣) رواه الترمذي (١١٤)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه (٥٠٤).
[ ١ / ٢٦٣ ]
أنزل أم لم ينزل، وجب عليه الغسل: لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «إذا جاوز الختان الختان، وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا» (^١).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها، فقد وجب الغسل» (^٢).
(ومن الحيضة والنفاس)؛ أي: من انقطاع دم الحيض والنفاس، وقد تقدم الكلام عنهما وما تيسر من أدلتهما والله الموفق.
(تنبيه): ظاهر كلام المصنف أن نفس الحيض والنفاس ليسا بموجبين للغسل، وإنما الموجب انقطاعهما وليس كذلك بل هما موجبان وانقطاعهما شرط في صحة الغسل (^٣).
(فإن اقتصر المتطهر على الغسل دون الوضوء أجزأه ذلك)؛ يعني: لو اقتصر المتطهر من الجنابة والحيض والنفاس على الغسل دون الوضوء أجزأه ذلك الغسل عن الوضوء، فله أن يصلي بذلك الغسل من غير وضوء إذا لم يمس ذكره لاندراج الحدث الأصغر في الحدث الأكبر، ولأن الوضوء والغسل طهارتان فتداخلتا كالغسل من الجنابة والحيض ولحديث جبير بن مطعم ﵁ قال: «تذاكرنا الغسل من الجنابة عند رسول الله ﷺ فقال: «أما أنا فأخذ ملء كفي ثلاثا، فأصب على رأسي، ثم أفيضه بعد على سائر جسدي»» (^٤) ووصف
_________________
(١) مالك في الموطأ (١/ ١٣٩)، ت (١٠٨)، وقال: حديث عائشة، حديث حسن صحيح، وابن ماجه (٦٠٨).
(٢) البخاري (٢٩١)، ومسلم (٧٨١)، ولأحمد ومسلم (٧٨١) «وإن لم ينزل».
(٣) الفواكه الدواني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني (١/ ٤٥٤).
(٤) أخرجه أحمد (١٦٧٤٩) إسناده صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه الطبراني في «الكبير» (١٤٨٣)، وأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٦٤)، وفي الصحيحين بألفاظ أخرى، قال السندي: قوله: «فأصب على رأسي»: جاء تفصيله بأن يصب في اليمين مرة، وفي اليسار أخرى، وفي الوسط أخرى، فرجع هذا إلى الاستيعاب مرة، لا إلى التثليث، فلا وجه للاستدلال به على التثليث، والله تعالى أعلم.
[ ١ / ٢٦٤ ]
ذلك لأم سلمة وفي آخره: «فتطهرين» (^١)، وسئل ابن عمر ﵄ عن الوضوء بعد الغسل فقال: «وأي وضوء أفضل من الغسل» (^٢)، وسئل جابر ﵁ عن الجنب يتوضأ بعد الغسل فقال: «لا؛ إلا أن يشاء يكفيه الغسل» (^٣)، والأحاديث فيه كثيرة مخبرة بحصول الطهارة لمجرد الغسل دون الوضوء، وللمازري في شرح التلقين كلام نفيس فانظره.
هذا إذا كان الغسل واجبا كغسل الجنابة أما لو كان الغسل سنة أو مستحبا فلا يجزئ عن الوضوء لأن الوضوء واجب في هذه الحال والغسل مستحب ولا يدخل الأكبر في الأصغر.
(وأفضل له)؛ أي: للمتطهر من الجنابة ونحوها (أن يتوضأ بعد أن يبدأ بغسل ما بفرجه أو جسده من الأذى) وقبل اغتساله لحديث ميمونة ﵂ قالت:
«صببت للنبي ﷺ غسلا، فأفرغ بيمينه على يساره فغسلهما، ثم غسل فرجه، ثم قال بيده الأرض فمسحها بالتراب، ثم غسلها، ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه، وأفاض على رأسه، ثم تنحى، فغسل قدميه، ثم أتي بمنديل فلم ينفض بها» (^٤).
وعن عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ: كان إذا اغتسل من الجنابة، بدأ فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة» (^٥)
أما بعده فلم يكن من فعله ﷺ كما قالت عائشة «كان رسول الله ﷺ لا يتوضأ بعد الغسل» (^٦).
فعلى المتطهر فعل فضيلتين: إحداهما أن يبدأ بغسل ما بفرجه أو ما في
_________________
(١) رواه مسلم (٣٣٠).
(٢) ابن أبي شيبة (١/ ٨٨).
(٣) عبد الرزاق (١/ ٢٧١)، انظر: التوضيح (٣١٢).
(٤) البخاري (٢٥٩)، ومسلم (٧٢٠).
(٥) رواه مالك في الموطأ (١/ ١٣٤)، والبخاري (٢٤٨)، ومسلم (٧١٨).
(٦) أبو داود (٢٥٠)، والترمذي (١٠٧) حسن صحيح، والنسائي (٢٥٢)، وابن ماجه. (٥٧٩)
[ ١ / ٢٦٥ ]
جسده من الأذى، فإن غسله بنية الجنابة وزوال الأذى أجزأه على المشهور، وليس عليه أن يعيد غسله ثانيا، وإن غسله بنية إزالة الأذى ثم لم يغسله بعد لم يجزه اتفاقا، وثانيتهما الوضوء قبل أن يغسل جسده تشريفا لأعضاء الوضوء، وقال الأبي في شرح مسلم عند شرح حديث ميمونة في الغسل: وإن شاء نوى الجنابة عند غسل الأذى ولا يعيد غسل محله على المشهور في أن طهارة الحدث ليس من شرطها أن ترد على الأعضاء وهي طاهرة (^١).
(ثم يتوضأ وضوء الصلاة) بحمل قوله السابق وأفضل له أن يتوضأ على الوضوء اللغوي (^٢)، وهو غسل اليدين للكوعين يندفع التكرار الحاصل بقوله: ثم يتوضأ وضوء الصلاة. ويكون قوله: ثم يتوضأ؛ أي: يكمل الوضوء، (فإن شاء غسل رجليه، وإن شاء أخرهما إلى آخر غسله) ظاهر كلامه التخيير في غسل رجليه بين أن يقدمهما على غسل جسده أو يؤخرهما. وبه قال بعضهم إنه مخير بين أن يقدم غسل رجليه أو يؤخره.
والقول المشهور أنه يقدم غسل رجليه مطلقا (^٣) سواء كان الموضع الذي يغتسل فيه نقيا من الأذى أو لا، دليل المشهور ما في «الموطأ» أن رسول الله ﷺ «كان إذا اغتسل من الجنابة، بدأ بغسل يديه، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة» (^٤) وظاهره أنه يتوضأ وضوءا كاملا وهو مذهب مالك والشافعي، قال الفاكهاني: وهو المشهور. وقيل يؤخرهما مطلقا سواء كان الموضع نقيا أو لا. والقول بالتأخير أظهر من المشهور لما في الصحيحين من حديث ميمونة وقد تقدم قريبا أنه … تنحى فغسل قدميه، ثم أتي بمنديل فلم ينفض بها (^٥)، وهذا صريح وما تقدم ظاهر وجمع الحافظ (^٦) في الفتح:
_________________
(١) مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل (١/ ١٨٣).
(٢) تنوير المقالة (١/ ٥٤٠).
(٣) تنوير المقالة (١/ ٥٤١).
(٤) الموطأ (٦٧)، والبخاري (٢٤٨).
(٥) تقدم قريبا تخريجه.
(٦) الفتح للحافظ ابن حجر (١/ ٤٣١)، ط: الريان.
[ ١ / ٢٦٦ ]
«بأنه يحتمل أن يكون قوله في رواية أبي معاوية (ثم غسل رجليه)؛ أي: أعاد غسلهما لاستيعاب الغسل بعد أن كان غسلهما في الوضوء فيوافق قوله في حديث عائشة «ثم يفيض على جلده كله» (^١)، وعن مالك إن كان المكان غير نظيف فالمستحب تأخيرهما وإلا فالتقديم».
(ثم) بعد أن يفرغ من وضوئه (يغمس يديه في الإناء) إن كان مفتوحا أو يفرغ عليهما الماء إن كان غير مفتوح (ويرفعهما) حال كونه (غير قابض)؛ أي: غير معترف (بهما شيئا) من الماء بحيث لا يكون فيهما إلا ما علق بهما من أثر الماء فيخلل بهما أصول شعر رأسه ويبدأ في ذلك من مؤخر الدماغ لحديث عائشة ﵂: "أن رسول الله ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة، بدأ بغسل يديه، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله» رواه مالك وغيره (^٢). قلت: فدل على توالي عمله ﷺ في الغسل، والله أعلم.
(ثم) بعد أن يفرغ من تخليل شعر رأسه (يغرف بهما الماء على رأسه ثلاث غرفات) حال كونه (غاسلا له بهن)؛ أي: دالكا رأسه بهن لما سبق في حديث عائشة، ولحديث جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ: «أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثا» وأشار بيديه كلتيهما، ولا بد أن يعم الرأس بكل غرفة من الثلاث ولا ينقص عن الثلاث؛ أي: يكره النقص عن الثلاث، وإن عم بواحدة واجتزأ بها أجزأته. وإن لم يعم بالثلاث فإنه يزيد حتى يعم، وإما أنه يأخذ غرفة لشق رأسه الأيمن، وأخرى للأيسر والثالثة يعم بها رأسه لرواية هشام بن عروة أن النبي ﷺ: «كان يتوضأ من الجنابة، ثم يدخل يده اليمنى في الماء، ثم يخلل بها شق رأسه الأيمن فيتبع بها أصول الشعر، ثم يفعل
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) مالك في الموطأ (١/ ١٣٣)، والبخاري (٢٤٨)، والنسائي (١/ ١/ ١٣١)، قال ابن عبد البر: هو أحسن حديث في ذلك.
[ ١ / ٢٦٧ ]
بشق رأسه الأيسر بيده اليسرى كذلك حتى يستبرئ البشرة، ثم يصب على رأسه ثلاثا» (^١).
(وتفعل ذلك المرأة)؛ أي: كل ما تقدم من غسل الأذى وتقديم الوضوء وتخليل أصول الشعر (وتضغث) بفتح التاء والغين وسكون الضاد المعجمة آخره ثاء مثلثة معناه: تجمع وتضم وقد سئلت عائشة ﵂ عن غسل المرأة من الجنابة فقالت: «لتحفن على رأسها ثلاث حفنات من الماء، ولتضغت (^٢) رأسها بيديها» (^٣).
(وليس عليها) لا وجوبا ولا استحبابا في غسل الجنابة والحيض، (حل عقاصها) العقاص جمع عقيصة، وهي الخصلة من الشعر تضفرها ثم ترسلها لحديث ثوبان ﵁ قال إنهم استفتوا النبي ﷺ عن ذلك يعني الغسل من الجنابة - فقال: «أما الرجل فلينشر رأسه فليغسله حتى يبلغ أصول شعره، وأما المرأة فلا عليها أن تنقضه لتغرف على رأسها ثلاث غرفات بكفيها» (^٤).
وعن عائشة قولها: «وأما نحن فنفيض على رؤوسنا خمسا من أجل الضفر (^٥)، وقد أنكرت على عبد الله بن عمر أمره النساء أن ينقضن رؤوسهن عند الغسل، وقالت: ما كنت أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث غرفات مع رسول الله ﷺ» (^٦).
_________________
(١) الفتح (١/ ٤٣٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨٢٥).
(٢) «ولتضغث»؛ أي: تخلط ببعضه ببعض ليدخل فيه الغسول والماء؛ «لتحفن» الحفنة: ملء اليدين بالماء. الزرقاني (١/ ١٣٧). وضبطت في الأصل على الوجهين، بفتح التاء والغين، «ولتضغث» وبضم التاء وكسر الغين «ولتضغث».
(٣) الموطأ (١/ ١٣٧).
(٤) رواه أبو داود (٢٥٥)، قال الأرناؤوط: وهو حديث حسن بشواهده، جامع الأصول لابن الأثير، تحقيق: الأرناؤوط (٧/ ٣١٨) (٥٣١٨).
(٥) رواه أحمد (٢٥٥٥٢)، والدارمي في سننه (١١٤٩)، وانظر: التمهيد (٢٢/ ٢٤)، تحقيق: مصطفى العلوي، والبيهقي (١/ ١٨٠). الضفر: الذوائب المضفورة.
(٦) التمهيد (٢٢/ ٩٨)، الاستذكار (١/ ٢٦٩).
[ ١ / ٢٦٨ ]
وحديث أم سلمة قالت: يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة فقال: «لا إنما يكفيك أن تحتي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين» (^١)؛ وهو حجة لمن لم يشترط الدلك لأن الإفاضة الإسالة، وكما لا يلزم المرأة حل عقاصها لا يلزمها نزع خاتمها ولو ضيقا وكذلك الأساور، وكذا لا يلزم الرجل نزع خاتمه المأذون فيه ولو ضيقا.
(ثم) بعد أن يغسل رأسه (يفيض الماء على شقه الأيمن)؛ أي: أنه يبدأ في غسل جسده بشقه الأيمن كله ويبدأ بأعلاه (ثم على شقه الأيسر) ويفعل فيه مثل ما فعل بالأيمن من غسله كله والبدء بأعلاه لفعل النبي ﷺ ذلك، ولحديث عائشة ﵁ قالت: «كنا إذا أصاب إحدانا جنابة أخذت بيديها ثلاثا فوق رأسها، ثم تأخذ بيدها على شقها الأيمن، وبيدها الأخرى على شقها الأيسر» (^٢)، وعند مسلم: «فأخذ بكفيه، فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه، فقال بهما على رأسه» قال في عون المعبود: «وفي هذا الحديث استحباب البداءة بالميامن في التطهر» (^٣).
