تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها عشر مسائل:
المسألة الأولى في شهادة ذوي القربى بعضهم على بعض
أما شهادة الأب لابنه، والابن لأبيه، والابن لأمه، والأم لابنها: فقد اختلف العلماء في جوازها؛ فذهب جمهور فقهاء الأمصار إلى أنها لا تجوز جملة، بلا تفصيل، ويدخل في ذلك الجد والجدة من قبل الأم والأب.
وذهب داود وشريح، وأبو ثور إلى أن شهادة بعضهم لبعض جائزة؛ وعمدتهم: التمسك بعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (١)، والأمر بالشيء يقتضي إجراء المأمور به إلا ما خصصه الإجماع من شهادة المرء لنفسه أنها لا تجوز، وعمدتهم من طريق المعنى أن قالوا رد الشهادة بالجعلة إنما هو لموضع اتهام الكذب، وهذه التهمة إنما أعملها الشرع في الفاسق.
ومعنى إعمالها في العادل؛ إذ لا تجتمع العدالة والتهمة، وعمدة الجمهور: حديث عمر بن الخطاب ﵁: "لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين (٢) ولا جار إلى نفسه" (٣)، والتهمة أصل يؤثر في إسقاط الشهادة على الجملة، وهي فيما بين الأبوة والبنوة في الابن إذا شهد لأحد الأبوين
_________________
(١) سورة النساء الآية (١٣٥).
(٢) أي: المتهم في دينه.
(٣) أخرجه مالك (١٤٠٣)، والبيهقي في الكبري (٢٠٦٥٠) بلاغًا.
[ ٨ / ١٠٧ ]
على الآخر: على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها جائزة في القليل والكثير إذا كان الابن عدلًا، وخرج من ولاية الأب، وهو قول ابن نافع في "المجموعة" إلا أن يكون الأب قد تزوج على أمه، فيتهم الابن حينئذ أن يكون غضب لأمه.
والثاني: أن الشهادة لا تجوز -لا في القليل ولا في الكثير- وهو ظاهر قول مالك في "المدونة"؛ لأن التهمة قائمة من أداء الجهتين.
والثالث: التفصيل بين اليسير والكثير؛ فتجوز شهادة بعضهم على بعض في اليسير دون الكثير، وهي رواية أشهب عن مالك في "العتبية" و"الموازية" و"المجموعة"، قال: والابن [عتاب أباه] (١) وربما ضربه.
وأما شهادة الأب لأحد ابنيه على الآخر: فقد اختلف [أنها] (٢) المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها جائزة جملة بلا تفصيل.
والثاني: أنها لا تجوز جملة بلا تفصيل، ولا على حال من الأحوال، وإن كان لكبير على كبير، والقولان لسحنون في "المجموعة".
والقول الثالث: بالتفصيل بين أن يشهد لكبير على صغير، أو لصغير على كبير؛ فإن شهد لكبير على صغير، أو لسفيه على كبير رشيد، ولا يجزيه، وهي رواية عيسى بن القاسم في "كتاب ابن سحنون".
وسبب الخلاف: قوة التهمة وضعفها.
وأما شهادة أحد الزوجين لصاحبه: فقد اختلف [فيها] (٣) العلماء على ثلاثة مذاهب:
_________________
(١) هكذا بالأصل.
(٢)
(٣) في أ: فيه.
[ ٨ / ١٠٨ ]
أحدها: [أنها] (١) لا تجوز جملة بلا تفصيل، وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: أنها جائزة إطلاقًا، وبه قال الشافعي، وأبو ثور، والحسن.
والثالث: أنها تقبل شهادة الزوج لزوجه، ولا تقبل شهادتها له، وبه قال النخعي، وابن أبي ليلى.
وأما شهادة الأخ لأخيه فقد قال الأوزاعي: لا تجوز جملة بلا تفصيل، وأما مالك: فقد اختلف فيه مذهبه في جوازها على خمسة أقوال:
أحدها: أنها جائزة جملة بلا تفصيل إذا كان عدلًا، وهو قول مالك في "كتاب الشهادات".
والثاني: أنها لا تجوز جملة بلا تفصيل، وهذا القول وقع في بعض روايات "المدونة" في "كتاب الشفعة": أيجوز أن يشهد في وكالة أبي أو ابني، وزاد: أو أخي؟ فقال: لا يجوز إن كان هو الوكيل، وإن كان أبو عمران قال: معناه غير مبرز.
والثالث: التفصيل بين أن يكون مبرزًا، أو غير مبرز، فإن كان مبرزًا: جازت شهادته له، وإن كان غير مبرز: لم تجز شهادته له، وهو ظاهر قول مالك في "المدونة" في أول "كتاب الشهادات".
والرابع: التفصيل بين اليسير والكثير؛ فتجوز شهادته له في القليل دون الكثير، وهو قول ابن كنانة في "كتاب ابن سحنون".
والقول الخامس: أنه تجوز شهادته له في الحقوق دون الحدود؛ مثل القصاص والقربة بما ليس مما تقع فيه الحمية، والتهمة، وهو قول ابن القاسم في "العتبية"، و"الموازية"، والأصل في ذلك ما قدمناه من قوة التهمة وضعفها، والحمد لله وحده.
_________________
(١) في أ: أنه.
[ ٨ / ١٠٩ ]
المسألة الثانية في شهادة النساء
ولا يخلو ذلك من وجهين: إما أن تكن فيما يطلع عليه الرجال، أو تكون فيما لا يطلع عليه الرجال.
فإن كان فيما يطلع عليه الرجال: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون مالًا على الخلوص.
والثاني: ألا يكون في نفسه مالًا إلا أن يتوصل [به] (١) إلى المال.
والثالث: ما ليس بمال، ولا هو وسيلة إلى المال كالولادة.
فأما الوجه الأول: وهو أن يشهدن على ما هو مال على الخلوص: فلا خلاف بين العلماء في جواز شهادتهن في ذلك، فإن شهد معهن في ذلك رجل واحد: كانت شهادة مستقلة، وإن انفردن: فإن المشهود له يحلف مع شهادتهن ولا يجوز في ذلك أقل من امرأتين.
وأما الوجه الثاني: وهو أن يشهدن على ما ليس بمال إلا أنه يؤول إلى المال؛ كشهادتهن على الولادة على المال أو على الوصية بالنظر في المال: فالمذهب في جوازها على قولين منصوصين في المدونة:
أحدهما: جواز شهادتهن في ذلك كجوازها على المال الخاص، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، ورواه ابن حبيب عن عبد الملك بن الماجشون، وقال عبد الملك: ما علمت أن مالكًا جوز شهادتهن على الوكالة، ولا في نقل الشهادة، ولا في إسناد الوصايا.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٨ / ١١٠ ]
ووجه قول مالك: أن شهادته مقصودها المال فجازت كالبيع.
ووجه قول أشهب: ما احتج به سحنون من أني لو أجزت شهادة امرأتين، ورجل في الوكالة لأجزت فيه شاهدًا ويمينًا.
وأما الوجه الثالث: وهو شهادتهن على ما ليس بمال مما لا يطلع عليه الرجال كالحيض، والحمل، والولادة، والاستهلال، وعيوب الفرج: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب في جواز شهادتهن في ذلك، ولا يجزيء فيه أقل من امرأتين، وشهادتهن في ذلك جائزة دون يمين.
وأما شهادتهن على الرضاع: إذا شهد امرأتان على رضاع الصبى، هل تقع المحرمية بشهادتهما أم يقارنها الفشور والعرف؟
فذلك على قولين، وقد قدمنا الكلام في الشهادة على الرضاع في مسألة مفردة.
وهل من شرط جواز شهادتهن على الولادة بقاء بدن الصبى، أو ليس ذلك من شروطه؟
فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة" في "كتاب الشهادات" وغيره:
أحدهما: جواز الشهادة إطلاقًا -بقى البدن أو فات- وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن شهادتهما إنما تجوز على ذلك إذا بقى البدن أو فات، وهو قول حتى يشهد عليه الرجال بالنظر إليه ميتًا؛ لأن البدن لا يفوت، والاستهلال يفوت، وهو قول سحنون في "المدونة"، و"العتبية".
وأما شهادتهما على أنه ذكر، فهل تقبل شهادتهما أو لابد من وقوف الرجال عليه؟
[ ٨ / ١١١ ]
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن شهادتهما في ذلك كافية، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه لابد من وقوف الرجال على جثته؛ لأن شهادة النساء إنما تجوز للضرورة، ولا ضرورة في اطلاع الرجال على الجثة، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم في "العتبية"، قال: لأن ذلك يصير نسبًا قبل أن يصير مالًا.
وعلى القول بأن شهادتهن على ذلك جائزة من غير حاجة إلى اطلاع الرجال، هل يحلف مع شهادتهن أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن شهادتهن جائزة مستقلة دون يمين، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" وغيرها.
والثاني: أنه يحلف مع شهادتهما؛ لأنها شهادة على مال، وهي رواية يحيى بن يحيى، وعيسى عن ابن القاسم في "العتبية"، و"الموازية".
وعلى القول بأن شهادتهن لا تجوز على أنه ذكر، وقبلت شهادتهن على الولادة والاستهلال، فبماذا يرث ويورث؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يرث ويورث بأدنى المرتبتين، وهو قول سحنون في "كتاب ابنه" وأشهب في "الموازية".
والثاني: أنها ترث وتورث على أنها أنثى، كما قال أشهب وسحنون، إلا أن تكون الولادة بموضع لا رجال فيه ينظرون إلى الجسد، والجسد لا يبقى، ويخاف عليه إن أخر دفنه إلى وجود الرجال، فإنه يرث ويورث على أنه ذكر كما قال ابن القاسم، وهو قول سحنون.
[ ٨ / ١١٢ ]
والثالث: أنه إن فات بذلك في طول مكثه، ولا يمكن إخراجه لتغيره، فينظر فإن كان فضل المال يرجع إلى بيت المال والعشير البعيد: جازت شهادتهما أو ورث بالذكورية كما قال ابن القاسم.
وإن كان يرجع إلى بعض الورثة الأقرباء: ورث بالأنوثة كما قال أشهب، وهو قول أصبغ في "الموازية".
