بسم الله الرحمن الرحيم
[وصلى الله على نبينا محمَّد وآله وصحبه وسلم] (١).
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها ست مسائل:
المسألة الأولى إذا خلا بزوجته ثم طلقها
فلا يخلو حالهما من أربعة أوجه:
أحدها: أن يتصادقا على وجود المسيس.
والثاني: أن يتصادقا على نفيه.
والثالث: أن يختلفا فتدعي الزوجة المسيس وينكره الزوج.
والرابع: أن يدعيه الزوج، وتنكره المرأة.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا تصادق الزوجان على وجود المسيس، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن تعلم الخلوة بينهما.
والثاني: ألا تعلم.
فإن علمت الخلوة بينهما: فلا خلاف في المذهب في وجوب الصداق [لها] (٢) ووجوب العدة عليها، وثبوت الرجعة له عليها من غير اعتبار، بأن تكون رشيدة أو [محجور عليها] (٣) وأن الإحلال والإحصان حاصل
_________________
(١) زيادة من ع، هـ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في هـ: سفيهة.
[ ٤ / ٩٧ ]
بينهما.
وأما إذا لم تعلم الخلوة بينهما، وقد تصادقا على المسيس، فلا تخلو من أن تكون رشيدة أو سفيهة.
فإن كانت رشيدة: فلها جميع الصداق وعليها العدة ولها النفقة، في أمد العدة ولا رجعة له عليها إلا أن يعطيها ربع دينار فيلزمها النكاح؛ لأنها أقرت له بثبوت الرجعة وبقاء العصمة غير إن اتهمناهما أن يكون ذلك [منهما] (١) [تواطئا] (٢) على إجازة النكاح بلا صداق ولا ولي. فإذا أعطاها ربع دينار فلا مقال لها ولا لغيرها [حتى] (٣) يقوم بحق الله تعالى.
فإن كانت سفيهة أو يتيمة: فلا يجوز للزوج ارتجاعها بزيادة ربع دينار، إذ النظر في ذلك إلى من له عليها ولاية الحجر من أب أو وصي أو حاكم.
وإلى هذا ذهب الشيخ أبو القاسم بن محرز، وهو ظاهر "المدونة".
والجواب عن الوجه الثاني: إذا تصادقا على نفي المسيس، فلا تخلو من أن يكون ذلك باختيار من الزوج أو بغير اختياره: فإن كان ذلك باختياره فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن تعلم الخلوة بينهما.
والثاني: ألا تعلم.
فإن علمت الخلوة بينهما، فلا يخلو من أن تكون المرأة رشيدة أو سفيهة.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ع، هـ: تراضيا.
(٣) في هـ: ممن.
[ ٤ / ٩٨ ]
فإن كانت رشيدة: فإنها تصدق في حقها الذي هو كمال الصداق وإسقاط النفقة، ولا تصدق في [إسقاط] (١) حق الله تعالى الذي هو العدة، وسواء كانت خلوة بناء أو خلوة زيارة.
فإن كانت سفيهة، فلا تخلو من أن تكون الخلوة خلوة زيارة أو تكون بناء.
فإن كانت الخلوة خلوة زيارة: فإنها [تصدق] (٢) أيضًا كما لو كانت رشيدة.
فإن كانت خلوة بناء، فهل تصدق أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها تصدق، ولها نصف الصداق، وهو ظاهر قول مالك في أول "كتاب إرخاء الستور" من "المدونة".
والثاني: أنها لا تصدق لأنها تسقط ما وجب لها من الصداق والنفقة، وهو قول سحنون، وهذا القول أسعد بظاهر "المدونة" في غير ما موضع.
فإذا لم تعلم الخلوة بينهما: فلا خلاف أنها تصدق رشيدة كانت أو سفيهة.
[وأما] (٣) الوجه الثاني من الوجه الثاني: إذا كان ذلك من غير اختيار من الزوج، مثل أن يعجز عن الوطء حتى [طلق] (٤)، هل لها جميع الصداق أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ، جـ: تصادق.
(٣) في أ، جـ: فأما.
(٤) في أ: تطلق.
[ ٤ / ٩٩ ]
أحدها: أن لها جميع الصداق طالت إقامتها معه أو قصرت، وهذا القول حكاه القاضي أبو الحسن بن القصار عن مالك، وهو قول جماعة من الصحابة عُمر وزيد بن ثابت [وعليّ] (١) ومعاذ [﵃ أجمعين] (٢)، وبه قال الزهري والأوزاعي، وقال عمر - ﵁ -: ما ذنبهن إذا جاء العجز من قبلكم (٣).
والثاني: أنه ليس لها إلا نصف الصداق، طالت إقامتها معه أو قصرت، وهذا أحد أقاويل المذهب في التي طالت إقامتها مع زوجها: أن للأب أن يجبرها على النكاح، وهذا القول يشهد [له] (٤) ظاهر القول في قوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمسُّوهُنَّ ﴾ الآية (٥).
والقول الثالث: بالتفصيل بين أن تطول إقامتها معه: فيجب [لها] (٦) جميع الصداق أو تقصر: فلا يكون لها إلا نصف الصداق، وهو قول مالك في "المدونة"، وهذا الذي ذكره [الأصحاب] (٧)، وردوه [واعتمدوه] (٨). وعوّلوا على أن طول المكث يقوم مقام الدخول، وقد ذكرناه قبل هذا في "كتاب النكاح الأول" ومزقناه كل ممزق.
- ويشبه عندي أن يكون مثار الخلاف في المسألة [على اختلافهم] (٩)
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٠٨٧٣).
(٤) سقط من أ.
(٥) سورة البقرة الآية (٢٣٧).
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
(٨) في أ، جـ: واعتمدوا عليه.
(٩) سقط من أ.
[ ٤ / ١٠٠ ]
في دواعي الوطء، هل هي كالوطء أم لا؟
فمن رأى أنها كالوطء قال: يجب لها جميع الصداق، طالت المدة أو قصرت.
ومن رأى أنها ليست كالوطء قال: لا يجب لها إلا نصف الصداق، والقولان قائمان من "المدونة" من [هذا] (١) "الكتاب"، ومن كتاب "الطهارة" وغيرها من كتب "المدونة" على ما [سنتكلم] (٢) عليه في مواضعه إن شاء الله تعالى.
والتفصيل بين الطول وعدمه تردد بين القولين.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا ادعت الزوجة الوطء وأنكره الزوج، فلا يخلو من أن تعلم الخلوة بينهما أو لا تعلم:
فإن لم تعلم الخلوة بينهما: فالقول قول الزوج ويحلف.
فإن علمت بينهما، فلا يخلو من أن تكون خلوة بناء أو خلوة زيارة.
فإن كانت خلوة بناء، فلا يخلو من أن تدعي إصابة صحيحة أو إصابة فاسدة.
فإن ادعت إصابة صحيحة، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن القول قولها، بكرًا كانت أو ثيبًا، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أنها إن كانت ثيبا قبل قولها، وإن كانت بكرا نظر إليها النساء؛ لأن ذلك دليل يتوصل به إلى تصديق من شهد له بوجود البكارة ودليل له.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ع، هـ: سننبه.
[ ٤ / ١٠١ ]
وبوجود البكارة وجود أثر عدم الافتضاض دليل لها، وهي رواية ابن وهب وإسماعيل بن أبي يونس عن مالك أيضًا.
وعلى القول بأن القول قولها، هل ذلك بيمين أو بغير يمين؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن القول قولها بغير يمين، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب النكاح الثاني" في اختلاف الزوجين في متاع البيت.
والثاني: أن القول قولها بيمين، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب إرخاء الستور".
والقولان منصوصان في [المدونة] (١).
وسبب الخلاف: اختلافهم في دليل الحال، هل يقوم مقام الشاهدين أو مقام الشاهد الواحد؟ وهذا الأصل ينبني عليه كثير من فروع المذهب.
فإن كانت الخلوة خلوة بناء، فادعت إصابة فاسدة مثل: أن تدعي أنه وطئها، وهي محرمة أو معتكفة أو حائض أو في نهار رمضان، هل يقبل قولها أو لا يقبل؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه القول قولها جملة، وهو نص قوله في كتاب "إرخاء الستور".
والثاني: أن القول قول الزوج؛ لأنه مدع الحلال، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب السلم الثاني" في "باب اختلاف المتبايعين" في قوله: إذا اختلفا فقال أحدهما: لم يُضرب للسلم أجلًا، أو ادعى أن رأس المال تأخر شهر الشرط وأنكر الآخر، فقال: القول قول
_________________
(١) في أ، جـ: المذهب.
[ ٤ / ١٠٢ ]
مدعي الحلال منهما، وهذا منه تناقض.
والثالث: التفصيل بين أن يكون ممن يشار إليه بمثل ذلك فيصدق أو يكون الرجل الصالح فيصدق، وهو [اختيار] (١) اللخمي، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الشهادات"، وفي "كتاب الغصب"، وفي "كتاب القطع في السرقة" فيمن ادعى على رجل بالغصب أو بالسرقة، وادعت عليه المرأة أنه أكرهها على نفسها.
فأما إن كانت خلوتهما خلوة زيارة، فادعت الوطء وأنكره الزوج، فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أن القول قولها، حيثما أخذهما الغلق جملة، وهو قول مالك في "كتاب محمد"، وهو ظاهر قول ربيعة في "الكتاب".
والثاني: أن القول قول الزوج، حيثما أخذهما الغلق، وهو قول عيسى بن دينار فيما حكاه عنه فضل بن سلمة.
والثالث: التفصيل بين أن تكون الخلوة في بيت أهلها فيصدق عليها أو تكون عنده فتصدق عليه، وهو قول مالك في "المدونة".
والقول الرابع: التفصيل بين البكر والثيب.
فإن كانت ثيبًا فالقول قولها.
وإن كانت بكرًا نظر إليها [النساء] (٢)، وهذا القول مروي عن مالك فيما نقله عنه أبو محمَّد عبد الوهاب في "المذهب".
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في هـ: السلطان.
[ ٤ / ١٠٣ ]
وسبب الخلاف: اختلافهم [في المقصور] (١) بخلوة الزيارة، هل المقصود [بها] (٢) [الإيناس] (٣) والاجتماع دون الإصابة والاستمتاع أو المقصود بها التسليم والتمكين؟ فيكون القول قول من ادعى ما يصدقه العرف.
والجواب عن الوجه الرابع: إذا ادعى [المسيس الزوج] (٤)، وأنكرت هي، فلا يخلو من أن تكون الخلوة بينهما معلومة أو لم تعلم.
