تحصيل مشكلات [هذا الكتاب] (١) وجملتها إحدى عشرة مسألة:
المسألة الأولى في ديات أهل الكتاب في النفوس والجراح
والديات: جمع دية، وأصلها -والله أعلم- من الودي وهو الهلاك ومنه أودى فلان، أي: هلك، فلما كانت الدية عن الهلاك سميت بذلك لكونها سببه.
وقد تكون أيضًا من التودية؛ وهو لشد أطباء الناقة؛ لئلا يرضعها فصيلها ومنعه عن ذلك؛ فكأن الدية تمنع من [يطالب] (٢) بها من فعل ما يوجبها كما يمنع ذلك القصاص والحدود.
وقد تكون تسميتها دية من الإصلاح؛ لأنها تسكن الطلب؛ مأخوذ من قولهم: ودأت الشيء مهموز، أي: سويته، وودأت الأرض، أي: سويتها.
فإذا ثبت ذلك فأهل الكتاب والمجوس لا يخلو حالهم من وجهين:
أحدهما: أن يجني عليهم.
والثاني: أن يجنوا على غيرهم.
فإن جنى عليهم فلا يخلو من أن يجني عليهم مسلم، أو يجني بعضهم علي بعض.
فإن جنى عليهم مسلم، فلا يخلو من أن يجني عمدًا أو خطأ، فإن
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) في أ: يطلب.
[ ١٠ / ١٩٥ ]
جنى عليهم عمدًا، فلا خلاف في المذهب أنه لا يقتص [لهم] (١) منه -كانت الجناية في النفس أو فيما دون النفس- إذ لا يقتل مسلم بكافر إلا أن يقتله قتل غيلة فيقتل به على معنى الحِرَابَة لا على معنى القصاص المحض، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إن الحر المسلم يقتل بالمعاهد، ويقتل بالعبد أيضًا، وتعلق بظاهر قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بالنَّفْسِ﴾ (٢)، وبقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ الآية (٣)، فقالوا: هذا عام في كل نفس محرمة القتل، وتأول قوله - ﷺ -: "لا يقتل مسلم بكافر" (٤) على أنه الكافر الحربي، وذلك كله استدلال ضعيف، والصحيح ما ذهب إليه مالك ﵀ من وجهين اثنين:
أحدهما: الأثر.
والثاني: النظر.
فأمَّا الأثر: فقوله - ﷺ -: "لا يقتل المسلم بالكافر" (٥)، ولقوله - ﷺ -: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يدٌ على من سواهم" (٦).
وأما النظر: فلكون القصاص مبني على تكافؤ الدماء وتساويها في الحرمة، ولا شك أن دم الكافر غير مكافئ لدم المسلم أصلًا.
فإذا ثبت [ذلك] (٧) فلا يقتل المسلم بالذمي إذا قتله عمدًا، فإنه تكون
_________________
(١) في أ: له.
(٢) سورة المائدة الآية (٤٥).
(٣) سورة الإسراء الآية (٣٣).
(٤) أخرجه البخاري (١١١).
(٥) تقدم.
(٦) أخرجه أبو داود (٢٧٥١)، والنسائي (٤٧٣٤)، وصححه الشيخ الألباني.
(٧) سقط من ب.
[ ١٠ / ١٩٦ ]
عليه الدية في ماله حالّة.
فإن كان المقتول يهوديًا أو نصرانيًا فديتهما نصف دية الحر المسلم، وهو مذهب مالك -﵀- أن دية الكتابي نصف دية المسلم؛ رجالهم على النصف من دية رجال المسلمين، ونساؤهم على النصف من دية نساء المسلمين، ودية جراحاتهم تابعة لدية النصف.
وأما المجوس: فإن دية رجالهم ثمانمائة درهم، ودية نسائهم أربعمائة درهم، وجراحاتهم في دياتهم على قدر جراحات المسلمين من دياتهم، خلافًا للشافعي الذي يقول: إن دية اليهودي والنصراني [على الثلث من] (١) دية الحر المسلم، وخلافًا لأبي حنيفة الذي يقول: إن دية اليهودي والنصراني والمجوسي مثل دية الحر المسلم.
وعلى مذهب مالك -﵀- أن [من] (٢) قتله عمدًا يؤدي نصف دية الحُرِّ المسلم إن كان المقتول يهوديًا أو نصرانيًا؛ إن كان من أهل الإبل، فنصف دية المربعة اثنا عشر بعيرًا ونصف بعير من كل جنس، وإن كان من أهل الذهب فنصف دية فخمسمائة دينار، وإن كان من أهل الورق فستة آلاف درهم، وإن كان المقتول يهودية أو نصرانية فنصف دية رجالهم على هذا الحساب.
وإن كان المقتول مجوسيًا فديته ثمانمائة درهم إن كان القاتل من أهل الورث يؤديها، فإن كان من أهل الذهب [فعليه] (٣) ستة وستون دينارًا [وثلثا دينار] (٤)، وإن كان من أهل الإبل [فعليه ستة] (٥) أبعرة وثلثا
_________________
(١) في ب: مثل.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: فستة.
[ ١٠ / ١٩٧ ]
بعير، وجراحاته على حساب [هذا] (١).
وإن كان المقتول مجوسية فديتها على نصف دية الرجل المجوسي.
وذلك كله حال في مال الجاني.
فإن جنى عليهم خطأ، فالدية على ما وصفنا وفسرنا؛ فما بلغ من ذلك ثلث الجاني أو المجني [عليه] (٢)، فإن العاقلة تحمله، ولا يكون في مال الجاني، وديات اليهود، والنصارى، والمجوس رجالهم ونساؤهم، فإن العاقلة تحملها، وتنجم [عليها] (٣) في ثلاثة أعوام.
وهذا كله قول ابن القاسم في أول "كتاب الديات" من "المدونة".
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا جنى بعضهم على بعض، فلا تخلو الجناية أيضًا من أن تكون عمدًا أو خطأ.
فإن كانت عمدًا، فإن أولياء المجني [عليه] (٤) يمكنون من القصاص في النفوس والجروح، ويقتل الكافر بالكافرة، والكافرة بالكافر؛ لتساوي الدماء وتكافئها.
فإن كان خطأ وكانت الجناية قتلًا، فالدية على عاقلة القاتل، وكذلك إن كانت الجناية فيما دون النفس مما يبلغ ثلث دية الجاني، أو المجني عليه، فإن العاقلة تحمله كجناية الرجل على المرأة أو المرأة على الرجل.
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا جنوا على غيرهم من
_________________
(١) في أ: ديته.
(٢) في أ: عليهم.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: عليهم.
[ ١٠ / ١٩٨ ]
المسلمين، فلا يخلو من أن تكون جناياتهم عليهم عمدًا، أو تكون جناياتهم عليهم خطأ.
فإن كان جناياتهم عليهم عمدًا، فإنه يقتص منهم للمسلم على ما ذكرنا في النفس، وفيما دون النفس.
والذكران والإناث في ذلك سواء.
فإن كانت جناياتهم عليهم خطأ، فالدية على عاقلة الجاني في النفس، وفيما دون النفس مما يبلغ ثلث دية الجاني أو المجني [عليه] (١) على ما فسرناه آنفًا.
ودية الأجنة على دية أمهاتهم كالحرة المسلمة.
وأما دية المرتد إذا قتل قبل أن يستتاب، فقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا دية [له] (٢).
والثاني: أن ديته دية المجوسي.
والثالث: أن ديته دية أهل [الدِّين الذي ارتد إليه، والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) في أ: عليهم.
(٢) في ب: عليه.
(٣) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٩٩ ]
المسألة الثانية في العاقلة التي عليها حمل الدية
والكلام في هذه المسألة في ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في معرفة العاقلة وحدها.
والثاني: في معرفة من تحمل عنه العاقلة.
والثالث: في القدر الذي تحمله العاقلة من الدية وكيفية توظيفها عليها.
فأما الفصل الأول: في معرفة العاقلة وحدها: والعاقلة: عشيرة الرجل وقومه، وهو قوله في النوادر.
فإذا ثبت ذلك، فلا يخلو الجاني من أن يكون من أهل ديوان أو من أهل القبائل المنقطعين.
فإن كان من أهل ديوان، فإنهم يعقلون عنه؛ لأن أهل ديوان يعقل بعضهم عن بعض، وإن جمعهم الديوان من قبائل متفرقة.
والديوان عبارة عن زمام يجمع أفراد [الأجناد] (١) وآحاد من شعوب وقبائل على عطاء يخرج لهم من بيت المال في أوقات معلومة لما وجب عليهم من سد الثغور، وربما استعدوا له من النكاية والظهور.
فإن ضاق الحل بأهل الديوان حتى لا يقدروا على تحمل الدية إلا زحفًا، هل يستعينوا بمن ليس معهم في الديوان من قومه أم لا؟
فلا يخلو من أن يكون أمر الديوان قائمًا أو [يكون قد] (٢) انقطع.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ١٠ / ٢٠٠ ]
فإن كان قائمًا وعطاؤه جار على المعهود، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن جرائر الجاني موقوفة عليهم، ولا تتعدى إلى غيرهم ممن ليس معهم في الديوان من قومه. وهو قول أصبغ في "المدونة"، ورواية أشهب في "العتبية".
والثاني: أنهم إذا اضطروا إلى من ليس معهم في الديوان من قومهم أعانوهم، وهو قول مالك في المجموعة، قال: وقد تأخر العطاء وقيل الديوان حتى ضاعت العقول.
فإن كان الديوان قد انقطع، فالدية على عاقلته من قومه، وقد تعاقل الناس قبل الديوان، وما كان الديوان إلا في خلافة عمر بن الخطاب - ﵁ -.
فأما الوجه الثاني: إذا كان الجاني من القبائل المنقطعين فإن الدية على فخذه إن كان فيهم محمل الدية، وإلا ضم إليهم أقرب القبائل، فإن لم يحملوا أيضًا ضم أقرب القبائل إليهم هكذا أبدًا حتى يحملوا بضم الأقرب فالأقرب، والقرب المعتبر [القرب] (١) بالقرابة لا بالجوار، وهو قوله في "النوادر".
فإن ضاقوا عن تحملها ذرعًا، ولم يقووا عليها [إلا بضم] (٢) غيرهم إليهم مثل أن يكون الجانى من أهل القرار، وعجز قومه [الذين] (٣) بالقرار عن تحملها، وله عصبة بالبادية، هل [يستعين] (٤) بهم أهل القرار على تحمل الجناية أم لا؟.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: الذي.
(٤) في أ: يستعينوا.
[ ١٠ / ٢٠١ ]
فلا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون جميع قومه وعشيرته أهل حاضرة واحدة.
والثاني: أن يكونوا أهل حواضر.
والثالث: أن يكونوا أهل بادية وحاضرة.
فإن كانوا أهل حاضرة واحدة، وليس لهم في غيرها قرابة، ولا عشيرة، فلا خلاف أن الدية مقصورة عليهم بسقوطها على قدر حالهم.
وكذلك الحكم أيضًا إذا كانوا أهل بادية وليس لهم في الحاضرة قرابة، ولا عشيرة.
فإن كانوا أهل حواضر، فهل يقتصر بالدية على من تواضع الجاني في الحاضرة التي فيها مثواه أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الدية قاصرة على قبيلة الذي ثوى معهم في حاضرته، ولا يتعدى بها إلى غيرهم ممن يسكن حاضرة أخرى من عشيرته.
فإن لم يكن بها من قومه من يحملها لقلتهم ضم إليهم أقرب القبائل إليهم ممن [هو] (١) ساكن [بتلك] (٢) [الحاضرة] (٣) وهي رواية أصبغ عن أشهب في الدية وجبت على قبيل بالفسطاط أنه لا يدخل فيها إلا من ثوى بالفسطاط من قريب، ومعلوم أن بأنظار الفسطاط من القرى والحواضر ما لا يحصى كثرة، وحكمها كلها حكم الفسطاط في جنس المالية.
والثاني: أن الدية يتعدى تحملها إلى قوم الجاني، وإن كان سكناهم
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: تلك.
(٣) سقط من أ.
[ ١٠ / ٢٠٢ ]
بحاضرة أخرى إذا ضعف عن تحملها من سكن [مع] (١) الجاني بحاضرته من قومه، وهو قول أشهب أيضًا في [مدونته] (٢) على ما حكاه عنه أصبغ، وهو قول ابن القاسم في "الموّازية"، وهو الصحيح؛ لأن العاقلة إذا كانت أهل الحواضر فقد تجانس المال وسلم من أن يؤدي في دية واحدة إبلا وعينًا، ولا أدري لقول أشهب وجهًا في المنع.
فإن كانوا أهل حاضرة وبادية، هل يضم بعضهم إلى بعض أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يضم بعضهم إلى بعض، ولا يعقل البدوي مع الحضري كان الجاني في الحاضرة أو البادية؛ إذ لا يستقيم أن يكون في دية واحدة إبل وعين، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه يعاقل البدوي مع الحضري، وهو قول أشهب، وعبد الملك في "كتاب ابن الموّاز"، ورواه ابن وهب عن مالك في "كتاب ابن سحنون".
ووجه القول الأولى: أن الدية مبنية على جنس واحد؛ ولذلك جعل على أهل الذهب الذهب، وعلى أهل الورق الورق، وعلى أهل الإبل الإبل، ولو جاز تبعيضها لأدَّى كل إنسان مما عنده و[لرجع] (٣) في ذلك إلى القيمة.
ووجه القول الثاني: أن [الدية] (٤) مبنية على المشاركة والمعاونة والمواصلة، وقد يضاف إلى القبيل من ليس منهم مع تباعدهم إذا كانوا في
_________________
(١) في أ: عن.
(٢) في أ: المدونة.
(٣) في أ: يرجع.
(٤) في ب: العاقلة.
[ ١٠ / ٢٠٣ ]
مصر واحد؛ فبأن يضاف إلى أهل الحاضرة من أهل البادية [من هو] (١) ومن عصبة الجاني وإخوته أولى وأحرى، ولا مضرة على المجني [عليه] (٢) في تبعيض أصناف الدية كما لو قتل رجلًا رجلان: أحدهما من أهل البادية وهم أهل البادية، والآخر من أهل العين لكان على عاقلة كل واحد منهما نصف الدية على حسب ما هو عليه.
وعلى القول بأن البدوي يعقل مع الحضري فلا يخلو من أن يكونا متناصفين أو يكون أحدهما أكثر من الآخر.
فإن كانا متناصفين فالدية عليهما أنصافًا يحمل كل فريق من ذلك ما هم أهله، وهو قول أشهب وعبد الملك في "كتاب ابن سحنون"، فإن كان أحد الصنفين أكثر من الآخر هل يكون الأقل تبعًا للأكثر أو يؤدي كل صنف مما هو [ماليتهم] (٣).
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الأقل تبع للأكثر؛ فإن كان أهل العمود أكثر كانت الدية كلها إبلًا يؤدي معهم [منها] (٤) أهل القرى ما عليهم إبلًا، وإن كان أهل القرار أكثر، فالدية عين [كلها] (٥) يؤدي أهل العمود ما يلزمهم منها عينًا، وهو قول عبد الملك في "كتاب ابن المواز".
والثاني: أن الأقل مستقل بحكمه، فيؤدي صاحبه من ذلك ما هم أهله كما أن الأكثر مستقل بنفسه، فيؤدي صاحبه من ذلك ما هو أهله، وهو
_________________
(١) في أ: منه و.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: ماليته.
