تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها ثمان مسائل:
المسألة الأولى في شروط السَّلم
اعلم أن السَّلم له شروط ستة:
منها أن يكون متعلقًا بالذمة، ومنها أن يكون إلى أجل معلوم، ومنها أن يكون موصوفًا، ومنها أن يكون مقدرًا، ومنها أن يكون مأمون الوجود عند الحلول، ومنها أن يكون رأس المال منفردًا.
ومن هذه الشروط ما هو متفق عليه، ومنها ما هو مختلف فيه، على ما سنبينه إن شاء الله تعالى.
فقولنا: أن يكون متعلقًا بالذمة: احترازًا من المعين؛ لأنه إن كان معينًا فهو بيع لا سلم ويكون بيعًا فاسدًا؛ لأنه معين يتأخر قبضه، وهو من باب ضمان بجعل، وذلك يرجع إلى سلف جر منفعة.
وقولنا: أن يكون إلى أجل معلوم: احترازًا من السلم الحال، وإن كان لنا فيه خلاف مشهور، وتوجيه مهجور والقولان قائمان من "المدونة".
أحدهما: أنه لا يجوز، وهو قوله في غير ما موضع من "المدونة".
والثاني: الجواز، وهذا القول قائم من "كتاب المرابحة" من "المدونة" فيما إذا اشترى بعروض فأراد أن يبيع مرابحة؛ حيث قال ابن القاسم: فإنه يصف العروض [التي] (١) اشتراها ليربحه بها، وهذا عين السلم الحال؛ لأن
_________________
(١) في أ: الذي.
[ ٦ / ٩٣ ]
العروض مضمونة في ذمة المشترى الثاني على صفة، وهي حالة، وهذه صورة السلم، ولم يبق إلا الأجل.
فإذا كان لمالك - ﵁ - في المذهب قوله في جواز السلم الحال فهي هذه.
وكذلك قال أشهب عقيب قول ابن القاسم: إن ذلك لا يجوز إلا أن تكون العروض عنده؛ لأن ذلك إلى غير أجل السلم، إلا أن تكون العروض عنده.
ويؤخذ أيضًا من "المدونة" من "كتاب الشفعة" فيمن اشترى شقصًا بطعام أو عروض، فأراد الشفيع الأخذ بالشفعة، وهو مذهب الشافعي - ﵁ - أن السلم الحال عنده جائز، وقال: فإذا كان يجوز مع الأجل، فبأن يجوز مع الحلول أولى؛ لأن ذلك أقل غررًا وأبعد من المخاطرة.
وأما المالكية فحجتهم من طريق المعنى أن السلم خرج على خلاف الأصل وإنما جوز لموضع الارتفاق؛ لأن السلم يرغب في تقديم الاسترخاص في المسلم فيه؛ وليكون في ذمة المسلم إليه إلى أجل يرجى عنده حوالة الأسواق، والمسلم إليه يرغب لموضع النسيئة وارتفاقه بالثمن إلى ذلك الأجل وإذا لم يشرط الأجل إلى هذا المعنى.
وقولنا: أن يكون مقدرًا؛ إذ لا يصح جزافًا؛ لأن من حق الجزاف أن يكون مريبًا مشاهدًا ثم ما يكون معدودًا، فالمعدود يقدر، وما كان موزونًا يوزن فالموزون يقدر، وما كان مزروعًا فالمزروع يقدر، وما كان مكيلًا فالمكيل يقدر.
وقولنا: أن يكون موصوفًا، احترازا من أن يكون مجهولًا، وكذلك لا يجوز فيما [لا] (١) يحاط بصفته كتراب المعادن وما أشبهه.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٦ / ٩٤ ]
وقولنا: أن يكون مأمون الوجود عند الحلول: احترازًا من أن يكون معدوم الوجود عند الميعاد المجعول، وإلا كان مخاطرة لتردده بين البيع تارة والسلف تارة.
وقولنا: أن يكون رأس المال منفردًا: احترازًا من أن يكون إلى أجل بعينه؛ لأن ذلك دين بدين، وسنعقد في تأخير رأس المال مسألة مفردة إن شاء الله.
والحمد لله وحده.
[ ٦ / ٩٥ ]
المسألة الثانية فيما يجوز من الحيوان أن يسلم بعضه في بعض
وذلك على أربعة أوجه:
أحدها: تسليم الأعداد في الأعداد.
والثاني: تسليم الآحاد في الآحاد.
والثالث: تسليم الآحاد في الأعداد.
والرابع: تسليم الأعداد في الآحاد.
فالجواب عن الوجه الأول: في سلم الأعداد في الأعداد؛ كالكبار في الكبار مع اختلاف المنافع، والكبار في الصغار وما يعكس: فلا خلاف في المذهب في جوازه؛ لاختلاف المنافع وتقابلها من الطرفين.
والجواب عن الوجه الثاني: في سلم الآحاد؛ كالكبير في الكبير والمنفعة من جهة واحدة، أو الكبير في الصغير أو الصغير في الكبير، فهل يجوز السلم أو لا يجوز؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: الجواز، وهو ظاهر قوله في "المدونة" في جواز سلم العبد التاجر في العبد الذي ليس بتاجر، والدون في الصفة كالصغير في السن، وهو قوله في "كتاب ابن حبيب"، وأحد قوليه في "كتاب محمد"، وهو تأويل ابن لبابة، وأبي محمد بن أبي زيد على "المدونة".
والثاني: أن ذلك لا يجوز؛ لما في ذلك من الزيادة في السلف، أو ضمان بجعل، على حسب اختلاف الصور؛ لأنه إن أسلم صغيرًا في كبير
[ ٦ / ٩٦ ]
كان سلفًا بزيادة، وإن أسلم كبيرًا في صغير كان ضمانًا بجعل، وهو قول ابن القاسم في "الموَّازية" حيث قال: ولا خير في حولي في قارح ولا قارح في حولي، والقارح كبير، والحولي صغير.
وفي رواية عيسى عنه في "العتبية": ولا خير في صغير في كبير من جنسه، ولا كبير في صغير، وهو قوله في "المدونة"؛ حيث قال: "لا يسلم ثوب في ثوب دونه، أو رأس في رأس دونه" يريد في السمن والجودة.
وسبب الخلاف: هل من شرط جواز سلم الحيوانات بعضها في بعض مقابلة الفضول من جهتين، أو من [شرطه] (١) أن يكون الفضل من جهة واحدة.
والجواب عن الوجه الثالث والرابع: الآحاد في الأعداد، والأعداد في الآحاد.
أما الآحاد في الأعداد، كبير في صغير، أو كبير في كبيرين دونه في الجودة؛ كالبعير النجيب الفاره في حواشي الإبل: فلا خلاف في المذهب في جوازه؛ لتقابل المنافع، وللصغير عدد وللكبير جودة.
وأما الأعداد في الآحاد كالصغيرين في صغير، أو كبيرين في كبير واحد مع اتحاد المنفعة ففي المذهب قولان قائمان من "المدونة".
وسبب الخلاف: ما تقدم في الآحاد.
وأما الحمير: فكلها صنف واحد على اختلاف أبيانها، وأجناسها،
_________________
(١) في أ: شرط.