فلو ولدت ثم ماتت هي والولد في ساعة واحدة، فتشهد النساء أن الأم ماتت قبله، أو ورثة الولد يحلفون على ذلك ويستحقون ما يرث عن أمه؛ لأنه مال، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
واختلف إذا شهد رجل وامرأة على استهلال الصبى في جواز شهادتهما على قولين:
أحدهما: أنها لا تجوز، وهو قول عبد الملك، وابن عبد الحكم، وأصبغ.
ووجهه: أن الضرر قد ارتفع بحضور الرجال، فتسقط شهادة النساء، ولا تتم الشهادة برجل واحد.
والثاني: أن شهادتهما جائزة، وهي أقوى من شهادة امرأتين، وهو قول ابن حبيب؛ قال: وقد سمعته ممن أرضى من أهل العلم،وهو أحب إليَّ، وذلك أن ابن وهب روى أن أبا بكر، وعمر، وعليًا، ومروان ﵃ أجازوا شهادة المرأة وحدها، وروى عن عمر ﵁ ورَّث صبيًا على أنه استهل ثم مات هو وأمه بشهادة القابلة، فإذا أضيف إليها شهادة رجل عدل كانت أحرى، والحمد لله وحده.
[ ٨ / ١١٣ ]
المسألة الثالثة في شهادة الصبيان في القتل والجراح والحقوق
وتلخيص القول في المسألة أن تقول: لا خلاف في المذهب أن شهادة الصبيان الذكور جائزة في الجراح، ولا خلاف أن شهادتهم في الحقوق غير جائزة.
وفي شهادتهم في القتل قولان منصوصان في "الكتاب":
أحدهما: جوازها، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: منعها، وهو قول أشهب.
وهل بينهم قسامة إذا شهدوا أن بعضهم جرح بعضًا ثم ثوى في جرحه فمات منه؟
على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: أنه لا قسامة فيهم، وهو قول مالك في "الكتاب".
والثاني: أن القسامة فيهم يحلف؛ ولأنه خمسين يمينًا لمن جرحه مات، ويستحقون الدية على العاقلة، وهو قول ابن نافع في "الكتاب".
واختلف في شهادة الإناث منهم، هل تجوز في القتل والجراح على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنها جائزة في القتل والجراح، وهو ظاهر قول المغيرة في "المدونة" ونص قوله في "العتبية".
والثاني: أن شهادتهن لا تجوز، لا في القتل، ولا في الجراح، وهو قول أشهب في "المدونة".
[ ٨ / ١١٤ ]
والثالث: أنها تجوز في الجراح دون القتل، وهو قول ابن القاسم في آخر "كتاب الديات" في بعض روايات "المدونة" خلاف ماله في "كتاب الشهادة" والقولان منصوصان لابن القاسم في "المجموعة".
وعلى القول بأن شهادة الإناث جائزة -إما في القتل والجراح على قول، وإما في الجراح خاصة- هل يكتفي في ذلك بشهادتهن، أو لابد من أن يشهد معهن غلام؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن شهادتهن في ذلك مستقلة جائزة، وإن لم يكن معهن غلام، وإن شهادة اثنتين فما فوقهما جائزة، وهو ظاهر قول المغيرة، وابن القاسم في "كتاب الديات".
والثاني: أنه لابد أن يشهد معهن غلام، فإن شهد بذلك غلام وجاريتان: جازت الشهادة.
فإن شهد غلام وجارية، وانفرد الجواري بالشهادة: لم تجز، وهي رواية معن بن عيسى، ومطرف عن مالك، وبه قال عبد الملك.
وعلى القول بأن شهادة الصبيان جائزة على القتل، وهل من شرطها شهادة العدول على رواية البدن أم لا؟
على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: جواز شهادتهم من غير حاجة إلى رؤية البدن، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنها لا تجوز إلا بشرط وقوف العدول على البدن، وهو قول أكثر أصحاب مالك على ما نقله القاضي أبو الوليد الباجي، وهو قول سحنون في المدونة في شهادة النساء على الاستهلال، فإذا ثبت ذلك، فإن
[ ٨ / ١١٥ ]
شهادتهم جائزة إذا كانوا مسلمين أحرارًا ما لم يتفرقوا أو ينجبوا أو يدخل بينهم كبير، فإذا تفرقوا لم تجز شهادتهم بعد ذلك إلا أن يشهد العدول على شهادتهم قبل الافتراق: فتجوز، ولا ينظر إلى ما أحدثوه من الانتقال بعد ذلك؛ لأنها شهادة؛ جوزت لأجل الضرورة، فتقبل قبل التنجيب والافتراق؛ لأن الصبيان ليس لهم رأي، ولا عندهم عدالة تصدهم من الانتقال من قول إلى قول فكان الموجه الحكم بأول قولهم، والأخذ بما ضبط منه قبل تفرقهم وتنجبهم، والتنجب تعلم الخبث؛ وهو أن يدخل بينهم كبير، أو كبار على وجه يمكنهم أن يلقنوهم الكذب ويصدوهم عما يحصل عندهم من يقين، أو يزينوا لهم الزيادة فيها والنقصان منها، فإذا كان ذلك: لم تقبل وبطلت، ولا تقبل إلا على الوجه الذي قدمناه.
وقولنا: أن يدخل بينهم كبير، فإذا دخل بينهم كبير، فلا يخلو من أن يكون شاهدًا، أو مشهودًا له، أو مشهودًا عليه.
فإن كان شاهدًا: فلا يخلو من أن يكون عدلًا، أو غير عدل.
فإن كان عدلًا: فلا خلاف أن شهادة الصبيان ساقطة لوجود الكبير العدل.
فإن كان ليس بعدل، فهل يؤثر حضوره في إسقاط شهادة الصبيان أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن شهادتهم جائزة مع حضوره؛ لأن وجوده وعدمه سيان، وهو قول ابن الماجشون، وأصبغ، وروى ابن سحنون عن أبيه مثله كما لو كان عبدًا أو نصرانيًا.
والثانى: أن شهادتهم لا تجوز لحضور الكبير، وإن كان ليس بعدل، وهو قول سحنون في "كتاب ابنه" أيضًا.
[ ٨ / ١١٦ ]
وكذلك إن كان مشهودًا عليه: فلا تجوز شهادة الصبيان عليه باتفاق المذهب.
فإن كان مشهودًا له: فلا يخلو من أن يشهدوا له بالجراح، أو بالقتل، فإن شهدوا له بالجراح: فلا خلاف في المذهب أيضًا أن شهادتهم لا تجوز، سواء شهدوا له على صغير أو كبير.
فإن شهدوا له على القتل: فلا يخلو من أن يموت من ساعته، أو عاش حتى يعرف ما هو فيه.
فإن مات من ساعته؛ مثل أن يدفعه أحد من الصبيان من علو عظيم لا يكاد يعيش من سقط منه، أو يلقيه من علو في بحر يغرق فيه: فإن شهادتهم جائزة له، وهو قول ابن المواز.
فإن عاش بعد ذلك حتى يعرف ما هو فيه ثم مات: فإن شهادتهم له لا تجوز، قولًا واحدًا مخافة أن يكون قد لقنهم الشهادة، ويخدعهم في عقولهم حتى يشهدوا له.
والدليل على جواز شهادة الصبيان على الحالة الموصوفة: الأثر، والنظر؛ فأما الأثر فما رواه مالك (١) ﵁ عن عروة أن عبد الله بن الزبير كان يقضي بشهادة الصبيان فيما بينهم من الجراح، وهو قول أهل المدينة، وبه قال من الصحابة: علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان ﵄، ومن التابعين: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز ﵁، ومنع من ذلك: الشافعي، وأبو حنيفة، والثوري، وروى ذلك عن ابن عباس ﵁ فقال مالك: معناه عندنا: في شهادتهم على الكبار، وروى وكيع عن ابن
_________________
(١) أخرجه مالك (١٤٠٧)، والبيهقي في الكبرى (٢٠٣٩٩).
[ ٨ / ١١٧ ]
جريج عن أبي مُليكة أنه قال: ما رأيت القضاة أخذت إلا بقول ابن الزبير.
وأما النظر: فإن القواعد أسست على أن الدماء يجب الاحتياط لها، والاحتياط على صيناتها في أهبها، وجرت عادة الصبيان بالانفراد بالملاعنة حيث لا يخالطهم كبير، ويجري بينهم من اللعب، والترامي ما ربما أن يسبب القتل والجراح، فلو لم يقبل بينهم إلا كبير، وأهل العدل في الشهادة، لأدَّى ذلك إلى هدر دمائهم وجراحهم، فقبلت شهادتهم على الوجه الذي يقع على الصحة في غالب الحال، على ما بيناه.
ولا خلاف بين من قال بجواز شهادتهم أن العدالة غير معتبرة في شهادتهم؛ لأن عارض الطفولية مناف لوجود العدالة.
واختلف في اعتبار العداوة والحرابة بينهم، هل تعتبر في شهادتهم كما تعتبر في شهادة الكبار؟ ففي اعتبار العداوة بينهم قولان:
أحدهما: اعتبارها كاعتبارها في شهادة الكبار، وهو قول ابن القاسم في "الموازية".
والثاني: أنها لا تعتبر بعداوتهم وهو قول عبد الملك، وابن المواز، قال سحنون: لأن عداوتهم لا أصل لها.
وفي اعتبار القرابة أيضًا، قولان:
أحدهما: أنه لا ينظر في شهادتهم إلى قرابة كما لا ينظر إلى الجرحة والعدالة، وهو قول ابن المواز.
والثاني: أن شهادتهم تسقط في القرابة كما تسقط بها في الكبار، وهو قول عبد الملك في "المجموعة".
فإن اختلفوا في شهادة فشهد اثنان معهم أن فلانًا، وقال آخرون: بل شجه فلان: فإن شهادتهم باطلة، وهو قول مالك في "المجموعة"،
[ ٨ / ١١٨ ]
و"الموازية"، و"كتاب ابن سحنون": إن شهادتهم إنما تقبل ما لم يكن فيها تهاتر.
