تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها: سبع عشرة مسألة.
المسألة الأولى في زكاة الإبل
وقد جرى في المدونة في ترتيب زكاة الإبل ما فيه كفاية على ما في كتاب ابن حزم، ومثلها في صحيفة كتب بها أبو بكر الصديق ﵁يذكر أنها الزكاة التي أمر بها رسول الله - ﷺ -.
والحديث على ترتيبه ونظامه [يشتمل] (١) على اثنى عشر نصابًا، وهي خمسة، وعشرة، وخمسة عشر، وعشرون، وخمسة وعشرون، وستة وثلاثون، وستة وأربعون، وإحدى وستون، وستة وسبعون، وإحدى وتسعون، وما بعد العشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.
واختلف في ثالث عشر، وهو أحد وعشرون ومائة، هل هو نصاب قائم بنفسه، أو لا حكم للواحدة؟
وهذه النصب اشتملت على صنفين من الصدقة؛ غنم وإبل.
فالغنم صدقته أربعة نصب؛ [نصاب] (٢) خمسة [وعشرة] (٣) وخمسة عشر وعشرون، في كل خمسة شاة.
والإبل صدقة ما بعد هذه الأربعة وهي خمسة [أسنان] (٤): بنت
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٢ / ٣١٥ ]
مخاض، وابن لبون، وبنت لبون، وحقة، وجذعة فبنت مخاض، وابن لبون: ذكر صدقة نصاب واحد؛ وهو خمسة وعشرون.
وبنت لبون صدقة ثلاثة نصب ستة وثلاثون، وستة وسبعون: ففيهما ابنتا لبون.
وما زاد على عشرين ومائة، ففي كل أربعين: [ثلاث بنات] (١) لبون.
والحقة [صدقة] (٢) ثلاثة نصب؛ ستة وأربعون، واحد وتسعون: ففيها حقتان، وما زاد على العشرين ومائة في قوله [: وفي كل] (٣) خمسين حقة، والجذعة صدقة نصاب واحد، وهو واحد [وستون] (٤) والوقص ما بين الفريضتين، وأقله في الإبل أربعة، وهو ما بين خمسة وعشرة، وأكثره على قول ابن القاسم بالانتقال من الحقتين إلى ثلاث بنات لبون إذا زادت واحدة على مائة وعشرين [إلى تسع وعشرين] (٥) وهو ما بين أحد وتسعين إلى أحد وعشرين ومائة، وكذلك يأتي على قول [مالك] (٦) بالتخيير.
وأما قول الآخر بالتمادي على الحقتين إلى تسع وعشرين [ومائة] (٧) فيأتي أكثر الوقص ثمانية وثلاثون.
واختلف في هذه الجملة في ثلاثة مواضع:
_________________
(١) في أ: بنت.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في جـ: وتسعون.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
[ ٢ / ٣١٦ ]
[أولها] (١) في خمس وعشرين إذا لم تكن فيها بنت مخاض، ولا ابن لبون ذكر، [والثاني] (٢) في إحدى وعشرين ومائة، [والثالث] (٣) في المائتين.
وأما الخمسة والعشرون: فإنها لا تخلو من أربعة أوجه:
إما أن تكون فيها السنان جميعًا، أو يعدما جميعًا، أو يكون فيها أحدهما على البدل.
فإن كان فيها أحد السنين: كان الواجب فيها [الموجود] (٤) لا غيره.
فإن كان فيها السنان جميعًا: كان الواجب بنت مخاض من غير خيار.
واختلف إذا تراضيا جميعًا -رب المال والساعي- على أخذ ابن لبون ذكر على قولين:
أحدهما: الجواز، وهو قول ابن القاسم في كتاب محمد.
والثاني: أنه لا يجوز، وهو قول أشهب.
وفي "المدونة" ما يدل على القولين جميعًا؛ لأن أبن القاسم خيره في المائتين بين أربع حقاق أو خمس بنات لبون.
ولا فرق في التحقيق بين الموضعين إلا التعلق بقوله: فإن فلم تكون بنت مخاض، فابن لبون ذكر.
وسبب الخلاف: هل ذلك من باب البدل، أو ذلك من باب إخراج القيم في الزكاة؟
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: المأخوذ.
[ ٢ / ٣١٧ ]
فمن رأى أنه من باب البدل جوزه، ومن رأى أنه من باب إخراج القيمة منع.
وإن عدم منها السنان جميعًا، هل يخير الساعي على صاحب الإبل أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا خيار له، ويجبر رب الإبل على أن يأتي بابنة مخاض على ما أحب أو كره، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أن الساعي مخير إن شاء كلفه بنت مخاض، وإن شاء بابن لبون ذكر، وهو تأويل ابن المواز على قول ابن القاسم في المدونة؛ لاستشهاده بقول مالك في المائتين.
وعلى القول بأنه لا خيار للمصدق فإذا لم يلزمه بنت مخاض حتى أحضر صاحب الإبل ابن لبون ذكرًا، هل يجبر المصدق على قبوله أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أنه يجبر على قبوله، ويكون بمنزلة ما لو كان فيها، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه لا يجبر، وهو قول أصبغ؛ لأنه لما عدم في الإبل كان الساعي على أمره كما لو كان السنان في الإبل.
والحكمة في كون الشارع جعل ابن لبون عوضًا من بنت مخاض إذا عدمت؛ وذلك أن بنت مخاض لها مزية الأنوثية، والإناث في الإبل عند العرب أفضل من الذكران للنسل والدر، وابن اللبون له مزية السن؛ لأنه أكبر من بنت مخاض، فكان ما فات للمساكين من جودة بنت مخاض في الأنوثية استدركوه في كبر [سن] (١) ابن لبون وكثرة لحمه.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٢ / ٣١٨ ]
غير أن الشارحين اختلفوا في معنى قوله في الحديث: "فإن لم يجد بنت مخاض، فابن لبون ذكر" (١)، وما فائدة قوله: ذكر؟
لأن قوله: ابن لبون مغني عن زيادة التذكير؛ فقيل: هو تأكيد كما قال تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ (٢)، والسود هو الغرابيب.
وقيل: بل فسره بقوله: ذكر إذ من الحيوان ما ينطلق عليه ابن، على ذكره وأنثاه كابن عرس، وابن آوى، وابن [ميرة] (٣) ليرفع الإشكال لكي لا يتوهم متوهم أن الذكر والأنثى فيه سواء.
والموضع الثاني: إذا زاد واحد على مائة وعشرين من الإبل، هل يتغير الفرض به أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الساعي مخير إن شاء أخذ حقتين أو ثلاث بنات لبون، وهو قول مالك في المدونة.
والثاني: أن فيها ثلاث بنات لبون، ولا خيار للمصدق في ذلك، وهو قول ابن القاسم في المدونة على رأي ابن شهاب.
والثالث: أن فيها [حقتين] (٤) ولا خيار للمصدق، وهو قول مالك في "المبسوط" وغيره، وبه أخذ المغيرة، ومحمد بن مسلمة وأشهب، وابن الماجشون.
وسبب الخلاف: اختلاف الأصوليين في الحكم المتعلق بما له أول وآخر
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٨٠).
(٢) سورة فاطر الآية (٢٧).
(٣) في جـ: فترة.
(٤) في ب: حقتان.
[ ٢ / ٣١٩ ]
من الأسماء، هل يتعلق بأوائلها أو بأواخرها؟ وذلك أن النبي - ﷺ - قال: "ما بعد مائة فما زاد ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة" (١) والزيادة في هذا الموضع أقلها واحد، وأعلاها عشرة.
وهل يعتبر الحكم بأقل الزيادة، أو لا يغيرها إلا [عشرة] (٢)؟
فإن نظرت إلى مجرد قوله ﵇: "فما زاد" وجب أن يناط الحكم بأقل ما يقع عليه اسم الزيادة، وإن نظرت إلى المعنى، وأن الفرض بعد المائة والثلاثين لا يتغير [الحكم] (٣) إلا بزيادة العشرة وجب ألا [ينفي] (٤) الحكم عن حقتين إلا بزيادة العشرة، وهذا مثار الخلاف في المسألة.
وأما القول بتخيير الساعي، فقد اختلف أرباب المذهب في تأويله:
أما أشهب فقال: إن أخذ ثلاث بنات لبون، فإنما أخذها عن عشرين ومائة؛ لقوله: "في كل أربعين بنت لبون"، وليس في الواحدة شىء؛ لأنها وقص.
وإن أخذ حقتين [فإنما أخذهما عن] (٥) مائة؛ لقوله ﵇: "في كل خمسين حقة"، وليس في أحد وعشرين شىء؛ لأنه وقص.
والذي قاله خلاف الظاهر.
ومنهم من قال: معنى ذلك أن الساعي لما تعارضت لديه الأدلة وتساوت عنده الاحتمالات؛ لأن المخير كالمجتهد إذا تعارضت عنده الأدلة
_________________
(١) تقدم.
(٢) في ب: أعلاها.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: يتغير.
(٥) في أ: فعن.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
، ولم يجد السبيل إلى الترجيح كان مخيرًا إن شاء أخذ بدليل الحظر أو بدليل الإباحة [وأيضًا فتخيير المالك أولى إذا أشكل الأمر من غير استباحة منه للمحارم، وهذا الذي قاله ظاهر] (١).
قال أبو الحسن اللخمي: هذا التأويل غير صحيح وليس للمصدق أن يحكم في مسألة اختلاف بما يراه؛ لأنه ليس بحاكم، ولا أقيم لذلك، وإنما هو وكيل على القبض، فإذا خالفه المأخوذ منه الذي هو رب المال كان الأمر إلى من يحكمانه [بينهما من فقيه وغيره، فتخيير المالك إذا أشكل الأمر أولى من تخيير الساعي؛ لأنه الغارم، وهذا الذي قاله ظاهر لمن تأمله] (٢).
وأما الموضع [الثالث] (٣): إذا كانت [مئتان] (٤) من الإبل فلزكاتها طريقان، فإن زكيت بقوله ﵇: "ففي كل خمسين حقة": كان فيها أربع حقاق، وإن زكيت بالأربعين كان فيها خمس بنات لبون.
واختلف إذا كانت فيها الحقاق وبنات اللبون على ثلاثة أقوال:
أحدهما: أن الحكم في ذلك إلى المصدق، ويأخذ بأي الطريقين شاء، وهو المقدم على صاحب الإبل، وهو قول مالك وابن القاسم في المدونة.
والثاني: أن الحكم لصاحب الإبل، وهو مقدم على الساعي -كانت السنان في الإبل أو عدما وهو قول القاضي أبي محمد عبد الوهاب.
والثالث: التفصيل بين أن يكون السنان في الإبل، فيكون الحكم إلى
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من أ.
(٤) في الأصل: ما يعان.
[ ٢ / ٣٢١ ]
الساعي، وبين أن يعدما فيكون الحكم لصاحب الإبل، وهو قول مالك في كتاب ابن المواز.
وسبب الخلاف: هل الساعي مقدم على رب المال؟ أو رب المال مقدم على الساعي؟ وهو الأظهر لحديث ابن مسلمة أنه كان لا يساق إليه شيء فيه وفاء بحقه إلا أخذه.
وهذا كله فيما لم تكن الحقاق [قوام] (١) ماله وخياره.
فإن كانت هي [القوام] (٢) والخيار: لم يكن للساعي إلا بنات لبون [ولا يجوز للساعي إلا بنات لبون] (٣)، ولا يجوز للساعي أن يتعدى فيأخذ غير السن الذي [وجب] (٤) له في الجودة إلا برضاء رب المال كأخذ بنت لبون عن بنت مخاض.
واختلف إذا أخذ الساعي الأعلى، وإذا ثمنها وأخذ الأدنى، وزيادة الثمن على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك جائز، وهو قول مالك في "مختصر ما ليس في المختصر".
والثاني: أن ذلك لا يجوز، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثالث: [أنه] (٥) مكروه. فإن نزل، فإنه يمضي، وهو قول ابن القاسم، وأشهب في "المجموعة".
_________________
(١) في أ: قوائم.
(٢) في أ: القوائم.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: أن ذلك.
[ ٢ / ٣٢٢ ]
وهذا الخلاف ينبني على الخلاف في شراء الرجل صدقة ماله، وسنعقد عليه مسألة [مفردة] (١) إن شاء الله، وهو حسبي ونعم الوكيل [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من جـ.
[ ٢ / ٣٢٣ ]
المسألة الثانية في زكاة الغنم
والأصل فيها قوله - ﷺ -: "في سائمة الغنم الزكاة إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة، فإن زادت على عشرين ومائة إلى مائتين كان فيها شاتان، فإن زادت على مائتين إلى ثلاثمائة، ففيها ثلاث شياه، فما زاد على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة عن أربعين شاة [شاة] (١) واحدة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها [إخراجها] (٢) ".
أخرجه البخاري في صحيحه (٣).
فَوَقَّتَ النبي - ﷺ - في هذا الحديث أربعة نصب؛ أربعين، وإحدى وعشرين ومائة، ومائتين وواحدة، ثم العدد بالمئين في كل مائة شاة، وأقل وقصها ثمانون، وهي ما بين أربعين إلى أحد وعشرين ومائة وأكثره مائتان إلا اثنتين، وهو ما بين مائتين وواحدة إلى أربعمائة.
وأوجب النبي - ﷺ - في النصاب شاة، وفي النصابين شاتين، ولم يأت بيان سنها، ولا صفتها من طريق صحيح.
واختلف المذهب عندنا في السن المأخوذ في الزكاة على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يؤخذ الجذع، والجذعة، والثني والثنية، والضأن، والمعز سواء في ذلك، وبه قال أشهب، وابن القاسم، وهو ظاهر المدونة.
والثاني: أنه لا يؤخذ [إلا] (٤) الإناث من الجذعة، [أو الثنية] (٥)
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) حديث (١٣٨٠).
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٢٤ ]
وهو قول أبي الحسن بن القصار.
والثالث: التفصيل بين الضأن والمعز؛ فيؤخذ الجذع [من الضأن] (١) [والثنية] (٢) من المعز، ولا يكون إلا أنثى، ولا يأخذ الذكر؛ لأنه تيس، وهو قول ابن حبيب.
وسبب الخلاف: اختلافهم في قول عمر بن الخطاب - ﵁ -: "خذ الجذع والثنية" وذلك عدل بين شرار الغنم وخيارها، وهل ذلك اجتهاد من عمر ﵁ أو ذلك مما مضى عليه العمل في زمان النبي - ﷺ -؟
وأيّ [ذلك] (٣) كان فإن التساوي بين المعز والضأن أولى؛ لقول عمر ﵁.
والثنية هي التي أسقطت ثنيتها، وهي ابنة سنتين.
واختلف في سن الجذعة من الغنم على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها بنت سنة، وهو قول علي بن زياد في المجموعة.
والثاني: أنها بنت عشرة أشهر، وهو قول ابن وهب.
والثالث: أنها بنت ستة أشهر، وهي رواية سحنون عن علي بن زياد أيضًا.
والجذعة من الإبل ما أوفى أربع سنين، ودخل في الخامس، ومن البقر سنتين.
وقال ابن نافع: الجذع من البقر ما أوفى سنتين، ودخل في الثالثة مثل
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: والثنى.
(٣) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
الدواب؛ لأن الجذع في الدواب ما دخل في السنة الثالثة.
وهذا الذي ذكرناه في الجذعة والثنية إذا كانت الغنم مختلطة؛ صغارًا وكبارًا، جيدةً ورديئةً.
واختلف إذا كانت جنسًا واحدًا خيارًا كلها أو رداءً أو [ماخض] (١) أو علوفة، أو فحول، أو دنية كلها، [عجاف] (٢) أو ذات عور، أو سخال على أربعة أقوال:
أحدها: أنها كالمختلطة، ويأتى ربها بزكاتها من غيرها، وهو قول مالك في المدونة.
والثاني: أن الساعى يأخذ منها، وإن كانت [خيارًا] (٣) أو شرارًا، إلا أن تكون سخالًا كلها أو مواكل، أو فحولًا كلها فلا يأخذ منها ويأتى بالسن الواجب عليه، أو يكون فيها جذع أو ثنية فيأخذ منها، ويأتي بالسن الواجب عليه، أو يكون فيها جذعة أو ثنية، فلا يأخذ مما فوقها من الخيار مع وجودهما، وهو قول ابن الماجشون في ثمانية أبي زيد.
والثالث: التفصيل بين أن تكون الغنم [رديئة] (٤) كلها أو ماخضًا كلها أو فحولًا كلها، أو سخالًا، فإنه لا يأخذ منها، وبين أن تكون عجافًا أو ذوات عَوَر أو تيوسًا، فإنه يأخذ منها، وهو قول [مطرف] (٥) في "ثمانية أبي زيد".
والرابع: أنه يأخذ من أوساطها واحدة على ما كانت عليه من الشرار والخيار من غير اعتبار بالجذعة والثنية قياسًا على الثمار على أحد الأقوال
_________________
(١) في جـ: مواخض.
(٢) سقط من أ.
(٣) في جـ: جيادًا.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: مالك.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
بناء منه على أن قول عمر إنما خرج مخرج الغالب.
وهذا الخلاف ينبني على الخلاف في السعاة هل يبعثون في سنة الجدب أم لا؟
فمن رأى أن السعاة يبعثون في السنة الجدبة قال: إنه يأخذ من الشرار، وهي رواية ابن وهب، ومن رأى أن السعاة لا يبعثون في سنة الجدب، قال: لا يأخذون من الشرار شيئًا، وهو قول أشهب.
فرع
اختلف أصحابنا في [الرعال] (١) وما تولد بين فحول الظباء وإناث الغنم [هل] (٢) يتم بها النصاب؟ على قولين:
أحدهما: أنه يتم بها النصاب [وتزكى] (٣) وهو قول أبي الحسن بن القصار.
والثاني: أنه لا يتم بها النصاب ولا تحسب مع الأمهات، وهو قول ابن عبد الحكم.
والأول أبين لكون الولد تبع للأم من غير اعتبار بأن يكون الولد شبيهًا بالأم أو بالفحل.
ولا خلاف بينهم فيما تولد بين فحول الضأن، وإناث الظباء أنه لا يزكى، ولا يتم به النصاب من غير اعتبار بالشبه أيضًا؛ لأن الأولاد إنما تضاف في الزكاة إلى الأمهات [والحمد لله وحده] (٤).
_________________
(١) في أ: الوعول.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) زيادة من جـ.
[ ٢ / ٣٢٧ ]
المسألة الثالثة في الصنفين إذا اجتمعا في ملك واحد هل يضم بعضها إلى بعض في الزكاة أم لا؟
ولا خفاء أن الأجناس إذا تقاربت منافعها، وتشابهت خلقتها أنها يضم بعضها إلى بعض، ويكون حكمها في الربا والزكاة والقسمة حكم واحد؛ ولذلك يضم القمح، والشعير، والسلت في الربا والزكاة، وتضم الجواميس إلى البقر، والبخت إلى الإبل العراب، وكذلك يضم المعز إلى الضأن، والأصول موضوعة على أن الشبيه يلحق بشبيهه، وينحى [به] (١) عن ضده.
فأما إذا كانت عنده عشرون ضأنية وعشرون معزة، فإن كان أحد النوعين أكثر من الآخر أخذ الشاة الواجبة منه.
وإن تساويا -كما ذكرنا- هل يخير الساعي أو يأخذ النصف من هذه و[النصف] (٢) من هذه؟
فالرواية على أن الساعي مخير إن شاء أخذها من الضأن، وإن شاء أخذها من المعز، والقياس يوجب التشطير نصفين، وذلك عدل بين الساعي ورب الغنم.
وإذا كانت الغنم عشرين ومائة ضأنًا ومعزًا، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يكون في كل [جنس] (٣) منهما نصاب وتساويا.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: نوع.
[ ٢ / ٣٢٨ ]
أو يكون في كل [جنس] (١) منهما نصابًا وأحدهما أكثر من الآخر.
أو كان في أحدهما [نصاب] (٢) والآخر دون النصاب.
فإن كان في كل جنس منهما نصاب وتساويا، فقد تقدم الجواب فيه.
وإن كان في كل جنس منهما نصاب، وأحدهما أكثر من الآخر؛ مثل أن يكون ثمانين ضأنية، وأربعون معزة، هل الساعي مخير، أو إنما يأخذها من الأكثر؟
قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أن الخيار للساعي إن شاء أخذ من الضأن، وإن شاء أخذ من المعز، وهو ظاهر قوله [في الكتاب] (٣) حيث قال (٤): "فإن كان للرجل ضأن ومعز، فإن كان كل واحد إذا [انفرد] (٥) تجب [فيه] (٦) الزكاة: أخذ من كل واحد".
فعلى هذا يكون الساعي بالخيار في مسألتنا.
والثاني: أنه يأخذ من الأكثر دون الأقل، وهو نص قول مالك في المدونة.
وسبب الخلاف: الأوقاص هل هي مزكاة على النصاب، أو غير مزكاة؟
فمن رأى أن الأوقاص مزكاة: يقول: [إنها تؤخذ من الأكثر. ومن
_________________
(١) في ب: نوع.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) انظر: المدونة (٢/ ٣١٦).
(٥) في أ: فرقت.
(٦) في أ: فيها.
[ ٢ / ٣٢٩ ]
قال: إن الأوقاص غير مزكاة قال] (١) بالتخيير على ما تقدم.
ومعنى قوله أن الأوقاص مزكاة أو غير مزكاة.
وهل الشاة المأخوذة من العشرين ومائة أخذت عن الأربعين خاصة، وبقيت ثمانون وقصًا لا شيء فيها، أو إنما أخذت عن عشرين ومائة جميعًا؟
فإن قلنا: إنها أخذت عن الأربعين خاصة، ويبقى الباقي عفوًا: فنقول بتخيير الساعي؛ لأن الأربعين من المعز لو انفردت لوجبت فيها الزكاة، والأربعون من الضأن لو انفردت [لكانت] (٢) كذلك أيضًا، [وكانت] (٣) الأربعون الزائدة عفوًا.
فإن قلنا: إنها أخذت عن مائة وعشرين [جميعًا] (٤) فإنها تؤخذ من الأكثر دون الأقل، وهذا معنى قوله في الأوقاص، هل هي مزكاة أم لا؟
والخلاف فيها [قائم] (٥) من المدونة من غير ما موضع، وقد نص مالك ﵀ في باب زكاة الخلطاء فيما إذا كان لأحدهما خمس من الإبل، وللآخر أربعة، فأخذ الساعي من أحدهما شاة، فقال مرة: هي على صاحب الخمسة، ولا شيء على صاحب الأربعة.
وقال مرة [أخرى] (٦): بل يترادان بالسوية قيمة الشاتين على تسعة أجزاء [فعلى صاحب الخمسة خمسة أجزاء، وعلى صاحب الأربعة أربعة
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: وكذلك.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٣٠ ]
أجزاء] (١).
وهذا الاختلاف [منه] (٢) ينبني على هذا الأصل.
ومنها: قوله في الكتاب أيضًا فيمن له ثلاثمائة ضانية، وتسعون معزة أن فيها ثلاث شياه من الضأن؛ لأن اثنتين وجبتا في مائة وإحدى وعشرين، فكان الباقي من وقص الضأن أكثر من التسعين من المعز، فلم يلتفت إلى المعز، وهذا فيه بناء على أن الأوقاص غير مزكاة، ومثل هذا في الكتاب كثير.
وأما إن كان في أحدهما نصاب، والآخر دون النصاب فلا يخلو من أن يكون لما دون النصاب تأثير في الزكاة أو لا تأثير [له] (٣).
فإن كان لا تأثير له كمائة ضانية وعشرين معزة، وهذا لا خلاف في المذهب أنه لا يؤخذ من المعز شيء؛ لأن الشاة وجبت في الضأن -كانت المعز أو لم تكن.
فإن كان لها تأثير في الزكاة: فلا يخلو من أن يكون تأثيرها في وجوبها [أو في الزكاة بعد وجوبها، فإن كان تأثيرها في وجوبها] كالتمام من النصاب من الضأن، والمعز: فقد تقدم الجواب عنه.
فإن كان تأثيرها في [الزيادة] (٤) فلا يخلو من أن تجب فيها الزكاة لو انفردت أم لا.
فإن كان لا تجب فيها الزكاة لو انفردت كمائة وعشرين ضانية ومعزة واحدة، فهذا أيضًا لا خلاف فيه أن الشاتين تؤخذان من الضأن.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: لها.
(٤) في أ: الزكاة.
[ ٢ / ٣٣١ ]
فإن كانت وجبت فيه الزكاة أو انفردت مثل مائة وعشرين ضانية وأربعين معزة، فهل تؤخذ الشاتان من الضأن، أو واحدة من الضأن والأخرى من المعز؟
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنها تؤخذ الواحدة من الضأن، والأخرى من المعز، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن الشاتين من الضأن، ولا يؤخذ من المعز شيء؛ لأنه إذا أخذ من الأربعين ضانية شاة، وبقيت ستون، وهي أكثر من أربعين معزة، فيؤخذ من الأكثر، وهو قول سحنون، وهو ظاهر قول [مالك] (١) في المدونة.
وسبب الخلاف: ما قدمناه من الأوقاص هل تزكى أم لا؟ وهكذا [الكلام في] (٢) اجتماع الجواميس مع البقر، والبخت مع الإبل العراب [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) في ب: ابن القاسم.
(٢) سقط من أ.
(٣) زيادة من جـ.
[ ٢ / ٣٣٢ ]
المسألة الرابعة في تحويل الأموال المزكاة بعضها في بعض (١)
فلا يخلو ذلك من أربعة أوجه:
أحدها: أن يحول عينًا في عين.
والثاني: أن يحول ماشية في ماشية.
والثالث: أن يحول عينًا في ماشية.
والرابع: أن يحول ماشية في عين.
فأما الوجه الأول: إذا حول عينًا في عين مثل أن يبدل ذهبًا بورق، أو ورقًا بذهب بعد ستة أشهر، أو ثمانية أشهر: فلا يخلو من أن يكون بادل نصابًا بنصاب، أو بادل دون النصاب بالنصاب، أو بادل النصاب بدون النصاب.
ففي الوجهين الأولين يبنى على ما خرج من يديه باتفاق المذهب؛ لأنهما مالان يضمان في الزكاة، فيبنى أحدهما على حول الآخر.
وأما الوجه الآخر: إذا بادل النصاب بدون النصاب مثل أن يبادل مائتي درهم من عنده بعشرة دنانير أو بالعكس: فلا زكاة عليه فيما أخذ؛ لأنه بادل [ضمانًا بضمان] (٢) ولا تهمة تلحقه، ولا أعلم في المذهب نص خلاف.
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم [وهو] (٣) تحويل الماشية [في
_________________
(١) انظر المدونة (٢/ ٣٢٠، ٣٢١).
(٢) في أ: ضمارًا بضمار.
(٣) في الأصل: وهي.
[ ٢ / ٣٣٣ ]
الماشية] (١) فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يحولها في جنسها.
والثاني: أن يحولها في غير جنسها.
فإن حولها في جنسها كمبادلة غنم بغنم، أو بقر ببقر، أو إبل بإبل على التقسيم الذي قدمناه في العين، فإن بادل النصاب [بالنصاب] (٢) أو بادل دون النصاب بالنصاب هل يبنى على حول الأول أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنه يبنى على حول الأولى فيزكى عليه، وهو قول مالك في المدونة.
والثاني: أنه يستقبل حولًا من يوم أخذ الثانية، وهو قوله في كتاب ابن سحنون، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة في الغنم المستهلكة إذا أخذ في قيمتها نصاب غنم، فقد قال فيها [ابن القاسم] (٣) في أحد الأقوال: أنه لا يبنى على حول المستهلكة.
وهذا الترجيح إنما يصح على قول من يقول إن الاستهلاك المراد في هذه المسألة: التغيير الذي يوجب الخيار لصاحبها، وهو تأويل حمديس على المسألة على ما سنبينه بيانًا شافيًا إن شاء الله تعالى.
وقد ادعى [ابن المواز] (٤) في المسألة إجماع المذهب في أنه [يبنى] (٥) على حول الأولى، وهذا كما تراه، والخلاف منصوص في كتاب ابن
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في جـ: محمد بن سحنون.
(٥) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٣٤ ]
سحنون، وقد نقله الشيخ أبو محمد بن أبي زيد في "النوادر"، ونقله اللخمي [وغيرهما] (١)، وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة أنه يبتدئ الحول من يوم [أفاد] (٢) الثانية.