[ ٦ / ٩٧ ]
وألوانها، وسرعة سيرها، إلا صغارها فإنها صنف، وكبارها صنف، والحولي صغير، والقارح والرباع كبير، إلا ما اختلف بالنجابة والقوة على الحمولة: فلا بأس أن يسلف في حواشيها كحمير أعرابية، وهو قول مالك في "المدونة" و"الموَّازية"، قال: وحمير مصر كلها صنف واحد، رفيعها ووضيعها.
واختلف في البغال والحمير هل هما صنف واحد، أو صنفان على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنها صنف واحد، وهو ظاهر قوله في "كتاب السلم الأول" من "المدونة"، وهو قول مالك في "كتاب محمد بن الموَّاز".
والثاني: أنهما صنفان يجوز التفاضل فيهما إلى أجل، وهو ظاهر قوله في "كتاب القسمة" من "المدونة" حيث قال: "لا يجتمعان في القسم"، وهو قوله في "الواضحة"، قال ابن القاسم عن مالك: "ولا بأس أن تسلم كبار البغال في صغار الحمير، ولا تسلف كبار الحمير في صغار البغال"، فقيل له: "ولم ذلك وما الفرق؟ " قال: "قد قاله مالك وما فيه غير الاتباع".
وكأنه كرهه؛ لأن الحمير تنتج البغال، وكأنه يشبه المخاطرة لأن ذلك كسلم الشيء فيما يخرج منه.
قيل له: "فإلى أجل قريب؟ " قال: "إن كان خمسة أيام وشبهها فيما لا تهمة فيه: فذلك جائز".
وأما تسليف الغنم بعضها في بعض: فقد اختلف المذهب في ذلك على قولين:
أحدهما: أن الغنم في ذلك صنف واحدة ضأنها ومعزها، صغارها وكبارها، فحولها وإناثها، وهو قول مالك في "المدونة" و"الموَّازية"، إلا شاة
[ ٦ / ٩٨ ]
غزيرة اللبن: فلا بأس أن تسلم في حواشي الغنم.
والثانى: أنه يجوز سلم شاة كبيرة في معزتين صغيرتين، وهذا القول مروي عن مالك في "كتاب محمد" على، ما نقله أبو محمد بن أبي زيد في "النوادر"، قال والأول هو المعروف.
وسبب الخلاف: اختلافهم في سلم الأشياء بعضها في بعض هل المعتبر فيه اختلاف المنافع، أو المعتبر اختلاف الأسامي؟
وظاهر "المدونة" في مسألة الغنم ومسألة جواز سلم رقيق القطن في رقيق الكتان الواقعة في "كتاب السلم الثالث": أن المعتبر الألقاب والتسميات، كون هذا غنمًا اسم يعم الضأن والمعز: فيمنع السلم، وكون هذا كتانًا وهذا قطنًا: فيجوز السلم مع تساوي الصفة والمنفعة، على أن مشهور مذهب مالك - ﵁ - اعتبار المنافع دون الألقاب والتسميات؛ ولهذا قال بعض حذاق المتأخرين في تحصيل المذهب في السلم: اختلاف الأغراض تصير الجنس أجناسًا، واتفاق الأغراض تصير الأجناس جنسًا يختلف باختلاف الصفات.
وسر هذا الباب: أن تعلم أن الموجب لاعتبار مالك -﵀- في المتمولات: المقاصد والمنافع، دون الهياكل والأعيان؛ لأن الله تعالى إنما ملكنا منها المنافع خاصة، والأعيان ملك لله تعالى، ولا يملك العبد إلا ما ملكه المولى، وبهذا المعنى نطق القرآن من مفتتحه إلى مختتمه، وعلى هذا بني مالك - ﵁ - إذا اعتبرته، ولاسيما في مسائل المعاوضات والجنايات على المتمولات، ويدلك على ذلك أن من استهلك لرجل ما لا منفعة فيه من العروض، أو حتى على ما لا منفعة فيه من الحيوان -الباطن منه والصامت- أنه لا شيء عليه ولا ضمان؛ لأنه لم يتلف عليه منفعة، وهذا سر مذهب مالك - ﵁ - ولم أر من نبه لإثارة هذا السر العجيب إلا هذا الحبر
[ ٦ / ٩٩ ]
النجيب. أبا عبد الله المازري -قدس الله روحه وبرد ضريحه- والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والحمد لله وحده.
وأما الطير: ففي "العتبية" من سماع عيسى عن ابن القاسم: أن الطير كله صنف واحد ليس في الجنس الواحد منها من الاختلاف ما يجوز بسلم بعضه في بعض إلى أجل.
والديكة والدجاج صنف، وصغارها وكبارها صنف؛ لأن المراد منها اللحم.
واختلف في الدجاجة البيوضة بالديكة إلى أجل على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو قوله في "العتيبة" في رواية عيسى عنه.
والثاني: أنه يجوز أن يسلم دجاجة بيوضة في ديكين، أو ديك في دجاجتين منها، وهو قول أصبغ في "كتاب ابن الموَّاز".
والحمام: صنف واحد، صغارها وكبارها، والذكر والأنثى في ذلك سواء، وفي جميع الأجناس فإن الأنوثة لا تأثير لها، وعلى ذلك حلت نصوص المذهب.
وأما سائر الطير الوحش مما لا يقتنى لفراخ ولا بيض مثل الحجلة واليمام وشبههما فمجراه مجرى اللحم، ولا يباع بعضه ببعض وإن كان حيًا إلا تحريًا يدًا بيد، ولا يجوز بأوز ولا دجاج أو حمام؛ لأنه من باب اللحم بالحيوان. والحمد لله وحده.
[ ٦ / ١٠٠ ]
المسألة الثالثة في السَّلم في الطعام رطبًا ويابسًا
ولا يخلو السَّلم في الطعام من وجهين:
أحدهما: أن يكون في ذمة.
والثاني: أن يكون في معين.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان السَّلم في الذمة فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون فيما ليس له إبان.
والثاني: أن يكون فيما له إبان ينقطع بانقطاعه.
فإن كان السَّلم فيما ليس له إبان، وهو مأمون الوجود: فالسلم فيه جائز أيّ زمان شاء، ويشترط الأخذ في أي زمان شاء على الشروط التي قدمنا أولًا.
والجواب عن الوجه الثاني من الوجه الأول: وهو أن يكون السلم في الذمة في الشىء الذي له إبان: فالسلم جائز أيّ الإبان شاء، ولا يشترط الأخذ إلا في الإبان، فإن نقضا الإبان قبل أن يستوفي شيئًا: فالمحاسبة جائزة اتفاقًا.
وهل يجوز التأخير؟
فالمذهب على قولين:
فإن انقضى الإبان قبل أن يستوفي جميع سلمه، وقد استوفى بعضه. فالمذهب على ستة أقوال:
أحدهما: وجوب التأخير إلى السنة المقبلة، ولا تجوز المحاسبة، وهذا
[ ٦ / ١٠١ ]
أول قول مالك في "الكتاب" وبه قال سحنون.
والعلة في المحاسبة بيع الطعام قبل قبضه.
