قال القاضي أبو بكر بن العربي: سمعت القاضي الريحاني - ﵁ - ببيت المقدس يقول: البيع والنكاح عقدان يتعلق بهما قوام الإنسان؛ وذلك أن الله - ﷿ - خلق الآدمي محتاجًا إلى الغذاء، مشتهيًا للنساء، وخلق له ما في الأرض جميعًا كما أخبر في صادق كتابه، ولم يتركه يتصرف لإقضاء شهواته، ويستمتع بنفسه باختياره، وتتعارض الشهوات، والعقل يقضي أن يكون هناك قانون ينفصل به وجه المنازعة، فالشهوة تسترسل بحكم الجملة، والعلائق مقيدة بحكم الشريعة، وجعل لكل واحد من المكلفين اختصاصًا يناله به الله مما له فيه النفع، وجعل له سببين:
أحدهما: منحه ابتداءً؛ وهو الاصطياد، والاحتشاش والاحتطاب، والاقتطاع، على اختلاف وتفصيل.
والثاني: تنقله من يد إلى يد، وهو على وجهين:
أحدهما: بغير عوض؛ وهو الهبة.
والثاني: على عوض؛ وهو البيع، وما في معناه، وهذا بابه، وله شروط كثيرة، ومفسداته أكثر؛ لما قضى الله أن يكون الفساد أكثر من الصلاح، والشر أضعافًا من الخير؛ ولذلك تمتلئ النار بأصلها، وتبقى الجنة خالية حتى ينشئ الله لها خلقًا آخر.
فإذا ثبت ذلك، فتحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتها إحدى عشرة مسألة.
[ ٦ / ٣٠٧ ]
المسألة الأولى في حد الصحيح والفاسد من البيع
فنقول: الفاسد عندنا غيابه عما لا حكم له في الشرع، وتحقيقه يتبين لك بتعاطي الانفصال عن السؤال عن حد الصحيح، وقد تكلم الأصوليون في ذلك، ونحن ذاكرون ما هو المذهب المختار عندنا:
فمن ذلك ما قاله الشافعي - ﵁ - في "الرسالة"، وذلك أنه قال: جماع ما يجوز به البيع عاجلًا وآجلًا أن يتعاقدا بتراضٍ منهما، لا بأمر منهي عنه، ولا عن أمر منهي عنه، فإذا تعاقدا على هذا وتفرقا بأبدانهما: لم يكن لأحدهما فسخه دون عيب يحده أو شرط يشترطه.
فقوله: "جميع ما يجوز به البيع عاجلًا وآجلًا أن يتعاقدا بتراضٍ منهما": يشمل الفاسد والصحيح.
وقوله: "لا بأمر منهي عنه" لم يخلص الأثمان من الناهي كالأعواض الفاسدة؛ مثل البيع بخمر أو خنزير أو ميتة، وما ضارع ذلك.
وقوله: "ولا على أمر منهي عنه": معناه ألا يكون الخلل راجعًا إلى اشتراط ما لا يجوز من الخيار العري عن الاختيار، أو يذكرا أجلًا مجهولًا.
فهذا هو البيع الصحيح عندنا، وما وراءه فاسد.
ولا فرق بين الفاسد والباطل عندنا وعند الشافعي؛ لاجتماعهما في الحد الذي أسلفناه، غير أنا نحن -معاشر المالكية- لا نقول بالتحرير والتقرير، "تفرقا بأبدانهما": ليس بمذهب لنا، وإنما هو مذهب الشافعي.
وأما الحنفية: فيفرقون بين الفاسد، والصحيح، والباطل، ويجعلون
[ ٦ / ٣٠٨ ]
الصحيح غاية في الدرجة.
والباطل: الغاية في الدرك، والفاسد: متوسط بين الأصلين؛ لأخذه شبهًا منها، وشبهيته بالباطل: كون الفاسد لا يفيد الملك قبل القبض كما لا يفيده الباطل قبل الملك وبعده.
وشبهيته بالصحيح: في كون الفاسد يفيد الملك قبل القبض كما أن الصحيح يفيد الملك قبل القبض وبعده.
والباطل هو بيع الخمر، والفاسد هو البيع بالخمر.
والخوض معهم محال على مسائل الخلاف.
وأما القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب فقد أنصف إذ قال: الذي يراد بالفاسد والباطل: هو أنه إذا تعلق بعبادة، فإن كانت مفروضة: فإن الذمة لم تبرأ من وجوبها، وإن كانت مسنونة لم تقع موقع الذي أريد بها، وإن كان متعلقًا بعقد: فإنه لا يثمر إباحة التصرف ولا ما يستباح به إذا وقع على الوجه المأذون فيه، وليس مع ذلك أن تقوم دلالة على أن النهي في بعض المواضع لا يوجب ذلك، ولكنه كالخارج عن الأصل.
والحمد لله وحده.
[ ٦ / ٣٠٩ ]
المسألة الثانية في تقاسيم البيع الفاسد
وهو ينقسم إلى أربعة أقسام:
منها ما كان فساده في عقده.
ومنها ما كان فساده في ثمنه أو مثمونه.
ومنها ما يرجع فساده إلى حالة المتعاقدين.
ومنها ما كان فساده من شروط مقترنة به.
فأما ما كان فساده في عقده: كبيع يوم الجمعة وقت النداء، أو البيع في بقعة مغصوبة، أو بيع التفرقة، وما أشبه ذلك: فالبيع في ذلك كله فاسد مع القيام وفاقًا.
وفي الفوات: يمضي بالثمن عند الجمهور، وبالقيمة عند الأقلين عددًا ودليلًا، وكل المذهب والتوجيه ظاهر، غير أن ما يكون الفوات يختلف باختلاف أنواع المبيعات، على ما هو مسطور في الأمهات.
وأما ما يرجع فساده إلى ثمنه أو مثمونه؛ كالبيع بثمن مجهول المقدار أو مجهول الجنس، أو مجهول الصفة، أو كان المثمون مجهول المقدار، أو مجهول الجنس، أو مجهول الصفة، أو قبضه مجهول؛ إما لكونه بيد غاصب لا يقدر عليه، وإما لكونه بيع إلى أجل مجهول، أو بيع الخمر أو ابتياعه: فالبيع في ذلك كله مردود على القيام، ويمضي مع الفوات بالقيمة.
وأما ما يرجع فساده إلى حال المتعاقدين؛ كبيع العبد السفيه، وبيع
[ ٦ / ٣١٠ ]
الفضول: فذلك موقوف على إجازة من له الولاية والتصرف مع القيام اتفاقًا، ومع الفوات على الخلاف؛ لما في ذلك من فسخ القيمة بالثمن فصار الربا إن كان الثمن عينًا، وفسخ الدين في الدين إن كان الثمن عرضًا.
وإن كان مؤجلًا دخله الشراء بالقيمة، وذلك غرر وخطر؛ لأنه مخير بين أخذ القيمة أو الثمن على قول، وقد يختار القيمة أولًا، ثم يفسخها في الثمن ثانيًا.
وأما ما يرجع فساده إلى شروط اقترنت به: فذلك على أربعة أوجه:
منها ما يبطل البيع، والشرط معًا.
ومنها ما يصح فيه البيع والشرط معًا.
ومنها ما يصح فيه البيع، ويبطل الشرط.
ومنها ما يمنع فيه البيع والشرط، إلا أن يسقط مشترط الشرط شرطه.
فأما ما يبطل فيه البيع والشرط معًا: فهو ما يؤول فيه الشرط إلى الغرر في الثمن أو المثمون: يفسخ مع القيام، ويمضي بالقيمة مع الفوات ما بلغت، ولا إشكال في ذلك.
فأما ما يجوز فيه البيع والشرط جميعًا؛ مثل أن يبيع دارًا ويستثنى سكناها سنة، أو باع دابة واستثنى ركوبها يومًا أو يومين أو ثلاثة.
فأما ما يجوز فيه البيع ويبطل الشرط؛ مثل أن يبيع منه سلعة على أنه إن لم يأته بالثمن إلى أجل كذا فلا بيع بينهما: فقال مالك: البيع جائز، والشرط باطل.
وأما ما يبطل فيه البيع والشرط، إلا أن يسقط مشترط الشرط شرطه؛ مثل أن يبيعه سلعة على أن يسلفه، أو على أن يتخذها أمّ ولد إن كانت
[ ٦ / ٣١١ ]
أمة، أو على ألا يهب ولا يبيع: فمشهور المذهب أن البيع جائز، والشرط باطل إذا أسقط من له الشرط شرطه.
وهذه الوجوه كلها في "المدونة" منصوصة، وعلى هذا التنزيل يصح استعمال الأحاديث الواردة عن رسول الله - ﷺ -؛ وذلك أنه روي عن رسول الله - ﷺ - أربع أحاديث:
حديث جابر بن عبد الله قال: "ابتاع مني رسول الله - ﷺ - بعيرًا واشترط [عليَّ] (١) ظهره إلى المدينة" (٢) والحديث صحيح، خرجه أئمة الصحاح.
وبهذا الحديث أخذ من جوز البيع والشرط جملة بلا تفصيل، وهو ابن شبرمة.