(٤) في أ: من.
(٥) سقط من أ.
[ ١٠ / ٢٠٤ ]
قول قياسي كأحد أقاويل المذهب في الزرع إذا كان سقيه جاء بالسيح والنضح.
واختلف في الجاني هل يؤدي مع [العاقلة] (١) أم لا، على قولين:
أحدهما: أنه يؤدي معهم وهو كرجل منهم، وهو قول مالك في "الموازية" و"المجموعة"، وهو أحد أقواله في "المدونة".
والثاني: أنه لا يؤدي معهم شيئًا، وهو قول بعض أصحابنا على ما نقله [القاضي] (٢) أبو الوليد الباجي، وهذا القول قائم من "المدونة" أيضًا من "كتاب الصلح".
وسبب الخلاف: هل الدِّية على العاقلة في الخطأ بالأصالة، أو إنما هي على القاتل، ثم انتقلت إلى العاقلة بحكم، وعلى هذا الأصل ينبني الخلاف الواقع في "كتاب الصلح" في الدِّية، هل تحملها العاقلة باعتراف القاتل أو لا؟
فإذا ثبت ذلك فالعاقلة على [قسمين] (٣): ذكور وإناث؛ فالإناث لا مدخل لهن في تحمل الدية بوجه، وهو نص قول مالك في "المجموعة"، وغيرها؛ لأنهن لسن من أهل التعصيب والنصرة.
والذكور على وجهين: بوالغ، وغير بوالغ؛ فغير البوالغ كالإناث فلا مدخل لهم في العاقلة حتى يبلغوا. والبوالغ على وجهين: عقلاء ومجانين؛ فالمجانين كالصبيان والإناث، والعقلاء على وجهين: الموالي وغير الموالي؛ فالموالي على وجهين: موالي الأعلى، وموالي الأسفل؛ فالمولى الأعلى يعقل عن مولى الأسفل بلا خلاف؛ لأنه عصبته، ومولى
_________________
(١) في ب: أهل العاقلة.
(٢) زيادة من ب.
(٣) في ب: وجهين.
[ ١٠ / ٢٠٥ ]
الأسفل اختلف فيه على قولين:
أحدهما: أنه يعقل عن مولاه كما يعقل هو عنه، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
والثاني: أنه لا يعقل عنه، وهو قول سحنون في "كتاب ابنه".
وغير الموالي على وجهين: مديان، وغير مديان.
فالمديان كالمعدم لا يؤدي مع العاقلة لحق الغرماء، وغير المديان الملي الموسر هو الذي وجب عليه تحمل الدية كان رشيدًا أو سفيهًا بالغًا. وهو قول ابن القاسم وابن نافع في السَّفيه في "العتبية".
وإذا جنى قروي ثم انتقل إلى البادية [رفضًا] (١) لسكنى القرار أو بالعكس على القول بأن البدوي لا يعقل مع الحضري، أو انتقل المصري إلى الشام أو العراق، أو انتقل العراقي أو الشامي، فأوطن مصرًا: فلا يخلو المنتقل من أن يكون الجاني نفسه أو أحد من أهل عاقلته؛ فإن كان المنتقل هو الجاني نفسه، فإن الدية على أهل بلده الذي انتقل منها -انتقل قبل القيام عليه أو بعد القيام عليه- وهو نص قول مالك في "المجموعة"، و"الموَّازية".
فإن كان المنتقل بعض أهل عاقلته، فلا يخلو انتقالهم من أن يكون قبل التوظيف أو بعد التوظيف.
فإن انتقل قبل التوظيف فإنه لا شيء عليه إذا رفض سكنى بلده، وإنما الدية على من حضر التوظيف.
ولا شيد على من مات قبل ذلك، أو انتقل، إلا أن ينتقل فرارًا من الدية، فإنه [يلحقه] (٢) حكمها حيث كان، ولا ينظر إلى يوم ثبت الدم
_________________
(١) في أ: من قضاء.
(٢) في أ: يلحقها.
[ ١٠ / ٢٠٦ ]
ويحكم بثبوته، وإنما النظر إلى يوم توظيفه، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
وإن انتقل وارتحل بعد التوظيف فقد [لزمته] (١) ولا تزول عنه بالانتقال، ولا يلزم من قدم من غيبته، أو احتلم، أو استغنى بعد التوظيف.
واختلف فيمن مات بعد أن [وظفت] (٢) على قولين:
أحدهما: أنها في ماله كدين ثابت، ويحاص به الغرماء، وهو قول سحنون في "العتبية"، وهو قول عبد الملك في "المجموعة".
والثاني: أنه لا يحاص بها الغرماء، والغرماء مبدون على طلب الدية، وإن مات ممن وظفت عليهم رجعت إلى بقية العاقلة، ولا تكون في ماله، ولا على ورثته. وهي رواية يحيى عن ابن القاسم في "العتبية"، وبه قال أصبغ.
وأما الفصل الثاني: في معرفة من تحمل عنه العاقلة جريرته: ولا تخلو جناية الجاني من وجهين: إما أن تكون عمدًا، وإما أن تكون خطأ.
فإن كانت عمدًا فلا تخلو من أن تكون في النفس، أو فيما دون النفس.
فإن كانت في النفس، فإن الواجب فيها القصاص، فإن اصطلحوا على الدية المبهمة في من مال القاتل، ولا تحمل العاقلة منها شيئًا، قال ابن شهاب: إلا أن تطيب النفس.
قال أشهب: وعلى هذا جميع العلماء إلا من خالف من أهل العراق.
_________________
(١) في ب: لزمه.
(٢) في أ: وقفت.
[ ١٠ / ٢٠٧ ]
فإن كانت فيما دون النفس كالجراح والشجاج، فلا يخلو من أن يكون مما يمكن فيه القصاص أو مما لا يمكن فيه [القصاص] (١).
فإن كان مما يمكن فيه القصاص، فهو كالقتل على سواء.
فإن كان مما لا يمكن فيه القصاص مما هو متلف كالجائفة والمأمومة، وما لا يستفاد لخوفه كالفخذ، والصدر، وعظم العنق مما يبلغ ثلث الدية، فقد اختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة" في "كتاب [الديات] (٢) ":
أحدها: أنها في مال الجاني جملة، وهو قوله في "كتاب الديات" حيث قال: ثم رجع فجعلها على العاقلة بضعف، وقال لي آخر ما كلمته ما هو بالأمر البين أن تكون على العاقلة.
والثاني: أنها على العاقلة جملة.
والثالث: بالتفصيل بين أن يكون له مال، فتكون في ماله أو لا مال له، فتكون على العاقلة لئلَّا يبطل الدم.
والأقوال الثلاثة لمالك - ﵀.
فإن كانت الجناية خطأ، فالمذهب عندنا على أن العاقلة لا تحمل من دية الخطأ إلا الثلث فصاعدًا، ولا أعلم في المذهب نص خلاف قال مالك -﵀: الأمر المجتمع عليه عندنا ألا تحمل العاقلة من جراح الخطأ إلا قدر ثلث الدية فصاعدًا [وقال ربيعة مضت السنة أن العاقلة لا تحمل إلا الثلث فصاعدًا] (٣) وقد عاقل النبي - ﷺ - بين قريش والأنصار، فجعل العقل ينتهي إلى ثلث الدِّية، وقضى به عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: الدية.
(٣) سقط من أ.
[ ١٠ / ٢٠٨ ]
العزيز ﵄، وقاله ابن المسيب، وسليمان، وعروة، وكثير من التابعين.
وهذا كله مذكور في الجراحات، وإنما كررته هنا لزيادة بيان.
ولا فرق بين أن يكون الجاني عاقلًا بالغًا، أو مجنونًا في حال جنايته، أو صبيًا صغيرًا ممن يفهم، ويقع منه بعض التمييز؛ فإن العاقلة تحمل ما بلغ الثلث فصاعدًا [من جنايته] (١).
فأمَّا السكران والسفيه فعليهما القود في القتل والجراح إلا أن ينتهي حال السكران إلى حد لا يميز فيه بين الذرة والفيل؛ فيلتحق حينئذ بالمجنون، وتحمل العاقلة جريرته.
واختلف العلماء فيمن جنى على نفسه خطأ، هل يهدر دمه أو تحمله العاقلة؟
فذهب مالك -﵀- إلى أن دمه هدر، ولا تحمله العاقلة، قال في الموطأ: ولا تعقل العاقلة أحدًا أصاب نفسه عمدًا أو خطأ بشيء، وعلى ذلك رأى أهل الفقه عندنا.
قال: ولم أسمع أحدًا ضمن العاقلة من دية العمد شيئًا.
قال: ومما يعرف [به] (٢) ذلك أن الله تعالى قال في كتابه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَان﴾ (٣).
فذهب الأوزاعي وابن حنبل إلى أن الجاني على نفسه خطأ أن ديته على عاقلته تدفع إليه إن كان حيًا وإلى ورثته إن مات.
ويشبه أن يقال في توجيه ما ذكراه أن الدية على أحد القولين واجبة
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سورة البقرة الآية (١٧٨).
[ ١٠ / ٢٠٩ ]
على العاقلة بطريق [الأصالة] (١) بعلة الجناية الواقعة على وجه الخطأ، فيستوي في ذلك من قتل نفسه، ومن قتل غيره.
وأمَّا الآية التي استدل بها مالك -﵀- على أن العاقلة لا تحمل من دية العمد شيئًا، فقد اختلف العلماء في تأويلها على حسب اختلاف مذاهبهم في القاتل هل يجبر على دفع الدية إذا رضي بها وليّ القتيل؛ فقيل: معنى ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ (٢)، أي: بدل له أخ المقتول الدية؛ فيكون معنى "عفى له": بذل له، والضمير في "له" راجع إلى وليّ المقتول [والأخ أخ لذلك المقتول] (٣) إلى الرضا بذلك والمطالبة بما بدل من الدية بمعروف، ويؤدي القاتل إليه بإحسان، وهذا على أحد الروايتين عن مالك [وهي رواية ابن القاسم، وأشهب في "المجموعة"] (٤)، ورواية ابن القاسم في "المدونة" أن القاتل ليس له بدل الدية إذا طلبها ولي الدم إلا أن يشاء، وإنما [عليه القصاص، وبه قال الشافعي، ودليل] (٥) ذلك من جهة المعنى أنه معنى يجب به القتل فلا يستحق به التخيير بين القتل، والدية كالزنا.
وقيل: إن معنى قوله: فمن عفي له، أي: ترك له -يريد: القاتل- وأخوه -يريد: ولي المقتول يريد ترك قتله فيكون له طلب الدية بالمعروف، وعلى القاتل أن يؤدي إليه بإحسان، وهي رواية أيضًا عن مالك أن ولي القتيل مخير بين القتل وأخذ الدية، [ويجبر] (٦) القاتل
_________________
(١) في أ: الإصابة.
(٢) سورة البقرة الآية (١٧٨).
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من ب.
(٥) سقط من ب.
(٦) في أ: يخير.
[ ١٠ / ٢١٠ ]
على دفعها إذا رضي بها [ولي المقتول] (١)، وهو اختيار أشهب في "كتاب الجنايات" من "المدونة"، وبه قال أبو حنيفة.
ودليل هذا القول من جهة المعنى أن هذا قتل فلم يجب فيه غير بدل واحد كقتل الخطأ.
وأما الفصل الثالث: في معرفة القدر الذي تحمله العاقلة من الدية، وكيفية توظيفها عليها.
ولا تخلو الدية من أن تكون كاملة أو ناقصة.
فإن كانت كاملة فلا خلاف في المذهب أنها تنجم على العاقلة، وفائدة تنجيمها الرفق بالعاقلة والتخفيف عنها؛ لما في التنجيم من لواحق الأسنان في الإبل، وتكامل النماء؛ لأنها قد تكون وقت الوجوب حوامل، وبعد ذلك مواخض وبعد ذلك لَوَابِن، وإلى هذا المعنى أشار القاضي أبو محمَّد [عبد الوهاب] (٢) في "معونته" (٣).
فإذا [ثبت] (٤) التنجيم وفائدته، فهل تنجم الدية على العاقلة في ثلاث سنين، أو في أربع؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها تنجم في ثلاث [سنين] (٥)؛ ثلثها في سنة، وثلثاها في سنتين، وهو اختيار مالك -﵀- وصريح مذهبه، وبه قضى عمر وعليّ ﵄.
_________________
(١) في ب: القاتل.
(٢) سقط من أ.
(٣) المعونة (٣/ ١٣٢٥).
(٤) سقط من ب.
(٥) سقط من أ.
[ ١٠ / ٢١١ ]
والثاني: أنها تُنَجَّم على العاقلة في أربع سنين؛ ربعها في كل سنة، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة"؛ لأن قال في "كتاب الجراحات": أن ثلاثة أرباع الدية في ثلاثة أعوام، وهو أحد قولي مالك في الكتاب المذكور أن نصف الدية في عامين.
وينبني الخلاف: على الخلاف في المفهوم من قوله - ﷺ -: "إن الدية تقطع في ثلاث سنين أو أربع سنين"، قال مالك: والثلاث أحب [إليَّ] (١) مما سمعت في ذلك؛ فأخبر مالك أنه سمع في ذلك ثلاث سنين أو أربع سنين فاحتمل ذلك معان ثلاث: أحدها: التخيير، والثاني: الشك، والثالث: أن يكون سمع القولين كل قول من قائل من أهل العلم يراه ويفتي [به] (٢) دون القول الآخر، فاختار مالك -﵀- ثلاث سنين، واختار ابن القاسم أربع سنين.
وفائدة قوله: ثلثها في سنة وثلثاها في سنتين، ولم يقل ثلثها في كل عام أن العاقلة تطالب بأداء ثلثها بانقضاء السنة الأولى، ولا يطالبوا بثلثيها حتى تنقضى السنة الثانية من السنتين.
وأما الوجه الثاني: إذا كانت الدية ناقصة، فهل هي على الحلول أم على التأجيل؟
فعن مالك في ذلك قولان:
أحدهما: [أنها] (٣) على التأجيل كالدية الكاملة.
والثاني: أنها على التعجيل.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: أنهما.
[ ١٠ / ٢١٢ ]
والقولان حكاهما القاضي [أبو محمَّد] (١) عبد الوهاب عن مالك.
فوجه القول بالحلول: أنه بعض دية فكان على الحلول، أصل ذلك ما دون الثلث.
ووجه القول بالتأجيل: أنها دية تحملها العاقلة، فكانت مؤجلة كالدية الكاملة.
وإذا قلنا بالتأجيل، وكان البعض الواجب من الدية نصفًا أو ثلثًا أو ثلثين، فما الحكم في تنجيم ذلك؟
فالمذهب على خمسة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن الثلث في عام والثلثين في عامين، [والنصف في عامين] (٢) وهو نص قول مالك في كتاب الجراح لقول ابن القاسم في النصف: وقد كان مالك مرة يقول نصف الدية: أنها في سنتين، قال ابن القاسم: وهو أعجب إليّ.
والثاني: أن الثلث في عام، والثلثين في عامين، والنصف يجتهد فيه الإِمام إن رأى أن يجعله في سنتين جعله، وإن رأى أن يجعله في سنة ونصف جعله في سنة ونصف، وهو قول مالك في "كتاب الجراح" أيضًا.
