تحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتها ثمان عشرة مسألة
المسألة الأولى فيمن اشترى سلعة ثم اطلع بها على عيب
ولا يخلو من أن يحْدِث عيب آخر أو لم يحْدِث.
فإن لم يحدث عند المشتري عيب ولا تغيرت السلعة فهو بالخيار بين أن يردها على البائع ويأخذ جميع الثمن، أو يحبسها ثم لا شيء له من قيمة العيب، ولا خلاف في هذا الوجه.
والدليل عليه حديث المصراة، وهو أصل في كل غش وتدليس فإن حدث عند المشتري في المبيع حدث يغيره عما كان عليه وقت البيع فلا يخلو ما حدث فيه من أربعة أوجه:
أحدها: أن يدخله زيادة.
والثاني: أن يدخله نقصان ولا تفوت عينه.
والثالث: أن تفوت عينه لخروجه عن ملكه.
والرابع: أن يعقد فيه عقدًا يمنعه من رده.
فالجواب عن الوجه الأول: وهو أن يدخل البيع زيادة، فإن الزيادة لا تخلو من خمسة أوجه:
أحدها: زيادة بحوالة الأسواق.
والثاني: زيادة في حال المبيع.
[ ٧ / ١١٧ ]
والثالث: زيادة في عين المبيع فيما حدث فيه أو بشيء من جنسه يضاف إليه.
والرابع: زيادة من غير جنس المبيع مضافة إليه.
والخامس: ما أحدثه المشتري في المبيع من صفة مضافة إليه كالصبغ وما أشبه ذلك بما ينفصل عنه.
فأما الزيادة بحوالة الأسواق والزيادة في حال المبيع مثل أن يكون عبدا فيتعلم الصنعة فتزيد قيمته لذلك فإنه لا يعتبر فيها ولا يوهب للمبتاع خيار.
وأما الزيادة في عين المبيع فيما هو حادث فيه كالدابة تسمن والصغير يكبر أو شيء من جنسه مضاف إليه كالولد يحدث فيه فقد اختلف فيه المذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أن ذلك ليس بفوت والمشتري مخير بين أن يردها بحالها أو يردها وولدها إن حدث أو تمسك ولا شيء له من قيمة العيب وهو قول مالك وابن القاسم في "العتبية" في الدواب والولادة والعبيد والصغير يكبر.
والثاني: أن ذلك فوت في الجميع ويكون المشتري بالخيار بين أن يمسكها ويرجع على البائع بما نقصه العيب أو يردها ولا شيء عليه في تلك الزيادة وهو قول ابن القاسم في "العتبية" أيضًا إذا سمنت سمانة بينة وهو أحد قولي مالك أيضًا.
والثالث: أن ذلك فوت في الجميع وله قيمة العيب ولا خيار له في الرد وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في الصغير يكبر والسمانة، وحدوث الولد كزيادة الصغير يكبر ولا فرق.
والرابع: التفصيل بين سمانة الرقيق وسمانة الدواب فالصغير يكبر
[ ٧ / ١١٨ ]
وحدوث الولد والدابة سمن وذلك فوت وليس السمن في العبيد فوت وهو قول مالك أيضًا في "المدونة".
وأما الزيادة المضافة إلى المبيع من غير جنسه مثل أن يشتري العبد ولا مال له فيفيده عنده مالًا بهبة أو صدقة أو تجارة أو إفادة بوجه غير خراجه أو يشتري الرجل النخل ولا ثمر فيها فيثمر عنده ويجد عيبًا ولا خلاف أن ذلك ليس بفوت ولكن له الخيار بين أن يمسك ولا يرجع بقيمة العيب أو يرد العبد وماله والنخل وثمرها ما لم يطلب على الخلاف [فإن] (١) تمادى يصير غلة على ما سنوضحه في مسألة مفردة في هذا الكتاب إن شاء الله.
فإذا رد النخل وثمرها هل يرجع بقيمة السقي والعلاج أم لا؟ فالمذهب على قولين مشهورين.
وأما الزيادة بما أخذه المشتري المبيع من صنعة مضافة إليه كالصبغ وما أشبه ذلك مما لا ينفصل إليه بحال أو لا ينفصل عنه إلا بفساد، فلا خلاف في المذهب أن ذلك يوجب له الخيار بين أن يمسك أو يرجع بقيمة العيب أو يرد ويكون شريكا بما زاد الصبغ.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا ثبت نقصان في البيع، فلا يخلو ذلك النقصان أيضًا من خمسة أوجه:
أحدها: نقصان بحوالة الأسواق.
والثاني: نقصان بتغير حال المبيع.
والرابع: نقصان من غير عين المبيع.
والخامس: نقصان بما أحدث المشتري في المبيع.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٧ / ١١٩ ]
فأما النقصان بحوالة الأسواق فلا عبرة به وهو مخير بين أن يرد أو يمسك ولا شيء له.
وأما النقصان بتغير حال المبيع مثل أن يشتري الأمة فيزوجها أو العبد فيزوجه أو يزني أو يسرق أو ما أشبه ذلك مما تنقص به قيمته فلا خلاف في المذهب أن التزويج عيب في الرقيق مع بقاء الزوجية ودوامها وفي انقضاء الزوجية فيها بالموت أو الفراق فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أن ذلك ليس بعيب وهو قوله في "المدونة" وهو مشهور المذهب.
والثاني: أن ذلك عيب استدامت الزوجية بينهما أو انقضت وهو قول ابن القاسم وأشهب عن مالك في "المدونة".
والثالث: أن التزويج عيب في الواقعة بعد الموت والفراق دون الوحش وهو قول ابن القاسم في "كتاب محمد".
والرابع: التفصيل بين الموت والفراق فيكون عيبًا مع الفراق وليس بعيب مع الموت وهو ظاهر قوله في "الموازية" وهو قول أبي سعيد البراذعي في "كتاب الشرح والبيان".
وسبب الخلاف: اختلافهم في العلة التي لأجلها صار النكاح عيبًا في المبيع بعد اتفاقهم على أن مجرد النكاح ليس بعيب لأن الله تعالى ورسوله قد أباحه، وما نص الله تعالى ورسوله على إباحته فليس بعيب فثبت أن العلة أمر زائد على النكاح، واختلف في ذلك الزائد ما هو؟
فمنهم من يقول: إن العلة في ذلك كون المزوج منهما
[ ٧ / ١٢٠ ]
يسرق مال سيده وينقل من بيته إلى زوجته أو إلى زوجها إن كانت أمة، ويتعطل عن شغل السيد ويذهب إلى موضع الزوجة أو الزوج إن تباعدت المواضع وذلك غرر على المشتري وقد تصيبه أمة تذهب به في ذهابه.
فإذا انقطعت العصمة بينهما بفراق أو موت زالت العلة المجردة، ومنهم من يقول: إن العلة في ذلك كون العبد والأمة طرءا بالنكاح فيكون من العبد التشوف إلى النساء ومن الأمة إلى الرجال وذلك مما يفسر أحوالهما مع المشتري لأن من اعتاد النكاح واستأنس به يميل به الطبع إليه ويغلبه الشوق ويؤدي به ذلك إلى أن يهوي ويعشق وذلك غاية الضرر على السيد.
فإذا ثبت أن التزويج عيب في الرقيق إما مع بقاء الزوجية ودوامها على الاتفاق وإما بعد الفرقة والانصرام على الخلاف فإن ذلك فوت ويخير المشترى بين أن يرد البيع مع قيمة ما نقص عيب الربح عنده أو يمسك ويرجع بما نقص العيب القديم عند البائع.
وأما ما كان من عيوب الأخلاق كالزنا والسرقة وشرب الخمر إذا حدث عند المشتري وقد اطلع على عيب فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها عيوب يرد معها النقص إن اختار الرد، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنها ليست بعيوب يرد معها الأرش وله أن يرد ولا شيء عليه، وهو قول ابن حبيب.
وأما النقصان بتغيير عين المبيع مما يحدث في يديه فلا يخلو ذلك من أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون عيبًا خفيفًا لا ينقص من الثمن ولا يخشى له غائلة.
[ ٧ / ١٢١ ]
والثاني: أن يكون عيبًا يسيرًا ينقص من الثمن كثيرًا أو يبقى معه جل منافع المبيع إلا أنه تؤمن غائلته.
والرابع: أن يكون عيبًا مفسدًا ذهب بأكثر منافع المبيع.
فإن كان عيبًا لا ينقص من الثمن كالكي الخفيف الذي لا يخالف اللون ولا تفاحش في العظم ولا هو في موضع مستقبح مثل الفرج وما والاه وغائلته مأمونة وما أشبهه من العيوب الخفيفة التي لا تأثير لها في ضمان الثمن.
فإن كان عند النخاسين عيبًا فلا خلاف أعلمه في المذهب أنه لا رد للمبتاع إذا اطلع عليه ولا يرد له شيئًا إذا حدث عنده واطلع على عيب قديم يوجب الرد، وهو نص قول مالك في "الموازية".
فإن كان عيبًا خفيفًا ينقص من الثمن يسيرًا أو كان مما تؤمن غائلته كذهاب السن الواحدة أو ما لا تؤمن غائلته كالحمى والرمد.
فأما ذهاب السن الواحدة في الرابعة في عيب عندهم كانت من مقدم الفم أو مؤخره وهو قول ابن القاسم في الضرير في "العتبية" في سماع أصبغ عنه، وابن حبيب في "واضحته".
وفي غير الرابعة من ذكر أو أنثى قولان:
أحدهما: أن ذلك ليس بعيب فيهما وهو قول في "العتبية".
والثاني: أنه عيب فيهما إذا كانت السن [المنزوعة] (١) من مقدم الفم، وليس بعيب إن كانت من مؤخره وهو قول ابن حبيب في "واضحته" ويتخرج فيها قول ثالث: أن الواحدة عيب في الرابعة وغيرها كانت من
_________________
(١) في أ: المزروعة.
[ ٧ / ١٢٢ ]
مقدم الفم أو مؤخره وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب المرابحة"، وأما الحمى والرمد فالمذهب فيهما على قولين:
أحدهما: أن ذلك ليس بعيب وأن المشتري بالخيار بين أن يرد أو يمسك، فإن رد فلا يرد مع المبيع شيئًا، فإن اختارا إمساكها فلا يخرج بقيمة العيب وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن ذلك فوت فلا يرده إن اختار الرد إلا فيما نقصه العيب عنده وهو مذهب سحنون.
ووجه الحمى والرمد أنهما لا تؤمن غائلتهما، والحمى مرض من أمراض الموت، والرمد لا يؤمن أن يذهب البصر من أجله.
وقد تأول بعض المتأخرين على سحنون أن المشتري لا يمكن من ذلك حتى تستبرأ عاقبتهما ويعلم مآل أمرهما، وعلى ذلك حمل كلامه، وما قلنا أولى.
فإن كان عيبا فاحشا ينقص من الثمن كثيرًا كقطع اليد والشلل والعور وقطع الرجل الواحدة أو الرجلين فهل له الرد أو يجب أو يمنع من الرد؟ على أربعة أقوال:
أحدها: أن المشتري بالخيار بين الرد والإمساك، فإن اختار الإمساك رجع بما نقص العيب الحادث عنده، وهو مذهب "المدونة".
والثاني: أن ذلك فوت يمنعه الرد كما لو ذهب عيناها جملة وهو ظاهر قوله في "المدونة" في الكبير يهرم، فقد قال: إنه يمنع من الرد ويرجع بقيمة العيب، وهو قول محمَّد بن مسلمة فيما ذهب أكثر منافعه.
والثالث: أن الرد واجب على المشتري ولا يجوز الرضا بالسلعة المبيعة وهو أحد قولي مالك في الصفقة إذا استحق جلها وكان الاستحقاق على
[ ٧ / ١٢٣ ]
اليقين حيث قال: لا يجوز له التماسك بما بقى لأنه بثمن مجهول إذ لا يعرف قيمته إلا بعد التقويم فصار بيعا مؤتنفا بثمن مجهول، وذلك موجود في هذه المسألة لأن ما بقي من السلعة غير معيب قيمته مجهولة فلا يعرف إلا بعد التقويم، وهذا تأويل بعض المتأخرين على الكتاب أن قوله في هذه المسألة بالتخيير بين الرد والإمساك يتخرج على أحد قولي مالك أن له الإمساك بما بقى في مسألة الاستحقاق.
والرابع: التفصيل بين ما كان من سبب المشتري وما كان بسبب سماوي.
فإن كان من سبب المشتري فإنه يرد معه ما نقص عنده، وما كان من سبب سماوي فإنه يرده ولا يرد معه شيئًا، وهو قول أبي الفرج في "الحاوي"، وهو أضعف الأقوال.
والدابة إن تعطلت أعضاؤها أو انقطع ذنبها أو أذنابها كالعبد والأمة في جميع ما أوردناه من الأقوال.
وعلى القول بالتخيير للمشتري بين الرد مع ما نقص العيب فإن قال البائع: أنا أقبله معيبًا وأرد جميع الثمن هل يمكن من ذلك ويخير كما يخير المشتري؟ على أربعة أقوال:
أحدها: أن الخيار للبائع كما يكون للمشتري وأن المشتري إن اختار الإمساك والرجوع بقيمة العيب، وقال البائع: أنا أقبله بجميع الثمن معيبا كان القول قوله، وهو قول ابن القاسم في أول "كتاب العيوب" من "المدونة".
والثاني: أنه لا خيار للبائع وإنما الخيار للمشتري وهي رواية ابن القاسم وابن نافع عن مالك وبه قال عيسى بن دينار.
[ ٧ / ١٢٤ ]
والثالث: التفصيل بين أن تكون الزيادة فيمن قيمته مع العيب الذي فيه فيكون الخيار للمبتاع دون البائع ولم يكن فيه إلا التفصيل فيكون الخيار لهما جميعا كما قال ابن القاسم وأشهب وهو تأويل بعض الشيوخ على "المدونة".
والرابع: التفصيل بين أن يكون البائع مدلسا أو غير مدلس.
فإن كان مدلسا فلا خيار له، وإن كان غير مدلس كان له الخيار وهو تأويل ابن لبابة على "المدونة" وهو تأويل حسن جيد في الفقه.
فإن كان عيبا مفسدا فذهب بجل منافع المبيع مثل العمى وقطع اليدين والرجلين أو ما أشبه ذلك فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن المشتري يرجع على البائع بقيمة العيب ولا خيار له في الرد كما لو فات عينه وهو مشهور المذهب وهو نص "المدونة" في الكبير يهرم.
فإذا هرم الكبير فقد ذهبت منافعه؛ وإن كان بعض المتأخرين فقد فرق بين الصغير يكبر والكبير يهرم، وبين ما تعطلت منافعه من العبيد والدواب والحيوان قائلا: إن الصغير يكبر والكبير يهرم قد صار جنسا آخر غير جنسه الأول حتى يجوز سلم أحدهما في الآخر، وما بطلت منافعه على خلاف ذلك.
وما فرق به هذا المتأخر باطل لوجود ذلك فيما تعطلت منافعه من العبيد والدواب والحيوان وزوال المراد منه حتى صار من حواشي جنسه فإنه يجوز أن يسلم فيه خيار جنسه مما بقيت منافعه وسلمت الأغراض المقصودة فيه، وهو قول محمَّد بن مسلمة.
والثاني: أن المشتري بالخيار بين الرد مع قيمة العيب والإمساك ويرجع
[ ٧ / ١٢٥ ]
بما نقص العيب على البائع هو ظاهر "المدونة" حيث أطلق الجواب في الكتاب في العيوب المفسدة مثل القطع والشلل والعمى.
فإذا كان كذلك فقد ذهبت أكثر منافع المبيع، وكذلك إذا قطعت له يد واحدة وكانت صنعته في يده كطراز قزاز أو صائغ وما أشبه ذلك فإن ذلك مما يذهب بأكثر منافعه، وعلى هذا حمل أكثر شيوخ المذهب ظاهر الكتاب.
