تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها خمس مسائل:
المسألة الأولى فيمن اكترى أرضًا فزرعها، أو غرسها، أو دارًا فسكنها ثم استحقها رجل
فلا يخلو المكري من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون مشتريًا.
والثاني: أن يكون غاصبًا.
والثالث: أن يكون وارثًا.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان المكري مشتريًا، فلا يخلو المكري من ثلاثة أوجه: إما أن يسكن أو يبني، أو يغرس، أو يزرع.
فأما الوجه الأول من الوجه الأول: إذا كانت دارًا، فسكنها المكتري، ثم استحقها رجل: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يستحقها قبل أن يسكن المكتري.
أو بعد انقضاء [أمد السكنى] (١).
أو استحقها في أثناء المدة.
فأما إن استحقها بعد عقد الكراء، وقبل الشروع في السكنى: فالخيار ذلك للمستحق بين الفسخ، أو إمضاء الإجارة بالمسمى.
_________________
(١) في ب: المدة.
[ ٩ / ٧ ]
فإن اختار الإمضاء: فلا مقال في ذلك للمكتري، ولا خلاف في ذلك إلا ما تأول من مسألة الغاصب، ويكون جميع الكراء للمستحق إن أجاز الكراء، ولا شيء فيه للمكري الذي استحق من يده، سواء انتقد الكراء أو لم ينتقده.
فأما إن استحقها بعد انقضاء أمد الإجارة: فإن جميع الكراء يكون للمكري؛ لأن الغلة له بالضمان؛ لكونه مشتريًا، وقد استغل بوجه شبهة بخلاف الغاصب، على ما سنذكره في حكمه إن شاء الله.
وأما إن استحقها في أثناء المدة: فإن الماضي من المدة يكون كراؤها للمكري، ولا مقال فيه للمستحق، وإنما مقاله في الباقي إن شاء فسخ فيه الكراء، وإن شاء جوزه [فيه] (١) بقدر ما ينوبه من المسمى.
وأما الوجه الثاني من الوجه الأول: إذا كانت أرضًا، فبنى فيها أو غرس: فلا يخلو من أن يستحقها المستحق قبل انقضاء المدة، أو بعد انقضائها.
فإن استحقها قبل انقضاء المدة، فإن ما مضى من المدة للمكري، ويخير المستحق في الباقي بين أن يفسخ الكراء أو يجيزه [على أحد القولين في جواز جميع السلعتين في البيع. وعلى القول الآخر يمنع من جواز ذلك؛ لأن حقه] (٢) على ما بقى من مدة الكراء مجهول، وذلك بيع بثمن مجهول؛ إذ لا يعرف ذلك إلا بعد التقويم.
فإن اختار فسخ الكراء على القول بأن له أن يجيزه: فإنه يعطي للغارس قيمة غرسه، وبنائه قائمًا إلى أجل، فإن أبى: أعطاه الغارس قيمة أرضه براحا، فإن أبيا: كانا شريكين ثم يرجع المكتري على المكري بما بقى له من
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ٨ ]
الكراء إن انتقده منه.
واختلف بماذا يكون المكتري شريكًا على قولين:
أحدهما: أنه يكون شريكًا بقيمة بنائه، وشجره على بقائه [وثباته] (١) في تلك الأرض إلى ذلك [الأمد] (٢)، وهو مذهب المدونة.
والثاني: أنه يكون شريكًا بما زاد البناء، والغرس كما قال في الصبغ في أحد أقوال المذهب، وقد اعترض على قول ابن القاسم في الكتاب، حيث قال: إن المكتري يرجع على المكري بجميع الثمن مع أن المكتري قد انتفع بتقويم غرسه وبنائه على أنه باق [إلى] (٣) عشر سنين، فتزيد بذلك قيمته، فيصير قد انتفع بعض الانتفاع بالأرض التي اكتراها، فكيف يرجع على المكري بجميع كراء ما بقى له مع انتفاعه بالكراء الذي أكرى منه، وهذا الاعتراض لازم لابن القاسم، ولا انفصال عنه.
فإن استحقها بعد انقضاء المدة: كان الكراء للمكتري، ولا حق فيه للمستحق، ويبقى سلطانه على المكتري، فيخير [عليه] (٤) بين أن يأمره بقلع غرسه، ونقض بنيانه، أو يعطيه قيمته مقلوعًا، على نعت ما تقدم في كتاب الغصب.
وأما الوجه الثالث [من الوجه الأول] (٥): إذا كانت أرضًا فاكتراها للحرث، ثم استحقت: فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يستحقها قبل أن يعمل فيها عملًا، أو بعد أن حرثها، ولم يزرع، أو بعد أن زرع.
فأما إن استحقها قبل أن يعمل فيها المكتري عملًا، وكان ذلك في زمن
_________________
(١) في أ: ونباته.
(٢) في ب: الأجل.
(٣) في أ: على.
(٤) سقط من ب.
(٥) سقط من أ.
[ ٩ / ٩ ]
عملها: فالخيار في ذلك للمستحق، إن شاء جوز الكراء، ويكون له جميع الكراء، وإن شاء فسخه،، ولا إشكال في ذلك.
فإن استحقها بعد أن حرثها المكتري، وقبل أن يزرع: فقد اختلف فيه على قولين:
أحدهما: أنه لا شيء للمستحق [في الكراء] (١).
والثاني: أنه بالخيار بين أن يعطيه قيمة حرثه، فإن أبى: أعطاه الآخر قيمة كرائها، فإن أبى: هل يكونان شريكين أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن المكتري إذا أبَى أن يدفع قيمة كرائها: أنه يسلم الأرض بحرثه لربها، ولا شيء له عليه، وهو قول ابن القاسم في المستخرجة، وهو أحد الأقوال في كتاب "تضمين الصناع": إذا لم يدفع القاطع قيمة الثوب أسلمه بخياطته.
والثاني: أنه يكون [شريكًا له] (٢) في كراء هذه السنة بقيمة الحرث إن أكريت، فيكون لهذا قيمة الأرض بلا حرث، ولهذا قيمة الحرث، فما [أكريت] (٣) به اقتسماه على ذلك، وإن لم يجد من يكتريها منه، وأكريت في العام الثاني: فعلى مثل ذلك إلا أن تذهب منفعة ذلك الحرث فلا يكون للذي حرثها شيء، وهو قول سحنون في مسألة تضمين الصناع: أن القاطع يشاركه [بالخياطة] (٤).
فإن باعها المستحق لم يكن للذي زرعها شيء إلا أن يزيد الحرث في الثمن: فيكون له ذلك الزائد.
_________________
(١) في أ: للكراء.
(٢) في أ: له شريكًا.
(٣) في ب: اكتريت.
(٤) في أ: في الخياطة.
[ ٩ / ١٠ ]
فأما إن استحقها بعد أن زرعها المكتري: فلا يخلو من وجهين: إما أن يكون ذلك قبل فوات الإبان، أو بعد فواته، فإن كان ذلك قبل فوات الإبان: فالكراء للمستحق.
واختلف في القدر الذي يصير له منه على قولين:
أحدهما: أنه يكون له جميع الكراء، وهو قول ابن القاسم في المدونة؛ لأنه جاء في إبان الزراعة، وهو يدرك أن يزرع لولا ما عطل به المكتري الأرض، وهو أيضًا زرع بوجه شبهة، فلا يقدر المستحق على أن يأمر له بقلع زرعه.
والثاني: أنه إن ذهب أول الإبان: كان للمكتري الأول بقدر ذلك من الكراء؛ لأن بقاء الزرع ذلك الأمد قبل قدوم المستحق له قدر من الكراء، وقد لا يكون زرعه اليوم لو ابتدأ زرعه مثل تبكيره بالزرع، فيكون للمستحق قدر ما ينوب الوقت الذي يستحقها فيه، وهو قول عبد الملك.
واختلف إذا قدم المستحق في الإبان، وخاصم فحكم له بعد ذهابه، هل يكون للمكتري، أو للمستحق؟
على قولين حكاهما اللخمي.
وأما إن قدم بعد فوات الإبان: فلا يخلو من أن تكون الأرض تزرع بطنًا واحدًا، أو أرضًا تزرع بطونًا.
فإن كانت أرضًا تزرع بطنًا واحدًا: فالكراء في هذا الوجه للمكري، قولًا واحدًا.
فإن كانت أرضًا تزرع بطونًا، فزرع بطنًا فاستحق قبل أن يزرع [البطن] (١) الثاني: كان الماضي للمكري الأول، والباقي للمستحق، ويكون
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٩ / ١١ ]
له الخيار بين أن يجيز الكراء، أو يفسخه، فإن جوزه: كان له الخيار أيضًا إن شاء لزمه المسمى، وإن شاء لزمه كراء المثل؛ لأن حق الزارع في ألا يقلع زرعه فقط، وليس حقه في أن يكون ما عقد به المكري لازمًا للمستحق.
والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا كان المكري غاصبًا: فلا يخلو المكتري من الأقسام التي قدمناها؛ إما أن يكون سكن، أو بناء أو غرس، أو زرع.
فإن كان دارًا فسكنها: فلا خلاف في المذهب أن له الخيار فيما بقى من المدة إن شاء جوز فيها الكراء، وإن شاء [فسخه] (١) على الخلاف الذي قدمناه إذا جوز هل يجوز أم لا.
واختلف في كراء ما مضى من المدة، هل يكون للمكري، أو للمستحق.
ومبنى هذا الخلاف: على الخلاف الذي قدمناه في غلَّات الشيء المغصوب لمن تكون.
فإن بني أو غرس: فلا يخلو من أن يعلم المكتري بالغصب، أو لا يعلم.
فإن علم بالغصب: فحكمه حكم الغاصب في جميع وجوه الغصب.
فإن لم يعلم به: فإن المستحق يخير بين أن يجيز الكراء بقية المدة، أو ينقضه فيعطيه قيمته قائمًا إلى الأجل الذي أكرى إليه، على ما بيناه في الفصل الذي قبله.
فإن زرع: فلا يخلو من أن يعلم بالغصب، أو لا يعلم.
_________________
(١) في أ: فسخ.
[ ٩ / ١٢ ]
فإن لم يعلم بالغصب: فحكمه حكم من اكترى من مشترٍ، وقد قدمناه.
فإن علم بالغصب: فحكمه حكم الغاصب إذا غصب أرضًا، فزرعها ثم استحقها ربها: فلا يخلو من أن يستحقها في إبان الزراعة، أو بعد فوات الإبان.
فإن استحقها في إبان الزراعة: فهو أحق بأرضه سواء أدركها قبل أن يزرعها الغاصب [أو] (١) بعد أن زرعها، إذا لم يبرز الزرع من الأرض، فإن برز من الأرض، وظهر: فلا يخلو من أن يبلغ مبلغًا [يقع به الانتفاع أو لا يبلغه. فإن بلغ أن] (٢) ينتفع به إن قلع: فالزرع للغاصب، وللمستحق أن يأمره بقلعه ليفرغ له أرضه، ويتمكن من زراعته.
فإن اختار المستحق أن يدفع قيمته مقلوعًا، ويقر الزرع في أرضه، هل يجوز ذلك له أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك له، وهو مذهب المدونة.
والثاني: أن ذلك لا يجوز له؛ لأن ذلك من باب بيع الزرع قبل بُدُو صلاحه على التبقية.
والأول أظهر؛ لأن النهي من النبي - ﷺ - عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها على البقاء: إنما أراد بذلك إذا كان للبقاء ثمنًا، ولا يدري هل يسلم أو لا يسلم، وفي مسألتنا: فإنه يدفع قيمته مقلوعًا مطروحًا، وليس للبقاء ثمن.
_________________
(١) في أ: أم.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ١٣ ]
فإن بلغ للزرع مبلغًا لا يقع به الانتفاع في حين الاستحقاق: فإن الزرع لصاحب الأرض بلا قيمة؛ كما لو كان الاستحقاق قبل البروز، إلا أن يشاء أن يكلف الزارع [قلعه] (١): فإن ذلك له.
وأما إذا وقع الاستحقاق بعد خروج الإبان، هل يكون الزرع للغاصب، أو للمغصوب منه؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الزرع للغاصب، وعليه كراء الأرض، وهو قول مالك في المدونة.
والثاني: أن الزرع للمغصوب منه الأرض، وإن خرج الإبان وطاب الزرع أو حصد، وهذا القول مروي عن مالك أيضًا.
والثالث: أن الزرع للغاصب، وللمستحق أن يقلعه، ويأخذ أرضه، وهي رواية ذكرها أبو محمَّد عبد الوهاب القاضي في المذهب، والرواية الثانية حكاها الشيخ أبو الحسن اللخمي.
فوجه القول الأول: أن المستحق إذا استحق أرضه، وقد فات إبان الزرع: لا حق له في الزرع، وإنما حقه في كراء أرضه الذي انتفع به الغاصب لا أكثر، فإذا أخذه لم يظلم.
ووجه القول الثاني: قوله - ﷺ -: "ليس لعرق ظالم حق" (٢).
ووجه القول الثالث: ما رواه الترمذي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "من زرع أرض قوم بغير إذنهم، فليس له من الزرع شيء، وله نفقته" (٣)، ولم
_________________
(١) في أ: قطعه.
(٢) تقدم.
(٣) أخرجه أبو داود (٣٤٠٣)، والترمذي (١٣٦٦)، وابن ماجة (٢٤٦٦)، وأحمد (١٧٣٠٨) من حديث رافع بن خديج، وصححه الشيخ الألباني -رحمه الله تعالى.
[ ٩ / ١٤ ]
يفرق بين القيام في الإبان، ولا بعده.
والجواب عن الوجه الثالث من أصل التقسيم: إذا كان المستحق وارثًا؛ مثل أن تكون دارًا بيد رجل فسكنها، أو أكراها من غيره، أو كانت أرضًا فزرعها واستغلها زمانًا: فلا يخلو من كان ذلك الشيء بيده من ثلاثة أوجه:
إما أن يكون استغل، أو استعمل، أو عطل.
فإن استغل: فلا يخلو من أن يكون وارثًا طرأ عليه من يشاركه في الميراث، أو كان وارثًا ثم طرأ عليه من يحجبه عن الميراث.
فإن كان وارثًا وبيده دار أو أرض يستغلها ويأخذ خراجها، وما يتولد منها من سائر أنواع الغلات، ثم طرأ عليه أخ يشاركه في الميراث: فلا يخلو الأخ الذي أكرى أو استغل من أن يكون قد حابى في الكراء، أو لم يحاب.
فإن لم يحاب في الكراء: فلا يخلو المكتري من أن يكون عالمًا بتعدي المكري، أو غير عالم، فإن كان عالمًا: فحكمه حكم المتعدي سواء في جميع وجوه التعدي، على حسب ما بيناه في كتاب الغصب.
فإن كان غير عالم: فلا شيء عليه من قبل المستحق؛ لأنه استغل بوجه شبهة، وإنما سلطانه على أخيه الذي يقبض الغلة لنفسه.
فأما إذا حابى في الكراء: فلا يخلو أمرهما من ثلاثة أحوال:
إما أن يكونا موسرين، أو معسرين، أو أحدهما موسر، والآخر معسر.
فإن كان المكتري والمكري موسرين: فلا يخلو المكرى من أن يكون عالمًا بأخيه، أو غير عالم؛ فإن كان عالمًا، فهل يبدأ بالمحابِي، أو بالمحابَي
[ ٩ / ١٥ ]
الذي هو الموهوب له؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من المدونة:
أحدها: أنه يبدأ بالأخ المحابي، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
والثاني: أنه يبدأ بالموهوب له -وهو المكتري- وهو قول الغير في الكتاب.
والثالث: أنه مخير يبتدئ بأيهما شاء، وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف: ما قدمناه في المسبب والمباشر أيهما أولى بالغرامة، والقول بالتخيير مساواة الجانبين في وجوب الضمان، فكل واحد من الوجهين على الانفراد.
فإن كانا معسرين: فله أن يتبع من أيسر منهما أولًا.
فإن كان أحدهما موسرًا، والآخر معسرًا: فله أن يتبع الموسر منهما، فإن كان المتعدي هو الموسر منهما على القول بأن التبدئة للموهوب له، هل للمتعدي المحابي أن يرجع على المحابى بما غرم من قيمة المحاباة أم لا؟
على قولين، وقد قدمناهما في كتاب الغصب.
فإن كان المحابي المكتري هو الموسر على القول بأن التبدئة بالمحابي المتعدي هل للمكتري المحابي أن يرجع بذلك القدر على المكري المحابى أم لا، على القولين.