فإن شهد صبيان أن صبيًا قتل صبيًا، وشهد آخران أنه لم يقتله، وإنما أصابته دابة: قضى بشهادة الذين شهدوا بالقتل، وهو قول ابن الماجشون في "المجموعة"، و"العتبية"، ووجه ذلك: لو كانوا كبارًا عدولًا: يحكم بشهادة شاهدي القتل، وكذلك هذان؛ لأن من أثبت الحكم أولى ممن نفى.
ولو كانوا ستة صبيان لعبوا في البحر، فغرق واحد منهم، فشهد ثلاثة على اثنين أنهما غرَّقاه، وشهد الاثنين على الثلاثة أنهم غرقوه، هل تجوز شهادتهم، أو تسقط؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن العقل على الخمسة جميعًا؛ لأن شهادتهم مختلفة، وهي رواية ابن وهب عن مالك في "المجموعة"، و"الموازية".
والثاني: أن شهادتهم لا تجوز لأجل اختلافهم وتسقط، وهو قول ابن المواز، وحكى عن ابن حبيب ومطرف مثله.
وقول مالك أصح؛ لأن اختلاف شهادتهم لا يمنع قبولها، ولاسيما على القول بأن اختلاف الشهادة وتقابلها لا يقتضي التأثير [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٨ / ١١٩ ]
المسألة الرابعة في الشاهد يشهد في شيء له فيه حق ونصيب
ولا تخلو شهادته من وجهين:
إما أن يكون في ذكر حق، أو على وصية.
فإن كانت في ذكر حق له فيه نصيب: فلا يخلو من أن يشهد معه شاهد آخر، أو انفرد بالشهادة.
فإن شهد معه شاهد آخر: فإن الأجنبي يأخذ حقه بغير يمين، ولا يأخذ هو حقه إلا بيمين، وسواء كان ماله فيه قليل أو كثير.
فإن انفرد بالشهادة: فلا يخلو ما شهد به لنفسه من أن يكون يسيرًا، أو كثيرًا.
فإن كان كثيرًا: فلا خلاف في المذهب أن شهادته باطلة في حق نفسه، وهل تبطل في حق غيره أو لا؟.
قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنها باطلة، وهو نص "المدونة"؛ إذ لا يقبل بعض الشهادة ويرد بعضها.
والثاني: أنها جائزة في حق الأجنبي، وهو قائم من مسألة شهادة رجل وامرأتين على رجل بالسرقة حيث قال في الكتاب: يغرم قيمة السرقة؛ لأنها مال، ولا يقطع لأن شهادة النساء في الحدود مردودة، فقد قبل في هذه المسألة بعض الشهادة ورد بعضها.
فإن كان الذي فيه يسير: فالمذهب فيه على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
[ ٨ / ١٢٠ ]
أحدها: أنها باطلة في حق الشاهد والأجنبي، وهو ظاهر "المدونة" في التعليل؛ إذ لا يقبل بعض الشهادة ويرد بعضها، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أن الشهادة جائزة له وللأجنبي، فيأخذ الأجنبي حقه بيمينه ويأخذ الشاهد حقه بغير يمين لتناهيته وتبعيته لحق الأجنبي، وهو ظاهر "المدونة" أيضًا من مسألة الوصية، وهو قوله في "كتاب ابن المواز".
والثالث: أنها جائزة في حق الأجنبي، ولا تجوز في حق الشاهد على ما تأول على المدونة من جواز تبعيض الشهادة.
وأما الوجه الثاني: إذا شهد على وصية قد أوصى له فيها بشيء: فعلى التقسيم الذي قدمناه لأنك تقول: لا يخلو من أن يشهد معه غيره، أو ينفرد بالشهادة.
فإن شهد معه شاهد آخر: فإن الأجنبي يأخذ حقه بغير يمين، قولًا واحدًا، وفي حق الشاهد التفصيل بين اليسير والكثير؛ فإن كان كثيرًا: أخذه بيمينه قولًا واحدًا، وإن كان يسيرًا هل يأخذ بيمين أو بغير يمين؟ قولان يتأولان على المدونة، والتأويل ظاهر.
فإن انفرد بالشهادة: فلا يخلو ما شهد به في الوصية من أن يكون يسيرًا، أو كثيرًا.
فإن كان كثيرًا: فالشهادة باطلة في حق نفسه، قولًا واحدًا، وهل تبطل في حق الأجنبي أم لا؟ قولان قائمان من "المدونة" منصوصان في المذهب المشهور: جوازها ونفوذها في حق الأجنبي مع يمينه؛ وفاء ونفاذًا لوصية الموصى وتتميمًا لغرضه، ولا يبطل عليه مراده مع عدم القدرة على استدراكه.
فإن كان يسيرًا: ففي المذهب ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
[ ٨ / ١٢١ ]
أحدها: أن الشهادة جائزة له وللأجنبي، ويأخذ الأجنبي حقه بيمينه، ويأخذ الشاهد بغير يمين؛ لأن حقه في حين التبع، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب" وبه قال مطرف.
والثاني: أنه لا يجوز له ولا لغيره، وتبطل في الجميع؛ إذ لا يقبل بعض الشهادة، ويرد بعضها وهي رواية ابن وهب في "الكتاب"، وبه قال ابن عبد الحكم.
والثالث: أنها جائزة في حق الأجنبي، ويحلف ويأخذ حقه، وتبطل في حق الشاهد للتهمة اللاحقة به، وبه قال عبد الملك بن الماجشون، وهو ظاهر "المدونة" من مسألة شهادة رجل وامرأتين على السرقة التي قبل فيها بعض الشهادة ورد بعضها، [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٨ / ١٢٢ ]
المسألة الخامسة في الشهادة على السماع
وينبغي أن تعلم أن تحمل الشهادة على وجهين:
أحدهما: تحمل نقلها على الأصل.
والثاني: تحمل نقلها عن الشهود.
فأما تحمل نقلها من الأصل: فعلى ضربين:
أحدهما: أن يسمع لفظ الذي عليه الحق بالشهادة له، أو إقراره.
والثاني: أن يشهد على ما تقيد في "الكتاب".
فأما الضرب الأول: وهو أن يسمع ما يشهد به، فإذا وعاه: جاز له أن يشهد به، ويلزمه ذلك إن لم يعلم غيره بالشهادة؛ وعلى هذا تجوز شهادة الأعمى خلافًا لأبي حنيفة في قوله: "ولا يجوز له أن يشهد بما سمع في حال العمى"، وللشافعي في قوله: "لا تجوز شهادته إلا أن يكون المشهود عليه والمشهود له في يديه، ويؤدي الشهادة بالإشارة إليهما".
والدليل على ما نقوله: أن كل من صح له التمييز بين المقر والمقر له جاز أن تقبل شهادته بينهما كالبصير والأعمى يعرف ذلك بمعرفة الصوت، وإذا [كان] (١) أعمى أو عمى بعد ذلك، فإن لم يع جميع ما أشهد عليه، فإن كان ما نسى منها مما لا يخل بما حفظ منها: فليشهد بما حفظ دون ما شك فيه.
فإن كان مما يخاف أن يؤثر فيما حفظ ويغير الحكم: فلا يشهد به،
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٨ / ١٢٣ ]
على التفصيل والتحصيل الذي قدمناه في "كتاب الأقضية" بما يغني عن إعادته مرة أخرى.
وأما الضرب الثاني: إذا ما شهد على ما تقيد في كتاب: فلا يخلو من أن يكون غير مختوم أو مختوم.
فإن كان غير مختوم: فإنه يلزمه أن يقرأ ما قيدت به الشهادة في آخر العقد إذا كان يقرأ، أو يقرأ عليه إن كان أميًا أو أعمى؛ ليعلم من ذلك موافقة تفيد البينة الشهادة بما شهد به.
فإن كان الكتاب مختومًا، فهل تجوز عليه الشهادة أم لا؟
على قولين منصوصين عن مالك -﵀:
أحدهما: أن الشهادة جائزة، وإن كان الكتاب مختومًا أو مطبوعًا.
والثاني: أنهم لا يشهدون إلا أن يقرأه وقت تحمل الشهادة.
وهذان القولان حكاهما القاضي أبو محمد عبد الوهاب عن مالك فيمن دفع إلى شهود كتابًا مطويًا، وقال اشهدوا على ما فيه، أو الحاكم إذا كتب كتابًا إلى حاكم وختمه، وأشهد عليه الشهود بأنه كتابه، ولم يقرأه عليهم: فوجه القول بالجواز أنه أشهدهم على إقراره في كتاب قد عرفوه، فصح تحملهم للشهادة أصله إذا قرأه عليهم، واستدل القاضي ﵁ لذلك بأن رسول الله - ﷺ - دفع كتابًا إلى عبد الله بن جحش، وأمره أن يسير ليلتين ثم يقرأ الكتاب، فيتبع ما فيه.
ووجه القول بالمنع: قوله تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ (١)، وإذا لم يقرؤوا الكتاب لم يعلموا ما يشهدون به، فلم تجز شهادتهم، وقال القاضي أبو الوليد الباجي: والصحيح عندي جواز الشهادة في ذلك، وأنه
_________________
(١) سورة يوسف الآية (٨١).
[ ٨ / ١٢٤ ]
لا يلزمه إلا تصحيح موضع تقييد الشهادة خاصة، ولذلك يشهد على الحكام بالسجلات المطوية التي فيها الأرزاق، ولا تقرأ إلا في العدد الطويل مع القدرة على ذلك، والتفرغ له، وربما اجتمع النفر الكثير للإشهاد فيه، ولو لزم كل إنسان قراءته وتصفحه، وتحفظه لتعذر الإشهاد فيه، فإذا ثبت أنه لا يلزمه قراءته ولا معرفة ما فيه حين تقييده شهادته بأن لا يلزمه ذلك عند الأداء أولى، وقال: وما احتج به من قوله تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ (١)، ليس فيه كبير حجة، ولا هو بلازم؛ لأنه إخبار عن شهادة معينة؛ إذ لا يقول أحد بأن الشهادة بالمعلوم غير جائزة، وإنما الخلاف في الشهادة بما لم يعلم، والآية لا تتضمن حكم هذا، وأيضًا فإنا نقول بموجب ذلك، فإن الشاهد إنما يشهد بعلمه من صحة تقييده الشهادة في العقد على الوجه اللازم في ذلك.
والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: وهو تحمل الشهادة عن الشهود: فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: في نقلها عن شهود معينين.