والثاني: أن الأصل التأخير إلا أن يجتمعا على المحاسبة وأن الذي يجب له أخذ الثمرة والصبر إلى وجودها والمحاسبة رخصة، ولا يتهمان في فسخ الدين في الدين لأنهما مغلوبان، وهو ثاني قول مالك في "المدونة".
والثالث: أن الخيار للمشتري بين المحاسبة والتأخير، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
وانتهى قول ابن القاسم عن بعضهم إلى عام قابل فذلك له، وهو قوله في "كتاب محمد"، وقوله: "من طلب التأخير منهما فذلك له": من كلام سحنون، وهو تفسير لأحد قولي مالك، وإليه ذهب بعضهم.
فهذه ثلاثة أقوال منصوصة في "الكتاب".
والرابع: التفصيل بين أن يقبضه أكثر السلم، أو أقله.
فإن أقبضه أكثره: جاز التأخير.
وإن أقبضه أقله: فلا يجوز التأخير، وحكاه التونسي عن مالك وهو قول لا وجه له، ولو كان بالعكس لكان أشبه في النظر، وأسعد للفظ الكتاب في قوله: "لا بأس أن يأخذ بقية رأس ماله".
والخامس: أن الواجب المحاسبة، ولا يجوز التأخير وهو قول أشهب لأنه يدخله فسخ الدين في الدين.
والسادس: أن الواجب المحاسبة إلا أن يجتمعا على التأخير قول أصبغ وتوجيه كل قول ظاهر.
والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا كان السلم في شيء
[ ٦ / ١٠٢ ]
بعينه: فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون في حائط بعينه.
والثاني: أن يكون في قرية بعينها.
فإن كان في حائط بعينه: فالسَّلم فيه جائز بثلاثة شروط:
أن يكون بعد الزهو.
وألا يكون قبل الإثمار.
وأن يشترط ما يأخذ كل يوم.
وزاد في الكتاب شرطًا آخر: أن يضربا لذلك أجلًا، وظاهره أنه حشو لأنه إذا اشترط ما يأخذ كل يوم وبين الأخذ باليوم الذي يبتدئ فيه الأخذ، وذلك يغني عن ضرب الأجل.
وقولنا: أن يكون بعد الزهو: احترازًا من أن يسلم فيه قبل الزهو لتعاظم الخطر في طرآن الجوائح لبعد ما بين وقت العقد وبين وقت الاستيفاء، وكذلك إذا اشتراط أخذ ذلك تمرًا، ولا يخلو السَّلم في ذلك من أربعة أوجه:
[أحدها] (١): أن يُسلم فيه قبل الزهو على أن يأخذ ثمرًا.
والثاني: أن يُسلم فيه بعد الزهو ويشترط أخذه بسرًا ورطبًا.
والثالث: أن يُسلف فيه بعد ما أرطب على أن يأخذ ثمرًا.
والرابع: أن يُسلم فيه بعد الزهو على أن يأخذه ثمرًا.
فأما إذا أسلم فيه قبل الزهو على أن يأخذ ذلك ثمرًا: فهذا يفسخ فيه
_________________
(١) في أ: إما.
[ ٦ / ١٠٣ ]
البيع -فات أو لم يفت- وترد المكيلة مع الفوات.
وأما إذا أسلم فيه بعد الزهو، واشترط أخذه بسرًا ورطبًا: فلا خلاف في الجواز على الشروط التي قدمناها.
وأما إذا أسلم فيه بعدما أرطب على أن يأخذه تمرًا: فعلى قولين:
أحدهما: الجواز، والآخر: المنع.
وعلى القول بالمنع: فإنه يرد البيع ما لم يفت.
واختلف بم يفوت على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يفوت بالعقد، وهو ظاهر قوله في جواب المسألة؛ حيث قال: فإذا علم به وفات فما أدى ذلك.
فظاهر قوله (وفات): يريد بالعقد، وهو قول أشهب في "الموَّازية".
والثاني: أن فواته بالقبض، وهو ظاهر الكتاب في سؤال المسألة؛ حيث قال: فأخذ ذلك وفات البيع، وعليه اختصر أبو محمد بن أبي زيد. ومثله في "كتاب ابن حبيب".
وأما إذا أسلم فيه بعد الزهو على أن يأخذ ذلك تمرًا: فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه كالوجه الثالث إذا أسلم فيه بعدما أرطب على أن يأخذه تمرًا، وهو تأويل أبي محمد بن أبي زيد؛ لأنه سوى بينهما في الجواب.
والثاني: أنه [يفسخ] (١) بكل حال، واليه ذهب ابن شبلون تأويلًا على "الكتاب".
والفرق بين أن يشتري ثمر الحائط المعين على الكيل ثم لا يجوز أحدهما
_________________
(١) في أ: يفتح.
[ ٦ / ١٠٤ ]
ثمرًا، وبين أن يشتريها على الجزاف فيجوز له تركها حتى يصير ثمرًا؛ لأن ضمان المكيل من بائعه فيما قلَّ أو كثر حتى يوفيه المشتري، والجزاف لا ضمان فيه على البائع؛ إذ بالعقد صار في ضمان المشتري؛ لأنه لم يتعلق به حق التوفية إلا أن تطرأ جائحة تبلغ الثلث؛ فكان الغرر في جنب الجزاف يسيرًا فجاز البيع، وكثر المكيل فيمنع من صحته.
وقولنا في المسألة: وشرط ما يأخذ كل يوم. احتياطًا من التفاجر عند الأخذ، واحتفاظًا من التخاطر عند القبض لاختلاف الأسواق إذ ذاك، وقد تكون الأسواق نافقة فيريد أن يأخذ الكثير ويمنعه البائع لحاجته في الأخذ بنفسه من رطب جائحة ما يستدرك به البيع في تلك الأسواق، وقد تكون كاسدة فيريد أن يأخذ الأقل لما يرجو في المستقبل من الأسواق، والبائع غرضه أن يأخذ المشتري الكثير ليوفي له ما عقده على نفسه من القناطر والأحمال مخافة ما يطرأ من الجوائح.
فإن انقطع الثمر قبل الاستيفاء: فلا خلاف في وجوب المحاسبة، وهل هو على الثمر أو على القيمة؟
قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أن المحاسبة على الثمر، وهو نص "المدونة".
والثاني: أن المحاسبة على القيمة، وهذا القول يؤخذ من مسائل الفصيل والجوائح.
وأما إن كان السَّلم في قرية بعينها، فإن كانت قرية مأمونة لا ينقطع طعامها: فهي كالمضمون في الذمة، وقد فرغنا منه في الوجه الأول.
وإن كانت قرية صغيرة ينقطع طعامها في بعض السنة فما حكمها؟
[ ٦ / ١٠٥ ]
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: [أن] (١) لها حكم الحائط بعينه، وهو تأويل ابن أبي زمنين، وفضل بن سلمة، وابن محرز على "المدونة"، وهو تأويل ظاهر؛ لأنه في "الكتاب": "لا يجوز السلف فيها إلا بعد الزهو؛ إذ لا يشترط ذلك إلا قال في المعين"، ولقوله في السؤال في القرية الكبيرة التي لا ينقطع طعامها، وليس له في تلك القرية أرض ولا زرع ولا حائط، فخص هذه المسألة بهذه الصفة.
