مأخوذ من التلقب، ومنه صرف الدرهم، وتصرف الأمور: أي تقلبها وانتقالها من شيء إلى شيء.
وكذلك مصرف الذهب والفضة: قلب عين بأخرى، ويسمى فاعل ذلك صيرفيّا.
وقد يكون من الصريف: وهو الصوت؛ لكون الدنانير والدراهم تصوت عند تحريكها وتعديدها أو وزنها، ومنه قوله: فسمعت صريف القلم، وقد يكون من الوزن وهو أصلها، والصرف: الوزن؛ وهو أحد التفاسير في قوله ﵇: "لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا" (١)، أي وزنًا ولا كيلًا. قاله ابن دريد.
والصرف من أنواع البيوع، وهي تسعة أنواع: بيع ذهب بذهب، أو فضة بفضة، أو عرض بعرض، أو عرض بعين وكلاهما نقدًا أو إلى أجل أو أحدهما نقدًا والآخر إلى أجل، أو ذمة بذمة.
فإن تبايعا ذهبًا بذهب أو فضة بفضة يسمى مراطلة، ولا يجوز فيها التأخير من الطرفين أو من أحدهما.
فإن بيع ذهب بفضة: يسمى صرفًا، ولا تأخير فيهما ولا في أحدهما أيضًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٨٧٠) ومسلم (١٣٧٠).
[ ٦ / ٧ ]
فإن بيع عرض بعرض: فإن تجانسا: يسمى بدلًا، وإن اختلفا: يسمى بيعًا.
فإن تأخرا جميعًا: فلا يجوز لأن ذلك ضمان بجعل.
فإن بيع عين بعرض: يسمى ذلك بيعًا ناجزًا، وإن تأخر أحد العوضين وكان ثمنًا: سمي بيعًا إلى أجل، وإن تأخر أحد العوضين وكان مثمونًا: سمي: سلمًا، وإن تأخرا جميعًا وكانا معينين: سمي ذلك سلفًا جر منفعة، وإن كانا مضمونين: سمي ذلك دينًا بدين، وهي ذمة بذمة.
فهذه تقاسيم أنواع البيوع، فإذا تعذر عليك شيء من أنواع البيوع أو التبس عليك وجه من وجوهها فحدد نظرك في هذه الأنواع تجده إن شاء الله تعالى، وبه أستعين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وتحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها عشرون مسألة.
[ ٦ / ٨ ]
المسألة الأولى في تعليل الربا في النقدين
فإذا أثبتنا ذلك انعطفنا على تحصيل المشكل المبتغى إذا عرضنا تحصيل ما يشكل على المستطرف بل على المستشرف من مسائل المدونة؛ لأن الكلام على المذهب ردًا وقبولًا عن كونه معقولًا؛ ولهذا قدمنا معلول الربا ليكون الأخذ في فصول استوفيت أصولها.
فإذا ثبت ذلك فالربا في اللغة: الزيادة، وهو ربا الجاهلية؛ كانوا إذا كان لأحدهم دين على الآخر إلى أجل، فإذا حلَّ الأجل قال له: أتقضي أم تربي؟ فإذا قضاه أخذ، وإلا زاده في العدد، ويزيد له الأخير في الأجل، وهو محرم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.
ولا فرق بين متبوره ومسكوكه ومسوغه في التفاضل والنساء إلا ما روي عن معاوية بن أبي سفيان - ﵁ - فإنه كان يجيز التفاضل بين التبر والمصوغ لمكان زيادة الصياغة، وما روي عن مالك - ﵁ - أنه سئل عن رجل يأتي إلى دار الصرف بورقة فيعطيهم أجرة الضرب ويأخذ منهم دنانير أو دراهم وزن ورقة أو ذهبه [فقال] (١) إذا كان لضرورة خروج الرفقة ونحو ذلك فأرجو ألا يكون به بأس، وبه قال ابن القاسم -من أصحابه- في "العتبية" "والموَّازية" وأجاز مالك أيضًا بدل الدينار الناقص بالوازن على اختلاف أصحابه في العدد الذي يجوز فيه ذلك.
فإذا ثبت هذا؛ فقد اختلف العلماء في تعليل الربا في الأموال الربوية
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٦ / ٩ ]
منها النقدان، والكلام عليها هاهنا، وبقيتها يأتي الكلام عليه في "كتاب السلم" إن شاء الله تعالى واختلافهم على أربعة مذاهب: فمنهم من علل بالربوية وعداها إلى سائر الموزونات، وهو مذهب أبي حنيفة.
ومنهم من علل بالمالية فعداها إلى سائر الأموال، وهو قول عبد الملك.
ومنهم من علل بالتنمية وعداها إلى سائر الأثمان، وهو مذهب مالك.
ومنهم من احترز بزيادة الجوهرية على التنمية، وهو الصحيح مذهبًا ونظرًا، وهو مذهب الشافعي - ﵃ أجمعين - لأن هذا التعليل ينتظم مطبوع هذا النوع ومصنوعه ومتبوره.
وتعليل [مالك] (١) يتناول إلا المطبوع دون المصنوع غالبًا مع تساويهما في الحكم في تحريم الربا، وهذا يهدم فصل التأثير في العلة؛ وهو وجود الحكم بوجود العلة في موضع؛ وهو أصل كبير من أصول الفقه، وقد اختلف الحذاق من أرباب المذهب في التعليل بهذه العلة، فمنهم من أحاله قائلًا بأن العلة المستثارة إنما تعرف بإثارة المعنى المناسب المخيل، ولا إحالة بين العلة والحكم هاهنا -لا كليًا ولا جزئيًا- فلم يبق إلا الجمود على التعبد حتى إذا لاح المعنى صرنا إليه.
فمن جوز التعليل به يقول: لا أسلم إحلال شرط في العلة؛ لأن التعليل بجوهرية الأثمان التي هي المقصودة في أقطار الديار وأقاصي البلاد والأمصار مع الرغبة فيها وتنافس التجار فيها؛ لخفتها في الحمل ونفاذها في النقد عند الكل، وذلك الشرف يمنع من الصرف، وهو عين المناسبة والإحالة في التعليل بجوهرية الأثمان. وعلى قضية هذا الاختلاف اختلف قول مالك في جريان الربا في الفلوس، وهذه هي العلة القاصرة عند
_________________
(١) في أ: ما.
[ ٦ / ١٠ ]
الأصوليين، وقد اختلف في التعليل بها على الجملة.
والقاصرة: هي التي لا فرع لها فتتعدى إليه، فذهب الشافعي ومالك إلى القول بها، وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يصح التعليل بها.
وحجة أبي حنيفة: أن العلة من حقها التعدي من الأصول إلى الفصول؛ لاعتقاده أن القياس حجة شرعية عملية -لا علمية- فإذا لم يكن للتعليل بالجوهرية هذه الرتبة من العملية، اختل وضعها بتعيين أصلها إذا لم يفد بعد ذلك فائدة محققة لما كان في الأصل ثابتًا بغيرها -لا بها- فلا عملًا أفادت ولا علمًا حصلت، فتعين كونها عبثًا وأورث ذلك وهنًا في الظن إذا سرفنا في المجتهدات غلبات الظن، فإذا بطل التعليل بالثمنية: تعين التعليل في الوزنية كحصول شرطها الذي هو التعدي؛ لأنه لا يرى للعلة القاصرة فائدة غير التعدية، فإن العلة أمارة للحكم، والأمارات للتعريف، والحكم معروف في محل النصب بالنص، فأي فائدة بعده في نصب علامة قاصرة عن محل النص، وخصمه يقول في القاصرة فائدة غير التعدية، وهي الوقوف على حكمة الحكم ووجه الصلاح فيه، فتكون الطباع [له] (١) أقبل والنفوس إلى الإذعان [له] (٢) أسرع والتعدية من توابع معرفة علة الأصل، فالأصل في التعليل علة الاصل من محل النص يعرف أنه هو الداعي للشرع إلى شرع الحكم، ثم إن اتفقت مشاركة صورة أخرى للأصل فيما هو الداعي شاركته في الحكم ولا يقع الاكتفاء بثبوت الحكم مقصورًا عليه ولا تزاد؛ إذ مصلحة الحكم في هذا المحل بأن يوجد الباعث من محل آخر، ولا ينتقض بأن لا يوجد فكانت الصلاحية في القاصرة
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: إليه.