والثالث: أن ثلثها وثلثيها على ما تقدم، وأما نصفها فإن الثلث منه في سنة، والسدس الباقي في السنة الثانية، وهو قول أشهب على ما نقله الباجي في "المنتقى" (٣)، وهو ظاهر قول مالك في الكتاب في خمسة أسداس الدية حيث قال: يجتهد [الإِمام] (٤) في السدس الباقي.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) المنتقى (٩/ ٩، ١٠).
(٤) سقط من أ.
[ ١٠ / ٢١٣ ]
وقد اختلف المتأخرون في تأويل قوله في الكتاب: "يجتهد في السدس الباقي"، قيل: اجتهاده فيه أن يجعله في أول السنة الثانية أو في وسطها أو في آخرها؛ لأن الأربعة الأسداس ثلثاها، وهما في عامين.
وعلى هذا التأويل يستقرأ قول أشهب [من] (١) المدونة.
وقيل: يأتي على قوله: ثلاثة أرباع الدية في ثلاث سنين؛ ربعها في كل سنة، وهو مثل قوله: نصفها في سنتين أن تقسم خمسة أسداس الدية على ثلاث سنين.
والقول الرابع: أن ثلث الدية وثلثيها ونصفها يرجع جميعًا إلى اجتهاد الإِمام، وهذا القول حكاه القاضي في "المنتقى" (٢) على نقل القاضي أبي محمَّد عبد الوهاب عن مالك، وهو قائم من "المدونة" أيضًا من قوله في النصف والثلاثة أرباع أن الإِمام يجتهد فيها.
والقول الخامس: التفصيل بين أن تكون الزيادة على الثلث أو الثلثين بما له بال، أو لا بال له.
فإن كانت الزيادة لها بال [فإن زادت على الثلث، فأن يكون في سنتين وإن زادت على الثلثين يكونا في سنتين، وإن كانت الزيادة لا بال لها] (٣) فلا يغير حكم المزيد عليه من أصله، وصارت كالعمد، وهو قول ابن الموَّاز، ومحمد بن سحنون عن أبيه في كتابه.
فيتحصل في ثلث الدية وثلثيها على ما لخصناه، قولان:
أحدهما: أن الثلث في عام والثلثين في عامين.
_________________
(١) في أ: في.
(٢) المنتقى (٩/ ١٠).
(٣) سقط من أ.
[ ١٠ / ٢١٤ ]
والثاني: أن الحكم فيها يرجع إلى اجتهاد الإِمام.
وفي النصف ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه في عامين ربعًا في كل عام.
والثاني: أن الإِمام يجتهد فيه.
والثالث: أن الثلث منه في عام، والسدس الباقي في السنة الثانية.
فإذا انتهت الدية إلى ما [تحمله] (١) العاقلة على الجملة، فإنها توظف عليهم؛ الموسر بقدره والمقل بقدره.
وإن كان القتل من عشرة رجال مثلًا فدية واحدة [تقسم] (٢) على عواقلهم؛ عشرها [على] (٣) كل قبيلة في ثلاث سنين.
وكذلك لو كان المقتول كتابيًا أو مجوسيًا [تحملت] (٤) قبيلة كل رجل منهم عشر الدية في ثلاث سنين.
وقال أشهب: سواء كانت الدية إبلًا أو غيرها، وهذا في "الكتاب".
والمجوس على أحد قولي مالك في اعتبار قلة الجاني أو المجني عليه أيهما بلغت ثلث الدية فصاعدًا، فإن العاقلة تحملها.
وأمَّا على ما ذكره ابن كنانة من أن مالكًا -﵀- رجع عن ذلك القول، وأنكره فلا يعتبر إلا دية المجني عليه دون [دية] (٥) الجاني.
واختلف فيما يأخذ من كل رجل من أهل العاقلة هل هو مقدر أو غير مقدر على قولين:
_________________
(١) في أ: تحملت.
(٢) سقط من ب.
(٣) في أ: إلى.
(٤) في أ: لحملت.
(٥) سقط من أ.
[ ١٠ / ٢١٥ ]
أحدهما: أنه مقدر، وأنه يؤخذ عن كل رجل من مائة درهم من عطائه درهم ونصف، وهو قول ابن القاسم عن مالك في "المدونة" و"الموازية".
والثاني: أنه لا حد لما يؤخذ من كل رجل منهم، وإنما ذلك على قدر اليسر والعسر، وليس المكثر كالمقل، ومنهم من لا يؤخذ منه شيء لإقلاله، وهو قول مالك في "المجموعة" و"المدونة"، وهو الصحيح؛ لأن الدية إنما توظف عليهم على وجه الرفق والمواساة، فيكون ذلك على قدر المالية باجتهاد الحاكم؛ ولهذا قال: يضم في العاقلة الأقرب فالأقرب حتى يحملوها برفق.
فافهم هذا التحصيل فإنه تلخيص بديع لم يسبق إليه على هذا الوضع.
فرع
ومن قتل رجلًا عمدًا يظنه ممن لو قتله لم يكن فيه قصاص قال ابن الموَّاز: لا قصاص عليه، وقد مضى مثل ذلك في مسلم قتله المسلمون في عهد النبي - ﷺ - يظنونه من المشركين، فوداه النبي - ﷺ -، ولم يقد منه.
قال مالك -﵀- في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (١)، ولم يذكر دية، فهو من أسلم ولم يهاجر من مكة، فلا دية له؛ لقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ (٢)، وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٣)، فهذا من [هدنة] (٤) النبي - ﷺ - أنه من أصيب منهم ممن أسلم، ولم يهاجر
_________________
(١) سورة النساء الآية (٩٢).
(٢) سورة الأنفال الآية (٧٢).
(٣) سورة النساء الآية (٩٢).
(٤) في أ: هدية.
[ ١٠ / ٢١٦ ]
ففيه الدية لأهله الكفار الذين كانوا بين أظهرهم ألا تراه رَدَّ إليهم أبا جَنْدَل بعد أن أسلم، فكذلك ديته [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من ب.
[ ١٠ / ٢١٧ ]
المسألة الثالثة في دية الجنين
والأصل [فيه] (١) ما خرَّجه مالك [في] (٢) الموطأ من طريق أبي هريرة أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى، فطرحت جنينها، فقضى فيها رسول الله - ﷺ - بغرة عبد أو وليدة (٣).
وخرَّج أيضًا من مراسل سعيد بن المسيب أن رسول الله - ﷺ - قضى في الجنين يقتل في بطن أمه بغرة عبد أو وليدة (٤)، فقال الذي قضى عليه: أغرم ما لا شرب، ولا أكل، ولا نطق، ولا استهل، ومثل ذلك باطل؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "إنما هذا من إخوانكم الكهان".
والغرة عند أهل اللغة: اسم واقع على الإنسان ذكرًا كان أو أنثى، وأصله -والله أعلم- من غرة الوجه، وقد يكون من الحسن، والإنسان أحسن صورة من كل شيء خلقه الله، وبه نطق الكتاب العزيز.
والغرة [عند العرب] (٥) أحسن ما يملك.
وقال الشيخ أبو عمران الفاسى ﵀: الغرة معناها [الأبيض وبذلك سميت فلا يقبل فيها أسود.
والذي أقول والله أعلم: إنما سميت بذلك الاسم لاشتهارها] (٦) في
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) في أ: من.
(٣) أخرجه البخاري (٥٤٢٧)، ومسلم (١٦٨١).
(٤) أخرجه مالك (١٥٥٢)، والشافعي (١٦٠٠)، والنسائي في الكبرى (٧٠٢٤) مرسلًا.
(٥) في ب: عنده.
(٦) سقط من أ.
[ ١٠ / ٢١٨ ]
مسائل الدماء بحكمها المخصوص بها لمساواة الشارع فيه بين الذكر والأنثى، والعمد والخطأ تيممًا لقطع الشغب وحسمًا لمادة النزاع كتسميتهم مسألة الأكدرية بالغراء لاشتهارها في مسائل الفرائض بانفرادها بالغول في مسائل الجد مع الإخوة كاشتهار الفرس الغراء في الخيل الدهم البهم، وقد بين النبي - ﷺ - في الحديث أن ذلك علامة يعرف بها أمته يوم القيامة من بين سائر الأمم.
فإذا ثبت ذلك فلا يخلو خروج الجنين إذا ضربت أمه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يخرج من أمه وهي حية.
والثاني: أن يخرج منها بعد أن ماتت.
والثالث: أن يخرج أوله وهي حية ثم خرج آخره بعد أن ماتت.
فأما الوجه الأول: إذا خرج وأمه حية ثم ماتت بعد خروجه أو عاشت، فإن ماتت فلا يخلو الجنين من وجهين:
أحدهما: أن يستهل صارخًا بعد خروجه من أمه أو لا يستهل.
فإن استهل صارخًا أو طال مكثه مما يقوم مقام الصراخ في دلالة الحياة فلا خلاف في المذهب.
ومعنى الاستهلال رفع الصوت بالصراخ أو بالبكاء والضرب على أوجه:
أحدها: أن يكون الضرب فيه وفي أمه عمدًا.
والثاني: أن يكون فيهما خطأ.
والثالث: أن يكون في الأم عمدًا، وفي الجنين خطأ.
[ ١٠ / ٢١٩ ]
فأما أن يكون الضرب عمدًا في الأم والجنين ثم ماتا جميعًا، فلا يخلو من أن يثبت ذلك ببينة، فإن ثبت ذلك بقولها، فإن القود في الأم بقسامة أوليائها، ولا شيء في الجنين لا قود ولا دية؛ لأنها شاهدة لابنها.
فإن ثبت ذلك ببينة، فأمَّا الأم ففيها القود بقسامة قولًا واحدًا.
وأمَّا الجنين، فهل فيه القسامة أم لا؟
فلا يخلو من أن يموت بفور استهلاله أو مات بعد تراخ.
فإن مات بعد تراخ، فالقسامة فيه قولًا واحدًا في المذهب.
فإن مات بفور استهلاله، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لابد فيه من القسامة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" و"الموَّازية".
والثاني: أنه لا قسامة [فيه] (١) وهو قول أشهب في "الموازية".
وعلى القول بوجوب القسامة فيه، فهل يستحق بها القود أم الدية؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يستحق [بها] (٢) الدية، ولا سبيل [له] (٣) إلى القود والعمد فيه كالخطأ، وفيه الكفارة؛ لأن موته بضرب غيره والدية في ذلك على العاقلة، وسواء ضربت الأم على بطنها أو على ظهرها أو على رأسها؛ لأن إصابة الولد خطأ والعمد في أمه، وهو قول أشهب في جميع ذلك في "الموازية".
والثاني: أن فيه القود إذا ضربت أمه في بطنها، أو على ظهرها،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: به.
(٣) سقط من أ.
[ ١٠ / ٢٢٠ ]
أو على موضع يرى أنه أصيب منه، وهو قول ابن القاسم في "المجموعة".
والثالث: أنه لا يكون فيه القود إلا إذا ضربها على بطنها خاصة، وهو قول ابن القاسم في كتاب الديات من "المدونة".
وأما إن كان الضرب خطأ فيهما جميعًا أقسم ولاتها وولاة الجنين لمن ضربه مات، أو يكون على العاقلة ديتان [وعلى الضارب كفارتان] (١).
وأما إن كان الضرب عمدًا [في] (٢) الأم وخطأ في الولد، فإن ولاة الأم يقسمون ويستحقون القود، ويقسم ولاة الجنين، ويستحقون الدية [قيل] (٣) في مال الجاني؛ لأن موته عن شبه ضرب عمد، وهو قول ابن القاسم في "المجموعة".
[وقيل على] (٤) العاقلة وهو قول أشهب في "الموَّازية".
وأما إن خرج ميتًا أو خرج حيًا ثم مات، ولم يستهل صارخًا، ولا ظهرت فيه أمارة من دلالة الحياة كالصراخ، أو البكاء المتفق عليهما في المذهب والعطاس، أو الصراخ، أو التحرك على قول ابن وهب على ما نقله عنه أبو إسحاق بن شعبان، أو البول، والحدث على ما قاله بعض أصحابنا على ما نقله القاضي [أبو] (٥) الوليد الباجي في "المنتقى"، فهذا الذي قضى فيه رسول الله - ﷺ - بغرة عبد أو وليدة قيمة كل واحد منهما خمسون دينارًا، أو ستمائة درهم.
قال مالك -﵀: القيمة في الغرة حسنة، وليست كالسنة
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: من.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ، ب.
[ ١٠ / ٢٢١ ]
المجمع عليها.
وقضى رسول الله - ﷺ - بما ذكرنا من غير اعتبار بأن يكون الجنين ذكرًا أو أنثى، تام الخلقة أو ناقص الخلقة؛ بل الغرة واجبة على الضارب في ماله، وإن لم يتبين من خلقة الجنين يد ولا رِجْل، ولا أصبع، ولا عين، وإن كان [علقة أو مضغة] (١) مما يستيقن أنه ولد مما تنقضي به العدة، وتكون به الأمة أم ولد، والخيار في ذلك الجاني؛ إن شاء أتى في الغرة بعبد أو وليدة، وإن شاء أتى بخمسين دينارًا إن كان من أهل الذهب أو ستمائة درهم إن كان من أهل الورق؛ فبأيهما أتى جبر أولياء الجنين على قبوله، فإذا دفع عبد أو وليدة، ولا تكون إلا من الحمران -يعني: البيضان- ولا يدفعها من السودان إلا أن [يغلو] (٢) الحمران يدفع من أوسط السودان، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
ووجه ذلك أن الحمران أفضل نوع الرقيق، والدية واجبة في مال الجاني؛ فلم يكن له أن يأتي بالدون إلا أن يعدم، فيكون عليه أن يأتي بالوسط من السودان، وذلك ما لا تنقص قيمته عن المقدار الذي ذكرناه.
واختلف في دية الجنين، هل هي موروثة على الفرائض أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنها موروثة على الفرائض، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أنها بين الأبوين على الثلث والثلثين؛ فمن انفرد بذلك استبد به، وبه قال المغيرة وابن دينار؛ وهو قول مالك الأول.
واختلف إذا كان الجاني من أهل الإبل، هل تقبل منه إذا أتى بها أم
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: يغل.
[ ١٠ / ٢٢٢ ]
لا؟ على قولين:
أحدهما: أن الإبل تقبل منه إذا أتى بما وجب عليه منها، وهي خمس فرائض: بنت مخاض، وبنت لبون وابن لبون ذكر وحقة وجذعة، وهو قول أصبغ، وأشهب، وابن الموَّاز، وهي رواية أبي زيد عن ابن القاسم على ما قاله أصبغ.
والثاني: [أنها] (١) لا تقبل منه، وإن كان من أهل الإبل، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، و"الموازية".
ووجه في قول أشهب وغيره: أن الإبل أصل في الدية، واعتبر به في دية الجنين كالورق والذهب.
ووجه قول ابن القاسم: أن الدنانير والدراهم هي قيم المتلفات؛ فلذلك قومت بها الغرة، وكان أصل الدية الإبل لكنها ردت إلى العين، والإبل ليست مما تقوم به المتلفات؛ فلذلك لم تعتبر بها الغرة؛ فما كان أصله العين لا يرد إلى الإبل، فلما ورد الشرع في دية الجنين بالغرة، واحتيج إلى تقديرها قدرت بما يقع [التقويم] (٢) به -وهو العين- دون ما لا يقع به التقويم.
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا خرج الجنين منها بعد أن ماتت، فهل تجب فيه الغرة أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا شيء فيه لا غرة، ولا غيرها، وهو قول مالك وجمهور أصحابه.
