تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها اثنتى عشرة مسألة:
المسألة الأولى في حكم السَّلم الفاسد
ولا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون فسادًا متفقًا عليه، أو مختلفًا فيه فيفسخ بحكم.
والثاني: أن يكون فسادًا مختلفًا فيه، ثم لم يفسخ بحكم حتى اصطلحا على وجه.
فالجواب على الوجه الأول: إذا كان فسادًا متفقًا عليه، أو فسخ بحكم إن كان مختلفًا فيه: فلا يخلو ما أخذ بعد الفسخ من أربعة أوجه:
أحدها: أن يأخذ منه رأس ماله.
والثاني: أن يأخذ منه ما لا يجوز أن يسلم فيه رأس ماله، ويجوز أن يُسلم في المُسْلَم فيه.
والثالث: أن يأخذ منه ما يجوز أن يسلم فيه رأس ماله ولا يجوز أن يسلم فيه المسلم فيه.
والرابع: أن يأخذ منه ما يجوز أن يسلم فيه رأس ماله والمُسْلَم فيه.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا عاوضه على مثل رأس ماله: فلا خلاف في الجواز؛ لأنه الواجب له.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا أخذ منه ما لا يجوز أن يسلم فيه رأس المال؛ كالدنانير عن الدراهم، أو الدراهم عن الدنانير من غير تأخير:
[ ٦ / ١٣١ ]
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو قول ابن الموَّاز، وبه قال القاضي أبو الوليد بن رشد، وحكى فيه إجماع المذهب.
والثاني: أن ذلك جائز أن يأخذ أحد العينين عن الأخرى، وهو قول مالك في "كتاب أبي الفرج" و"كتاب محمد"، وبه قال أبو محمد عبد الحق، وأبو القاسم بن الكاتب، وغيرهما.
وسبب الخلاف: التهمة هل تلحقهما فيما عملا فيتهمان على تأخير الصرف أم لا؟
فمن اتهمهما منع، ومن لم يتهمهما جوز وهو الأشهر في النظر.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا أخذ منه ما لا يجوز أن يسلم فيه المسلم فيه، ويجوز أن يسلم فيه رأس المال؛ مثل أن يأخذ منه برأس ماله طعامًا: فقد اختلف فيه المذهب على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة".
أحدها: أنه يجوز له أن يأخذ غير الجنس من الطعام كالتمر عن البسر، أو الزبيب عن التمر أو عن القمح، ولا يأخذ من عين ما أسلم فيه، ولا من نوعه، ولا من جنسه، وهذا هو المشهور، بل لا خلاف في جواز أخذه، وهو قوله آخر المسألة؛ حيث قال: لا بأس أن يأخذ برأس ماله غير الصنف الذي أسلم فيه.
والثاني: أنه يجوز له أن يأخذ الجنس، ولا يأخذ النوع كالمحمولة عن السمراء، وله أن يأخذ القمح عن الشعير، والشعير عن القمح، وهو ظاهر "المدونة"؛ حيث قال أول الكتاب: لا بأس أن يأخذ غير الحنطة إذا قبض ذلك.
والثالث: أنه يجوز له أن يأخذ النوع كالسمراء عن المحمولة، والمحمولة
[ ٦ / ١٣٢ ]
عن السمراء، ولا يأخذ غير ما أسلم فيه، وهو تأويل فضل بن سلمة على "المدونة" وابن أبي زمنين، وغيرهما، وقالوا: معناه أن يأخذ ما شاء ما لم يأخذ الشيء الذي أسلم فيه.
والقول الرابع: أنه يجوز أن يأخذ مثل ماله؛ إن محمولة فمحمولة، وإن سمراء فسمراء، ولا يأخذ إلا مثل المكيلة نقدًا.
وهذا القول أخرجه اللخمي من قول مالك، وابن القاسم، وأشهب في "كتاب محمد"، وبه قال ابن حبيب في "واضحته".
فوجه القول الأول: أن أخذ الجنس من جنس آخر: أن ذلك جائز إذا كان نقدًا؛ إذ لا ربا فيه، ولا علة تبقى.
ووجه القول الثاني: أنه يجوز له أخذ الجنس من جنسه كالشعير عن القمح، مراعاة لقول من يقول: "إن الشعير قائم بنفسه، فإذا أخذه عوضًا عن رأس ماله فإنه يجوز كما لو أخذ التمر والزبيب.
ووجه القول الثالث: في أخذ النوع السمراء عن المحمولة، أو بالعكس؛ لأن السلم الفاسد يجوز فيه ما يجوز في صحيحه؛ فإذا جاز في الصحيح أخذ النوعين عن الآخر فكذلك يجوز في الفاسد.
ووجه القول الرابع: أنه يجوز له أن يأخذ ما شاء من جميع الأشياء، فإن كان عين ما أسلم فيه لأنه عن رأس ماله يعتاض؛ إذ الواجب له أخذ رأس ماله، وله أن يأخذ عنه ما شاء.
واتفاق العلماء على فساد هذا السلم، أو حكم الحاكم بفسخه ينفي عنهم التهمة في التمادي على السلم الفاسد وتتبع العرض الحائد فيباع أخذ ما شاء إذا كان نقدًا، فإن أخره كان دينًا بدين.
والجواب عن الوجه الرابع: إذا أخذ منه ما يجوز أن
[ ٦ / ١٣٣ ]
يسلم فيه رأس المال والمسلم إليه؛ مثل أن يأخذ العروض والحيوان منه نقدًا: فلا خلاف في الجواز بثبوت الفسخ بينهما، ولا تهمة هناك في بيع الطعام قبل قبضه.
والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا كان فساده فسادًا مختلفًا فيه، ولم يحكم بحكم حتى اصطلحا على وجه ما، هل يحكم له بحكم المتفق عليه، أو ما يفسخ بحكم؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن حكمه حكم المتفق على فساده في جميع ما تقدم، وهو مذهب أشهب، وهو ظاهر "المدونة" في "كتاب الصرف" إذا ثبت الفسخ بينهما.
وقال بعض المتأخرين: يريد بالإشهاد، ويحتمل أن يريد بتراض منهما، وثبت ذلك عند الناس، وهو ظاهر قوله في أول " [كتاب] (١) السلم الثاني"؛ لأنه لم يذكر فيه أن الفساد متفق عليه، ولا ذكر أنه حكم بفسخه.
والقول الثاني: أنه إذا لم يفسخ بينهما بحكم حاكم أو بإشهاد لم يجز أن يأخذ عن الطعام طعامًا اتفق أو اختلف، ولا يجوز له أن يأخذ إلا ما يجوز له أن يأخذ في السلم الصحيح، ولا يجوز له أن يأخذ بعض رأس ماله ويدع بعضًا، وهو قول بعض الأندلسيين، والفرق بيِّن.
وسبب الخلاف: اختلافهم في البيع الفاسد المختلف في فسخه هل يفتقر فسخه إلى حكم حاكم أم لا. والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٦ / ١٣٤ ]
المسألة الثانية في الذي باع داره لينفق عليه المشتري حياته
فإن قال قائل: وما فائدة ذكر هذه المسألة في هذا الموضع، وكان من حقها أن تذكر في البيوع الفاسدة، وهذا الكتاب -الذي هو السلم- ليس من المختلطة، وإنما هو مدون؟
فالجواب عنه أن يقال: إن الترجمة ترجمها سحنون - ﵁ - في السلم الفاسد، فدون فيه كل مسألة لائقة بمقتضى الترجمة، وهذه المسألة من السلم الفاسد؛ لأنه أسلم داره في الطعام الذي هو نفقته إلى أجل مجهول فأشبه السلم من هذا القبيل؛ لأن السلم عبارة عما يقدم فيه رأس المال وآخر فيه المثمون، وهذه المسألة قد تكرر ذكرها في ثلاثة مواضع ذكرت في هذا الكتاب باسم البيع، وفي "كتاب الشفعة" باسم الهبة، وفي "كتاب الصدقة" باسم الصدقة، فإذا ثبت ذلك فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يعمره بقية عمره.
والثاني: ألا يعمراه.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا عمره بقية عمره؛ مثل أن يقدر الذي مضى من عمره حتى يعرف ما بقي له من سبعين سنة التي هي أمد العمر على ظاهر الحديث (١) بشرط أنه إن مات قبل أن يستوفي ذلك العدد من السبعين حسب ما بقي ويدفع لورثته، وإن عاش حتى يستوفي جميع
_________________
(١) وهو: "أعمار أمتي ما بين ستين إلى سبعين، وأقلهم من يجوز ذلك" أخرجه الترمذي (٣٥٥٠) وابن ماجه (٤٢٣٦) وابن حبان (٢٩٨٠) من حديث أبي هريرة، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى.
[ ٦ / ١٣٥ ]
العمر فلا شيء له ويقدر له من النفقة مقدار ما يقوم به فلا مسرف ولا إقتار.
فإذا وقع البيع بينهما على هذه الصفة فلا يخالف أحد من أهل المذهب في جواز ذلك، وعليه يحمل قول أشهب الذي يقول بجواز البيع مطلقًا، وإلى هذا المعنى أشار أبو إسحاق التونسي -﵀- وهي طريقة صحيحة لا ضرر فيها ولا خطر.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا لم يعمراه وجهل الحكم وتبايعا على الإطلاق: فلا يخلو من أن يعثر على قبيح فعلهما بفور العقد، أو بعد طول. فإن عثر على ذلك بفور ما عقد له فإن البيع يفسخ بينهما، ولا درك لأحدهما على الآخر.
فإن عثر على ذلك بعد طول الزمان: فلا تخلو الدار من أن تكون قائمة، أو فائتة.
فإن كانت قائمة: فإنها ترد إلى ربها، ولا شيء للمشتري في العلة؛ لأن الخراج له بالضمان، ثم يكون للمشتري الرجوع على البائع بما أنفق عليه.
وهل يرجع عليه بما أنفق، أو بقيمته؟
فإنه يتخرج على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يرجع عليه بمثل ما أنفق، وهو قوله في بعض روايات "المدونة" أنه يرجع عليه بما أنفق.
والثاني: أنه يرجع عليه بقيمة ما أنفق، وهو نصه في "المدونة".
وفي المسألة قول ثالث: أن ذلك اختلاف حال، وإن معنى قوله يرجع بما
[ ٦ / ١٣٦ ]
أنفق: أي: إن كان يدفع له مكيلة معلومة من عنده، فإذا أكلها أعطاه غيرها، أو كان يدفع له دنانير أو دراهم فيشتري لنفسه، وإن معنى قوله: يرجع بقيمة ما أنفق أي: يده كانت مع يده، وأنه من جملة عياله، وهذا التأويل ظاهر المعنى.
وعلى القول بأنه يرجع عليه بقيمة ما أنفق هل يرجع بالسرف، أو إنما يرجع عليه بالقوام؛ مثل أن يكون ينفق عليه الدجاج والخرفان؟
فلا يخلو من أن يكون السرف بالنسبة إلى المنفق أو المنفق عليه.
فإن كان السرف من نسبة المنفق عليه: فإنه لا يرجع عليه به؛ لأن ذلك منه تطوع.
وإن كان السرف من نسبة المنفق وهو قوام بالنسبة إلى المنفق عليه فهل يرجع عليه؟
فالذي يتخرج من الكتاب قولان:
أحدهما: أنه لا يرجع عليه بالسرف، وهو ظاهر "المدونة" لإطلاقه نفي الرجوع دون تفصيل.
والثاني: أنه يرجع عليه به، وهو ظاهر قوله في "كتاب النكاح الثاني" في الذي قال: أرأيت رجلًا ينفق علىّ الدجاج والخرفان، وأنا لو كنت آكل من مالي لم آكل ذلك أيرجع على إلى آخر قوله.
فمفهوم الكلام: أنه لو كان يأكل ذلك من ماله لأكل ذلك، وكان منه قوامًا.