فأما النقصان من غير عين المبيع مثل أن يشتري بنخل بثمرها قبل الطياب قبل الإبار أو بعده، أو عبدا وماله فيذهب مال العبد بتلف والثمر بجائحة فإن ذلك ليس بفوت قولًا واحدا، وله الخيار بين أن يرده ولا شيء عليه ويمسكه ولا شيء له.
وأما النقصان بما أحدث المبتاع في البيع بما جرت العادة أن يحدث فيه مثل أن يشتري الثوب فيصبغه أو يقطعه فينقص الثمن لذلك، فإن هذا فوت باتفاق المذهب والمشتري فخير بين أن يمسك أو يرجع بقيمة العيب أو يرد ويرد ما نقصه ما أحدث فيه إلا أن يكون البائع مدلسا فلا يكون عليه للنقصان شيئًا يرده من أجله.
واختلف إن أراد أن يمسك هل له أن يرجع بقيمة العيب أم لا على قولين:
أحدهما: أن ذلك له، وهو مذهب ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أن ذلك له فيما نقصه بصناعة الصبغ دون ما نقصه القطع، وهو محمول على أنه غير مدلس حتى يثبت ذلك عليه إما ببينة أو بإقراره به على نفسه، وهو قول أصبغ، وابن المواز.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا فات عين المبيع فلا يخلو فواته مما
[ ٧ / ١٢٦ ]
يخرجه عن ملك بعوض كالبيع وغيره من سائر وجوه المعاوضات؛ فالكلام عليه يأتي في مسألة مفردة إن شاء الله.
فإن خرج من يده بغير عوض فلا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يكون باختياره وإيثاره، أو يكون ذلك بغير اختياره وإيثاره؛ مثل أن يكون عبدا فيقبله المشتري أو يتصدق به أو يعتقه، هل له الرجوع بقيمة العيب على البائع ويكون ذلك فواتا أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن ذلك فوات يوجبه الرجوع بقيمته، وهو القول المشهور الذي عليه الجمهور من أصحاب مالك.
والثاني: أنه لا يرجع بقيمة العيب، وهو مهجور المذهب الذي لا وجه له، وهذا القول حكاه بعض المتأخرين عن مالك في المذهب.
فإن كان ذلك بغير اختيار المشتري؛ مثل أن يكون عبدا فيموت حتف أنفه أو يقتله خطأ فله الرجوع بقيمة العيب قولًا واحدا.
والجواب عن الوجه الرابع: وهو أن يعقد فيه عقدا يمنعه من رده؛ فلا يخلو هذا العقد من أن يتعقبه رجوع إلى ملكه كالكتابة على اعتبار الحال والاستيلاء والتدبير والعتق إلى أجل؛ فذلك فوت وليس فيه إلا الرجوع بقيمة العيب.
وأما إن كان العقد يتعقبه الرجوع إلى ملكه كالرهن والإجارة والإخدام ففيه في المذهب ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن ذلك العقد ليس بفوت، ولا رجوع له بقيمة العيب حتى يرجع إلى ملكه -طالت المدة أو قصرت- وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
[ ٧ / ١٢٧ ]
والثاني: بالتفصيل بين أن تكون المدة طويلة فيرجع بقيمة العيب في الحال، وبين أن تكون قصيرة فينتظر حتي تنقضي المدة أو يكون أمدا بعيدا فيكون فوتا، وهو قول أشهب.
والثالث: التفصيل بين الإجارة والرهن والإخدام؛ ففي الرهن والإخدام يكون فوتا وله الرجوع بقيمة العيب، وفي الإجارة لا يكون فوتا وله الرد، ولا تنقض الإجارة؛ لأنه عقدها بموضع يجوز له كما لو زوج عبدا ثم وجد به عيبا لكان له أن يرده بعينه ولم يفسخ النكاح، وهو قول أصبغ.
وسبب الخلاف: اعتبار الحال والمآل؛ فمن اعتبر الحال قال: ذلك فوت يوجب الرجوع بقيمة العيب إن شاء، ومن اعتبر المآل قال: ذلك فوت إذ لابد أن يرجع إلى ما كان عليه. [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ١٢٨ ]
المسألة الثانية في تعيب بعض الجملة المشتراة أو استحقاقه
ولا يخلو المشتري من أن يكون طعاما، أو عروضا، أو دورا أو أرضين.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان المشتري طعاما فلا يخلو من أن يستحق بعضه، أو بعيب.
فإن استحق بعضه فلا يخلو المستحق من أن يكون يسيرا، أو كثيرا.
فإن كان يسيرا مما لا ضرر فيه على المشتري فلا مقال له في الرد.
وإن كان كثيرا فللمشتري المقال في الرد والإمساك.
واختلف في حد الكثير؛ ففي الثلث قولان في "الكتاب".
وعلى القول بأن الثلث في حيز اليسير ففي النصف قولان في "الكتاب".
أحدهما: أن النصف في حيز الكثير، وهو نص "المدونة" في كتاب "القسمة".
والثاني: أنه في حيز اليسير كالعروض، وهو قول أشهب في غير "المدونة" في "كتاب العيوب".
ويوجد لابن القاسم من مسألة الحمل في آخر "كتاب الوكالات" من "المدونة" علي ما بيناه هناك، وهذا الحكم إذا اشترى صيرة على أن ما فيها مائة أردب ثم وجدها تنقص على ما ذكرنا، فإن تعيب البعض فلا يخلو المعيب من أن يكون يسيرا أو كثيرا.
[ ٧ / ١٢٩ ]
فإن كان يسيرا كالعشر فالسلم لازم للمشتري، ولا رد له، وهل ذلك برضا البائع أم لا؟
على قولين قائمين من "المدونة" من "كتاب بيع الخيار" وغيره.
فإن كان المعيب مثل الخمس والسدس وما لا رد فيه للمشتري لو استحق فليس للمشتري إلا أن يرد الجميع لحجة البائع في استتباع المعيب السالم وحمله عليه، ثم تبين للبائع أن يلزمه السالم بحصته لحجة المشتري في الرغبة في شراء إما لرخصها وإما لإكفاء المؤنة، حتى إذا تراضيا على شيء فيجوز ما تراضيا عليه.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان المشتري عروضا ثم استحق بعضها؛ فإن استحق منها ما لا ضرر فيه على المشتري فالسالم يلزمه بحصته من الثمن ولا، رد له، فإن استحق منها ما عليه فيه ضرر كالثلثين ففي هذا الوجه يكون له الكلام.
ثم لا يخلو الاستحقاق من أن يكون علي التعيين أو على الإجزاء.
فإن كان على التعيين مثل أن استحق من صفقته عين -يعني: أي شيء يعبر- فهل له التماسك بما بقى منها أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" من "كتاب العيوب" و"الاستحقاق"، ولا يخفى علي من طالعهما.
والخلاف فيهما مبني على الخلاف في جمع السلعتين في البيع.
فإن كان الاستحقاق على الإجزاء فهل يجوز التماسك بما بقي أم لا؟
على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: الجواز، وهو نص "المدونة".
[ ٧ / ١٣٠ ]
والثاني: المنع، وهو قائم من "المدونة" بالمعنى؛ وبيانه أنا لو جعلنا الخيار للمشتري في الرد أولًا فوجب أن يفسخ البيع ثم يختار التماسك آخرا؛ فيكون قد أخذ سلعة البائع بغير إذنه وذلك ممنوع شرعا، وهذا أصل متداع في أكثر مسائل "المدونة"؛ وهو المخير بين شيئين هل يعد مختارا لما ترك أم لا؟ وهذا معنى دقيق لا يفطن له إلا من عنده تحقيق وتدقيق.
واختلف في النصف في العروض هل هو في حيز القليل أو في حيز الكثير على قولين قائمين من "المدونة" من "كتاب القسمة" على ما لا يخفى، إلا أن المشهور في أن النصف في حيز اليسير في العروض.
والفرق بين الطعام والعروض على مشهور المذهب في أن النصف في الطعام في حيز الكثير وفي العروض في حيز اليسير أن العادة الجارية في المكيل والموزون من المأكول أن التنافس والرغبة في شراء الجملة أكثر، فإذا استحق منها النصف فقد ذهب المقصود، بخلاف العروض؛ فإن المقصود منها أعيانها حتى لا يكاد الثمن يختلف في شراء آحادها وأعدادها على المشهور.
فإذا استحق منها النصف فلا خيار له لبقاء النصف وهو كثير. والمكيل والموزون والمعدود من العروض في استحقاق النصف سواء.
والمعتبر فيما ذكرناه من استحقاق الأقل والأكثر إنما هو في القيمة دون أعيان السلع وأعدادها، بخلاف المكيل، والموزون من الطعام والعروض فإن المعتبر فيه أعداد ما يستحق فيرجع بقدر ذلك من الثمن دون تقويم إلا في صورة واحدة فإن العروض المعدودة فيها توافق الطعام؛ وهو إذا اشترى عدلا على أن فيه خمسين ثوبا فوجد فيه أربعين فإنه يرجع بخمس الثمن، ولا تقويم في هذا لعدم ما يقوم.
[ ٧ / ١٣١ ]
والرد بالعيب والاستحقاق النظر فيهما إلى القيمة؛ لوجود ما يقوم، وهذا الجزء المستحق والمعيب.
فافهم هذه المعاني؛ فإنها معان فائقة، وأسرار رائقة، ولا يدركها إلا من ألقى السمع وهو شهيد.
فأما إن كان المشتري عروضا ثم وجده المشتري عيبا، فإن كان المعيب يسيرا جدا فالسالم يلزم المشتري بحصته من الثمن ولا رد له.
فإن كان المعيب جل الصفقة فهل له التماسك بالسالم ويرد المعيب أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه مخير بين الرد والإمساك، وليس له أن يحبس السالم ويرد المعيب، وهو قول ابن القاسم في "كتاب العيوب" إذا كان العيب في كثير من عدد أو وزن حتى يضر ذلك بصفقته فليس له إلا أن يرد الجميع، وليس له التماسك بالسالم وإن كان معدودا لحجة البائع في محل المعيب على السالم.
والثاني: قوله فيها بالتفصيل بين أن يكون المعيب وجه الصفقة أم لا؛ فإن كان المعيب وجه الصفقة فليس له التماسك بالسالم الأدنى، وإن كان المعيب هو الأدنى فله أن يرد ويلزمه السالم بحصته من الثمن، وهذا نص قوله في "المدونة".
وإن كان من حجته استتباع العيب للسالم ومنعه من التماسك بالسالم الأدنى ليحمل عليه الأكثر الأردأ فبأن يمنع من التماسك بالمعيب الأكثر ليحمل عليه المعيب الأقل أولى، وهذا منه اختلاف قول على كل حال، وعلى أنه اختلاف حمله أبو سعيد في "التمهيد".
[ ٧ / ١٣٢ ]
والجواب عن الوجه الثالث: إذا كان المشتري دورا أو أرضين فاستحق بعضها أو وجد بها عيب فالحكم في ذلك واحد.
فإذا استحق منها الشيء اليسير الذي لا ضرر فيه على المشتري فهل يلزمه الباقي بحصته من الثمن أم لا؟
قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنه يلزمه الباقي بحصته من الثمن، وسواء كان الاستحقاق على الإجزاء أو على التعيين، وهذا نص قوله في "المدونة" في غير ما موضع.
والثاني: أنه لا يجزئه التماسك بما بقى؛ لأنه يمسكه بثمن مجهول إذا كان الاستحقاق على معين، ويجوز إذا كان على الإجزاء، وهذا القول مستقرأ من "كتاب التجارة" إلى أرض الحرب من استثناء الجز المعين من الشاة كالفخذ والكبد، وقد منعه هناك، ووجه المنع فيه لمجهلة في الثمن في المستثنى والمشتري لا يعرف قيمته إلا بعد التقويم؛ فقد منع ذلك في الشاة مع قلة المستثنى والاستثناء كالإستحقاق، وهذا ظاهر جدا لمن أنصف.
فإن كان المستحق كثيرا كالنصف والثلثين فله رد ما بقى، وهل له التمسك به بحصته من الثمن أم لا؟
فإن كان الاستحقاق على الإجزاء قولان، وإن كان على التعيين قولان، والتوجيه ما تقدم في تحصيل العروض.
واختلف في استحقاق هل هو في حيز الكثير الذي لا يعتبر فيه الضرر لكون ضررا في نفسه؟
على قولين قائمين من "المدونة":
[ ٧ / ١٣٣ ]
أحدهما: أن الثلث في حيز اليسير الذي يعتبر فيه وجود الضرر وعدمه.
ووجود العيب في جميع هذه الفصول كالاستحقاق سواء.
وهل الكراء في ذلك كله كالشراء؟
قولان منصوصان في "الكتاب". [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ١٣٤ ]
المسألة الثالثة إذا اشترى عبدا بثوبين فهلك عنده أحدهما ثم وجد بالآخر عيبا
فلا يخلو من أن يوجد العيب بالثوب الباقي أو بالعبد، فإن وجد بالثوب فلا يخلو الثوب الهالك من أن يكون هو أوجه الثوبين أو هو الأدنى منهما، فإن كان الهالك هو أوجه الثوبين وتعيب الأدنى فلا يخلو العبد من أن يكون قائما أو فائتا.
فإن كان قائما فإن المشتري يرد المعيب ويرجع بما ينوبه من القيمة.
وهل يرجع؟ [] (١) وهو قوله في "المدونة".
والثاني: أنه يرجع بذلك في عين العبد، ويكون بذلك القدر شريكا، وهو قول أشهب.
والثالث: التفصيل بين المدلس وغيره؛ فإن كان مدلسًا فإن المشتري يرجع بقيمة العيب في عين العبد ويكون شريكا، وإن كان غير مدلس فإنه يرجع بقيمة العيب في ذمة البائع لا في عين العبد، وهذا القول مخرج غير منصوص.
والرابع: أن يخير في ذلك المشتري للعبد بين أن يرخي بالشركة أو يرده على بائعه كعيب ظهر له في المبيع، والشركة في الرقيق عيب، وهو قول ابن القاسم.
ووجه القول الأول: أنه لا يكون شريكا في العبد ترجيحا لجانب
_________________
(١) يوجد سقط بالأصل.
[ ٧ / ١٣٥ ]
مشتري العبد لما يلحقه من الضرر في الشركة التي لم يدخل عليها أولا.
وجه القول الثاني: أن الأصول موضوعة على أن من باع عرضا بعرض فاستحق أحدهما ووجد به عيبا فإنه يرجع في عين شيئه إن كان قائما أو بقيمتها إن كان فائتا.
فإذا كان الحكم أن يرجع في عين شيئه مع تعييب الجميع أو استحقاقه فكذلك يرجع فيه إذا تعيب البعض واستحق؛ لأن الموجب برجوع من شيئه.
ووجه القول الثالث: بالتفصيل بين التدليس وغيره إن كان مدلسا كان هو المتسبب في ذلك ويحسب على أنه دخل على الشركة باختياره وإيثاره، والظالم أحق أن يحمل عليه.
ووجه القول الرابع: بأن الخيار في ذلك للمشتري لأن بائع العبد قد تعين حقه في عين شيئه فيكون له الرجوع في عينه ويشتري العبد ويدخل على ضرر الشركة ولا رضي به، فإذا استحق بعض العبد من يده كان له الخيار بإيثار العيب والشركة أو الرد، فإن اختار الرد كان له الخيار بإيثار العيب والشركة أو الرد، فإن اختار الرد كان له الخيار أيضًا بين أخذ الثوب المعيب مع قيمة التالف أو أخذ قيمة الثوبين جميعا.
فإن كان العبد فائتا فلا يخلو فواته من أن يكون بحوالة الأسواق أو مما هو أعلى منها؟ فإن فات بحوالة الأسواق فهل يكون ذلك فيه فوتا أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك فيه فوت، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" وكتاب "محمَّد" أن حوالة الأسواق تفوت عرض البيع.