_________________
(١) في أ: أنه.
(٢) في أ: التغريم.
[ ١٠ / ٢٢٣ ]
والثاني: أنه تجب فيه الغرة، وهو قول أشهب في "الموّازية"، وهو مذهب الشافعي، وابن شهاب.
ووجه قول الجمهور: إن تلفه قبل الانفصال بمنزلة [تلف] (١) عضو منها؛ ولو تلف عضو من أعضائها قبل موتها لكانت فيه دية، ولو تلف بعد موتها فلا دية فيه.
ووجه قول أشهب: أن هذا جنين فارق أمه ميتًا، فلزمت فيه الغرة كما لو فارقتها قبل أن تموت، ولو ضربها فماتت وبقى الولد يضطرب في بطنها، فليس عليه إلا دية الأم.
وحكم الأجنة إذا ضربت فماتوا في بطنها قبل الخروج أو بعد الخروج حكم الجنين الواحد؛ فالغرة في كل واحد منها على ما قدمناه من التفسير، وإن كانا اثنتين فغرتين، وإن كانوا ثلاثة فثلاث غرر.
وأما الوجه الثالث: وهو أن يخرج أوله وأمه حية، ثم خرج آخره بعد أن ماتت، فهل تجب فيه الغرة أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا شيء فيه كما لو خرج جميعه بعد موتها.
والثاني: أن فيه الغرة كما لو خرج، وهي حية.
والقولان حكاهما القاضي أبو الوليد الباجي في "المنتقى"، وحكاهما أبو إسحاق بن شعبان أيضًا.
ووجه القول الأول: أنه لم يفارقها إلا بعد موتها فلم يكن فيه شيء.
ووجه القول الثاني: يحتمل أن يكون مبنيًا على قول أشهب، ويحتمل أن يكون مبنيًا على قول مالك، إلا أنه راعى أول خروجه دون تمامه.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ١٠ / ٢٢٤ ]
وينبني على هذا القول فرع في المرأة إذا طلقت أو مات عنها زوجها بعد أن خرج بعض الجنين من أمه، ثم خرج الباقي بعد الموت أو بعد وقوع الطلاق هل تنقضي العدة بذلك الوضع أم لا؛ فعلى القول بأن فيه الغرة على قول مالك تنقضي العدة بذلك الوضع، وعلى القول بأنه لا شيء فيه، فلا تنقضي به العدة، واختلف في جنين الأمة على قولين:
أحدهما: أن فيه عشرة قيمة أمه إن لم يستهل، فإن استهل ففيه قيمة ما بلغت.
قال ابن نافع: [نافت] (١) على الغرة أو نقصت، وهو قول مالك في "الموازية".
والثاني: أن فيه ما نقصها، وهو قول أصبغ عن ابن وهب في "الموازية".
والقول الأول أظهر [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من ب.
[ ١٠ / ٢٢٥ ]
المسألة الرابعة في دية عين الأعور
والكلام في هذه المسألة ينحصر في فصلين:
أحدهما: في عين الأعور في القود، والدية.
والثاني: في حكم من جنى على عضو أصيب بعضه قبل جناية الجاني.
فأما الفصل الأول: في حكم عين الأعور، فلا يخلو الأعور من وجهين:
أحدهما: أن يجني على عينه.
والثاني: أن يجني [هو] (١) على عين غيره.
فإن جنى على عين الأعور مثل أن يضربه رجل ففقأ عينه، فلا يخلو من أن يكون ذلك عمدًا أو خطأ.
فإن كان الضرب عمدًا ففيه القصاص، ولا إشكال في ذلك.
وإن كان خطأ، فقد اختلف فيها فقهاء الأمصار على قولين:
أحدهما: أن فيها الدية كاملة ألف دينار، وإليه ذهب مالك -﵀- وجماعة من أهل المدينة، وبه قال الليث وعبد العزيز بن أبي سلمة، وبذلك قضى عمر، وعثمان [﵄، وقضى به عمر بن عبد العزيز بعدهما وهو قول عمر] (٢)، وابن عباس ﵄.
والثاني: أن فيها نصف الدية كما في عين الصحيح، وإليه ذهب
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ١٠ / ٢٢٦ ]
الشافعي، وأبو حنيفة، وهو مروي عن جماعة من التابعين.
وسبب الخلاف: معارضة العموم للقياس، ومعارضة القياس للقياس.
فأما معارضة العموم للقياس، فهو أن العين الواحدة للأعور بمنزلة العينين جميعًا لغير الأعور، لكونه يبصر بالعين الواحدة ما يبصر بالعينين جميعًا.
ويعارضه عموم قوله - ﷺ - في حديث عمرو بن حزم في قوله: "وفي العين نصف الدية" (١) فعم، ولم يفصل بين عين الأعور وعين الصحيح، ويعارضه أيضًا قياس العين على ما عداها من الأعضاء [مما] (٢) هو زوج في الإنسان كاليد مثلًا إذا قطع يد من له يد واحدة، وقد أجمعوا على أن فيه نصف الدية.
ويقع الترجيح [لمذهب] (٣) مالك -﵀- بقضاء الخليفتين عمر، وعثمان ﵄ بالدية الكاملة في عين الأعور، وكان ذلك بين أظهر الصحابة ﵃، ولم يكن منهم مخالف ولا منكر؛ فدل ذلك على صحة مذهب مالك، ومن وافقه على ذلك.
وأما جناية الأعور على عين غيره، فلا يخلو ذلك من أن يكون عمدًا أو خطأ.
فإن كان ذلك خطأ، فديتها خمسمائة دينار على عاقلة الأعور.
فإن كان عمدًا فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن [يفقأ] (٤) له مثل العين التي هي باقية له.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (٣/ ٢٠٩)، والبيهقي في الكبرى (١٥٩٩٥).
(٢) في أ: على ما.
(٣) في أ: بمذهب.
(٤) في أ: يقف.
[ ١٠ / ٢٢٧ ]
والثاني: أن [يفقأ] (١) له خلافها.
فإن [فقأ] (٢) له مثل العين التي هي باقية له، هل يجب الخيار للمفقوء عينه بين القصاص، والدية أم لا؟
على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه مخير بين [القصاص] (٣) أو أخذ الدية، وهو قول مالك في "كتاب الديات" من "المدونة"، وبه قال ابن عبد الحكم.
والثاني: أنه لا خيار له في أخذ الدية، وإنما له القود خاصة، وهو نص قول ابن القاسم في "المدونة" في القتل، وهو المشهور عن مالك، والذي عليه أكثر [أصحابه] (٤) في الجراح.
إلا أن يصطلحا على أمر، فيجوز.
وعلى القول بأن له الخيار [بين الدية] (٥) والقصاص، فإن اختار أخذ الدية، هل يأخذ دية عينه، أو إنما له دية عين الأعور؟
فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة" عن مالك:
أحدهما: أنه له دية عينه خمسمائة دينار، وبه قال المغيرة من أصحابه.
ووجه القول بأن له دية عينه لا أكثر أن الجاني لا يلزمه إلا قيمة ما أتلف، والأعور إنما أتلف عليه عضوًا قيمته خمسمائة دينار لا يلزمه أكثر منها.
أصل ذلك عين الصحيح.
_________________
(١) في أ: يقف.
(٢) في أ: وقف.
(٣) في ب: أن يفقأ عينه.
(٤) في أ: الصحابة.
(٥) في أ: بالدية.
[ ١٠ / ٢٢٨ ]
ووجه القول بأن له دية عين الأعور أن المجني عليه قد ملك أن يقلع عين الأعور، وملك ترك القصاص والعدول إلى الدية بدلًا عن القصاص فكان له دية ما ملك قلعة؛ لأن دية عين الأعور ألف دينار كما تقدم، فيجبر الأعور على دفعها؛ لأن العين الواحدة في معنى العينين، فإذا تركها له وجب عليه دفع ديتها.
ويستقرأ من هذه المسألة لمالك وابن القاسم من المدونة أن القاتل على طريق العمد إذا عفى عنه أولياء المقتول على أخذ الدية أنه يجبر على دفعها كما قال أشهب في "كتاب [الديات] (١) " من "المدونة".
والقولان عن مالك في المذهب منصوصان في القتل والجراح.
وسبب الخلاف: ما قدمناه في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ (٢).
فأما [إن فقأ له] (٣) خلاف العين الباقية للأعور مثل أن يفقأ له العين اليسرى، والباقية للأعور العين اليمنى، فهذا لا قصاص فيه، وإنما له على الأعور دية عينه في العمد، والخطأ إن كان صحيح العينين فخمسمائة دينار، وإن كان أعور فألف دينار، ولا خلاف -أعلمه- في ذلك في المذهب.
وأما الفصل الثاني: إذا جنى على عضو ناقص، هل يجب على الجاني جميع دية ذلك العضو، أو يقدر ما بقى [منه] (٤).
فلا يخلو نقصان ذلك العضو من أن يكون بسبب سماوي أو بسبب
_________________
(١) في ب: الجنايات.
(٢) سورة البقرة الآية (١٧٨).
(٣) سقط من ب.
(٤) في أ: عنه.
[ ١٠ / ٢٢٩ ]
آدمي.
فإن كان بسبب سماوي، فإنه يتخرج على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن عليه جميع دية ذلك العضو، وهو قول مالك في استرخاء البصر، وعين الرمدة يكون فيها الضعف في "كتاب الجراحات" من "المدونة".
والثاني: أن عليه بحساب ما بقى من ذلك العضو، وهو قول مالك في الكتاب المذكور في اليد إذا ذهب بعض أصابعها بسبب سماوي حيث قال: لم يكن فيها إلا على حساب ما بقى.
وربما يعترض على هذا الاستقراء معترض، ويقول: دية اليد موظفة على عدة الأصابع، فإذا ذهب منها أصبع، فقد سقط من دية اليد دية ذلك الأصبع بخلاف اليد الضعيفة، والعين المرخية، فإنما لم يذهب من أجزائهما شيء.
فالجواب عن ذلك: أن الدية إنما وجبت على الجاني في الأعضاء السالمة لكونه أتلف منافعها المقصودة [منها، فإذا جنى على عضوٍ ناقص المنفعة، فإنما عليه من العقل بقدر ما أتلف؛ لأن المنافع هي المقصورة] (١) من الأعضاء؛ ولذلك لا عقل في اليد الشلاء، والعين القائمة الشكل لذهاب المنفعة المقصودة فيهما، والمعدوم معنى كالمعدوم حسًا، وليس الدية في الأصبع مثلًا لكونه أصبعًا، وإنما الدية فيه لأجل المنفعة.
ولم يبق إلا أن نقول إن الجاني يغرم جميع دية ذلك العضو على ضعفه ونقصه كالقصاص؛ فإن مالكًا -﵀- يقول: إن العضو الناقص يقتص منه، وله من العضو الملؤوم.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ١٠ / ٢٣٠ ]
وهذا الجواب يدرؤ السؤال ويدحضه.
ولا فرق في جميع ما ذكرنا من أن يكون ذلك في أصل الخلقة أو طرأ بعد الخلقة؛ لأن مالكًا ساوى بينهما في "الكتاب" حيث قال في موضع: وما كان من خلقة خلقها الله لم ينتقص منه شيء مثل استرخاء البصر، وضعف البصر مثل العين الرمداء، واليد التي يكون فيها الضعف.
وقال بعد ذلك يصيبه أمر من السماء مثل العرق يضرب في [رجل] (١) الرجل فيصيبه منه عرج، أو يصيبه رمد فيضعف البصر: فهذا ظاهر أنه إنما أصابه بعد الخلقة بلا شك.
وكذلك قوله في الأصابع أيضًا؛ لأنه قال: فإن كانت الأصابع إنما ذهبت بأمر من السماء، ولم يأخذ لها عقلًا.
وأما الوجه الثاني: إذا انتقص ذلك العضو بسبب آدمي جنى عليه، فانتقص ثم جنى عليه آخر بعد ذلك، فاستهلك البقية بجنايته.
أما الذي يجب على الجاني [فيه] (٢) فالمذهب فيه على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن عليه جميع دية ذلك العضو كاملًا -أخذ بنقصان الأول شيئًا أم لا- وهو ظاهر قول مالك في "المدونة" في دية عين الأعور أن فيها ألف دينار -أخذ من الأول أرشًا أم لا- وهو نص قول مالك في "المجموعة" في عين الأعور [لأن] (٣) الدية إنما وجبت في النظر.
فإذا ذهب [منها] (٤) نظر عين الأولى، فأخذ له أرشًا ثم ذهب النظر
_________________
(١) في أ: عين.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: بأن.
(٤) سقط من أ.
[ ١٠ / ٢٣١ ]
من العين الثانية بجناية خطأ، فكان يجب أن يكون عليه بحساب ما أتلف، إلا أنهم قالوا: لما كان يبصر بالعين الباقية ما كان يبصر بالعينين جميعًا كانت عليه الدية كاملة؛ فكأنه أتلف [عليه] (١) جميع نظره، ولم يعتبروا ما أخذ في العين الأولى، وهذا ظاهر.
وقد نص مالك أيضًا في "الموازية" [في العين] (٢) إذا أصيب نصف بصرها، فأخذ فيه نصف ديتها، ثم أصيب في النصفين الباقيين من كل عين في ضربة واحدة أن فيها ألف دينار، فانظر كيف جعل نصف [كل] (٣) عين [كجميعها] (٤) في وجوب جميع ديتها على الجاني، وهو أحد قولي ابن القاسم في "كتاب ابن سحنون"؛ لأنه قال في رواية أصبغ عنه فيمن أصيب نصف عينه ثم فقأ باقيها مع الصحيحة: أن ليس له إلا ثلاثة أرباع الدية -يعني: نصف الدية في الصحيحة وربع في التي أخذ دية نصفها؛ لأنه الربع بالإضافة إلى جميع الدية.
قال أصبغ: [ثم رجع ابن القاسم في العد، فقال: فيهما ألف دينار.
قلت: فقد أوجب فيهما ألف دينار، ولم يعتبر ما أخذ في نصف الأولى.
وهذا كله ظاهر لا مراء فيه] (٥).
والقول الثاني: أن له ما بقى بحساب ذلك العضو -أخذ لنقصان الأول
_________________
(١) زيادة من ب.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: بجميعها.
(٥) سقط من ب.
[ ١٠ / ٢٣٢ ]
أرشًا أم لا- وهو أحد أقوال مالك في آخر "كتاب الجراح" حيث قال ابن القاسم، وقد قال قبل ذلك: ليس له إلا على حساب ما بقى.
والقول الثالث: تفصيل بين أن يأخذ لنقصان الأول أرشًا، أو لم يأخذ؛ فإن أخذ لنقصان الأول أرشًا كان له على الجاني بحساب ما بقى من دية ذلك العضو، وإن لم يأخذ له أرشًا، فله جميع العقل كاملًا، وهو أحد قولي مالك في "كتاب الجراحات".
والأظهر من الأقاويل القول بأنه لا يلزمه من الدية إلا بحساب ما بقى؛ لأن الجاني لا يلزمه أكثر مما أذهبت جنايته.
وما عداه من الأقوال لا حظ له من النظر، ولاسيما القول الذي فيه [التفصيل] (١)، وما المناسبة في أن الثاني يعقل على [جناية] (٢) الأول إذا لم يؤخذ منه الأرش، فإن أخذ منه فلا يؤدي الثاني إلا بحساب ما جنى [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) في أ: جنى.
