بسم الله الرحمن الرحيم. قال الله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١).
ففرض الله ﵎ على الحكام العدل في الحكم، وأن لا يتبعوا الهوى، ولا يشتروا بآياته ثمنًا قليلًا، وفرض لهم على الناس التسليم، وبذل السمع، والطاعة، والانقياد، فقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (٢)، وقال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٣)، فقرن طاعته بطاعة رسوله وبطاعة أولي الأمر من عباده.
وقال ﵇: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني" (٤) ومن عصى إمامًا، أو قاضيًا، أو حاكمًا من الحكام في ما أمر به من الحق، أو حكم به من وجه العدل، فقد عصى الله ورسوله وتعدى حدوده.
وأما إن قضى بغير العدل، أو حكم بغير الحق فطاعته غير لازمة لقوله - ﷺ -: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" (٥) إلا أن يخشى أن تؤدي مخالفته إلى الهرج والمرج بالفساد، وسفك الدماء، وسبي الأموال، وهتك
_________________
(١) سورة ص الآية (٢٦).
(٢) سورة النساء الآية (٦٥).
(٣) سورة النساء الآية (٥٩).
(٤) أخرجه البخاري (٢٧٩٧)، ومسلم (١٨٣٥).
(٥) أخرجه أحمد (١٠٩٥) بسند صحيح.
[ ٨ / ٥٧ ]
الحرم: فتجب طاعته حينئذ على كل حال.
فالحكم بالعدل من أفضل أعمال البر، وأعلى درجات الأجر، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (١)، وقال - ﷺ - "المقسطون على منابر من نور يوم القيامة على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين" (٢)، وقال - ﷺ -: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم القيامة لا ظل إلا ظله" (٣)، فبدأ بالإمام العادل.
والجور في الأحكام، واتباع الهوى فيها من أعظم الذنوب، وأكبر الكبائر، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ (٤)، يقال: قسط: إذا جار، وأقسط: إذا عدل.
والقضاء محنة، ومن دخله فقد ابتلى بعظيم؛ لأنه قد عرض نفسه للهلاك؛ إذ التخلص على من ابتلى به عسير، وخرج أبو داود عن بريدة الأسلمي أن رسول الله - ﷺ - قال: "القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار، ورجل قضى في الناس بجهل فهو في النار" (٥).
وروى عمرو بن العاص أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا حكم الحاكم فاجتهد [فأصاب] (٦) فله أجران، وإذا حكم واجتهد فأخطأ فله أجر واحد" (٧).
_________________
(١) سورة المائدة الآية (٤٢).
(٢) أخرجه مسلم (١٨٢٧).
(٣) أخرجه البخاري (٦٢٩)، ومسلم (١٠٣١).
(٤) سورة الجن الآية (١٥).
(٥) أخرجه أبو داود (٣٥٧٣)، والترمذي (١٣٢٢)، وابن ماجه (٢٣١٥)، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى.
(٦) سقط من أ.
(٧) أخرجه أبو داود (٣٥٧٤)، والترمذي (١٣٢٦)، والنسائي (٣٥٨١)، وابن ماجة (٢٣١٤)، وصححه الشيخ الألباني ﵀.
[ ٨ / ٥٨ ]
وطلب القضاء، والحرص عليه حسرة، وندامة يوم القيامة، وروى أبو هريرة عن النبي - ﷺ - قال: "ستحرصون على الإمارة، وستكون حسرة وندامة يوم القيامة فنعمت المرضعة، وبئست الفاطمة" (١).
وروى أنس عن النبي - ﷺ - أنه قال "من طلب القضاء وكل إليه، ومن لم يطلبه، ولم يستعن عليه أنزل الله إليه ملكًا يسدده" (٢).
وروى عنه أبو موسى الأشعري أنه قال - ﷺ -: "لا نستعمل، ولن نستعمل على عملنا من أراده" (٣).
قال مالك: كان مما يتحدث به الناس أن النبي - ﷺ - قال: "لا تسأل الإمارة، فإنك إن تولها عن غير مسألة تعن عليها، وإن تولها عن مسألة توكل إليها" (٤).
وروى ابن القاسم عن مكحول قال: لو خيرت بين القضاء، وبين المال لاخترت القضاء، ولو خيرت بين القضاء وضرب عنقي لاخترت [ضرب عنقي] (٥).
قال قتادة: إن موسى قال: يا رب ما أقل ما وضعت في الأرض؟ قال: العدل.
وقال يحيى بن سعيد: وليست قضاء الكوفة، وأنا أرى أنه ليس على الأرض شيء من العلم إلا وإِني قد سمعته، فأول مجلس جلست للقضاء
_________________
(١) أخرجه النسائي (٤٢١١)، وأحمد (٩٧٩٠) وصححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٥٧٨)، وأحمد (١٣٣٢٦)، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى.
(٣) أخرجه البخاري (٢١٤٢)، ومسلم (١٧٣٣).
(٤) أخرجه البخاري (٦٢٤٨)، ومسلم (١٦٥٢).
(٥) سقط من أ.
[ ٨ / ٥٩ ]
اختصم إليَّ رجلان في شيء ما سمعت فيه شيئًا.
وأول ما استقضى معاوية ﵁ ولم يكن لرسول الله - ﷺ - ولا لأبي بكر ولا لعمر، ولا لعثمان قاض، وكان الولاة هم الذين يقضون، وهذا قول مالك في "العتبية"، و"الموازية"، و"الواضحة"، وأنكر قول أهل العراق وأن عمر استقضى شريحًا، وقالوا: كيف يستقضى بالعراق، ولا يستقضى بالشام واليمن وغيرهما، وليس كما قالوا، وروى العلاء بن كثير أن عمر بن الخطاب ﵁ نظر إلى شاب قد وفد عليه، فاستحلاه عمر وأعجبه، فإذا هو يسأله القضاء، فقال له عمر: كدت تغرنا بنفسك، إلا أن هذا الأمر لا يقوى عليه من يحبه.
وقال مالك في المجموعة: ومن عيب القضاء أنه إذا عزل أنه لا يرجع إلى المجلس الذي كان يتعلم فيه.
وأما صفة القضاة: فاعلم أنهم قالوا: للقضاة خصال مشترطة في انعقاد الولاية، وخصال مشترطة في استدامتها، وتوجب عزل القاضي عن الولاية إذا أخل بشيء منها، وخصال مستحبة فيها.
فأمَّا الخصال المشترطة في انعقاد الولاية: فإذا عدمت، أو واحدة منها لم تنعقد له الولاية، وهي ستة خصال: أن يكون حرًا، مسلمًا، بالغًا، عاقلًا، واحدًا؛ فإن ولي من لم تجتمع فيه لم تنعقد له الولاية، وإن انخرم شيء منها بعد انعقاد الولاية سقطت الولاية.
وقلنا: أن يكون حرًا احترازًا من العبد، وقد قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: لا خلاف بين المسلمين أنه لا يكون قاضيًا.
[ ٨ / ٦٠ ]
ووجه ذلك: أن منافع العبد مستحقة لسيده، فلا يجوز له أن يصرفها للنظر بين المسلمين؛ ولأنه ناقص الحرمة نقصًا يؤثر في الإمامة كالمرأة.
وقولنا: مسلمًا؛ احترازًا من الكافر، ولا خلاف بين المسلمين أن من هو في محل الغباوة وغزارة الحداثة وعدم الحكمة، فالهداية وقلة المعرفة، والدراية لا ينبغي أن يتقلد شيئًا من أمور المسلمين لعدم الخطاب، والوقوف على مراسم الكتاب.
وقولنا: ذكر؛ احترازًا من الأنوثة.
وقد اختلف فقهاء الأمصار في المرأة، هل يجوز أن تلي القضاء أم لا، فذهب مالك والشافعي إلى أنها لا يجوز أن تلي شيئًا من النظر في أمر من أمور المسلمين، وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز أن تلي القضاء دون القصاص، وذهب محمد بن الحسين، ومحمد بن جرير الطبري إلى أنه يجوز أن تكون قاضية على كل حال [. .] (١) ما روى أن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "لا يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة".
ومن طريق العموم أنه أمر يتضمن فصل القضاء فوجب أن تنافيه الأنوثة كالإمامة الكبرى.
قال القاضي أبو الوليد: ويكفي في ذلك عندي عمل المسلمين في عهد النبي - ﷺ - أنه لم يقدم لذلك في عصر من الأعصار، ولا مصر من الأمصار امرأة [للقضاء] (٢) كما لم [يقدمها] (٣) للإمامة.
وقولنا: عاقلًا: احترازًا من المجنون، ولا خلاف في ذلك أيضًا.
وقولنا: واحدًا منفردًا: احترازًا من أن يتولى القضاء قاضيان فأكثر على وجه الاشتراك، فلا يكون لأحدهما الانفراد بالنظر في قضية ولا قبول ببينة
_________________
(١) قدر كلمة غير واضحة بالأصل.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٨ / ٦١ ]
ولا إنقاذ حكم قال الشيخ أبو إسحاق بن شعبان في "الزاهي": فالحاكم لا يجوز أن يكون نصف حاكم، فلا يجمع اثنان فيكونان جميعًا.
وأما أن يستقضي في البلد القضاة، والحكم ينفرد كل واحد منهم بالنظر فيما يرفع إليه من ذلك فجائز، والدليل على ذلك: إجماع الأمة؛ لأنه لم يختلف في ذلك واحد في زمن النبي - ﷺ - إلى يومنا هذا، ولا أعلم أنه أشرك بين قاضيين في زمن من الأزمان، ولا في بلد من البلدان.
ودليل آخر: أن المذهب مختلف والأغراض متباينة، ولا يصح أن يتفق رأى رجلين في كل شيء حتى لا يرى أحدهما فيه خلاف ما يرى الآخر.
وإذا أشركا بين الحكمين عاد ذلك إلى اختلافهما في المسائل وتوقف نفوذها كالإمامة؛ لأنهما يحكمان في قضية واحدة وليس بولاية، فإن اتفقا نفذ حكمهما، وإن اختلفا لم ينفذ حكمهما وحكم ما لم يكن في ذلك مضرة، ولا مفسدة، وهذا بناء في الولاية؛ لأن من ولى القضاء لا يمكن الاستبدال عند المخالفة، فيؤدي ذلك إلى توقف الأحكام وامتناع نفوذها.
