تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها سبع عشرة مسألة:
المسألة الأولى في البيع والإجارة
وإذا باع سلعة بمائة دينار على أن يتجر له المشتري في ثمنها سنة، فقال في "الكتاب": إن ذلك جائز إن كان اشتراط إن تلف المال أخلفه البائع حتى يتم عمله بها سنة، وإلا فلا خير في ذلك، فهذا نص قوله في "المدونة"، وشبهها بمسألة الراعي؛ فالكلام في هذه المسألة على خمسة أسئلة:
أحدها: خلف المال وإخراجه من الذمة.
والثاني: معرفة الصنف الذي يتجر فيه.
والثالث: الحكم في الوضيعة والربح.
والرابع: إذا استحقت السلعة، أو ظهر بها على عيب.
والخامس: موت المشتري أو مرضه قبل أن يوفى المدة.
فالجواب عن السؤال الأول: في خلق المال إن تلف قبل انقضاء المدة، فلا يخلو حالها بين العقد من ثلاثة أوجه: إما أن يشترط خلف الدنانير إن ضاعت، وإما أن يشترط ألا يخلفها، وإما أن يهمل الأمر.
فإن اشترط خلف الدنانير إن ضاعت قبل تمام المدة، فلا إشكال في جواز ذلك وصحته على القول باجتماع الإجارة والبيع، وهو مشهور المذهب، وقد حكى القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب في المذهب قولًا
[ ٧ / ٢٦١ ]
بالمنع، وهو من شواذ المذهب.
ويستحب للمشتري أن يشهد على إخراج الثمن من ذمته إلى أمانته، ويقبل قوله فيما يدعيه من تلف أو خسران.
فإن لم يشهد على إخراجه، فلا تخلو ملابسته للتجارة من أن تكون مما يظهر أنه يتجر للبائع أو يشكل أمره.
فإن كان مما يظهر أنه للبائع يتجر؛ مثل أن يكون قد سمى له نصفًا لا يتعداه في المتجر أو كان قبل ذلك لا يشتغل بالتجارة، فعند معاملته للبائع اشتغل بها، وحبس في دكان يبيع ويشتري، ويكلف الأسفار، وشد الرحال إلى الأقطار مما لم تكن عادة، فإن ذلك يقوم مقام الإشهاد قولًا واحدًا.
فإن ادعى وديعة قبل قوله، وإن أتي بربح أخذ منه.
فإن أشكل أمره وجهل حاله، ولا يدري هل لنفسه يتجر أو للبائع، فهل يقبل قوله إن ادعى الضياع أم لا؟
فلا يخلو من أن يدعيه قبل الاشتغال أو بعده.
فإن ادعى ضياع المال قبل أن يشغله في البيع والشراء فلا يصدق، وإن ادعى ضياعه بعد الاشتغال صدق، ويؤخذ منه الربح إن جاء به، وهو قول ابن القاسم في "العتبية" فيمن أمر غريمه أن يشتري له بما له عليه من الدين سلعة، فقال المشتري: قد اشتريتها وضاعت إن القول قوله، يريد: لأنه مؤتمن على الشراء، فكان القول قوله أنه فعل ما اؤتمن عليه، وهو في مسألتنا أبين؛ لأنهما لو شاءا أن يعقدا البيع على ما أتي به الآن من الثمن وربحه جاز، بخلاف الدين يتقرر في الذمة على أن يتجر فيه، ثم يتجر فيه بعد ذلك، فذلك يتهم فيه إلى أن يقصد فيه إلى سلف
[ ٧ / ٢٦٢ ]
جر نفعًا.
وأما الوجه الثاني: إذا اشترط البائع ألا يخلفها إذا ضاعت وأن يحاسبه بقدر ما عمل فلا يخلو من أن يكون البائع ممن يتعذر عليه الخلف أو لا يتعذر عليه.
فإن كان ممن يتعذر عليه الخلف جاز ذلك، وإن كان ممن لا يتعذر عليه فلا تخلو الإجارة من أن تكون يسيرة أو كثيرة.
فإن كانت كثيرة مثل نصف عين السلعة فأكثر، فإن ذلك لا يجوز؛ لأن ذلك بيع بثمن مجهول؛ إذ لا يدري هل يبقى له الثمن إلى انقضاء أمد الإجارة أو يتلف قبل ذلك فيؤل الأمر إلى أنه باع سلعته بثمن مجهول.
فإن كانت الإجارة يسيرة فالمذهب يتخرج في جوازه على قولين: أحدهما: الجواز، والآخر: المنع.
وينبني الخلاف على الخلاف في الغرر اليسير هل يؤثر في عقول المعاوضات أم لا؟
وأما الوجه الثالث: إذا أهمل الأمر، ولم يتعرض لاشتراط الخلف، ولا إسقاطه هل يجوز العقد والحكم يوجب الخلف أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز إلا باشتراط الخلف، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في أول "كتاب الجعل والإجارة".
والثاني: أنه يجوز، وإن لم يشترط الخلف والحكم يوجبه، وهو قول سحنون، وأصبغ، وابن حبيب، وهو قائم من "المدونة" من غير ما موضع أن الإجارة لا بموضع المناولة إلا في أربع مسائل، وقد ذكرناها فيما
[ ٧ / ٢٦٣ ]
سلف من الكتاب.
والجواب عن السؤال الثاني: في معرفة الصنف الذي يتجر فيه فلا ثلاثة شروط:
أحدها: أن يسمى صنفه.
والثاني: أن يكون مأمون الوجود في الشتاء والصيف.
والثالث: أن يكون المشتري ممن يريد التجر متصلًا في الشراء والبيع.
فإن انخرم شرط من هذه الشروط فسد العقد.
وقولنا أن يكون التجر متصلًا احتراز من أن يشتري شيئًا، فيرفعه ينتظر به الأسواق، فإن لا يجوز؛ لأنه غرر وخطر؛ إذا لا يدري هل يتغير سوقه في السنة مرة أو مرتين أو أكثر، أو يكسد جملة فيتخرج السنة ولم يبع فلا يدري ما باع من منافعه ولو شطر أنه يتجر فيه في تلك السنة مرتين لم يجز أيضًا؛ لأنه فقد بعض السلعة من منافع رجل بعينه يقتضيها إلى الأجل.
والجواب عن السؤال الثالث: في الربح والوضيعة إذا كان في المال: أما الربح فلا يخلو من أن يشترط عليه العمل به في المال، أو لم يشترط.
فإن اشترط العمل به مع المال جاز ذلك إذا كان أمرًا معروفًا متعارفًا متلاحقًا بعضه ببعض، ويجري فيها قول آخر أن ذلك لا يجوز؛ لأنه غرر وحظر؛ إذ لا يدري هل يكون أو لا يكون؟ فإذا كان هل يقل أو يكثر؟ وهو الأظهر في النظر.
فإن لم يشترط العمل فيه مع المال، فالحكم فيه كالحكم في ولادة الغنم في حكم الرعاة، وقد قال في حكمهم أنهم يحملون على العرف إن كان هناك عرف، وإلا فلا يلزمهم الرعي إلا بأجر؛ لأن ذلك زيادة
[ ٧ / ٢٦٤ ]
عناء وتعب.
وأما الوضيعة، فإن اشترط عليه إن خسر في المال عمل فيها بقى خاصة، وكأنه جميع المال فإنه ينظر فإن كان في أصل العقد، فيفسخ؛ لأن ذلك مخاطرة، فإن كان بعد العقد، فينبغي أن يجوز.
والجواب عن السؤال الرابع: إذا استحقت السلعة المبيعة أو ظهر بها على عيب، ولم تفت السلعة، فإذا كان بعد أن عمل نصف السنة مثلًا كان للمشتري أن يسلم للبائع ما في يديه على هيئته وقت الاستحقاق ووجود العيب، وإن كان عروضًا، ثم يرجع على البائع بمائة دينار، وبأجرة المثل عن الشهور الماضية.
فإن فاتت السلعة في العيب بهبة أو صدقة، أو تلف، فإنه يرجع على البائع بقيمة العيب؛ فإن كانت قيمته العشر رجع بعشرة دنانير، وبعشر قيمة المنافع عن الشهور الماضية، ويسقط عنه الفضل في المستقبل في عشر المائة، ويكون له أن يتجر لنفسه في قدرهما، وإن كان لا يقدر أن يتجر فيها ناحية كان له أن يتجر في جميع المائة، ويلزم البائع قيمة عشر المنافع في المستقبل، ويصير بمنزلة ما لا ينقسم.
فإن فاتت بعيب، فأحب التماسك، فإنه يرجع بقيمة العيب حسبما تقدم لو هلكت أو خرجت من يده، فإن أحب أن يرده رده، وما ينوب العيب من الثمن.
فإن قيل: إنه ينقص العيب الذي حدث عند المشتري العشر من الثمن -وهو التسع بعد طرح قيمة العيب القديم- رجع المشتري بتسعين دينارًا أو قيمة تسعة أعشار المنافع عن الماضي، ويسقط العمل في المستقبل.
والجواب عن السؤال الخامس: إذا مات المشتري فلا يخلو من أن يموت
[ ٧ / ٢٦٥ ]
قبل العمل، أو بعد أن عمل نصف السنة.
فإن مات قبل العمل، فلا تخلو السلعة من أن تكون قائمة أو فائتة.
فإن كانت قائمة نظر إلى قيمة الإجارة؛ فإن كانت مائة فأكثر رجع البائع شريكًا فيها بقدر الإجارة، ويرجع الخيار لورثة المشتري، فإن رضوا بعيب الشركة، وإلا رد، وإن كانت الإجارة الثلث فأقل، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن البائع بذلك قيمة في مال الميت، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه يرجع شريكًا للورثة، وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف: الثلث هل هو في حيز اليسير، أو في حيز الكثير.
فعلى قول أشهب أنه شريك، فإن الخيار يرجع إلى الورثة لضرر الشركة.
فإن فاتت السلعة، فإنه لا فرق بين القليل والكثير، ويرجع عليهم المشتري بقيمة الإجارة.
فإن مات بعد أن عمل نصف السنة، وقد صار إلى البائع حل الثمن وهو المائة.
ونصف العمل، هل يكون شريكًا للورثة أو يرجع بذلك قيمة؟
على القولين المتقدمين بين ابن القاسم، وأشهب والحكم في مرضه كالحكم في موته [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ٢٦٦ ]
المسألة الثانية فيمن باع نصف سلعة على أن يبيعه النصف الباقي هل يجوز ذلك أم لا؟
فقد اضطرب المذهب في ذلك اضطرابًا شديدًا، وتباينت فيه الآثار تباينًا بعيدًا، وجعلت ما فيها من الخلاف بحضرة ثمانية أقوال أكثرها قائمة من المدونة:
أحدها: أن ذلك لا يجوز جملة بلا تفصيل ضرب أجل أم لا، وهو قول بعض الرواة عن مالك في المدونة حيث قال: إذا باعه نصف ثوب على أن يبيعه النصف الآخر إنه لا خير فيه، قيل لمالك: فإن ضرب للبيع أجلًا؟ قال: فذلك أحرم له، ولم يفصل بين بيعه في البلد وغيره.
والثاني: الجواز جملة بلا تفصيل -ضرب أجلًا أم لا، باع في البلد أو في غير البلد- وهو تأويل ابن لبابة على قول مالك في الموطأ حيث قال: إذا باعه نصف ثوب على أن يبيعه النصف الآخر إن ذلك جائز، قال ابن لبابة: أحسبه يريد ضرب أجلًا في بلدة أو في غير بلدة، وله من الأجر إن لم يضرب أجلًا قدر ما يباع إليه.
والثالث: التفصيل بين البلد وغيره؛ فيجوز في البلد، ولا يجوز في غيره، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والرابع: التفصيل بين أن يضرب أجلًا أم لا؛ فإن ضرب أجلًا جاز، وإن لم يضرب أجلًا فلا يجوز، وهو قوله في "الكتاب" أيضًا.
والخامس: على عكس الرابع أنه إن ضرب أجلًا، فذلك مكروه، وإن لم يضرب أجلًا فذلك جائز، وهو قوله في مختصر ما ليس
[ ٧ / ٢٦٧ ]
في المختصر.
والسادس: التفصيل بين ما يعرف بعد الغيبة عليه وما لا يعرف؛ فما يعرف بعد الغيبة كالمعدود من المعروض وغيره من المزروع وغيره، فإنه يجوز، وما لا يعرف بعد الغيبة كالمكيل والموزون من الطعام وغيره فلا يجوز، وهو قوله في المدونة حيث قال مالك: لا بأس بذلك ما خلا الطعام، فإنه لا يجوز.
وقيل: إنه مذهب سحنون، وقد وقعت محاشاة الطعام، والشراب في بعض نسخ المدونة باسم سحنون؛ قال بعض المتأخرين: وكانت رواية سحنون عن ابن القاسم عن مالك أنه لا بأس به في الطعام وغيره ثم أصلحت.
وقال فضل بن سلمة: إنما يجوز فيما لا يكال ولا يوزن مثل قول مالك في "المدونة" وغيرها.
والسابع: التفصيل بين ما ينقسم وما لا ينقسم؛ فإن كان مما ينقسم جاز إن ضرب أجلًا، ولا خير فيه فيما لا ينقسم، وإن ضرب أجلًا، وهو قول ابن حبيب في "الواضحة".
والثامن: التفصيل بين أن تكون السلعة التي يبيعها إلى ذلك الأجل بالمنع جملة؛ لأن ذلك معين يتأخر قبضه؛ وذلك أن المشتري لا يقدر على التصرف فيما اشتراه كما يجب، ولا أن يحدث فيه حدثًا مع ما فيه من الخطر والغرر؛ إذ لا يدري هل يبيعها قبل الأجل، فيصح له بعض ما اشترى، وذلك البعض مجهول، ولا يبيع حتى يحل الأجل، فيصح له جميع ما اشترى.
ووجه القول الثاني: بالجواز جملة أن العقد وقع على نعت الجواز،
[ ٧ / ٢٦٨ ]
وإهمال مقدار الأجل الذي بيع ما بينه، وبين حلوله بقدرٍ كالعرف، ويكون له من الآخر قدر ما يباع إليه على الاجتهاد، وذلك القدر يحط من جملة ما اشتراه المشتري إن باع قبل الوقت المقدر.
ووجه القول الثالث: بالتفصيل بين بيعه في البلد وغيره أن ذلك من باب التحجير على المشتري؛ إذ لا يقدر على أن يتصرف في حقه حتى يصل إلى ذلك البلد.
وذلك ضعيف لوجود هذا المعنى في البلد تبايعا فيه ومع ذلك جور.
ووجه القول الرابع: التفصيل بين أن يضرب أجلًا أم لا؛ لأنه إذا ضرب أجلًا كان ذلك إجارة، والبيع والإجارة يجوز أن يجتمعا في ظاهر المذهب.
