تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها أربع مسائل:
المسألة الأولى في جواز الهبة، والصدقة، وافتقارها إلى الحوز
أما الحوز: فلا خلاف بين العلماء في جواز الهبة، والصدقة [التي] (١) لغير ثواب، وإن اختلفوا في بعض أحكامهما.
وأما افتقارهما إلى الحوز، فلا خلاف في مذهب مالك أنها تلزم بالقول، ومن تمامهما القبض، والحوز عنده من تمام الهبة لا من شروط صحتها.
والحوز يختلف باختلاف الشيء المحاز؛ على ما سنفصله، ونحصله تحصيلًا لم يسبق إليه؛ فنقول -وبالله التوفيق: لا يخلو الواهب من أربعة أوجه:
أحدها: أن يهب ما في حوز غيره.
والثاني: أن يهب ما في ملكه وتحت يده.
والثالث: أن يهب ما في حوز الموهوب له.
والرابع: أن يهب له ما في ذمته، أو في ذمة غيره.
فأما الوجه الأول: إذا وهبه ما في حوز غيره، فلا يخلو من أن يعلم ذلك الموهوب له، أو لم يعلم.
فإن علم بذلك، فلا يخلو من هو في حوزه من أن يقبضه على معنى
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٩ / ٣٦١ ]
اقتطاع ملك مالكه، أو على غير اقتطاع الملك.
فإن قبضه على معنى اقتطاع ملك الغاصب، هل يكون حوزه حوزًا للموهوب له أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن حوزه له حوز، وهو قول أشهب، واختيار ابن المواز.
والثاني: أن حوزه لا يكون حوزًا للموهوب له، وهو قول ابن القاسم، ورواه ابن حبيب عن أصبغ أيضًا.
ووجه قول أشهب: أن الغاصب لما كان ضامنًا لما غصبه بوضع يده عليه؛ فصار ذلك كَدَيْن [عليه] (١) فيجوز بالإشهاد؛ إذ هو غاية المقدور.
ووجه قول ابن القاسم: أن يد الغاصب مانعة للشيء الموهوب، فلم تصح فيه الحيازة للموهوب له كما لو كان تحت يد الواهب.
فإن كان قبضه إياه على غير اقتطاع الملك، فلا يخلو من أن يقبضه لمنفعة مالكه على الخصوص أو يقبضه لمنفعة يستوفيها منه.
فإن قبضه لمنفعة مالكه على الخصوص كالوديعة، هل يكون حوز المودع حوزًا للموهوب له أم لا؟
فلا يخلو من أن يعلم [المودع] (٢) بذلك أو لم يعلم.
فإن علم بالهبة، فحوزه حوز الموهوب له قولًا واحدًا في المذهب.
وإن لم يعلم ففيه قولان:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ٣٦٢ ]
أحدهما: أن حوزه لا يكون حوزًا له، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن حوزه له حوز، وهو قول [الغير] (١).
فإن قبضه لمنفعة يستوفيها منه، فلا يخلو من أن تكون مما يستوفيه من عينه أو تكون مما يستوفيه من منافعه.
فإن كانت مما يستوفيه من عينه على وجه كالرهن، هل يكون حوز المرتهن حوزًا له أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من المدونة:
أحدها: أن حوزه له حوز.
والثانى: أن حوزه لا يكون حوزًا له [جملة] (٢).
والثالث: التفصيل بين أن يعلم بذلك المرتهن؛ فيكون حوزه حوزًا للموهوب له، أو لا يعلم؛ فلا يكون حوزه له حوزًا.
والأقوال الثلاثة قائمة من "المدونة" من "كتاب الرهون"، و"كتاب الهبة".
فإن كانت مما يستوفيها من منافعه مع بقاء عينه، فلا يخلو من أن يكون ذلك بِعِوَض أو بغير عِوَض.
فإن كان ذلك بِعِوَض كالإجارة، فالمذهب فيها على قولين:
أحدهما: أن حوز المستأجر لا يكون حوزًا للموهوب [له] (٣)، وهو قول ابن القاسم.
_________________
(١) في ب: غيره.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٩ / ٣٦٣ ]
والثاني: أن حوزه له حوز، وهو قول أشهب.
وهذا كله إذا لم يهب له الإجارة مع الرقبة.
وأما لو وهبها معها لكان كالعارية، وسيأتي الكلام عليها.
ووجه قول ابن القاسم [أن الإجارة] (١) لما كان الواهب هو المستوفي لكراء المنافع، فكأن يده باقية على المنافع، فلم يجز ذلك الموهوب؛ لبقاء يد الواهب على المنافع التي هي المقصود من الأعيان.
ووجه قول أشهب: أن يد الواهب لما ارتفعت عن الشئ الموهوب ملكًا وحوزًا كان حوز المستأجر حوزًا للموهوب له.
فإن كان ذلك بغير عوض كالمخدم، والعارية، فالمذهب فيه على أربعة أقوال:
أحدها: أن حيازة المخدم، والمستعير حوز للموهوب له جملة بلا تفصيل، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن حوزه ليس بحوز له جملة. وهذا أحد الأقاويل في رهن فضلة الرهن.
والثالث: التفصيل بين أن يعلم الحائز بالهبة، أو لا يعلم؛ فإن علم بذلك ورضى أن يجوز للموهوب له، [فحوزه له جائز] (٢)، وإن لم يعلم بالهبة، فلا يجوز حوزهما له، وهو قول ابن القاسم في المودع، وأحد القولين في رهن فضلة الرهن في "كتاب الرهون" من "المدونة".
والرابع: التفصيل بين أن تقدم الخدمة، والعارية على الهبة ثم لا
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ٣٦٤ ]
يكون حوزهما حوزًا له، فإن تأخرت الخدمة عن الهبة، أو كان ذلك كله في مرة واحدة، فحوزهما حوز للموهوب له، وهو قول ابن الماجشون.
فإن لم يعلم الموهوب له بالهبة حتى مات الواهب هل يكون حوزه من ذلك الشيء بيده حوزًا أو لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه حوز، وهو قول أشهب.
[والثاني: أنه لا يكون حوزه حوزًا، وهو قول ابن القاسم. وقول أشهب] (١) مثل قول مالك في "المدونة" في الذي وهب لغائب، وبعث ذلك إليه، وأشهد ثم مات الواهب قبل الوصول.
وأما الوجه الثاني: إذا وهب له ما في ملكه، وتحت يده فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن [تكون] (٢) الهبة حاضرة مع الموهوب له، أو غائبة عنه.
فإن كانت حاضرة، فلا يخلو من أن تكون مما لا ينقل، ولا يحول كالأرضين، والأصول الثابتة، أو يكون مما ينقل ويحول، كالعروض والحيوان، [فإن كانت مما لا ينقل، ولا يحول كالأرضين والأصول الثابتة، فأما الأرضون، فإنها على ضربين:
أحدهما: أن تكون من الأرض التي لا عمل فيها.
والثاني: أن تكون من أرض [الزراعة] (٣) والعمل.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: الزرع.