فإن علمت الخلوة بينهما فإن كانت خلوة زيارة فعليها العدة ولا رجعة له، وليس لها إلا نصف الصداق.
وإن كانت خلوة بناء كان لها جميع الصداق وعليها العدة، وهل للزوج الرجعة أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا رجعة له، وهو قول مالك في "كتاب ابن عبد الحكم"، قياسا على الإحلال عنده فقال: فكما لا يصح الإحلال إلا باجتماعهما على الوطء، فكذلك الرجعة.
والثاني: أن له الرجعة، وهو قول ابن القاسم ومحمد بن عبد الحكم.
فإن لم تعلم الخلوة بينهما أصلًا فلا خلاف في المذهب أنها لا عدة عليها ولا رجعة له، وهل يكون لها على الزوج جميع الصداق لإقراره [به] (٥) أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: منها.
(٣) في ع، هـ: الاستئناس.
(٤) في هـ: الزوج المسيس.
(٥) سقط من أ.
[ ٤ / ١٠٤ ]
أحدها: أن لها عليه جميع الصداق [لاعترافه إن شاءت أخذته وإن شاءت تركته وهذا هو قول ابن القاسم في المدونة وظاهره أن لها جميع الصداق] (١)، وسواء رجعت إلى تصديقه أو تمادت على الإنكار.
والثاني: أنها لا يكون لها الصداق ولا لها إلا نصفه، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب الرهون": فيما إذا قال المشتري اشتريت هذه السلعة بثمن إلى أجل، وقال البائع: [بل] (٢) بالثمن حالًا.
فقال ابن القاسم: القول قول البائع ويؤخذ المشتري بما أقر به من الثمن حالًا، إلا أن يكون أكثر مما ادعاه البائع.
فظاهره أنه لا فرق بين أن يرجع البائع إلى تصديق المشتري أو لا يرجع، بل لا يجوز للبائع الرجوع إلى قول المشتري، إذا كان ما أقر به المشتري أكثر، لما في ذلك من الربا لأنه باع مثلا عشرة بخمسة إلى أجل، وذلك سلف بزيادة، وهو ربا الجاهلية.
والقول الثالث: بالتفصيل بين أن يرجع إلى تصديقه فيكمل لها جميع الصداق، أو لا يرجع إلى تصديقه فلا يكمل لها، وهو قول سحنون، وتأويله على "المدونة"، وهو ظاهر قول أشهب في "المدونة" [في كتاب إرخاء الستور في الذي لم يعلم له بزوجته خلوة فطلقها أو أقر الزوج بوطئها] (٣)، فقال أشهب: إن صدقته فلها النفقة والسكنى، وإن لم تصدقه فلا نفقة لها ولا سكنى، فمنعها النفقة والسكنى إذا لم تصدقه مع كونه مقرًا لها بذلك.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ١٠٥ ]
وإلى هذا [التخريج] (١) ذهب بعض [شيوخ] (٢) المتأخرين.
وذهب بعضهم إلى أن بين المسألتين فرقا، وذلك أن الصداق حق مجرد اعترف به لها، وأنه متقرر في ذمته، وإن كانت لا تدعيه.
وهل هنا النفقة والسكنى من توابع العدة؟ فهي لا تطلبها ولا تجب لها ما لم تجب عليها عدة، ولا يلزمها عدة ما لم تصدقه، وكيف تطلبه بها، وهي تكذبه، وتتزوج غيره إن شاءت؟ وهذا لا يجتمع مع أحكام العدة والذي ذكره [هؤلاء المتأخرون] (٣) فرق صحيح. والله أعلم [والحمد لله وحده] (٤).
_________________
(١) في أ، جـ: الترجيح.
(٢) في أ، جـ: شيوخنا.
(٣) في ع، هـ: هذا المتأخر.
(٤) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٤ / ١٠٦ ]
المسألة الثانية في الرجعة
والرجعة يملكها الزوج في كل طلاق نقص عدده [عن] (١) الثلاث، ما لم يكن معه فداء.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ (٢).
إذا كانت الزوجة مدخولا [بها] ما دامت في عدتها، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٣)، [وقال أهل التأويل] (٤) الرجعة.
وقال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾.
وقوله - ﷺ - في حديث عبد الله بن عمر: "مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك، فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء" (٥).
ولا خلف بين الأمة أن الزوج يملك الرجعة في الطلاق الرجعي ما دامت في العدة، من غير اعتبار برضاها.
واتفق العلماء على أنها تكون بالنية مع القول.
_________________
(١) في أ: نحو.
(٢) سورة البقرة الآية (٢٢٨).
(٣) سورة الطلاق الآية (١).
(٤) في أ: إذ المراد.
(٥) أخرجه مسلم (١٤٧١).
[ ٤ / ١٠٧ ]
واختلفوا في الرجعة بالنية مع الفعل أو ما يقوم مقام الفعل؟ فذهب الشافعي إلى أن الرجعة لا تصح إلا بالقول.
وذهب أبو حنيفة أنها تصح بالقول بانفراده، وهو بالوطء بانفراده.
وذهب مالك إلى أنها تصح بالنية مع الفعل من الوطء [ودواعيه] (١).
واختلف المذهب عندنا في الرجعة بالقول أو بالفعل دون النية على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن الرجعة بالقول والفعل العاري عن النية صحيحة ثابتة، وهو قول ابن وهب في القول والوطء، وهو مذهب الليث بن سعد، وهو قول أكثر أهل المذهب في القول العاري عن النية، قياسا منهم على الطلاق بمجرد القول.
والثاني: أن الرجعة لا تصح إلا بالنية مع أحدهما، إما الفعل وإما القول، وهو قول أشهب في كتاب محمَّد، وهذا هو المشهور.
والثالث: التفصيل بين القول والفعل، فأسقطها في الفعل العاري عن النية، وأثبتها في القول المجرد عن النية، وهو قوله في "المدونة"، في قوله: إذا قال [لها] (٢) قد راجعتك، ثم قال: كنت لاعبًا، ولا نية على قوله: راجعتك. فقال مالك: هي رجعة.
وسبب الخلاف: اختلافهم في هذا النكاح، هل هزله جد أو هزله هزل؟
وهذا الخلاف أيضًا ينبني على اختلافهم في الطلاق بمجرد القول أو
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٤ / ١٠٨ ]
بمجرد القلب.
واختلف في الإشهاد على الرجعة، هل هو واجب أو مستحب؟ وهو مذهب الشافعي، وبه قال القاضي من أصحابنا.
واختلف المتأخرون في قول بكر القاضي، هل هو وفاق أو خلاف؟
فبعضهم يقول: إنه خلاف، وهو الصحيح؛ لأنها مسألة الخلاف بيننا وبين الشافعي.
ومنهم من حمل ذلك على أنه اختلاف يرجع إلى حال، وأن معنى قوله: الإشهاد واجب، أي: أنه [لا تثبت الرجعة إلا بالبينة عليها، بدليل أنه لو انقضت العدة، فزعم أنه ارتجع لم يقبل قوله إلا بالبينة.
ومعنى "الاستحباب" عند من استحب: أن يكون] (١) مقارنا للرجعة لا يتأخر عنها، وهذا التلفيق لا بأس به.
وسبب الخلاف: [عند من حمله على الخلاف] (٢) معارضة القياس للظاهر، وذلك أن ظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣) يقتضي الوجوب وتشبيه هذا الحق الذي هو الرجعة بسائر الحقوق التي يقبضها الإنسان [دون] (٤) الإشهاد، ويقتضي ألا يجب الإشهاد، فكان الجمع بين القياس والآية: حمل [الآية] (٥) على الندب.
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سورة الطلاق الآية (٢).
(٤) في ع، هـ: عند.
(٥) سقط من أ.
[ ٤ / ١٠٩ ]
فإذا ثبت بثبوت الرجعة للمطلق الطلاق الذي وصفناه فهي ثابتة له ما لم تنقضي العدة، على اختلاف أنواعها، بوضع الحمل إن كانت حاملًا، أو انقضاء ثلاثة أشهر إن كانت ممن لا تحيض لكبر أو صغر أو تربص ثلاثة قروء إن كانت ممن تحيض.
بيد أن العلماء اختلفوا في الأقراء، هل هي الحيض أو [الأطهار] (١)؟
- فذهب أبو حنيفة إلى أن الأقراء هي الحيض، وهو مذهب أحد عشر صاحب وجماعة من التابعين.
- وذهب الشافعي - ﵁ - إلى أن الأقراء هي الأطهار، وهو مذهب عائشة أم المؤمنين - ﵂ -.
- وأما مالك - ﵁ - فقد اضطرب مذهبه:
مرة يقول: إن الأقراء هي الأطهار، وهو المشهور من مذهبه، وإليه ذهب من [أصحابنا] (٢) الحذاق، وعليه يناظرون بالعراق.
ومرة يقول: إن الأقراء هي الحيض، إلا أن هذا القول لم يصرح به تصريحًا، لكنه يفهم من مذهبه، وذلك أن أصل مذهبه أن عدة الحرة ثلاث حيض والأمة حيضتان؛ لأن عدتها [حيضة ونصف] (٣) على النصف من عدة الحرة، إلا أن الحيضة لا تتبعض، فكملت [لها] (٤) حيضتان، فهذا يفهم منه أن الأقراء هي الحيض، فلو كانت الأقراء هي الأطهار: لكان على
_________________
(١) في هـ: الطهر.
(٢) في ع، هـ: أصحابه.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: عليها.
[ ٤ / ١١٠ ]
الأمة طهر ونصف؛ لأن الطهر مما يتبعض على ما علم من عادة كل حائض. وهذا ظاهر لمن أنصف.
وفائدة الخلاف وثمرته: أن من رأى الأقراء هي الأطهار: أنها إذا دخلت في الدم من الحيضة الثالثة انقضت عدتها، ولم يكن للزوج عليها رجعة، على ما لنا فيه من الخلاف سنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى.
ومن رأى أنها هي الحيض: لم تحل عنده إلا بانقضاء الحيضة الثالثة.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الذي يدل عليه ظاهر الآية في اسم (القرء) بعد اتفاقهم على أنه اسم مشترك:
فمن رأى أنها الأطهار، قال: هو الذي يدل عليه ظاهر الآية؛ لأن هذا الجمع خاص "بالقرء"، الذي هو "الطهر"، وذلك أن "القرء" الذي هو الحيض يجمع [على] (١) "أقراء" لا على "قروء"، وحكوا ذلك عن ابن الأنباري.
ومن طريق العربية [أيضًا] (٢): أن الحيض [مؤنثة] (٣)، والطهر مذكر، فلو كان القرء يراد به الحيض، لما ثبت في الجمع بالهاء؛ لأن الهاء لا تثبت في جمع المؤنث فيما دون العشرة.