[ ٧ / ١٣٦ ]
والثاني: أنه ليس بفوت، وهو ظاهر "الكتاب" إذا تلف الأدنى وتغيب الأعلى حيث قال: إنه يرد المعيب مع قيمة التالف وتلف أقلها أشد من حوالة الأسواق، ومع ذلك لم يجعله فوتا، وهو تأويل بعض الأندلسيين.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الرد بالعيب فيما فات من الأعواض هل يعطى له حكم البيع الفاسد لمساواتها في القيمة وأن المرجوع في ذلك إليها في غير ذات المثل، أو لا يعطى له حكمه لاختلافهما في موجب الشرع لأن الرد في البيع الفاسد جبري والرد بالعيب أمر اختياري فافترقا.
فإن كان فواته مما هو أعلى فلا يخلو من أن يكون مما يمكن الرد معه مثل أن يعقد فيه عقدًا من عقود الحرية فإنه يرجع بقيمة المعيب في ذمة بائعه قولًا واحدًا.
فإن كان مما يمكن الرد معه كنقصان الذات وزيادتها فمنصوص المذهب على أنه يرجع بقيمة العيب في الذمة لا في عين العبد.
ويتخرج فيها قول آخر أنه يرجع في عين العبد ويكون شريكا ليكون عين شيئه.
فإن كان [الهالك] (١) هو الأدنى من الثوبين وتغيب الأعلى، فإن كان العبد قائما فإنه يرد القائم من المعيب وحده ويأخذ ما ينوبه من قيمة العبد، ويمضي الأدنى بما ينويه من قيمة العبد، وهو مذهب "المدونة"، وإن كان قد أعقد هذا الوجه في "الكتاب" ولم يذر فيه إلا أصولا تدل عليه.
والثاني: أنه يرد الثوب القائم المعيب مع قيمة الهالك ويأخذ قيمة عبده وهو رأي الأندلسيين. واختلف في القيمة متى تعتبر على قولين قائمين من
_________________
(١) في أ: الهلاك.
[ ٧ / ١٣٧ ]
"المدونة" على اختلاف الروايات فيها:
أحدهما: أن القيمة فيها يوم القبض، وهي رواية التميمي، وهو الصحيح.
والثاني: أن المعتبر في ذلك يوم الصفقة، وهذا ينبني على الخلاف الذي قدمناه في الرد بالعيب هل يعطى له حكم الفاسد فيما يرجع إلى القيمة أم لا؟
فإن كان العبد هو المعيب فإن مشتريه يرده ويأخذ ثوبيه إن كانا قائمين أو قيمتهما إن كانا فائتين.
فإن فات أحدهما وهو الأعلى كان فوتًا للأدنى، ويأخذ قيمتها إلا أن يريد البائع أن يأخذ الأدنى مع قيمة الأعلى كان ذلك له؛ لأن الحق له.
وإن فات الأدنى أخذ الأعلى مع قيمة الفائت، ويرد العبد إن شاء، والحمد لله وحده.
[ ٧ / ١٣٨ ]
المسألة الرابعة فيمن اشترى سلعة فلم يقبضها حتى هلكت عند البائع أو هلكت ثم علم أن بها عيبا، وما الذي يكون قبضها وتصير به في ضمان المشتري إذا وجد
ولا تخلو السلعة المبيعة من وجهين:
أحدهما: أن تكون محبوسة بالثمن عند البائع أو تكون في حكم المحبوسة بالثمن.
والثاني: أن تكون غير محبوسة في ثمن.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كانت محبوسة في الثمن أو هي في معنى المحبوسة مثل أن لا يصرح البائع بالحبس ولا مكن المشتري من القبض حتى هلكت السلعة، فلا يخلو إهلاكها من وجهين: إما أن يكون بسبب سماوي، أو بسبب آدمي.
فإن كان هلاكها بسبب سماوي فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الضمان فيها من البائع.
والثاني: أن الضمان فيها من المشتري، والقولان لمالك في "الكتاب".
والثالث: التفصيل بين أن يكون المشتري من أهل البلد وهو موسر فيكون الضمان من البائع، أو يكون غريبًا أو بلديًا معسرًا فيكون الضمان من المشتري، وهو قول مالك في "مختصر ما ليس في المختصر".
وسواء كان المبيع في جميع هذه الأقوال مما يغاب عليه أو مما لا يغاب عليه، حاضرًا كان أو غائبًا.
[ ٧ / ١٣٩ ]
وسبب الخلاف: اختلافهم في المخاطب بالتسليم أولًا هل البائع مخاطب بتسليم المبيع فبعد ذلك يخاطب المشتري بتسليم الثمن، أو المشتري مخاطب أولا بتسليم الثمن وبعد ذلك يخاطب البائع بتسليم المبيع؛ فإذا قلنا بأن البائع مخاطب بالتسليم أولًا كان الضمان من المشتري؛ إذ بالعقد صارت في ضمانه والعقد بيع على الحقيقة والتقابض من كماله.
فإن قلنا: إن المشتري مخاطب بتسليم الثمن أولا كان الضمان من البائع ببقاء المبيع في ملكه وتحت يده، والبيع هو التقابض دون العقد بل هو السبب الموصل إلى التقابض، وهذا القول أضعف الأقوال.
وأما القول الذي فصل فيه بين البلدي الموسر والغريب والبلدي المعسر فهو حوم على هذا الأصل إذا اعتبرته.
فإن كان الهلاك بسبب آدمي فلا يخلو من أن يكون بسبب البائع، أو بسبب المشتري، أو بسبب أجنبي.
فإن كان ذلك بسبب البائع فعلى البائع لأن الضمان من البائع ينفسخ البيع.
ثم لا يخلو الثمن الذي اشترى به المشتري من أن يكون [من] (١) الجنس الذي تقوم به الأشياء، أو من غير جنسه.
فإن كان من جنسه فلا يخلو من أن يستهلكه خطأ أو عمدًا.
فإن استهلكه خطأ فلا شيء للمشتري على البائع إن كانت القيمة أكثر من الثمن.
فإن استهلكه عمدا أو كانت القيمة أكثر من الثمن غرم البائع فضل
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٧ / ١٤٠ ]
القيمة على الثمن، ولا شيء له عليه إن كانت أقل.
فإن كان الثمن من غير الجنس الذي تقوم به الأشياء؛ مثل أن يكون الثمن عرضا كان المشتري بالخيار بين أن يفسخ البيع عن نفسه أو يدفع الثمن الذي اشتراه به ويرجع بالقيمة.
وعلى القول بأن الضمان من المشتري يكون العمد والخطأ سواء؛ فعلى المشتري الثمن وعلي البائع القيمة.
فإن تجانسا تقابضا، ومن له الدرك على صاحبه وجه به عليه.
فإن لم يتجانسا غرم البائع القيمة وغرم المشتري الثمن.
فإن استهلكه المشتري فعلى القول بأن الضمان من البائع ينظر فإن استهلكه خطأ انفسخ البيع ويغرم المشتري أكثر من الثمن أو القيمة؛ لأنه بالخطأ أبطل الدين الذي عليه، فعلى القول بأن الضمان من المشتري يكون عليه الثمن -قل أو كثر- لأنه صار في معنى المقبوض.
فإن استهلكه عمدا غرم الثمن على القولين جميعا؛ لأن ذلك يعد منه رضا بقبضه على تلك الحال.
فإن استهلكه أجنبي عمدا أو خطأ فعلى القول بأن الضمان من البائع يكون على الأجنبي الأكثر من القيمة أو الثمن؛ لأن خطأه على السلعة أبطل على البائع الدين الذي له عليه في ذمة المشتري. وعلى القول الآخر تكون القيمة للمشتري على الذي استهلكه وعليه الثمن للبائع.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كانت السلعة المبيعة غير محبوسة في ثمن فلا تخلو من أن تكون مما يتعلق به حق التوفية أم لا. فإن كان مما يتعلق به حق التوفية كالمكيل والموزون والمعدود إذا اشتراه على كيل أو وزن
[ ٧ / ١٤١ ]
فلا خلاف أنه في ضمان البائع حتى يقبضه المشتري وصار في وعائه.
واختلف إذا هلك وهو في المكيال أو في كفة الميزان على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الضمان من البائع حتى يصب في وعاء المشتري.
والثاني: أنه من المشتري وإن لم يصل إلى وعائه.
والقولان لمالك - ﵁ -.
والثالث: التفصيل بين أن يكون المشتري هو متولي الكيل والوزن فيكون الضمان منه، وإن كان المتولي لذلك هو البائع أو وكيله فالضمان من البائع، وهو قول سحنون.
وسبب الخلاف: أجرة الكيل على من تكون؟ قيل: على البائع، وقيل: على المشتري، فمن رآها على البائع قال: الضمان منه -وهو الأظهر- ومن رآها على المشتري قال الضمان منه، وإن كان المبيع مما لا يتعلق به حق التوفية فلا يخلو البائع من أن يمكن المشتري من القبض أو لا يمكنه.
فإن لم يمكنه من القبض فهو فصل المحبوسة في الثمن، وقد قدمناه.
فإن مكنه من القبض هل يكون ذلك كالقبض أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أن التمكين كالقبض، وهو مشهور المذهب والمنصوص فيه.
والثاني: أن التمكين [ليس كالقبض] (١)، وهذا القول مخرج غير منصوص عليه في المذهب.
وقد حكى الحفيد إجماعًا في المذهب أن التمكين في البيع الصحيح
_________________
(١) مكانه بياض بالأصل.
[ ٧ / ١٤٢ ]
قبض، وما قاله ليس بصحيح؛ لأن لنا في "المدونة" مسائل تدل على أن التمكين ليس بقبض.
وأما إذا اشترى سلعة ثم علم أن بها عيبا بعد أن هلكت فلا يخلو هلاكها من وجهين: إما أن يكون قبل القيام بالعيب، أو بعد القيام.
فإن هلكت بعد القيام بالعيب وكان هلاكها من غير سبب العيب فلا خلاف أن ضمانها من المشتري، وله الرجوع على البائع بقيمة العيب.
فإن هلكت بعد القيام بالعيب فممن ضمانها؟
فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: [أنها] (١) في ضمان المشتري حتى يحكم السلطان بردها على البائع، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنها في ضمان المشتري وإن قضى له السلطان بالرد حتى يقبضها البائع، وهو أحد قولي مالك في "كتاب محمَّد".
والثالث: أنها في ضمان البائع بيقين بنفس إثبات المشتري العيب عند السلطان.
والرابع: أنه إذا أشهر المبتاع أنه غير راض فقد برئ من الضمان إلا أن يطول الأمد حتى يرى أنه راض به، وهو قول أصبغ. [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ١٤٣ ]
المسألة الخامسة إذا اشترى جارية على جنس فوجدها على خلافه
فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يشترط الأعلى فيجد الأدنى.
والثاني: أن يشترط الأدنى فيجد الأعلى.
والثالث: أن يشترط جنسًا فوجد غيره مما يتفق معه في العلاوة.
فإن اشترط الأعلى فوجد الأدنى، مثل أن يشتري جارية على أنها بربرية فوجدها أسبانية أو إبرية فله الرد قولًا واحدًا.
فإن اشترط الأدنى فوجد الأعلى؛ مثل أن يشتريها على أنها إبرية فوجدها بربرية أو خراسانية فلا رد له؛ لأنه وجد أحسن مما اشترط، إلا أن يدعي وجها؛ مثل أن يكون شراء البربريات لما يخاف من أصولهن وسرقتهن كما قال في "الكتاب" فيكون له الرد فيقبل قوله.
ومعنى قوله في "الكتاب": "وسرقتهن" أنهن يسرقن لا يسرقن من مال ساداتك، فإن اشترط جنسا فوجد جنسا غيره مما يوافقه في العلاوة؛ مثل أن يشتريها على أنها بربرية فوجدها خراسانية فقد قال في "المدونة": له أن يردها.
وكذلك إن اشتراها على أنها خراسانية فوجدها بربرية فله أن يردها أيضًا؛ لأن ذلك مما تختلف فيه الأغراض، وهو قوله في "المدونة".
فإن اشتراها على أنها مسلمة فوجدها نصرانية، أو اشتراها على غير شرط كان له الرد.
[ ٧ / ١٤٤ ]
وإن اشتراها على أنها نصرانية فوجدها مسلمة فهل يمكن من الرد أم لا؟
على قولي:
أحدهما: أنه لا يمكن من الرد، والإسلام ليس بعيب.
والثاني: أن له الرد بحجة أن يقول: إنما أردت تزويجها لعبدي النصراني أو ما أشبه ذلك مما يشبه إن ادعاه.
وقد وقع في "الكتاب" سؤال طاشت فيه الأحلام وحارت فيه الأوهام؛ وهو قوله في الذي اشترى جارية فأراد أن يتخذها أم ولد فإذا نسبها من العرب، فأراد أن يردها بذلك خوفا أن تلد منه فتعتق فيجر العرب ولاءها دون ولده، فقال مالك: إن ذلك ليس بعيب يرد به، وليس المراد أن المشتري شرط هذا الشرط ولو اشترطه لفسد العقد، ولكن معناه أنه نواه وأضمره في قلبه من غير أن يصرح به فاختلف في تأويل قوله في ذلك.
وجواب مالك - ﵁ - هل ورد على تصحيح قول المشتري وتقريره أو ورد على تكذيبه وردا لما يدعيه السائل؟
على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك منه تصحيح للدعوى أو تقريره وأنها إن عتقت كان ولاؤها للعرب لا لولد السيد، وهو تأويل سحنون، ويحيى بن عمر، وغيرهما؛ لأن مالكا لم ينكر قول السائل، وإنما قال له بعد تسليم علته: لا أرى هذا عيبا ولو أنه لم ير علته صحيحة وأن ولاءها لمعتقها لا للعرب قال: لا أرى لك ردها ولا أرى ذلك عيبا. وإنما كان يقول: لا أرى لك ردها، ولا حجة فيما اعتللت به؛ إذ ولاؤها لأولادك وعصبتك.
وذكر سحنون أن أصحاب مالك مجمعون أن الولاء إنما يكون للمعتق
[ ٧ / ١٤٥ ]
فيمن أعتق من العجم، فأما رقيق العرب فلا ولاء فيهم لمعتقهم.
والثاني: أن جواب مالك -﵀- ورد على تكذيب السائل وتقريعه وردا لما يدعيه، وأن الولاء لمن أعتق على كل حال كان المعتق من العجم أو من العرب.
والثالث: أن معنى قوله: "جر العرب ولاءها" أي: نسبها، ومعناه أن نسبها يستفيض ويستطير؛ يقال: فلانة بنت فلانة حتى يساء مولاها إذ المولى الأسفل إنما يعرف ويشتهر بسيده، وبه تكتب شهادته في الوثائق ويقول: فلان من فلان مولى فلان، ورأى مالك أن ذلك ليس بعيب وأنه ليس بمنفعة مقصودة في العتق على كل حال؛ لأن ذلك أمر قد يكون وقد لا يكون؛ إذ قد تموت الجارية الآن فلا يبقى لها الولاء يرغب فيه، وقد يموت ولدها وينقطع نسبه، وقد لا يولد له ولد أصلا، وهو تأويل ابن حبيب، وأشهب، والقاضي.
فيتحصل في ولاء العرب إذا عتقوا قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أن ولاءها للعرب لا للمعتق، وهو مشهور المذهب على ما حكاه سحنون، وهو ظاهر قوله في "كتاب العيوب"، وقد قال يحيى بن عمر في "السليمانية" في قريش تزوج أمة رجل من العجم فأولدها وأعتق الرجل ولدها إنهم يرجعون إلى أنساب قريش حتى كأنهم لم يمسهم رق قط، وكذلك جميع العرب؛ لأن أنسابها معروفة يتوارث بها.