وسبب الخلاف: مثل الشيء هل هو كعينه أم لا؟ فإن بادل النصاب، وأخذ فيه دون النصاب: فلا خلاف في المذهب أنه لا زكاة عليه.
ولا فرق في جميع ذلك بين أن تكون للقنية أو للتجارة.
فإن حولها في غير جنسها كمبادلة نصاب غنم بنصاب من الإبل أو البقر، أو كان الجنس الذي دفع دون النصاب، فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يستأنف حول الثانية، ولا يبنى على حول الأولى إن كانت نصابًا، وهو قول مالك في المدونة.
والثانى: أنه يبني على حول الأولى، وإن كانت الأولى أقل من نصاب، وهو قول محمد بن مسلمة على ما نقله عنه أبو الحسن اللخمي وغيره.
والثالث: بالتفصيل بين أن تكون الأولى نصابًا، فيبنى على حوله، أو تكون دون النصاب، فيستقبل بالثانية حولًا، [وهو قوله في كتاب ابن المواز] (٣).
فوجه القول الأول: أن هذين مالان لا يجتمعان في الزكاة، فإذا بادل أحدهما بالآخر بطل حول الأولى قياسًا على بدل الماشية بالدنانير على أحد الأقوال.
ووجه القول الثاني: أن هذين ماشيتان تجب الزكاة في كل واحد منهما، فإذا بادل إحداهما بالأخرى لم يبطل حول الأولى، [وترد] (٤)
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: أخذ.
(٣) في ب: وهو قول ابن المواز.
(٤) في أ: وتزكى.
[ ٢ / ٣٣٥ ]
الثانية لحول الأولى كالضأن والمعز.
وأما قول ابن مسلمة فلا وجه له؛ لشذوذه.
وأما الوجه الثالث: وهو تحويل العين في الماشية مثل أن يكون عنده النصاب من العين، فاشترى به نصاب ماشية بعد ستة أشهر، فهل يبنى على حول العين أو لا يبنى؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يستأنف حول الماشية، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أنه يبنى على حول العين، ويزكي الماشية إذا تم الحول من يوم ملك العين الذي به اشترى، وهو قول محمد بن مسلمة.
وكذلك لو باع الغنم التي اشترى بالعين قبل مجيء الساعي، هل يرجع إلى زكاة العين أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يرجع في الزكاة إلى زكاة العين، وهو قول ابن القاسم في المدونة وغيرها.
والثاني: أنه يزكي على حول الماشية، ويحسب الحول من يوم اشتراها، وهو قول مالك في المدونة أيضًا.
والخلاف في هذا ينبني على الخلاف في المسألة الأولى التي تفرعت منها إلى سبب الخلاف في التهمة، هل تلحقه في تأخير الزكاة أم لا؟ كما يتهم في إسقاطها إذا باع الماشية بالعين، على مشهور المذهب؟
فمن اتهمه قال بالبناء على حول العين.
ومن لم يتهمه قال: يبتدئ الحول لبعد التهمة؛ لكونه حول مالًا كان موكلًا إلى إماتته فيما هو موكل إلى نظر غيره، وهو الماشية.
[ ٢ / ٣٣٦ ]
وأما الوجه الرابع: وهو تحويل الماشية في العين مثل أن يكون عنده نصاب ماشية، فباعه بنصاب من العين، فلا يخلو من أن يبيعها قبل أن يزكيها، أو بعد أن زكاها.
فإن باعها بعد أن زكاها، هل يبنى على حول الماشية أو يبتدئ الحول من يوم باعه؟ قولان:
أحدهما: أنه يبتدئ الحول من يوم باع، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة.
ووجهه: عدم التهمة في التحويل لبيعه بعد الزكاة، وبه قال أشهب، ومطرف، وابن عبد الحكم.
والثاني: أنه يزكي العين للحول من يوم زكى الرقاب، وبه قال ابن القاسم، وابن الماجشون، وابن كنانة، وأصبغ.
وحكى القولين عن مالك بن حبيب.
وهذا كله إذا كانت الماشية للقنية.
وإن كانت للتجارة: فإنه يبنى على حول الغنم اتفاقًا، فإن باعها قبل أن يزكيها: فلا يخلو من أن يكون للقنية، أو للتجارة.
فإن كانت للقنية، هل يبنى على حول الماشية، أو يبتدئ؟
فعن مالك في المدونة قولان منصوصان، والتوجيه ظاهر.
وإن كانت للتجارة: فلا خلاف أيضًا أنه يبنى على حول الماشية.
وهكذا الخلاف إذا اشترى بثمنها ماشية أخرى مما تجب الزكاة [في] (١) جنسها، هل يبنى أم يستأنف؟ على قولين:
_________________
(١) في أ: من.
[ ٢ / ٣٣٧ ]
أحدهما: أنه يستأنف بالغنم الثانية حولًا من يوم اشتراها، ولا يبنى على حول الغنم الأولى، ولا على حول الثمن الذي بيعت به، وبه قال ابن المواز.
والثاني: أنه يزكي الغنم الآخرة على حول غنمه الأولى الذي باع والثمن لغو، ويعد ذلك كالمبادلة، وهو قول عبد الملك بن الماجشون.
واختلف في الإقالة إذا باعه ثم استقاله منها فرجعت إليه، هل يبنى على ما مضى من حولها أو يبتدئ الحول من يوم رجعت إليه؟
[على قولين: أحدهما: أنه يستأنف بها حولًا من يوم رجعت إليه] (١) وهو قول ابن المواز في كتابه.
ويتخرج من المذهب قول ثان أنه يبنى على حولها عنده قبل البيع، وهو ظاهر قول مالك في كتاب الشفعة من المدونة؛ لأنه لم ير فيه الإقالة بيعًا حادثًا لتهمتها أن يكون قد قصدا إلى نقض البيع الأول فرارًا من الشفعة، وهذه المسألة أولى بالتهمة في إسقاط الزكاة عن نفسه.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الإقالة، هل هي نقض بيع، أو بيع حادث؟
وكذلك اختلف إذا باع نصابًا من الغنم [ثم] (٢) ردت عليه بعيب، فهل يبنى أو يستأنف؟ على قولين:
أحدهما: أنه يبنى على ما مضى لها عند المشتري، وإن ردها بعد تمام الحول، وقبل قدوم الساعي، فالزكاة فيها على البائع.
ولو ردها بعد أن أخذ الساعي منه بشاة، فإن ذلك على البائع، ولا
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٣٨ ]
شيء على المشتري في الشاة التي أخذ المصدق، وهو قوله في كتاب ابن سحنون، وهو ظاهر قول أشهب في المدونة.
والثاني: أنه يبتدئ الحول من يوم ردت عليه، وأن الشاة التي أخذها المصدق قبل الرد هي على المشتري لا على البائع.
وهذا القول مخرج غير منصوص عليه في المدونة، وهو ظاهر قول ابن القاسم في كتاب الاستبراء.
وينبني الخلاف: على الخلاف في الرد بالعيب، هل هو نقض بيع أو ابتداء؟
وأما الغنم المستهلكة التي التزمنا بيانها فيما سلف فإنها وقعت في المدونة مشكلة.
وسبب إشكالها: خلاف المتأخرين في تأويلها؛ وذلك أنه قال في المدونة فيمن استهلك لرجل غنمًا، فأخذ في قيمتها نصابًا من الغنم، قال: لا شيء عليه حتى يحول عليه الحول [عنده] (١).
ووقع في بعض روايات المدونة، وقد قال عبد الرحمن بن القاسم: يزكي الغنم التي أخذ مكانه؛ لأنه باع غنمًا بغنم والثمن لغو، واختصرها المختصرون كأبي سعيد وغيره: والقيمة لغو؛ فاختلف المتأخرون لاختلاف هذه الروايات.
أما أبو محمد بن أبي زيد، فحمل قوله على الخلاف، وقال: قول ابن القاسم قول ثان، وأن القيمة عنده تطلق، ويراد بها الثمن، والثمن يطلق ويراد به القيمة، وهذا موجود في المدونة في غير ما موضع ولا يكاد يخفى على من تتبع ألفاظها، ولولا التطويل لأسردنا منه كثيرًا هاهنا،
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٣٩ ]
ولكن ننبه على ذلك إذا انتهى بنا التحصيل إلى موضعها إن شاء الله وعلى أن قول ابن القاسم خلاف في الغنم المستهلكة يدل قول سحنون في كتاب أبي محمد، والقول الأول أحسن.
وذهب أبو الحسن القابسي أن الخلاف في البيع في الاستهلاك، ويدل عليه في إحدى الروايات والثمن لغو، والثمن إنما هو في البيع لا في الاستهلاك، وإلى هذا التأويل نحا أبو الحسن اللخمي وغيره.
وذهب آخرون إلى أن الخلاف إنما يتصور إذا لم تفت أعيانها، وإنما فاتت فوتًا يوجب الخيار لربها إن شاء أخذها معينة، وإن شاء ضمنه قيمتها، فيشبه المبادلة.
وأما لو فاتت أعيانها حتى تكون القيمة هي الواجبة عليه على كل حال، فلا ينبغي أن يدخلها الخلاف، وهو تأويل حمديس، وهذا التأويل أظهر في النظر [والله أعلم، والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من جـ.
[ ٢ / ٣٤٠ ]
المسألة الخامسة في فوائد المواشي (١)
ولا تخلو من وجهين:
أحدهما: أن تكون الأولى نصابًا، والثانية نصابًا أو دونه.
والثاني: أن تكون الأولى دون النصاب، والثانية نصابًا أو دون النصاب، إلا أنهما في الضم والجمع فيهما النصاب.
فالجواب عن الوجه الأول:
إذا كانت الأولى نصابًا [والثانية نصابًا] (٢) أو دون النصاب فحال الحول على الفائدة الأول: فلا خلاف -أعلمه- في [المذهب] (٣) أن الفائدة الثانية تضم إلى الأولى، فيزكي الجميع على حول الأولى بخلاف [فوائد] (٤) الدنانير والدراهم على مشهور المذهب.
واختلف في تعليل ذلك؛ فقيل: للضرورة في خروج السعاة؛ لأن خروجهم في الحول مرة، فصار ذلك بين إحدى حالتين ممنوعتين؛ إما أن يكلف الساعي الخروج في السنة مرارًا لتمام أحوال الفوائد المستفادة في أثناء السنة، وذلك مما يضر [بالسعاة] (٥) ومخالف للعمل.
وإما أن يخرج مرة واحدة فيزكي ما حال عليه الحول، ويدع الباقي إلى
_________________
(١) انظر: المدونة (٢/ ٣٢٢: ٣٢٦).
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: المدونة.
(٤) سقط من أ.
(٥) في الأصل: السعادة.
[ ٢ / ٣٤١ ]
قابل، وذلك مما لا سبيل إليه أيضًا؛ لأن ذلك يؤدي إلى إسقاط الزكاة مع وجود النصاب وحلول الحول، فاقتضى النظر والمصلحة أن تزكي الفائدة الثانية على حول الأولى إذا كانت الأولى نصابًا، وهذه العلة مناسبة مخيلة لولا التأثير؛ وهو وجود الحكم، ولا علة على مواضعة الحوليين، وذلك أنه نص في العتبية [فيمن لا سعاة لهم على مثل جوابه فيمن لهم سعاة، وقيل: إن العلة في ذلك أن زكاة الماشية على النصاب فيما] (١) زاد عليه [كان وقصًا] (٢) لا يزكيه حتى يدخل في النصاب الثاني، فيزكي على [هذا] (٣) الجميع لا على الانفراد؛ فلو كانت بيد رجل أربعون شاة، ثم أفاد بعد أربعة أشهر أربعين شاة، ثم أفاد بعد أربعة أشهر أربعين شاة أيضًا: لم يزك على الأربعين علي الانفراد، ولو كان كذلك لزكى [عن] (٤) المائة والعشرين ثلاث شياه.
وكذلك لو كان بيده مائة شاة وواحدة، ثم أفاد مائة: فإنه يزكي عن الجميع ثلاث شياه.
ولو كان [زكى] (٥) كل مال بانفراده على حوله لزكى شاتين، وذلك خلاف للسُّنة؛ ولهذه العلة وجب أن يضم فوائد الأواخر إلى الأوائل إذا كانت نصابًا، والله أعلم.
والجواب عن الوجه الثاني:
إذا كانت الأولى دون النصاب، والثانية نصابًا، أو دون النصاب إلا أنها بالضم والجمع تكون نصابًا: فهذا لا خلاف في المذهب أن الأولى
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: على.
(٥) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٤٢ ]
تزكى على حول الثانية [لعدم العلة] (١) التي قدمناها.
وقد تزكى الماشية في العام الواحد مرتين، وقد تزكى في العامين مرة واحدة؛ وذلك يختلف باختلاف الأحوال، ومثال الأولى: أن يكون عنده نصاب ماشية فزكاها، ثم يبيعها من ساعته فيشتريها من له نصاب ماشية قبل أن [يأتيه] (٢) الساعي، ثم أتاه الساعي، فإن له أن يزكيها أيضًا مع ما عنده، وإن كانت من يومه أو [بموت الأول] (٣) بعد أن زكاها، وللوارث نصاب من جنسها، فإنه يزكيها أيضًا.
ومثال الثاني: أن يقيم نصاب ماشية بيد الرجل حولًا، ثم يبيعها [أو يموت] (٤) قبل مجيء الساعي بيوم، والمشتري أو الوارث لا ماشية له، فإنه يستأنف لها حولًا؛ وذلك أن زكاة الماشية لوجوبها ثلاثة شروط؛ النصاب، والحول، ومجيء الساعي، وكل واحد منها يتوقف على وجود غيره من تلك الشروط ما لم يكن رب الماشية ساعي نفسه، فإذا جاءه الساعي فعد عليه ماشيته أو أخبره بعدتها ثم هلكت الماشية أو بعضها قبل الأخذ من غير تفريط، فإنه يسقط عنه زكاة ما هلك، وهو قول مالك في كتاب محمد، وهذا إذا كانت زكاتها [منها] (٥)، وإن كانت من غيرها كالإبل التي تزكى بالغنم، فإن الزكاة وجبت عليه في ذمته بالسعاية هلكت الإبل، أو بقيت بخلاف التي تؤخذ الزكاة من أعيانها [والحمد لله وحده] (٦).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ، جـ: يطلبه.
(٣) في الأصل: فوت الأولى.
(٤) سقط من أ.
(٥) في الأصل: منه.
(٦) زيادة من جـ.
[ ٢ / ٣٤٣ ]
المسألة السادسة في زكاة الخلطاء (١)
والخليط عند أكثر أصحابنا المالكية هو الذي لا يشارك صاحبه في الرقاب، ويخالطه بالاجتماع والتعاون.
والشريك هو المشارك في الرقاب، فكل شريك خليط، وليس كل خليط شريكًا؛ فالشركة أعم من الخلطة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الآية (٢).
ولا خلاف في مذهب مالك ﵁ أن الخلطة لها تأثير في الزكاة، وذلك [أن] (٣) التأثير تارة يكون تخفيفًا، وتارة يكون تثقيلًا، والدليل على ذلك ما خرَّجه البخاري من طريق أنس أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق خشية الصدقة، وما كان من خليطين، فإنهما [يتراجعان] (٤) بينهما بالسوية" (٥).
واختلف في الشريك في الرقاب، هل يعطى له حكم الخليط في التراجع أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يتصور التراجع بين الشريكين، كذا ذكر أبو الوليد
_________________
(١) انظر: المدونة (٢/ ٣٢٩).
(٢) سورة ص الآية (٢٤).
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: يترادان.
(٥) أخرجه البخاري (١٣٨٣)، (٢٣٥٥)، وأبو داود (١٥٦٨)، والترمذي (٦٢١)، والطرسوسي في مسند عبد الله بن عمر (٥٢).
[ ٢ / ٣٤٤ ]
الباجي عن المذهب، وهو المشهور في النظر.
والثاني: أن الشريك يكون له حكم الخليط، وهو نص قول ابن القاسم في "المجموعة" و"الموازية" عن مالك، وهو استقراء أبي الحسن اللخمي من المدونة.
وسبب الخلاف: الأوقاص هل هي مزكاة [على النصاب] (١) أم لا؟
فعلى القول بأن الأوقاص مزكاة: فلا ينبغي أن يعطي للشريك حكم الخليط؛ إذ لا مرتفق في ذلك لواحد منهما؛ لأن كل واحد منهما يزكي عن مقدار ما يملك.
وعلى القول بأن الأوقاص غير مزكاة: يجب أن يكون التراجع بين الشريكين كالخليطين.
مثاله: لو كانت الشركة بينهما في مائة وعشرين من الغنم؛ لأحدهما ثمانون، وللآخر أربعون، فأخذت منهما شاة، وكان يجب على صفة التراجع بينهما أن يرجع صاحب الثمانين على صاحب الأربعين بقيمة سدس الشاة؛ لأن الشاة أخذت عن الأربعين؛ وهو أول نصاب الغنم، [والزيادة] (٢) عفو لم يؤخذ منها شيء، والأربعون المأخوذ عنها نصفها لصاحب الثمانين، ونصفها لصاحب الأربعين، وقد أخذت من جملة المال.
وهذا كلام أبي الحسن اللخمي فقف عليه وتأمله.
ولو كانت الأوقاص مزكاة لكانت الشاة المأخوذة بينهما أثلاثا؛ على صاحب الثمانين ثلثاها، وعلى صاحب الأربعين ثلثها.
_________________
(١) سقط من أ، ب.
(٢) في ب، جـ: والزائد.
[ ٢ / ٣٤٥ ]
ولا تخلو مسألة [الخلطاء] (١) من أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون في حظ كل واحد منهما نصاب.
والثاني: أن يكون في ماشية أحدهما نصاب، والثاني دون النصاب.
والثالث: أن تكون في ماشية كل واحد منهما دون النصاب [إلا أنهما بالجمع نصاب] (٢).
والرابع: أن تعجز ماشيتهما بعد الضم والجمع عن النصاب.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان في ملك كل واحد من الخليطين نصاب، فلا تخلو ماشيتهما من أن تكون مما لا يضم بعضها إلى بعض في الزكاة، أو مما يضم.
فإن كان مما لا يضم بعضها إلى بعض كالغنم، والبقر، فلا خلاف أنها لا خلطة بينهما لعدم الارتفاق بالماشية [والجنس] (٣).
فإن كانت الماشية من جنس ما يضم بعضه إلى بعض في الزكاة كالضأن إلى المعز، والجواميس إلى البقر والنحت إلى العراب من الإبل، فلا يخلو [المالكان] (٤) من ثلاثة أوجه:
إما أن يكونا جميعًا مخاطبين بالزكاة، أو غير مخاطبين بالزكاة، أو أحدهما مخاطب، والآخر غير مخاطب.
فإن كانا مخاطبين فلا يخلو من وجهين:
إما أن يختلطا في جميع ما عندهما من الماشية، أو اختلطا في بعضها.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: الفحل.
(٤) في ب: الخليطين.
[ ٢ / ٣٤٦ ]
فإن اختلطا في جميع ما عندهما من الماشية: فلا يخلو ذلك أيضًا من أن تتساوى ماشيتهما، أو تتفاضل.
فإن تساوت؛ مثل أن يكون لأحدهما أربعون، وللآخر أربعون، فإن الشاة [المأخوذة] (١) بينهما أنصافًا، ومن أخذت من غنمه رجع على صاحبه [بنصف] (٢) قيمتها ضأنًا كانت الشاة المأخوذة أو معزًا؛ لأنه إن كانت غنم أحدهما المعز وغنم الآخر ضأنًا. فإن تساويا خير الساعي في الأخذ من أي النوعين شاء، وإن تفاضلت أخذ من الأكثر؛ لأن الخليطين إنما يزكيان زكاة المالك الواحد.
واختلف في القيمة متى تعتبر على قولين:
أحدهما: أن القيمة [المعتبرة] (٣) في ذلك يوم أخذها المصدق، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن القيمة العتبرة قيمتها يوم الحكم بالتراجع، وهو [ظاهر] (٤) قول أشهب، ولاسيما على قول أبي محمد؛ لأنه قال بإثر قول أشهب، ولا تكون القيمة على هذا إلا بقيمة نصف الشاة يوم أداء القيمة.
وإن تفاضلت ماشيتهما؛ مثل أن يكون لأحدهما أربعون شاة، وللآخر ثمانون شاة، فأخذ المصدق الشاة من غنم أحدهما، هل يتراجعان في الشاة [بينهما] (٥) أثلاثًا أو أنصافًا على قولين في المذهب قائمين من المدونة.
_________________
(١) في أ: الواحدة.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٤٧ ]
وسبب الخلاف: الأوقاص هل هي مزكاة أم لا؟ فإن وجبت عليهما شاتان، وأخذ الساعي من غنم أحدهما؛ لأنها أكثر مثل أن يكون لأحدهما ستون معزة، وللآخر إحدى وستون -ضأنًا ومعزًا- فأخذ الساعي رأسين من المعز؛ لأنها أكثر: فوجب للذي أخذ [الساعي] (١) رأسين من غنمه أن يرجع على خليطه، هل يرجع عليه بقيمة الشاة أو بشاة مثلها؟
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنه يرجع عليه بالقيمة لا بالمثل، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب الزكاة الثاني" من المدونة في غير ما وضع.
والثاني: أنه يرجع عليه بالمثل، وهو الذي يتأتى على مذهب أشهب على ما نقله أبو الوليد الباجي، وهو ظاهر المدونة، ومذهبه: أن من أدى عن غيره ما وجب عليه من سائر الحقوق المتعلقة بالأعيان أنه يرجع [عليه] (٢) بمثله، ولا يرجع عليه بالقيمة إلا بتراض منهما.
وسبب الخلاف: الشاة المأخوذة في الزكاة، هل سبيلها سبيل الاستهلاك، أو سبيلها سبيل السلف؟
فمن رأى أن سبيلها سبيل الاستهلاك قال: إن الرجوع إنما يجب بالقيمة؛ لأن الأخذ غير موقوف على اختيار المالك، وهو مجبور عليه كما لو ترتبت في ذمته للغير بغير اختيار مالكه، فإن الرجوع عليه بالقيمة.
[ومن] (٣) رأى أن سبيلها سبيل السلف، قال: يرجع عليه بالمثل؛ لأن هذه إنما أخذت ممن كانت عنده عن ماشية الآخر، فصار ذلك سلف عليه، ولا يرجع إلى القيمة إلا بتراض منهما؛ لأن ذلك يؤدي إلى
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في الأصل: فمن.
[ ٢ / ٣٤٨ ]
إخراج القيمة في الزكاة، فكما لا يجوز لصاحب الغنم أن يدفع القيمة للساعي عن الشاة التي وجبت عليه فكذلك، يمنع التي أخذت من غنمه أن يرجع بالقيمة، وأيضًا فإن الخلطة توجب التساوي فيما يؤخذ منهما في الصفة والجنس، فإذا أخذ من أحدهما شاة، ومن الآخر قيمة لم يتساويا، وأما إن خالط أحدهما صاحبه ببعض ماشيته دون بعض؛ مثل أن يكون رجل له ثمانون شاة، فخالط منها بأربعين مَنْ له أربعون شاة، فلا يخلو صاحب الثمانين من أن يخالط بالأربعين الباقية رجلًا [آخر] (١) أم لا.
فإن خالط بالأربعين الباقية رجلًا آخر، فصار جملة الغنم مائة وستين؛ ثمانون له، ولخليطين ثمانون، لكل واحد منهما أربعون، هل يزكون كلهم زكاة الخلطاء أم لا؟
فالمذهب على قولين (٢):
أحدهما: أن عليهم شاتين؛ على صاحب الثمانين شاة، وعلى شريكه على كل واحد منهما نصف شاة، وهو قول ابن عبد الحكم وأصبغ.
[والثاني: أن عليهم شاتان إلا ثلث على صاحب الثمانين شاة، وعلى شريكيه ثلثا شاة على كل واحد منهما ثلث شاة] (٣) وهو اختيار ابن المواز، واتفق عبد الملك، وسحنون مع أصبغ، وابن عبد الحكم في جواب القول الأول، واختلفوا في توجيهه؛ فابن عبد الحكم وأصبغ يقولان: إنهم كلهم خلطاء، وإن صاحب الثمانين خليط كل واحد منهما بجميع غنمه، وإن خليطيه كل واحد منهما خليط لصاحبه؛ لأنه خليط خليطه، فلأجل
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) انظر: النوادر (٢/ ٢٥٤: ٢٥٦).
(٣) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٤٩ ]
ذلك يكون عليهم شاتان على التجزئة التي قدمناها، وأما عبد الملك وسحنون، فإنهما يريان صاحبي الأربعين ليس بعضهما خليط لبعض، ولا يخالط كل واحد منهما صاحب الثمانين إلا بما معه خاصة دون ما مع خليطه الآخر، وصاحب الثمانين يجمع في زكاة ماله معهما جميعًا، فله ثمانون مع اثنين، فعليه شاة ثم كل واحد من خليطيه يقول له: لك معي أربعون ولي أربعون، فأنت قد أديت شاة، وعليَّ أنا نصفها إلا أني لم أخالطك إلا بالأربعين التي معي خاصة ولا أعد عليك مالك مع خليطك الآخر، ومثل هذا يقول له الخليط الآخر، فصار عليهما شاة جميعًا، وعليه هو شاة.
فالجواب متفق [والطريق] (١) الموصل إلى الشاتين مختلف، [واختلافهم] (٢) في التأويل يتخرج على الخلاف في خليط الخليط هل هو كالخليط أم لا؟ وينبني أيضًا على اختلاف المنطقيين في المساوى للمساوي هل هو كالمساوي [أم لا] (٣).
ووجه القول الثاني: الذي هو اختيار ابن المواز (٤) أن صاحب الثمانين خليطٌ لهما جميعًا، فيكون عليه شاة، ويجعل كل واحد منهما خليطًا له بجميع ما يملكه وهو ثمانون ولا يجعل أحد خليطيه خليطًا لخليطه الآخر، ويصير كل واحد قد خالطه بأربعين، وله هو ثمانون، فكان على كل واحد منهما ثلث شاة.
وأما الوجه الثاني: إذا خالط بأربعين وبقيت له أربعون لم يكن له فيها خليط كيف يزكيان؟
_________________
(١) في الأصل: والحريق.
(٢) في أ: واختلافهما.
(٣) سقط من أ.
(٤) انظر: النوادر (٢/ ٢٥٥).
[ ٢ / ٣٥٠ ]
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن عليهما شاة واحدة؛ على صاحب الثمانين ثلثاها، وعلى صاحب الأربعين ثلثها.
وهو قول مالك في [المدونة وفي] (١) كتاب ابن المواز.
والثاني: أن عليهما شاة وسدسًا؛ على صاحب الثمانين ثلثا شاة، وعلى صاحب الأربعين نصفها، وهو قول سحنون.
والثالث: أن عليهما شاة ونصف؛ على صاحب الثمانين شاة، وعلى صاحب الأربعين نصف شاة.
وهو [ظاهر] (٢) قول عبد الملك في المبسوط، ووجهه: أن صاحب الثمانين لا يزكي مع الخليط إلا على ما خالط به خاصة ولا يضم معه جميع [غنمه] (٣).
ووجه القول الأول: أن صاحب الثمانين يزكي جميع غنمه على سنة الخلطة يضيف غنمه التي لا خليط له فيها إلى غنم الخلطة، فتكون الشاة الواجبة عليهما أثلاثًا.
ووجه القول الثاني: أن الأربعين التي لا خليط له فيها لا يضمها إلى غنم الخليط، ولا ينتفع بها خليطه، ولا يتضرر بها، غير أن صاحب الثمانين ينتفع بالخلطة بإسقاط ثلث الشاة، وفي ذلك نظر؛ كيف ينتفع أحد الخليطين بالخلطة، ولا ينتفع الآخر؟ وهذا يقدح في سنة الخلطة.
وهكذا اختلف المذهب [أيضًا] (٤) فيمن له خمسة وعشرون من الإبل
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: ماله.
(٤) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٥١ ]
فخالط بخمسة عشر رجلًا له عشرة، وبعشرة رجلًا له عشرة، فعلى صاحب خمسة وعشرين خمسة أتساع بنت لبون، وهو معهما كخليط واحد.
واختلف في خليطيه كيف يزكيان على أربعة أقوال:
أحدها: أنهما يزكيان على مثل ذلك؛ على كل واحد منهما تُسعا بنت لبون، ويصير ثلاثتهم في حكم رجل واحد، وهو قول أصبغ، وابن عبد الحكم.