ومن طريق الاشتقاق أيضًا: أن القرء مشتق من قريت الماء في الحوض إذا جمعته، وزمان اجتماع الدم هو زمان الطهر.
وربما استدل من انتحل هذا القول بقول الأعشى:
وفي كل عام أنت جاشم غزوة تشد لأقصاها عزيم عزائك
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: مؤنث.
[ ٤ / ١١١ ]
مورثة مالًا وفي الحمد رفعة لما ضاع فيها من قروء نسائك
يريد: أنه يطيل الغزو [ويطهر نساؤه من حيضتهن قبل قدومه] (١)، ويضيع ذلك الطهر من غير استمتاع.
وأما استدلالهم من جهة المسموع: فبحديث عبد الله بن عمر وقوله - ﷺ -: " [فليراجعها فيمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم تحيض ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك] (٢) فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء" [قالوا: وإجماعهم على أن طلاق السنة لا يكون إلا في طهر لم تمس فيه، وقوله - ﷺ -: "فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء"] (٣)، دليل واضح على أن الأقراء هي الأطهار لكي يكون [الطلاق متصلًا بالعدة] (٤).
ومن ذهب إلى أن الأقراء [هي الحيض قال: قوله تعالى] (٥): ثلاثة قروء ظاهر في تمام كل قرء منها؛ لأنه ليس ينطلق على بعضه ألا تجوز، وإذا وضعت الأقراء على الأطهار أمكن أن تكون العدة عندهم بقرأين وبعض قرء؛ [لأنها] (٦) تعتد عندهم بالطهر الذي تطلق [فيه] (٧) وإن مضى أكثره.
وإذا كان ذلك كذلك، فلا ينطلق عليه [اسم الثلاثة إلا تجوزًا واسم] (٨)
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ع، هـ: العدة متصلة بالطلاق.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ، جـ: لأن.
(٧) سقط من أ.
(٨) سقط من أ.
[ ٤ / ١١٢ ]
الثلاثة ظاهر في كمال كل قرء منها، وذلك لا يتفق إلا بأن تكون الأقراء هي الحيض؛ لأن الإجماع منعقد على أنها إن طلقت في حيضة [أنها لا تنعقد لكل] (١) واحد من الفريقين احتجاج ودليل، فناهيك عن مسألة اختلف فيها الصدر الأول.
وقد اختلف المذهب عندنا في [المرأة هل تحل بدخولها في الدم الثالث أو بانقضائه، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن المرأة إذا رأت أول قطرة من دم الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها] (٢)، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب إرخاء الستور".
والثاني: أنها لا تحل حتى تستمر الحيضة الثالثة [وتكون حيضة مستقيمة] (٣) وهي رواية أشهب عن مالك، وقال أشهب في "المدونة": غير أني أستحب لها ألا تتعجل بالتزويج حتى يتبين [أن الذي رأته دم الحيض] (٤) لأنها قد ترى الدم ساعة أو ساعتين، ثم ينقطع ذلك الدم عنها، فعلم أن ذلك ليس بحيض.
واختلف المتأخرون: هل هو [وفاق لقول ابن القاسم] (٥) وتفسير له أو هو خلاف [له] (٦)؟ والصحيح أنه خلاف له، وموافق لقول ابن وهب.
وفائدة الخلاف وثمرته: [إذا مات أحد الزوجين في أول] (٧) الدم من
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) غير واضحة في أ، والمثبت من هـ.
(٦) سقط من أ.
(٧) غير واضحة في أ، والمثبت من هـ.
[ ٤ / ١١٣ ]
الحيضة الثالثة وقبل أن تستمر وتعلم أنها حيضة صحيحة، هل يتوارثان أم لا؟
فعلى القول بأنها [تحل بأول الدم فلا يتوارثان وعلى القول] (١) بأنها لا تحل إلا بعد استمراره، قال: يتوارثان.
وهكذا اختلف المذهب فيما إذا راجعها [زوجها] (٢) قبل أن تستمر الحيضة [وقد انقطع الدم الثالث] (٣)، ثم عاودها بالقرب، هل هي رجعة صحيحة أو فاسدة؟ على قولين:
أحدهما: أنها رجعة فاسدة إذ قد [استبان أنها حيضة ثالثة] (٤) صحيحة وقعت الرجعة فيها، وهو الصحيح.
والثاني: أنها رجعة صحيحة ثابتة، رجع الدم عن قرب أو بعد، وهذا يتخرج [على الخلاف في الأمر] (٥) إذا وقع موقع السداد، ثم انكشف عن الفساد، هل يستصحب معه حالة الابتداء أو حالة الانتهاء؟
وأما [اختلافهم في أصل المسألة فسببه] (٦) اختلافهم في أقل الحيض، والدفعة من الحيض هل تسمى حيضة أم لا؟
فمذهب ابن القاسم أن الحيضة لا حد في [أقلها وأن الدفعة واللمعة تسمى عنده] (٧) حيضًا وحيضة، ويؤخذ له من كتاب "إرخاء الستور"
_________________
(١) غير واضحة في أ، والمثبت من هـ.
(٢) سقط من أ.
(٣) غير واضحة في أ، والمثبت من هـ.
(٤) غير واضحة في أ، والمثبت من هـ.
(٥) غير واضحة في أ، والمثبت من هـ.
(٦) غير واضحة في أ، والمثبت من هـ.
(٧) غير واضحة في أ، والمثبت من هـ.
[ ٤ / ١١٤ ]
و"كتاب الاستبراء" من "المدونة".
ومن رأى أن الدفعة لا [تسمى حيضة قال: لابد من] (١) تمادي الدم، والمسألة مبسوطة في "كتاب الوضوء" بما نعني عن إعادتها في هذا الموضع.
وإذا ادعت المرأة انقطاع الدم دون [مسيس] (٢) فلا يخلو من أن تكون تعتد بالشهور أو [بوضع الحمل] (٣) أو بالأقراء.
فإن كانت ممن تعتد بالشهور، فهي والرجل في معرفة انقضاء العدة سواء، [ولا تصدق إذا أكذبت] (٤).
فأما من تعتد بالوضع، فلا يخلو من أن تدعي الولادة أو تدعي السقط.
فإن ادعت الولادة، فقد ادعت أمرًا يشاركها [فيه غيرها من النساء، ولا] (٥) تصدق إذا كذبتها.
فإن ادعت أنها [قد] (٦) أسقطت، قال مالك في [المدونة] (٧) السقط لا يكاد يخفى عن الجيران، ولكن الشأن [تصديقهن لأنهن مأمونات على فروجهن] (٨).
_________________
(١) غير واضحة في أ، والمثبت من هـ.
(٢) في ع، هـ: معاشرتها.
(٣) في أ، جـ: بالحمل.
(٤) غير واضحة في أ، والمثبت من هـ.
(٥) غير واضحة في أ، والمثبت من هـ.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
(٨) غير واضحة في أ، والمثبت من هـ.
[ ٤ / ١١٥ ]
فإن كانت ممن تعتد بالأقراء، فلا يخلو من أن تدعي أمرًا يصدِّقها فيه العرف غالبًا أو تدعي [أمرًا نادرًا] (١) أو تدعي أمرًا كذبها فيه العرف من كل وجه.
فإن ادعت أمرًا يصدقها فيه العرف غالبًا [مثل أن تدعي أنها قد] (٢) انقضت عدتها، وأنها حاضت ثلاث حيض في شهرين:
فإنها تصدق؛ لأنها ادعت ما يصدقه العرف [غالبًا] (٣).
فإن ادعت أمرًا يصدقه العرف نادرًا، مثل أن تدعي ثلاث حيض في شهر، هل تصدق أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: [تصدق إذا وافقت] (٤) عادة بعض النساء، وهو قول مالك في "المدونة"، حيث قال: تسأل النساء عن ذلك فإن كن يحضن [لذلك] (٥) ويطهرن [وله] (٦) صدقت، إذا ادعت أمرًا نادرًا، وهو قول مالك في "كتاب محمَّد"، حيث قال: تصدق في شهر.
وقال أيضًا: لا تصدق في شهر [ولا في شهر ونصف] (٧) وما أراها إلا عجلت، ومن أقل حيض النساء أن تقيم خمسًا، [وإنما] (٨) تقيم هذه طاهرًا عشرًا ثم تحيض.
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) غير واضحة في أ، والمثبت من هـ.
(٣) غير واضحة في أ، والمثبت من هـ.
(٤) غير واضحة في أ، والمثبت من هـ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) غير واضحة في أ، والمثبت من هـ.
(٨) في هـ: وإنها.
[ ٤ / ١١٦ ]
فإن ادعت [ما لا تصدق فيه أصلًا] (١) مثل: أن تدعي أنها [حاضت] (٢) ثلاث حيض في عشرة أيام باتفاق المذهب: أنها لا تصدق جملة.
وسبب الخلاف: [اختلافهم في النادر] (٣) هل يعطى له حكم نفسه أو يعطى له حكم غالب جنسه؟
فإن ادعى الزوج بعد انقضاء العدة أنه قد راجعها [في العدة لا يخلو من] (٤) أن يقوم له دليل على ما يدعيه أو لا دليل له:
فإن قام له دليل على ما يدعيه، إما دليل المقال كالبينة [تشهد أو دليل الحال مثل أن] (٥) تشهد البينة أنه كان يدخل عليها في العدة ويبيت عندها، وقال محمَّد: يبيت عندها في بيت أو تشهد [البينة أنه كان يقول] (٦) في العدة جامعتها أو قبلتها، فيصدق إلا أن يدعي أنه أراد بذلك الرجعة.
وقولنا: إذا كان يدخل عليها، وهي في العدة، إنما ذلك على أحد قولي مالك: أنه لا يجوز له الدخول عليها، ولا يرى لها من صدرًا ولا شعرًا حتى يراجعها، فعند ذلك يكون الدخول عليها دليل على الرجعة؛ لأن ذلك شيء لا يجوز له فعله إلا بإرادة الرجعة.
_________________
(١) غير واضحة في أ، والمثبت من هـ.
(٢) في أ: حائض.
(٣) غير واضحة في أ، والمثبت من هـ.
(٤) غير واضحة في أ، والمثبت من هـ.
(٥) غير واضحة في أ، والمثبت من هـ.
(٦) غير واضحة في أ، والمثبت من هـ.
[ ٤ / ١١٧ ]
أما على القول بأنه يجوز للزوج الدخول عليها والأكل معها إذا كان معها من يتحفظ بها، فلا يكون ذلك دليلًا، وإن ادعاه؛ لأنه فعل فعلًا كان فعله مباحًا له دون الرجعة، فإن لم يقم له دليل على ما يدعيه: فلا يخلو من أن تصدقه الزوجة على ذلك أو تكذبه.