والثاني: أن ولاءها للمعتق دون قومها كالعجم، وهو قول أشهب، وادعى بعضهم في ذلك إجماع المذهب على عكس ما ذكره سحنون، وهذا القول قائم من "كتاب الجهاد" من "المدونة" حيث قال في العرب: إذا سبوا فإنهم بمنزلة الأعاجم مجملا، ولم يفصل، وهذا الخلاف ينبني على
[ ٧ / ١٤٦ ]
اختلافهم في تأويل قول مالك - ﵁ -.
ولا خلاف أن النسب الداني مقدم على الولاء بكل حال في العرب والعجم [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ١٤٧ ]
المسألة السادسة إذا اشترى سلعة ثم باعها فادعى بعد البيع أنها بها [عيب] (١)
فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يبيعها من [بائعها] (٢).
والثاني: أن يبيعها من غير [بائعها] (٣).
فإن باعها من [بائعها] (٤) فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يبيعها بمثل الثمن، أو بأقل، أو بأكثر.
فإن باعها بمثل الثمن ثم وجد بها عيبًا كان عند البائع الأول فلا مراجعة بينهما قولًا واحدًا، سواء علم بالعيب أو لم يعلم.
فإن باعها بأكثر من الثمن الأول فلا يخلو المشتري الآخر من أن يعلم بالعيب أو لا يعلم.
فإن علم بالعيب لم يكن له الرجوع على المشتري الأول بشيء.
فإن لم يعلم كان له أن يرده على الذي اشتراه منه آخرًا إلا أن يرضى المشتري الأول أن يرد عليه الفضل الذي بين الثمنين فيلزمه البيع؛ لأن مآل أمرهما في المراجعة إلى ذلك.
_________________
(١) في أ: عيبا.
(٢) في أ: بائعه.
(٣) في أ: بائعه.
(٤) في أ: بائعه.
[ ٧ / ١٤٨ ]
فإن باعها بأقل من الثمن فلا يخلو المشتري الأول من أن يعلم بالعيب أو لا يعلم.
فإن علم بالعيب وحده فلا قيام له على البائع الأول لتمام الثمن؛ لأن ذلك منه رضًا بإسقاط حق العيب، ومن تصرف في البيع بعد العلم بالعيب فلا قيام له بعد ذلك، فإن لم يعلم بالعيب فهل له الرجوع على البائع الأول بتمام الثمن أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن له الرجوع عليه بتمام الثمن؛ لأنه يقول: كان لي أن أرده عليك وهذا هو في يدك، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه لا يرجع عليه بشيء، وهو ظاهر قول ابن القاسم في مسألة الخلع في التي اختلعت من زوجها، ثم علمت أن به عيبا يوجب لها الخيار حيث قال: ليس لها أن ترجع على الزوج بشيء من الخلع، فعلى هذا لا يكون للمشتري أن يرجع علي البائع منه بشيء؛ لأن السلعة في يد البائع الأول بعقد ثان، وهذا الاستقراء لبعض المتأخرين.
وأما الوجه الثاني: إذا باعها من غير [بائعها] (١) فلا يخلو من أربعة أوجه:
أحدها: أن يعلم بالعيب قبل أن يبيعها.
والثاني: أن يعلم به بعد أن باعها.
والثالث: أن يبيعها وهو عالم بالعيب وبين إلا أنه يظن أنه قد حدث عنده.
_________________
(١) في أ: بائعه.
[ ٧ / ١٤٩ ]
والرابع: ألا يعلم بالعيب إلا بعد أن اشتراها مرة ثانية.
فإن علم بالعيب قبل أن يبيعها فلا خلاف أنه لا حجة على البائع الأول ولا رجوع.
فإن علم به بعد البيع فلا يخلو المبيع من أن يكون قائمًا بيد المشتري الثاني، أو فائتا.
فإن كان قائمًا فهل للمشتري الأول الرجوع على البائع الأول بقيمة العيب أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يرجع عليه بشيء، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب" لأنه في بيعه على أحد وجهين: إما أن يبيع بمثل الثمن فقد عاد إليه ثمنه، وإما أن يبيع بأقل، فإن النقض لم يكن لأجل العيب.
والثاني: التفصيل بين أن يبيع بمثل الثمن فأكثر فلا يرجع بشيء وبين أن يبيع بأقل من الثمن فيكون له الرجوع على البائع الأول بالأقل من قيمة العيب أو ما نقص من الثمن، وهو قول أشهب.
والثالث: أن له الرجوع بقيمة العيب على حال كما لو هلك المبيع.
فإن باع بمثل الثمن أو أكثر؛ لأن ذلك يكون لزيادة المبيع في نفسه أو لغلاء سوق أو لمعاملة كانت في وقت الشراء، وهو قول مالك في "مختصر ابن عبد الحكم".
وسبب الخلاف: الطوارئ هل تراعى أم لا تراعى؛ فمن اعتبرها قال: لا يرجع على البائع بشيء؛ لاحتمال أن يعود إليه يوما فيمكن من الرد على البائع الأول.
[ ٧ / ١٥٠ ]
ومن لم يعتبرها قال: يرجع عليه بقيمة العيب في الحال من غير اعتبار بما باع به إن كانت أقل من الثمن الذي به اشترى أو أكثر.
والقول باعتبار الأقل توسط بين القولين.
فإن فات المبيع بيد المشتري الثاني فواتا لا يمكن الرجوع معه إلى يد المشتري الأول فإنه يرجع على البائع الأول بقيمة العيب.
فإن علم بالعيب حين باع وبين وظن أنه حدث عنده، أو باعها وكيله وهو عالم بالعيب وبين وظن أن عند الأمر حدث فإنه يرجع على البائع بالأقل من قيمة العيب أو إتمام الثمن قولا واحدًا.
فقول ابن القاسم الذي يقول: إذا علم بالعيب بعد البيع أنه لا يرجع على البائع بشيء.
فإذا اشتراه يوما هل له أن يرده على البائع الأول أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن الرد عليه، وأن شراءه بعد العلم بالعيب لا يمنعه من الرد؛ لأنه يقول: [أنا] (١) اشتريته لأرده، وهذا ظاهر قول ابن القاسم وأشهب في "الكتاب"، وعليه أكثر المحققين حمل قوله في "الكتاب": إذا اشترى عبدًا فباعه ثم ادعى عيبًا لم يكن له أن يخاصم بائعه، لكن إن رجع إليه يومًا ما بشراء أو غيره كان له أن يرده على بائعه، وهذا يكاد أن يكون نصًا.
والثاني: أنه لا يمكن من الرد من البائع الأول إذا اشتراه بعد العلم، وهو تأويل بعض الشيوخ على "المدونة"، وهو تأويل ضعيف نقله القاضي
_________________
(١) في أ: إذا.
[ ٧ / ١٥١ ]
أبو الفضل.
وأما إذا لم يعلم بالعيب حتى اشتراه مرة ثانية أو ورثه أو تصدق به عليه؛ فإن عاد إليه بالشراء كان له الخيار إن شاء رده على الأول أو على الآخر، فإن رده على البائع الأول كان ذلك له ثم لا رجوع له على البائع الآخر بقيمة العيب لأخذه الأول بالعهدة، ثم ينظر إلى الثمن الذي باعه به منك الآخر فإن كان مثل الثمن الذي ابتاعه منك أولًا فلا يرجع عليك بشيء، وإن كان أقل رجع إليك بتمام الثمن لا بأقل؛ لأنه له رده عليك ويأخذ جميع الثمن، وها هو ذا في يده، ولا خلاف في هذا الوجه.
فإن رده على الآخر كان هو بالخيار أيضًا بين الرضا به أو رده على الأوسط؛ لأن عهدته عليه، فإن رده عليه كان له هو أن يرده على الأول إن شاء.
فإن لم يرده الآخر على الأوسط ورضى بعيبه فهل للأوسط الرجوع على الأول بقيمة العيب أم لا؟
فالمذهب على قولين منصوصين في "الكتاب":
أحدهما: أنه لا رجوع على الأول بشيء كان [ما] (١) باعه به أقل مما اشتراه به أو أكثر.
والثاني: التفصيل بين أن يكون ما باعه به المتوسط من الراضي بالعيب أقل مما ابتاعه من الأول فيكون له الرجوع على البائع الأول بالأقل من تمام الثمن أو من قيمة العيب، وبين أن يكون ما باعه به مثل الثمن أو أكثر فلا يكون له عليه الرجوع بشيء.
_________________
(١) في أ: مما.
[ ٧ / ١٥٢ ]
والقولان حكاهما سحنون في "المدونة".
ولو وهبه لك المبتاع أو تصدق به عليك لرجع عليه بقيمة العيب من الثمن الذي بعته به منه، ثم لك رده على بائعك الأول وأخذ جميع الثمن منه ولا كلام له في ذلك.
ولو ورثته من مبتاعه منك كان له رده على البائع الأول وأخذه بجميع الثمن؛ لأن ما وجب للميت عليك قد ورثته منه.
فهذا تحصيل هذه المسألة وتنزيل فصولها وتلخيص وجوهها، فإذا فهمتها وأحطت العلم يتبين لك أن أشهب موافق لابن القاسم في المسألة، وأن كلامه تفسير لقول ابن القاسم، وأن كل واحد منهما تكلم على ما لم يتكلم عليه الآخر. والحمد لله وحده.
[ ٧ / ١٥٣ ]
المسألة السابعة في الرجلين إذا اشتريا سلعة ثم ظهرا على عيب وقد تبايعاها
فلا يخلو اطلاعهما على العيب من وجهين: إما أن يكون ذلك قبل أن يتبايعاها، وإما أن يكون ذلك بعد أن تبايعاها.
فإن كان ذلك قبل أن يتبايعاها، فإن اتفقا في الرضا بالعيب أو الرد فلا كلام، فإن اختلفا [فدعى] (١) أحدهما إلى الرد وأراد الآخر الإمساك فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة".
أحدهما: أن من شاء منهما أن يرد أو يحبس كان ذلك له، ولا حجة في ذلك للبائع، وهذا قول ابن القاسم في "كتاب الخيار" و"كتاب التدليس بالعيوب"، وقال مالك: وما أرى أن يكون للبائع مقال.
والثاني: أن من أراد الرد لا يمكن وحده حتى يردا جميعًا أو يحبسا جميعًا، وهو قول أشهب في كتاب "بيع الخيار".
وقول ابن القاسم أصح، ووجهه أن البائع على ذلك وبذمتين رضى؛ إذ لا يتبع كل واحد منهما عند الفلس إلا بما في ذمته.
ووجه قول أشهب اعتبار حق البائع في تبعيض صفقته وعليه في ذلك ضرر بين.
فإن كان ذلك بعد أن تبايعاها فيما بينهما ثم علما بالعيب: أما الذي باع
_________________
(١) في أ: فادعى.
[ ٧ / ١٥٤ ]
حصته من شريكه فإنه يتخرج على الثلاثة أقوال التي قدمناها:
أحدهما: أنه لا يرجع على الأول بشيء، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه يرجع بتمام الثمن إن باع بأقل مما اشترى به، وهو قول أشهب.
والثالث: أنه يرجع بقيمة العيب -باع بأقل أو بأكثر- وهو قول ابن عبد الحكم، وروايته عن مالك.
وأما الذي اشترى حصة شريكه فعلى القول بأن شريكه الذي باع نصفه يرجع على البائع الأول إما بتمام الثمن على قول، وإما بقيمة العيب على قول، ففيه قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أن له أن يرد نصفه على بائعه الأول دون النصف الذي اشترى من شريكه، ويكون نصف المبيع في يديه ونصفه في يد البائع الأول، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثانى: أنه لا يمكن من الرد إلا برضا البائع الأول لحجته في تبعيض صفقته، وهو قول أشهب في "كتاب بيع الخيار" من "المدونة".
وعلى القول بأن الذي باع حصته لا يرجع على البائع الأول بشيء فإنه يتخرج على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة".
أحدها: أنه لا يرد على البائع الأول إلا بتهمته خاصة، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه لا يرد عليه ولا يرجع إلا بنصف العيب خاصة، وهو قول
[ ٧ / ١٥٥ ]
أشهب.
والثالث: أن له أن يرد جميع المعيب على البائع الأول؛ لأن له عليه العهدة في النصف الذي اشترى وهو في النصف الثاني غريم غريمه، وعهدتهما جميعًا عليه، وهذا القول قائم من "المدونة" من "كتاب المديان"، و"كتاب الشفعة" وغيرهما من كتب "المدونة"، وهو قول ابن كنانة وأصبغ في "كتاب محمد".
فعلى القول بأنه لا يرد على البائع الأول إلا قدر حصته فإنه يرد على شريكه النصف الذي اشترى منه ثم يرد هو على بائعه الأول إن شاء. [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ١٥٦ ]
المسألة الثامنة في الثلاث عيوب
وهو أن يشتري سلعة وبها عيب ظاهر علم به المشتري، ثم اطلع على عيب آخر قد دلس به البائع وقد حدث عنده عيب آخر، فلا يخلو هذا البيع من أن يكون صحيحًا أو فاسدًا، فإن كان صحيحًا فلا يخلو من أن يكون بيع بتل، أو بيع على خيار.
فإن كان بيع بتل فلا يخلو من أن يريد الإمساك أو يريد الرد.
فإن أراد الإمساك فإن البيع يقوم قيمتين: يقوم بالعيب الذي رضي به المشتري فيقال: ما يساوي؟ فإن قيل: قال ما يساوي وبه العيب الذي دلس به البائع فيقال: ثمانين فقد نقص في المبيع الخمس، فيرجع المشتري على البائع بخمس الثمن -كان الثمن دينارًا أو مائة- كأنه اشترى خمسة أجزاء وقبض أربعة، فصار البائع قد قبض جزءا من الثمن لم يدفع عنه عوضًا، ولا إشكال في هذا الوجه.
فإن اختار الرد هل يقوم المبيع قيمتين أو ثلاثة أو لا يلتفت إلى القيمة جملة، فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يقوم ثلاث قيم، يقال: ما يساوي بالعيب الذي رضي به المشتري؟ فإن قيل: مائة قيل: ما يساوي بعيب التدليس؟ فيقال: ثمانين، فيقال: ما يساوي بالعيب الذي حدث عند المشتري؟ فإن قيل: ستين فإنه يرد مع المبيع خمس الثمن، وسماه في "الكتاب" ربعا، والأمر في ذلك واحد؛ سمى خمسًا بالنسبة إلى جميع الثمن أو سمى ربعا بالنسبة إلى ما يبقى من
[ ٧ / ١٥٧ ]
الثمن بعد نقص عيب التدليس، وهذا هو ظاهر "المدونة" في "كتاب بيع الخيار" و"كتاب العيوب"، وهو الذي نص عليه في "كتاب محمَّد"، وقاله فضل بن سلمة وغير واحد، وهو الصواب.
والثاني: أنه يقوم قيمتين: قيمتها أولا بالعيب القديم وأخرى بالعيب الحادث عند المشتري، وإلى هذا ذهب أبو سعيد ابن أخي هشام، وفيما ذهب إليه ظلم على المشتري؛ لأنه على المذهب يرد أكثر مما يرد عليه من قيمة العيب الذي حدث عنده.
والثالث: أنه لا يلتفت إلى القيم أصلا، وإنما يلتفت إلى قيمة العيب الحادث عنده وما نقص بالغا ما بلغ، وهو قول أحمد بن المعدل، وهذا بعيد جدًا وخارج عن أصولهم، وقوله في "كتاب بيع الخيار": لا ينظر إلى العيب الحادث في أيام الخيار في شيء من ذلك، وهو قد نظر إليه في التقويم، ومعناه أنه لا ينظر إليه في حطه عن المشتري، لأنه قد رضي به.
فإن كان البيع وقع على خيار فالحكم في التقويم فيه على ما قدمناه في بيع البتل من الخلاف في اعتبار القيمتين أو الثلاثة أو لا تقويم أصلا.
واختلف في القيمة متى تعتبر في بيع الخيار؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن القيمة فيه يوم العقد، وهو قوله في "الكتاب" يقال: ما قيمة هذه وهي عوراء يوم وقعت الصفقة بغير عيب التدليس.