والثاني: في نقلها عن شهود غير معينين.
فأما نقلها عن المعينين: فلا يخلو من وجهين: أن يكون ذلك بإذنهم، أو بغير إذنهم.
فإن نقلها عنه بغير إذنهم؛ مثل أن يسمع شاهدًا ينص ما عنده من الشهادة في معرض الحكاية، أو يسمعه، أو يؤديها عند الحاكم، فهل يجوز له أن يشهد على شهادته أم لا، وإن لم يشهده عليها؟
فالمذهب يتخرج على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
_________________
(١) سورة يوسف الآية (٨١).
[ ٨ / ١٢٥ ]
أحدها: أن ذلك لا يجوز جملة وهو مشهور المذهب وهو مذهب "المدونة".
والثاني: أن ذلك جائز جملة، وهو ظاهر قوله في "كتاب الأقضية" من "المدونة" في البينة التي تشهد في ديوان المعزول حيث قال: لا ينظر المحدث في شيء منها إلا أن تقوم عليه بينة.
والثالث: التفصيل بين أن يسمعه يذكرها في معرض الحكاية: فلا يجوز له الشهادة على شهادته، أو [يسمعه] (١) يؤديها عند الحاكم أو لمن يأذن له بالنقل عنه: فيجوز له أن يشهد على شهادته.
وهذا القول متأول على "المدونة" أيضًا، وهو المنصوص في المذهب في "الموازية" وغيرها.
فإن كان النقل بإذنهم فلا يخلو من أن يكون ذلك لعذر، أو لا لعذر.
فإن كان ذلك لغير عذر: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب أن ذلك لا يجوز.
وإن كان لعذر كالمرض، والغيبة البعيدة: فلا خلاف في الجواز؛ احتياطًا للحقوق، واحتفاظًا عليها لكيلا تضييع باندراس البينة وانقراضها.
فإن كانت غيبتهم قريبة كاليومين والثلاثة، فقد قال في كتاب ابن المواز: أنه لا تقبل شهادته، وقال القاضي أبو الوليد: ومعنى ذلك -عندي- أن يغيب الشاهد عن مكانه اليومين والثلاثة ثم يرجع.
وأما من كان بين موضعه وموضع القاضي مسيرة يومين أو ثلاثة: فلا يلزمه أداء الشهادة عند القاضي، ويجوز له أن ينقل عنه.
وفي "كتاب ابن سحنون" عن أبيه: إذا كان الشاهد على مثل ما
_________________
(١) في أ: يسمعها.
[ ٨ / ١٢٦ ]
تقصر فيه الصلاة لم يلزمه الشخوص عن مثل ذلك، وليشهد عند من يأمر له القاضي في ذلك البلد، ويكتب بما شهدوا به عدال القاضي.
فأما من كان على بريد أو بريدين: فإنه يؤدي شهادته عن الحاكم.
ثم لا يخلو الشاهد حينئذ من أن يكون غنيًا أو فقيرًا؛ فإن كان غنيًا يجد نفقة ومركوبًا في شخوصه إلى أداء الشهادة: فلا يجوز للمشهود له أن يقيم لهم بذلك، فإن فعل سقطت شهادتهم، وهو قول سحنون؛ لأن ذلك من باب الرشوة والمنفعة التي لا تلزم المشهود له؛ لأن ذلك أمر لازم للشاهد، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ (٢)، وقال جلّ من قائل: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (٣).
فإن كان فقيرًا ولم يجد نفقة ولا مركوبًا: فلا بأس أن يقيم لهم الشهود بذلك من ماله؛ لأنها مؤونة لا تلزم الشهود، فلم تبطل شهادتهم بتكلف المشهود له كسائر نفقاته، وكذلك لو استشهد إلى مسافة بعيدة ليعاينوا حدود أرض وصفتها، فلا بأس أن يركبوا دوابه للشهود له ويأكلون طعامه، وهو قول مطرف في "كتاب ابن حبيب"، وروى ابن سحنون عن أبيه في الشاهد يأتي من البادية يشهد لرجل، فينزل عنده في ضيافته حتى يخرج: فإنه لا ترد شهادته بذلك إذا كان عدلًا، وهذا ضعيف فإذا قلنا بجواز نقل الشهادة عن الشاهد على الوجه المشروع: فلا خلاف -عندنا- في المذهب أنه لا يجوز في ذلك نقل الواحد عن الواحد؛ لأنه ربع الشهادة، وقال في "المدونة": لو جاز ذلك لم يتوصل إلى الحق إلى بيمين، وإنما ينقل الاثنان عن واحد، وينقل عن كل واحد اثنان، ويجوز
_________________
(١) سورة الطلاق الآية (٢).
(٢) سورة البقرة الآية (٢٨٣).
(٣) سورة البقرة الآية (٢٨٢).
[ ٨ / ١٢٧ ]
نقل الاثنين عن الاثنين، وعن أكثر من ذلك فيما كان من الشهادة على الحقوق، فإن نقل اثنان عن واحد: حلف المدعي مع نقلهما فيما يجوز فيه الشاهد واليمين.
واختلف إذا شهد اثنان على شهادة واحد، ثم شهد واحد منهما مع غيره على شهادة الآخر على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى أن واحدًا أحيا شهادتهما، وهو قول عبد الملك في "الموازية"، و"المجموعة".
والثاني: أن ذلك جائز؛ لأن الواحد جمع رجلين ولا وصم في ذلك، وهو قول ابن المواز.
واختلف في نقل الشهادة في الزنا على أربعة أقوال:
أحدها: أنه لا يجزئ في ذلك إلا ستة عشر رجلًا: أربعة على شهادة كل واحد.
والثاني: أنه يجزئه من ذلك شاهدين يشهدان على شهادة أربعة، وبه قال ابن المواز.
والثالث: أنه لا يجزئ في ذلك أقل من أربعة يشهدون على شهادة كل واحد منهم.
وحكى القاضي أبو محمد عبد الوهاب الروايتين عن مالك.
والرابع: التفصيل بين أن يفترقوا، أو لم يفترقوا.
فإن افترقوا: جاز أن يشهد على كل شاهد من شهود الأصل اثنان حتى يصير عدد الناقلين ثمانية.
فإن لم يفترقوا: جاز أن يشهد على جميعهم أربعة، يكون عدد الناقلين أربعة.
[ ٨ / ١٢٨ ]
وهو قول ابن الماجشون في "الواضحة".
وسبب الخلاف: هل يغلظ بالعدد في شهود النقل كما يغلظ في شهود الأصل أم لا؟
فأما الوجه الثاني في نقل الشهادة عن غير معينين: وهي شهادة السماع التي ترجمت عليها المسألة، وهي على وجهين:
أحدهما: أن تكون فيما لا تتغير حالة، ولا ينتقل الملك فيه كالنسب والموت.
والثاني: مما يتغير حاله، وينتقل من ملك إلى ملك، فأما ما لا يتغير حاله، ولا ينتقل الملك فيه كالنسب، والموت، والولاء، والوقف المحرم.
فأما الموت: فإنما يشهد فيه على السماع فيما بَعُد من البلاد، وأما ما قرب من البلاد، أو الشهادة ببلد الموت، فإنما تقع الشهادة فيه على البت والقطع، وإن كان سبب هذه الشهادة السماع إلا أن لفظ شهادة السماع إنما ينطلق عند الفقهاء على ما لا يقع به العلم للشاهد؛ ولذلك يؤدي شهادته على أنه سمع سماعًا فاشيًا على ما ينصه من شهادته، وإنما إذا تواتر الخبر حتى وقع له العلم: فإنما يشهد على علمه فيقول: أشهد أن فلانًا مات وكذلك إذا سمع النياح، والصياح، فقيل له: فلان مات، وتكرر ذلك عليه حتى يحصل له العلم بموته: فإنه يشهد على العلم، وإن لم يشهد جنازته.
وأما النسب والولاء: فقد اختلف قول مالك في شهادة السماع فيهما، على قولين:
[ ٨ / ١٢٩ ]
أحدهما: [أنه] (١) يقضي له بالولاء، والنسب، والمال، وهو قول الغير في "المدونة"، وأكثر قول مالك، وابن القاسم في "كتاب ابن المواز".
والثاني: أنه يقضي له بالمال دون النسب والولاء، وهو قول مالك في المدونة في كتاب الولاء والمواريث، ويأخذ المال بعد الاستيفاء، وهي رواية أبي زيد عن ابن القاسم في "العتبية" إلا أن يكون أمرًا مستفيضًا مشتهرًا كاشتهار نافع مولى ابن عمر ﵁، فإنه يستحق المال والنسب ويجزئه الولاء، والخلاف في ذلك؛ لأنه بلغ مبلغ التواتر الذي يقع به العلم، ولا يقول الشاهد في تلك الصورة: سمعنا، وإنما يقول: علمنا.
وأما الوجه الثاني: وهو ما يتغير حاله، وينتقل كالأشربة، والحيازات، والصدقات، والأحباس غير المحرمة، وشبه ذلك: فإن شهادة السماع فيه جائزة مع طول الزمان؛ لأنه إذا طال الزمان فقد تندرس العقود، وتموت البينات، ولم يبق إلا السماع، واختلف في مقدار الطول على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن حد الطول في ذلك خمسون سنة فما فوقها، وهو قول مالك في المدونة وغيرها.
والثاني: أن حد الطول خمسة عشر سنة لتقاصر أعمار الناس في هذا الزمان، وهو قول مطرف، وابن الماجشون في "الواضحة".
والثالث: أن الوباء إذا وقع وكثر الموت جازت شهادة السماع في المدة التي لو لم يكن وباء ما جازت فيها؛ لأن كثرة الوباء كطول السنين واندراس الأمر، وهو قول في "كتاب ابن المواز".
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٨ / ١٣٠ ]
وشهادة السماع يتقرر بها ما تحت الحوز، ولا يستخرج بها ما في البلد؛ ولذلك لا تصح فيما يحول وينتقل إلا مع طول الزمان؛ مثل أن يقيم رجل غائب البينة أن هذه الدار لأبيه أو لجده، وثبتت المواريث، ثم يقيم الذي في يديه الدار البينة يشهدون على السماع أنه اشتراها من أبى هذا المدعي أو من جده، أو من أحد ادعى هذا المقام: أنه ورثها منه، أو ممن صارت إليه ممن ذكرنا: فإنه يقضي له بها، وتقر يده عليها، وترفع عنه يد المدعي، وينهى عن التعرض له.