فإن: صدقته فيما يدعيه: لم تحل لغيره [لاعترافها] (١) أن عصمة الأول باقية عليها [ويجبر على النفقة عليها] (٢) إلا أن يطلق.
فإن أجرى عليها النفقة، هل لها مطالبته بالوطء أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا مطالبة لها عليه؛ لأنه لم يقصد بذلك ضررًا، وإنما هو [شيء] (٣) أوجبته الأحكام.
والثاني: أن لها مطالبته [بالوطء] (٤) قياسًا على من قطع ذكره بعد الدخول، بل الطلاق على المرتجع أبين، إذ لا منفعة له فيها، إذا حيل بينه وبينها، والذي قطع ذكره له فيها استمتاع بغير الإصابة، فإن أراد الزوج أن يعطيها ربع دينار ويحضر الولي [جاز] (٥)، وله جبرها على ذلك، لاعترافها ببقاء العصمة، فإذا أجردها بوجه جائز فلا كلام لها، [والحمد لله وحده] (٦).
_________________
(١) في أ، جـ: باعترافها.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ، جـ: التي.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ، جـ: جائز.
(٦) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٤ / ١١٨ ]
المسألة الثالثة في الخلع
والكلام فيه في ثلاثة فصول:
الأول: فيما يجوز الخلع فيه.
والثاني: إذا أبهم أو فُسِّر، وكان بلفظ الخلع أو بلفظ الطلاق.
والثالث: إذا كان العطاء من جهة الزوج.
فالجواب عن الفصل الأول: فيما يجوز الخلع به، ولا خلاف في جواز الخلع بما تجوز به [وعليه] (١) المعاوضة في البياعات، وهل يجوز بالغرر أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
[أحدها: أنه يجوز بالغرر وهو نص ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أنه لا يجوز بالغرر وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة] (٢) فيما إذا خالعها على نفقة نفسه حولين أو اشترط عليها نفقة الولد حولين زائدين على أمد [الرضاع] (٣)، [إذ] (٤) لا فرق بين أمد الرضاعة وما زاد عليه، وكل ذلك غرر، كما قال المخزومي في "الكتاب".
والقول الثالث: أن الخلع بالغرر مكروه، وهو ظاهر قوله في "المدونة": إذا خالعها على مال إلى أجل مجهول حيث قال: فالمال حال كالبيع، إذا
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: الرضاعة.
(٤) سقط من أ.
[ ٤ / ١١٩ ]
وقع على هذا الوجه، وفات فالقيمة فيه، حالة [يعبأ] (١) على [ما علل] (٢) ابن القاسم من الدرك، في قياسه الخلع على البيع، فلو كان كالبيع لكان للزوج قيمة ذلك المال على غرره، كما قال في البيع، فيقال: مثلا كم يساوي هذا المال الذي خالع عليه إلى أجل مجهول؟
فإن كانت له قيمة أخذها الزوج، وإلا فلا.
وهذا على التسليم أنه لا يجوز بالغرر، ولا شبه بين المسألتين لا في الأصل ولا في الجواب.
ويؤخذ أيضًا لابن القاسم من "الكتاب" أنه مكروه في مسألة الخلع بقيد بعينه يقبض إلى أجل.
وسبب الخلاف: الخلع هل حكمه حكم المعاوضة المحضة [أم لا؟ فمن قال أن له حكم المعاوضة المحضة] (٣)؟
قال لا يجوز بالغرر وكان فيه خلع المثل كالبيع الفاسد إذا فات فإنه يرد إلى القيمة.
وقد مال مالك [مدة] (٤) في الكتاب إلى هذا المعنى [ومن رأى] (٥) أنه لا يكون له حكم المعاوضة المحضة قال: يجوز بكل غرر يجوز تملكه إذا قدر عليه والقول بالكراهية تردد بين القولين.
والجواب عن الفصل الثاني: إذا كان الخلع من جهة الزوجة، فلا يخلو
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من هـ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٤ / ١٢٠ ]
من أن [يكون ذلك قبل البناء أو بعده] (١).
فإن كان [غير مدخول بها فلا يخلو من أن يكون] (٢) ذلك بلفظ الخلع أو بلفظ الطلاق:
فإن كان منها بلفظ الخلع، فلا يخلو من أن يكون الخلع مبهما أو مفسرًا:
فإن كان مبهما مثل أن تقول: خالعني [ولم ترد على ذلك أو تقول خالعني] (٣) على عشرة دنانير.
ولم تقل من صداقي، فهل ترجع على الزوج بنصف الصداق أو لا ترجع عليه بشيء؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها لا ترجع على الزوج بشيء، وهذا هو المذهب المشهور الذي عليه الجمهور.
والثاني: أنها ترجع عليه بنصف الصداق، وهو قول أشهب، وقد انفرد به من بين سائر الفقهاء، ووقع في بعض روايات "المدونة" [في كتاب العدة وطلاق السنة] (٤) ما يدل على [مثل] (٥) قول أشهب: في الصبي إذا خالع عنه أبوه أو وصيه امرأته، قال ابن القاسم: ليس لها إلا نصف الصداق، وهذا خلع مبهم وقع [قبل البناء] (٦)، فأوجب فيه للزوجة
_________________
(١) في هـ: تكون مدخولا بها أو غير مدخول بها.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من هـ.
[ ٤ / ١٢١ ]
نصف الصداق.
ومعلوم أن الخلع [إنما وقع] (١) على مال أخذ للصبي من الزوجة، إذ لا يجوز أن تطلق عليه زوجته على مشهور المذهب إلا على هذا الوجه، والذي قاله أشهب هو الأظهر في المعنى.
والقول الثالث: في الفصل بين أن تكون الزوجة قد قبضت صداقًا من الزوج أو لم تقبض.
فإن كانت قبضته فهو لها كله، ولا شيء له سوى ما خالع عليه.
وإن قبضت نصفه لم يكن له مما قبضت شيء.
وإن لم تقبض شيئًا لم يكن لها شيء، وهو قول أصبغ في كتاب ابن حبيب، وهو [قول] (٢) ضعيف جدًا، وهو قول مدخول.
فإن وقع مفسرًا، كقولها: خالعني على عشرة من صداقي، فلها نصف ما بقي بلا خلاف في المذهب.
فإن كان ذلك منها بلفظ الطلاق مثل أن تقول: طلِّقني، فلا يخلو من أن تذكر مع ذلك عوضًا أو لم تذكر.
فإن ذكرت مع ذكر عوضًا مثل أن تقول: طلقني على عشرة، فلا يخلو من أن تقول: من صداقي، أو لم تقل.
فإن قالت: طلقني على عشرة من صداقي، فلها نصف ما بقي.
فإن قالت: على عشرة، ولم تقل [من] (٣) صداقي،
_________________
(١) في ع، هـ: ما وقع إلا.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ١٢٢ ]
فلا يخلو الزوج من أن يصدقها عينًا أو عرضًا.
فإن أصدقها عينًا: كان لها نصف ما بقي كما لو فسرت.
وإن أصدقها عرضًا: كان لها الرجوع على الزوج بنصف جميع الصداق.
والفرق بينهما: أن الصداق إذا كان عينا، فالعشرة التي بها خالعت من جملة الصداق.
فإن كان عرضًا، فالعشرة التي بها وقع الخلع في الذمة، فوجب عليها أن تؤدي العشرة وتأخذ نصف جميع الصداق.
فإن لم [تذكر مع] (١) ذلك عوضا مثل أن تقول: طلقني، ولم تزد على ذلك فطلقها فلها نصف جميع الصداق، ولا شيء للزوج عليها.
وأما المدخول [بها] (٢): فلا خلاف أن لها صداقها، فإن عينت مائة فوقع الخلع في الصداق: كان لها ما بقي من ذلك وإن أبهمت كان الخلع في الذمة، وكان لها جميع الصداق.
ولا فرق في التحقيق بين المدخول بها وغير المدخول إذا كان الخلع مبهما: أن يكون لها جميع الصداق إن كانت مدخولا بها أو نصفه إن كانت غير مدخول بها.
وغاية ما توهموا في ذلك أن قالوا: قولها: خالعنى على عشرة، ولم تقل من صداقي أنها قصدت إلى أن تكون العشرة زائدة على الصداق، وهذا وهم بعيد.
_________________
(١) في أ، جـ: يكن.
(٢) في أ، جـ: عليها.
[ ٤ / ١٢٣ ]
وأما تفريقهم بين لفظ الخلع وبين لفظ [الطلاق] (١): فذلك مبني على أصل، وهو هل النظر [إلى] (٢) الألقاب والتسميات فيفترق اللفظان أو النظر إلى [المعاني] (٣) ثم لا فرق؟
والجواب عن الفصل الثالث: إذا كان الخلع من جهة الزوج، وفيه ثلاثة أسئلة في "المدونة":
أحدها: أن يقول لها: خالعتك على مال، ويتلفظ بلفظ الخلع ولم يكن هناك مال ولا ذكره.
والثاني: أن يكون بلفظ الطلاق على صفة الخلع [كقوله: أنت طالق طلاق الخلع] (٤).
والثالث: أن يكون بلفظ الطلاق على مال يدفعه [الزوج] (٥) إليها من غير شرط.
فالجواب عن السؤال الأول: إذا كان بلفظ الخلع على مال أو [على] (٦) غير مال، هل يكون بائنا أو رجعيًا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه طلاق بائن، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه رجع، وهو قول غيره في "المدونة" فيما إذا خالعها على أن
_________________
(١) في أ، جـ: التعليق.
(٢) في ع، هـ: في.
(٣) في أ، جـ: المعنى.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٤ / ١٢٤ ]
يجعل لها دينًا عليه وهو عين: فالمشهور أنه بائن.
وسبب الخلاف: هل النظر إلى [الألفاظ] (١) أو إلى المعاني؟
فمن اعتبر اسم الخلع، ولاسيما مع إضافة المال إليه، فيقول: بائن.
ومن اعتبر المعاني فيقول: إن الخلع المعتبر فيه انتزاع المرأة نفسها من عصمة الزوج بوسيلة المال الذي دفعته، قال: هو [طلاق رجعي] (٢).
والجواب عن السؤال الثاني: إذا وقع [الخلع] (٣) بلفظ الطلاق على صفة الخلع [كقوله: أنت طالق طلاق الخلع] (٤)، ففي المذهب ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنها طلقة بائنة، وهو قول ابن القاسم في كتاب "إرخاء الستور"، من "المدونة".