(ثم) بعد أن يفرغ من صب الماء على شقيه (يتدلك) وجوبا فالدلك واجب لنفسه على المشهور. وقد ذكروا لذلك بعض الأدلة إلا أنها ضعيفة ومنها ما يتقوى بغيره منها عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ أمرها بالغسل، ثم أمرها أن تدلك وتتبع بيديها كل شيء لم يمسه الماء من جسدها، ثم قال يا عائشة: أفرغي على رأسك الذي بقي ثم ادلكي جلدك وتتبعي (^٤)، وقد ذكرنا بعض الأدلة في أصل هذا الاختصار، ومنها أثر عن عمر: «أن رهطا أتوا عمر بن الخطاب فسألوه عن الغسل من الجنابة فقال:
_________________
(١) مسلم (٧٧٠).
(٢) البخاري (٢٧٧)، وخرجه مسلم (٣١٨)
(٣) عون المعبود (١/ ٢٨٢)، ط: دار الكتب العلمية، ١٤١٥ هـ.
(٤) ذكره ابن حزم في المحلى وأعله وهو غريب جدا. المحلى لابن حزم (٢/ ٣٠).
[ ١ / ٢٦٩ ]
أما الغسل فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اغسل رأسك ثلاث مرات وادلكه ثم أفض الماء على جلدك» (^١).
ثم ظاهر كلام المصنف أنه لا يتدلك بعد صب الماء على شقه الأيمن حتى يصب الماء على شقه الأيسر. فإذا صب الماء على الأيسر ذلك الشقين (بيديه) إن أمكنه ذلك، وإلا وكل غيره على الدلك، ولا يمكن فيما بين السرة والركبة إلا من يجوز له مباشرة ذلك من زوجة وأمة. فإن لم يجد من يوكله أجزأه صب الماء على جسده من غير ذلك. وإن وكل لغير ضرورة لا يجزئه على المشهور. (بإثر صب الماء)؛ أي: أن الدلك يكون عقب صب الماء واستظهر هذا القول لما في المقارنة من المشقة عند من يشترطها (حتى يعم جسده) جميعه، ويتحقق أن الماء قد عم جميع جسده لأن الذمة عامرة فلا تبرأ إلا بيقين. (وما شك أن يكون الماء أخذه)؛ أي: أن ما حصل فيه شك من أعضاء المغتسل في أن الماء أصابه أو لم يصبه (من جسده عاوده بالماء)؛ أي: بماء جديد وجوبا، ولا يجزئه غسله بما تعلق من جسده من الماء، (ودلكه بيده) أو ما يقوم مقامها عند التعذر، وتكفي غلبة الظن خلافا لمن قال بعدم كفايتها لما في الصحيح «ثم يخلل بيديه شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء» (^٢).
(حتى يوعب)؛ أي: يعم (جميع جسده) تكرار مع قوله حتى يعم جسده، قيل في دفعه إن الأول محمول على من لم يحصل له شك، وما هنا على من حصل له شك وكان غير مستنكح لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشرة» (^٣).
_________________
(١) انظر: التمهيد لابن عبد البر (٢٢/ ٩٢) و(٩٨/ ٢٢)، ومصنف عبد الرزاق (٩٨٧) (٢٥٧/ ١)، باب: اغتسال الجنب.
(٢) البخاري (٢٤٥)، ومسلم (٣١٦)، وأبو داود (٣١٦).
(٣) رواه أبو داود (٢٤٨)، والترمذي (١٠٦)، وابن ماجه (٥٩٧)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار (١٤٣٦) وسنده ضعيف لكن له شواهد.
[ ١ / ٢٧٠ ]
(ويتابع)؛ يعني: بالماء والدلك (عمق سرته) بفتح العين المهملة وضمها وسكون الميم باطن السرة. (وتحت حلقه)؛ أي: يتابع ما يلي حلقه، والصواب أن لو قال تحت ذقنه (ويخلل وجوبا) شعر (لحيته) لحديث: "تحت كل شعرة جنابة …» تقدم قريبا، قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى (^١): وتخليل أصول الشعر يقتضي تخليل أصول الرأس واللحية.
وسكت عن تخليل شعر الرأس اكتفاء بما تقدم أول الباب.
وكذا يجب تخليل شعر غيرهما كشعر الحاجبين والأهداب والشارب والإبط والعانة. (و) يتابع ما (تحت جناحيه)؛ أي: إبطيه - واستعار الجناحين للإبطين مجازا - لأنه كالسرة في الخفاء واجتماع الأوساخ (و) يتابع ما (بين أليتيه) بفتح الهمزة وسكون اللام؛ أي: مقعدتيه، فيوصل الماء إليه مع استرخائه حتى يتمكن من غسل تكاميش الدبر بحسب استطاعته دون غلو ولا تفريط، فإن لم يفعل كان الغسل باطلا، (و) يتابع (رفغيه) تثنية رفع بفتح الراء وضمها باطن الفخذ، لحديث عمرو بن العاص أنه: «فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم صلى بهم» (^٢) وقيل: ما بين الدبر والذكر، (و) يتابع ما (تحت ركبتيه)؛ يعني باطنهما من خلف لا ما تحتهما من أمام.
(و) يتابع (أسافل رجليه) عقبيه وعرقوبيه وتحت قدميه. (ويخلل أصابع يديه) وجوبا في وضوئه إن كان قدمه لما مر في حديث ابن عباس ﵄: «إذا توضأت فخلل بين أصابع يديك ورجليك» وإلا ففي أثناء غسله وذلك لوجوب تعميم سائر الجسد بالماء أجمع لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبا فأطهروا﴾ وقوله: ﴿حتى تغتسلوا﴾ واللفظ ظاهر في الاستغراق، وهذه المواضع ينبو عنها الماء فيجب التحقق بوصول الماء إليها. وسكت عن أشياء ينبو عنها الماء
_________________
(١) الاستذكار (١/ ٣٢٨).
(٢) رواه أبو داود (٣٣٥)، والدارقطني (٦٨٢)، والحاكم وصححه (٦٢٨)، وأقره الذهبي، وتعقب الحاكم في قوله: هو على شرط الشيخين، وإنما على شرط مسلم.
[ ١ / ٢٧١ ]
كأسارير الجبهة، وما غار من ظاهر الأجفان، وما تحت مارنه، وغير ذلك، اكتفاء بما تقدم في الوضوء.
• تأثير طهارة المأمومين على إمامهم:
اعلم أخي المصلي أن لحسن طهور المصلي أثر على إمامه وإساءته فيه وعدم إتقانه تلبيس على إمامه، فقد روى الإمام أحمد والنسائي (^١) وغيرهما عن شبيب أبي روح عن رجل من أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ: أنه صلى صلاة الصبح فقرأ الروم فالتبس عليه فلما صلى قال: «ما بال أقوام يصلون معنا لا يحسنون الطهور فإنما يلبس علينا القرآن أولئك». فماذا نقول في أقوام نشأوا في بلاد الإسلام ووالله رأيناهم لا يحسنون الطهور فإنا لله وإنا إليه راجعون، بل إن منهم في هذا الزمان أسماء كبيرة في عالم الشهادات الدنيوية لا يعرفون الطهارة فضلا عن إحسانها، فإلى الله المشتكى من غربة الدين وذهاب حملته والعاملين به إلا ما قل وندر.
(ويغسل رجليه آخر ذلك) الغسل إذا لم يكن قد غسلهما أولا عند وضوئه. (يجمع ذلك) الغسل المذكور (فيهما)؛ أي: في الرجلين؛ أي: يحصل ذلك الغسل المذكور فيهما، لتمام غسله وإنما فعل ذلك لأجل تمام غسله الواجب، ولتمام وضوئه المستحب (إن كان أخر غسلهما) في الوضوء، لحديث ميمونة ﵂ المتقدم في صفة الغسل، وحينئذ يغسلهما بنية الوضوء والغسل، ومفهوم كلامه أنه لو قدم غسلهما عند فعل الوضوء لا يحتاج إلى إعادة غسلهما ويجزئه (^٢).
• مس الذكر أثناء الغسل ينقض الوضوء:
(و) إذا توضأ الجنب بعد غسل ما بفرجه من الأذى بنية رفع الجنابة (يحذر)؛ أي: يتحفظ بعد ذلك أن يمس ذكره إنما نص المصنف على مس
_________________
(١) المسند (٤/ ٥٠٥)، والسنن الصغرى للنسائي (٢/ ٤٩٤).
(٢) الفواكه الدواني للنفراوي (١/ ١٥١).
[ ١ / ٢٧٢ ]
الذكر لأنه الغالب، وإلا فغيره من سائر النواقض كذلك (في) حال (تدلكه بباطن كفه ظاهره أنه لا يجب الوضوء من مس الذكر إلا إن كان المس بباطن الكف، وهو للإمام أشهب ومذهب ابن القاسم يجب الوضوء من مس الذكر بباطن الكف أو بباطن الأصابع. وفي المختصر للشيخ خليل أو بجنبيهما. (فإن لم يتحفظ و(فعل ذلك المس بشيء مما ذكر عامدا أو ناسيا. (و) الحال أنه (قد أوعب)؛ أي: أكمل (طهره) بفعل موجباته من الفرائض والسنن أعاد الوضوء) إذا أراد الصلاة، لحديث سالم بن عبد الله بن عمر ﵃ أنه قال: رأيت أبي عبد الله بن عمر يغتسل ثم يتوضأ فقلت له: يا أبت أما يجزيك الغسل من الوضوء؟ قال: «بلى ولكني أحيانا أمس ذكري فأتوضأ» رواه مالك في «الموطأ» (^١).
وإلا فلا تلزمه إعادته حتى يريد الصلاة كسائر الأحداث، وحيث قلنا بإعادة الوضوء إن أراد الصلاة، فلا بد من نيته لأن حدثه الأكبر قد ارتفع حتى قال بعضهم: إن تجديد النية للوضوء أمر متفق عليه.
(و) أما إن مسه في ابتداء غسله وبعد أن غسل مواضع الوضوء) كلا أو بعضا والواو زائدة كما نقل عن أبي عمران (منه)؛ أي: من المغتسل أي من نفسه فأضمر في محل الإظهار (فليمر بعد ذلك) المس بيديه على مواضع الوضوء) لا فرق بين أن يكون غسلها كلها سابقا ثم مس، أو غسل بعضها (بالماء) متعلق بيمر، والباء بمعنى مع يعني أنه يمر بيديه على مواضع الوضوء بماء جديد على ما ينبغي من ذلك قيل الإشارة عائدة على الترتيب؛ أي: يستحب فينبغي على بابه، وفيه أن الترتيب في الوضوء سنة عندنا. والظاهر أنه أراد به عدم الوجوب المتحقق في السنة، وقيل: عائدة على فرائض الوضوء وسننه وفضائله، وقيل على إجراء الماء على الأعضاء والدلك، فعلى هذا والذي قبله يكون ينبغي بمعنى الوجوب.
(و) اختلف في تجديد نية الوضوء فقال المصنف: (ينويه)؛ أي: يلزمه
_________________
(١) رواه مالك في الموطأ (١/ ١٣١).
[ ١ / ٢٧٣ ]
تجديد نية الوضوء فإن نوى رفع الحدث الأكبر لم تجزه، ويكون بمنزلة ما إذا نوى المتوضئ غير الجنب رفع الحدث الأكبر. وقال القابسي: لا يلزمه تجديدها، ومبنى الخلاف هل يطهر كل عضو بانفراده أو لا يطهر إلا بالكمال؟ فإن قلنا بالأول لزم تجديدها لأن طهارته قد ذهبت بالحدث، فوجب تجديد النية لها عند تجديد الغسل وإن قلنا بالثاني لا يلزمه تجديد.
[ ١ / ٢٧٤ ]
باب التيمم
• قال المصنف رحمه الله تعالى
باب في من لم يجد الماء وصفة التيمم.
(التيمم يجب لعدم الماء في السفر إذا يئس أن يجده في الوقت وقد يجب مع وجوده إذا لم يقدر على مسه في سفر أو حضر لمرض مانع أو مريض يقدر على مسه، ولا يجد من يناوله إياه، وكذلك المسافر يقرب منه الماء ويمنعه منه خوف لصوص أو سباع وإذا أيقن المسافر بوجود الماء في الوقت أخر إلى آخره، وإن يئس منه تيمم في أوله، وإن لم يكن عنده منه علم تيمم في وسطه وكذلك إن خاف أن لا يدرك الماء في الوقت ورجا (^١) أن يدركه فيه.
ومن تيمم من هؤلاء ثم أصاب الماء في الوقت بعد أن صلى، فأما المريض الذي لم يجد من يناوله إياه فليعد، وكذلك الخائف من سباع ونحوها، وكذلك المسافر الذي يخاف أن لا يدرك الماء في الوقت ورجا أن يدركه فيه، ولا يعيد غير هؤلاء، ولا يصلي صلاتين بتيمم واحد من هؤلاء إلا مريض لا يقدر على مس الماء لضرر بجسمه مقيم، وقد قيل: بتيمم (^٢) لكل صلاة وقد روي عن مالك فيمن ذكر صلوات أن يصليها بتيمم واحد.
والتيمم بالصعيد الطاهر وهو ما ظهر (^٣) على وجه الأرض منها من
_________________
(١) ويرجو كما في نسختي (الغرب، والحلبي).
(٢) في نسخة (يتيمم). (الغرب، والحلبي).
(٣) في بعض النسخ: (ما صعد).