فإن قالوا: سمعنا أنه اشتراها من قوم قد انقرضوا من غير أن يسموا ممن اشتراها منه، فلا تقبل شهادتهم في ذلك.
ومن شرط شهادة السماع: أن يقولوا سمعنا من قوم عدول.
فإن انطلقوا ولم يقولوا عن قوم عدوم: ففيه قولان:
ولا يحتاجوا إلى تسميتهم؛ لأنهم إن سموهم خرج عن شهادة السماع إلى الشهادة على الشهادة.
ويجزئ في الشهادة على السماع شهادة رجلين، وما كثر فهو أحسن قاله مطرف، وابن الماجشون عن مالك ما لم يكن هناك أمر يوجب التوقيف عن شهادتهما؛ مثل أن يشهد على السماع رجلان، وفي القبيل مائة من أترابهم لا يعرفون شيئًا من ذلك، وهو قول ابن القاسم في "المجموعة" إلا أن يشهد بذلك شيخان قد باد جيلهما ولم يبق من أترابهما أحد فتجوز شهادتهما.
وأما شهادة السماع في الضرر بين الزوجين: فإنها جائزة، ويكون السماع من الأهل والجيران، وإن لم يكن أهله من العدول، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم في "العتبية"، وفي "النوادر" عن حسين بن
[ ٨ / ١٣١ ]
عاصم: قال ابن القاسم: لا تجوز شهادة السماع إلا عند العدول في الرضاع، فيجوز أن يشهد العدول على لفيف القرابة، والأهل، والجيران.
واختلف قول مالك في جواز شهادة السماع في النكاح على قولين:
فوجه القول بجوازها في النكاح: أنه ثابت لا يتغير إذا مات أحد الزوجين، فأشبه الولاء.
ووجه القول بأنها لا تقبل: أن أصله غير مستند بدليل جواز التنقل فيه فكان كالشهادة على الأملاك، وقال سحنون في "العتبية" وجل أصحابنا يقولون في النكاح إذا انتشر خبره في الجيران أن فلانًا تزوج فلانة وسمع الدفوف: فله أن يشهد أن فلانًا زوج فلان، زاد محمد بن عبد الحكم: وإن لم يحضر النكاح.
فإذا شهد بالسماع شاهدان فيما تجوز فيه شهادة السماع، هل يحلف المشهود له مع شهادتهما أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يحلف مع شهادتهما، وهو قول مطرف، وابن الماجشون في "الواضحة".
والثاني: أنه لا يمين عليه، وهو ظاهر "المدونة"، وفي "النوادر" قال أصبغ عن ابن القاسم: وفي التي تفتدي من زوجها ثم يشهد لها قوم بالسماع أن زوجها كان يضربها: فذلك جائز بالسماع من الأهل والجيران، وشبه ذلك من الأمر الفاشي قبل، فيجوز في هذا شاهد على السماع البين والأمر بالمعروف، قال عيسى فيه أنه يجوز، قيل: أفتحلف مع ذلك؟ قال: لا قيل فيشهد [لها] (١) شاهد على البيان للضرر وتحلف معه،
_________________
(١) في أ: له.
[ ٨ / ١٣٢ ]
قال: كيف يعرف ذلك؟ قال: يقول: سمعت واستبان لي، قال: إن كان هذا فعسى وانظر فيه، قال أصبغ: هذا جائز، وإن لم يكن معه غيره، وكان سماعًا قاطعًا، وإن كان سماعًا غير مقاطع: فإنها تحلف معه إن كان سماعًا منتشرًا، ويرد عليها ما أخذ؛ لأنه مال، فتحلف مع شاهدها، ويمضى الفراق، وقد قاله ابن القاسم بعد ذلك أنه كالحقوق، فانظر إذا كانت لا تحلف مع الشاهد الواحد على السماع الفاشي بالضرر، فبأن لا تحلف مع الشاهدين أولى وأجدى، [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٨ / ١٣٣ ]
المسألة السادسة فيمن ادعي على رجل دعوى، فأراد أن ينافيه
فلا تخلو دعواه من وجهين: إما أن تكون فيما يتعلق بالذمة، أو في شئ معين.
فإن كان فيما يتعلق بالذمة: إما بتراض منهما؛ كالسلف وثمن المبيع، أو بغير تراض منهما؛ كالغصب، والتعدي، فلا يخلو المدعي من أن يكون تبين [وجه] (١) لدعواه أم لا.
فإن لم يتبين لدعواه وجه، فهل له الإيقاف أم لا؟
فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: أنه لا يوقف له، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن له الإيقاف، وهو قول الغير في "الكتاب"، والقولان في "كتاب الشهادة".
فإن تبين لدعواه وجه: فلا خلاف في المذهب أن له الإيقاف، فهل يكفل له به إن طلب ذلك أم لا؟ قولان لابن القاسم:
أحدهما: أنه يكفل له به، وهو قوله في "كتاب الشهادة" من "المدونة" مثل قول غيره فيه.
والثاني: أنه لا يؤخذ له منه كفيل، وهو قوله في "كتاب الكفالة".
فإن كان الدعوى في شئ بعينه: فلا يخلو من أن يكون مأمونًا كالدور والأرضين، أو في غير المأمون كالحيوان والعروض.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٨ / ١٣٤ ]
فإن كان في المأمون فطلب الإيقاف، فإن كان بمجرد دعواه فقولان، وقد [بيناهما] (١) في الفصل الأول.
فإن ثبت لدعواه وجه، فطلب الإيقاف، فهل يوقف له أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة" من "كتاب الشهادات":
[أحدها] (٢): أنه يوقف وقفًا يمنع فيه من الإحداث يريد البيع وأنواعه، وهو قول مالك في "الكتاب".
والثاني: أنه يوقف وقفًا يمنع فيه من الخدمة، والتصرف والاستغلال، وهو قوله في مسألة المياه: والى في الغبن.
والثالث: أنه لا يوقف له أصلًا، والذي هو في يديه أن يبيع ما لم يحكم عليه، وهو أضعف الأقوال. وتوجيه كل قول ظاهر.
فإن كان في غير المأمون كالحيوان، والعروض: فلا يخلو من أن يكون مما يقع الإشهاد على عينه، أو مما لا يقع الإشهاد، فإن كان مما لا يُشهد على عينه: فإنه يعزل ويوقف بيد أمين مخافة الاستبدال والعنف في الاستعمال، فيتطرق إلى هذا الغبن الاحتمال، فيدخل على الشاهد عند معاينة الإشكال ثم لا يقدر على حزم الشهادة بحال، فتسقط الشهادة على تلك على كل حال.
فإن كان مما لا يشهد على عينه؛ كالمكيل والموزون من الطعام والعروض: فلا يخلو من أن يكون مما يسرع إليه الفساد كرطب الفاكهة، واللحم الطري، والطعام المصنوع، أو مما لا يسرع إليه؛ كالحبوب والحناء، وغيرهما.
_________________
(١) في أ: بيناه.
(٢) سقط من أ.
[ ٨ / ١٣٥ ]
فإن كان مما لا يسرع إليه التغيير: فإنه يبقى بيد المدعى عليه من غير إيقاف، حتى إذا أثبت المدعي حقه واستحقه فيأخذه، وإلا فلا شيء له شبيه للمدعى عليه، وإنما قلنا: أنه لا يوقف؛ لأنه مما لا يشهد على عينه، ومثله يقوم مقامه.
فإن كان مما يسرع إليه التغيير كرطب الفواكه، وما كان في معناه: فلا يخلو المدعي من أن يكون قد أشرف بحجته على فصل القضاء كبينة ينتظر تزكيتها، أو لم يكن له إلا شبه، أو مجرد الدعوى في الوجه الأول: يبيع القاضي الشئ المدعى فيه إذا خشى عليه، ويوقف الثمن، ويكون لمن غلب.
في الوجه الثاني ينتظر القاضي بالطالب ما لم يخش على الشيء المدعى فيه بإسقاط حجته، وقال في "الكتاب" في هذا الوجه: فإن كان الماء شهد به للمدعي شاهد واحد وأثبت لطخا: فإن القاضي يؤجل المدعي بإحضار شاهد آخر ما لم يخشى الفساد، فجعل الشاهد الواحد العدل كاللطخ، ومعناه: أن المدعى يقول: لا أحلف مع الشاهد أصلًا، فإن أثبت بشاهد آخر: أخذت حقي بشاهدين، وإن عجزت: فلا حق لي، فهذا معنى قوله في "الكتاب" على القول بالإيقاف في جميع ما شرع فيه الإيقاف على من تكون النفقة، ولمن تكون الغلة.
وأما ما يوقف وقفًا يمنع من الاستخدام، فإن كانت له غلة: فنفقته من غلته، وإن لم يكن له غلة، فقولان:
أحدهما: أن نفقته على من يقضى له به، وهو مذهب "المدونة".
والثاني: أن النفقة عليهما معًا فمن يقضي له به رجع عليه الآخر بما اتفق، وهذا القول في غير "المدونة" وهو أصح وأولى بالصواب.
وأما ما يوقف وقفًا يمنع فيه من الأحداث كالأصول على القول
[ ٨ / ١٣٦ ]
بالوقف: فقد قال ابن القاسم في "الكتاب": إن الغلة لمن كان الشيء في يديه، والنفقة على من يقضي له به، وهذا اضطراب من القول.
وقد اختلف المذهب في غلات هذا الشيء لم تكون على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها للذي في يديه حتى يقضي بها للمدعي؛ فعلى هذا يجب أن تكون النفقة عليه، والأصول موضوعة على أن النفقة على من له الغلات.
والثانى: أن الغلات موقوفة مع الأصول، وتكون النفقة عليها منها إن كانت، أو على من يقضي له بها إن لم تكن.
والثالث: أن النفقة عليهما معًا، فإذا قضى بها لأحدهما رجع عليه الآخر بما أنفق، على الخلاف الذي قدمناه، وهو قول يحيى بن عمر، [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٨ / ١٣٧ ]
المسألة السابعة فيمن أقام شاهدًا على خمسين وشاهدًا على مائة
ولا يخلو ذلك من أن يكون في مجلس واحد، أو في مجلسين.