والثاني: أنه يزكي كل واحد منهما على ملك [خليطه ولا يزكي على ملك] (١) خليط خليطه، فيكون على كل واحد منهما [سبعا] (٢) بنت مخاض، وهذا يأتي على اختيار ابن المواز في الفصل الذي قدمناه في الغنم.
والثالث: أنه يزكي كل واحد منهما على ما خالطه به خليطه دون جميع ملكه [فيزكي من خولط خمسة عشر بخمسي بنت مخاض، وإن خالط بعشرة كان فيه الغنم] (٣) وهو قول سحنون.
والرابع: أن صاحب الخمسة والعشرين يزكي مع كل واحد على ما خالطه به خاصة، ولا يجمع بعضه إلى بعض، وهو قول عبد الملك في "المبسوط".
وتوجيه كل قول ظاهر، فلا فائدة في التطويل.
وأما الوجه الثاني: إذا كان الخليطان غير مخاطبين مثل أن يكونا ذميين أو عبدين فلا خلاف في المذهب أنه لا زكاة على العبيد، ولا على أهل
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: تُسعا.
(٣) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٥٢ ]
الذمة في شيء من أموالهم عمومًا لا خصوصًا (١).
وأما الوجه الثالث: إذا كان أحد الخليطين مخاطبًا، والآخر غير مخاطب بالزكاة كالحر المسلم خالط بماشيته عبدًا أو ذميًا، هل يزكي الحر المسلم زكاة الانفراد، أو [يزكي] (٢) زكاة الخلطاء؟
فالمذهب على قولين:
[أحدهما: أن يزكي زكاة الانفراد] (٣) من غير اعتبار بتأثير الخلطة، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في "العتبية" (٤) "والموازية"، ولا فرق بين أن يكون عبده أو عبد غيره.
والثاني: أنه يزكي زكاة الخلطاء؛ فما نابه أداه، ويسقط ما ناب النصراني أو العبد، وهو قول عبد الملك في كتاب ابن حبيب (٥).
ويلزم على هذا: إذا حال الحول على نصاب أحدهما، ولم يحل على نصاب الآخر أن يجري فيه القولان، ولا فرق.
وسبب الخلاف: هل من شروط الخلطة اعتبار الارتفاق من الطرفين، أو الاعتبار بوجود الارتفاق أو فقده على الجملة؛ لأن الارتفاق المعتبر في الخلطة تارة يعتبر في تخفيف مؤونة الزكاة، وتارة يعتبر في تخفيف مؤنة الماشية فيما يرجع إلى: نموها وحسن حالها في نفسها، وتارة يعتبر الأمران جميعًا؛ لأن أصل الخلطة بنيت على الارتفاق؛ ولأجل ذلك اختلف أرباب المذهب في الشروط المعتبرة في الخلطة التي إذا حصلت ثبتت الخلطة بعد
_________________
(١) انظر: النوادر (٢/ ٢٥٦).
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) انظر: البيان والتحصيل (٢/ ٤٢٧).
(٥) انظر: النوادر (٢/ ٢٥٦).
[ ٢ / ٣٥٣ ]
اتفاقهم على [اعتبار] (١) خمسة أوصاف على الجملة؛ الراعي والفحل، والدلو، والمراح، والمبيت، وقال بعضهم: والحلاب؛ وذلك لاختلافهم في المراح هل هو المبيت أم لا؟ فمن رأى أن المراح هو المبيت عدَّ الحلاب.
ومن رأى أن المراح غير المبيت لم يعدّ الحلاب.
وقد اضطرب قوله في الكتاب في المراح؛ فمرة جعله غير المبيت، وهو قوله: "إذا كان الدلو واحدًا، والراعي والمراح واحدًا، وإن تفرقوا في المبيت" (٢).
ومرة جعله المبيت نفسه؛ فيتخرج من الكتاب في المراح قولان، وفيه قول ثالث: إن المُرَاح هو المسرح وتأوله بعضهم على المدونة.
وفيها قول رابع: أن المراح هو المقيل، وهو تأويل أبي الحسن القابسي على المدونة.
وفيها قول خامس: أن المراح المراد في المسألة رواح الغنم؛ وهو سوقها بالعشي إلى موضع مبيتها؛ يعني ثم تفتقر إلى بيوت أربابها، وهذا تأويل الشيخ أبي عمران الفاسي.
وفيها قول سادس: أن المراح هو الموضع الذي تروح إليه الماشية [فيه] (٣) فيها إلَّا للانصراف إلى المبيت، وهذا تأويل القاضي أبي الوليد الباجي.
فهذه ستة أقوال في معنى المراح، أو الموضع الذي تجتمع فيه الماشية للانصراف إلى المبيت، فلا يخلو المراح من أن يكون مشتركًا بين أرباب الماشية على الإشاعة، أو لكل واحد منهم جزء معين.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) انظر: المدونة (٢/ ٣٢٩).
(٣) في أ: فيها.
[ ٢ / ٣٥٤ ]
فإن كان المراح مشتركًا بين أرباب الماشية على الإشاعة بكراء أو ملك فهو من صفات الخلطة.
وإن كان لكل واحد منهم جزء معين، فلا يخلو ذلك الجزء من أن يقوم بماشية صاحبه على الانفراد دون مضرة ولا ضيق، أو لا يقوم بذلك.
فإن كان يقوم بماشية صاحبه، فليس من صفات الخلطة؛ لأن الارتفاق لم يوجد بهذه الصفة.
وإن كان لا يقوم بها، فهو من صفات الخلطة؛ لأن الارتفاق حصل بها، وإلى هذا ذهب أبو الوليد الباجي.
واختلف المتأخرون في الدلو المعتبر في الخلطة على قولين:
أحدهما: أن الدلو [الذي] (١) تسقى به الماشية، فيشترك فيه الخلطاء فتجب مؤنته على جميعهم، وهذا الذي يقتضيه لفظ الدلو في [وضع] (٢) اللغة، وهو اختيار الباجي.
والثاني: أن الدلو عبارة عن المياه، وهو أن يكون لبعضهم ماء يسقون منه [ويسقى منه غيرهم من أرباب الماشية، فلا يكون ذلك من صفات الخلطة أو يكون الماء مشتركًا بين] (٣) أرباب الماشية، فيكون ذلك من صفات الخلطة؛ كاجتماعهم على حفر بئر يسقون منها مواشيهم، ويمنعون منها غيرهم، وذلك من باب تسمية الشيء بما يلازمه، وذلك سائغ في الاستعمال، وهو تأويل بعض المتأخرين، وهو أسعد بظاهر المدونة.
واتفق المذهب على أنه ليس من شروط الخلطة حصول [جميع] (٤)
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: موضوع.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٥٥ ]
هذه الأوصاف، خلافًا للشافعي في اعتبار جميعها.
والدليل على ما نقوله أن المراعى في الخلطة إنما هو الارتفاق [في اجتماع] (١) الماشية على ما يحتاج إليه؛ وذلك يحصل بحصول بعض الصفات، فيثبت به حكم الخلطة.
ولا خلاف بينهم فيما إذا وجد أكثر الصفات أن الخلطة صحيحة ثابتة.
واختلف هل تصح بوجود أقل الصفات؛ كالاثنين والواحد؟ على قولين (٢):
أحدهما: أنهما لا يكونان خليطين إلا أن يجتمعا في جل الأوصاف، وهو قول ابن القاسم، وأشهب، وهو ظاهر المدونة، وهو المشهور.
والثاني: أن الخلطة تحصل بينهما بحصول الوصف الواحد؛ وهو الراعي، وهو قول [ابن حبيب] (٣) حكاه عنه [القاضي أبو محمد عبد الوهاب] (٤) غير أن أكثر الأصحاب تأولوا على [قول] (٥) ابن حبيب غير هذا فقالوا: إذا اتخذا الراعي، فقد حصلت أكثر الأوصاف إذا جمعهما الراعي، فقد جمعهما الفحل، والمرعى، والمراح، على اختلاف التأويل في المراح.
وقد جمعت هاهنا أكثر الأوصاف، والذي قالوه ليس بصحيح؛ لأن المنافع المعتبرة التي تتعين الأحكام بوجودها هي المنافع التي يعم نفعها، ويعظم خطرها [ويمتد وجودها] (٦)، وذلك مخصوص بالراعي خاصة
_________________
(١) في أ: باجتماع.
(٢) انظر: النوادر (٢/ ٢٤٤: ٢٤٦).
(٣) في أ: أبي الحسن اللخمي.
(٤) في أ: أبو محمد القاضي.
(٥) سقط من أ.
(٦) في جـ: ويعتد وجوبها.
[ ٢ / ٣٥٦ ]
دون سائر الصفات؛ لأنها صفات عارضة لا دوام لها ولا استمرار؛ كالدلو فإنه صفة عارضة؛ لأن الخلطة قد تصح دونه، والحاجة إليه في بعض السنة، وقد تحل الزكاة قبل حصوله، ولا جرم أنا لا نعتبر استدامة الخلطة عامًا كاملًا، وإنما اعتبرنا جزء العام على ما يأتي إن شاء الله.
والمبيت أيضًا يفتقر إلى ما عوهد وأُلِفَ، والفحل أيضًا كذلك؛ بل هو أقل تأثيرًا؛ لأن الحاجة إليه في بعض السنة، وقد لا يحتاج إليه [أصلًا] (١)؛ إما لكون الغنم كلها ذكران، وإما لكون غنم أحدهما: ضأن، والأخرى: معز، فلا يكون الفحل واحدًا لما علم من العادة أن فحول المعز لا تطرف الغنم، وبالعكس كذلك، وهو أول نصير، وأقل تأثير، فلم يبق بعد امتحان الأوصاف ما يصلح أن يكون وصفًا معتبرًا إلا الراعي؛ فإن منفعته عامة؛ به تجيء الغنم [وتنمو] (٢) وباقي الأوصاف تبعة غير مقصودة.
فإذا ثبت ذلك فالمُرَاعَى في الخلطة آخر السنة دون أولها، فإن اجتمعا في أول السنة، وافترقا في آخرها أو [افترقا في أولها و] (٣) اجتمعا في آخرها ذكيا على ما هما عليه في آخرها ما لم يقرب ذلك.
واختلف في [حد] (٤) القرب على أربعة أقوال:
أحدها: أن [حد] (٥) القرب شهران فأكثر لا أقل، وهو قول مالك في المدونة؛ لأنه قال: إن لم يختلطوا إلا [في] (٦) شهرين من آخر
_________________
(١) في ب: أيضًا.
(٢) في ب: وتنمى.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: حكم.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٥٧ ]
السنة.
والثاني: أن حد القرب أقل من شهرين، وهو قول ابن القاسم أيضًا في المدونة.
لقوله: فإن [اجتمعا] (١) في آخر السنة أقل من شهرين فهم خلطاء ما لم يقرب الحول جدًا.
والثالث: أن أقله الشهر فما فوقه، وهو قول عبد الملك.
والرابع: التفصيل بين أن يقصدا الفرار أم لا؛ فإن قصداه عوملا بنقيض مقصودهما، وإن لم يقصداه زكاها الساعي على ما يجدها [عليه] (٢) من افتراق أو اجتماع ويقبل قول أربابها أنهم لم يفعلوا ذلك فرارًا إلا بأمارة تقوي التهمة، وهو قول القاضي أبي محمد عبد الوهاب، وذلك كله يرجع إلى اجتهاد العلماء، فكل منهم على حسب ما أداه إليه اجتهاده، والحمد لله وحده.
والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم:
وهو أن تكون ماشية أحدهما نصابًا، وماشية الآخر دون النصاب فليسا بالخليطين؛ فالساعي يأخذ الشاة من الغنم التي وجب فيها، فإن أخذها من الغنم التي هي دون النصاب، فلا تخلو الشاة التي أخذها [الساعى] (٣) [منه،] (٤) من أن تكون من السنن الواجب في الزكاة أم لا.
فإن كانت من غير السن [المأخوذة] (٥) في الزكاة كانت مظلمة [على
_________________
(١) في أ: اجتمعت.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من ب.
(٥) في ب: الواجب.
[ ٢ / ٣٥٨ ]
من] (١) أخذت من غنمه وبقيت الزكاة على مالك النصاب كما كانت.
وإن كان السن المأخوذ من الغنم القليلة مثله يؤخذ في الزكاة: فلا يخلو من أن يدخل على صاحب النصاب مضرة؛ مثل أن يكون الرجل مائة شاة، وللآخر إحدى وعشرون شاة، فأخذ المصدق منهما شاتين، فهل يتراجعان في الشاتين، أو في الشاة الواحدة؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنهما يتراجعان في الشاتين جميعًا على قدر ماشيتهما، وهو قول ابن القاسم، واختيار ابن المواز (٢)، وهو ظاهر المدونة (٣).
والثاني: أنهما يتراجعان في الشاة الواحدة، والشاة الأخرى على رب الماشية [وهو قول ابن عبد الحكم] (٤).
وينبني الخلاف: على [الخلاف في] (٥) خلاف غير المذهب هل يراعى أو لا يراعى.
فمن رأى أنه يراعى قال: إنهما يتراجعان في الشاتين جميعًا؛ لأن هذا حكم قد مضى على مذهب بعض العلماء، وهو مذهب الشافعي ﵁، وجعل الشاتين في المالين [جميعًا] (٦).
ومن رأى أنه لا يراعى قال: إن الشاة الواحدة على رب النصاب، والشاة الثانية لم تجب على واحد منهما، إلا أنها أخذت بتأويل لابتعد؛
_________________
(١) في أ: ممن.
(٢) انظر: النوادر (٢/ ٢٤٨).
(٣) انظر: المدونة (٢/ ٣٣٤).
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٥٩ ]
فيجب أن يتراجعا فيها على قدر ماشيتهما، فإن لم يدخل على صاحبه مضرة؛ مثل أن يكون لأحدهما أربعون، وللآخر ثلاثون، فأخذ الساعي منهما شاة، فإن أخذها من صاحب الأربعين: لم يرجع على صاحبه بشيء، فإن أخذها من غنم صاحب الثلاثين: رجع على صاحب الأربعين بمثلها أو بقيمتها على الخلاف الذي قدمناه بين ابن القاسم، وأشهب في [أول] (١) المسألة.
فإن أخذ الساعي منها شاتين. فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: يأخذها كلها من غنم صاحب الأربعين، أو يأخذهما كليهما من غنم صاحب الثلاثين أو أخذ واحدة من هذه، وأخرى من هذه [فإن أخذ كليهما من غنم صاحب الأربعين فلا يرجع على صاحبه بشيء؛ لأن الأولى ضمنها بين فرضه، والثانية أخذت منه ظلمًا وعدوانًا] (٢).
وإن أخذهما كليهما من غنم صاحب الثلاثين رجع على صاحب الأربعين بواحدة، والأخرى غصبها الساعي.
وإن أخذ واحدة من غنم كل واحد منهما، فلا يخلو من أحد وجهين:
إما أن يبتدئ الأخذ من الأربعين، أو الثلاثين.
فإن ابتدأ الأخذ من الأربعين: لم يرجع صاحب الثلاثين على صاحب الأربعين بشيء؛ لأن الشاة المأخوذة من الأربعين لا تخلو من أن تكون مما يجزئ في الزكاة، أو مما لا يجزئ في الزكاة.
فإن كانت مما يجزئ فذلك ما كنا نبغي.
وإن كانت مما لا يجزئ فلا يرجع عليه أيضًا؛ لأنه ابتدأ الأخذ من أربعين
_________________
(١) في ب: أصل.
(٢) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٦٠ ]
فقد عادت إلى ما لا زكاة فيه قبل الأخذ من الثلاثين، فسقطت الزكاة منها، ثم أخذ الثانية بعد سقوط الزكاة، وهذا من لطيف الفقه لمن تأمله.
فإن ابتدأ الأخذ من الثلاثين: فلا تخلو الشاة التي أخذ منها من أن تكون مما يجزئ في الزكاة أم لا.
فإن كانت مما يجزئ في الزكاة، والتي أخذت من الأربعين لا تجزئ في الزكاة: فإنه يرجع [عليه] (١) صاحب الثلاثين بقيمة شاته اتفاقًا؛ لأن الشاة المأخوذة [منه] (٢) إنما غصبها بعد وجود الزكاة وبعد قبضها.
فإن كان ما أخذ من الجانبين مما لا يجزئ في الزكاة إلا أنه بدأ بالأخذ من الثلاثين، فقد رأيت لأبي الحسن اللخمي أنه لا يرجع على صاحب الأربعين؛ لأنه قال: فإن كانت التي أخذت من الأربعين مما يجزئ في الزكاة لم يرجع عليه بشيء، ولم يفصل في هذا الوجه، وفصل في غيره.
والوجه الذي يقتضيه النظر خلاف ذلك أنه إذا ابتدأ الأخذ من الثلاثين، وأخذ منهما ما يجزئ في الزكاة فكان النظر يقتضي أن يرجع عليه صاحب [الأربعين] (٣)؛ لأن الأولى أخذت بنية الزكاة، والأخرى أخذت بنية الظلم، والاغتصاب، فلا يجزئ لتقدم الأخذ بنية الزكاة عليه، وهذا ظاهر لمن تأمله [فإن كان مما لا يجزئ، فهذه مظلمة عليه] (٤).
والجواب عن الوجه الثالث (٥): إذا لم يكن في ماشية كل واحد منهما
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: الثلاثين.
(٤) سقط من أ.
(٥) انظر: المدونة (٢/ ٢٣٢).
[ ٢ / ٣٦١ ]
نصاب إلا أنهما بالضم والجمع نصاب؛ مثل أن يكون لكل واحد منهما عشرون شاة من غنم أحدهما هل يتراجعان أم لا؟
فلا يخلو الساعي من أحد وجهين:
إما أن يأخذ منهما على التأويل، أو يأخذ بغير تأويل فإن أخذها على التأويل؛ إما لكونه يظن أنها لمالك واحد، أو لكونه تأول مذهب من اعتبر النصاب على الضم والجمع، فإنهما يتراجعان بينهما على السوية إن تساوت الماشية.
وإن تفاضلت هل يترادان على عدد الغنم أو على عدد المالكين؟
قولان:
[أحدهما: أنهما يترادان على عدد الغنم.
والثاني: عكسه] (١).
وإن أخذها [الساعي] (٢) على غير تأويل فهي مظلمة على من أخذت من غنمه، ولا يرجع على صاحبه بشيء.
والجواب عن الوجه الرابع: إذا لم يكمل النصاب [في غنمهما] (٣) لا على الانفراد، ولا على الضم، فأخذ الساعي شاة من غنم، أحدهما: فإنها مظلمة [على من] (٤) أخذت من غنمه؛ قولًا واحدًا (٥).
وهذه المسألة متشعبة الأكناف ممتدة الأطراف، وقد حصلتها تحصيلًا
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: فيمن.
(٥) قال مالك: يترادان فيهما على عدد غنمهما. المدونة (٢/ ٣٣١).
[ ٢ / ٣٦٢ ]
متقنًا ورتبتها ترتيبًا حسنًا ينتفع بها المنتهى [ويستعين] (١) بها المبتدى بحمد الله وحسن عونه [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) في أ: ويستغني.
(٢) زيادة من جـ.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
المسألة السابعة في الهارب بماشيته (١)
ولا يخلو الهارب بماشيته من الساعي من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يهرب بنصاب من الماشية ثم ظفر به، أو جاء تائبًا وهي على حالتها.
والثاني: أن يهرب بنصاب من الماشية، ثم جاء تائبًا، وقد زادت ماشيته.
والثالث: بالعكس؛ مثل أن يهرب بعدد من الماشية ثم جاء، وقد نقصت عن ذلك العدد.
والجواب عن الوجه الأول: إذا هرب بأربعين شاة خمس سنين، ثم ظفر به الساعي، أو جاء تائبًا، وهي على تلك الحال، هل يأخذه بزكاة [ما مضى من] (٢) السنين أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه تؤخذ منها شاة واحدة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (٣).
والثاني: أنه يؤخذ منه خمس شياه لخمسة أعوام، وهو قول أشهب وعبد الملك (٤).
_________________
(١) انظر: المدونة (٢/ ٣٣٥)، والنوادر (٢/ ٢٤١: ٢٤٣).
(٢) في أ: ماضي.
(٣) انظر: المدونة (٢/ ٣٣٥).
(٤) انظر: النوادر (٢/ ٢٤٣).
[ ٢ / ٣٦٤ ]
وسبب الخلاف: هل يبتدئ الساعي [بالأخذ] (١) بأول عام أو بآخر عام؟
فمن رأى أنه يبتدئ بأول عام قال: يأخذ شاة واحدة، وإذا أخذها تبقى تسعة وثلاثون؛ وهي دون النصاب فلا زكاة فيها؛ إذ الشاة المغصوبة باقية عنده لبقاء الغنم، ولا ينتقل إلى الذمة إلا بهلاك الغنم.
ومن رأى أنه يبتدئ بآخر عام قال: يأخذ منها خمس شياه؛ شاة منها عن [العام] (٢) الآخر، وأربعة في الذمة؛ لأن كل عام مضى كان فيه غاصبًا لزكاة ذلك العام، وصارت دينًا في ذمته، والدين لا يسقط زكاة الماشية.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا هرب بنصاب ماشية، ثم جاء تائبًا، وقد زادت؛ مثل أن يهرب بأربعين شاة خمس سنين، ثم صارت في العام الخامس ألف شاة بفائدة: فلا تخلو من أن يحول الحول على غنم الفائدة، أو لم يحل.
فإن حال الحول على غنم الفائدة، فلا يخلو من أن يعلم ذلك ببينة، أو بمجرد دعواه.
فإن علم ببينة أنها صارت ألفًا في السنة الخامسة، فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يؤخذ منها إحدى عشرة شاة، العشرة منها عن السنة الآخرة التي صارت فيها ألفًا، والشاة الواحدة عن أول عام، وهو قول ابن القاسم في المدونة وغيرها.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: الغنم.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
والثاني: أنه يؤخذ منها أربع عشرة شاة؛ العشرة منها على الألف، والأربع عن أربع سنين؛ لأنها في الذمة على ما تقدم في الوجه الأول لأشهب، وعبد الملك.
والثالث: أنه يزكي عن الألف للسنين الماضية، ويؤخذ منها على هذا القول خمسون شاة، وهو قول أشهب؛ ونزله منزلة من تخلف عنه السعاة، وهذا قياس لا يصلح؛ لأن الغاصب لا يطالب بأكثر مما غصب، والذي تخلف عنه الساعي أخرج بدليل.
وسبب الخلاف: ما تقدم.
فإن لم يعلم ذلك إلا بقوله، هل يصدق أنه كما أفادها، أو لا يصدق؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يصدق، وهو قول سحنون في كتاب ابنه.
والثاني: أنه لا يصدق، وهو قول عبد الملك في "المجموعة".
وسبب الخلاف: هل الجناية التي ارتكبها مما يسقط ثقته وأمانته أم لا؟
فمن رأى أن ذلك مما يسقط أمانته، قال: لا يقبل قوله، والظالم أحق أن يحمل عليه.
ومن رأى أن ذلك لا يسقط أمانته؛ لأن المالك يقبل قوله في الحول على أي صفة كان من غير التفات إلى صلاحيته، وطلاحيته قال: يقبل قوله.
وعلى القول بأنه يقبل، أو لا يقبل فيجري الخلاف فيما يؤخذ منه على الخلاف الذي قدمناه في تضاعيف المسألة.
فإن لم يحل الحول على الفائدة: فعلى الثلاثة الأقوال التي قدمناها؛
[ ٢ / ٣٦٦ ]
قول ابن القاسم: لا يؤخذ منها إلا شاة واحدة على أصله [أنه] (١) بالسنة الأولى يبدأ، فإذا أخذت [عن الأولى] (٢) نقصت عن النصاب، ثم لا زكاة في الفائدة إلا بعد الحول لقصور الأصل عن النصاب.
وعلى قول عبد الملك: يبتدئ بالسنة [الأخرى] (٣) وتزكى الفائدة عن السنة الواحدة؛ لأن النصاب الأول لم ينتقض منه شيء على مذهبه، وعلى [قول] (٤) أشهب تزكى الفائدة عن السنين كلها كأن الهارب هرب بالألف يوم هرب كالذي تخلف عنه الساعي.
والجواب عن الوجه الثالث:
إذا هرب بعدد وافر ثم جاء، وقد نقصت ماشيته عن ذلك العدد؛ مثل أن يهرب: بماشيته، وهي ألف شاة خمس سنين، ثم جاء تائبًا في السنة الخامسة، فادعى أنها لم تزل على هذه الصفة منذ هرب بها، وأنها هلكت في السنة التي هرب فيها إلا هذا القدر. فالمذهب أنه لا يقبل قوله، ولا يصدق، وتزكى على ما كانت عليه يوم هروبه، إلا في هذا العام الذي قدم فيه، فإنه يؤخذ منه شاة واحدة؛ لأنه يتهم فيما يدعيه، والظالم أحق أن يحمل عليه [والحمد لله وحده] (٥).
_________________
(١) في أ: أنها.
(٢) في أ: من الغنم.
(٣) في ب: الأخيرة.
(٤) في أ: قدر أصل.
(٥) زيادة من جـ.
[ ٢ / ٣٦٧ ]
المسألة الثامنة في الذي تخلف عنه الساعي سنين كيف يزكي وقد زادت ماشيته أو نقصت (١)
فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون مما لا يأتيه الساعي أصلًا، أو مما يأتيه الساعي.
فإن كان مما لا يأتيه الساعي أصلًا لبعد [البلاد] (٢) فإن هؤلاء يزكون كل عام، ولا ينتظرون قدوم السعاة؛ لأنهم انتظروا قدوم من لا يجيئهم، فإن كان عندهم مساكين سلموها إليهم، وإلا فليجلبوها إلى حواضر البلاد، وهو قول مالك في كتاب ابن سحنون.
فإن كان ممن يأتيه السعاة في كل زمان، ثم تخلف عنه الساعي سنين، فلا يخلو تخلفه من وجهين:
إما أن يكون بإيثار واختيار أو بغلبة واضطرار.
فإن كان تخلفه بإيثار واختيار: فإن أرباب المواشي يزكون مواشيهم؛ إذ ذلك من الساعي، ولا يتركون الزكاة؛ لأن حق المساكين قد تعلق بها، ولا يكون ترك السعاة الخروج باختيارهم ما يسقط حقهم، ثم لا ضمان على أرباب الماشية فيما فعلوه إذا سلموها للمساكين، ولا ينبغي دخول الخلاف في هذا الوجه.
فإن كان تخلفه بغلبة واضطرار، فلا يخلو ذلك من أن يكون سببه من العباد، أو لا سبب لهم في ذلك.
_________________
(١) انظر: المدونة (٢/ ٣٣٦: ٣٣٨).
(٢) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٦٨ ]
فإن كان مما لا سبب للعباد [فيه] (١) كالمحل وزمان الجدب، هل يبعث فيه السعاة، أم لا [قولان:
أحدهما: أنهم لا] (٢) يبعثون فيه أصلًا حتى يجني الناس؛ لأنهم يأخذون فيه ما ليس له ثمن، فإن جلبوه لم ينجلب لهم، وذلك حق للمساكين، وليس لأهل المواشي.
فإذا جنى الناس في العام المقبل أرسل السعاة، وأخذت الزكاة للعامين، وهو قول مالك في كتاب ابن المواز.
والثاني: أن السعاة يبعثون، ويأخذون الصدقات من أهلها، وإن كانت عجافًا، فيجلبونها إن كانت تجلب أو يبيعونها، ويسوقون ثمنها، وإن قلَّ، وهي رواية ابن وهب عن مالك (٣).
وإن كان سبب تخلفه من العباد كفتنة هاجت بين الأمراء، فأشغلتهم عن بعثة السعاة حتى مضت الدهور، والأعوام، هل ينبغي للناس أن يخرجوا زكاة مواشيهم أو ينتظرون بها خروج السعاة؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنهم يخرجون [زكاتهم] (٤) ويصرفونها إلى المساكين، ولمن [سماهم] (٥) الله تعالى من الأصناف المنصوص عليها، ولا يؤخرون إخراجها لعدم المصدق كزكاة العين والحبوب، وهذا قول قياس؛ وذلك أن
_________________
(١) في أ: في ذلك.
(٢) سقط من أ.
(٣) انظر: النوادر (٢/ ٢٤١: ٢٤٤).
(٤) في ب: زكاة مواشيهم.
(٥) في أ: سماها.