وأما الخصال المشترطة في الاستدامة [والتي] (١) توجب عزل القاضي عند الإخلال بشيء منها فهي: أن يكون سميعًا، بصيرًا، متكلمًا، عدلًا.
فهذه الأربع خصال لا يجوز أن يولي القضاء إلا من اجتمعن فيه، فإن ولى من لم يجمع فيه وجب أن يعزل متى عثر عليه، ويكون ما مضى من أحكامه نافذًا جائزًا إلا الفاسق الذي يعزل: فاختلف في أحكامه التي صادف فيها وجه الحلم، وعثر على الصواب على قولين:
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٨ / ٦٢ ]
أحدهما: أنها جائزة، وهو قول أصبغ.
والثاني: أنها مردودة؛ لأن مصادفته للحق من غير قصد إلى إيقاعه كنقد الأعمى إذا صادف درهمًا زائفًا، وهذا مشهور المذهب، فعلى هذا القول تكون العدالة من شروط صحة انعقاد الولاية كالإِسلام وأخواته.
وأما السمع والبصر: فقد حكى فيهما أصحابنا الإجماع إلا ما حكاه الماوردي عن مالك في جواز قضاء الأعمى، وهو غير معروف من مذهبه.
والدليل على أن ذلك لا يجوز: أن في تقديمه تضييق على المسلمين في طريق القضاء، وإنفاذ الأحكام، والحاكم مضطر إلى أن ينظر لكل من يطلب عنده مطلبًا من مطالب الحق، والأعمى وإن كان يميز الأصوات فلا يميز إلا من يكرر عليه صوته، وليس كل من يشهد عنده بشهادة من يتكرر إليه يعقل عليه؛ فقد يشهد بها عنده من لم يسمع كلامه قبل هذا.
وأما السمع: فإنه يفتقر إلى أن يسمع دعوى الخصم وأداء الشهادة، وليس كل شاهد يمكنه أن يكتب شهادته فيعرضها عليه، ومنهم من لا يكتب، مع ما في ذلك من تضييق الحال على الناس، وتعذر سبيل الحكم، وذلك يجب أن يمنع منه.
وهل يجوز أن يكون الأمي الذي لا يكتب حاكمًا إن كان عالمًا عدلًا لم أر فيه لأصحابنا نصًا لا لمتقدم ولا لمتأخر، ولأصحاب الشافعي قولان: الجواز، والمنع، والأظهر: الجواز؛ لأن إمام المرسلين، ورسول رب العالمين، وأفضل الحكام كان لا يكتب، ولا يعترض على ذلك بأن يقال النبي - ﷺ - مخالف لغيره من البشر، فإن المخالفة في غير ذلك.
وأما في فصل القضاء فهو فيه مع سائر المكلفين على سواء، والدليل على ذلك الحديث المشهور قد خرَّجه مالك وغيره من طريق أم سلمة أن رسول الله - ﷺ - قال: "إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم لتختصمون إليَّ .. " (١) الحديث.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٥٦٦)، ومسلم (١٧١٣).
[ ٨ / ٦٣ ]
فبين النبي - ﷺ - أنه من البشر، وأنه لا يعلم الغيب، ولا المحق من الخصمين من المبطل، وأخبر بأن حاله في ذلك كحال غيره؛ لأنه لا يعلم الغيب إلا ما اطلع عليه بالوحي.
ولما كانت الدنيا دار تكليف، وكانت الأحكام تجري على ذلك أجرى في غالب أحواله في هذا الوجه على أحوال سائر الحكام؛ ولذلك لم يقل في مسألة المتلاعنين أنه أعلم بالكاذب منهما؛ بل قال: يعلم الله أن أحدكما كاذب، فهل منكما من تائب؟.
وأما الخصال المستحبة فكثيرة، قال عمر بن عبد العزيز ﵁: لا ينبغي للرجل أن يكون قاضيًا حتى تكون فيه خمس ضلال: حتى يكون ورعًا، ويكون نزيهًا، ويكون عالمًا بما كان قبله من الأقضية.
وفي رواية أخرى عنه: ويكون عالمًا بالفقه والسنة ذا نزاهة عن الطمع مستحقًا كالأئمة، حليمًا على الخصم، مستشيرًا لذوي الرأي.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: لا يصلح أن يلي هذا الأمر إلا حصيف العقل، قليل الغرة، بعيد المهمة، لا يطلع الناس منه على عورة، ولا يخشى في الله لومة لائم (١).
وقال أيضًا ﵁: لا يصلح أن يلي هذا الأمر إلا الشديد في غير عنف، اللين في غير ضعف، [الجواد] (٢) في غير سرف، البخيل في غير وكف، وربما قال: الممسك في غير بخل (٣).
قال مالك -﵀: ولا أرى خصال القضاء تجتمع في أحد، فإذا
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ١١).
(٢) في أ: الجود.
(٣) أخرجه أبو عبيد في الغريب (٢/ ٨٩).
[ ٨ / ٦٤ ]
اجتمعت منها خصلتان في رجل رأيت أن يولي العلم والورع.
قال ابن حبيب: وإن لم يكن في الرجل علم وورع، فعقل وورع؛ فإنه بالعقل يسل وبالورع يقف، فإذا طلب [العلم] (١) وجده، وإن وجد العقل لم يجده.
ومن سيرة القضاة اتخاذ المجلس، وأن يكون في المسجد، ويرضى فيه بالدون من المجلس؛ ولهذا قال مالك -﵀- القضاء في المسجد من الحق، وهو من الأمر القديم.
فإذا اتخذ المجلس وعين الوقت للجلوس، فقد استراح وأراح غيره، ولا يطول في المجلس؛ لأن ذلك مما يضر به ويذهب بفطنته، وإنما تكون أوقات واسعات معلومة للجلوس.
ولا ينبغي أن يقضي وهو يمشي إلا في الشيء اليسير، وأجاز ذلك أشهب إذا كان ذلك يضرُّ به.
واختلف هل يجلس للقضاء فيما بين العشاءين أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يجلس من حدث في تلك الساعة يأمر فيه، وينهى مما يخشى فواته، وأما أن يجلس لفصل القضاء واستيعاب البينات والتعرض لاستيفاء حجج الخصوم فلا، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه يجوز الجلوس بين المغرب والعشاء لمن أراد المجيء، ولا يكلف ذلك أحد، ولا يجلب الكاره، وهو قول أشهب في "المجموعة".
وقال محمد بن عبد الحكم: لا ينبغي للحكم أن يجلس أيام النحر، ولا يوم الفطر، ولا ما قاربه مما يضر فيه بالناس في حوائجهم ولابد لهم، وكذلك يوم عرفة، ويوم التروية مما جرى عليه من الناس، وكذلك إذا
_________________
(١) في أ: العمل.
[ ٨ / ٦٥ ]
كان الطين والوحل وأضر ذلك بالناس.
وأنه يترك الجلوس إذا دخل عليه هم، أو نعاس، أو ضجر، أو كان شبعانًا، أو [جائعًا] (١): فليقم ولا يجلس.
وكذلك أمر يمنعه من استيفاء النظر فيما بين الخصمين.
واختلف فيما إذا استشعر الملك من نفسه في مجلس حكمه، هل يتحدث مع أهل مجلسه أو يقم على قولين:
أحدهما: أنه يتحدث مع أهل مجلسه في غير الحكم، وهو قول ابن عبد الحكم.
والثاني: أنه يقوم ولا يجلس.
[فهذه] (٢) لمع من آداب القضاء مما لا يمكن أن نخلي الكتاب من ذكرها، والحمد لله وحده.
_________________
(١) في أ: جيعانًا.
(٢) في أ: فهذا.
[ ٨ / ٦٦ ]
المسألة الثانية فيما يتوجه على القاضي إذا دنا إليه الخصمان
وإذا جلس الخصمان بين يدي القاضي: فهو بالخيار إن شاء سألهما عن خصومتهما، وإن شاء سكت حتى يبتدئاه.
فإذا ابتدءاه أو سألهما، فإن علم المدعي منهما فليبادر له بالكلام، فإن تكلم المدعي أسكت المدعى عليه، واستمع من المدعي حتى يأمره بالسكوت، ويستنطق الآخر.
فإن لم يعلم أيهما المدعي فلا بأس أن يقول لهما: أيكما المدعي، فإن قال هذا سأله، وأسكت صاحبه، فإن قال أحدهما: أنا، وسكت صاحبه ولم ينكر: فلا بأس أن يسأله عن دعواه، واستحب بعض العلماء ألا يسأله حتى يقر له بذلك الآخر.
فإن ادعى كل واحد منهما أنه هو المدعي، وأن صاحبه هو المدعى عليه، فإن علم الذي استعدى على صاحبه وجلبه إلى القاضي: فإنه يسمع منه أولًا.
فإن لم يدر من جلب منهما صاحبه: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن القاضي يقيهما عنه حتى يأتي أحدهما إلى الخصومة، فيكون هو الطالب، وهو ظاهر قول أصبغ في "كتاب ابن حبيب".
والثاني: أنه يبدأ بمن شاء منهما، وهو قول ابن عبد الحكم، ومن المدونة: قلت لابن القاسم: ما قول مالك في الخصمين إذا أتيا إلى القاضي، فيتبين له أن الحق لأحدهما، فأراد أن يحكم للذي اتضح له
[ ٨ / ٦٧ ]
الحق؟! قال: سمعت مالكًا وهو يقول من وجه الحكم في القضاء إذا أدلى الخصمان حجتهما، وفهم القاضي عنهما، فأراد أن يحكم بينهما أن يقول لهما: أبقيت لكما حجة، فإن قالا: لا. قضى بينهما وأوقع الحكم، فإن أتيا بعد ذلك يريدان نقض ذلك لم يقبل ذلك منهما إلا أن يأتيا بأمر يرى أن لذلك وجه، قال: معناه أنه إن أتى بشاهد عند من لا يرى الشاهد واليمين يريد أو بينة لم يعلم بها، قاله في "كتاب السرقة" من "المدونة" وقال الخصم: لا أعلم لي شاهدًا آخر، فوجه القاضي الحكم عليه ثم قدر على شاهد آخر بعد ذلك أنه يقضي بهذا الآخر، وما أشبه هذا مما قال مالك يعرف به وجه حجته، والكلام في هذه المسألة في ثلاثة مواضع:
أحدها: قوله: "إذا فهم القاضي منهما".