والثاني: أنها ثلاثة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" هو قول عبد الملك في غير "المدونة".
والثالث: أنه طلاق رجعي، وهو قول مطرف وابن عبد الحكم وأشهب، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب التخيير والتمليك" فيما إذا قال: أنت طالق تطليقة لا رجعة لي عليك، فقال: إن له الرجعة، وقوله: لا رجعة لي عليك، مثل قوله: أنت طالق طلاق الخلع.
وسبب الخلاف: هل النظر إلى مجرد اللفظ فيكون بائنًا أو النظر إلى
_________________
(١) في ع، هـ: الألقاب.
(٢) في أ: الطلاق الرجعي.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٤ / ١٢٥ ]
المعنى فيكون رجعيًا أو النظر إلى [المقصود] (١) فيكون ثلاثًا، فكأنه قصد إلى البينونة؟
والجواب عن السؤال الثالث: إذا وقع بلفظ الطلاق مع مال يدفعه الزوج إليها من غير شرط، هل هو بائن أو رجعي؟ على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: أنها طلقة رجعية؛ لأنه رجل طلق وأعطى، وهي رواية ابن القاسم وابن وهب عن مالك.
والثاني: أنها بائنة، وهو قول مروي عن مالك أيضًا وحكاه عنه سحنون في "المدونة" [وروى عنه غيره أنه قال: تبين بواحدة] (٢)، وقال في "المدونة": وأكثر الرواة على أنها غير بائن [وهو قول مروي عن مالك أيضًا] (٣).
وسبب الخلاف: هل النظر إلى مجرد [وجود] (٤) المال مع الطلاق فيشبه الخلع ويكون بائنًا أو النظر إلى اللفظ والمعنى فيكون رجعيا؟ فافهم هذا التحصيل تربت يداك، فإن هذه المسألة من غوامض الكتاب، وقد حار في [تلخيصها] (٥) ذووا الألباب، فخذها ممن اعتنى بها دهرًا طويلًا وسلك بها مسلكًا جميلًا، وساعده التوفيق من الله في ذلك تكرمًا وتفضيلًا.
والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. والحمد لله وحده.
_________________
(١) في ع، هـ: القصد.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ع، هـ: تحصيلها.
[ ٤ / ١٢٦ ]
المسألة الرابعة في خلع المحجور عليه في [التصرفات] (١) من الذكران والإناث [والعبيد والأحرار
والمحجور عليهم في التصرف على ضربين: أحرار وعبيد، فالأحرار على ضربين ذكران وإناث] (٢).
فالذكران على ضربين: صغار أو بوالغ.
فالصغار: يجوز الخلع عليهم من الأب أو ممن أقامه مقام نفسه، كالوصي أو السلطان مع عدم الأب، ومن قدمه على النظر في مصالح اليتيم، ولا يكون إلا على شيء يأخذه أحد ممن ذكرنا [للصبي] (٣) الصغير، يرى أن فيه نظر أو مصلحة، وإن كان على غير ذلك: لم يجز؛ لأن طلاق الصبي لا يجوز، ولا يجوز لوليه أيضًا أن يطلق عليه إلا على مال يأخذه له، ولا خلاف في ذلك في مذهب مالك - ﵀.
وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يطلق على [الصبي] (٤) الصغير بحال، لا على مال ولا على غير مال.
فأما البوالغ: فعلى ضربين، محجور عليه وغير محجور عليه.
فغير المحجور [عليه] (٥): فلا يجوز عليه فعل أحد إلا عن نيابة منه
_________________
(١) في ع، هـ: التصرف.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من هـ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٤ / ١٢٧ ]
وعن إذنه.
وأما المحجور عليه [فعلى ضربين: محجور عليه لحق نفسه ومحجور عليه لحق غيره، فأما المحجور عليه] (١) لحق نفسه كالسفيه، فهل يخالع عنه الأب أو الوصي أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يجور خلعهما عليه وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
والثاني: أن خلعهما عليه لا يجوز، وهو قول عبد الملك وابن الماجشون، والقولان قائمان من "المدونة".
وينبني الخلاف على الخلاف في جبر السفيه على النكاح:
فمن رأى أن الأب أو الوصي يجبران السفيه [البالغ] (٢) على النكاح، قال: يجوز خلعهما عليه.
ومن منع الجبر منع الخلع.
وأما المحجور عليه لحق غيره كمديانة خالعت بمالها ثُمَّ قام عليها غرماؤها، فأرادوا أن يمنعوها من ذلك، هل يمكنون من منعها أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن لهم منعها لما لم يكن لهم حظ في خلعها، فكأنه إخراج مال بغير عوض، فلم يمض عليهم فعلها.
والثاني: [أنها تمنع] (٣) ابتداء، فإن نزل مضى قياسًا على المديان إذا صالح عن دم العمد بأموال الغرماء فقد منع ابتداء في "المدونة" نصًا
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من هـ.
(٣) في أ، جـ: أنه يمنع.
[ ٤ / ١٢٨ ]
مجملا، [وقال] (١) في غير "المدونة": [إنها تمنع] (٢) ابتداء، فإن نزل مضى.
سبب الخلاف: هل يقاس الخلع على النكاح أو لا يقاس عليه؟ وذلك أن النكاح مما تمس الحاجة إليه وتدعو الضرورة [إليه] (٣)، كالحاجة إلى المأكول والمشروب والملبوس وغير ذلك مما لابد للمرء منه، [فإن] (٤) لم يكن للغرماء منعه [من التزويج كما لم يكن لهم منعه] (٥) من هذه الأشياء، وكأنهم على ذلك عاملون، والخلع هل هو من هذا القبيل أم لا؟
فمن جوز القياس على النكاح قال: بجواز: خلع المديانة، وليس للغرماء أن يمنعوها، وكأنهم عاملوها على أنها تتصرف في مالها بكل وجه يجلب إليها منفعة، ويدفع عنها [مضرة] (٦) نادرًا كان أو معتادًا.
ومن منع قياس الخلع على النكاح قال: الخلع ليس مما تمس الحاجة إليه، وإنما تقع الرغبة [في التخلص] (٧) من الزوج لعارضٍ يعرض وأمرٍ ليس بمعتاد، فأشبه ما تخرجه من مالها اختيارًا من غير عوض.
فأما الصنف الثاني من الأحرار وهم الإناث، وهن على ضربين أيضًا: صغار وبوالغ.
فالصغيرة: لا تخلو من ثلاثة أوجه:
_________________
(١) في أ، جـ: وقالوا.
(٢) في هـ: إنما يمنع ذلك.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
[ ٤ / ١٢٩ ]
إما أن تكون ذات أب، أو ذات وصي، أو مهملة الأمر.
فإن كانت ذات أب: فلا خلاف في المذهب عندنا في جواز خلع الأب عنها لما يقتضيه نظره ويراه مصلحة لابنته، وإن كان على إسقاط جميع المهر.
وإن كانت ذات وصي: فهل يجوز مباراة الوصي عنها كما يجوز ذلك لأبيها أو لا يجوز؟ فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: أن ذلك لا يجوز إلا للأب خاصة، ولا يجوز ذلك لا لوصي ولا غيره، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك في "المدونة".
[والثاني: أن مباراة الوصي عنها كالأب ويلزمها ذلك ولا خروج لها عنه إذا بلغت وهي رواية ابن نافع عن مالك في المدونة] (١)، وهو قول مالك في "المبسوط" أيضًا، وذكر عيسى بن دينار: أن ابن القاسم رجع إلى [جواز] (٢) مباراة لوصي عن [اليتيمة] (٣) الصغيرة ما لم تبلغ.
وسبب الخلاف: هل يقاس الخلع على النكاح أو لا يقاس عليه؟
فمن جوز قياس الخلع على النكاح [قال: لا يجوز خلع الوصي كما لا يجوز أن يعقد عليها كذلك لا يجوز له أن يحل ما عقده الأب عليها، ومن منع جواز قياس الخلع على النكاح] (٤)، قال: تجوز مباراة الوصي أو من يقوم مقام الوصي من قبل السلطان، وإن كان لا يجوز له أن يعقد
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ، جـ.
(٣) في ع، هـ: يتيمته.
(٤) سقط من أ.
[ ٤ / ١٣٠ ]
عليها؛ لأنه هو الناظر لها في مصالحها في نفس أو مال، فأي ذلك رآه صوابا فعله.
فإن كانت مهملة ولا وصي لها من قبل أب، ولا مقدم من جهة السلطان، فحالفت زوجها على مال أعطته إياه، فهل يكون خلعًا فيجوز أو يكون مردودًا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الخلع جائز والمال نافذ للزوج، وهي رواية يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في "العتبية"، ولا فرق بين أن يكون الزوج قد دخل بها أو لم يدخل.
والثاني: أن المال مردود والخلع ماض، وهو قول أصبغ وهو المعروف من المذهب.
وأما البوالغ: فلا تخلو من أن تكون بالغة رشيدة أو بالغة سفيهة:
فإن كانت بالغة رشيدة فلا خلاف في جواز فعلها في مالها، وزوال الحجر عنها.
فإن كانت بالغة سفيهة، فلا تخلو من أن تكون ذات أب أو ذات وصي أو مهملة [الأمر] (١):
فإن كانت ذات أب: فخلع الأب عليها جائز، سواء كان ذلك قبل البناء أو بعده؛ لأن ذلك من باب التصرف في المال، ولاسيما على مذهب من يقول: إن الخلع معاوضة صحيحة، وإليه مال أهل المذهب.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٤ / ١٣١ ]
فإن كانت ذات وصي أو مقدم من قبل السلطان، هل يجوز [خلعه] (١) عليها أو لا يجوز؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز.
والآخر: المنع.
وسبب الخلاف: هل المغلب [في الخلع] (٢) التصرف في المال أو التصرف في البضع؟ وذلك أن الخلع يتضمن الأمرين.
فمن غلَّب التصرف في المال قال: يجوز خلع الوصي عليها.
ومن غلَّب التصرف في البُضع قال: لا يجوز خلع الوصي عليها، إلا بإذنها [كما لا يعقد عليها إلا بإذنها] (٣).
فإن كانت مهملة، فهل يجوز خلعها [ويسوغ] (٤) للزوج ما أخذ منها أو لا يجوز؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز، وهو قول سحنون في اليتيمة البالغة تفتدي من زوجها قبل البناء قال: ذلك جائز، وله ما أخذ ولا رجوع لها فيه.
والثاني: أن ذلك لا يجوز، وهو المشهور.
وينبني الخلاف [على الخلاف] (٥) في تصرفها في المعاوضات من البيع
_________________
(١) في أ: خلعها، والمثبت من هـ وهو الصواب.
