تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها ثلاث مسائل:
المسألة الأولى في معرفة ما توضع في الجائحة مما لا توضع فيه
اعلم أن المبيع الموضوع فيه الجائحة على ثلاثة أضرب:
ثمار يجنس أولها على آخرها؛ كالنخيل، والعنب، والزيتون، والجوز، والتفاح، وما يجري مجراها: فهذه يراعى في جوائحها الثلث بثلث الثمرة، ونصفها بنصفها إجماعًا؛ لأن المذهب عند اتحاد الجنسية والنوعية.
والضرب الثاني: ما كان الغرض في أعيانها دون ما يخرج منها؛ كالبقول، والأصول المغيبة، فهل فيها جائحة أم لا؟
فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أنه توضع فيه الجائحة في القليل والكثير من غير اعتبار الثلث، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
والثاني: أنه لا توضع فيه الجائحة أصلًا، وهذا القول مروي عن مالك أيضًا.
والثالث: أنها توضع في الثلث فصاعدًا، ولا توضع فيما دون الثلث كالثمار، وهي رواية علي بن زياد، وابن أشرس عن مالك في "الكتاب".
والرابع: التفصيل بين ما تجوز فيه المساقاة مع العجز كالفجل والاسفنارية واللفت: فلا توضع فيه الجائحة إلى أن يبلغ الثلث، وبين ما
[ ٧ / ٣٤٧ ]
لا تجوز فيه المساقاة من البقول، فإن الجائحة توضع في قليله وكثيره، وهي رواية سحنون عن ابن القاسم في "العتبية" ومثله في "كتاب ابن المواز".
وسبب الخلاف بين القولين المتقابلين: في وضع جائحة البقول هل يلحق بالأصول الذي هو الثمار أو لا يلحق بها؟
وأما اختلافهم في اعتبار الثلث بعد اتفاقهم على وضعها: التعلق بالعموم في أمره - ﷺ - بوضع الجوائح، هل يسوغ في كل ما توضع فيه الجائحة في القليل والكثير إلا ما خصصه العرف من الثمار التي جرت العادة بأن يتساقط بعضها ويتعض، وأن عواف الطير تأكل منه في أغلب الأحوال فكأن المشتري دخل على ذلك، فلذلك لا توضع فيه الجائحة حتى يبلغ الثلث، وبقى ما عداها على الأصل مما لم تجر العادة بتساقط بعضها مثل البقول وغيرها، ثم لا يقاس عليها؛ لأنها من أصول المستثناة، ويجوز قياس البقول على الثمار، فيعتبر الثلث في الجميع.
والضرب الثالث: متردد بين البقول والأصول، له شبه في البقول بأن أصله مبيع مع ثمره، وله شبه بالأصول بأن المقصود منه ثمرته كالمقاني والمباطخ والقرع والباذنجان وما أشبه ذلك، فهذه من مسائل الاشتراك المستحيل خلوصها من الرقاع المتعذر سلامتها من النزاع؛ فمن حيث النظر إلى أشبهيته بالبقول تعينت الحطيطة -قلَّ المجاح أو كثر- على أصل من رأى ذلك فيها، وعليه اليسير من الأصحاب، وهو مذهب أشهب في "الموازية" ومن حيث النظر إلى شبهيته للأصول تعلقت الحطيطة بالحمل الفاصل المضبوط، وعليه الجمهور من الأصحاب، فإذا قلنا بهذا افتقر إلى تقويم، ومعنى ذلك أن ننظر إلى المجاح، فإن كان ثلثًا فصاعدًا من الباقي منه على ما عرف وعده منه في القلة والكثرة حط من الثمن قدر قيمته في زمانه من قيمة باقية على رخصه أو غلائه.