والثاني: قوله: "أبقيت لكما حجة".
[والثالث] (١): قوله: "إذا أتى بشاهد عند من لا يرى القاضي بالشاهد واليمين فوجه الحكم عليه ثم قدر على شاهد آخر بعد ذلك".
فأما الموضع الأول: وهو القول إذا فهم القاضي عنهما، فأراد أن يحكم بينهما: قال الشيخ أبو القاسم بن محرز: جعل فهمه منهما مقام ما يسمعه منهما، والذي قاله هو ظاهر "الكتاب".
وقال غيره من المحققين: ليس مراد صاحب "الكتاب" ما قاله أبو القاسم، فإن معناه: أنه فهم عنهما ما سمعه وحققه تحقيقًا يدفع عنه الريب والاحتمال من مقاصدهما؛ لأنه فهم من معرض كلامهما ولحن خطابهما؛ إذ ليس ذلك مما تقوم به الأحكام.
وقد قال أشهب وسحنون وغيرهما: لا يقضي القاضي حتى لا يشك
_________________
(١) في أ: والشاهد.
[ ٨ / ٦٨ ]
أنه قد فهم، وأما أن يظن أنه فهم، وهو يخاف ألا يكون قد فهم لما يجد من الكسل، والحيرة فلا ينبغي أن يقضي بينهما، فهذا الفهم الذي أراد صاحب "الكتاب" لا [غيره] (١).
وأما قوله: "أبقيت لكما حجة": قيل: إنما صوابه أن يقوله للمحكوم عليه، وعلى هذا اختصر المسألة أبو محمد بن أبي زيد أن يقال للمطلوب: أبقيت لك حجة، فهو الذي يعذر إليه.
وأما المحكوم له: فإنه الذي يطلب الحكم، ولا أعذار له، وقد قيل: يحتمل صواب ما قال؛ لأن المطلوب إذا ذكر حجة سأل الطالب عن جوابه كأنه قال: أبقى لكما كلامًا أسمعه منكما وأنظر فيه، أو حجة تترافعانها.
وقيل: إن الذي قاله صواب، وأنهما اثنان؛ طالب ومطلوب، فمرة يتوجه الحكم على المطلوب، ومرة يتوجه على الطالب بتعجيزه ودفعه عن المطلوب ورفع يديه عن الخصام، فقوله: "أبقيت لكما حجة" لما كان له أن يقول ذلك لكل واحد منهما على الانفراد إذا توجه عليه الحكم؛ اختصر الكلام ولفه في لفظ واحد، فكأنه يقال لكل واحد من الخصمين ممن يتوجه الحكم عليه، أو بتعجيزه ودفعه عن صاحبه من طالب أو مطلوب أبقيت لكم حجة، وهذا يتخرج على الخلاف في المدعى عليه، هل يكتب له الحكم بدفع دعوى المدعي إذا طلب ذلك؟ فللأصحاب في ذلك قولان:
فمطرف، وأصبغ يقولان: ذلك له، وابن القاسم يقول: ليس له ذلك.
وأما قوله: "مثل أن يأتي بشاهد عند من لا يرى الشاهد واليمين، فوجه القاضي الحكم ثم جاء بشاهد آخر بعد ذلك، وأتى ببينة لم يعلم بها
_________________
(١) في أ: يغيره.
[ ٨ / ٦٩ ]
على ما في "كتاب القطع في السرقة"، هل ينظر فيما أتى به آخرًا، ويحكم له به؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدهما: أنه ينظر فيما أتى به بعد الحكم مما له وجه سواء كان القاضي بنفسه أو بغيره، وهو ظاهر "الكتاب" على ما تأوله التونسي وغيره.
والثاني: أنه لا ينظر فيما أتى به بعد الحكم لا القاضي نفسه ولا غيره، وهو مذهب سحنون؛ لأنه حكم قد مضى.
أما الأول فمذهبه أنه لا يقضي بشاهد ويمين، والشاهد الأول قد حكم بإسقاط شهادته فلا تلفق شهادته مع شهادة الثاني، وأما القاضي الذي تولى بعده: فلا يجوز له التعرض لما قضى به من قبله من الجور البين.
والقول الثالث: التفصيل بين القاضي نفسه الذي حكم عليه، فيجوز له النظر فيما أتى به آخرًا.
وأما من يتولاه بعده فلا يجوز له النظر في ذلك، ولا التعرض له، وهو قول ابن المواز، وهو ظاهر "المدونة" على ما تأوله أبو عبد الله التونسي.
ومن هذا القبيل اختلافهم فيمن أقام شاهدًا على حق من الحقوق، فأبى أن يحلف معه، وحلف المدعى عليه، ثم وجد شاهدًا لآخر هل يحلف مع الثاني، أو تلفق شهادته مع الأول على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن شهادة الثاني تلفق مع الأول؛ لأن تورعه عن اليمين مع شهادة الأول لا يؤثر في إسقاطها.
والثاني: أنه لا يجزئه إلا شاهدان سوى الأول؛ لأنه لما نكل مع الأول، فكأنه أخبر أنه لا يحلف مع شاهد على حال.
[ ٨ / ٧٠ ]
والثالث: أنه يحلف مع الثاني لإمكان سكون نفسه إليه، وكونه يتق شهادة الأول. والحمد لله وحده.
[ ٨ / ٧١ ]
المسألة الثالثة فيمن مر برجل فسمعه يطلق، أو يعتق، أو يعترف بحد أو حق من غير أن يشهده المطلق أو المعترف
وقد وقع في هذه المسألة في "الكتاب" إشكال، وفيها ألفاظ توهم أن قول مالك اختلف فيها، وأنا أورد عليك نص "الكتاب" حتى يتبين لك محل الإشكال أو ما أوجب الإيهام من الكلام.
قلت: أرأيت إن سمع رجل رجلًا يقول: إن لفلان على فلان كذا وكذا، أو يقول: رأيت فلانًا قتل فلانًا أو قال: سمعت فلانًا قذف فلانًا، أو سمعت فلانًا طلق فلانة، ولم يُشهده، إلا أنه مر فسمعه وهو يقول هذه المقالة، أيشهد بهذا، وإنما مر فسمعه يتكلم به، ولم يشهده، قال: لا يشهد بها ولكن إنما مر فسمع رجلًا يقذف رجلًا، أو سمع رجلًا يطلق امرأته ولم يشهداه، قال مالك: فهذا الذي يشهد به، وإن لم يشهداه.
قال: ويأتي من له الشهادة فيعلمه أن له عنده شهادة.
قال: وسمعت من مالك هذا في الحدود: أنه يشهد بما سمع من ذلك إذا كان معه غيره.
وأما قولك الأول في "كتاب الشهادات"، فإني سمعت مالكًا، وسئل عن الرجل يمر بالرجلين وهما يتكلمان في الشيء، ولم يستشهداه فإنه لا ينبغي أن يشهد، قال ابن القاسم: إلا أن يكون استوعب كلامهما؛ لأنه إن لم يستوعبه لم يجز أن يشهد لعل الذي نقله قد كان قبل هذا الكلام كلام يبطله، فيدعوه أحدهما إلى الشهادة فلا يشهد، وهذا نص المسألة في الأمهات.
[ ٨ / ٧٢ ]
واختلف المتأخرون في تأويلهما؛ فمنهم من حمل الكلام على ظاهره، ورأى أن الذي في "الكتاب" اختلاف قول واضطراب رأي، فيتحصل في المسألة على هذا المذهب أربعة أقوال:
أحدها: أنه لا يشهد وأنه لا فرق بين الحدود والحقوق، وهو ظاهر قول مالك في "الكتاب"؛ حيث قال: لا يشهد بها.
والثاني: التفصيل بين الحدود والحقوق؛ فيشهد في الحدود بما سمع وإن لم يشهداه، ولا يشهد في الحقوق إذا لم يشهداه، وهو قول مالك الأول على ما نص عليه في "كتاب الشهادات".
والثالث: التفصيل بين أن يستوعب كلامهما فيشهد، أو لا يستوعبه فلا يشهد، وهو قول ابن القاسم، وهو ظاهر قول مالك فيما جوز فيه شهادته إذا استوعب.
وأما إذا لم يستوعب الكلام فلا يشهد، قولًا واحدًا.
والرابع: التفصيل بين أن يسمع ذلك من شاهد يحكيه أو يسمعه من المباشر، فيستدق أو من القاذف: فيشهد، وإن سمعه من شاهد يحكيه: فلا يشهد، وهو ظاهر قول مالك في المسألة هنا.
بيد أن أرباب المذهب اختلفوا في نقل الشهادة عن الشاهد، هل يفتقر إلى إذن الشاهد المنقول عنه أم لا؟ على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن ذلك لا يجوز إلا بإذنه، وهو نص المدونة في كتاب [. .] و" كتاب الشهادات".
والثاني: أنه يجوز ولا يفتقر إلى إذنه، وهو ظاهر قوله في "كتاب
[ ٨ / ٧٣ ]
الأقضية" من "المدونة" حيث قال: إن القاضي المحدث لا ينظر في شيء من أمر البينة التي شهدت عند المعزول وثبت في ديوانه فقال: لا يجوز في شيء من ذلك إلا أن تقوم عليه بينة.
قال الشيخ أبو القاسم بن محرز: قوله: إلا أن يقوم عليه ببينة [. .] (١) على ما ثبت من خط الشهود، فقد أفادت المسألة جواز الشهادة على الخط.
وإن كان أراد به إقامة البينة على سماعهم الشهادة من الشهود حين أثبتوها عند القاضي، فقد أفادت المسألة جواز نقل الشهادة، وإن لم يأذن الشاهد المنقول عنه بذلك، وإلى هذا نجا بعض المتأخرين أيضًا، وقال: لا فرق بين أن ينقل عنهما أو قد ذكراها عند الحاكم أو نقلت عنهما، وقد ذكراها عند غير الحاكم.