(٣) زيادة من ب.
[ ١٠ / ٢٣٣ ]
المسألة الخامسة في القتل إذا اجتمع فيه العمد والخطأ
مثل أن يجتمع اثنان على قتل رجل واحد، ولا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون الضرب عمدًا منهما جميعًا.
والثاني: أن يكون خطأ منهما جميعًا.
والثالث: أن يكون خطأ من أحدهما وعمدًا من الآخر.
فأما الوجه الأول: إذا كان الضرب عمدًا منهما جميعًا، فلا يخلو من أن يكونا مخاطبين، أو أحدهما مخاطب والآخر غير مخاطب.
فإن كانا مخاطبين فلا يخلو من أن تتكافأ دماء القاتلين مع المقتول، أو لا تتكافأ.
فإن تكافأت دماؤهم كالحُرَّيْن قتلا حُرًا فلا خلاف في المذهب أنهما يقتلان فيه.
وإن كانت الدماء غير متكافئة مثل أن يكون أحد القاتلين عبدًا والآخر حُرًا، والمقتول عبد، فالمذهب على أن العبد يقتل، وعلى الحر منهما نصف قيمته؛ إذ لا يقتل الحُرّ بالعبد عندنا.
فإن كان أحدهما غير مخاطب، والآخر مخاطب؛ كالكبير والصغير قتلا رجلًا حرًا عمدًا، فلا خلاف في أن الصغير لا يقتل، وعليه نصف الدية، واختلف هل ذلك في ماله أم على العاقلة؟ على قولين:
أحدهما: أن ذلك على عاقلته، وهو قول مالك في "الموازية"، و"المجموعة"، وبه قال ابن الماجشون؛ لأن عمد الصبي كالخطأ.
[ ١٠ / ٢٣٤ ]
والثاني: أن ذلك في ماله، وهو قول مالك في "كتاب ابن المواز".
واختلف في الكبير، على قولين:
أحدهما: أنه يقتل، وهو نص قول ابن القاسم في "المدونة"، وهو قول مالك في "الموطأ".
والثاني: أنه لا يقتل، وهو قول ابن القاسم في الخطأ؛ بناء على أن عمد الصغير كالخطأ.
وأما الوجه الثاني: إن كان الضرب منهما جميعًا خطأ فلا خلاف أن الدية على [عواقل] (١) القاتلين -كانا بالغين أو أحدهما صغيرًا والآخر كبيرًا.
وأما الوجه الثالث: إذا كان الضرب عمدًا من أحدهما وخطأ من الآخر فلا يخلو المتعمد من أن يكون صغيرًا أو كبيرًا.
فإن كان صغيرًا فلا خلاف أنه لا يقتل، والدية عليهما؛ فما ناب الكبير منهما، فعلى عاقلته، وما ناب الصغير، فعلى قولين وقد قدمناهما.
فإن كان العمد من الكبير، والخطأ من الصغير، فهل يقتل الكبير أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يقتل، وتكون الدية عليهما أنصافًا، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أن الكبير يقتل، وعلى الصغير نصف الدية، وهو قول أشهب، وهو اختيار ابن الموَّاز.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ١٠ / ٢٣٥ ]
واختلف في الحُرّيْن البالغين إذا قتلا حُرًا أحدهما عمدًا، والآخر خطأ على قولين:
أحدهما: أن العامد يقتل، وعلى المخطئ نصف الدية، وهو قول ابن الماجشون في "الواضحة".
والثاني: أن الدية بينهما أنصافًا؛ نصفها في مال العامد، ونصفها على عاقلة المخطئ.
والقولان لابن القاسم.
والذي حكاه القاضي أبو محمد عبد الوهاب أنه متى اشترك في القتل من يجب عليه القود، ومن لا قود عليه كالمخطئ، والعامد، والبالغ، والصغير، والعاقل، والمجنون أن القود على من يلزمه القود، وكان على الآخر بقسطه من الدية، فساوى بين مشاركة المخطئ، ومشاركة الصغير في القصاص ممن شاركه.
ومعنى تعليل ابن القاسم في "الكتاب"؛ لأنني لا أدري من أيهما مات إذا كان من الصبي خطأ، ومن الكبير عمدًا: أي: لا أدري هل مات من ضرب عمد أو ضرب خطأ؛ فهذا الذي يمنع القصاص من المتعمد كما لو كانا كبيرين، وأما لو كان الكبير والصغير عامدين فقد علم أنه مات من ضرب عمد، وإنما سقط القصاص عن الصغير لمعنى فيه لا لمعنى في الضرب؛ كما لو كانا كبيرين قتلاه عمدًا، فعفى عن أحدهما لم يسقط بذلك القصاص عن الآخر، أو قتل حر وعبد [عمدًا] (١)، فإن سقوط القصاص عن الحر لا يسقط عن العبد؛ لأن ما أسقطه عن صاحبه لم يكن لمعنى في الفعل، وإنما كان لمعنى في الفاعل.
_________________
(١) في أ: عبدًا.
[ ١٠ / ٢٣٦ ]
ولو قتله أحدهما عمدًا، والآخر خطأ، فسقط القصاص عنهما؛ لأنه إنما سقط القصاص عن أحدهما لمعنى في الفعل، ولا يدري هل مات من ذلك الفعل الذي يمنع القصاص، أو من فعل الآخر الذي لا يمنع القصاص.
فهذا تأويل ابن القاسم، وربك أعلم [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من ب.
[ ١٠ / ٢٣٧ ]
المسألة السادسة إذا برئ أحد الجُرْحَيْن في القصاص على شَيْن، وبرئ الآخر على غير شَيْن
ولا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه:
إما أن يبرآ على شَيْن، وإما أن يبرأ على غير شَيْن، وإما أن يبرأ أحدهما على شين، والآخر على غير شَين.
فإن برئا جميعًا على شين؛ الأول والمقتص منه، وشينهما متساويًا أو كان شَيْن الأول دون الثاني: فلا شيء لواحد منهما لصاحبه.
وكذلك الحكم في الوجه الثاني إذا برئا جميعًا على غير شَيْن.
وأما الوجه الثالث: إذا برئ أحدهما على شَيْن، والآخر على غير شَيْن، فلا يخلو من أن يكون على الأول أو الثاني.
فإن كان المجروح الأول برئ على شين، والمقتص منه برئ على غير شَيْن، فإن المقتص منه يعقل القدر الذي نقصه الشَّيْن من المجروح الأول.
وكذلك لو ترامى جرحه إلى ذهاب عضو من أعضائه مما له دية مسمى، فإن المقتص منه يغرم دية لذلك العضو أيضًا؛ لأن القصاص وضع للمماثلة.
فإن برئ الثاني على شَيْن أو ترامى ذلك إلى ذهاب نفسه، فذلك هدر، ولا دية فيه، ولا قصاص، والظالم أحق أن يحمل عليه، وهذا [هو] (١) المذهب، [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) في أ: جمهور.
(٢) زيادة من ب.
[ ١٠ / ٢٣٨ ]
المسألة السابعة في القسامة
والقسامة لا تجب إلا بأحد أمرين:
أحدهما: أن يقول الميت: دَمِّي عند فلان.
والثاني: أن يأتي ولاة اليوم بلوث من بينة.
فأما الوجه الأول: إذا قال الميت: دَمِّي عند فلان، فلا يخلو من أن يكون حُرًا بالغًا أو وصيًا، أو عبدًا، أو نصرانيًا.
فإن كان حرًا بالغًا، فلا يخلو من أن يشهد بذلك شاهدان، أو شهد به شاهد واحد.
فإن شهد على قوله شاهدان عدلان، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يقول: قتلني فلان عمدًا.
والثاني: أن [يكون] (١) قتله خطأ.
والثالث: أن يبهم الأمر.
فإن قال: قتلني عمدًا، فإن الأولياء يقسمون على قوله، ويستحقون القود.
فإن [قال: قتلني] (٢) خطأ، هل يقسم مع قوله [أولياؤه] (٣) أو لا يقسم؟ على قولين:
_________________
(١) في أ: يقول.
(٢) في أ: قتله.
(٣) سقط من أ.
[ ١٠ / ٢٣٩ ]
أحدهما: أنه يقسم مع قوله، وهو مذهب "المدونة" [وهو مشهور المذهب] (١).
والثاني: أنه لا يقسم مع قوله في الخطأ إلا بلوث [من] (٢) شهادة، وهي رواية ابن وهب عن عبد الملك في "الموازية"، ورواية عيسى عن ابن القاسم في "العتبية".
فإن ادعى ورثته خلافه؛ مثل أن يقول الميت: قتلني عمدًا، وقال الورثة: [بل] (٣) خطأ، أو بالعكس: فلا خلاف أنهم لا يقسمون على ما ادعوا.
وهل لهم أن يرجعوا إلى قول الميت أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن لهم الرجوع إلى قوله ويقسمون. وهو قول ابن القاسم في "المجموعة".
والثاني: أنه ليس لهم الرجوع إلى قول الميت ولا قسامة لهم بعد ذلك، ولا دم، ولا دية، وهو قول أشهب في "المجموعة".
فإن أبهم الأمر، ولم يفسر لا عمدًا، ولا خطأ، فلا يخلو من أربعة أوجه:
إما أن يجتمع الورثة على أنه قتله عمدًا.
وإما أن يجتمعوا على أنه قتله خطأ.
وإما أن يدعي بعضهم العمد، وبعضهم ادعى الخطأ.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: عن.
(٣) سقط من أ.
[ ١٠ / ٢٤٠ ]
وإما أن يدعي بعضهم [العمد] (١) أو الخطأ، وقال الآخرون: لا علم لنا.
فأما الوجه الأول: إذا اجتمع الورثة علي أنه قتله عمدًا هل [يقسمون] (٢) ويستحقون القود أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنهم يقسمون ويستحقون القود، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنهم لا يقسمون إلا على الخطأ، وأما العمد فلا، وهو قول ابن القاسم في "الموازية".
فإن اجتمعوا على الخطأ، فإنهم يقسمون، ليستحقون الدية على العاقلة، وهو قوله في "المدونة" و"المجموعة" و"الموازية".
وأما الوجه الثالث: إذا افترقوا، فقال بعضهم: عمدًا، وقال بعضهم خطأ هل يقسمون جميعًا، ويستحقون الدية أو لا يحلف إلا مدعوا الخطأ خاصة؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنهم يقسمون جميعًا، ويستحقون الدية على العاقلة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، و"الموازية"، و"المجموعة"،
والثاني: أن [مدعوا] (٣) الخطأ يحلفون خمسين يمينًا، ولهم من الدية قدر حظهم، ولا شيء لمدعي العمد، ولا يحلفوا [لأنهم] (٤) قد بروا
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) في أ: مدعي.
(٤) في أ: أنهم.
[ ١٠ / ٢٤١ ]
العاقلة بادعائهم العمد، ولا يستحقون [العمد] (١) إلا باجتماع القائمين بالدم مع القسامة، وهو قول أشهب في "كتاب ابن المواز".
وأما الوجه الرابع: إذا ادعى بعضهم العمد أو الخطأ، وقال الباقون: لا علم لنا.
فإن ادعى بعضهم العمد، وقال الباقون: لا علم لنا بغلاء الدم، وليس لهم أن يقسموا [بطلان] (٢) الدم.
فإن ادعى بعضهم الخطأ، وقال الباقون: لا علم لنا، فإن حلفوا جميعًا على أنه قتله، فالدية بينهم، فإن حلف مدعو الخطأ، وأخذوا نصيبهم من الدية، فإن طلب الآخرون أن يحلفوا بعد نكولهم، ويأخذوا من الدية حقوقهم، فليس لهم ذلك؛ لأن من نكل عن اليمين فلا يمكن منها أبدًا بعد ذلك.
وهذا كله قول ابن القاسم في "المدونة"، وأشهب في "الموازية"، و"المجموعة".
وقال أشهب في الكتابية: إذا لم يفسر [العمد من الخطأ] (٣)، فإن ظهر من حال القتيل ما يدل على عمد أو خطأ أقسموا على ذلك إلا أن يوجد قد قطع بالجراحات في رأسه وجسده، فتكون القسامة فيه على العمد -يريد أن ذلك لا يدل على الخطأ، وإنما يدل على العمد.
وما قال أشهب خلاف لقول ابن المواز ذكر في كتابه فيمن قتل رجلًا يظنه غيره ممن لم يكن فيه أنه لا قصاص عليه فيه؛ لأنه من الخطأ وليس من العمد، وإذا تصور أن يكون فيه شجاج وجراحات مع ذلك يكون
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) سقط من ب.
(٣) في أ: عمدًا من خطأ.
[ ١٠ / ٢٤٢ ]
خطأ، فكيف ما يكون فيه من الجراح دلالة على العمد أو الخطأ.
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا شهد على قول الميت شاهد واحد، فهل يقسم مع قوله أم لا؟
فعن مالك في ذلك قولان:
أحدهما: أنه لا يقسم مع قوله إلا بشهادة شاهدين، وهو قوله في "المدونة"، وبه قال ابن عبد الحكم، وابن المواز.
والثاني: أنه يقسم مع قوله بشهادة الشاهد الواحد، وهو قول عبد الملك.
ووجه القول الأول: أن الميت كشاهد فلا يثبت قوله إلا بشاهدين؛ كنقل الشهادة.
ووجه القول الثاني: أن قول المقتول: دمي عند فلان يؤثر في القسامة؛ فيجب أن يثبت حكمها بالشاهد الواحد كالقتل، فإذا ثبت ذلك فإنه يكتفي في ذلك بقوله: فلان قتلني، وإن لم يكن به أثر جرح و[لا] (١) ضرب ولا وصف ضرب، ولا غيره، وتجب القسامة بذلك، ورواه ابن حبيب عن مالك، وجميع أصحابه في العمد والخطأ.
وكذلك لو قال: سقاني سمًا أشد وأوجع قتلًا، قاله مالك في "الواضحة".
والمرأة كالرجل في جميع ما ذكرناه.
وأمَّا الصبي الصغير، فلا يخلو من أن يكون مراهقًا أو غير مراهق.
فإن كان غير مراهق، وقال: دمي عند فلان: فلا خلاف في المذهب أنه لا يقسم مع قوله.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ١٠ / ٢٤٣ ]
وإن كان مراهقًا، فالمذهب فيه على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه لا يقسم مع قوله، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنه يقسم مع قوله، وهي رواية مطرف عن مالك في "المجموعة"،و"الموازية"، وبه قال أصبغ، وابن الماجشون، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب النكاح الثالث" من "المدونة".
وأمَّا العبد إذا قال: دَمِّي عند فلان الحُرّ، أو شهد شاهد واحد على أن فلانًا الحُرّ قتله، وأما قوله: دمي عند فلان، فالمذهب فيه على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن المدعي عليه يحلف يمينًا واحدة، ويبرأ من القيمة، ولا يضرب ولا يسجن، وهو قول ابن القاسم في "المجموعة".
والثاني: أن المدعى عليه يحلف خمسين يمينًا، ويضرب مائة ويسجن عامًا، فإن نكل حلف السيد يمينًا واحدة، واستحق قيمة عبده مع ضرب مائة ويسجن عامًا، وهو قول أشهب في "الموازية".
والثالث: التفصيل بين أن يكون بينه وبين العبد عداوة أو لا؛ فإن كانت بين المدعى عليه وبين العبد فما يحلف يمينًا واحدة بعد أن يسجن، ويكشف عن أمره، فإن أبى أن يحلف ضرب أدبًا وليس بضرب مائة، ويسجن سنة.