[ ١ / ٢٧٥ ]
تراب أو رمل أو حجارة أو سبخة يضرب بيديه الأرض فإن تعلق بهما شيء نفضهما نفضا خفيفا، ثم يمسح بهما وجهه كله مسحا، ثم يضرب بيديه الأرض فيمسح يمناه بيسراه يجعل أصابع يده اليسرى على أطراف أصابع يده اليمنى، ثم يمر أصابعه على ظاهر يده وذراعه وقد حنى عليه أصابعه حتى يبلغ المرفقين، ثم يجعل كف (^١) يده اليسرى على باطن ذراعه من طي مرفقه قابضا عليه حتى يبلغ الكوع من يده اليمنى، ثم يجري باطن بهمه على ظاهر بهم يده اليمنى، ثم يمسح اليسرى باليمنى هكذا، فإذا بلغ الكوع مسح كفه اليمنى بكفه اليسرى إلى آخر أطرافه، ولو مسح اليمنى باليسرى واليسرى باليمنى كيف شاء وتيسر عليه وأوعب المسح لأجزاه، وإذا لم يجد الجنب أو الحائض الماء للظهر تيمما وصليا، فإذا وجدا الماء تطهرا ولم يعيدا ما صليا.
ولا يطأ الرجل امرأته التي انقطع عنها دم حيض أو نفاس بالظهر بالتيمم حتى يجد (^٢) من الماء ما تتطهر به المرأة، ثم ما يتطهران به جميعا وفي باب جامع الصلاة شيء من مسائل التيمم).
الشرح
(باب في) حكم (من لم يجد الماء) أنه يجب عليه التيمم (و) في بيان (صفة التيمم) المستحبة وفي بيان الأعذار المبيحة له.
تعريف التيمم لغة وشرعا:
التيمم لغة: أصله القصد، ومنه قوله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث﴾ [البقرة: ٢٦٧]؛ أي: لا تقصدوه.
قال الشاعر:
لما تيممنا أبا تميم … أعطى عطاء اللحز اللييم
_________________
(١) في نسخة (كفه): (الغرب، والحلبي).
(٢) في نسخة الغرب: (تجد).
[ ١ / ٢٧٦ ]
وشرعا: عبادة حكمية تستباح بها الصلاة.
وقال ابن راشد: طهارة ترابية تختص بالوجه واليدين، تفعل مع الاضطرار دون الاختيار (^١). وهو واجب بالكتاب والسنة والإجماع.
قال الله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾ [النساء: ٤٣، والمائدة: ٦]؛ وللأحاديث المتوافرة الكثيرة فمنها عن حذيفة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا، إذا لم نجد الماء» (^٢).
عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير» (^٣).
قال ابن المنذر: [وأجمعوا على أن التيمم بالتراب ذي الغبار جائز] (^٤).
ولوجوبه ثمانية شرائط:
الإسلام، والبلوغ، والعقل، وارتفاع دم الحيض، والنفاس، ودخول الوقت، وعدم الماء أو عدم القدرة على استعماله، وأن لا يكون على الأعضاء حائل وعدم المنافي.
متى يجب التيمم:
(التيمم يجب لعدم الماء) إما حقيقة بأن لا يجد الماء أصلا، وإما حكما بأن يجد ماء لا يكفيه لوضوء أو غسل (في السفر) لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا
_________________
(١) المذهب (١/ ٢٠٢).
(٢) البخاري (٣٣٥)، ومسلم (١١٦٥)، واللفظ له.
(٣) أبو داود (٣٢٢). والترمذي (١٢٤)، وهو حديث حسن صحيح.
(٤) الإجماع لابن المنذر (ص ٥).
[ ١ / ٢٧٧ ]
ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ [المائدة: ٦] وللأحاديث المتقدمة، أو في الحضر إن عدمه، وسواء كان السفر سفر قصر أم لا، وسواء كان المسافر صحيحا أم لا، وسواء كان السفر مباحا أم لا، لأن الرخصة إذا كانت تفعل في السفر والحضر لا يشترط فيها إباحة السفر. وأما إذا كانت الرخصة لا تفعل إلا في السفر كفطر الصائم في رمضان الحاضر، فلا بد أن يكون السفر مباحا، وأن يكون أربعة برد كقصر الرباعية، (إذا يئس أن يجده)؛ أي: لا يكون عدم الماء سببا لوجوب التيمم إلا إذا يئس من وجود الماء، أو غلب على ظنه عدم وجود الماء لا مفهوم له. بل ولو شك أو رجا الماء أو تيقن وجود الماء في الوقت وأجاب الأجهوري بأن قوله: إذا يئس شرط في مقدر، والتقدير: ويستحب له تقديمه إذا أيس أن يجده. ويدل على أن قوله: إذا أيس ليس شرطا في الوجوب. قوله بعد ذلك إن الراجي والمتردد يتيمم، والمراد بالوجوب الوجوب الموسع. واليأس إنما يكون بعد أن يطلبه طلبا لا يشق بمثله، ولا يلزمه الطلب إلا إذا كان يرجو وجوده أو يتوهمه، أما إن قطع بعدمه فلا يطلبه في الوقت يريد الوقت بالوقت المختار وهو الذي يستعمل في هذا الباب كله، ويقع فيه التفصيل. وأما بالوقت الضروري فلا تفصيل فيه بين آيس وغيره، بل يتيمم حين إذ ذكر الصلاة.
(وقد يجب التيمم مع وجوده)؛ أي: الماء (إذا لم يقدر على مسه) سواء كان في سفر أو في (حضر لـ) أجل (مرض مانع) من استعماله بأن يخاف باستعماله فوات روحه، أو فوات منفعة، أو زيادة مرض، أو تأخر برء أو حدوث مرض لقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى النهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥] ولحديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك فقال: «قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر - أو» يعصب
[ ١ / ٢٧٨ ]
«شل موسى (^١) - على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده» (^٢)، ولحديث عمرو بن العاص أنه أجنب في ليلة باردة فتيمم وتلا ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾ [النساء: ٢٩] «فذكر للنبي ﷺ فلم يعنف» (^٣) فإن لم يخف شيئا مما ذكر بل كان يتألم في الحال فقط لزمه الوضوء أو الغسل.
(أو مريض يقدر على مسه) معطوف على مقدر وتقديره وكذلك قد يجب التيمم مع وجود الماء على صحيح لا يقدر على مسه لتوقع مرض باستعماله، لا سيما إن كان توصيفه من طبيب ثقة ولو كافرا، أو مريض يقدر على مسه؛ أي: الماء، (و) لكن (لا يجد من يناوله إياه) ولو بأجرة تساوي الثمن الذي يلزمه الشراء به، أو لا يجد آلة، أو وجد آلة محرمة، أو لا يقدر على أجرة المناول.
(وكذلك) مثل من تقدم في وجوب التيمم عليه (مسافر يقرب منه الماء و) لكن (يمنعه منه)؛ أي: من الوصول إليه (خوف لصوص) جمع لص، وهو السارق، وماله ومال غيره مما يجب عليه حفظه سواء لقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨] ولقوله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار» (^٤)، ولا بد أن يكون المال أكثر مما يلزمه بذله في شراء الماء ولا بد أن يتحقق وجودهم أو يغلب على ظنه وجودهم، وأما الشك فلا عبرة به (أو)
_________________
(١) موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي، أبو سعيد القلاء، الطبقة: ١٠: كبار الآخذين عن تبع الأتباع روى له د س (أبو داود - النسائي) رتبته عند ابن حجر صدوق يغرب، رتبته عند الذهبي: ثقة.
(٢) رواه أبو داود (٣٣٢)، وابن ماجه (٥٧٢)، الدارقطني (١/ ٣٤٩) رقم (٧٢٩) باب جواز التيمم لصاحب الجراح وفي سنده اضطراب، والبيهقي (١/ ٢٢٨)، وقوى إسناده الحافظ في التلخيص (١/ ٢٢٨ - ٢٣٠)، وقال: صححه ابن السكن وابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٦٢٥ - ٦٢٩).
(٣) البخاري معلقا، ووصله أبو داود في سننه (٣٣٠).
(٤) أخرجه أحمد (١/ ٢٥٥) (٢٣٠٧)، والشافعي في مسنده (٤٤٢)، وابن ماجه (٢٣٤٠)، وصححه الألباني في الإرواء.
[ ١ / ٢٧٩ ]
خوف (سباع) على نفسه حيث تيقن ذلك أو غلب على ظنه ولا عبرة بالشك.
(وإذا أيقن المسافر) سواء كان سفره سفرا تقصر فيه الصلاة أم لا، وعبر باليقين تبعا للمدونة وإلا فغلبة الظن داخلة فيه، (بوجود الماء) الطهور الكافي لغسله أو وضوئه (في الوقت المختار أخر التيمم إلى آخره) استحبابا عند ابن القاسم، ووجوبا عند ابن حبيب، لأن فضيلة الماء لا تترك لغير ضرورة (^١).
وحاصل فقه المسألة أن من شروط وجوب التيمم دخول الوقت على المشهور وقال ابن شعبان (^٢) وقبله (أي: قبل دخول الوقت) (^٣)، والحكم فيه مختلف لاختلاف حال المتيمم، لأنه إما متيقن لوجود الماء في الوقت أو للحوقه فيه، أو يائس من وجوده أو من لحوقه فيه، أو متردد في الوجود أو في اللحوق في الوقت، أو راج الوجود أو اللحوق في الوقت.
وقد بين المصنف هذه الأحوال فأشار إلى أولها بقوله: وإذا تيقن المسافر إلخ. ولا خصوصية للمسافر بل هو عام في حق كل من أبيح له التيمم لفقد الماء إذا تيقن وجود الماء، أو تيقن لحوقه في الوقت، أو غلب على ظنه الوجود أو اللحوق في الوقت أخر التيمم إلى آخره استحبابا.
(وإن يئس منه)؛ أي: من وجود الماء، أو من إدراكه في الوقت بعد طلبه إن كان هناك ما يوجب الطلب (تيمم في أوله)؛ أي: في أول الوقت استحبابا لتحصل له فضيلة الوقت لأن فضيلة الماء قد يئس منها، وكذلك حكم من غلب على ظنه عدم وجوده في الوقت، أو عدم لحوقه فيه، لقوله ﷺ: «فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل» (^٤).
_________________
(١) تنوير المقالة (١/ ٥٦٠).
(٢) ابن شعبان: هو محمد بن القاسم بن شعبان بن محمد بن ربيعة، أبو إسحاق، المعروف بابن القرطبي .. من فقهاء المالكية بمصر، (توفي سنة: ٣٥٥ هـ)، له كتاب الزاهي طبع مؤخرا.
(٣) المذهب (١/ ٢٠٨).
(٤) البخاري (٣٢٨)، ومسلم (٥٢١)
[ ١ / ٢٨٠ ]
(وإن لم يكن عنده)؛ أي: المتيمم (منه)؛ أي: من الماء (علم) بأن يكون مترددا في وجوده (تيمم في وسطه) بفتح السين استحبابا، وقد كان ابن عمر ﵄ يتلوم بينه وبين آخر الوقت (^١)؛ (وكذلك) يتيمم في وسطه استحبابا (إن خاف أن لا يدرك الماء في الوقت ورجا أن يدركه فيه) هكذا قرره الشيخ أحمد زروق (^٢)، على أن المراد به المتردد في لحوقه قائلا: لا فرق بينه وبين ما قبله على المذهب وتقريره وإن كان صحيحا من جهة الحكم، لكنه حمل كلام المصنف على خلاف ما يفيده قوله ورجا أن يدركه فيه، وقرره ابن ناجي على أن المراد به الراجي فقال: وفي كلام المؤلف مخالفة للمذهب، وذلك أن ظاهر قوله في الراجي لا يؤخر، بل يتيمم وسط الوقت، وليس كما قال، بل حكمه حكم الموقن والموقن يؤخر لآخر الوقت.
وقد قال ابن هارون: لا أعلم من نقل في الراجي أنه يتيمم وسط الوقت غير ابن أبي زيد. قال ابن ناجي: ويمكن أن يرد قوله وكذلك إن خاف إلى القسم الأول، وهو قوله: وإن أيقن إلخ، لا إلى ما يليه (^٣)، ومعنى الرد إليه الإلحاق به في الحكم، وعلى كلام ابن ناجي يكون المصنف أراد بقوله خاف؛ أي: توهم (^٤).
(ومن تيمم من هؤلاء) جواب من محذوف، والتقدير ففيه تفصيل والإشارة عائدة على السبعة المذكورين:
١ - المريض الذي لا يقدر على مس الماء.
٢ - والمريض الذي لا يجد من يناوله الماء.
٣ - والمسافر الذي يقرب منه الماء ويمنعه منه خوف لصوص أو سباع.
٤ - والمسافر الذي تيقن وجود الماء في الوقت.
_________________
(١) عون المعبود شرح سنن أبي داود (١/ ٣٦٩)، وأبو داود (ح ٢٨٦). يتلوم: ينتظر.
(٢) شرح زروق على متن الرسالة (١١٧٨)، ط: العلمية.
(٣) حاشية العدوي (١/ ٢٢٥).
(٤) الثمر الداني للأزهري (٧١).
[ ١ / ٢٨١ ]
٥ - واليائس منه في الوقت.
٦ - والذي ليس عنده منه علم.
٧ - والخائف الراجي.
(ثم أصاب الماء في الوقت بعد أن صلى) لا يصدق على المريض فاقد القدرة على استعمال الماء ولا على المريض الذي عنده قدرة على استعمال الماء، ولكنه لا يجد من يناوله إياه إلا أن يقال إن قوله: ثم أصاب الماء؛ أي: أصابه من حيث القدرة على استعماله أو وجوده أو وجود آلته. (فأما المريض الذي لم يجد من يناوله إياه)؛ أي: الماء (فليعد) الصلاة في الوقت استحبابا. والحاصل أن المريض الذي لا يجد من يناوله الماء أو لا يجد الآلة التي يستخرج بها الماء يكون حكمه حينئذ أنه يؤخر التيمم إلى وسط الوقت. فإذا فعل ما طلب منه من التيمم وسط الوقت وصلى، وقبل خروج وقت الصلاة زال المانع من استعمال الماء كأن وجد ما يناوله إياه فإنه يعيد الصلاة في الوقت استحبابا إن كان عنده تقصير بأن كان لا يتكرر عليه الداخلون، وأما إن كان يتكرر عليه الداخلون فلا تقصير عنده حينئذ فلا إعادة عليه.