[ ٧ / ٣٤٨ ]
فإن كان أقل من ثلثه كيلًا أو وزنًا لا في القيمة: فلا حطيطة، وهل المراعى ثلث القيمة، أو ثلث المثمون؟ فالمذهب على قولين منصوصين في "الكتاب":
أحدهما: أن المراعى في ذلك المثمون؛ فإن بلغته الجائحة تعين الموضع، وإن لم تبلغه: فلا حطيطة، وإن نافت على ثلث القيمة، وهو قول ابن القاسم؛ لأن المثمون محل الجائحة لا القيمة، فكان اعتبار الحد في المحل أولى.
والثاني: أن المراعى في ذلك ثلث القيمة، فإن بلغته الجائحة تعين الوضع، وإن لم يبلغ ثلث المثمون، وإن لم تبلغه لم تتعين الحطيطة، وإن أربت على ثلث المثمون، وهو قول أشهب؛ لأن الرجوع بحصة المجاح من حقوق المشتري، فما كان أضر به فهو المعتبر.
واختلف في القيمة متى تعتبر؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه ينظر إلى قيمته يوم وقع البيع بقدر قيمة كل بطن في زمانه على ما عرف من عادته، وليس يوم نزول الجائحة، وهو قول سحنون فيما حكاه بعض شيوخنا، وهو تأويل ابن أبي زمنين وغيره على "المدونة" من قوله أول المسألة: ويقوم ما بقى من الثمن مما لم يأت بعد في كثرة نباته ونفاقه مما يعرف ناحيته، وهو قوله أيضًا في الباب الآخر نظرًا إلى قيمة هذا البطن المجاح في غلائه ورخصه، ثم ينظر إلى ما يأتي من شأنها في المستقبل، وقوله في تفسيرها ينظر إلى ما يأتي بعد، فيقوم بطنًا بعد بطن على ما عرف من رغبة الناس فيه، وإلى هذا ذهب ابن زرب وغيره من الشيوخ، وهذا الذي يأتي على أصل ابن القاسم فيمن اشترى سلعًا كثيرة، فاستحق بعضها أنها تقوم بما تساوي يوم الصفقة.
والثاني: أنه ينظر في ذلك يوم النازلة بالمجاح ويستأنفا بما بقى من
[ ٧ / ٣٤٩ ]
البطون حتى يأتي جميعها، وتقوم على حقيقة، ويقين لا على ظن وتخمين، وهو اختيار الشيخ أبي محمَّد عبد الحق وغيره من المتأخرين، ويحتج هؤلاء بما وقع في "الكتاب"، وربما كانت الفقوسة في أول الزمان تباع بنصف درهم، وفي آخر الزمان تباع بفلس أو بفلسين وبقوله في تقويم البطون في الباب في الآخر، وانقطعت الثمرة، ولم يكن فيها إلا ثلاثة بطون، وقد عرف ناحية البطن الآخر، والقولان ثابتان ظاهران قائمان من "المدونة"، والحمد لله وحده.
[ ٧ / ٣٥٠ ]
المسألة الثانية في حكم جائحة الحائط المتحد
أما المتعدد: فهو على وجهين:
أحدهما: أن تتعدد نوعًا.
والثاني: أن تتعدد جنسًا.
أما المتعدد نوعًا لا جنسًا كحائط الثمر فيها برنى وعجوة وغيره إلا أنه تمر كله، فاتفق الأصحاب على أن الاعتبار بثلث جميع البيع، وإنما وقع اختلافهم في الثلث المعتبر، هل هو ثلث المكيلة أو ثلث القيمة على قولين:
أحدهما: ثلث المكيلة، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: ثلث القيمة، وهو قول أشهب على ما قدمناه.
فعلى القول باعتبار ثلث المكيلة، هل يوضع ثلث الثمن بثلث الثمرة دون تقويم، وهو قول ابن القاسم في "الواضحة" وغيرها.