فإن لم يعلم بأن له أخًا، فعلى من يرجع المستحق؟ فالمذهب على قولين منصوصين في المدونة:
أحدهما: أنه يرجع على الموسر منهما، فإن استويا في اليسر: كان له الرجوع على أخيه، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
والثاني: أنه يرجع بالمحاباة على المكتري في اليسر والعسر، ولا يتبع
[ ٩ / ١٦ ]
الأخ بشيء، وهو ظاهر قول غيره في المدونة في "كتاب الاستحقاق"، ووقع لابن القاسم في "كتاب السرقة" مثل قول غيره هاهنا، واختلف المتأخرون هل قول الغير خلاف لقول ابن القاسم، أو وفاق؟ فمنهم من ذهب إلى الوفاق، وأن جواب ابن القاسم فيما إذا علم أن له أخًا، وأما إذا لم يعلم، فيكون كما قال الغير، وهو تأويل الشيخ أبي محمَّد بن أبي زيد، واستدل على ذلك بقوله في المدونة في كتاب الاستحقاق: "وفي المكتري يهدم الدار، فيهب له المكري قيمة الهدم، ثم يستحقها رجل: أن المستحق يطلب الجاني"، وقوله في العبد يسرق، فيموت فيهب المسروق منه قيمته للسارق ثم يستحق: أن المستحق يطلب السارق، ولا يطلب الواهب؛ لأنه فعل ما يجوز له، ولم ينتفع ولا باع، وذهب غيره إلى أنه خلاف، وسواء علم أو لم يعلم -على قول ابن القاسم- وهو أسعد بظاهر الكتاب؛ لأنه متعد في هبة شيء في يديه من ملك المستحق، ومسألة هبة الهادم والسارق ليس بهبة شيء حصل في يديه، ولا تعدى عليه، وهبته له في الحقيقة كهبة الأجنبي لما ليس في يديه، فلا يلزمه منه شيء.
والحكم فيما بقى لم يستوفى من مدة الكراء في حين الاستحقاق تقدم فيه الكلام في كتاب الغصب.
وأما إن طرأ عليه من يحجبه عن الميراث جملة؛ مثل أن يكون أخًا للميت ثم طرأ له ولد: فإنه يكون حكمه حكم من استحق بيده شيء، وليس هو بغاصب ولا علم بالغصب في جميع وجوه المسألة: فلا فائدة للتكرار.
وأما الوجه الثاني من الوجه الثالث: إذا استعمل؛ مثل أن تكون دارًا فسكنها، أو أرضًا فزرعها، ثم طرأ عليه من يشاركه في الميراث، أو من يحجبه جملة.
[ ٩ / ١٧ ]
فأما إذا طرأ عليه من يشاركه في الميراث: فلا يخلو من أن يكون عالمًا، أو غير عالم.
فلو كان عالمًا: فللأخ الرجوع عليه بحصته من الكراء فيما سكن أو زرع.
فإن كان غير عالم هل يرجع عليه أخوه بالكراء أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يرجع عليه بشيء، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أنه يرجع عليه بكراء نصيبه فيما سكن أو زرع، وهي رواية علي بن زياد عن مالك في المدونة.
والثالث: التفصيل بين أن يكون في نصيبه ما يكفيه في السكنى والزراعة، ولم يصن بذلك ماله: فإنه لا يرجع عليه بشيء، وبين ألا يكون في نصيبه ما يكفيه في سكناه أو حرثه: فيلزمه لأخيه نصف الكراء؛ لأنه قد صون بذلك ماله، ولولاه لاكترى من ماله موضعًا يسكن فيه أو يزرع، وهي رواية عن ابن القاسم أيضًا، وهذا القول قائم من المدونة أيضًا من قول ابن القاسم في الكتاب، وعنى به: أن لو علم لم يسكن نصيب الأخ، ولكان في نصيبه من الدار ما يكفيه، وظاهره: أنه إذا لم يكن فيه ما يكفيه لزمه الكراء.
وأما إذا طرأ عليه من يحجبه عن الميراث: فينبغي أن يرجع بكراء ما سكن أو زرع، قولًا واحدًا.
وأما الوجه الثالث من الوجه الثالث: إذا عطل؛ مثل أن تكون دارًا فغلقها، أو أرضًا فبورها: فإنه لا شيء عليه في نصيب الطارئ؛ لأنه لم يستغل ولا استعمل ولا غصب شيئًا، والحمد لله وحده.
[ ٩ / ١٨ ]
المسألة الثانية في استحقاق الأمة في البيع وقد وطئت
فلا تخلو من وجهين: إما أن توطأ بملك، أو بنكاح.
فإن وطئت بملك اليمين: فلا تخلو من أن تلد من وطء واطئها، أو لم تلد.
فإن لم تلد من واطئها: فلا تخلو من أن تستحق بحرية أو بملك.
فإن استحقت بحرية، فهل لها الصداق على الواطئ أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها لا شيء لها من الصداق ولا غيره، وهو قول ابن القاسم في المدونة في كتاب الاستحقاق.
والثاني: أن لها صداق المثل، وهو قول المغيرة.
فإن استحقت بملك بعد أن وطئها المشتري، فإن كانت ثيبًا: فلا شىء عليه، وإن كانت بكرًا، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا شيء عليه مما نقصها الافتضاض، وهو قول مالك، وابن القاسم في المدونة.
والثاني: أن عليه ما نقصها بمنزلة من اشترى طعامًا فأكله أو ثيابًا فلبسها، وهذا القول أيضًا قائم من المدونة من مسألة الثياب والطعام، وهو الصحيح؛ لأن المشتري لم يكن ضامنًا لها لو هلكت؛ لأنه يرجع على بائعه بالثمن.
[ ٩ / ١٩ ]
فإن ولدت من واطئها: فلا يخلو الواطئ من أن يكون [وطئها] (١) بنكاح، أو وطئ بملك؛ فإن وطئ بنكاح وهو يظن أنها حرة، فهل يأخذها وقيمة الولد أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يأخذها وقيمة الولد، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه ليس له إلا قيمتها خاصة، وهو قول غيره [في] (٢) مختصر ابن الجلاب.
فإن وطئها بملك: فقد اختلف فيه قول مالك على ثلاثة أقوال كلها قائمة من المدونة منصوصة في المذهب:
أحدها: أنه يأخذها وقيمة ولدها.
والثاني: أنه يأخذ قيمتها وقيمة الولد.
والقولان منصوصان في المدونة.
والثالث: أنه يأخذ قيمتها ولا شيء عليه في الولد، وهذا القول الذي أفتى به مالك لنفسه في أم ولده إبراهيم لما استحقت، وبه أخذ من أصحابه ابن كنانة، وابن أبي حازم، وابن دينار، وابن الماجشون، والمغيرة، وأكثر المدنيين، وهذا القول قائم من المدونة، ولاسيما في بعض الروايات، وذلك أنه قال في الكتاب: يأخذها وقيمة الولد من والدهم، وهو الذي أخذ به ابن القاسم، وعليه جماعة الناس، ثم قال: وقد قال مالك مرة بقوله، ثم رجع عن ذلك فقال: يأخذ قيمة الجارية؛ لأن ذلك ضرر على المشتري -معناه: قيمتها فقط- ويؤخذ أيضًا من قول مالك آخر الباب حيث قال: وأما الجارية: فإنها ترد ما لم تحمل، فإذا حملت: كان على
_________________
(١) في أ: وطئ.
(٢) في أ: من.
[ ٩ / ٢٠ ]
سيدها الذي حملت منه قيمتها للذي استحقها، فظاهره: قيمتها على تلك الحال.
ولم يختلف قول مالك أنه لا يأخذ الولد، وإنما اختلف قوله هل يأخذ قيمته أم لا؟
وعلى القول بأنه يأخذ قيمة الولد هل قيمته يوم الحكم، أو يوم ولد؟
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة.
أحدهما: أنه يأخذ قيمته يوم الحكم، وهو قوله في المدونة، وهو المشهور في المذهب.
والثاني: أنه يأخذ قيمته يوم ولد، وهو قول المغيرة في كتاب ابن حبيب؛ لأنه من يومئذ تعينت قيمته للمستحق؛ إذ لا سبيل له إلى أخذه بعينه، فإذا عاش الولد إلى يوم الاستحقاق كانت له تلك القيمة كأنه لم يزل مالكًا لها.
واختلف هل يقوم بماله [إن كان له مال. على قولين:
أحدهما: أنه يقوم بغير ماله، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
والثاني: أنه يقوم بماله] (١) وهو أحد قولي المذهب في أمِّ الولد إذا جنت؟
وعلى القول بأنه يأخذ قيمتها، فهل يجبر المستحق على قبول القيمة، ويكون الخيار للمستحق منه؟ أو المستحق منه مجبور على دفع القيمة، ويكون الخيار للمستحق؟
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٩ / ٢١ ]
أحدهما: أن الخيار في ذلك للمستحق منه؛ إن شاء سلم له جاريته، وإن شاء أعطاه قيمتها، ويجبر على قبولها، وهو قوله في المدونة في كتاب الاستحقاق، وكتاب القسمة [لقوله: لأن في ذلك ضرر على المشتري ومعنى الضرر كون أم الولد رقًا لغيره، وقد يلحقه العار من ذلك ولاسيما إن كان من ذوي الهيبات، والمناصب فيستضر بذلك هو وولده، فإذا سلمها له، ورضى بإسقاط حق نفسه، وحق ولده فلا مقال في ذلك للمستحق.