وقال في "كتاب البيع"، وإنما تقوم السلع يوم وقع البيع فيها فأطلق.
وممن قال بهذا القول وحمل ما في "الكتاب" على ظاهره أبو القاسم بن شبلون، وأبو الفضل بن مياس، وغيرهم من شيوخ القرويين.
والثاني: أن القيمة في ذلك تخرج من الاستبراء إن كانت أمة، أو يوم
[ ٧ / ١٥٨ ]
يخرج من أيام الخيار، وهو قول أبي القاسم بن محرز، وجمهور المتأخرين، وتأولوا قوله في "الكتاب": "يوم وقعت الصفقة" على القبض، ويدل على تأويلهم قوله في "كتاب بيع الخيار": وإن أراد الرد نظر إلى العيب الذي حدث عنده كم ينقص منها يوم قبضها فيرد معها.
وقال الشيخ أبو القاسم بن محرز: وهذا الخلاف ينبني على اختلافهم في الضمان فيما بيع على خيار هل هو من البائع أو من المشتري؛ فمن رأى أن الضمان من البائع حتى يقبضها المشتري وتمضي أيام الخيار قال: الضمان يوم القبض، ومن رأى أن الضمان من المشتري قال: تقوم يوم البيع.
ويمكن أن يكون للخلاف سبب آخر وهو بيع الخيار هل هو منعقد من حينه ووقته أو هو منعقد من مبدئه ومنشئه، والخلاف في ذلك في المذهب معلوم وموضع استقرائه من "المدونة" مرسوم.
فإن كان البيع فاسدًا وكان بها عيب في حين العقد فرضي به المشتري، ثم ظهر فيه عيب آخر بعد القبض وفات البيع فإنه يقوم قيمة واحدة، وإن اختار الرد قومت قيمتان.
فإن اختار التماسك هل يقوم معيبًا أو سالمًا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يقوم عليه معيبًا؛ لأن ذمته عمرت بالعيب فلا يغرم فوق ما قبض، وهو قول سحنون، وابن عبدوس.
والثاني: أنه يقوم سالما؛ لأنه قد ملك الرد، وهو قول ابن المواز.
وسبب الخلاف: من خير بين شيئين هل يعد مختارًا لما ترك أم لا؛ وذلك أن المشتري قد ملك الرد فإذا اختار التماسك فكأنه رضي بدفع قيمته سالما، وهذا ضعيف، وقول سحنون أصوب. [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ١٥٩ ]
المسألة التاسعة في المكاتب إذا عجز
هل هو منزوع المال بنفس العجز، أو هو محجور عليه بالعجز أم لا؟
وقد اختلف المذهب في المكاتب هل هو منزوع المال بنفس العجز أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: [أنه] (١) لا يكون منزوع المال بنفس العجز، بل هو على ما هو عليه في الأصل حتى ينتزع السيد ماله، وهو قوله في "كتاب العيوب" في المكاتب إذا باع فوجد المشتري به عيبًا بعد أن عجز المكاتب حيث قال له أن يرد على العبد ويأخذ الثمن من ماله إن كان له مال، وإن لم يكن له مال بيع عليه في الثمن.
ويؤخذ من هذه المسألة أيضًا أن المكاتب له أن يعجز نفسه وإن كان له مال ظاهر من قوله ويأخذ الثمن من ماله بعد العجز.
والثاني: أنه يكون منزوع المال بنفس العجز، وهو مذهب أشهب.
ويؤخذ من قول ابن القاسم في "كتاب المكاتب" إذا كاتب عبده ثم عجز الأعلى حيث قال للسيد الأعلى اقتضاء الكتابة من الأسفل، ويؤخذ له من غير ما موضع من "المدونة":
وأما كونه محجورا عليه بنفس العجز وهو قوله في "المدونة" في كتاب "العيوب" حيث قال في المكاتب إذا اشترى فعجز ثم وجد بالعبد عيبًا إن لسيده رده على البائع وإن رضيه العبد؛ لأن المكاتب حين عجز صار
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٧ / ١٦٠ ]
محجورًا عليه.
والثاني: أنه لا يكون محجورا عليه إلا بالحكم أو بالإشهاد، وهو قول ابن القاسم في المأذون له في التجارة في آخر "كتاب المأذون" والمكاتب مثله.
والقول الثالث: أن النظر إلى ما كان عليه المكاتب قبل أن يكاتب؛ فإن كان مأذونًا رجع إلى أصل الإذن، وإن كان محجورًا رجع إلى أصل الحجر، وهو تأويل أكثر المتأخرين على "المدونة". [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ١٦١ ]
المسألة العاشرة إذا اشترى دارًا فوجد بها صدعًا
اعلم أن العيوب تنقسم إلى عيب فاحش مفسد وإلى عيب خفيف غير مفسد.
فأما عيب مفسد فإنه يرد به كل مبيع كيف ما كان.
وأما عيب ليس بمفسد فلا يخلو من أن يكون عيبًا لا ينقص من الثمن، أو يكون عيبًا ينقص منه.
فإن كان عيبًا لا ينقص من الثمن جملة فلا خلاف أعلمه في المذهب أنه لا يرد به.
وأما عيب ينقص من الثمن فلا يخلو من أن يكون ما ينقص من الثمن يسيرًا، أو كثيرًا.
فإن كان ما ينقص من الثمن كثيرا فله الرد أيضا بلا إشكال.
وإن كان ما ينقص من الثمن يسيرا فلا يخلو المبيع من أن يكون ثيابًا أو غيرها من الرياع والحيوان.
فإن كان ثيابًا فإنها ترد بما خف من العيوب، فإذا وجد فيها حرق أو قطع أو ثقب فذلك عيب ترد به وإن قل، وإلا أن يكون ثوبًا يقطع، ومثل ذلك يخرج في التفصيل؛ فلا يكون ذلك عيبا فيها، وهذا نص قول مالك في "الواضحة".
وأما الرياع وسائر الحيوان الناطق منه والصامت فقد اختلف المذهب فيه على أربعة أقوال:
[ ٧ / ١٦٢ ]
أحدهما: أن ذلك ليس بعيب في جميع ذلك جملة بلا تفصيل، وهي رواية [ابن] (١) زياد عن مالك في "كتاب الاستيعاب لأقوال مالك"، وهذا القول قائم من "المدونة" من "كتاب العيوب" من مسألة الكي الذي لا ينقص من الثمن حيث قال: لا يرد به وإن كان عند النخاسين عيب، ومعنى قوله: "لا ينقص من الثمن" أي: لا ينقص منه كثيرًا.
ويؤخذ أيضًا من مسألة الدار إذا وجد فيها صدعًا.
ومثل هذا في "المختصر الكبير"، وإلى هذا ذهب الشيخ أبو جعفر بن رزق القرطبي.
والثاني: أن ذلك عيب في الرياع وغيرها من سائر الحيوان، وأنها ترد من قليلها وكثيرها، حكاه القاضي أبو الوليد الباجي عن بعض الأندلسيين تأويلا على "المدونة" إذا كان الصدع في حائط من الدار وخيف عليه الهدم من أجله، والحائط من الدار في حيز اليسير، وإلى هذا ذهب الشيخ أبو محمَّد عبد الحق، وابن سهل، وغيرهما.
والقول الثالث: التفصيل بين الرياع وغيرها؛ فيرد بالعيب الخفيف الذي ينقص من الثمن قليلا في الحيوان والرقيق دون الرياع، وهو تأويل بعضهم على "المدونة" من قوله: وإن كان صدعًا لا يخاف منه من الدار فلا أرى أن يرد به؛ لأنه قد يكون في الحائط الصدع فيمكث في الحائط ذلك الصدع زمانًا؛ فلا أرى هذا عيبًا.
فظاهر هذا أن المعتبر بالخوف على انهدام الدار خاصة دون نقصان الثمن.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٧ / ١٦٣ ]
والقول الرابع: التفصيل بين أن يكون الصالح في الدار، مثل ما لو استحق لوجب له الرد، وفيما لا يجب له الرد فيه.
فإن كان الصدع فيما لو استحق من الدار لوجب للمشتري الرد كان له أن يرد الدار على بائعها.
وإن كان مما لو استحق لم يمكن من الرد فلا يكون له الرد بذلك العيب أيضا، وهو تأويل أبي الحسن اللخمي.
وعلى القول بأنه لا يرد بالعيب الخفيف هل يرجع بقيمة العيب أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يرجع عليه بما ينوب العيب من الثمن وهو قوله في "كتاب القسمة" من "المدونة" إذا وجد أحدهما في نصيبه عيبًا يسيرًا حيث قال: يرجع بقيمة العيب على صاحبه إذا كان خفيفًا، وهو قول ابن المواز في كتابه.
والثاني: أنه لا يرجع عليه بشيء فكما لا يمكن من رد العيب بعينه فكذلك لا يرجع بقيمته، وهو ظاهر قوله في "كتاب العيوب" في مسألة الكي والصدع.
واختلف في حد اليسير الذي وقع الخلاف في الرد به في الرياع والحيوان على خمسة أقوال:
أحدها: أن الثلث كثير ودون الثلث يسير، وهو قول المخزومي، وبه قال أبو بكر بن عبد الرحمن القروي.
والثاني: أن الربع كثير، وهو قول ابن عتاب، ومثله عن المخزومي أيضا حيث قال: ما نقص من القيمة الثلث فصاعدًا أو أقل من الثلث بيسير
[ ٧ / ١٦٤ ]
هو من العيوب المفسدة.
والثالث: لا حد في ذلك إلا بوجود الضرر فمهما تعيب ما على المشتري فيه ضرر كان له الرد، وهو تأويل بعضهم على "المدونة".
والرابع: أن مثقالين في قيمة العيب قليل، وعشرة دنانير كثيرة، وهو تأويل أبي عمران وابن القطان، ولم يبين مقدار الثمن الذي يكون منه المثقالان قليلًا أو كثيرًا.
الخامس: أن العشرة من المائة كثيرة، وهذا تأويل أبي الوليد بن رشد. والمسألة اجتهادية. [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ١٦٥ ]
المسألة الحادية عشرة في الذي اشترى جارية فزوجها فولت ثم وجد بها عيبًا
هل يكون التزويج فواتًا يوجب للمشتري الرجوع على البائع بقيمة العيب أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أن ذلك فوت يوجب للمشتري الرجوع على البائع بقيمة العيب؛ لأن النكاح يبطل الغرض المقصود منها إن كانت أمه من جواري الوطء، وإن كانت من الوخش والزوج يأوي إلى البائع لكون زوجته عنده أو تتردد هي إليه، وإن شرط الزوج التسري معها كالحرة كان ذلك أبين؛ لأنها تصير منقطعة إليه، وإلى هذا ذهب محمَّد بن مسلمة من أصحاب مالك.
والثاني: أن ذلك ليس بفوت وأن الخيار في ذلك للمبتاع بين أن يردها وما نقص عيب النكاح أو يمسكها ويرجع بقيمة العيب ولا يفسخ النكاح.
وعلى القول بأنه يمكن من الرد إن شاء فلا يخلو من أربعة أوجه: إما أن يموتا جميعا -الولد والأم- وإما أن يعيشا جميعًا، وإما أن يموت الولد دون الأم، أو تموت الأم دون الولد.
فأما الوجه الأول: إذا ماتا جميعًا فإن المشتري يرجع على البائع بقيمة العيب، ولا خلاف في هذا الوجه.
وأما الوجه الثاني: إذا عاشا جميعًا فهل يرد ما نقص عيب النكاح أو يجبر النقص بالولد أو بزيادة البدن؟
[ ٧ / ١٦٦ ]
المذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن النماء يجبر به النقص، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب العيوب" في الولد، وهو قول مالك في "مختصر ما ليس في المختصر" في نماء البدن.
والثاني: أن النماء لا يجبر به النقص لا في زيادة البدن، وهو قول أشهب في "المدونة" في "كتاب العيوب".
والثالث: التفصيل بين الولد ونماء البدن، فالولد يجبر به النقص ولا يجبر بنماء البدن، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الوديعة" من "المدونة".
فعلى القول بأن النقص يجبر بالزيادة فإنه ينظر إلى قيمة الولد أو زيادة البدن فإن كانت كفافًا بقيمة العيب فإنه يرد ولا شيء عليه أو يمسك ويرجع بقيمة العيب.
وإن لم يكن فيه كفاف العيب أتم الباقي.
وإن كان فيه فضل كان للبائع.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الولد هل هو علة أو ليس بعلة، والقولان قائمان من "المدونة" من "كتاب الوصايا" وغيرها على ما سنبينه عليه في موضعه إن شاء الله.
وأما الوجه الثالث: إذا مات الولد دون الأم فلا يخلو من أن يموت حتف أنفه، أو يموت مقتولا.
فإن مات حتف أنفه لم يضمنه المشتري وكأنه لم يكن، والمشتري بالخيار بين أن يمسك ويرجع بقيمة العيب أو يردها بما نقص النكاح.
وإن كان مقتولا فلا يخلو من أن يأخذ له عوضا أم لا.
[ ٧ / ١٦٧ ]
فإن لم يأخذ له قيمة فإنه بمنزلة ما لو مات حتف أنفه.
فإن أخذ له عوضا هل تقوم قيمته مقام عينه أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يرد الأم وما أخذ من قيمة الولد أو عوضه إن باعه، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن ذلك فوت يمنع الرد كالصغير يكبر، وأنه يرجع بالعيب علي كل حال، وهو اختيار اللخمي، وهو ظاهر "الكتاب" في المفلس يبيع الولد الحادث عنده فلا شيء للبائع في ثمنه إذا أخذ ثمنه.
فعلى القول بأن قيمته تقوم مقام عينه فإنه تجري فيه الثلاثة الأقوال التي قدمناها.
وعلى القول بأن قيمته لا تقوم مقام عينه فإن العرض الذي أخذ في القيمة يكون له ويخير بين الرد مع ما نقص النكاح، أو الإمساك ويرجع بقيمة العيب.
وأما الوجه الرابع: إذا ماتت الأم دون الولد فلا يخلو من أن تموت حتف أنفها، أو تموت مقتولة.
فإن ماتت حتف أنفها فهل يقوم الولد مقام الأم أم لا؟
المذهب على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: أن الولد لا يقوم مقام أمه، وأن المشتري يرجع على البائع بحصة العيب من الثمن بعد أن تقوم الأم، وهو قول ابن القاسم في "كتاب العيوب"، ولا خيار في ذلك للبائع.
والثاني: أن الولد يقوم مقام الأم، وأن الخيار في ذلك للبائع بين أن
[ ٧ / ١٦٨ ]
يأخذ الولد على أن يرد جميع الثمن فذلك له، أو يتماسك المبتاع بالولد من غير شيء فذلك له، وهو قول أشهب في "الكتاب"، وقوله في هذه المسألة مثل قول ابن القاسم في "كتاب الغصب" إذا هلكت الأم وبقيت الأولاد حيث قال: للمغصوب منه أخذ الأولاد، ولا شيء له من قيمة الأمهات.
فإن ماتت مقتولة فأخذها عوضًا فالمذهب على قولين منصوصين في "الكتاب".
أحدهما: أنها تقوم مع ولدها، وهو قول ابن القاسم على ما حكاه عنه ابن عبد الحكم في "المختصر الكبير".
والثاني: أنها تقوم يوم الصفقة بلا ولد، وهو مذهب أشهب على ما حكاه فضل بن سلمة وعليه اختصر أبو سعيد في "التهذيب" وغيره من المختصرين.
والقول الثاني من أصل المسألة: إذا أخذ لها عوضًا أن ينظر إلى ما وصل إليها بين عوض الأم فإن كان مثل الثمن الذي يرجع به على البائع فلا حجة له، وهو قول أشهب في "الكتاب".