والحديث الثاني: حديث بريرة إلى رسول الله - ﷺ - قال: "كل شرط ليس في كتاب الله - ﷿ - فهو باطل ولو كان مائة شرط" (٣).
والحديث متفق على صحته، وبه قال ابن أبي ليلى أن البيع جائز، والشرط باطل في جميع بياعات الشروط.
والحديث الثالث: ما روي عن أبي حنيفة أنه روي أن رسول الله - ﷺ -: "نهى عن بيع وشرط" (٤).
وبه قال الشافعي وأبو حنيفة في بطلان بياعات الشروط عمومًا.
_________________
(١) في أ: إليَّ.
(٢) أخرجه البخاري (٢١٨٥) ومسلم (٧١٥).
(٣) أخرجه البخاري (١٤٧٧) ومسلم (١٥٠٤).
(٤) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٤٣٦١) من طريق أبي حنيفة، وأخرجه النسائي (٤٦٢٩) من طريق حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا، وصححه الشيخ الألباني ﵀.
[ ٦ / ٣١٢ ]
والحديث الرابع: ما خرجه أبو داود عن عمرو بن العاص أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا يحل بيع وسلف، ولا يجوز شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن" (١).
وبهذا الحديث قال من جوز البيع مع شرط واحد، ولم يجزه مع الشرطين، وهو أحمد بن حنبل - ﵁ - فتعارضت مذاهب الفقهاء لتعارض هذه الأحاديث.
وأما مالك - ﵁ - فقد استعمل الأحاديث كلها، على ما قدمناه وفصلناه أي تفصيل.
واستعمل الأحاديث مع القدرة على ذلك أولى بالترجيح؛ لأن الترجيح إلغاء كلام صاحب الشرع، ولا سبيل إلى تركه مع إمكان استعماله، وبهذا وأمثاله رأي أصحابه أن مذهبه أولى المذاهب، وهو بها أقوم قيلًا، وأهدى إلى الحق سبيلًا، والحمد لله وحده.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٥٠٤) والترمذي (١٢٣٤) والنسائي (٤٦١١) وأحمد (٦٦٧١) من حديث أيوب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى.
[ ٦ / ٣١٣ ]
المسألة الثالثة في البيع الفاسد هل ينقل الملك؟
فذهب الشافعي إلى أن البيع الفاسد لا ينقل الملك، ولا يغير شبهة ملك، لا مع القيام ولا مع الفوات، وأن حكمه: الرد على كل حال.
ومذهب أبي حنيفة في ذلك كمذهب مالك - ﵄ - ونحن نذكره إن شاء الله تعالى.
ولا خلاف في البيع أن البيع الفاسد لا ينقل الملك مع القيام وقبل القبض.
واختلف هل يفيد شبهة الملك أم لا؟
واختلف القائلون بأنه يفيد شبهة الملك هل يفيدها بالعقد أو بالقبض؟
وفائدة ذلك وثمرته: إذا تصرف المشتري في المبيع بما يكون فواته وهو في يد البائع، هل يكون ذلك فوتًا يوجب القيمة على المشتري وإن لم يقبضها على قولين قائمين من "المدونة" من "كتاب العيوب"، وهما منصوصان في المذهب.
أحدهما: أنه [يفيتها] (١) بالعقد، وهو قوله في "كتاب العيوب" إذا تصرف بها قبل أن يقبضها أن القيمة تجب عليه، والبيع كالصدقة.
والثاني: أن تفويته [لا] (٢) يكون فوتًا إلا بعد القبض، وهو ظاهر قوله في "كتاب العيوب"؛ حيث جوز البيع إذا كان المشتري الأول قد قبضها، فظاهر هذا أنه إذا لم يقبضها لا يكون تصدقه فوتًا.
_________________
(١) في أ: يفيدها.
(٢) سقط من أ.
[ ٦ / ٣١٤ ]
واختلفوا في العتق قبل القبض على قولين:
أحدهما: أنه يكون فوتًا، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه لا يكون فوتًا، لأنه أعتق ما في ضمان غيره، وهو قول أشهب.
واختلف في نقد الثمن، أو التمكن من قبض السلعة وإن لم ينقد الثمن هل يكون ذلك كقبض السلعة وتدخل في ضمان المشتري بذلك على قولين:
أحدهما: أنه بالنقد أو التمكن تدخل في ضمانه، وهو قول أشهب وابن القاسم يخالفه في ذلك.
فإن قبضها فلا تخلو من أن تكون قائمة، أو فائتة.
فإن كانت قائمة بيد المشتري: فلا يخلو فساده من أن يكون متفقًا عليه، أو مختلفًا فيه.
فإن كان فساده متفقًا عليه هل يرد البيع أو يمضي؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يرد البيع مع القيام، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنه يمضي بالقبض والرد استحسان، وهو قول محمَّد بن مسلمة.
وعلى القول بأن الرد واجب مع القيام، فهل يجوز فيها تصرف البائع وهي في يد المشتري؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن تصرفه فيها جائز بالعتق وغيره، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الصدقة" من "المدونة" قال: إن البيع الفاسد إذا فسخ فإنما يرجع العبد إلى البائع على الملك الأول.
[ ٦ / ٣١٥ ]
والثاني: أن تصرف البائع في السلعة بعدما قبضها المشتري غير نافذ؛ لأنه تصرف لما هو في ضمان المشتري وهو قول أشهب.
وينبني الخلاف: على الخلاف في البيع الفاسد هل يفيد شبهة الملك للمشتري بعد القبض وقبل الفوات، أو إنما يفيد الملك؟
فعلى القول بأنه يفيد الملك: فلا يجوز تصرف البائع؛ لأنه تصرف فيما هو في ملك غيره، وهو قول أشهب في هذه المسألة، وهو جنوح إلى مذهب محمَّد بن مسلمة الذي يقول: الرد بعد القبض استحسان.
وعلى القول بأنه يفيد شبهة الملك: فإنه يجوز تصرف البائع والمشتري، فمن سبق منهما بالتصرف كان فعله ماضيًا.
وإن كان فساده فسادًا مختلفًا: فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها بالعقد تدخل في ضمان المشتري.
والثاني: أنها لا تدخل في ضمانه إلا بالقبض.
فعلى هذين القولين: لا يجوز فيها تصرف البائع؛ إما بعد العقد على قول، وإما بعد القبض على آخر.
والثالث: أنها لا تدخل في ضمانه إلا بعد الفوت.
وعلى القول بأنها لا تدخل في ضمانه إلا بالفوات، فإذا فاتته بعد القبض، فما الذي يجب فيها؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن المشتري يضمنها بالثمن.
والثاني: أنه يضمنها بالقيمة.
وإن كان فساده فسادًا متفقًا عليه، هل يدخل في ضمان المشتري ويفيده
[ ٦ / ٣١٦ ]
ذلك البيع ملكًا تامًا أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: يفيده الملك التام، وهو مشهور المذهب.
والثاني: التفصيل بين الربا وغيره؛ فيفيد الملك فيما عدا الربا بعد الفوت، والربا يرد على كل حال -تغيرت السلعة أو لم تتغير- وهي رواية ابن وهب عن مالك.
والثالث: أنه لا يفيد الملك، وأن ذلك لا يخرج الملك من ضمان بائعة، وأن حكمه في يد المشتري حكم الرهن فيما لا يغاب عليه الضمان فيه من البائع، إلا أن يكون التلف بسبب المشتري.
وما يغاب عليه: فالضمان فيه من المشتري إلا أن يقيم بينة على الضياع بغير سببه، وهو مذهب سحنون.
فإذا ثبت بالفوات الموجب للقيمة على مشهور المذهب يختلف باختلاف المبيعات.
ولا خلاف في المذهب أن حوالة الأسواق فيما سوى الدور والأرضين والمكيل والموزون من سائر العروض والحيوان فوت يوجب القيمة على المشتري.
واختلف في الدور والأرضين على قولين:
أحدهما: أن حوالة الأسواق فيهما ليست بفوت، وهو مذهب "المدونة" وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنها فوت فيهما، وهو قول أشهب، ومحمد بن عبد الحكم.
[ ٦ / ٣١٧ ]
وفي المكيل والموزون قولان:
أحدهما: أن حوالة الأسواق ليست بفوت -لا مع بقاء عينة ولا مع ذهابه- وأنه لا يفيته وجه من وجوه الفوت؛ لأن مثله يقوم مقامه، وهو مذهب المدونة، وهو المشهور في النقل.
والثاني: أن حوالة الأسواق فيه فوت، وهو قول ابن وهب وغيره من الأصحاب، وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق التونسي وغيره من حذاق المتأخرين، وهو الأظهر في النظر؛ لأن وجود المثل كقيام العين في الفوت؛ لأن العلة التي علل بها مالك -﵀- في وجوب الضمان بحوالة الأسواق وهو موجود في المكيل والموزون؛ وذلك أن الضرر يدخل على أحدهما في المكيل والموزون، كما يدخل عليه في العروض، وذلك الضرر هو الزيادة في القيمة أو النقصان منها والعلة شاملة للجميع.
وأما إن باعها قبل الرد بيعًا صحيحًا، فهل يكون فوتًا؟
فلا يخلو من أن يبيع بعد العلم بفساد البيع، أو قبل أن يعلم.