والقول الثالث: أنه يجوز النقل عنهما إذا رفعت عند الحاكم؛ لأن ذلك موضع التحرير والاحتفاظ على الزيادة والنقصان.
ولا يجوز النقل عنهما إذا ذكراها في معرض ما حكى له وكثير من الناس من يستعمل في كلامه المعاريض والمزاح الذي هو مباح، ولو علم أنها تنقل عنه لتحقق وتحرز، وإلى هذا ذهب بعض المتأخرين أيضًا.
ومنهم من قال: إن ذلك ليس باختلاف قول، وإنما هو اختلاف أسئلة، وإن كلام ابن القاسم تفسير لقول مالك، وليس مراده عندهم بقوله الأول قولًا ثانيًا، واختلافًا من قوليه لتقدم الكلام في المسألة، وسماعه القول في أحدهما قبل الآخر؛ فيكون معنى قوله: وأما على قول مالك الأول يريد بالأول في السماع، لا أنه الأول في الأقوال؛ إذ هي ثلاث مسائل:
الأولى: إذا سمع شاهدًا أو شهودًا يذكرون أنهم سمعوا فلانًا يقول
_________________
(١) قدر كلمة غير واضحة بالأصل، وأظنه الأقضية.
[ ٨ / ٧٤ ]
لفلان: علىَّ كذا وكذا، وسمعنا فلانًا يقذف فلانًا أو يطلق امرأته: فلا يشهد السامع لها ولا الشهود على هذا القول حتى يُشهداه على شهادتهم على ما قدمناه من الخلاف.
الثانية: إذا سمعه يقذف رجلًا، أو يطلق زوجته: فهذا يشهد بما سمع إذا كان معه غيره؛ وذلك لأنه في القذف إذا كان وحده، ولم تتم الشهادة على القاذف خشى أن يكون قاذفًا أو معرضًا فيحد.
والثالث: إذا سمع رجلين يتراجعان في كلام ويتقاربان في شيء بينهما: فهذا يشهد إذا استوعب كلامهما من أوله إلى آخره كما قال ابن القاسم، ولا يشهد إذا لم يكن كذلك كما قال مالك، وهذا أيضًا يشترط في المسألة التي قبلها، وأنه لا يشهد حتى يستوعب كلامهم في كل شيء؛ لأنه إذا لم يستوعب قوله في الطلاق والقذف أولًا وآخرًا، فكيف يصح له أن يشهد مع الاحتمال أن يكون القائل حاكيًا في غيره، وفي هذا الفصل يتصور الخلاف على ما في "كتاب محمد"، وتأويل بعضهم على ظاهر "المدونة". والحمد لله وحده.
[ ٨ / ٧٥ ]
المسألة الرابعة في القصاص في الجراح بشاهد ويمين
وإذا ادعى على رجل جراحات عمدًا وقطع يد عمدًا في القصاص: فلا يخلو من أن يقوم له على بينة أو لم تقم.
فإن قامت له بينة: فلا خلاف في وجوب القصاص فيما يجب فيه القصاص ويتمكن.
فإن قام له شاهد واحد، هل يحلف معه ويقتص أم لا؟
فالمذهب على أربعة أقوال، كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه لا يقتص في الجراح والأعطاب بشاهد ويمين، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الشهادات" من المدونة، وهو قول الغير في "كتاب الشهادات".
والثالث: التفصيل بين ما صغر من الجراح وما عظم منها؛ فما صغر منها مما ليس فيه عقل مسمى، كما به قال مالك في المبسوط، أو فيه عقل مسمى إلا أنه ليس بمتلف كالموضحة وقطع الإصبع، على قول عبد الملك: فإنه يقتص منه بالشاهد واليمين.
وما عظم منها وخيف منه التلف: فإنه لا يقتص فيه بالشاهد واليمين.
والرابع: أن الجروح لا يمكن من اليمين، وإنما يحلف الجارح، وهو ظاهر "المدونة" في "كتاب الأقضية" حيث قال: أرأيت إن ادعيت قبل رجل قصاصًا أو أنه ضربني بالسوط، وما أشبه ذلك أيستحلف لي أم لا؟
في قول مالك قال: لا يستحلف إلا أن تأتي بشاهد عدل، فيستحلف لك.
[ ٨ / ٧٦ ]
فانظر فقد جعله في هذه المسألة كالشاهد الواحد على الطلاق أو على العتق؛ لأن اليمين مع الشاهد إنما يحكم بها في الأموال دون الحدود، والقسامة إنما وردت في النفوس خاصة.
ومن رأى أن القصاص يجب بشاهد ويمين المجروح فاسدًا على النفوس، إلا أنها في النفوس خمسون يمينًا، وفي الجراح يمينًا واحدًا.
وعلى القول بأن القصاص يجب بشاهد ويمين، فإن نكل المقطوعة يده عن اليمين، ونكل القاطع عن اليمين بعده، هل يقطع أو يحبس؟ قولان:
أحدهما: أنه يحبس كالقطع، وهو مذهب المدونة.
والثاني: أنه يقطع.
وسبب الخلاف: النكول هل هو كالإقرار أم لا؟.
وعلى القول بأن القصاص لا يجب بشاهد ويمين: فإن المجروح أو المقطوع يحلف ويأخذ الدية، وهو قوله في "كتاب الشهادات" من "المدونة".
وعلى القول بأن القاطع يحلف: فإن نكل عن اليمين، فالذي ينبغي أن يرد اليمين على المقطوعة يده، فيحلف ويستحق القصاص والدية على اختلاف الروايات، ويحتمل أيضًا أن يجري فيه من الخلاف ما يجري في الزوج إذا نكل عن اليمين في الطلاق لكون اليمين في جنبة المشهود عليه في مسألتنا؛ لأنه فيمن أقام شاهدًا واحدًا على رجل بالقذف، فقال: لا يحلف المقذوف، فقيل له: فعلى المشاتم اليمين، قال: نعم فعسى به، وليس كل ما رأى المرء أرادوا معه أن يجعلوه بينة.
وأما الوجه الثاني: إذا لم يأت ببينة على القطع ولا شاهد ولا شبهة
[ ٨ / ٧٧ ]
على دعواه: فقد اختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يمين على المدعي عليه، وهو قول مطرف.
والثاني: أن عليه اليمين، وهي رواية أشهب عن مالك.
والثالث: أنه لا يمين عليه إلا أن يكون مشهودًا بذلك، وهي رواية عبد الملك بن الماجشون والأقوال الثلاثة.
فإن نكل عن اليمين على قول من يقول: إنه يحلف إما على الإشهاد أو مع عدمه: فإنه يسجن حتى يحلف، فإن طال سجنه، فإنه كان مشهودًا بالشر مبررًا فيه، فإنه يخلَّى سبيله، وهل يؤدب أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنه يؤدب على قول أصبغ.
والثاني: لا يؤدب، على قول مالك. والحمد لله وحده.
[ ٨ / ٧٨ ]
المسألة الخامسة في يمين العواتق وغير العواتق من النساء، ومن هو في ثقاف الحجر من السفهاء
ومعنى العواتق -هاهنا: الأبكار، فاليمين على وجهين: يمين أوجبتها الظنة والشبهة: فلا يتوجه على العواتق وعلى من هو في ثقاف الحجر من السفهاء، فأمَّا اليمين مع الشاهد: فلا يخلو المشهود به من وجهين: إما أن يكون معينًا أو غير معين.
فإن كان معينًا فهو على وجهين: مولى عليه، وغير مولى عليه.
فإن كان غير مولى عليه: فإنه يحلف مع شاهده، ويستحق الحق الذي يشهد له به سواء كان مؤمنًا أو كافرًا، حرًا أو عبدًا، ذكرًا، أو أنثى؛ لأنهم لما تساووا في الملك والتصرف وجب أن يتساووا في وجه الاستحقاق.
فأمَّا المولى عليه فعلى ضربين: صغير وكبير.
فإن كان صغيرًا وانفرد بالحق وحده قبل شاهده، فهل يحلف المشهود عليه أو يوقف الحق حتى يحتلم الصغير، فيحلف: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن المشهود عليه يحلف، وبه قال ابن القاسم في "العتبية"، ورواه مطرف، وابن الماجشون في "الواضحة".
والثاني: أن الحق يوقف إلى بلوغ الصبي، فيحلف ويأخذ، أو ينكل عن اليمين فتسقط دعواه، وهو قول سحنون في "كتاب ابنه".
ووجه القول الأول: أن الصغير لما لم يكن من أهل اليمين ثبت اليمين في جنبة المدعى عليه كما لو شهد الشاهد لغير معين.
[ ٨ / ٧٩ ]
ووجه القول الثاني: أنه معين يرجى أن يزول المانع له من اليمين، فينتظر به ذلك أصله المغمى عليه.
فعلى القول بأن المطلوب يحلف، فإن حلف بقى الحق عنده سواء كن ذلك الحق معينًا أو ثابتًا في الذمة حتى يبلغ الصغير، فيحلف ما شاهده، فيستحق حقه ما كان منه في الذمة، وما كان معينًا إن كان المعين باقيًا، فإن فات حقه يوم حكم به للصبي إن كان سبب الفوات من الذي هو في يده أو من أجنبي.
فإن كان سبب الفوات من عند الله: فلا شيء عليه إلا أن يكون غاصبًا أو متعديًا، ورواه ابن حبيب عن مطرف، وابن عبد الحكم، وابن الماجشون، وأصبغ.
ووجهه: أن الصغير لا يصح منه اليمين؛ فيحلف المطلوب، ويترك الحق عنده، فإذا بلغ الصبي وصار ممن يحلف: حلف مع شاهده كما أمكنه ذلك، ويأخذ حقه.
فإن نكل الصبي عن اليمين بعد أن يبلغ، هل يحلف المطلوب مرة أخرى أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يحلف المطلوب مرة أخرى، وهو قول أصحاب مالك في "الموازية"، و"العتبية" وغيرهما وهو مشهور المذهب؛ لأن يمينه بذلك قد تقدمت.