وظاهر الكلام: إذا كانت قرية صغيرة ينقطع طعامها أن ذلك لا يجوز إلا لمن له فيها حائط أو زرع. واشتراطه في "الكتاب" تقديم النقد احتياطًا، قاله أبو عمران الفاسي.
وعلل أصحاب هذا التأويل أن ذلك بيع على التخليص إذا لم يكن فيها طعام.
والثاني: أن حكمه حكم المضمون من طرف إلى طرف، وهو ظاهر "المدونة" في اشتراطه في الجواز تقديم النقد، وهو ظاهر قول الشيخ أبي محمد عبد الحق عن بعض شيوخه تأويلًا على "المدونة"؛ حيث قال: السَّلم في قرية بعينها يوافق السَّلم في حائط بعينه من وجهين، ويخالفه في وجهين؛ يوافقه في السَّلم بعد الزهو، وألا يأخذ ذلك ثمرًا مخافة تمالي أهل تلك القرية على بيع ثمارهم رطبًا فيؤدي ذلك إلى قطعها في البلد ثم لا يجد ما يشتري.
ويخالفه في النقد وجواز السَّلم لمن ليس له فيها ملك.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٦ / ١٠٦ ]
فإذا كان السلم في الذمة: جاز اشتراط أخذ ذلك ثمرًا؛ إذ لا يعدم ذلك عند الأجل، وهو كالسَّلم في الذمة على أيِّ حال.
والقول الثالث: أنه يجوز لمن ليس له فيها ملك بشرط أن يكون أهل تلك القرية شأنهم بيع ثمارهم، وكان لا يستغرق ثمارهم هذا القدر: فيجوز، وإلا فلا يجوز، وهذأ تأويل ابن أبي زيد على "المدونة".
فإن [انقطعت] (١) ثمار تلك القرية قبل الاستيفاء: فلا يخلو انقطاعها من أن يكون بالاستنفاد، أو بجائحة طرأت عليها.
فإن انقطعت باستنفاد أهلها هل الحكم البقاء إلى قابل، أو الحكم المحاسبة؟
قولان:
وسبب الخلاف: هل يغلب فيه حكم المضمون في الذمة، أو يغلب حكم المعين.
فإن انقطعت بجائحة: فالحكم البقاء إلى قابل، وهو نص "المدونة". والحمد لله وحده.
_________________
(١) في أ: انقطع.
[ ٦ / ١٠٧ ]
المسألة الرابعة في السَّلم في الصناعات
ولا يخلو من أربعة أوجه:
أحدها: أن يهمل الصانع والمصنوع منه.
والثاني: أن يتعين الصانع والمصنوع منه.
والثالث: أن يتعين المصنوع منه ويهمل الصانع.
والرابع: أن يتعين الصانع ويهمل المصنوع منه.
والجواب عن الوجه الأول: إذا تعين الصانع والمصنوع منه: فلا يخلو المصنوع منه من أن يكون فيما يمكنه نقضه وإعادته مرة أخرى، أو لا يمكنه إعادته فإن كان مما يمكنه إعادته مرة أخرى إن خرج على خلاف الصفة كالحديد والنحاس إذا اشتراه منه على أن يعمل منه سكة أو طستًا على صفة، ثم يخرج على خلاف ذلك الوصف، هل يجوز ذلك أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة".
أحدهما: الجواز إذا شرع في العمل، وهو قوله في "المدونة".
والثاني: أنه لا يجوز لما يدخل على المشتري من نقصان ما اشترى عند نقضه وإعادته؛ لأنه إن دخل على أن يعمل له طستًا من رطل نحاس، فإذا خرج العمل على خلاف الصفة، وأراد إعادتها ونقضها مرة أخرى فلابد من أن ينتقص النحاس عند التسييل.
وهو أكل للمال بالباطل، وهذا القول قائم من "المدونة" من غير ما موضع.
[ ٦ / ١٠٨ ]
فإن كان لا يقدر على نقضه وإعادته مرة أخرى؛ كالجلد يعمل منه نعالًا، والخشب يعمل منه أبوابًا: فلا يخلو ما يعمل منه من أن يكون عنده يسيرًا، أو كثيرًا.
فإن كان عنده كثيرًا بحيث يعمل له مرة أخرى إن خرج ما عمل له على خلاف الصفة: جاز ذلك إذا شرع في العمل كما ذكرناه أولًا؛ لأنه إن لم يشرع كان معينًا يتأخر قبضه.
فإن كان قليلًا عنده بحيث لا يبقى منه ما يعمل شريطته مرة أخرى: فإن ذلك لا يجوز؛ لأن ذلك مخاطرة، وحكم هذا الفصل حكم البيع لا حكم السَّلف.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا أهملا جميعًا؛ الصانع والمصنوع: فهذا الوجه حكمه حكم السلم، وتعتبر فيه شروطه.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا تعين الصانع وأهمل المصنوع منه؛ مثل أن يستأجره على أن يعمل له قدورًا أو نعالًا من عنده، ولم يعين له جلدًا ولا نحاسًا:
فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: الجواز، وهو نص قول ابن القاسم في "كتاب الجعل والإجارة" في الذي استأجر رجلًا على أن يبني له دارًا على أن الآجر والجير من عنده، وهو قوله في "كتاب السَّلم الأول".
وسبب الخلاف: تعارض المعين والمضمون أيهما يُغلَّب حكمه، وذلك أن المضمون يقتضي تقديم النقض ليخرج من الدَّيْن بالدَّيْن، والتعيين يمنع من اشتراط النقد لتردده بين البيع والسلف لاحتمال أن يموت قبل الفراغ من العمل.
[ ٦ / ١٠٩ ]
والجواب عن الوجه الرابع: إذا تعين المصنوع منه وأهمل الصانع: فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: الجواز.
والآخر: المنع.
وسبب الخلاف: المصنوع منه هل يدخل في ضمان المشتري بنفس الشراء، أو لا يدخل فيه إلا بعد الفراغ من العمل؟
فمن رأي أنه يدخل فيه بنفس العقد قال بالجواز؛ لأن ذلك بيع وإجارة.
ومن رأى أنه لا يدخل في ملكه إلا بعد الفراغ من العمل: قال بالمنع؛ لأنه معين تأخر قبضه إلى أجل، وذلك ضمان بجعل. فمنع والحمد لله وحده.
[ ٦ / ١١٠ ]
المسألة الخامسة في سلم الشىء فيما يخرج منه
ولا يخلو من ثلاثة أوجه:
[أحدها: أن يكونا مهملين.
والثاني: أن يكونا مصنوعين.
والثالث: أن يكون] (١) أحدهما مهملًا، والآخر مصنوعًا.
فالجواب على الوجه الأول: إذا كان مهملين كسلم الحديد في الحديد، والكتاب في الكتاب، فإن دفع الأكثر ليأخذ الأقل عند الأجل: فلا خلاف في البطلان؛ لأنه ضمان بجعل، فإن دفع الأقل ليأخذ الأكثر: فباطل أيضًا؛ لأن ذلك سلف بزيادة.