[ ٦ / ١١ ]
[حسبما] (١) في التعدية، وفيها فائدة ما.
والدليل أيضًا: أن التعدية ليست من شروط الصحة في العلل الشرعية أن الدليل على صحتها هو المناسبة والإحالة المثيران للتأثير، وهذا موجود في الواقعة وجودها في العادية.
لأن التعدية مسبوقة بالعلم بكونها علة، بل هي درجة ثانية متأخرة عنها [وفروع] (٢) مترتبة عليها، فإنما يمكن أن يقال: [إن] (٣) المسبوق شرط في [السابق] (٤).
لأن كون التعدية شرط لصحة العلة يفضي إلى الدور العقلي.
فإنه يقال: العملية [مستفادة] (٥) [بالصحة] (٦) والصحة [مستفادة] (٧) بالعملية؛ إذ لا عمل إلا بعد أن صححها ولا [أصحها] (٨) إلا بعد أن أعمل بها، وحصل كل واحد منهما موقوفًا على الآخر، وكفى بكلام يفضي [مسابقة] (٩) إلى الدور بطلانًا.
وهذه الإشارة إنما تجبر لاستنشاق روائحها أعطاف الخائضين في علم الأصول حتى علموا أحكام القياس، وحيث نجول -وليس
_________________
(١) في أ: حسبها.
(٢) في أ: وفرع.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: السبق.
(٥) في ع: مفاسدة.
(٦) سقط من أ.
(٧) في ع: مفاسدة.
(٨) في أ: أصححها.
(٩) سقط من ع.
[ ٦ / ١٢ ]
هو الغرض - فلذلك لم نطول القول فيه، وبعد تمهيد هذه الإشارة نرجع إلى غرضنا، والحمد لله وحده.
[ ٦ / ١٣ ]
المسألة الثانية في تأخير بعض [أعواض] (١) الصرف
ولا يخلو عقد المتصارفين من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يعقدا على التأخير ابتداء.
والثاني: أن يعقدا على المناجزة، ثم وقع التأخير منهما اختيارًا.
والثالث: أن يعقدا على المناجزة، ثم وقع التأخير منهما اضطرارًا.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا وقع العقد على التأخير ابتداء: فالصرف فاسد اتفاقًا في المستوفى، وفي المستبقي؛ لأن العقد وقع على نعت الفساد، ولا يتلافى بل يتلاشى.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا وقع على المناجزة، ثم وقع التأخير منهما [اختيارًا] (٢) فالصرف باطل في المستبقي وفاقًا، وهل ينعقد في المستوفي؟
قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أن العقد مردود [ولا ينعقد] (٣) وهو نص "المدونة".
والثاني: أن الصرف منعقد في المستوفي، وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن الموَّاز و"العتبية" إذا كان ذلك قبل أن يفترقا فشبهها بمبتاع مائة فقير لا يجد إلا خمسين، وعاب ذلك أصبغ، وقال: ليس ما ناظر به بنظير،
_________________
(١) في ع: أنواع.
(٢) سقط من ع.
(٣) سقط من أ.
[ ٦ / ١٤ ]
وواجد النقض بعد التفرق في غير الصرف كالعيب بخلاف الصرف الذي لا يتأخر، وهذا القول الثاني قائم من "المدونة" من "كتاب العيوب".
وسبب الخلاف: الصفقة إذا جمعت حلالًا وحرامًا هل تبطل جميعها، أو يجوز منها الحلال ويبطل الحرام؟، وله في هذا الكتاب وفي "كتاب النكاح الثالث": أنها تبطل جميعها، وله في كتاب العيوب: أنها يبطل منها الحرام ويجوز الحلال من مسألة الشاتين إذا وجد إحداهما غير ذكية.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا وقع على المناجزة، ثم وقع التأخير منهما اضطرارًا: فلا يخلو من أن يكون ذلك باضطرار منهما، أو من أحدهما.
فإن كان باضطرار منهما؛ كليل غشيهما، أو نسيان غلب عليهما، فافترقا قبل تمام التقابض: فلا خلاف في انعقاد البيع في المستوفي.
وفي المستبقي قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنه ينتقض، وهو قول مالك في "الموَّازية".
والثاني: أنه لا ينتقض بينهما؛ لأنهما غلبًا على التأخير وفي عمل القبض شرعًا.
وسبب الخلاف: هل يعذران بهذا الأمر الغالب أم لا؟ فإن كان التأخير [باختيار] (١) من أحدهما، واضطرار من الآخر: فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يجعل ذلك ذريعة إلى فسخ العقد.
والثاني: أن يجعله وسيلة إلى بخس [النقد] (٢).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: العقد.
[ ٦ / ١٥ ]
فإن جعل ذلك وسيلة إلى فسخ العقد؛ كهروب أحدهما قبل تمام النقد؛ مثل أن يستغلا البيعة فيريد أن ينخلع من زيفة الصفقة واغترابًا بفرار التأخير المؤدي إلى بطلان العقد، هل يفسخ العقد، أو يؤخذ الهارب بمضمونه؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن العقد بينهما قائم، ويؤخذ بمقتضاه، إلا أن يتقابلا، ولا يتوصل الهارب بهروبه إلى ما يريده، وهو ظاهر قول مالك في غير [ما] (١) موضع في المدونة: أن المتعدي لا يصل بتعديه إلى ما يريده، وهو قوله في "الموازية" في قوم اشتروا قلادة من ذهب وفيها لؤلؤ على النقد، فلم ينقدوا حتى فصلت، وتقاوموا اللؤلؤ، وباعوا الذهب، فلما وضعوا أرادوا نقض البيع لتأخير النقد، ولم يكن ذلك شرطًا: قال: لا ينقض ذلك، وقاله ابن القاسم لأنه على النقد، ولم يرض بتأخيرهم وهو مغلوب، فهذا نص منه على أنهما يتعديا بالغلبة، [فهكذا] (٢) حكم الهارب [في الصرف] (٣).
والثاني: أن الصرف منتقض [فيما بقي لتأخير النقض] (٤) [عن] (٥) العقد، وهو ظاهر "المدونة".
وسبب الخلاف: هل يغلب حق الله على حق العبد: فيفسخ العقد، أو يغلب حق العبد: فيمضي وينفذ؟
فأما إن جعل ذلك وسيلة إلى بخس النقد: فلا يخلو ذلك البخس من أن يرجع إلى بخس في العدد، أو بخس في الصفة.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: فهذا.
(٣) سقط من ع.
(٤) سقط من ع.
(٥) في أ: على.
[ ٦ / ١٦ ]
فإن كان يرجع إلى بخس في العدد كالسرقة من الصراف من العدد أو من الوزن، ثم تبين للقابض النقصان بعد الفراق، فرضي بما قضى وتجاوز عما بقي، فهل يصح العقد أو يبطل؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن العقد جائز ولا يفسخ -كان ذلك قليلًا أو كثيرًا-، وهو قول أشهب في الموازية: "ثم إذا افترقا على التصديق ثم وجد زائفًا أو نقصًا ثم ترك الفضل من له الفضل: فذلك جائز"، وقال مالك في "العتبية" و"الموازية": "ومن وجد نقصًا في الصرف فتجاوزه فذلك له"، وهو ظاهر قوله في كتاب السلم" فيما إذا وجد درهمًا رصاصًا في رأس مال السلم بعد شهر فرضيه، حيث قال: "السلم جائز، ودرهم الرصاص كالعدم"، وكذلك قوله في كتاب الصرف: "إذا وجد زائفًا أنه له الرضا به فهذا قد وجد أقل العدد الذي دخل عليه فثبت السلم بينهما بقوله إياه".
والقول الثاني: أنه لا يجوز له الرضا به جملة سواد كان ذلك يسيرًا أو كثيرًا، وهو قول مالك أيضًا، لافتراقهما قبل التقابض، وهو ظاهر قوله في "المدونة".
والثالث: التفصيل بين اليسير والكثير، وهو قول مالك أيضًا.
والأقوال الثلاثة كلها لمالك في "العتبية" و"كتاب محمَّد". واختلف في حد اليسير على قولين:
أحدهما: كالدانق من الدينار، وهو قول مالك، ونصف الدرهم -عنده- من الدينار كثير.
والثاني: مثل الدرهم من الألف، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم.