والثاني: أنه لابد للمطلوب أن يحلف يمينًا ثانية بعد نكول الطالب.
ووجه القول الأول: أن يمين المطلوب لتقدمها في الرتبة عليها، وإنما تقدمت هذه لضرورة توقف تلك اليمين، وإن لم يحلف المدعي: صحت يمين المطلوب، وصح له الحكم بها.
[ ٨ / ٨٠ ]
ووجه القول الثاني: أن يمين المطلوب لتوقف الحق بيده خاصة لما تعذرت يمين الطالب التي يتعجل بها حقه، فإذا حلف الطالب أخذ حقه بشاهد ويمينه، فإن نكل: حلف المطلوب فبرأ من الاستحقاق وقضى له، وإن لم يحلف: قضى عليه بنكوله؛ لأنه لو كانت يمينه أولًا يمين الاستحقاق: لوجب ألا يبقى بعدها للمدعي يمين، فإذا نكل المطلوب عن اليمن أولًا: غرم الحق وأخذ.
فإذا بلغ الصبي فغلبه اليمين، فإن حلف: قضى له بحقه، وإن نكل عن اليمين: رد الحق إلى المطلوب، ولا يؤخذ عليه باليمين ثانية، رواه ابن حيب عن مطرف، وابن كنانة، وبه قال ابن المواز.
فإذا ثبت ذلك فإن الصغير إذا كبر يحلف مع شاهده على البت، وهل من شرطه أن يقع العلم عنده بصحة ما شهد به الشاهد، فعند ذلك يحلف أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يحلف الوارث على ما لم يحضره، ولم يعلم وهو لا يدري هل يشهد بحق أم لا؟ فيحلف مع شاهده على خبره فيصدقه، كما جاز أن يأخذ ما شهد به الشاهدان من مال وغيره وهو لا يعلم صحة ذلك إلا بقولهما، وهو قول مالك في "كتاب ابن سحنون"، وهذا القول يؤخذ من "المدونة" من غير ما موضع؛ منها أيمان القسامة، فإن الأولياء يقسمون على شهادة الشاهد، أو على قول الميت: دمي عند فلان، وهم على أسرتهم نائمون وفي غفلاتهم متقلبون، ولا يتيقنوا بصحة ما يحلفون عليه.
ومنها يمين الصبي إذا ثبت له حق بشاهد واحد قبل أن يولد، فإنه
[ ٨ / ٨١ ]
يحلف معه على البت إذا بلغ وغير ذلك مما لا يحصى كثيره.
والثاني: أنه لا يحلف حتي يقع عنده العلم، ويحصل له بالخير المتواتر، فإن لم يبلغ هذا الحد: امتنع من اليمين، واستحلف المدعي عليه؛ لأنه [لا يصح] (١) لأحد أن يحلف على ما لا يتيقنه، وهو اختيار القاضي أبي الوليد الباجي، قال: وهو ظاهر قول مالك والمعلوم من مذهبه.
وصفه يمينه: أن يحلف على حسب ما شهد به الشاهد، فإن شهد بالإقرار: لم يكن له أن يحلف أن له عليه كذا وكذا، ولا أنه غصب منه كذا وكذا، ولكن يحلف بالله لقد أقرَّ له فلان بكذا وكذا، وهو قول محمد بن عبد الحكم.
فإن كان المدعى عليه غائبًا: زاد في يمينه أن حقه عليه لباق، وما عنده به رهن، ثم يقضي له بذلك.
فأمَّا إن كان المولى عليه كبيرًا، هل يحلف مع شاهده ويستحق حقه، أو يحلف المطلوب أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يحلف مع شاهده، ويستحق حقه، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم في "العتبية"، فإن نكل: حلف المطلوب وبرئ، وإن نكل: غرم كالعبد والذمي.
والثاني: أن المطلوب يحلف، ويؤخر السفيه، فإذا رشد: حلف مع شاهده إن شاء وقفى له.
وإن أبى أن يحلف: لم يكن له على المطلوب يمين، وهي رواية ابن حبيب عن مطرف، وهو الصحيح، وقيل بأن اليمين ترد على المطلوب،
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٨ / ٨٢ ]
وقد قدمنا توجيه ذلك في فصل الصغير يكبر.
ووجه القول الأول: أن هذا يلزمه الحدود والطلاق فكان له أن يحلف، ويستحق كالرشيد.
ووجه القول الثاني: أن من لم يحلف في دفع حق عن نفسه، فإنه لا يحلف في استحقاقه كالصغير.
وعلى القول بأن السفيه يحلف أولًا، فإن نكل عن اليمين وحلف المطلوب، هل ترد اليمين على السفيه إذا بلغ الرشد أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يمين له، ولا للبكر بعد صلاح حالها، وهي رواية ابن سحنون عن أبيه في "العتبية".
وعلى القول بأن المطلق يحلف أولًا: فإن نكل أخذ منه الحق.
فإذا رشد السفيه: حلف ومضى له، وإن نكل: رد إلى المطلوب بلا يمين، وهو قول مطرف، وابن كنانة، ولا ترد اليمين عليه؛ لأن ذلك يفضي إلى الدور العقلي.
فإذا قلنا: أن السفيه يحلف مع شاهده حال سفهه: فإنه إن حلف: قبض ما استحقه بيمينه الذي هو الناظر عليه والمتكفل به كقبضه لسائر ماله.
قال الشيخ أبو إسحاق: والاختيار أن يحلف ويقبض هو ما حلف عليه، فإذا صار إليه قبضه منه من له النظر عليه؛ لأنه لا يستحق بيمينه شيئًا إلا من إليه قبضه.
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا كانت الشهادة لغير معين: فلا يخلو من أن يحاط بعددهم، أو لا يحاط بعددهم.
فإن كانوا لا يحاط بعددهم؛ مثل أن يشهد شاهد بصدقة لبني عم، أو
[ ٨ / ٨٣ ]
للمساكين، أو في سبيل الله، فقد قال ابن القاسم وأشهب: لا يحلف فيه مع الشاهد، ولا يستحق بشهادة حقًا؛ لأنه لا يتعين لهذا الحق مستحق، فيحلف معه؛ لأن كل من حلف مع الشاهد يجوز أن يخرج عن هذا الحق، ويصرف إلى غيره.
وإنما يحلف في الحقوق من يستحق بيمينه الملك والقبض.
فإن كانوا معينين، إلا أنه يحاط بعددهم، وأضيف إليهم من لا يحصى؛ مثل أن يقول: حبست هذا الملك على ولد زيد وعقبهم، أو قال: تصدقت به عليهم فيشهد لهم بذلك شاهد واحد: فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يمين فيه، وقد قال في كتاب ابن المواز أن الذي يقول به أصحابنا أن كل محبس ومبتل ومعقب فلا يصح فيه الثمن.
والثاني: أنه إذا حلف منهم الجل نفد لهم الصدقة، ولغيرهم ولغائبهم ولمولدهم وللسبيل بعدهم، وهي رواية عبد الملك عن مالك في "الموازية"، و"المجموعة".
والثالث: أنه يحلف من أهل الصدقة رجل واحد مع الشاهد، ويثبت جنسًا له ولجميع أهلها، وإن لم يحلف عليها غيره، ولكل من يأتي ممن شرطت له من صغير وكبير، وهي رواية ابن وهب، ومطرف، وابن الماجشون عن مالك في "المجموعة"، وبهذا قال المغيرة إذا كانت الشهادة لمعين وغير معين؛ مثل أن يشهد الشاهد أن فلانًا حبس على فلان، وعلى عقبه أنه يحلف مع شاهده ويحق الحق له، ولمن يأتي بعده، فإذا ثبت فما كيفية اليمين التي بها يحلف من وجبت عليه، وأين يحلف؟
[ ٨ / ٨٤ ]
أما كيفية اليمين: فإنه يحلف بالله تعالى، ولا يقبل منه غير ذلك باتفاق العلماء، ثم لا يخلو الحالف من أن يكون مسلمًا، أو كافرًا.
فإن كان مسلمًا: فإنه يحلف بالله الذي لا إله إلا هو، ولا يزيد على ذلك الرحمن الرحيم، ولا الطالب المدرك، قال ابن القاسم: ورأينا المدينين يزيدون ذلك في اليمين عند المنبر، فأبى ذلك مالك، وقال: هذه أيمان الأعراب.
واختلف في أيمان اللعان، والقسامة، هل يزاد عليها على ما قدمناه أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يزاد، وأن اليمين فيهما كاليمين في سائر الحقوق، وهو قول ابن القاسم، وأشهب، وهو الأشهر.
والثاني: أنه يزاد فيهما: عالم الغيب، والشهادة الرحمن الرحيم، وهو قول عبد الملك في "كتاب محمد".
ولو حلف فقال: "والله" من غير أن يقول: لا إله إلا هو، هل يجزئه ذلك أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن ذلك جائز، ويكفيه ذلك من الزيادة عليه، وهو ظاهر "المدونة" في "كتاب النذور".
والثاني: أنه لا يجزئه حتى يضيف إليه: "الذي لا إله إلا هو"، وهو نص قول أشهب في "الموازية"، وهو ظاهر "المدونة" في "كتاب الأقضية".
فإن كان الحالف كافرًا، وكان يهوديًا أو نصرانيًا، فهل يقتصرون على اليمين بالله خاصة، أو يكلف الزيادة عليه؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
[ ٨ / ٨٥ ]
أحدهما: أنهم لا يحلفون إلا بالله خاصة، ولا يكلفون أن يزيدوا عليه: الذي لا إله إلا هو، ولا يكلف اليمين بما لا يدينون به، ولا يعتقدونه من إثبات الألوهية فقط، وهو مذهب ابن شبلون، وهو ظاهر المدونة؛ حيث قال: لا يحلفون إلا بالله فقط.