فإن باع بعد العلم بالفساد: فلا يفيد ذلك البيع الفاسد باتفاق المذهب، ويؤخذ من المدونة من مسألة السيف المحلَّى في "كتاب الصرف".
فإن باعها ولم يعلم بفساد البيع: فالبيع يكون فواتًا ما لم يشترها بعد بيعه إياها وهي قائمة ما لم تفت، ولا تغيرت عن حالها.
فإن تغيرت: فالقيمة قد وجبت ببيعه.
فإن لم تتغير فهل ترد السلعة ويفسخ البيع الأول، أو يكون بيعه إياها فوتًا؟
[ ٦ / ٣١٨ ]
فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: أن البيع الأول مفسوخ، والبيع الثاني كأنه لم يكن، وكأنها لم تخرج من ملكه منذ اشتراها، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن القيمة قد وجبت بعد البيع الثاني، ويكون فواتًا، ولا ينظر إلى ما حدث بعد ذلك من الشراء، وهو قول أشهب في "المدونة".
ويلزم ابن القاسم أن يقول مثل قول أشهب من مسألة الهبة، وقد قال في "كتاب الهبات": إذا وهبها على ثواب، ثم باعها الموهوب له، ثم اشتراها فأراد ردها على الواهب، وهي قائمة لم تفت:
فقال ابن القاسم: تلزمه قيمة الهبة، ولا رد له وإن عادت إلى ملكه على صفاتها.
ويلزم من ظاهر قوله في حوالة الأسواق أيضًا إذا عادت إلى مثل سوقها الأول قبل أن يحكم عليه بالقيمة أن يردها، كما قال في البيع؛ إذ لا فرق بينهما في المعنى.
فيتخرج من المدونة في البيع قولان، وفي حوالة الأسواق قولان، وفي الهبة قولان، غير أن قوله في مسألة الهبة أظهر؛ فإن المعتبر في الهبة هي ما يعد منه رضا بالثواب، فإذا صرح به، أو فعل في الهبة فعلًا يعمل على الرضا بالقبول: لزمه العوض، بخلاف البيع الفاسد الذي هو حق لله تعالى، ولا يتوقف فيه الفسخ على رضا المتبايعين.
وأما حوالة الأسواق: فذلك فيها لازم، وقد خرق، بعض المتأخرين بينها وبين مسألة البيع بفرق لا يبدئ ولا يعيد، وقال: الفرق بينهما أن السلعة في البيع الثاني قد عادت إلى الملك الأول فكأنها لم تخرج منه،
[ ٦ / ٣١٩ ]
والسلعة في حوالة الأسواق لم تعد إلى أسواقها الأول، وإنما عادت إلى مثلها، وأما السوق الأولى فقد ذهبت وانقضت فلا تعود أبدًا.
وما قاله صحيح من وجه أن ما مضى من الأزمان لا يعود بحال، ويلزمه في الملك مثل ذلك؛ لأن الملك الأول غير الثاني، والعهدة تتعدد بتعدد الملك، كان من شخص أو أشخاص، وذلك لازم لابن القاسم لزوم القرط للأذن.
والحمد لله وحده.
[ ٦ / ٣٢٠ ]
المسألة الرابعة في شراء القَصِيل (١)
ولا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون القصيل في حد لا يقع به الانتفاع.
والثاني: أن يبلغ حدًا يقع به الانتفاع لصغره فهل يجوز البيع أم لا؟
يتخرج على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: الجواز، وهو ظاهر قوله في "كتاب بيع الغرر" وفي "كتاب الشفعة"؛ حيث جوز شراء [] (٢).
والثاني: المنع، وهو ظاهر قوله في "كتاب بيع الغرر" أيضًا؛ حيث قال: لا يجوز أن يبيع عشرة أذرع في الهواء فوق عشرة أذرع من هواء فوق سطح رجل، وهو نص قوله في "كتاب البيوع الفاسدة".
وسبب الخلاف: ما يجوز تملكه والانتفاع به هل يجوز بيعه أم لا.
فأما إذا بلغ حدًا يقع به الانتفاع، فلا يخلو من وجهين:
إما أن يشتري الرأس بانفراده، أو اشترى واشترط الخلفة.
فإن المشترى الرأس بانفراده: فلا يخلو من أن يشتريه على الجز، أو على التأخير.
فإن اشتراه على الجز فتحبب قبل الفراغ من قصله، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
_________________
(١) هو ما اقتصل من الزرع أخضر.
(٢) غير واضحة بالأصل.
[ ٦ / ٣٢١ ]
إما أن يكون ذلك منه على معنى الغلبة والإضرار؛ مثل أن يشرع في قصله فلم يفرغ منه حتى غلبه الحب: فالبيع مفسوخ بينهما فيما تحبب.
فإن كان ذلك على معنى الترفه والاختيار؛ مثل أن يشغله المشتري وخشي ألا يسعفه البائع بالإقالة إن طلبها فالتمس حيلة يفسخ بها البيع عن نفسه فتوانى في قصله حتى تحبب، هل يلزمه البيع، أو يفسخ؟
قولان منصوصان في المذهب:
أحدهما: أن البيع مفسوخ.
والثاني: أن البيع نافذ.
والقولان عن مالك في "العتبية" و"الموازية".
وسبب الخلاف: السبب في اكتساب أمر يؤثر في بطلان العقد الواقع على نعت اللزوم والانبرام هل يعاقب بنقيض مقصوده فيوفر على العقد ما يقتضيه حين وقوعه، أو يناط الحكم بمآله وعاقبته؟
وأما إذا أبهم الأمر، وجهل السبب الموجب للتراخي إلى أن تحبب: فالبيع مفسوخ كما لو علم السبب وكان اضطرارًا.
وأما إن اشتراه على التأخير، فإن كان تأخيرًا يسيرًا لا منفعة فيه للمشتري ولا مضرة على البائع: فالبيع جائز، والشرط باطل، ويؤمر بالشروع في الرعي والجز.
فإن اشترط تأخيرًا تحصل به المنفعة للمشتري؛ مثل أن يقصد بذلك زيادة التسور، أو يقصد بذلك مضرة البائع؛ كاشتراط التأخير إلى مدة يتحبب فيها القصيل: فالبيع باطل بالاتفاق.
فإن اشتراه واشترط الخلفة في عقد واحد، أو اشترى الخلفة في عقد
[ ٦ / ٣٢٢ ]
آخر قبل الشروع في الجز، أو بعده، وقبل الفراغ منه، فهل يجوز هذا البيع أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز، وهو نصه في المدونة.
والثاني: المنع، وهو ظاهر المدونة من غير ما موضع، وهو ظاهر قوله في "كتاب محمد".
وسبب الخلاف: اختلافهم في المتبوعات هل تراعى، أو لا تراعى.
وعلى القول بجواز البيع، فإذا شرع في جز الرأس، وغلبه الحب قبل الفراغ: فلا يخلو ذلك من أن يكون في الرأس، أو في الخلفة بعد أن جز الرأس.
فإن كان ذلك في الرأس: فلا يخلو ما تحبب من أن يكون متميزًا، أو مخلطًا.
فإن كان متميزًا: فالبيع منتقض في ذلك القدر، ويسقط على المشتري ما ينوبه من الثمن، ويعرف ذلك بالقباس والدرع إن تساوى في الجودة والدناءة، والخفة والالتفاف من غير اعتبار بالخلفة.
فإن كان مما تحبب مختلطًا في القصيل غير متميز: فالبيع مفسوخ في الجميع.
فأما إذا جز الرأس جميعه، ثم تحبب الخلفة أو بعضها: فلابد من التقويم في هذا الوجه حتى يعرف القدر الذي يسقط عن المشتري من الثمن، ثم يقوم الرأس على ما عهد من تشاحح الناس فيه وحرصهم عليه في أوله، وتقوم الخلفة في زمانها على ما هي عليه من قلة الرغبة فيها واستغناء أكثر
[ ٦ / ٣٢٣ ]
الناس عنها إما لكثرة العشب، أو لاتساع الناس، إما لقلة منفعة القصيل للدواب حينئذ، ولا يلتفت إلى غرة ونبات الخلفة، ولا إلى التفافها، وإنما الاعتبار فيها بالقيمة؛ فإن كانت قيمة الرأس الثلثين، وقيمة الخلفة الثلث: وضع عن المشتري ثلث الثمن؛ مثل أن يشتري ثانيًا عشر دينارًا الرأس والخلفة جميعًا، فوجدنا قيمة الرأس في زمانه عشرة دنانير، والخلفة قيمتها في زمانها خمسة دنانير، فقد علمت أن الخلفة الثلث فيسقط الثمن على ذلك، ويسقط عن المشتري الثلث، وكذلك الحكم فيما قلَّ من الأجزاء أو أكثر، وعلى هذا يحسب.
والحمد لله وحده.
[ ٦ / ٣٢٤ ]
المسألة الخامسة في شراء العبد بشرط العتق
وشراء العبد بشرط العتق جائز عند مالك وجميع أصحابه، خلافًا لأبي حنيفة؛ فإن ذلك لا يجوز عنده؛ لأن مقتضى العقد التصرف الدائم، وهذا الشرط يصادمه.