(وكذلك) المسافر (الخائف من سباع ونحوها)؛ يعني: أن المسافر الخائف على نفسه من السباع أو على ماله من اللصوص مثل المريض الذي لا يجد من يناوله الماء فإنه إذا أصاب الماء في الوقت فإنه يعيد الصلاة استحبابا. والحاصل أن الخائف من نحو سباع إذا تيمم وسط الوقت فإنه يندب له الإعادة في الوقت بقيود أربعة، وهي: أن يتيقن وجود الماء، أو لحوقه لولا خوفه، وكون خوفه جزما أو غلبة ظن، وتبين عدم ما خافه ووجود الماء بعينه. فإن لم يتيقن وجوده أو لحوقه، أو تبين ما خافه، أو لم يتبين شيء أو وجد غيره لم يعد. وإن كان خوفه شكا فإنه يعيد أبدا.
(وكذلك)؛ أي: مثل المريض والخائف المذكورين (المسافر الذي يخاف أن لا يدرك الماء في الوقت ويرجو أن يدركه فيه) فإنه إذا وجد الماء في الوقت يعيد استحبابا ما صلى في وقته المقدر له وهو الوسط، ومن باب
[ ١ / ٢٨٢ ]
أولى إذا قدم لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيدا طيبا فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له فقال للذي لم يعد: «أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك». وقال للذي توضأ وأعاد: «لك الأجر مرتين»» (^١)، والمراد بالخوف في كلام المصنف التردد في اللحوق، فإن الذي يعيد في الوقت استحبابا ما صلى في الوقت المقدر له، وبالأولى إذا قدم. وأما المتردد في الوجود فإن قدم على وسط الوقت المقدر له أعاد، وإن صلى وسط الوقت المقدر له فلا إعادة. والفرق بينهما أن المتردد في اللحوق عنده نوع تقصير، فلذا طولب بالإعادة. وأما المتردد في الوجود فإنه استند إلى الأصل وهو العدم.
(ولا يعيد غير هؤلاء الثلاثة) على المشهور، وظاهره أن اليائس لا يعيد إذا وجد الماء مطلقا، وليس كذلك بل فيه تفصيل، وهو أنه إن وجد الماء الذي يئس منه فإنه يعيد، وإن وجد غيره فلا إعادة. وظاهره أيضا أن من وجد الماء بقربه أو برحله، أو نسيه فيه ثم تذكره فلا إعادة عليه. والمعتمد أن على الثلاثة الإعادة خلافا لظاهر المصنف.
قال زروق: وبقي عليه حكم من طرأ عليه الماء وهو في الصلاة وقبل الشروع، والوقت متسع ترك التيمم واستعمله اتفاقا (^٢).
(ولا يصلي صلاتين) فريضتين حضريتين أو سفريتين أو منسيتين اشتركتا في الوقت أم لا بتيمم واحد من هؤلاء السبعة المتقدم ذكرهم، لما صح موقوفا على ابن عمر ﵄: «كان يتيمم لكل صلاة» (^٣).
_________________
(١) أبو داود (٣٣٨). انظر: عون المعبود (١/ ٣٦٨ - ٣٦٩)، وقال أبو داود: وذكر أبي سعيد في هذا الحديث ليس بمحفوظ، وهو مرسل، وأخرجه النسائي مسندا ومرسلا (١/ ١/ ٢١٣)، قال الألباني: رواه ابن السكن بسند صحيح موصول.
(٢) شرح زروق على الرسالة (١/ ١٧٩).
(٣) الدارقطني (١/ ١٨٤)، وأخرجه البيهقي بإسناد صحيح (١/ ٣٣٩)، وقال: هو أصح إسناد في الباب، وقال: وقد روي عن علي، وعن عمرو بن العاص، وابن عباس،
[ ١ / ٢٨٣ ]
وعللوا عدم الإجزاء بكون التيمم لا يرفع الحدث، فلا يستباح به إلا أقل ما يمكن، أو لأنه لا يتقدم على الوقت، أو لأن طلب الماء واجب لكل صلاة، واستشكل كل من هذه الثلاثة بما لا نطيل (^١).
قال القرافي: وبطلان القول بأن التيمم لا يرفع الحدث، فإن الإباحة حاصلة به فيكون الحدث مرتفعا ضرورة، وإلا لاجتمع المنع مع الإباحة وهما ضدان (^٢). وعلى هذا فلا يبقى في المسألة خلاف، وللمازري (^٣) وابن راشد (^٤) كلام للتوجيه فانظره في محله.
قلت: والحديثان اللذان استدل بهما من استدل من المالكية والشافعية ضعيفان (^٥) لا تقوم بهما حجة.
قال ابن العربي فإن قيل: قد قيل: إنه لا يصلى فرضان بتيمم واحد.
قلنا: في ذلك تفصيل مذهبي، وبالجملة فيجب أن تعلموا أن الله تعالى مد الطهارة - المائية - إلى غاية وهي وجود الحدث، ومد طهارة التيمم إلى غاية وهي وجود الماء، فإذا وجد الماء ارتفع التيمم كما إذا وجد الحدث ارتفع حكم الماء، وخلص إلى القول: بأن من لم يجد الماء فليبن على التيمم الأول (^٦)، وهو الذي أميل إليه.
_________________
(١) = وأخرجه الطبراني في الكبير (١/ ٥٢) رقم (١١٠٥٠)، وانظر: نصب الراية للزيلعي (١/ ١٥٩).
(٢) تنوير المقالة (١/ ٥٦٥).
(٣) الذخيرة (١/ ٣٥٨ - ٣٦٥)، وانظر: المسالك في شرح موطأ مالك لابن العربي (٢/ ٢٣٣).
(٤) شرح التلقين (١/ ٣٠٧). والمازري بفتح الراء: هو أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر المالكي المحدث المعروف مصنف «المعلم في شرح مسلم»، توفي بالمهدية سنة (٥٣٦ هـ) ودفن بالمنستير. انظر: شجرة النور الزكية (١٢٧).
(٥) ابن راشد صاحب كتاب المذهب ذكرت ترجمته في موضع آخر.
(٦) بل قال الألباني: موضوع ولا يصح عن ابن عباس مرفوعا ولا موقوفا، كما في الضعيفة (١/ ٦١٢).
(٧) المسالك في شرح موطأ مالك لابن العربي (٢/ ٢٣٣ - ٢٣٤). بتصرف.
[ ١ / ٢٨٤ ]
(إلا مريض لا يقدر على مس الماء لضرر بجسمه مقيم)؛ أي: مرض لازم وبقي إلى وقت الصلاة الثانية. وقد اتفق أنه لم يفعل الأولى في وقتها إما عمدا أو نسيانا أو جهلا، فله أن يصليهما معا بتيمم واحد وهذا الحكم عام في الحضريات والسفريات.
(وقد قيل يتيمم لكل صلاة) مفروضة صحيحا كان أو مريضا مسافرا أو مقيما وهو المشهور (^١) لأن الشارع رخص له ولعادم الماء فوجب أن يكون حكمهما سواء (وقد روي عن مالك رحمه الله تعالى فيمن ذكر صلوات) مفروضات تركهن نسيانا أو نام عنهن أو تعمد تركهن، ثم تاب وأراد قضاءهن فله أن يصليها بتيمم (واحد) سواء كان صحيحا أو مريضا مسافرا أو مقيما (^٢)، والقول الأول لابن شعبان، والثاني لابن القاسم وهو المشهور.
ولذا اعترض على الشيخ في تمريضه بقيل، وتقديم غيره عليه، وعلى المشهور لو خالف وصلى صلاتين بتيمم واحد سواء كانتا مشتركتين أم لا أعاد الثانية أبدا، وأخذ من قوله أول الباب في الوقت أن الفرض يتيمم له مطلقا حتى الجمعة، وليس كذلك إذ الجمعة لا يتيمم لها الحاضر؛ أي: الصحيح بناء على بدليتها عن الظهر فيصلي الظهر بالتيمم ولو في أول الوقت. فإن صلى الجمعة بالتيمم فإنه لا يجزئه، وقال ابن القصار لا يتيمم لها، ولم نر لمالك فيه نصا، وقال غيره القياس يتيمم (^٣)، وعكس خليل القول في التوضيح: فقال: المنع لأشهب، والقول بالجواز حكاه ابن القصار وغيره (^٤).
وأما المريض والمسافر فيتيممان لها، وكذلك صلاة الجنازة لا يتيمم لها الحاضر الصحيح إلا إذا تعينت بأن لا يوجد مصل غيره، ولا يمكن تأخيرها حتى يحصل الماء.
وأما السنن والنوافل فيتيمم لها المسافر دون الحاضر الصحيح؛ أي:
_________________
(١) المذهب (١/ ٢١٠).
(٢) انظر: النوادر (١/ ١١٨).
(٣) المذهب في ضبط المذهب (١/ ٢٠٥)
(٤) التوضيح (٣١٨).
[ ١ / ٢٨٥ ]
الذي فرضه التيمم لعدم الماء، قاله ابن بشير وهو المشهور، والمشهور أيضا أنه لا يتيمم للسنن على الأعيان كالوتر وركعتي الفجر (^١). وأما الحاضر الصحيح الذي فرضه التيمم لخوف مرض فحكمه كالمريض فيتيمم للجمعة وللجنازة. وإن لم تتعين وللسنن والنوافل، ولو نوى بتيممه فرضا جاز له أن يصلي به نفلا بعده بشرط اتصاله بالفرض. وإن لم ينو صلاة النفل بعد الفرض والتقييد بالبعدية مع أنه لو صلى به نفلا قبله لصح لقوله: بشرط اتصاله بالفرض. فإن فصله بطول أو خروج من المسجد أعاد تيممه إن أراد صلاة النفل، ويسير الفصل مغتفر، ويحد بمثل آية الكرسي. وقيل: يشترط أيضا أن لا يكثر النفل وتعتبر الكثرة بالعرف.
• ما يصح به التيمم:
(والتيمم) يكون (بالصعيد الطاهر) هذا من تفسير الراسخين وبيان المتفقهين للطيب في قوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدا طيبا﴾ [النساء: ٤٣، والمائدة: ٦]، (وهو) أي: الصعيد الطيب في كلام العرب وبه قال مالك، قال الزجاج: لا أعلم اختلافا في ذلك بين أهل اللغة (^٢) (ما ظهر)؛ أي: صعد؛ أي: أن مالكا قال: إن الصعيد ما ظهر على وجه الأرض موافقا لما عند العرب، قال القرطبي: حديث عمران بن حصين نص على ما يقوله مالك، إذ لو كان الصعيد التراب لقال ﵇ للرجل عليك بالتراب فإنه يكفيك، فلما قال: «عليك بالصعيد» أحاله على وجه الأرض. والله أعلم (^٣).
وذهب غيره إلى أن الصعيد في الآية التراب الطاهر وجد (على وجه الأرض) أو أخرج من باطنها إلى وجه الأرض منها من تراب أو رمل أو حجارة أو سبخة بفتح الباء واحدة السباخ وهي أرض ذات ملح ورشح، لقوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدا طيبا﴾ ولا يتيمم على الخشب والحشيش والزرع على
_________________
(١) التوضيح (٣٧٣)، والمذهب (١/ ٢٠٦).
(٢) الإشراف (١٦٠/ ١).
(٣) الجامع لأحكام القرآن القرطبي (٦/ ١٠٦).
[ ١ / ٢٨٦ ]
المعتمد، خلافا لابن القصار (^١) في جوازه على الحشيش الحائل بينه وبين الأرض (^٢)، وأجاز في مختصر الوقار التيمم على الخشب (^٣)، وذكر بعض البغداديين أن في التيمم على الزرع اختلافا (^٤)، وظاهر كلام يحيى بن سعيد مساواة الجميع فلا يقدم بعض أجزائها على بعض (^٥)، وظاهر قوله: يتيمم على الحجارة ولو كانت من الصفوان، ولم يكن عليها تراب ما لم تطبخ، فلا يجوز التيمم على الجير، ولا على الآجر، وهو الطوب الأحمر، ويتيمم على التراب نقل أو لم ينقل، إلا أن الثاني باتفاق، والأول على المشهور وغير التراب كالملح والشب والكبريت والنحاس والحديد لا يتيمم عليها إلا في موضعها أو نقلت من موضع لآخر ولكن لم تصر في أيدي الناس كالعقاقير، وأما لو صارت في أيدي الناس كالعقاقير فلا يصح التيمم عليها (^٦).
• صفة التيمم:
و(يضرب بيديه الأرض) جملة مستأنفة لبيان كيفية الفعل، فكأنه قيل: كيف يفعل، فقال: يضرب بيديه الأرض، ناويا استباحة ما منعه الحدث لقوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ [المائدة: ٦]،
_________________
(١) ابن القصار: هو علي بن أحمد، أبو الحسن، البغدادي، الأبهري الشيرازي، المعروف بابن القصار. فقيه مالكي أصولي، حافظ، ولي قضاء بغداد. تفقه بأبي بكر الأبهري وغيره، وبه تفقه أبو ذر الهروي والقاضي عبد الوهاب ومحمد بن عمرو س وغيرهم. قال أبو ذر: هو أفقه من رأيت من المالكين، وقال الشيرازي: لا أعرف للمالكيين كتابا في الخلاف أكبر من كتابه. ولعله يعني كتابه المسمى: «عيون الأدلة وإيضاح الملة في الخلافيات»، توفي سنة: (٣٨٩ هـ)، شجرة النور الزكية (ص ٩٢)، والديباج (١٩٩)، ومعجم المؤلفين (٧/ ١٢).
(٢) المذهب (١/ ٢٠٦ - ٢٠٧).
(٣) انظر: التبصرة (١/ ٤٠).
(٤) شرح التلقين (١/ ٢٨٩). ويعني بذلك نبات الزرع متصلا بالأرض كما أفاده القلشاني في شرح جامع الأمهات (١/ ٤٢).