والثاني: أن الخيار في ذلك للمستحق، إن شاء أخذ شيئه، وإن شاء كلفه القيمة، فإذا اختار القيمة خير المستحق منه على دفعها، وهي رواية ابن القاسم في رواية عيسى عنه في العتبية، والموازية وهو قائم من المدونة من بعض الروايات، وقد قال في بعض روايات المدونة: إلا أن يكون في ذلك ضرر على سيدها، فترد إليه. هكذا وقعت الروايات في بعض نسخ المدونة في كتاب الاستحقاق وكتاب القسمة] (١) والضرر المعتبر في قطع المستحق، مثل أن يكون بها مغرمًا، وفيها محبًا، وبه ميل للصبابة إليها، فكونه مجبورًا على أخذ قيمتها، والحالة هذه -يكون مضرًا؛ إذ هو المالك، فيغلب ضرره على ضرر من ليس بمالك.
وعلى هذه الرواية اعتدم بعض شيوخنا، وقال الشيخ أبو عمران الفاسي [﵀] (٢): أو يكون المستحق منه عديمًا بالقيمة، فيلحق الضرر المستحق في ذلك لا هو إلى القيمة، ولا هو إلى عين شيئه مع قيامه، وهذا التأويل أيضًا لائق بالرواية.
وهل القيمة في ذلك يوم الحكم أو يوم الوضع؟
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من ب.
[ ٩ / ٢٢ ]
قولان، وقد قدمناهما في ذكر الابن، والكلام فيهما واحد.
وعلى القول بأنه يأخذها وقيمة الولد: فإنه يؤخر حتى تضع فيأخذها وقيمة الولد، فإن أسقطته قبل ذلك، أو ماتت حتف أنفها: لم يكن له على الأب شيء.
وعلى القول بأنه يأخذ قيمتها وقيمة الولد: فله أن يأخذ قيمتها الآن، ولا ينتظر الوضع، فإن ماتت قبل الحكم: فلا شيء عليه من قيمتها وعلى [القول بأنه ليس له إلا قيمتها ولا شيء عليه في الولد، فإنه يأخذ قيمتها يوم حملت، فإن ماتت قبل] (١) الوضع، وقبل الحكم لم تسقط عنه القيمة؛ لأنها بالحمل وجبت، كما قال في الأب إذا وطئ أمة ابنه، وكما قال في أحد الشريكين إذا وطئ أمة بينهما فحملت من وطئه، وهو نص قوله في كتاب ابن حبيب؛ فعلى هذا تكون أم الولد للواطئ بنفس الحمل.
وعلى القول بأنه يأخذها مع قيمة الولد [أو قيمتها] (٢) وقيمة الولد، فلا يخلو الولد من أن يكون حيًا، أو ميتًا.
فإن كان الولد ميتًا: فلا يخلو من أن يموت حتف أنفه، أو مات مقتولًا.
فإن مات حتف أنفه: فلا شيء على الأب من قيمته؛ لأن القيمة عوض عن تسليمه لما لم يتمكن فيه التسليم، فإذا مات فقد سقط العوض، ولا خلاف -أعلمه- في هذا الوجه إلا على القول باعتبار القيمة يوم ولد على مذهب المغيرة: فإنه لا ينظر إلى موته، ولا إلى قتله -عمدًا أو خطأ- ولا إلى ما أخذ فيه -قليلًا كان أو كثيرًا- لأن القيمة ثابتة عليه.
فإن مات مقتولًا: فلا يخلو من أن يقتل عمدًا، أو خطأ.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ٢٣ ]
فإن قتل عمدًا فقتل فيه قاتله: فلا شيء على الأب أيضًا، فإن عفا الأب عن القود: فلا يخلو من أن يعفو على مال، أو على غير مال.
فإن عفا على غير مال: كان الحكم فيه كما لو اقتص، فلا شيء عليه للمستحق.
فإن عفا على مال: فللمستحق على الأب الأقل من قيمته يوم قتل، أو ما صالح به وعفا عليه، ويرجع المستحق على القاتل إن صالح على أقل من الدية بالأقل من بقية القيمة أو الدية، أو يرجع عليه بجميع الدية إن عفا الأب على غير مال، ما لم تكن أكثر من القيمة.
فأما إن كان قتله خطأ: فالدية للأب.
وهل يتبع المستحق الأب بشيء أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يتبعه بقيمة الولد، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه لا يتبعه بشيء كما لو مات؛ لأنه أخذ دية حر، وهو قول أشهب في الموازية، على القول بأن الأب يغرم القيمة، فلا يخلو من أن يقوم عليه المستحق قبل أن يقبض الدية من العاقلة، أو بعد ما قبضها.
فإن قام عليه قبل أن يقبض الدية: فلا شيء عليه حتى يقبض فيقضي من أول نجم، فإن لم يوف منه فمن الثاني أو من الثالث حتى يستوفي جميع القيمة، وهذا إذا كانت القيمة أقل من الدية، وأما إذا كانت أكثر: فإن المستحق يتولى اقتضاءها من العاقلة.
فإن قام عليه بعد أن قبضها، فإن كانت قائمة بيده أو أنفقها وعنده مال: فإنه يأخذ من عنده المستحق الأقل من قيمة الولد، أو ما أخذ في ديته.
فإن لم يكن عنده مال، وقد أنفق الدية: فإن المستحق يتبع الأب، ولا
[ ٩ / ٢٤ ]
رجوع له على العاقلة؛ لأنهم غرموا دية الحر، والمقال فيها للأب، والسيد يستحق بالرق، والمقال له على الأب.
وأما إن كان الولد حيًا: فلا يخلو من أن يكون سليمًا، أو جنى عليه فإن كان سليمًا: فالقيمة على الأب إن كان موسرًا من غير اعتبار بحال الابن في اليسر والعسر.
فإن كان الابن معسرًا، أو الابن موسرًا، هل يغرم الابن [القيمة] (١) أم لا؟
[فالمذهب] (٢) على قولين منصوصين في "المدونة" في "كتاب الاستحقاق":
أحدهما: أن الابن يغرم القيمة؛ لأنها عنه أُدِّيَت، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه لا شيء على الابن، ويتبع المستحق الأب بالقيمة حتى ييسر، فيأخذها منه، وهو قول غيره في الكتاب.
فإن وقع الاستحقاق بعد موت الأب: فلا يخلو الأب من أن يموت موسرًا، أو معسرًا.
فإن مات موسرًا، فهل تؤخذ القيمة من ماله أم لا؟
أما على القول بأن القيمة وجبت يوم ولد: فلا تفريع، وأما على القول بأن القيمة [تجب] (٣) يوم الحكم: فإنه يتخرج على قولين:
أحدهما: أن القيمة تؤخذ من مال الأب، وهو قول ابن القاسم في
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٩ / ٢٥ ]
كتاب الجنايات من المدونة في أم الولد إذا جنت، ثم بموت السيد قبل أن يقام عليه، فقال ابن القاسم: لا شيء عليه، ولا عليها إذا مات فقيرًا.
والثاني: أنه لا شيء على الأب بعد موته، ولا يؤخذ من ماله شيء، وهو قول الغير من مسألة أم الولد؛ لأنه قال: إنما يكون ذلك على السيد مع اليسر إذا أقيم عليه قبل أن يموت، وإلا فذلك عليها، ولا شيء على السيد، فخالف ابن القاسم في الوجهين؛ في يسره إذا مات، وفي أخذ القيمة من أم الولد [فعلى القول بأنه لا تؤخذ القيمة من مال الأب بعد الموت إن مات موسرًا أو مات وهو معسر، هل تؤخذ القيمة من الولد] (١) أم لا؟ فذلك على قولين:
أحدهما: أن القيمة تؤخذ منه إن كان موسرًا، ويتبع بها إن كان معسرًا، وهو الذي يأتي على قول ابن القاسم في المدونة؛ لأنه قال: فإن القيمة تؤخذ من الابن في عسر الأب إذا كان موسرًا، فإن كانا معسرين: فإن المستحق يتبع أولهما يسرًا.
والثاني: أنه لا يتبع بشيء في العسر واليسر، وهو ظاهر قول غيره.
فأما إن كان الولد مجنيًا عليه؛ مثل أن تقطع يده خطأ، فأخذ الأب نصف دية ولده، ثم استحق رِجل أمة، فإنه يكون للمستحق قيمة الولد أقطع اليد يوم يحكم له، فهذا نص المدونة على ما سنوضحه وضوحًا يزيح الإشكال، ويرفع الاحتمال إن شاء الله.