وهذا الذي احتج به الحنفي لا يؤثر.
وإذا سلمت أركان العقد ولواحقه فلا يحتفل بما عدا ذلك.
والأركان في هذه القصور مسالمة له من موجبات الفساد، واللواحق كذلك.
ومن اللواحق اشتراط البائع العتق على المشتري؛ إذ ليس في ذلك أكثر من أن البائع وضعه يده عن عبده ولأجل ذلك الشرط، ولا غرر في ذلك.
ثم لا يخلو شرطه من أربعة أوجه:
أحدها: أن يبيعه على أنه حر.
والثاني: أن يبيعه على أن [المشتري] (١) يعتقه.
والثالث: أن يبيعه على أن المشتري بالخيار في العتق المشترط عليه.
والرابع: أن يشترط البائع العتق من غير أن يقيده بإيجاب أو خيار.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا باعه على أنه حر: فالعبد حر بنفس الشراء، ولا خيار في ذلك للمشتري، ولا يحتاج إلى تحديد عتق، وأنه إن
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٦ / ٣٢٥ ]
مات بفور العقد: مات حرًا يورث ويرث، ولا خلاف في ذلك في المذهب.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا باعه على أنه يعتقه المشترى: فإنه لا يعتق بنفس الشراء في هذا الوجه، وإنما يعتق بعتق جديد، لكن المشتري يجبر على العتق؛ لأنه على إيجاب العتق اشترى، فإما أعتقه، وإلا أعتقه عليه السلطان.
والنقد في هذين الوجهين جائز بشرط وبغير شرط.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا باعه على أن المشتري بالخيار في العتق المشترط عليه؛ فإن اشترط البائع النقد: فالبيع مفسوخ؛ لأن الثمن متردد بين البيع والسلف.
فإن لم يشترط النقد: فالبيع جائز، وللمشتري الخيار مقدار ما يستخير فيه ويستشير؛ كما لو اشتراه بالخيار من غير شرط العتق.
والجواب عن الوجه الرابع: إذا اشترى بشرط العتق مطلقًا من غير تقييد بإيجاب ولا خيار، هل الحكم يوجب الخيار للمشتري في عتقه كما لو اشترطه، أو يحكم عليه بعتقه؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن الخيار في ذلك للمشتري؛ فإن شاء أعتق وإن شاء ترك، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه يجبر على العتق، ويحكم عليه به؛ كما لو اشتراه على إيجاب العتق، وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف: إطلاق الشرط هل يقتضي إيجاب العتق على المشتري ولابد من القرينة إما لفظية أو حكمية؟
[ ٦ / ٣٢٦ ]
وعلى القول بأن الشرط لا يقتضي إيجاب العتق وأن ذلك يرجع إلى خيرة المشتري فلا يخلو العبد من أن يكون قائمًا، أو فائتًا.
فإن كان قائمًا: فلا يخلو من أن يقوم عليه البائع شرطه في القرب أو بعد طول وتراخ.
فإن قام عليه بالقرب: فالخيار للمشتري؛ إما أن يعفو أو يترك، فإن أعتق: فقد تم المراد، فإن أبى: رجع الخيار إلى البائع؛ إما أن يترك الشرط فيبقى البيع بينهما، أو يلح على حقه فيفسخ البيع ويرجع إليه عبده، والنقد لا يجوز في هذا الوجه بشرط أيضًا كما لو كان نطقًا.
فإن قام عليه البائع بعد طول أو تراخ: فلا حجة للبائع، لا في عتق، ولا فيما وضع لأجل الشرط، ويُعدُّ السكوت منه رضًا بترك مقتضى الشرط.
فإن فات العبد: فلا يخلو فواته من أن يكون فوات عين، أو فواتًا يرجع إلى الذات، أو فواتًا يرجع إلى الصفة.
فإن كان فوات عين: فلا يخلو من أن يموت بقرب البيع، أو بعد طول وتراخ.
فإن مات بقرب البيع: فالضمان من المشتري؛ لأنه على القبول حتى يرده، ولا شيء عليه للبائع مما وضع من الثمن لأجل الشرط؛ لأن التفريط في العتق لم يكن من جهة المشتري.
فإن فات بعد طول وتراخ: فلا يخلو البائع من أن يكون عالمًا بفعل المشتري، أو غير عالم.
فإن كان عالمًا: فلا شيء عليه للبائع من الحطيطة؛ لأن ترك المطالبة من البائع بمقتضى الشرط يؤذن بإسقاطه.
[ ٦ / ٣٢٧ ]
فإن لم يعلم: فله الرجوع عليه بما حط من الثمن.
فإن كان فواتًا يرجع إلى نقصان الذات؛ كقطع يد، أو فقء عين، أو ما في معناه، فإن حدث ذلك بقرب البيع: فالخيار في ذلك للمشتري بين أن يعتقه معيبًا، ثم لا شيء عليه للبائع، أو لا يعتقه ويغرم الحطيطة للبائع.
فإن حدث ذلك بعد طول، فإن علم البائع بأن المشتري أخل بشرط: فلا شيء له عليه، فإن لم يعلم: فالخيار له بين أن يرضى بعتق المشتري على تلك الحالة، ثم لا شيء له عليه، أو يرجع عليه بما وضع من الثمن، ويكون العبد رقيقًا للمشتري.
فإن كان فواتًا يرجع إلى الصفة بحوالة سوق بعد طول وتراخ هل هو فوت، أو ليس بفوت؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه فوت، وهو قوله في "كتاب ابن الموَّاز"، وفي "واضحة" ابن حبيب.
والثاني: أنه ليس بفوت، وهو قول أصبغ.
وفائدة ذلك: أنا إذا قلنا: إن حوالة الأسواق فوت: فلا شيء للبائع على المشتري من وضيعة الثمن مع علمه بما فعل، فإن لم يعلم: فله عليه الرجوع بمقدار ما وضع من الثمن.
فإن قلنا: إن حوالة الأسواق ليست بفوت: فإن الخيار يرجع إلى المشتري بين أن يعتق ولا شيء عليه للبائع، أو يرد العبد، إلا أن يشاء البائع أن يسقط شرطه فيكون البيع لازم للمشتري، ويكون ذلك له.
ومن مات من المتبايعين فورثته يقومون مقامه، وهذا إذا اشتراه بشرط العتق الناجز.
[ ٦ / ٣٢٨ ]
وأما إذا اشتراه بشرط العتق المؤجل؛ إما الكتابة، أو التدبير، أو إيجاد أمّ ولد، أو عتق إلى أجل: فهذا البيع باطل ولا يجوز؛ لأن البائع وضع لأمر يكون أو لا يكون، وذلك غرر وخطر، وحكمه حكم البيع الفاسد فيما يقع به الفوات من حوالة الأسواق وغيرها.
واختلف إذا أسقط البائع شرطه هل يجوز على ما قدمناه من الخلاف والتفصيل في مسألة البيع والسلف حرفًا حرفًا في القيام والفوات.
والحمد لله وحده.
[ ٦ / ٣٢٩ ]
المسألة السادسة في بيع المواشي العَادِيّة
اعلم أن الحيوانات تنقسم إلى مطبوع على العدوان محمول على الطغيان، وإلى ما هو محمود الأخلاق وقليل الانقلاب عند الإطلاق من القيد والوثاق.
فما كان منها مطبوعًا على الانفلات والشراد ضاربًا بالفساد: فأربابها مخيرون بين أن يحبسوها ويكفوا إذايتها عن العباد، وإلا بيعت عليهم وغربت في البلاد بحيث لا زرع ولا حصاد، ولا حائط ولا جدار بعد التبيان للمشتري عند البيع أنه يصول وصوره يطول على الفساد مجبول، والدليل الدال على العربية معقول ومنقول، فقاس العلماء على هذه المسألة رجلًا شريرًا إذا سكن بين القوم، وكان يؤذيهم في أموالهم وعيالهم إما بيده أو بإطلاق لسانه بالطعن في أعراضهم والسير في أشرافهم، أو كان رجلًا معيانًا وصافًا يؤذي الجيران في مواشيهم وسائر أموالهم، ولا تكاد عينه [تقع] (١) على شيء إلا أهلكته وأمرضته، فحكموا فيمن هذه سيرته وصفته أن تباع أرضه وداره، أو يكرى عليه ويغرب بين أظهر الجيران، أو ينفي عن محلتهم، فكان ذلك واجبًا على الإمام أن يدفع عنهم ضرره، ويكفيهم مؤنة أذيته.
فإن لم يكن هناك سلطان، فالجماعة العادلة تقوم مقامه.