فإن كانت الدار قد فاتت بيد المشتري بما يفوت به البيع الفاسد: فإن المشتري يغرم القيمة ويتقاصص بها مع البائع في قيمة ما عليه من النفقة، وعلى القول بأنه يرجع.
[ ٦ / ١٣٧ ]
المسألة الثالثة في تأخير رأس مال السلم
ولا يخلو تأخيره من وجهين:
إما أن يكون بشرط، أو بغير شرط.
فإن كان بشرط: فلا يجوز فوق ثلاثة أيام بالاتفاق، وإلى ثلاثة أيام على الخلاف في السلم الحال هل يجوز أو لا يجوز؟
فمن جوز سلم الحال، أو قال بجواز السلم إلى ثلاثة أيام، كما به يقول ابن عبد الحكم -من أصحابنا قال: لا يجوز تأخير رأس المال إلى ثلاثة أيام بشرط لأنه بيع الدين بالدين.
فمن منعه قال بجواز تأخيره إلى ثلاثة أيام بشرط وبغير شرط، وهو قوله في "كتاب بيع الخيار".
فإن كان بغير شرط أو تأخر إلى أجل بعيد، أو إلى الأجل نفسه: فلا يخلو من أن يكون باختيار منهما، أو باضطرار.
فإن كان باختيار منهما: فلا يخلو من أن يكون رأس المال معينًا بالتعيين، أو يكون معينًا على صفة فإن كان معينًا على صفة كالحاضر في البلد وهو غائب عن المجلس: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يكون عينًا، أو عرضًا، أو حيوانًا.
فإن كان عينًا فتأخر إلى أمد بعيد أو إلى الأجل نفسه: ففي جواز السلم قولان:
أحدهما: الجواز، وهو أحد قولي ابن القاسم.
[ ٦ / ١٣٨ ]
والثاني: المنع، وهو قوله في "المدونة".
وسبب الخلاف: النقود هل تعين عند العقود أم لا؟
فإن كان عرضًا: فلا يخلو من أن يكون مما يعرف بعد الغيبة أم لا؛ فإن كان مما يعرف بعد الغيبة كالمعدود من العروض: فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: الجواز دون الكراهة.
والثاني: الجواز مع الكراهة.
فمن أطلق الجواز قال: لا علة تبقى؛ إذ البيع وقع على معين فسلم من بيع الدين بالدين.
ومن قال بالكراهة قال: مخافة أن يكون العرض الذي هو رأس المال لم يكن عنده يوم العقد وإنما استخلصه بعد ذلك.
فإن كان مما لا يعرف بعد الغيبة كالمكيل والموزون: فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: المنع.
والثاني: الجواز مع الكراهة.
فمن قال بالمنع رأي أن التهمة تلحقه، ولعله أتلف ذلك الطعام ثم رد مثله، والبيع إنما وقع مع الطعام الأول، وغرض المشتري قد تعلق به لخصائص صفاته.
ومن قال بالجواز مع الكراهة: لما سلم العقد من بين الدين بالدين هو حرام، فالخطب فيما يبقى بعده يسير، والأمر قريب؛ فأدنى ما توجبه التهمة: الكراهة.
[ ٦ / ١٣٩ ]
فإن كان رأس المال حيوانًا: فالجواز إطلاقًا؛ لسلامة العقد من العلل المحدودة، والمسلم إليه هو الذي رضي بإسقاط حقه من الاستمتاع برأس المال، ولو شاء لقبضه، فكأنه تركه عند رب السلم وديعة.
فإن كان رأس المال معينًا بالعين: فلا يخلو الذي عليه السلم من أن يكون قد تمكن من قبضه أم لا.
فإن كان قد مكن من قبضه وتركه حتى حلَّ الأجل: فلا خلاف في جواز السلم، فإن ضمانه منه إن هلك إن كان عرضًا بلا خلاف، وإن كان عينًا: على الخلاف.
وإن لم يمكن من قبضه؛ مثل أن يحبسه رب السلم حتى يقبض سلمه: فالسلم فاسد اتفاقا؛ لأن رأس المال قد تأخر بشرط.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا تأخر رأس المال على الغلبة والاضطرار كهروب أحدهما أو تماطل، هل يعذر المغلوب منهما بذلك ويكون على سلمه أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: المنع، ولا يعذر المغلوب منهما بذلك، وهو ظاهر المدونة في "كتاب الصرف".
والثاني: أن البيع جائز، وأن المغلوب منهما معذور، غير أن الحكم مختلف فيهما.
فإن كان الذي له السلم هو الذي مطل بالثمن ولم يقدر الذي له عليه الطعام على الانتصاف منه حتى حلَّ الأجل، أو قرب حلوله: فالخيار له إن شاء فسخ البيع على نفسه؛ لأنه يقول: إنما بعته [بالرخص] (١) لأنتفع بالثمن، وذلك الغرض غير محصول.
_________________
(١) في أ: الرخص.
[ ٦ / ١٤٠ ]
فإن كان التواني منه، ولم يكن من الذي له السلم مطل: فالسلم لازم للذي عليه، ويأخذ رأس ماله، وهذا القول أيضًا قائم من "المدونة" وهو نص قول ابن حبيب. والحمد لله وحده.
[ ٦ / ١٤١ ]
المسألة الرابعة في البيع بكيل مجهول
ولا يخلو من أن يكون ذلك في القرى، أو في البوادي.
فإن كان في القرى حيث تجري أحكام الولاة، ووضعت فيه المقادير لأهل العاملات، فاتفق المتبايعان على التبايع بكيل مجهول، ورغبا عن الكيل الذي به في البلد معمول، هل يجوز بيعهم أم لا؟
فالذي يتخرج من "المدونة" أربعة أقوال:
أحدها: أن البيع فاسد، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن البيع جائز جملة، ولا يفسخ، وهو قوله في "المدونة".
فيمن أسلم إلى رجل في ثياب بذراع رجل بعينه، وذلك الذراع مجهول بالإضافة إلى الذراع الذي حطه الوالي للناس.
والثالث: يمنعان ابتداء، فإن نزل: فإنه يمضي، وهو قول أشهب في ["كتاب] (١) السلم الثاني".
والرابع: التفصيل بين اليسير والكثير، وهو قول ابن القاسم في الذي اشترى ويبة وحفنة بدرهم، فالويبة معلومة، والحَفْنَة مجهولة.
وإن كان ذلك في البوادي حيث لا تجري الأحكام، ولا تصل إليها أوامر الإمام: فلا يخلو المتبايعان من أن يكونا بدويين، أو أحدهما.
فإن كانا بدويين: فالمعاملة جائزة بينهما بهذا الكيل المجهول؛ إذ ذلك غاية المطلوب، والعلة المحذورة التي هي المخاطرة منتفية.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٦ / ١٤٢ ]
فإن كان أحدهما بدويًا، والآخر حضريًا: فلا يخلو ما يتبايعان فيه من أن يكون يسيرًا، أو كثيرًا.
فإن كان يسيرًا؛ كمحتاج احتاج إلى علف دابته من الشعير فجائز أن يشتريه في البادية بهذا الكيل المجهول.
فإن كان ما يتبايعانه كثيرًا: فهل يجوز للحضري الشراء بكيل البادية أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أنه لا يجوز له الشراء بذلك الكيل، ويلزمه أن يحمل الكيل من المدينة.
والثاني: أنه يجوز له الشراء به.
وسبب الخلاف: تغليب أحد الجانبين علي الآخر، هل يغلب جانب المشتري على جانب البائع فيمنع إلا بكيل المدينة، أو تغلب ناحية البائع على المشتري فيجوز بكيل البادية، وهو النظر لما يلحق المشتري من [الضرر] (١) في استصحاب الكيل معه حيث ما هو، ومع ذلك لا يسلمان من الغرر المحذور لأن البائع جاهل بمقدار كيل المدينة، فإذا قال بالجواز فيما إذا كان التبايع في المدائن ولا ضرر بالبادية أولى بالجواز مع المشقة اللاحقة، وهو قول مالك في "المدونة": وإنما يجوز أن يتبايعوا فيما بينهم بالقدح والقصعة أو المكيال الذي ليس بمكيال التسوق أو الناس في الشراء من الأعراب حيث ليس ثمَّ مكيال معلوم للناس والأسواق، ولا القرى مثل العلف والتبن والخبط يريد بالمدينة لأنه ليس له كيل معروف؛ فصار شراء
_________________
(١) في أ: الضرورة.
[ ٦ / ١٤٣ ]
الطعام في البادية كشراء العلف والخبط بالمدينة، وهو ظاهر "المدونة" على هذا التأويل أن الشراء من البادية بالكيل المجهول جائز في القليل والكثير. والحمد لله وحده.
[ ٦ / ١٤٤ ]
المسألة الخامسة في البيع على التصديق
وفيها ثلاثة أسئلة:
أحدها: الشراء على تصديق البائع في الكيل.
والثاني: الشراء على تصديق التصديق.
والثالث: البيع على التصديق.
فالجواب عن السؤال الأول: وهو الشراء على تصديق البائع؛ مثل أن يشتري منه طعامًا وأخبره البائع أن فيه عشرة أرادب وصدقه المشتري: فذلك جائز من غير خلاف في المذهب؛ لأنها رخصة مع ما في ذلك من الغرر، ثم يكتاله المشتري فوجد الزيادة أو النقصان، فإن كان مثل زيادة الكيل ونقصه وله وعليه إن خرج عن المتعارف: فما كان من الزيادة فللبائع.
وما كان من نقصان: فإن كان مضمونًا: فليرجع إلى المثل؛ لعمارة الذمة به، وإن كان معينًا: فليرجع بالقيمة فما قلّ، والخيار له في الرد والإمساك فيما كثر، على الخلاف في حد القليل من الكثير على ما سيأتي بيانه في "كتاب العيوب والاستحقاق" إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الثاني: إذا اشترى على تصديق التصديق؛ مثل أن يشتري طعامًا على تصديق البائع فيما فيه من الكيل، وكان البائع لم يكله، وإنما باعه على تصديق غيره: فالمذهب يتخرج على ثلاثة أقوال:
أحدها: الجواز جملة، وهو ظاهر "المدونة" في غير ما موضع.
والثاني: المنع، وهو ظاهر "المدونة".
[ ٦ / ١٤٥ ]
والثالث: التفصيل بين أن يبين له البائع، أو لم يبين.
فإن بيَّن له: فالبيع جائز، وإن لم يبين: فالخيار للمشتري.
وهذا القول متأول على "المدونة".
وسبب الخلاف: الرخصة هل يعدي بها بابها أم لا؟ ولا شك أن الشراء على التصديق رخصة للمتبايعين ليدفعا عن أنفسهما مؤونة الكيل مع إمكان وجود النقص الكثير بعد الغيبة، فيرجعان إلى الخصام والأيمان، وذلك مخاطرة وغرر ولابد، فسومح للمشتري أن يصدق البائع مع هذا الإمكان؛ لما غلب على ظنه من تصديقه.
وإذا تعدى التصديق إلى ثان وإلى ثالث فقد كثر الخطر وانتشر الغرر [وتعدت] (١) الرخصة بابها.
وقد اختلف الأصوليون في الرخصة هل تتعدى، أو لا تتعدى، وعليه ينبني الخلاف في هذه المسألة.
والجواب عن السؤال الثالث: وهو البيع على التصديق؛ مثل أن يسلم إلى رجل في أرادب من طعام فأتاه بطعام عند الأجل، وقال له: إن فيه القدر الذي تسألني فصدقه المشتري، وأمره أن يكيله في غدائره أو في ناحية منه حتى يلحقه فهل يعد ذلك منه قبض ويجوز للمشتري أن يبيعه قبل أن يكتاله؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال، كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: الجواز، وهو قول ابن القاسم في "كتاب السلم الثاني".
والثاني: المنع، وهو قول مالك وابن القاسم في "كتاب الصرف"، و"كتاب الرواحل والدواب"، وهو قول مالك في "كتاب السلم الثالث"؛
_________________
(١) في أ: وتعددت.