فإن لم يكن بينه وبينه عداوة فلا شيء عليه، وهو قول عبد الملك في "الموازية".
فإن شهد شاهد واحد على أن فلانًا الحر قتله، فإن مات من ساعته، فإن سيده يحلف يمينًا واحدة، وأخذ قيمته من المدعى عليه، وإن ترى في جرحه ثم مات فإنه يحلف يمينين: يمينًا مع الشاهد على الجرح، ويمينًا لما
[ ١٠ / ٢٤٤ ]
مات من ضربه منه.
وأمَّا النصراني إذا قال: دمي عند فلان، أو أقام شاهدًا واحدًا على القتل.
فإن قال: دمي عند فلان، هل يقسم مع قوله أو لا يقسم؟
فعلى قولين:
أحدهما: أنه يقسم أولياؤه خمسين يمينًا، ويستحقون الدية.
وهذا القول حكاه ابن حبيب عن ابن القاسم في "النوادر"، وذكره عن مالك، وأنكره مطرف، وابن الماجشون، ولم يعرفاه لمالك، ولا لأحد من علمائهم.
والثاني: أن المدعى عليه يحلف خمسين يمينًا، ويبرأ ولا يحبس، ولا يضرب بقول النصراني، وهو قول ابن المواز.
فإن قام شاهد واحد بأن المسلم قتل نصرانيًا، فقد اختلف فيه قول مالك على قولين:
فروى عنه أشهب، وابن عبد الحكم أن المدعى عليه يحلف خمسين يمينًا.
قال أشهب: ويضرب مائة سوط، ويحبس سنة -حلف أو نكل- وروى عنه ابن القاسم، وعبد الملك أن ورثة الذمي يحلفون يمينًا واحدة، ويأخذون ديته، ويضرب مائة ويحبس عامًا.
فأما الوجه الثاني من أول التقسيم: إذا أتي ولاة الدم بلوث من بينة.
ومعنى اللوث عند مالك الشهادة غير التامة، ولا خلاف في المذهب أن شهادة الشاهد الواحد لوث يوجب القسامة.
واختلف فيما عداه من شهادة الشاهد الرجل غير العدل، وشهادة
[ ١٠ / ٢٤٥ ]
النساء والصبيان على أربعة أقوال:
أحدها: أن شهادة جميع من ذكر ليس بلوث، ولا يقسم معها، وهو قوله في "المدونة" وهو مشهور المذهب.
والثاني: أن شهادة امرأتين العادلتين لوث يقسم معها دون ما عداها، وهو قول ابن القاسم على ما حكاه ابن المواز عنه في "النوادر".
والثالث: أن شهادة غير العدل من الرجال وشهادة امرأة واحدة لوث يقسم معها، وهو قول أشهب في "الموازية"، و"المجموعة".
وأما شهادة العبد والصبي والذمي فلم يختلف فيه قول مالك وأصحابه أنه ليس بلوث.
والرابع: أن اللوث الذي تكون به القسامة اللفيف من السواد، والنساء، والصبيان يحضرون ذلك، ومثل الرجلين أو النفر غير العدول، وهو قول مطرف عن مالك في "كتاب ابن حبيب".
وقال ابن وهب عن مالك في "النوادر": ومن اللوث أن يرى المتهم بحذاء المقتول وقربه ولم يروه حين أصابه، وقال ابن عبد الحكم: أو يرى خارجًا ملطخًا بالدم من منزل يوجد فيه القتيل، وليس معه غيره؛ فمثل هذا يوجب القسامة.
واختلف إذا قال الميت: دمِّي عند فلان، ثم انتقل إلى غيره، وقد برّأ الأول، أو لم يُبَرِّئه على قولين:
أحدهما: أنه لا سبيل لولاة الدم على الأول، ولا على الثاني؛ لأنه كذَّب بقوله الآخر قوله الأول، وكأنه برأ الأول، فتسقط القسامة عن الأول والآخر، وهو قول ابن القاسم، وأشهب في "المجموعة" و"الموازية".
[ ١٠ / ٢٤٦ ]
والثاني: أنه يؤخذ بقول الآخر فيما إذا انتقل من عمرو إلى زيد، أو رمى نفرًا ثم برأ بعضهم، وأقام على لطخ الباقين، وهو قول ابن الماجشون في "العتبية".
وكذلك من شك فقال: كنت سكرانًا أو في ظلمة الليل ثم [قمأ] (١) بعد ذلك بيوم أو يومين على قولين:
أحدهما: إنه لا يقبل قوله، ولا يقسم علي قوله، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
والثاني: أنه يقبل منه، وهو قول عبد الملك في الكتاب المذكور.
فإذا ثبت أن القسامة تجب بقول الميت: دمي عند فلان أو بلوث من بينة، فلا يخلو من أن يكون المدعى عليه رجل واحد أو جماعة.
فإن ادعى به على رجل واحد، فإنهم يقسمون عليه، ويقتلونه في العمد قولًا واحدًا.
فإن ادعوا به على جماعة، فلا يخلو من أن يكون القتل عمدًا أو خطأ.
فإن كان خطأ، فإنهم يحلفون على جميعهم قولًا واحدًا، وتكون الدية على عواقلهم.
فإن كان القتل عمدًا، فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهم يختارون واحدًا، فيقسمون عليه ويقتلونه، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" وغيرها، وهو المشهور من المذهب.
والثاني: أنهم يقسمون على جماعة، ويقتلون واحدًا بعينه، وهو قول أشهب، وهو أضعف الأقوال.
_________________
(١) في أ: سما.
[ ١٠ / ٢٤٧ ]
والثالث: أنهم يقسمون على جماعة ويقتلونها بأجمعها، وهو قول المغيرة المخزومي.
وحكى القولين الحفيد في "كتاب النهاية"، وقول المغيرة أظهر في النظر [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من ب.
[ ١٠ / ٢٤٨ ]
المسألة الثامنة في ترتيب الأولياء، وبيان منازلهم في القسامة
فالأولياء: هم الآباء وبنوهم [والإخوة وبنوهم] (١) والعمومة وبنوهم والعصبة.
فأمَّا الآباء إذا انفردوا فلا خلاف أن حكم الدم بأيديهم إن شاؤوا عفوا عن القصاص، وعن الدية في الخطأ بعد القسامة، وإن شاؤوا قتلوا في العمد، ويأخذوا الدية في الخطأ، وإن شاؤوا نكلوا عن الأيمان ابتداء ولا يحلفوا.
فإن كان معهم البنون، ففي "الموازية": أجمع مالك وأصحابه على أنه لا قول للأب [معهم] (٢) في عفو ولا قود. وأما البنون فهم أولى بدم والدهم أيضًا إن شاؤوا أقسموا، وإن شاؤوا تركوا، وإن شاؤوا عفوا بعد القسامة، ولا شيء معهم لآبائهم؛ إذ لا حظ في الميراث مع آبائهم.
وكذلك الإخوة إذا انفردوا فهم أولى بالدم من أولادهم إن شاؤوا أقسموا، وإن شاؤوا عفوا.
وكذلك العمومة وبنوهم.
فإن كان في كل نوع ممن ذكرنا [إناثًا] (٣) تشاركهم في الميراث مثل أن يكون مع البنين بنات، ومع الإخوة أخوات، أو بنات، وإخوة أو بنات، وعصبة أو أخوات وعصبة، أو بنت وأخت وعصبة، فلا يخلو القتل من وجهين:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: معه.
(٣) سقط من أ.
[ ١٠ / ٢٤٩ ]
أحدهما: أن يكون خطأ.
والثاني: أن يكون عمدًا.
فأما إن كان القتل خطأ، فلا خلاف أن أيمان القسامة موزعة على قدر فريضتهم حتى يحصلوا على خمسين [يمين، فإن كان ولاة الدم أكثر من خمسين، فلا يقتصر على خمسين] (١) منهم، ولابد من يمين على كل واحد منهم؛ مثل أن يكون للإخوة مائة، ومن نكل منهم فلا شيء له، ويأخذ من حلف منهم حصته من الدية إذا حلف منهم خمسين رجلًا خمسين يمينًا أو حلفها واحد منهم كما قال في البنت إذا كان لها أخ غائب، فإنها لا تأخذ تلك الدية حتى تحلف خمسين يمينًا، ثم إن قدم الأخ بعد ذلك فلا يأخذ ثلثي الدية حتى يحلف ثلثي الأيمان.
فإن وقع في بعض الأيمان كسر فلا يخلو من أن يكون الكسر مختلفًا أو متساويًا.
فإن كان مختلفًا مثل أن يكون على أحدهم نصفها، وعلى الآخر ثلثها، وعلى الآخر سدسها أجبرت على أكثرهم حظًا منها، وهو صاحب النصف، وهو قول مالك في "المجموعة".
قال عبد الملك: لا ينظر إلى كثرة ما عليه من الأيمان.
ومعلوم أن الذي يقع عليه أكثر اليمين المكسورة هو الذي يقع عليه أكثر الأيمان.
فإن كان الكسر متساويًا؛ مثل أن يكون عددهم عشرين، فحلف كل واحد منهم يمينين، ويبقى من الأيمان عشرة أيمان، فيقال لهم: لا سبيل لكم إلى الدم حتى تحلفوا ما بقى من الأيمان.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ١٠ / ٢٥٠ ]
أما الخطأ فلابد فيه من أن يجبر على جميعهم كما قدمنا.
[وأما العمد، فإنه يتخرج على قولين:
أحدهما: أنها لا تجبر على جميعهم، وهو] (١) قول أبي القاسم بن الجلاب.
والثاني: أنها تجبر على عشرة منهم ويحلفونها [فإن نكلوا جميعهم عنها بطل كنكولهم عن جميع الأيمان، وهذا] (٢) نقله القاضى أبو الوليد ابن رشد.
فأمَّا إن كان القتل عمدًا، فقد قدمنا [أنَّ الابن أولى من الأب في العفو والقود، والأخ الشقيق أولى من الأخ للأب] (٣).
[وأما الأخ للأم] (٤) فلا حق له في الدم إلا أن يكون من العصبة فيعد في مرتبة العصبة.
وأما الأب مع البنات، فقد اختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الأب لا عفو له مع البنات، وهو قول في "كتاب ابن سحنون".
والثاني: بعكسه أن الأب أولى من البنات في العفو والقتل، وهو قول أشهب على ما نقله الباجي.
والثالث: أنهما مشتركان في الدم؛ فلا يجوز عفو الأب دونهن ولا عفوهن دونه، وهو قول ابن القاسم.
_________________
(١) بياض في ب.
(٢) بياض في ب.
(٣) بياض في ب.
(٤) طمس في أ، والمثبت من ب.
[ ١٠ / ٢٥١ ]
وسبب الخلاف: اختلافهم في النساء، هل لهن مدخل في الدم أو لا مدخل لهن فيه.
وقول أشهب في هذه المسألة مبني على أنهن لا مدخل لهن في الدم أصلًا، وهذا القول حكاه القاضي أبو الحسن بن القصار عن مالك في كتاب عيون الأدلة.
وأما الأم مع الأب، ففي الموازية أن الأم لا حق لها مع الأب في عفو ولا قود، وكذلك الإخوة.
قال ابن المواز: الأب بعد الولد الذَّكر أولى من جميع من ترك الميت من إخوة وغيرهم لا اختلاف فيه، وما قاله صحيح فيما عدا البنات مع الأب كما قدمنا الخلاف فيه.
واختلف في الأم [مع] (١) الجملة، هل لها مدخل في الدم أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن لها ولاية في الدم، وهو قول مالك [في] (٢) رواية مطرف وغيره.
والثاني: أنها لا ولاية لها في دم العمد أصلًا إلا أن يصير مالًا، فترث فيه [لأنها] (٣) ليست من ولاته، ولا من عصبته، وهي رواية ابن حبيب عن ابن الماجشون.
ووجه القول الأول: أنها أحد الأبوين كالأب؛ ولأنه لما كان للشقيق بها تقديم على الأخ للأب صح أن لها مدخلًا فيه.
_________________
(١) في أ: على.
(٢) في أ: و.
(٣) في أ: فإنها.
[ ١٠ / ٢٥٢ ]
ووجه قول عبد الملك: أنها ليست من العصبة، ولا حق لها في الولاية كالزوجة.
فعلى القول بأن لها مدخلًا في الدم، فما حكمها مع العصبة؟ فقد اختلف فيها المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها أولى من العصبة، وهي رواية مطرف عن مالك، وهذا القول حكاه الباجي في "المنتقى".
والثانى: أن العصبة أولى من الأم، ولا حق لها معهم في العفو، ولا في القود، وهو قول أشهب في "الموازية".
والثالث: أنها كواحد من العصبة، ولا عفو للعصبة دونها، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، ورواه ابن وهب عن مالك في "المجموعة".
وقال في المدونة: ورثتها يَقُومُون مقامها.
فوجه القول الأول: أنها أحد الأبوين؛ فكانت أولى من العصبة كالأب.
ووجه قول أشهب: أنهم أقوى نسبًا منها؛ لأنه معنى يستحق بالتعصيب، وهي لا ترث بالتعصيب، ولا مدخل لها فيه.
ووجه القول الثالث: اعتبار الحالتين والتوسط بين القولين، والتوسط سوق الاعتدال.
وأما الأم مع الإخوة فهم أولى منها.
وأما حكمها مع البنات، ففيه قولان:
أحدهما: أن البنات أحق منها بالدم مع الإخوة، وهو قوله في "الموازية".
والثاني: أن الأم مع البنات في مرتبة واحدة، ولا عفو للبنات دون
[ ١٠ / ٢٥٣ ]
الأم، ولا للأم دونهن، وهو قول أشهب؛ لأنه قال في ولد الملاعنة: لا عفو فيه للبنات [ولا للبنات] (١) ولا للموالي دون الأم، ولا عفو للأم إلا باجتماعهم.
وأما البنات والأخوات فقد قال في "الموازية": البنات أقرب من الأم، والأم أقرب من الأخوات.
ولا يجري في الجدة للأب، ولا للأم مجرى الأم في عفو، ولا قود.
وأما البنون، والبنات، والإخوة، والأخوات فإن القيام بالدم للذكران دون الإناث، وأيمان القسامة عليهم، ولا يقسم النساء في العمد؛ لأن الأيمان فيه من قبيل الشهادة؛ ولذلك لا يحلف في العمد أقل من رجلين، وقتل العمد من الحدود وشهادة النساء في الحدود لا تجوز.
فإن عفى بعض الذكور [كان] (٢) لمن بقى من الورثة حصته من الدية، وإن عفى الذكور كلهم بعد القسامة، ففيه قولان:
أحدهما: أنه يسقط حق البنات إذا عفى البنون، ويسقط حق الأخوات إذا عفى جميع الأخوة، وهو قول ابن القاسم، وأشهب في "الموازية".
والثاني: أن الذكور إذا عفوا، فحق أخواتهم من الدية باق، وهذا القول حكاه أشهب عن مالك أيضًا.
والقول الأول أصح، وهو قوله في "المدونة"، وهو أصله في [الموطأ] (٣).
وسبب الخلاف: اختلافهم في النساء، هل لهن مدخل في الدم في
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: المدونة.