(٢) في ع، هـ: عليه.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: ويجوز.
(٥) سقط من أ.
[ ٤ / ١٣٢ ]
والشراء هل هي على الجواز حتى ترد أو على الرد حتى تجاز؟
وأما العبيد: فلا يخلو من أن يكونوا كبارًا أو صغارًا:
فإن كانوا كبارًا، فلا يخلوا من أن يكونوا ذكرانًا أو إناثًا.
إن كانوا ذكرانًا، كعبد تزوج بإذن سيده، فلا يجوز للسيد أن يخالع [عنه] (١) إلا بإذنه؛ لأن الطلاق بيده فلا ينتقل إلى يد السيد إلا برضا العبد فإن كنَّ إناثًا، فخلع السيد جائز عليهنَّ؛ لأن الحق في المال للسيد، والطلاق بيد الزوج، فلا درك يبقي ولا علة تنفى.
فإن كانوا صغارًا، فلا يخلو الزوجان من أن يكونا لمالك واحد أو لمالكين.
فإن كانا لمالكين، فإنه يجوز لكل واحد منهما أن يباري عن الذي هو في ملكه، فسيد العبد يباري عن عبده على مال يأخذه له، إذ لا يجوز طلاقه لصغره كالحر، وسيد الأمة يجوز [خلعه] (٢) عنها بمالها؛ لأن الحق في المال للسيد، فإذا رضي بإسقاط حقه فلا مانع [يمنع] (٣) من جواز فعله.
فإن كانا لمالك واحد، فهل يجوز للسيد أن يباري بينهما أو يخالع عليهما أو لا يجوز؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه يجوز للسيد أن يفرق بينهما على غير مال يأخذه للزوج من الزوجة إذا كان ذلك نظرًا أو اجتهادًا، وهي رواية [ابن وهب] (٤) عن
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ، جـ: خلعها.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ع، هـ: ابن نافع.
[ ٤ / ١٣٣ ]
مالك في "كتاب إرخاء الستور" [من المدونة] (١).
والثاني: أن ذلك لا يجوز سواء كان على غير مال أو على مال؛ لأن المال الذي يأخذه السيد من مال الأمة إنما يأخذه لنفسه، فكأنه انتزعه منها لنفسه، ولاسيما على القول [بأن] (٢) من ملك أن يملك يعد كالمالك، وهذا القول حكاه ابن لبابة في المذهب.
والقول الثالث: التفصيل بين أن يكون ذلك على مال فيجوز، وإن كان على غير مال فلا يجوز ولا يلزم، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، ووافقه ابن نافع برأيه، وخالفه بروايته، والمشهور ما ذهب إليه ابن القاسم: أن ذلك لا يجوز إلا على وجه الخلع، كما لا يطلق على الصبي الحر إلا على [مال] (٣) فكذلك ولا فرق بين أن يكونا لمالك واحد أو لمالكين إذا سلكنا مسلك التحقيق، [وبالله التوفيق والحمد لله وحده] (٤).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في هـ: عوض.
(٤) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٤ / ١٣٤ ]
المسألة الخامسة في الخلع في المرض
ولا يخلو من أن يكون الزوج هو المريض أو الزوجة هي المريضة.
فإن كان الزوج هو المريض: فالخلع جائز، وله ما أخذ من الزوجة، حلال له.
فإن مات من ذلك المرض فهل ترثه أو لا ترثه؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها ترثه ويكون ميراثها من خالص ماله وفيما اختلعت له؛ لأنه مال له يورث عنه، وهو قوله في "المدونة" و"الموَّازية".
والثاني: أنها لا ترثه أصلًا، وهذا استقرأه الشيخ أبو الحسن اللخمي من قول المغيرة فيمن حلف ليقضين فلانًا حقه، فحنث في مرضه حيث قال: [إن كان قسمًا] (١) بين المالكين [كان] (٢) كالمطلق في المرض، فإن كان ظهر له [مال] (٣) فلم يعلم به حتى مات لم ترثه، فقال الشيخ: فعلى هذا لا ترثه إذا خالعت في مرضه؛ لأن الخلع في المرض أبين في البراءة من التهمة من الطلاق في المرض؛ لأن الخلع باختيارها ولها فيه مدخل.
ولو قيل في المسألة قول ثالث: أنها ترثه من ماله دون ما [اختلعت] (٤) به لكان وجهًا؛ لأن المال الذي أخذ منها على الخلع لم يدخل في [ملكه] (٥)
_________________
(١) سقط من أ، جـ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ، جـ.
(٤) في أ، جـ: خالعت.
(٥) في أ، جـ: ملكها.
[ ٤ / ١٣٥ ]
إلا بعد خروجها هي من عصمته، فكان [الجواب] (١) ألا ترث منه لبعده من تهمة الغرر، وربك أعلم.
فإن كانت الزوجة هي المريضة، فخالعت زوجها في مرضها، فلا يخلو ما خالعته من أن يحمله الثلث أو لا يحمله.
فإن لم يحمله ثلث مالها: بطل الزائد بالاتفاق.
وإن حمله الثلث، ما الذي يصح للزوج من ذلك؟ فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أن للزوج جميع ما خالعها عليه، وهو قول القاضي أبي محمَّد عبد الوهاب.
ووجهه: أن الطلاق كان بطوعه فسقط أن يكون وارثًا وصح أن يكون من الثلث على أحكام أفعال المريض فيما لم يأخذ له عوضًا، وإن أجريناه على أحكام المعاوضات لكونها اشترت نفسها، وما يملك الزوج منها بما أعطته، فكان له حكم المعاوضة، ومعاوضة المريض جائزة ما لم يحاب، فإذا حابا كانت محاباة في الثلث، وهو ظاهر "المدونة" من غير ما موضع.
والقول الثاني: أن له الأقل مما خالعها عليه أو قدر مباراتها منه، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
ووجهه: إن كان قدر ميراثه منها هو الأقل لم يظلم؛ لأنه القدر الذي يصح له منها لو ماتت، والزائد ساقط؛ لأنه وصية لوارث، وإن كان القدر الذي خالعته عليه هو الأقل فليس [له] (٢) إلا هو، لأنه قد رضي به.
والقول الثالث: التفصيل بين أن يخالعها على أكثر [من] (٣) ميراثه
_________________
(١) في أ، جـ: الواجب.
(٢) في أ: لها.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ١٣٦ ]
منها فيبطل الجميع، كالمرأة إذا وهبت أكثر من ثلث مالها، فرد ذلك زوجها: أن الثلث وما زاد عليه مردود، وبين أن يخالعها بمثل ميراثه منها أو أقل فيجوز، وهو ظاهر قول مالك وابن القاسم في "المدونة"؛ لأن مالكا قال في "الكتاب": إذا اختلعت من زوجها في مرضها بجميع مالها: لم يجز ولا يرثها.
ثم قال ابن القاسم بعد قول مالك: فإن خالعها على أكثر من ميراثه منها لم يجز، وأما على [مثل] (١) ميراثه منها أو أقل فجائز.
فظاهر قولهما لم يجز [أنه] (٢) يبطل الجميع، وعلى ذلك حمله ابن الموَّاز [وغيره] (٣).
والقول الرابع: أن له من ذلك خلع مثلها أو ما أخذ منها أيهما كان أقل، وهو قول مالك في "كتاب محمَّد".
على القول بأنه يكون [له] (٤) مما خالع قدر ميراثه منها، متى يعتبر ذلك القدر؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن المعتبر في ذلك يوم الخلع، وهي رواية يحيى بن يحيى في "العتبية"، وهو ظاهر قول ابن نافع في "المدونة"، حيث قال: ويوقف المال، يريد: [أنه] (٥) يوقف القدر الذي خالعته به.
والثاني: أن المعتبر في ذلك يوم الموت، وهو قول ابن القاسم في
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: و.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: و.
[ ٤ / ١٣٧ ]
"كتاب محمَّد"، وهو ظاهر "المدونة" إذا اعتبر في ذلك مقدار الميراث، والميراث لا يكون إلا بعد الموت.
وعلى القول بأن المعتبر في ذلك يوم الموت فلا تفريع، ولا [تنويع] (١).
وعلى القول بأن المعتبر فيه يوم الخلع، هل يُمكَّن الزوج من قبض ذلك من ساعته أو لا يُمكَّن إلا بعد الموت؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يُمكَّن [منه] (٢) في الحال، [وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
والثاني: أنه لا يمكن منه ويترك حتى يموت.
وفائدة الخلاف وثمرته: أنا إذا قلنا: يمكن منه في الحال] (٣) كان ضمان ذلك منه بقبضه، ولو هلك ما أخذ قبل أن تموت لم يرجع على التركة بشيء.
وكذلك لو نما المال الذي بقي عما أخذه، ويقابله أن لو هلك بقية التركة أو بعضها قبل أن تموت: لم يرجع على التركة بشيء.
وكذلك لو نما المال الذي يعني عما أخذه، ويقابله أن لو هلك بقية التركة أو بعضها قبل أن تموت، لم يرجع على التركة بشىء.
وكذلك لو نما المال الذي يعني عما أخذ، ويقابله أن لو هلك التركة أو بعضها قبل أن تموت، لم يرجع على التركة بشىء.
وكذلك لو نما المال الذي يعني عما أخذ، ويقابله أن لو هلك بقية التركة أو بعضها قبل أن تموت، لم يكن للورثة أن يرجعوا على الزوج بشيء، وهذا نص قول ابن القاسم في "العتبية".
وعلى القول بأنه لا يمكن منه ويوقف إلى بعد الموت، هل يوقف ذلك القدر وقفًا يمنع فيه [من] (٤) التصرف حتى تموت أو لا يوقف ويكون من
_________________
(١) في أ، جـ: توزيع.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من هـ.
(٤) سقط من أ.
[ ٤ / ١٣٨ ]
جملة مالها؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يوقف ولا يعزل عنها، بل يبديها على جميع مالها كما كانت قبل الخلع، وهو مذهب [أصبغ في "كتاب طلاق السنة" على ما نقله] (١) الشيخ أبو محمَّد في "النوادر".
والثاني: أنه يوقف وقفًا يمنع فيه من التصرف حتى تموت، وهو ظاهر قول ابن نافع عن مالك في "المدونة".
والقول الثالث: بالتفصيل بين العين وغيره، فإن كانت دراهم ودنانير: لم توقف، وإن كان عبدًا أو دارًا أو ما يراد لعينه من سائر العروض وقفت ومنعت من بيعه والتصرف فيه، وهو قول أصبغ في كتاب ابن حبيب، وهو اختيار بعض المتأخرين كاللخمي وغيره، وهو ظاهر "المدونة" في "كتاب الوصايا".