[ ٦ / ١٤٦ ]
حيث قال: لا يجوز للذي له الطعام السلم أن يبيعه بقبض زوجة الذي عليه الطعام إذا وكلها على القبض.
وإذا كان لا يجوز أن يبيع بقبض زوجته، فبأن لا يبيعه بقبض نفسه من نفسه أولى وأحرى.
والثالث: بالكراهة، وهو قول مالك في "كتاب السلم الثاني"؛ حيث قال: لا يعجبني، على تأويل بعضهم، وهو أسعد بظاهر "المدونة".
وسبب الخلاف: يد الغريم هل هي كيد الطالب ويكون قبضه من نفسه كقبض الطالب؟
وينبني أيضًا على الخلاف: الذي قدمناه في الرخصة هل تتعدى أو لا تتعدى؛ لأن في هذا الوجه البيع على تصديق التصديق.
وإذا ادعى أنه ضاع بعد الكيل وقد أمره أن يكيله له في ناحية ببيته: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يصدقه رب الطعام في الكيل والضياع.
والثاني: أن يكذبه في الأمرين.
والثالث: أن يصدقه في الكيل ويكذبه في الضياع.
فإن صدقه في الأمرين هل يبرأ البائع ويكون الضياع من المشتري؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يبرأ، وهو المنصوص المشهور.
والثاني: أنه لا يبرأ، وهو ظاهر قوله في "المدونة" في "كتاب السلم الثالث" في قبض الزوجة، وهو ظاهر قول الغير في "كتاب الرواحل والدواب" في الذي استؤجر على تبليغ الكتاب.
[ ٦ / ١٤٧ ]
وينبني الخلاف: على الخلاف في ذمته هل تبرأ بدعواه أو لا تبرأ؛ فمن رأى أن ذمته تبرأ بدعواه قال: "لا شيء عليه"، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الوكالات" في مسألة اللؤلؤة؛ حيث قال: "فإنه يصدق إن اشترى وأنه قد ضاع، ويحلف ويكون له الثمن الذي أسلف واشتري به على الأمر، فإذا جاز أن يعمر ذمة غيره بدعواه، فبأن تبرأ ذمة نفسه بدعواه المستندة إلى إذن أولى وأحرى.
وإن كذبه في الأمرين جميعًا هل يصدق وتبرأ ذمته أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يصدق، وهو قول ابن القاسم في "كتاب السلم الثاني"، وهو قول الغير في "كتاب الرواحل والدواب".
والثاني: أنه يصدق ويبرأ، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الوكالات" وهو قول ابن القاسم في "كتاب الرواحل".
وأما إن صدقه في الكيل وكذبه في الضياع: فعلى الخلاف الذي قدمناه في الأمرين، فلا فائدة لإعادته. والحمد لله وحده.
[ ٦ / ١٤٨ ]
المسألة السادسة في اختلاف المتبايعين
اعلم أن مضمون هذا الباب يعد إحصاؤه تفصيلًا، ويطول استقصاؤه تأصيلًا، لكنا كنا مقتصرين على المشهور الأكثر، ونغض عن المهجور الإبار.
فنقول من حيث التقريب: اختلافهما في العقد ينقسم قسمين:
أحدهما: في وصف لزومه.
والثاني: أن يختلفا في حق من حقوقه.
وأما الاختلاف في وصف اللزوم فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون في وصف اللزوم الشرعي.
والثاني: أن يكون في وصفه الشرطي.
فالأول: مثل أن يدعي أحدهما أن العقد وقع فاسدًا، ويدعي الآخر وقوعه على الصحة: فإن كان الفاسد المدعي كبيع يوم الجمعة، أو بيع الغرر، أو سلعة لم توصف، وادعى الآخر السلامة من ذلك: فالقول قول مدعي الصحة؛ لأنها أشبه بوقوع العقد.
فإن كان الفساد في الثمن؛ مثل أن يدعي أحدهما أن البيع وقع بخمر، والآخر يقول بثمن، أو ادعى أحدهما النقد، وادعى الآخر الأجل أجلًا مجهولًا فالقول قول مدعي الحلال منهما؛ لأنه قد ادعى ما يشبه، فالقول قوله مع الفوات اتفاقًا، ومع القيام على الخلاف لابن القاسم؛ لأنه يقول بالتحالف والتفاسخ، ودليله: عموم الخبر، ومدعى الشبه كشاهد قام له،
[ ٦ / ١٤٩ ]
وهذا إذا كان العرف عندهم وقوع العقد على الصحة.
فأما إذا كان العرف وقوعه على الفساد: فالقول قول مدعيه؛ لأن العرف أمر يقضى به وإن كان فاسدًا.
وأما الضرب الثاني: وهو أن يختلفا في وصف اللزوم الشرطي؛ مثل أن يدعي أحدهما الخيار في البيع، ويدعى الآخر البتل: فالقول قول مدعي البتل؛ لأنه أشبه بالعقد، وهو قوله: في "كتاب الوكالات" من "المدونة".
فإن اتفقا أن البيع وقع على خيار، فادعى كل واحد منهما أن الخيار له دون صاحبه: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنهما يتحالفان ويتفاسخان.
والثاني: أنهما يتحالفان ولا يتفاسخان، ويصح البيع على البتل.
والقولان لابن القاسم في "العتبية".
وأما القسم الثاني من أصل التقسيم: وهو أن يختلفا في حق من حقوقه: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون اختلافهما في الثمن.
والثاني: أن يكون اختلافهما في المثمون.
والثالث: أن يكون اختلافهما في الأجل.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا اختلفا في الثمن: فلا يخلو من ثلاثة أوجه.
أحدها: أن يختلفا في قدره.
والثاني: أن يختلفا في نوعه.
والثالث: أن يختلفا في قبضه.
[ ٦ / ١٥٠ ]
فأما الوجه الأول: إذا اختلفا في قدره فلا يخلو من أن تكون السلعة قائمة أو فائتة.
فإن كانت قائمة: فالتحالف والتفاسخ، واختلف من المبتدئ باليمين على قولين:
أحدهما: أن البائع يبدأ باليمين، وهو مذهب "المدونة"؛ لأنه أقوى المتداعيين سببًا.
والثاني: أن المشتري هو المبتدئ باليمين، وهو قوله في "العتبية".
فإن تحالفا فهل يقع التفاسخ بتمام التحالف، أو لابد من الحكم به؟
فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أن الفسخ لا يكون إلا بحكم حاكم.
والثاني: أن التفاسخ يقع بتمام التحالف، وهو مذهب سحنون، وهو ظاهر "المدونة" في بيع الخيار.
والثالث: إن كان التحالف بحكم حاكم فالفسخ عقيبه.
والرابع: بعكس ذلك.
وفائدة ذلك: إذا رجع أحدهما إلى تصديق صاحبه هل يلزمه البيع أم لا؛ فمن رأى أن التفاسخ يقع بتمام التحالف قال: لا يلزم البيع من بقي منهما على أول دعواه إذا رجع صاحبه إلى تصديقه.
ومن رأى أنه لا يفسخ إلا بحكم قال: إذا رجع أحدهما إلى تصديق صاحبه قبل أن يحكم بينهما بفسخ البيع، قال: ذلك له، والبيع لازم لصاحبه شاء أو أبى.
[ ٦ / ١٥١ ]
واختلف في التناكل هل هو كالتحالف أم لا على قولين قائمين من "المدونة".
أحدهما: أنه كالتحالف، وهو قول ابن القاسم في "الموَّازية"، وهو قول شريح في "الموَّازية".
والثاني: أنهما إذا نكلا فالقول قول البائع، وهو قول مالك في "الواضحة".
وإن فاتت السلعة: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن فواتها كقيامها، وهو قول أشهب، ويحلف ويرد قيمتها يوم قبضها.
والثاني: أن الفوات يخالف القيام، وهو المشهور.
وعلى القول بأن الفوات يخالف القيام: فقد اختلف بماذا تفوت على أربعة أقوال، كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنها تفوت بالعقد؛ إذا بالعقد تدخل في ضمان المشتري، وهو ظاهر قوله في "كتاب المكاتب".
والثاني: أنها تفوت بالقبض، فإذا قبضها كان القول قوله مع يمينه، وهي رواية ابن وهب في "كتاب تضمين الصناع".
والثالث: أنها لا تفوت إلا بالقبض مع البينونة، فإذا قبضها وبان بها: كان القول قوله، وهو قوله في "كتاب المكاتب".
والرابع: أنها تفوت بالقبض مع الفوات الحسي والمعنوي؛ كتغيير ذاتها وأسواقها، فإذا تغيرت في الذات أو في الأسواق: كان القول قول المشتري مع يمينه، وهو قوله في "كتاب السلم الثاني"، وهو قول ابن وهب وهو أولاها بالصواب.
[ ٦ / ١٥٢ ]
وهذا كله مع الشبه؛ إذ لا خلاف أن الشبه يراعى مع الفوات، فمن ادعى ما يشبه: قُبل قوله، وإنما الخلاف في مراعاة الأشباه مع قيام السلع هل تراعى أم لا على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن الأشباه لا تراعى مع القيام كاختلافهما في الجنس، وهو ظاهر "المدونة"؛ لعموم قوله - ﷺ -: "إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة فإنهما يتحالفان ويترادان" (١).
والثاني: أنها تراعي، وهو ظاهر قوله في "المدونة" في "كتاب السلم الثاني" إذا اختلفا في صحة السلم وفساده؛ حيث قال: "القول قول مدعي الصحة"، وما ذلك إلا لكونه قد ادعى ما يشبه، وهو قول عبد الملك في "الواضحة".
فأما الوجه الثاني: إذا اختلفا في نوعه؛ مثل أن يقول البائع: بعت بطعام، ويقول المشتري: بل بدنانير، أو بالعكس: فالحكم التحالف والتفاسخ أبدًا، ويترادان المبيع إن وجد، أو القيمة إن فقد.
فإن فاتت بحوالة الأسواق فأعلى: فعلى المشتري قيمتها، قال في "المدونة" "يوم القبض".
واعتذر المتأخرون عن ذلك بما لا يخفى على من طالع كتبهم.
وأما الوجه الثالث: إذا اختلفا في قبض الثمن: فلا يخلو من أن يكون في صورة السلم، أو في صورة بيع النقد فإن كان في صورة السلم: فهو كاختلافهما في صحة البيع وفساده، وقد تقدم الكلام عليه في أول المسألة.
فإن كان في صورة بيع النقد: فلا يخلو المبيع من أن يكون مما جرت
_________________
(١) أخرجه مالك (٧٨٥) وعبد الرزاق (١٥١٨٥).
[ ٦ / ١٥٣ ]
العادة بتأخير الثمن فيه عند العقد.
فإن كان مما جرت العادة فيه بالتناقد في الأسواق شبه الصرف كاللحم و[الصوف] وسائر أنواع الطعام والفواكه: فلا خلاف فيه أن القول قول المشتري بعد الافتراق وبعد قبض السلعة.
فإن قبضها واختلفا قبل الافتراق: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن المشتري مصدق مع يمينه، وهو قول ابن القاسم في كيل ما يكال أنه لا يقضي به إلا بعد قبض الثمن.
والثاني: أن البائع مصدق مع يمينه، وهو رواية أشهب عن مالك. والقولان في "الواضحة".
وسبب الخلاف: اختلافهم في المُبَدَّي بالدفع أولًا، هل المشتري مخاطب بالتسليم أولًا فيكون القول قوله، أو البائع مخاطب بتسليم المبيع أولًا فيكون القول قوله؟
وهذا قول ينبغي للطالب التنبه له.
فإن كان مما جرت العادة بتأخير الثمن فيه في الأسواق: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن القول قول البائع جملة بلا تفصيل في أنواع المبيعات ما لم يأت من طول الزمان [ما لا] (١) يتبايع الناس إلى مثله، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: الفرق بين البر وغيره من الحيوان والرياع؛ فيصدق البائع في الحيوان والرياع ما لم يطل الزمان، فإن طال: صار مثل الطعام، والقول
_________________
(١) في أ: ما لم.