[ ١٠ / ٢٥٤ ]
العفو والمطالبة أم لا؟
فمن قال: لا حق لهن في الدم، يقول: هن تبع للرجال في دم العمد مهما صار مالًا دخلن معهم فيه، ومن رأى أن لهم حقًا في الدم، قال: الرجال يقدمون عليهن في الطلب؛ لكونهم من أهل النصرة، والنساء لا مدخل لهن في النصرة، فإذا انتقل إلى الدية، واستحال مالًا ثبت حقهن، ولا يملك إخوتهن إسقاط حقهن من ذلك كما لا يملكون إسقاط حقهن من دية الخطأ.
وهذا كله إذا عفى الذكران في قول واحد.
وأما إذا عفى أحدهم ثم سمع به الآخر، فعفى فلا يسقط ذلك حق من معهم من أخت، أو زوج، أو زوجة من الدية؛ لأنه مال ثبت بعفو الأول، وهو قول [ابن المواز] (١).
[ووجهه] (٢) أنه إذا عفى أحدهما [فقد ثبت لسائر الورثة حقهم من الدية، فإذا عفى بعض من بقى فإنه] (٣) قد أسقط حقه من الدية، ولا يتعدى ذلك إلى حق غيره.
وأما البنات [مع الإخوة وعلى باقي الإخوة، وهو قول أشهب في الموازية] (٤).
والثاني: أنه لا يجوز عفو الإخوة إلا مع البنات أو من بعض البنات، ولا عفو للبنات إلا مع عفو الإخوة وبعض البنات، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب الديات" [وأما البنات والعصبة، أو الأخوات مع العصبة، فقد اختلف المتأخرون في تأويل ما وقع في المدونة اختلافًا
_________________
(١) في ب: ابن القاسم.
(٢) في أ: ووجهها.
(٣) بياض في ب.
(٤) سقط من أ.
[ ١٠ / ٢٥٥ ]
يوجب القسمة في المسألة وتحصيلها أن نقول، وبالله التوفيق لا يخلو الميراث من وجهين:
أحدهما: أن يحيط به البنات والأخوات.
والثاني: أن يبقى فيه مدخل للعصبة.
فإن أحاط به البنات والأخوات كالبنت، والأخت، وكالبنتين، والأخت، أو الأخوات فلا يخلو الدم من أن يكون قد ثبت ببينة أو بقسامة، فإن ثبت ببينة فلا حق للعصبة معهن في عفو ولا قود، فإن ثبت الدم بقسامة العصبة، ففي ذلك قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أن من قام بالدم، فهو أولى به كان البنات والأخوات أو العصبة وهو قول ابن القاسم في "كتاب الديات" من "المدونة".
والثاني: أن العصبة أحق بالقيام بالدم، والعفو؛ لأن الدية إنهما ثبتت بأيمانهم، وهو قوله في أول الكتاب، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في "العتبية"] (١).
وأما الوجه الثاني: إذا بقى للعصبة مدخل في الميراث؛ مثل أن تكون بنتًا، أو عصبة فلا يخلو من أن يثبت الدم ببينة أو بقسامة.
فإن ثبت الدم ببينة، ففي ذلك قولان:
أحدهما: أن من قام بالدم [فهو] (٢) أحق به، ولا عفو إلا باجتماعهم عليه، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وهو أصله.
والثاني: أن النساء أحق بالقيام والعفو؛ لأنهن أقرب درجة من الرجال، وهي رواية مطرف عن مالك.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ١٠ / ٢٥٦ ]
وهذا القول قائم من "المدونة" من قوله في أول الكتاب [في] (١) البنت: ليس لها ذلك؛ لأن الدم إنما استحقه العصبة بقسامة، فمفهومه أنه لو كان ببينة كان لها ذلك، ويكون له العفو دون العصبة، وإن شاركوها في الميراث، وإلى هذا التخريج ذهب بعض حذاق المتأخرين كأبي محمَّد عبد الحق وغيره.
فإن ثبت الدم بقسامة، ففي ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أن من قام بالدم، فهو أحق، ولا عفو إلا باجتماع منهم، وهو قوله في "المدونة".
والثاني: أن العصبة أولى بالدم، ولا حق للنساء معهم فيه؛ لأن الدم إنما ثبت بقسامتهم، وهو قوله في الكتاب وإذا قالت البنت: أنا أعفو، فقال ذلك لها؛ لأن الدم إنما استحقه العصبة، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
واختلف في حكم الجد مع الإخوة في الدماء على قولين:
أحدهما: أنه كأخ معهم، وهو قوله في "المدونة".
والثاني: أن الجد لا حق له مع الإخوة في القيام بالدم، وهو كالأجنبي، وهو قول أشهب.
وعلى القول بأن الجد كالأخ في الدم، فمن عفى منهم جاز عفوه.
فإن كان الدم لا يثبت إلا بقسامة، فإن كان القتل خطأ، فإن الجد يحلف ثلث الأيمان إذا كان الإخوة ثلاثة فصاعدًا.
فإن كان القتل عمدًا، فهل تقسم الأيمان علي عددهم أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
_________________
(١) في أ: من.
[ ١٠ / ٢٥٧ ]
أحدهما: أن الجد يحلف ثلث الأيمان، وهو نص قوله في "الكتاب".
والثاني: أن الأيمان تقسم على عددهم؛ لأن الجد كواحد منهم.
ولا فائدة للتفاوت بينهم في الأيمان؛ لأنهم لو استعانوا بقسامة الجد على مذهب من جعله منهم كالأجنبي لقسمة الأيمان بينهم على عددهم.
فإن كان ولي الدم واحدًا، فإنه يطلب من قومه من يقسم معه ممن تنتهي إليه ولاية الدم يومًا ما، وإن بعد في الحال؛ إذ لا يقسم بحلف في العمد أقل من رجلين.
فإن لم يجد من يقسم جملة، فإن الدم يبطل.
فإن كان ولاة الدم خمسين رجلًا، وهم في التعدد سواء، فتطوع الاثنان منهم بحمل الخمسين يمينًا، هل يجزئهم ذلك أو لابد من أن يحلفوا كلهم؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك جائز، وهو قول ابن القاسم، وهو ظاهر "المدونة".
ولم يعد من لم يحلف من بقية الأولياء ناكلًا؛ لأن الدم قد قيم به.
والثاني: أنهم لابد لهم أن يحلفوا كلهم، ولا يجوز أن يحلف بعضهم، وهو كالنكول ممن لم يحلف منهم، وهو قول أشهب والمغيرة وابن الماجشون.
فإن كان عددهم أكثر من خمسين وهم في التعدد سواء، فهل يجزئهم إن حلف منهم خمسون أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك يجزئهم إن حلف منهم خمسون خمسين يمينًا، ولا
[ ١٠ / ٢٥٨ ]
يعد من بقى ناكلًا لتمام القسامة بخمسين يمينًا، وهو قول ابن القاسم وأشهب، والمغيرة، وغيرهم من أصحاب مالك، وهو ظاهر "المدونة".
والثاني: أنه لابد أن يحلف كل [واحد منهم يمينًا، وإن كانوا مائة وإلا لم يستحقوا الدم، وهو قول] (١) ابن الماجشون على ما نقله [القاضي] (٢) أبو الوليد بن رشد.
فإن كان وليّ الدم [صبيًا صغيرًا، وكان معه من الإخوة الكبار اثنان فصاعدًا فإنهم] (٣) يقسمون، ويستحقون الدم، ولا ينتظرون كبر الصبي؛ لئلا تبطل الدماء، فإن قسموا [فلهم أن يقتلوا، وإن عفوا فعفوهم جائز، وإن كان على الدية فأكثر.
وإن كان عفوهم] (٤) على أقل من الدية أو على غير الدية، فللصغير نصيبه من الدية كاملًا.
فإن كان مع الصغير من أولياء الدم رجل واحد ممن يجوز عفوه، فلا يستحق الدم بقسامة إلا أن يجد من العصبة، أو من العشيرة من يقسم معه ممن يلتقي معه على أب معروف.
فإن وجد رجلًا واحدًا حلف كل واحد منهما خمسًا وعشرين يمينًا، فإن وجد أكثر من ذلك قسمت الأيمان على عددهم.
فإن لم يجد أحدًا فإنه يحلف وحده خمسًا وعشرين يمينًا، ثم يحبس
_________________
(١) بياض في ب.
(٢) زيادة من ب.
(٣) بياض في ب.
(٤) بياض في ب.
[ ١٠ / ٢٥٩ ]
القاتل حتى يبلغ الصبى [فيحلف ما بقى من الأيمان، وهذا نص قول ابن القاسم في "المدونة"، والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) سقط من أ.
[ ١٠ / ٢٦٠ ]
المسألة التاسعة في نكول الأولياء أو بعضهم عن أيمان القسامة
والكلام في هذه المسألة في فصلين:
أحدهما: النكول.
والثاني: العفو.
فأما الفصل الأول: وهو النكول عن أيمان القسامة، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون [ذلك] (١) في [دم] (٢) العمد.
والثاني: أن يكون في دم الخطأ.
فإن كان النكول في دم العمد، فلا يخلو من أن يكون النكول من جميع ولاة الدم، وإما أن يكون من بعضهم.
فإن كان النكول من جميع ولاة الدم، فلا يخلو من أن يكون وجوب القسامة بقول الميت، أو بشاهد على القتل، وإما أن تجب بشاهدين.
فإن وجبت القسامة بقول الميت: دمي عند فلان أو بشاهد عدل على القتل، ففي ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الأيمان ترد على أولياء القاتل؛ فإن حلف منهم خمسون رجلًا يمينًا برئ القاتل، ولا يحلف هو معهم، ولا يجبر الأولياء على الأيمان إلا أن يتطوعوا بذلك.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ١٠ / ٢٦١ ]
فإن لم يجدوا إلا أقل من خمسين رجلًا حلفوا خمسين تردد عليهم إن طاعوا بذلك، وليس لهم أن يجعلوا القاتل يحلف معهم، فإما حلفوها كلها وإلا حلفها المدعى عليه وحده كلها.
فإن أبى أن يحلف سجن حتى يحف. وهو قول سحنون في "العتبية".
فإن طال سجنه، هل يخلى أو [يسجن] (١) أبدًا [فعلى قولين:
أحدهما: أنه يسجن أبدًا] (٢) وهو قول مالك في المدونة وغيرها.
والثاني: أنه يخلى سبيله، وهو قول ابن الجلاب.
والقول الثاني: [أن] (٣) الأيمان ترد على أولياء المدعى عليه، فيحلف خمسون رجلًا، أو أقل منهم تردد عليهم، ويحلف فيهم المتهم، فإن لم يجدوا غير المتهم، أو نكلوا فإنه يحلف خمسين يمينًا وحده، وهو قول ابن القاسم في "المجموعة".
والثالث: أن المدعى عليه يحلف وحده، ولا يكون له أن يستعين بأحد من ولاته في الأيمان كما يكون ذلك لولاة المقتول، وهو قول مطرف في "الواضحة"، وهو ظاهر قوله في "الكتاب".
فأمَّا إن كانت القسامة وجبت بشاهدين على القتل، ففي رد الأيمان على القاتل قولان:
أحدهما: أنها ترد على المدعى عليه، فيحلف ما مات من ضربى، فإن نكل سجن حتى يحلف، فإن حلف ضرب مائة وسجن سنة، فإن أقر قتل، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وبه قال ابن الماجشون.
_________________
(١) في أ: يستحق.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ١٠ / ٢٦٢ ]
والثاني: أن الأيمان لا ترد عليه، ولا يحلف؛ لأن يمينه إن حلف يمين غموس، وهو قول أشهب، وأصبغ، وابن عبد الحكم في "الموازية".
وقال القاضي أبو الوليد بن رشد: فعلي هذا القول إن أقر لم يقتل.
وأما حكم الجرح إذا نكل الأولياء عن القسامة، فحكى ابن المواز عن ابن القاسم فيه قولين:
أحدهما: أنه يقتص من الجارح للمجروح -حلف المدعى عليه أو نكل- لأن الجرح قد ثبت بشهادة شاهدين، ولا شيء عليه من العقل في النفس.
والثاني: أنه يقتص منه للمجروح ودية النفس في ماله.
وقال ابن المواز: وهذا القول ذكره ابن القاسم عن مالك، ولم يصح عند غيره.
وأما إن كانت القسامة بشاهد واحد على القتل، فهل يقتص من الجارح أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يقتص منه -حلف القاتل خمسين يمينًا أو نكل عنها- لأن الجارح لا يقتص منه إلا [بيمين] (١) المجروح، فأما يمين ورثته فلا؛ إذ لا يحلفون على الجرح. هذا قول محمد بن المواز، وهو الصواب.
والثاني: أنه يقتص من الجارح إذا كان الضرب جرحًا [معريًا] (٢) مع ضرب مائة وحبس عام لنكوله عن القسامة، وهو قول ابن القاسم على ما حكاه ابن المواز.
واختلف في نكول المدعى عليه عن الأيمان على قولين:
أحدهما: أنه يحبس إلى أن يحلف.
_________________
(١) في أ: بعد يمين.
(٢) سقط من أ.
[ ١٠ / ٢٦٣ ]
والثاني: أنه تلزمه الدية في ماله بنكوله.
وحكى القولين في المذهب القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب.
فعلى القول بأنه يحبس إلى أن يحلف، فإن طال حبسه، ففيه قولان:
أحدهما: أنه يخلى سبيله، وهذا القول قد رواه القاضي عبد الوهاب، وبه قال ابن الجلاب.
والثاني: أنه يحبس أبدًا حتى يحلف، وهو قوله في "العتبية" و"الموازية"، وحكى فيه ابن المواز إجماع أهل المذهب.
والخلاف كما ترى.
فأمَّا إن كان النكول من بعض ولاة الدم، فلا يخلو من أن يتساووا في التعدد أم لا.
فإن تساووا في التعدد، ففي ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الرسم والدية يبطلان، ولا يكون لمن بقى أن يقسم، ويستحق الدية أو القصاص، وهو قول ابن القاسم في "المدونة". [وبه قال عبد الملك.
والثاني: أن الدم يبطل، ويحلف من بقى من الأولياء، فيأخذ حظه من] (١) الدية، وهو قول أشهب.
والثالث: أن ينظروا إلى نكوله؛ فإن [كان على وجه العفو، والترك لحقه حلف من بقى؛ وكانت له الدية، وإن كان على وجه التحرج] (٢) والتورع حلف من بقى وقتلوا، وهو قول ابن نافع.
_________________
(١) بياض في ب.
(٢) بياض في ب.
[ ١٠ / ٢٦٤ ]
فإن اختلفوا في التعدد، وبعضهم أقعد بالميت ممن يجوز عفوه، وبعضهم أبعد ممن لا يجوز عفوه مثل أن يكون من العصبة، واستعان به الأقرب في أيمان القسامة، فإن نكل الأقرب بطل الدم، ولا قيام للأبعد، وإن نكل الأبعد فلا يبطل الدم، ويطلب الأقرب من يقسم معه من بقية العصبة.
وأما الوجه الثاني من الفصل الأول: إذا كان النكول في دم الخطأ، وكان النكول [من] (١) جميع الأولياء أو من بعضهم، فقد اختلف المذهب في ذلك على خمسة أقوال:
أحدها: أنها ترد الأيمان على [العاقلة فيحلفون كلهم، ولو كانوا ألفًا، والقاتل كرجل منهم، فمن حلف لم يلزمه شيء، ومن نكل لزمه ما يجب عليه من الدية وهو] (٢) أحد قولي ابن القاسم عن مالك في "العتبية".