والقولان في "العتبية".
[ ٦ / ١٧ ]
وسبب الخلاف: هل المعدوم معني كالمعدوم حسًا، أم لا؟ فمن رأي أن المعدوم حسًا كالمعدوم معنى: قال بجواز الرضا. [و] (١) على القول بأن ذلك لا يجوز، فهل ينتقض كله أو بعضه؟ فالمذهب على خمسة أقوال كلها قائمة من "المدونة"، إلا قولًا واحدًا.
أحدها: أن الصرف ينتقض جميعه؛ لأن الدرهم المستبقي حصة في كل دينار، وهو ظاهر "المدونة".
والثاني: أنه ينتقض صرف دينار واحد، فما زاد عليه فينتقض عليه إلى تمامه ثم على هذا الحساب، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الصلح" من "المدونة" وبه قال ابن الموَّاز.
والثالث: بالتفصيل بين أن يرتبا لكل دينار ثمنًا أم لا؛ فإن رتباه: كان كما قاله ابن القاسم، وإن لم يرتباه: كان كما قال في القول الأول.
وهذا القول حكاه ابن الجلاب على المذهب.
والرابع: التفصيل بين أن تكون الدنانير كلها سكة واحدة أو سككًا؛ فإن كانت سكة واحدة: فيتنقض الصرف كله، وإن كانت سككًا: فكما قال ابن القاسم، وهو قول سحنون في كتاب ابنه، وهو ظاهر قول ابن القاسم في جمع السلعتين في البيع.
والخامس: أنه إن اختلفت السكك فينتقض صرف أجود الدنانير، وهو قول أصبغ، وهذا القول هو الذي لا ظاهر له في الكتاب.
وسبب الخلاف: هل الحكم يوجب الترتيب وإن لم يرتبا لكل دينار ثمنًا، أو لابد من التوظيف والتسمية؟ وعلى هذا الأصل يتركب جميع ما في المسألة من الخلاف إن اعتبرته.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٦ / ١٨ ]
فأما إن كان ذلك البخس يرجع إلى الصفة؛ مثل أن يحدد درهمًا زائفًا قد أروجه عليه الدافع، أو دينارًا بائرًا قد دلس به: فقد يجوز له الرضا به، ويصح العقد.
فجميع ما تضمنه قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك جائز إذا رضي به، وهو قول ابن القاسم في "كتاب السلم" و"كتاب الصرف".
والثاني: أن ذلك لا يجوز وإن رضي به، وهو ظاهر قوله في "كتاب النذور": إذا حلف ليقضين فلانًا حقه رأس الهلال فقضاه، فوجد فيه درهمًا زائفًا، حيث قال: فإنه حانث.
وسبب الخلاف: المعدوم معنى هل هو كالمعدوم حسًا أم لا؟ وله سبب آخر، وهو: المخير بين شيئين، هل يعد مختارًا لما ترك أم لا؟
وعلى القول بأن له الرد أو التماسك، فإن اختار الرد وطلب البدل فعل يجوز أو لا يجوز؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن البدل لا يجوز، وهو مشهور المذهب، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أن البدل سائغ، وهو قول ابن وهب، وهو مشهور المذهب.
وسبب الخلاف: الرد بالعيب هل هو نقض بيع، أو بيع مبتدأ؟
فعلى القول بأنه نقض بيع: يمنع من البدل، وهو قول أشهب في "كتاب الاستبراء".
وعلى القول بأنه بيع مبتدأ: يجوز البدل، ويعد ذلك عقد مبتدأ، وهو قول ابن القاسم في الكتاب المذكور، والحمد لله وحده.
[ ٦ / ١٩ ]
المسألة الثالثة في بيع السيف المحلَّى
ولا تخلو تحليته من أن تكون بالذهب، أو الورق؛ فإن كان محلَّى بالذهب فهل يجوز اتخاذه واقتناؤه؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك لا يجوز، وهو ظاهر المدونة، ومشهور المذهب لما في ذلك من السرف، [والتحلي] (١) بالذهب محرم على ذكور هذه الأمة.
والثاني: أنه يجوز اتخاذه، وإن التحلية مباحة، وهو ظاهر "المدونة" حيث قال: لا يجوز عند مالك أن يبيعه بنسيئة، لا بذهب ولا بورق، كان ما فيه من الحلية قليلًا أو كثيرًا، وظاهر هذا: جواز التخلية عنده.
والثالث: التفصيل بين المجاهد وغيره؛ فيباح للمجاهد أن يحلي سيفه بالذهب دون غيره؛ لما في ذلك من المباهاة على العدد وإرهابهم، وإشعار المسلمين القوة بالعدد والاستعداد، وكذلك لباس الحرير، وهو قول ابن حبيب.
وسبب الخلاف: نبذ النبي - ﷺ - خاتمه، وأمره لأصحابه بنبذ خواتمهم (٢)، هل يفيد تحريم استعمال الرجال على الذهب عمومًا أم لا؟
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كانت التحلية بالفضة فلا يخلو أن يكون ما فيه من الحلي تبعًا، أو متبوعًا، وفي قدر التبع قولان قائمان من "المدونة".
أحدهما: الثلث فأدنى.
_________________
(١) في أ: والتحلية.
(٢) أخرجه البخاري (٥٥٢٩) ومسلم (٢٠٩١).
[ ٦ / ٢٠ ]
والثاني: النصف، وهذا القول قائم من قوله: إذا اشترى بنصف درهم طعامًا ورد عليه نصف درهم فضة، حيث جوزه، وبه قال بعض البغداديين من أصحابنا، واستقرأه الباجي من هذه المسألة.
فإن كان الحلي تبعًا للنصل: فلا يخلو بيعه من ثلاثة أوجه:
[أحدها] (١): أن يبيعه بما فيه.
والثاني: أن يبيعه بغير ما فيه من العين.
والثالث: أن يبيعه بغير ما فيه من سائر العروض.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا باعه بما فيه؛ مثل أن يكون السيف محلى بالفضة، فيبيع بالدراهم، هل يجوز بيعه بذلك أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يجوز بيعه بما فيه -لا نقدًا ولا مؤجلًا- وهو ظاهر قول ابن القاسم في مسألة الحلي إذا كان بعضه ذهبًا وبعضه فضة؛ حيث قال: لا يباع بذهب ولا بورق، ولكن يباع بالفلوس والعروض.
والثاني: أن ينظر إلى ما فيه من الفضة؛ فإن كان في نزعه مشقة حافة ومضرة لاحقة: فبيعه بما فيه جائز نقدًا أو إلى أجل، وهو قول أشهب وسحنون، وهو ظاهر قول مالك: [فيما] (٢) إذا فات السيف بنقض حلية؛ حيث قال: يمضي بالثمن.
والثالث: أن بيعه يجوز بما فيه نقدًا، ولا يجوز إلى أجل، وهو نص "المدونة".
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٦ / ٢١ ]
والأقوال كلها قائمة من "المدونة".
وسبب الخلاف: [الاتباع] (١) هل تراعي أم لا؟
والجواب عن الوجه الثاني: إذا باعه بغير ما فيه من العين كبيعه بالذهب والتحلية بالورق: فهو كبيعه بما فيه في جميع الوجوه، إلا في وجه واحد؛ وهو اعتبار مضرة النزع خاصة، فإنها لا تعتبر في الشراء بالذهب.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا باعه بغير ما فيه من سائر العروض: فإن ذلك جائز نقدًا أو إلى أجل اتفاقًا؛ لعدم ما [يتقي] (٢) من الربا.
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا كان الحلي متبوعًا: فلا يجوز بيعه بما فيه نقدًا ولا مؤجلًا باتفاق المذهب، ويباع بغير ما فيه من سائر العروض على كل وجه اتفاقًا.
وأما بيعه بالذهب إن كانت الحلية بالفضة نقدًا: فجائز اتفاقًا، ولا يجوز بذهب إلى أجل اتفاقًا، فإن وقع ونزل: فلا يخلو ذلك من أن يكون قائمًا، أو فائتًا فإن كان قائمًا: فالبيع مردود اتفاقًا.
فإن كان فائتًا فلا يخلو من أن يفوت بسبب سماوي، أو بسبب المشتري فإن فات بأمر سماوي فهل يكون الضمان من البائع أو من المشتري؟
قولان:
أحدهما: أن الضمان من البائع، وهو مذهب سحنون.