[ ٩ / ٣٦٥ ]
فأما الضرب الأول: فإن الإشهاد فيه على قبول الموهوب له، ورضاه بهبته، والمشي إليها، والوقوف على حدودها يقوم مقام الحيازة، ويكتفي به كالدَّين على السواء، وذلك غاية المقدور عليه، وهو قول أصبغ في "كتاب ابن حبيب".
وأما الضرب الثاني: إذا كانت من أرض العمل، فلا يخلو من أن يكون ذلك في إبان العمل، أو قبل إبانه.
فإن كانت الهبة في إبان العمل، فلا يخلو الموهوب له من أن يتمكن من عمله، أو لا يتمكن منه.
فإن تمكن من عمله، وترك القبض والحوز حتى مرض الواهب، أو مات، أو فلس.
فأما الموت والتفليس: فإن ذلك مما يبطل الهبة قولًا واحدًا في المذهب.
وأما المرض، فهل يمنع الموهوب له من قبضها وحوزها أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن [المرض] (١) يمنعه من حوزها وقبضها، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أن المرض لا يمنعه من قبضها إذا طلب ذلك، ويقضي له [بأخذها] (٢) من الثلث إذا حمله، وإلى هذا القول أشار ابن المواز في كتابه، ويظهر من قول أشهب أيضًا؛ لأنه قال: يقضي له الآن بثلثها، وهو القول الثالث، وقال: لا أرى قول من قال: يحوز كلها من الثلث،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: بقبضها.
[ ٩ / ٣٦٦ ]
ولا قول من أبطل جميعها.
واتفقوا على أنه إذا صح من مرضه أن الموهوب له يمكن من قبض هبته، ولا فرق بين أن يكون الموهوب [له] (١) وارثًا أو غير وارث.
وسبب الخلاف: قوة التهمة وضعفها؛ فمن راعى قوة التهمة منع من القبض، كما يمنع منه في الموت والمرض من أسباب الموت؛ إذ لو جاز ذلك لو شاء أن ينتفع بماله حتى يمرض فيعريه عن وارثه، ويقول: تصدقت بكذا، أو وهبت كذا؛ فمنع ذلك سدًا للذريعة.
ومن ضعف التهمة في ذلك قال بخروج جميع الهبة من الثلث، كما ولو وهب ساعتئذ؛ إذ له التصرف في ثلث ماله، وهو قول أشهب [ذهب إليه] (٢) استحسانًا، وتوسطًا بين القولين.
فإن لم يتمكن من قبضها، والعمل فيها، فلا يخلو من أن يكون المانع من قبله أو من قبل الواهب.
فإن كان المانع من قبله، فلا يخلو من أن يكون عجز عن الآلة الخدمة مع قدرته على أن يساقي غيره أو يكري منه، أو يعجز عن الآلة، والخدمة، وعن الكراء، والمساقاة.
فإن كان عجزه عن العمل، وعن آلة الخدمة، أو كان قادرًا على العمل، وعجز عن الآلة، فإنه يكري أو يساقي، أو يرفق [غيره] (٣) ويتم له الحوز.
فإن لم يفعل شيئًا من ذلك حتى مات الواهب أو فلس، فالهبة باطلة.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٩ / ٣٦٧ ]
فإن عجز عن العمل والآلة وعن جميع ما ذكرنا بكل وجه، فإن الهبة هاهنا ماضية، والإشهاد في ذلك يجزئ، ولو قامت أعوامًا كهبة الديون ما لم ينتفع بها الواهب، وهي رواية يحيى بن يحيى عن ابن القاسم، وبه قال أصبغ.
فإن كان المنع من قبل الواهب، فلا يخلو الشيء الموهوب من أن يكون قائمًا بيده أو أخرجه من يده.
فإن كان قائمًا بيده كان للموهوب له مخاصمته، ومطالبته، والسعى في التمكين، والقبض جهده.
فإن أثبت على الواهب، هل يكون الحكم كالقبض والحوز أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه كالحوز، وللموهوب له قبضها بعد موت الواهب، وهو قول مطرف، وأصبغ.
والثاني: أن الحكم لا يكون حوزًا، وأنه إن مات قبل أن يقبضها الموهوب له، فلا حق له فيها، وهو قول ابن الماجشون في "الواضحة".
فإن أخرجها من يده، فلا يخلو من أن يخرجها بعوض أو بغير عِوَض.
فإن كان ذلك بعوض مثل أن يبيعها، أو يخرجها بغير عوض مثل أن يهب للثاني أو يعتق إن كان عبدًا، فقد قدمنا الكلام عليه في مسألة مفردة في "كتاب العتق الثاني" بما لا مزيد عليه هاهنا.
وأما الدُّور فلا يخلو الواهب من أن يكون فيها ساكن أو غير ساكن.
فإن كان فيها ساكنًا، فإنه يؤمر بالخروج منها وتفريغها للموهوب له.
[ ٩ / ٣٦٨ ]
فإن سكن البعض، وحوز البعض، فالهبة صحيحة فيما حازه اتفاقًا قليلًا كان أو كثيرًا، ويبطل فيما سكن، وسواء سكن فيها باكتراء أو [إرفاق] (١) أو إعمار وأيّ وجه كان، فإن ذلك يمنع الحيازة؛ إذ لا يصح فيها قبض، ولا حيازة مع سكنى الواهب لها إلا أن يكون الواهب زوجة الموهوب له، فتمادت على السكنى مع زوجها فيها، فإن ذلك لا يمنع صحة الحيازة؛ لأن السكنى على الزوج.
فلو كان الزوج هو الواهب لزوجته دار سكناهما، فسكنها معها لمنع ذلك صحة الحوز؛ لبقاء يد الواهب على الهبة وانتفاعه بها.
وهذا كله قول ابن القاسم في "العتبية"، فإن كان الواهب ساكنًا فيها، أو في غيرها ففرغها، ومكن الموهوب له من حوزها، فإن فعل فيها ما يدل على الحوز صحت له الهبة؛ مثل أن يسكن فيها أو يكريها من [غيره] (٢) أو يسكن فيها من شاء بأيّ وجه شاء، أو أخذ مفاتيحها، وأغلقها؛ فإن ذلك حيازة تصح بها الهبة للموهوب في حياة الواهب، وصحته، ولو لم يعمل فيها عملًا، ولا أذن إليها بوجه، وتركها مهملة غير مغلقة، ولا انتفع بها بوجه من الوجوه حتى مات الواهب أو مرض لكان حكمها حكم الأرض التي لم يزرعها في إبان زراعتها حتى مرض الواهب أو مات، فإن الهبة فيها باطلة.
فإن حازها الموهوب له ثم رجع إليها الواهب، فسكنها حتى مات فيها، فذلك يختلف.
فإن كان سكناه إياها على وجه الاستخفاء مثل أن يخاف من سلطان أو من غريمه، فيختفي عنده فمرض فيها، ومات، فإن ذلك لا يبطل الحيازة
_________________
(١) في أ: ارتفاع.
(٢) في أ: غيرها.