فإن دفع كيلًا معروفًا أو وزنًا ليأخذ منه ذلك عند الأجل على معنى البيع: فالمذهب على قولين، حكاهما أبو عبد الله المازري على المذهب:
أحدهما: الجواز؛ إذا لا علة، ويعد ذلك منه سلفًا وإن سمياه سلمًا.
والثاني: المنع إن كان بمعنى البيع ضمنًا أو [تصريحًا] (٢).
وذلك ضمان بجعل، والجعل: هو استمتاع القابض بما قبض إلى حلول الأجل لبقائه في ذمته.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا [كانا] (٣) مصنوعين فلا تخلو تلك
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: تسريحًا.
(٣) في أ: كنا.
[ ٦ / ١١١ ]
الصنعة من أن تكون مما يمكنه نقضها واستحالتها أم لا؛ فإن [كانت] (١) مما لا يمكن نقضها واستحالتها أصلًا كالأجر مع الفخار: فلا خلاف في جواز السَّلم.
وإن [كانت] (٢) مما يمكن نقضها واستحالتها: فلا يخلو ذلك الإمكان من أحد وجهين:
أحدهما: أن تتأتى إعادته حِسا وشرعًا، أو تتأتى حسا لا شرعًا.
فإن تأتي [إمكان] (٣) استحالتها حسِّا وشرعا؛ كمصنوع الحديد سككًا وأفواسًا ومساحي: فهذا مما يمكن استحالتها حسًا وشرعًا؛ ومعناه أن الشرع لا يصده عن نقضه؛ إذ ليس في ذلك تبديد ولا إتلاف لكبير صنعة، فهل يجوز سلم بعض ذلك في بعض؟
فالذي يتخرج من المذهب قولان قائمان من "المدونة".
أحدهما: الجواز؛ نظرًا إلى اختلاف المنافع، وهو النص فيها.
والثاني: المنع؛ نظرًا إلى تمكن الاستحالة جوازًا ووقوعًا.
وسبب الخلاف: من ملك أن يملك هل يعد مالكًا أم لا؟
وأما إن كان الثاني، والإمكان حسا والشرع يمنع منه؛ مثل أن يسلف سيوفًا في حديد تخرج منه السيوف، أو سيفًا في سيفين: فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: الجواز، وهو قوله في سلم السيف في سيفين، وقد تبين الفضل والجودة.
_________________
(١) في أ: كان.
(٢) في أ: كان.
(٣) سقط من أ.
[ ٦ / ١١٢ ]
والثاني: المنع، وهو قوله في سلم السيوف في الحديد الذي تخرج منه السيوف.
وسبب الخلاف: هل الاعتبار بالإمكان على الجملة وإن منع الشرع من إيقاع ذلك الفعل الممكن، أو الاعتبار بالإمكان مع إذن الشرع في الوقوع؟ فمن اعتبر الإمكان دون الإباحة قال: "لا يجوز السلم؛ لأن السيوف تنقض وتكون حديدًا، فيؤول إلى سلم الشيء في مثله، وذلك حرام".
ومن اعتبر الإمكان مع إباحته من الشارع قال: "يجوز السلم".
فإن أمكن أن يعود حديدًا بعد النقض فالشرع يمنع من نقضه لأنه من باب [التبديد] (١) وإتلاف المالية، والشرع أمر بصيانة الأموال وحراستها، وجعل حرمتها موازية لحرمة النفوس أو أشد، على ما لا خفاء به على من طالع المذهب.
ولو عثر على من في ملكه سيف ثمين قد أراد كسره بسبكه [] (٢) لحيل بينه وبين مراده، وضرب على يديه ومنع من التصرف في ماله، وعُدَّ من جملة السفهاء الذين أمر الشرع عليهم بالحجز.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا كان أحدهما مصنوعًا والآخر مهملًا، فإن كان المصنوع منفردًا والمهمل موعودًا، أو المصنوع لا يتأتي نقضه حتى يستخرج منه مثل المهمل الموعود، فهل يجوز السلم أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز، وهو نصه في "المدونة".
والثاني: المنع؛ للمزابنة، وهو قائم من مسألة النحاس بفلوس تقدمت
_________________
(١) في أ: القدير.
(٢) قدر كلمة بالأصل لم نتبين قراءتها.
[ ٦ / ١١٣ ]
أو تأخرت، والعلة فيها: المزابنة.
وسبب الخلاف: هل النظر إلى تقدير المُزَابَنَة في عين المنقود أو النظر إلى تقديرها بين الطرفين؟
فمن راعى اعتبارها في عين المنقود: قال بالجواز لاستحالة إحالته حتى يضاهي الموعود.
ومن اعتبرها بين الطرفين: قال بالمنع؛ لأن كل واحد منهما يظن في نفسه أنه غابن غير مغبون؛ فالذي دفع المصنوع يقول غبنته؛ لأن المهمل يستعمل منه أكثر مما دفع فيما يظن، والذي دفع المهمل يقول غير ذلك.
والجواب عن الوجه الرابع: إذا كان المهمل منفردًا والمصنوع موعودًا: فإن كان الوعد قريبًا بحيث لا يمكن استعمال المهمل وصنعته: فالبيع جائز اتفاقًا فإن كان الأجل بعيدًا: فالمذهب يتخرج على قولين قائمين من "المدونة".
أحدهما: المنع.
والثاني: الجواز.
وسبب الخلاف: هل النظر إلى الحال، أو إلى المآل؟
فمن اعتبر الحال: قال بالجواز، ومن اعتبر المآل: قال بالمنع والمزابنة في هذا الوجه تضرر في عين المنقود مخافة أن يخدمه القابض حتى يستخرج منه مثل ما عمرت به ذمته ما بينه وبين الحلول مع الإمكان ألا يخطر له بالبال حين التبايع. والحمد لله وحده.
[ ٦ / ١١٤ ]
المسألة السادسة في تسليف الثياب في الثياب
وهذه الترجمة تستدعي معرفة أنواع الثياب، وكيفية اختلافها في الجودة والدناءة حتى يتبين للمناظر ما يجوز أن يسلم منها في غيره:
واعلم أن أجناس الثياب أربعة: الحرير، والصوف، والقطن، والكتان.
فالحرير: ينقسم إلى غليظ ورقيق، وكذلك الصوف، وذلك لا يعرف بالبلدان، وإنما يعرف بالصفة عند التتابع، بخلاف القطن والكتان؛ لأنهما يتنوعان، ومعرفة أنواعهما وأجناسهما بالإضافة إلى البلدان، وكل جنس مضاف إلى البلد الذي جرت العادة باستعمال ذلك الجنس فيه فيضاف إليه.
والذي يحصل ذلك أن غليظ القطن صنفان: الشقائق، والملاحف الثمانية؛ يعني بالشقائف: المقاطع التي تفصل بها منها ثياب القطن.
ورقيقه أربعة أصناف: المروي، والهروي، والقوهي، والعدني.
وغليظ الكتاب أربعة: الزيقة، والمريسية، والقنسي، والفسطاطي، غير المعافري منه.
ورقيقه خمسة أصناف: الشطوي، والقصبي، والقرقبي، والقيسي، والمعافري.