[ ٢ / ٣٦٩ ]
الساعي وكيل على الزكاة ليوصلها إلى الفقراء والمساكين، وليس ذلك بحق له، وإنما هو واسطة لغيره، فإذا عدم كان لمن له فيها حق القيام بحقه، ولا يمنع من حقه لعدم وكيله.
وقد اختلف المذهب عندنا إذا أخرجها قبل مجيء الساعي وبعد الحول ولم يتخلف [عنه] (١) ثم أتاه بعد ذلك هل تجزئه أم لا؟ فهو إذا تخلف عنه أجزأ.
والثاني: إنه لا يجزئه، ويأخذها منه السعاة إذا قدموا، وهو قول عبد الملك في كتاب ابن المواز.
وعلى القول بأنهم لا تجزئهم، وأنهم ينتظرون السعاة حتى يقدموا، فإذا قدموا عليهم فلا يخلو ما بأيديهم من الماشية من خمسة أوجه:
أحدها: أن يكون غنمه أربعين شاة، فغاب عنه الساعي سنين، ثم جاءه وهي أربعون.
والثاني: أن يغيب عنه، وهي أربعون شاة، ثم باعها قبل قدوم الساعي.
والثالث: أن يغيب عنه وعنده نصاب غنم ثم نقص في بعض السنين ثم جاء الساعي، ووجدها قد عادت عنده نصابًا.
[والرابع: أن يغيب عنه وعنده نصاب ثم جاءه وعنده أكثر من النصاب.
والخامس: أن يغيب عنه وعنده أكثر من النصاب ثم جاء ووجد عنده
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٧٠ ]
نصابًا] (١).
فالجواب عن الوجه الأول: إذا غاب عن نصاب غنم خمسة أعوام ثم جاء والنصاب لم ينقص، فإنه يأخذ منه شاة واحدة لا أكثر؛ لأنه إذا أخذ شاة من الأربعين، فقد نقص النصاب، ولا خلاف في هذا الوجه.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا غاب عنه الساعي، وعنده نصاب، ثم باعها ثم قدم عليه الساعي بعد أعوام، فلا يخلو من أن يبيعها بنصاب من العين أو بدون النصاب.
فإن باعها بدون النصاب فلا شيء عليه قولًا واحدًا.
وإن باعها بالنصاب فأكثر، فإنه يزكي عن كل سنة نصف دينار حتى يأتي على آخرها، أو يرجع الثمن إلى أقل من عشرين دينارًا، أو أقل من مائتي درهم، وهذا إذا كان الزائد على النصاب هو أحد السنين التي يغيب عنه الساعي؛ مثل أن يغيب عنه خمس سنين، وعنده أربعون شاة.
وفي المذهب قول ثان أنه لا يزكي [إلا لعام] (٢) واحد.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا غاب الساعي، وعنده نصاب من الغنم خمس سنين، ثم نقصت في بعض السنين، ثم جاء الساعي وهي أربعون بولادتها أو بمبادلة، ثم أفاد إليها ألف شاة، هل يزكي الألف على الأعوام كلها أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يزكي الألف عن الخمس سنين كلها، وهو قول مالك
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٧١ ]
"في كتاب محمد" (١).
والثاني: أنه لا يزكيها عن الأعوام الماضية إلا أن تبقى تلك الأربعون إلى يوم الفائدة، وهو قول ابن المواز (٢).
والقول بأنه يزكي الألف عن جميع تلك الأعوام أصح؛ لأنها إذا عادت نصابًا [بالولادة] (٣) كانت كالنصاب الأول بالاتفاق.
وإن عادت نصابًا بالمبادلة، فيتخرج على الخلاف في مبادلة الجنس بالجنس، وقد قدمناه.
وشذ أشهب فقال: إذا كان الأصل دون النصاب ثم صار في العام الخامس نصابًا [فأكثر] (٤) فإنه يزكيه [عن ما] (٥) مضى من السنين، وهو قوله في كتاب "النوادر" (٦) وهو [قول] (٧) مخالف للأصول -كما ترى.
والجواب عن الوجه الرابع:
إذا غاب عنه الساعي خمس سنين، وبيده أربعون شاة، ثم صارت في العام الخامس ألفًا، هل تزكى الفائدة عن الأعوام الماضية أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يزكي الألف عن الخمس سنين، وهو قول مالك، وابن
_________________
(١) انظر: المدونة (٢/ ٣٣٦).
(٢) انظر النوادر (٢/ ٢٤١).
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: لما.
(٦) انظر: النوادر (٢/ ٢٤١).
(٧) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٧٢ ]
القاسم في المدونة وغيرها؛ فيأخذ عن أول سنة عشر شياه، وعن الأربع سنين تسعًا.
والثاني: أنه يزكي عن الأربع شياه واحدة، وعن السنة الخامسة تسع شياه، ولا يزكى الألف عن الخمس سنين، وهو قول عبد الملك في "كتاب ابن سحنون" (١)؛ بناء منه على أن الساعي يبتدئ بأول عام، وهذا عكس مذهبه في [مسألة] (٢) الهارب.
وسبب الخلاف الإجماع إذا انعقد (٣) على خلاف الأصل، هل تقوم به الحجة أم لا؟
فمن رأى أنه يكون حجة قال: إنه يزكي ما وجد عنده [عما مضى من] (٤) السنين؛ لأن الفتنة هاجت بين الأئمة رضوان الله عليهم، فقام الناس نحوًا من ست سنين لم تؤخذ منهم الزكاة، فلما استقر الأمر في نصابه، وعاد إلى صوابه، واتفقت كلمة الإسلام، واتخذت البيعة للإمام، وبعثت السعاة، وأمروا بالأخذ عن سالف الأعوام مما وجد بأيدي الملاك من الأنعام ما لم ينقص عن النصاب، فاتفق رأي الجماعة أن ذلك هو الصواب.
ومن رأى أن ذلك لا يكون حجة [قال] (٥) لا يزكى عن سنة إلا ما كان عند رب الماشية منها، ولا يزاد عليها، وكونه يزكى عن سنة بنصاب سنة أخرى هو مراغم للقياس.
والأصول موضوعة في الزكاة على أن كل سنة معتبرة بانفرادها ولا تحمل على غيرها [ولا يحمل عليها غيرها] (٦) ولاسيما أن الملاك لم
_________________
(١) انظر: النوادر (٢/ ٢٤٢).
(٢) سقط من أ.
(٣) تقدم بيان أن الإجماع حجة مطلقا.
(٤) في أ: الماضي.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٧٣ ]
تصدر منهم جناية، ولا جربت منهم خيانة؛ بل هم منتظرون لورود السعاة ليصدروا وهم عنهم راضون إلا أن سبب التأني من ولاة الأمر، فليس ذلك مما يوجب التغليظ على أرباب المواشي، وربك أعلم.
والجواب عن الوجه الخامس: إذا غاب عنه الساعي خمس سنين، وغنمه ألف شاة، فلما كانت السنة الخامسة رجعت إلى أربعين، ثم جاء الساعي فلا خلاف -أعلمه- في المذهب أنه لا يؤخذ منه إلا شاة واحدة؛ لأن المالك غير متعد، ولا كان منه تفريط ولا تضييع [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من جـ.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
المسألة التاسعة في زكاة الماشية المغصوبة (١)
[فإذا] (٢) غصبت ماشية ثم ردت على صاحبها بعد أعوام، وكانت نصابًا فأكثر، فهل يزكيها ربها لعام واحد، أو لأعوام؟
فلا تخلو من أن تكون قد زُكِّيَت عند الغاصب كل عام أم لا، فإن كان الساعي يأخذ زكاتها من الغاصب كل عام فلا شيء على صاحبها إلا زكاة العام الذي ردت عليه، ولا خلاف في هذا الوجه لبقائها على ملك صاحبها، وعلى ملكه زكيت؛ إذ الغصب لا ينقل الملك.
فإن كانت الغنم غير مزكاة عند الغاصب من يوم غصبها إلى يوم ردت على صاحبها، هل يزكيها صاحبها لماضي الأعوام أو إنما يزكيها لعام واحد؟
فالمذهب على قولين منصوصين في المدونة:
أحدهما: أنه يزكيها لعام واحد، وهو أحد أقاويل ابن القاسم.
والثاني: أنه يزكيها لماضي السنين حتى ترجع إلى ما لا زكاة فيه أو تنقضي السنون، وهو قول ابن القاسم [وأشهب أيضًا] (٣).
وسبب الخلاف: الغاصب هل يرد الغلات أم لا؟
فعلى القولين بأنه يرد الغلات، فعلى رب الماشية زكاتها لماضي السنين على ما تؤخذ عليه عنده؛ لأنها باقية على ملكه بخلاف العين على أحد
_________________
(١) انظر: المدونة (٢/ ٣٣٨).
(٢) في الأصل: وإذا.
(٣) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٧٥ ]
الأقوال؛ لأن [الغلة، (١) لما ردت مع الأعيان، فكأنها قط لم تزل من يده (٢).
وعلى القول بأن الغاصب لا يرد الغلات، فليس على المغصوب منه أن يزكيها إلا لعام واحد؛ لأنها [أموال] (٣) محبوسة عن تنمية مالكها، فسقطت عنه فيه الزكاة قياسًا على العين في أحد الأقوال، والحمد لله وحده.
_________________
(١) في ب: الغلات.
(٢) قال أشهب: والعين ليس له أن يَطْلبَ الغاصبَ بربحه. النوادر (٢/ ١٤١).
(٣) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٧٦ ]
المسألة العاشرة في شراء المرء صدقته (١)
ولا يخلو شراء المرء صدقته من وجهين:
أحدهما: أن يشتريها قبل أن تقبض منه، أو بعد ما قبضت منه.
فإن اشتراها قبل أن تقبض منه، فلا خلاف في المذهب أن ذلك يمنع ابتداء.
فإن وقع ونزل وأخذ الساعي عوضًا عما وجب له من الشاة أو حب، فهل يجزئه أو يعيد؟
فلا يخلو ولاة العهد من أن يكونوا ولاة العدل، أو ولاة الجور.
فإن كانوا ولاة العدل، فأخذوها عند محلها، وفيما أخذوه وفاء [عما] (٢) وجب لهم وهم يضعونها مواضعها ويصرفونها لمن يستحقها، فإنها تجزئه، وهو قول ابن القاسم، وأشهب في "الموازية".
ولا فرق على هذا القول بين أن يأخذ منهم القيمة طوعًا أو كرهًا.
والدليل على جواز إخراج القيمة في الزكاة إذا كان الإمام عدلًا فعل معاذ بن جبل باليمن حين بعثه النبي - ﷺ -[مصدقًا قال لهم: ائتوني بعوض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة، فإنه أهون عليكم وخير لأصحاب رسول الله - ﷺ - بالمدينة، وإنما كره ذلك من كرهه لعموم قوله ﵇: "العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه" (٣).
_________________
(١) انظر: المدونة (٢/ ٣٣٩)، والنوادر (٢/ ٢٢٢: ٢٢٤).
(٢) في ب: لما.
(٣) أخرجه البخاري (٢٤٤٩)، ومسلم (٦٢٢١) من حديث ابن عباس.
[ ٢ / ٣٧٧ ]
وإن كانوا ولاة جور فهل يجزئ ما أخذوا أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يجزئ ما أخذوا طوعًا ولا كرهًا، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: التفصيل بين الإكراه والطوع؛ فإن أخذ منهم العوض بالإكراه أجزأه، وإن أخذ منهم طوعًا استحبت لهم الإعادة، وهو قول أصبغ، وابن وهب، وغيرهما.
ووجه قول ابن القاسم: أنها زكاة أخذت ووضعت في غير محلها، وصرفت لغير مستحقها، فلا تجزئه كما لو دفعها إلى عبد أو نصراني.
ووجه قول أصبغ: أن [الفداء] (١) إنما وقع عليها بعد أن أخذوها وبرئت منها ذمة المزكي، فكانت جائزة عنه؛ إذ لا يمكن الخروج عليهم إذا كانوا مسلمين لما في ذلك من سفك الدماء، وسبي الحريم، وإثارة الفتنة، وذلك مما لا يحل؛ ولأجل هذا منع القيام على ولاة الجور إذا لم يتوصل إلى عدلهم إلا بعد سفك الدماء، وسبي الأموال، وهتك الحرمات، وبه قال القاضي ابن رشد، والشيخ أبو عمران، وابن عبد البر، وغيرهم من متأخري المذهب، فإن اشتراها بعد ما قبضت منه فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يشتريها من الذي قبضها منه.
والثاني: أن يشتريها من غيره.
فإن اشتراها من الذي قبضها منه؛ مثل أن يشتريها من المسكين أو المتصدق عليه؛ إن كان تطوع بها، فإن البيع ممنوع ابتداء، فإن نزل هل
_________________
(١) هكذا في أ.
[ ٢ / ٣٧٨ ]
يفسخ أم لا؟ قولان قائمان من المدونة.
أحدهما: أن البيع نافذ، ولا يفسخ، وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وهو قول القاضي أبي محمد عبد الوهاب.
والثاني: أن البيع مفسوخ، وهو قول أبي إسحاق التونسي على ما نقله عنه أبو الوليد الباجي.
والقولان قائمان من المدونة في المدير وغيره يخرج في زكاته عرضًا بقيمته، فلا يجزئه عند ابن القاسم، وقال أشهب: يجزئه إذا لم يحابي نفسه، ولبئس ما صنع.
وينبني الخلاف: على الخلاف في النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟ وذلك أنه - ﷺ -[نهى عن شراء المرء صدقته] (١)، [ولا خلاف] (٢) في هذا بين الفرق والتطوع.
فإن اشتراها من غير الذي قبضها منه؛ مثل أن يقبض زكاة ماله، أو تصدق بصدقة على رجل ثم وجدها بيد غيره، فهل يجوز له أن يشتريها منه أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنه يكره له أن يشتريها منه، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أن الشراء يجوز له ابتداء من غير كراهة، وهي رواية عيسى عن مالك في المدونة.
وسبب الخلاف: اختلافهم في حماية [الذريعة] (٣) [هل تحمى أو لا
_________________
(١) في ب: نهى عمر ﵁ عن شراء صدقته.
(٢) في ب: فلا فرق.
(٣) في ب: الحماية.
[ ٢ / ٣٧٩ ]
تحمى، ولا خلاف في مذهب مالك أن الذريعة تحمى، وإنما الخلاف في الحماية، (١) تحمى أم لا؟ ووقع لمالك في المدونة في مواضع أنها تحمى؛ فمنها قوله في كتاب الآجال فيمن باع [سلعة] (٢) بثمن إلى أجل ثم وكل غيره على أن يشتريها له بأقل من الثمن نقدًا، قال: لا يجوز ذلك؛ وهذا منه بناء على أن الحماية تحمى، ومثله قوله في "كتاب الزكاة الثاني" وغيره [لا ينبغي له] (٣) أن يشتري صدقته من [غير] (٤) الذي تصدق بها عليه؛ وذلك لأن العلة التي من أجلها منع الشراء من الذي قبضها منه مخافة وجود المسامحة في بعض [الثمن من البائع] (٥) فيؤول ذلك إلى أن يرجع إلى المتصدق بعض صدقته بلا عوض، فمنع من ذلك سدًا للذريعة.
وهل يتصور وقوع ذلك من الأجنبي أم لا؟
فمن رأى أن الحماية تحمى قال: يمنع ذلك من الأجنبي كما يمنع من المتصدق عليه نفسه.
ومن رأى أن الحماية لا تحمى جَوَّز الشراء من الأجنبي لارتفاع التهمة.
فهذه معان رائقة ينبغي للناظر تفهمها، والتشوف إلى معرفتها، [وربما تكون لنا العودة لتقييد هذا الأصل، ووضوحه بموضعه في "كتاب الآجال" إن شاء الله تعالى] (٦) [والحمد لله وحده] (٧).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في الأصل: بسلعة.
(٣) في جـ: لا يجوز.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من ب.
(٧) زيادة من جـ.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
المسألة الحادية عشر [في زكاة] (١) الثمار والحبوب (٢)
والكلام [في] (٣) هذه المسألة في خمسة فصول:
أحدها: في معرفة ما تجب فيه الزكاة من أنواع الحبوب والثمار.
والثاني: معرفة ما يضم [بعضه] (٤) إلى بعض من تلك الأنواع.
والثالث: معرفة المقدار الذي يؤخذ منها.
والرابع: معرفة ما يخرص منها مما لا يخرص.
والخامس: معرفة الوقت الذي تجب فيه الزكاة في تلك الأنواع.
فالجواب عن الفصل الأول:
في معرفة ما تجب فيه الزكاة من الحبوب وسائر [أصناف] (٥) الثمار.
والأصل في وجوب الزكاة في الحبوب والثمار على الجملة الكتاب والسنة [وإجماع الأمة] (٦).
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٧).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
(٢) انظر: المدونة (٢/ ٣٤٣).
(٣) في أ: على.
(٤) في أ: بعضها.
(٥) في ب: أجناس.
(٦) في أ: والإجماع.
(٧) سورة الأنعام الآية (١٤١).
[ ٢ / ٣٨١ ]
وأما السنة: فما خرجه [البخاري] (١) ومسلم، ومالك في "الموطأ" أن النبي - ﷺ - قال: "ليست فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة" (٢).
وقال - ﷺ -: "ليس فيما دون خمسة أوسق من حب ولا تمر صدقة" (٣)، وهذا الحديث انفرد به مسلم.
وأما الإجماع: فمعلوم من دين الأمة ضرورة وجوب الزكاة بشروط أحكمتها السنة.
وقد فسر النبي - ﷺ - مجمل القرآن، فأوجب الزكاة في شيئين الثمر والحب، وأنه لم يبين ذلك الثمر ما هو، ولا جنس ذلك الحب ما هو، ووكل بيان ذلك اجتهاد المجتهد لكي لا يخليه من تعب الاجتهاد، فالله تعالى يقول: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٤)، وأما تفصيل ما وجبت فيه الزكاة من الثمار والحبوب، فإن الزكاة تجب في النخيل، والأعناب، والزيتون قولًا واحدًا؛ لأنها أصول الأقوات المدخرة، وأصل المعاش غالبًا.
واختلف فيما كان غالبًا، ويدخر ويراد للتفكه، مثل اللوز، والجوز، والجلوز، والفستق، وما لا يدخر، ويراد للتفكه مثل البلح، هل يزكى إذا كان نصابًا أم لا؟
أما ما يدخر ويراد للتفكه مما ذكرنا: فالمذهب في وجوب الزكاة فيها على قولين:
أحدهما: أنه لا زكاة عليه أولًا، وقول مالك، وابن القاسم،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) أخرجه البخاري (١٣٩٠) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٣) أخرجه مسلم (٩٧٩) من حديث أبي سعيد.
(٤) سورة المجادلة الآية (١١).
[ ٢ / ٣٨٢ ]
وجميع أصحابه على ما حكاه ابن أبي زيد.
والثاني: أن الزكاة تجب في جميع الثمار كلها ذوات الأصول، وما يدخر منها وما لم يدخر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (١)، وهو قول ابن حبيب في "الواضحة".
وسبب الخلاف: العموم: هل يخصص بالقياس أم لا؟ (٢) وأما ما لا يدخر، ويراد للتفكه مثل البلح الذي لم يزهو هل تجب فيه الزكاة أم لا؟
فالمذهب فيها يتخرج على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: وجوب الزكاة فيه، وهو قول مالك، وابن القاسم في المدونة في كتاب الزكاة الثاني.
ويتخرج القول الثاني بأنه لا زكاة فيه من مسألة الفواكه، والخضروات فقد نص مالك في "المدونة" (٣) وغيرها أن لا زكاة فيها، وقد اعترض فضل ابن مسلمة [مسألة المدونة] (٤) فقال: كيف تؤخذ الزكاة من تمر لا يجد إلا بلحًا، ويلزم على هذا أن تؤخذ الزكاة من الفصيل إذا جَدَّ.
والاعتراض واقع جدًا، وقد [اعترض] (٥) حذاق المتأخرين عن هذه [المسألة] (٦) وراموا الانفصال عن ما اعترض به فضل؛ منهم القاضي أبو
_________________
(١) سورة الأنعام الآية (١٤١).
(٢) القياس يخصص العام من الكتاب والسنة؛ لأن الخاص من القياس، والعام من الكتاب والسنة دليلان قد ثبتا، ولا يمكن أن تقدم العام على الخاص؛ لأنه يلزم منه إلغاء الخاص بالكلية، وهذا لا يجوز، أما تقديم الخاص فلا يوجب ذلك؛ بل فيه عمل بالخاص، وعمل بما بقي بعد التخصيص، وهذا فيه جمع بين الدليلين. الجامع لمسائل أصول الفقه (٢٦٩، ٢٧٠).
(٣) انظر: المدونة (٢/ ٢٩٤).
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: اعتذر.
(٦) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٨٣ ]
الفضل عياض، فإنه قال: لعل معنى قوله: "لا تزهو": أي لا يتم زهوها، ولا ترطب، ولا تتمر، وأنه يبدو فيه الصلاح، ولا يتم على ما يتم عليه مثله، ولا يكون بلحًا كبيرًا، أو بسرًا، ولم يرد البلح الصغير الذي هو علف، فيشبه [الرطب الذي] (١) لا يجف ويصير تمرًا، فيكون موافقًا للأصول، ويكون قوله: لا يزهو لفظ غير محصل، ولا وقع موقع التحقيق، وإن لم يكن هذا معناه [وإلا] (٢) فالقول ما قال فضل.
وممن ذهب إلى [مثل] (٣) هذا التأويل الشيخ أبو عمران الفاسي، فإنه قال: معناه أنها لا تحمر، ولا تصفر، ولكنها تبقى خضراء، وتدخلها الحلاوة، وهذا تأويلهم على المسألة.
وعلى تسليم هذا التأويل ينبني الخلاف في المسألة على الخلاف في أنواع الأموال في الزكاة، هل يراعى كل نوع بانفراده، ولا يعتبر سواه، أو الاعتبار بالغالب، ويكون الأقل تبعًا للأكثر، فإن اعتبرنا الأنواع [وجب أن لا زكاة] (٤) في البلح الذي لا يزهو؛ لأنه ليس مما في الحديث، ولا هو أصل للعيش، والعنب الشتوي من هذا القبيل.
وإن اعتبرنا الغالب وجبت الزكاة في البلح والعنب الشتوي؛ لأن الغالب من ثمار النخيل، والأعناب الادخار، والأقل تبع للأكثر، ويحكم له بحكمه.
وأما ما تجب الزكاة فيه من الحبوب وسائر القطاني، فلا خلاف في المذهب فيما كان منها مقتاتًا مدخرًا أصلًا للمعاش غالبًا أن الزكاة واجبة
_________________
(١) في أ: المسألة الأخرى التي.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: وجيب الزكاة.
[ ٢ / ٣٨٤ ]
فيه؛ وذلك مثل القمح، والشعير، والسلت، والأرز، والدخن، والذرة، والفول، والعدس، والحمص و[الجلبان] (١) واللوبيا، والبسيلة -وهي الكرسنة- وما ثبت معرفته عند الناس أنه من القطاني، والزيتون، والسمسم [إلا أن هذه الحبوب منها ما يراد لزيته كالزيتون والسمسم] ومنها كان في معناهما مما سنذكره تفصيلًا إن شاء الله تعالى.
ومنها ما يراد [لعينه] (٢) لكونه قوتًا في نفسه كالقطاني.
واختلف فيما عدا المسميات التي ذكرناها من سائر القطاني، هل تجب فيها الزكاة أم لا؟ مثل الترمس، وفيما عدا الزيتون والسمسم مثل حب الفجل، والسلجم، وبذر الكتان، و[حب] (٣) القرطم، وهي ذريعة العصفور، وأما الترمس: فقد نص عليه ابن القاسم في كتاب محمد أنها من القطاني، وأنها تزكي، وهو ظاهر قول أبي محمد بن أبي زيد وتأويله لقول مالك أن لا زكاة في الترمس؛ لأنه اشترط الحبوب التي تزكى أن تكون أصلًا للمعاش والترمس ليس بأصل للمعاش.
وقد اختلفوا في العلة الجالبة للزكاة في الحبوب، هل الاقتيات والادخار خاصة، فتكون العلة ذات وصفين أو يضاف إليهما وصف ثالث؛ وهو أصل للمعاش غالبًا، فتكون العلة مركبة من ثلاثة أوصاف، [وإلى أن العلة من ثلاثة أوصاف] (٤) ذهب أبو محمد بن أبي زيد، وإلى أنه ذات وصفين ذهب القاضي أبي محمد عبد الوهاب.
وعلى هذا الاعتبار اختلف المذهب في التين، هل تجب فيه الزكاة أم
_________________
(١) غير واضحة بالأصل فأثبتناها من المدونة.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٨٥ ]
لا على قولين:
أحدهما: نص مالك في المدونة أنه لا زكاة في التين، وهو المشهور في النقل [والمهجور في المعنى] (١).
والثاني: وجوب الزكاة [فيها] (٢)، [وهو قول ابن حبيب] (٣) وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة في كتاب الزكاة الثاني في باب زكاة الفطر على رواية جبلة بن حمود، وعيسى بن مسكين بعد قول مالك: لا يجزئه إخراج زكاة الفطر، وأنا أرى [أن] (٤) كل شيء من القطنية؛ مثل اللوبيا أو شيء من الأشياء التي ذكرناها أنها لا تجزئه، وإذا كانت عَيْش قَوْم فلا بأس أن تؤدي من ذلك [زكاة الفطر] (٥)، وتجزئهم.
ومن جملة الأشياء التي ذكرها التين، فإذا جاز أن تؤدى منه زكاة الفطر وجب أن تجب فيه [زكاة الوسق] (٦)، وهذا القول ضعيف في النقل مشهور [في المعنى] (٧).
ولا خلاف عند مالك في وجوب الزكاة في الزيت لكونه مقتاتًا مدخرًا، أصلًا للعيش غالبًا، فالتين أقوى اقتياتا من الزيت، وأنفع للجسم، والتعويل عليه عند من هو عندهم مثل الأندلس وغيرهم من بلاد المغرب أكثر من التعويل على الزبيب والتمر عند أهلها في النفقة، والمؤونة، فما كان هذا [سبيله] (٨) فكيف لا تجب فيه الزكاة؟.
وقد اعتذر القاضي أبو الحسن بن القصار عن قول مالك، وقال: إنما
_________________
(١) في أ: والجمهور في المعتاد.
(٢) في ب: في التين.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ب: الزكاة.
(٧) سقط من أ.
(٨) في أ: ببلده.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
تكلم مالك [عن بلده] (١) ولم يكن التين عندهم، وإنما كان يجلب إليهم، فلو عاشرها وباشرها لأوجب فيه الزكاة [كما] (٢) أوجبها في غيره.
والذي قاله القاضي صحيح، وقد وقع في كتاب المساقاة والحوائج من المدونة ما يدل على تأويل ابن القصار على ما سنوضحه في موضعه إذا انتهينا إليه إن شاء الله.
وأما الجواب عن الحبوب المختلف في وجوب الزكاة فيها: مما يراد للزيت كالقرطم، وبذر الكتان، وحب الفجل، والسلجم: فلابن القاسم في "العتبية" في حب القرطم قولان:
أحدهما: أن الزكاة في زيته.
والثاني: أنه لا زكاة فيه، [وهو] (٣) الذي اختاره سحنون.
وأما بزر الكتان: فقد روى ابن القاسم عن مالك أنه لا زكاة في حبه، ولا في زيته؛ إذ ليس مما يقتات به، وبه قال المغيرة وسحنون، وقال أصبغ في كتاب ابن المواز: فيه زكاة -يريد في زيته- وهو أعم نفعًا من زيت القرطم.
وأما حب الفجل: فقد نص ابن القاسم في "المدونة" (٤) أن الزكاة تؤخذ من [حبه] (٥) إذا بلغ حبه خمسة أوسق، والسلجم في معناه، وله في كتاب محمد: لا زكاة فيه. وهذا الاختلاف كله يرجع إلى اختلاف أحوال، وصفات التصرفات في الاستعمال؛ وذلك أن الزيتون لما اتفق وجه العمل [فيه] (٦) واتحد الانتفاع بزيته في مشارق
_________________
(١) في أ: ببلده.
(٢) في الأصل: كلما.
(٣) في الأصل: هو.
(٤) انظر: المدونة (٢/ ٣٤٩).
(٥) في ب: زيته.