والثاني: أنهم يحلفون كما يحلف غيرهم من المسلمين في تتمة الشهادة وعليه اختصر الشيخ أبو محمد، وهو بين في "كتاب محمد" قال: يمين الحر والعبد والنصراني في الحقوق سواء، ولا يعد منهم إسلامًا، وإنما هو حكم يجريه عليه الإسلام كما يلزمهم حكم الإسلام إذا تحاكموا إلينا؛ ويدل على ذلك استحلاف المجوس بالله، وهم ينفون الصانع، ولا يثبتونه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، فكذلك اليهود والنصارى، وأنهم لا يقولون بالتوحيد فإنهم لا يلزمهم أن يزيدوا في اليمين بالله الذي لا إله إلا هو، وهو ظاهر المدونة أيضًا في المجوس حيث قال: يحلف المجوس في بيت نارهم، قال: ما سمعت من مالك فيه شيئًا.
وأرى أن يحلفوا حيث يعظمون، فأمر له أن يحلفه بالله، وإن كان لا يعتقد الصانع، تعالى الله عن قولهم.
وأما أن يحلف: فذلك يختلف باختلاف الأحكام الموجبة لليمين، وهي أقسام منها [ما] (١) لا يغلظ على الحالف فيه بالزمان والمكان.
ومنها: ما يغلظ عليه فيه بالمكان دون الزمان.
ومنها: ما لا يقع فيه التغليظ، لا بالزمان ولا بالمكان.
فأما ما يغلظ فيه بالزمان والمكان: فكأيمان القسامة واللعان؛ فإنهم يغلظ عليهم فيهما بأن يجلبوا إلى أشرف أماكن بلادهم فما كان من أهل
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٨ / ٨٦ ]
مكة والمدينة وبيت المقدس، فإنهم يجلبون إليها حيث ما كانوا، وأما أهل الآفاق: فإن كانت مواضعهم قريبة من مصر عشرة أميال ونحوها: فإنهم يجلبون إليها فيقسمون فيها.
وأما ما بعد عن المصر فوق عشرة أميال، هل يقسمون في مواضعهم أو أو يجلبون إلى المصر؟ فإنه يتخرج على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنهم يقسمون في مواضعهم، ولا يجلبون إلى مصر، وهو نص قول مالك في "المدونة".
والثاني: أنه لابد من جلبهم إلى العصر، ولا يمكنون من أن يقسموا في أماكنهم، وإن بعدوا، وهذا القول قائم من المدونة من قوله: ولا يقام القتل بمصر كلها إلا في الفسطاط، إلا أن يكتب صاحب الفسطاط إلى من يقيمه.
وأما التغليظ بالزمان: فكون أيمان القسامة واللعان في دبر الصلوات، وقال في "كتاب اللعان": وما كان في دبر العصر أشدهما -بالشين والسين، على اختلاف الروايات- وقال الله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ الآية (١).
وأما ما يغلظ بالمكان دون الزمان كالأيمان الواجبة في الحقوق مما له بال؛ مثل ربع دينار فصاعدًا: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب أنه لا يجوز أن يجلبوا فيها إلى العصر من عشرة أميال؛ لأن ذلك ضرر عليهم، وإنما يحلف في الجامع حيث يعظم، غير أن الحالفين على ضربين؛ رجال، والنساء الحرائر، فأمَّا الرجال: فإنهم يحلفون بالجامع وهو المسجد الأعظم الذي تقام فيه الجمعة، حيث يعظم منه، وإن كان في مسجد النبي - ﷺ -: فعند المنبر، وإن كان في غيره: فحيث يعظم منه؛ عند المحراب وعند
_________________
(١) سورة المائدة الآية (١٠٦).
[ ٨ / ٨٧ ]
المنبر، وقال مالك في "المدونة": لا أعرف المنبر إلا منبر النبي - ﷺ - فأما مساجد الآفاق فلا أعرف المنبر فيها، وقال القاضي أبو الوليد الباجي: يحتمل من جهة اللفظ أن يريد بقوله: "لا أعرف المنبر" في مساجد الآفاق.
وقد أجمع المسلمون من عهد الصحابة ﵃ على اتخاذها في كل بلد، وهو من أعلم الناس بذلك فمحال أن يريد هذا.
قال: والصحيح أنه أراد بذلك أن لا يعرف أن حكم سائر منابر البلاد حكمها في هذه حكم منبر النبي - ﷺ -، وإنما هذا حكم يختص بمنبر النبي - ﷺ -.
وقد روى ابن وهب عن مالك مفسرًا: أنه لا يحلف عند منبر من المنابر إلا عند منبر النبي - ﷺ - ويغيرها في مسجده الأعظم حيث يعظمون منه عند منبرهم، أو تلقاء قبلتهم، فقال القاضي أبو الوليد: ووجه ذلك عندي -والله أعلم- أن منبر النبي - ﷺ - في وسط المسجد، وهو موضعه الذي كان فيه زمن رسول الله - ﷺ - في وسط المسجد، وهو موضعه الذي أحدث حين زيد في المسجد، فصار المنبر في وسط المسجد، فكانت اليمين عند المنبر أولًا؛ لأنه موضع مصلى النبي - ﷺ - وعند منبره.
وأما القبلة والمحراب فشيء بني بعده، وأما منابر سائر المساجد فهي عن المحراب، فمن حلف فإنما يحلف عند المحراب، ولكن بقرب المنبر، وأعظم شيء في المساجد المحاريب، ولو اتفق أن يكون المنبر في بعض البلاد في وسط المسجد لكانت اليمين عند المحراب دون المنبر، فهذا معنى قول مالك في "الكتاب"، وربك أعلم.
واختلف هل يغلظ فيها بالزمان أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يغلظ فيها بالزمان كما يغلظ في الدماء واللعان، وهو قول ابن القاسم وأصبغ، وهو مشهور المذهب.
[ ٨ / ٨٨ ]
والثاني: أنه يغلظ بالزمان في المال العظيم كما يغلظ في الدماء واللعان، وهي رواية ابن كنانة عن مالك في "كتاب ابن سحنون".
واختلف هل يغلظ بالمكان في القليل والكثير على قولين:
أحدهما: أنه لا يغلظ به، وهو المشهور.
والثاني: أنه يغلظ به، وإنها لا تكون إلا عند المنبر في القليل والكثير، وهذا القول حكاه القاضي أبو محمد عبد الوهاب عن بعض المتأخرين.
وأما النساء الحرائر: فإنهن ينقسمن إلى من تخرج بالنهار، ومن لا تخرج.
فمن تخرج منهن: فحكما حكم الرجال فيما تحلف عليه، وفي موضع يمينها.
ومن لا تخرج منهن: فقد اختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الحاكم يبعث إليها من يحلفها في بيتها، ولا يمكن خصمها من إعناتها، وهذا القول ذكره القاضي أبو محمد عبد الوهاب.
والثاني: أنهن يخرجن ليلًا، ويحلفن في أقرب المساجد اليمين، وإليه ذهب بعض شيوخ الأندلسيين، وذكر أن سحنون كان يفعل ذلك.
والثالث: التفصيل بين حق لها أو عليها؛ فما كان عليها من حق وشهد عليها به: فإنها تحلف في بيتها، وما تدعيه من حق لها: فلابد لها من أن تخرج إلى موضع اليمين، وهذا القول متأول على المدونة، ومثله لابن كنانة.
والأقوال الثلاثة متأولة على المدونة.
ووقع في بعض روايات المدونة: فإن كانت ممن لا تخرج نهارًا، وفي
[ ٨ / ٨٩ ]
بعضها، فإن كانت ممن لا تخرج فظاهره أنها لا تخرج جملة كنساء الملوك.
وعلى القول بأنها تخرج وتحلف في المسجد، ففي كم تخرج؟
فقد اختلف فيه المذهب على قولين:
أحدهما: أنهن كالرجال وأنهن يخرجن في ربع في دينار فصاعدًا، وهو قول مطرف، وابن الماجشون في "الواضحة"، وبه فسر أبو محمد عبد الوهاب ما له بال من المال، وهذا القول متأول على "المدونة".
والثاني: أنها لا تخرج في ربع دينار، ولا تخرج إلا في المال الكثير وهي رواية ابن المواز عن ابن القاسم، وهو ظاهر "المدونة" عند بعضهم، وحمل قوله في "المدونة": "إن كل شيء له بال": فهو المال الكثير.
وعلى القول بأن القاضي يبعث إليها من يحلفها في بيتها، هل يكتفي بذلك الواحد، أو لابد من اثنين؟ ففي ذلك قولان.
وسبب الخلاف: في هل طريقه طريق الإخبار أو طريقه طريق الشهادة؟
وأما ما لا تغليظ فيه على الحالف لا بالزمان ولا بالمكان، وهو اليمين على أقل من ربع دينار: فمشهور المذهب على أنه يحلف في أي موضع شاء، ولا يلزمه اليمين في الجامع، ولا في مساجد العشائر خلاف ما حكاه القاضي أبو محمد عن بعض المتأخرين أن يحلف عند المنبر في القليل والكثير، والحمد لله وحده.
[ ٨ / ٩٠ ]
المسألة السادسة في الشهادة على الخط
ولا تخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يشهد على خط نفسه.
والثاني: أن يشهد على خط شاهد غيره.
والثالث: أن يشهد على خط المقر على نفسه.
فأما الوجه الأول: إذا عرف خطه في الكتاب، ونسى الشهادة، ولا عقد عليها، فهل يشهد أم لا؟ فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أنه لا يشهد ولا يرفعها جملة، وهو قول ابن القاسم، وابن نافع، وأصبغ وغيرهم من أصحاب مالك في "العتبية" و"الموازية" و"الواضحة".
والثاني: أنه إذا لم يسترب في الكتاب محوًا، ولا حكًا، ولا بترًا: فإنه يرفعها، ويشهد، وينتفع بها المشهود له، وهو قول سحنون في "العتبية".
والثالث: أنه يرفعها إلى الحاكم ويؤديها كما علم، ثم لا ينتفع بها المشهود له، وهو قول مالك في المدونة.
والرابع: التفصيل بين أن يكون بخط يده، أو بخط غيره؛ فإن كان جميع الكتاب بخط يده، وأثبت خطه، ولم يستنكر في الكتاب محوًا، ولا بترًا ولا إلحاقًا: فشهادته جائزة، وإن لم يرفع الشهادة، وإن كان الكتاب بخط غيره: فلا يشهد، وهو قول ابن نافع في "المجموعة"
[ ٨ / ٩١ ]
وهذا القول أشبه في النظر، ولاسيما في وقتنا هذا؛ لأن الغالب على الناس النسيان.