(٥) ذكر هذا خليل في التوضيح (١/ ٥٠٧)، تحقيق: الهويمل.
(٦) انظر: المذهب (١/ ٢٠٦)، والتوضيح (١/ ٥١١)، وشرح التلقين (١/ ٢٨٩).
[ ١ / ٢٨٧ ]
وفي صفته عن النبي ﷺ كما في حديثي عمار، وأبي الجهيم ﵄ في حديث عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب ﵄: «أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت للنبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: «إنما كان يكفيك هكذا» فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه» (^١)، وفي رواية: «إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بكفه ضربة على الأرض، ثم نفضها، ثم مسح بهما ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بهما وجهه» (^٢).
قال ابن العربي: فبين ذلك النبي ﷺ للخلق وعلمه للأمة فليس لأحد في ذلك رأي (^٣).
ولا يضر هنا تقديم اليدين على الوجه، إذ هنا لم يحك الصفة على الترتيب، والراوي هنا أبو موسى ﵁ في مناظرة له مع ابن مسعود ﵁، وهي غير رواية صاحب الواقعة عمار ﵁. ولحديث أبي جهيم ﵁ في «الصحيحين» قال: «أقبل النبي ﷺ من نحو بثر جمل فلقيه رجل، فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد عليه¬ السلام» (^٤)، فإن لم يكن له يد يتيمم بغيرها، فإن عجز استناب، فإن لم تمكنه الاستنابة فإن الله تعالى قال: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦] ولا يتمرغ كما قال بعض الشراح (^٥)، وليس المراد بالضرب حقيقته، بل المراد أنه يضع يديه على ما يتيمم به ترابا أو غيره، وهذا الضرب فرض، ولا يشترط علوق شيء بكفيه، فإن تعلق بهما شيء من حصى أو عيدان أو غير ذلك مما فيه أذى نفضهما نفضا خفيفا حتى عد بعضهم هذا النفض من
_________________
(١) البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٨١٨).
(٢) انظر: جامع الأصول (٧/ ٢٥٢).
(٣) المسالك في شرح موطأ مالك لابن العربي (٢/ ٢٣٦).
(٤) البخاري (٣٣٧)، ومسلم (٨٢٠).
(٥) الثمر الداني (٧٦)، ط: المكتبة الثقافية، بيروت.
[ ١ / ٢٨٨ ]
فضائل التيمم، لئلا يؤذي وجهه لحديث عمار السابق، وقال بالنفض مالك كما في مختصر ابن عبد الحكم (^١)، والواضحة لابن حبيب (^٢).
ولا بد قبل الشروع في التيمم أن يقصد الصعيد لا غيره مما لا يصح التيمم عليه، وأن ينوي استباحة الصلاة، أو ينوي فرض التيمم عند الضربة الأولى. فإن كان محدثا حدثا أصغر نوى استباحة الصلاة من الحدث الأصغر. وإن كان محدثا حدثا أكبر نوى استباحة الصلاة من الحدث الأكبر والأصغر. وإن لم يتعرض للحدث الأكبر؛ أي: ترك نية الأكبر عامدا أو ناسيا وصلى بذلك التيمم أعاد الصلاة أبدا. وإن نوى الأكبر معتقدا أنه عليه فتبين خلافه أجزأه عن الأصغر، لا إن اعتقد أنه ليس عليه، وإنما قصد بنيته الأكبر نفس الأصغر فلا يجزئه وأما إن نوى فرض التيمم فيجزئه ولو لم يتعرض لنية أكبر عليه. ولو نوى المتيمم رفع الحدث لم يجزئه على المشهور، فإن التيمم لا يرفع الحدث وإنما يبيح الصلاة فقط.
(ثم) بعد نفض يديه (يمسح بهما وجهه كله مسحا) ولا يترك منه شيئا ويراعي الوترة وغيرها فإن ترك شيئا من مسح الوجه كله ولو يسيرا لا يجزئه. ويبدأ من أعلاه كما في الوضوء، ويجري يديه على ما طال من لحيته. ودفع ما يتوهم من قوله كله أنه يمر على غضون الوجه بقوله مسحا لأن المسح مبني على التخفيف.
(ثم) يمسح يديه إلى الكوعين لإتمام الفرض وبعد ذلك (يضرب بيديه الأرض) ضربة ثانية لمسح يديه على جهة السنية ولو أنه ترك الضربة الثانية واكتفى بالضربة الأولى في مسح الوجه واليدين أجزأه، ولأنه هو الصحيح الموافق للكتاب والسنة وما بينته الروايات الصحيحة كحديث عمار ﵁، وقد جاءت بعض الروايات في حكم الضربة الثانية كما في حديث الأسلع بن شريك إلا أن الحديث معل كما قال ابن أبي حاتم في العلل (^٣).
_________________
(١) ولم أعثر عليه في المختصر له.
(٢) النوادر والزيادات (١/ ١٠٥).
(٣) العلل (١/ ٥٤) رقم (١٣٦). وفي إسناده الربيع بن بدر وهو ضعيف، وقال الحافظ =
[ ١ / ٢٨٩ ]
وجاء موقوفا أن عبد الله بن عمر كان «يتيمم إلى المرفقين» وسئل مالك كيف التيمم وأين يبلغ به؟ فقال: «يضرب ضربة للوجه، وضربة لليدين، ويمسحهما إلى المرفقين» رواه الحاكم (^١).
ثم بين المصنف رحمه الله تعالى صفة مسح اليدين فقال:
(فيمسح يمناه بيسراه) فإذا شرع في مسحهما فالمستحب في صفة مسحهما أنه يمسح أولا يمناه بيسراه (فيجعل أصابع يده اليسرى) ما عدا الإبهام (على أطراف أصابع يده اليمنى) ما عدا إبهامها (ثم يمر أصابعه على ظاهر يده)؛ يعني: كفه (و) على ظاهر (ذراعه) وهو ما بين المرفق والكوع (و) يكون في مروره على ظاهر ذراعه (قد حنى)؛ أي: يحني بمعنى يطوي (عليه أصابعه حتى يبلغ المرفقين) صوابه المرفق لأنه ليس لليد الواحدة إلا مرفق ويمكن أن يقال إن المصنف قصد بيان غاية المسح بالنسبة لليدين.
وظاهر كلام المصنف أن المرفق لا يمسح لأن حتى للغاية أي والغاية خارجة. قيل: أراد مع المرفقين كما تقدم في الوضوء، إذ التيمم بدل عنه والمسح إلى المرفقين سنة وإلى الكوعين فريضة على ما في «المختصر».
وتعقبه العلامة البساطي (^٢) بأن مشهور المذهب أن المسح إلى المرفقين واجب ابتداء، وإنما الخلاف إذا اقتصر على الكوعين وصلى فالمشهور أنه يعيد في
_________________
(١) = في التقريب: «متروك»، وقال الذهبي: «واو».
(٢) الحاكم (١/ ١٧٩) مرفوعا، والطبراني كما في المجمع (١/ ٥٩١)، قال الحاكم: علي بن ظبيان وهو صدوق، قال الذهبي: بل واه، قال ابن معين: كذاب خبيث، وقال أبو علي النيسابوري: لا بأس به. اه، قال الدارقطني (١/ ٣٣٢) رقم (٦٨٥) عقب تخريجه الحديث: «كذا رواه علي بن ظبيان مرفوعا، ووقفه يحيى القطان وهشيم وغيرهما، وهو الصواب».
(٣) البساطي (٧٦٠ - ٨٤٢ هـ): هو محمد بن أحمد بن عثمان، أبو عبد الله، المعروف بالبساطي، نسبته وهي قرية من قرى الغربية بمصر، توفي في القاهرة، كان فقيها مالكيا. من تصانيفه: «المغني» في الفقه، و«شفاء الغليل في [شرح] مختصر الشيخ خليل»، و«حاشية على المطول». [الضوء اللامع (٥/ ٧)، وشذرات الذهب (٧/ ٢٤٥)، والأعلام للزركلي (٦/ ٢٢٨)].
[ ١ / ٢٩٠ ]
الوقت ومقابله يعيد أبدا وهذا التعقب مردود، فقد رجح في المقدمات ما مشى عليه المختصر واقتصر عليه القاضي عياض في قواعده وهو الراجح والمشهور من المذهب تخليل الأصابع، ويكون التخليل بباطنها لا بجنبها لأنه لم يمسه التراب والمشهور أيضا نزع الخاتم (^١)، ويقوم مقام النزع نقله عن موضعه، والفرق بين التيمم والوضوء حيث قيل بنزع الخاتم في التيمم وعدم النزع في الوضوء قوة سريان الماء في الوضوء ولا كذلك التراب.
(ثم) إذا فرغ من مسح ظاهر يده اليمنى (يجعل يده اليسرى) وفي رواية كفه وهي مفسرة للأولى، فيكون المراد باليد الكف ما عدا الأصابع لأن الأصابع قد مسح بها أولا ظاهر اليد ما عدا الإبهام. والجعل المذكور يكون (على باطن ذراعه) الأيمن ويكون ابتداؤه (من طي مرفقه) حال كونه (قابضا عليه)؛ أي: على باطن ذراعه ويكون في قبضه رافعا إبهامه ونهاية ذلك (حتى يبلغ الكوع من يده اليمنى) وهو رأس الزند مما يلي الإبهام على وزن فلس.
(ثم) بعد أن يفرغ من مسح باطن ذراعه (يجري باطن بهمه)؛ أي: إبهامه من يده اليسرى (على ظاهر بهم يده اليمنى)، لأنه لم يمسحه أولا. وما ذكره من إمرار البهم مثله لابن الطلاع وهو محمد بن فرح (^٢) شيخ الفقهاء في عصره، وظاهر الروايات وهو المعول عليه مسح ظاهر إبهام اليمنى مع ظاهر أصابعها.
(ثم) إذا فرغ من مسح اليد اليمنى على الصفة المتقدمة (يمسح اليسرى باليمنى هكذا)؛ أي: على الصفة المتقدمة في مسح اليد اليمنى. (فإذا بلغ الكوع) من يده اليسرى (مسح كفه اليمنى بكفه اليسرى إلى آخر أطرافه)؛
_________________
(١) التوضيح لخليل (٣٦٠ - ٣٦١)، والمذهب (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩).
(٢) ابن الطلاع: محمد بن فرح مولى محمد بن يحيى بن الطلاع القرطبي المالكي، مفتي الأندلس ومسندها، توفي سنة: (٤٩٦ هـ). العبر في أخبار من غبر للذهبي (١/ ٢٣٢) في وفيات سنة (٤٩٦ هـ).
[ ١ / ٢٩١ ]
أي: أطراف الكف، أراد به باطن الكف والأصابع، وانظر كيف سكت عن كف اليسرى إلا أن يقال إن كل واحدة منهما ماسحة وممسوحة وهذه الصفة التي ذكرها الشيخ وذكرها الشيخ خالد الأزهري أيضا.
وهي البداءة بظاهر اليمنى باليسرى، والانتقال إلى اليسرى قبل استكمال اليمنى رواية ابن حبيب عن مالك. وقال ابن القاسم: لا ينتقل إلى اليسرى إلا بعد استكمال اليمنى واختاره اللخمي وعبد الحق ورجح قول ابن القاسم، وسند الترجيح أن الانتقال إلى الثانية قبل كمال الأولى مفوت لفضيلة الترتيب بين الميامن والمياسر واستحسن بعض الشيوخ رواية ابن حبيب قائلا: لئلا يمسح ما يكون على الكف من التراب، ولكن صاحب القول المعتمد يقول: إن بقاء التراب غير مراد، فالمرعي حكمه.
(ولو) خالف المتيمم هذه الصفة المستحبة (ومسح اليمنى باليسرى) وفي رواية: (أو اليسرى باليمنى كيف شاء وتيسر عليه وأوعب المسح لأجزأه) وخالف الأفضل فقط ويؤخذ من قوله: وأوعب أنه إذا لم يمسح على الذراعين لم يجزه لأنه ذكر في المسح الذراعين، والمشهور أنه إذا اقتصر على الكوعين وصلى أعاد في الوقت. وفي المسألة أقوال، يمكن نظرها في أصل الاختصار (^١).
(وإذا لم يجد الجنب أو الحائض الماء للطهر تيمما وصليا) للآية وأن الله تعالى أمر بالوضوء من الحدث بقوله: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ … الآية، وأمر بالغسل من الجنابة للصلاة بقوله: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾، وقال في التيمم: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم﴾ [المائدة: ٦] فجعل الطهارة عامة في الحدثين ولا فرق، ثم بين ذلك النبي ﷺ بإقراره لعمرو بن العاص ﵁ حينما تيمم وهو جنب وصلى كما تقدم الحديث، وحديث الرجل الذي اعتزل الناس ولم يصل معهم بسبب الجنابة فقال له النبي ﷺ: «عليك بالصعيد فإنه يكفيك» (^٢)، ولو وجدا ما
_________________
(١) وانظر: التوضيح (٣٦٣).
(٢) تقدم تخريج الحديث.
[ ١ / ٢٩٢ ]
يكفي مواضع الأصغر؛ ويكون تيممهما على التفصيل السابق فالآيس أول المختار إلخ، قال الغماري: وظن بعض الشراح أن هذا مكرر مع قوله التيمم يجب لعدم الماء وليس كذلك بل تنصيص على جواز التيمم من الحدث الأكبر لأن هناك من لا يجوز للجنب التيمم (^١) قال التتائي: وذهب بعض أهل العلم إلى أن الجنب لا رخصة له في التيمم وهو مذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود (^٢)، وحكاها ابن المنذر عن النخعي (^٣)، قلت: والحجة عليهم حديث عمار به حيث قال: وأما أنا فتمعكت فصليت فذكرت ذلك للنبي؛ فقال النبي ﷺ: «إنما كان يكفيك هكذا فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (^٤). فبين له النبي ﷺ كيفية الطهارة للجنب الفاقد للماء، وإن كان أن سيدنا عمر ﵁ نسي، فهو من جملة البشر، وقد فات كثير من الصحابة بعض الأحكام المشهورة وهم في زمن النبي ﷺ ولم يعرفوها إلا بعد وفاته، وبعضهم حدث ونسي، وليس موضع الكلام عن هذا.