[ ٦ / ١٥٤ ]
قول المشتري مع يمينه.
وأما البر، وغيره فقال: القول قول البائع، ويحلف ما لم يطل، فإن طال مثل عشرين سنة:
فالقول قول البائع ويحلف، وبه قال ابن حبيب، قال: ورواه عبد الملك.
ولا يخفى على لبيب ضعف قول ابن حبيب.
والجواب عن الوجه الثاني: وهو اختلافهما في المثمون، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون في نوعه.
والثاني: أن يكون في قدره.
والثالث: أن يختلفا فيه هل قبض أم لا.
فأما الوجه الأول من الوجه الثاني: إذا اختلفا في قدر المثمون: فلا يخلو من أن يكون مكيلا، أو موزونًا، أو عروضًا.
فإن كان مكيلًا: فلا يخلو من أن يكون البيع نقدًا أو إلى أجل.
فإن كان نقدًا؛ مثل أن يقول البائع: بعتك ثلاثة أرادب بدينار، ويقول المشتري: بل أربعة أرادب بدينار.
فإن لم يتقابضا شيئًا: فالمذهب في التفاسخ على قولين:
أحدهما: أن الفسخ بعد التحالف، وهو قول ابن حبيب، ويأخذ المشتري ثلاثة أرادب، ويغرم ثلاثة أرباع الدينار؛ إذ ليس العرض في عين المبيع غالبًا.
فإن تناقد الثمن هل يكون قبضه فواتًا أم لا؟
[ ٦ / ١٥٥ ]
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه فوت، ويكون القول قول البائع قبض منه الطعم أم لا، فجعل قبض العين فوتًا؛ لكونه لا يعرف بعينه، وهو قوله في "العتبية"، وهو ظاهر "المدونة".
والثاني: أنهما يتفاسخان بعد التحالف، وهو قوله في "المدونة".
وإن غاب على النقد، فإن كان ذلك بعد أن قبض المبتاع ثلاثة أرادب ولم يدفع الدينار: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن المبتاع مصدق، ويقبض الإردب الباقي، وهو قول ابن حبيب.
والثاني: أن البيع يفسخ في الإردب الباقي، ويدفع ثلاثة أرباع الدينار، وهو قول ابن القاسم.
فإن كان ذلك في السلع المبيعة؛ مثل أن يقول البائع: بعتك تسعة أثواب، وقال المشتري: بل اشتريت منك عشرة أثواب وقبضتها:
وقد قال في كتاب ابن القاسم: يتحالفان ويتفاسخان مع قيام الثياب.
فإن فاتت: فالتحالف والتفاسخ في الثوب العاشر، ويأخذه البائع مع قيام عينه، فإن أتلف عينه: كان للبائع الأقل مما يخصه من الثمن أو قيمته.
وأما إن كان البيع إلى أجل كالسلم؛ مثل أن يقول المشتري: أسلمت إليك في عشرة أرادب، ويقول البائع: بل في خمسة، فإنه ينظر إلى قيام رأس المال وفواته كما تقدم؛ فيتفاسخان في القيام بعد التحالف، وفي الفوات: القول قول من أتى بما يشبه.
فإن لم يأتيا جميعًا بما يشبه: فعلى البائع قيمة ما أخذ إذا كان رأس المال عرضًا، فإن كان عينًا فهل يتفاسخان، أو يردان إلى وسط السلم؟
[ ٦ / ١٥٦ ]
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنهما يردان إلى سلم، وهو قول ابن القاسم في "الموَّازية".
والثاني: أنهما يتحالفان ويتفاسخان، وهو قول أشهب في الكتاب المذكور.
والخلاف في ذلك يختلف باختلاف أنواع رأس المال؛ فإن كان رأس المال عروضًا: فحوالة الأسواق وما فوقها فوت.
فإن كان مكيلًا أو موزونًا: فالغيبة عليه لكونه مرادًا لغرضه.
وإن كان عينًا: فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الغيبة عليه فوت؛ إذ لا يعرف بعينه كالمكيل.
والثاني: أنه لا تفيته الغيبة عليه لأنه مراد لغرضه.
وهذان القولان قائمان من "المدونة".
والثالث: أنه لا يفيته إلا طول الزمان حتى يحصل الانتفاع ويطول وما كان بالقرب: فإن التحالف والتفاسخ فيه.
وأما الوجه الثاني من الوجه الثاني: وهو اختلافهما في النوع؛ مثل أن يقول أحدهما: "السلم في شعير"، والآخر يقول: "بل في قمح": فلابد من التفاسخ بعد التحالف؛ لعدم تمييز المدعي من المدعى عليه، فكان آكد المدارك وأَسَدِّ المسالك: التحالف.
فإن حلف البائع ونكل المشتري فأراد أخذ ما قال البائع من غير تصديق له: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز حتى يرجع إلى تصديقه، وهو المشهور.
والثاني: أن ذلك جائز، ويأخذ ما يدعيه المشتري إذا كان ذلك عند
[ ٦ / ١٥٧ ]
الحلول، فيكون كالمبادلة، ولا يجوز قبل الحلول؛ لأن ذلك مبايعة.
فإن نكل البائع وحلف المشتري: كان له ما ادعى -كان من صنف ما قال البائع أم لا؛ لأن البائع لابد له من الغرم.
ولا تعتبر الأشباه هاهنا بخلاف السؤال الذي قبله؛ لأن الاختلاف هناك في الوصف دون الأصل، وكثرة الثمن هناك تنبئ عن تصديق المشتري.
وأما الوجه الثالث من الوجه الثاني: وهو اختلافهما في قبض السلعة المبيعة: فالأصل فيها وفي [قبض] (١) الثمن النظر إلى العادة إن كانت هناك، فإذا عدمت رجعنا إلى الأصل وقلنا للبائع: أنت المطلوب بتسليم المبيع، فعليك البيان بتسليمه إلى المشتري، إلا أن يكون التداعي بعد الافتراق، وقد انتقد: فيكون القول قوله؛ لأن العرف يشهد له، وإلا فالقول قول المشتري إذا لم ينقد -افترقا أم لا- وكذلك إذا لم يفترقا وقد انتقد أن القول قوله.
والجواب عن الوجه الثالث من أصل التقسيم: إذا اختلفا في الأجل فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يختلفا هل فعل أم لا.
والثاني: أن يتفقا على أنه قد فعل، ويختلفا في قدره.
والثالث: أن يتفقا في قدره، ويختلفا في حلوله.
فأما الوجه الأول من الوجه الثالث: إذا اختلفا في الأجل هل فعل أو غفل: فلا يخلو من أن تكون السلعة قائمة، أو فائتة.
فإن كانت قائمة: فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهما يتحالفان ويتفاسخان، وهي رواية ابن القاسم وابن وهب
_________________
(١) في أ: قبل.
[ ٦ / ١٥٨ ]
وهب عن مالك في "العتبية" و"الموَّازية".
والثاني: أن القول قول البائع في نفي الأجل مع قيام السلعة، وهو أحد قولي ابن القاسم أيضًا.
والثالث: أن القول قول المشتري إذا ادعى أجلًا قريبًا مع قيام السلعة، وهو قول ابن القاسم أيضًا.
والقولان في "الواضحة".
فإن فاتت السلعة: فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: أن القول قول البائع المدعي أن الأجل قد غفل، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الرهان"، وفي "كتاب تضمين الصناع"، وقد قال ابن القاسم في "كتاب الرهون": لا يصدق المشتري في الأجل، ويؤخذ أقربه حالًا، وقال في "كتاب تضمين الصناع": أن المبتاع مدعي الأجل.
والثاني: أن المشتري مصدق إذا ادعى أجلًا قريبًا، وهو قول مالك في "كتاب الوكالات"، وفي "كتاب الرهبان"، يحلف، وإلا كان القول قول البائع.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الأجل هل هو راجع إلى الأصل فيصدق البائع، أو عائد إلى الوصف فيصدق المشتري.
وأما الوجه الثاني والثالث من الوجه الثالث: وهو اختلافهما في مقدار الأجل وفي حلوله؛ إذ لا فرق أن يتفقا في منتهى الأجل ويختلفا في مفتتح العقد، وبين أن يختلفا في مقدار الأجل؛ هذا يقول شهرًا، وذا يقول شهرين: فإنهما يتحالفان ويتفاسخان قبل الفوات لاختلافهما في قلة الثمن وكثرته على سواء.
[ ٦ / ١٥٩ ]
وبعد الفوات يكون القول قول الذي عليه الدين؛ لأنه مطلوب إن أشبه ما قال.
فإن لم يشبه ما قال: كان القول قول صاحبه إن أشبه ما قال.
وإن لم يشبه ما قالا: هل يردان إلى الوسط في الأجل ويترادان البيع؟
فالمذهب يتخرج على قولين:
أحدهما: أنهما يترادان البيع، ويفسخ بينهما، وهو ظاهر "المدونة" في اختلافهما في القضاء إذا ادعى كل واحد منهما ما لا يشبه لتقارب ما بين الموضعين؛ حيث قال: أنهما يتحالفان ويتفاسخان.
والثاني: أنهما يردان إلى الوسط في الأجل كما قال ابن القاسم: إذا اختلفا في قلة المثمون وكثرته وقد فات رأس المال، وأتى كل واحد منهما بما لا يشبه أنهما يردان إلى الوسط السلم، وهو تأويل بعض المتأخرين.
وهذا تحصيل المسألة وتلخيصها، وحيد بوصولها تحصيلًا وتلخيصًا لم أسبق منها ولا زاحمتني أقلام المحصلين عليها.
ونحن الآن نتكلم على الأدلة فنقول: سبب الخلاف الواقع في المسألة: اختلاف الأخبار، وطرق المقاييس؛ فمنها ما روي عن ابن مسعود عن النبي - ﷺ - أنه قال: "إذا اختلف المتبايعان والمبيع مستهلك فالقول قول البائع" (١) والحديث في الدارقطني، وهو نص في محل النزاع.
وفي الموطأ والترمذي أن النبي - ﷺ - قال: "إذا اختلفا المتبايعان وليس بينهما بينة فهو ما يقول رب السلعة، أو يترادان" (٢).
_________________
(١) السنن (٣/ ٢١).
(٢) تقدم.
[ ٦ / ١٦٠ ]
ومن طريق القياس: أن التحالف إذا جرى حالة القيام مع القدرة على رد عين السلعة: فمنع الفوات أولى، وبهذا استدل أشهب ومن قال بقوله من العلماء كالشافعي.
ويعارضه ما خرجه الدارقطني عن النبي - ﷺ - قال: "إذا اختلف المتبايعان والسلعة كما هي فالقول ما قال البائع ويترادان" (١).
وقال أصحابنا: وظاهر التقييد بالقيام يقتضي كون الفوات مخالفة، وإلا لم يكن لقوله فائدة، وكيف لا يكون الأمر كذلك ومقتضى قياس الأصل تصديق المشتري حالة القيام لأنه مدعي عليه؛ لأن البائع مسلم له الملك، وإنما ينبغي مريدًا وهو المطلوب على أنا تركناه في القيام بدليل، والباقي على الأصل، وبهذا يقول ابن القاسم، وهو مشهور المذهب، وبه قال أبو حنيفة.
وأما أشهب ومن قال بقوله فقد حمل التقييد بالقيام على التشبيه بالهلاك بطريق الأولى، وقد روي عنه - ﷺ - ما لا يعتضد به مذهب أصحاب التفضيل؛ وهو قول النبي - ﷺ -: "فإن استهلكت فالقول قول المشتري".
وهذا نص في محل النزاع إلا أنه حديث في سنده ضعف، وأما القول الثالث الذي جعل القبض فواتًا: فبني على الترجيح باليد عند تكافؤ الدعوى؛ حيث جعل الملك لمن استقرت عليه يده، واستولى عليه ملكه، وكذلك مسألتنا، وكون يد المشتري على السلعة بتمكين البائع دليلًا على صدقه وقبول قوله:
فهذا ما أمكن الإيمان إليه من الاستدلال والتنبيه دون بسط وتطويل، وحسبنا الله ونعم الوكيل. والحمد لله وحده.