وعلى القول بأن ذلك يترك في يدها على [حاله] (٢)، هل يجوز لها أن توصي فيه بوصيتها أو لا يجوز؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها لا تدخل فيه الوصايا جملة؛ لأنها إنما قصدت أن تكون الوصية في بقية مالها غير الذي خالعت به؛ لأنها أخرجته من [جملة] (٣) مالها، والموصي لا يقصد بالوصية إلا فيما يملك.
والثاني: أن وصاياها تخرج من ثلث جميع مالها لا ما صالحته به ولا غيره.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ، جـ: حالها.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ١٣٩ ]
والقول الثالث: بالتفصيل بين أن يكون الذي خالعته به معينًا أو مضمونًا.
فإن كان معينًا: فإن الوصايا لا تدخل فيه.
وإن كان مضمونًا: فالوصايا تدخل فيه، وهذا القول أسعد بظاهر "المدونة".
وينبني الخلاف على الخلاف في الوصايا، هل تدخل فيما علم الموصي وفيما لا يعلم، أو لا تدخل إلا فيما علم خاصة؟
والحمد لله وحده.
[ ٤ / ١٤٠ ]
المسألة السادسة في الحضانة
والحضانة يستوجبها قرابات الطفل من النساء بوصفين اثنين:
أحدهما: أن يكُنَّ ذوات رحم منه.
والثاني: أن يكُنَّ محرمات عليه.
فإن كن على هذين الوصفين، فلا خلاف في ثبوت الحضانة لهنَّ على ترتيب الأقرب، على ما نصف.
فإن اختل من هذين الوصفين وصف، فينظر.
فإن كن ذوات رحم منه، ولم يكُنَّ محرمات عليه، كبنت الخالة وبنت العمة وما أشبههما، أو [كن] (١) محرمات عليه ولم يكنَّ ذوات رحم كالمحرمات عليه من قبيل الصهر والرضاع: فلا حق لهن في الحضانة بوجه.
وأما عصبته من الرجال: فإنهم [يستوجبون] (٢) الحضانة بمجرد التعصيب، كانوا من ذوي رحمه المحرم أو من ذوي رحمه الذي ليس بمحرم.
وأما من ليس بمحرم ولا من ذوي رحم: فلا حق لهم في الحضانة إلا أن يكون هناك سبب معني يوجب لهم الولاية كالأوصياء: فإنهم
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ع، هـ: يستحقون.
[ ٤ / ١٤١ ]
[يستوجبون] (١) الحضانة بمجرد الولاية، كانوا مقدمين من قبل الأب أو من قبل السلطان.
وأما من عداهم من الموالي: فلا حضانة لهم.
وهي مرتبة بينهم بحسب الحنان والرفق، من غير اعتبار بقوة الولاية كالنكاح، ولا الموالي بالصلاة على الجنازة، ولا على ترتيب المواريث.
والمقدم منهم في الحضانة من يعلم بمستقر العادة أنه أشفق على المحضون وأرأف به وأقوم [لمنافعه ولهذا قدمت الأم] (٢) في الحضانة على [الأب و] (٣) سائر الأولياء.
ولا خلاف بين العلماء أن الأم وأمها يقدمان في الحضانة على الأب وسائر الأولياء.
واختلف في الأب، هل يُبدا على الخالة؟ على أربعة أقوال:
أحدها: أن الخالة تبُدا عليه، وأن أمه تُبدا عليه أيضًا، وهو مقدم على أخت المحضون، وهو مذهب "المدونة".
والثاني: أن الأب مقدم على الخالة وعلى أمه، وهو قول مالك في "كتاب محمَّد".
والثالث: أن الأب لا مدخل له في الحضانة إلا بعد عدم جميع النساء، وهو [قول مالك] (٤) في "كتاب ابن حبيب".
والقول الرابع: أن الخالة مقدمة عليه، ويقدم هو على أمه، وهو قول
_________________
(١) في ع، هـ: يستحقون.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من هـ.
(٤) في أ، جـ: قوله.
[ ٤ / ١٤٢ ]
ابن القاسم في "كتاب المدنيين".
فإن وقع التنازع من النساء في الحضانة: فأولاهن في الحضانة الأم، ثم الجدة للأم، ثم جدة الأم لأمها، ثم الخالة على مذهب "المدونة" [ثم خالة الخالة على ما في كتاب محمَّد، ثم جدة الطفل أم الأب على مذهب المدونة] (١)، ثم جدة الأب أم أبيه ثم الأخت ثم العمة ثم بنت الأخ.
واختلف في بنت الأخ على قولين:
أحدهما: أنه لا حق لها في الحضانة، وهو قول مالك في "كتاب ابن حبيب".
والثاني: أن لها حق في الحضانة، وهو قول بعض المتأخرين، وهو [اختيار] (٢) أبي النجا الطرابلسي قال: والصواب أن يكون لها حق كبنت الأخ، بل ينبغي أن تكون هي أولى منها.
فكما ثبت أن الخالة أولى من العمة، فكذلك تكون بنت الأخت أولى من بنت الأخ.
فقدم ما كان من جهة الأم على ما كان من جهة الأب لما علم في مستقر العادة أن الأم أكثر شفقة وحنانا من الأب، فلهذا قدمت قرابة الأم على قرابة الأب.
وأما الرجال: فأولاهم بالحضانة من هو أقرب إلى الأطفال وأشد بهم تمكُّنًا في كل الأحوال، وذلك في الأب ثم الأخ ثم الجد للأب، ثم ابن [الأخ] (٣) على الخلاف في تقديم الجد على ابن الأخ، ثم العم، ثم ابن
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ع، هـ: قول.
(٣) في أ، جـ: الأب.
[ ٤ / ١٤٣ ]
العم ثم المولى الأعلى، ثم المولى الأسفل، وهذا مع عدم الوصي.
فإن كان وصي قُدِّم على سائر من ذكر من العصبة والموالي، وإنما قُدِّم الوصي على الجد وعلى سائر القرابات؛ لأنه [مقدم] (١) [يقام] (٢) باجتهاد الأب، ومن اجتهد فيه الأب لولده أولى. اللهم إلا أن يعلم أن ذلك كان من الأب لشات بينه وبين جد الولد [فيقدم] (٣) على الوصي؛ لأن عليهما في تربية غيرهما للولد معرَّة، مع علمنا بأن رغبة الأب عنهما لم يكن لحسن [نظر] (٤).
ومن وجبت لها الحضانة ممن ذكرنا من النساء: فإنها يحكم لها بها إذا طلبتها ما لم يكن هناك عارض يمنعها منها، والعارض: إما زوج أجنبي هي تحته، وإما كونها ممن لا تصلح للقيام بالأطفال إما لعجزها عن ذلك، وإما لصفة مذمومة [هي عليها] (٥) مما لا يؤمن أن يسري ذلك منها إلى الأطفال، إذ الطفل على ما ربى عليه من الأخلاق، وقيل: كيف ينفطم عنها إلا بعد المجاهدة والعناء؟
فإن كانت تحت زوج أجنبي ممن لا حق له في الحضانة للصبيان: فلا حق لها في الحضانة، فإن زال ذلك العارض هل يعود إليها حقها في الحضانة أو يسقط بإسقاط الأول؟
فلا يخلو ذلك العارض من أن يكون عارضًا اختياريًا أو عارضًا
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ، جـ: يقوم.
(٣) في أ، جـ: لقدم.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٤ / ١٤٤ ]
اضطراريًا:
فإن كان عارضًا اختياريًا، كعارض الزوجية، فلا يخلو من أن يحدث قبل وجوب الحضانة أو كان بعد وجوب [الحضانة] (١).
فإن كان قبل وجوب الحضانة، مثل أن يكون الموجب [لإسقاط] (٢) الحضانة، كونها ذات زوج: فلا خلاف أعلمه [في المذهب] (٣) أن الحضانة ترجع إليها.
وإن حدث العارض بعد وجوب الحضانة ثم زال، مثل أن تتزوج بعد ثبوت الحضانة لها، ثم مات الزوج أو طلَّق هل تعود إليها الحضانة أو لا تعود إليها؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها تعود إليها.
والثاني: أنها لا تعود إليها، وهذا القول حكاه القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الحضانة، هل هي حق للأم أو حق للولد؟
فمن رأى أنها حق للحاضنة قال: إذا أسقطته لا تعود.
ومن رأى أنها حق للولد قال: تعود إليها إذا زال المانع.
وقد اختلف المذهب في الحاضنة إذا تزوجت، متى يسقط حقها في
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ١٤٥ ]
الحضانة؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يسقط بالعقد، وهو ظاهر "المدونة".
والثاني: أن حقها لا يسقط إلا بالدخول، وهو المشهور لأن الزوجة إنما تشتغل عن الطفل [وتلتهي] (١) عنه بحقوق الزوج إذا وقع الدخول.
والثالث: أن حقها لا يسقط إلا إذا حكم عليها بأخذ الولد عنها.
وفائدة الخلاف وثمرته: إذا لم يحكم عليها بأخذ الولد عنها حتى زال العارض، هل تبقى حضانتها مستمرة أو يجوز للأب أن يأخذه؟
فمن رأى أن حقها من الحضانة لا ينقطع إلا بحكم حاكم قال: باستمرار حقها في الحضانة كما كان؛ لأنه لم يزل.
ومن رأى أنه يقطع، إما بالعقد وإما بالدخول: فعلى الخلاف الذي قدمناه في رجوع الحضانة إليها إذا زال العارض الاختياري.
فإن كان عارضًا اضطراريًا مثل: أن تكون الأم مريضة أو مسافرة سفرًا لابد لها منه، كالسفر إلى الحج وهي ضرورة، ثم زال ذلك العارض: فإن الحضانة ترجع إليها بلا إشكال.
فإن كان الزوج من أولياء المحضون ممن له الحضانة إذا انتهى إليه، الترتيب هل يسقط حق [الحاضنة من] (٢) الحضانة أم لا؟ فالمذهب على قولين:
_________________
(١) في أ: وتلهها.
(٢) سقط من أ.
[ ٤ / ١٤٦ ]
أحدهما: أنه لا يسقط حقها من الحضانة، [وهو مذهب المدونة وهو المشهور؛ لأن كل واحد من الزوجين لو انفرد لكانت له الحضانة.
والثاني: أن ذلك يسقط حقها] (١) وإن كان زوجها جدُّ الصبي، وهو قول ابن وهب، وهذا ضعيف؛ لأن الموجب لسقوط الحضانة ليس وجود الزوج خاصة، وإنما هو كون الأم مشتغلة بزوجها، ومستغرقة في خدمته والمبادرة إلى مرضاته، وذلك مما يشغلها عن تربية المحضون، وربما يؤدي ذلك إلى إضاعته مع ما جبلت عليه النفوس من البغض في الربيب.