والثاني: أن الضمان فيه من المشتري، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وهو المشهور.
_________________
(١) سقط من ع.
(٢) في أ: يبقى.
[ ٦ / ٢٢ ]
وسبب الخلاف: اختلافهم في البيع الفاسد بعد الفوات، هل يفيد الملك للمشتري، أو لا يفيده؟
فإن كان الفوات بسبب المشتري: فلا يخلو من أن يكون فوتًا يخرجه من ملكه؛ كالبيع، أو فوتًا لا يخرجه من ملكه فإن كان فوتًا يخرجه من ملكه: فلا يخلو من أن يقصد ببيعه إياه التفويت، أو لا يقصد.
فإن قصد به تفويت البيع الفاسد: فالبيعتان مردودتان اتفاقًا.
وإن لم يقصد التفويت، وإنما باع للصحة بناء منه على أن البيع الأول جائز، فهل يجوز البيع الثاني، ويضمن الأول بالقيمة؟
قولان:
أحدهما: أن البيعتين مردودتان، وهو قول سحنون.
والثاني: أن البيع الثاني صحيح، وهو مفيت للأول، وتكون فيه القيمة، وهو قول ابن القاسم.
فإن كان فواتًا لا يخرجه من ملكه: فلا يخلو من أن يكون فواتًا يرجع إلى الذات، أو فواتًا يرجع إلى الصفة.
فإن كان فواتًا يرجع إلى الذات؛ كقطع النصل، أو فساد القائم: فذلك فوت بلا خلاف، وهل يغرم قيمة السيف جميعها؟
قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنه يغرم قيمة السيف جميعه من غير اعتبار الوزن في الحلية، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب الصرف".
والثاني: أنه يغرم قيمة الجفن والنصل، ويغرم وزن ما فيه من الفضة، وهو قول سحنون في بعض الروايات في المدونة، وهو ظاهر قول ابن
[ ٦ / ٢٣ ]
القاسم في "كتاب الزكاة الأول" من "المدونة" في الآنية؛ حيث قال: يعتبر وزنها لا قيمتها.
وسبب الخلاف: الصناعة، هل هي كعرض قائم بنفسه أم لا؟
فإن كان فواته فواتًا يرجع إلى معنى الصفة؛ مثل أن ينكسر جفنها هل هو كنقصان الصفة فيكون كحوالة الأسواق، وعليه حمله ابن الكاتب؟ أو كنقصان الذات، وعليه حمله أكثرهم؟
فمن جعله كحوالة الأسواق لكون العيب اليسير لا يفيت حدوثه البيع الفاسد قال: إن حوالة الأسواق فيه فوت.
ومن جعله كنقصان الذات قال: لأنه وإن كانت قيمة الجفن قليلة في جنب قيمة جميع السيف: فإنه بالإضافة إلى منفعته نقصان كثير؛ إذ به تحسن صيانة النصل حتى يتأتى الانتفاع به، ولو فارق الجفن لضاع وذهب الغرض المقصود منه، ومثاله: الدار المشتراة إذا استحق منها الكنيف أو الجدار الذي هو ستر لجميعها، فأراد مستحقه نقضه وهدمه؛ فهو بالإضافة إلى قيمة جميع الدار حقير وبالإضافة إلى [منفعته] (١) يعم ضرره ويعظم خطره على المشترى، فكان له المقال.
وينبني الخلاف: على الخلاف في الحلي المبيع جزافًا [بيعًا فاسدًا] (٢) هل [تفيته] (٣) حوالة الأسواق أم لا؟.
ولابن الموَّاز في "كتابه": أن حوالة الأسواق تفيته، ولابن القاسم نص في "المدونة": [أنها] (٤) لا تفيته [والحمد لله وحده] (٥).
_________________
(١) في أ: منفعة.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: يفيت.
(٤) في أ: أنه.
(٥) زيادة من ع.
[ ٦ / ٢٤ ]
المسألة الرابعة في الحوالة والوكالة في الصرف
وإذا صرف الرجل دينارًا بدرهم، فدفع الدينار، ثم أمر الصرَّاف أن يدفع الدرهم لغيره، أو وكل رجل رجلًا يصرف له ثم تولى هو القبض، أو بالعكس: فلا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك قبل التفرق.
والثاني: أن يكون [بعده] (١).
فإن كان قبل التفرق -أعني بالتفرق: ذهاب المحيل والأمر- فهل يجوز الصرف أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: الجواز في الوكالة والحوالة وهو ظاهر قوله في الكتاب؛ حيث قال في الحوالة: "ألا ترى أنهما افترقا قبل أن يتم قبضهما" وقال في الوكالة: "وقام هو فذهب يريد الأمر فلا خير فيه"، وظاهر قوله: أنه لو قبض المحال والأمور قبل ذهاب المحيل والأمر؛ لجاز في الجميع، وهو قول أشهب وسحنون في غير المدونة.
والقول الثاني: أن ذلك لا يجوز في الجميع، وهو ظاهر المدونة في مسألة الوكالة؛ حيث قال: "لأن مالكًا قال: لا يصلح أن يصرف ثم يوكل من يقبض له"، وظاهره ألَّا فرق بين الحوالة والوكالة.
والثالث: التفصيل بين الحوالة والوكالة، وهو ظاهر "المدونة" على ما
_________________
(١) في أ: بعدها.
[ ٦ / ٢٥ ]
ذكره أبو الوليد ابن رشد، ومجمل قوله في الكتاب: "ألا ترى أنهما افترقا قبل أن يتم قبضهما على افتراقهما في الكلام، لا بالأبدان".
وسبب الخلاف: التأخير اليسير هل يؤثر في بطلان الصرف، أو يتجاوز عنه؟
فعن مالك في ذلك قولان في "كتاب محمَّد": الجواز، والكراهة؛ قال: ومن اشترى سوارين من ذهب بدراهم على أن يريهما لأهله فإن أعجبهم، وإلا ردها: فخففه مالك بعد أن كرهه.
فإن كان ذلك [بعد] (١) التفرق: فلا يجوز، قولًا واحدًا [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) في أ: قبل.
(٢) زيادة من ع.
[ ٦ / ٢٦ ]
المسألة الخامسة في المقاصة في الصرف
وإذا صارف رجل رجلًا دراهم بدنانير، ثم أراد الصرَّاف مقاصته بالدينار في دينار له عليه من دين: فلا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يعقداه بشرط المقاصة.
والثاني: أن يعقداه على تركها.
والثالث: أن يهملا الأمر.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا عقداه على المقاصة: فلا إشكال في جواز المقاصة على القول بجواز صرف ما في الذمة؛ لاتفاق المذهب أن ذلك لا يجوز قبل الحلول، إلا على القول بأن الذمة تبرأ بالدفع قبل الحلول، وأما بعد الحلول: فالمذهب على قولين:
الجواز: وهو المشهور.
والمنع: وهو المهجور.
وهو نص قوله في غير "المدونة".
وسبب الخلاف: حلول ما في الذمة هل هو كحضوره أم لا؟
والجواب عن الوجه الثاني: إذا عقداه على ترك المقاصة فهل يجوز العقد ابتداء أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز، وهو قول مالك.
والثاني: المنع، وهو قول ابن القاسم.
[ ٦ / ٢٧ ]
والقولان في "المدونة".
وسبب الخلاف: هل اشتراطهما ترك المقاصة مشعر بالتأخير بالدين بعد التقابض: فيمنع، لأن ذلك بيع وسلف، أو غير مشعر به وتكون له مطالبته بديناره بعد التقابض فيجوز؟
فعلى القول بأن البيع جائز، فإن أراد الصرَّاف مقاصته فهل يجبر عليها من أباها أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يجبر عليها من أباها، وهو قول أشهب في "كتاب محمَّد".
والثاني: أنه لا يجبر عليها من أباها، وهو قول أصبغ، ولكن يدفع له ديناره، ثم يأخذ منه في الحال.
والثالث: التفصيل بين أن يكون مديانًا، أو غير مديان؛ فإن كان مديانًا: فجواز مقاصته يتخرج على الخلاف في [جواز] (١) قضائه بعض غرمائه دون بعض، فإن كان ليس بمديان جازت المقاصة، وهو اختيار ابن الموَّاز.