وإن لم يضرب أجلًا كان ذلك جعلًا، والجعل لا يجوز اجتماعهما على مشهور المذهب.
ووجه القول الخامس: أن ذلك جائز إن لم يضرب أجلًا، ويكره إن ضربه؛ لأنه إذا لم يضربه كان البيع ثابتًا، وإن ضربه كان الحكم فيه كالحكم فيمن باع سلعة بدراهم وعروض يسيرة إذا استحق ذلك العرض، هل يرجع بما ينوب ذلك العرض في ذمة بائعه أو في عين سلعته؟
فقد اختلف المذهب في ذلك؛ فمن قال يرجع بذلك قيمة في الذمة قال بجواز البيع في مسألتنا، ويقبض المشتري جميع النصف المشتري، فإن باع في بعض الأجل رجع عليه البائع بما ينوب الإجارة قيمة، ومن قال: إن الحكم الرجوع في عين السلعة لم يجز البيع؛ إذ لا يدري هل يصح له جميع المشتري أو بعضه، وذلك البعض كم هو؟
[ ٧ / ٢٦٩ ]
ووجه القول السادس: بالتفصيل بين ما يعرف بعد الغيبة، وما لا يعرف أنه إذا كان مما لا يعرف بعد الغيبة عليه كالمكيل والموزون يبقى فيه البيع تارة، والسلف تارة؛ لأنه إن مضى الأجل، ولم يبع صح له جميع المشتري وكان بيعًا.
فإن باع في بعض الأجل فلابد أن يرد جميع المشتري؛ لأنه لم يستوجب جميعه؛ لأن الثمن بعضه عينًا وبعضه إجارة.
فإذا باع في بعض الأجل لم تعرف له جميع الإجارة، فإذا لم تعرف جميعها لم يستحق جميع المشتري.
فإذا لم يستحق جميعه فلابد أن يرد بعضه بعد الغيبة عليه، وذلك عين البيع والسلف فيما مضى فيه البيع، فهو بيع وما رد فهو سلف.
ووجه القول السابع: بالتفصيل بين ما ينقسم وما لا ينقسم ملاحظة لما قدمناه في توجيه القول الثالث من التحجير على المشتري فيما اشتراه؛ وذلك أنه إذا باع المبيع مما لا ينقسم كالعبد والدابة، فإن المشتري محجور عليه في التصرف فيما اشتراه؛ بل في قبضه على الجعلة لعدم تمييزه لكونه اشترى مشاعًا فيما لا يمكن قسمه حيًا.
فإن كان مما ينقسم جاز لكونه قادر على القسمة إن شاء؛ إذ لو طلبها لجرى عليها شريكه.
ووجه القول الثامن: بالتفصيل بين المعين والمضمون أنه إذا كان مضمونًا جاز؛ إذ لا يتقي فيه البيع والسلف، ولا الجهل في قدر المشتري؛ لأنه إذا اشترى منه سلعة على أن يبيع له سلعة أخرى غير معينة إلى أجل كذا وكذا، فصار البائع كأنه قد استغرق منافع المشتري في تلك المدة؛ بمعنى أنه إذا باع قبل انقضاء تلك المدة كان للبائع أن يكلف له بيع سلعة أخرى هكذا
[ ٧ / ٢٧٠ ]
تنقضي تلك المدة، فإذا كانت سلعة معينة عاد الأمر فيه إلى ما قدمناه من الغرر والخطر [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ٢٧١ ]
المسألة الثالثة في ماهية الجعل وأصل جوازه
فأمَّا ماهيته فهو أن يجعل الرجل للرجل جعلًا على عمل يعمله له إن أكمل العمل كان له جعله، وإن لم يكمله لم يكن له شيء وذهب عناؤه باطلًا، فهذا قد أجازه مالك وأصحابه فيما لا منفعة فيه للجاعل إلا بتمام العمل، وهو في القياس عذرًا إلا أن الشرع ورد بجوازه على ما أحكمته الشريعة كتابًا وسنة، وكان موجودًا في معاملات الناس جاهلية وإسلامًا؛ فأقر النبي - ﷺ - على فعله، ولم يتعرض لإبطاله مع علمه بذلك؛ إذ لا فرق بين ما يبتدأ في إجارته شرعًا وبين ما يقر على إجارته.
وأيضًا فإن الضرورة تدعو إلى ذلك أشد مما تدعو إلى القراض والمساقاة، والضرورة مستثناة من الأصول، وقد مضى عمل المسلمين على ذلك في سائر الأمصار على قديم الأوقات والأعصار.
ومن شروط صحته أن يكون الجعل معلومًا، وأن لا ينقد، وأن يكون مما لا منفعة فيه للجاعل إلا بتمامه، وأن لا يضرب للعمل المجعول فيه أجلًا، فهذه أربعة شروط، وقولنا: "أن يكون الجعل معلومًا" احترازًا من أن يكون مجهولًا.
فإذا كان الجعل مجهولًا والثمن مجهولًا، ولم يكن في الثمن إلى اجتهاد المجعول له لم يجز باتفاق المذهب.
وإن سمى له الثمن أو فوض إليه، ولم يسم الجعل جاز إذا كان هناك عرف جاز، وجاز في جعل مثل ذلك العمل.
وقولنا: "وأن لا ينقد"؛ لأنه إذا انتقد الجعل كان بيعًا تارة، وسلفًا
[ ٧ / ٢٧٢ ]
تارة، وقد يبيع فيستحق الجعل، وقد لا يبيع فلا يستحق شيئًا؛ إذ لا يستحق الجعل إلا بتمام العمل.
وقولنا: "وأن يكون لا منفعة فيه للجاعل" احترازًا من أن تكون له منفعة فيما عمله؛ ويؤدي ذلك انتفاع الجاعل بعمل المجعول له باطلًا، وهذا على الخلاف في الجعل على حفر بئر فيما يملك من الأرض، هل يجوز أو لا يجوز؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز إلا فيما يملك من الأرضين، وهو قوله في "الكتاب" وهو ظاهر المذهب.
والثاني: فيما يملكه من الأرضين وفيما لا يملك، وهو قوله في مسألة المغارسة؛ لأنه جواز المغارسة فيما يملك من الأرض مع جواز عجز الغارس مع تمام غرسه؛ فينتفع الجاعل بعمل المجعول له، ثم إن جاعل الجاعل من يتم له في ذلك العمل، وأنه يكون للمجعول الأول بحساب عمله سواء كان ذلك في حفر أو حمل أو نقل مثل أن يجاعله على حفر بئر، فعجز قبل تمامه، ثم جاعل عليه غيره فأتمه، أو جاعله على نقل خشبة من موضع إلى موضع فجاء بها إلى نصف الطريق فرماها ثم جاعل عليها من يوصلها لربها، فقد قال ابن القاسم في "كتاب محمَّد": أنه يكون للأول من الجعل بقدر ما عمل مما انتفع به ربها.
وهذا بخلاف البيع إذا عجز عن بيع ما جوعل عليه من السلع إلا أن يبيعها ربها بسوم الأول أو قريب منه فيما قرب من الزمان كبعد يوم أو يومين.
وكذلك إن جاعله على حمل متاع من بلد إلى بلد على معنى البلاغ، ثم عجز في بعض الطريق، ثم وصله ربه أو استأجر عليه من يوصله؛ فعلى ما ذكرناه في البئر والخشب.
[ ٧ / ٢٧٣ ]
وقولنا: "وأن لا يضرب للعمل المجعول فيه أجلًا"، ولم يشترط أن يترك متى شاء، فهل يجوز ذلك أم لا؟
فالمذهب يتخرج على قولين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك لا يجوز؛ لأن الجعل لا يصلح فيه الأجل كما يجوز في الإجارة، وهذا القول قائم من "المدونة" من قوله في "كتاب الجعل": من جاءني بعبدي الآبق وهو بموضع كذا، فله كذا وكذا؛ حيث قال: إن ذلك جائز؛ لأن تسمية المواضع في الجعل كضرب الأجل، وقد قال في غير ما موضع من "المدونة": إن تلك البلدان بمنزلة الآجال، ولأجل هذا اعترض المسألة سحنون وفضل بن مسلمة.
فإن ضرب له الأجل واشترط أن يترك متى شاء، وقد قال في "المدونة" فيمن قال لرجل بع لي هذا الثوب اليوم، ولك درهم إن ذلك لا يجوز إلا أن يشترط أن يترك متى شاء تركه، ثم ذكر المسألة إلى آخرها فقال: لا يؤقت في الجعل يوم، ولا يومان إلا أن يكون متى شاء [] (١) مثل هذا أنه جائز، وهو جل قوله الذي يعتمد عليه.
وقد اختلف المتأخرون في تأويل هذا الكلام، وحيث هو الخلاف حيث هو وما القول المعتمد عليه في ذلك على أربعة أقوال:
أحدها: أن الخلاف في ضرب أجل اليوم واليومين، وأن [] (٢) دون شرط الترك متى شاء، وهذا تأويل ابن أبي زيد، وعليه اختصر المسألة، وقد وهمه بعضهم في هذا قال: لأن الأجل في الجعل دون اشتراط الترك متى شاء لا يجوز باتفاق.
وما قاله هذا المعترض لا يلزم ابن أبي زيد [] (٣)، والخلاف في
_________________
(١) غير واضحة بالأصل.
(٢) غير واضحة بالأصل.
(٣) غير واضحة بالأصل.
[ ٧ / ٢٧٤ ]
المسألة قائم من "الكتاب" على ما استقرأناه من المدونة آنفًا، وربما أنه به استدل الشيخ على هذا التأويل.
والثاني: أنه إنما لم يختلف قول ابن القاسم في "الكتاب" أنه إجارة، وإنما اختلف هل هي جائزة [] (١) أمر هي إجارة فاسدة، وهو تأويل ابن لبابة، واستدل على تأويله بقوله في "الكتاب" في إثر المسألة [] (٢) الجعل تجوز فيه الإجارة إذا ضرب لذلك أجلًا.
وقد استبعد غيره تأويله أيضًا؛ لأنها لو كانت [] (٣) لفساده وجه.
والثالث: أن مراده بالإجارة المسألة المذكورة التي اشترط فيها أنه متى شاء، قاله أيضًا أنه جائز، وهو جل قوله فكرر الجواب، وليس بخلاف، وإنما أخبر أنه جل قوله الذي اعتمد عليه، وجل قوله يقتضي الخلاف ويشعر بأن له قولًا آخر أنه لا يجوز، وهو قول منصوص في رواية عيسى عنه في الذي قال لرجل: جذ نخلي هذا اليوم فما جذذت بيني وبينك ومتى شئت [] (٤) ولك نصف ما عملت فقال: لا خير فيه، وهذا تأويل أبي عمرو بن القطان، وهو تأويل بعيد أيضًا.
والرابع: أن ذلك منه اضطراب رأي واختلاف قول، وأنه إذا قال له: بع لي هذا الثوب [] (٥) فقال في الباب أنه جعل، ولا يجوز إلا أن يشترط أن يترك ما شاء، وله قول آخر أن ذلك جائز [] (٦) خيار لا جعل.
فإن باع في بعض اليوم كان له من الأجر بحساب ذلك، فقال سحنون: إن هذا القول [] (٧) من قول ابن القاسم، وهذا القول لابن القاسم قائم من أول "الكتاب"، وقد قال في الذي [] (٨) نصف الثوب
_________________
(١) غير واضحة بالأصل.
(٢) غير واضحة بالأصل.
(٣) غير واضحة بالأصل.
(٤) غير واضحة بالأصل.
(٥) غير واضحة بالأصل.
(٦) غير واضحة بالأصل.
(٧) غير واضحة بالأصل.
(٨) غير واضحة بالأصل.
[ ٧ / ٢٧٥ ]
على أن يبيع له النصف الآخر أن ذلك جائز إذا ضربا لذلك أجلًا؛ لأنه [] (١) أجلًا كانت إجارة، واختار سحنون هذا القول؛ لأنه إذا قال: بع لي هذا الثوب اليوم ولك [] (٢) يريد على وجه الجعل، فيكون جعلًا فاسدًا، واحتمل أن يريد على وجه الإجارة، فيكون جائزًا [] (٣) محتملًا للفساد، وللجواز مترددًا بينهما، فإنه على مذهب سحنون يحمل على الجواز حتى يتبين [] (٤) قوله في مسألة الراعي والثوب في الخلف، وهذا تأويل القاضي أبي الوليد بن رشد.
واختلف هل يلزم بالعقد أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يلزم بالعقد، وكل واحد منهما بالخيار ما لم يشرع في العمل، فيسقط خيار الجاعل، ويبقى الآخر على خياره حتى يفرغ من العمل، وهي رواية عليّ بن زيادة [] (٥) أشهب عنه في "العتبية".
والثالث: أنه يلزمها جميعًا بالعقد كالإجارة على سواء، وهذا القول حكاه اللخمي، ولم يسم قائله.
وفائدة الخلاف وثمرته: إذا مات الجاعل والمجعول له [] (٦) لازمًا لورثته أم لا؟ ويمكن أن ينزل هذا الخلاف على أن ذلك اختلاف الأسئلة، وفيه أقوال. فنقول: إذا كان الثمن والعمل فيه مجهولين كان الخيار لكل واحد منهما؛ لأن الذي يصح [] (٧) مجهول ومقدار عمل العامل مجهول أيضًا.
فإن كان الثمن معلومًا والعمل مجهولًا بالجعالة على [] (٨) بيع السلعة كان لازمًا للجاعل؛ لأن الثمن الذي يبذله معلومًا وغير لازم للعامل؛ لأن عمله [] (٩) الثمن والعمل معلومين بحفر البئر وما أشبهه كان لازمًا
_________________
(١) غير واضحة بالأصل.
(٢) غير واضحة بالأصل.
(٣) غير واضحة بالأصل.
(٤) غير واضحة بالأصل.
(٥) غير واضحة بالأصل.
(٦) غير واضحة بالأصل.
(٧) غير واضحة بالأصل.
(٨) غير واضحة بالأصل.
(٩) غير واضحة بالأصل.
[ ٧ / ٢٧٦ ]
لهما بالعقد؛ لأن الذي يبذله الجاعل من الثمن معلوم، والذي يلزم العامل من العمل معلوم.
ولا خلاف في الجواز في الجعل في قليل السلع، وهل يجوز في كثيرها أم لا؟ على خمسة أقوال:
أحدها: جواز الجعالة في القليل والكثير، وهذا القول قائم من المدونة من مسألة المغارسة وكلب الآبق، وقد جوز أن يعطي الرجل أرضه لمن يغرسها نخلًا أو شجرًا، فإذا بلغت كذا سفعة أو بلغ الشجر [] (١) كذا وكذا كانت الأرض بينهما والشجر، وذلك مما تطول فيه خدمة المجعول له، وقد لا يشاركه بعمل آخر، ولا يكاد يتفرغ لاستغراقه فيه، وكذلك في طلب الآبق يطول عليه الطلب، ويعطله ذلك عن جميع الصنع التي منها يحق الكسب على العادة المألوفة.