وقد نص صاحب الشرع نبينا محمَّد - ﷺ - على ما ظهرت منه الروائح الكريهة أنه لا يقرب المساجد لأجل إذاية المصلين برائحته، فحكم - ﷺ -
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٦ / ٣٣٠ ]
بسقوط حقه من المسجد الذي هو شركه لسائر المسلمين، ومنعه من إتيانه مع عموم الأمر بعمارة المساجد، والوعيد الشديد من العزيز الحميد لمن سعى في خراب المساجد، وتصدى بصد القاصدين إلى هذه المشاهد، وكان رسول الله - ﷺ - مفسرًا لمجمل القرآن، ومخصصًا لعموم الفرقان على حسب ما أمر في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١) فحكمه حكم المتبع. فمهما قال أو فعل أو أقر ما فُعل أو قيل بين يديه، وجب امتثال ذلك علينا والعمل بمقتضاه، فإذا حكم رسول الله - ﷺ - بقطع حق امرئ مسلم بسبب فعل مباح، وأكل بقلة لا حرج عليه في أكلها، ولا إثم في الإلمام بها لكونها حلالًا طيبًا، والله تعالى يقول: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ (٢) غير أن ذلك الأكل والفعل يتضمن إذاية المؤمنين في المساجد، فبأن يحكم على من عدى على أهل محلته باللسان وأساء إليهم في المعاشرة والجوار مع عموم الأزمان ببيع ريعه وعقاره، أو إكرائه ويغربه عن وطنه، وينفي عن مسقط رأسه أولى وأحق؛ كما فعل رسول الله - ﷺ - بفاطمة بنت قيس حين أسقط لها السكنى من بيت زوجها، وأمرها أن تعتد عند ابن أم مكتوم، على ما قال سعيد بن المسيب ﵁ من أنها كانت امرأة سيئة تؤذي أحماءها بلسانها، فأسقط الحق الواجب بالكتاب المبين لأجل ما ظهر منها من البذاء المهين، وإذاية المؤمنين، فحرمه بالإجماع وهو أظهر من أن نطنب فيها بإيراد الأدلة.
والجواب عن الوجه الثاني من الحيوان: وهو ما كان منها محمود الأخلاق، وقليل الانفلات والانطلاق: فهذا الوجه هو الذي ورد فيه الحكم
_________________
(١) سورة النحل الآية (٤٤).
(٢) سورة المؤمنون الآية (٥١).
[ ٦ / ٣٣١ ]
عن رسول الله - ﷺ - في ناقة البراء بن عازب أن ما أفسدت المواشي بالليل: فعلى أربابها، وما أفسدت بالنهار: فلا شيء عليهم (١).
إلا أن هذه القضية لا تحمل على ظاهرها، ولابد من تقييد إطلاقها وتخصيص عمومها ولا شك أن حذاق متأخري مذهب مالك خصصوا هذا العموم بالقياس، وتأولوه تأويلًا يعود بالمصلحة على عامة الناس، وقالوا: معنى قوله - ﷺ - فيما أفسدت بالنهار فلا شيء على أربابها: إنما ذلك إذا [شيعها] (٢) أهلها حتى وصلت إلى الصحراء، وأخرجوها من بين البساتين والمزارع فتركوها حتى يغلب على الظن أنها لا تصل إلى الفساد، فهذا الذي أراد - ﷺ - بإسقاط الضمان عن أصحابها إن هي هامت على وجهها حتى وقعت في حائط أو زرع.
وأما إذا تركوها ترعى بين الأجنة أو قربها بغير راعٍ، وانقلبوا إلى بيوتهم: فلا شك أن أصحابها ضامنون ما أفسدت بلا شك ولا إشكال.
فإن كان معها رعاة فهم ضامنون، سواء رعوا بأجر أو بغير أجر.
وإن كان الراعي عبدًا مملوكًا، أو صبيًا صغيرًا: فذلك منهما جناية، ويخير سيد العبد بين أن يفديه أو يسلمه.
والصبي غير البالغ يكون ذلك في ذمة من استرعاه، أو في ماله هو وإن كان هو المخترع لذلك من [غير] (٣) أن يلقنه أحد.
وأما ما أفسدته بالليل: فلا يخلو من أن يكون ذلك بتفريط وتضييع من
_________________
(١) أخرجه مالك (١٤٣٥) وابن ماجه (٢٣٣٢) وأحمد (٢٣٧٤١) والدارقطني (٣/ ١٥٦) والبيهقي في "الكبرى" (١٧٠٦٦)، من طرق، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى.
(٢) في أ: شيعوها.
(٣) سقط من أ.
[ ٦ / ٣٣٢ ]
أربابها أم لا؟
فإن كان ذلك بتفريط؛ مثل أن يطلقوها بالليل ترعى، وأهملوا أمرها، ولم يحتفظوا على صيانتها: منهم ضامنون لما أفسدت، ولا خلاف في ذلك.
وإن حبسوها وقيدوها وصانوها، ثم انفلتت وأفسدت: فلا ضمان عليهم؛ لأنهم فعلوا غاية المقدور، وذلك خيار ساقط عن درجة الاعتبار.
وعلى الوجه الذي يكون فيه الضمان فيما أفسدت، ما الذي يُضمن؟
فذلك يختلف باختلاف ما أفسدت؛ فإن أفسدت زرعًا أو عدا فدلواه الجرين، فعلى أربابها غرم الملكية إن عرفت، أو القيمة إن جهلت.
فإن أفسدت ذلك قائمًا، أو أفسدت بقلًا، أو قرطًا، أو قصبًا.
فأما البقول والقرط والقصب: فإنه ينظر، فإن بلغ أن يزرع فهو كالزرع، والثمر على سواء، فها أنا أتكلم على الحكم فيهما إن شاء الله تعالى.
إذا وقع الفساد قبل الإدراك: فإنهما يقومان على الرَّجاء والخوف، يقال: ما يساوي هذا الزرع وهو أخضر لو جاز بيعه على أن يشتري على هذه الصفة، ويسلمه الله تعالى من الآفات والعاهات حتى يحصد، أو يحذ إن كان تمرًا، أو يقطع إن كان عنبًا، ويحصل فيه للمشتري مقصوده ومطلوبه، وتطرأ عليه الآفة والعاهة فيذهب به ويذهب المشتري مجانًا لا ثمنًا ولا مثمونًا، فما قيل إنه بسواه ويشتري على هذه الصفة فذلك الذي يغرمه أرباب المواشي، أو من باشر تلف ذلك بنفسه من بني آدم، ثم ما خرج بعد التقويم والغرم من ذلك الزرع أو الثمر فهو لصاحب الزرع أو الكرم، لصاحب الماشية ولا للجاني عليه.
والحمد لله وحده.
[ ٦ / ٣٣٣ ]
المسألة السابعة في بيع الأعيان النجسة
والأصل في تحريم بيعها واستعمالها على الجملة ما خرجه البخاري ومسلم من طريق جابر بن عبد الله ﵁ أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن الله ورسوله حرم بيع الميتة والخنزير والأصنام"، فقيل يا رسول الله: أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن ويستصبح بها، قال: "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها" (١).
وقال في الخمر: "إن الذي حرم شربها حرم ثمنها" (٢).
فنبه - ﷺ - في هذا الحديث على أصل جسيم؛ وذلك أنه أشار إلى المنفعة المقصودة من الخمر وهي الشرب لا أكثر، فإذا حرمت المعاوضة لأن المشتري منعه الشرع من الانتفاع بها كما منع البائع، فإذا بذل ماله في شرائها فهو مضيع للشرع في ترك الانتفاع بها؛ فقد سفه نفسه، وأضل رشده وبدد ماله، وكان ذلك من باب أكل المال بالباطل، فإذا حرم الله الانتفاع بالعين فقد حرم الانتفاع بعوضه، وحرمت المعاوضة عنه، وهذا أصل جليل ومعنى جلي.
فإذا ثبت ذلك، فالنجاسات على وجهين:
منها ما هو متفق على تحريم بيعها كالخمر، وجميع أجزء الميتة التي تحلها الحياة، والخنزير بجميع أجزائه التي تصل الحياة، على الخلاف في
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٣٥٧) وأحمد (١٤٥١٢) وابن حبان (٤٩٣٧).
(٢) أخرجه مسلم (١٥٧٩).
[ ٦ / ٣٣٤ ]
جلده هل يطهره الدباغ أم لا.
ومنها ما هو مختلف في جواز بيعه؛ كالزبل والرجيع.
فما هو متفق على تحريم بيعه فمتفق على منع استعماله.
وما هو مختلف في جواز بيعه فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: ما تدعو الضرورة إليه في استعماله، ومست الحاجة إلى تناوله.
والثاني: ما لا تدعو الضرورة إليه، ولا الحاجة إليه مما تعم به البلوى.
فالجواب عن الوجه الأول: وهو ما دعت الحاجة إلى استعماله؛ كالزبل والرجيع، تصلح به البساتين، والمحاقل، والمزارع، كما هو عادة أهل أفريقية -على ما شاهدناه. وأهل البصرة -على ما سمعناه- هل يجوز بيعه على هذه الصفة أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال، كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: الجواز في الجميع، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "الكتاب"؛ حيث قال: وكره مالك بيع العشرة ليزبل بها الزرع وغيره، فقيل لابن القاسم: وما قول مالك في زبل الدواب؟ قال: لم أسمع منه فيه شيئًا إلا أنه عنده بخس، وإنما كره العذرة لأنها عنده بخس، وكذلك الزبل أيضًا، ولا أرى أنا في بيعه بأسًا.
وقال أشهب: المبتاع في زبل الدواب أعذر من البائع.
فقال ابن القاسم: الزبل على العذرة بنجاسة الجميع، وسياق قوله ثم أجاز بيع الزبل: دليل على جواز بيعه العذرة عنده.