وهذا الخلاف ينبني على الخلاف الذي قدمناه في الولد هل يقوم مقام الأم؟ وفي قيمة الشيء هل تقوم مقامه أم لا؟
[ ٧ / ١٦٩ ]
المسألة الثانية عشرة إذا اشترى سلعة وبها عيب لم يعلم المشتري به
فهلكت السلعة بسببه، أو جنى المبيع جناية بسبب ذلك البيع، مثل أن يشتري عبدًا فيأبق أو يسرق وما أشبه ذلك: فلا يخلو البائع من أن يكون مدلسا أو غير مدلس.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان مدلسا فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يعلم أن هلاكه من سبب ذلك العيب، أو لم يعلم.
فإن علم ذلك؛ مثل أن يسرق فتقطع يده فيما فيه القطع، أو دلس بالإباق فأبق فاقتحم نهرًا فغرق فيه، أو دخل في عار يستخفي فيه فنهشته حية، أو تردى من جبل فمات، أو عطب، أو دلس بمرض فمات من سببه، أو تحمل فماتت من النفاس، فهذا كله مما لا ضمان فيه على المشتري، والضمان فيه من البائع.
فإن مات المبيع من ذلك فإنه يرد الثمن على المشتري، وإن تعيب منه كان للمشتري الخيار إن شاء رده وإن شاء حبسه، ويرجع بقيمة العيب، ولا إشكال في هذا الوجه، فإن لم يثبت ذلك ولا علم أن سبب هلاكه من ذلك فلا يخلو من أن يعلم بالعيب قبل الهلاك أو لم يعلم به.
فإن علم به قبل أن يهلك المبيع فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يمضي [من] (١) وقت علمه ما يرى أنه راض به.
_________________
(١) في أ: بين.
[ ٧ / ١٧٠ ]
والثالث: أن يشكل الأمر.
فأما إذا مضى من [وقت] (١) علمه ما يرى أنه راض بالعيب لتركه القيام به مع التمكن فلا قيام له بعد ذلك لا في الثمن ولا في قيمة العيب، ولا إشكال في ذلك.
فإن مضى من ذلك ما يعد رضًا؛ مثل أن يبادر في الطلب ولم يفرط بعد علمه بالعيب أو لم يعلم عندما ضربها الطلق فطلب الرد فلم يصل إليه ولا إلى سلطان حتى ماتت وعلم ذلك منه ببينة فهي من البائع، ولا ضمان على المشتري، ولا يمين عليه للبائع، وهو قول أشهب في "المدونة"، وقوله تفسير للمذهب.
فإن مضى بعد علمه ما يشكل أمره هل هو راض أم لا كاليوم ونحوه فإنه يتخرج في المذهب [قولان] (٢):
أحدهما: أن الضمان فيه من المشتري؛ لأن تركه القيام بالرد مع الإمكان بعد العلم دليل على الرضا بالعيب.
والثاني: أن الضمان فيه من البائع، وعلى المشتري اليمين بالله تعالى أنه لم يكن ذلك منه رضا، وهو قوله في "الكتاب".
فإن لم يعلم بالعيب حتى هلك فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الضمان فيه من البائع، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه من المشتري ويرجع بقيمة العيب خاصة، وهو قول أشهب
_________________
(١) في أ: يوم.
(٢) سقط من أ.
[ ٧ / ١٧١ ]
في "كتاب محمَّد" حيث قال: ومن يعلم أنها ماتت من النفاس أو من ذلك المرض.
والأول أظهر وأصوب.
وأما إن جنى جناية من سبب ذلك العيب؛ مثل أن يكون عبدًا فيسرق سرقة لا قطع فيها لكونها في غير حرز فلا تخلو سرقته من أن تكون من مال المشتري، أو من مال غيره.
فإن سرق من مال غيره كان للمشتري أن يرده ويأخذ جميع الثمن، أو يمسكه ويرجع بقيمة العيب.
فإن اختار رده كانت معاملة المسروق منه في تلك الجناية مع البائع يفتديه منه أو يسلمه بقيمة الشيء المسروق.
فإن اختار أن يحبسه كانت معاملة المسروق منه مع المشتري.
فإن كانت سرقته من المشتري فقد اختلف فيها على أربعة أقوال:
أحدها: أن ذلك في ذمته، وهو قول مالك - رحمه الله تعالى.
والثاني: أن ذلك في رقبته وهو قول سحنون.
والثالث: أن ذلك ساقط عنه؛ لا يكون ذلك في رقبته ولا في ذمته، وهو قول ابن حبيب.
والرابع: التفصيل بين أن يسرق من موضع أذن له فيه فيكون في ذمته، وبين أن يسرق من موضع محجور عليه فيكون في رقبته، وهو قول بعض المتأخرين.
وسبب الخلاف: هل يعتبر حال التدليس فيعد كأن العبد باق عند بائعه فتكون جنايته في رقبته، أو يعتبر بانتقال الملك بدليل كون الخيار في الرد
[ ٧ / ١٧٢ ]
والرضا للمشتري فيسقط ذلك عن العبد لأنه غيره حتى يحكم.
والقول بأن ذلك في ذمته توسط بين القولين والقول بالتفصيل مراعاة الشبهة.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان البائع غير مدلس فلا يخلو العيب من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون عيبًا قديمًا فعلم [قدمه] (١) عند البائع.
والثاني: أن يكون عيبًا يعلم حدوثه عند المشتري فهذا لا حجة له على البائع في الرد.
وأما الوجه الثالث: أن يكون عيبًا مشكوكًا فيه يحتمل أن يكون قديمًا عند البائع ويحتمل أن يكون حادثًا عند المشتري.
فأما الوجه الأول: إذا كان قديمًا عند البائع بسببه يقوم عليه أو بإقرار منه فقد [تقدم] (٢) الكلام عليه في أول الكتاب في القيام والفوات.
وأما الوجه الثاني: إذا علم حدوثه عند المشتري فهذا لا حجة له على البائع في الرد.
وأما الوجه الثالث: إذا كان عيبًا مشكوكًا فيه مما يمكن أن يحدث مثله عند المشتري ويمكن أن يكون عند البائع، وكل واحد منهما تبرأ منه فلا يخلو من أربعة أوجه: إما أن يقوم له شاهد واحد على أن العيب قديم عند البائع، وله أن يدعي أن مخبرًا أخبره بذلك، وإما أن يدعي قدم الغيب بلا شاهد ولا لطخ.
_________________
(١) في أ: قدومه.
(٢) في أ: تم.
[ ٧ / ١٧٣ ]
وإما أن يقول: لا أدري هل هو قديم أو حادث.
فإن شهد له شاهد واحد على قدم العيب عند البائع فإن المشتري يحلف مع شاهده، وهل يحلف على البت أو على العلم؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يحلف على البت، وهو قوله في "كتاب محمَّد".
والثاني: أنه يحلف على العلم، وهو ظاهر قول أشهب فيما إذا لم يكن له شاهد.
والثالث: التفصيل بين أن يدعي المشتري أن العيب قديم كما شهد به الشاهد فيحلف على البت، أو قال: لا علم لي سوى قول الشاهد ثم لا يحلف أصلا، وهو اختيار اللخمي، قال: وهو الصحيح من المذهب، والذي اختاره خلاف مذهب "المدونة"؛ لجواز اليمين مع الشاهد وإن لم يعلم المشهود له صحة ما أشهد له به، بل قال في "المدونة": كما يحلف الصبي إذا بلغ مع شاهده إذا شهد له بحق كان لأبيه قبل أن يولد هو.
فإن نكل عن اليمين فهل يحلف البائع على العلم أو على البت؟ وهو قول ابن المواز.
والثالث: التفصيل بين العيب الظاهر أو الخفي؛ [أما الأول] (١) فيحلف في الظاهر على البت، وفي الخفى على العلم، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه لا يمين له وإن سمى المخبر وأحضره إذا كان المخبر نسى وطال الحال، وهو قول أشهب.
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ١٧٤ ]
فإن لم يكن له شاهد ولا لطخ إلا مجرد الدعوى فالمذهب في يمين البائع على قولين:
أحدهما: أنه يحلف جملة بلا تفصيل، وهو قول أشهب.
والثاني: أنه يحلف على البت في الظاهر وعلى العلم في الخفى، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
فإن قال: لا أدري هل عندي حدث أو عند البائع؛ مثل أن يشتري عبدًا فيأبق عنده أو يسرق بقرب ما اشتراه فطلب يمين البائع على أنه لم يكن به يوم بيعه عيب، أو قال: أخشى أنه لم يأبق بقرب البيع [أما] (١) وقد أبق عندك فاحلف لي على ذلك فقد قال ابن القاسم في الكتاب: أنه لا يمين له عليه لا على العلم ولا على البت، ولزم من ذلك أن يحلفه كل يوم على ما شاء أنه لم يبعه وهو به عيب.
فلو قال العبد: كنت أبقت عند البائع أو قال: كنت سرقت عنده فإنه يتخرج على قولين:
أحدهما: أن البائع يحلف، وهو قول مالك على ما نقله اللخمي.
ويتخرج في المذهب قول ثان أنه لا يحلف، وهو ظاهر "المدونة"، وهو الأظهر في النظر، [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) في أ: ألا.
(٢) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ١٧٥ ]
المسألة الثالثة عشرة في الشيب في الرقيق، ومعرفة ما هو عيب مما ليس بعيب في الرقيق
قال ابن حبيب: سمعت أهل العلم يقولون: القَبَلُ والمَيْلُ والصَّوَرُ والزَّوَرُ والصَّدَرَ والفَزَرُ والعَسَرُ والحَبَطُ والعُجْرَةُ والبُجْرَةُ والسَلْعَةُ والظَفْرَةُ كل ذلك عيب في الأمة وفي العبد رفيعين أو وضيعين إلا أعسر يسير يعمل بيديه جميعًا.
فالقبل في العينين أو في إحداهما أن تميل إحدى الحدقتين إلى الأخرى في نظرها، والميل في الخد أن يكون مائلا عن الآخر إلى جهة [الأذن] (١) أو إلى اللحى.
والصور أن يميل العنق [على الجسد] (٢) إلى أحد الشقين والجسد معتدل.
والزور في المنكب أن يميل بكله إلى أحد الشقين.
والصدر أن يكون في وسط الصدر إشراف كالحربة.
والفزر في الظهر أو بين كتفيه أن يكون هناك إشراف كالحدبة، ويقال للأحدب أفزر، [والأعسر] (٣) أن يبطش بيسراه دون يمناه، وأما أعسر يسير فليس بعيب إذا كانت اليمني في قوتها والبطش بها بحال من لا يعمل
_________________
(١) في أ: الأخرى.
(٢) في النوادر (٦/ ٢٥٠) نقلا عن الواضحة. وعن المصدر.
(٣) في أ: والعسر.
[ ٧ / ١٧٦ ]
باليسرى، وإن نقصت عن ذلك لعمله باليسرى فهو عيب يرد به.
والحبط أثر الجرحة والقرحة بعد البرء، ويخالف لون الجسد؛ فهو عيب.
والعجرة: القعدة على ظهر الكف أو الذراع وفي سائر الجسد.
والبجرة: نفخ كالعجرة إلا أن البجرة لينة من نفخ ليس بزائد، والسلعة نفخ زائد ناتئ متفاحش أثره.
والظفر: لحم نابت في شفر العين.
وأما الشيب الكثير فعيب في الرائعة قولًا واحدًا وإن لم تبلغ سن الشيب، وفي قليله قولان:
أحدهما: أنه عيب ترد به، وهو ظاهر قول مالك في "المدونة"؛ لأنه أطلق ولم يفصل بين القليل والكثير.
والثاني: أنها لا ترد من قليل الشيب، وهو قول ابن المواز في الموازية.
وقليل الشيب ليس بعيب في الوخش قولا واحدا، وفي كثيره قولان:
أحدهما: أنها لا ترد من كثيره كما لا ترد من قليله، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، إلا أن ينقص من الثمن.
والثاني: أنها ترد من كثيره و[لا] (١) ترد من قليله، وهو قول أشهب في "كتاب محمَّد".
وأما صهوبة الشعر فلا يخلو من أن يوافق ذلك لونها أم لا.
فإن وافق ذلك لونها فليس بعيب.
وإن خالف لونها، وشعر مثلها يكون أسودًا هل هو عيب أم لا؟
_________________
(١) في أ: لم.
[ ٧ / ١٧٧ ]
على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه عيب ترد به، وهذا القول حكاه اللخمي.
والثاني: أنها لا ترد به، وأن ذلك ليس بعيب، وإن قال المشتري: لم أكشف في حين الشراء ولا علمت أنها صهباء فلا حجة له وهو باد لا يخفى إلا أن يكون سواد، وهو قول مالك في "الواضحة".
والثالث: أن الصهوبة عيب في الرائعة دون غيرها من خواش الرقيق، وهو تأويل بعض الشيوخ على "المدونة" على ما نقله القاضي أبو الفضل عن الفقيه أبي محمَّد عبد الرحمن بن محمَّد، وكذلك وقع في "الأسدية".
وأكثر الشيوخ على أن ابن القاسم إنما تكلم في "الكتاب" على مسألة الشيب.
وأما التي جعد شعرها أو اسود فإنه عيب في الرائعة، وينظر في غير الدار فإن كان ذلك يزيد في ثمنها ردت وإن كان ذلك لا يزيد في ثمنها فليس بعيب، [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ١٧٨ ]
المسألة الرابعة عشرة في الفرق بين المدلس وغيره
اعلم أنهم قالوا: لا فرق بين المدلس وغير المدلس في الرد بالعيب في أن المشتري العاثر على العيب القديم يعاوض من العيب الحادث إذا اختار الرد، وفي البائع يعاوض عن البيع القديم إذا اختار المشتري الإمساك إلا في خمس مسائل.
ومرادهم بالمساواة فيما يرجع إلى الأحكام الدنيوية، وأما الغرامات الأخروية فبينهما ما بين ذرة العرش إلى قرار الفرش؛ إذ ذلك ظالم غشوم وهذا صالح عصوم ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ الآية (١).
إحداها: أن إحداث المشتري في المبيع حدثا ينقصه مما جرت به العادة بحدوثه فيه من غير انتفاع منه لا يمنع الرد، بل له أن يرد، ولا يغرم للنقصان شيئًا إذا كان البائع مدلسًا؛ كقطع الثياب وخياطتها وصبغها وقصارتها وقطع الجلود نعالًا وأخفافًا، ولا خلاف في هذا الوجه.
فإن اختار الرد وكانت سلعته في تلك السلعة مما يزيد في ثمنها فإنه يكون شريكًا للبائع.
واختلف بماذا يكون شريكًا على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يكون شريكًا بما زادت الصنعة يوم الرد لا يوم الشراء؛ فتقوم السلعة على هذا القول قيمتين.
والثاني: أنه يكون شريكا بقيمة الصنعة لأنها زادت.
_________________
(١) سورة الجاثية الآية (٢١).
[ ٧ / ١٧٩ ]
فإن اختار التماسك هل يرجع على البائع بقيمة عيب التدليس؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن له الرجوع بقيمة العيب على البائع، وهو قوله في "المدونة".
والثاني: أنه يحبس، ولا شيء له من قيمة العيب ولا شيء له في "كتاب محمَّد".
والثانية: فوات المبيع بسبب العيب؛ كما الحامل من أجل الحمل، وقطع يدها من أجل السرقة، أو أبق عند المشتري وقد دلسه بالإباق فإن المشتري يرجع على البائع ويأخذ ثمنه إن كان مدلسًا [ويدفعه إيجابًا] (١).
والثالثة: إذا اشترى البائع من المبتاع السلعة التي باعها وهي مبيعة بأكثر من الثمن الأول فلا مراجعة بينهما إن كان البائع مدلسًا، وإن لم يكن مدلسًا رجع عليه بما ناف على الثمن، ويصير ذلك ردًا.
والرابعة: أن السمسار يرد الجعل في غير المدلس؛ بناء على أن الرد بالعيب نقض بيع، وأما في المدلس فلا يرد الجعل.