فإن كان في مجلس واحد: فلا يخلو المشهود عليه من أن يكون منكرًا للشهادتين، أو مقرًا بإحداهما.
فإن كان منكرًا للشهادتين جميعًا: فقد اختلف فيه قول مالك على قولين:
أحدهما: أن ذلك زيادة ويحلف مع شاهد المائة، ويأخذها وهو قوله في "المدونة".
والثاني: أن ذلك تكاذب، وهو قول مالك أيضًا.
ثم لا يخلو الطالب من أن يقوم بالشهادتين، أو بإحداهما.
فإن قام بالشهادتين جميعًا: بطلت دعواه؛ لأن كل واحد من الشهود كذب صاحبه، قال الشيخ أبو إسحاق التونسي: كما لو شهد له شاهدان أحدهما يقول: له عليه بغل، وقال الآخر: بل الذي له عليه حمار فإن قام بأحد الشهادتين وأسقط الآخر: كان له ذلك، وحلف مع الذي قام بشهادته.
فإن كان المشهود عليه مقرًا بشهادة الخمسين منكرًا لشهادة المائة: كان تهاترًا يقضي فيه بأعدل البينتين.
فإن تكافأت إليه البينتان: سقطتا، وكان القول قول المطلوب، وهل ذلك بيمين، أو بغير يمين؟ قولان:
أحدهما: أن القول قوله مع يمينه، وهو قول ابن القاسم.
[ ٨ / ١٣٨ ]
والثاني: أن القول قوله بلا يمين، وهو قول أشهب.
ووجه قول ابن القاسم: أن البينات لما تكاذبت سقطت، فكأنها لم تكن، وصار مدعًا عليه، ومدعًا عليه بعد إثبات الخلطة يكون القول قوله مع يمينه.
ووجه قول أشهب: أن المدعي لما أقام مع المدعي عليه ببينة سقط عنه اليمين، وفيما قاله أشهب ضعف؛ لأنه بينته لم تصح بمكافأة بينة المدعي.
وأما الوجه الثاني: إذا كان ذلك في مجلسين فهما حقان، فإن ادعاهما المدعي: فإنه يحلف مع كل شاهد، ويأخذ مائة وخمسين.
وإن أراد أن يأخذ خمسين بغير يمين: فالمذهب على قولين قائمين:
أحدهما: أن ذلك له.
والثاني: أنه ليس له ذلك.
والقولان لابن القاسم.
وبالأول قال ابن المواز؛ لأن البينات قد اتفقت على إثبات الخمسين له كما لو شهد عليه شاهد بطلقة، وشاهد بطلقتين يوم البت أنهما قد اتفقا على طلقة، وتلفق شهادتهما فتعد عليه طلقة، وقد نص مالك في "الكتاب" في مسألة الخمسين والمائة على أن للمدعي أن يأخذ الخمسين بغير يمين إن شاء، [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٨ / ١٣٩ ]
المسألة الثامنة في كيفية القضاء عند تكافؤ البينات
ولا يخلو الشيء المدعى فيه من ثلاثة أوجه:
إما أن يكون في يد أحدهما، وإما أن يكون في يد غيرهما، وإما ألا يكون بيد أحد.
فإن كان بيد أحدهما وأتى كل واحد منهما ببينة: فلا يخلو من وجهين:
إما أن تتكافأ وتتساوى، أو تفاضلت وتباينت.
فإن تكافأت وتساوت حتى لا مزية: سقطتا ويبقى الشيء بيد حائزة، وهل ذلك بيمين أو بغير يمين؟ قولان:
أحدهما: أنه يأخذه بيمين، وهو مذهب "الكتاب".
والثاني: أنه يأخذه بغير يمين، وهو قول أشهب في غير "المدونة".
وسبب الخلاف: سقوط البينتين هل هو كالتجريح ثم لابد من اليمين؛ لأن أدنى درجة المدعي مع قيام بينته أن تكون شبهة توجب اليمين، وهو كالعدم في نظر الشرع، ثم لا يمين على المدعى عليه إلا على القول بوجوب اليمين لمجرد الدعوى، وهو قول ضعيف في المذهب.
واختلف في التكافؤ المعتبر، هل هو في العدد أو في الصفة على قولين:
أحدهما: أن التكافؤ المعتبر في الصفات دون العدد حتى أن الشاهدين يقابلا مائة شاهد، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
[ ٨ / ١٤٠ ]
والثاني: أن التكافؤ في العدد لا في الصفة، وهو قول الغير في بعض نسخ المدونة، وهو قول منصوص.
فإن تفاضلت وتباينت: فالحق لمن أرتب بينته، وهل ذلك بيمين أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن ذلك بيمين، وهو قوله في "الكتاب"؛ فيجعل زيادة العدالة كشبهة [أضيفت] (١) إلى الجبارة، فيدفع بها شهادة بينة خصمه.
والثاني: أنه بغير يمين، وهو قول أشهب.
وقيل: فائدة بيمين من كانت بينته أعدل أنها يمين القضاء التي لا يستقر القضاء للقاضي إلا بها استبراءً واستقصاء.
والوجه الثاني: إذا كان الشيء المدعى فيه بيد غيرهما: فلا يخلو من هو في يده من أن يدعيه لنفسه، أو لا يدعيه.
فإن ادعاه ولا بينة له غير الحوز، فهو لمن قبلت بينته ممن لم يكن في يده.
فإن تكافأت بينتهما أو سقطتا، فهل يبقى لحائزه أو ينزع منه؟ قولان:
أحدهما: أنه يبقى له ملكًا. وهو قوله في "المدونة".
والثاني: أنه يؤخذ منه؛ لأن كلتا البينتين شهدتا أن الحائز لا حق له فيه، فوجب أخذه منه، فيقسم بين المدعيين الآخرين على ما يأتي بيانه.
فإن كان لا يدعيه، وهو الوجه الثالث: إذا لم يكن في أيدي المتداعيين، فمن زادت بينته في العدالة أخذه، فإن تكافأت وتساوت، فما الحكم في ذلك؟
فلا يخلو من أن يكون مأمونًا كالدور والأرضين، أو غير مأمون
_________________
(١) في أ: أضافت.
[ ٨ / ١٤١ ]
كالعروض والحيوان.
فالمأمون هل يوقف أبدًا حتى يأتي أحدهما بأثبت مما أتى به أولًا أو يقسم بعد الطول؟ ففي "المدونة" قولان:
أحدهما: أنه لا يقسم أبدًا، وهو قوله في "الكتاب": يبقى كغيره من عفو بلاد المسلمين.
والثاني: أنه يقسم بينهما بعد الطول، وهو قوله في "الكتاب" أيضًا.
فإن كان غير مأمون كالحيوان والعروض: فلا يخلو من أن يكون مما يخشى عليه في الحال كرطب الفواكه: قسم بينهما في الحال من غير استثناء.
واختلف في شاهد ويمين، وشاهد وامرأتين، هل يعارض بها شهادة الشاهدين أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: إذا تساوى الشاهدان في العدالة: حلف صاحب الشاهد وكافأ شاهده ويمينه شاهدي الآخر، وكذلك شاهد وامرأتان يكافئا شاهدين إذا استووا في العدالة، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن الشاهد واليمين، ورجلًا وامرأتين لا يعارض به شهادة الشاهدين، وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف: هل ذلك من باب الترجيح أو ذلك من باب التجريح؟
وأشهب جعله من باب التجريح، والتجريح لا يقع بشاهد ويمين، ولا بشاهد وامرأتين؛ إذ لا مداخل لشهادتين في ذلك باتفاق المذهب في ذلك، وابن القاسم يجعله من باب الترجيح، وهو أقرب إلى النظر، [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٨ / ١٤٢ ]
المسألة التاسعة في الشهادة على الصفة والاعتراف ومن اعترف عبدًا أو دابة بيد رجل فطلب قيام البينة على عينه
فلا يخلو العبد المستحق من أن يكون في بلد البينة، أو غائبًا عنه.
فإن كان حاضرًا في بلد البينة: فلابد من الجمع بينهما حتى يشهدوا على عينه.
فإن كان قريبًا، فهل تجوز الشهادة على صفة العبد أم لا؟
على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: تجوز فيه الشهادة على الصفة، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الشهادة"، و"كتاب العتق الثاني"، و"كتاب الآبق" إذا وصفته البينة أو حكته فيقضي له به.
والثاني: أنه لا يجوز، ولا تقع الشهادة إلا على عينه، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب" حيث قال: يجوز له وضع القيمة، ويخرج به إلى بلد بينته، وبه قال ابن كنانة.
وعلى القول بأنه لابد من الشهادة على عينه، فإذا طلب المستحق أن يخرج به إلى بلد البينة: فلا يخلو من أن يأتي بشبهة، أو لا يأتي بشيء. فإن أتى بشبهة مثل أن يأتي بشاهد واحد، أو سماع أنه سرق له عبد على صفة كذا، فأراد أن يأخذ العبد ويضع القيمة، فهل ذلك له أم لا؟ على قولين:
[ ٨ / ١٤٣ ]
أحدهما: أن ذلك له، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه لا يمكن من ذلك، وهو قول غيره في "الكتاب".
فإن لم يأت ببينة إلا مجرد الدعوى: فلا يمكن من الخروج ووضع القيمة قولًا واحدًا.
وعلى القول بأن له وضع القيمة والخروج به، فإذا شهدت البينة على عينه، فوجه شهادتهم: أن يقولوا ما علمنا أنه ما باع، ولا وهبه، ولا خرج من يده بوجه من وجوه الملك حتى سمعناه ينشده، فلو قطعوا أنه ما باع، ولا وهب: فقد شهدوا بزور وشهادتهم ساقطة، وما يدريهم أنه [ما باع] (١) ولا وهب.
فإن أبى الشهود أن يزيدوا على الملك أنه ما باع ولا وهب، وقالوا ما تريدون على هذا، هل يقضي بشهادتهم أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يقضي بشهادتهم، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه يقضي بشهادتهم، وهو قول أشهب.