وسبب الخلاف: من اشتراط شرطًا لا يفيد هل يوفي له بشرطه، أو لا يوفي له به؟ وهذا أصل بنيت عليه فروع كثيرة.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا أبهم الأمر، فهل يجبر على المقاصة من أباها أم لا؟.
فالمذهب على ثلاثة أقوال، كلها قائمة من المدونة:
أحدها: أنه يجبر عليها من أباها، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب
_________________
(١) طمس في أوالمثبت من ع.
[ ٦ / ٢٨ ]
المكاتب" إذا حل نجم عليه، وله على السيد مثل ذلك؛ حيث قال: فإنه يقاصصه، وظاهره: أن ذلك بغير اختيار السيد.
والثاني: أنه لا يجبر عليها من أباها، وهو ظاهر قوله في "كتاب الصرف"، [مع] (١) أن شيوخ المذهب قد تنازعوا فيما وقع له في كتاب الصرف في هذه المسألة تنازعًا كثيرًا، وكلها تأويل ضعيف على ما لا يخفى على من طالع كتبهم.
والقول الثالث: التفصيل بين أن يكون الذي عليه الدين موسرًا أو معسرًا، وهو نص قوله في كتاب النكاح الثاني من "المدونة".
وسبب الخلاف: المقاصة هل تفتقر إلى الرضا، أو يجبر عليها من أباها؟ [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) في أ: على.
(٢) زيادة من ع.
[ ٦ / ٢٩ ]
المسألة السادسة في استقراضهما بعض أعواض الصرف بعد العقد
ولا يخلو من أن يستقرضا جميعًا [أو استقرض أحدهما دون صاحبه. فإن استقرضا جميعًا] (١) بعد أن عقدا الصرف بينهما، ثم استقرض [هذا دينارًا وهذا دراهمًا] (٢): فاتفق المذهب أن ذلك لا يجوز لتعاظم [الضرر] (٣) وتفاقم الخطر الذي تنزه عنه عقود المعاوضات، وخصوصًا عقد الصرف؛ لأنهما عقدا على الذمم، ولا يدري هل يصح لهما السلف أو لا يصح لهما، أو يصح لأحدهما دون الآخر، وذلك غرر لا يجوز في عقد ما، فكيف بعقد الصرف؟ ثم إن اتفق أن يسعفا بمقصديهما في وجود السلف بفور ما عقدا: فإن العقد مفسوخ لوقوعه على غرر فإن حصر العوض عند أحدهما واستقرض الآخر عوضه، مثل أن [تكون الدنانير] (٤) عند أحدهما، واستقرض الآخر الدرهم، فهل يجوز الصرف أم لا؟.
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك جائز، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن ذلك لا يجوز.
واختلف في تأويل قول ابن القاسم؛ فمنهم من قال: إنما جوز ذلك لأنا لا ندري هل الذي استقرض إن كان ما عنده شيء أم لا؛ فلذلك جوزنا
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: هذا الدينار وهذه الدراهم.
(٣) في أ: الخطر.
(٤) في أ: يكون الدينار.
[ ٦ / ٣٠ ]
الصرف لأنه متهم في فسخ العقد عن نفسه، فإذا تحققنا بأنه لا دينار عنده فسخنا الصرف.
ومنهم من قال: إنما يمنع في الوجه الأول؛ لقوة الغرر وكثرته، وجوزه في الثاني لقلته؛ لأنه إذا كان السلف من جهة واحدة قبل الغرر، والغرر اليسير معفو عنه في عقود المعاوضات، وقلما تسلم [منه] (١) ومنهم من ساوى بين السؤالين وجعل ذلك اختلاف قول من ابن القاسم، وهو قول سحنون.
وقال بعض الشيوخ: يستفاد من هذه المسألة أن الدراهم لا تتعين في الصرف، ولكن من شرطه إحضار العينين، والذي قاله لازم على قول ابن القاسم في السؤال الثاني، والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٦ / ٣١ ]
المسألة السابعة [فيمن] (١) دفع لغريمه عرضًا، وقال له بعه واستوف منه [حقك] (٢)
فلا يخلو الدفع من أن يكون قبل حلول الدين، أو بعده؛ فإن كان قبل حلول الدين: فلا يجوز؛ لأن ذلك سلف جر منفعة.
فإن كان بعد الحلول: فلا يخلو ذلك [العرض] (٣) من أن يكون من جنس ما باع بذلك الثمن، أو من غير جنسه؛ فإن كان من غير جنسه مما يجوز أن [يسلمه] (٤) فيه: فلا يخلو من أن يبيعه ببينة، أو بغير بينة.
فإن باعه ببينة: فالبيع نافذ، والقضاء جائز.
فإن باعه بغير بينة فهل يجوز ذلك البيع أم لا؟
قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: الجواز، وهو نص المدونة.
والثاني: أن البيع لا يجوز؛ لاحتمال أن يبيعه من نفسه فيكون قد فسخ دينه فيما فيه خيار، فيصير فسخ دين في دين.
فأما إن كان ذلك من جنس ما باع به الثمن الذي اقتضاه.
فإن باعه ببينة: فالبيع جائز اتفاقًا، فإن أشكل الأمر: لم يجز؛ لما في
_________________
(١) في ع: إذا.
(٢) في أ: حقًا.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ع: يسلفه.
[ ٦ / ٣٢ ]
ذلك من التهمة في أن يأخذ ذلك لنفسه، فيكون قد أخذ عروضًا إلى أجل بعروض مثلها ومن صنفها، فيصير عروضًا بعروض من صنف واحد إلى أجل، إلا أن يكون مثل صنف عرضه وجودته وعدده.
وإن اختلفا في العدد: فلا يجوز؛ لأن ذلك ضمان بجعل، وكذلك إن اتفق العدد واختلفا في الصفة.
فإن اتفقا في العدد وكان الأول إذنًا، فهل يجوز ويكون إقالة؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو ظاهر قوله في كتاب السلم [الأول] (١).
والقول الثاني: أن ذلك جائز، وهو نص قوله في "كتاب الصرف".
والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٦ / ٣٣ ]
المسألة الثامنة إذا صرف منه دينارًا بدراهم، ثم صرف [منه] (١) بالدينار دراهم أخرى
فلا تخلو الدراهم من أن تكون من سكة دراهمه ومن عينها أم لا.
فإن كانت مثله دراهمه عينًا وسكة؛ مثل العدد أو أقل: جاز بالقرب، ولا [يجوز] (٢) بعد الطول وفي الأكثر قولان:
ظاهر المدونة: المنع، ولأشهب: الجواز، وهو قوله في "كتاب محمَّد"، وإنما جوزه بالقرب، وإن كانت [أقل] (٣) إذ لا يتهم أن يدفع كثيرًا ويأخذ قليلًا في زمان واحد من غير منفعة حصلت له بذلك، وإنما هو رجل أخذ بعض حقه وترك بعضًا، ولا ربا هناك، ومنعه بعد الطول جملة؛ لأن ذلك فضة بفضة ليست يدًا بيد، فإن تفاضلت في العدد دخله ربا النساء أيضًا.
فأما إذا أخد دراهم سوى دراهمه، وسوى عيونها: فلا يخلو من أن يتساوى الوزن، أو يختلف.
فإن تساوى وزن ما أخذ وما أعطى: جاز.
وإن اختلفت العيون كالمراطلة.
وإن اختلف [العيون] (٤) بالوزن: فلا يجوز بالقرب. ويجوز بعد
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: يخلو.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٦ / ٣٤ ]
الطول؛ وإنما منعه بالقرب للتهمة في التفاضل بين [الفضتين] (١)؛ لأن ذلك مكايسة، وجوزه بعد الطول؛ لعدم التهمة لأن ذلك معاملة ثانية [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) في أ: القضيتين.
(٢) زيادة من ع.
[ ٦ / ٣٥ ]
المسألة التاسعة في استحقاق بعض أعواض الصرف
ولا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك بعد الافتراق أو بعد الطول في المجلس.
والثاني: أن يكون ذلك قبل الطول والافتراق.
فإن كان ذلك بعد التطاول أو بعد الافتراق: فإن الصرف منتقض ولا يلزم البدل، بل لا يجوز.
فإن [كان] (١) ذلك قبل الافتراق والتطاول: فلا يخلو من أن يكون الصرف على دراهم معينة، أو على دراهم غير معينة.