والقول الثاني: المنع عنه في الجميع، وهو ظاهر قول مالك في
[ ٦ / ٣٣٥ ]
"الكتاب" على ما ذكرناه من قول مالك، وابن القاسم وقياسه.
والقول الثالث: بالتفصيل بين الزبل والرجيع؛ فيجوز في الزبل، ولا يجوز في الرجيع، وهو قول أشهب في "المدونة"؛ حيث قال: وأما الزبل: فالمبتاع فيه أعذر من البائع، ثم قال: وأما الرجيع: فلا خير فيه.
وسبب الخلاف: تخصيص العموم بالعادة والحاجة هل يجوز، أو لا يجوز؟ وهو مما اختلف فيه الأصوليون، واختلافهم في أكل ما نبت من هذه الأزبال والعذرة مبني على اختلافهم في جواز بيعها واستعمالها؛ فمن جوز الاستعمال جوز الأكل، ومن منع: منع.
والجواب عن الوجه الثاني: وهو ما لا تدعو الضرورة إلى استعماله؛ كجلد الميتة وعظمها:
فأما جلدها: فلا يخلو من أن يستعمل قبل الدباغ، أو بعده.
فأما استعماله قبل الدباغ: فلا خلاف في المذهب أنه لا يستعمل في المائعات، واختلف هل يستعمل في اليابسات أم لا على قولين:
أحدهما: أنه لا يستعمل أصلًا.
والثاني: أنه يستعمل فيها، وأنه يجوز أن يستعمل من الغربال وغيره مما لا رطوبة فيه، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الغصب"؛ حيث جعل على من غصبه واستهلكه قيمته، ووجوب القيمة على غاصبه دليل أن فيه بعض المنافع؛ إذ لا خلاف في المذهب أن من أتلف لرجل ما لا منفعة فيه أصلًا أنه لا ضمان عليه، ويؤخذ من "كتاب القطع في السرقة" أنه لا ينتفع به، وألَّا شيء على من غصبه؛ لأنه قال فيمن سرق جلد ميتة بعد الدباغ أنه يقطع إن شاؤوا ما فيه من الدباغ ثلاثة دراهم.
وأما استعماله بعد الدباغ: فلا خلاف في المذهب أنه يستعمل في
[ ٦ / ٣٣٦ ]
اليابسات، وهل يستعمل في المائعات أم لا؟
قولان:
أحدهما: أنه يستعمل في كل مائع، وهو المشهور في النظر.
والثاني: أنه لا يستعمل إلا في الماء خاصة، وهذا ضعيف؛ فإذا جاز استعماله في الماء فبأن يجوز فيما عداه من سائر المائعات أولى؛ لأن الماء لطيف الجوهرية، يغوص ويداخل الأوعية، ويمازج رطوبة الطروف بخلاف سائر المائعات فإنها غليظة الجوهرية، ثخينة الجسمية، لا تنفذ منافذ الماء، فلو عكس الجواب لكان أولى.
وغاية ما عللوا به في الماء أن قالوا: إن الماء يدفع عن نفسه دون سائر المائعات، وهذا الذي قالوه إنما يصح إذا كان الماء كثيرًا بحيث يغلب ولا يغلب عليه في نفسه دون اعتبار جنسه.
وسبب الخلاف: تعارض الأخبار؛ فمن ذلك قوله - ﷺ -: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" (١).
وقال - ﷺ -: "ذكاة الأديم دباغه" (٢).
وحديث سودة: "ماتت شاة لنا فدبغنا مسكها، ثم ما زلنا ننتبذ فيه حتى صار شنًا" (٣)، وهذا أخرجه البخاري.
ويعارضه آخر؛ وهو قوله - ﷺ -: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٧٢٨) والنسائي (٤٢٤١) وابن ماجه (٣٦٠٩) من حديث ابن عباس، وصححه الشيخ الألباني ﵀.
(٢) أخرجه أحمد (١٥٩٤٩) وابن حبان (٤٥٢٢) وهو صحيح.
(٣) أخرجه البخاري (٦٣٠٨).
[ ٦ / ٣٣٧ ]
عصب" (١).
وفي حديث: "لا تنتفعوا من الميتة بشيء" (٢).
وقال - ﷺ - في شاة ميمونة: "وهلّا انتفعتم بجلدها" (٣).
فاختلف العلماء باختلاف هذه الأحاديث.
وأما بيعه بعد الدباغ: فقد اختلف فيه المذهب على قولين:
أحدهما: أن البيع لا يجوز، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أن بيعه جائز، وهي رواية ابن وهب، وابن الحكم عن مالك، وهو الأظهر في النظر.
وأما استعمال عظامها: إما للتجمل كاتخاذ الأمشاط والمداهن، وإما للوقيد: فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: المنع، وهو مذهب المدونة، وقال: كيف يمشط لحيته وهي مبلولة بعظام الميتة.
والثاني: الجواز، وهو قول ابن الماجشون وأصبغ؛ فإنهما قالا: تجوز الأمشاط بمشطها، والأدهان بمداهنها.
والقول الثالث: بالتفصيل بين أن تغسل أم لا؛ فإن غسلت بالماء الحار: فإنها طاهرة يجوز استعمالها، وإن لم تغسل هو قول ابن وهب.
وأما استعمالها للوقود والطبخ: فلا يخلو من أن يكون ذلك فيما يلاقيه
_________________
(١) أخرجه أبو داود والترمذي (١٧٢٩) والنسائي (٤٢٤٩) وابن ماجه (٣٦١٣) وصححه الشيخ الألباني ﵀.
(٢) أخرجه النسائي في "الكبرى" (٤٥٧٥) بذكر لفظة: شيء.
(٣) أخرجه البخاري (١٤٢١) ومسلم (٣٦٣).
[ ٦ / ٣٣٨ ]
دون حائل فلا يخلو ما طبخ عليه من أن يكون مما له رطوبة؛ كخبز طبخ عليها، أو لحم سوى عليها في حال إيقادها: فإن ذلك لا يؤكل باتفاق؛ لأن الدهنية لابد لها من أن تخرج من الطعام عند احتراقها، والخبر واللحم موضوع عليها، وأجزاء الدهنية داخلتها ومازجتها من كل يد: فذلك حرام لا شك فيه.
فإن طبخ على جمرها بعد سكون لهيبها، وانطفاء تأججها فهل تحل لكل ما طبخ عليها؟.
فالمذهب على قولين: الجواز، والمنع.
وينبني الخلاف: على الخلاف في الأعيان المنقلبة، هل ينقلب الحكم بانقلابها أم لا.
فإن طبخ عليها ما لا رطوبة له، أو له رطوبة إلا أن النار تنضجه وتداخله ظاهرًا وباطنًا؛ كالفخار والجير والطوب: فقد اختلف المذهب على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن ذلك طاهر، ويستعمل في جميع أنواع الطهارات جملة بلا تفصيل، وهو ظاهر قوله في "كتاب البيوع الفاسدة"؛ حيث قال: ولو طبخ عليها الخبز والطوب؛ فظاهر قوله: طهارة الخبز والطوب المطبوخ على تلك العظام، وأنه يستعمل في بناء المساجد وتجصيصها.
ويؤخذ من هذا القول أيضًا: حوز عظام الميتة وتملكها؛ لأنه لا يمكنه أن يطبخ بها الطوب والخبز إلا بعد أن يؤلفها ويجمعها، وذلك ينتج ملكها والانتفاع بها.
ومثله قول مالك في "كتاب الوضوء" في العسل النجس حيث جوز أن يعلفها النحل.
[ ٦ / ٣٣٩ ]
والثاني: أن ذلك بخس، وأنها لا تستعمل أصلًا وإن غسل، وهو قول ابن القاسم، وهو ظاهر "المدونة" في مسألة الطعام؛ لأن دهنية الطعام داخلت أجزائها أجزاء الفخار مداخلة لا تطهر بالغسل.
والقول الثالث: بالتفصيل بين أن تغسل بعد الطبخ أم لا؟
فإن غسلت: جاز استعمالها، وكانت طاهرة، وغسلها بالماء الحار أن يغلي الماء فيها، وإن لم تغسل فهي نجسة، وهو قول ابن القاسم، وابن شبلون، وهو ظاهر قول مالك في غير ما موضع: بدليل أن ما أصابته النجاسة من الثوب والبدن والآنية وسائر الأشياء أنها تغسل وتكون طاهرة؛ لأن النجاسة لاقت جسمًا طاهرًا فوجب أن يطهره الغسل كسائر الأجسام، وهذا القول أقرب إلى الصواب على سبيل الاحتياط، وهو قول مالك - ﵀ - في قدور المجوس التي تطبخ فيها الميتة ولحم الخنزير أنها تغسل بغلي الماء فيها، وتكون طاهرة.
والقول الرابع: التفصيل بين الفخار الني، واليابس؛ فالفخار الني؛ كالخبز واللحم: فهو نجس.
واليابس طاهر، يستعمل، ولا يحتاج إلى غسل.
وهو قول أبي عمران الفاسي، وهذا القول أيضًا ظاهر "المدونة" من مسألة الخبز واللحم.