فإذا كانت العلة في منع الجعل في كثير من السلع كون ذلك يشغله عن معاشه وعن الاحتراف بغير ذلك مما ينال منه عيشه، فذلك موجود في المغارسة، وطلب الآبق أو أشد، وذلك ظاهر لا مراء فيه.
والثاني: أنها جائزة في يسير السلع دون كثيرها، وهو نص المدونة.
والثالث: التفصيل بين البيع والشراء؛ فإن جاعله على البيع جاز في القليل دون الكثير، وإن جاعله على الشراء جاز في القليل والكثير؛ لأنه في البيع قد انتفع الجاعل بعمل المجعول لكون السلع في صيانته، وفي حفظه مدة معلومة، وذلك معدوم في الشراء إذا كان كلما اشترى وداه للمشتري، وهو تأويل بعضهم على "المدونة".
والرابع: التفصيل بين أن يجعل له في ثوب يبيعه جعلًا مسمى فيجوز إذا لم يتول حفظ جميع الثياب، ولا يجعل له جعلًا إلا على بيع جميعها، فإن باع بعضًا ولم يبع بعضًا، فلا يجوز قولًا -حفظها أو كانت عند
_________________
(١) غير واضحة بالأصل.
[ ٧ / ٢٧٧ ]
مولاها- وهو تأويل أبي الوليد وغيره.
والخامس: التفصيل بين ما ينقل ويحول كالعروض والحيوان وغيرهما، فلا يجوز الجعل في كثيره، وبين ما لا ينقل ولا يحول كالرياع والعقار فيجوز؛ لأنه لا يتكلف إلا الضياع عليهما دون حفظها، وليس في ذلك للجاعل كثير منفعة، وهو قوله في "العتبية"، و"الموازية".
وسبب الخلاف: اختلافهم في المستثناة من أصول فاسدة، هل يقتصر بها على الأقل الذي تدعو الضرورة إليه أو يلحق بها ما هو مباح من أصله؛ فيجوز في القليل والكثير؛ كاختلافهم في الميتة في حق المضطر إليها، هل يأخذ منها ما يسد بها الرمق أو يشبع ويتزود وغير ذلك مما لا يخفى على من طالع المذهب [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ٢٧٨ ]
المسألة الرابعة في الفرق بين الإجارة والجعالة
وينبغي للعالم أن يعلم أن الجعل والإجارة يتواردان موردًا متقابلًا، وكلاهما عوض عن عمل، فاعتمد على الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: لفظي، والآخر: معنوي، والمعنوي أوسع وأوضح.
فأمَّا اللفظي: فهو أن يقول: أجاعلك على كذا وكذا تعمله، ولك كذا وكذا بكذا، هذا في الإجارة؛ لأنه أوردها باسمها، ويراعى لها شروطها أيضًا كما قدمناه، فلا ينبغي إهمال هذه الألفاظ.
ولو عقدا عقدًا بينهما لا بواسطة الجعالة، ولا بواسطة الإجارة، فهناك تلاحظ الفرق المعنوي الحكمي؛ فإن وجد فيها معنى الإجارة، فهي هي وإن وجد فيها معنى الجعالة فهي هي؛ فإن قال: بع لي هذا الثوب، ولك ألف درهم، فإن لم تبعه فلا شيء لك، فهذه جعالة؛ لأن الاستحقاق فيها نيط بالفراغ من العمل وتصرمه، فإذا قال: بعه لي، ولك درهم بعته، أو لم تبعه فهي إجارة، ولابد من الأجل؛ لأن الاستحقاق فيها ليس بمنوط بالفراغ من العمل، وبين هاتين المقدمتين واسطة مشكلة؛ وهي إذا أبهم الأمر، فقال: بعه ولك كذا؛ إذ قد يحتمل أن تكون إجارة تفسد لعقد [] (١)، ويحتمل أن تكون جعالة فيصح.
أما رأي من غلب شائبة الصحة في اللفظ المتردد بين الفساد والصحة صيانة للمسألة عن الإبطال، فحمله على الجعالة مطرد غير مطرب، وأما رأي من غلب الفساد على الصحة عند التزاحم كابن القاسم، فإنه قد عهد
_________________
(١) غير واضحة بالأصل.
[ ٧ / ٢٧٩ ]
منه ذلك في مذهبه، فإن صحت المسألة على هذا الأصل ففيه نظر، وابن القاسم يقول بصحتها حملًا على ما ترى، ويشبه أن تكون قد تحسن لمفهوم الصيغة في ارتباط الاستحقاق بانبرام العمل، فإذا كان ارتباط الاستحقاق [] (١) العمل إذا عقل نصًا بمحض شائبة الجعالة؛ فكذلك الارتباط المعقول من الصيغة لحنًا ضمنًا.
فإذا علم ذلك فمن وجوه الفرق بينهما أن الإجارة تلزم من الطرفين، فليس لأحدهما فسخها مع التمكين في الاستيفاء والجعالة لا تلزم من الطرفين؛ لأنها من قبيل الجائز لا من قبيل اللازم على مشهور المذهب؛ لأن العمل مجهول فلا يتمادى.
وأما الإجارة فالعمل فيها مقدر معلوم.
ومن وجوه الفرق بينهما أن الجعالة لا يجوز فيها [] (٢) شرطه؛ لأنه سلف تارة وجعل أخرى؛ فهو جائز بالعقد في الإجارة بل يلزم، أو بالشروع في العمل لابد لأحدهما احترازًا من الدين بالدين إن كانت الإجارة على موصوف، وإن كانت على بيع معين، فإن النقد بالنقد في الجعالة لا يجوز بشرط، والتوجيه ما قدمناه.
ومن وجوه الفرق بينهما: أن التأقيت بأجل لا يصح في الجعالة، ويصح في الإجارة، بل يجب فيها؛ لما قدمناه من أن الجعالة من قبيل الجائز دون اللازم، ولا مجال للتأقيت فيها؛ إذ الغرض به منتهى اللزوم، فلا لزوم ولا تأقيت، بخلاف الإجارة لأنها من قبيل اللازم، ولابد للازم من غاية ونهاية، غير أنا نقول ما قدحت الجعالة في العقود بلغتها؛ بل لما فيها من الفساد المقتفي لإبطالها من ارتكاب الإغرار، واقتحام الأخطار، ولو ساع التأقيت في الجعالة لأمكن دفعها قبل الفراغ من العمل، فيذهب
_________________
(١) غير واضحة بالأصل.
(٢) غير واضحة بالأصل.
[ ٧ / ٢٨٠ ]
كده باطلًا؛ فنظام الجعالة إذًا إنما يتقرر بإهمال المدة فيها؛ لأن ذلك من مصالح العقد، وما كان من مصالحه فلا يكر ببطلانه، هذا كما نقوله في النكاح، والإجارة فإنهما متآخيان [] (١) لما نص المناكحة عن التأقيت؛ إذا لا يتم مقصودها الذي هو السكن والازدواج والتناسل الإعضاد [] (٢) جهل التأقيت؛ إذ لا يحصل مقصودها إلا بمعرفة مدتها؛ فصارت الجهالة فيها مفسدة لا مصلحة [] (٣) ذلك؛ فاعلم أن الجعالة والإجارة مثل أن تكون له غاية معلومة، ونهاية محصورة كخياطة الثوب [] (٤) فإذا ضم إلى ذلك الزمان، فهل يصح في الإجارة أم لا يصح؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه لا يجوز؛ لأنه من باب مدتين في مدة وشرطين في بيع، وهو قوله في كراء الرواحل، والدواب فيمن تكارى دابة من رجل على أنه إن بلغه إلى موضع في كذا، وإلا فلا كراء له، فقال مالك: لا خير في ذلك؛ لأنه شرط لا يدري هل يتم فيه الكراء أم لا؟
وأشار بعض المحققين من المتأخرين إلى أن وجه فساده؛ لأنه من مدتين في مدة وشرطين في بيع.
والثاني: أن ذلك جائز، ويؤخذ من مسألة الثور إذا استأجره يطحن له كل يوم أردبين بدرهم، فوجده لم يطحن له إلا أردبًا واحدًا في اليوم، فقال له أن يرده ويغرم نصف الدرهم؛ فقد جوز في هذه المسألة [] (٥) في مدة؛ لأن التقييد باليوم مدة، والتقييد بالأردبين مدة؛ فإحداهما تغني عن الأخرى.
_________________
(١) غير واضحة بالأصل.
(٢) غير واضحة بالأصل.
(٣) غير واضحة بالأصل.
(٤) غير واضحة بالأصل.
(٥) غير واضحة بالأصل.
[ ٧ / ٢٨١ ]
والقولان مرويان عن مالك مشهوران في "العتبية" وغيرها، والمشهور المنع.
وقال بعض المتأخرين: يمكن أن يكون قصد بالشرط هاهنا هذا الشرط في التقييد بمدة الزمان مع التقييد بمقدار العمل؛ مثل قوله: خط لي هذا الثوب، ولك درهم على التعجيل والاستحثاث ودفع التكلي والوأن؛ فتحصيل هذا الغرض هو المقصود لا الزمان، وهذا منه جنوح إلى التلفيق والخلاف في المسألة من كل طريق وثبت عند كل فريق.
وأما الوجه الثاني: وهو تقدير [] (١) بزمن يقتضب منه فجائز في الإجارات بل واجب؛ وأما في الجعالة إذا قيدت بزمن، وإن لم يشترط أن يترك متى شيئًا لم يجز لما قدمناه، وإن اشترط ذلك، فهل يجوز أم لا؟ فإنه يتخرج على الخلاف الذي استقصيناه في المسألة التي قبل هذا استقصاءً لم أسبق إليه، ولا زاحمتني أقدام المتأخرين عليه [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) غير واضحة بالأصل.
(٢) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ٢٨٢ ]
المسألة الخامسة فيمن دفع دابته لرجل على النصف
فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يقول له: أكرها.
والثاني: أن يقول له: اعمل عليها.
والثالث: أن يقول له: اعمل لي عليها.
فأما الوجه الأول: إذا قال له: أكرها ولك نصف ما تكريها به فلا يخلو من أن يكون عمل بمقتضى قوله أو خالفه.
فإن عمل بمقتضى قوله وإذنه، فالكراء لصاحب الدابة، وللآخر إجارة المثل على ما قدر عنائه وتعبه؛ لأن رب الدابة قد استأجره إجارة فاسدة.
فإن خالفه فيما أذن له فيه؛ مثل أن يأمره فيكريها فعمل عليها كان ما عمل عليها له، ولصاحبها إجارة المثل؛ لأن نقد على منافع الدابة في غير ما أذن له فيه.
وأما الوجه الثاني: إذا قال اعمل عليها فما عملت عليها من شيء؛ فلك نصفه فلا يخلو من أربعة أوجه:
إما أن يقول له اعمل عليها، ولك نصف ثمن ما اكتسبت، أو يقول له: اعمل عليها على أن نصف عين ما حملت عليها لك، أو يقول له: اعمل عليها ولك كل يوم درهم، أو يقول له: احمل عليها لك نقلة ولي نقلة.
فإن قال له: اعمل عليها ولك نصف ثمن ما كسبت عليها؛ مثل أن يأخذها، ويحتطب عليها فيبيع أو يحتش عليها أو يستغني عليها، فإن
[ ٧ / ٢٨٣ ]
المكسب للعامل، وعليه إجارة المثل لصاحب الدابة؛ لأن تلك الأشياء ملك للعامل بنفس أخذه لها، والدابة قد اكتراها كراء فاسدًا، وإن عاقه عائق وعرف ذلك بأمر معروف، فلا شيء عليه؛ إذ لم يحمل له عليها شيئًا مضمونًا، وهو قول ابن حبيب في الواضحة.
واختلف إذا قال اعمل عليها فأكراها لمن يكون الكراء على قولين:
أحدهما: أن الكراء للمستأجر، ولصاحب الدابة أجرة المثل.
والثاني: أن الكراء لصاحب الدابة؛ لأنه ضمن منافعها، وللمستأجر كراء المثل.
والقولان لابن القاسم في "التبصرة".
فإن قال له: اعمل عليها على أن لك نصف ما حملت عليها من حطب، أو حشيش، أو ماء، أو ثمار البرية، فإن ذلك أمر ممكن لا يتعذر وجوده لم يجز؛ لأنه مخاطرة.
فإن قال له: اعمل عليها، ولك كل يوم درهم جاز ذلك، ويكون ثمن ما باع به مما عمل عليها لصاحب الدابة، ولا يكون ذلك دراهم في اكترائها؛ لأن الملك يتعين لصاحب الدابة في تلك الأشياء بالنية قبل بيعها، ولو أخذه بدراهم أبو بدنانير ودفع إليه دابته على أن يأتيه كل يوم بدرهم سنة أو شهرًا لم يجز باتفاق المذهب.
فإن كان على أن يأتيه بغير الدنانير، والدراهم كالعروض، والطعام وغيره، فالمذهب على قولين:
أحدهما: المنع إذا اشترط عليه قدرًا معلومًا، وهو قول مالك في "المدونة" و"الموازية".
والثاني: الجواز، وهو إذا وصف وأجل، وهو قول أحمد بن ميسر،
[ ٧ / ٢٨٤ ]
ومحمد بن المواز.
وإن قال له: احمل عليها نقلة لك، ونقلة لي، فإن ذلك جائز؛ لأن النقل معلومة، وهو قول ابن المواز.
فإن قال: ما تنقل عليها اليوم لك، وغدًا لي فذلك جائز أيضًا.
فإن نفقت الدابة قبل أن يعمل في اليوم الثاني، فلا يخلو من أن يعمل في اليوم الأول لنفسه، أو لرب الدابة.
فإن عمل لرب الدابة ثم نفقت الدابة في اليوم الثاني قبل أن يعمل لنفسه كان على صاحب الدابة للعامل إجارة المثل، وليس له أن يكلفه أن يأتي بدابة أخرى؛ لأنه إنما باع غدًا منافع الدابة بعينها والمعين لا يخلف على ظاهر المذهب.
فإن عمل لنفسه أولًا ثم ضاعت الدابة أو نفقت قبل أن يعمل لربها، هل يكون له كراء دابته ذلك اليوم.
وهي رواية ابن أبي زيد عن ابن القاسم في "العتبية" لتعذر الخلف في مثل ذلك؛ كقولهم في الثوب اللبيس يستأجر على أن يأتي بدابة أخرى تعمل له؛ لأن حق رب الدابة مضمون في ذمة المستأجر في عين الدابة، وهذا القول حكاه الشيخ أبو محمَّد في "النوادر" قال: وهذا هو أصلهم.