وقد اختلف في دية [اليد] (٢) التي أخذها الأب لمن تكون على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها تكون للأب، فيؤدي منها القيمة، فإن فضل شيء فهو
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
[ ٩ / ٢٦ ]
له، وهو ظاهر قوله في المدونة؛ حيث قال: يغرم الأب ما بين قيمته صحيحًا وقيمته أقْطع اليد، وكان الفضل للأب.
والثاني: أن الأب يغرم القيمة من الدية، وما فضل يكون للابن، وهذا أحد أقوال سحنون، وهو تأويل أكثر المتأخرين على المدونة من قوله: "وكان الفضل للأب"، قالوا: معناه: يكون له النظر فيه؛ وهو الصحيح لأن الولد الصغير تحت نظر أبيه؛ لأن ذلك ملك للأب؛ إذ هو أرش الجناية على الولد، فبأي شيء يأخذه الأب، ويدل على هذا أيضًا قوله في أول المسألة: إذا قطعت يد الولد، فأخذ الأب نصف دية ولده، فدل أنه إنما قبض دية ولده لصغره.
والثالث: أن الدية كلها للابن، وعلى الأب غرم قيمته ما لم تكن أكثر مما أخذ، وهو قول سحنون أيضًا.
والرابع: أن دية اليد للابن، ولا شيء للمستحق على الأب ولا على الابن، وهو قول أشهب في الموازية في القتل إذا قتل خطأ، وحكاه ابن وضاح عن سحنون أيضًا، وقال: أنكر سحنون أن يكون على الوالد من قيمة ولده شيء، وقال: إنما تكون الدية للابن، وقول سحنون فيه اضصراب؛ لأنه [وإن قال: إن] (١) القيمة جميعها [لازمة] (٢) للأب فيبقى أرش اليد للولد، فلم قال: لا يلزمه ما زاد على ما أخذ في اليد.
فإذا قلنا بمذهب المدونة أن الأب يغرم الأقل من قيمته أقطع اليد يوم الحكم أو ما أخذ في ديته؛ وبيان ذلك أن ينظر إلى القطع، هل كان قبل الاستحقاق أو كان يوم الاستحقاق.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ٢٧ ]
فإن كان [قبل] (١) الاستحقاق، فإن الولد يقوم ثلاث تقويمات: قيمته يوم الاستحقاق أقطع [وقيمته يوم الجناية سليمًا] (٢) وقيمته يوم الجناية أقطع اليد، فيضاف ما بين قيمته يوم الجناية سليمًا، وقيمته يوم الجناية أقطع إلى قيمته يوم الاستحقاق، فيأخذه المستحق إلا أن يكون ما بين قيمته سليمًا يوم الجناية، وقيمته يوم الجناية أقطع أكثر من دية اليد التي أخذ الأب فلا يزاد عليها.
وإنما يعتبر الأقل والأكثر فيما بين قيمته [سليمًا] (٣) يوم الجناية، وقيمته أقطع يوم الجناية، وبين ما أخذ من الدية خاصة دون قيمته أقطع اليد يوم الاستحقاق؛ لأنها مستحقة للمستحق على كل حال؛ لأنها [عضو من] (٤) الأعضاء الباقية القائمة التي لا يقدر على أخذها لحريتها [فتقدر] (٥)؛ مثلًا: إن المستحق استحق الولد، وهو أقطع: فله قيمته يوم الاستحقاق، وعلى الحالة التي هو عليها، واستحق اليد يوم قطعت فله قيمتها يومئذ، فتكون له قيمة الولد دون يد يوم استحقه، وله قيمة الولد يوم قطعت ما لم تكن أكثر من دية اليد، فيكون هذا الولد قد استحق بعضه في وقت [وبعض في وقت] (٦) آخر فقدر أن اليد مستحقة على حيالها يوم قطعت، وباقي أعضائه مستحقة يوم استحقت، فهما مستحقان؛ استحقت اليد يوم زالت عن الجسد، واستحق الولد دون يد يوم الاستحقاق، ويقوم كل مستحق يوم استحق كذا يتقرر، ويزول الإشكال الواقع في الكتاب فيها،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: سقيمًا.
(٤) في أ: عوض عن.
(٥) في ب: فيتقدر.
(٦) سقط من أ.
[ ٩ / ٢٨ ]
فتكون له قيمة الولد دون اليد يوم الاستحقاق، وتكون له قيمة اليد يوم قطعت ما لم تكن أكثر من ديتها، واليد بانفرادها لا قيمة لها، فاحتيج إلى أن يُقَوّم الولد يومئذ صحيحًا، ويُقَوّم أقطع، فما بين القيمتين هو قيمة الولد.
ولولا اختلاف أوقات التقويم لغرم الأقل من قيمته صحيحًا، أو من قيمته مع ما أخذ من ديته، وكان الجواب مختصرًا.
ولو كان القطع يوم الاستحقاق والحكم لقيل له ادفع الأقل من قيمته سليمًا الآن قبل قطعه، ومن قيمته مقطوعًا، ولا يحتاج هاهنا إلا إلى قيمتين: سليمًا ومقطوعًا.
فإن كانت قيمته سليمًا أقل: لم يلزمه سواها، وكان ما فضل من الدية للابن، أو للأب على الخلاف الذي قدمناه.
وصورة المسألة أن تقدر أن قيمته صحيحًا: مائة دينار والجناية يوم الاستحقاق، وقيمته أقطع: ستون دينارًا، فقيمته سليمًا -في هذه الصورة- أقل، فهذا الذي يغرم الأب، وليس للمستحق سواها؛ إذ لا مظلمة عليه في ذلك؛ لأنه يأخذ قيمة عبد.
فإن قدرت أن قيمته سليمًا: ألف دينار، وقيمته أقطع: أربعمائة دينار: كانت القيمة -هاهنا- أكثر، ولا يغرم الأب إلا قيمته مقطوعًا مع ما أخذ من الدية.
فافهم هذا التفسير والبيان، فما أظن وقع في المدونة أشكل من صورة هذه المسألة، ولا أصعب منها على المتعلمين.
واعلم أنه إذا اختلفت أوقات التقويم، وكانت الجناية قبل يوم الاستحقاق حيث يقوم ثلاث تقويمات: أن قيمته يوم الاستحقاق أقطع
[ ٩ / ٢٩ ]
لازمة للأب على كل حال؛ لأن قيمته على تلك الصفة عوضًا عن الأعضاء الباقية، وإنما يعتبر الأقل، والأكثر فيما بين قيمته سليمًا يوم الجناية، وقيمته يومئذ أقطع، وفيما أخذ من ديته: فأيهما أقل فيؤديه مع قيمته مع الاستحقاق أقطع، فافهم هذا ترشد إن شاء الله.
واختلف في الولد هل يقوم بماله أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يقوم بغير ماله، وهو قول ابن القاسم في "العتبية"، وابن كنانة في "المجموعة".
والثاني: أنه يقوم بماله، وهو قول المخزومي.
والصحيح ما قاله ابن القاسم؛ لأنه أسعد بظاهر المدونة، وهو أسلم من الاضطراب؛ وذلك أنه قال في الكتاب: فإن ما فضل من دية يده تكون للأب، وقال أيضًا: فإذا كان الأب معسرًا، والابن موسرًا: فإن القيمة تؤخذ من مال الابن، فلو كان يقوم بماله، فأيّ فضل يبقى من الدية، وأي مال يكون للولد، فتؤدى منه القيمة؛ لأن القيمة لابد أن تكون أكثر من المال؛ لأن ماله من بعض صفاته. [فهذه] (١) غائلة غفل عنها من قال: [إنه] (٢) بماله [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) في ب: فيده.
(٢) سقط من أ.
(٣) زيادة من ب.
[ ٩ / ٣٠ ]
المسألة الثالثة في الاستحقاق بعد الصلح
ولا يخلو الصلح من أن يكون على الإقرار، أو على الإنكار.
فإن كان على الإقرار: فحكمه حكم البيع، ولا إشكال في ذلك.
وإن كان على الإنكار؛ كمن ادعى دارًا فصالح على عبد، ثم استحق أحدهما: فلا يخلو من أن يكون العبد هو المستحق، أو الدار هي المستحقة؛ فإن استحقت الدار التي بيد المدعى [عليه] (١) [فيما] (٢) يرجع على المدعي: فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يرجع في عين شيئه، وهو العبد الذي دفع إن كان [قائمًا أو قيمته إن كان] (٣) فائتًا، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أنه لا يرجع عليه بشيء؛ لأنه دفع الخصومة عن نفسه بالعبد الذي دفع [فقد] (٤) نال مقصوده بما أعطى، فلا يرجع فيه، وهو قول سحنون.