فإذا تحقق أنه خطه، وكان ممن لا يشتبه عليه في الخطوط عليه إلا أن يدخله ريبة، فيتوقف وقد اعترض على قول مالك في "الكتاب" حيث قال: "يؤديها كما علم، ثم لا ينتفع بها"، وذلك تناقض من القول؛ لأنه إذا كان ينتفع بها فما فائدة رفعها إلى الحاكم.
وقد وجه بعض المتأخرين قوله في "المدونة" بأن قال: إنما أمر بأدائها ورفعها إلى الحاكم لاحتمال أن يكون ممن يرى ذلك في مذهبه، ويصوب الحكم به؛ ولأنه مسألة اختلف فيها.
وهذا التوجيه يرد ظاهر "الكتاب"؛ لأنه قال: "ثم لا ينتفع بها الطالب"، وهذا مثل ما قاله في "كتاب الصيام" من "المدونة" في الذي يرى هلال رمضان وحده: فإنه يرفع شهادته إلى القاضي، ثم لا يلزم الناس الصيام بشهادته.
وأما من دعى إلى شهادة، فقال عند القاضي: لا أذكرها: فلا يخلو من أن يقول: أخروني حتى أنظر، وأتفكر أو قال: ما عندي علم.
فإن قال: أخروني لأتذكر وأنظر، ثم جاء بعد ذلك فشهد: جازت شهادته إن كان مبرزًا، أو كان ذلك بالقرب.
فإن قال: ما عندي علم، ثم رجع فأخبر بعلمه: فقد اختلف فيه عن مالك؛ إذا كان مبرزًا فمرة جوزها إذا كان بالقرب، ومرة منعها.
وإن كان غير مبرز: رجعت قولًا واحدًا.
ووجه القول في إجازتها: أن قوله: ما عنده علم في ذلك الوقت لا ينفي أن يكون علم ذلك قبله، فإن تذكر بعد ذلك ما تقدم علمه به:
[ ٨ / ٩٢ ]
جازت شهادته كما لو تقيدت شهادته شهد عليه، فإن أكثر الناس نسى ذلك، فإذا وقف على العقد، ورأى خطه تذكر شهادته، وجاز أداؤها.
ووجه القول بردها: أن قطعه بنفي علمه ظاهر أنه ليس عنده أصل ولا سبب يتذكر منه.
وقال ابن حبيب: إنما هذا إذا سئل عند الحكم، أو سئل المريض عن نقلها عنه.
فأما في غير هذين الوجهين: فلا يضره ذلك، وقوله تفسير للمذهب، والله أعلم.
فإن قال الشاهد: كل شهادة أشهد بينكما زور لم يضره ذلك وليشهد، وهذا القول حكاه ابن المواز عن أشهب.
قال ابن حبيب: وكذلك إن قال الشاهد لخصم: ما أشهد عليك بشيء ثم شهد: فإنه يقبل ذلك منه، ولا يضره القول الأول، وإن كانت عليه بينة، ومعنى ذلك أنه وعده بأن لا يقيم عليه، ثم رجع عن ذلك إلى الواجب من إقامتها عليه، أو يكون قد نسى الشهادة ثم ذكرها فأدَّاهَا.
وأما الوجه الثاني: وهو الشهادة على خط الشاهد، وقد مات أو غاب، فهل يجوز أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن الشهادة على الخط لا تجوز؛ لأن الشهادة على خط الشاهد بمنزلة أن يسمعه بنص شهادته، فلا يجوز له أن ينقلها عنه إلا بإذنه على مشهور المذهب، وهذا القول قائم من "المدونة" من باب نقل الشهادة.
والثاني: أن الشهادة على خط الشاهد جائزة، ولا يجوز في ذلك أقل
[ ٨ / ٩٣ ]
من شاهدين، ويحلف الطالب مع شهادتهما، ويستحق حقه كما نقلاها عنه في حياته، وهي رواية ابن القاسم، وابن وهب عن مالك في "العتبية"، و"الموازية" وهذا القول قائم من المدونة أيضًا من مسألة الذي شهد عند القاضي ثم يموت، ويعزل القاضي فيشهد قوم على شهادته: فقد قال في "كتاب الأقضية" من "المدونة": إن ذلك جائز.
ووجه القول بالمنع: أن الناس قد دخلو وأحدثوا من الفجور والضرب على الخطوط ما لا يخفى، قال محمد بن عبد الحكم: وقد كان فيما مضى يجيزون الشهادة على طابع القاضي، ورأى مالك ألا تجوز.
ووجه القول بالجواز: أن ذلك أمر دعت إليه الضرورة لاندراس البينات، وانقراضها.
فالقول بمنعها ذريعة إلى إبطال الحقوق وإتلاف أموال الناس.
والفرق بين الشهادة على خط الشاهد، والنقل عنه: أن الشاهد إذا كتب شهادته لا يضعها إلا بعد أن يحققها وينزلها على حسب ما هي عليه لعلمه أنها تستنقل عنه، بخلاف النقل عنه، فإنه إذا لم يأذن في النقل عنه: فلا تنقل عنه.
فإن سمعها عنه الشاهد لكونه لا يكاد يتحفظ في إيرادها وحكايتها على وجهها، فخيف أن ينقلها عنه الناقل على خلاف ما هي عليه، فلذلك منع النقل إلا بإذن المنقول عنه، فإذا قلنا: تجوز الشهادة على خط الشاهد، فإنما تجوز في الأموال وحيث يقضي باليمين مع الشاهد، وبه قال مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ.
وأما الوجه الثالث: وهو الشهادة على خط المقرّ على نفسه؛ مثل أن يكتب على نفسه ذكر حق بخط نفسه، ثم جحد فيشهد رجلان أن ذلك
[ ٨ / ٩٤ ]
خطه، فهل تجوز هذه الشهادة ويؤاخذ بها المشهود عليه أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز.
والآخر: المنع.
والقولان حكاهما ابن الجلاب عن مالك، وقال ابن المواز: لم يختلف قول مالك في الشهادة على خط المقرّ، قال: وهي بمنزلة أن يسمع المقر بنص إقراره الشهادة، وإن لم يأذن في ذلك.
والخلاف عن مالك كما حكيناه، وقد قدمنا قبل هذا أن قول ابن المواز لا يقبل في حكايته الإجماع في المذهب، وربما حكى الإجماع، والخلاف فيها منصوص، وهذا مجرب عنه كثير، والصحيح من ذلك أن الشهادة على خط المقر على نفسه جائزة لاتفاقهم أن الخط رسم يدرك بحاسة البصر، ووجد البصر بيمين بين الخطين والشخصين مع جواز اشتباه ذلك فلما جوزها في الشخص مع الأشباه جازت في الخط، فإذا قلنا بجواز الشهادة على خط المقر، فهل يحلف المشهود له مع شهادة الشاهدين أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يحكم له بمجرد الشهادة دون يمين؛ لأنها شهادة كاملة تتناول الإقرار كالشهادة على لفظ المقر.
والثاني: أنه لا يحكم له حتى يحلف، فيستحق حقه: والقولان حكاهما ابن الجلاب عن مالك.
وسبب الخلاف: هل هي شهادة كاملة فلا تحتاج إلى اليمين كما لو شهد إقراره، أو إنما هي بعض الشهادة كالنقل.
فإن شهد على خط المقر شاهد واحد، هل يحكم له بشهادته مع يمينه
[ ٨ / ٩٥ ]
أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يحكم له بالشاهد مع يمينه.
والثاني: أنه لا يحكم له بذلك، ولا يستحق بشهادته شيئًا، والقولان حكاهما ابن الجلاب.
ووجه القول الأول: أنها شهادة على ما يثبت به إقرار المقر بالمال، فأشبهت الشهادة على لفظه.
ووجه الرواية الثانية: أنها شهادة لا تتناول الإقرار، وإنما تتناول معنى يجري إليه كالشهادة على الوكالة في المال، والشهادة على الشهادة.
[ ٨ / ٩٦ ]
المسألة السابعة إذا قضى القاضي بقضية فيها اختلاف بين العلماء ثم تبين له أن الحق في غير ما قضى به
فلا تخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يقضي بما اختلف فيه المذهب.
والثاني: أن يقضي بما اختلف فيه مذاهب العلماء.
فأما الوجه الأول: إذا قضى بما اختلف فيه المذهب: فلا يخلو ذلك الخلاف من أن يكون اختلافًا شاذًا، أو يكون اختلافًا مشهورًا.
فإن كان اختلافًا شاذًا يخالف ظاهر الكتاب والسنة، كاختلافهم في إيقاع ثلاث تطليقات في كلمة واحدة، وكاختلافهم في تحليل المطلقة بالعقد دون الدخول، أو كاختلافهم في بيع أمّ الولد في الدين، وغير ذلك من الخلاف الشاذ، فهذا لا خلاف أن القاضي نفسه ينقضه، وهل ينقضه غيره ممن يلي بعده من القضاة أم لا؟
فالمذهب يتخرج على قولين:
أحدهما: أنه يجوز لمن يأتي بعده أن ينقضه، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنه لا يجوز لمن يأتي بعده أن ينقضه؛ لأنه حكم قد مضى على مذهب من يرى ذلك فيعتقده، وهو ظاهر "المدونة" من قوله: و"إنما الذي لا يرجع فيما قضى به القضاة مما اختلف الناس فيه على رواية الضم على ما لم يسم فاعله؛ لأنه اعتبر الخلاف على الجملة؛ فإن كان
[ ٨ / ٩٧ ]
اختلافًا مشهورًا: فلا خلاف فيما يأتي بعده أنه لا يجوز أن ينقضه، ولا التعرض لأقضيته.