فرع
من قال لرجل: أعنِّي بغلامك خمسة أيام وأعينك بغلامي مثلها جاز ذلك في الحصاد وغيره.
وكذلك إن قال له: اعطني عبدك النجار يعمل اليوم بعبدي الخياط يخيط لك غدًا فلا بأس به، وهو قول أشهب، وأصبغ في "العتبية".
[ ٧ / ٢٨٥ ]
ولا يؤثر في ذلك اختلاف الصنائع؛ لأن ذلك مبايعة باع عمل عبده اليوم بعمل عبد الآخر غدًا كما تجوز إجارة كل واحد منهما على أن يعمل مدة معلومة؛ فكذلك يجوز أن يباع عمل بعضهم بعمل بعض.
وأما الوجه الثالث من أصل التقسيم: إذا قال له: اعمل لي عليها لمن يكون الكسب؟ على قولين:
أحدهما: أنه للعامل، وعليه كراء الدابة، وهو قول ابن القاسم في رواية الدباغ في "المدونة".
والثاني: أن الكسب لربها وعليه الأجر للعمل، وهو قول ابن الجلاب، [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ٢٨٦ ]
المسألة السادسة في إجارة رحى الماء وانقطاع الماء عنها في بعض مدة الإجارة
وكراء أريحة الماء جائز بكل شيء يجوز التبايع به من طعام وغيره، وهي المسألة التي سأل فقهاء الأندلس مالكًا عنها.
فإن انقطع عنها الماء وطلب المفاسخة، فلا يخلو من أن ترجى عودته عن قرب، أو كان يرجى بعد بعد.
فإن كان يرجى عن قرب لم يفسخ إلا بتراض منهما، فإن كان لا يرجى إلا بعد بعد كان له أن يفاسخه.
فإن عاد الماء قبل انقضاء بقية المدة، فلا يخلو من أن يعود قبل الفسخ أو بعده.
فإن عاد قبل الفسخ فلا يخلو من أن يعود عن قرب أو بعد بُعد.
فإن عاد عن قرب، فإن الكراء بينهما قائم على حاله.
فإن عاد عن بعد، فإنه يتخرج على قولين:
أحدهما: أن طول المدة في انقطاعه كالفسخ.
والثاني: أن الكراء بينهما قائم إلا أن يتفاسخا أو يفسخ بينهما بحكم؛ قياسًا على الذي اكترى السفينة في الصيف، فيدخل الشتاء، وكان الحكم الفسخ فلم يتفاسخا حتى صار إلى الصيف، فقد اختلف في المذهب على قولين.
[ ٧ / ٢٨٧ ]
فإن عاد [بعد] (١) الفسخ، هل يثبت ما فسخ الحكم بينهما أو ترجع الإجارة على حالها؟ على قولين:
أحدهما: إمضاء الفسخ بينهما، وهو ظاهر قول غيره في "المدونة" في العبد إذا مرض في أثناء المدة ثم برئ.
والثاني: أن الإجارة ترجع على حالها؛ لأنهم في التقدير إلا أن يكون المكتري بعد الفسخ قد عقد موضعًا غيره، فإن الفسخ يمضي بينهما قولًا واحدًا.
فإن عاد الماء وعاد إلى العمل، فلما انقضت السنة اختلفا في مدة انقطاع الماء؛ هذا يقول شهر والمكتري يقول: شهران فلا يخلو من أمرين إما أن يتفقا على أول انقطاعه، واختلفا في وقت رجوعه أو اتفقا في وقت رجوعه، واختلفا في مبدأ انقطاعه.
فإن اتفقا على أول انقطاعه، واختلفا في وقت رجوعه المكري يقول رجع بعد شهرين والمكتري يقول بعد شهر، فإن القول قول المكتري؛ لأن ذلك في يديه قد سلم إليه واؤتمن عليه.
فإن اتفقا في وقت رجوعه، واختلفا في مبدأ انقطاعه؛ مثل أن يتفقا أنه رجع في شعبان، وقال المكتري: كان انقطاعه في رجب، وقال المكتري: كان في جمادى، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن القول قول المكري؛ لأن الكراء قد وجب على المتكاري، فهو يريد أن يحط عن نفسه بقوله، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" وغيرها.
والأصل استصحاب الحال؛ فلا تبرأ ذمته بدعواه.
_________________
(١) في أ: بعلة.
[ ٧ / ٢٨٨ ]
وقال سحنون: هذه عراقية، يريد: أن القول قول المكتري، وهو القول الثاني؛ لأن الأمر فيه مكشل، والأصل براءة الذمة من الدين، ولا تعمر بالشك، فلو انقطع ذلك الماء إلا أن أهل ذلك المكان قد أخلوا من فتنة أصابتهم أو سنة مستهم، وأخلى هذا المكتري معهم أو أقام آمنًا غير أنه لا يأتيه أحد ولا يغشاه بالطعام، فقد قال: إن ذلك كبطلان الرحى من نقصان الماء، ويوضع عنه الكراء، وينبغي أيضًا أن الناس إذا أصابتهم السنة أو أمر ذهب بأموالهم حتى لا يعيشوا إلا بالبقول والحشائش، وتعطل عليهم العمل، وأهل البلد في البلد آمنون إن لم يخلو أن يكون ذلك كانجلائهم؛ لأن النظر إلى بطلان الرحى لعدم ما يطحن لا لعدم أهل البلاد وانجلائهم، وذلك ظاهر لمن تأمله [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ٢٨٩ ]
المسألة السابعة في إجارة الثيات والحُلِي
واختلف في إجارة الثيات والحلي وجميع الماعون الذي يستخدمه الناس ويمتهنونه، هل يجوز أو يكره، على قولين:
أحدهما: أن ذلك جائز دون كراهية، وهو المشهور من قول مالك، وهو اختيار ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أن ذلك مكروه في كل شيء، وهو أحد قولي مالك في الحلي حيث قال ابن القاسم: وقد أجازه مالك مرة، واستثقله مرة أخرى، وقال: لست أراه بالحرام البين، وليس كراء الحلي من أخلاق الناس، ولا أرى به بأسًا.
ووجه الكراهية في ذلك ما خرَّجه البخاري ومسلم أن النبي - ﷺ - قال: "لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير من أن يأخذ عليه خرجًا معلومًا" (١)، وقد قيل في معنى قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٢)، وأن ذلك في مثل الدلو، والفأس، وسائر ماعون البيت، وقيل: أراد به الزكاة المفروضة، وهو المشهور.
وعلى القول بأن ذلك جائز دون كراهة، هل يصدق المكتري إذا ادعى الضياع أم لا؟
فلا يخلو من أن تقوم له بينة على ما يدعيه أو لم تقم.
فإن قامت البينة البينة على الضياع بغير تضييع، ولا تفريط فلا تفريغ.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٢٠٥)، ومسلم (١٥٥٠).
(٢) سورة الماعون الآية (٧).
[ ٧ / ٢٩٠ ]
وإن لم يكن إلا مجرد دعواه، فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه مصدق في الكراء، والضياع، ولا يلزمه من الأجرة إلا ما قال أنه قد انتفع به، وهو قول غيره في "المدونة".
والثاني: أنه لا يصدق لا في الكرى، ولا في الضياع، وهو ضامن لقيمة الشيء المستأجر، وهو قول أشهب عن مالك في "الكتاب" في مسألة الجفنة على رواية الضياع، وهي الرواية المشهورة، وهذا القول نقله ابن سحنون في غير "المدونة".
والرواية الأخرى أنه إذا ادعى الكسر؛ ولذا قال مالك في غير "المدونة"، وأين فلقها.
والثالث: أنه مصدق في الضياع دون الإجارة، وتلزمه جميع الإجارة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
وسبب الخلاف: اختلافهم في الشيء المستأجر، هل طريقه طريق الرهان، والعواري أو طريقه طريق الودائع والبضائع؛ فمن سلك به مسلك الرهان والعواري قال بتضمينه، ومن سلك به مسلك الودائع والبضائع قال بسقوط الضمان؛ لأن حقه في الانتفاع به، والرقاب في يديه أمانة لا حق له فيها.
ومن فرق بين الإجارة وعين الشيء المستأجر، فقد لاحظ المعنيين وراعى الشقين، وذلك دأب ابن القاسم في أكثر المواضع [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ٢٩١ ]
المسألة الثامنة في إجارة المسجد والبناء عليه
ولا يخلو بناؤه للمسجد من وجهين: إما أن يبنيه ليكريه، أو يبنيه ليصلي فيه.
فإن بناه ليكريه لمن يصلي فيه، فإن ذلك لا يخرجه عن ملكه قولًا واحدًا، وله أن يبيعه، ويورث عنه.
وهل يجوز له إجادته لمن يصلي فيه أم لا؟ وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى.
فإن بناه لمن يصلي فيه، فلا يخلو من أن يبيحه للناس أو لا.
فإن أباحه للناس، وخلا بينهم وبينه وحيز عنه في صحته، فلا خلاف أنه حبس لا يورث عنه، ولا يباع.
فإن لم يحز عنه، ولا أباحه لمن يصلي فيه، وامتنع من أن يخرجه من يده لم يجبر على ذلك، وهو ظاهر "المدونة" من غير ما موضع، وقد قال في آخر "كتاب الصلاة الأول": والمسجد حبس إذا كان صاحبه قد أباحه للناس؛ فمفهومه إذا لم يبحه ورث.
والأصل في كل شيء مما أوجبه الإنسان لله تعالى، ولم يعين له محلًا ألا يجبر على إنفاذه.
فإن مات قبل أن يحاز عنه، وكان على نفاذه، فإنه يتخرج على قولين، وهل يمضي حبسًا أو ميراثًا؛ قياسًا على الهبة إذا لم يفرط في حوزها حتى مات.
فإن بناه على ظهر بيته، فالحكم فيه كما قدمناه؛ فإذا أباحه للناس،
[ ٧ / ٢٩٢ ]
وأخرجه من ملكه، فلا خلاف أنه حبس لا يجوز بيعه.
وهل يجوز [بيع] (١) ما تحته من البنيان أم لا؟
فإنه يتخرج على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: جواز بيعه، وهو نص قوله في آخر كتاب الصلاة الأول حيث قال: ويورث ذلك البنيان، والمسجد حبس لا يورث.
والثاني: [أنه لا يجوز بيعه] (٢) وله حكم ما عليه، وهو ظاهر قوله في "كتاب الشفعة" فيمن بني مسجدًا على ظهر بيته أو في أرضه على وجه الصدقة، والإباحة، أو حبس عرصة له، أو بيتًا في المساكين، أو على المساكين لم يجز له بيع ذلك، وظاهر الكلام يعود على ما تقدم ذكره من البنيان السفلي، والعرصة؛ لأن قوله ذلك يتناول الجميع، وعليه جمع بعض شيوخ الأندلسيين، وقد رأيت اسم سحنون على المسألة في بعض نسخ المدونة مكتوب في الطرة، قال سحنون: يجوز له بيع ذلك، وذلك يدل على أن قوله في الشفعة مناقض لقوله في "كتاب الصلاة"، وإلا فأي شيء استراب سحنون من قوله حتى قال يجوز له بيعه؟
وأما إجارة المسجد والدار والبيت للصلاة فقد اضطربت فيها أجوبة الكتاب اضطرابًا أوجب اختلاف آراء المتأخرين في تأويلها، ونص ما في الكتاب: قلت: أرأيت إن أجر بيته من قوم ليصلوا فيه رمضان؟ قال: لا يعجبني؛ لأن من أكرى بيته كمن أكرى المسجد، والإجارة فيه غير جائزة؛ لأن الإجارة في المساجد غير جائزة، وقال غيره: لا بأس بذلك في كراء البيت.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٧ / ٢٩٣ ]
ثم قال: أرأيت إن أكريت دارًا لي على أن يتخذوها مسجدًا عشر سنين؟ قال: ذلك جائز، قلت: فإذا مضت العشر سنين؟ قال: إذا انقضت المدة رجعت الدار إلى ربها، ويكون نقض المسجد لأهل النقض الذي اشتروا وبنوا به المسجد.
فانظر كيف جوز إجارة الدار لمن يبنيها مسجدًا، ومنع من أن يبني هو مسجدًا يبنيها، ومنع من كراء البيت لمن يصلي فيه، وجوز إجارة الدار، فذهب بعضهم إلى تلفيق الأجوبة، وتأويلها على الوفاق فقال: إنما تكلم ابن القاسم قبل الوقوع فكرهه؛ لأن ذلك ليس من مكارم الأخلاق، وأنه إن فعل جاز، كما أنه أجاز إجارة المصحف لكنه ليس من مكارم الأخلاق، وهذا معنى منع محمَّد إجارة المصحف، والذي أكرى أرضه أو داره لم يتخذه مسجدًا؛ لأنه أكرى ما يجوز له كراؤه، وليفعل مكتريه ما شاء، ولو سلم البيت لمكتريه لكان كالدار، وإنما أكره له كراءه منهم أوقات الصلاة فقط، فإذا فرغوا وخرجوا رجع إلى ربه ينتفع به ما بينه، وبين الصلاة الأخرى.
فلو اكتروها جملة ينتفعون به مدة كرائهم وغيرها مما هو جنس الصلاة لجاز ابتداء كما جوز في الدار.
فلو كان اكتراؤهم للدار في أوقات الصلاة خاصة لقبح، ولم يصلح كما قال في البيت؛ إذ ليس من مكارم الأخلاق، ويحمل قول الغير على أن ذلك بعد الوقوع والنزول، وابن القاسم تكلم على ما كان قبل الوقوع، وهذا تأويل أبي الفضل وغيره.
وذهب غيرهم إلى أن ذلك اختلاف قول، وأن قوله في الدار خلاف قوله في البيت، وأنه لا فرق بينهما، وهذا قول حمديس.
وقال القاضي: أبو الفضل: فعلى قول حمديس يدخل من الخلاف
[ ٧ / ٢٩٤ ]
في مسألة الدار ما يدخل في مسألة البيت، وما قاله صحيح ظاهر.
وعلى القول بالتلفيق لا تفريع.
وعلى القول بأن ذلك اختلاف قول يتحصل في المسألة أربعة أقوال:
أحدها: أن ذلك ممنوع في المسجد والدار والبيت، وهو قول ابن القاسم في البيت والمسجد.
والثاني: الجواز في الجميع، وهو قول الغير في البيت، وابن القاسم في الدار، والمسجد إذا لم يتخذ للناس كالبيت.
والثالث: التفصيل بين البيت وغيره؛ فيجوز في البيت ولا يجوز في المسجد والدار، وهو ظاهر قول الغير في الكتاب.
والرابع: أنه يجوز في الدار، ولا يجوز في المسجد والبيت، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "الكتاب" أيضًا.