والثالث: التفصيل بين أن يطول الزمان، أو يقصر؛ فإن طال الزمان: لم يرجع [في] (٥) العبد بشيء؛ لأن المدعي يقول: فاتت ببينتي التي كنت أقيمها، فلولا صلحك لكنت أقيمها، ولم يقدر هذا المستحق أن يستحق شيئًا؛ لأن الذي أتى به باطل.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: فيها.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: بعدما.
(٥) في أ: على.
[ ٩ / ٣١ ]
فإن كان الاستحقاق بقرب الصلح: فله الرجوع في عين شيئه إن كان قائمًا، أو قيمته إن فات، وهذا القول في "المجموعة".
فإن استحق العبد كيف يرجع المدعي؟ وفيما يرجع؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يرجع إلى الدعوى؛ لأن الصلح قد انتقض، وهو قول ابن القاسم، وهو مذهب المدونة في غير ما موضع؛ لأن هذا حكمه حكم البيع أيضًا؛ لكون المدعى إنما دفع عما ادعى عليه فيه.
والمذهب على أن من باع عرضًا بعرض ثم استحق العرض الذي أخذ: فإنه يرجع في عرضه إن كان [قائمًا أو قيمته إن كان فائتًا] (١).
والثاني: أنه يرجع بقيمة العبد المستحق من يده، وهو قول سحنون، وهذا القول قائم من المدونة أيضًا من مسألة النكاح والصلح عن دم عمد، وهو الصواب؛ لأن الرجوع إلى الخصومة رجوع إلى الغرر، والرجوع بقيمة ما استحق أولًا.
والقول الأول يؤخذ من المدونة أيضًا من "كتاب الشفعة" فيمن ادعى سدس دار بيد رجل، فأنكر، فصالحك منه على شقص آخر دفعه لك من دار له أخرى؛ حيث قال ابن القاسم فالشفعة في الشقص الذي لا دعوى فيه بقيمة المدعى فيه؛ لأن قابضه مقر أنه اشتراه، ودفع في ثمنه السدس المدعى فيه، وهذا دليل على أنه يرجع إلى الخصومة عند استحقاق العبد؛ لأن العوض الذي قبضه قد استحق، فكان الحكم أن يرجع إلى رأس أمره.
وقول ابن القاسم إذا استحقت الدار أنه يرجع في عين العبد مع قيامه أحسن؛ لأن المستحق من يده يقول المدعي إن كنت محقًا فهو شراء مني
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٩ / ٣٢ ]
منك، فعليك أن ترد العوض، فإن كنت مبطلًا، وتقول: إنها الآن داري: لم يحل أن تتماسك بما تقر أنك أخذته بالباطل، ولا وجه للقول أنه دفع خصومة؛ لأن المستحق من يده يقول: إنك مقر أنك بائع مني، وأنك أخذت [ذلك] (١) مني على وجه المعاوضة، فيكون له الرجوع، وإن طال الأمد؛ لأنه يقول: إن كنت محقًا فلا أكلفك أن تثبت ملكك، وقد اشتريت منك.
فإن استحق نصف العبد: فأما على أصل ابن القاسم: فإن للمدعي أن يرد الباقي، ويرجع في طلبه، أو يمسك ويرجع في المطالبة بنصف الدار، ثم ينقلب الخيار للمدعى عليه، فإن أحب أمضى البيع في نصف الدار، ويقول للمدعي: إن شئت تمسكت بنصف العبد على أن لا شيء لك، أو ترده، وترجع في الخصومة؛ لأني قصدت بالصلح رفع الخصومة، فإذا كنت تعود تخاصمني: كان عليّ في ذلك ضرر.
وأما على قول سحنون: فإن له أن يرجع بنصف قيمة العبد، أو يرد الباقي بعيب الشركة، ويرجع بجميع قيمته، وهو أقيس، وقوله في الكتاب في هذا الباب في الذي له على رجل ألف درهم، فحط عنه خمسمائة درهم على أن يعطيه بالخمسمائة الدرهم الباقية عبده ميمونًا، فاستحق العبد؛ حيث قال: فإنه يرجع بالألف كلها، وقال أبو عمران الفاسي: فيه دليل على أن الغبن [اليسير] (٢) في البيوع جائز، وإن زاد على الثلث خلاف ما ذهب إليه البغداديون، ووفاقًا لما في "كتاب ابن حبيب"، قال: يستدل على ذلك أيضًا بمسألة الوكيل إذا باع ما وكِّل على بيعه بما لا يتغابن الناس فيه وفات: أنه ماض، ويضمن الوكيل، وما قاله
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: الكثير.
[ ٩ / ٣٣ ]
أبو عمران ليس بظاهر؛ إذ ليس في مسألة الوكيل ما يدل على أنه أكثر من الثلث، ومسألة الألف أيضًا ليس فيها بيان على الغبن، ولعل قيمة العبد الألف، أو ما يقارب منه [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من ب.
[ ٩ / ٣٤ ]
المسألة الرابعة في الرجل يوصي عند موته بوصية، فتنفذ وصاياه وقسم ماله، ثم استحق رجل رقبته أو شهد بموته ثم ثبت أنه حيّ بعد أن زوجت زوجته وقسمت تركته
فأحد السؤالين أصل، والآخر فرع، ونص ما في المدونة: قلت: أرأيت لو أن رجلًا أوصى أن يحج عنه، فأنفذ الوصي ذلك، ثم أتى رجل فاستحق رقبة الميت، هل يضمن الوصي أو الحاج عن الميت المال، وكيف [يصنع] (١) فيما قد بيع من مال الميت، فأصابه قائم بعينه؟
قال: أرى إن كان الميت حرًا عند الناس يوم بيع ماله، فلا يضمن له الوصي شيئًا، ولا الذي حج عن الميت، ويأخذ ما أدرك من مال الميت، وما أصاب مما باعوا من مال الميت قائمًا بعينه: فليس له أن يأخذه إلا بالثمن، ويرجع على من باع تلك الأشياء، فيقبض منه ثمن ما باع من مال [عبده] (٢)، قال: لأن مالكًا (٣) [قال] (٤) في رجل شهد عليه أنه مات فباعوا رقيقه، وتزوجت امرأته، ثم أتى الرجل بعد ذلك فقال: إن كانوا شهودًا [بزور] (٥): ردت إليه امرأته، وأخذ رقيقه حيث وجدهم، أو الثمن الذي بيعوا به إن أحب ذلك.
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) في أ: العبد.
(٣) انظر: المدونة (١/ ٤٨٥).
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: مبرزين، والصواب ما أثبتناه من ب.
[ ٩ / ٣٥ ]
قال مالك: وإن كان شبه عليهم -وكانوا عدولًا- ردت إليه امرأته، وما [وجدوا] (١) من متاعه، ورقيقه لم يتغير عن حاله وقد بيع: أخذه بعد أن يدفع الثمن إلى من ابتاعه.
وما تحول عن حاله ففات، أو جارية وطئت فحملت من سيدها، أو أعتقت: فليس له إلا الثمن يرجع به على من باع الجارية إلى آخر ما قال.
فجعل ابن القاسم مسألة الميت الذي شهدوا بموته أصلًا، فاستدل بها على مسألة الميت الذي استحقت رقبته، فموضع اشتباه المسألتين: إذا كان الميت حرًا عند الناس، وإذا [شبه] (٢) على الشهود بما شهدوا به، وفي كلا السؤالين نظر، واعتراض لازم، ونحن -بحمد الله- نفرد كل سؤال بالكلام، ونورد ما يلزم [عليه] (٣) من الاعتراض:
أما السؤال الأول: إذا استحق بأنه عبد بعد اشتهاره بالحرية في حياته: فالأصل فيه أن يكون السيد أحق بماله حيث ما وجده بغير عوض، وأن يكون متصرفًا ضامنًا لما هلك من سبب تصرفه؛ لأن الحكم الذي حكم به أن العبد حر ليس يحكم على السيد، والأصول موضوعة على أن الحكم إذا كان لرجل، ثم تبين أن ذلك الحكم الآخر أن يكون الثاني على حقه ولا يفيت ماله بيع ولا عتق، وله أن يأخذه بغير ثمن حيث ما وجده، وسواء كان الأول تصرف بتعدٍ أو بوجه شبهة؛ فلو غصب رجل عبدًا، فباعه الغاصب من رجل، وهو لا يعلم بالغصب، فأعتقه المشتري أو باعه، وتداولته [الأملاك] (٤) أو باعه [عليه حاكم] (٥) في دين، أو مات
_________________
(١) في ب: وجد.
(٢) في أ: شبهوا.