الخامسة: مسألة البيع على البراءة قال: ينتفع به إذا حصلت على شروطها إن لم يكن مدلسا، فإن كان مدلسًا فلا ينتفع بها حتى يتبين. [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) هكذا رسمها بالأصل، وربما تكون (ويذهب مجانا).
(٢) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ١٨٠ ]
المسألة الخامسة عشرة في حكم الزوائد الثابتة في الأصول المشتريات عند طرءان ما يقدح في ملك مشتريها
وفي ذلك خمسة أسئلة: منها الرد، ومنها الرد بفساد البيع، ومنها طرءان الشفيع على المشتري، ومنها طرءان المستحق على المشتري، ومنها قيام الغرماء على المفلس. وقد أدرك البائع عين شيئه.
ولا شك ولا خفاء أن قوله ﵇: "الخراج بالضمان" (١) شامل في الجميع لحق العموم، إلا أن القدر الذي انتمت إليه هذه الزوائد تصير علة وخراجا فيه ترى العلماء يضطربون والفقهاء يصطدمون، ونحن نبين ذلك إن شاء الله تعالى.
فالجواب عن السؤال الأول والثاني: إذا اشترى الأصول ثم ردها بالعيب أو لفساد بيع فلا تخلو الأصول من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون معطلا من الثمار.
والثاني: أن يكون مشغولا بالمأبور ..
والثالث: أن يكون مشغولا بالمزهي من الثمار.
فأما الوجه الأول: إذا عرى الأصل عن الثمار أو شغل بالمأبور لأنه عدم في نظر الشرع فإن الثمار مردودة برد الأصول ما دامت متعلقة بها ما لم تبلغ مبلغًا يحكم لها فيه بالانفصال.
_________________
(١) تقدم.
[ ٧ / ١٨١ ]
وهل للمشتري في الرد بالعيب الرجوع على بائعه بقيمة السقي أو العلاج أم لا؟
على قولين قائمين من "المدونة".
وينبني الخلاف على الخلاف في الرد بالعيب هل هو نقض بيع أو مبتدأ بيع.
واختلف في الحد الذي يحكم له بالانفصال على أربعة أقوال:
أحدها: أنه بالإبار، وتصير علة للمشتري، وهو قول أشهب في "كتاب العيوب"، وفي "كتاب الحبس"، وهو قول المدنيين في "كتاب الشفعة" من "المدونة".
والثاني: أنها بالإزهار تصير علة.
والثالث: أنها باليبس تصير علة بالجذاذ.
وأما على القول بالإبار فيتخرج على القول بأن الرد بالعيب بيع مبتدأ، أو على أنها بالإبار تكتسب وصفا من أوصاف الانفصال من كون مقتضى العقد على الأصل لا ينتظمها بل يفتقر إلى شرط يخصها، وذلك يؤذن بأن لها حظا في الاستغلال، وهذا المعنى ينظم الرد بالعيب والرد بفساد البيع.
وأما على القول بالازهار فينبني الخلاف على أنها تكتسب به وصفا من أوصاف الاستعمال والانفصال؛ لجواز قصدها بالعقد على نعت الحرية ولكونها لا نتدرج في طي العقد الوارد على الأصل إلا بشرط يخصها؛ فصار لها حكم المحدودة فعلا.
وأما على القول باليبس فلاكتسابها به من الأوصاف ما يخرجها من حيز الضمنة والتبعية ويرفعها إلى درجة المحدودة فأعلى منها ما ذكرناه في فصل
[ ٧ / ١٨٢ ]
الإزهار، ومنها ما عدم الاستمداد بالرطوبة من محل الأصل، ومنها سقوط قاعدة عهدة الجائحة، فقسمنا الجذاذ الحكمي على الجذاذ الحسي.
وأما على القول بالجذاذ فإنه منع في قياس المجذوذ فعلا، ويخرج على الجذ الحقيقي؛ لأنها قبل الجذ راجعة إلى حكم من أحكام الاتصال كامتناع بيعها بطلعهم حينئذ إلا بعد الجذاذ، فهذا حكم هذه الثمار مع القيام.
فإن كانت فائتة قبل الإزهار فلا يخلو فواتها من أن يكون بتلف أو بالإتلاف.
فإن كان بإتلاف فهو تفويت الأصل تثبت به القيمة في البيع الفاسد، ويثبت به الخيار للقائم بالعيب بعد أن يرد مع أرش النقص، أو يتمسك ويسترد أرش العيب.
فإن فاتت بتلف طاف عليها طائف من ربك في رؤوس النخل فليس بفوت يمنع الرد بالعيب، وله أن يرد، ولا شيء عليه؛ إذ لا سبب له هناك.
وأما الوجه الثاني: إذا كانت الأصول في حين البيع مشغولة بالمأبور من الثمار فإنه لا فرق بينه وبين الوجه الأول فإن إتلافها بعيب قبل الإزهار وفي أن تلفها حينئذ بآفة سماوية على الأصل لا يمنع الرد بالعيب، وله أن يرد بلا غرم.
واختلف في هذا الوجه يكون علة للمشتري إذا أخذها أم لا على قولين:
أحدهما: أنه لا يكون علة، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه يكون علة له، وهو قول أشهب في "كتاب العيوب".
وسبب الخلاف: اختلافهم في الثمرة بعد الإبار إذا بيعت مع الأصل
[ ٧ / ١٨٣ ]
هل لها حصة من الثمن أم لا؟ وظاهر ما وقع في "كتاب الشفعة" أن لها حصة من الثمن، وعليه اختصر أبو سعيد البراذعي في "كتاب العيوب" على المعنى حيث قال: ولما لم تكن واجبة للمشتري إلا باشتراط صح أن لها صحة من الثمن بعد الإبار.
وعلى القول بأنها ليست بعلة للمشتري هل يردها مع الأصل في الرد بالعيب أو يمضي له بحصتها من الثمن؟ وإنما يتخرج على قولين من "المدونة":
أحدهما: أن المشتري يردها إن كانت قائمة، أو مكيلها إن عرفت، أو القيمة إن جهلت، أو الثمن إن بيعت، وهو قول ابن القاسم في "كتاب العيوب" من "المدونة".
الثاني: أنه يرد الأصول خاصة وتمضي له الثمرة بما ينوبها من الثمن إذا طابت وإذا يبست وإذا جذت على اختلاف الأقوال في ذلك، وهو قوله في مسألة الشفعة والتفليس، وهو تأويل بعض المتأخرين ورأيا أن ذلك اختلاف قول، وأشار بعضهم إلى أن ذلك اختلاف سؤال، وقال: الفرق بينهما كون الرد بالعيب نقض بيع وفي إمضائها له بما ينوبها من الثمن إغرار بالعقد، وذلك ممنوع، وهذا مختلف في الشفعة؛ لأنها بيع مؤتنف.
وهذا القول غير مسلم إلا على أحد القولين في الشفعة والرد بالعيب؛ لأنهم اختلفوا في الرد بالعيب هل هو نقض بيع أو بيع مبتدأ، وفي الشفعة هل طريقها طريق البيع أو طريقها طريق الاستحقاق.
وأما الوجه الثالث: إذا كانت الأصول مشغولا بالمزهي من الثمار يوم العقد فلها فيه حكم السلعة المنفصلة وضمانها منه فاتت بتلف أو إتلاف، فإذا رد الأصل ردها معه وإن حدث ما كانت قائمة.
[ ٧ / ١٨٤ ]
فإن فاتت رد المثل إن علم لأنه كالعين، فإن جهل هل تمضي له بحصتها من الثمن أم لا؟
فإنه يتخرج على قولين قائمين من "المدونة".
أحدهما: أنها تمضي بحصتها من الثمن.
والثاني: أنه يرد قيمتها مع الأصول.
وينبني الخلاف على الخلاف في مسألة الثوبين إذا تعيب الأعلى وفات الأدنى؛ فعلى القول بأنه يردها على المعيب مع قيمة الفائت الأدنى فيرد قيمة الثمرة هاهنا مع الأصول وهو مذهب "الكتاب"، وعلى القول بأن الفائت المعيب يمضي بحصته من الثمن تكون كذلك أيضا.
والجواب عن السؤال الثالث والرابع والخامس أن ما قدمناه من التقسيم والخلاف دائر في هذا الأصل فيها يوم الابتياع ثلاثة أحوال: إما أن يكون خاليًا من الثمار أو من المأبور، وإما أن يكون مشغولا بالمأبور، وإما أن يكون مشغولا بالمزهي.
فأما الحال الأول فإن الشفيع أو المستحق أو الغريم يأخذون الأول بزوائده.
وفي رجوع المشتري عليهم بالسقي والعلاج قولان، وقد قدمناهما في السؤالين الأولين ما لم يكسب وصفًا من أوصاف الانفصال تكون به علة للمشتري.
وقد اختلف على الأقوال الأربعة المبسوطة، وأن ما تقدم من التوجيه نحو منه يقال هاهنا فلا معنى لإعادته مرة أخرى، إلا أن بعض هذه الأقوال مخرجة وبعضها منصوصة.
[ ٧ / ١٨٥ ]
وأما الشفعة فبكونها علة بالإبار أو باليبس جاءت الروايات عن متقدمي الأصحاب، وأما الاستحقاق فبكونها علة باليبس أو بالجذ جاءت أيضًا، وكلاهما عن ابن القاسم، وأما التفليس فبكونها علة بالجذاذ أو بالإزهار جاءت أيضًا، وكلاهما عن ابن القاسم، إلا أن مذهبه في "المدونة" في هذه المسائل أنها بالإزهار تكون علة في السؤالين الأولين، وباليبس تصير علة في الشفعة والاستحقاق وبالجذ تصير علة بالتفليس.
وما أشرنا إليه من التوجيه فيما تقدم يطلع منه على سبب الخلاف هاهنا.
فإن وجدها المشتري بعد الإبار وقبل الطياب أو وجدها قبل الإبار وقد كان الأصل خاليا منها يوم التبايع فإنها للمشتري وهل يحاسب بها أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يحاسب بشيء، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب"، وهو الصحيح.
والثاني: أن الشفيع يحاسب المشتري ويأخذ الأصل بحصته من الثمن، ويحاسب البائع في الاستحقاق ولا يرجع عليه إلا بما ينوب الأصل، ويحاسب به الغرماء في التفليس ويأخذ الأصل بحصته من الثمن ويحاصص الغرماء بما ينوب الثمرة من الثمن بناء على أن لها حصة من الثمن قبل الإبار، وهو قول أشهب في "كتاب ابن المواز"، وليس بصحيح والله أعلم.
وأما الحال الثاني: وهو أن تكون الأصول عند البائع مشغولة بالماء فإن الأسئلة الثلاثة تختلف فيه.
[ ٧ / ١٨٦ ]
وأما الاستحقاق فالمنصوص فيه أنها لا تصير علة ويردها وإن وجدت، ويغرم المكيلة إن عرفت أو القيمة إن جهلت كسلعة ومنفصلة.
وأما الشفعة فيها ففي المذهب قولان:
أحدهما: أنها كالاستحقاق، وأنها لا تكون له علة، وهو قول أشهب.
والثاني: أنها للشفيع ما لم تيبس أو تجذ، فإن يبست أو جذت وكانت صغيرة ففي المشتري بما ينوبها من الثمن، ويستشفع الشفيع الأصل بما ينوبه، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
وسبب الخلاف: الأخذ بالشفعة هل هو مضاهاة للاستحقاق فيكون كما قال أشهب، أو على منهاج البيع المبتدأ فيكون الأمر كما قال ابن القاسم؛ لأن المأبور له حصة من الثمن على مشهور المذهب.
وأما التفليس ففيه قولان:
أحدهما: أنها للبائع ما دامت لم تفت، فإن فاتت أخذ الأصل بما ينوبه من الثمن، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنها كالاستحقاق وهو قول أشهب.
وأما الحال الثالث: إذا كان الأصل مشغولا بالمزهى من الثمار عند العقد؛ أما الاستحقاق؛ فإنه يردها وإن جذت، ويرد المكيلة إن عرفت، أو القيمة إن جهلت، والثمن إن بيعت كسلعة منفصلة.
وأما في الشفعة فإنها تتخرج على قولين:
أحدهما: أنها للشفيع ما لم تجذ، فإذا جذت فإنها تكون للمشتري بحصتها من الثمن.
والثاني: أنها تكون للمشتري باليبس.
[ ٧ / ١٨٧ ]
والقولان لابن القاسم من "المدونة". وقد جعلها ابن القاسم في الحال الأول والثاني أنها للمشتري باليبس.
وأما في التفليس فالبائع أحق بها وإن جذت ما دامت قائمة كمشتري السلعتين بفلس. [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ١٨٨ ]
المسألة السادسة عشرة في العيوب الكامنة التي يستوي فيها علم البائع والمشترى
والعيوب التي يستوي فيها علم البائع والمشتري وهي الكامنة ولا يتصور التدليس بها تنقسم على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما لا يمكن الوصول إلى معرفته إلا بعد قطعه وشقه.
والثاني: ما يمكن الوقوف على حقيقته واختيار ما في داخله قبل كسره.
والثالث: ما يدرك كنه داخله قبل كسره.
فالجواب عن القسم الأول: وهو ما لا يمكن الوصول إلى معرفة ما في داخله والوقوف على حقيقته إلا بعد شقه وقطعه كالعيوب الكامنة في الخشوب والجلود فالمذهب فيها على خمسة أقوال:
أحدها: أن ذلك للمشتري ولا رد له جملة بلا تفصيل، وهو قوله في "المدونة" و"الموازية"، وغيرهما.
والثاني: أنه كسائر العيوب، وللمشتري الرد جملة بلا تفصيل، وهو قول الأبهري.
والثالث: التفصيل بين القليل والكثير، فإن وجد العيب في اليسير فلا رد له ويلزمه جميع الصفقة بجميع الثمن، وإن كان الفساد في أكثره فله رد الجميع، وهو قول ابن نافع ومحمد بن خالد في "العتبية" والموالح واللوز والجوز.
والرابع: على عكس الثالث أنه لا يرد ما وجده فاسدًا إلا ما كان يسيرًا
[ ٧ / ١٨٩ ]
مثل الجوزتين والثلاثة يجدها فاسدة بعد كسرها، وأما في الإجمال، والكثير منه فلا يرد، وهو قول مالك في "كتاب محمَّد"؛ على ما نقله الشيخ أبو محمَّد في "النوادر".
والخامس: التفصيل بين أن يكون العيب في أصل الخلقة ولم يحدث بعد القطع ثم لا قيام له، أو يكون عيبًا حدث بعد القطع والصحة من عفن أو سوس فهذا مما لا يعلمه بعض الناس وإن جهله آخرون فله الرد، وهو قول ابن حبيب.
وسبب الخلاف: الرد بالعيب هل هو مبني على نفي المساواة في علم العيب أو هو مبني على أن المشتري مغبون لأن ثمن السالم وما يدخلا فيه على القيام بالعيب ليس على سواء، وما عدا ذلك من الأقوال فإنها جارية على غير قياس.
واختلف في الجلود تقطع خفافًا أو نعالًا ثم يظهر أنها فاسدة أو دبغها ثم ظهر فسادها من اختراق أو إتلاف صوفها وشعرها فلا يخلو من أن يكون ذلك في أصل خلقتها أو يكون ذلك أمرًا قد حدث مما يمكن أن يكون من سوء صنعة أو سوس أو عفن أو سوء صنعة من قلة ملح أو حرارة شمس أو طول مكث كجلود البقر تباع مطوية يابسة فإذا بلت تبين السوس فيها أو ظهر فيها فساد أو اختراق ولا يتبين ذلك للمشتري حتى يجعل في الماء فإنه ينظر في ذلك أهل المعرفة والبصيرة.
فإن كان مثل ذلك لا يخفى على البائع فإن له حكم التدليس، وإن كان يخفى مثله كان كمن لم يدلس.
وهل يكون حكمها كحكم سائر العيوب أو له حكم الخشب؟
فالمذهب على قولين:
[ ٧ / ١٩٠ ]
أحدهما: أن حكمها حكم سائر العيوب في الرد والإمساك، وهو قول مالك وأكثر أصحابه في "الواضحة" وغيرها.