وهل يجوز له هو أن ينقض قضاء نفسه أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال، كلها متأولة على "المدونة":
أحدها: أنه ينقض قضاءه، ويرجع إلى ما رأى من الصواب ما دام في ولايته من غير اعتبار بحاله حين الحكم من أن يكون ذلك منه وهمًا أو غلطًا أو نسيانًا، أو انتقالًا من اجتهاد إلى اجتهاد، وهو قول مطرف، وعبد الملك، وعليه أكثر أصحاب مالك، وهو المشهور، وهو ظاهر "المدونة" على رواية فتح الياء في "كتاب الأقضية" من "المدونة"، على رواية ضم الياء في "يُرجع"، ووقع له في "كتاب الرجم" ما هو أبين من هذا في قوله: "وإنما لا يرجع فيما حكم به غيره"، وعلى هذا اللفظ اختصرها أبو محمد بن أبي زيد، وحمديس وغيرهما.
والثاني: أنه لا يرجع في شيء من حكمه مما اختلف فيه إلا في الجور البين الذي ينقضه من جاء بعده، وهو قول محمد بن عبد الحكم، وهو ظاهر المدونة على رواية فتح الياء في "يرجع".
والثالث: التفصيل بين ما حكم به وهمًا وغلطًا، وبين ما انتقل فيه اجتهاده؛ فأما ما حكم به وهمًا، وغلطًا، ونسيانًا: فإنه يرجع فيه وينقضه، وما حكم فيه بانتقال من اجتهاد إلى اجتهاد: فإنه لا ينقضه وهو لا ينقضه، وهو مذهب سحنون، وحكى عن عبد الملك مثله، وهو أظهر وأقرب للصواب؛ إذ لو سوغ ما تأولوه أولًا باجتهاد وغلبة ظن.
وأما الوجه الثاني: إذا قضى بما اختلف فيه المذهب: فلا يخلو من أن يكون من أهل النظر والاجتهاد، أو يكون من أهل التقليد.
[ ٨ / ٩٨ ]
فإن كان من أهل النظر والاجتهاد، فقضى بما يراه من قضائه، ثم تبين له بعد ذلك ما هو أحسن منه، فهل ينقض قضاءه أم لا؟ على قولين قائمين من "الكتاب".
وسبب الخلاف: اختلافهم في تصويب المجتهدين، هل كل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد؟ فمن رأى أن كل مجتهد مصيب، قال: لا ينقض حكم نفسه لظهور اجتهاد آخر.
ومن رأى أن المصيب واحد قال: ينقض حكم نفسه [لظهور] (١) الحق في واحد من أقاويل المجتهدين.
وإن كان من أهل التقليد: فلا يجوز له أن ينقض ما حكم فيه لتقليد بانتقال إلى تقليد آخر، قولًا واحدًا.
وأما الوجه الثالث: إذا حكم بما خالف فيه مذاهب العلماء، فإن كانت القضية قضية اجتهادية فقضى بها بما يغلب على ظنه: فلا خلاف أن حكمه نافذ، ولا ينقضه، لا هو ولا غيره -وافق ذلك بعض المذاهب أو خالفها- لأنه من آحاد المجتهدين.
فإن كان فيها نص من كتاب أو سنة، أو كانت قضية اجتهادية، فقضى فيها بالحدس والتخمين: فلا خلاف أنه يرجع في حكم نفسه، ولمن يتولاه بعد أن ينقضه، والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٨ / ٩٩ ]
المسألة الثامنة في القاضي هل يحكم بعلمه وما أقر به عنده دون بينة تشهد عليه
وذلك على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يقر بذلك عنده قبل أن يستقضي.
والثاني: أن يقر بذلك عنده بعد أن يستقضي في غير مجلس حكمه.
والثالث: أن يقر بين يديه في مجلس حكمه.
فأما القسم الأول: إذا أقر عنده قبل أن يستقضي: فلا خلاف بين أحد من أهل العلم أنه لا يجوز له أن يحكم بذلك الإقرار، فإن فعل: رد ذلك الحكم، وفسخه هو، أو من يأتي بعده، وهكذا حكى القاضي أبو الوليد ابن رشد في كتاب "البيان والتحصيل".
وأما الوجه الثاني: إذا أقر عنده في غير مجلس حكمه بعد أن استقضى: فلا خلاف في المذهب أنه لا يجوز له أن يحكم عليه بذلك الإقرار دون بينة تشهد، وأهل العراق في ذلك يفرقون بين الحدود والإقرار؛ فيحكم عليه بعلمه في الحقوق دون الحدود، والشافعي يجوز ذلك على الإطلاق.
فإن قضى عليه بذلك الإقرار هل ينقضي حكمه أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن له أن ينقضه ما لم يعزل، وهو قول ابن القصار، وهو مشهور المذهب.
[ ٨ / ١٠٠ ]
والثاني: أنه حكم ماض، ولا ينقضه هو ولا غيره، وهذا القول حكاه القاضي أبو الحسن بن القصار عن بعض الأصحاب، واتفقوا أنه لا ينقض بعده للخلاف في ذلك.
وأما الوجه الثالث: إذا أقرَّ به عنده في مجلس حكمه ثم جحده، ولا بينة عنده، فهذا الوجه اختلف فيه المذهب على قولين:
أحدهما: أنه يقضي عليه بما أقرّ به عنده، وهو قول مطرف وابن الماجشون وأصبغ، وهو دليل قوله - ﷺ -: "فأقضي له على نحو ما أسمع منه" (١)، ولم يقل ما ثبت عندي.
والثاني: أنه لا يقضي عليه بما أقرَّ به إذا جحد ذلك، وهو ظاهر "المدونة"، وهو المشهور، والحمد لله وحده.
_________________
(١) تقدم.
[ ٨ / ١٠١ ]
المسألة التاسعة في الشاهد إذا طلب الإقالة من شهادته
ولا يخلو ذلك من وجهين:
إما أن يكون ذلك قبل الحكم، أو بعده.
فإن كان ذلك قبل الحكم بشهادته، فجاء يستقيل منها: فلا يخلو من أن يدَّعي شبهة، أو لا يدَّعيها.
فإن لم يدَّع شبهة ولا وهمًا: فإن شهادته مردودة في هذه وفيما يستقبل، قولًا واحدًا في المذهب؛ لأنه إذا لم يدَّع أنه أشبه عليه، أو ادّعاه إلا أنه لم يتبين لدعواه وجه: فقد تبين كذبه، وظهر أنه شاهد زور، فهل يؤدب أم لا؟ فالمذهب على قولين من "المدونة":
أحدهما: أنه يؤدَّب، وهو قوله في "كتاب القطع في السرقة" من "المدونة"، ولو أُدِّب لكان لذلك أهلًا.
والثاني: أنه لا يؤدب، وهو قول سحنون؛ لأن الراجع عن الشهادة قبل الحكم بها لا يؤدب؛ لئلَّا يمتنع من يشهد على باطل من الرجوع، وهو ظاهر "المدونة" في "كتاب الأقضية" من "المدونة".
فإن ادَّعى وهمًا وأنه قد شبه عليه: فلا يخلو من أن يكون مبرزًا في العدالة، أو غير مبرز.
فإن كان مبرزًا في العدالة: فالقول قوله في أنه شبّه عليه، فتقبل شهادته فيما يستقبل إلا أن يتبين كذبة.
فإن كان غير مبرز: فهل يصدق في الوهم والتشبيه أم لا؟
[ ٨ / ١٠٢ ]
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يصدق ويقبل قوله، وإن لم يكن مبرزًا، وهو ظاهر قوله في "كتاب الأقضية" من "المدونة".
والثاني: أنه لا يصدق، ولا يقبل قوله: أنه شُبِّه عليه إلا أن يكون مبرزًا، وهو ظاهر قوله في "كتاب القطع في السرقة" من "المدونة"، وبه قال مطرف وابن الماجشون فيما حكاه ابن حبيب، وهو مذهب.
فأما الوجه الثاني: إذا رجع الشاهد عن شهادته بعد الحكم بها: فلا يخلو من أن يكون قد شبه عليه أم لا.
فإن شبه عليه: فإن الحكم لا يرد، واختلف هل يضمن أم لا؟ وهل ترد شهادته في المستقبل أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يضمن ما أتلف بشهادته، وإن شهادته في المستقبل لا تجوز، وهو قول مالك في "كتاب القطع في السرقة" في الغرم، وهو ظاهر قوله في "كتاب الأقضية" في قبول الشهادة، حيث قال: إذا طب الإقالة بعد الحكم بشهادته، ولا يقبله، إلا أنه كان يقول: لا تجوز شهادته فيما يستقبل، وهذا تأويل بعض المتأخرين على "المدونة"، وعلى "العتبية"؛ لأنه قال فيها أيضًا: وإن رجع بعد الحكم فلا يقبل منه، فقيل: إنه لا يقبل منه في إسقاط الغرم عنه؛ بل يغرم وإن شبه عليه كما قال في "كتاب السرقة".
وقيل: معناه أن شهادته لا تقبل فيما يستقبل وإن شبه عليه، وقيل: غير ذلك.
وهذا كله حكاه القاضي أبو الوليد بن رشد في "البيان والتحصيل".
[ ٨ / ١٠٣ ]
والثاني: أنه لا يغرم إذا شبه عليه، وإن شهادته مقبولة فيما يستقبل وهو قول سحنون في قبول الشهادة في المسألة، وتأويل على "المدونة" في إسقاط الغرم عنه إن كان مبرزًا في العدالة على الاتفاق، أو كان غير مبرز على الخلاف.
فإن لم يشبه عليه، وتبين كذبه: فإنه يغرم ما أتلف بشهادته، ولا تقبل له شهادة في المستقبل، قولًا واحدًا.
وهل يؤدب أم لا؟ قولان.
والحكم نافذ، ولا يؤدب، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب القطع في السرقة"، وفي "كتاب الرجم" من "المدونة".
تم الكتاب والحمد لله رب العالمين، ومسائل الأقضية قد تداخلت مع مسائل الشهادات؛ لأن "كتاب الأقضية" من "المختلطة" ولم يدونها سحنون مع جملة كتب حتى مات رحمة الله عليه، وهي كتب معلومة لا خفاء بها على من تعنى فدرس المدونة، والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد نبيه وآله.
[ ٨ / ١٠٤ ]
كتاب الشهادات
[ ٨ / ١٠٥ ]