(٣) في أ: عينه.
(٤) في ب: الأحكام.
(٥) في ب: الحاكم.
[ ٩ / ٣٦ ]
فورث عنه: كان لمستحقه أن يرد جميع ذلك، ويأخذه بغير ثمن، ولو مات رجل، شهود لولده شهدوا أنهم لا يعلمون له وارثًا سواه، فحكم له وباع تركة أبيه، وتداولته الأملاك، أو أعتق، أو اتخذ أم ولد، ثم قدم من أثبت أنه ولد للميت: كان له أن [يقوم] (١) في نصيبه من ذلك على سنة الاستحقاق ويأخذه بغير ثمن، ولا [يفيت] (٢) شيء مما تقدم، وهذا هو أصل المذهب، وما وجد على غير ذلك، فهو خارج عن الأصول.
فسيد العبد هاهنا كالأخ الطارئ؛ يرد العتق [والبياعات] (٣)، وإن كان الأول تصرف بوجه شبهة؛ لأن الحكم لم يكن عليه.
ولا يعترض على هذا الأصل بما بيع في المقاسم؛ لأن صاحبه لا يأخذه إلا أن يدفع الثمن، وإن لم يكن [الحكم] (٤) بالبيع على أصله لأجل الاختلاف في الأصل؛ لأن غير واحد من أهل العلم [رأى] (٥) أن لا شيء لصاحبه فيه، وإن أدركه قبل القسم.
وأما السؤال الثاني: إذا شهد عليه أنه مات، فقد كان الحكم عليه؛ ولأجل ذلك قال في الكتاب: إذا وجد ماله قد بيع أنه يأخذ بالثمن، على تفصيل المسألة أيضًا؛ وذلك أن الشهود لا يخلو حالهم من وجهين:
أحدهما: أن يشبه عليهم.
والثاني: أن يتعمدوا الزور.
فأما إن أشبه عليهم: فلا يخلو من أن يدرك ماله قائمًا أو فائتًا.
_________________
(١) في ب: يقيم.
(٢) في أ: يفوت.
(٣) في ب: البيوعات.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٩ / ٣٧ ]
فإن كان قائمًا لم يدخله بيع، ولا عتق، ولا غيره: فإنه يأخذه؛ لأنه باق على ملكه.
فإن كان فائتًا ببيع: فلا يخلو من أن يكون قائمًا بيد المشتري لم يدخله فوت، أو دخله فوت.
فإن كان قائمًا لم يدخله فوت في بدن، أو سوق: فلا خلاف في المذهب أنه يكون أحق بالثمن.
وهل يكون أحق به بغير ثمن أم لا: فإنه يتخرج على قولين:
أحدهما: أنه لا يأخذه إلا بالثمن، وهو نصه في المدونة في كتاب الاستحقاق.
والثاني: أنه أحق به بغير ثمن؛ لأن الشهود -وإن لم يتعمدوا الكذب- إذا تبين باطل قولهم بمجئ الرجل، ولا فرق بين أن يؤتي عليهم أو لا يؤتى عليهم بعد أن تحققنا باطل قولهم، والرجل غير أذن في متاعه، ولا ملك عليه لأحد، وهل هو إلا كمن أخطأ على ماله من غير أن يكون له هو في ذلك إذن، ولا تأثير في ذلك بحكم القاضي إذا سلطه الشهود، وإنما يكون للغالط عذر إذا سلطه المالك نفسه، وإلى هذا المعنى أشار بعض حذاق المتأخرين.
فإن فات عند المشتري في بدن أو سوق، أو كان عبدًا فأعتقه، أو جارية فأحبلها، هل له أن يأخذه بالثمن على القول بأنه لا يأخذه إلا بالثمن أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا سبيل له إلى أخذه، وأن ذلك فوت.
والثاني: أن له أخذه بالثمن، ولا يفتيه عتق، ولا إيلاد ولا تغيير بدن
[ ٩ / ٣٨ ]
ولا سوق، وهو نص قول أشهب فيما بيع في المقاسم: أن العتق والإيلاد ليس بفوت [خلاف مذهب "المدونة" في "كتاب الجهاد"، وقد نص مالك هناك: أن العتق، والإيلاد فوت] (١) فيما بيع في المقاسم.
وعلى قول أشهب: يكون للمشهود عليه بالموت أن يأخذه، ولا يفيته عتق، ولا نماء، ولا نقصان، وإن كان لا يأخذه إلا بعد دفع الثمن؛ لأن حقه في عين ماله؛ فيمكَّن من أخذه، وحق المشتري في الثمن الذي وزن ومقالة الشهود عليه في هذه في الرد أقوى منه فيما بيع في المقاسم، ولاسيما على القول الذي خرجناه من طريق النظر: أن له أن يأخذه بغير ثمن.
والعجب من ابن القاسم الذي جعل فوته بزيادة أو نقصان يمنع المشهود عليه من الأخذ بالثمن، وهو قول لا دليل له.
فأما إذا تعمدوا الكذب، وشهدوا بالزور من غير شبهة دخلت عليهم: فلا تخلو شهادتهم من أن تكون عند القاضي أو عند غيره.
فإن كانت شهادتهم عند الورثة: فإنه أحق بما بيع من ماله حيث وجده بغير ثمن، قولًا واحدًا، وإن شاء أخذ الثمن الذي بيع به.
فإن كانت شهادتهم عند القاضي، هل يكون حكمهم حكم من شبه عليه أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا فرق بين أن تكون شهادتهم عند الورثة أو عند القاضي، فإن المشهود عليه بالموت أحق بماله بغير ثمن حيث ما وجده،
_________________
(١) سقط من ب.
[ ٩ / ٣٩ ]
وهو قول مالك في المدونة.
والثاني: أنها إن كانت عند القاضي: فحكمه حكم من شبه عليه، ولا فرق سواء وهو تأويل [القاضي إسماعيل] (١) على المدونة أنهم مهما شهدوا عند القاضي، فإنه لا سبيل له إلى أخذ ماله إلا بالثمن، سواء شهدوا بزور أو شبه عليهم.
وهذا الذي قاله مخالف لنص المدونة؛ بل نص المدونة أنهم مهما شهدوا بالزور، فإنه يكون أحق بماله شهدوا بها عند القاضي أو عند الورثة؛ لقوله في الكتاب: "فشهدوا بذلك عند القاضي، وهو لا يعلم أنهم لم يتعمدوا [الزور] (٢) ".
وأما الزوجة: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب أنها ترد إليه على العصمة الأولى، سواء شهدوا بالزور أو شبه عليهم، كان بحكم قاض أو بحكم غيره، إلا ما ذكره الأصحاب عن إسماعيل القاضي، فإنه قال: "إذا كان ذلك بحكم قاضٍ: فلا ترد إليه كامرأة المفقود"، وما قاله ليس بصحيح، والزوجة ليست كالمال؛ لأنه يصح زوال الملك عن المال إذا بيع بوجه شبهة، ولا يصح أن تمضي زوجة رجل عند آخر تزوجها بشبهة من غير طلاق من الأول، وليست كزوجة المفقود؛ لأن الحكم كان لها لأجل قيامها بالضرر مع الإمكان أن يكون حيًا؛ ولهذا طلق عليه، ولم يقسم ماله، والآخر حكم بموته ليقسم ماله، وليس القصد الطلاق، وإنما الحكم بالموت يوجب لها أن تتزوج؛ لأنها ترقبت حياته [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) في أ: إسماعيل القاضي.
(٢) سقط من أ.
(٣) زيادة من ب.
[ ٩ / ٤٠ ]
المسألة الخامسة إذا أسلم ثوبين في فرس فاستحق أحدهما
فقد اختلفت الروايات في الأمهات في صورة المسألة، وتنزيلها [ونصها] (١) في المدونة، قلت: فإن أسلمت ثوبين في فرس [موصوف] (٢) فاستحق أحد الثوبين؟ قال: لا أحفظ عن مالك فيه شيئًا؛ قال: وأرى إن كان الثوبان متكافئين، وهو وجه ما اشترى، وفيه الفضل: انتقض السلم.
وفي بعض النسخ: إن كان الثوب المستحق هو وجه ما اشترى انتقض السلم، وعليه اختصر أبو سعيد وغيره.
وفي بعضها: فإن كان مستحق هو وجه الصفقة: بطل السَّلم.