وذهب بعض المتأخرين إلى التلفيق بين القولين، وقال معنى قول أشهب: أنه لا يقدر على سؤالهم؛ لكونهم ماتوا أو غابوا، ومعنى قول ابن القاسم: أنه قادر على سؤالهم، والوقوف على حقيقته.
فإن كان [العبد في موضع] (٢) بعيد عن موضع البينة مما يلحق فيه الضرر المستحق في الذهاب، والرجوع بالعبد والدابة: فلا يخلو الطريق من أن يكون مأمونًا، أو مخوفًا.
فإن كان الطريق آمنًا: فحكمه حكم القريب الغيبة على سواء.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: في موضع العبد.
[ ٨ / ١٤٤ ]
فإن كان مخوفًا وهناك غرر وخطر: فالذي ينبغي أن تجوز الشهادة على الصفة في هذا الوجه قولًا واحدًا، ويأتي المستحق إلى بينته، ويكتبون له أنه سرق له عبدًا صفته كذا ونعته كذا على حسب ما عرفوا فيه من الصفات التي لا تعتبر ولا تزول، وينتقل له على عقده، فإذا وصل إلى البلد الذي فيه العبد، فيقصد إلى قاضي تلك البلدة، فإذا ثبت عقده أن ذلك كتاب القاضي الذي كتب إليه بشهادة البينة أو يستدل عليه بطابعه -على القول بالعمل بالطابع: فإنه يأمر بإحضار ذلك العبد فيعرضه على تلك الصفات، فإن [وقعت] (١) فيه أو صادف أكثرها: فلا إشكال أنه ينفذ فيه الحكم للمستحق بعد أن يحلفه على البت بيمين أنه ما باع، ولا وهب، ولا أخرجه من يده بوجه من وجوه الملك إلى أن سرق منه أو أبق.
فإن [خالفت] (٢) تلك الصفات صفاته، أو صادف أقلها: فلا شيء للمدعي، ويكتب القاضي للمدعى عليه بإسقاط دعوى المدعى عنه.
فإذا ثبت له الملك ثم طلب المستحق منه وضع القيمة، ويخرج بالعبد إلى بلد بائعه يستخلص به الثمن من عنده: كان ذلك له ويجبر المستحق على ذلك -قرب الموضع أو بعد- ويكتب له القاضي نسخة الاستحقاق، ويطبع على عنق تلك الدابة أو العبد ليتبين أنه مستحق قضى به، ولم يزل ذلك من عمل القضاة والحكام.
والحكم في الدابة أو العبد إذا هلك في الطريق إذا أصابه عيب، أو عجف، أو كسر، أو نقص، أو حوالة الأسواق مبين في الكتاب بما لا يزيد عليه [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) في أ: وقع.
(٢) في أ: خالف.
(٣) زيادة ليست بالأصل.
[ ٨ / ١٤٥ ]
المسألة العاشرة في الحيازة
والأصل في الحيازة ما رواه عبد الجبار بن ربيعة عن عمر عن سعيد بن المسيب مرفوعًا أن النبي - ﷺ - أنه قال: "من حاز شيئًا عشر سنين فهو له" (١) فالخبر وإن لم يسند فالنظر يؤيده؛ إذ التصرف في أملاك الأغيار محظور شرعًا إلا بأمر جائز، فكان التصرف في المتمولات بما لا يحدثه فيها إلا أهلها، أو إلى مدة لا تسامح النفوس إليها بمعين مالكها دليلًا على الملك أخذًا بالعرف واستصحابًا للحال.
ودليل اعتبار [عشر] (٢) سنين: أن الله ﵎ جعلها أبلغ شيء في العدد؛ إذ أمر نبيه - ﷺ - بتأخير المشركين، فلم يأذن له في الانتصار بالسيف إلا بعد عشر سنين، فقال سبحانه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (٣)، فهذه أول آية نزلت في الجهاد؛ إذ بالاستئناس بهذا الظاهر يقوى جأش المجتهد في التحديد بعشر سنين، ومنبع أقوال المجتهدين وجدان في التسامح، وفقدان التشاحح، فيمتد الأمد في استقرار المواصلة، ويقصر في التنافر والمفاصلة، ومناط القول فيه بالمتداعين والمحاز والمحاربة، ومدة الخيار وهيئتها، والكلام في هذه الفصول يتداخل، ولا يتمكن إفراد كل فصل بالكلام عليه على حسب العادة المألوفة في وضع هذا الكتاب؛ وذلك لامتزاج الأسئلة وتداخل الأجوبة، غير أنَّا نبلغ المجهود في التحصيل حتى نورد في المسألة ما عليه
_________________
(١) تقدم.
(٢) سقط من أ.
(٣) سورة الحج الآية (٣٩).
[ ٨ / ١٤٦ ]
التعويل من الأقاويل بفضل الله وتعالى، وهو حسبي ونعم الوكيل، فنقول وبالله التوفيق: المتداعى فيه ضربان: مأمون، وغير مأمون، والمتداعيان ضربان: أقارب، وأباعد.
فأمَّا تداعي الأقارب في المال المأمون كالدور والأرضين: فهم على ضربين: الأقارب بالنسبة، والأقارب بالسبب، فأقرب الأقربين: الابن، فلا يخلو ما حازه على أبيه من أن يحيزه بهبة، أو صدقة، أو غير ذلك.
فإن حازه بهبة، أو صدقة: فلا خلاف في المذهب في أن الحيازة عاملة نافعة للابن في حياة الأب وبعد مماته.
فإن حازه بغير ذلك: فلا يخلو من أن يحيزه بالعمارة أو بالسكنى والزراعة.
فإن حازه بالعمارة كالبناء، والغرس، وشق العيون، وحفر الآبار، ولم ينقله عنه الأب إلى أن مات، أو طال الزمان، فهل يكون ذلك حوز أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك للولد ويصح حوزه فيه إذا ادعاه ملكًا لنفسه، وهو قول محمد بن أبي قديم بن دينار، ومطرف في "العتبية".
والثاني: أنه ليس بين الوالد وولده في مثل هذا حيازة، وإن طالت عمارة، وإن بني وغرس وسكن، اتصل أم انفصل؛ لأن ذلك كالحوز لأيهم، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم في العتبية.
فإن حازه بالسكنى والزراعة: فلا خلاف في هذا في المذهب أنه لا يصح به الملك للولد -طال الزمان أو قصر، حضر الأب أو غاب.
وكذلك حيازة غير المأمون من العبيد والحيوان: فلا حيازة للابن علي الأب في ذلك جملة، وينبغي إذا حاز جارية من جواري الأب للاستخدام
[ ٨ / ١٤٧ ]
والاستشغار زمانًا طويلًا ثم استشغرها بعلم الأب، ووالدها: أن ذلك حوز له إياها كالأجنبي.
والأقارب غيره بنسب أو بسبب كالولاية والصهر: فلا تخلو حيازة بعضهم على بعض بأن تكون بالسكنى، أو الزراعة، أو بالعمارة، أو بالبيع، وأشكاله.
فإن حاز بالسكنى والزراعة، هل يستحقونه بذلك أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهم لا يستحقون المحاز بذلك -طال الزمان أو قصر- وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنهم يستحقونه بطول خمسين عامًا، وإن خلا من عمارة، وهو قول أصبغ، ومطرف في "كتاب ابن حبيب"، وسواء حضروا أو غابوا.
والثالث: أنهم يستحقونه بحيازة عشر سنين كالأجانب، وهو قول ابن وهب وابن القاسم في "المجموعة"، وهذا القول قائم من "المدونة" من "كتاب الأقضية والشهادات" من المدونة من قوله: أرأيت لو أن دارًا في يدي ورثتها عن أبي ثم أقام ابن عمي بينة أنها دار جده، وطلب مورثه، فقال هذا من وجه الحيازة التي أخبرتك بها، فساوى بين الأقارب والأجانب في الحيازة.
وهل الأوراث والأشراك كالقرابة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنهم كالقرابة، وهو أحد أقاويل ابن القاسم في "العتبية" و"الواضحة" وغيرهما، وأن الثلاثة الأقوال التي حكيناها في الأقارب تجري في الأوراث والأشراك وهو نص مطرف في "كتاب ابن حبيب":
[ ٨ / ١٤٨ ]
أن خمسين سنة حد السكنى بينهم في الحيازة والزراعة.
والثاني: أن الأقارب كالأجانب في أن حيازة عشر سنين بينهم تفيد الملك، والإوراث، والإشراك بخلاف ذلك، وهو قول مطرف في "الواضحة"، فيتحصل في المسألة على هذا التخريج أربعة أقوال:
أحدها: أنهم لا يستحقون المحاز بالسكنى والزراعة جملة بلا تفصيل طال الزمان أو قصر، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنهم يستحقوه بحيازة خمسين عامًا، وإن خلا من عمارة وهو قول أصبغ، ومطرف في "كتاب ابن حبيب".
والثالث: أنهم يستحقونه عشر سنين، وهو قول ابن وهب، وابن القاسم في "المجموعة"، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم، على ما حكاه ابن حبيب: أن الحيازة بالحرث، والسكنى على الورثة وغيرهم مثل الهدم، والبناء، وهو قائم من "المدونة".
والرابع: التفصيل بين الأقارب والأوراث والأشراك؛ فالأقارب كالأجنبيين في أن حوز عشر سنين يقطع دعوى المدعي، والأشراك لا يقطع الحوز الدعوى بينهم إلا من خمسين عامًا فأكثر، وهو قول مطرف في "الواضحة".
وأما إذا كانت حيازتهم بالعمارة كالبناء، والغرس، وشق العيون والأنهار: فقد اختلف في حد الحوز على ذلك على قولين:
أحدهما: أن الحيازة بذلك تفيد الملك في عشر سنين، وتحفظ دعوى المدعي، وهو قول مطرف في "الواضحة": إذا كان المحاز عليه حاضرًا عالمًا، ولم ينكر ولم يغيره إذا ادعى ذلك الحائز لنفسه، وهو قول ابن القاسم في "العتبية" في رواية عيسى عنه أن عشر سنين، أو سبع، أو
[ ٨ / ١٤٩ ]
ثمانية تقطع دعوى إذا كان حاضرًا عالمًا.
والثاني: أنهم لا يستحقوه إلا بحيازة خمسين، وهو قول ابن القاسم في "العتبية"، والأشراك والأوراث في ذلك سواء.