وفائدة ذلك وثمرته: معرفة ما يجوز أن يسلم في غيره كغليظ القطن في رقيق الكتان، أو بالعكس اختلاف المنافع والتسميات.
واختلف في غليظ كل جنس هل يسلم في رقيقه أم لا؟
والخلاف فيه مبني على: الخلاف الذي قدمناه في أول الكتاب في سلم
[ ٦ / ١١٥ ]
الآحاد في الآحاد، والفضل من جهة واحدة.
وأما غليظ الجنس في غليظ الجنس الآخر: فإن اتحدت المنفعة: فلا يجوز اتفاقًا، وإن اختلفت: فيجوز اتفاقًا.
وأما تسليف رقيق جنس في رقيق غيره؛ كرقيق القطن في رقيق الكتان: فالمذهب في جوازه على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: الجواز، وهو ظاهر قوله في "كتاب السلم الثالث"؛ حيث قال: وإذا كان لك على رجل ثياب قرقبية إلى أجل فلا بأس أن تبيعها من رجل آخر بثياب قطن مروية أو هروية، وهذه دلالة على جواز تسليف رقيق الكتان في رقيق القطن؛ لأن الدين لا يباع قبل أجله، إلا بما يجوز أن يسلم فيه.
والثاني: أنه لا يجوز أن يُسلم بعضه في بعض، وهو ظاهر قوله في أول "كتاب السّلم السَّلم الأول"؛ حيث قال: لا يجوز أن تسلم الغنم بعضها في بعض. . . إلى آخر قوله.
وسبب الخلاف: هل المعتبر في جواز السَّلم الألقاب والتسميات، أو النظر إلى اختلاف المنافع؟
فمن اعتبر الألقاب والتسميات: جوز سلم رقيق الكتان؛ لاختلاف الأسامي.
ومن اعتبر المنافع: منع السلم لاتحاد المنفعة وتساوي الصفة لمضاهاة الجنسين، واتحاد المنفعة من الصنفين. والحمد لله وحده.
[ ٦ / ١١٦ ]
المسألة السابعة في تعليل الربا في المطعومات
والربا في المطعومات على وجهين:
ربا التفاضل، وربا النساء.
فربا النساء: هو المتفق على عمومه وشموله لسائر المتمولات.
وربا التفاضل: قد اختلف فيه العلماء؛ فقائل يقول: لا ربا إلا في النسيئة، وهو مذهب ابن عباس ومن تابعه من العلماء، وأباح التفاضل في جميع الأنواع يدًا بيد.
وقائل يقول: إن ربا التفاضل ممنوع في الأشياء الستة التي نص النبي - ﷺ - عليها دون ما عداها.
وقائل يقول: إن ربا التفاضل ممنوع في الأشياء الستة، وغيرها، وهو مذهب فقهاء الأمصار.
وسبب الخلاف: تعارض الأخبار الواردة عن النبي - ﷺ -؛ فمن ذلك ما خرجه مسلم من طريق ابن عباس: "إنما الربا في النسيئة" (١)، وفي بعض طرقه: "لا ربا فيما كان يدًا بيد" (٢).
ومن ذلك ما خرجه البخاري: "لا ربا إلا في النسيئة" (٣).
ويعارضه قوله - ﷺ -: "الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء. . ." (٤) الحديث بطوله.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٥٩٦).
(٢) انظر السابق.
(٣) أخرجه البخاري (٢٠٦٩).
(٤) تقدم.
[ ٦ / ١١٧ ]
وفي حديث آخر: "نهى النبي - ﷺ - عن الذهب بالذهب والورق بالورق إلا هاء وهاء، فمن زاد أو استزاد فقد أربى" (١) وهذا الحديث اجتمع عليه البخاري ومسلم والموطأ.
وقد يمكن الجمع بين هذه الأحاديث ويزول التعارض، ولاسيما على ما روى ابن عباس فقد رجع إلى ما عليه الجماعة من ثبوت ربا التفاضل؛ فيحتمل أن يكون معنى قوله - ﷺ -: "لا ربا إلا في النسيئة" (٢) يعني في العروض، وما في معناها مما هو خارج عن الستة المنصوصة وغيرها مما يقاس عليها.
ويحتمل أن يريد بذلك الأجناس المختلفة من هذه الستة كالذهب والفضة؛ إذ لا ربا فيهما إلا مع النسيئة؛ لقوله ﵇: "إذا اختلفت الأجناس فبيعوها يدًا بيد"، فيحتمل مراد ابن عباس على هذا، ويحتمل أن يكون يريد بقوله: "إنما الربا في النسيئة": إثبات حقيقة الربا، وحقيقته: أن يكون في الشيء نفسه، وهو ربا الجاهلية المذكور في القرآن وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (٣).
على هذه الأوجه الثلاثة من التأويل يحمل مراد ابن عباس فيحصل الجمع بين الأحاديث، واستعمال جميعها، ويتقرر المراد على الأحاديث المتضمنة الأشياء الستة بالتخصيص والتنصيص، فمن ذلك قوله - ﷺ -: "الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء، والملح بالملح ربا
_________________
(١) أخرجه مالك (١٣٠٨) والبخاري (٢٠٢٧) ومسلم (١٥٨٦).
(٢) تقدم.
(٣) سورة البقرة الآية (٢٧٩).
[ ٦ / ١١٨ ]
إلا هاء وهاء" (١).
وفي حديث آخر: "نهى النبي - ﷺ - عن الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، ربا، إلا سواء بسواء يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى" (٢).
والأحاديث خرجها مسلم وغيره من أهل الحديث.
فإذا ثبت ذلك فاعلم أيها المسترشد أن أحلام الأخيار قد طاشت في هذه الأخبار هل هي معقولة المعنى ومفهومة المغزى، أم لا؟
فقائل يقول: إنها غير معقولة المعنى.
وقائل يقول: إنها معقولة المعنى. فالقائل أنها غير معقولة المعنى هم أحد الصنفين إما نفاة القياس جملة وهم شرذمة الظاهرية، وأما المثبتون للقياس وإن نفوا بعض أجزاء القياس كالقاضي أبي الطيب الباقلاني فإنه نفي قياس الشبه لأن المُعَوَّل عليه غير القياسيين في هذا الفضل، ونحن نثني عن الخوض معهم ثني العنان، ونحيل في الرد عليهم على فن الأصول بالبيان.
فأما القائلون بأنها معقولة المعنى: فقد تحزبوا أحزابًا وتباينوا دليلًا وجوابًا وكل منهم قال صوابًا، وكلًا وعد الله ثوابًا بحسب شدة الشكيمة في الجد والبحث والتشمير.
واختلفوا في تعليل الربا في المطعومات الأربعة اختلافًا شديدًا وتباينوا تباينًا بعيدًا لغموض المسألة واعتياضها عن النظار وفحول أرباب الاعتبار؛ فذهب [عبد الملك] (٣) بن الماجشون إلى التعليل بالمالية، وذهب الحنفية إلى
_________________
(١) تقدم.
(٢) تقدم.
(٣) في أ: عبد العزيز.
[ ٦ / ١١٩ ]
التعليل بالكلية، وذهبت [الشافعية] (١) إلى التعليل بالطعمية جنسًا.