والثاني: أنه لابد من التقويم في ذلك لتفاوت قيمة الأنواع، وقد يكن النوع المجاح هو ثلث الحائط في المكيلة، وإذا قوم تكون قيمته أقل من ثلث قيمة جميع الحائط؛ لدناءة ذلك النوع كالجعرور والبرني، وهو قول مطرف، وابن الماجشون، وابن عبد الحكم، وأصبغ فيما حكاه ابن حبيب.
وأما المتعدد جنسًا كعنب وزيتون ورمان ونخل إذا أجيح جنس منها وسلم ما عداه، فهل يعتبر المجاح بنفسه أم بغيره: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه معتبر بنفسه لا غيره، فإن اجتيح ثلثه وضع عنه ثلث حصته من الثمن بالقيمة وإلا فلا؛ لأنه مستقل بنفسه قائم برأسه لا يضم
[ ٧ / ٣٥١ ]
إلى غيره، وهو قول مالك في "كتاب ابن حبيب" أيضًا.
والثاني: أنه معتبر بغيره، ويعتبر في المجاح أن يكون ثلث جميع الحائط كالمتحد جنسًا لاتحاد الصفة، وهذا القول مروي عن ابن القاسم.
وعلى القول باعتبار الصنف المجاح أن يكون ثلث جميع الحائط فما كيفية ذلك؟ فلا يخلو الجنس المجاح بين المتعدد أن يستوعب أو يبقى منه، فإن استوعب واستوصل نظر إلى القيمة لو لم يجح، فإن كان ثلث قيمة الجملة وضع عنه ذلك من الثمن بالقيمة، فإن كانت قيمته لو لم يجح لا تبلغ ثلث قيمة الجعلة: فلا جائحة فيه أصلًا.
فإن أصابت الجائحة بعضه وسلم البعض، هل يعتبر الصنف المجاح من غير جملة، ولا تفصيل أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يعتبر به جملة وتفصيلًا، وينظر إلى ثلث القيمة، فإن أصيب من الجنس الواحد ما يبلغ ثلث قيمة الجملة حط من الثمن مقداره بالقيمة، فإن كان أقل من ثلث الجنس المجاح، وإن لم يبلغ المجاح ثلث قيمة الجملة: فلا جائحة، وإن أربت الجائحة على ثلث: بطل هذا بتعيين الذي قبله، وهو اعتبار ثلث الجملة، أما الجمع بينهما فغير معقول وخلاف للأصول، وبه قال أصبغ.
والثاني: أنه يعتبر بغيره في الجملة دون التفصيل، فينظر إلى ثلث قيمة الجملة فلا جائحة فيه -اجتيح كله أو بعضه- فهذا قد اعتبره بغيره في الجملة في هذا الوجه، فإن بلغ ثلث قيمة الجملة: نظر إلى الجنس المجاح منه، فإن اجتيح قدر ثلث ثمرته: وضع قدر ثلث قيمة المجاح من الثمن.
فإن اجتيح أقل من ثلث ثمرته: لم يوضع عنه شيء، وبه قال ابن القاسم على ما رواه أصبغ في "كتاب محمَّد" وقاله غيره، وهذا قد
[ ٧ / ٣٥٢ ]
ناقضه فيه ما أخلفه في الجملة إذا كانت قيمة الجنس المجاح، واعتبر التفصيل آخرًا، واعتبر الجملة، وهذا عين التناقض؛ لأنه لو اعتبره بغيره جملة وتفصيلًا لقل كما قال الأقل حيث اعتبر المجاح أن تكون قيمة ثلث الجملة، فإن كانت كذلك وضعت الجائحة، وإن تقاصرت عنه: لم توضع، وإن زادت على ثلث جنس المجاح.
ومعنى قوله في اعتبار ثلث القيمة على الجملة اعتبار ثلث الثمرة على التفصيل أن الجنس المجاح قد يكون أفخر أجناس ثمار الحائط، فتكون قيمة المجاح منه تعدل ثلث قيمة جملة الأجناس.