[ ٩ / ٣٦٩ ]
-قرب الزمان أو بعد- وإن كان بعد حيازة الموهوب له بيوم؛ لأن هذا ليس بسكنى على الحقيقة، وهو قول مطرف، وابن الماجشون في "الواضحة"، وقاله ابن المواز.
فإن كان سكناه إياها على وجه السكنى [باكتراء] (١) أو إرفاق، فلا يخلو من أن يرجع إليها بعد المدة القريبة أو بعد طول مدة.
فإن رجع إليها بعد قرب المدة، فالهبة باطلة باتفاق المذهب.
فإن رجع إليها بعد طول المدة كالسنة، ونحوها وسكنها حتى مات فيها، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا [يبطل] (٢) الهبة، وهذا القول رواه ابن المواز عن مالك في كتابه.
والثاني: أن الهبة باطلة، وهي رواية ابن حبيب عن مطرف، وابن الماجشون في "الواضحة".
ووجه قول ابن المواز: أن الموهوب له لما كان مالكًا أمره، وحاز لنفسه حيازة بينة مدة تنتفي فيها التهمة وصحت له الهبة؛ فلا يضره ما حدث بعد ذلك من سكنى الواهب بأمر الموهوب له كما لو أسكن فيها غيره.
ووجه القول الثاني: أن رجوع الواهب فيها، وسكناه فيها حتى مات يبطل الحيازة.
أصل ذلك إذا كان الموهوب له صغيرًا، أو حاز له أبوه ما وهب له، ثم رجع الأب إليها قبل بلوغ الصغير ورشده، فسكن فيها حتى مات [فإن] (٣) ذلك يبطل الهبة باتفاق المذهب.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: ينقل.
(٣) في أ: أن.
[ ٩ / ٣٧٠ ]
وأما الأصول الثابتة في الأرض كالنخيل وغيرها، فلا تخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يهب الأصل دون الثمرة.
والثاني: أن يهب الثمرة دون الأصل.
والثالث: أن يهب النخل هبة مطلقة.
فإن وهب الأصل، واستثنى ثمره عشر سنين، فالهبة صحيحة، والثمرة للواهب كالبيع، وحوز الموهوب له قبض النخل، والسقي، والعلاج في مال الواهب، ويكون الموهوب له هو المتولي لذلك إما بنفسه، أو بأجير يستأجره.
ولو كان الواهب هو المتولي للسقي والعلاج حتى فلس أو مرض لبطلت الهبة، وسواء كان فيها [الثمرة] (١) في حين الهبة أم لا.
فإن وهب الثمرة دون الأصل في عام أو أعوام، فإن ذلك جائز من غير اعتبار بحال الثمرة إن كانت موجودة في حين الهبة أو غير موجودة؛ لأن [هبة] (٢) الغرر والمعدوم الذي يصح وجوده عندنا جائزة، وحوزها أن يقبض الأصول ويحوزها، ويمنع الواهب من التصرف فيها.
فإن وهب الأصول هبة مطلقة، وفيها ثمرة مأبورة أو غير مأبورة، فإن كانت مأبورة، فهي للواهب كالبيع، وإن كانت غير مأبورة أو لا ثمر فيها أصلًا، فهي للموهوب له بغير شرط.
فإن تصرف الموهوب له في الهبة قبل القبض بما لا يتصرف فيه إلا
_________________
(١) في أ: الثمر.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ٣٧١ ]
المالكون؛ مثل أن يبيعها [قبل أن] (١) يقبضها من الموهوب له، فلم يقبضها المشتري حتى مات الواهب، هل يكون [للبائع] (٢) حيازة، ويمكن المشتري من قبضها أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن البيع حوز، وهو قول مطرف، وابن الماجشون.
والثاني: أن البيع ليس بحوز، وهو قول أصبغ.
والأشبه أن ذلك حوز، لأن يد الموهوب له ارتفعت، وقابض الهبة هاهنا من الواهب إنما هو مشترٍ غير محتاج إلى حيازة.
ولو وهبها الموهوب له قبل القبض، ثم مات الواهب قبل أن يقبضها الموهوب الثاني، هل تكون الهبة حوز أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن الهبة حوز، وهذا القول رواه ابن حبيب عن مالك.
والثاني: أنها لا تكون حوزًا، وهو قول ابن القاسم، ومطرف، وابن الماجشون، وهو الأظهر؛ لأن الهبة لا تستغني عن الحيازة في نفسها، فلم يعين غيرها من الهبات.
وأما الوجه الثاني: إذا كانت الهبة مما ينقل، ويتحول كالعبيد، والحيوان، وسائر العروض، فوجه الحيازة في ذلك أن يقبضه [الموهوب له] (٣) من يد الواهب، ويمنعه من استعماله، والانتفاع به، ويستبد الموهوب له بجميع منافعه، واستعماله، واستخدامه إن كان عبدًا، أو أمة، فمهما شاركه الواهب في الاستعمال بطل الحوز بلا خلاف إلا إذا تقررت الحيازة،
_________________
(١) في أ: أو.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٩ / ٣٧٢ ]
واستمر الملك للموهوب له، فلا يضره خدمته للواهب كما قلنا في سكنى الدار، إلا في وجه واحد، فإن المذهب [اختلف] (١) فيه بالجواز، والكراهة؛ وهو رجل تصدق على زوجته بخادم، وهي معه في البيت يخدمها كخدمتها لحال ما كانت قبل الهبة، أو وهبت هي له خادمها أو متاعًا من البيت، فأقام ذلك على حاله بأيديهما: فروى ابن القاسم عن مالك أن ذلك جائز، وهو قوله في "العتبية" و"الموازية"، وروى عنه أشهب في الكتابين إذا أشهد لها بالخادم، فتكون عندهما على الصفة الأولى، أو أشهدت له بخادمها كذلك، فذلك جائز مع الكراهة في ذلك.
وأما الوجه الثاني: إذا كانت [الهبة] (٢) غائبة، أو كان الواهب، والموهوب له غائبًا.
فإن كانت الهبة غائبة، فلم يقبضها الموهوب له حتى [مات] (٣) الواهب، فلا يخلو من أن يهب لابنه الصغير، أو الكبير، أو أجنبي.
فإن وهب للصغير، فالجواز اتفاقًا.
وإن وهب للكبير أو لأجنبي، فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أن الهبة باطلة فرط الموهوب له في الخروج أو لم يفرط، وهو قول ابن القاسم في "العتبية" و"الموازية".
والثاني: أنه إذا خرج لقبضها، فالهبة جائزة له سواء فرط أو لم يفرط، قبضها بعد موت الواهب أو قبله، وهو ظاهر قول ابن عبد الحكم في
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: الصدقة.
(٣) في أ: يأتي.
[ ٩ / ٣٧٣ ]
العتبية؛ لأنه حكى عن مالك فيمن تصدق على ابنه البالغ [بدار] (١) في غير بلده، وأمر من يحوزها له، فمات الأب قبل أن تحاز أنها جائزة؛ بل ظاهر كلامه أن الهبة جائزة له إذا أمر له بحوزها، وإن مات قبل أن يخرج.