فهذا تخيل المسألة وتحصيلها، ومن له أنس بمعاني الكتاب هان على ما أشرنا إليه [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ٢٩٥ ]
المسألة التاسعة في الصغير والعبد يؤاجران أنفسهما بغير إذن الأولياء
أو استعملا في إجارة أو استعين بهما في عمل من الأعمال، ولا شك ولا خفاء أن رأى الشارحين من المتأخرين اختلفوا في تأويل ما وقع في تأويل هذه المسألة من الاضطراب من قول ابن القاسم، وابن وهب، وسحنون في الكتاب مع ما وقع منها في "كتاب الرواحل والدواب"، وأطنبوا في ذلك إطنابًا يخل تشعبه بالفائدة، ونحن إن شاء الله نلخصها أيّ تلخيص، ونحصلها أحسن تحصيل، فنقول من حيث التفصيل، فلا يخلو من وجهين:
إما أن يستعمله فيما لا تبتغي فيه الإجارة، أو فيما تبتغي في مثله الإجارة.
فإن استعمله فيما لا تبتغي في مثله الإجارة كمناولة القدح، والنعل فلا ضمان عليه سلم أو هلك.
فإن استعمله فيما يبتغي في مثله الإجارة، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يستعمله فيما لا يعطب في مثله أصلًا.
والثاني: أن يستعمله فيما يعطب في مثله نادرًا.
والثالث: أن يستعمله فيما يعطب في مثله غالبًا.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا استعمل فيما لا يعطب في مثله أصلًا؛ مثل أن يستعمله في تعليم الصبيان أو في حراسة البساتين أو نفش الصوف، فإن سلم فلا ضمان عليه قولًا واحدًا وعليه أجرة المثل إن استعان به، فإن واجره كان عليه الأكثر مما سمى أو إجارة المثل، فإن عطب فقولان:
[ ٧ / ٢٩٦ ]
أحدهما: أنه ضامن، وهو قول سحنون في بعض روايات المدونة في الذي استأجر عبدًا في الخياطة كل شهر بكذا، ثم حوله بغير إذن أهله في غير ما استأجره له أنه ضامن وصار متعديًا؛ فأشبه الغاصب، وهو نص قول ربيعة في الكتاب، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب الرواحل والدواب" في الزيادة على المسافة فيما لا يعطب في مثله فعطبت الدابة حيث قال: يضمن، وذلك ضمان بمحض التعدي.
والثاني: أنه لا ضمان عليه، وهو قول ابن القاسم وابن وهب في "كتاب الجعل والإجارة" من "المدونة".
وعلى القول بالضمان، فإن كان حرًا فهلك كانت ديته على عاقلة الذي استخدمه، وعليه هو أجرة المثل إن استعان به، أو الأكثر من المسمى أو إجارة المثل إن استأجره.
فإن كان عبدًا واستعان به كان للمثيل الأكثر من المسمى أو من إجارة المثل أو ما نقصه العيب إن عطب وعاش، فإن مات كان له الأكثر من إجارة المثل، أو القيمة يوم التعدي، فإن واجره كان للسيد الأكثر من المسمى أو إجارة المثل أو القيمة أيها شاء، وهذا إذا لم يأذن له في الإجارة أصلًا.
فإن أذن له في نوع من الأعمال فاستعمله في غير ما أذن له فيه، فلا يخلو الذي استعمله من أن يكون عالمًا بذلك أو غير عالم.
فإن كان عالمًا فتعدى فاستعمله في غير ما أذن للعبد فيه كان بمنزلة ما لم يؤذن له فيه أصلًا.
فإن لم يعلم بالتخصيص هل يضمن أو لا؟
قولان قائمان من "المدونة":
[ ٧ / ٢٩٧ ]
أحدهما: أنه لا يضمن، وهو ظاهر قوله في "كتاب المأذون له في التجارة" إذا أذن لعبده في شيء ثم عمل في غيره أنه يلزمه ذلك؛ لأن أقعده للتجارة ولا يدري الناس لأي أنواع التجارة أقعده، وهي رواية عن مالك في "العتبية" في العبد الخياط أو النجار يستعمل في البناء أو غيره، فهلك فيه أنه لا ضمان على من استعمله إلا أن يدخله في عمل مخوف.
والثاني: أنه ضامن؛ لأنه قد استعمله فيما لم يؤذن له فيه أصلًا؛ فأشبه التعدي المحض كما لو حوله من عمل إلى غيره بغير إذن مولاه.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا استعمله فيما يعطب في مثله نادرًا؛ مثل أن يستعمله في نقل الخشب، والحجارة، والخياطة، فوكزته الإبرة أو وقعت عليه الخشبة، أو الحجارة فعطب من ذلك، أو مات بأمر من الله، فإن سلم من ذلك، ومات بسبب سماوي، ففي ضمانه قولان:
أحدهما: أنه ضامن له، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الرواحل والدواب".
والثاني: أنه لا ضمان عليه فيه، وهو قول أشهب وابن القاسم في "كتاب الجعل والإجارة" من "المدونة".
فإن هلك من ذلك السبب فقولان أيضًا في "الكتاب":
أحدهما: وجوب الضمان عليه، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه لا ضمان عليه، وهو قول أشهب.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا استعمله فيما يعطب في مثله غالبًا؛ مثل أن يستعمله في غرر مخوف كالنزول في البئر التي قتلت أهلها حماة، وهدم الجدران أو الحفر بجنبها، أو العمل على الزرانق.
فإن سلم منها فقولان في وجوب الضمان:
[ ٧ / ٢٩٨ ]
أحدهما: أنه ضامن لقيمته إن كان عبدًا، وهو ظاهر قوله ابن القاسم في "كتاب كراء الرواحل والدواب" إذا نفد وزاد على المسافة ما تعطب الدابة في مثله، فسلمت حيث قال: فإن صاحبها بالخيار بين أن يأخذ كراء الزيادة أو يضمنه قيمة الدابة يوم تعدى عليها، وله في الوجهين كراء الأول؛ فكذلك ينبغي أن يخير سيد العبد في هذه المسألة أيضًا، والمجمع بينهما محض التعدي، واستعمال [العبد] (١) والدابة فيما يعطب في مثله.
والثاني: نفي الضمان عنه، وهو قول ابن القاسم وابن وهب وسحنون في "كتاب الجعل والإجارة"، فإن هلك فلا يخلو هلاكه من أن يكون بسبب سماوي أو بسبب ما استعمل فيه من الأغرار والأخطار.
فإن كان بسبب سماوي، ففي ضمانه قولان:
أحدهما: أنه ضامن سواء أذن له وليه في الإجارة أو لم يأذن له؛ لأنه إن أذن له في الإجارة لم يأذن له في الأغرار؛ فصار بنفس التعدي ضامنًا كما بيناه آنفًا.
والثاني: التفصيل بين أن يأذن له في الإجارة أو لم يأذن؛ فإن أذن له فلا ضمان عليه، فإن لم يأذن له ضمن؛ لأنه إن لم يأذن له كان استعماله إياه تعديًا محضًا، وإن أذن له كان تعديًا مستندًا إلى إذن.
فإن كان هلاكه بسبب ذلك العمل في مخوف وغرر ضمن قولًا واحدًا، [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ٢٩٩ ]
المسألة العاشرة في الإجارة على رعاية غنم
وهي على أربعة أوجه:
أحدها: أن يقول: أستأجرك أن ترعى لي غنمًا، ولا يسمى له عدة.
والثاني: أن يسمى له عدة ويعينها، فيقول: ترعى هذه المائة.
والثالث: أن يشترط عدة ولا يعينها.
والرابع: أن يسمي عدة معينة أو غير معينة، ويشترط أن لا يرعى معها غيرها.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا استأجره على رعاية غنم، ولا يسمى له عدة، ولا عين له شيئًا جاز ذلك، وحملا على [استغراق جميع] (١) منافعه، ولرب الغنم أن يأتيه من ذلك بما يقدر على رعايته، ثم لا يكون للراعي أن يرعى معها غيرها، فإن فعل كان الخيار لرب الغنم إن شاء أخذ الأجرة التي أخذ الراعي في الثانية، ويكون له جميع أجرته على رب الغنم الأول، فإن شاء أن يحط عنه من الأجر الذي عليه قدر ما ينوب رعاية الغنم الثانية كان ذلك كله، وهو قول ابن القاسم.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا سمى عدة وعينها فيقول: ترعى هذه المائة، هل تتعين بذلك أو لا تتعين؟ على قولين:
أحدهما: أنها لا تتعين بذلك، وأن قوله هذه صفة، ويلزم الخلف إن أصيبت، وهذا قول سحنون في غير "المدونة"، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الرواحل والدواب" من "المدونة" في الأحمال إذا استأجره على
_________________
(١) في الأصل: جميع استغراق.
[ ٧ / ٣٠٠ ]
حمل هذه الأحمال إلى بلد كذا وكذا حيث قال: لا يتعين.
وأما الأحمال إن أصيبت لم ينفسخ الكراء بينهما على تفصيل لباقي سبب تلف الأحمال يأتي بيانها في مسألة مفردة إن شاء الله تعالى.
والثاني: أنها تتعين ولابد من اشتراط الخلف إن هلكت، وهو قوله في "كتاب العمل والإجارة"، فإن لم يشترط الخلف هل تجوز الإجارة أو لا تجوز؟ فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أن الإجارة فاسدة، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب" حيث قال: لا خير في ذلك؛ لأن فيه تحجيرًا على صاحب الغنم، فلا يقدر على بيعها.
والثاني: أن الإجارة جائزة، وإنما تتعين لأن رب الغنم يشترط ذلك لئلَّا يتكلف الخلف.
والثالث: التفصيل بين أن تكون قريبة فتجوز أو تكون بعيدة، فلا تجوز، والقولان في "التبصرة".
والقول الرابع: التفصيل بين أن تكون الشرط من رب الغنم فيجوز؛ لأنه يكره أن يتكلف الخلف، وأن يكون من الراعي فلا تجوز وتكون إجارة فاسدة، وهو خلاف للخمي.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا اشترط عدة لا يعينها مثل أن يشترط على [] (١) فذلك هجر، والحكم يوجب الخلف، وإن لم يشترطه باتفاق المذهب أو اشتراط عليه أن لا يرعى معها غيرها، فإنه يجب عليه أن يوفى له بشرطه، فإذا توالدت حملًا على رعاية الأولاد على سنة أهل البلد الذي هم فيه والمتعارف عليه [] (٢) حملًا عليها لم يلزم الراعي رعاية الأولاد إلا
_________________
(١) غير واضحة بالأصل.
(٢) غير واضحة بالأصل.
[ ٧ / ٣٠١ ]
بزيادة الأجر إن شاء؛ لأن ذلك عليه تعب ومشقة، وذلك لازم في المعينة والمضمونة، وهو نصه في "المدونة".
والجواب عن الوجه الرابع: إذا سمى عدة معينة أو غير معينة، ويشترط ألا يرعى معها غيرها مثل أن يستأجره على أن يرعى مائة معينة أو غير معينة كان للراعي أن يؤاجر نفسه في رعاية غيرها إذا كان لا يضر بالأولى، وكان يقوى على أكثر منها.
فإن كان لا يقوى إلا أن يدخل فيه من يرعى معه، هل يجوز ذلك أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن ذلك جائز إذا لم يدخل بالثانية على الأولى ضررًا، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أن ذلك لا يجوز له؛ لأنه فسخ عمل معين في غيره؛ لأن منافعه قد عينت في رعاية جميع ذلك العدد، فإذا أدخل معه راعيًا آخر يعينه على رعايتها فقد تولى الثاني بعض العمل الذي استؤجر عليه فسخ الأولى، وذلك فسخ المعين في غيره، وذلك ظاهر لمن أنصف.
فإن دخل في الثانية على الأولى مضرة، فلربها أن يمنعه من ذلك، وإن شرط عليه في أصل عقد الإجارة ألا يرعى معها كان ذلك له، وعلى الراعي أن يفي بعهدة الشرط، فإن لم يف به ورعى معها غيرها كان في الإجارة الثانية قولان:
أحدهما: أنها للأول ويخير بين أخذها أو يفسخ عن نفسه ما زاد في الأجرة لمكان ذلك الشرط وإن أحب أخذ قيمة تلك الزيادة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" إلا أني زدت في كلامه بيانًا وتفسيرًا بما يقتضيه.
والثاني: أن الأجرة للراعي إذا لم يدخل على الغنم الأولى ضررًا،
[ ٧ / ٣٠٢ ]
وأنه لا يحط له من الأجر الأول شيء، وهو قول غيره في "المدونة".
ووجه قول ابن القاسم: أن الأول قد زاد في الأجرة احتياطًا لغنمه فلا تبطل [مقالته] (١) في تلك الزيادة.
ووجه قول غيره أن الأجير قد يحط من أجرته لمكان راحته ورغبة في دفع المؤونة العظيمة عن نفسه.
وهذا السؤال مشترك الإلزام.
فإن انتقصت الأولى لمكان رعاية الثانية معها فلا يخلو من أن يكون قد اختار فيما يجب له فيما [أجربه] (٢) نفسه في الثانية أو يكون قد اختار أن يفسخ عن نفسه ما ينوب ذلك الشرط أو أخذ قيمة تلك الزيادة كان له أخذا مع قيمة ذلك النقص [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) في أ: مقاتلته.
(٢) في أ: أجرته.
(٣) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ٣٠٣ ]
المسألة الحادية عشرة في تضمين الأجراء والصناع مع تقدم الكلام في تضمينهم
أما الأجراء فهم على ضربين: أجراء الصناع، وأجراء الحفظ والرعاية.
فأما أجراء الصنع فقد أطلق ابن القاسم في "المدونة" و"الموازية" سقوط الضمان عنهم فيما إذا ادعو الضياع، وفرق بينهم وبين الصناع بأن الأصل سقوط الضمان عن الجميع؛ بدليل الأمانة؛ لأن المالك ما أسلم ملكه إلا لغرض له في ذلك، فضارع المودع؛ لأن السر في سقوط الضمان عنه حصول الغرض الناجز للمودع بحفظ المودع له سلعة لا الحفظ العاري عن الأجرة؛ بدليل أنه لو أخذها لم يخرجه أخذها عن قانون الأمناء في سقوط الضمان، وهذا هو الأصل المستمر في قواعد الشرع، لكن استولى التعبد على تفصيله، فضمن باعتبار عموم البلوى على ما تقدم تفصيلًا وتحصيلًا، وبقى الأجير على الأصل، هكذا جاءت الرواية عن ابن القاسم بسقوط الضمان عن الأجير الصانع، وأن الضمان على الصانع الأجير، فاختلف الأصحاب في تأويل قول ابن القاسم فمنهم من قال: إنما يصح ما قال ابن القاسم إذا كان الأجير يعمل بين يديه، ونصب عينيه، وأما إذا كان يغيب على أخذه [ويجوزه] (١) فإنه يضمن كالصانع، وهو قول أشهب في "الموازية"، ولابن القاسم في "العتبية" مثله.