وسبب الخلاف بين القولين المتقابلين: مداخلة الدهنية لأجزاء الطوب والفخار، هل يطهره مداخلة أجزاء النار وممازجتها لأجزاء الفخار والطوب أم لا؟
وسبب الخلاف بين القولين المفصلين: اختلافهم في نجاسة هذه الأجسام هل هي نجاسة عينية، أو نجاسة مجاورة؛ فمن رأى أنها نجاسة عينية قال: لا
[ ٦ / ٣٤٠ ]
يطهره الغسل.
ومن رأي أنها نجاسة مجاورة قال: يطهره الغسل. وهكذا الخلاف في الزيت النجس هل يطهرها الغسل أم لا؟
وأما استعمالها فيما لا يلاقيها، وبينهما حائل؛ مثل أن يطبخ عليها قدرًا، أو يسخن عليها الماء للعجين أو للوضوء: فإن غطى القدر، وأمن من انعكاس الدخان فيها: فالماء طاهر، والطعام كذلك يؤكل.
فإن كان القدر مكشوفًا: فالماء والطعام نجسان، ولا يؤكل الطعام؛ لأن أجزاء الميتة ودهنية الطعام تصعدان مع الدخان، وينعكسان في القدر فيداخلان ما فيه من الطعام والماء.
وأما ما يقطر من عرق الحمامات التي يوقد تحتها بالنجاسات: فلا يخلو من يدخلها من أن يكون ممن يتحفظ من البول والنجاسات فيها أم لا.
فإن كان ممن يتحفظ من البول والنجاسات فيها: فأصابها ما يقطر من سقوفها طاهر، ولا بأس للنجاسة التي هي وقود للحمام، وخروج الأدخنة خارجًا، ولا مدخل لها في الحمام ولا منفذ.
وأما من كان داخلها لا يتحفظ من النجاسات فيه، كما هو معهود من أكثر عوام المسلمين، وعامة المشركين من اليهود والنصارى -لأن عادة أكثر البلاد مشاركتهم إياهم في الحمامات فما احتاض هذه الحمامات نجس والعرق الذي يقطر منها نجس؛ لأن مدار الحمام وبخار الأوساخ تصعد إلى ماء الحمام فينعقد عرقًا، وذلك العرق نجس كدخان النجاسة وبخارها وعلى هذا تحمل أكثر الحمامات.
والحمد لله وحده.
[ ٦ / ٣٤١ ]
المسألة الثامنة على السِّلعتين في البيع
ولا يخلو ذلك من أن تكون لمالك واحد، أو لملَّاك متعددين فإذا كانت لمالك واحد: فلا خلاف في المذهب في جواز ذلك.
وإن كان لملَّاك متعددين: فلا يخلو من أن يسمى لكل سلعة ثمنًا، أو أجملها في ثمن واحد.
فإن سمي لكل سلعة ثمنًا: فلا خلاف في الجواز أيضًا لسلامة العقد، وإن كانت من الغرر والجهالة في الحال والمآل، وهو قوله في أول "كتاب النكاح الثالث".
وأما إن أجملها بثمن واحد: فالمذهب على ثلاثة أقوال، كلها قائمة من "المدونة".
أحدها: الجواز إطلاقًا، وهو قول ابن القاسم، وأشهب في "كتاب البيوع الفاسدة" ولابن القاسم مثله أيضًا في "كتاب التجارة إلى أرض الحرب"، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الشفعة" فيمن اشترى شقصًا أو أشقاصًا، من رجل أو من رجال، في بلدة أو بلدان، وشفيع ذلك كله واحد، وهو قول ابن القاسم في "كتاب البيوع الفاسدة" على ما حكاه سحنون في "المدونة".
والثاني: المنع جملة، وهو ما نص عليه ابن القاسم في "كتاب البيوع الفاسدة"، وهو ظاهر قوله في "كتاب النكاح الثالث" أوله، و"كتاب الجعل"، و"كتاب كراء الرواحل والدواب" من "المدونة".
والقول الثالث: التفصيل بين أن يعلم المشتري أنها لملَّاك فلا يجوز، أو
[ ٦ / ٣٤٢ ]
لا يعلم فيجوز.
وهذا القول مخرج غير منصوص عليه.
وينبني الخلاف: على الخلاف في البيع إذا علم أحد المتبايعين بفساده، هل يجوز أو يرد، والقولان في المذهب منصوصان.
وسبب الخلاف في أصل المسألة: في اعتبار الحال والمآل؛ فمن اعتبر الحال: قال بجواز البيع، لأن كل واحد منهم لا يدري ما باع به سلعته.
ومن اعتبر المآل: قال بالجواز؛ لأن قيمة كل سلعة تدرك بالتقويم؛ لأن الغالب من أحوال التجار إدراك معرفة قيمة السلعة بأدنى تأمل لممارستهم بالتجارة ودرايتهم بأحوال الإدارة؛ لأن العلة في ذلك عند من منع المجهلة في قدر ثمن كل سلعة، والعلة الثانية التي علل بها في الكتاب؛ حيث قال: لأن كل واحد منهما لا يدري ما يطالب به في الاستحقاق.
ولا يصح التعليل بها؛ لأن ذلك يلزم في المالك الواحد لوجود ذلك فيه.
وللخلاف فيها سبب آخر، وهذا التقدير توظيف الثمن عليها بعد العقد.
وعلى القول بأن البيع لا يجوز: فإن السلع ترد ما لم تفت.
واختلف بماذا تفوت على قولين:
قيل: بحوالة الأسواق فأعلى، وقيل: بالقبض.
وعلى القول بأنها تفوت بما يفوت به البيع الفاسد، هل يضمن بالقيمة، أو بالمثل؟
على قولين:
وعلى القول بأنه يضمن بالقيمة، هل تقوم كل سلعة على الانفراد،
[ ٦ / ٣٤٣ ]
أو تقوم السلعتان جملة واحدة؟
قولان:
وعلى القول بأنه يضمن بالثمن: فإن الثمن يقسم على قيمة السلع ويأخذ كل واحد منهم من الثمن بقدر قيمة سلعته.
والحمد لله وحده.
[ ٦ / ٣٤٤ ]
المسألة التاسعة في بيع الأب من ابنه في مرضه
وقد قدمنا أن بيع المريض وشراءه جائز ما لم يكن فيه محاباة.
ثم لا يخلو بيعه من ولده في مرضه من أن يكون بمحاباة، ولا يخلو من أن يحابيه في الثمن، أو في المثمون.
فإن حاباه في الثمن؛ مثل أن يبيع له بالمائة ما يساوي مائتين، فهل للورثة نقض البيع كله أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن للورثة نقض البيع كله؛ لأنه أراد التوبيخ.
ولو أتم بقية الثمن الذي حاباه به الأب: فلا كلام للورثة؛ إذ لو باع منه بمثل القيمة فلا حجة لهم.
والقولين حكاهما الشيخ أبو إسحاق التونسي.
ووجه القول الأول: أن القدر الذي حاباه في الثمن كأنه أوصي له بذلك القدر، فلا يلزم ذلك الورثة، إلا أن يشاؤوا.
ووجه القول الثاني: أن حق الورثة فيما بقي من الثمن، فإذا تم فلا حجة لهم.
فإن حاباه في المثمون؛ مثل أن يقصد إلى خيار ماله فيبيعه منه بمثل الثمن أو أكثر: فللورثة نقض ذلك ورده ولا خلاف -أعلمه- في المذهب.
فإن أوصي أن يشتري عبد ولده، أو يباع عبده من ولده، ولم يسم ثمنًا:
[ ٦ / ٣٤٥ ]
فأما وصيته بشراء عبد ولده للعتق فجائز.
واختلف هل يزاد على مثل ثمنه مثل ثلثه إذا أبى الولدان بيعه إلا بالزيادة على قولين:
أحدهما: أنه يزاد له كما يزاد للأجنبي.
والثاني: أنه لا يجوز له، بخلاف الأجنبي، وهو قول مالك.
وسبب الخلاف: هل ذلك وصية للولد: فلا يجوز، أو ذلك وصيته للعبد: فيجوز؟
وأما إن أوصى أن يباع عبده من ولده، وليس بخيار ماله: فلا يخلو من أن يكون ذلك للعتق أو للملك.
فإن كان ذلك للملك: جاز، ولا يحط من الثمن شيء، بخلاف الأجنبي؛ لأن ذلك وصيته لوارث. فإن كان ذلك للعتق، فلم يرض الابن أن يشتريه إلا بحطيطة الثلث فأقل، هل يحط عنه أم لا؟
فالمذهب على قولين منصوصين عن مالك في "كتاب الوصايا" وسيأتي الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى.
والحمد لله وحده.
[ ٦ / ٣٤٦ ]
المسألة العاشرة فيمن باع سلعة على إن لم يأته بالثمن على أجل كذا وكذا، وإلا فلا بيع بينهما
فقد اختلف المذهب في ذلك على أربعة أقوال، كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن البيع مفسوخ، وهو قوله في بيع النساء إذ قال: متى جاز بالثمن فهو أحق بها.
والثاني: أن البيع جائز، والشرط جائز.
والثالث: أن البيع جائز، والشرط باطل.
والثلاثة الأقوال ذكرها ابن القاسم عن مالك، على ما حكاه ابن لبابة.