وحديث الرجل الذي أصابته جنابة فقال له رسول الله ﷺ: «عليك بالصعيد، فإنه يكفيك» وقد تقدم.
(فإذا وجدا الماء تطهرا ولم يعيدا ما صليا) لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ السابق وفيه ". . . . فتيمما صعيدا طيبا فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الصلاة بوضوء، ولم يعد الآخر، وقد تقدم مرارا».
وأشعر قول المصنف: ولم يعيدا ما صليا، أن وجود الماء بعد صلاتهما
_________________
(١) مسالك الدلالة (٤٥).
(٢) رواهما ابن أبي شيبة (١/ ١٤٥)، من قال: لا يتيمم حتى يجد الماء، والاستذكار (١/ ٣٠٣) باب التيمم، وهذه من بعض القضايا التي غابت عن بعض الصحابة وحضرت عند بعض فلا ضرر في ذلك ومن علم حجة على من لم يعلم. انظر: الجمع بين الصحيحين للحميدي (٤/ ٢٣٩) ط: دار ابن حزم ط: ثانية، تحقيق: علي البواب، بيروت، وانظر: المسالك في شرح موطأ مالك لابن العربي (٢/ ٢٤٨).
(٣) الأوسط لابن المنذر (٢/ ١٣٤)، ط: الأوقاف القطرية.
(٤) البخاري (٢٢٦ - ٣٣٢)، ومسلم في الحيض، باب التيمم رقم (٣٦٨).
[ ١ / ٢٩٣ ]
بالتيمم، وأما لو وجدا الماء قبل الصلاة فإن كان الوقت متسعا للغسل والصلاة ولو ركعة في الوقت الذي هما فيه، فإن التيمم يبطل. وأما إن وجداه بعد الدخول فيها وقبل فراغها ولو اتسع الوقت أو قبل الدخول فيها ولكن لم يتسع الوقت للغسل وإدراك ركعة فإنهما يصليان بالتيمم (^١).
(ولا يطأ الرجل امرأته) المسلمة أو الكتابية أو أمته التي انقطع عنها دم حيض أو دم (نفاس بالطهر بالتيمم) على المشهور؛ أي: يحرم عليه الوطء ولا مفهوم للوطء بل التمتع بما بين السرة والركبة ولو من فوق حائل حرام. (حتى يجد) وفي رواية حتى يجدا بالتثنية فعلى الأولى طلب الماء أو شراؤه عليه وحده وعلى الثانية عليهما معا (من الماء ما تتطهر به المرأة) أو الأمة من دم الحيض أو دم النفاس، فعن مجاهد (^٢) في قوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ قال: حتى ينقطع الدم، ﴿فإذا تطهرن﴾ قال إذا اغتسلن.
(ثم ما يتطهران به جميعا) من الجنابة. وما قاله هنا يفسر قوله آخر الكتاب: وأن لا يقرب النساء في دم حيضهن أو دم نفاسهن لأن ظاهره إن انقطع عنهن جاز له الوطء، فأفاد هنا أنه ولو انقطع الحيض لا يجوز له الوطء ولو بالتيمم، وإنما امتنع الوطء على المشهور لأن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما هو مبيح للصلاة فقط.
ويؤخذ من كلام المصنف أن التيمم يسمى طهورا وهو كذلك لقوله ﵊: «وتربتها طهورا» ويسمى أيضا وضوءا لقوله ﵊: «التيمم وضوء المسلم» (^٣) ويؤخذ منه أيضا أن من لم يجد الماء ليس له إدخال الجنابة على نفسه، وهو قول مالك في «المدونة» (^٤)؛ أي: يكره ولو كان يتيمم للأصغر فليس له إدخال الجنابة على نفسه بحيث يصير يتيمم
_________________
(١) وانظر: التوضيح (١/ ٤٨٨)، تحقيق: عبد العزيز الهويمل، ط: جامعة أم القرى مخطوط.
(٢) الدارمي (١/ ٢٤٩)
(٣) انظر: أسماء التيمم في المسالك في شرح موطأ مالك لابن العربي (٢/ ٢٣٢).
(٤) المدونة (١/ ٤٨)، وانظر: المذهب (١/ ٢٠٥).
[ ١ / ٢٩٤ ]
للأكبر. ولا ينافي هذا ما تقدم من الحرمة في قول المصنف: ولا يطأ إلخ؛ لأن الحرمة إنما جاءت من قدومه على وطئها بطهرها من حيضها بالتيمم، وهذا ما لم يضر به ترك الوطء في بدنه أو يخشى العنت (^١). ففي المسند من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، الرجل يغيب لا يقدر على الماء، أيجامع أهله؟ قال: «نعم» (^٢).
وفي «سنن البيهقي» عن معاوية بن حكيم عن عمه محمن بن حيدة، قال: قلت: يا رسول الله، إني أغيب أشهرا عن الماء ومعي أهلي أفأصيب منهم؟ قال: «نعم». قلت: يا رسول الله، إني أغيب أشهرا قال: «وإن غبت» (^٣).
فرع: مسألة في فاقد الطهورين:
من لم يجد ماء ولا ترابا كالسجين المربوط والمريض الذي لا يجد من يناوله ونحوه:
أربعة أقوال:
١ - ابن القاسم يصلي ويقضي دليله قوله ﷺ: ﴿إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم﴾ (^٤). ورأى القضاء احتياطا.
٢ - مالك لا يصلي ولا يقضي ودليله: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا
_________________
(١) انظر تفصيل ذلك في: التوضيح (٤٨٢/ ١)، تحقيق: الهويمل، وانظر: شرح جامع الأمهات لابن عبد السلام (٢٥/ ١ ب) والثعالبي (٣٣/ ١ ب) بواسطة الهويمل، وانظر: البيان والتحصيل (٥٦/ ١ ٥٧).
(٢) أخرجه أحمد (٧٠٩٧)، والبيهقي في السنن (٢١٨/ ١)، قال الهيثمي في المجمع (١/ ٥٩٢): «رواه أحمد وفيه الحجاج بن أرطاة، وفيه ضعف، ولا يعتمد الكذب» وله شاهد من حديث عمران بن حصين عند البخاري (٣٤٤)، ومسلم (٦٨٢)، وآخر من حديث عمار عند البخاري ومسلم، وثالث من حديث أبي ذر عند أبي داود (٣٣٢)، والترمذي (١٢٤) وانظر: نصب الراية (١٤٩/ ١).
(٣) الطبراني في المعجم الكبير (٣٣٧/ ٢٠) رقم (٧٩٧)، قال الهيثمي في المجمع (١/ ٣٢٧): «رواه طب ك وإسناده حسن». اه.
(٤) البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم رقم (١٣٣٧).
[ ١ / ٢٩٥ ]
أحدث حتى يتوضأ» (^١).
٣ - أشهب يصلي ولا يقضي والحديث السالف الذي احتج به ابن القاسم هو حجة أشهب لأن: ظاهره الاقتصار على الأداء، واختاره الأكثر لصلاة الصحابة عند عدم الماء قبل نزول آية التيمم، لأن عدم الماء قبل شرع التيمم كعدم الماء والتراب بعد شرعه.
٤ - أصبغ لا يصلي ويقضي.
ونظم بعضهم هذه الأقوال فقال:
ومن لم يجد ماء ولا متيمما … فأربعة الأقوال يحكون مذهبا
يصلي ويقضي، عكس ما قال مالك … وأصبغ: يقضي، والأداء: لأشهبا (^٢)
_________________
(١) البخاري (١٣٥)، ومسلم (٢٢٥).
(٢) انظر هذه الأقوال في: التوضيح (٣٧٣).
[ ١ / ٢٩٦ ]
باب المسح على الخفين
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(باب في المسح على الخفين:
وله أن يمسح على الخفين في الحضر والسفر ما لم ينزعهما، وذلك إذا أدخل فيهما رجليه بعد أن غسلهما في وضوء تحل به الصلاة فهذا الذي إذا أحدث وتوضأ مسح عليهما وإلا فلا، وصفة المسح أن يجعل يده اليمنى من فوق الخف من طرف الأصابع ويده اليسرى من تحت ذلك، ثم يذهب بيديه (^١) إلى حد الكعبين، وكذلك يفعل باليسرى ويجعل يده اليسرى من فوقها واليمنى من أسفلها، ولا يمسح على طين في أسفل خفه أو روث دابة حتى يزيله بمسح أو غسل، وقيل يبدأ في مسح أسفله من الكعبين إلى أطراف الأصابع لئلا يصل إلى عقب خفه شيء من رطوبة ما مسح من خفيه من القشب، وإن كان في أسفله طين فلا يمسح عليه حتى يزيله).
الشرح
باب في المسح على الخفين:
(باب في المسح على الخفين)؛ أي: هذا باب في حكم المسح على الخفين، وسقوط التوقيت فيه، وما يبطله، وبعض شروطه، وصفته، وما يمنع منه المسح.
فما هما الخفان: الخف هو قشر من جلد مخروز يكون على الرجل،
_________________
(١) في نسخة الحلبي: (بيده).
[ ١ / ٢٩٧ ]
يمكن متابعة المشي به (^١).
• تواتر المسح على الخفين:
قال الحافظ (^٢): نقل ابن المنذر عن ابن المبارك قال: ليس في المسح على الخفين عن الصحابة اختلاف (^٣)، لأن كل من روى عنه منهم إنكاره فقد روى عنه إثباته؛ وقد جاوز رواته من الصحابة الثمانين ومنهم العشرة، وفي ابن أبي شيبة وغيره عن الحسن البصري: حدثني سبعون من الصحابة بالمسح على الخفين (^٤).
وقال مالك عند موته: «المسح على الخفين في الحضر والسفر صحيح يقين ثابت لا شك فيه، إلا أني كنت أجد في نفسي الطهور ولا أرى من مسح مقصرا» (^٥).
وقال ابن المنذر اختلف العلماء أيهما أفضل المسح على الخفين، أو نزعهما وغسل القدمين قال: والذي أختاره أن المسح أفضل لأجل من طعن فيه من أهل البدع من الخوارج والروافض، قال: وإحياء ما طعن فيه المخالفون من السنن أفضل من تركه اه.
وابتدأ بحكمه فقال: (وله)؛ أي: ورخص (^٦) للماسح المفهوم من السياق، أو من المسح لأن المسح لا بد له من ماسح رجلا كان أو امرأة (أن يمسح على الخف) ويروى على الخفين؛ أي: يجوز المسح على الخفين.
_________________
(١) العارضة (١/ ١٣٩)، والمسالك (٢/ ١٤٨) كلاهما لابن العربي.
(٢) الفتح (١/ ٣٦٥).
(٣) شرح التلقين (١/ ٣١٠)، وانظر: التوضيح (٣٧٧).
(٤) فتح الباري (١/ ٣٦٥)، شرح التلقين (١/ ٣١٠)، وانظر: المسالك في شرح موطأ مالك لابن العربي (٢/ ١٤٤).
(٥) المذهب (١/ ١٦٨).
(٦) الرخصة: بإسكان الخاء - وهي في اصطلاح الأصوليين: حكم غير من صعوبة إلى سهولة لعذر مع قيام سبب الحكم الأصلي مثل قصر الصلاة الرباعية في السفر، مع بقاء حكمها تامة في الحضر. انظر: نثر الورود (١/ ٦٨).
[ ١ / ٢٩٨ ]
فالمسح على الخفين رخصة وتخفيف، والغسل أفضل منه فيكون الجواز بمعنى خلاف الأولى، ولا مفهوم للخفين بل مثلهما الجرموقان، وهما خفان غليظان لا ساق لهما (^١) ومثلهما الجوربان، وهما على شكل الخف يصنعان من نحو القطن ويغشيان بجلد.
والأصل في مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع فأما الكتاب فقراءة الجر في قوله تعالى: ﴿وأرجلكم﴾ وفعله ﵊ ومن الأحاديث في ذلك:
ما روى البخاري ومسلم عن همام قال: بال جرير ثم توضأ ومسح على خفيه فقيل تفعل هذا؟ فقال: نعم! «رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم توضأ ومسح على خفيه» قال الأعمش قال إبراهيم: «كان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة» (^٢).
أي: حديث جرير ﵁ كان يعجب إبراهيم النخعي وغيره من التابعين، لأنه يدل على أن جواز المسح على الخفين باق، ولم ينسخ بآية الوضوء في المائدة، والتي فيها وجوب غسل الرجلين، لأن جريرا ﵁ أسلم بعد نزولها ورأى النبي ﷺ يمسح عليهما.
(في الحضر) لحديث حذيفة ﵁ قال: «كنت مع النبي ﷺ فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائما، فتنحيت، فقال: ادنه، فدنوت حتى قمت عند عقبيه فتوضأ فمسح على خفيه» (^٣)، قال النووي: وفيه دليل على المسح على الخفين في الحضر، مالك عن نافع: أن عبد الله بن عمر بال في السوق، ثم توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه، ثم دعي لجنازة ليصلي عليها حين دخل المسجد فمسح على خفيه ثم صلى عليها (^٤).
_________________
(١) التوضيح (٣٨١).
(٢) البخاري (٣٨٠)، ومسلم (٢٧٢).
(٣) مسلم (٧٣) (٢٧٣).
(٤) مالك في الموطأ (٧٣).