ومنهم من قال: إذا كان الأجير يعمل مقاطعة على العمل فلا فرق بينه
_________________
(١) هكذا في الأصل ولعلها: وحوزه.
[ ٧ / ٣٠٤ ]
وبين الصانع في الضمان، فإذا كان يعمل مياومة التحق بالأجراء الساقط عنهم الضمان وانقطع عن الصناع الثابت عليهم الضمان.
والتأويل الأول أظهر ولاسيما مع نص أشهب، ونص قوله في "الموازية"، وإذا ذهب أجير الغسال بالثياب إلى البحر فزعم أنها ضاعت ضمن، وقال في الخياط: يدفع الثيات إلى أجرائه، فينقلبون بها فيزعمون أنها ضاعت، فإنهم ضامنون.
وأما أجراء الحفظ والرعاية فعلى ضربين: فضرب لهم تعلق بالعمل، وضرب آخر لهم حفظ ورعاية مجرد عن العمل.
وأما من له تعلق بالعمل كصاحب الحمام تضيع عنده ثياب الناس، هل يضمنها أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه ضامن لها، وهي رواية ابن القاسم في "العتبية" أنه قال: أمرت صاحب السوق يضمنون أصحاب الحمامات ثياب الناس، أو يأتون بمن يحرسها.
والثاني: أنه لا ضمان عليه، وهو اختيار اللخمي.
وسبب الخلاف: اختلافهم في صاحب الحمام، هل يلحق بالصناع أو بالأجراء؛ فمن ألحقه بالصناع قال: يضمن؛ لأن المقصود منه العمل والتنظف في الاغتسال فيضمن ما لا يستغني عنه الداخل في الحمام وهي ثيابه [وفرقه] (١)؛ لأن ثياب الداخل جرت العادة من أهل الحمامات بالجناية عليها [والشروع] (٢) إلى إتلافها، فاقتضت المصلحة تضمينهم لها
_________________
(١) هكذا بالأصل.
(٢) في أ: والشرع.
[ ٧ / ٣٠٥ ]
تضمين الحمالين الطعام وحده لكونه محل الجناية غالبًا، فمن ألحقه بالأجراء وقال: وإن كان صاحب الحمام من الصناع المنتصبين والعمال المتصديين فإن الداخل في الحمام إنما اشترى منافع هو يتولى قبضها بنفسه وهو الانتفاع بالحمام وثيابه خارجًا في حكم الوديعة لا صنعة فيها، ولا إجارة عليها، وإن دفع صاحب الثياب أجرة الحارس كانت الأجرة للأمانة، فصار بمنزلة من أودع وديعة، فليس له أخذ الأجرة عليها بالذي يخرجه عن أن يكون أمينًا إلا أن تظهر الجناية فيضمن الأجراء من هذا الوجه.
فإن أتي بحارس هل يضمن الحارس ما تلف منها أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه ضامن؛ لأنه أجير مشترك، وهو قول ابن حبيب.
والثاني: أنه لا يضمن، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في أجير الصانع، وهو قوله في "كتاب محمَّد" أيضًا.
فقد اختلف المتأخرون في تأويل قول مالك في "المدونة": "لا ضمان على حارس ثياب من دخل الحمام" هل أراد بذلك صاحب الحمام نفسه؟ وهو ظاهر قول أبي محمَّد في "النوادر" حيث قال بتضمينه على قول مالك في "العتبية" قد قال في كتاب آخر: لا يضمنون.
وقال بعض المتأخرين: ما لوح به أبو محمَّد إنما هو عندي ما وقع في المدونة في الجعل، والإجارة منها من قوله: لا ضمان على حارس ثياب من دخل الحمام، وقال هذا المتأخر: هذا خارج عما نحن فيه، وأشار إلى أن ما في المدونة إنما هو في الأجير على الحفظ قد استؤجر على الحراسة للعرية عن العمل، فصار أجيرًا لصانع، ومنهم من حمل الكلام على ظاهره، وأشار إلى أن ما في "المدونة" إنما هو صاحب الحمام نفسه، والكلام محتمل كما ترى.
[ ٧ / ٣٠٦ ]
وأما الأجير الحافظ غير العمل، مثل أن يستأجر على حرس الثياب في منشر القصار أو على حرس الطعام في الأندار أو على ساحل البحر أو استأجره البحار على حرس الأحمال في الرحبة، إنه يسقط عنه الضمان إذا ادعى الضياع، ولا يضمن إلا بالتعدي والغفلة، وليس النوم من ذلك إلا أن يفرط فيه فيضمن.
وقال بعض المتأخرين في الراعي إذا نام في الشتاء أول النهار أو في آخره في الصيف ضمن؛ فكذلك الأجير على الحفظ؛ إذ لا فرق في ذلك بين ما يغاب عنه، وما لا يغاب عنه، وإنما التعدي أن يذهب، ويترك ما استحفظ أو يشتبه عليه السارق، فيتركه حتى [يأخذ] (١) المتاع ظنًا أنه مالكه، فهذا يضمن وهو قول ابن القاسم في "العتبية" [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) في أ: إذا أخذ.
(٢) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ٣٠٧ ]
المسألة الثانية عشرة في الذي أجر عبده ثم يبيعه قبل انقضاء أمد الإجارة فالإجارة أولى بذلك اتفاقًا
ثم لا يخلو المشتري من أن يعلم بذلك أو لا يعلم، فإن علم بذلك قبل انقضاء المدة فلا يخلو ما بقى من أمد الإجارة من أن يكون يسيرًا أو كثيرًا.
فإن كان يسيرًا كاليوم واليومين وما أشبه ذلك، فالبيع جائز إذا رضي المشتري بذلك قولًا واحدًا؛ إذ يجوز للبائع أن يستثنى هذا القدر في أصل العقد.
فإن كره المبتاع انتظار مضى باقي المدة، هل يلزمه ذلك البيع ويجبر على التربص؛ إذ لا ضرر عليه في ذلك؛ لأنه شيء أوجبته الأحكام، وهو تأويل بعضهم أيضًا.
فإن كان كثيرًا، فهل يجوز للمشتري الرضا بالتربص إلى انقضاء أمد الإجارة، ويجوز البيع أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يجوز له الرضا بذلك لوقوع العقد على الفساد؛ لأنه من المعين يقبض إلى أجل، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه يجوز للمشتري الرضا بذلك، ويجوز البيع؛ لأن العلة في المعين يقبض إلى أجل ضمان بجعل؛ وذلك أن المشتري اتهم في أن يشتريه بأكثر من ثمنه ليبقى في ضمان البائع إلى ذلك الأجل فتلحقهم التهمة في التواطؤ على ذلك، ولا تهمة في مسألتنا هذه؛ لأن ذلك شيء أوجبه الحكم، ومشهور المذهب أن ما يوجبه الشرط على خلاف ما يوجبه الحكم، وهذا القول يستقرأ من المدونة من غير ما موضع.
[ ٧ / ٣٠٨ ]
فإن لم يعلم المشتري بذلك إلا بعد انقضاء أمد الإجارة، فلا يخلو تأتيها من أن يكون يسيرًا أو كثيرًا.
فإن كان يسيرًا، فالبيع لازم للمشتري قولًا واحدًا، وهل له المقال في أجرة هذين اليومين أم لا؟ على قولين:
فعلى القول بأنه يجبر على التربص إذا علم قبل مضي بقية المدة، وإن كان ما بقى منها يومًا أو يومين تكون الإجارة للبائع.
وعلى القول بأنه لا يجبر تكون الإجارة له.
فإن كان باقي المدة كثيرًا، فهل يجوز للمشتري الرضا بهذا البيع أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يجوز له الرضا بذلك؛ بل يلزمه؛ لأنه كعيب ذهب قبل علمه، وهو تأويل بعضهم.
والثاني: أنه لا يجوز له الرضا به؛ لأنه بيع وقع على الفساد، وهو تأويل بعضهم أيضًا.
وعلى القول بأنه يجوز له الرضا بذلك البيع لمن تكون إجارة بقية المدة؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها للبائع، ويغرم المشتري جميع الثمن.
والثاني: أنها للمشتري.
والثالث: أنها للبائع ويرجع عليه المشتري بما بين قيمة البيع على القبض ناجزًا وقيمته حتى يخرج من الإجارة أن لو جاز البيع على ذلك، فيرد عليه قدر ذلك من الثمن يقال: ما يساوي على أن يقبضه في الحال مثلًا؟ فيقال: عشرة، ويقال: ما يساوي على أن يقبض بعد شهر؟ فيقال:
[ ٧ / ٣٠٩ ]
ثمانية، فيرد عليه البائع خمس الثمن.
والأقوال الثلاثة كلها للمتأخرين [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ٣١٠ ]
المسألة الثالثة عشرة في مرض أحد الأجيرين أو الشريكين أو المستأجرين على حفر بئر
إذا مرض أحدهما فلا يخلو حالهما من ثلاثة أوجه:
إما أن يكون العمل بينهما مضمونًا، وإما أن يكون معينًا، وإما أن يبهم الأمر.
فإن كان العمل مضمونًا، فمرض أحدهما وقال الآخر: جميع العمل فعلى رب البئر جميع الأجرة لهما نصفان: نصفها للمستوفي، ونصفها الآخر للمؤوف، ولا سلطان لرب البئر عليهما؛ لأن العمل بينهما مضمون وها هو موفور.
وهل للمستوفي مطالبة المؤوف في أجرة ما عمله له أم لا؟
فإنه يتخرج على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا مطالبة له عليه؛ لأنه في حكم المتطوع له، وهو ظاهر قول ابن القاسم في الكتاب.
والثاني: التفصيل بين أن يكون حفره في أول مرضه، ثم لا شيء له عليه لتركه التثبت لعله يصح فيحفر معه، وإن كان بعد أن طال به المرض فله عليه الأقل من إجارة مثله أو إجارة غيره ممن كان يعمل معه أو استبانة المؤوف.
فإن كانت إجارته أقل لم يكن له غير ذلك، فإن كانت إجارة غيره أقل لم يكن له إلا ذلك، وهو [قول] (١) اللخمي.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٧ / ٣١١ ]
والثالث: التفصيل بين أن يكون المؤوف ممن عادته مباشرة الخدمة، أو كان ممن يفتقر إلى الاستئجار؛ فإن كان ممن يتولى العمل بنفسه، ويباشره بيده، فلا شيء للمستوفي عليه، فإن كان مفتقرًا إلى الاستئجار في الصحة والمرض، فللمستوفي عليه ما كان يستأجر به في مثل ذلك قياسًا على من حصد زرعًا لغيره بغير إذنه أو حفر كرمه أو حرث أرضه، فإن ابن حبيب قال فيه بالتفصيل الذي قدمناه.
فإن كان العمل معينًا حيث تنفسخ الإجارة بالموت والمرض فللمستوفي له نصف الأجرة على صاحب البئر، وهل له عليه نصفها الآخر أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا شيء له عليه، وهو له متطوع، وهو قول ابن القاسم وسحنون.
والثاني: أن له عليه الأجرة كاملة، وهو قوله في "كتاب ابن حبيب".
واختلف هل ينفسخ العقد على المؤوف، ولا شيء له على صاحبه أو له أن يستعمله في مثل ذلك؛ فإنه يتخرج على قولين:
أحدهما: أنه يستعمله في مثل ذلك إن أمكن؛ لأن محل الأجير لا يتعين، وهو قول ابن القاسم في البقعة إذا غرقت بعد أن استؤجر على حرثها.
والثاني: أن الإجارة تنفسخ بينهما بناء على تعيين محل العمل، وهو قول أشهب في البقعة المذكورة.
فإذا قلنا بالفسخ لتعذر الخلف عاد مقام المؤوف مع المستوفي فيقول له: أبطلت عليّ حقي، ولم آمرك بحفر نصيبي، فإن كان حفر المستوفي بعد
[ ٧ / ٣١٢ ]
طول المرض، فلا شيء له لضرورة التربص، وإن كان في أوله، فللمؤوف عليه أجرة المسمى؛ لأنه أبطله عليه، ثم للمستوفي أن يستعمل المؤوف في مثل ذلك، هكذا قيل.
وأما الوجه الثالث: إذا أبهم الأمر، وأطلق العقد، فابن القاسم يرى في العمل مضمونًا في كون المستوفي متطوعًا للمؤوف، وسحنون يراه معينًا في كون المستوفي لصاحب البئر متطوعًا ولا مشاحة بينهما مهما فهم الغرض.
وأما الجواب عن الوجه الثاني: إذا مرض أحد الشريكين، ولا تخلو الشركة من أن تكون بدنية أو مالية، فإن كانت مالية فالربح بين المستوفي والمؤوف، وله عليه أجر عمله؛ لأن المال سبب للربح، وهو مما يختلف.
وأما البدنية فلا يخلو المرض من أن يكون يسيرًا أو كثيرًا، فإن كان يسيرًا فما الغالب فيه التسامح، فالربح بينهما، ولا شيء [للمعافي] (١) على المؤوف.
فإن كان كثيرًا، فهل يكون [المعافى] (٢) متطوعًا للمؤوف؟ قولان:
أحدهما: أنه متطوع له، وهو قول أشهب.
والثاني: أنه لا يكون متطوعًا، وهو قول ابن القاسم، فعلى قوله يكون الربح بينهما، ويطالبه بأجرة عمله، وأما سحنون فقد اعتبرهما بالأجيرين؛ لاعتقاده أن شريكي البدن لا يلزم أحدهما ما أخذه الآخر إلا ما اجتمعا على أخذه والتزماه من الضمان، وابن القاسم يرى هذا الإلزام مستفاد من تفسير العقد لا من الشرط ويفرق بينهما وبين الأجيرين؛ فإن
_________________
(١) في أ: للمعفي.
(٢) في أ: المعفي.
[ ٧ / ٣١٣ ]
الشريكين كل واحد منهما حميل على صاحبه ضامن عنه ما تقبلاه؛ إذ المبتاع مما يضمن، فلهذا لم يصر الصحيح متطوعًا، وأما الأجيران فليس أحدهما ضمينًا ولا حميلًا؛ إذ البئر لا يضمن فلذا صار الحافر متطوعًا، والحمد لله وحده.
[ ٧ / ٣١٤ ]
المسألة الرابعة عشرة فيمن استأجر رجلًا يبنى له حائطًا فبنى نصفه فانهدم قبل تمامه
فقد قال ابن القاسم في "الكتاب": له بحساب ما بني، وليس عليه بناؤه ثانية -كان الآجر والطين من عند الأجير أو من عند صاحب الحائط- ثم قال: وقال غيره: لا يكون هذا إلا في عمل رجل بعينه، ولا يكون مضمونًا.