والثالث: التفصيل بين أن يفرط في الخروج، فلا تصح له الهبة، أو لا يفرط، يصح له قبضها قبل موت الواهب أو بعد أن علم بموته، أو لم يعلم، وهو على التفريط حتى يثبت أنه لم يفرط، وهو قول ابن الماجشون، وابن كنانة في "العتبية"، و"الواضحة"، وهو أحد قولي مالك.
والرابع: التفصيل بين أن يقبض، وقد علم بموت الواهب، وقد بادر بالخروج، ولم يفرط فتبطل الهبة، وإن قبضها بعد موت الواهب بأيام، ولم يعلم بموته إلا بعد القبض، فإن الهبة صحيحة جائزة له، وهو استحسان مطرف على ما حكاه عنه ابن حبيب.
فلو تصدق عليه بعبده الآبق، فخرج في طلبه، فلم يجده إلا بعد موت المتصدق كان فيه قولان:
أحدهما: أن الصدقة نافذة؛ لأنه لم يكن بيد المعطي، فالإشهاد فيه، وطلب المعطي إياه كالحوز، وكالدين، وهو قول عبد الملك في "الواضحة".
والثاني: أن الصدقة باطلة، وهو قول ابن القاسم في الأرض، والدار الغائبة.
فإن كان الموهوب له غائبًا، فمات الواهب قبل وصول الهبة إلى الموهوب له، فهل تنفذ له الهبة أم لا؟
فلا يخلو من أن يشهد على ذلك أو لم يشهد.
فإن شهد على ذلك، هل يصح للموهوب له أم لا؟
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٩ / ٣٧٤ ]
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الهبة له نافذة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في الذي بعثه لرجل، ثم مات الباعث قبل وصولها إلى المبعوث، وهو قوله فيما يشتري من الهدايا من الحج وغيره لأهله وأولاده.
والثاني: أن ذلك باطل إذا مات الواهب قبل الحيازة، وهو قول ابن القاسم في "العتبية"، وإن شهد على ذلك.
وسبب الخلاف: الإشهاد، وعدم التفريط هل يقوم مقام الحوز مع تعذر الحوز أم لا؛ قال مالك في "العتبية" فيمن تصدق في سفره على امرأته وابنته، وليسوا معه بعبد، والعبد يخدمه، ومات السيد قبل أن يخدم، فإن أشهد على الإنفاذ من يعرف المرأة والابنة، فذلك نافذ، وإن أشهد هكذا من لا يعرفهما؛ فلا أدري ما [هكذا] (١) فانظر قوله من يعرفهما ما فائدته؟
فإن لم يشهد على ذلك، وإنما كان يذكر للعدول عند الشراء من غير أن يقول لهما: اشهدوا علي بذلك، ففيه قولان:
أحدهما: أنه يرجع لورثة الواهب، ولا شيء فيه للموهوب له، وهي رواية أشهب عن مالك في "الموازية".
والثاني: أن الهبة نافذة للموهوب له، وهو قول ابن القاسم فيما حكاه عنه ابن عبد الحكم في "الموازية" في الذي قال: ادفعا ذلك إلى فلان؛ فإني وهبته ذلك فهي شهادة، وإن لم يقل: اشهدوا علي، وهو ظاهر المدونة من غير ما موضع.
_________________
(١) في أ: هذا.
[ ٩ / ٣٧٥ ]
فإن مات الموهوب له قبل وصول الهبة إليه، هل يكون ميراثًا لورثة الواهب أو لورثته الموهوب له؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك يرجع إلى ورثة الواهب، وهو نص ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: [أنه] (١) يرجع إلى ورثة الموهوب له، وهو قوله في غير [المدونة من] (٢) غير ما موضع أن ورثة الموهوب له، والموصى له يقوم مقام [موروثه] (٣). وهو نص قوله في كتاب ابن المواز.
وقد اختلف أصحابنا المتأخرون في تأويل ما وقع في المدونة، فمنهم من قال: إن ذلك اختلاف قول لخروجه [عن] (٤) القانون المستقر، والمنهاج المستمر.
ومنهم من قال: إن ذلك اختلاف حال؛ مثل أن يقول الواهب: إنما تصدقت بها صلة للمبعوث إليه بعينه إن وجد حيًا فيصدق؛ إذ لا يلزمه إلا ما أقر به من معروفه.
ومنهم من قال: إن ذلك اختلاف سؤال، وإن الفرق بين المسألتين أن الغائب في هذه المسألة لم [يحصل] (٥) منه قبول، فيخرج من هذا أن عدم القبول [يفسد] (٦) الهبة، ويبطلها، وإن كان الواهب حيًا.
_________________
(١) في أ: أن.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: موروثهم.
(٤) في أ: من.
(٥) في أ: يصح.
(٦) في ب: بعد.
[ ٩ / ٣٧٦ ]
وأما الوجه الثالث من أصل التقسيم: إذا وهبه ما في حوز الموهوب له: فلا يخلو ما في يده من أن يكون قبضه لمنفعة الواهب خصوصًا، أو لمنفعة القابض.
فإن قبضه لمنفعة الواهب خصوصًا كالوديعة، فلا يخلو من أن يقبل المودع الهبة أم لا.
فإن قال: قد قبلت، فالهبة نافذة اتفاقًا.
فإن لم يقل: قبلت، حتى مات الواهب، هل يكون قبضه حوزًا للهبة أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يكون حوزًا إلا بمقارنة القبول نطقًا، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن ذلك حوز لها، وهو قول غيره.
والقولان في "المدونة" في "كتاب الهبة".
فعلى قول ابن القاسم أن الهبة تفتقر إلى المبادرة بالقبول على الفور، فإن افترقا قبل أن يقبل فلا قبول له بعد ذلك كالبيع الذي يفتقر إلى الإيجاب، والقبول [على] (١) الفور.
فإن قبضه لمنفعة نفسه خصوصًا كالمخدم، والعادية، فإن قبضه حوزًا له؛ لأنه يستخدم ومال الرقبة له.
واختلف في الإجارة على قولين:
وأما الوجه الرابع: إذا وهبه ما في ذمته أو ما في ذمة غيره من الديون، وأرش الجنايات، فما كان له ذكر حق، فحوزه قبض الذكر الحق، وما ليس فيه ذكر الحق، فحوزه القبول والإشهاد، وذلك غاية المقدور، ولا خلاف -أعلمه- في المذهب في هذا الوجه [والحمد لله وحده].
_________________
(١) في أ: في.
[ ٩ / ٣٧٧ ]
المسألة الثانية في هبة الأب لابنه الصغير وحوزه له
ولا تخلو الهبة من أن تكون مما لا يحول ولا ينقل، أو تكون مما ينقل ويحول.
فإن كانت مما لا ينقل ولا يحول كالدور، والأرضين، فلا يخلو الأب من أن يتولى حوز ذلك لنفسه أو جعله بيد من يحوزه.
فإن تولى الأب حوزه لنفسه، فلا تخلو الهبة من أن تكون خالصة لابنه، أو تكون مشاعة.
فإن كانت مشاعة، فلا تخلو من أن تكون مشاعة بينه، وبين الأب، أو تكون مشاعة بينه، وبين الموهوب له آخر من أخ كبير، أو أجنبي.