[ ١ / ٢٩٩ ]
(والسفر) لحديث جرير السابق، والمغيرة بن شعبة: عن رسول الله ﷺ: «أنه خرج لحاجته فاتبعه المغيرة بإداوة فيها ماء فصب عليه حين فرغ من حاجته فتوضأ ومسح على الخفين» (^١)، وقد كان في غزوة تبوك، ولأن المسح على الخفين من باب الرخص، والرخص لا تختص بالسفر فيجوز فعله حضرا وسفرا، وعلى المشهور لا يشترط لجواز المسح إباحة السفر (ما لم ينزعهما)؛ أي: أن المسح على الخفين غير محدود بمدة معلومة من الزمان وهو المشهور عن مالك، واحتجوا بحديث ابن أبي عمارة بكسر العين في ترك التوقيت أنه قال: يا رسول الله أمسح على الخفين؟ قال: نعم، قال: يوما؟ قال: يوما، قال ويومين؟ قال ويومين قال وثلاثة؟ قال: نعم وما شئت (^٢)، وروي عن مالك توقيته في الحضر بيوم وليلة، وفي السفر بثلاثة أيام، وهو رواية أشهب وإليه ذهب ابن العربي (^٣)، وهو الثابت الصحيح عن النبي ﷺ كما في حديث شريح بن هانئ قال: «أتيت عائشة ﵂ أسألها عن المسح على الخفين فقالت: عليك بابن أبي طالب فأسأله فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ: فسألناه فقال: جعل رسول الله ﷺ: ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم» (^٤)؛ قال ابن
_________________
(١) البخاري (٢٠٠)، ومسلم (٦٤٩).
(٢) أخرجه مالك كما في موطأ رواية محمد بن الحسن (١/ ١٠٦)، دار القلم، دمشق ١٤١٣ هـ، وأبو داود (١٨٣)، وابن ماجه، والدارقطني، وهو حديث ضعيف، ضعفه البخاري، وقال أبو داود: اختلف في إسناده وليس بالقوي، وقال أبو زرعة: رجاله لا يعرفون، وقال ابن حبان لست أعتمد على إسناد خبره، وقال ابن عبد البر: لا يثبت وليس إسناده بقائم، كذا ذكره الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث شرح الوجيز للرافعي، ونقل النووي في شرح المهذب (١/ ٤٨٤) اتفاق الأئمة على ضعفه، وانظر: أحاديث عدم التوقيت في نصب الراية (١/ ١٧٥) وما بعدها. وممن ضعفه: الفقيه المالكي المحدث ابن العربي في العارضة (١/ ١٤٢).
(٣) واستدل كل من القرافي والباجي والقرطبي على جواز المسح في الحضر بحديث عائشة، ولكن الغريب أنهم لم يعتبروه في تحديد مدة المسح بينما الحديث نص في التحديد، الفقه المالكي وأدلته للحبيب بن طاهر (١/ ١٠٤)، ط: ابن حزم.
(٤) رواه مسلم (٢٧٦).
[ ١ / ٣٠٠ ]
العربي (^١): والحديث … .. وتستمر هذه الرخصة وهي جواز المسح عليهما مدة التوقيت الوارد إلى أن ينزعهما، فإن نزعهما بطل المسح عليهما اتفاقا، لقوله ﷺ: «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين»، وحديث صفوان: «أمرنا رسول الله أن نمسح ثلاثا إذا سافرنا، ويوما وليلة إذا أقمنا، ولا ننزعهما من غائط ولا بول ولا نوم، ولكن من الجنابة»، وتلزمه المبادرة لغسل رجليه، فإن أخر غسلهما عامدا بقدر ما تجف فيه أعضاء الوضوء ابتدأ الوضوء، ومثله العاجز والناسي يبني طال أو لم يطل. وإذا خلع إحدى خفيه خلع الأخرى، وغسل رجليه، ولم يجز المسح على إحداهما وغسل الأخرى.
شروط المسح على الخفين:
وللمسح شروط عشرة: خمسة في الممسوح وخمسة في الماسح (^٢).
فشروط الممسوح:
١ - أن يكون جلدا لا ما صنع على هيئة الخف من نحو القطن.
٢ - طاهرا لا نجسا كجلد ميتة ولو دبغ، ولا متنجسا مخروزا.
٣ - ساترا لمحل الفرض، لا ما نقص عنه.
٤ - وأن يمكن تتابع المشي فيه بحيث لا يكون واسعا ولا ضيقا جدا وإلا فلا يجوز المسح حينئذ.
وشروط الماسح:
١ - أن لا يكون عاصيا بلبسه، فالرجل المحرم لا يمسح على الخفين.
٢ - ولا مترفها بلبسه فإن كان مترفها بلبسه كما إذا لبسه ليدفع عنه مشقة غسل الرجلين أو غير ذلك مما يصدق عليه اسم الترفيه لم يجزئه المسح ويعيد أبدا، وأما إن لبسه لاتقاء حر أو برد أو اقتداء بالنبي فإنه يمسح حينئذ.
٣ - وأن يلبسه على طهارة مائية ولو غسلا يستباح بهما الصلاة، فلا
_________________
(١) عارضة الأحوذي لابن العربي (١/ ١٤٥).
(٢) المذهب في ضبط المذهب (١/ ١٦٨)، التوضيح (٣٨٠).
[ ١ / ٣٠١ ]
يمسح لابسه على طهارة ترابية ومعنى بأن كان يستباح بها الصلاة احترازا من الوضوء للتبرد (وذلك)؛ أي: المسح المرخص فيه (إذا أدخل) الماسح (فيهما)؛ أي: الخفين (رجليه بعد أن غسلهما في وضوء تحل به الصلاة) تضمن هذا الكلام بعض الشروط التي ترخص المسح، فإن قوله: غسلهما يتضمن لبسهما على طهارة، وكونها مائية لحديث المغيرة بن شعبة السابق، وسؤال ابن عمر ﵄ لأبيه عن المسح فقال عمر ﵁: «إذا أدخلت رجليك في الخفين وهما طاهرتان بطهر الوضوء فامسح عليهما» (^١). وقوله: تحل به الصلاة يتضمن أن تكون كاملة حسا ومعنى (فهذا الذي) أدخل رجليه في الخف بعد غسلهما إلخ مع بقية الشروط هو الذي يرخص له (إذا أحدث) بعد ذلك الحدث الأصغر (و) أراد أن (يتوضأ مسح عليهما) () وتقييد الحدث بالأصغر لأن الأكبر مبطل للمسح لوجوب الغسل عليه كما مر في حديث صفوان ﵁ (وإلا)؛ أي: وإن لم يكن كذلك بأن لبسهما على غير طهارة أو طهارة ترابية أو على طهارة مائية قبل كمالها (ف) هذا (لا) يرخص له المسح.
• صفة المسح على الخفين (^٢):
(وصفة المسح) المستحبة (أن يجعل) الماسح (يده اليمنى) على رجله اليمنى من فوق الخف يبدأ بذلك ومن طرف بتحريك الراء (الأصابع)؛ أي: أصابع رجله اليمنى (و) يجعل (يده اليسرى من تحت ذلك)؛ أي: من تحت الأصابع (ثم) بعد أن يفعل ذلك (يذهب)؛ أي: يمر (بيديه إلى حد)؛ أي: منتهى (الكعبين) الناتئين بطرفي الساقين ويدخلهما في المسح كالوضوء لأنه بدل عنه.
ويكره له أن يتتبع الغضون وهي التجعيدات التي فيه لأن المسح مبني على التخفيف، وأن يكرر المسح ولا يغسله، فإن فعل ذلك أجزأه. ويندب له المسح لما يستقبل من الصلوات إن غسله بنية الوضوء فقط أو انضم لها نية
_________________
(١) رواه مالك في الموطأ (٧٢).
(٢) انظر: التوضيح (٣٨٩)، والإشراف (١/ ١٢٩).
[ ١ / ٣٠٢ ]
إزالة الطين أو نجاسته ولو معفوا عنها. فإن غسله بنية إزالة طين أو نجاسة أو لم ينو شيئا فلا يجزئه. (وكذلك يفعل بـ) رجله (اليسرى) مثل ذلك أي مثل ما فعل في اليمنى. والمرور باليدين إلى حد الكعبين، ولكن وضعهما على اليسرى عكس وضعهما على اليمنى فيجعل يده اليسرى من فوقها ويده (اليمنى من أسفلها) لما في رواية الترمذي من حديث المغيرة: «أن النبي ﷺ مسح على أعلى الخف وأسفله» (^١)، وعن مالك أنه سأل ابن شهاب عن المسح على الخفين كيف هو؟ فأدخل ابن شهاب إحدى يديه تحت الخف، والأخرى فوقه، ثم أمرهما قال يحيى: قال مالك: وقول ابن شهاب أحب ما سمعت إلي في ذلك (^٢).
وقال ابن شبلون (^٣): اليسرى كاليمنى على ظاهر المدونة.
والمشهور وجوب مسح أعلاه قال علي ﵁: «لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه» (^٤). وقال المغيرة: «رأيت رسول الله ﷺ يمسح ظهري الخفين» (^٥).
(ولا يمسح على طين في أسفل خفه أو روث دابة) بالمد وتشديد الباء في اصطلاح الفقهاء البغل والفرس والحمار (حتى يزيله)؛ أي: ما أصابه منهما (بمسح) للطين (أو غسل) للروث النجس، وأولى لو غسل الطين أو الروث الطاهرين.
_________________
(١) الترمذي (٩٧).
(٢) الموطأ (٨٨)، باب: العمل في المسح على الخفين.
(٣) ابن شبلون: أبو القاسم عبد الخالق بن خلف بن شبلون بن أبي سعد، فقيه، كان الاعتماد عليه في الفتيا والتدريس بالقيروان بعد أبي محمد بن أبي زيد المدارك (٢/ ٢٢).
(٤) سنن ابي داود (١٦٢) رواه أبو داود وسكت عنه، كما سكت عنه المنذري ورواه البيهقي (١/ ٢٩٢)، باب: الاقتصار بالمسح على ظاهر الخفين. وقال الحافظ في البلوغ (٥٥): إسناده حسن.
(٥) قال ابن عبد البر في التمهيد (١١/ ١٥٠): وهذا أيضا منقطع ليس فيه حجة.
[ ١ / ٣٠٣ ]
قال عبد الوهاب: لأن المسح إنما يكون على الخف، وهذا حائل دون الخف، فوجب نزعه (^١). ونظر فيه الفاكهاني بأن ذلك على سبيل الندب دون الوجوب، لأنه لو ترك مسح أسفل الخف جملة لم يكن عليه إعادة إلا في الوقت على قول ابن القاسم، وعلى قول أشهب لا إعادة عليه لا في الوقت ولا في غيره.
(و) قد (قيل يبدأ في مسح أسفله من الكعبين إلى أطراف الأصابع) هذه صفة أخرى في المسح على الخف، يعني والمسألة بحالها من وضع اليمنى على اليمنى واليسرى على اليسرى. (لئلا يصل إلى عقب خفه شيء من رطوبة ما مسح من خفيه من القشب) بفتح القاف وسكون المعجمة العذرة اليابسة عند أهل اللغة. وإنما كان يبدأ من الكعبين لئلا ينتقل شيء من القشب إلى أعلى الخف بخصوصه لأن نقل النجاسة من موضع إلى آخر لازم على كل حال بدأ من العقب أو من الأصابع؛ أي: ونقل النجاسة إلى أعلى الخف أشد من نقلها في أسفله؛ أي: من حيث إن ترك مسح الأعلى يبطل المسح دون الأسفل.
(وإن كان في أسفله طين فلا يمسح عليه حتى يزيله)؛ أي: تجب إزالته على القول بأن مسح الأسفل واجب، وتندب على القول بأنه مندوب.
ولا بد من الإشارة إلى حكم المسح على الجبيرة (^٢)، فإذا كان مريد الوضوء مصابا بجروح فإن استطاع المسح على الموضع المصاب مسح عليه وإلا انتقل إلى المسح على الجبيرة، وكل ربط تحتاجه لتثبيتها، ولا يشترط لبسها على طهارة، فإن سقطت عن موضعها أعادها ولا يعيد المسح عليها.
تنبيه: «لو تلبس بالصلاة وسقطت الجبيرة، فإن لم يحتج إليها غسل ما
_________________
(١) واختلف في المسح على الخف المغصوب، فقال ابن عطاء الله: لا يصح المسح عليه. وقال القرافي: يمسح، وذكرهما صاحب المختصر ترددا، تنوير المقالة (١/ ٥٩٩)، الذخيرة (١/ ٣٢٧)، المختصر (١٨).
(٢) الفواكه الدواني (١/ ١٦٨).
[ ١ / ٣٠٤ ]
تحتها، أو مسحه، وإلا ردها ومسح عليها، وابتدأ الصلاة» (^١).
• مسألة هامة وهي المسح على الجوربين:
تعريف الجوربين:
الجورب قيل الجورب: لفافة الرجل، وقيل هو غطاء للقدم يتخذ للبرد.
قال أبو بكر بن العربي: «الجورب غشاء للقدم من صوف يتخذ للدفاء … وهو التسخان» (^٢).
• كلام الفقهاء على حكم المسح على الجوربين:
قال ابن رشد ﵀ في «البداية»:
وأما نوع محل المسح فإن الفقهاء القائلين بالمسح اتفقوا على جواز المسح على الخفين، واختلفوا في المسح على الجوربين فأجاز ذلك قوم ومنعه قوم.
وممن منع ذلك مالك والشافعي وأبو حنيفة، وممن أجاز ذلك أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة وسفيان الثوري.
وسبب اختلافهم: اختلافهم في صحة الآثار الواردة عنه ﵊ أنه مسح على الجوربين والنعلين. واختلافهم أيضا في: هل يقاس على الخف غيره أم هي عبادة لا يقاس عليها ولا يتعدى بها محلها؟ فمن لم يصح عنده الحديث أو لم يبلغه، ومن لم ير القياس على الخف قصر المسح عليه، ومن صح عنده الأثر، أو جوز القياس على الخف أجاز المسح على الجوربين، وهذا الأثر لم يخرجه الشيخان (أعني: البخاري ومسلما) وصححه الترمذي.