وذهبت المالكية إلى زيادة وصف آخر، فقالوا: "العلة كونه مطعومًا مدخرًا"، وزاد بعضهم وصفًا آخر: وهو أصل للمعاش.
فهذه مذاهب فقهاء الأمصار وعللها متعارضة؛ لأنها محتملة؛ إذ هي مظنونة غير مقطوع بكونها مراد الشارع، فليكن التشرف إلى الترجيح في نطفة التفاهم كمن أبرز الدليل على تحريره وتصحيح تقديره فقد استعلى على منار الحقيقة للخليقة.
أما ابن الماجشون المعلل بالمالية جنسًا، فربا التفاضل عنده يعم عامة المتمولات جنسًا، ودليله أن الرسول - ﷺ - سرد الأشياء الستة وألزمها في قرن وجمعها في سنن فتعين ارتباط الحكم بها بوصف تسلمها بتمول متحد، أو ليس إلا المالية، وأيضًا فإن ما عدا [الملكية] (٢) غير محيل، ولابد من الإحالة في العلل الشرعية، وهي حاصلة في المالية فإن المحرم وهو التفاضل والزيادة في اتحاد الجنسية، وسبب تحريم التفاضل عند معاوضة تستدعي التماثل في المتجانسات محافظة على قاعدة الربا [الموضوعة] (٣) لصيانة الأموال وحفظها على الملاك.
وأما الحنفية: فعمدتهم في التعليل بالكيل: أنه - ﷺ - لما علل التعليل باتفاق الصنف واتفاق القدر، وعلق التحريم باتفاق الصنف واختلاف القدر في قوله - ﷺ - لعامله بخيبر من حديث أبي سعيد: "إلا كيلًا بكيل، يدًا بيد" (٤)، علمنا أن المعيار الذي هو الكيل والوزن هو المؤثر في الحكم كتأثير
_________________
(١) في أ: الشفعوية.
(٢) في أ: المالكية.
(٣) في أ: الموضوعات.
(٤) تقدم.
[ ٦ / ١٢٠ ]
الصنف، وهذه العلة أظهر في المعنى وأولى بالصواب من سائر العلل؛ وذلك أنه يظهر من الشرع أن المقصود بتحريم الربا الذي فيه لمكان العين الكبير، وأما العدل في المعنى إنما هو إدراك التساوي؛ ولذلك لما عسر إدراك التساوي في الأشياء المختلفة الذوات جعل الدينار والدرهم بتقويمها ومعرفة تقديرها، وأما الأشياء التي يتأتى فيها الكيل فيدرك التماثل فيها بالكيل دون اعتبار القيمة، فوجب أن يكون الربا منوطًا بالكيل حيث ما جرى التمكين تحققت المماثلة، والله أعلم.
وأما الشافعية: فعمدتهم في التعليل بالطعم: الجمود إذا علل باسم مشتق: دل على أن ذلك المعنى الذي اشتق منه الاسم هو علة الحكم كالسرقة، والله تعالى يقول: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١) فلما علق الحكم بالاسم المشتق منه وهو السارق: علم أن الحكم متعلق بتفسير السرقة، وكذلك الزنا.
فإذا كان ذلك كذلك مع ما ثبت عن رسول الله - ﷺ - من طريق [معمر] (٢) بن عبد الله أنه قال: "الطعام بالطعام مثلًا بمثل" (٣)، فمن البَّيِّن أن الطعام هو الذي علق الحكم به.
وأما المالكية: فقد دعاها إلى تركيب العلة من جملة أوصاف الحرص على تكثير الفوائد، والتشوف إلى تمهيد القواعد؛ لأنه - ﷺ - خص الأشياء بالتنصيص وجعلها كالأصول ليقاس المسكوت عنه عليها، فلو كان المقصود الكيل كما قاله الحنفي: لاكتفى بالنص على الواحد، وكذلك يقال للشافعية
_________________
(١) سورة المائدة الآية (٣٨).
(٢) في الأصل: معبد.
(٣) أخرجه مسلم (١٥٩٢).
[ ٦ / ١٢١ ]
أيضًا، فلما ذكر منها أعدادًا: علم أنه قصد بكل واحد التنبيه على ما في معناه، ويجمعها كلها الاقتيات والادخار فنص على البر الذي هو أعلى المقتات، ثم نص على الشعير الذي هو أدنى منه لينبه بالطرفين على الوسط، وتنتظم الحاشيتان ما بينهما، ومن عادة العرب العرباء وفصحاء الأدباء إذا أراد أحدهم ذكر جملة الشيء أن يقصد إلى ذكر [طرفه] (١) ونهايته، وكأن ذلك دلَّ على استيفائه من اللفظ الشامل.
وأما عادة النبي - ﷺ - فعادة أهل زمانه أكل البُّر مع السعة والاختيار، وأكل الشعير مع [الضيق] (٢) والإقتار، فكان ذكره لهما تنبيهًا على السلت، والأرز، والدخن، والذرة؛ لأن من اعتاد أكلها في بعض البلدان إما أن يأكلها في حال السعة فيكون ذكر القمح منبهًا له على حكمها، أو في حال الضيق فيكون حكم الشعير منبهًا له، ولو أمكن أن يكون الدخن أو غيره هو الغالب في زمانه وقت الإقتار أصلًا لكان أن ينبه بها بدلًا من الشعير.
وأما التمر: فإنه وإن كان يقتات به ففيه ضرب من التفكه، والطبع يستحيله على أنه يؤكل على غير الاقتيات، فنص عليه تنبيهًا على سائر أنواع الحلاوات كالزبيب والسكر والعسل.
ولما علم - ﷺ - أن هذه الأقوات لا يصلح اقتياتها إلا بعد إصلاحها، وإذا لم تعالج وتصلح كادت أن تلتحق بالعدم مثل بالملح على جميع أنواع التوابل المدخرة لإصلاح الطعام.
وأيضًا لما كان أصل المعقول لمعنى الربا حراسة الأموال وأن لا يعين بعضهم بعضًا: وجب أن يكون ذلك في أصل المعاش.
_________________
(١) في أ: طرفيه.
(٢) في أ: الضرر.
[ ٦ / ١٢٢ ]
وهذه العلة احتجت بها المالكية -على إخالتها ومناسبتها- في حطيط الدنو من علل المخالفين؛ لأن علل المخالفين متحدة الوصف، وعلة المالكية ذات أوصاف، والعلة كلما قلَّت أوصافها واتحدت أجزاؤها كان ذلك [دليلًا] (١) على صحتها وأقرب إلى اقتناص الحكم بها؛ فإن الناظر يصوب نظره في العلة حتى تتماثل المناسبة والإخالة فيغلب على ظنه الوصول إلى المقصد وحصول المطلب، وأما إن شعبت الطرق، وعنت السبل، وكثرت أوصاف العلة: فإن الخاطر يتبدد وفكره يتبدد في تصحيح الأوصاف وتخليصه من الأسئلة الواردة على القياس، ولا يكاد يتصف فيه حد المدرك ويغص المسلك؛ ولهذا يقع الترجيح عند أرباب الأصول بالعلة المتحدة الوصف على الكثيرة الأوصاف.