فإن كانت الهبة مشاعة بينه وبين غيره من أخ كبير أو أجنبي، فلا تخلو من أن تحاز جميع الهبة عن الأب، أو بقيت في يده.
فإن حيزت عنه، وصارت في حوز الكبير من أخ أو أجنبي، فالهبة نافذة للصغير وغيره قولًا واحدًا.
وإن بقيت في يد الأب، فالحوز في حق الكبير باطل.
وهل يصح في [حق] (١) الابن الصغير أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن الهبة باطلة في حق الصغير، والكبير، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
_________________
(١) في ب: حوز.
[ ٩ / ٣٧٨ ]
والثاني: أن الهبة جائزة في حق الصغير بحوز الأب له، وباطلة في حق الكبير لعدم الحوز، وهي رواية عليّ بن زياد، وابن نافع عن مالك.
والقولان منصوصان في "كتاب الهبة" من "المدونة".
وينبني الخلاف: على الخلاف في هبة الجزء المشاع؛ فمن جوزها قال بنفوذ سهم الصغير من الهبة؛ لكونه في حوز الأب، ويده على جميع الهبة، ومن منعها قال ببطلان الحوز في سهم الصغير؛ لكون سهم الصغير غير متميز حتى يصح فيه حوز.
وهل الحبس كالهبة [حوز] (١) سهم الصغير في أحد القولين أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن الحبس كالهبة في جريان الخلاف في سهم الصغير.
الثاني: أن الحبس بخلاف الهبة [وأن الخلاف لا يدخل في الحبس] (٢).
وينبني الخلاف فيه: على الخلاف في الحبس، هل تجوز فيه القسمة أم لا؛ فعلى القول بجواز قسمته صار كالهبة والصدقة، وعلى القول بأن الحبس لا يقسم خالف الهبة، والصدقة؛ لأن الهبة والصدقة مملوكة الرقبة للموهوب له، والحبس غير مملوك الرقبة، وإنما تقسم غلته على المحبس عليهم.
والقولان في قسمة الحبس في "كتاب الحبس" [و"الهبة"] (٣) من "المدونة"، وقد نص في "كتاب الهبة": أن الحبس لا يقسم، ولا يملك أصله.
_________________
(١) في أ: جواز.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: والصدقة.
[ ٩ / ٣٧٩ ]
فإن كانت الهبة مشاعة بينه، وبين الأب مثل أن يهب له الأب نصف داره أو نصف عبده، فحاز ذلك الأب، وصار بيده حتى مات قبل أن يبلغ الصغير ويرشد أو جعل الباقي للسبيل، فهل ينفذ من ذلك حق الصغير أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الهبة نافذة في حق الصغير، وحوز الأب له حوز؛ لأن يده على الجميع، ولا يضره شياع ذلك مع غيره، وهو قول ابن القاسم، وأشهب في "الموازية"، و"العتبية".
والثاني: أن الهبة باطلة في حق الصغير، والسبيل وهو قول أصبغ.
ووجه القول الأول: أن قبض الأب لا يؤثر فيه المشاع، وأنه صحيح كصحته في الشيء المنفرد.
ووجه القول الثاني: أن قبضه الجزء المشاع لابنه وباقيه له، أو راجع إليه لا يصح؛ لأنه لا يتميز ما يقبض لابنه مما أبقاه على ملكه.
وحكى القولين القاضي أبو محمد عبد الوهاب في "المعونة".
فأما إن كانت الهبة خالصة للابن، مثل أن يهب له دارًا بعينها، فلا يخلو الأب من أن يكون ساكنًا فيها، أو في غيرها.
فإن كان ساكنًا في غيرها، فالهبة نافذة للابن بحوز الأب قولًا واحدًا في المذهب، ويكتفي في ذلك بالإشهاد على الهبة، والإعلان بها، وإن كان الأب يحرث [الأرض] (١) ويستعمل غيرها، وهو قول ابن القاسم وغيره من أصحاب مالك، كما قال عثمان بن عفان - ﵁ -
_________________
(١) في أ: الإرث.
[ ٩ / ٣٨٠ ]
[حكاه عنه] (١) الحفيد في "كتاب النهاية".
ولا يحتاج إلى الإشهاد وعلى [إبراز] (٢) الغلة برسم الولد، فإن فعل ذلك فهو أحسن، وإن لم يفعل، فلا حرج.
ولا فرق في ذلك بين الدار وغيرها في جميع ما يصح فيه حوز الأب لابنه الصغير.
فإن كان الأب فيها ساكنًا حتى مات، فلا يخلو من أن تكون سكناه في جميع الهبة أو بعضها.
فإن سكن في جميع الدار وأشغل جميع أرجائها لحق نفسه، فالهبة باطلة قولًا واحدًا.
فإن سكن في بعضها، وحاز البعض للولد.
فإن سكن النصف، وحاز النصف بطل ما سكن، وصح ما لم يسكن، ولم أر في هذا الوجه نص خلاف.
وإن سكن الأكثر وحاز الأقل أو سكن الأقل وحاز الأكثر؛ فأما الأكثر فلا خلاف أنه يمضي إن حيز، ويبطل إذا لم يحز، واختلف في القليل على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الأقل تبع للأكثر في الحبس والصدقة، وهو قول ابن القاسم، وأشهب.
والثاني: أن الأقل له حكم نفسه؛ فيصح إن حيز، وإن قلّ ويبطل الباقي، وإن سكنه بطل، ويصح الأكثر المحاز، ولا فرق بين الصدقة والحبس.
_________________
(١) في أ: حتى عند.
(٢) في أ: إقرار.
[ ٩ / ٣٨١ ]
والثالث: التفصيل بين الصدقة والحبس، فالأقل تبع للأكثر في الحبس، وأما في الصدقة فالأقل معتبر في نفسه، وهو قول عبد الملك.
وسبب الخلاف: [اختلافهم] (١) في الأتباع هل تراعى أم لا تراعى؛ فمن راعاها أعطاها حكم نفسها، ومن لم يراعها أعطاها حكم المتبوع.
فأما إن جعل ذلك الأب بيد من يحوزه للولد إلى أن يبلغ مبلغًا يحوز فيه لنفسه، ورفع يده عن الهبة ومكنها من الحائز، فذلك جائز باتفاق المذهب، وهو الأحسن من كونها بيد الأب؛ لأن ذلك موافق للأثر الوارد عن عمر - ﵁ - في قوله: ما بال رجال ينحلون أولادهم -وفي رواية: أبناءهم- نحلًا ثم يمسكونها، فإن مات ابن أحدهم قال: مالي بيدي لم أعطه أحدًا، ولو مات هو قال: لأني قد كنت أعطيته إياه من نحل نحلته إياه.
فكان حمل هذا الأثر على عمومه أولى، إلا أنا خصصناه بخبر عثمان - ﵁ -، وحملنا خبر عمر - ﵁ - على ما لا يعرف بعينه، ولا يتمكن فيه حيازة الأب كالدنانير والدراهم؛ على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله.