_________________
(١) تقدم.
[ ٦ / ١٦١ ]
المسألة السابعة في الوكالة في السَّلم
وإذا وكله أن يسلم له في طعام: فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يسلمه إلى مسلم.
والثاني: أن يسلمه إلى نصراني.
فإن أسلمه إلى مسلم: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يسلمه إلى نفسه.
وإما أن يسلمه إلى أجنبي لا ولاية له عليه.
وإما أن يسلمه إلى من له عليه سلطنة وولاية.
فالجواب عن الوجه الأول من الوجه الأول إذا أسلمه إلى أجنبي من الناس لا ولاية [له] (١) عليه: فلا خلاف له في الجواز واللزوم بالأمر إذا حصلت فيه شروط الصحة.
والجواب عن الوجه الثاني: أن يسلمه إلى نفسه، هل يجوز أو يفسخ؟ قولان:
أحدهما: الجواز، وهو أحد قولي مالك في "كتاب النكاح الأول".
والثاني: المنع، وهو قوله: في الكتاب المذكور، وفي "كتاب السلم الثاني" أيضًا.
وسبب الخلاف: هل الوكيل معزول عما تضمنته الوكالة، أو هو داخل فيه؟
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٦ / ١٦٢ ]
فمن رأي أنه معزول عما تضمنته الوكالة، وأن المراد بذلك غيره لا عينه، وأنه لو كان هو المراد بقصده بذلك من غير وكالة قال: يبطل الأمر ما صنع.
ومن رأي أن الوكالة تناولته بإطلاقها من غير تنصيص ولا تخصيص، وهو من آحاد البشر: قال بجواز ما صنع، ولا كلام فيه للأمر، وغاية ما يعتبر ذلك في وجود التهمة وعدمها؛ لأنه يتهم أن يحابي نفسه إذا أسلم إلى نفسه.
فإذا أسلم إلى نفسه كما يسلم إلى غيره فما المانع؟
والجواب عن الوجه الثالث: إذا أسلم إلى من له عليه سلطنة وولاية؛ كعبده، وزوجته، وولده الصغير، واليتيم الذي في حجره المفاوض في مال الشركة: فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: الجواز في الجميع؛ بناء على أن العهدة تابعة للمال والمملوك للمالك، وهو نص "المدونة" في الزوجة في "كتاب السلم الثاني"، وهو ظاهر قول مالك من غيرها، وقد قال في العبد أنه يملك، وأن الربا لا يجوز بينه وبين سيده، وهو قوله في "كتاب الصرف" وغيره من "المدونة": فإن السيد أيضًا لا زكاة عليه في مال عبده إذا انتزعه حتى يحول الحول عنده.
والثاني: المنع في الجميع كمالك أسلم ذلك إلى نفسه وهو ظاهر قوله في الزوجة في "كتاب السلم الثالث" من المدونة؛ حيث قال في الذي أسلم إلى رجل في طعام فوكل زوجة الذي عليه الطعام على قبضه من زوجها أنه لا يجوز أن يبيعه بقبضها؛ فجعل يدها كيد زوجها، وهو نص قوله: في "كتاب السلم الثاني" في الولد واليتيم والعبد.
[ ٦ / ١٦٣ ]
والقول الثالث: بالتفصيل بين من يمنع من التصرف في ماله إلا بإذنه؛ كالزوجة: فيجوز السلم إليها، وبين من يجوز له التصرف فيه بغير إذنه؛ كالولد الصغير واليتيم والعبد فلا يجوز.
أما الخلاف في العبد: فمبني على الخلاف فيمن ملك أن يملك، هل يعد مالكًا أم لا؟
وأما من عداه: فمبني على الخلاف هل النظر إلى من يملك التصرف، أو النظر إلى من يملك الأصل؟.
فمن اعتبر مالك التصرف قال: [يجوز] (١).
ومن اعتبر مالك الأصل قال: لا يجوز، وهو مذهب سحنون فيما أظن.
وأما الزوجة: فقد أخذت طرفًا من كل جانب؛ فإنها شابهت الأجنبي لكونها مالكة على الحقيقة، وأما الزوج لا يتصرف في ملكها إلا بإذنها، وشاكلت من هو في قيد الولاية من وجه؛ لكون المال مشاعًا بينها وبين الزوج، والدار الواحدة تجمعها مع الحال في غالب الأحوال، وكل مضاف إلى الزوج على كل حال؛ فلأجل اضطربت فيها الأقوال على ما تراه من الاحتمال، وإلى الله الهداية في الأقوال والأفعال.
والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا أسلمه إلى نصراني هل يجوز ما فعل أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز مع الكراهة، وهو ظاهر قوله في "كتاب الصرف"،
_________________
(١) في أ: لا يجوز.
[ ٦ / ١٦٤ ]
و"كتاب السلم الثاني".
والقول الثاني: الجواز دون الكراهة، وهو نص قوله في "كتاب السلم الثاني". والحمد لله وحده.
[ ٦ / ١٦٥ ]
المسألة الثامنة في المقاصة في السَّلم بقيمة الرهن التالف
ولا يخلو المسلم فيه من أن يكون مما يجوز بيعه قبل الاستيفاء أم لا.
فإن كان مما لا يباع إلا بعد قبضه: فلا يخلو الرهن من أن يكون مثل رأس المال قدرًا وعينًا، أو مخالفًا له.
فإن كان الرهن مثل رأس المال قدرًا وعينًا مثل أن يكون دنانير والرهن دنانير مثلها: فلا يخلو من أن يشترط الرهن في العقد، أو كان بعد ذلك فإن اشترطه في العقد: فلا يجوز اتفاقًا؛ لأن الأمر آل إلى تأخير رأس المال بشرط ففسد البيع؛ لأن الذي قد دفع دنانير وأخذ مثلها فآل ذلك إلى رأس مال لم يقبض، ولا إشكال في ذلك.
وأما إن كان ذلك بعد العقد فهل تجوز المقاصصة أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن المقاصصة لا تجوز جملة بلا تفصيل.
قال محمَّد: لأن ذلك بيع الطعام قبل قبضه، وهذا هو المشهور.
والثاني: أن ذلك جائز؛ لبعدهما عن التهمة، وكل ذلك إقالة حكمية، وهو قول الشيخ أبي إسحاق التونسي.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الإقالة المعنوية هل هي كالإقالة اللفظية؟ [قولان] (١) والقولان قائمان من "المدونة".
فإن كان الرهن مخالفًا لرأس المال؛ مثل أن يكون الرهن عرضًا ورأس
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٦ / ١٦٦ ]
المال دنانير أو دراهم، أو بالعكس: فلا تجوز المقاصصة بوجه، سواء كان الرهن مشترطًا في أصل العقد، أو بعد العقد؛ لأنه بيع الطعام قبل قبضه.
وإن كان المسلم فيه مما يجوز بيعه قبل قبضه؛ كالحيوان وسائر العروض: فلا يخلو الرهن من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون مما يجوز أن يسلم في رأس المال، والمسلم فيه.
والثاني: أن يكون مما لا يجوز سلمه في المسلم فيه.
والثالث: أن يكون مما لا يجوز سلمه في رأس المال.
فإن كان مما يجوز أن يسلم في رأس المال والمسلم فيه؛ مثل أن يكون المسلم فيه حيوانًا ورأس المال دنانير والرهن ثيابًا: فلا إشكال في جواز المقاصصة؛ إذ لا علة تبقى إذا كانت الثياب مما لا يقوم بالدنانير؛ لأن الدنانير التي هي رأس المال يجوز سلمها في الرهن وفي المسلم فيه، ويعد ذلك منه كاقتضائه ذلك من حقه.
وأما إذا كان الرهن مما لا يجوز أن يسلم في المسلم فيه، وهو أحسن، أو الحسن صار في الأحسن "حط عني الضمان وأزيدك"، وفي الأحسن "ضع وتعجل"، ويتهمان على أن يعملا على ذلك حين العقد، فإن تساويا في النقد والصفة: جاز، ويكون استيفاء.
وأما الوجه الثالث: إذا كان الرهن مما لا يجوز سلمه في رأس المال؛ لأنه دنانير وهو دراهم: فلا مقاصة بوجه، وهو صرف مستأخر.
ولو اتحد في الجنسية دنانير أو دراهم كلها -أعنى: الرهن ورأس المال: فالمقاصة جائزة اتفاقًا أيضًا إذا اتفقا في الصفة والمقدار، أو يكون الرهن أقل، فإن كان أكثر منع لأنه دراهم في أكثر منها. والحمد لله وحده.
[ ٦ / ١٦٧ ]
المسألة التاسعة في تعدى الوكيل
اعلم أنهم قالوا في تعدى الوكيل ومصالحة الكفيل والإقالة من بعض المكيل لا يقوم بها إلا النبيل، ونحن إن شاء الله مجدون في تحصيل ما أشكل، وتلخيص ما تشتت من فصولها، فتنبه أيها المسترشد لفهم هذه الفوائد التي مهدنا سبلها، وقربنا غورها حتى يسقى منها بالأكف والساعد، فنقول من حيث التفصيل: فلا يخلو الأمر من وجهين:
أحدهما: أن يوكله على البيع.
والثاني: أن يوكله على الشراء.
فإن وكله على البيع فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يوكله على أن يبيع بالنقد.
والثاني: أن يوكله على أن يبيع إلى أجل.
فإن وكله على أن يبيع بالنقد، فتعدى: فلا يخلو تعديه من ثلاثة أوجه:
أحدها: إما أن يكون في مقدار الثمن.
وإما أن يكون في نوعه.
وإما أن يكون في تأجيله.
فإن كان تعديه في مقدار الثمن؛ مثل أن يأمره أن يبيعها بعشرة فباعها بثمانية: فلا يخلو المأمور من أن يقر بالتعدي أم لا.
فإن أقرَّ بالتعدي، والسلعة قائمة: أخذها مع يمينه، ولا يسقطها عنه
[ ٦ / ١٦٨ ]
إقرار المأمور في التعدي؛ لأن التهمة تلحقهما في حق المشتري.
فإن فاتت بيد المشتري: غرم المتعدي تمام الثمن.
فإن جحد التعدي وادعى أنه أمره بذلك الآمر، فإن كانت السلعة قائمة: فالقول قول الآمر، ويحلف، ويرجع الخيار إلى المشتري، فإن شاء أخذها بما قال الآمر، أو يردها، وقيل: إنه لا خيار له ويرد السلعة على كل حال.
فإن فكل الآمر: فليس له إلا ثمانية.
فإن حلف الآمر، ثم طلب المشتري يمين المأمور، هل يلزمه اليمين أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يلزمه اليمين أنه لم يأمره بعشرة.
فإن نكل: لزمه تمام الثمن، ويغرمه الآمر، ويتم البيع للمبتاع بثمانية، وهو قول أصبغ في "كتاب محمد".
والثاني: أنه لا يمين له عليه إلا أن يدعي عليه أنه تحمل ذلك كله، وهو قول ابن الموَّاز.
وسبب الخلاف: الذي قدمناه أولًا في خيار المشتري هل يفسخ البيع بينهما بنفس يمين الآمر، أو لابد من حكم أو إشهاد؟
فمن رأى أن البيع مفسوخ بنفس اليمين قال: لا خيار للمشتري في أخذها إلا برضا الآمر، ويكون ذلك بيعًا مبتدءًا.
ومن رأي أن البيع لا يفسخ بنفس اليمين أثبت له الخيار.
وهذا الخلاف ينبني على الخلاف في التفاسخ بعد التحالف.