(٦) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٨٧ ]
الأرض ومغاربها أطبقت الأمة على وجوب الزكاة فيها، كان مما يعصر أو لا يعصر كزيتون مصر، وكان ذلك مطابقًا لورود النص فيه.
وأما السمسم: فهو حب ذو زيت يقتات به على الجملة، فإذا نظرت من حيث التفصيل تجد أحوال [الناس] (١) في صفة استعماله تختلف، فأقوام يتخذونه عمدة الأكل ويعولون عليه كما يعولون على زيت الزيتون كأهل الشام واليمن فتجب عليهم فيه الزكاة كما تجب في الزيتون، وأقوام يتخذونه للعلاج ويستعملون منه [الأدهان كالبنفسج] (٢) والورد والياسمين وغير ذلك كأهل المغرب: فهؤلاء [يجب أن لا زكاة] (٣) عليهم فيه على القول بأن الزكاة إنما تجب في المقتات الذي هو أصل للعيش غالبًا -يريد في حالة ألاختيار والسعة لا حالة الإقتار والضرورة فإن الناس إذ ذاك لا يستثنون شيئًا من شيء حتى الغاسول، والبلوط، [ونوى] (٤) الخروب فإنه يقوم عندهم في زمان الشدة مقام سميد القمح حتى صار عندهم أصلًا للعيش، فنسأل الله العافية والسلامة.
ولهذا وقع الخلاف في بزر الكتان والقرطم؛ لأنه بالنظر إلى وجود الزيت فيه يقال بوجوب الزكاة فيه وبالنظر إلى أنه لا يعاش به وإن كان [الزيت] (٥) يخرج منه إلا أن القدر الذي يخرج مه نذر يسير [يقال أن لا زكاة فيه] (٦) لأن الزكاة شرعت مواساة للفقراء من الأغنياء، ولا تجب إلا في الأموال التي تحتمل المواساة وتسد الخلات، ولا جرم أن النصب موضوعة في الأموال النامية وضعًا لا يحل الزيادة عليها ولا النقصان منها.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: أدهان البنفسج.
(٣) في ب: فلا تجب الزكاة.
(٤) في جـ: وحب.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٨٨ ]
والجواب عن [الفصل] (١) الثاني: في معرفة ما يضم بعضه إلى بعض من الحبوب والثمار في الزكاة (٢).
والحبوب في الزكاة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
منها القمح والشعير والسلت: فلا خلاف في المذهب في وجوب ضم بعضها إلى بعض في الزكاة، وأنها صنف واحد في الزكاة وفي قاعدة الربا.
واختلف في العلس [وهو] (٣) الإشقالية: وهو حب مستطيل مصوف يكون باليمن [هل] (٤) يضم بعضه إلى القمح والشعير [والسلت أم لا] (٥) على قولين:
أحدهما: أنه من جنس القمح والشعير والسلت، وهو قول أكثر أصحاب مالك على ما نقله ابن حبيب في واضحته.
والثاني: أنه صنف رابع، ولا يضاف إلى الأنواع الثلاثة، وهو قول ابن القاسم، وبه قال ابن وهب وأصبغ.
ووجه القول الأول: أنه تساوى مع القمح في المنفعة ولا يكاد يخلو منه.
ووجه القول الثاني: أنه لا يتفق مع الحنطة والشعير في الوجود [فدل ذلك] (٦) على اختلاف منفعتهما.
ومنها: الأرز والذرة والدخن فهل هي صنف واحد، أو كل واحد منهما
_________________
(١) في أ: السؤال.
(٢) انظر: المدونة (٢/ ٣٤٩).
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
صنف؟
فالمذهب على قولين:
وهل [هذا] (١) الخلاف يتخرج على الخلاف في الأرز والدخن والذرة هل هي صنف واحد مع القمح والشعير في [باب] (٢) الربا أم لا؟
فالمذهب فيها على قولين:
أحدهما: أن كل واحدة من هذه الأنواع الثلاثة التي هي الذرة والدخن والأرز صنف [منفرد] (٣) لا يضاف [إلى شيء ولا يضاف] (٤) إليه شيء لا من القمح ولا من غيره، وهذا هو نص المدونة في كتاب الزكاة الثاني، وفي كتاب السلم الثالث، وهذا القول هو الأشهر في المذهب.
والمذهب: أن القمح والشعير والسلت والدخن والذرة والأرز كلها صنف واحد لا يجوز التفاضل في شيء منها في باب الربا، وهي رواية زيد ابن بشير عن ابن وهب، على ما نقله القاضي أبو الوليد الباجي في "المنتقى" (٥)؛ فعلى هذا يجب أن تجمع في الزكاة أيضًا، وذلك من باب أولى؛ لأنه يجمع في الزكاة بين ما يختلف [فيه] (٦) في الربا هل هو جنس واحد أو جنسان، وذلك لا يخفى على من شد طرفًا من المذهب.
ومنها: القطاني على تعدد أسمائها: فلا خلاف في المذهب أنها لا تضم
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
(٢) في ب: قاعدة.
(٣) انظر: المنتقى.
(٤) في أ: واحد.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٩٠ ]
إلى [شىء] (١) من القسمين المتقدمين؛ لا إلى القمح والشعير والسلت، ولا إلى الدخن والذرة والأرز واختلف في [الزكاة في] (٢) [الكرسنة] (٣) وهي البسيلة على تفسير بعضهم، هل هي من القطاني أو هي صنف منفرد على قولين:
أحدهما: أنها من جملة القطاني، وهو قول أشهب في "العتبية"، وهو نص قول ابن القاسم في "المدونة" إن صح أن [الكرسنة] هي البسيلة.
والثاني: أنها صنف على [حدته] (٤) لا يضم إلى القطاني، وهو قول ابن حبيب في "الواضحة".
واختلف في القطاني هل هي صنف [واحد] (٥) في البيوع أم لا؟
على قولين منصوصين عن مالك في "المدونة" في كتاب السلم. "الثالث"، فمرة قال: إنها صنف واحد لا يجوز التفاضل فيه، ومرة قال: إنها أصناف يجوز فيها التفاضل.
واختلف أصحابنا [المتأخرون] (٦) في ترجيح هذين القولين في الزكاة، فمنهم من قال: إن القولين جاريان في الزكاة كجريانهما في البيوع، وهو قول القاضي أبي محمد عبد الوهاب.
ومنهم من قال: إن القولين لا يدخلان في الزكاة [وأن القطاني كلها في الزكاة] (٧) صنف واحد وفي البيوع قولان، وهو ظاهر قول مالك في
_________________
(١) في الأصل: شدتين.
(٢) سقط من أ.
(٣) في الأصل: الكرسة.
(٤) في ب: حده.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٩١ ]
"الموطأ"، "والمدونة".
والذي اختاره أبو الوليد الباجى أن يكون كل [واحد] (١) منها صنفًا منفردًا لا يضم إلى غيره في الزكاة والبيوع، قال: لأنا إن عللنا للجنس بانفصال الحبوب بعضها من بعض اطرد ذلك فيها وانعكس وصح.
وإنْ عللنا باختلاف الصور والمنافع صَحّ أيضًا، وهذا كُلّه [فيما] (٢) يجمع من حيث الجِنسِيّة، وأما ما يُجمع من حيث الزَّمان والحَصَاد فلا يخلو من وجهين:
إِمَا أنْ يَخْتَلفُ زَمَانهمَا في الحَرْث والحَصَاد، أو يَتَّفِق.
فَإنْ اخْتَلَفَ الزَّمَان كالشِّتْوِي والصَّيْفِي فَإنّه يُعْتَبر النِّصاب في كِلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا [قولًا واحدًا] (٣).
وإنْ اتَّفَقَ الزَّمَان فلا يخلو مِنْ وجهين:
أحدهما: أنْ يُزْرعَ الثَّاني قَبْلَ حَصَاد الأوَّل.
والثاني: أنْ [يزرع] (٤) بَعْدَ حَصَادِ الأوَّل.
فَإنْ زَرعَ الثاني قَبْلَ حَصَادَ الأوَّل: فلا يخلو من أن يرفع مِنْ كُلّ واحد منهماَ نِصَابًا، أو دُونه.
فإن رَفَعَ مِنْ كُلّ واحد منهما نِصابًا: فلا [كَلَام] (٥).
وإن وقع من كل واحد منهما دون النصاب إلا أنهما في الضم والجمع
_________________
(١) في أ: صنف.
(٢) في أ: مِمِا.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: يزرعها.
(٥) في ب: إشكال.
[ ٢ / ٣٩٢ ]
يكون النصاب فيهما، هل يضم بعضها إلى بعض، أم لا؟ [فالمذهب] على قولين:
أحدهما: أنه [يضم الأول إلى الثاني] (١) ويزكى، وهو قول مالك في "كتاب ابن سحنون"، وبه قال محمد بن مسلمة.
والثاني: أنه لا يضم بعضه إلى بعض، ولا زكاة عليه حتى يرفع من كل [ما حصد] (٢) ما تجب فيه الزكاة، وهي رواية ابن نافع عن مالك في [الكتاب المذكور أيضًا] (٣)، وهذا هو الأصوب؛ لأن الحصاد إذا اختلف اختلافًا متباينًا حتى لا يشبه ما بينهما ما بين البكري والمتأخري، فلا ينبغي أن يجمعا في الزكاة لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٤).
فالحق إنما وجب عليه بنفس الفراغ من عمله -أعني وجوب الإخراج.
وأما وجوب التكليف فقد تعلق [بطيبه] واستغنائه عن الماء، فإذا كان الزرع في تلك الساعة لا تجب فيه الزكاة لقصوره عن النصاب فلا تجب فيه الزكاة ساعة أخرى.
فإن قيل زرع الثاني بعد حصاد الأول: لم يضم الأول إلى الثاني، واعتبر النصاب في كل واحد منهما كالشتوي [مع] (٥) الصيفي.
وعلى القول بأنه [يضم] (٦) الأول إلى الثاني في الوجه الأول، فإن زرع ثالثًا بعد حصاد الأول وقبل حصاد الثاني: فإنك تنظر، فإن كان الزرع الأوسط ثلاثة أوسق، والأول والثالث وسقان: زكى عن الجميع؛ لأنك إن
_________________
(١) في ب: يضم الثاني إلى الأول.
(٢) في ب: واحد.
(٣) في ب: كتاب ابن سمنون.
(٤) سورة الأنعام الآية (١٤١).
(٥) في أ: و.
(٦) في ب: لا يضم.
[ ٢ / ٣٩٣ ]
أضفت الأوسط إلى الأول كانا خمسة أوسق، وإن أضفته إلى الآخر كان كذلك أيضًا.
ولو كان الأوسط وسقان، والأول ثلاثة أوسق والثالث وسقان: لزكى الأول والأوسط دون الثالث. ولو كان الأول وسقين، والأوسط والثالث ثلاثة أوسق: لزكى الأوسط والآخر، ولا يزكى الأول، ولا مجمع بين الأول والثالث أصلًا إلا إذا كان الأوسط ثلاثة [أوسق] (١) -كما تقدم- فافهم هذا التحصيل ترشد إن شاء الله تعالى، وهذا كله في الحبوب التي تُراد للاقتيات بنفسها.
وأما الحبوب التي يُراد منها الزيت: فإنها أصناف مختلفة ولا يضم بعضها إلى بعض كالزيتون والسمسم وغيرهما من إلأشياء [مما يعصر] (٢) للزيت لأنها متباينة المنافع، والتفاضل فيها جائز، فيعتبر النصاب من كل واحد من تلك الأجناس على الانفراد.
وأما الثمار والأعناب: فكل واحد منهما صنف على اختلاف أنواعها؛ فالتمر كله [صنف] (٣) على اختلاف أنواعه [وأسمائه] (٤) وصفاته مما يتمر أو يزهو، أو لا يتمر ولا يزهو، أو لا يتمر [ولا يزهو] (٥) وإنما يكون بلحًا على القول بوجوب الزكاة [فيه] (٦) على ما قدمناه في الفصل الأول.
وكذلك العنب الشتوي والصيفي فإنه صنف واحد يضاف بعضه إلى
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: وأجناسه.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٩٤ ]
بعض، فإذا حصل من ذلك نصاب فليزكه وهذا كله في الحبوب والثمار التي هي في الأماكن [المحوزة] (١)، والأراضي [المربوبة].
وأما ما يؤخذ من الجبال من كرم وزيتون وتمر مما لا مالك له: فلا زكاة فيه على من أخذه، وهو قول مالك في "كتاب ابن المواز".
والجواب عن [الفصل] (٢) الثالث: في [مقدار] (٣) الجزء الذي يؤخذ من نصب الحبوب والثمار في الزكاة.
وذلك يختلف باختلاف سقيه وعلاجه؛ فما كان منها يشرب بعروقه أو بسيح (٤) أو بالعيون والأنهار أو بماء السماء وما أشبه ذلك مما لا يتكلف فيه مؤونة ولا مشقة شاقة: ففيه العشر.
وما كان يسقى بالغرف أو بدالية: ففيه نصف العشر لكان ما يتكلف في ذلك من المؤونة بماله أو بنفسه.
والدليل على ذلك: ما خرجه البخاري ومسلم مسندًا، وخرجه مالك في الموطأ من طريق بسر بن سعيد أن رسول الله - ﷺ - قال: "فيما سقت السماء والعيون والبعل العشر، وما سقى بالنضح نصف العشر" (٥).
وفي حديث مسلم والبخاري: "أو كان عثريًا" (٦).
فقيل: العثرى: الذي يشرب سيحًا، وقيل: العثرى ما تسقيه السماء،
_________________
(١) في ب: المحازة.
(٢) في أ: الوجه.
(٣) في ب: معرفة.
(٤) السيح: الماء الجاري مثل الغيل، يسمى سيحا لأنه يسيح في الأرض -أي يجري- "الغريب لابن سلام" (١/ ٦٩ - ٧٠).
(٥) أخرجه البخاري (١٤٨٣) ومسلم من حديث ابن عمر وأخرجه مالك (٦٠٨) من حديث بسر بن سعيد بإسناد ضعيف.
(٦) تقدم.
[ ٢ / ٣٩٥ ]
وكلا القولين حكاهما ابن فارس في كتاب "فقه اللغة"، وكلاهما مخالف للحديث لأنه ذكر في الحديث: "ما تسقيه السماء والعيون"، والعثرى غيرهما، وهو الذي يشرب بعروقه، والله أعلم.
والبعلى: هو ما يشرب بعروقه، وهو قول أبي عبيد في "غريب الحديث" (١)، وبه قال أبو داود في "التفسير" أيضًا ومنه قول الشاعر:
من الواردات الماء بالقاع تستقى بأعجازها (٢) قبل استقاء الحناجر
ومعنى ذلك أن أصولها تصل إلى الماء تحت الأرض فيقوم لها ذلك مقام السقى، ولا تحتاج أن تسقى بما ينزل إلى عروقه من وجه الأرض من مطر أو غيره، وهذا تأويل أبي الوليد الباجي.
وقال ابن حبيب (٣): البعلى ما يشرب بعروقه من غير سقى سماء ولا غيرها.
وقال الباجي: وهذا لا أراه إلا بمصر إلا أنها على كل [حال] (٤) يأخذها سقى النيل.
فإذا كان الشرب بالوجهين جميعًا بالنضج أو بالعيون أو بالسماء: فلا يخلو من أن يتساوى السقيان، أو يختلفا.
فإن اختلفا: مثل أن يسقى نصف السنة بماء العيون ثم انقطع ويسقى بالنضح في النصف الباقي: كان عليه ثلاثة أرباع العشر، نصف زكاته
_________________
(١) (١/ ٦٧).
(٢) في غريب الحديث: بأذنابها، والبيت من قول النابغة.
(٣) تفسير غريب الموطأ (١/ ٣٠٨ - ٣١٠).
(٤) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٩٦ ]
عشر، والنصف الآخر نصف العشر، وهو قول مالك في كتاب محمد فإن اختلف السقيان وكان أحدهما أكثر من الآخر: فقد اختلف في القدر المأخوذ [منه] (١) على ثلاثة أقوال:
أحدهما: إن النظر إلى الذي [جاء] (٢) به الزرع فيكون الحكم [له] (٣) سواء كان قليلًا أو كثيرًا، وهو قول ابن القاسم في "المجموعة".
والثاني: أن الأقل تبع للأكثر إن سقى بالعين ثلثى السنة وبالنضح ثلث السنة [كان] (٤) الحكم للأكثر تقدم أو تأخر، وهو قول مالك في [الكتاب المذكور] (٥)، وبه قال عبد الملك (٦).
والثالث: أنه يؤخذ من كل واحد منهما بحسابه، وهذا القول خرجه القاضي عبد الوهاب في المذهب.
وينبني الخلاف على الخلاف في الأتباع هل تراعى أو لا تراعى؟
فعلى القول بأنها لا تراعى كان الحكم للأكثر، وهو القول [الأول] (٧).
وعلى القول بأنها تراعى [فهل] (٨) المعتبر بالأخذ الذي جاء به الزرع؛ إذ الغرض كمال الزرع وانتهاؤه إلى حيث ينتفع به، وهو القول [الثاني] (٩).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: جىء.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: لأن.
(٥) في ب: المجموعة.
(٦) انظر: "النوادر" (٢/ ٢٦٤ - ٢٦٥).
(٧) في ب: الثاني.
(٨) سقط من أ.
(٩) في ب: الأول.
[ ٢ / ٣٩٧ ]
أو يراعى كل واحد من السقيين إذ بالأول [تتم] (١) فائدة السقى الثاني، ولو انفرد الثاني ولم يتقدمه الأول لم ينتفع بالثاني فيكون لكل واحد منهما تأثير فتقسم الزكاة على قدر المنفعة، وهذا القول الثالث، وهو قول قياس، والله أعلم.
والجواب عن [الفصل] (٢) الرابع (٣): في معرفة ما يُخرص وما لا يخرص من الحبوب وسائر الثمار.
أما الثمار التي هي النخيل والأعناب: فعلى ضربين: منها ما يشرع فيه [الخرص] (٤) بالاتفاق، وضرب ثان اختلف فيه هل يخرص أم لا؟
فأما الضرب الأول المتفق عليه بالتخريص فهو النخل الذي يثمر والعنب الذي يتزبب.
والدليل على ذلك فعله ﵇ بوادي القرى وبعثه عبد الله بن رواحة إلى [الأنصاري] (٥) إلى خيبر ليخرص عليهم التمر.
ومن طريق المعنى: إنها أصول جرت العادة بالتفكه بها وامتداد اليد إليها في أول طيبها لأن النفس تستحليها، والشهوة تستجنيها، والجار [يستمنحها]، والمار يستوهبها، فإذا انحنى لهم ذلك دون خرص أدى ذلك إلى أحد أمرين ممنوعين: إما أن يبسطوا أيديهم في الأكل والاستهلاك إلى الجذاذ فيؤدي ذلك إلى أن يأتي على الثمرة كلها أو جلها فيضر ذلك بالمساكين، أو يمنع أرباب [الأصول] (٦) من التصرف فيها والتفكه برطبها
_________________
(١) في أ: تتبين.
(٢) في أ: الوجه.
(٣) انظر: "المدونة" (٢/ ٣٤٢) والنوادر: (٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧).
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: الأموال.
[ ٢ / ٣٩٨ ]
إلى يبسها وجذاذها أضر ذلك بهم فاقتضت الحكمة الشرعية بعثة الخراص ليحرز الأموال ويحصى الزكاة ثم يخلى بينهما وبين أربابها ينتفعون بها وزنًا بين الفريقين بالقسطاس المستقيم.
وهل يجتزئ في ذلك بالخارص الواحد أو لابد من اثنين؟ فالمذهب يتخرج على قولين:
أحدهما: أنه يجتزئ بالواحد، وهو المنصوص في المذهب.
والثاني: إنه لابد من اثنين، وهذا القول مخرج غير منصوص [عليه] (١)، وهذا أحد أقاويل الشافعي.
وينبني الخلاف على الخلاف في الخرص هل طريقه طريق الشهادة، أو طريقه طريق الحكم؟
فإن قلنا: إن طريقه طريق الشهادة فلابد من اثنين.
فإن قلنا: إن طريقه طريق الحكم: فإنه يكتفي في ذلك بالواحد، والعدالة والمعرفة بالخرص معتبرتان بالاتفاق من الجميع.
وكون النبي - ﷺ - يبعث عبد الله بن رواحة وحده إلى خيبر ليخرص التمر على اليهود عامًا بعد عام [فهذا] (٢) أدل الدلائل على إرسال الواحد إلا أن يعارضه قوله ﵇ لأصحابه إذ مر بامرأة في حديقتها بوادي القرى حين ذهابه إلى تبوك: "اخرصوا" وخرص رسول - ﷺ - عشرة أوسق (٣) الحديث.
فظاهر هذا أنه لو جاز الواحد ما قال لهم رسول الله - ﷺ - "اخرصوا".
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) أخرجه البخاري (١٤٨٢) ومسلم (١٣٩٢).
[ ٢ / ٣٩٩ ]
فإذا ثبت هذا فصفة الخارص. أن يكون من أهل المعرفة، [والعدالة] (١) [أن يخرص] (٢) كل نخلة [على حدة] (٣) ويحصى خرصها حتى يأتي على جميع الحائط، ثم يضم ذلك ويجمعه، وذلك أحوط له في إحصاء الزكاة، ويحرز ما في كل نخلة من الثمر اليابس عند الجذاذ على ما علم من حال ذلك الثمر وجنسه، وما ألف من حمل ذلك النخل كل سنة عند الإثمار؛ لأن الزكاة إنما تؤخذ منه تمرًا، وهكذا العنب يخرص عنبًا، ثم يقال: [كم] (٤) ينقص من العنب إذا تزبب فيسقطه، فإن بقى بعد ذلك ما فيه الزكاة زكاه وذلك خمسة أوسق، ثم لا يخلو ذلك [التمر] (٥) من أن يكون جنسًا واحدًا أو أكثر.
فإن كان [جنسًا] (٦) واحدًا فلا يخلو من أن يكون من أوسط الثمر، أو أعلاه، أو أدناه.
فإن كان من أوسط الثمر: أدى منه، وهو قوله في "المدونة" (٧): فإن كان من [أدنى] (٨) الثمر كالجعرور ومصران الفأرة فهل يؤدى منه الزكاة أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: إنه يؤدى مما عنده، ولا يكلف غيره، وهو قول ابن القاسم
_________________
(١) في أ: والعد.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: ما.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ب: لونًا.
(٧) المدونة (٢/ ٣٤٠).
(٨) في ب: ردىء.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
في "المدونة"، وبه قال أشهب.
والثاني: إنه يكلف أن يشتري الأوسط فيؤديه عن الذي عنده [وهو ظاهر قول مالك في الموطأ ورواه ابن نافع عنه نصًا وبه قال عبد الملك بن الماجشون وهو ظاهر المدونة في المواشى إذا كانت كلها شرارًا. فإن كان التمر جيدًا فإن علاوة الثمر هل يؤدى منها أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن يؤدي مما عنده وهو قول ابن القاسم في المدونة. والثاني: أن له أن يأتي مكانه بالأوسط ولا يؤدي مما عنده [وهو ظاهر قول مالك في الموطأ] (١).
وهو اختيار سحنون وهي رواية ابن نافع عن مالك:
وسبب الخلاف: الثمار والحبوب هل قياسها على الماشية، أو قياسها على العين أقرب؟
فمن قاسها على العين قال: يؤخذ منها على ما هي عليه من علاوة أو دناوة.
ومن قاسها على الماشية [قال] (٢): يكلف الإتيان بالوسط في الطرفين.
فإن كان الحب أنواعًا والثمر أنواعًا، هل يؤخذ من كل نوع بقدره أم لا؟
أما الحبوب: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب نصًا أنه يؤخذ من كل نوع ما يصيبه من حصته من الزكاة إذا كان مما يجمع في الزكاة؛ مثل: القمح، والشعير، والسلت بالاتفاق، والقطاني على الخلاف، ولا يبعد دخول الخلاف فيها [بالمعنى] (٣).
_________________
(١) سقط من أ، جـ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٢ / ٤٠١ ]
وأما الثمار والنخيل والأعناب إذا كانت أنواعًا فقد اختلف فيها في المذهب على قولين:
أحدهما: أن الزكاة تؤخذ من وسطها، وهي رواية ابن القاسم عن مالك في "المدونة".
والثاني: أن يؤخذ من كل صنف بقدره، وهي رواية أشهب عن مالك في "كتاب ابن المواز" (١).
ووجه قول ابن القاسم: اعتبار المشقة اللاحقة في اعتبار إخراج الزكاة من كل جزء منها، وتعذر حساب ذلك وتمييزه، فكان [العدل] (٢) الرجوع إلى وسط ذلك.
ووجه رواية أشهب: أن هذا مال تخرج زكاته بالجزء منه ولا مضرة في قسمته فوجب أن تخرج زكاة كل نوع منه كما لو كان جزءًا واحدًا.
وهذا إذا كانت الأنواع متساوية [وأما إذا كانت مختلفة] (٣)، وكان الواحد أكثر من الثاني فهل تؤخذ من الأكثر أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها تؤخذ من الأكثر، ولا يلتفت إلى الأقل، وهو قول عيسى ابن دينار على ما نقله عنه أبو الوليد الباجي.
والثاني: أنه يؤخذ من كل صنف بقدره من الكثير ومن القليل بقدره، وهو قول أشهب في كتاب محمد وفي "المجموعة".
_________________
(١) انظر "النوادر" (٢/ ٢٦٣ - ٢٦٤).
(٢) في ب: القول.
(٣) سقط من أ.
[ ٢ / ٤٠٢ ]
وسبب الخلاف: هل الأقل تبع للأكثر أم لا؟
واختلف المذهب في الخارص هل يخفف عن أصحاب الثمار في الخرص لمكان ما يعرون ويأكلون أم لا؟ على قولين حكاهما أبو محمد عبد الوهاب عن مالك:
أحدهما: أنه لا يخفف عنه، ولا يترك لهم لمكان الفساد والأكل شيئًا، وهو قوله في "المدونة".
والثاني: أنه يترك لهم لمكان العرايا والأكل والفساد شيئًا، وهو اختيار ابن حبيب.
واحتج بأن النبي - ﷺ - كان يأمر [بالتخفيف] (١) بالراقطة والساقطة واللاقطة وما ينال العيال وما يأكله المارة وعوافي الطيور، والحديث ليس بثابت.
وسبب الخلاف: الزكاة هل تجب بالطيب، أو لا تجب إلا باليبس [والجذاذ] (٢)؟
فمن رأى أنها تجب [بالطيب] قال: لا يترك لهم شيء لثبوت حق المساكين في ذلك المال [على العموم] (٣) وتعلقه به تعلقًا يوجب ألا يستثنى رب [الحائط] (٤) لنفسه شيئًا يستبد به على الخصوص.
ومن رأى أنها لا تجب إلا باليبس [والجذاذ] (٥) قال بجواز التخفيف
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: المال.
(٥) سقط من أ.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
والترك لهم بقدر ما يرتفقون للأكل والعرية؛ لأن الزكاة لم تجب عليهم بعد ولا ثبت عندهم للمساكين حق في الحال، وإنما قدم الخرص توسعة على أهل الثمار، على ما سنوضحه في الفصل الخامس إن شاء الله.
واختلف في الخارص إذا أخطأ في الخرص، أو كانوا جماعة فاختلفوا في الخرص؛ مثل أن يخرص أحدهم مائة وسق وخرص غيره أقل أو أكثر.
وأما الخارص إذا خرص ثم تبين أنه أخطأ في الزيادة أو النقصان؛ مثل أن يخرص أربعة أوسق فوجد فيها ربها أكثر هل يزكى على ما خرص عليه، أو على ما وجد؟
فقد قال مالك في "المدونة" (١): "إذا خرص عليه الخارص أربعة أوسق ثم رفع منها خمسة أوسق فقال: أحب إليَّ أن يخرج الزكاة لقلة إصابة الخراصين اليوم".
وقال في "كتاب محمد" (٢): إذا كان الخارص من أهل البصيرة والأمانة فليس عليه إلا ما خرص، وقال أيضًا: إن خرصه عالم فوجد أقل أو أكثر فلا شيء عليه في الزيادة، وإن خرصه غير عالم فليترك الزيادة، وهي رواية علي وابن نافع عنه في "المبسوط" ونحوه في "المجموعة".
وقال ابن نافع في رواية: يؤدي زكاة الزيادة؛ خرصه عالم أو جاهل.