والثاني: أنها كالخشب والبناء، وأنه لا رد له، وهو قوله في "كتاب ابن سحنون" فلو اشتراها المشتري الأول على أن يرد منها ما أتلف لم يجز؛ إذ لا يدري ما يتلف، وهل هو في خيارها أو شرارها؟ وذلك غرر وخطر وهو قوله في "كتاب ابن حبيب".
والجواب عن الوجه الثاني: وهو ما يمكن الوقوف على حقيقته داخله قبل كسره كالقثاء والباذنجان يختبر بالعود الرقيق فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يرد جملة وأن ذلك لازم للمشتري، وهو قول مالك في "المدونة" قال: ورأيت أهل السوق يردونه، ولا أدري من أمن ذلك إنكارًا لفعلهم.
والثاني: أنه له الرد كسائر العيوب، وهو قول الأبهري.
والثالث: التفصيل بين اليسير والكثير؛ فإن كان يسيرًا مما يدرك بالاختيار وإدخال العود حتى يعرف حلوه من مره فله الرد؛ لأن البائع قادر على معرفة هذا العيب فإن كان كثيرًا كالأحمال وذلك من المشتري ولا رد له، وهو قول أشهب، ومطلع الخلاف على ما تقدم.
والجواب عن الوجه الثالث: وهو ما يدرك كنه داخله من خارجه قبل كسره؛ كالبيض فإنه يظهر فساده قبل كسره: فهو كسائر العيوب.
فإذا قام المشتري فلا يخلو من أن يكون ذلك بحضرة البائع أو بعد أيام.
فإن كان ذلك بحضرة البائع فلا يخلو فسادها من أن يكون مدلسًا أو غير مدلس.
[ ٧ / ١٩١ ]
فإن كان مدلسا فإنه يرد بعد كسره ويرجع بجميع الثمن.
وإن كان غير مدلس فإنه يرجع على البائع ما بين الصحة والداء.
فإن كان مما لا يباح أكله فإنه يرجع بجميع الثمن دلس أو لم يدلس، وهو قول ابن الموّاز.
فإن كان ذلك بعد أيام فلا رد له؛ لأنه لا يدري أفسد عند البائع أو عند المشتري، وهو قول ابن القاسم في "كتاب محمَّد".
وصفة معرفة فساد البيض من ظاهره أن يحركها ويضحضها، وذلك يدرك به فساده ما لم يخلق فيه الفروج.
وقال بعضهم: يدرك فساده بأن يرفعه في عين الشمس.
وقال بعضهم: يدرك فساده بأن يجعل البيض في ماء فما كان منه صحيحا رسب، وما كان منه فاسدًا فإنه يعلو على وجه الماء. [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ١٩٢ ]
المسألة السابعة عشرة فيمن اشترى شعيرًا للحرث فوجده لا ينبت
فلا يخلو من أن يشتريه ليأكله أو ليزرعه، فإن اشتراه ليأكله ثم بدا له فزرعه فلم ينبت فإنه لا يرجع عليه بشيء، إلا أن يكون ذلك نقص مما يكون عيبا لو اشتراه للأكل فإنه يرجع بما نقص العيب.
فإن اشتراه ليزرعه فلا يخلو من أن يكون اشترط له البائع أنه ينبت أو لم يشترط.
فإن اشترط له البائع أنه ينبت فزرعه في أرض تربة تنبت فلم ينبت فلا يخلو من أن يكون البائع قد غره أو لم يغره. فإن ثبت أن البائع غره منه عالما بأنه لا ينبت فإنه يرجع عليه بجميع الثمن.
وإن لم يغره وإنما اشترط ذلك لأنه كانت عنده في نفاقها وجودتها أنها تنبت حلف على ذلك وليرد المشتري مثلها ويأخذ ثمنه كله، وهو قول سحنون في "كتاب ابنه".
فإن لم يشترط له البائع أنها تنبت ولا تبين له أنه اشتراها لذلك فلا يخلو من أن يشتريها في غير إبان الحرث أو في إبانه.
فإن اشتراه في غير إبان الحرث فلا رجوع له على البائع قولا واحدًا بما نقص العيب ولا غيره.
فإن اشتراها في إبان الزراعة والبائع لا يعلم هل تنبت أم لا فالذي تقتضيه أصول المذهب ونصوصه أنه لا يرجع على البائع بشيء فإن اشتراها في إبان الزراعة، والبائع يعلم أنها لا تنبت وباعها بأثمان ما يراد للزراعة
[ ٧ / ١٩٣ ]
هل يكون ذلك كالشرط أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه كالشرط ويرجع عليه المشتري بجميع الثمن، وهو قول اللخمي.
وعلى أنه لا ينبت فيرجع المشتري بما بين ذلك؛ لأن الشعير يتصرف إلى غير وجه، وقيدنا الذي يعلم أنه لا ينبت فلم ينبت بالإثم وعليه العقوبة إذا دلس ولم يبين، وهو قول ابن حبيب في "الواضحة".
ولو زرع أحد فنبت شعير صاحبه، ولم ينبت شعيره فلا يخلو من أن يكون مدلسًا أو غير مدلس. فإن كان مدلسًا فإنه يرجع عليه صاحبه بنصف مكيلته من شعير صحيح وبنصف كراء أرضه التي عطل عليه، وهو قول ابن حبيب وأصبغ. وهذا إذا فات إبان الحرث.
وأما إذا علم في إبانها فعليه أن يخرج مثل ذلك من الزريعة الصحيحة فيزرعها في مكان لم ينبت.
فإن كان غير مدلس فإنه يرجع على شريكه بمثل زريعه ودفع إليه شريكه مثل نصف زريعته التي لم تنبت، وهو قول سحنون في النوادر.
فإن لم يشترط ذلك وكان الشراء في إبان الحرث [فهل له الرد] (١) أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنه لا رد والبيع يلزمه، وهو قول سحنون.
والثاني: أن له الرد وأخذ جميع الثمن، وهو قول اللخمي، [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ١٩٤ ]
المسألة الثامنة عشرة في البيع على البراءة
والبراءة من العيوب على وجهين: خاصة، وعامة.
فالخاصة على ثلاثة أوجه: متفق على فساده، متفق على جوازه، مختلف فيه.
فأما المتفق على جوازه فهو المنبري من العيوب التي علمها إذا أوقف المشتري عليها أو سماها له وأخبره أنها في المبيع موجودة إلا أنها مع ذلك على وجهين: وجه يختلف، ووجه لا يختلف؛ فالوجه الذي لا يختلف كالغرر وقطع العضو فإنه يرى بمجرد تسميته، وما يختلف كالإباق والسرقة والديرة فلا تبرئة مجرد التسمية حتى يتبين طلبها بالمقدار وتبرئه مشاهدة المبتاع ومشاهدته لتلك الصفات.
وأما المتفق على فساده فهو التبري من الحمل الظاهر متاع الغير في الرفيعة التي فيها المواضعة ولم يقر السيد بالوطء فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: إبطال البيع، وهو قول ابن القاسم وأشهب وعبد الملك وأصبغ وابن المواز في "الموازية".
والثاني: أن البيع جائز والشرط جائز، وهو قول ابن حبيب في "واضحته" في الجارية المسبية المشتراة من الغانم أن له أن يتلذذ منها بدون الجماع قبل الحيض؛ لأن بيع المقاسم بيع.
والثالث: جواز البيع وبطلان الشرط، وفيها من المواضعة. وهو قول
[ ٧ / ١٩٥ ]
ابن المواز أيضا.
ووجه القول أن التبري من الحمل في الرائعة يسقط المواضعة وذلك غرر وخطر؛ لما كان الحمل مخفيا فيها فصار المشتري يعتقد السلامة والبائع ضده فتخاطرا.
ووجه القول الثاني: بناء على الأصل الذي قدمناه في جواز البيع وبطلان الشرط في بياعات الشروط، وقد استقصينا الكلام فيها أصولا.
ووجه القول الثالث: قياسًا على الوضيعة بعلة أنه عيب فيهما جميعًا.
فالجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: وهو البراءة العامة؛ وهو أن يتبين البائع من كل عيب لم يعلم به هل هو بيع براءة اشترطها البائع عند العقد أو لم يشترطها؟
فالذي يتحصل من المذهب في ذلك عشرة أقوال؛ منها في الكتاب ثمانية أقوال:
الأول منها: أنه جائزة في الرقيق خاصة إذا اشترط التبري من كل عيب قل أو كثر مما لا يعلمه البائع وبيع السلطان في التفليس والمغنم والميراث إذا علم المبتاع أنه بيع ميراث، وهي رواية ابن القاسم وأشهب عن مالك في "كتاب محمَّد".
وهذا القول قائم من "المدونة" من قول ابن القاسم: وأما البراءة في الرقيق على قول مالك الأول أن بيع المفلس والميراث بيع براءة وإن لم يتبين، وكذلك بيع السلطان، وذلك ظاهر.
والقول الثاني: أن البراءة لا تكون إلا في الرقيق فيما باعه السلطان على مفلس خاصة دون الميراث وغيرها، وذلك بيع براءة وإن لم يشترطها، وهو
[ ٧ / ١٩٦ ]
قوله في "المدونة" وإنما كانت البراءة لأهل الديون يفلسون فيبيع عليهم السلطان، وعلى هذا الظاهر حمله بعض المتأخرين وجعله قولا مفردًا، وهو نص في "كتاب محمَّد" حيث قال: وقال أيضًا: لا ينفع في الرقيق إلا في بيع السلطان في الديون، فأما بيع ميراث وغيره فلا.
والقول الثالث: أنها تنفع في الرقيق والحيوان خاصة، وهو قوله في الموطأ، وقد ذكر أبو محمَّد في "النوادر" أنه أمر بمحو الحيوان منها، وفي "كتاب محمَّد" أنه ذكر له ذلك فقال: إنما أعني بالحيوان الرقيق؛ لأن في "كتاب محمَّد" نصا أنها تجوز في الرقيق والحيوان فقط على ظاهر الموطأ، ومثله في "كتاب ابن حبيب".
والقول الرابع: أنها تنفع في كل شيء في الرقيق والحيوان والعروض، وهو قوله في "كتاب ابن حبيب" على ما نقله الشيخ أبو محمَّد في "النوادر" حيث قال: قال ربيعة وابن شهاب ويحيى بن سعيد وغيرهم: تجوز البراءة في كل شيء، وقاله مالك مرة: إنه يلزم في الرقيق والعروض والحيوان، ثم رجع إلى أنها لا تكون إلا في الرقيق. قال ابن وهب بقوله الأول، وهذا نص نقله - ﵁ -، وهذا القول قائم من "المدونة" أيضا من قوله: وثبت مالك على أن بيع السلطان بيع براءة، والثبوت لا يكون إلا بعد الترجرج والاضطراب، وذلك إشارة إلى اختلاف قوله في "الواضحة"، وذلك ظاهر.
والقول الخامس: أنها لا تنفع في شيء من الأشياء لا في الرقيق ولا في الحيوان ولا في العروض إلا في الشيء التافه غير المضطر إليه، فأما ما هو مضطر إليه فلا ينفع فيه، وهو رواية ابن القاسم عن مالك في "الموازية"، ونحوه في "العتبية"، وهذا القول قائم من "المدونة" أيضا من قوله:
[ ٧ / ١٩٧ ]
إن البراءة لا تنفع لأهل الميراث ولا لغيرهم إلا أن يكون عيبا خفيا فعسى.
والقول السادس: أنها تنفع في ما طالت إقامته عند البائع واختبره، وأما ما لم تطل إقامته ولم يختبره فلا تنفع فيه، وهو قوله في "الواضحة" و"الموازية" وهذا القول أيضا قائم من "المدونة" في الجانب الذي يأتيه الرقيق حيث قال: لا تنفعه البراءة.
والقول السابع: أنها لا تنفع في شيء من الأشياء جملة كافية سواء اشترطها أو لم يشترطها، وهي رواية حكاها القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب عن مالك في المذهب أن البراءة لا ينفع اشتراطها في شيء ولا يبرأ البائع إلا بما برئه المبتاع، وعللها بعض الأصحاب أن البيع على البراءة غرر وخطر، ولا فرق في ذلك بين بيع السلطان وغيره، وهذا القول أيضا قائم من "المدونة" من قوله الذي رجع إليه: أن البراءة لا تنفع في الرقيق، يريد: ولا في غيره لا لأهل الميراث ولا لوصي ولا لسلطان؛ وعلى هذا تأول اللخمي المسألة.
ويدل على صحة هذا التأويل قوله في مسألة أول عهدة باب المفلس فيمن اشترى عبدًا من مال رجل قد فلسه السلطان فأصاب فيه عيبا حيث قال: يرده على الغرماء، ويدل عليه أيضا قوله في الباب الأول: وكان وقوله في الرقيق في بيع الميراث والسلطان في المفلس .. إلى آخر المسألة: وأنه لا يلزم البائع شيئًا مما أصابهم؛ فقوله القديم يدل على أنه اختلف في ذلك، وأن له فيها قولا جديدًا.
وقال في موضع آخر في "الكتاب": ما وقفت لمالك على هذا إلا ما أخبرتك من قوله القديم، وقد خالف في هذا التأويل جماعة من الشيوخ، وتأولوا مسألة المفلس أنه كان عالم بالعيب وعلم بعلمه.
[ ٧ / ١٩٨ ]
وذكر أبو محمَّد بن أبي زيد، وابن الكاتب، وغيرهما أنه لا يختلف قوله: إن بيع السلطان بيع براءة.
والخلاف موجود وقد حكيناه.
والقول الثامن: أن البراءة لا تصح بشرط، وإنما تصح لمن يوجبها عليه الحكم من بيع السلطان وأهل الميراث، وهذا القول قائم من المدونة من قوله: ولم تكن البراءة عند مالك إذا كان يجيزها إلا في الرقيق وحده في الميراث وما باع السلطان للغرماء، وإلى مثل هذا أشار الباجي في "المنتقى".
والقول التاسع: أن البراءة لا تكون إلا بشرط، فإذا لم يشترطها فعليه عهدة القائم بعيب، على عكس القول الثامن، وهذا القول من "المدونة" من قوله في أول الباب: إن البراءة لا تكون إلا في الرقيق، ولا تنفع في غيرهم كانوا أهل ميراث أو غيرهم.
وظاهره: لا تكون بشرط لقوله: ينفع، ومثل هذا إنما يستعمل فيما قصد، فأما ما يوجبه الحكم فلا يقال فيه تصح، وإنما يقال فيه يصح؛ فتأمله تجده صحيحا إن شاء الله، وإلى هذا ذهب بعض المتأخرين.
والقول العاشر: بالتفصيل بين ما بيع بالخيار من مالكه وبين ما بيع عليه؛ فما بيع باختيار المالك فلا تكون فيه البراءة إلا في الرقيق خاصة، وما بيع بغير اختياره كبيع السلطان في فلس أو موت أو على أصاغر فإنه بيع براءة في كل شيء من الرقيق والحيوان والعروض، وهو وقول ابن حبيب من رأيه؛ لأنه قال: أنا آخذ بقول مالك الآخر فيما بيع طوعًا أن البراءة لا تكون فيه إلا في الرقيق.
فأما ما باعه السلطان في فلس أو موت أو على أصاغر فإنه يأخذ فيه بالقول الأول أنه بيع براءة وإن لم يشرط، قال: وقاله مطرف وابن الماجشون
[ ٧ / ١٩٩ ]
وأصبغ وغيرهم.
فهذا تحصيل الأقوال في هذه المسألة على تقرير من الروايات وغيرها، ولفظه في "الكتاب" متكرر ومتردد ومختلف في العبارات في مواضع شتى من أبواب العهدة من البراءة؛ فرتبنا مشكله على ما فسر في غيره. والحمد لله وحده.
[ ٧ / ٢٠٠ ]
كتاب الاستبراء
[ ٧ / ٢٠١ ]