وإن كانت مكيلة أقل من الثلث، وليس من شرط مساواة القيمة التساوي في المكيلة.
والذي أوجب ما أشرنا إليه من التناقض كون الفرع أخذ شائبة من الأصلين؛ فمن حيث النظر إلى شائبة اتحاد العقد الوارد على الأصل: تعين اعتبار الجملة، ومن حيث النظر إلى شائبة الاستقلال من الجنسية: تعين اعتبار التفصيل ومن حق الفرع إذا تداعاه أصلان وتجاذبه طرفان أن يوفر عليه مقتضى الشائبتين لميلها إليهما ميلًا متحدًا، فإلحاقه بأحدهما على وجه التمحص نوع من التحكم، وضرب من الدعوى والعمل بقدر الدليل واجب على ما لا خفاء به على من طالع علم الأصول فتنبه بعد هذا التفصيل أيها المسترشد بأن في فهمه غموضًا، ولهذا بسطت الكلام فيه في زيادة الشرح والبيان، والحمد لله وحده.
[ ٧ / ٣٥٣ ]
المسألة الثالثة في معرفة ما هو بجائحة مما ليس بجائحة
فتحصيله أن الجوائح تنقسم على قسمين:
أحدهما: ما لم يكن أمرًا غالبًا، وأمكن دفعه، والاحتراس منه.
والثاني: ما كان أمرًا غالبًا، ولم يمكن دفعه والاحتراس منه.
فأما ما لم يكن أمرًا بالغًا، وأمكن دفعه والاحتراس منه، فليس بجائحة أصلًا.
وأما ما كان أمرًا غالبًا، ولم يمكن دفعه، ولا قدر على الاحتراس منه، فإن ذلك ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: أن يكون ذلك من فعل الله تعالى، لا اكتساب فيه لمخلوق مكلف: فلا خلاف أنه جائحة يجب القضاء بها، كالريح، والمطر، والبرد، وما أشبه ذلك من الجليد، والجراد، والطير الغلب، وأما انقطاع الماء: فإنه جائحة في القليل والكثير بإجماع.
وأما ما كان من اكتساب المخلوقين المكلفين، ولا يمكن الاحتراس منه؛ كالجيش، والسارق: فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه جائحة في الجيش، والسارق، وهو قول ابن القاسم في الكتاب؛ لأن ذلك عنده مما لا يقدر على دفعه.
والثاني: أن ذلك ليس جائحة؛ لأن السلطان يكف الجيش ويرده، والسارق يتحصن منه، وهو قول مطرف وابن الماجشون.
والثالث: التفصيل بين الجيش والسارق؛ فيكون الجيش جائحة،
[ ٧ / ٣٥٤ ]
والسارق بجائحة، وهو قول ابن نافع في "الكتاب"؛ وكأنه يرى الجيش مما لا يمكن دفعه، وأن السارق يقدر على التحفظ والتحصن منه.
وفي المسألة قول رابع: في العكس بين أن يكون فائدة لمن يوزع الجيش ويضبطه، فلا يكون جائحة، أو يكون ممن يغلبه أشرار جنده، ولا يخافون من استطارة شرار ناره إذا أورى زناده، أو يكون في نفسه مجبولًا على الفساد وسعى في خراب البلاد: فإنه يكون جائحة، وكذلك السارق.
وهذا التفصيل رأيته لبعض المتأخرين، وذهب بعضهم إلى أن ما في "الكتاب" يرجع إلى اختلاف أحوال، وأن ابن القاسم إنما تكلم عن الجيش الذي لا ينضبط، والسارق المجهول، وعبد الملك تكلم على ما هو مضبوط، والسارق المعروف، والأمر محتمل لما قالوه، وصلى الله على نبينا محمَّد وآله وصحبه.
[ ٧ / ٣٥٥ ]
كتاب كراء الرواحل والدواب
[ ٧ / ٣٥٧ ]