[ ٦ / ١٦٩ ]
فإن نكل الآمر عن اليمين: فلا يرد اليمين على المأمور، إذ لا فائدة ليمينه إما لكونه يحلف ليأخذ الغير وذلك مخالف للأصول، وإما لعلة تنكله عن اليمين فيثبت عليه حكم التعدي فيبطل البيع وترد السلعة، وهذا لا سبيل إليه لأن الأمر بنكوله قد يسلمها للمشتري، ولا فائدة ليمين المأمور، ولا يمين على المشتري أيضًا؛ لأنه لم يدَّع عليه شيء.
فإن فاتت السلعة: فالقول قول المأمور مع يمينه.
واختلف بماذا تفوت على قولين:
أحدهما: أن فواتها ذهاب العين خاصة، وهي رواية يحيى عن ابن القاسم.
والثاني: أنها تفوت بحوالة الأسواق فأعلى، وهي رواية عن ابن القاسم.
والقولان في "العتبية".
فإن كان تعديه في نوع الثمن؛ مثل أن يأمره أن يبيع بالعين فباع بالعرض، أو بالعكس: فلا تخلو السلعة المبيعة من أن تكون عرضًا فباعها بعرض أو طعام، أو كانت طعامًا فباعه بعرض أو طعام فإن كانت عرضًا فباعها بعرض، وقد أمره بالعين: فهو متعد، والخيار للأمر بين أن يجوز البيع ويأخذ الثمن الذي باع به أو يرده ويأخذ سلعته إن كانت قائمة، أو قيمتها إن كانت فائتة.
فإن باعها بطعام وكانت عروضًا: فلا يخلو المأمور من أن يكون قد قبض ذلك الطعام، أو لم يقبضه.
فإن قبضه: كان الخيار للآمر أيضًا بين أخذه، أو السلعة، أو قيمتها إن فاتت.
[ ٦ / ١٧٠ ]
فإن لم يقبضه: فلا يجوز للآمر الرضا بفعله، ويأخذ الطعام؛ لأن ذلك بيعه قبل قبضه من المتعدي؛ لأن الطعام قد ثبت له بتعديه مع فوات السلعة.
وهكذا الحكم إن كانت السلعة طعامًا، فباعه بعروض.
وإن كانت طعامًا فباعه بطعام من جنسه، أو من غير جنسه، فهل يجوز للآمر الرضا به وبفعله عوضًا عن طعامه؟ فهذا يتخرج على الخلاف الذي قدمناه في الصرف في طعام الوديعة إذا تعدى عليه المودع فباعه بطعام من غير جنسه: فقد نص في الكتاب أنه يجوز لرب الطعام الرضا بذلك وأخذ الطعام الذي هو العوض، وأشهب يمنعه؛ لأنه طعام بطعام فيه خيار، وابن القاسم يمنعه من الدنانير إذا صرفها بالدراهم تعديًا، وقد بَيَّنَا بيانًا شافيًا، فلا نطول بإعادته مرة أخرى.
فإن كان ذلك التعدي في التأجيل؛ مثل أن يوكله على أن يبيع بالنقد فباع إلى أجل: فهو متعد، ويرد البيع مع قيام السلعة، ويأخذ الثمن عاجلًا مع فوات السلعة.
فأما إن وكله على أن يبيع إلى أجل فباع بالنقد: فقد قال في "المدونة": إنه متعد سمي له الثمن، أو رد ذلك إلى اجتهاده.
وقد اختلف المتأخرون في تأويل ما وقع له في هذه المسألة؛ فمنهم من يقول: معناه أنه باعها بأقل مما سمي له، أو بأقل مما تساوى إن لم يُسَم له الثمن، فلأجل ذلك ضمنه مالك -﵀-.
وأما لو باعها بمثل ما يسمى له أو أكثر منه: للزوم الآمر، ولا مقال له لأنه لم يرد به إلا خيرًا، وهذا تأويل ابن أبي زيد.
ومنهم من قال: إن الضمان يلزمه على كل، ويضمن القيمة، إلا أن
[ ٦ / ١٧١ ]
تكون القيمة أقل مما باعها به المتعدي، فيكون الزائد لرب السلعة، وهذا تأويل أبي محمَّد بن التبان.
واختلافهما في التأويل يحتمل أن يرجع إلى اختلاف حال، ويحتمل أن يكون اختلاف أقوال؛ فمن لفق بين التأويلين قال: يحتمل أن يكون الآمر أباح له البيع بما حد له من الثمن من غير أن يكون له غرض في الزيادة عليه، ولا أمر له بالاجتهاد في الزيادة، فيكون القول كما قال ابن أبي زيد.
ويحتمل أن يكون أمره أن يبيع له بما سمى على معنى التحديد لأقل من الثمن على أن يجتهد في الزيادة على التسمية -إما نطقًا، وإما ضمنًا- فإذا ترك الاجتهاد فقد أمره أن يبيع بنسيئة، فقد تعدى ووجب عليه غرم القيمة، فيكون كما قال ابن التبان.
فإذا حمل على هذا المعنى فيكون ذلك اختلافًا يرجع إلى حال، ويحتمل أن يكون اختلاف أقوال ويعد أن الآمر بالبيع إلى أجل لغرض له في ذلك إما لجهله بالتسوق فيظن أن سلعته لا تساوي القدر الذي سمي إلا إذا باع بالنسيئة فلما باع بتلك التسمية نقدًا تبين أنه قد فرط في التماس الزيادة لما عرف بالعادة أن الذي تباع به السلعة إلى أجل أكثر مما تباع به [نقدًا] (١) إما لغرضه في بقاء الثمن في ذمة المشتري إلى الأجل مخافة أن يتلف الثمن ويفوت من يده، وربك أعلم.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا وكله على الشراء؛ مثل أن يوكله على أن يشتري له سلعة: فلا يخلو من أن يشتريها نقدًا، أو يسلم فيها إلى أجل.
فإن وكله على أن يشتريها نقدًا فاشتري خلاف ما أمر به: فهو متعد،
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٦ / ١٧٢ ]
والخيار فيما عدا الطعام للآمر، إن شاء أخذ ما اشتراه وأجاز فعله، وإن شاء ضمن له الثمن الذي دفع له إن كان قد دفع له الثمن أولًا.
وإن كان إنما أسلف له المأمور الثمن: فالخيار له في أخذ ما اشتراه أو تركه.
وإن كان المشتري طعامًا، فإن قبضه الأمور: كان الخيار للآمر أيضًا، فإن لم يقبضه: فإنه يتخرج على قولين، وقد قدمناهما في الوجه الأول.
فإن كان الشراء إلى أجل؛ مثل أن يوكله أن يسلم له في طعام أو غيره من السلع: فذلك على وجهين:
إما أن يدفع له الثمن، أو أمره أن يسلف له.
فإن دفع له الثمن فتعدى فيما اشترى: فلا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يكون في السلعة المأمور بشرائها أو في الثمن المبيع أمر بالشراء به.
فإن وقع التعدي في السلعة التي أمر باشترائها؛ مثل أن يأمره أن يسلم له في ثياب هروية فأسلم له في بساط شعر: فهو متعد ضامن لرأس المال، ولا خيار للآمر في أخذ ما اشترى؛ لأن ذلك فسخ دين في دين، ولكن ينظر إلى ما اشتراه المأمور، فإن كان مما يجوز بيعه قبل قبضه كالعروض: فإنه يباع بما يجوز أن يباع به الدين، فما كان فيه من ربح فللآمر، وما كان فيه من وضعية: فعلى المأمور.
وإن كان ذلك مما لا يباع إلا بعد القبض كالطعام: فإنه يؤخر حتى يحل الأجل فيستوفي ثم يباع، ثم يأخذ الآمر الربح إن كان فيه.
ثم لا يخلو من أن تكون دراهم الآمر قائمة بيد البائع، أو فائتة؛ فإن
[ ٦ / ١٧٣ ]
كانت قائمة بيده فهل للآمر أن يأخذه بغير اختيار البائع أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: المنع، وهو قوله في "كتاب السلم الثاني" من المدونة؛ حيث قال: وليس للآمر على البائع قليل ولا كثير.
والثاني: الجواز، وهو قول عبد الملك، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الصرف".
وسبب الخلاف: الدراهم هل تراد لأغراضها، أو تراد لأعيانها.
وعلى القول بأن للآمر أخذها من البائع فعلى المأمور له بدلها، ولا ينتقض السلم بينهما باستحقاق رأس المال إذا كان عينًا، وهذا إذا كان له مال.
وإن لم يكن له مال وكان المسلم فيه مما يجوز بيعه قبل قبضه: فإنه يباع ويستوفي منه البائع رأس المال الذي باع.
وإن كان مما لا يباع حتى يستوفي: فالبيع بينهما منتقض؛ لأن ذلك دين بدين.
فإن فاتت الدراهم بيد البائع: فلا رجوع للآمر على البائع اتفاقًا.
فأما إذا أسلفه المأمور الثمن: فله الخيار في هذا الوجه بين الرضا بتعديه وأخذ ما اشتراه له، أو يسلمه، ثم لا شيء له عليه؛ إذ لا علة تبقى فيه.
وهذا كله إذا تعدى في المثمون.
وأما إذا تعدى من الثمن؛ مثل أن يوكله على أن يسلف له دنانير في طعام فصرفها بدرهم، ثم اشترى بالدراهم طعامًا. فقد فصل في "الكتاب" بين أن يصرفها على معنى المصلحة والرفق أم لا، فإن صرفها على معنى
[ ٦ / ١٧٤ ]
المصلحة والرفق؛ مثل أن يكون الشراء بالدرهم أيسر، وكان ذلك أرفق للمأمور به: فذلك لازم للآمر، والمأمور غير متعد.
وإن صرفها على غير هذا الوجه: فالمأمور ضامن للدنانير، وللآمر الرضا بالطعام المشترى، ويأخذه إن قبضه المأمور وهذا قوله في "الكتاب".
فتأمل هذا التفصيل الذي فصل، وكيف جوز للآمر أخذ الطعام إن قبضه المأمور، وأخذه أجازه للصرف الواقع من المأمور على نعت التعدى وهو صرف منعقد على خيار، وهذا التفصيل أيضًا لا يجلى فائدة؛ لأن التعدي موجود في الوجهين؛ لأنه إنما وكله على أن يشتري بدنانير، لا على بيعها، ولا فرق بين أن يكون صرفها نظرًا للآمر أم لا؛ لأنه لم يأمره بذلك، ولا وكله عليه، وهو متعد على كل حال.
أصل ذلك: لو وجد ذلك المأمور سلعة نفيسة القدر يكون شراؤها فرصة ونظرًا للآمر ثم اشتراها المأمور: كان متعديًا فكذلك صرف الدنانير دراهم، فإذا نظرنا إلى محض التعدي ووجوده فالمأمور متعد في الوجهين.
وإن نظرنا إلى أن العلة الموجبة للضمان، وهو ما تضمنه [التعدي] (١) لا نفسه قلنا: إنه غير متعد، وصرف الدنانير بالدراهم ليس فيه إلا محض [التعدى] (٢)؛ إذ لا يعود تعديه بالضرر على الأمر في شيء، ولاسيما إذا بنينا على أن الخيار الحكمي ليس كالخيار الشرطي، بخلاف ما إذا اشتراها عروضًا ثم أسلم تلك العروض في طعام: فإنه ضامن في هذا الوجه باتفاق؛ لأن تعديه يعود بالضرر على الآمر إذا استحقت من يد الذى قبضها
_________________
(١) في أ: العدي.
(٢) في أ: العدي.
[ ٦ / ١٧٥ ]
في طعام أن العهدة على الآمر في ذلك، وذلك لا يبقي في العين في غالب الأحوال.
والحمد لله وحده.
[ ٦ / ١٧٦ ]
المسألة العاشرة في مصالحة الكفيل عن دين الكفالة
ولا يخلو هذا الدين من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون الدين عينًا.
والثاني: أن يكون عرضًا.
والثالث: أن يكون طعامًا.
وكل قسم من هذه الأقسام ينتج ثلاثة أوجه:
إما أن يكون الصلح من جنس دين الكفالة، أو نوعه، أو من عينه. فصارت المسألة إذا دارت إلى تسعة أوجه.