وقال أشهب في "كتاب سحنون" (٣): إن خرص عليه أربعة أوسق فأصاب خمسة، فإن كان في زمان العدل عمل على ما خرص عليه. زاد أو نقص -فإن كان في زمان الجور فليخرج [على] (٤) ما وجد- زاد أو
_________________
(١) المدونة (٢/ ٣٤٢).
(٢) النوادر (٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧).
(٣) النوادر (٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧).
(٤) سقط من أ.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
نقص.
وهذا غاية ما نقل [في] المسألة من الأقوال.
وقد اختلف المتأولون في تأويل ما وقع لمالك في المدونة في قوله: "أحب أن يزكى لقلة إصابة الخراص اليوم"؛ فمنهم من حمل لفظة الاستحباب هاهنا على الوجوب و[أنه] (١) ليس على بابه، وليس ذلك ببدع في الاستعمال.
وقد وقع لفظ الاستحباب بمعنى الوجوب في المدونة في مواضع معدودة، وعدوا منها هذا الموضع.
ومنهم من حمل الكلام على ظاهره، وقال: إن لفظ الاستحباب هنا على بابه، وجعل أن ذلك ظاهر المدونة بقوله: (أحب إليَّ) وبتعليله بقلة إصابة الخراص اليوم، فلو كان على الوجوب لم يلتفت إلى الخراص -أصابوا أو أخطأوا- وهذا تأويل القاضي [عياض] (٢).
فعلى [القول] (٣) بالتأويل الأول يتحصل في جملة المسألة أربعة أقوال إلا أن ذلك يرجع إلى ما فسره مالك في كتاب محمد.
وعلى تأويل القاضي يتحصل منه خمسة أقوال (٤): أحدها: أنه يعمل على ما وجد وعليه يزكى خرصه عالم أو جاهل، وهو رأى ابن نافع.
والثاني: التفصيل بين أن [يزكيه] (٥) عالم أو جاهل؛ فإن [زكاه] (٦)
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: أبو الفضل ﵀.
(٣) سقط من أ.
(٤) انظرها في "النوادر" (٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧).
(٥) في ب: يخرصه.
(٦) في ب: خرصه.
[ ٢ / ٤٠٥ ]
عالم فلا شيء عليه في الزيادة ويعمل على ما خرص، وإن خرصه جاهل: عمل على ما وجد، وهي رواية ابن نافع [عن مالك وهو قول مالك في كتاب محمد] (١).
والثالث: التفصيل بين من له الخبرة والأمانة [وغيره. فإن خرصه من له الخبرة والأمانة عمل على ما خرصه وإن خرصه غيره] (٢) عمل على ما وجد، وهو قول مالك في كتاب محمد.
والرابع: التفصيل بين زمان العدل وزمان الجور، وهو قول أشهب في كتاب ابن سحنون.
والخامس: أن ذلك على معنى الاستحباب، وهو ظاهر "المدونة" على أحد التأويلين.
هذا إذا حملنا الأقاويل على ظاهرها، وإن نظرت إلى التحقيق وسلكت طريق التطبيق تجد الأقوال كلها ترجع إلى ثلاثة أقوال: القول بالاستحباب [والقول بأنه يزكى على ما وجد عنده] (٣)، وهو ظاهر المدونة.
والتفصيل بين زمان العدل وزمان الجور.
والتفصيل بين العالم العدل وبين الجاهل.
والقول بأنه يزكى على ما وجد جملة، والأقوال كلها ترجع إلى هذه الأقوال [الثلاثة] (٤).
والقول الرابع بالاستحباب على القول بأن الاستحباب قول يرجع إلى أربعة أقوال.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
وسبب الخلاف: حكم الحاكم هل يعذر به المحكوم له أم لا؟ فمن رأى [أنه] يعذر به قال: لا زكاة عليه في الزائد.
ومن قال: لا يعذر به قال: يعمل على ما وجد عليه رب الثمر، وهذا هو الأصح في النظر، والبناء على هذا الأصل يجر إلى المذهب العراقي الذي يقول: إن حكم الحاكم يحلل المحكوم به للمحكوم له، وهو خلاف النص المشهور.
والثابت من طريق الجمهور أن النبي - ﷺ - قال: "إنما أنا بشر مثلكم" الحديث.
وأحد أقاويل المذهب في هذه المسألة عين مذهب الحنفي في أن حكم الحاكم يحلل الحرام، وإلا كيف تسقط الزكاة عمن رفع من تمر حائطه نصابًا لخمسة أوسق، وحق المساكين مستحق عليه وثابت عنده؟ ويعد خطأ الحاكم مما يسقط الحق الواجب عليهم ومتى عهد في الشريعة مثل هذا؟
والخارص إنما جعل حقًا لأرباب الأموال لئلا يحال بينهم وبين الانتفاع بأموالهم، وليس بأن يوجب أمرًا [غير] (١) ما كان قبل الخرص؛ ألا تراه لو ترك الخرص إذًا لكان ذلك مما يسقط الزكاة؟ وهذا ظاهر لمن أنصف، والحمد لله وحده.
وأما إذا كانوا جماعة فاختلفوا فخرص أحدهم نصابًا، وخرص بعضهم دون النصاب: فالحكم في ذلك بما خرصه الأكثر؛ إما إسقاط الزكاة وإما إثباتها؛ لأن الصواب إلى الأكثر أقرب، والخطأ إلى الواحد أقرب.
وإن تساوى العددان هل يحكم لمن أثبت أو لمن نفى؟ فالمذهب فيها
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٢ / ٤٠٧ ]
يتخرج على قولين.
فإن خرص أحدهم مائة وسق وخرص الآخر فيه تسعين، وخرص الآخر ثمانين، قال مالك في "المجموعة" "وكتاب ابن سحنون" إنه يؤخذ من قول كل واحد منهم ثلثه، ولا [يبعث] (١) في ذلك إلا أهل المعرفة والأمانة.
وأما ما لا يثمر ولا يتزبب من التمر والعنب فهل يخرص كما يخرص الذي يتمر أو يتزبب؟
فالمذهب فيها على قولين:
أحدهما: أنه يخرص كما يخرص التمر الذي يثمر والعنب الذي يتزبب، ويقال كم ينقص على تقدير أن ينقص أو [يتصور]، وهو قوله في المدونة.
والثاني: أنه يخرص على قدره من غير تقدير نقصان، فإن كان في حبه رطبًا خمسة أوسق وجب عليه فيه الزكاة، وهو قول عبد الملك [بن الماجشون] (٢) في "المبسوط".
والخلاف في هذه المسألة [ينبني] علي الخلاف في زكاة هذا النوع من الثمار، هل تؤخذ من [حبه و] (٣) عينه أو [تؤخذ] (٤) من جنس ما [يتمر و] (٥) ما ييبس من التمر والزبيب؟
فمن رأى أنه يجوز له أن يؤدي الزكاة من حبه قال: يعتبر خمسة أوسق
_________________
(١) في أ: يعتبر.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٢ / ٤٠٨ ]
في حبه رطبًا من غير تقدير.
ومن رأى أنها تؤخذ من التمر اليابس، ويكف رب الحائط الإتيان بها قال: تخرص عليه على تقدير أنه يتمر أو يتزبب.
والقولان قائمان من المدونة.
وينبني الخلاف فيها على أصل آخر؛ وهو النادر الشاذ، هل يعطى له حكم نفسه أو يعطى له حكم غالب جنسه؟ فمن رأى أنه يعطى له حكم نفسه قال: يخرص حبًا ويخرج زكاته عنبًا.
ومن رأى أنه يعطى له حكم غالب جنسه قال: يخرص عنبًا.
[ثم] (١) يقال كم ينقص إذا يبس وتزبب؛ على تقدير إن تزبب أو يبس إن كان تمرًا.
وهناك قول ثالث: أنه يخرج الزكاة من ثمنه إذا باعه وسواء باعه بنصاب من العين أو بدونه، وهو قول مالك في كتاب محمد.
فيتحصل فيما لا يثمر ولا يتزبب ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الزكاة تؤخذ من حبه.
والثاني: أنها تؤخذ من غالب الجنس، وهو التمر والزبيب -أكله أو باعه.
والثالث: أنه إن باعه أخرج الزكاة من ثمنه [وإن أكله أخرج الزكاة من حبه] (٢).
وأما ما يتزبب ويتمر من النخيل والأعناب والزيتون الذي له زيت إذا باعه صاحبه قبل عصره وتزبيبه وإتماره فهل يخرج الزكاة من [زيت و] (٣)
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ، جـ.
(٣) سقط من أ.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
تمر وزبيب، أو إنما يخرجها من الحب؟
فإنه يتخرج في المذهب قولان:
[أحدهما: أنه يخرج ما وجب عليه من زيت أو تمر أو زبيب وهو نص المدونة] (١).
والثاني: إنه [يجوز له أن] (٢) يخرج ما وجب عليه من الزكاة من الحب، وهو قول مالك في المدونة في مسألة الجلجلان إذا كان قوم لا يعصرونه ذلك شأنهم إنما يبيعونه للذين يزيتونه للادهان [فقال:] (٣) أرجو إن أخذ من حبه أو يكون خفيفًا.
وقد اختلف المتأخرون فيما وقع في المدونة في هذه المسألة.
هل ذلك اختلاف أحوال، أو ذلك اختلاف أقوال؟
فمنهم من حمل المسألة على الوفاق ويرى أن ذلك اختلاف حال ويرى أن الجلجلان إنما تجب زكاته زيتًا في البلاد التي عادتهم استعمال زيته واستخراجه وزرعه لذلك؛ وكلامه في المدونة في مسألة الجلجلان على قوم عادتهم لا يعصرونه، فلم يكن لزيته [إذًا] (٤) اعتبار حتى لو كان في بلد لا يستعملونه [فيها] (٥) للاقتيات ولا يعصرون منه الزيت لكان لا زكاة فيه على القول بأنها تجب فيما يقتات به ويدخر، وهو أصل العيش غالبًا.
أو على أنها تجب فيما [يدخر] من الحبوب، وإلى هذا ذهب أبو الفضل - ﵀.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٢ / ٤١٠ ]
ومنهم من ذهب إلى أن ذلك اختلاف قول، وأن الذي يلزم في الجلجلان يلزم في سائر الحبوب والثمار.
وقد حكى أبو الوليد الباجي عن مالك في المسألة قولين في الجلجلان والزيتون وسائر الحبوب التي يراد منها الزيت، ويقاس على ذلك الثمار من النخيل والأعناب وسائر ما كان في معناها.
وأما الزيتون والزرع فلا يخلو الأمر فيها من أحد وجهين: إما أن يكون هناك سبب [يحرك الحزم] إلى خرصها أم لا، فإن لم يكن هناك سبب [يقتضي] (١) الخرص [فلا خلاف في المذهب أن الخرص] (٢) فيها غير مشروع؛ وذلك أن السنة الثابتة عن النبي - ﷺ - في الخرص إنما كان في النخيل والأعناب دون ما عداهما من سائر الحبوب التي تراد [للاختباز] والزيت إما لكونها شريعة غير معقولة المعنى.
وإما لكون النخيل والأعناب مما يتأتى فيه الخرص لبروز الثمرة وظهورها، ويأتي الاحتياط بقدرها للناظر، وذلك المعنى معدوم في الزيتون والقطاني وسائر الحبوب التي يراد منها الزيت؛ لأن ثمارها مستترة بالأوراق مختفية في الأكمام، ويتعذر فيها الخرص على الخارص، وهذه العلة معدومة في الزرع، ومع ذلك الخرص فيه غير مشروع؛ وذلك أن الزرع مساوٍ للثمار في تأتي الخرص وإدراك الكمية؛ ولذلك جاز بيعه في سنبله وهو قائم قبل حصاده لتمكن الإحاطة بمقداره كالثمر.
وإما لكون ثمار النخيل والأعناب إنما جرت العادة بامتداد الأيدي إليها في أول بدو صلاحها والانتفاع برطب فواكهها بيعًا وعارية وأكلًا، والزرع والزيتون بخلاف ذلك في غالب الأحوال، وهذه العلة أشبه لأنها أعم
_________________
(١) في أ: يحرك.
(٢) سقط من أ.
[ ٢ / ٤١١ ]
للفروع من غيرها، والعلة إذا كانت تعم فروعها مقدمة على التي لا تعم فروعها عند الترجيح.
فإن كان هناك سبب يحرك الحزم على الخرص عليهم [أصلًا] (١)، إما لحاجتهم [إلى] (٢) أكلها والانتفاع بها على تلك الحالة كأكل الزرع سويقًا [وفريكًا]، وأكل [القطاني] (٣) رطبة، والانتفاع بالزيتون أخضر.
وإما لأنهم غير مأمونين ويخشى أن يكتموا منه شيئًا، ويخونوا فيه ويضروا بالمساكين، هل يخرص عليهم أو يجعل عليهم أمين؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يخرص عليهم ولا يجعل أمين؛ وذلك ماض إلى أمانتهم [فما] (٤) أكلوا منه رطبًا أو يابسًا، أو علفوه لدوابهم، أو تصدقوا به على المارة: فإنهم يحسبون ذلك ويحتاطون فيه لحق المساكين، وهو ظاهر المدونة والموطأ.
والثاني: أنه يخرص عليهم كما تخرص الثمار؛ وذلك أن الزيتون يخرص [حبه] (٥)، فإذا بلغ خمسة أوسق أخرج زكاته من زيته من غير التفات إلى كيل الزيت -قلَّ أو كثر- وهو قول عبد الملك [ابن الماجشون] (٦).
والثالث: أنهم إن اتهموا جعل عليهم أمين فإن احتاجوا إلى أخذ شيء
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: الثاني.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٢ / ٤١٢ ]
أخذوه وأحصى عليهم وهو قول ابن عبد الحكم.
وقول عبد الملك أقيس وأجرى على أصول المذهب.
والجواب عن [الفصل] (١) الخامس: في معرفة الوقت الذي تجب فيه الزكاة في الثمار والحبوب.
قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٢).
والحصاد المراد: عبارة عن حصول الزرع والثمر إلى حد يمكن ادخاره ورفعه إلى المخازن، وذلك بعد فراغ مؤونته وتطييبه وتخليصه حتى يصير حبًا وتمرًا وزبيبًا وذلك [وقت] (٣) الأداء بلا خلاف.
واختلف المذهب في وقت الوجوب على ثلاثة أقوال (٤):
أحدها: [أن الزكاة] (٥) تجب [بالطيب] (٦) فإذا أزهى النخل وطاب الكرم وحل بيعه وأفرك الزرع واستغنى عن الماء واسود الزيتون أو قارب الاسوداد: وجبت الزكاة فيه، وهو قول مالك - ﵁ - في "المدونة".
والثاني: أنها تجب بالخرص لا بالطيب، وأن الخارص في الثمار كالساعي في الغنم، وهو قول المغيرة [المخزومي] (٧).
والثالث: أن الزكاة إنما تجب باليبس والجذاذ، وهو قول محمد بن
_________________
(١) في أ: الوجه.
(٢) سورة الأنعام الآية (١٤١).
(٣) سقط من أ.
(٤) المدونة (٢/ ٣٤١).
(٥) في أ: أنها.
(٦) في ب: بالطياب.
(٧) سقط من أ.
[ ٢ / ٤١٣ ]
مسلمة (١).
وفائدة الخلاف وثمرته: إذا مات المالك فعلى قول من يرى أنها تجب بالطيب؛ فإذا مات بعد طيب الثمار فإنها تزكى على ملكه؛ لأنه مات بعد وجوب الزكاة.
وعلى القول بأنها تجب بالخرص؛ فإذا مات الميت بعد الخرص زكيت على ملكه، وإذا مات قبل الخرص زكيت على ملك الورثة فتجب الزكاة على من حصل في سهمه نصاب دون من لم يحصل له.
وعلى القول بأنها تجب باليبس والجذاذ؛ فإذا مات قبل الجذاذ واليبس: فإنها تزكى على ملك الورثة.
وإنما قدم الخرص توسعة على أهل الثمار، ولو قدم رجل زكاته [بعد] (٢) الخرص وقبل الجذاذ لم تجزئه؛ لأنه أخرجها قبل وجوبها كزكاة الفطر، وهو قول محمد في "المبسوط".
والأقوال كلها قائمة من "المدونة" من كتاب "الزكاة" [الثاني] (٣) في مسألة زكاة الحوائط المحبسة على ما سنبينه فيها إن شاء الله تعالى ومن "كتاب الحبس" أيضًا.
فإن اجتيحت الثمرة فلا يخلو حالها من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تجتاح قبل الخرص.
والثاني: بعد الخرص وقبل الجذاذ.
والثالث: أن تجتاح بعد الجذاذ والتذرية.
_________________
(١) النوادر (٢/ ٢٧٠ - ٢٧١).
(٢) في أ: قبل.
(٣) سقط من أ.
[ ٢ / ٤١٤ ]
فإن أصابتها قبل الخرص وبعد الطيب: فعلى القول بأن الزكاة لا تجب إلا بالخرص، ولا اعتبار به؛ لأن الخرص لم [يتناوله].
وعلى القول بوجوبها بالطيب: فالكلام فيه كالكلام في الوجه الثاني إذا اجتيحت بعد الخرص وقبل الجذاذ.
فإن بقى ما دون النصاب: فإنه يبطل حكم الخرص وتسقط الزكاة؛ لأنها إنما تجب بالطيب وبالخرص بشرط سلامة الثمرة ووصولها إلى أربابها.
فإذا أُصيبت ونقصت عن النصاب: سقطت الزكاة فكان بمنزلة أن يخرج الحائط ذلك المقدار.
فإن اجتيحت الثمرة أو الزرع بعد الجذاذ أو التذرية فالكلام فيه يأتي بعد هذا في مسألة مفردة إن شاء الله تعالى، وهو حسبي ونعم الوكيل. [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة في جـ.
[ ٢ / ٤١٥ ]
المسألة الثانية عشر في زكاة الأموال المحبسة في سبيل الله (١)
والأموال المحبسة الموقوفة: فلا تخلو من وجهين:
أحدهما: ما تجب الزكاة في غلته.
والثاني: ما تجب الزكاة في عينه.
فأما ما تجب الزكاة في عينه كالعين والماشية فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يوقفه لينتفع به.
والثاني: أن يوقفه ليفرق عينه.
فإن أوقفه لينتفع به: فلا يخلو من أن يوقف ذلك على [معنيين] [أو مجهولين فإن أوقفه على معنيين] (٢)؛ فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون وقفه وإذنه وقفًا يرجع إلى الضمان [أو لا يرجع إلى الضمان] (٣)؟
فإن كان وقفه وإذنه وقفًا يرجع إلى الضمان؛ مثل أن يوقف مائة دينار ليسلفها من أرادها ويردها إذا قضى وطره بها: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب في وجوب الزكاة فيها في زمان وقفها، وتزكى على ملك [موقفها] (٤) إلا متأولًا.
فإذا تسلفها أحد وصارت في ذمته: فإنها لا تزكى على ملك صاحبها.
وهل تزكى عليه إذا نضّتْ عنده ولم يعول على ردها بعد أم لا؟
_________________
(١) "المدونة" (٢/ ٣٤٣).
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في جـ: واقفها.
[ ٢ / ٤١٦ ]
فقد روى ابن القاسم عن مالك في "المجموعة" (١) فيمن حبست عليه مائة دينار يعمل بها: أنه لا زكاة عليه فيها إلا أن يكون عنده عرض يفي بها، وقاله أشهب أيضًا.
وكذلك يجب في مسألة السلف أيضًا أن يزكيها إذا كان عنده عرض يفي بها [لوجوب] (٢) الضمان في السؤالين.
ولا فرق في ذلك كله بين أن يكون الموقوف للسلف على [معينيين] أو على مجهولين:
فإن ربح فيها نصابًا من العين ثم ردها، فإن ردها قبل الحول: استقبل بالنصاب الذي هو الربح حولًا. وإن ردها بعد الحول: زكى الربح لوقته ولا ينتطر به حولًا آخر، وهو قول مالك في "المجموعة".
فإن كان وقفه لا يرجع إلى الضمان؛ مثل أن يعطيه مائة دينار ليعمل بها لنفسه سنة ويأكل ربحها على أن لا ضمان عليه فيها، فهل يسقط ذلك الشرط عنه الضمان أم لا؟
فالمذهب على قولين.
أحدهما: أنه لا ضمان عليه فيها إن تلفت، ولا زكاة عليه فيها إن بقيت، وإن كان عنده من العروض ما يفي بها بعد الحول، وهي رواية ابن القاسم في "العتبية"، وهو قول ابن حبيب أيضًا.
والثاني: أن عليه فيها الضمان كالسلف أو كالمال المحبس، وهو قول سحنون في الكتاب المذكور. وهل يزكى على ما ربح فيها من المال إن كان نصابًا وحال عليه الحول عنده أم لا.
فمن رأى أنه كالسلف قال: يزكى الربح لحول الأصل ويزكى الأصل
_________________
(١) انظر: "النوادر" (٢/ ٢٩٩ - ٣٠٠).
(٢) في ب: لوجود.
[ ٢ / ٤١٧ ]
وإن كان عنده عرض يفي به.
ومن رأى أن الشرط ينفعه وأنه لا يضمن الأصل: فلا يزكى الأصل وإن كان عنده عرض يفي به، ويستقبل بالربح حولًا من يوم ملكه، وإذا رد الأصل لمالكه: زكى لعام واحد.
وأما الماشية: فإنها تزكى على كل وجه إذا كانت نصابًا، وزكاتها على ملك مالكها إذا وقفت لينتفع بغلتها، مثل صوفها ولبنها سواء وقفت على [معينيين] أو على مجهولين.
ولم يقع للمعينيين إلا شاة واحدة لأنها موقوفة على ملك محبسها، وهو قول ابن القاسم في "المجموعة".
وأما إن سَبَّلَ أولادها لتفرق مع غلتها: فهذا يفصل فيه بين المعينيين والمجهولين:
فإن كانت لمعينيين ويقع لكل واحد من أولادها ما فيه الزكاة: زكاها إن كان للأولاد حول من يوم ولدوا وإن لم يقبض.
وإن كانت لغير معينيين؛ مثل أن حبس على المساكين أو في السبيل فتأخرت قسمة الأولاد حولًا من يوم الولادة وهي جملة الولادة ما فيه الزكاة. زكيت على ملك المحبسين، وهو قول ابن القاسم في الكتاب المذكور.
وأما ما وقفت ليفرق عينه: فلا يخلو من أن يكون عينًا أو ماشية.
فإن كان عينًا؛ مثل أن يوقف مائة دينار لتفرق فحال الحول عليها قبل أن تفرق: فلا زكاة فيها - كانت على [معينيين] أو على مجهولين -أو في السبيل- كانت في وصية أو في غير وصية، وهو قول ابن القاسم في "كتاب ابن المواز".
[ ٢ / ٤١٨ ]
وأما الماشية يوقفها لتفرق وكانت نصابًا، فإن كان الوقف على مجهولين أو في السبيل فهي كالعين باتفاق المذهب:
فإن كان الوقف لتفرق على (معينيين) فهل هي كالعين أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنهم كالمجهولين ولا زكاة فيها، وهو قول ابن القاسم لأنها تفرق كلها كالعين.
والثاني: أنهم كالخلطاء، والزكاة على من بلغ حظه منهم ما فيه الزكاة منها، وهو قول أشهب في كتاب محمد على ما نقله ابن أبي زيد في "النوادر" (١).
وأما الوجه الثاني: وهو ما تجب الزكاة في غلته دون عينه كالحوائط المحبسة: فلا تخلو من أن يكون محبسة على غير [معينيين]، أو على معينيين.
فإن كانت محبسة موقوفة على غير معينيين: فلا خلاف أن ثمرتها تزكى على ملك المحبس، وأن الزكاة تجب في ثمرتها إذا بلغت جملتها ما [تجب] (٢) فيه الزكاة.
وإن كان الحبس والوقف على معينيين؛ مثل أن يحبس ثمر حائطه أو جنانه على قوم بأعيانهم: فلا يخلو من أن يكونوا هم المتولون للسقى والعلاج، أو كان ربها هو الذي يتولى العمل.
فإن كان المحبس عليهم هم [الذين] (٣) يسقون ويعملون لأنفسهم فهل
_________________
(١) انظر: "النوادر" (٢/ ١٨٧ - ١٨٩).
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٢ / ٤١٩ ]
هم كالشركاء [وينظر إلى ما ينوب كل واحد منهم أم لا؟. فالمذهب على قولين قائمين من المدونة: أحدهما: أنهم كالشركاء] (١) ويعتبر النصاب في [حظ] (٢) كل واحد منهم فمن حصل عنده نصاب؛ إما من ثمر الحبس بانفرداها، وإما بإضافتها إلى ثمر جنان له [أُخر] (٣): فإنه يزكي دون من لم يحصل له نصاب على ما وصفناه، وهو قول أشهب في "كتاب الحبس" من "المدونة" (٤).
والثاني: أنه يعتبر خمسة أوسق في جميع [الحوائط] (٥)، فإن كان فيها خمسة أوسق أخذت منه الزكاة من غير اعتبار بما يصح لكل واحد من المحبس عليهم، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الحبس" من "المدونة"، وهو ظاهر قول مالك "في كتاب الزكاة الثاني" من "المدونة" (٦)؛ حيث قال: (وتؤخذ الزكاة من الحوائط المحبسة في سبيل الله أو على قوم بأعيانهم أو بغير أعيانهم).
فظاهر هذا الكلام يقتضي اعتبار خمسة أوسق على الجملة.
وينبني الخلاف على الخلاف في المحبس عليهم هل [يملكون] (٧) الثمرة بالإبار، أو لا يملكونها إلا بالطياب؟
فمن رأى أنهم يملكونها بالإبار قال باعتبار النصاب في حظ كل واحد منهم على الصفة المتقدمة، ومن مات منهم بعد الإبار فحصته موروثة عنه،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) "المدونة" (١٥/ ٩٨).
(٥) في ب: ثمرة الحائط.
(٦) "المدونة" (٢/ ٣٤١ - ٣٤٢) وفيها: تؤدي الزكاة.
(٧) في أ: تُملك.
[ ٢ / ٤٢٠ ]
وهو نص قول أشهب في "كتاب الحبس".
ومن رأى أنهم لا يملكونها إلا بالطياب قال باعتبار خمسة أوسق في جميع ثمر الحائط فتزكى على ملك [المحبس] الذي هو رب الحائط.
فإن كانت ثمرة المحبس دون النصاب: أضافها إلى ما يتم بها النصاب إن كان عنده.
فإن كان رب الحائط هو الذي يتولى السقى والعلاج دونهم وإنما يقسم عليهم الثمرة: فإن الثمرة تزكى على ملك المحبس قولًا واحدًا من غير اعتبار بما يحصل لكل واحد من المحبس عليهم [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة في جـ.
[ ٢ / ٤٢١ ]
المسألة الثالثة عشر
في الزكاة إذا ضاعت بعد إخراجها وقبل وصولها إلى مستحقها (١) وقد وقع في هذه المسألة إشكال واضطراب في الكتاب وتباينت أجوبة مالك -﵀- فيها لأنه قال مرة: إذا أدخله منزله ضمن.
ومرة قال: إذا أخرج زكاته قبل أن يأتيه المصدق فضاعت ضمن.
وقال مرة: إذا لم يفرط في الحبوب لم يضمن.
واختلف المتأولون والشارحون في مذهب مالك -﵀- في هذه المسألة، وصحيح قوله فيها، وتأويل ما وقع فيها لابن القاسم والمخزومي، ونحن بحمد الله نحصله أي تحصيل وننزلها على أحسن التأويل، ونفصلها أتم تفصيل.
ونقول من حيث التفصيل: لا يخلو ضياعها من أن يكون قبل إبرازها من المال، أو بعد إبرازها.
فإن ضاع جميع المال قبل إبراز الزكاة منه: فلا ضمان عليه قولًا واحدًا.
وإن ضاعت الزكاة بعد الإبراز: فلا يخلو من أن يكون ضياعها في والإندار، أو في الجرين، أو يكون ضياعها بعد أن أدخلها بيته.
فإن كان ضياعها في الإندار، أو الجرين، مثل أن يجمع الزرع أو الثمر في الإندار أو الجرين فإن أخرج الزكاة منه وعزلها في الجرين، فإن ضاعت بتفريط وتضييع: ضمن قولًا واحدًا.
وإن ضاعت بغير تفريط قبل مجىء الساعي [فلا ضمان عليه] (٢) لأن
_________________
(١) "النوادر" (٢/ ١٩١).