ولتردد الجوربين المجلدين بين الخف والجورب غير المجلد عن مالك
_________________
(١) المذهب (١/ ١٧٢).
(٢) في عارضة الأحوذي، ومثله في قوة المعتذي للسيوطي، نقله عنه في عون المعبود (١/ ١٨٥).
[ ١ / ٣٠٥ ]
في المسح عليهما روايتان إحداهما بالمنع والأخرى بالجواز (^١).
قلت: أما الحديث فصحيح كما قال ابن رشد (^٢).
الحديث الثاني:
عن ثوبان، قال: «بعث رسول الله ﷺ سرية، فأصابهم البرد، فلما قدموا على النبي ﷺ شكوا إليه ما أصابهم من البرد، فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين» (^٣). والعصائب: هي العمائم والتساخين: كل ما يسخن به القدم من خف وجورب ونحوهما، ولا واحد لها من لفظها.
الحديث الثالث:
وعن أبي موسى الأشعري عن النبي ﵇: «أنه مسح على الجوربين» (^٤).
الحديث الرابع:
عن المغيرة بن شعبة ﵁: «أن رسول الله ﵇ توضأ ومسح على
_________________
(١) بداية المجتهد لابن رشد (١/ ٤٦).
(٢) إسناده صحيح، رجاله رجال الصحيح. وهو في «صحيح ابن خزيمة» برقم (١٩٨). وأخرجه ابن أبي شيبه (١/ ١٨٨)، وأحمد (٤/ ٢٥٢)، وأبو داود (١٥٩)، والترمذي (٩٩)، وابن ماجه (٥٥٩)، والنسائي في «الكبرى» كما في «التحفة» (٨/ ٤٩٣) من طرق عن وكيع، عن سفيان، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٩٧)، والطبراني (٢٠/ ٩٩٦)، والبيهقي في «السنن» (١/ ٢٨٣) من طرق عن سفيان، به. وفي الباب: عن ثوبان.
(٣) أخرجه أحمد (٥/ ٢٧٧)، ومن طريقه أبو داود (١٤٦) عن يحيى بن سعيد، عن ثور بن يزيد الكلاعي، عن راشد بن سعد، عن ثوبان وإسناده صحيح، رجاله ثقات، وصححه الحاكم (١/ ١٦٩)، ووافقه الذهبي. وإعلاله بالانقطاع بين راشد بن سعد وثوبان مردود، فإنه قد عاصر ثوبان قرابة ثمانية عشر عاما، ولم يصفه أحد بالتدليس، وقد جزم البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٢٩٢) بأنه سمع منه. انظر: «نصب الراية» (١/ ١٦٥). قال الألباني: قلت: إسناده صحيح، وكذا قال النووي، وصححه الحاكم والذهبي والزيلعي.
(٤) عند ابن ماجه (٥٦٠)، والطحاوي (١/ ٩٧)، وفي سنده عيسى بن سنان الحنفي الفلسطيني، وهو ضعيف.
[ ١ / ٣٠٦ ]
الجوربين والنعلين» (^١).
الحديث الخامس:
عن كعب بن عجرة، عن بلال ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يمسح على الخفين والجوربين» (^٢).
• عمل الصحابة والتابعين بحديث المسح على الجورب والتساخين:
إن عمل الصحابة والتابعين لأحاديث المسح على الجوربين تقتضي جواز ذلك وإباحته، وأن عملهم عاضد لتلك الأحاديث.
قال أبو داود ومسح على الجوربين: علي بن أبي طالب، وأبو مسعود، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وسهل بن سعد، وعمرو بن حريث. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن عباس ﵃.
ومن التابعين عن قتادة وابن المسيب وابن جريج وعطاء والنخعي والحسن وخلاس وابن جبير ونافع رحمهم الله تعالى (^٣).
قال ابن المنذر: اختلف أهل العلم في المسح على الجوربين فقالت
_________________
(١) رواه أبو داود (١٥٩) والترمذي: كتاب الطهارة، باب ما جاء في المسح على الجوربين والنعلين (٩٩)، وابن ماجه كتاب الطهارة، باب ما جاء في المسح على الجوربين والنعلين (٥٥٩). وابن خزيمة في صحيحه (١٩٨)، وابن حبان في صحيحه (١٣٣٨)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٤١٥) رقم (٩٩٦)، قال الترمذي: حسن صحيح. وقد ذكر البيهقي وغيره تضعيف الحديث (١/ ٢٨٤) عن مسلم، وأحمد والثوري، وابن معين، ورد التضعيف بأنه قيل: المعروف من رواية المغيرة المسح على الخفين وأجيب بأنه لا مانع من أن يروي المغيرة اللفظين وقد عضده فعل الصحابة ا. هـ. كما سنذكرهم. قال شيخ الإسلام منصور الحنبلي في شرح الإقناع وتكلم بعضهم في الحديث - أي: حديث المغيرة - لأن المعروف عن المغيرة (الخفين) قال في المبدع: وهذا لا يصلح مانعا لجواز رواية اللفظين فيصح المسح على ما تقدم (أي: الجوربين).
(٢) المعجم الكبير للطبراني (١/ ١٠٦٠).
(٣) أبو داود (١٥٩).
[ ١ / ٣٠٧ ]
طائفة: يمسح على الجوربين، روي إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب رسول الله ﷺ: علي بن أبي طالب (^١)، وعمار بن ياسر (^٢)، وأبي مسعود (^٣)، وأنس بن مالك (^٤)، وابن عمر (^٥)، والبراء بن عازب (^٦)، وبلال (^٧)، وأبي أمامة (^٨)، وسهل بن سعد (^٩).
وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، وسعيد بن جبير، والنخعي، والأعمش، والحسن بن صالح بن حي، وابن المبارك، وزفر، وأحمد وإسحاق، وأبي ثور، وأبي يوسف، ومحمد (^١٠).
• ما هو حد الجوربين عند المالكية:
الجوربان المختلف في المسح عليهما عند المالكية: هما كما قال ابن القاسم: كان يقول مالك في الجوربين يكونان على الرجل وأسفلهما جلد مخروز وظاهرهما جلد محروز أنه يمسح عليهما. قال: ثم رجع فقال: لا يمسح عليهما (^١١).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢١٦).
(٢) ابن أبي شيبة (١/ ٢٠٩) في المسح على الخفين.
(٣) مصنف عبد الرزاق (٧٧٧) (٧٧٤) قال محمد شمس الحق العظيم آبادي في عون المعبود (١/ ٢٧٤) والمباركفوري في تحفة الأحوذي (١/ ٢٨٧): سنده صحيح.
(٤) عبد الرزاق (٧٧٩)، قال البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٨٥): ورفعه بعض الضعفاء، وليس بشيء اهـ.
(٥) عبد الرزاق (٧٨٢) وغيره من طريق أبي جعفر به عن يحيى البكاء قال: سمعت ابن عمر يقول: المسح على الجوربين كالمسح على الخفين.
(٦) عبد الرزاق (٧٧٨).
(٧) النسائي (١/ ٧٦) يرفعه بلال إلى النبي ﷺ. أما مسح بلال فقيل عنه: ان إسناده ضعيف، انظر: تحقيق الأوسط (٢/ ١١٦).
(٨) ابن أبي شيبة (١/ ٢١٦) في المسح على الجوربين.
(٩) ابن ابي شيبة (١/ ٢١٧).
(١٠) الأوسط لابن المنذر (٢/ ١١٥)، ط: الأوقاف القطرية.
(١١) المدونة (١/ ١٤٣) دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ/ ١٩٩٤ م.
[ ١ / ٣٠٨ ]
قال ابن عبد البر: فإن كان الجوربان مجلدين كالخفين مسح عليهما، وقد روي عن مالك: منع المسح على الجوربين وإن كانا مجلدين والأول أصح (^١).
قال ابن الحاجب: فلا يمسح على الجورب وشبهه ولا على الجرموق إلا أن يكون من فوقه ومن تحته جلد مخروز، ثم قال: لا يمسح عليه، واختار ابن القاسم الأول، وهو جورب مجلد، وقيل خف غليظ ذو ساقين، وقيل يمسح مطلقا (^٢).
قال خليل في «التوضيح»: والجورب: ما كان على شكل الخف من كتان أو صوف أو غير ذلك، وشبهه: الخرق تلف على الرجل.
والجرموق بضم الجيم والميم بينهما راء ساكنة - فسره مالك في رواية ابن القاسم بأنه جورب مجلد، من تحته ومن فوقه جلد مخروز، وعلى هذا فإطلاق الجرموق عليه قبل التجليد مجاز.
فتبين أن المذهب لا يجوز فيه المسح على الجوربين، وذلك لأن العلة في عدمه: إن الرخصة لم ترد فيه.
وهذا مبني على الخلاف الواقع في جواز أو عدم جواز القياس على الرخصة في العبادات، وعلماء المذهب فيه على قولين، قول بالمنع، وقول بالجواز (^٣).
قال القرافي: حجة المنع أن الرخص مخالفة للدليل، فالقول بالقياس عليها يؤدي إلى كثرة مخالفة الدليل، فوجب أن لا يجوز.
وحجة المجيزين أن الدليل إنما يخالفه صاحب الشرع لمصلحة تزيد على مصلحة ذلك الدليل عملا بالاستقراء، وتقديم الأرجح هو شأن صاحب الشرع
_________________
(١) الكافي (١/ ١٧٨).
(٢) التوضيح على جامع الأمهات (١/ ٥٤٨).
(٣) انظر: تنقيح الفصول للقرافي (٤١٥ - ٤١٦)، ونشر البنود (٢/ ١٠٤ - ١٠٥)، ط: المكتبة العصرية، ١٤٣٢ هـ/ ٢٠١١ م.
[ ١ / ٣٠٩ ]
وهو مقتضى الدليل، فإذا وجدنا تلك المصلحة التي لأجلها شرع الحكم في صورة وجب أن يخالف الدليل لها عملا برجحانها فنحن حينئذ كثرنا موافقة الدليل لا مخالفته اهـ (^١).
فإن قلنا إن الذين ذهبوا إلى القول بمنع القياس في العبادات، قلنا ثبت عندنا أنهم استعملوه في مواضع أخرى منها:
١ - جواز المسح على الجورب المجلد وهو ليس بخف قطعا لأن الخف يكون سداه ولحمته جميعا من جلد، وهذا ملفق من شيئين جلد وصوف، فلماذا جوزوا هذا ولم يجوزوا الصوف مستقلا (^٢)، أو الكتان ونحوهما، مع أن الحكمة تقتضي المساواة في الحكم، لأن الرخصة التي جاءت لرفع المشقة عن المتوضئ بجواز المسح على الخفين غير منتفية في الجوربين.
أولا: أن الشرع لم يفرق في الإحرام بين بياض الثوب وسواده مع العلم أن النبي ﷺ وأصحابه قد أحرموا في البياض، ولو أحرم محرم في السواد ما كان مخالفا لواجبات الإحرام.
ثانيا: أن الغاية المرخص فيها من المسح على الجلد لطول بقائه وقوته لا لشيء آخر.
ثالثا: أن الحاجة إلى المسح سواء فيهما فلا فرق مؤثر يلغي جوازه في ما سوى الجلد.
رابعا: إن الفرق طردي عديم التأثير.
٢ - استعمل المالكية القياس في التيمم على الثلج وهو ليس من أجزائها (^٣)، فلماذا أرخصوا فيه ولم يرخصوا في المسح على الجوربين؟ مع أنهما في رفع الحدث معا.
_________________
(١) شرح تنقيح الفصول (١/ ٤١٦)، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، الناشر: شركة الطباعة الفنية المتحدة، الطبعة: الأولى، ١٣٩٣ هـ/ ١٩٧٣ م.
(٢) مع أن العمل به ثابت عن بعض الصحابة كأنس ﵁.
(٣) المدونة (١/ ١٤٨). كما في رواية علي بن زياد، وانظر: التاج والإكليل (١/ ٥١٥).
[ ١ / ٣١٠ ]
قال ابن رشد: وأما إجازة التيمم بما يتولد منها فضعيف إذ كان لا يتناوله اسم الصعيد فإن أعم دلالة اسم الصعيد أن يدل على ما تدل عليه الأرض، لا أن يدل على الزرنيخ والنورة، ولا على الثلج، والحشيش، والله الموفق للصواب (^١).
٣ - جوزوا المسح على الخف الأعلى (^٢)، وليس ثمت أثر يثبت أن النبي ﷺ كان يردف خفا على خف فيما نعلم أين لهم القياس في هذا ليجيزوه، ويمنعوه في المسح على الجوربين والحاجة إليه أشد. ولو تتبعنا المسائل التعبدية التي جوزوا فيها القياس لوجدناها غير قليلة.
• ممن قال من المالكية بجواز المسح على الجوربين:
قال بذلك ابن الحاجب كما تقدم في قوله: وقيل يمسح عليها مطلقا، قال خليل في «التوضيح»: الظاهر أنه راجع إلى الجرموق، ومعنى مطلقا؛ أي: سواء قيل: إنه جورب، أو خف غليظ، هكذا ظهر لي في هذا المحل والله أعلم.
وقال الشراح الثلاثة: هو يقتضي جواز المسح على الجورب وإن كان غير مجلد (^٣)، ويعني بالشراح الجامع الأمهات ابن عبد السلام، والثعالبي والقلشاني.
والراجح عندي والله أعلم جواز المسح عليهما ما داما يغطيان محل الفرض، ولبسا على طهارة، واحتيج إليهما في برد ومرض وسفر ونحو ذلك، وبذلك قال صاحبا أبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، وما جعل عليكم في الدين من حرج. والله أعلم.
_________________
(١) بداية المجتهد (١/ ١١٠)، ط: دار المعرفة.
(٢) انظر: التوضيح (١/ ٥٥١)، والتبصرة (١/ ٣٧).
(٣) التوضيح (١/ ٥٥١).
[ ١ / ٣١١ ]