والقول الرابع: التفصيل بين قوله: إن جئتني بالثمن، وبين قوله: إن لم تأتني بالثمن؛ فإن قال: إن جئتني: كان البيع ثابتًا بينهما.
وإن قال: "إن لم تأتني بالثمن": فكأنه لم ينعقد بينهما بيع إن لم يأته بالثمن.
وهو قوله في "الدمياطية" وعلى القول بفساد البيع، فلا تفريع.
وعلى القول بأن البيع جائز، والشرط جائز: فحكمه حكم بيع الخيار؛ فيجوز فيه من الأجل ما يجوز في بيع الخيار في مثل تلك السلعة، وهو قول ابن لبابة، وأبي الأسود القطان العدوي.
وعلى القول بأن البيع جائز، والشرط باطل هل يجبر على نقد الثمن في الحال، أو لا شيء عليه حتى يحل الأجل؟
[ ٦ / ٣٤٧ ]
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
قيل: إنه يغرم الثمن، وهو ظاهر قوله في "كتاب كراء الرواحل والدواب"؛ حيث قال: يلزم البائع دفع السلعة، وللمشتري أخذها إما بالثمن أم لا، ويجبر على النقد، وظاهره في الحال، وعليه حمله بعضهم.
والثاني: أنه يغرم الثمن عند حلول الأجل الذي ضرباه، وهو ظاهر قوله في "كتاب البيوع الفاسدة"؛ حيث قال: جاز البيع وغرم الثمن الذي اشترى به، فحمل بعضهم هذا الكلام، وما قاله بعضهم في "كتاب الرواحل والدواب" على نقد الثمن عند حلول الأجل، لا قبله.
واختلف ممن يكون ضمانها إن هلكت قبل الأمد على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ضمانها من البائع، سواء قبضها المشتري أو لم يقبضها، وهو قول ابن لبابة منه على أن حكمه حكم بيع الخيار، وهو اختيار اللخمي.
والثاني: التفصيل بين أن تكون السلعة في يد البائع فيكون ضمانها منه ما دامت في يده وإن كانت حيوانًا، وبين أن يقبضها المبتاع فيكون الضمان منه، بخلاف البيع الصحيح بحبسها البائع بالثمن فتلك هلاكها من المشتري، وهو قول ابن القاسم في "كتاب البيوع الفاسدة".
والقول الثالث: التفصيل بين أن يكون الأجل إلى يوم، أو يومين: فيكون ضمانها من المشتري، وإن كان إلى عشرة أيام ونحوها: فضمانها من البائع، ولم يفصل بين القبض وغيره، وهي رواية ابن وهب عن مالك ﵀.
وتأول أبو محمَّد مسألة الكتاب على أن البائع لم يمكن المشتري من
[ ٦ / ٣٤٨ ]
قبض السلعة إلا بعد قبض الثمن؛ فعلى هذا التأويل تتخرج المسألة على قولين، ويكون حكمها حكم المحبوسة بالثمن.
والحمد لله وحده.
[ ٦ / ٣٤٩ ]
المسألة الحادية عشرة إذا باع أَمَةَ ومعها وَلَدٌ حُر رضيع، فاشترط البائع على المشتري رضاعه ونفقته سَنَة
فلا يخلو بيعه إياها على هذه الصفة من أحد وجهين:
إما أن يكون غلبة واضطرارًا، أو يكون ترفهًا واختيارًا.
فإن كان غلبة واضطرارًا؛ كبيع السلطان على مفلس، فهل يجوز البيع واشتراط مؤونة الصبي؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن البيع جائز، والشرط جائز وإن كان ذلك الشرط يؤثر في نقصان ثمن الجارية ويعود بالضرر على الغرماء؛ لأن حق الصبي مقدم عليهم لكونه في شيء معين من مال المفلس، فإنه أحق به من الغرماء، وهو ظاهر قوله في "المدونة" في "كتاب البيوع الفاسدة"؛ لأنه أطلق جواز البيع والشرط في هذا الوجه، ولم يفصل بين المِدْيَان وغيره.
والثاني: أن البيع جائز، والشرط باطل؛ لأجل حق الغرماء؛ لأن حقهم متعلق بذمة الغرماء، ومن جملة ذمته ماله، ولا مدخل لأحد فيه إلا من دخل مدخلهم وأدلى دلوه مع دلائهم.
وأما إن أسند أحدًا بشيء من ماله دونهم: فلا، إلا من أدرك عين شيئه، فإنما سلطانه على أخذه يفيد تخيير الغرماء ما بين أن يسلموه له أو يعطوه ثمنه الذي باع به.
والصبي لا يتعين له حق في مال السيد، لا في الذمة ولا في شيء
[ ٦ / ٣٥٠ ]
معين، وإنما رضاعه ونفقته عليه على معنى المواساة، فإذا باع السيد الأم، واشترط على المشتري رضاع الصبي ومؤنته، وقد أحاط الدين بماله فذلك ضرر على الغرماء، وليس للغريم إدخال الضرر عليهم فيما ينقص ماليتهم، وقد قال مالك في "كتاب التفليس": وإذا باع مال المفلس فإنه يترك له من ماله ما يعيش به هو وأهله الأيام، فإذا كان لا يجوز أن يستبقي له بقية نفسه من ماله ونفقة زوجه التي هي عين معاوضته على مشهور المذهب أمدًا مديدًا يجوز استبقاء نفقة الولد الصغير؛ لكونه قد أعتقه، وهي من ناحية الفوت والمواساة.
وسبب الخلاف: اختلافهم في عتق من لا يقوم بنفسه مثل الصغير، والزمن، والشيخ الهرم هل تجب عليه نفقته أم لا؛ فمن رأي أن نفقته واجبة عليه: قال بجواز الشرط، وهو قوله في هذا الكتاب ومن رأي أن نفقته لا تلزم السيد قال: الشرط باطل، وهو ظاهر قوله في "كتاب المكاتب" في غير ما موضع من "المدونة"، وقد جوز في "كتاب المكاتب" كتابة من لا يقوم بنفسه، ولا حرفة له -صغيرًا أو كبيرًا أو زَمِن- فإذا جاز للسيد أن يستسعيه ويستدينه وتسقط عنه نفقته وهو رقيق بعد، فبأن تسقط عنه نفقته أولى وأحق.
والجواب عن السؤال الثاني: إذا باعها ترفهًا واختيارًا هل يجوز ذلك البيع أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز، وهو مشهور المذهب.
والثاني: الكراهة، وهو مذهب سحنون، ووجهه: أن المشتري قد يريد أن يظعن بالجارية فيتكلف للصبي ولا يدري ما يلحقه، وذلك غرر.
[ ٦ / ٣٥١ ]
وعلى القول بأنه يجوز بغير كراهة فلا يخلو من أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون ذلك مضمونًا في الولد والأم.
والثاني: أن يكون معينًا فيهما.
والثالث: أن يكون مضمونًا في الأم معينًا في الولد.
والرابع: أن يكون مضمونًا في الولد معينًا في الأم.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان مضمونًا في الأم والولد: فذلك جائز اتفاقًا.
فإن ماتت الأم أو انقطع لبنها: كان على المشتري أن يأتي بغيرها، وإن مات الولد: كان على البائع أن يأتي بغيره، فإن لم يأت البلد فلا شيء على المشتري.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان معينًا فيهما جميعًا: جاز ذلك أيضًا، ومن مات منهما وجبت المحاسبة والرجوع بما ينوب المؤونة والرضاع.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا كان مضمونًا في الأم معينًا في الولد؛ فإن ماتت الأم أخلفها المشتري، وإن مات الولد هل تجب المحاسبة؟ أو يكلف البائع أن يأتي بالخلف؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: وجوب المحاسبة، وهو قوله في "كتاب الجعل والإجارة" في باب استئجار الطير.
والثاني: أن الإجارة قائمة، ولا تنفسخ بموت الصبي، ويكلف البائع أن يأتي بغيره، وهو ظاهر قوله في الكتاب المذكور، وفي "كتاب الرواحل والدواب" في الجمل المستأجر على حمله، فهلك قبل بلوغ غايته.
[ ٦ / ٣٥٢ ]
وقد قال بعض أهل الظاهر: الإجارة تنفسخ بموت المستأجر إذا عين، ولا تنفسخ بموت المستأجر عليه إلا في أربع مسائل:
الصبي المستأجر على رضاعه، والصبي المستأجر على تعليمه، والمهر في الرياضة، والفرس للإنزاء إذا ماتت قبل العقوق.
وهذا الحصر لا دليل له إلا من حيث اختلاف الصبيان في قبول التعليم، واختلافهم في الرضاع في قوة المص وملازمة الثدي.
والخطب في ذلك يسير، والذي ينبغي أن يعتبر فيه الوسط، كما هو المعهود في ذلك وأمثاله، وهو الأظهر في النظر.
والجواب عن الوجه الرابع: إذا كان مضمونًا في الولد معينًا في الأم، فإن مات الولد: كلف البائع الإتيان بمثله، وإن ماتت الأم: وجبت المحاسبة. والحمد لله وحده.
[ ٦ / ٣٥٣ ]
كتاب بيع الغَرَر
[ ٦ / ٣٥٥ ]