وسر الخلاف بين الجميع: الجنس هل هو من أوصاف العلة، أو شرط من شروطها؟
فذهبت طائفة من الأصوليين إلى أن الجنس شرط للعلة ومحل لها.
وذهبت طائفة إلى أنه جزء من أجزاء العلة ووصف من أوصافها، ومبلغ الخلاف ومطلعه لا يفقهه إلا الغواصون في بحار المعاني؛ لافتقاره إلى الفراق بين الشرط والعلة مع تساويهما في العلمية، ويكاد هذا الفرق أن يكون أشكل الفروق، إلا على سماسرة الأصول فإنه عندهم أسنى من البروق وأطوى من الشروق.
وكيف لا يكون مشكلًا وهو علم كما أنها علم، والفرق بين علم وعلم يعسر، ولكن القوم قد اصطلحوا في الفرق على ظهور التأثير للوصف للحكم وأن يكون به مشعرًا وله ملائمًا، والشرط غير مؤثر في الحكم ولا
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٦ / ١٢٣ ]
ملائم له ولا مشعر؛ كالإحصان في الرجم فإنه شرط له، والزنا علة فيه لكونه جريمة وهي مشعرة بالعقوبة، والإحصان نعمة وهي لا تلائم النقمة.
وكذلك الطلاق المقيد بدخول الدار مثلًا، فإن الدخول شرط، والطلاق علة لتأثيره في رفع الحل من المحل، فافهم هذه النبذة فإنها تفيدك فوائد جمة ومعانٍ كثيرة.
والجواب عن الوجه الثاني: وهو ربا النساء: متفق على تحريمه، ولا خلاف فيه بين الأمة، ولا اعتبار باتحاد الجنسية؛ لقوله - ﷺ -: "إنما الربا في النسيئة" (١)، وإنما موضوعها عند الأصوليين إما للحصر تارة، أو بيان المعظم؛ كقولهم: إنما الكريم يوسف، وإن كان الكرم موجودًا في غيره إلا أن يوسف استأثر بمعظم الكرم، وله مزية على غيره.
وهذا الربا يجري في الجنس الواحد، وفي الجنسين بالجنس الواحد يجري فيه التفاضل وربا النساء، والجنسان يجري فيهما ربا النساء، وسواء كان أحد الجنسين مما يجوز فيه التفاضل أم لا.
ولا يجوز عرض بعرضين إلى أجل مع اتفاق الصفة؛ لأن ذلك ربا؛ إما سلف بزيادة، أو ضمان بجعل على حسب اختلاف الصور.
واختلف المذهب -عندنا- في القمح والشعير هل هما صنف واحد، أو صنفان، والمشهور من المذهب أنهما صنف واحد، وأشار بعض المتأخرين إلى أنهما صنفان، وهو مذهب الشافعي، وهو ظاهر؛ لاختلافهما في الاسم والصفة، فكل ما يجوز فيه واحد باثنين فلا يجوز فيه ذلك إلى أجل وإن كان ترابًا.
_________________
(١) تقدم.
[ ٦ / ١٢٤ ]
وتحصيل المذهب في الطعام في هذه المسألة على أربعة أقسام:
طعام يدخر ويقتات به، أو مصلح للقوت وما هو أصل للمعاش غالبًا فإن التفاضل في الصفة الواحدة منه حرام باتفاق.
وطعام لا يدخر، ويقتات به، أو مصلح للقوت وليس بأصل للمعاش غالبًا؛ مثل اللوز والجوز والجلوز والتين: فقد اختلف قول مالك في إجازة التفاضل في الصنف الواحد منه.
وطعام لا يدخر أصلًا كالكمثرى والأترج وما أشبههما: فلا خلاف في المذهب في جواز التفاضل في الجنس الواحد منه. والحمد لله وحده.
[ ٦ / ١٢٥ ]
المسألة الثامنة فيمن أسلم ثوبًا في طعام فلم يقبضه مشتري الثوب حتى هلك عند بائعه
ولا يخلو هذا الثوب الذى هو رأس مال السَّلم من أن من أن يكون معينًا حاضرًا في المجلس، أو يكون معينًا حاضرًا في البلد غائبًا عن المجلس.
فإن كان معينًا حاضرًا في المجلس: فلا يخلو من أن يمكنه بائعه من القبض أم لا.
فإن مكنه من القبض وتركه حتى تلف: فالضمان من المسلم إليه، ويكون تركه إياه على معنى الوديعة.
فإن لم يمكنه من القبض: فالسَّلم فاسد، والضمان من بائع الثوب؛ لأنه في معنى المحبوسة في الثمن وذلك تأخير رأس المال بشرط يبطل اتفاقًا.
فإن كان معينًا حاضرًا في البلد، غائبًا عن المجلس، فهل يجوز هذا البيع أم لا؟
قولان من "المدونة":
أحدهما: الجواز، وهو المشهور.
والثاني: المنع، وهو قوله في "الموازية"؛ لأن البيع على الصفة إنما يجوز مع تعذر المعاينة، ولا ضرورة هنا.
قال أبو القاسم بن محرز: إنما جوز مالك بيع الحاضر بالبلد الغائب عن المجلس على صفة الضرورة اللاحقة بأحد المتبايعين في اغتنام الفرصة مخافة
[ ٦ / ١٢٦ ]
أن يبدأ لأحدهما بالبيع والشراء بينما يأتي البائع من بيته بالسلعة، فإن كان ذلك ضرورة يجوز معها البيع على الصفة في هذه الصورة كصور الشد والطي في باب البرنامج.
وعلى القول بأنه يجوز: فإن قَبَضَ المبيع من ساعته صح البيع والسَّلم.
وإن لم يقبضه حتى ضاع عند بائعه: فلا يخلو من أن تقوم البَيِّنة على الضياع، أو لا تقم.
فإن قامت البَيِّنة على الضياع: كان الضمان من المسلم إليه، ويصح السَّلم بينهما.
فإن لم تقم البيِّنة: فلا يخلو من أن يكون [التلف] (١) بسببه، أو بغير سببه.
فإن كان بغير سببه ولم يعلم التلف إلا بقوله: فالذي عليه السَّلم بالخيار إن شاء ضمنه قيمة الثوب، ويثبت السلم بينهما، وإن شاء فسخ البيع عن نفسه؛ لأن البائع للثوب يتهم أن يكون قد حبسه لنفسه فيفسخ البيع.
وإن كان التلف بسببه أخرمه أو حرقه وعرف ذلك: فالسَّلم ثابت بينهما، ويلزم بائع الثوب غرم قيمته لتعديه، فلو باعه وفات عند المشتري لكان الذي عليه السَّلم بالخيار إن شاء أخذ قيمته وإن شاء جوز بيعه وأخذ الثمن، والسَّلم عليه ثابت في الوجهين جميعًا، ولا تصلح فيه الإقالة على حال؛ لأن الإقالة في الطعام لا تصلح إلا على رأس المال بعينه، والله الموفق للصواب.
_________________
(١) في أ: السلف.
[ ٦ / ١٢٧ ]
كتاب السلم الثاني
[ ٦ / ١٢٩ ]