وإن كان الأدنى: أو كانا متكافئين يرجع السَّلم إليه بقيمة [وما استحق] (٣)، ويثبت السَّلم، فعلى الرواية الأولى: إن كان الثوبان متكافئين، أو هو وجه ما اشترى يكون قوله هناك خلاف لما وقع لابن القاسم، والغير في "كتاب العيوب"؛ لأنه جعل النصف في العروض يسيرًا لا يجب به رد الجميع في العيوب، بخلاف الطعام، وجعله في هذا الكتاب في حيز الكثير يجب به الرد كالطعام، وعلى الجملة: ففي النصف ثلاثة أقوال كلها قائمة من المدونة:
أحدها: أن النصف في حيز الكثير، في الطعام والعروض، وهو قوله في "كتاب الاستحقاق" على إحدى الروايات.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: المستحق.
[ ٩ / ٤١ ]
والثاني: أنه في حيز اليسير في الجميع.
والثالث: التفصيل بين الطعام والعروض.
وموقع الأقوال في الكتاب لا يخفى على من طالع كتابنا هذا، ولاسيما وقد أفردنا لهذا المعنى مسألة مفردة في "كتاب العيوب".
وعلى الرواية بأنه إذا استحق الأدنى [وكان الثوبان] (١) متكافئين يكون ما وقع في "كتاب الاستحقاق" موافقًا لما في "كتاب العيوب" إن شاء الله.
وقوله في هذه الرواية: إذا كان المستحق ليس بوجه الصفقة ولا لأجله اشترى: كان عليه [قيمة] (٢) ما استحق وثبت السَّلم، فقد اختلف المختصرون والشارحون في تأويل قوله، وعليه قيمة ما استحق على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه أراد بذلك قيمة المستحق من الثوبين، وأنه ينظر إلى قيمة الباقي، فإن كان ثلثًا أو ربعًا: رجع على رب السَّلم في ماله وذمته، ولا ينظر إلى معرفة ذلك القدر من قيمة الفرس، وهو تأويل أبي الوليد بن رشد في "البيان والتحصيل"، وغيره من المتأخرين، وهذا التأويل أسعد بظاهر الكتاب؛ لقوله: يرجع بقيمة ما استحق ويثبت السلم، وكاد هذا الظاهر أن يكون نصًا لولا قلة وجود النص في المعلومات، ولا جرم، وقد أنكر وجوده بعض الأصوليين.
وقوله: "ويثبت السَّلم": دليل على أنه يرجع في المسلم فيه.
والثاني: أن معنى ذلك يرجع المسلم إليه بقيمة المستحق في قيمة الفرس
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ٤٢ ]
المسلم فيه، وهو قول ابن المواز، ومثله في سماع عيسى عن ابن القاسم، فإنه قال: يرجع بقيمة [الدابة] (١) ولا يكون معه شريكًا فيها.
والثالث: أنه ينتقض من السَّلم بقدر ما استحق من رأس المال؛ إن كان الربع أو الخمس: سقط من [الفرس] (٢) ربعه أو خمسه، ويكون [ربه] (٣) بذلك القدر شريكًا في الفرس، وهو تأويل حمديس على المسألة، وهو مذهب سحنون، وهذا يأتي على مذهب أشهب، وأما على قول ابن القاسم: فلا؛ لأنه [منعه] (٤) في "كتاب العيوب" من الرجوع في عين [شيئه] (٥)، وإن كان قائمًا لأجل ضرر الشركة، إلا أن يحمل على أن ذلك منه اختلاف [قول] (٦).
فعلى القول بأنه يرجع بقيمة [ما استحق] (٧) في ذمة مشتري الفرس: فلا تفريع، وإن كان الجاري على أصول المذهب أن من باع عرضًا بعرض فاستحق العرض الذي أخذ أنه يرجع في عين شيئه إن كان قائمًا، إلا أن ابن القاسم اعتبر [على] (٨) هذا التأويل ما يدخل على مشتري الفرس من ضرر الشركة، وهو لم يدخل على ذلك، فلأجل ذلك أجابه بهذا الجواب، وقد نص في كتاب العيوب في مسألة العبد المشتري بالثوبين إذا [تعين] (٩) أدناهما؛ حيث قال ابن القاسم: فإنه
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: السلم.
(٣) في أ: له.
(٤) في أ: معه.
(٥) سقط من ب.
(٦) سقط من أ.
(٧) في ب: المستحق.
(٨) سقط من أ.
(٩) في أ: تعينت.
[ ٩ / ٤٣ ]
يرجع بقيمته، ولا يرجع في عين العبد، وإن كان قائمًا.
وعلى القول بأنه يرجع بقيمة المستحق في قيمة الفرس: فقد اختلف أصحابنا المتأخرون في صفة التقويم على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن يقوم الثوب المستحق، ويقوم الذي لم يستحق، فإن كان قيمة المستحق عشرة، وقيمة غير المستحق ثلاثين: قُوِّم الفرس على أنه يقبض إلى أجل من ذمة مثل بائعه بقيمته نقدًا، فما قوم به من شيء، فإن المستحق منه يرجع في ربع تلك القيمة، فيأخذها من مشتري الفرس نقدًا -قلَّت تلك القيمة أو كثرت- وهذا قول ابن المواز.
والثاني: أنه لا يُقَوَّم حتى يحل الأجل، فإذا حل الأجل قوم حالًا، وهذا القول حكاه القاضي أبو الفضل، ولم يسم قائله، وإلى مثله أشار أبو إسحاق التونسي في اعتراض أورده؛ لأنه عند حلول الأجل يدفع المسلم إليه الفرس، ومن يومئذ وقعت فيه الشركة المؤدية إلى الإضرار؛ فوجب أن يعطي ربع قيمته، أو ما وجب عليه منها يوم دفع الفرس، فقال أبو إسحاق التونسي: يحتمل أن يقال هذا إلا أن ظاهر "كتاب محمَّد" مخالف له.
والثالث: أنه إن تأخر الحكم بالقيمة بعد الاستحقاق حتى يحل الأجل، أخذ المشتري الفرس، ودفع قيمة ما [رجع] (١) من الفرس يوم يأخذه.
وإن كان قبل حلول الأجل: كان المسلم إليه بالخيار بين أخذه قيمة ذلك على أن يقبضه إلى بقية أجله، وإن أحب أمهل حتى يحل الأجل، ويقع التقابض، فيدفع القيمة ويأخذ الفرس، وهو اختيار اللخمي.
وعلى القول بأن المستحق منه يرجع شريكًا في الفرس بقدر قيمة ما
_________________
(١) في أ: وقع.
[ ٩ / ٤٤ ]
استحق من قيمة الفرس، هل يكون لمشتري الفرس أن يرده بعيب الشركة أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن له الرد، وهو الذي يأتي على قول ابن القاسم.
والثاني: أنه لا يُمكَّن من الرَّد، وهو الذي يأتي على مذهب أشهب.
وحكم ما بيع يدًا بيد حكم ما بيع إلى أجل في جميع ما ذكرنا في فصول هذه المسألة ووجوهها [والحمد لله وحده] (١).
فلو كان الثوبان أسلما في فرسين صفقة واحدة، والثياب في القيمة سواء: لوجب أن يسقط أحد الفرسين لاستحقاق أحد الثوبين، ويبقى عليه فرس إلى أجل، وإن كان كل ثوب له نصف [فرس، وليس له فرس كامل، فلا يضرنا ذلك؛ لأن كل ثوب له نصفًا] (٢) فرسين: فيجمعان له في فرس واحد؛ لاتفاق الصفة واتحاد الصفقة، ويجبر على الإتيان بالفرس كما لو أسلم إليه في نصف فرس، ثم أسلم إليه في نصف فرس مثل صفة الأول إلى مثل أجله: لأجبر على أن يأتيه بفرس كامل؛ كمن باع له بنصف دينار آخر لأجبر على أن يأتيه بدينار كامل.
وأما إن أسلم ثوبين في طعام فاستحق أحد الثوبين، وهما متكافئان فرضي بالباقي، فقال مشتري الطعام: قد ذهب إلى نصف ما اشتريت من الطعام [وقد قصدت كثرة ما اشتريت لرخصه] (٣)، إذا كثر فهل له حجة [في فسخ] (٤) البيع [كما لو استحق نصف الطعام
_________________
(١) زيادة من ب.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٩ / ٤٥ ]
أم لا؟، فإنه يتخرج على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنه له حجة في فسخ البيع] (١) كاستحقاق نصف الطعام.
والثاني: أنه لا حجة له في فسخه بخلاف الاستحقاق؛ لأن الاستحقاق وسببه من بائع الطعام، وبطلان نصف الطعام هاهنا سببه من قبل مشتري الطعام، وهو بائع الثوبين اللذين استحق أحدهما.
والقولان متأولان على المدونة، وكلاهما له وجه في النظر [تم الكتاب بحمد الله وعونه، والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من ب.
[ ٩ / ٤٦ ]
كتاب الشفعة
[ ٩ / ٤٧ ]