وقال سحنون: وإذا كان مضمونًا كان عليه تمام العمل، وهذا في رواية ابن أبان، وفي رواية الدباغ إلا أن اسم سحنون سقط [عند] (١) الدباغ، وعلى هذه الرواية نقلها ابن أبان، وعلى هذا المعنى اختصرها ابن أبي زيد، فقال: هذا في عمل رجل بعينه، وعليه في المضمون تمام العمل، ووقع في بعض الأمهات، قال غيره: لا يكون هذا في عمل رجل بعينه، ولا يكون إلا مضمونًا، وعليه في المضمون تمام العمل، وقال سحنون في بعض الأمهات: مسألة الغير أصح مسائلنا، وهو أصل جيد، فعلى ما اختصر عليه الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد يكون قول الغير وفاقًا لقول ابن القاسم، وهي الرواية المشهورة، وعلى الثانية التي قال فيها لا يكون هذا في عمل رجل بعينه يكون خلاف قول ابن القاسم، ويكون قول الغير هاهنا مثل قوله في المسألة الواقعة في أول الكتاب في الذي يستأجر رجلًا على أن يبني له دارًا على أن الجص والآجر من عند البناء، فقال مالك وابن القاسم: إن ذلك جائز قالا: لأنها إجارة وشراء جص
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٧ / ٣١٥ ]
وآجر صفقة واحدة.
وقال غيره: إذا كان على وجه القبالة، ولم يشترط عليه عمل يده، فلا بأس به إذا قدم نقده فحمل الغير المسألة أنها كالسلم، فيلزم فيها شروطية، وإن لم يذكر ضرب الأجل؛ لأنه يرى المقبوض والمعجل في جنب ما بقى تبعًا وقليلًا، وأمد الفراغ منها معلوم، وما يدخل فيها من جص، وآجر معلوم لا يخفى على الناس، فاستغنى عن ذكره، وابن القاسم لم يراع هذا؛ بل رآها إجارة وبيعًا -كانت من عمل رجل بعينه أو بغير عينه-؛ فصار شبيهًا ببيع السلعة للحاجة إلى ذلك؛ ولأن أمد فراغها معلوم وما يدخلها معلوم، وأنه يشرع في العمل، وأنه أمر قد [تعارفه] (١) الناس، ومسألة بناء الحائط من هذا القبيل، فكل ما بني فقد برئ منه، وصار في حكم المقبوض، فإذا انهدم قبل تمامه كان ضمانه من الأجر وللأجير من الأجر قدر ذلك، ولا تلزمه الإعادة ثانية إلا أن يكون سقوطه من سوء صنعته، فيلزمه البناء ثانية، وتمام المسألة في الأسدية قال فيها: فإن تشاحا فعليه أن يبني ما بقى من العمل فيما يشبه، وله أجره كله إلا أن يكون ذلك من سوء صنعة البناء فعليه أن يعيده حتى يبني الحائط كله.
قلت: فإن لم يكن من سوء صنعة البناء فهل له أجرة كله، وعليه أن يبني ما بقى من العمل فيما يشبهه وله أجره إذا تشاحا وطلبا ذلك؟ قال: نعم.
وبهذه الزيادة يتبين معنى المسألة ويزول ما فيها من [الإشكال] (٢) [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) في أ: تعارفها.
(٢) سقط من أ.
(٣) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ٣١٦ ]
المسألة الخامسة عشرة في التداعي بين الآجر والأجير
اعلم أن التداعي يحتوى على عدة مسائل [لاكنا] (١) نقتصر منها على الغامض ونغضي عن الواضح، فنقول وبالله التوفيق: لا يخلو من ثلاثة فصول:
أحدها: أن يتقاررا على التسليم، والتسليط على العمل، ويختلفا فيه.
والثاني: أن يتقاررا على التسليم، ويختلفا في التسليط على العمل.
والثالث: أن يشاركا التسليم رأسًا.
والجواب عن الصورة الأولى: نورده في خمسة معارض متدانية الجواب متقاربة المآخذ:
منها أن يتفقا على العمل لكن صاحب السلعة يقول بغير أجر [والصانع] (٢) يقول بأجر.
ومنها: أن يختلفا في عين العمل المراد.
ومنها: أن يختلفا في مقداره.
ومنها: أن يختلفا في السكوت عن ترك ذكر الصفة، فيقول الآجر: أمرتك بكذا، ويقول الأجير: ما أمرتني بشيء، ومنها أن يتفقا على ترك الذكر ثم يختلفا بعد ذلك فيقول الآجر: ما أردت هذا، ويقول الأجير:
_________________
(١) في أ: لكنها.
(٢) سقط من أ.
[ ٧ / ٣١٧ ]
رأيته مما يصلح لك.
فالأول: إذا اتفقا على العمل لكن صاحب السلعة يقول بغير أجر، والصانع يقول بأجر، ففيه قولان منصوصان في الكتاب:
أحدهما: أن القول قول الصانع مع يمينه إذا أتى بما يشبه، وإن لم يأت بما يشبه، فإنه يرد إلى إجارة المثل، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
والثاني: أن الصانع يحلف، ويأخذ الأقل مما ادعى أو من أجرة المثل، وهو قول الغير في الكتاب.
ووجه قول ابن القاسم: قيام الدلالة على قبول قول مدعي الاشتباه دون من لم يدعه، ولا خفاء أن الصانع إنما انتصب وتصدى غالبًا للاكتساب لا للتعب والانتهاب، والآجر يدعي خلاف هذا الظاهر فعليه البيان.
ووجه قول الغير: أنه لا يصدق واحد منهما؛ لأن كل واحد منهما مدع على صاحبه صاحب السلعة يدعي الهبة، فعليه الدليل، والآجر يدعي الأجرة، فعليه البيان، فيحلف على كل حال ليحقق المال الذي ادعاه، وأما يمين صاحب السلطة، فتسقط تارة، وتثبت أخرى تسقط فيما إذا كان المدعي أقل من إجارة المثل أو مثلها، وتثبت إذا كان زائدًا عليها ليحط عن نفسه النائف.
وأما الثاني: إذا اختلفا في عين المراد هذا يقول أحمر، وهذا يقول أخضر أو بالعكس.
والثالث: أن يختلفا في مقدار الأجر هذا يقول عشرة، وهذا يقول خمسة فجواب القسمين واحد؛ وهو أن ينظر فإن كان ذلك قبل العمل فلابد من التحالف على ما ذكرناه في البيوع، فإن كان بعد العمل، فالقول قول الصانع إلا في البناء، فالقول فيه قول رب العرصة إذا اختلفا في
[ ٧ / ٣١٨ ]
الأجرة على ما نقله أبو محمَّد في "النوادر" عن ابن نافع عن مالك إذا اختلفا في المراد، فقال صاحب العرصة: أردت عشرة في عشرة، وقال البناء: خمسًا في خمس تحالفا، فإن نكل أحدهما وحلف الآخر، فالقول قول الحالف فإن حلف فسخ ذلك، ويقلع البناء نقصه إلا أن يريد صاحب العرصة أن يأخذ نقضه مقلوعة، والذي أوجب داره أن التصديق لدلالة وضع اليد على الشيء المدعي فيه له أصل في الشرع، ونظير في السمع كما نقله في تكافؤ الدعاوى وعدم الترجيح، فإذا ثبت ذلك، فتصديق الصناع؛ لأنهم حائزون لما قبضوا فلا يؤخذ منهم إلا بما قالوا. وأما البناء فليس بحائز للعرصة، ولا لما فيها؛ بل الحائز ربها على القول بأن الأملاك تحرز على ملاكها؛ فلهذا لم يصدق البناء.
ومما ينخرط في سلك التداعي في عين المراد مسألة الحجام الواقعة في الباب جرى فيها ابن القاسم وسحنون على المقول الذي فرغنا منه آنفًا؛ فابن القاسم يصدقه في الأجرة، وفي طرح العداء عن نفسه؛ لأنه من البعيد أن يمكنه العليل من قلع ما لا يريد، وسحنون يصدقه في طرح العداء إلا في الأجرة ويتحالفا فيدفع الحجام شبهة العداء، ويدفع العليل بيمينه ما ناف على أجرة المثل حتى لو كانت تسميه مثل إجارة المثل أو أقل لم يكن ليمينه وجه.
وقال في بعض الأشياخ: إنما يتصور الخلاف في هذه المسألة بحصول الأشباه بكون الذاهبة معتلة، والباقية مختلة، فأمَّا إن كان الذاهبة معتلة، والباقية غير مختلة لكان القول قول الحجام لانفراده بالأشباه، والآخر يريد سقوط الأجرة.
ولو كانت الباقية مختلة والذاهبة غير معتلة علم ذلك بالنظر إليها في موضعها إلا أن القول قول العليل، ويحلف حذار الغلط منه في الذاهبة
[ ٧ / ٣١٩ ]
لمعاراتها الباقية في الألم، ويستحق دية الذاهبة إلا أن يكون في الباقية دليل على فسادها من اسودادها وصفًا للذاهبة، فيصدق العليل من غير يمين.
وأما الوجه الرابع: وهو الاختلاف في ترك الذكر مثل أن يقول الصانع بعد أن قطع الثوب قميصًا مثلًا: لم تأمرني بشيء، وقال صاحبه: بل أمرتك بقطعه فيتقاررا أو لا، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن القول قول الصانع مع يمينه إلا أن يقطعه قطعًا لا يلبسه الآجر، وهو قوله في "الموازية".
والثاني: إذا أقر الصانع أنه لم يأمره بشيء فهو متعد، وهو قول أحمد ابن ميسر قال: وإنما يصح الجواب على ما في الموازية إذا قال له صاحب الثوب: اقطعه على ما ترى، وقد عرف ما يقطع الرجل.
فوجه القول الأول: أنه لما صدق في الاختلاف، ففي المقدار، وفي المراد لما قدمناه من قوة دلالة اليد؛ فكذلك يصدق في إنكار الصفة.
ووجه القول الثاني: أن الصانع إذا أقر أنه لم يؤمر بشيء، فهو مبعد لإقدامه على العمل دون صفة، ودون ما يقوم مقامه من العرف.
وأما الخامس: إذا اتفقا على ترك الذكر، فيختلفا بعد ذلك فقال الآجر: ما أردت هذا، وقال الأجير: رأيته مما يصلح لك، فنص المذهب على أنه إن عمل ما يشبه لباس الرجل لم يضمن، وإن كانت الصنعة عامة بفحواها شاملة لمبناها، فالواجب تنزيلها على محل أحكام العرف؛ لأنه أصل في الأحكام والقيد العرفي كالقيد الشرطي.
والجواب عن التفصيل الثاني: إذا اتفقا في التسليم واختلفا في التسليط؛ مثل أن يدعي الصانع أنه استعمله فيه، والآجر يقول: بل استودعتكه، فالمذهب على قولين أيضًا:
[ ٧ / ٣٢٠ ]
أحدهما: أن القول قول الصانع مع يمينه إذا أتى بما يشبه، ووجهه: ما قدمنا الإشارة إليه من شهادة العرف للصانع؛ لأن استصناعهم هو الغالب المعتاد واستيداعهم هو النادر الشاذ، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه مصدق في طرح العداء مع يمينه، ولا يصدق في التسمية إذا زادت على إجارة المثل، فأقل لم يكن عليه يمين، وهو قول الغير.
والتوجيه ما تقدم من مسألة الحجام.
والجواب عن الفصل الثالث: إذا تناكر التسليم رأسًا، وقال: سرق مني، وقال له صاحبه وهو يحاوره وهو الأجير: بل استعملتني، وجاء معمولًا، فلا يخلو من أن يضيف إليه السرقة، أو قال: سرق مني ولم يضفها إليه.
فإن قال: سرق مني، ولم يضفها إليه، ولا عين عمرًا من زيد، فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: أن كل واحد منهما مدع على صاحبه، وهو قول ابن القاسم، ووجهه أن كل واحد منهما جاء بما يشبه؛ لأن الصانع يدعي الاستصناع، ولها حلس والأجير لما أنكر التسليم والتسليط صار مدعى عليه، قال ابن القاسم: يتحالفان، فإذا تحالفا فصاحب الثوب بالخيار؛ لأن الأصل له، وقيل له: ادفع إليه أجر عمله، فإن أبى قيل للآخر: ادفع إليه قيمة ثوبه غير معمول، وهذا بقيمة عمله.
والثاني: أن العامل مدع، ولا يكونا شريكين -يريد؛ لأنه ادعى الاستعمال على المالك- ويجبر على غرم القيمة، وإن أراد صاحب الثوب، ولا يكونان شريكين، وهو قول غيره في المدونة، وإنما جعلهما ابن القاسم شريكين؛ لأن اختلافهما شبهة على ما قدرناه، فإذنهما الإباه إلى الشركة
[ ٧ / ٣٢١ ]
كالأنثى تشبهه.
وأما إذا أضاف السرقة إليه، فقال: سرقت متاعي، فإن كان الصانع ممن يشاء إليه بذلك، وهو صانع منتصب كان الجواب على ما تقدم من الخلاف لقيام الشبهة، ولا عقوبة على المدعي.
وإن كان ممن لا يشار إليه بذلك كان القول قول الصانع، ويعاقب الآجر.
واختلف أشياخنا في تأويل هذه المسألة؛ فمنهم من حملها على ظاهرها، وقال: التحالف قبل التخيير يحلف صاحب الثوب أولًا ليدفع عن نفسه ما ادعى عليه من التسليط، ويحلف الآخر ليدفع ما ادعى عليه من التعدي؛ لأن التخيير إنما يستحق بالتحالف؛ يقال لصاحب الثوب: ما تريد؟ فإذا قال: تضمين قيمة ثوبي، كان التحالف على ما في "المدونة"، فإن قال: أريد ثوبي نظر إلى قيمة ما فيه من العمل.
فإن كان أكثر من دعوى الصانع، أو مثله فلا أيمان بينهما، ويقال له: هبك أن الأمر كما قلت أما كنت تقدر على أخذه إلا بعد غرم إجارة المثل أو ما ادعى الصانع إن كان أقل لأجل الشبهة.
فإن كان مما ادعى الصانع أكثر حلف صاحب الثوب وحده يسقط الزائد، وإن نكل حلف الصانع وأخذ المسمى، قال: وهذا إذا لم يضف السرقة إليه، فأما إن أضافها إليه، فلابد من التحالف ليوجب أحدهما الضمان، ويبرأ منه الآخر.