(٢) سقط من أ.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
وضعها [في الجرين] (١) وجمعها فيه يعود بمنفعة الثمر في تيبسه وكماله وهو مما [لم يلزم] (٢) رب الحائط فعله، ولا يلزمه فيه ضمان، وقسمة الثمر وإخراج زكاته منها مما له فعله لأنه يريد أن [يحيز] (٣) حصته ويشرع في الانتفاع بها والاقتيات منها، فلا يجوز أن يمنع منها بتأخير الساعي، فكانت القسمة له مباحة، بخلاف الماشية؛ لأنه لو أبرز زكاة ماشيته قبل أن يأتي الساعي فهلكت: لأخذ الساعي منه الزكاة.
والفرق بين المسألتين ظاهر؛ وهو أن الخرص في الثمرة قد قدر عليه ما يجب عليه من الزكاة، وأطلق يده على التصرف فيها بالانتفاع، والماشية بخلاف ذلك.
وهذا كله إذا كان ساعي بنفسه.
وأما إذا كان ممن يأتيه الساعي فقولان:
أحدهما: أنه كالوجه الأول [لا ضمان عليه؛ لكونه مأذونًا له في التصرف -كما قدمنا- وهو ظاهر قول ابن القاسم] (٤).
والثاني: أن الزكاة [تؤخذ] (٥) مما بقى إن كان نصابًا، وهو قول أشهب، وكأنه يرى مقاسمته على الساعي لا تجوز.
فإن كان ضياعها بعد أن أدخلها بيته: فلا تخلو الحالة التي أدخلها عليها بيته من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يدخلها في معنى الحوز والصون.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: يلزم.
(٣) في ب: يخرج.
(٤) سقط من ب.
(٥) سقط من أ.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
والثاني: أن يدخلها بيته ليأكلها ويفوتها.
والثالث: أن يجهل [الوجه الذي أدخلها عليه، ففي هذا الوجه ينحصر الكلام في المسألة] (١).
فالجواب عن الوجه الأول: إذا أدخلها على معنى الصون والحوز والخوف عليها في أنادره: فلا يخلو من أن يكون ممن يأتيه الساعي، أو هو ساعي نفسه فإن كان ممن يأتيه الساعي ولا يتكلف عنه، فضاعت بغير سببه: فلا ضمان عليه لا في الذمة ولا فيما بقى عنده من الملك وإن كان نصابًا، وقد قال أبو إسحاق التونسي: وهذا مما لا ينبغي أن يختلف فيه إن شاء الله تعالى.
فإن كان ساعي نفسه فضاعت الزكاة [فإن ضاعت بتفريط] (٢)؛ مثل أن يمكنه الصرف إلى مستحقها فلم يفعل حتى ضاعت: فإنه ضامن لحق المساكين في الذمة -ضاع المال أو بقى.
فإن ضاع بغير تفريط: فلا ضمان عليه؛ كما لو ضاع في الأندر.
والجواب من [الوجه] الثاني: إذا أدخلها على معنى [الانتفاع] (٣) فلا خلاف في المذهب أنه يضمنها؛ لأنه على ذلك دخل.
والجواب عن [الوجه] الثالث: إذا جهل الوجه الذي أدخلها عليه؛ هل أدخلها للحوز أو للضمان ففي هذا الوجه اختلف المتأخرون في التأويل؛ فمنهم من قال [إن جميع ما في المسألة من الأجوبة المضطربة تسعى إلى معنى حسن أن الرواية المطلقة بالضمان ترد] (٤) إلى المفسدة بإدخاله
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: الضمان.
(٤) سقط من أ.
[ ٢ / ٤٢٤ ]
[في] (١) بيته، وأن ابن القاسم بزيادة الإشهاد غير مخالف؛ إذ يحتمل أن يشهد ليسقط الضمان عن نفسه، ثم يأكلها.
ومقتضى قول ابن القاسم بالإشهاد سواء كان بالأندر أو بعد أن أدخلها بيته.
وأما مالك فساوى الإشهاد وعدمه.
والمخزومي يبرئه وإن لم يشهد، وهذا تأويل بعض المتأخرين، وإليه نحا أبو عمران الفاسي.
ومنهم من حمل على ظاهرها وخرّجَها على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه مهما أدخل ذلك بيته لم يضمن.
والثاني: أنه مهما لم يفرط: لم يضمن -أدخل ذلك منزله أم لا.
والقولان لمالك.
والثالث: التفصيل بين أن يشهد، أو لا يشهد فإن أخرجه وأشهد عليه فتأخر عنه المصدق حتى ضاع: لم يضمن.
فإن أخرجه بغير إشهاد: ضمن.
وهو قول المخزومي، وهو موافق لأحد قولي مالك.
وقول ابن القاسم مخالف لهما جميعًا.
وسواء ضاع [عنده] (٢) ذلك كله، أو ضاع العشر، وحده، وهذا تأويل بعض مشايخ الأندلسيين، وإلى هذا التأويل مال القاضي ابن رشد [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) زيادة من جـ.
[ ٢ / ٤٢٥ ]
المسألة الرابعة عشر
فيمن باع زرعه بعد أن أَفْرَكَ (١) ويبس (٢):
ولا يخلو البائع من أن يشترط [زكاته على المشتري] (٣) أو لا يشترطها.
فإن اشترطها فلا يخلو بيعه من أن يكون بعد الخرص أو قبله [وقد] (٤) علم أن فيه [ما تجب فيه] (٥) الزكاة بأمر لا شك فيه، أو شك، هل تجب فيه الزكاة أم لا؟
فإن باعه قبل الخرص أو بعده وعلم أن فيه [ما تجب فيه] (٦) الزكاة: فالبيع جائز، ويخرج المشتري الزكاة للمساكين.
فإن اجتيحت الثمرة قبل الجذاذ أو بعد الجذاذ ولم يتراخ عن الإخراج: لم يضمن المشتري زكاته.
وإن أصيب البعض وبقى ما لا زكاة فيه: فلا يخلو البائع من أن يشترط ذلك الجزء لنفسه، أو للمساكين.
فإن اشترط ذلك لنفسه: كان للبائع جزء الزكاة؛ لأنه رجل باع زرعه واستثنى منه ذلك الجزء [لنفسه] (٧) فإن اشترط ذلك للمساكين: فلا شيء عليه. فإن شك هل فيه نصاب [أم لا] (٨)؟
_________________
(١) أفرك السنبل أي: صار فريكًا وهو حين يصلح أن يفرك فيؤكل. "مختصار الصحاح" (ص/ ٢١٠).
(٢) المدونة (٢/ ٣٤٨).
(٣) في جـ: تقديم وتأخير.
(٤) سقط من جـ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
(٨) سقط من أ.
[ ٢ / ٤٢٦ ]
فإن اشترط ذلك الجزء بكل حال إن كان نصابًا فللمساكين، وإن كان دون النصاب فلنفسه.
وإن اشترطه للزكاة خاصة: لم يجز البيع، لأن ذلك مخاطرة ولا يدرى هل يبلغ النصاب فيصح [الشرط] (١)، أو لا يبلغ النصاب فيسقط الشرط.
فإن باعه ولم يشترط زكاته على المشتري: فالبيع جائز وتؤخذ الزكاة من مال البائع.
فإن اجتيحت الثمرة بعد البيع: لم تسقط الزكاة عن البائع إذا كانت الجائحة بعد اليبس، إذ لا جائحة فيها ساعتئذ؛ لأن البائع لما باع على تلك الحال رضي أن تكون الزكاة مضمونة عليه بدفعها من ذمته.
فإن أعسر البائع قبل دفع الزكاة، هل يرجع بها على المشتري أم لا؟
[على قولين منصوصين] (٢) في "المدونة".
أحدهما: أنه يرجع [بها] (٣) على المشتري فيؤخذ منه مقدار الزكاة، ثم يرجع هو [بقدر ذلك] (٤) على البائع متى أيسر.
وهو قول ابن القاسم.
و[القول] (٥) الثاني: لا يؤخذ من المشتري شيء، وهو قول أشهب.
قال [الشيخ] (٦) أبو إسحاق التونسي: هذا القول حسن؛ وذلك أن
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في جـ: قولان.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: بذلك.
(٥) سقط من أ.
(٦) زيادة من جـ.
[ ٢ / ٤٢٧ ]
لمن عليه زكاة الزرع أن يخرجها من زرع غير الزرع الذي رفع إذا شاء، وإذا باع فقد رضي أن يخرج من غيره وهو موسر بثمن ما باع فليس عسره، بعد ذلك بالذي ينقض ما كان جائزًا له فعله، كمن أعتق وعنده مال ثم أعسر بعد ذلك بدين كان عليه بعد أن كان عنده [وما] بالقيمة وقت عتقه والذي قاله ظاهر جار على أصول المذهب.
وينبني الخلاف على الخلاف في المسبب والمباشر أيهما أولى بالمؤاخذة؟
لأن البائع قد تسبب ببيعه في إتلاف حق المساكين، والمشتري قد باشر تلفه بالاستهلاك والتلف، والله أعلم [وهو الموفق للصواب والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من جـ.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
المسألة الخامسة عشر
فيما يلزم [الرجل] (١) أن يؤدي عنه زكاة الفطر:
وقد قال النبي - ﷺ -: "أدوا الزكاة عمن تُمَوِّنُون" (٢).
إلا أن الحديث ليس [بتلك الصحة] (٣) والعمل بمقتضاه [مذهب الفقهاء] (٤) ويؤديها الرجل عمن تلزمه نفقته من المسلمين، إلا أن لزوم النفقة على وجهين:
منها ما يلزم بالشرع؛ ومنها ما يلزم [بالملك] (٥).
فأما النفقة الواجبة بالشرع كالنفقة على الزوجات، والنفقة على الآباء والأبناء.
فأما نفقة الزوجات: فإنها تجب بالدخول أو بالادعاء [والتمكين] (٦)، أو بالتمكن بانفراده على ظاهر ما [وقع] (٧) في كتاب النكاح الثاني.
فإذا وجبت لها النفقة هل يجب على الزوج [إخراج] (٨) زكاة الفطر عنها أم لا؟
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) أخرجه الدارقطني (٢/ ١٤١) والبيهقي في "الكبرى" (٧٤٧٤) من حديث ابن عمر مرفوعًا. قال البيهقي: إسناده ليس بالقوي. وكذا قال الدارقطني. وقال الحافظ ابن حجر: إسناده ضعيف. "الفتح" (٣/ ٣٦٩) و"التلخيص" (٨٦٩). وحسنه العلامة الألباني -﵀- بمجموع طرقه كما في "إرواء الغليل" (٨٣٥).
(٣) سقط من أوفي جـ: بذلك.
(٤) سقط من أ.
(٥) بياض بالأصل.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
(٨) سقط من أ.
[ ٢ / ٤٢٩ ]
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه [يؤدي] (١) عنها زكاة الفطر، وهو قول مالك وابن القاسم [في المدونة] (٢).
والثاني: أن زكاة الفطر عنها وعن [عبيدها] (٣) في مالها، لا [في] (٤) مال الزوج، وهو قول ابن شرس من أصحاب مالك.
وسبب الخلاف: النفقة على الزوجات هل هي من باب المعاوضات، أو من باب المواساة؟
فمن رأى أنها من باب المعاوضات قال: لا زكاة على الزوج عنها.
ومن رأى أنها من باب المواساة أو أنها وظيفة غير معقولة المعنى قال: إن الزوج يزكى عنها [فعلى القول بأن الزوج يزكى عنها] (٥).
وهل يزكى عن خادمها أو عن خدم إن كان لها أم لا؟
فلا يخلو حال الزوجة من أن تكون ممن تخدم نفسها، أو ممن لا تخدم نفسها.
فإن كانت ممن تخدم نفسها: فليس على الزوج إخدامها.
وإن كان لها خادم فنفقتها وفطرتها عليها.
فإن كانت ممن لا تخدم نفسها فقيل: إن الزوج مخير بين ثلاثة أشياء: إما أن يكرى لها من يخدمها، أو يشتري لها من يخدمها، أو ينفق على خادمها.
_________________
(١) في جـ: يخرج.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: عبيد القراض.
(٤) في أ: من.
(٥) سقط من أ.
[ ٢ / ٤٣٠ ]
وقيل: [إنه] (١) مخير بين أربعة أشياء: ثلاثة تقدمت، والرابع: أن يخدمها بنفسه.
فإن اختار النفقة على خادمها: كان عليه أن يؤدي عنها زكاة الفطر؛ لأنها تابعة للنفقة بالشرع.
فإن كانت ممن تحتاج إلى خادمين فأكثر: فعلى الزوج [نفقتهن] (٢)، وإخراج زكاة الفطر عنهن، وبه قال أصبغ عن ابن القاسم في "العتبية" (٣).
فأما نفقة الآباء: فإنها نفقة بر وطاعة، فلا خلاف أنها تجب على الولد إذا كانا معسرين بشرط الابتغاء، على ما بيناه في كتاب الزكاة الأول، وإن كان الأبوان قويين على العمل.
ويزكى عنهما زكاة الفطر ما داما زوجين، فإن كان الأب زوج غير الأم فهل ينفق عليه وعلى زوجه أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه ينفق عليهما ويزكى عنهما جميعًا، وهو مذهب "المدونة"، وبه قال جمهور أهل المذهب.
والمذهب: أنه لا يلزمه أن ينفق على زوجة أبيه إلا أن تكون له أم، وهو قول المغيرة على ما نقله. [الشيخ أبو محمد] (٤) بن أبي زيد في "النوادر" (٥).
وينبني الخلاف على الخلاف في الأب هل له أن [يتزوج] (٦) من مال
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في جـ: النفقة عليهن.
(٣) البيان والتحصيل (٢/ ٥٠٩ - ٥١٠) والنوادر (٢/ ٣٠٦).
(٤) سقط من أ.
(٥) انظر "النوادر" (٢/ ٣٠٥ - ٣٠٧).
(٦) في ب: ينفق.
[ ٢ / ٤٣١ ]
ولده أم لا؟
فمن رأى أنه يتزوج [من مال ولده] (١) قال: إنه ينفق على زوجته قال: لأنها إن طلقت عليه لعدم النفقة كان له أن يتزوج الأخرى من [مال ولده] (٢).
ومن رأى أنه ليس له أن يتزوج من مال ولده، وهو نص مالك في "المختصر" (٣)، قال: (لا يلزمه أن ينفق على زوجة أبيه).
فإن كان للأب زوجات: فالمنصوص في [المدونة وغيرها] (٤) أنه لا ينفق إلا على واحدة منهن وعلى خادم واحد من خدمها إن احتاجت إليها.
والخلاف في الإنفاق على الزائد يتخرج على الخلاف الذي قدمناه في تزويج الأب من مال ولده إذا احتاج إلى النكاح.
وأما النفقة على الأبناء وزكاة الفطر [عنهم] (٥) من مال أبيهم: فلا يخلو من أن يكونوا صغارًا، أو كبارًا.
فإن كانوا صغارًا: فلا يخلو من أن يكون [الولد] (٦) موسرًا أو معسرًا.
فإن كان موسرًا: فنفقته وزكاة فطره [عليه] (٧) في ماله.
وإن كان معسرًا: فالنفقة في مال أبيه وكذلك فطرته.
وإن كان بالغًا: فلا يخلو من أن يكون موسرًا أو معسرًا فإن كان
_________________
(١) في أ: منه.
(٢) في أ: ماله.
(٣) المصدر السابق (٢/ ٣٠٥).
(٤) في أ: المذهب وغيره.
(٥) في جـ: عليهم.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
[ ٢ / ٤٣٢ ]
موسرًا: فنفقته [وزكاة فطره] (١) في ماله.
وإن كان معسرًا: فلا يخلو من أن يكون صحيحًا أو زمنًا.
فإن كان صحيحًا: فنفقته عليه وكذلك فطرته.
وإن كان زمنًا: فلا يخلو من أن تكون الزمانة طرأت عليه بعد البلوغ، أو بلغ وهو زمن.
فإن طرأت عليه بعد البلوغ فهل تعود النفقة على الأب أم لا؟
قولان:
أحدهما: أن [زكاة] (٢) فطرته [ونفقته] (٣) على نفسه ولا تعود على الأب بعد الإسقاط.
وهو قول مالك في "المدونة"، وهو المشهور.
والثاني: أنها تعود على الأب.
وهو قول عبد الملك، وهذا هو الأظهر في النظر لأنه إن كانت العلة الموجبة للإنفاق عليه إذا بلغ زمنًا كونه عاجزًا عن الاكتساب فالعلة موجودة ومن شرط العلة أن يوجد الحكم بوجودها.
فإن بلغ وهو زمن: فنفقته وفطرته في مال الأب لم تزل؛ لأن الزمانة تمنع من الاكتساب كالصغير أو أشد.
فأما النفقة الواجبة بالملك؛ كالنفقة على العبيد الأرقاء: فلا يخلو من أن يكون عبدًا أو أمة يملك جميعه، أو عبدًا بينه وبين غيره.
فإن كان عبدًا يملك جميعه: فلا يخلو من أن يكون
_________________
(١) في جـ: وزكاته.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من جـ.
[ ٢ / ٤٣٣ ]
ملكه فيه تام وتصرفه فيه [تام] (١) نافذ، أو يكون قد عقد فيه عقدًا يمنعه من ذلك.
فإن كان تصرفه فيه ماض وملكه تام لا [شرك] (٢) لأحد معه، ولا عقد فيه عقدًا من عقود الحرية، ولا يعلق به لأحد حق: فلا خلاف في المذهب أن نفقته على سيده وزكاة فطره [هذا في عبيد مسلمين. فأما عبيده النصارى فلا زكاة عليه عنهم على قول ابن القاسم لأنهم غير مخاطبين وروى ابن وهب أنه يزكى عنهم كما يزكى عن عبيد مسلمين] (٣).
فإن كان تصرفه غير نافذ وملكه فيه غير تام إما لعارض اضطراري وإما لعارض اختياري.
فإن كان منعه من التصرف التام لعارض اضطراري مثل أن يجنى العبد جناية فيها نفسه فمضى يوم الفطر وهو عنده هل يزكى زكاة الفطر أم لا؟
فإنه يتخرج من الكتاب قولان:
أحدهما: [أن سيده] (٤) يزكى عنه زكاة الفطر لأن عليه نفقته بعد.
ويتخرج من "المدونة" (٥) قول ثان: أنه لا زكاة عليه فيه من قوله في الكتاب: "فيما إذا كان له عبد وعليه عبد مثله، فأتى يوم الفطر وهو عنده أنه لا زكاة على السيد عنه إذا لم يكن له مال"، فهذا نص "المدونة".
وقد اختلف في [معنى] (٦) قوله: [إذا لم يكن معه مال] (٧)؛
_________________
(١) في جـ: ماض.
(٢) في جـ: شرط.
(٣) سقط من أ.
(٤) في جـ: أنه لسيده.
(٥) المدونة (٢/ ٣١٨).
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ: ولا مال.
[ ٢ / ٤٣٤ ]
فقيل: معناه: ولا مال يؤدي عنه الدين.
وقيل معناه: لا مال له [يؤدي منه] (١) زكاة الفطر إلا العبد، وقد استغرقه الدَّين، فعلى التأويل أنه لا مال له يؤدي منه الدين ولكنه عنده ما يؤدى منه زكاة الفطر [يكون قوله خلافًا لما نص عليه في زكاة الفطر] (٢).
وتحرير الجمع بين المسألتين: أن العبد في كلا الموضعين مستحق لكون الدين استغرقه، إلا أنه في أحد الموضعين الحق فيه متعين في عينه، وفي الموضع الآخر [متعين] (٣) في ذمة سيده، والعبد من جملة الذمة، فلو عكس الجواب لكان أولى؛ لأن العبد الجاني مستحق العين للقصاص فكان ينبغي أن تسقط زكاة فطره عن سيده، فلما لم يسقطها بل أوجبها كان وجوبها على الذي لم يستحق عينه أولى.
وسبب الخلاف: اعتبار [الطوارئ] (٤) واستدامة النفقة وكلاهما أصلان يجوز البناء على كل واحد منهما على الانفراد وأما اعتبار الطوارئ: لجواز أن يعفو أولياء الدم، ويجوز أن يطرأ للسيد مال يقضي منه ثمن العبد الذي عليه فيبقى عبده على ملكه، فهذا أصل معتبر [وقد بني] (٥) عليه أكثر مسائل المذهب واستدامة النفقة مع انقطاع الملك فهل يؤثر في وجوب زكاة الفطر أم لا؟ وهذا أصل ينبني عليه كثير من مسائل هذا الباب.
وأما العارض الاختياري، مثل أن يعقد السيد عقدًا غير أن ذلك لا يخلو من أن يكون حقًا للعبد، أو حقًا للأجنبي، أو كان حقًا للسيد أو حقًا
_________________
(١) في أ: يزكى عنه.
(٢) سقط من أ.
(٣) في جـ: متعلق.
(٤) في جـ: الطارئ.
(٥) في أ: وقدمنا.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
يشترك فيه السيد والأجنبي [أو حقًا يشترك فيه السيد والعبد] (١).
فإن كان العقد حقًا للعبد؛ مثل أن يدبره أو يعتقه إلى أجل، أو كانت أمة فأولدها: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب في وجوب زكاة فطرهم على سيدهم لبقاء ملكه عليهم ووجوب نفقتهم عليه.
فإن كان العقد حقًا للأجنبي: فلا يخلو من أن يكون ذلك بعوض أو بغير عوض.
فإن كان ذلك بعوض وكان مما يستبد به الأجنبي وحده كالرهن، أو يشترك في منفعة السيد والأجنبي كالإجارة: فهذا لا خلاف أيضًا أن زكاة فطرهم على سيدهم لبقاء ملكه عليهم ووجوب نفقتهم عليه؛ لأن الرهن ثقة للحق وضمانه من الراهن.
فإن اشترط السيد نفقة العبد على من استأجره أمد الإجارة، هل تكون الزكاة تابعة للنفقة أم لا؟ فهذا يتخرج على قولين، والخلاف فيها ينبني على الخلاف في العبد المستخدم، على ما سنبينه إن شاء الله.
فإن كان ذلك بغير عوض كالإخدام، غير أن الإخدام على وجهين:
أحدهما: أن يكون مرجع الرقبة بعد الخدمة إلى ملك.
والثاني: أن يرجع إلى حرية.
فإن كان مرجعها إلى رق فقد اختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الزكاة على من له مرجع الرقبة سواء كان مرجعها إلى السيد أو إلى الأجنبي من الناس، كقوله: عبدي يخدم فلانًا سنة، ثم هو لفلان، وهو نص قول ابن القاسم في "المدونة".
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٢ / ٤٣٦ ]
والثاني: أن زكاة الفطر على من له الخدمة، وهو قوله أيضًا في كتاب محمد.
والقولان قائمان من "المدونة" على اختلاف الروايات في "كتاب الوصايا الأول" من "المدونة"، هل النفقة على الذي أخدم -بالفتح- أو الذي أُخدم [بالضم] (١).
والثالث: [التفصيل بين] (٢) أن تكون المدة [يسيرة] (٣): فتكون على السيد، أو تكون طويلة: فتكون على من له الخدمة، وهو قول عبد الملك.
وهذا الخلاف ينبني على: الخلاف في النفقة على من تكون.
وقد اختلف فيها المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها على السيد أو من له مرجع الرقبة.
والثاني: أنها على من له الخدمة.
والقولان لابن القاسم قائمان من "المدونة" (٤)، وروى عنه قول ثالث: أن نفقة [العبد] (٥) المخدم [على نفسه] (٦) من مال نفسه لا على واحد منهما، فإن لم يكن له مال: فمن كسبه وخدمته، وما بقى من الخدمة بعد النفقة يكون للذي له الخدمة، وهذا القول حكاه ابن الخباز على ما نقله أبو الفضل -﵀-.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: قصيرة.
(٤) انظر "المدونة" (٢/ ٣٥٢).
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
وسبب الخلاف: اعتبار الحال والمآل؛ فمن اعتبر الحال قال: إن النفقة على الذي له الخدمة؛ لأن المقصود من العبد إنما هي الخدمة لا عين الرقبة، فإذا استغرق صاحب الخدمة تلك المنافع في مدة محصورة كانت عليه [مؤنة] (١) العبد في تلك [المدة] لأنه الآن كأنه هو المالك إذ لا يدري هل [يعيش] العبد إلى تمام المدة فيرجع إلى من له [مرجع] (٢) الرقبة، [وقد لا يعيش] (٣).
فمن اعتبر المآل فقال بأن المؤنة على من له المرجع لأن الرقبة هي الأصل والخدمة فرع عنها، فكان الحكم لصاحب الرقبة وعليه توابع الملك ومؤنته.
ووجه قول عبد الملك: أن الخدمة اليسيرة الغالب منها السلامة ورجوعها إلى من له الرقبة فكانت عليه النفقة و[الفطرة] (٤)؛ لأن النفقة إنما تجب على من له الرقبة.
وإن كانت الخدمة طويلة كالأعوام الكثيرة فإنه لا يغلب على الظن سلامتها ورجوعها إليه فكانت النفقة على من يتعجل منفعتها.
وأما القول بأن النفقة في ماله وكسبه: فهو توسط بين القولين، وملاحظة للجانبين ومراعاة للخلاف، [وأما إذا] (٥) كان [مرجعه إلى حريته هل يزكى عنه المخدم وهو قوله في "الموازية". أو لا زكاة عليه ولا على العبد. قولان. وهل تجب النفقة على المخدم أو على العبد في ماله أو في كسبه إن لم يكن له مال، قولان أيضًا. وإن كان] (٦) ذلك [العفو] (٧)
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: وقد يكون وقد لا يكون.
(٤) في ب: زكاة الفطر.
(٥) في أ: فإن.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
[ ٢ / ٤٣٨ ]
حقًا للعبد وسيده يشتركان في منفعته كالكتابة لأن السيد ينتفع، ولأن المال والولاء يحصل له إن أدى جميع الكتابة، والعبد ينتفع بحصول العتق له وخروجه من قيد الرق: فقد اختلف المذهب في زكاة فطره على من تكون:
فقد حكى أبو الوليد الباجي عن مالك في ذلك روايتين:
إحداهما: أن الزكاة على السيد [وهو مذهب المدونة. والثانية: أنه لا تلزم السيد] (١) ولا شيء عليه.
وظاهر هذه الرواية أنها لا تكون على المكاتب وتسقط عنه لأنه عبد بعد.
ويحتمل أن يتخرج على الخلاف الجاري في العبد المعتق بعضه من أجل أن كل واحد [منهما قد] (٢) أحرز ماله عمن له فيه الرق.
والأظهر في النظر أن بين المسألتين فرق؛ وذلك أن المعتق بعضه [ملك] (٣) جزءًا من نفسه، وصار شريكًا لسيده، والمكاتب بخلاف ذلك لأنه لم يحصل له إلا العقد خاصة، وثمرة العقد لا يدري هل تحصل أو لا تحصل.
وسبب الخلاف: [المكاتبة] (٤) هل هي من ناحية العتق، أو من ناحية البيع؟
فعلى القول بأنها من ناحية البيع: فإن السيد يؤديها عن المكاتب.
وعلى أنها من ناحية العتق: لا شيء عليه.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: يملك.
(٤) سقط من أ.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
فإن كان العقد حقًا [للسيد] (١)؛ مثل أن يوصى بعبده لمساكين [غير معينين] (٢): فهذا لا خلاف فيه أن زكاة الفطر: على السيد ما دام السيد حيًا.
وأما الوجه الثاني: إذا كان عبدًا بينه وبين غيره: فلا يخلو ذلك الغير من أن يكون هو العبد نفسه أو غيره.
فإن كان هو العبد نفسه؛ كعبد أعتق بعضه، ولا شك أنه شريك للسيد في نفسه: فقد اختلف في كيفية أداء زكاة الفطر عنه على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن السيد يؤدي عما يملك منه ولا شيء عليه فيما أعتق ولا [على] (٣) العبد، وهو قول مالك في "المدونة" (٤).
والثاني: أن السيد يؤدي عما يملك، والعبد يؤدي عما عتق منه، وهو قول مالك في "المبسوط"، وبه قال أشهب.
والثالث: أن المتمسك بالرق يؤدي عنه جميع الفطرة.
[ونقل] (٥) الشيخ أبو الحسن اللخمي قولًا رابعًا: بالتفصيل بين أن يكون للعبد مال أو لم يكن؛ فإن كان له مال أدى السيد عما يملك، والعبد عما يملك [مما] (٦) عتق منه.