وللكفيل في جميع ذلك حالتان:
إما أن يصالح عن نفسه، أو عن الغريم.
ونحن لكل ذلك -بعون الله- موضحون.
فالجواب عن القسم الأول: إذا كان الدين عينًا، فصالح من غير جنسه، كالعروض ونحوها: فلا يخلو من أن يكون صالح عن نفسه، أو عن الغريم.
فإن صالح عن نفسه: فلا يخلو من أن يكون الدين من قرض، أو من بيع.
فإن كان الدين قرضًا، أو ثمن بيع مما لا ربا فيه بينه وبين المصالح به، وكان ذلك شراء لنفسه: فإن ذلك جائز، وهل يفتقر ذلك إلى حضور الغريم، أو معرفة يسره من عسره، وثبوت الدين إن كان عينًا أم لا؟
[ ٦ / ١٧٧ ]
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يفتقر إلى حضوره وثبوت الدين ببينة في غيبته.
والثاني: أنه لا يفتقر إلى حضوره، ولا إلى بينة على أصل الدين بخلاف شراء الأجنبيين.
وسبب الخلاف: ذمة الكفيل، هل هي كذمة الأصيل أم لا؟ فمن رأي أن ذمة الكفيل غير مشغولة بما على الأصيل لاتحاده واستحالة قيام المتحد بالمحلين فحاكى الكفيل الأجنبي، وإن كانت الكفالة اقتضت توسيع المطالبة وتفسيخ المؤاخذة لا حقيقة المحلين قال: لابد من إحضار الأصيل عند شراء الكفيل، وثبوت الدين ببينة في غيبته.
ومن رأي أن الضمان من التضمين، أو من التضميم لذمته إلى ذمة [الأصيل] (١) قال: لا يفتقر إلى حضوره، ولا إلى قيام البينة؛ لأنه قد تقرر بين ذمة الكفيل وذمة الأصيل مضاهاة تمنع مساواته للأجنبي؛ لأنه كأنه اشتراه من نفسه لنفسه.
وعلى هذا ينبني اختلاف قول مالك في كتاب الكفالة هل الطالب على التخيير، أو على الترتيب؛ فمرة رأى أن ذمة الكفيل والأصيل واحدة فقال بتخيير الطالب.
ومرة رأى أن الكفيل كالأجنبي فقال: إن الطلب على الترتيب، ولا يتبع الكفيل إلا بعد عدم الأصيل.
وإن كان الدين من ثمن بيع ما فيه الربا مثل ألا يجوز سلم ما بيع بهذا الدين فيما صولح به: فإن ذلك لا يجوز؛ لأنه سلم الشيء في مثله إلى أجل، وذلك حرام.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٦ / ١٧٨ ]
والجواب عن الوجه الثاني من القسم الأول: إذا صالحه من نوع دينه وكان الصلح لنفسه؛ مثل أن يكون دنانير والصلح بدراهم، أو كان ذلك ومشقيه، والدين هاشمية: فذلك حرام؛ لأنه صرف مستأخر.
والجواب عن الوجه الثالث من القسم الأول: إذا صالحه لنفسه من عين الدين: فإنه يجوز بالمثل في الصفة والمقدار، ويعود ذلك قضاءً، ولا يجوز بالأقل؛ لأن ذلك ربا بلا إشكال؛ لأنه دفع الأقل ليأخذ الأكثر ويدخله فيما بينه وبين الطالب "ضع وتعجل".
فإن صالح عن الأصيل من غير جنس الدين: فلا عبرة بحضوره، ثم ينظر في الصلح هل وقع بما يرجع إلى القيمة، أو بما يرجع إلى المثل.
فإن صالح عنه بما يرجع إلى القيمة فهل يجوز أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: الجواز، وهو مشهور المذهب، وهو نص "المدونة" ثم يرجع عليه الكفيل بالأقل من الدين أو القيمة.
والثاني: المنع؛ لأنه مما يرجع إلى خيار الغريم، إن شاء دفع ما عليه، أو قيمة ما دفع عنه، وذلك غرر وخطر، وهذا القول تؤول على "المدونة".
وسبب الخلاف: الكفالة هل هي من باب المعروف، أو من باب المعاوضات؟
فمن رأى أنها من باب المعاوضات قال: لا يجوز لأن الكفيل ليس على بصيرة فيما يرجع به على الأصيل إذا حلَّ الأجل.
ومن قال إن ذلك جائز: يرى أن الكفالة أصل منقطع عن عقود الأغرار والأحظار، وملتحق بعقود النحلات والوصلات؛ ولذلك جوزنا بدين لا يدري كميته ولا حقيقة وصفه.
[ ٦ / ١٧٩ ]
فإن كان المصالح به مما يرجع إلى المثل: فعن مالك في ذلك قولان منصوصان في "المدونة" في "كتاب السلم الثاني"، و"كتاب الكفالة".
فوجه القول بالإجزاء: أن الكفالة معروف لا يعتبر فيه الغرر والخطر.
ووجه القول بالمنع لأنه غرر؛ لتردده بين البيع والسلف إن كان أعطى الغريم ما عليه: كان بيعًا، وإن أعطاه ما به وقع الصلح: كان سلفًا.
فإنه صالحه منه من نوع الدين: فلا يخلو من أن يكون من نوعه جنسًا، أو من نوعه سكة.
فإن كان من نوعه جنسًا؛ مثل أن يصالحه عنه بالدمشقية عن الهاشمية، أو بالعكس فالمذهب الجواز، وهو نص "المدونة" وإن كان أحد النوعين أفضل من الآخر، ويرجع على الغريم ما أدى، وإن كان فيه غرر يسير فمغتفر في عمل المعروف، واستخف لما اتحدت العرضية.
فإن كان من نوعه عينًا وسكة؛ مثل أن يصالح عنه بالدنانير عن الدراهم، أو بالعكس فعن مالك في ذلك قولان منصوصان في "كتاب الوكالة".
وسبب الخلاف: ما أشرنا إليه من كون الكفالة يجاذبها أصلان متنافران؛ معروف، ومعاوضة، فمن مُحصَّ النظر إلى أحد الأصلين: ضاق عليه طلق المقال فيها.
وإن صالحه عليه من عين الدين، فإن كان مثله صفة وقدرًا: جاز، ويكون قضاء.
وإن صالح بالأقل أو بالأكثر، فإن حلَّ: جاز، وهو بالزيادة متطوع.
فإن كان قبل الحلول: منع بالأقل، وجاز في الأكثر؛ لأنه في الأقل
[ ٦ / ١٨٠ ]
"ضع وتعجل".
والجواب عن القسم الثاني من أصل التقسيم: وهو إذا كان الدين عرضًا، وكان ما صالحه به من غير جنس الدين: فلا يخلو من أن يصالح لنفسه، أو عن الغريم.
فإن صالح لنفسه على عروض تخالف ما عليه مما يجوز [أن] (١) يسلم بعضها في بعض، أو صالح بذهب أو فضة: فلا إشكال في الجواز.
وهل الكفيل كالأجنبي في حضور الذي عليه الدين، أو ليس كهو لأنه أحد الغريمين: فهذا مما أسلفنا توجيهه وكفينا مؤونته.
فإن صالحه من غير رأس مال السلم قدرًا وصفة جاز، وبالأقل أو الأكثر: قولان:
وسبب الخلاف: ما تقدم في الكفالة هل هي من باب السلم، أو من باب المعروف، أو من باب المعاوضة.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا صالحه من نوع الدين مما لا يجوز سلمه فيه: فلا يجوز ذلك؛ لأن النساء مع اتحاد الجنسية يعم عامة المتمولات.
والجواب عن الوجه الثالث من القسم الثاني: إذا صالحه لنفسه من عين الدين مقدارًا وصفة: فكذلك كالقضاء وإن صالح بالأقل أو الأكثر، أو بالأبخس، أو بالأحسن، أو بالعكس: فذلك ربا؛ لأنه بالأحسن زيادة على ضمان الأبخس وفي الأبخس سلف بنفع زيادة الأحسن.
فلو كان ذلك بعد حلول الأجل، وتناقدا: لم يكن بذلك بأس.
وأما إن صالحه عن الغريم من غير جنس الدين عينًا أو غيره من ذوات
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٦ / ١٨١ ]
القيمة: فعلى الخلاف الذي قدمناه إذا صالح عن الغريم بما فيه التخيير، فقد تقدم الكلام عليه.
وأما إن صالحه عنه من ذلك النوع الذي في الذمة مما لا يجوز سلمه فيه، أو صالحه عنه أيضًا من عين الدين، فإن كان المقدار في ذلك واحدًا والصفة واحدة: فذلك كالقضاء، بل هو هو.
وأما الأقل والأكثر والأبخس والأحسن: فلا يجوز؛ لأنه في الأبخس "ضع وتعجل"، وفي الأحسن "حط عني الضمان وأزيدك".
وإن كان ذلك بعد حلول الأجل: فلا حرج، ويكون بالزيادة متطوعًا.
فهذان الوجهان قد استوفينا الكلام فيهما على الكمال والتمام.
والجواب عن الوجه الثالث من أصل التقسيم: [وهو] (١) إذا كان الدين طعامًا: فلا يخلو من أن يكون من دين، أو قرض.
فإن كان ذلك من قرض وصالحه لنفسه: فله حكم العروض في الأوجه الثلاثة، فلا فائدة لإعادتها مرة أخرى، غير أنه تعتبر السلامة من الربا بوجهيه -ربا النقد وربا النساء.
وهكذا إن صالح عن الغريم: فله في كل ما يصالح به حكم العروض في جريان الخلاف؛ لأن الغريم عليه بالخيار.
ولم يجوز ابن القاسم في ذلك من "المدونة" إلا فصلًا واحدًا؛ وهو أن يصالح عن الغريم بعد حلول الأجل عن سمر السمراء، أو عن محمولة المحمولة أحسن أو أبخس، مع تساوي الكيل، ويرجع الكفيل بالأقل، ولم
_________________
(١) في أ: وهذا.
[ ٦ / ١٨٢ ]
يجز ذلك قبل الأجل لأنه في الأبخس "ضع وتعجل"، وفي الأحسن كذلك، ولإمكان أن يكون للأبخس عند الخليقة مزية تشوف على الأحسن، وذلك أن المقاصد ترتبط بأعيانه لخصائص صفاته بخلاف العين لاتحاده في العرضية، وهذا كتجويزه اقتضاء المحمدية عن اليزيدية قبل الأجل، ويمنع من مشهور مذهبه اقتضاء السمراء عن المحمولة لما تقدم.
وأما الطعام من بيعك فلا يجوز، سواء صالح عن نفسه، أو عن الغريم، إلا ثلاثة أوجه:
أحدها: ما كان قضاء؛ وذلك أن يدفع عين ما به تكفل، وأما الأقل أو الأكثر، والأحسن أو الأبخس: فممنوع قبل الأجل وبعده خلاف الدمشقية عن الهاشمية، ولأنه في الطعام يخاف فيه بيعه قبل قبضه، ولاسيما إن لاحظنا في الكفيل ثبوت الأجنبية، وكيف ما كان فالخوف في الطعام أكثر وأحذر.
والثاني: ما كان تولية؛ وذلك بأن يصالح لنفسه بمثل رأس المال قدرًا وصفة، ثم يجمع بينه وبين الغريم ويحمله عليه.
والثالث: ما كان إقالة بإذن الغريم، فيصر كأن الكفيل أسلفه الثمن المقال به، كما يجوز للأجنبي أن يعطيك ذهبك على أن يقيل البائع بإذنه.
فإن فعلا ذلك بغير إذنه: لم تجز الإقالة؛ لأن الغريم عليهما بالخيار بأن يعطي لهما ما أعطيا وما عليه، فتخرج الإقالة عن وجهها وتعود مفسدة.