وإذا كان الزوج ممن له الحضانة مثل ما للزوجة، فكل واحد منهما يؤدي ما عليه من حسن التربية [للمحضون، فالأم لا تغفل لما في عملها أن الزوج يسره ما يرى منها من حسن التربية] (٢)، وربما يسامح من أكثر حقوقه لأجل ذلك.
والزوج أيضًا لو انتهت إليه الحضانة وتحته زوجة أجنبية: كان الواجب أن يرضيها، ويحسن إليها غاية الإحسان لترد بالها إلى تربية [محضونه] (٣)، ويتجاوز لها عن أكثر حقوقه الواجبة له عليها في حق تربية اليتيم، إذ لا يسلم له الولد في الحضانة إذا استحقها حتى يكون عنده ما [يكفله] (٤) ويقوم بتربيته إما زوجة [وإما] (٥) جارية.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ع، هـ: المحضون.
(٤) في أ، جـ: يكلفه.
(٥) في أ، جـ: أو.
[ ٤ / ١٤٧ ]
فإذا كان الأمر هكذا والزوجة أجنبية، فما ظنك بالأم إذا كانت هي الزوجة.
فإذا ثبتت الحضانة لمن طلبها من النساء، وضمت الولد إلى نفسها فطلبت نفقتهم، فلا يخلو الأب من أن يكون موسرًا أو معسرًا.
فإن كان الأب موسرًا: فإنه يسلم لها نفقتهم وعلى الأب جميع ما احتاج إليه الولد من النفقة والكسوة والتربية، وجميع ما يحتاج إليه من المؤنة.
فإن طلب الزوج أن تبعثه الحاضنة يأكل عنده، ثم يعود إليها، فلا يخلو من أن يكون ظاهر الإيسار أم لا.
فإن كان ظاهر الإيسار: فلا يمكَّن من دعواه، ويُجبر على تسليم النفقة إلى الحاضنة، لما في ذلك من الضرر عليها وعلى الولد؛ لأن الوقت الذي يأكل فيه الأطفال لا يتعين وأكلهم مفترق وذلك يؤدي إلى [إرجاء] (١) الولد إلى أن تطعمه الحاضنة من مالها؛ لأنها بين أن تطعمه الحاضنة من [مالها] (٢) أو تتركه فيضيع.
فإن كان الأب [ليس بواجد] (٣): فإنه يُمكن من ذلك؛ لأنه غاية المقدور؛ لأن الذي عنده من المال لا يحتمل التجزئة.
_________________
(١) في أ، جـ: انتفاع.
(٢) في ع، هـ: غرمها.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ١٤٨ ]
فإن كان مُعسرًا لا يقدر على شىءٍ أصلًا: فهو وأولاده مِن فقراء المسلمين.
واختلف في أجرة السكنى للولد والحاضنة: على قولين:
أحدهما: أنَّ السكنى على الأب وعليها.
والثانى: أنَّهُ لا يلزم الأب سكنى الولد، وذلك على الحاضنة وحدها. والقولان لابن القاسم في "كتاب النوادر".
وعلى القول بأنَّ السكنى عليه وعليها، هل هى على الجماجم أم لا؟ على ثلاثة أقوال (١):
أحدها: أنها على الجماجم، وهو قول يحيى بن عمر.
والثانى: أنَّها على الاجتهاد، وهو قولهُ في "كتاب ابن سحنون" وهو قول ابن القاسم في "المُدَّونة"، وظاهره: جميعه.
والثالث: أنَّ عليه نصف السكنى، والنصفُ الباقي على الحاضنة.
وسبب الخلاف: هل الحضانة حقٌ للحاضن أو حقٌ للمحضون؟
فإن مات الأب وطلبت الأم أجر الحاضنة (٢)، فلا يخلو حالهما مِن أن يكونا مُوسرين أو مُعسرين أو أحدهما مُوسر والآخر مُعسر.
فإن كانا مُوسرين الولد والأم، فهل للأُم النفقة في أموالهم أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّ [لها] (٣) النفقة في أموال أولادها.
_________________
(١) في أ: قولان.
(٢) في أ: الحضانة.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ١٤٩ ]
والثاني: أنَّهُ لا نفقةَ لها عليهم بعد وفاة الأب.
والثالث: أنَّها تنفق في أموالهم بقدر حضانتها (١)، إذا [كانوا] (٢) لو تركتهم لم يكن لهم بد (٣) من حضانتهِ.
والأقوال الثلاثة عن مالك ﵀.
فإن كانا مُعسرين: فلا شىء لكلِّ واحدٍ منهما على الآخر.
وإن كان الولد مُوسرًا والأُم مُعسرة: كان لها النفقة في أموالهم، كما لو لم تحضنهم.
فإن كانت الأُم مُوسرة والولد مُعسرًا، فمشهور المذهب أنَّها لا تجب عليها نفقتهم.
واختلف في أمد الحضانة في الذكران: على قولين قائمين مِن "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَّ أمدها الاحتلام، وهو قول مالك في "المُدوّنة".
والثانى: أنَّ أمدها الإثغار، وهو قول مالك في "مُختصر ما ليس في المختصر"، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب التجارة إلى أرض الحرب في باب التفرقة بين الأم وولدها فقد نصَّ هناك في العبيد (٤): أنَّ حد التفرقة الإثغار.
فإن طلبت الأم الانتقال بالولد إلى [بلد] (٥) غير بلد الأب،
_________________
(١) في أ: حضانتهم.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: يؤمن.
(٤) في أ، جـ: العبد.
(٥) سقط من أ.
[ ٤ / ١٥٠ ]
ومنعها الأب، فلا يخلو مِن أن تطلب الخروج إلى موضع قريب أو إلى موضعٍ بعيد.
فإن كان إلى موضع بعيد: فللأب وسائر الأولياء منعها من ذلك اتفاقًا، وسواءٌ كان سفرها سفر انتجاع أو سفر ارتجاع.
فإن كان إلى موضع قريب: فلها الخروج بالولد مِن غير اختيار الأولياء.
واختلف في حدِّ القُرب.
على أربعة أقوال:
أحدها: أنَّ البريد ونحوهُ قريب، وهو قول ابن القاسم في المدوّنة.
والثانى: أنَّ حدَّ القُرب [البريد] (١) لا زيادة عليه؛ وهو قوله أصبغ في كتاب محمَّد.
والثالث: أنَّ مسيرة اليوم قريب للأُمِّ أنْ تخرج إليه بالولد.
والرابع: أنَّهُ إذا كان موضعًا لا ينقطع خبرهم، فهو قريب من غير حد أميال، وهو قولُ مالك أيضًا.
وأما الأب (٢) والوصى وسائر الأولياء إذا أرادوا الخروج بالولد وأخذهِ مِن الأُم، فلا يخلو من أن يكون سفره [سفر] (٣) انتقال أو لا يكونُ سفرَ انتقال.
فإن كان سفرهُ سَفَرَ ارتجاع، كالمسافر لحاجةٍ أو تجارة يذهب ويعود: فليس له أخذُ الولد، لأنَّ كونه مع أُمِّهِ أصلح له وأحوط، لأنَّ الأبَ لمَّا لم
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: أم الأب.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ١٥١ ]
يكُن له أخذُ الولدِ في الحَضَرِ وهو أرفهُ لِلوَلَدِ، كان ألا يُمكَّن مِن أخذهِ في السفر أولى.
فإن كان سفرهُ سفر انتقال: فلهُ الانتقال بالولد، لأنَّ في ذلك حفظًا لنسبه (١)، ومعرفة الناس له، واحتراز مالُ (٢) أبيه إن مات.
وكذلك أيضًا إنْ كان مع الوصيُّ أو أحد الأولياء، فإنَّهُ يجوز نسبهُ من أبيه بذلك ويدعى بابنه خيرًا من أن يترك مع أمه ويدعى إليها ثم ينسى ما نسبه من أبيه (٣)، وربَّما يستضر (٤) الولد بذلك، فليس ذلك من باب المصلحة، ومُراعاة مصلحة التأبيد أولى مِن مصلحة عارض الطُفولية، وإلى هذا المعنى أشار القاضى أبو محمَّد عبد الوهاب.
فإذا قُلنا: إنَّهُ يجوز للأب وَمَن هو في منزلتهِ مِن سائر الأولياء والأوصياء الانتقال بالولد، هل يُمكَّن منهُ بنفس إرادته الرحيل أو حتى يُثبت أنهُ استوطن الموضع الذي انتقل إليه؟
فبيَّن المتأخرين قولان حكاهما ابن أبي زمبين:
أحدهما: أنَّهُ لا يُمكن مِن الخروج بالولد حتى يثبت عند حاكم البلد الذي فيه الحاضنة أنهُ قد استوطن الموضع الذي انتقل إليهِ، قال: وبهِ كان يُفتى بعض مَنْ أدركنا مِن شُيُوخنا المقتدى بهم.
والثانى: أنَّهُ إذا أراد الرحيل، أخذ ولدهُ ساعة الرحيل.
قال: وعلى القول الأول يدل لفظ الكتاب، والله أعلم، والذي
_________________
(١) في أ: لنفسه.
(٢) في جـ، هـ: ميراث.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: ينظر.
[ ٤ / ١٥٢ ]
قاله (١) لا يكاد يظهر من لفظ الكتاب.
واختلف في الأم: إذا كانت يهودية أو نصرانية أو مجوسية، هل لها مِن الحضانة مِثل ما يكون للحُرَّة المُسلمة أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنّ لها الحضانة مثل ما يكون للحُرَّة المسلمة، وإن خِيفَ أن تُطعمهم وتغذيهم بالخمر والخنزير ضُمَّت إلى ناس مِن المسلمين، وهو مذهب "المُدونة".
والثانى: أنَّهُ لا حقَّ لها في الحضانة، لأنَّ الأُم المُسلمة إذا كانت يُثنى عليها بالسوء، نُزعَ منها، فكيف بالكافرة؟! وهو قول ابن وهب في "كتاب محمَّد".
وسبب الخلاف: الحضانة، هل هى حقٌ للأم أو حقٌ للولد؟
فعلى القول بأنَّها حقٌ للأم، تكونُ للكافرة.
وعلى القول بأنَّها حقٌ للولد، فلا حضانة للكافرة والحمد لله وحده.
_________________
(١) في أ: فاته.
[ ٤ / ١٥٣ ]
كتاب العدة وطلاق السنة
[ ٤ / ١٥٥ ]