فإن وقع على دراهم معينة -على القول بأنها تتعين إذا عينت- فإن الصرف منتقض، والبدل جائز غير لازم.
فإن وقع الصرف على دراهم غير معينة فهل ينتقض الصرف بينهما؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن الصرف ينتقد، والبدل جائز، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن الصرف لا ينتقد، والبدل لازم، وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف: اختلافهم في النقود هل تتعين في العقد أم لا؟ ولا خلاف أنها لا تتعين إذا لم تعين، وإنما الخلاف في تعيينها إذا عينت هل تتعين أم لا؟
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٦ / ٣٦ ]
فعلى قول ابن القاسم: أنها تتعين بالقبض.
وعلى قول أشهب: أنها لا تتعين إلا بالمفارقة، وقد وقعت لهم في "المدونة" مسائل تدل على اضطراب الأقوال؛ فمنها ما وقع لابن القاسم في "كتاب السلم الثاني" فيمن شرط عين دراهمه في الإقالة: أن للمسلم إليه أن يعطيه غيرها؛ وهذا منه بناء على [أن] (١) النقود لا تتعين في العقود، وقال في "كتاب الرواحل والدواب" في وقوع الكراء بالدراهم المعينة ولم تجر العادة [بالنقد] (٢) ولا اشترطه أنه لا يجوز إلا بشرط الحلف، وهذا بناء منه على أنها تتعين.
وقال أشهب: إن ذلك جائز وإن لم يشترط الحلف، وهذا منه بناء على نفي التعيين.
وينبني الخلاف: على الخلاف في الدنانير والدراهم هل هي مرادة لأعيانها، أو هي مرادة لأغراضها؟
والمشهور أنها مرادة لأغراضها.
وقال بعض المتأخرين: لا خلاف أن النقود تتعين من جهة المشتري، والخلاف: هل تتعين من جهة البائع أم لا.
وفائدة ذلك وثمرته: [أنها] (٣) إذا عينت من جهة المشتري مثل أن يقول له: اشتريت منك هذه السلعة بهذه الدراهم بدراهم معه في جيبه أو في يده -أراه إياها- أو بالدراهم التي في صندوقه، أو التي لي عند فلان، ثم استحقت: فإن البدل لا يلزم المشتري إلا أن يشاء.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٦ / ٣٧ ]
فإذا رضي بالبدل: فإن ذلك يلزم البائع قبوله، ولا خيار له أو لا حجة له إذا أعطي ثمن سلعته، وإنما الحجة للمشتري أن يقول: إنما أردت الشراء بهذه الدراهم دون غيرها لغرض لي فيها؛ إما لمحلها، وإما لكونها تناولها من رجل صالح، أو ما أشبه ذلك [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من ع.
[ ٦ / ٣٨ ]
المسألة العاشرة في تعدي المودع على الوديعة فصرفها أو باعها إن كانت طعامًا
ولا يخلو ذلك من أحد وجهين:
أحدهما: أن يصرفها في جنسها.
والثاني: أن يصرفها في غير جنسها.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا صرفها في غير جنسها، مثل أن يشتري بها [عروضًا] (١) إن كانت عينًا، أو بيعها بالعين إن كانت [عروضًا] (٢) فالخيار في هذا الوجه ثابت للمودع إن شاء جوز صنيعه [ويأخذ ما عوض عليه برضا المودع المتعدي أو ما عاوض به بغير اختيار المتعدي. وإن شاء ضمنه] (٣) وإن شاء فسخ البيع وأخذ عين شيئه إن كان قائمًا، أو مثله إن كان فائتًا فيما يقضي بمثله، وسواء تصرف فيها لنفسه أو لربها في جميع ما ذكرناه في هذا الوجه.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا صرفها في جنسها؛ مثل أن تكون الوديعة دنانير فصرفها بدراهم، أو كانت طعامًا فباعها بطعام من غير نوعه: فالمذهب على خمسة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن رب الوديعة لا يجوز له الرضا بما صنع المودع ليأخذ ما وجد
_________________
(١) في أ: عرضًا.
(٢) في أ: عرضًا.
(٣) سقط من أ.
[ ٦ / ٣٩ ]
[بيده] (١) من عوض شيئه في العين والطعام، وهو نص قوله في المدونة في العين والطعام مثله؛ لتساويهما في ربا النساء على هذا الوجه [وكلا] (٢) النقدين لا يجوز فيهما الخيار، وهو نص قول أشهب في غير المدونة في الطعام، وهو اختيار الشيخ أبي عمران في العين والطعام.
والثاني: أن ذلك جائز، وهو نص "المدونة" في الطعام ويلزم مثله في العين؛ لشمول العلة لهما جميعًا.
ولا فرق في هذين القولين بين أن يكون [يتصرف] (٣) المودع لنفسه أو لربها.
والقول الثالث: بالتفصيل بين أن [يتصرف] (٤) فيها لنفسه: فيجوز لربها أخذ ما عوض عليه المتعدي، وبين أن يتصرف فيها لربها: فلا يجوز له الرضا بذلك لما فيه من الخيار، وهو [قوله] (٥) في "كتاب ابن المواز".
فإذا جاز له [أخذها] (٦) إذا تصرف فيها لنفسه هل يفتقر أخذها إلى رضا المتعدي أم لا؟
قولان: وظاهر قوله في "كتاب محمد": اعتباره، وظاهر "المدونة" أن أخذها لا يفتقر إلى رضا المتعدي؛ لأن أخذها منه نكاية عليه؛ لئلا يصل بتعديه إلى ما يريده، وهو نص "المدونة" في "كتاب السلم الثاني" و"كتاب الوكالة".
_________________
(١) في أ: من يده.
(٢) في أ: فكذا.
(٣) في أ: يصرف.
(٤) في أ: يصرف.
(٥) في أ: قول.
(٦) سقط من أ.
[ ٦ / ٤٠ ]
والقول الرابع: بالعكس؛ إن كان تصرف فيها المودع لنفسه: فلا يجوز للمودع أخذ العوض، وإن كان تصرف فيها لربها: جاز لربها أخذ ما أخذ فيها من العوض، وهو تأويل ابن أبي زمنين على "المدونة".
والخامس: التفصيل بين العين والطعام، وهو نص "المدونة" والفرق بينهما -على هذا القول- أن دنانير الوديعة حين اشترى بها المودع: فإن البيع لم يقع على أعيانها، وإنما وقع على ذمة المشترى؛ ودليل ذلك: لو استحققت تلك الدراهم فإن البيع لا ينتقض؛ لكون الذمة معمورة بالبدل؛ فلذلك لا يحصل لصاحب الدنانير أخذ الشيء المشتري.
وأما الطعام: فإن البيع وقع على عينه؛ لأنه هو المقصود، فلو استحق: لفسخ البيع؛ ولهذا جاز لصاحبه أخذ ما اشتري بطعامه.
وهذا الفرق لا بأس به، وإنما يصح هذا إذا لم يعلم المشتري بالتعدي، وحمل الأمر على أن الشيء للبائع، وأما لو علم بالتعدي ودخل على ما يوجبه الحكم من إجازة المودع أو رده: لكان عقدهما فاسدًا اتفاقًا.
وسبب الخلاف في المسألة: اختلافهم في الخيار الحكمي هل هو كالخيار الشرطي أم لا؟
فمن جعله كالخيار الشرطي: منع لصاحب الوديعة أخذ الشيء المشترى؛ لأن الصرف وتبايع طعامي الربا بعضها ببعض لا يقبل الخيار.
ومن جعل الخيار الحكمي مخالفًا للخيار الشرطي: جوز له أخذه.
وهذا الأصل متداع في غير ما موضع في المدونة؛ منها: قضاء الكفيل دنانير عن دراهم، وقد اختلف فيه قول مالك، ومنه ما قال في "كتاب السلم الثاني" في الذي دفعت إليه دنانير مثلها إليك في طعام فصرفها بدراهم لغير نظر، ثم اشتري بها طعامًا: أن لرب الدنانير أن يأخذه، وفي
[ ٦ / ٤١ ]
أخذه إجازة ما [نقض] (١) فيه من الصرف، وكذلك قوله في [مسألة] (٢) الذي أمر له أن يبيع له سلعة أو طعامًا فباعها بطعام أو غيره؛ حيث قال: [له] (٣) إجازة فعله، وغير ذلك مما لا يحصى كثرة.