ومن هذا القبيل فمسألة اللات الذي قال: أمرتني أن ألته بكذا، وقال الآخر: ما أمرتك بشيء، قال في الكتاب: يقال لصاحب السويق: إن شئت فأعطه ما ألته به وخذ السويق، وإن أبى قيل للآخر: اعطه مثل
[ ٧ / ٣٢٢ ]
سويقه غير ملتوت وإلا فأسلمه ملتوتًا، ولا يكونان شريكين لوجود المثل القائم مقام العين، وهذا قول ابن القاسم وغيره يقول: إذا أبى صاحب السويق من دفع الأجرة كان على اللات أن يغرم مثل سويقه غير ملتوت، وهذا السؤال كالذي قبله؛ لأن رب السويق ما أقر بالتسليم فضلًا عن التسليط، وإنما قال: سرق مني؛ فرأى ابن القاسم أن التعدي لا يثبت بالتداعي فلم يضمنه المثل؛ ولهذا جوز أخذه ملتوتًا، ولم يره طعامًا بطعام متفاضلًا، والغير يراه متعديًا بوضع اليد على مال الغير العاري عن الإذن، فألزمه المثل عند الامتناع عن الأخذ، ولم ير ذلك طعامًا بطعام متفاضلًا؛ لأنه عن ذمته يعتاض، ومن الأصحاب من لا يرى قول الغير خلافًا لقول ابن القاسم قائلًا بأن قوله وإلا قضى على اللَّات، يريد: إذا أبى صاحب السويق من أخذ الملتوت، فللنظر فيما قال مجال [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ٣٢٣ ]
المسألة السادسة عشرة في الذي يقول للرجل: احصد زرعي هذا ولك نصفه، أو جذ نخلي هذا، أو التقط زيتوني هذا ولك نصفه
ولا يخلو ذلك من أربعة أقسام:
أحدها: أن يقول: احصد زرعي هذا، ولك نصفه.
والثاني: أن يقول: فما حصدت أو لقطت، فلك نصفه.
والثالث: أن يقول: فما حصدت اليوم، أو لقطت فلك نصفه.
والرابع: أن يقول: احصده وادرسه وذره على أن لك نصف ما يخرج منه.
فالجواب عن القسم الأول: إذا قال له: احصد زرعي هذا ولك نصفه، فلا خلاف في المذهب في جواز ذلك لجواز بيعه على تلك الصفة، وكل ما يجوز بيعه تجوز الإجارة به، فإذا حصد جميع الزرع، فقد استحق نصفه، ثم يكون ما بقى من العمل بينهما أنصافًا، وكذلك الحكم إذا لم يقل كله، فإن ضاع الزرع بعد الحصاد كان الضمان منهما جميعًا.
فإن هلك الزرع قبل الحصاد؛ مثل أن يحترق أو يصيبه جليد وهو قائم هل يكون الضمان منهما جميعًا أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن الضمان من ربه خاصة؛ لأنه لا يدخل في ملك الأجير إلا بعد الحصاد، وهذا القول يستقرأ من "المدونة" من غير ما موضع منها قوله في آخر "كتاب الجعل والإجارة" حيث قال: فأمَّا الحصاد فهو من حين يحصده وجب له نصفه، فقال بعض المتأخرين: بهذا يستدل على أنه
[ ٧ / ٣٢٤ ]
إنما يجب له بعد حصاده، ونصوص المذهب أن الأجير لا يستحق الإجارة إلا بعد استيفاء العمل، فكيف يقال في هذه المسألة أن الضمان منهما جميعًا، ويجعل الأجير يملك الأجر بنفس العقد؟
ولا حجة لمن احتج بكون الأجير معينًا، والمعين يدخل في الملك بنفس العقد، وإلا كان من باب المعين يتأخر قبضه بدليل تعيين السلعة في البيع؛ إذ للبائع أن يحجبها حتى يقبض الثمن، ولاسيما على القول بأن المشتري هو المخاطب بتسليم الثمن أولًا، فما دام المشتري لم يدفع الثمن، فالسلعة في ضمان البائع والإجارة بيع؛ إذ لا فرق بين بيع المنافع وبيع الأعيان.
فإذا جعلنا الأجير هاهنا كالمشتري ورب الزرع كالبائع والأجير مخاطب بتسليم المنافع أولًا، فإذا مسكها صح له الزرع، ودخل في ملكه، وقبل أن يشرع في الحصاد يعني الزرع في ضمان ربه، وذلك لا يخفى على من اعتاد اختراع أبكار المعاني، وراض فكره في اقتباسها بالمعاني، وأما من طبع بطبائع البليد، وقيد بسلاسل التقليد، فإنه عنده أخفى من الخفاء وأبعد من السماء.
وعلى القول بأنه في ضمانه بنفس العقد، فما الذي يجب لرب الزرع على الأجير؟ فإن المذهب فيه على قولين:
أحدهما: أن يستحصد الأجير في مثل ذلك الزرع، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
والثاني: أن عليه نصف قيمة الزرع، وليس عليه [باقي] (١) نصفه، وهو قول سحنون في الكتاب المذكور.
قال يحيى بن عمر: لأن الزرع يختلف، وقاله ابن القاسم أيضًا.
_________________
(١) هكذا رسمها بالأصل.
[ ٧ / ٣٢٥ ]
والجواب عن القسم الثاني: إذا قال: فما حصدت أو لقطت فلك نصفه، هل يجوز ذلك أم لا؟ ففي الكتاب قولان:
أحدهما: الجواز، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن ذلك لا يجوز، وهو قول غيره.
ووجه قول ابن القاسم: أن الأجير عالم بما ينفع من الزرع؛ لأنه كلما أراد أن يقطع عرجونًا أو يحصد موضعًا، فإذا وضع يده عليه فيحده علمه حينئذ قبل أن يجذه وجذه على علم أن له نصفه.
ووجه قول الغير: أن ذلك غرر وخطر لا يدري قدر ما يجذ، ولا ما حصد، ولا ما يلقط، ولا يدري متى شاء، وهل يترك بعد ما عمل قليلًا أو كثيرًا؟
والجواب عن القسم الثالث: إذا قال له: فما حصدت اليوم أو لقطت فلك نصفه: فإن ذلك لا يجوز؛ لأنه جعل والجعل لا يجوز فيه الأجل؛ لأن الأجير غير عالم بما يصح له في ذلك إلا أن يشترط له أن يترك متى شاء، فيتخرج على الخلاف الذي قدمناه في الجعل إذا ضرب فيه أجل؛ فظاهر "المدونة" الجواز، ولابن القاسم في "المدونة" أنه لا يجوز، وقد قال في الذي قال: جذ نخلي هذا، واترك متى شئت ولك نصف ما عملت أنه لا أجر فيه.
والجواب عن القسم الرابع: إذا قال: احصد زرعي هذا وادرسه، ولك نصفه، فهل يجوز ذلك أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" وغيرها.
[ ٧ / ٣٢٦ ]
والثاني: أن ذلك جائز، وهي رواية أشهب عن مالك في "العتبية"، وهذا القول قائم من المدونة.
وعند ذكر منشأ الخلاف يتبين لك الاستقراء.
وسبب الخلاف: اختلافهم في بيع الزرع بعد حصاده وقبل دراسه، هل يجوز أم لا؟ فمن رأى أن ذلك لا يجوز قال: لا تجوز به الإجارة؛ لأنه استأجره بما يخرج من حبه، وذلك مجهول قدره؛ لأن بيعه على تلك الحالة غرر وخطر لكون الزرع أغمار لا يقدر على حرزه لتغيب بعضه بعض، وهذا هو المشهور الذي عليه الجمهور، ومن رأى أن ذلك جائز، وأن بيعه أغمار أو حالًا لا غرر فيه، وأن ذلك يدرك حرزه بالتحري كما يدرك وهو قائم، وهو محل الاتفاق قال: بجواز الإجارة بذلك.
والقول بجواز بيعه بعد حصاده قائم من المدونة من أول "كتاب الجعل والإجارة" حيث قال مالك: لو أن رجلًا باع حنطة في سنبلها على أن يدرسها، ويدريها كل قفيز بدرهم أن ذلك جائز، فلم يذكر الحصاد، وظاهره أنه مخصور: فقال بعض المحققين: فيه دليل على جواز بيع الزرع المحصود حزمًا.
ويؤخذ له من آخر الكتاب المذكور: حين يحصده وجب له نصفه، وهي رواية ابن نافع، وأشهب عن مالك.
وأما قوله: "انقض زيتوني هذا، فما نقضت من شيء فلك نصفه"، فإن ذلك لا يجوز، ولا أعرف في المذهب فيها نص خلاف إلا شيئًا وقع في "النوادر" نقله الشيخ أبو محمَّد عن مطرف، وابن الماجشون في الذي قال لرجل: انقض زيتوني هذا -أو قال القطه- ولك نصفه فجائز، وكذلك إن قال: فما لقطت أو نقضت فلك نصفه، وقال: وأجازه ابن
[ ٧ / ٣٢٧ ]
القاسم في اللقط، ولم يجزه في النقض، وهذا نص قوله.
فقال الشيخ أبو محمَّد: ومحمل قوله: فما نقضت يقول: ما جمعت؛ كقوله: اقطف كرمي، أو جذ تمري بنصفه.
فإن كان مرادهما كما تأوله الشيخ كان كما قال ابن القاسم، وإن كان مذهبهما المساواة بين النقض واللقط كان خلافًا، وربك أعلم.
والفرق بين اللقط والنقض أن اللقط من جنس مقدور العبد، وأنه متمكن منه، ولا حاجز -يحجزه إلا العجز والكسل، وذلك يرجع إلى أمر معلوم إن جد جلب وجمع الحب، وإن تكاسل قل ما يتحوصل له من الحاصل؛ فذلك يرجع إلى بذل الجد والاجتهاد.
وأما النقض، فإنه غير منوط بمقدوره؛ إذ قد يجد ويقصد، ولا يسقط شيئًا، وقدره يتساقط، والذي يسقط مجهول تارة يكثر، وذلك غاية الغرر، ونهاية في الخطر. [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ٣٢٨ ]
المسألة السابعة عشرة في الجعل على طلب الآبق
ولا يخلو من وجهين:
إما أن يجعل فيه لمعين، أو لغير معين.
فإن جعل فيه لمعين فلا يخلو من أن يجعل لواحد في اثنين أو لاثنين في واحد.
فإن جعل لواحد في اثنين، فلا يخلو الجعل الذي جعل عليهما من أن يكون متساويًا أو مختلفًا.
فإن كان متساويًا وقد عرفهما المجعول له أو جهلهما، فالجعل فاسد، فإن نزل ووقع وأتى بهما جميعًا، ففيه قولان:
أحدهما: أن له العشرة التي سمى.
والثاني: أن له جعل مثله.
والقولان لابن القاسم في "الواضحة".
وإن أبى أحدهما، فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أن له نصف العشر، وهو قول ابن نافع في "الكتاب" -اتفقت قيمتها أو اختلفت.
والثاني: أن العشرة تقسم على قدر قيمته من قيمة الآخر من يوم أبقا، فيعطى له العشرة بقدر ذلك، وهو قول أشهب، وأصبغ في "كتاب ابن المواز".
والثالث: أنه له فيه جعل مثله على قدر عنائه وتعبه، وهو قول ابن
[ ٧ / ٣٢٩ ]
القاسم في "المدونة" و"الواضحة".
والرابع: التفصيل بين أن تتفق قيمتها أو تختلف؛ فإن اتفقت قيمتها كان له نصف العشرة، فإن اختلفت كان له جعل المثل، وهو قول ابن القاسم في "الموازية" أيضًا، والذي ينبغي إذا اتفقت قيمتهما أن يكون له نصف العشرة بلا خلاف وإلا فما وجه الخلاف في هذا الوجه.
فإن كان الجعل مختلفًا؛ مثل أن يجعل في ناصح ستة دنانير، وفي مرزوق أربعة فلا يخلو المجعول له من أن يكون يعرفهما أو لا يعرفهما.
فإن كان يعرفهما جاز قولًا واحدًا.
فإن كان لا يعرفهما، فهل يجوز الجمع أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو الأحسن؛ لأن من شرط الجعل أن يكون معلومًا، ولا يجوز الجهل بمقداره، وقد يسمع بواحد منهما في بلد ويقصده، ولا يدري هل هو ناصح أو مرزوق، والإجارة عليهما مختلفة.
والثاني: أن ذلك جائز، وذلك الجهل مستخف لوجود مثل ذلك بعد معرفته بهما، فقد يدل على عبد منهما، ويسمع به، ولا يعرف أيهم هو فيجوز له أن يمضي لطلبه قبل معرفته، هل هو ناصح أو مرزوق؛ لأن هذه ضرورة.
والقولان لابن القاسم في "كتاب محمَّد"؛ فلهذا جوز الجعل في الكتاب المذكور، وإن كان مختلفًا من غير مراعاة لقيمتهما هل هي متساوية أو مختلفة.
وأما إن جعل الاثنين في واحد؛ مثل أن يجعل للواحد عشرة وللآخر خمسة فأتى بهما فالمذهب على قولين منصوصين في الكتاب:
أحدهما: أن العشرة بينهما أثلاثًا: لصاحب العشرة ثلثاها، ولصاحب
[ ٧ / ٣٣٠ ]
الحسبة ثلثها، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن يكون لكل واحد منهما نصف ما جعل له؛ لأن كل واحد منهما أتى بنصفه، وهو قول ابن نافع، وقول ابن القاسم أوفى لصاحب الخمسة، وقول ابن نافع أصح، وأجرى على أصول الحساب.
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا جعل فيه لغير معين مثل أن يقول من جاءني بعبدي الآبق فله عشرة دنانير، فجاء به رجل فلا يخلو هذا الذي من أن يسمع ذلك من الجاعل أو لم يسمع، فإن سمع ذلك من الجاعل فله عشرة دنانير وسواء كان شأنه طلب الآباق أم لا.
فإنه جاء به من لم يسمع السيد ولا علم بالجعل، فلا يخلو من أن يكون ذلك شأنه أم لا؟ فإن كان ذلك شأنه فله الأقل من جعل المثل، والمسمى وهو قول ابن القاسم في المدونة، والعتبية، وقد قال في كتاب اللقطة من المدونة: فله أجر مثله على قدر عنائه وتعبه.
فإن لم يعلم بالجعل ولا كان شأنه فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الجعل ثابت إذا قال عملت على الجعل، ولم أتطوع بعملي، ويكون له الأقل من المسمى أو المثل وهو قول ابن حبيب في واضحته.
والثاني: أن له النفقة، ولا جعل له، وهو قول ابن القاسم في كتاب اللقطة من المدونة.
واختلف إذا طلبه من علم موضعه ثم أتى سيده، فقال له: اجعل لي هل يجوز ذلك أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا شىء له؛ لأنه أخذ الجعل على ما وجب عليه فعله، وهو قول ابن حبيب.
[ ٧ / ٣٣١ ]
والثاني: أن يعطى له على قدر عنائه فيه إلى ذلك الموضع، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
واتفقوا على أنه لا يجوز له الجعل على موضعه ومكانه؛ لأنه قد وجب عليه إعلامه بذلك. تم الكتاب بحمد الله وبحسن عونه.
[ ٧ / ٣٣٢ ]
كتاب المساقاة
[ ٧ / ٣٣٣ ]