والثاني: أنه يحلف من العاقلة خمسون رجلًا [يمينًا يمينًا] (٣)؛ فإن حلفوا برؤوا وبرئت العاقلة من جميع الدية، وإن حلف بعضهم برئ من حلف منهم [ولزم] (٤) بقية العاقلة الدية كاملة حتى يتموا خمسين يمينًا، وهو القول الثاني لابن القاسم في "العتبية"، وقد نقله أبو الوليد بن رشد.
والثالث: أن من نكل منهم، فلا حق له من الدية أو نكلوا جميعًا، فلا ترد له الأيمان على العاقلة؛ لأنها لا ترد على معروفين، ولا على
_________________
(١) في أ: في.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: ولزمه.
[ ١٠ / ٢٦٥ ]
من لهم [عليه] (١) حق؛ لأن الدية [إنما تجب يوم تفرض، وهو قول عبد الملك في الموازية.
والرابع: أن الأيمان] (٢) ترجع على المدعى عليه وحده، فإن حلف برئ، وإن نكل لم يلزم العاقلة بنكوله شيء؛ لأن العاقلة لا تحمل الإقرار، والنكول كالإقرار، وإنما هو بنكوله شاهد على العاقلة، وهي رواية ابن وهب عن مالك في "الموازية"، و"كتاب ابن عبدوس".
والخامس: أن الأيمان ترد على العاقلة؛ فإن حلفت [برئت] (٣) وإن نكلت غرمت نصف الدية، وهذا القول حكاه أبو الوليد بن رشد، ولم يسم قائله.
وأما الفصل الثاني: إذا عفى أحد الأولياء عن الدم بعد ثبوته بالبينة أو بالقسامة، أو أكذب نفسه بعد القسامة، ففي ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الدم والدية يبطلان، ولا يكون لمن بقى شيء من دية، ولا قصاص، وهو قول ابن الماجشون.
والثاني: أن لمن بقى من الأولياء، ولم يعف، ولا أكذب نفسه حظه من الدية.
والثالث: أنه إن عفى كان لمن بقى حظوظهم من الدية، وان أكذب نفسه لمن يكن لم بقى شيء من الدية، وإن كانوا قد قبضوها ردوها، وهو مذهب ابن القاسم في "المدونة" وغيرها.
فرع غريب
فيمن أشهد لرجل أنه قتله، فقد وهب له دمه؛ فروى أبو زيد عن ابن
_________________
(١) في أ: عليهم.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: برئ.
[ ١٠ / ٢٦٦ ]
القاسم في "العتبية" فيمن قال: ليتني أجد من يقتلني، فقال له رجل: فأشهد [لي] (١) أنك وهبت لي دمك وعفوت عنه، وأنا أقتلك فأشهد [له] (٢) بذلك فقتله، فقد اختلف فيه أصحابنا، وأحسن ما رأيت أن يقتل؛ لأنه عفى عن شىء قبل أن يجب له، وإنما [وجب] (٣) لأوليائه بخلاف عفوه عنه بعد علمه أنه قتله، ولو أذن له بقطع يده، ففعل لم يكن [عليه] (٤) شيء [والحمد لله وحده] (٥).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: وجبت.
(٤) سقط من أ.
(٥) زيادة من ب.
[ ١٠ / ٢٦٧ ]
المسألة العاشرة في القتيل يوجد بين الصفين
ولا يخلو الصفان من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكونا من أهل العصبية.
والثاني: أن يكون أحد الصفين باغ، والآخر مظلومًا.
والثالث: أن يكونا أو أحدهما من أهل التأويل.
فأمَّا الوجه الأول: إذا كان الصفان من أهل العصبية فافترقا عن قتيل أو جريح، فلا يخلو القتيل أو الجريح من أن يكون من غير الفئتين أو منهما.
فإن كان من غير الفئتين؛ كالحاجز بينهما: فلا يخلو من أن يعلم قاتله أو جارحه ببينة، أو لم يعلم.
فإن علم القاتل بعينه ببينة أو بقول الميت: دمي عند فلان، فإنه يقتص منه في القتل، والجراح إذا ثبت الجرح بشهادة شاهدين، أو بشاهد ويمين.
فإن لم يعلم القاتل أو الجارح بعينه فديته على الفريقين.
وهذا كله قول مالك في "المجموعة" و"الموازية".
قال ابن القاسم [في "الموازية"] (١): وكذلك الحكم إذا لم يعرف من أيّ الفريقين.
فإن كان من أحد الفئتين، فلا يخلو من أن يعلم قاتله، أو جارحه، أو لم يعلم.
_________________
(١) سقط من ب.
[ ١٠ / ٢٦٨ ]
فإن علم قاتله بعينه بشهادة الشاهدين، ففيه القود قولًا واحدًا.
فإن علم بشهادة الشاهد الواحد أو بقول الميت: دمي عند فلان، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يقسم مع قوله، وهو مشهور المذهب، وهو قول مالك وأكثر أصحابه في "المجموعة" و"العتبية"، و"الموازية"، و"الواضحة"، وهو أحد قولي ابن القاسم في "العتبية".
والثاني: أنه لا يقسم فيه مع قوله ولا مع الشاهد الواحد، وهي رواية سحنون عن ابن القاسم في "العتبية".
فقيل: إن ابن القاسم إنما منع القسامة في أحد قوليه مع قول الميت: "دمي عند فلان" في هذه المسألة؛ لأنه كالشاهد لنفسه لكونه كان من جملة المقاتلة، وذلك ليس بشيء؛ لأن ذلك يكر على قاعدة القسامة بالبطلان لوجود ذلك في كل من قال: دَمِّي عند فلان، وفي رواية [ابن واهب عن مالك في "الموازية" أن النايرة دليل يحلف معه المجروح ويقتص] (١) ممن جرحه إذا ثبتت النايرة بينهم ببينة، قال أصبغ: ونزلت فحكم [فيها ابن القاسم بهذا.
فإن ثبتت النايرة بشهادة واحد، فلا يحلف المجروح مع الشاهد] (٢) على [القاتل] (٣)، وليحلف المدعى عليه ويبرأ.
فإن لم يعلم قاتله، فإن ديته على الطائفة التي نازعتهم في أموالهم لا على العاقلة، ولا إشكال في ذلك.
_________________
(١) بياض في ب.
(٢) بياض في ب.
(٣) في أ: القتال.
[ ١٠ / ٢٦٩ ]
واختلف هل ذلك بقسامة أو بغير قسامة على قولين:
أحدهما: أنه بغير قسامة، وهو قوله في "المدونة"، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنه بقسامة، وهو ظاهر قول ابن الجلاب؛ لأنه قال: إن في مثل هذه القسامة مطلقًا.
واتفقوا كلهم على أن على الطائفة التي نازعت لا يقتلوا فيه جميعًا؛ لأنهم لم يتفقوا على قتله؛ وإنما تقتل الجماعة بالواحد إذا تمالوا على قتله، واتفقوا عليه بأسرهم.
وأما من قتل في الصف، فلا يقتل به إلا من باشر قتله إن علم خاصة دون سائر أصحابه لعدم اتفاقهم على قتله، وربما يكون فيهم من لا يرى قتل ذلك إما لدناته، وإما لمودة [ومواصلة] (١) بينه وبينه.
ووجه القول: بأنه لا قسامة فيمن قتل بين الصفين لاحتمال أن يكون قاتله من طائفته، وكم ترك ممن رام أن يرمي عدوه، فوقعت الرمية في بعض أصحابه.
فإن افترقت الطائفتان عن جريح [أو قتيل فقال رجل من إحدى الطائفتين: أنا قتلته والمقتول من غيرها، فطائفة المقتول] (٢) مخيرون إن شاؤوا قتلوه بإقراره، وإن شاؤوا تركوه، وألزموهم الدية، وهو قول ابن القاسم في "العتبية"، و"المجموعة".
وأما الوجه الثاني: إذا كان أحد الصفين باغ، والآخر مظلومًا؛ مثل أن تزحف إحدى الطائفتين إلى الأخرى في منازلهم فقاتلوهم، فوقعت
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ١٠ / ٢٧٠ ]
بينهم القتلى والجرحى، فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون المظلومين قادرين على الانتصاف من الزاحفين بالسلطان، أو غير قادرين.
فإن قدروا على الانتصاف منه بالسلطان والانتصار عليهم من أجله، فكل فرقة [منهم] (١) ضمنت ما أصابت من الأخرى [ولا تبطل دماء] (٢) الزاحفين، وهو قول عليّ عن مالك في "المجموعة".
وإن لم يقدروا على الانتصاف منهم بالسلطان لكون الزاحفين عاجلوهم وضاغطوهم، فليناشدوهم الله، فإن أبوا فالسيف، وهو قول مالك في "المدونة"، وهو قول غيره من أصحابه في "النوادر".
وأما الوجه الثالث: إذا كان إحدى الطائفتين أو كلاهما على التأويل، فإن الدماء والأموال بينهما هدر ولا قصاص ولا دية إلا ما كان قائمًا بأيديهم من الأموال، فإنها ترد إلى أربابها للسنة الواردة في ذلك من السلف رضوان الله عليهم، وقد قدمنا الكلام في بسط ذلك في "كتاب المحاربين" [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: ولا يبطل دم.
(٣) زيادة من ب.
[ ١٠ / ٢٧١ ]
المسألة الحادية عشرة فيما أصاب الدابة بسبب راكبها أو سائقها أو قائدها
ولا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يكونوا مجتمعين.
والثاني: أن يكونوا مفترقين.
فإن كانوا مجتمعين [أعني] (١) الراكب والسائق والقائد فجنت الدابة على شيء، فأفسدته بسببهم، فلا يخلو من وجهين:
إما أن يشتركوا في ذلك السبب، وإما أن يستبد به بعضهم.
فإن اشتركوا فيه جميعًا؛ مثل أن تطأ الدابة برجلها أو بيدها على شيء؛ مثل أن يخرق السائق في سوقها ورد فيها القائد بلجامها، وركضها الراكب، أو ضربها مع ذلك، فإن على كل واحد منهم ثلث ما جنته.
فإن استبد به بعضهم؛ مثل أن يضربها الراكب، فرمحت فالدية عليه وحده، وكذلك إن كانت الجناية بسبب السائق وحده؛ مثل أن يعنف في سوقها، فوطئت على شيء بغير اختيار القائد، والراكب، فإن الدية عليه أيضًا وحده.
وكذلك القائد إذا انفرد بالسبب؛ مثل أن يحيد بها على المنهاج القويم، والمسلك الفاسح إلى مضيق، وهو مقعد للناس، ومحط لحوائجهم فوطئت على شيء، فكسرته أو [كدمته] (٢) فهو ضامن للدية وحده.
_________________
(١) في أ: على.
(٢) في ب: أهرقته.
[ ١٠ / ٢٧٢ ]
وكذلك إن اشترك فيه اثنان منهما، ولا سبب [للثالث] (١) معهما، فإنهما يضمنان الدية، ولا شيء على من صنع له في ذلك السبب.
وهذا كله قول ابن القاسم، وأشهب في "المدونة"، و"المجموعة"، و"الموازية".
فأمَّا إن انفردوا وافترقوا؛ مثل أن يكون الراكب وحده، والقائد وحده، والسائق وحده.
أمَّا القائد إذا انفرد فلا يخلو ما جنت الدابة من أن تطأ عليه، أو تكدمه، أو تضربه برجلها.
فإن وطئت عليه برجلها، أو بيدها فالقائد ضامن لما أفسدته.
وأما ما كدمته أو نفحت برجلها، فأصابت إنسانًا فقتلته، فإنه لا ضمان عليه إلا أن يكون نفحت أو كدمت من شيء صنعه بها [فيحلف] (٢) فيضمن.
وهذا كله قول ابن القاسم في "المدونة"، وهو قول أشهب في "المجموعة"، و"الموازية".
وأمَّا السائق إذا انفرد فهو كالقائد يضمن ما وطئت عليه برجلها أو بيدها [ولا] (٣) يضمن ما كدمته ورمحته إلا أن يكون ذلك بسببه فيضمنه، قاله ابن القاسم في "المدونة".
وأما ما [سقط] (٤) من القرائر من أعلى ظهر الدابة على إنسان، فعطب أو مات، فإن القائد، والسائق ضامنان لديته، وإن كان الحمل
_________________
(١) في أ: للتالف.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: فلا.
(٤) في أ: سقطت.
[ ١٠ / ٢٧٣ ]
لغيرهما، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
وأما الراكب فلا يخلو من أن ينفرد بالركوب، أو أردف غيره.
فإن انفرد بالركوب كان لما وطئت عليه برجلها أو بيدها ضامن.
وأما ما [قضمته] (١) بفيها أو نفحته برجلها، فلا شيء عليه إلا أن يكون ذلك من سببه؛ مثل أن يكبحها أو يحركها، فيضمن ما كدمت أو نفحت.
وإن كان بغير سببه فلا يضمن.
وإن كان اللجام بيده فقد تقدم، وهو عاقل.
وهو قول مالك في "المدونة".
وأما إن أردف رديفًا فما أصابت الدابة بصدم أو وطء، فهو من المقدم؛ لأن لجامها بيده وهو المسير لها إلا أن يكون الرديف ضربها، أو حركها فرمحت فضربت إنسانًا، فقتلته فتكون ديته على عاقلة الرديف.
وأما إن كان من جنايتها بكدم أو نفح، فهذا ليس من السير، فإن كان سببه أحدهما فهو المنفرد بالضمان -مقدمًا كان أو متأخرًا- وإن كان من سببهما اشتركا في الضمان.
وإن كان من فعل [غيرهما فانظر. فإن كان من فعله] (٢) آدمي أذعرها، أو نخسها فرمحت، فهو ضامن.
فإن كان من سبب غير آدمي كخيال أذعرها فهو هدر.
فهذا كله قول مالك، وابن القاسم [في المدونة] (٣) وأشهب معهما
_________________
(١) في أ: كدمته.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ١٠ / ٢٧٤ ]
في "الموازية".
فإن كان المقدم صبيًا، والرجل خلفه فما وطئت الدابة، فهو على الصبي إن كان قد ضبط الركوب؛ لأن ما وطئت عليه الدابة عند مالك، فهو على المقدم إلا أن يكون المؤخر قد صنع بها شيئًا على ما وصفنا.
وكذلك الرجل يقود القطار [فيطأ] (١) البعير من أول القطار، أو من آخره على رجل، فعطب فهو ضامن أيضًا.
وهذا كله قول مالك في "المدونة" وغيرها.
وأمَّا من سقط عن دابته على إنسان، فمات الذي وقع عليه، فإن دم الواقع من على دابته هدر، وأما دم الذي وقع عليه فهو ثابت وديته على عاقلة الواقع، وهذا نص قول مالك في المدونة وغيرها.
تم الكتاب بحمد الله وعونه، والصلاة التامة الكاملة على سيدنا ونبينا محمَّد خيرة خلقه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
وكان الفراغ من نسخه في رابع رجب من سنة ثلاث وستين وسبعمائة بعد صلاة العصر، وكتبه لنفسه العبد الفقير إلى الله تعالى: عبد الله بن عمر بن يوسف الزواوي المالكي، غفر الله له ولوالديه، ولمن دعى له ولوالديه بالمغفرة؛ إنه مجيب الدعوات.
_________________
(١) في أ: فيها.
[ ١٠ / ٢٧٥ ]