واعلم أن الأجنبي في دفع العين مفارق للكفيل في الأقسام الثلاثة -على ما نصف- مثل أن يعطي الأجنبي للطالب مثل دينه، ثم يحيله على
[ ٦ / ١٨٣ ]
غريمه، ولا يخلو من أن يكون قبل الحلول، أو بعد الحلول.
فإن كان ذلك بعد الحلول وكان قدرًا وصفة: جاز في العين والعروض قولًا واحدًا، وفي الطعام قولان: الجواز لأشهب، والمنع لابن القاسم.
وسبب الخلاف: هل تغلَّب في ذلك شائبة العوضية على شائبة المعروف فيمنع، أو تغلَّب شائبة المعروف على شائبة العوضية فيجوز، وفي العين والعروض وطعام القرض محض معروف صنعه بالذي عليه الحق؛ ولذلك جاز اتفاقًا.
فإن كان قبل الحلول: فلا يخلو من أن يكون الدين عرضًا، أو طعامًا، أو عينًا.
فإن كان الدين عرضًا فصالحه بمثل دينه قدرًا وصفة: فلا يخلو من أن تكون المنفعة في ذلك للمعطي، أو للمعطى له.
فإن كانت المنفعة للمعطي: فلا يجوز؛ لأن ذلك سلف جر منفعة.
فإن كانت المنفعة للمعطي له: جاز اتفاقًا.
فإن كان الدين عينًا أو طعامًا، فأعطي له مثل ذهبه أو طعامه، فإن كان النفع للمعطي: فلا يجوز ذلك قولًا واحدًا، وإن كان النفع للمعطى له: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك جائز، وسواء كان الدين من بيع أو من قرض، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن ذلك جائز في العين والطعام، وهما كالعروض، وهو قول أشهب وسحنون؛ لأنه قرض معنوي.
[ ٦ / ١٨٤ ]
ووجه قول ابن القاسم: في التفرقة بين العروض والطعام والعين قبل الأجل؛ لأن الطعام والعين مال ربوي حقيقة، والحوالة فيه مصنوعة لأنها شعبة من المعاوضة، وأما العروض: فلا مقال للربا فيها إلا حرام الزيادة، أو النفع في السلف، فإذا ارتفع ذلك يكون النفع للمعطى له، وارتفع النهي.
والحمد لله وحده.
[ ٦ / ١٨٥ ]
المسألة الحادية عشرة إذا أخذ برأس المال كفيلًا
فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن تكون الكفالة في عقد البيع.
والثاني: أن تكون بعد عقد البيع.
فإن كانت الكفالة في العقد؛ مثل أن يسلم في طعام واحد برأس المال كفيلًا: فلا يخلو من وجهين:
إما أن يرد إليه الكفيل برأس المال؛ مثل الطعام الذي أسلم منه.
[وإما أن يتكفل له برأس المال على أن يشتري له به طعامه إذا عدم الذي عليه السلم] (١).
فأما الوجه الأول: إذا أخذ منه برأس المال كفيلًا يرده إليه عند عدم المسلم إليه: فالبيع فاسد في هذا الوجه، قولًا واحدًا؛ لأنه متردد بين البيع والسلف.
وهل يبرأ الكفيل من الكفالة لفساد العقد وهو مطالب لما أخرج بها من ماله؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" من "كتاب الحمالة".
أحدهما: أنه لا يلزم الحميل شيء؛ لأن الحمالة مهما وقع أصلها فاسدًا لم يلزم الكفيل غرم ما أخرج من نسيها، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن الكفيل لا يبرأ ويلزمه ما أخرج من يد المشتري وهو رأس
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٦ / ١٨٦ ]
المال إذا علم الذي عليه السلم.
وأما الوجه الثاني من الوجه الأول: إذا تكفل له برأس المال على أن يشتري له به طعامه إذا عدم الذي عليه السلم: فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك جائز إذا وقعت الكفالة على أن الذي عليه الطعام إن عدم كان على الكفيل أن يخرج مثل رأس المال يشتري به من طعام على حسب منتهى سعر ذلك، وإن كان اشتراؤه مثل القدر الذي أسلم فيه أو أقل أو أكثر، وإلى هذا ذهب الشيخ أبو إسحاق التونسي وغيره تأويلًا على "المدونة".
والثاني: أن ذلك لا يجوز وإن وقعت على هذا الوجه؛ لأن ذلك غرر وخطر لا يدري الذي له الطعام كم يحصل له منه إن كان كله أو بعضه أو أكثر منه لاختلاف الذمم والأسعار عند الحلول.
وقد اختلفوا في الحمالة المقارنة للبيع؛ مثل أن يبيع بشرط أن يتحمل له فلان بالثمن إلى قدوم زيد، أو ما دام حيا أن ذلك لا يجوز على خلاف لهم في ذلك.
وسبب الخلاف: الغرر المضاف إلى أصل جائز هل يؤثر في فساد ذلك الأصل، أو لا تأثير له فيه، ويكون الحكم للصحة، لا للغرر.
والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا كانت الكفالة بعد العقد هل يجوز العقد والحمالة، أو يجوز العقد وتبطل الحمالة؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن العقد صحيح، والحمالة باطلة، وهو مذهب سحنون.
والثاني: أن العقد جائز، والحمالة فيه لازمة، وهو مشهور المذهب.
[ ٦ / ١٨٧ ]
وقال أبو إسحاق التونسي: يحتمل قول سحنون أن يريد: أنه لا يأخذ إلا رأس المال دون الطعام، فإذا لم يصح له ذلك: بطلت الحمالة؛ لأنه كأنه لم يرض أن يتحمل بعد العقد إلا بشرط إقالة رب الطعام المتحمل عنه، فإذا بطل أن يكون ذلك في الشرع: سقطت الحمالة عنه. والحمد لله وحده.
[ ٦ / ١٨٨ ]
المسألة الثانية عشرة في قبض الكفيل الطعام من الذي عليه السلم
ولا يخلو قبضه إياه من خمسة أوجه:
أحدها: أن يقبضه على معنى الرسالة.
والثاني: أن يقبضه على معنى الكفالة.
والثالث: أن يقبضه على معنى الاقتضاء.
والرابع: أن يختلفا.
والخامس: إذا أبهم الأمر علي ماذا يحمل؟
والجواب عن الوجه الأول: إذا قبضه على معنى الرسالة فلا يخلو من أن يكون ذلك الطعام قائمًا بيده، أو فائتًا.
فإن كان قائمًا: فالخيار للطالب، إن شاء اتبع الكفيل، وإن شاء اتبع الأصيل، ولا خلاف في ذلك.
فإن فات الطعام: فلا يخلو من أن يكون بتلف، أو بإتلاف.
فإن كان بتلف من السماء: فهو مصدق، ولا ضمان عليه ويبقى عليه الطلب بطريق الكفالة خاصة، ثم يجري على الخلاف المعهود في الحمالة؛ هل المطالبة على التبدئة، أو على التخيير.
فإن كان بإتلاف من الكفيل: فهو ضامن للأصيل بمثل ذلك الطعام، فإن غرم الكفيل الطعام للطالب فلا تراجع بينه وبين الأصيل.
فإن غرمه الأصيل: فإنه يرجع على الكفيل بمثل طعامه، أو أخذ ثمنه إن باعه، ولا خلاف في هذا الوجه أيضًا.
[ ٦ / ١٨٩ ]
فإن غرم الكفيل الطعام للطالب بعد أن باع ما أخذ من الأصيل، فأراد الأصيل أن يدفع له مثل ما غرم من الطعم فيقبض منه الثمن: فليس له ذلك.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا قبضه على معنى الوكالة من الذي له الطعام، فإن قبضه برئت ذمة الأصيل، قولًا واحدًا، فإن الطالب يجوز له بيعه لقبض الكفيل.
فإن تعدى عليه الكفيل بعد صحة قبضه من الأصيل: فالعدي على الطالب وقع بلا إشكال.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا قبضه على معنى الاقتضاء: إما بحكم حاكم على وجه يصح القضاء بذلك؛ كما إذا غاب وحلَّ الأجل وخاف الكفيل إعدام الأصيل وإحداث الفلس، وبهذا تأول ما وقع في المدونة من قوله: قبضه بحكم قاض.
أو يكون قبضه برضا الذي عليه الطعام من غير حكم: فالكفيل في هذا الوجه ضامن بوضع اليد على الطعام، وذمته به، أو بمثله عامرة حتى يوصله إلى الطالب.
وللطالب مطالبة من شاء منهما اتفاقًا مع قيام الطعام بيد الكفيل أو فواته.
فإن عدم الأصيل: كان له الرجوع على الكفيل بطعامه أو مثله إن استهلكه، أو بثمنه إن [باعه] (١) إن شاء أخذ الثمن.
ولا يجوز للطالب أن يبيعه بذلك القبض إن كان قائمًا، وإلا أخذ
_________________
(١) في أ: باعها.
[ ٦ / ١٩٠ ]
الثمن منه إن باعه؛ لأن ذلك بيع الطعام قبل قبضه.
فإن أخذ منه الطالب مثل طعامه بعد أن باع ما اقتضاه: كان الثمن سائغًا له، فإن أراد الأصيل أن يدفع له مثل ما غرم من الطعام ويأخذ منه الثمن: فليس له ذلك.
والجواب عن الوجه الرابع: إذا اختلفا في صفة القبض، فالكفيل يدعي أنه قبضه على معنى الرسالة، والأصيل يقول: بلى على معنى الاقتضاء: فقد اختلف فيه المذهب على قولين من "المدونة".
أحدهما: أن القول قول الأصيل، وهو قول مالك في "كتاب القراض" من "المدونة"؛ حيث قال: إذا قال القابض: قبضته على معنى الوديعة، وقال رب المال: قرضًا، أو قراضًا: فإن القول قول رب المال.
والثاني: أن القول قول القابض، وهو قول أشهب وغيره، وهو ظاهر "المدونة" في غير ما موضع.
وسبب الخلاف: تعارض الأصلين كل واحد منهما ينفي ما يثبته الآخر أحد الأصلين لاسيما قد اتفقا أن المال المقبوض للدافع، ولا شيء فيه للقابض، وهو أقر بقبضه ثم ادعى ما يسقط عنه الضمان فكان الأصل ألا يقبل منه إلا بدليل، والأصول موضوعة على أن وضع اليد في مال الغير بغير شبهة يوجب الضمان؛ وبهذا قلنا: إن القول قول الدافع الذي هو الأصيل والأصل الثاني يوجب أن يكون القول قول القابض الكفيل، وذلك أن الأصل في الحظر والإباحة إذا اجتمعا أن يغلب حكم الحظر، والكفيل -هاهنا- قد ادعى قبضًا صحيحًا، والأصيل قد ادعى قبضًا فاسدًا: فوجب أن يكون القول قول القابض الذي هو الكفيل؛ لأن قوله قد أشبه، وقد ادعى أمرًا مباحًا، وهو قوله في "كتاب السَّلم الثاني" إذا
[ ٦ / ١٩١ ]
اختلفا في صحة السلم وفساده؛ حيث قال: القول قول من ادعى الصحة، والأصيل في هذا الوجه قد ادعى الفساد؛ لأن الكفيل لا يجوز له قبض الطعام عن المكفول وأن عليه مطالبته ليدفع إلى الطالب كي يبرأ هو من الكفالة.
فإذا ادعى عليه أنه قبضه منه على الاقتضاء: فقد ادعى أمرًا محظورًا فوجب ألا يصدق عليه.
فلأجل تعارض الأصلين تعارض الجوابان.
والجواب عن الوجه الخامس: إذا أبهم الأمر، وعري القبض عن القرائن، وقد مات الكفيل أو الأصيل هل يحمل على الرسالة حتى يثبت أنه قبضه على الاقتضاء، أو يحمل الاقتضاء حتى يتبين أنه على الرسالة؟
فهذا مما يتخرج فيه قولان من آخر الكتاب، وهذه مسألة تأتي في "كتاب السلم الثالث" إن شاء الله تعالى.
[ ٦ / ١٩٢ ]
كتاب السلم الثالث
[ ٦ / ١٩٣ ]