فإن تصدق على أن يحوز ذلك غيره، فأبقاها الأب في يده إلى أن مات، فالهبة باطلة [لأنه لم يكل ذلك إلى حوزه ولا أخرجها من يده، فإن جعلها في يد غيره، ثم ارتجعها فلا يخلو من أن يشهد على ذلك أو لم يشهد، فإن لم يشهد فالهبة باطلة] (٢).
وإن أشهد أني إنما ارتجعتها لأحوز لابني، هل يجوز ذلك أم لا؟
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ٣٨٢ ]
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك له.
والثاني: أنه ليس له ذلك إلا أن يظهر من الحائز ما يوجب إزالتها من يده.
وهذا الخلاف نقله التونسي.
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا كانت الهبة مما يحول وينقل: فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن تكون مما يعرف بعد الغيبة.
والثاني: أن تكون مما لا يعرف بعد الغيبة عليه.
فأما ما يعرف بعد الغيبة عليه كالحيوان، والثياب، وسائر العروض، فلا يخلو من أن يتصدق عليه منها بشيء بعينه، أو يتصدق عليه منها بجزء أو بعدد غير معين.
فإن تصدق عليه بشيء بعينه؛ مثل أن يتصدق عليه بمائة شاة معينة من غنمه أو بعدد معين من جملة الثياب، والرقيق، وجميع الحيوان، والعروض، فالهبة في ذلك جائزة، والحوز فيها [كالحوز] (١) في الدور والأرضين بالإشهاد، والإعلان، ولا يستعمل الأب شيئًا من ذلك لنفسه، فإذا ركب الدواب، ولبس الثياب بطلت الهبة؛ لعدم الحوز لما ظهر أنه إنما يستعمل لنفسه؛ إذ المراد من الثياب لبسها، والدواب استعمال ظهورها.
فإن تصدق عليه بجزء مشاع أو بعدد غير معين؛ مثل أن يتصدق بربع غنمه أو ثيابه، أو رقيقه، أو بمائة غير معينة، هل يجوز ذلك أم لا؟
فالمذهب على قولين:
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٩ / ٣٨٣ ]
أحدهما: الجواز كالمعين.
والثاني: المنع؛ لتعذر حوز ما تصدق به [لشيوعه] (١) في جملة ما لم تقع فيه الصدقة.
والقولان عن مالك في "العتبية"، و"الموازية".
فأما ما لا يعرف بعد الغيبة عليه كالدنانير، والدراهم، والمكيل، والموزون من المأكول، وسائر العروض؛ فأما الدنانير والدراهم، فإنه يخرجها من يده، ويجعلها على يدي غيره؛ فبذلك يصح حوزها، فإن لم يخرجها من يده، وتولى هو حوزها حتى مات، فلا يخلو من أن يختم عليها أو لا يختم.
فإن لم يختم عليها، فالهبة باطلة قولًا واحدًا، سواء عينها أم لا.
فإن ختم عليها بمحضر الشهود، أو ختموا عليها الشهود أنفسهم، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه باطل كما لو لم يختم عليها، وهو قول مالك في "العتبية"، وبه أخذ ابن القاسم، والمصريون من أصحابه.
والثاني: أن العطية نافذة، وبه أخذ مطرف، وابن الماجشون، والمدنيون من أصحاب مالك.
ووجه القول الأول: مراعاة أصلها كونها لا تتعين في العقود، فلا تصح فيها الحيازة مع بقائها بيد المعطي كالتي لم يختم عليها.
ووجه القول الثاني: أنها وإن لم تتعين بالعقد، فإذا تميزت بالختم عليها صحت الحيازة فيها، وهو الأظهر في النظر الصحيح.
_________________
(١) في أ: لإشاعته.
[ ٩ / ٣٨٤ ]
فإن استرجعها الأب من عند من وضعها على يده [فمات] (١) وهي في يده، فلا يخلو من أن يكون لعذر أو لغير عذر.
فإن كان لعذر كسفر أراده، فلا يخلو من أن يمضي لها مدة تكون في مثلها الحيازة أم لا.
فإن مضت مدة تكون في مثلها الحيازة، فقبض الأب جائز.
وهل يجوز له الانتفاع بها أم لا؟
فإنه يتخرج على قولين:
أحدهما: [جواز] (٢) الانتفاع [بها] (٣)، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "العتبية": "كالدار تُحاز ببينة مدة سنة"؛ فتشبيه ابن القاسم العين بالدار يفيد جواز الانتفاع بالعين بعد القبض، ولا يبطل ذلك الهبة إن مات الأب.
والثاني: أن ذلك يبطل الهبة، وهو ظاهر قول مالك في "الموازية" في الذي تصدق بمائة دينار على ابنه الصغير، وجعلها بيد غيره، ثم تسلفها الأب، فمات أن ذلك باطل. وهو ظاهر قول مالك أن بطلان الهبة لأجل الانتفاع بها لا لأجل الارتجاع بدليل الدين؛ لأنه قال فيما إذا وهب له دينًا في ذمة رجل ثم اقتضاه الأب أن ذلك لا يبطل الهبة.
فإن استرجعها قبل أن تمضي مدة تكون في مثلها الحيازة، فإن وضعها على [يد] (٤) غيره، فالهبة جائزة اتفاقًا، فإن حبسها عند نفسه، فإنه يتخرج على التفصيل، والخلاف الذي قدمناه بين أن يختم عليها، أو لا
_________________
(١) في ب: فهلك.
(٢) في أ: يجوز.
(٣) في أ: به.
(٤) في أ: يدي.
[ ٩ / ٣٨٥ ]
يختم.
فإن استرجعها لغير عذر، فلا يخلو من أن يسترجعها لينتفع بها أم لا.
فإن استرجعها ينتفع بها، وكان ذلك بعد مضي مدة تكون فيها حيازة، فإنه يتخرج على قولين:
فظاهر قول ابن القاسم الجواز.
وظاهر قول مالك المنع.
فإن استرجعها قبل مضي المدة، فالهبة باطلة بالاسترجاع، إذا مات وهي بيده قولًا واحدًا.
واختلف إذا وهب له دينًا في ذمة غيره ثم اقتضاه الأب، ولم ينتفع به، هل تبطل الهبة [أم لا] (١)؟ على قولين:
أحدهما: أن الهبة جائزة، ولا يبطلها قبضه؛ لأنه لم يشترط في أصل الهبة حوز من عليه دين، وهو قوله في "الموازية".
والثاني: أن قبضه يبطل الهبة، وهو قول أشهب، وابن وهب في "العتبية".
فأما المكيل والموزون من المأكول وغيره من سائر العروض، فلا يخلو من أن يضعها على يد غيره أو وضعها عنده.
فإن وضعها على يد غيره، فالهبة جائزة قولًا واحدًا.
وإن وضعها عند نفسه، فلا يخلو من أن يكون قد ختم عليه أم لا.
فإن لم يختم عليه، فلا خلاف في البطلان.