فإن لم يكن له مال: أدى السيد جميع ذلك، وعزاه إلى محمد بن مسلمة في "المبسوط"، وهذا قول بين القولين.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: مجهولين.
(٣) سقط من أ.
(٤) انظر: "المدونة" (٢/ ٣٥٠).
(٥) في أ: وقال.
(٦) سقط من أ.
[ ٢ / ٤٤٠ ]
وسبب الخلاف: اعتبار الحال والمآل؛ فمن اعتبر الحال. قال: يؤدي السيد عما يملكه خاصة ولا شيء عليه ولا على العبد فيما عتق؛ أما السيد: فلكونه لا ينفق إلا على القدر الذي يستعمل منه ولا شيء يستعمل منه إلا ما يملك، فعن ذلك القدر يزكى وعنه يخاطب بالفداء أو التسليم في الجنايات.
وأما العبد: فلكونه حكم الرق [مستدام] (١) عليه إلى الآن في جميع أحواله.
ومن اعتبر المآل قال: يؤدي السيد عن الجميع؛ لأنه لو مات كان له جميع ميراثه [بالرق] (٢) دون الذي أعتق بعضه لأن حكم الرق أغلب.
ومن قال: يؤدي العبد بمقدار ما عتق منه يستدل بالنفقة لأن مؤنته في ذلك الجزء على نفسه، وقد جعل مالك زكاة الفطر تابعة للنفقة من غير ما موضع، ولأنه يخدم نفسه ويختص بكسبه بقدر ذلك الجزء من غير اعتبار الموت والجناية لأنها من الطوارئ.
فإن كان الشريك غير العبد: فلا يخلو [ذلك] (٣) الغير من أن يكون حرًا، أو عبدًا.
فإن كان [عبدًا] (٤) كالعبد: يكون بين الحر والعبد؛ فالحر يزكى عما يملك، ولا شيء عليه فيما ملك غيره قولًا واحدًا وهو قول عبد الملك في "كتاب ابن المواز" (٥).
_________________
(١) في أ: مسبولًا.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) انظر: "النوادر" (٢/ ٣٠٩).
[ ٢ / ٤٤١ ]
فإن كان حرًا: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن كل واحد منهما يزكى عما ملك ولا يكلف غير ذلك [وهي] رواية ابن القاسم عن مالك في "كتاب ابن المواز" (١).
والثاني: أن كل واحد من الشريكين يخرج فطرة كاملة، وهي رواية عبد الملك عن مالك في كتاب ابن سحنون.
وأبو حنيفة - ﵁ - يقول في العبد المشترك: لا زكاة على واحد من الأشراك.
ووجه رواية ابن القاسم: أن الفطرة تابعة للنفقة؛ فلما كانت النفقة [منهما] (٢) وجب أن تكون الفطرة كذلك وهو الصحيح.
ووجه رواية عبد الملك: أن العبد محبوس في حق كل واحد منهما بدليل أنه محبوس في أحكام الرِّق للسيد إذا انفرد ملكه بحقه منه فكانت عليه فطرة كاملة كما لو ملك جميعه.
وأما العبد الآبق إباق إياس، والعبد المأسور، أو عبد مغصوب غصبه من لا يدخل تحت ولاية السلطان: فلا زكاة على مالكه لأنه الآن في حكم الميت. افهم هذا التحصيل [واصرف] العناية إلى معرفة هذا التنزيل، فإني لم أسبق إليها ولا زاحمتني أقلام المصنفين عليها، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء [والله ولي التوفيق] (٣) [ونسأله الموت على دين الإسلام والحمد لله وحده] (٤).
_________________
(١) انظر: "النوادر" (٢/ ٣١٠).
(٢) في ب: بينهما.
(٣) سقط من ب.
(٤) زيادة من جـ.
[ ٢ / ٤٤٢ ]
المسألة السادسة عشر
في الوقت الذي تجب فيه زكاة الفطر
اعلم أيها المسترشد أنه قد اختلفت أجوبة مالك وأصحابه في هذا الباب، واضطربت أقوالهم في الكتاب وغيره من كتب المذهب بحسب اختلافهم في الأصل، ومراعاة الخلاف، وكذلك اختلف كلام الشارحين ومقاصد المتأخرين والتأويل والتنزيل ونحن نوضح من ذلك ما أشكل ونصحح منه ما اعْتل بفضل الله تعالى وعليه أتوكل.
فنقول في [تحصيل] (١) المسألة: اختلف المذهب في الوقت الذي تجب الزكاة بحلوله على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنها تجب بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان، وهي رواية أشهب عن مالك، وهو قول ابن القاسم، وهو ظاهر قول مالك في المدونة في الذي مات عبده قبل انشقاق الفجر من ليلة الفطر على الرواية الصحيحة لأنه مما [اختلفت] (٢) فيه الروايات في "المدونة" (٣).
ووقع في رواية الدَّبَاغ: مات بعد انشقاق الفجر ويؤكد [ذلك] (٤) أيضًا من مسألة من مات يوم الفطر أو ليلة الفطر فأوصى بزكاة الفطر أنها تخرج من رأس المال، والثاني: أنها تجب بطلوع الفجر. وهي رواية ابن القاسم، ومطرف، وعبد الملك في كتاب ابن حبيب، وهو قول أكثر أصحاب مالك وكبارهم.
وتردد رأى أشهب بين الروايتين.
_________________
(١) في أ: تفصيل.
(٢) في أ: اختلف.
(٣) انظر: "المدونة" (٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥).
(٤) في أ: له.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
وعلى هاتين الروايتين تتفرع مسائل الباب؛ وذلك فيمن مات، أو وُلد، أو أسلم، أو أيسر، أو أعسر، أو تزوج، أو طلق، أو باع عبدًا، أو اشتراه، أو أعتقه [أو ورثه أو وهب له] (١)، أو وهبه، أو احتلم الولد أو بني الزوج بالابنة البكر (٢).
وهذا فائدة الاختلاف [وثمرته] (٣)؛ فمن أوجبها بالغروب: ألزمها من مات بعده وقبل الفجر، أو باع عبده بعده، أو كان موسرًا ثم أعسر، أو طلق زوجته؛ لأن هذه الحوادث طرأت بعد الوجوب.
ولم يوجبها على من أسلم بعد الغروب، ولا على من احتلم [أو ولد له ولد] (٤)، ولا من ورث عبدًا [أو وهب له] (٥) وتصدق به أو ابتاعه أو أُعتق، ولا على من أيسر بعد عسره بعد الغروب؛ لأن هذه الأحداث حدثت بعد الوجوب وعلى القول الثاني: لا يلتفت إلى الغروب، بل المراعى طلوع الفجر في ذلك كله فيلزم المشتري للعبد حينئذ قبل طلوع الفجر دون البائع، والمتزوج حينئذ دون الزوجة، والبكر المبني بها دون أبيها، والمعتق دون سيده، ومن ولد له ولد أو أسلم، والوارث دون الموروث [عنه] (٦) والموهوب له، والمطلقة دون الزوج، وهذا في سائر الباب، ولا تلزم من مات حينئذ.
وقد حكى في المذهب قول ثالث عن القاضي عبد الوهاب: أنها تجب
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) انظر: "النوادر" (٢/ ٣٠٧ - ٣٠٨).
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٢ / ٤٤٤ ]
بطلوع الشمس، وقال أبو بكر بن الجهم: وهذا هو الصحيح من المذهب.
[فانظر] (١) من أن يكون صحيح المذهب وأهل المذهب مطبقون على أن من مات بعد طلوع الفجر لا تسقط عنه زكاة الفطر إذ لو كان هناك خلاف لنقل، فلما لم ينقل لا عن متقدم ولا عن متأخر دل [ذلك على] (٢) أن الصحيح غير ما صححه ابن الجهم، وإنما الذي يجب أن يقال: هل الوقت من الغروب إلى الفجر موسع الوجوب، أو الوقت من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس موسع الوجوب؟ على القول بأن أول الوجوب طلوع الفجر، فمن أدركه لزمه فرضه؛ كمن أسلم آخر النهار في حق الصلاة، أو الحائض تطهير فيه فعليهما الصلاة لما أدركا بقية الوقت، ويلزمهما [فرضها] (٣)، فيلزم ذلك في زكاة الفطر لما كان الوجوب يتعين أول الوقت، والخطاب يتحتم لكن لما كان الوقت موسعًا: لزم من أدركه.
أو يقال: إن وقت الوجوب في الفطرة غير موسع: فينقضى الوجوب بانقضائه.
والقولان قائمان من "المدونة" منصوصان في المذهب، وهو ظاهر قول مالك في "المدونة" في الذي أسلم يوم الفطر: أنه يستحب له إخراج الفطرة [لأن] وقت الوجوب غير موسع ولا ممتد.
وقال ابن حبيب: إنما تجب على من أسلم [قبل الفطر] (٤)، ولفظة: "إنما" موضوعة للحصر.
وقال محمد بن مسلمة: لا تجب على من وُلد بعد الفجر.
_________________
(١) في أ: فافطن.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: فرضًا.
(٤) في جـ: بعد الفجر.
[ ٢ / ٤٤٥ ]
وعلى القول بأن وقت الوجوب موسع: اختلف المذهب في حد التوسعة؛ فعلى القول بأنها تجب بغروب الشمس [فيجعل في حد التوسعة] (١) أربعة أقوال (٢):
أحدها: أنه يمتد إلى طلوع الفجر.
والثاني: أنه يمتد إلى طلوع الشمس، وهو القول الذي حكى عن القاضي أبي محمد عبد الوهاب.
والثالث: أنه يمتد ويتوسع إلى زوال الشمس من يوم الفطر، وهو قول عبد الملك في "ثمانية"، أبي زيد على ما [نقله] (٣) القاضي ابن رشد.
والرابع: أنه يمتد إلى غروب الشمس من آخر يوم الفطر.
وقال الشيخ أبو الحسن اللخمي: وجميع هذه الأقوال مروية عن مالك إلا القول [بطلوع الشمس] (٤) فإنه مروي عن بعض أصحابه، وهو القول الذي حكى عن القاضي [أبي محمد عبد الوهاب] (٥).
وعلى القول بأنها تجب بطلوع الفجر: يكون فيه ثلاثة أقوال: طلوع الشمس، والزوال، والغروب.
وعلى هذا [يتخرج] (٦) اختلاف قول مالك في "المدونة" (٧) في العبد يباع يوم الفطر هل هي على البائع أو على المشتري، وقد اختلف المذهب
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) انظر: "النوادر" (٢/ ٣٠٧ - ٣٠٨).
(٣) في ب: حكاه.
(٤) في ب: الرابع.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: الخروج.
(٧) المدونة (٢/ ٣٥٢).
[ ٢ / ٤٤٦ ]
فيها على أربعة أقوال:
أحدها: أنها على البائع، وبه قال ابن القاسم.
الثاني: أنها على المشتري.
والقولان لمالك في "المدونة".
والثالث: أنها على البائع والمشتري معًا وجوبًا، وحكى ذلك عن أشهب.
والرابع: أنها على البائع [وجوبًا] (١) وعلى المشتري استحبابًا، وهو قول أشهب أيصًا (٢).
وحكى القولين عن أشهب القاضي أبو الفضل - ﵁ - ويؤخذ من "المدونة" من استحبابه فيمن أسلم يوم الفطر.
وفي المسألة قول خامس: أنها على المشتري وجوبًا، وعلى البائع استحبابًا، وحكاه القاضي أبو الفضل.
وسبب الخلاف: إما لتعارض الأدلة عندهم في المسألة، وإما مراعاة الخلاف، وإما لأنه يعد في تزكية مال واحد في وقت واحد على ملكين كالماشية إذا ورثت أو اشتريت بعد أن زكيت، على ما قدمناه في باب زكاة الماشية.
ولا خلاف فيمن مات أو طلق أو أعسر أو أعتق أو أخرج العبد من ملكه قبل غروب الشمس من آخر يوم من رمضان، وأنه لا فطرة عليه، وأنها على المطلقة طلاقًا بائنًا، وعلى المعتق والمشتري، ومن أسلم حينئذ، إلا ما وقع لأشهب فيمن أسلم أن زكاة الفطر لا تلزمه حتى يلزمه صوم يوم
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) انظر: "النوادر" (٢/ ٣٠٨).
[ ٢ / ٤٤٧ ]
من رمضان، وحكى نحوه عن مالك، وقال ابن حبيب: ينتقض عليه بالمولود فإنه لا يلزمه الصيام، ومع ذلك تجب زكاة الفطر، وهذا لازم لأشهب لزوم القرط للأذن وكما أنه لا خلاف أيضًا إذا نزلت هذه النوازل أو حدثت تلك الحوادث بعد غروب الشمس من يوم الفطر أنها لا يوجبها طارئ طرأ من هذه الطوارئ إن لم تجب عليه، ولا يسقطها من وجبت عليه.
والخلاف في ذلك كله مبني على الخلاف في معنى قوله ﵇: "فرض زكاة الفطر من رمضان" (١)، هل هو لأول ما يسمى فطرًا، أو [هو] (٢) مغيب الشمس من آخره ويكون المراد من ذلك الشكر منا لإكمال عدة رمضان، أو تنعقد قربة الصوم بقربة الصدقة؛ فلذلك وجبت بغروب الشمس، ولا اعتبار بذلك الفطر إذ هو موجود في سائر الشهور، وإنما المراد: الفطر الشرعي المنافي للعبادة المتقدمة من الصوم؛ وهو من طلوع الفجر إلى ما بعد هذا الوقت الذي استحب فيه إخراجها عندنا، ولا يجزئ عند غيرها إلا حينئذ لا بعده، أو يتسع الوقت إلى ما لا اختلاف فيه أنه من النهار وذلك من حين طلوع الشمس فإن الفطر في أيام الصوم [حينئذ] (٣) مجمع على تحريمه؛ إذ الخلاف فيما قبل ذلك إلى طلوع الفجر هل هو من الليل أو من أول النهار، حتى أن السلف اختلفوا في جواز الأكل للصائم فيه، وبعضهم أجاز ذلك إلى طلوع الشمس، والمراد بذلك الفطر اليوم، وهو من [الغدو] (٤) إلى زوال الشمس، لأنه الحد الذي تؤخر إليه صلاة العيد، والمراد: سائر النهار الذي هو محل الفطر.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٥٠٣) و(١٥٠٤) ومسلم (٩٨٤) من حديث ابن عمر.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: آخره.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
إذا نظرت إلى ما فسرناه وقررناه: ارتفع عنك الإشكال [واضطراب] الأقوال، وعلمت موضع الخلاف في الوجوب والاستحباب وأسبابهما [والله هو الموفق للصواب] (١).
وأما العبد يباع بيعًا فاسدًا فقبضه المشتري ومضى يوم الفطر وهو عنده: فقد اختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن زكاته على المشتري؛ سواء كان قائمًا أو فائتًا؛ لأن ضمانه منه، ونفقته [عليه بنفس] (٢) القبض، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (٣).
والثاني: التفصيل بين القيام والفوات؛ فإن مضى عليه يوم الفطر بعد الفوات: كانت زكاة الفطر عنه على المشتري، وإن لم يفت [بشراء] (٤) فالفطرة على البائع.
وهو قول أشهب في "كتاب ابن حبيب" (٥).
[والقول الثالث] (٦) بالتفصيل بين أن يحكم بينهما بفسخ البيع، أو لا يحكم؛ فإن حكم بفسخ البيع ورد العبد إلى بائعه بالحكم قبل فواته: كانت فطرته على البائع وإن مضى. [يوم] (٧) الفطر وهو عند المشتري لأنه لم يكن بيعًا.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) انظر: "المدونة" (٢/ ٣٥٢).
(٤) سقط من أ.
(٥) انظر: "النوادر" (٢/ ٣١١).
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
[ ٢ / ٤٤٩ ]
فإن لم يحكم بفسخه حتى فات: ففطرته على المشتري وإن لم يفت إلا بعد الفطر، وهو قول عبد الملك.
وسبب الخلاف: بين ابن القاسم وأشهب: البيع الفاسد قبل الفوات هل يفيد شبهة الملك أو لا؟ فمن رأى أنه يفيد شبهة الملك: قال بوجوب الزكاة على المشتري -فات أو لم يفت.
ومن رأى أنه لا يفيد شبهة الملك إلا [بالفوات] (١): قال بوجوب الفطرة على البائع، والله أعلم [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) في ب: بعد الفوات.
(٢) زيادة من جـ.
[ ٢ / ٤٥٠ ]
المسألة السابعة عشر
في الصنف الذي تؤدى منه زكاة الفطر (١)، [وفي حكمها] (٢)، هل هي واجبة أم لا (٣)؟
والأصل فيها ما أخرجه مالك من طريق ابن عمر: "أن رسول الله - ﷺ - فرض زكاة الفطر، على الناس من رمضان صاعًا من تمر أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من شعير على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين".
وهل هي واجبة وجوب الفرائض، أو وجوب السنن؟ فحكى القاضي أبو الوليد الباجي وغيره الإجماع على وجوبها، إلا ما يحكى عن الأصم وإبن عُلَيَّة. وأبو حنيفة [أنه يقول] (٤) أنها واجبة وليست بفريضة؛ على أصله في الفرق بين الواجب والفرض (٥)، وهو مذهب متناقض بالاتفاق منا ومنهم [في] (٦) أن حد الواجب والفرض واحد.
وقد رأيت للقاضي أبي الفضل [عياض] (٧) ما يدل على وجود الخلاف عندنا في المذهب في زكاة الفطر، هل هي واجبة، أو سنة، قال: وما روي عن أصحاب مالك أنها سنة فقد أطلق هذا اللفظ قوم من أصحابنا وتأولوا فرض: بمعنى قدر، ومشهور المذهب أنها فريضة.
[وإنما] (٨) اختلف المذهب هل هي واجبة بالقرآن، أو واجبة بالسنة،
_________________
(١) انظر: "المدونة" (٢/ ٣٥٢ - ٣٥٣) و"النوادر" (٢/ ٣٠٠ - ٣٠٣).
(٢) سقط من أ.
(٣) انظر: "النوادر" (٢/ ٣٠٠ - ٣٠١).
(٤) سقط من أ.
(٥) في الأصل: الفرق: وقد تقدم الكلام في هذه المسألة.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
(٨) في أ: وإذا.
[ ٢ / ٤٥١ ]
فعن مالك في ذلك روايتان:
إحداهما: أنها واجبة بالقرآن.
واختلف في الآية التي وجبت [بها] (١)؛ فقيل: وجبت بعموم قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ (٢)، وهو قول مالك في "المجموعة"، وهذا منه بناءً على أن العموم له صيغة مفردة (٣).
وقيل: بل من قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (٤)﴾ (٥)، وهو قول عمر بن عبد العزيز وابن المسيب - ﵄.
والرواية الثانية: أنها واجبة بالسنة، وهي رواية ابن نافع عنه لقوله ﵇: "فرض زكاة الفطر على الناس" (٦)، و(على): من ألفاظ الوجوب واللزوم ولا يجوز في هذا الموضع أن يكون بمعنى: عن؛ لأن ذلك يخل بفائدة اللفظ.
ويزيده بيانًا: ما خرجه أبو عيسى الترمذي أن رسول الله - ﷺ - بعث معاذًا ينادي في فجاج مكة: ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم (٧).
وأما المكيلة: فهي صاع عن كل نفس، والصاع: أربعة أمداد بُمدِّه ﵇.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سورة البقرة الآية (٤٣).
(٣) وهو الراجح عد حذاق الأصوليين.
(٤) سورة المؤمنون الآية (١).
(٥) في ب: قد أفلح من تزكى.
(٦) تقدم تخريجه.
(٧) أخرجه الترمذي (٦٧٤) وقال. هذا حديث حسن غريب. قلت: ضعفه الألباني في "ضعيف سنن الترمذي" (١٠٧) وهو كما قال.
[ ٢ / ٤٥٢ ]
والمُد: وزن رطل وثلث.
والصَّاع: خمسة أرطال وثلث على مذهب [أهل المدينة وهو مذهب] (١) عالم المدينة وهو إمام دار الهجرة [مالك -﵁] (٢)، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: المُد: رطلان، والصاع: ثمانية أرطال.
والدليل على الحنفي: المناظرة المشهورة بين مالك وأبي يوسف بين يدي هارون الرشيد بما لا [يخفى] على من شد طرفًا من مسائل الخلاف.
وقد رأيت للشيخ أبي محمد عبد الله بن أبي زيد في "كتاب المكيال والميزان" أنه قال: سافرنا، وعاشرنا، وباشرنا، وفحصنا وبحثنا عن حقيقة مد النبي - ﷺ - وصاعه في مكة والمدينة وسائر قواعد الأمصار فلم [نقف] على حقيقته، ولا صادفنا من يوقفنا على عينه، وذلك لتبدل المكاييل وتغير الموازين والأواني والأرطال، وسببه: تداول الدول وتحول الملك من ملك إلى ملك، قال: وأحسن ما أخذناه عن المشايخ: أن قدر مد النبي - ﷺ - الذي لا يختلف ولا يعدم في سائر الأمصار: أربع حفنات بحفنة الرجل الوسط لا بالطويل جدًا ولا بالقصير جدًا، ليست بالمبسوطة الأصابع جدًا ولا بمقبوضتها، إلا أنها إن بسطت فلا [تحمل] (٣) إلا قليلًا، وإن قبضت فكذلك.
وكذلك تسمى قبضة ولا تسمى حفنة، فإذا جعل في الأصابع بعض الانحناء: كان غرفة، ويكون ملؤها.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: تسع.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
والذي قال ﵁ قد عارضناه بما يوجد بين أيدي الناس اليوم مما يزعمون أنه مد النبي - ﷺ - فوجدناه صحيحًا لا شك فيه.
وقد كان عند سيدنا وقدوتنا شيخ الطريقة وإمام الحقيقة أبي محمد صالح بن بنصارن الدكالي -قدس الله روحه- وبَرَّد ضريحه مد عُيِّر بمد زيد ابن ثابت [﵁] (١) بسند صحيح مكتوب عنده فعيرناه على هذا التعيير فكان ملؤه ذلك [التقدير] (٢)، وربك أعلم.
وأما الصنف الذي تؤدى منه فقد اختلف فيه المذهب عندنا على أربعة أقوال:
أحدها: أنها تؤدى من تسعة أشياء: القمح، والشعير، والسلت، والأرز، والدخن، والذرة، والتمر، والزبيب، والأقط.
وهي رواية ابن القاسم عن مالك في "المدونة" وفي "كتاب ابن المواز" (٣).
والثاني: أنها تخرج من كل ما تجب فيه الزكاة إذا كان ذلك من قوته، وهو قول مالك في "المختصر" (٤)، وعلى هذا القول [فإنها] (٥) تخرج من القطاني.
والثالث: أنها تؤدى من عشرة أشياء، وهو قول ابن حبيب (٦)، وزاد: العلس إلى التسعة التي قدمناها في القول الأول.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: القدر.
(٣) انظر: "النوادر" (٢/ ٣٠١).
(٤) انظر: "النوادر" (٢/ ٣٠٣).
(٥) سقط من أ.
(٦) انظر: "النوادر" (٢/ ٣٠٢).
[ ٢ / ٤٥٤ ]
والرابع: أنها لا تؤدى إلا من الأربعة التي في الحديث؛ الشعير، والتمر، والزبيب، والأقط، وهو قول أشهب في "كتاب محمد" (١).
[قال:] (٢) ويدخل مع الشعير القمح والسلت لأنها منه، وهو جنس واحد أفضله القمح، وأوسطه السلت وأدناه الشعير، فإذا كان يجزئ إخراج الشعير -وهو الأدنى- فبأن [يجزئ] (٣) إخراج القمح -وهو الأفضل- والسلت -وهو الأوسط- أولي وأحرى.
وفي حديث أبي سعيد الخدري، (كنا نخرج زكاة الفطر من طعام) (٤)، والطعام في كلام العرب: ينطلق على كل ما يطعم، ولكنه في عرف الاستعمال على قوت الإنسان من البُّر، وهو أيضًا يدل على أن إخراج البُّر في زكاة الفطر جائز.
[وأما العلس] (٥) فيتخرج الخلاف فيه على الخلاف الذي قدمناه في زكاة الحبوب هل تضاف إلى القمح والشعير والسلت أم لا؟
وسبب الخلاف: الأشياء الأربعة المنصوص عليها في الحديث هل هي كالأصول ويقاس عليها ما كان في معناها من الأقوات المدخرات لاشتراكها في العلة، ويسمى هذا القباس قياس علة، أو لا يجوز أن يقاس عليها إلا ما كان من جنسها كالقمح والسلت على ما قدمناه، ويسمى ذلك قياسًا في معنى الأصل، وهو القياس الجلي عند الأصوليين؛ كالعبد في معنى الأمة في الحَدِّ، والأمة في معنى العبد في عتق الشريك.
_________________
(١) انظر: "النوادر" (٢/ ٣٠١ - ٣٠٢).
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) أخرجه البخاري (١٥٠٦) ومسلم (٩٨٥).
(٥) سقط من أ.
[ ٢ / ٤٥٥ ]
وكذلك أيضًا اختلف في التين هل تؤدى منها إذا كان عيش أهل بلد أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة" على اختلاف الروايات، ويخرجها [المزكي] (١) من جُلِّ عيش أهل البلد وغالب ما يستعمل في جهتهم.
فإن كان رجل يَقتَات بغير ما يَقْتَات به [أهل بلدِه] (٢): [فيُنْظَر] (٣)، فإن اقتات بأفضل من قوتهم فالأفضل له أن يخرجها من قوته، فإن أخرجها من قوت أهل بلده أجزأه؛ لأنه هو الذي يلزمه، وما زاد عن قوت الناس فإنما هو بمعنى الترفه والتفكه فليس عليه إخراجه.
فإن كان يقتات بدون قوت الناس: فلا يخلو ذلك من أن يكون من عسر، أو بخل.
فإن كان ذلك من عسر: لم يلزمه غير قوته؛ لأنه غير واجد لأكثر منه، وإخراج الزكاة يتعلق بالوجود؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٤).
فإن كان يفعل ذلك لبخل: لزمه أن يخرج زكاة الفطر من قوت الناس؛ لأن حق [المساكين في] (٥) الزكاة يتعلق بذلك فتقصيره في نفسه لا يسقط عنه حق الزكاة، وقد قال ابن حبيب: إن أخرجها من الأدنى وهو يأكل الأعلى فإنه يجزئه.
وسبب الخلاف: قوله ﵇: "صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير" (٦)، هل ذلك للتخيير، أو للتقسيم؟ فمن رآه للتخيير قال: يجوز
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: فإنا ننظر.
(٤) سورة البقرة الآية (٢٨٦).
(٥) سقط من أ.
(٦) تقدم تخريجه.
[ ٢ / ٤٥٦ ]
إخراج الأدنى وهو يأكل الأعلى.
ومن رآه للتقسيم قال: لا يجوز إخراجها إلا من وسط عيش أهل البلد، وهو المشهور.
وقد حكى القاضي عبد الوهاب أن ظاهر الحديث يفيد التخيير، والحمد لله رب العالمين.
[ ٢ / ٤٥٧ ]
مناهج التحصيل
ونتائج لطائف التأويل
في
شرح المدونة وحل مشكلاتها
تأليف
أبي الحسن علي بن سعيد الرجراجي
تقديم
فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور علي علي لُقَم
اعتنى به
أبو الفضل الدّمياطي
أحمد بن علي
الجزء الثالث
مركز التراث الثقافي المغربي
دار ابن حزم
[ ٣ / ١ ]
حُقُوقُ الطبع مَحفوظَة
الطبعة الأولى
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧م
ISBN ٩٩٩٥٣ - ٨١ - ٤٣١ - ٧
الكتب والدراسات التى تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها
مركز التراث الثقافي المغربي
الدار البيضاء - ٥٢ شارع القسطلاني - الأحباس
هاتف: ٤٤٢٩٣١ - ٠٢٢/ فاكس: ٤٤٢٩٣٥ - ٠٢٢
المملكة المغربية
دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع
بيروت - لبنان - ص - ب: ٦٣٦٦/ ١٤
هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)
بريد إلكتروني: IBNHAZIM@Cyberia.Net.Ib
[ ٣ / ٢ ]
منَاهِجُ التَّحْصِيلِ
وَنَتائجُ لَطائِفِ التَّأْوِيلِ
في
شَرْحِ المدَوَّنَةِ وحَلِّ مُشكِلاتهَا
٣
[ ٣ / ٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ٣ / ٤ ]
كتاب الجهاد
[ ٣ / ٥ ]