وعلى القول بأنه لا يجوز له الرضا بذلك فإنه يباع ما اشتراه.
فما كان فيه من ربح فلرب الوديعة، وما كان من وضيعة فعلى المتعدي [والحمد لله وحده] (٤).
_________________
(١) في أ: نقص.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) زيادة من ع.
[ ٦ / ٤٢ ]
المسألة الحادية عشرة في البيع بكسر الدينار
ولا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يكون المستثنى جزءًا من الوزن، أو جزءًا من الذهب، أو يكون المستثنى من غير الذهب والورق.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان المستثنى جزءًا من الورق، مثل أن يبيع سلعة بدينار إلا درهمًا أو أكثر من ذلك.
فلا يخلو من أن يكون المستثني نقدًا، أو إلى أجل.
فإن انتقد المستثنى مع جميع الصفقة من غير أن يتأخر منها شيء: فإنه يتخرج على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: الجواز، وهو نصه في "المدونة"، وسواء كانت الدراهم المستثناة قليلة أو كثيرة.
والثاني: المنع وإن انتقض جميع الصفقة، وهو قوله في "كتاب السلم الأول"؛ لأنه أطلق فيه المنع في بيع الذهب بالفضة مع أحدهما سلعة أو ذهب مع أحدهما سلعة ولم يفصل بين اليسير والكثير كما [فصل] (١) في "كتاب الصرف".
وسبب الخلاف: هل تغلب شائبة الصرف على شائبة البيع وتحقق التهمة، أو تغلب شائبة البيع على الصرف فيجوز.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٦ / ٤٣ ]
وإن [توانى] (١) نقد المستثنى عن العقد: فلا يخلو المستثنى من أن يكون يسيرًا أو كثيرًا؛ فإن كان كثيرًا؛ مثل خمسة دراهم فأكثر فهل يجوز العقد ويكون الحكم للبيع والصرف ملغي؟ وهذا القول يتخرج على المذهب - أو لا [يجوز] (٢) ويكون الحكم للصرف، والبيع تبع، وهو نصه في "المدونة"؟.
وسبب الخلاف: الطوارئ هل تراعى أو لا تراعى؟
فمن اعتبرها: قال: يمنع في تحويل الصرف عند حلول الأجل أو مثل ذلك العدد المستثنى فَوَلى إلى الصرف نظره، ويتهمان أن يتدرعا بالبيع إلى صرف مستأخر.
ومن اعتبر الحال ولم يراع الطوارىء، والعدد المستثنى. أقل من صرف دينار جوز العقد مع التأخير.
فإن كان المستثنى يسيرًا كالدرهم والدرهمين على مذهب "المدونة" أو كالثلاثة - على ما قال مالك في "المبسوط" وهو قول ربيعة في "الكتاب" - فلا يخلو من أن يتعجل الجميع. أو [يتأجل] (٣) الجميع، أو يتعجل البعض [ويتأجل] (٤) البعض.
فإن تعجل الجميع: قولان، ونص "المدونة": الجواز.
فإن [تأجل] (٥) الجميع: فلا خلاف في المذهب أن ذلك لا يجوز؛ لأن ذلك دين بدين.
_________________
(١) في ع: تراخي.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ع: يتأخر.
(٤) في ع: ويتأخر.
(٥) في ع: تأخر.
[ ٦ / ٤٤ ]
وإن تعجل العينان وتأخرت السلعة: قولان: [فنص] (١) "المدونة" المنع لابن القاسم، والجواز لأشهب.
فإن تعجلت السلعة وتأخر العينان: فقولان، نص "المدونة" الجواز.
فإن تأخرت السلعة مع أحد العينين، أو تعجلت معه وتأخرت مع الآخر: قولان، مذهب "المدونة" المنع.
فهكذا تحصيل المذهب في هذه المسألة.
وسبب الخلاف: هل تغلب شائبة البيع على شائبة الصرف، أو [تغلب] (٢) شائبة الصرف على شائبة البيع؟
فمن غلب شائبة البيع على الصرف: قال بالجواز؛ لكونه مقصود الصفقة وجلها، وحكم للصرف لتهافته وتبعيته لحكم الأصل في البيع في جواز التأجيل كما يكون لحقير البيع في كثير الصرف حكم الصرف.
ومن غلب شائبة الصرف على البيع قال بالمنع.
ووجه المنع: ترجيح الحظر على الإباحة عند المصادمة لدى المصادفة؛ لأن ذلك صرف مستأخر، ولا فرق على هذا بين انفراد السلعة على العينين بالتأجيل، أو انفرادهما عنه بالتأجيل وهي معجلة.
فلئن جوزنا التناقد: قد [تنتجز] (٣) في المتجانسين وهو المطلوب.
أما ابن القاسم [﵁] (٤) فكأنه [رأى] (٥) أن المعجل متبوع
_________________
(١) في أ: ونص.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ع: تنفذ.
(٤) زيادة من ع.
(٥) سقط من ع.
[ ٦ / ٤٥ ]
بالمؤجل، ورأى أن التعجيل أمارة دالة [على المراد فتبلغه] (١) على المقصود.
فإذا انفرد المثمون بالتأجيل وانتقد العينين: أشعر انتقادهما [العينين] (٢) بكونهما قاصدين للصرف.
فإذا ثبت للعقد حكم الصرف: تعين التعجيل في لواحقه، ويكون تأخير بعض [أعواضه] (٣) كتأخير جميعها في الإبطال، أما إذا انفرد المثمون بالتعجيل عنهما: أشعر انتقاد المثمون [التعدي] (٤) [من] (٥) الربا بكون عامة قصدهما البيع حالًا والصرف ملغي؛ إذ ذمة [البائع غير مشغولة. بخير من النقد لدى العقد وذمة] (٦) المشتري مشغولة بدينار عند القضاء، إلا قدر الجزء المستثنى منه، وإنما هو بيع ثوب بدينار غير هذا المقدار؛ ولهذا الاعتبار لم يجز أن يتعذر النقصان [بمجهول] (٧) الدراهم لاختلاف الأسواق لما كان المراعي وقت القضاء.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان المستثنى جزءًا من الذهب؛ مثل أن يبيع سلعة بأربعة دنانير إلا خُمسًا أو أربعًا: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يتناقد الجميع، أو يتأخر الجميع، أو يتناقد البعض ويتأخر البعض.
فإن تناقد جميع أجزاء الصفقة؛ الثمن، والمثمون، والجزء المستثنى:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ع: النقدين المدبوبين.
(٣) في أ: أعراضه.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: عن.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ: بجمهور.
[ ٦ / ٤٦ ]
فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز، وهو نص "المدونة".
والثاني: المنع.
وسبب الخلاف: هل المشتري مخاطب بتسليم دينار الكسر، ويخاطب البائع بدفع الجزء المستثنى؟ أو المشتري مخاطب بدفع أربعة أخماس الدينار؟
فمن رأى أن المشتري مخاطب بدفع دينار الكسر: لم يرد على البائع الجزء المستثنى، فالصفقة مردودة لا تجوز وإن انتقد جميعها؛ لأن ذلك ذهب بذهب مع أحدهما سلعة؛ لأن الجزء الواجب على البائع رده إنما يقع على الذهب، ثم [يحطّ] (١) ذلك لدفع صرفه دراهم لتعذر وجود ذلك الجزء من الدينار على وجهه [وهو تأويل أبي القاسم بن المكاتب] (٢).
وإن تناقد البعض وتأخر البعض؛ مثل أن يتناقد الدينار الدنانير السالمة مع السلعة ويتأخر دينار الكسر أو بالعكس: فالمذهب أيضًا على قولين قائمين من "المدونة".
أحدهما: الجواز، وهو نص "المدونة".
والثاني: عدم الجواز، وهذا القول قائم من "المدونة" من مسألة السلعة إذا اشتراها بنصف دينار فيدفع إليه المشتري دينارًا وأخذ منه [فضلة دراهم] (٣) حيث قال: ذلك جائز إذا قبض السلعة.
_________________
(١) في ع: بعد.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: فضة بدراهم.
[ ٦ / ٤٧ ]
فراعى هاهنا نقد جميع ما احتوت عليه الصفقة حالًا ومآلًا [وهكذا الحكم إذا تأخر الجميع] (١).