فإن ختم عليها ووضعها في موضع يمكن الإشهاد عليه؛ لتمييزه من
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٩ / ٣٨٦ ]
غيره، فقد اختلف أصحابنا في ذلك على قولين:
أحدهما: أنها كالدنانير والدراهم، وأن الخلاف الجاري فيها يجري في المكيل والموزون.
والثاني: أن الخلاف لا يدخلها، وأنها بعد التمييز، والإشهاد عليها تكون كالعبد والثوب، وهو قول أبي بكر الأبهري، ويحتمل أن يكون الفرق بينهما على هذا القول أن الدنانير، والدراهم لا تتعين في العقود، والمكيل والموزون من الطعام وغيره، فلا يتعين بالعقد، لكونه مرادًا لعينه.
فإن باع الأب ما تصدق به من دار أو غيره، هل ينتقض فيه البيع أم لا؟
فلا يخلو من أن يبيعه قبل الحوز [أو بعده، فإن باعه قبل الحوز] (١) مثل أن تكون دارًا فباعها قبل أن يخرج منها، فلا يخلو من أن يبيعها باسمه، أو باسم ولده أو جهل الأمر.
فإن باعها باسمه، فلا يخلو من أن يعثر على ذلك في حياته أو بعد مماته.
فإن عثر على ذلك في حياة الأب، فالبيع مردود.
وإن لم يعثر على ذلك حتى مات الأب، بطلت الهبة أو الصدقة.
فإن باعها باسم الابن أو جهل الأمر، فالصدقة جائزة والبيع نافذ، والثمن للابن سواء قبضه الأب أم لا. وهو قول أصبغ في "الواضحة".
والذي قاله فيه نظر؛ لأن الأب لا يخلو من أن يقبض الثمن أم لا.
فإن قبضه فكأنه تصدق بالعين، والأب لا يحوز العين على ما قدمناه من التفصيل، والتحصيل إلا على القول باعتبار الختم عليها
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٩ / ٣٨٧ ]
بالإشهاد، ويقال: إنه لما باع صار كأنه تصدق بالدين الذي في الذِّمة، فلا يضره أن يقبضه بعد ذلك على أحد القولين، وقد قدمناهما.
فإن لم يقبضه فيحمل على أنه تصدق عليه بدين في ذمة، والذمة حائزة [لما] (١) فيها، فإن باعها بعد الحوز، وخروجه منها، قال أصبغ: البيع مردود باع لنفسه أو لولده.
أما إذا باع لنفسه وباسمه، فالحق كما قال، وأما إذا باعها باسم الولد، فكيف يقول بانتقاض البيع، اللهم إلا أن يرى أن تصرف الأب في ماله ابنه الصغير كتصرف الوصي في تعقب نظر الحاكم فعليهما، وقد اختلف المذهب على قولين:
أحدهما: أن فعل الأب ماض وبيعه [لريع] (٢) ابنه الصغير جائز، ولا يتعقب فعله نظر، وهو المشهور من المذهب بخلاف الوصي.
والثاني: أن تصرفه فيما له بال من مال ولده بالبيع كبيعه ذلك من غير حاجة كتصرف الوصي يتعقبه النظر، وهو قول أصبغ في هذه المسألة، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب النكاح الأول" في وضع الأب من الصداق عند العقد وبعده [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) في أ: بما.
(٢) في أ: لرفع.
(٣) زيادة من ب.
[ ٩ / ٣٨٨ ]
المسألة الثالثة في اعتصار الهبة، ومن يجوز له أن يعتصر
ومعنى الاعتصار: الرجوع فيما وهب.
وقد اختلفوا في الجد والجدة، هل يعتصران أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن لهما الاعتصار كالأب، وهو قول أشهب، وابن عبد الحكم في "الموازية".
والثاني: عدم الاعتصار لهما، وهو قوله في الكتاب، وهي رواية ابن وهب عن مالك في "الموازية".
ولا خلاف في جوازه للأب على شروط سنذكرها، لقوله - ﷺ - في حديث طاوس: "لا يحل لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد" (١).
وهل يجوز قياس الأم على الأب أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الأم تقاس على الأب؛ فيجوز له الاعتصار، وهو مشهور المذهب، وهو قوله في "المدونة".
والثانى: أنها لا تقاس على الأب، وأنها لا يجوز لها الاعتصار، وهي رواية عن مالك على ما نقله الحفيد في "كتاب النهاية".
فإذا ثبت ذلك، فلا تخلو الهبة من أن تكون قائمة أو فائتة.
فإن كانت قائمة، فللأب الاعتصار مع سلامة الابن في ذاته وذمته.
_________________
(١) أخرجه الشافعي في المسند (٨٤٢)، والبيهقي في الكبرى (١١٧٩٥) مرسلًا.
[ ٩ / ٣٨٩ ]
فإن كان مشغول الذات [سليم] (١) الذمة مثل أن يكون مريضًا، فإن الأب يمنع من الاعتصار [لحق] (٢) من يرث معه، وكذلك إذا مرض الأب، فلا اعتصار له؛ لأنه إنما [يعتصر] (٣) لغيره كانتزاعه مال مدبره أو أمّ ولده.
فإن صح الأب أو الابن من ذلك المرض، هل يصح له الاعتصار؟ قولان:
أحدهما: أنه [لا] (٤) يصح له، وهو قوله في النكاح، والدين، وهو مذهب "المدونة"، وبه قال أصبغ، وابن حبيب.
والثاني: أن له أن يعتصر لزوال المانع، وهو قول قياسي، والأول نقلي، وهو قول ابن القاسم، والمغيرة، وابن دينار في "النوادر".
فإن كان الولد سليم الذات مشغول الذمة إما بالمداينة، وإما بوظيفة التزويج.
أما الابنة فلا اعتصار للأب فيما وهب لها إذا تزوجت قولًا واحدًا [لحجة] (٥) الزوج أن يقول: إنما تغاليت في صداقها لأجل مالها.
وأما الذكر ففيه قولان:
أحدهما: أن الأب يمنع من الاعتصار، وهو مذهب "المدونة".
والثاني: أن له الاعتصار، ولا يمنعه التزويج بخلاف الأنثى؛ لقدرة
_________________
(١) في ب: بتسليم.
(٢) في أ: بحق.
(٣) في ب: يعترض.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٩ / ٣٩٠ ]
الزوج على الخروج مما دخل فيه، وهذا نص قول ابن دينار في الواضحة، وما أدري ما وجه قوله؛ إذ لا يقدر على الخروج إلا بغرم؛ فأشبه ما لو تداين.
وأما مداينتهما، فإنها تمنع الأب الاعتصار قولًا واحدًا.
فإذا زال المانع، هل يعود الاعتصار إلى الأب؟
فالنقل أن الاعتصار لا يعود إليه، والقياس أن يعود إليه لزوال المانع.
وأما الأُم، فعلى القول بأنها تعتصر، فإنها كالأب في جميع ما ذكرناه في حياته.
وأما بعد مماته ففيه [تفصيل] (١) فإذا وهبته الأُم، ثم مات الأب قبل بلوغهم أو وهبتهم بعد موت الأب، فلا يخلو من أن يكونوا فقراء أو أغنياء.