وأما إذا جاوزه بالبيع وأشكاله؛ مثل أن يبيع أو يهب أو يتصدق أو يصدق للنساء والباقون حضور لم يغيروا ولم ينكروا: فلا حق لهم في المبيع إن لم يقوموا من حينهم.
فإن لم يقوموا من حينهم حتى انعقد البيع، ومضى وهو حاضر عالم ثم قام بعد ذلك، فلهم القيام في الثمن بعد أن يحلفوا أنهم ما تركوه يبيع إلا ليقوموا بحقهم في الثمن، فيصدقوا.
فإن قاموا بعد طول الزمان: فلا حق لهم في الثمن، ولا في المثمون من غير خلاف في المذهب، وكذلك في الإصداق، والتصديق، فلا قيام لهم بعد تراخ أيضًا، وهو قول مطرف في "الواضحة".
وهذا كله في حوز الجملة.
وأما إن حاز الشريك الوارث، وكان إنما حاز بعضًا، ولم يحز البعض، فإن كان ما حازه مثل سهمه فهو له بسهمه فلا شيء له في الباقي، وإن ادعى بقاء حقه فيه، وإن عمر أقل من سهمه: أتم له بقية سهمه فيما بقى، وإن عمر أكثر من سهمه فهو له كله قدر سهمه بسهمه وما زاد فبسهمه، وهذا كله قول مطرف في "الواضحة" وهو المذهب.
فإن حاز كل واحد من الورثة شيئًا يعمله لنفسه؛ مثل الأخوة يرثون الأرض عن أبيهم، أخذ كل واحد طائفة يحرث، ويعمر حتى يموت بعضهم فكان ولده كذلك فيما ترك وقد اقتسموا ورثته ولم يقتسموا، ثم طلب ورثة الجد القسم، فإن طال الزمان فيما يندرس فيه علم المقاسمه، فذلك باق
[ ٨ / ١٥٠ ]
على حاله، ولا يقبل قول من طلب إعادة القسم مرة ثانية، إلا أن تكون عند من طلب القسمة منهم بينة أو سماع أن ذلك منهم على التجاوز والتسامح دون المقاسمة، فليأتنف فمن وقع حقه فيما بني أو غرس: فهو له وما وقع بناؤه في حق غيره: فليحلف ما بني إلا بمقاسمة، ثم يخير صاحبه بين أن يعطيه قيمة البناء قائمًا، وبين أن يعطيه الثاني قيمة أرضه، وإن أبيا: كانا شريكين إلا أن تقوم بينة قاطعة أنه حازه بغير مقاسمة، أو ينكل عن اليمين، ويحلف الآخر: فإن صاحب الأرض يعطيه قيمة بنائه منقوضًا، أو يأمره بقلعه، فإن لم تكن له بينة قاطعة، أو نكلا، أو أعطاه قيمته قائمًا على ما ذكرنا، وهذا كله قول أشهب في "المجموعة".
وأما الأجانب: فلا يخلو المحاز عليه من أن يكون حاضرًا، أو غائبًا.
فإن كان حاضرًا: فإن الحائز يستحق المحاز بحيازة عشر سنين، وإن لم يبن ولم يغرس إذا تصرف فيها بعين حاضرة من غير نكر فيه، فإن عرف أصله للمحاز عليه.
واختلف هل يكلف الحائز إثبات ما تملكه أم لا، على قولين:
أحدهما: أنه لابد أن يكلف ذلك إن كان بشرًا، أو هبة، أو صدقة، أو أمر يدعى فيه انقراض البينة واندراسها، وإلى هذا صار أكثر المتأخرين.
والثاني: أنه لا يكلف إثبات ذلك إذا ادعى أمرًا لا يريد إظهاره، أو لم يدع شيئًا إلا مجرد الحيازة، وهو قول مطرف في "كتاب ابن حبيب"، وهو ظاهر "المدونة" في الذي قامت الدار بيده سنين ذوات عدد يحوذها ويمنعها، ويكرى ويهدم ويبني، ثم أقام رجل البينة أن الدار داره، وأنها لأبيه حيث قال: فإن كان هذا المدعي حاضرًا يرى يبني، ويهدم، ويكري: فلا حجة له، وذلك يقطع دعواه، ولم يقطع إليه يسأل من أين صارت
[ ٨ / ١٥١ ]
إليه، والتسع سنين والثمانية، وما قاربها بمنزلة العشرة، وهذا كله قول ابن القاسم في "العتبية" وغيرها.
فإن بني أو غرس، فهل يكون ذلك حوز من حينه ووقته أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن البناء، والغرس، والهدم حوز من حينه ووقته، وهو قول عبد الملك بن الماجشون.
والثاني: أنه يكون حوزًا بعد عشر سنين فما دونها وهو قول ابن القاسم.
فإذا كان المحاز عليه غائبًا: فلا تخلو غيبته من أن تكن قريبة أو بعيدة.
فإن كانت غيبته قريبة مثل اليومين واليوم، فإن لم يعلم بحيازة الأجنبي: فهو على حقه إذا قام -طال الزمان أو قرب- وإن علم، ولا مقال له في هذا الوجه.
فإن كانت الغيبة بعيدة: فلا تخلو من أن تكون غيبة بعيدة بعيدة، أو بعيدة ليست ببعيدة.
فإن كانت بعيدة بعيدة كالأندلس من مصر، وشبه ذلك: فإن حيازة الحائز تقطع الملك المحوز عليه -علم بذلك أو لم يعلم، طال الزمان أو قصر- ولا خلاف -أعلمه- في هذا الوجه إلا أنه يستحب له إذا علم أن يشهد بأنه على حقه، وإن لم يشهد لم يضره ذلك، ورواه مطرف عن مالك.
فإن كانت غيبة ليست ببعيدة جدًا: فلا خلاف في المذهب أنه على
[ ٨ / ١٥٢ ]
حقه إذا لم يعلم بالحوز، واختلف فيه إذا علم هل يقطع حجته أم لا على قولين:
أحدهما: أنه مهما علم ولم يخرج ولم يوكل فهو كالحاضر فلا حق له بعد ذلك، وهي رواية عن ابن القاسم في "العتبية".
والثاني: أن علمه لا يقطع حجته، ولا تعمل عليه الحيازة إذا كان له عذر مثل أن يكون في جواز عدو أو من وراء الحيازة إذا كان له عذر مثل أن يكون في جوار عدو أو من وراء بحر، أو ضعيفًا، أو امرأة محجوبة، وهي رواية حسين بن عاصم عن ابن القاسم، وابن وهب، وابن نافع في "العتبية"، و"الواضحة"، قيل لابن القاسم: فإن لم يكن به ضعف ولا عذر؟ فقال: كم يتبين عذره، ولا يكون معذورًا.
واختلف في حد الغيبة التي يعذر بها، وإن علم على ثلاثة أقوال:
أحدها: مسيرة ثمانية أيام، أو تسعة، وهو قول مطرف، وبه قال أصبغ في "كتاب ابن حبيب".
والثاني: أن حدها مثل مسيرة ثلاثة أيام، أو أربعة، وأنه معذور بذلك العذر، وإليه رجع ابن القاسم على ما حكاه أبو محمد بن أبي زيد في "النوادر".
وأما حوزهم في غير المأمون كالحيوان، والثياب، وسائر العروض: أما حوزهم بالاستخدام، والامتهان على عين حاضرة: فقد اختلف فيه المذهب على قولين:
[ ٨ / ١٥٣ ]
أحدهما: أنها كالرياع جملة بلا تفصيل، وهو مذهبه في المدونة، وهو قول مطرف في "كتاب ابن حبيب" أن الحيازة في ذلك عشر سنين، وما قاربها له حكم العشرة.
والثاني: أن حيازة الثوب السنة إذا لبس وامتهن بعلم صاحبه، وإليه والسنتان، والثلاثة في الدواب، والإماء إذا كانت الدواب تركب وتكرى، وبه قال أصبغ في "كتاب ابن حبيب"، ويقول أصبغ: قال ابن أبي زمنين، وهو أقرب للمذهب.
واختلف في الورثة، والأشراك هل حكمهما في ذلك حكم الأجانب أم لا، على قولين:
أحدهما: أن حكمهم في ذلك واحد، وإنهم يستحقونها بحيازة عشر سنين، وهو قول عيسي بن دينار.
والثاني: أن الورثة والأشراك لا يستحقونها إلا بزيادة على عشر سنين باجتهاد الحاكم، وهو قول مطرف وأصبغ.
فإن تداعوا فيه قبل عشر سنين: حلف المحاز عليه مع بقاء ذلك عند الحائز، فيبقى على حقه.
فإن فوت الحائز هذه الأشياء ببيع، أو هبة، أو بصدقة، أو صداق، أو عتق، أو إيلاد قبل انقضاء أمد الحيازة: فلا يخلو من أن يبادروا بالإنكار عليه من حين علمهم، فإن تراخوا عنه، فإن تبادروا بالإنكار في الحال من غير تراخ: فلهم رد البيع، والعتق، والصدقة، والإصداق فإن لم يبادروه بالإنكار إلا أنهم قاموا بالقرب: فلهم الثمن في البيع والقيمة في العتق والإيلاد بعد أن يحلفوا أنهم ما سوغوه ذلك ولا تركوه إلا ليأخذوا الثمن أو القيمة.
[ ٨ / ١٥٤ ]
والهبة والصدقة والإصداق مردودة أيضًا بعد أيمانهم أنهم ما تراضوا عن القيام بنفس العلم إلا للتدبير والتبري في إقامة الحجة، وهذا تفسير ما وقع لمطرف في "الواضحة".
فإن توانى عن الإنكار مدة طويلة يفهم منها إسقاط الحجة، وتسلم الشيء لحائزه وتسويغ فعله: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب أن ذلك يدل على أن الملك للحائز، وأن المحاز عليه قد انصرم ملكه من الشيء المحوز، وأما الأصول فلا يستحقها بحيازة الغلة، ويصدقون أنهم وكلوه على الغلة مع أيمانهم أو أنهم ساغوا له بالغلة خاصة دون الأصل [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٨ / ١٥٥ ]
كتاب المديان
[ ٨ / ١٥٧ ]