فإن كانوا فقراء، فلا اعتصار لها قولًا واحدًا؛ لأن ذلك على معنى الصدقة [والصدقة] (٢) ليس للأم اعتصارها بوجه.
وإن كانوا أغنياء، ففيه قولان:
أحدهما: أن [ليس لها] (٣) الاعتصار كما لو كانوا فقراء، وهو ظاهر "المدونة".
والثاني: أن لها الاعتصار، وهو قول أشهب، وكأنه يرى أن ما كان على وجه الإرفاق، وهو الذي لا يعتصر.
فإن وهبتهم الأم في حياة الأب، ثم مات الأب بعد بلوغهم ورشدهم
_________________
(١) في ب: تحصيل.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٩ / ٣٩١ ]
جاز لها أن تعتصر؛ لأنه لم يمر بهم وقت يمنعها العصرة [فيها] (١).
فإن كانت [الهبة] (٢) فلا يخلو [فواتها] (٣) من ثلاثة أوجه:
إما أن يكون بحوالة سوق.
وإما بتغيير الذات بزيادة أو نقصان.
وإما بعتق أو وطءٍ إن كانت أمة.
فأما حوالة الأسواق، فلا تمنع العصرة قولًا واحدًا.
وأما الإيلاء، والتدبير، والعتق، فإنه يمنع العصرة قولًا واحدًا.
وفي الوطء قولان:
أحدهما: أنه يمنع الاعتصار، وهو قوله في "المدونة".
والثاني: أنه لا يمنع الاعتصار، وتستبرأ؛ فإن كانت حائلًا أخذها الأب، وهو قول المخزومي في "الموازية".
وأما تغيير الذات بزيادة أو نقصان، هل يمنع الاعتصار أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يمنع الاعتصار، وهو قول مطرف، وعبد الملك.
والثاني: أنه [يمنعه] (٤)، وهو قول أصبغ، وهو ظاهر المدونة.
وأما الصدقة، فهل يجوز للأب اعتصارها من الابن أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: فواته.
(٤) في أ: يمنعها.
[ ٩ / ٣٩٢ ]
أحدها: أن الرجوع فيها لا يجوز إلا من ضرورة مثل أن تكون أمة فيتبعها نفسه، أو يحتاج فيأخذ منها لحاجته، وهو ظاهر قوله في "المدونة"
والثاني: أن الرجوع فيها بالبيع، والهبة جائز له، وأن الاعتصار يجوز له، وهو قول مالك في سماع العتبية؛ لأنه أجاز أن يأكل مما تصدق به على ابنه الصغير، وذلك لا يكون إلا على معنى الاعتصار؛ لأن الصغير لا يصح منه إذن.
والثالث: أن الرجوع فيها ممنوع من كل وجه.
والأقوال الثلاثة مروية عن مالك [﵀، والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من ب.
[ ٩ / ٣٩٣ ]
المسألة الرابعة فيمن تصدق بأرض، وبها بئر، أو عين لم يذكرها في حين الصدقة
ولا تخلو العين، أو البئر من وجهين:
أحدهما: أن تكون داخل الأرض أو خارجها.
فإن كانت داخل الأرض التي تصدق بها، فلا يخلو المتصدق من أن يكون قادرًا على سقي الأرض بمائه، ويسوقه إليها من موضعه، أو قدر على استخراج العين، أو حفر بئر يغنيه عن مال المتصدق، أو لا يقدر على شيء من ذلك.
فإن لم يقدر على شيء من ذلك، فالشرب داخل في الصدقة قولًا واحدًا، ولا يقبل للمتصدق [قول. وإن قدر على ذلك، وكان له غنى عن بئر المتصدق، أو عينه، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن القول قول المتصدق] (١) عليه أن الماء داخل في الصدقة مع الأرض إلا أن يتبين حين الصدقة، أنه لم يتصدق به، وهو قول ابن القاسم، ومطرف، وابن الماجشون في "الواضحة".
والثانى: أنه إن كان له عنه غنى بوجه من الوجوه بماله فيها أو خارج عنها، فلا شيء للمتصدق عليه في [ماء] (٢) المتصدق، فإن لم يكن له غنى بوجه، ولا على كل حال، فالماء مع الأرض للمتصدق عليه، وهو قول أصبغ في "العتبية" و"الموازية".
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: مال.
[ ٩ / ٣٩٤ ]
والقول الأول أظهر؛ لأنه كبناء فيها، وهو ظاهر "المدونة"، وإن كان الماء خارجًا عنها، فلا يخلو من أن يتصدق عليه بناحية من الأرض التي فيها البئر، والبئر في ناحية أخرى، أو يتصدق بالأرض، والبئر في أرض أخرى.
فإن تصدق عليه بناحية من الأرض، والبئر في ناحية أخرى منها قولان:
أحدهما: أن المتصدق يحلف، ويكون القول قوله، ولا يدخل الشرب في الصدقة، وهو قول ابن القاسم في "العتبية"، و"الموازية".
والثاني: التفصيل بين أن يكون له عنه غنى، أو لا غنى له عنه، كما قدمناه عن أصبغ.
وقول أشهب في هذا الوجه أصوب.
فإن تصدق بأرض، والبئر في أرض أخرى، وهي خارجة عن الأرض المتصدق بها، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن القول قول المتصدق مع يمينه أن الماء غير داخلة في الصدقة، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: على التفصيل المتقدم. وهو قول أصبغ.
فلو اشترى أرضًا ونصفها شائع، فادعى البائع مثل هذا، وقال: بعتها على أن يسقيها بماء من عنده، وكذبه المبتاع، فإن كان الماء في الأرض، فالمبتاع مصدق -كان له ماء، أو لم يكن.
فإن لم يكن الماء فيها، وإنما يأتيها الشرب من غيرها، فهو للمشتري أيضًا إلا أن يرى لدعوى البائع وجه، مثل أن يكون للمبتاع أرض تليها لها ماء يصرفه إليها، فيضم الأرض إلى الأرض، وتكون واحدة أو تكون مثلها
[ ٩ / ٣٩٥ ]
تحفر فيها الآبار، وكان المشترى مشاعًا، فإنهما يتحالفان.
وما كان على غير هذا، فالماء للمشتري، وإن كان الماء [في] (١) غيرها تحالفا وتفاسخا، وهو قوله في "الموازية".
ولو تصدق عليه ببيت من داره، ولم يُسَم له مرفقًا، فليس للمتصدق أن يمنعه من مدخل، ومخرج، ومرفق من بئر ومرحاض، وإن لم يُسَمه في الصدقة، وليس له أن يقول: افتح بابك حيث شئت، وهو قول ابن القاسم في "العتبية"، و"الموازية".
ولو تصدق عليه بثلث داره، وفيها طوب وخشب موضوع، فطلب المعطي ثلثه، ومنعه الورثة فليس له في الطوب والخشب شيء، وهو قول ابن القاسم [والحمد لله وحده] (٢). تم الكتاب.
_________________
(١) في أ: من.
(٢) زيادة من ب.
[ ٩ / ٣٩٦ ]
كتاب الهبات
[ ٩ / ٣٩٧ ]