وسبب الخلاف: ما أحدثاه [بعد العقد] (٢) هل [يعد] (٣) كأن العقد وقع عليه أم لا؟
فمن قدر أن للعقد تناوله حتى كأنه مشروط فيه: قال ببطلان العقد في المسألتين؛ لتأخير بعض أعواض الصرف.
ومن قدر أن ما أحدثاه بعد العقد لم يتناوله العقد ولا وقع عليه: قال بصحة الجميع، وهذا ضعيف جدًا.
وعلى القول بالجواز [فمن] (٤) يخاطب بتسليم دينار الكسر، هل المشتري مخاطب بدفع الدينار سليمًا، ويخاطب البائع بدفع الجزء المستثنى؟ أو البائع غير مخاطب بشيء إلا بدفع السلعة خاصة، ويكون المشتري مخاطبًا بدفع الثمن جملة؟ فهذا مما اختلف فيه المتأخرون تأويلًا على "المدونة".
فمنهم من قال: إن المشتري مخاطب بدفع دينار الكسر، ويخاطب البائع بدفع الجزء المستثنى على المشتري، وهو ظاهر "المدونة"؛ حيث قال: ينقده الأربعة وأخر الدينار الباقي حتى يأتيه بخمس أو ربع، ويدفع إليه الدينار فقال: لا بأس بذلك.
وعلى هذا يتخرج القول الذي قدمناه في أثناء التحصيل أن ذلك لا يجوز؛ لأنه ذهب بذهب مع أحدهما سلعة.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: بالعقد.
(٣) في أ: يقدر.
(٤) في أ: من.
[ ٦ / ٤٨ ]
ومنهم من قال: أن المخاطب بتسليم جميع الثمن هو المشتري؛ فإن كان الشراء بخمسة دنانير إلا خمسًا: فعليه تسليم أربعة دنانير [ذهبًا] (١) وأربعة أخماس الدينار صرفًا من الورق إذا لم يجد من الذهب مجموعة [يقضي] (٢) منها تلك الأجزاء، وذلك غاية المقدور، وهذا الذي اعتبره في منع المسألة من أصلها، إنما ذلك إذا وقع التأخير في بعض أجزائها.
وعلى القول بأن المخاطب بتسليم الجزء هو البائع يدفع من الدراهم قدر حصة الجزء المستثنى، ثم يأخذ دينارًا كاملًا لتعذر وجود الجزء بعينه: فإنما عليه صرفه من الدراهم من صرف يوم الحكم والقضاء اتفاقًا وعلى القول بأن المشتري هو المخاطب بتسليم بقية الأجزاء هل ذلك بصرف يوم القضاء، أو يوم التبايع؟
قولان، والصحيح: أن عليه صرفه يوم التبايع.
وسبب الخلاف: هل ذمة المشتري معمورة بجزء من الذهب في حال العقد ثم الصرف مالًا، أو ذمته لم تزل مشغولة بصرف بقية الدينار من يوم العقد.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا كان المستثنى من غير جنس الدنانير والدراهم؛ مثل أن يبيع سلعة بدينار إلا قفيز حنطة: فقد اختلف فيه المذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن (إلا) الذي هو من حروف الاستثناء لا يحمل على ظاهره في هذه المسألة، وهو فيها بمعنى: مع، وهو قول مالك في "المدونة"؛ حيث قال: كأنه اشترى سلعة مع قفيز حنطة بدينار.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: يقتضي.
[ ٦ / ٤٩ ]
والثاني: أن (إلا) الذي هو من حروف الاستثناء يحمل على ظاهره، ويركب عليه من الحكم ما يقتضيه من أن ينظر إلى قيمة القفيز فيسقط من الدينار، وما بعد ذلك فهو من ثمن السلعة، ولكن إنما يصح هذا بعد معرفتهما بقيمة القفيز، ولا يجوز إن جهلاها لأن ذلك مخاطرة.
وسبب الخلاف: اختلاف الأصوليين في الاستثناء من غير الجنس هل يجوز أم لا، والأشهر جوازه لغة وشرعًا، ولا يخفى ذلك على من طالع علم الأصول، ولسنا الآن نشرح [الدلالة] (١)، وقد جوزه مالك [﵀] (٢) في "المدونة" فيما إذا استثنى جزءًا من الورق، والورق ليس من الذهب -لا جنسًا ولا نوعًا-[وجوزه في كتاب الغصب أيضًا في الجبة والخاتم إذا قال: هذه الجبة لك وبطانتها لي وهذا الخاتم لك وفصه لي] (٣).
وهذا الذي اختاره بعض حذاق المذهب كأبي الوليد الباجي وغيره، وأما على نصه في المدونة أن (إلا) بمعنى: مع، فذلك مشكل، ولا يصح ذلك إلا إذا كان معروفًا عندهم في عرف الاستعمال بشرط أن يكون القفيز عند البائع وإلا كان بيع ما ليس [عنده] (٤) إلى غير أجل السلم كما قال أشهب [في المدونة والحمد لله وحده] (٥).
_________________
(١) في ع: الأدلة.
(٢) زيادة من ع.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: عندك.
(٥) سقط من أ.
[ ٦ / ٥٠ ]
المسألة الثانية عشرة فيما إذا صرف منه دينار [بدراهم] (١) ثم أخذ منه [بالدراهم] (٢) سلعة
ولا يخلو من وجهين:
إما أن يكون ذلك بشرط، أو بغير شرط؛ فإن كان ذلك بشرط مثل أن يصرف منه دينار [بدراهم] (٣) على أن يأخذ منه بالدراهم سلعة، وكانت حاضرة: فذلك جائز، والبيع إنما وقع على السلعة لا على الدراهم وإن سمياه صرفًا فهو بيع، والنظر إلى الفعل لا إلى القول.
وإن استحقت السلعة: فإنه يرجع بالدنانير التي دفع اتفاقًا، ولا ينظر إلى الدراهم.
وإن قبضها حين الصرف إذا وقع الشرط: فإن قبضها لا يفيد؛ إذ لا يقدر على البينونة بها لأجل الشرط، وإن استحق الدينار أو وجد به عيب رجع عليه [البائع] (٤) بمثله.
وأما إن كان ذلك بغير شرط؛ مثل أن يصرف دينارًا [بدراهم] (٥) ثم أخذ [بالدراهم] (٦) سلعة: فالصرف هاهنا أولًا، والبيع ثانيًا فإن استحقت
_________________
(١) في أ: بدرهم.
(٢) في أ: بدرهم.
(٣) في أ: بدرهم.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: بدرهم.
(٦) في أ: بدرهم.
[ ٦ / ٥١ ]
السلعة [لم] (١) يرجع المشتري على البائع.
فلا يخلو من أن يكون قد قبض الدراهم ثم ردها وأخذ السلعة [أو] (٢) لم يقبضها.
فإن أخذ الدراهم ثم ردها وأخذ السلعة: فإنه يرجع بالدراهم، والصرف صحيح لتقابضهما العوضين، وكونه قد رد الدراهم في الحال لا يؤثر بصحة العقد والقبض، وهو ظاهر "المدونة" من الوجه الأول؛ حيث قال: إذا قبضها بشرط فلا ينفعه ذلك القبض لأنه قبضها بشرط أن يردها ولا يتبين بها، [فإن] (٣) استحق الدينار في هذا الوجه: انتقض الصرف، ويرجع عليه بالدراهم، والبيع صحيح لا يرد، وأما [إذا لم يقبض] (٤) الدراهم حتى أخذ بها سلعة: فهاهنا إن استحقت السلعة رجع بالدينار ولا يرجع بالدراهم لأنه إن رجع بها صار صرفًا مستأخرًا للتهمة في أن يعملا على ذلك. ولو استحق الدينار ووجد به عيبًا: بطل الصرف، ويرجع على قابض السلعة بمنزلة من اشترى سلعة بدرهم: فعليه دفع تلك الدراهم، قاله أبو القاسم بن محرز [والحمد لله وحده] (٥).
_________________
(١) في أ: فيم.
(٢) في أ: و.
(٣) في أ: وإن.
(٤) في أ: إن لم تقبض.
(٥) زيادة من ع.
[ ٦ / ٥٢ ]
المسألة الثالثة عشرة في شرح مسألة سعيد بن المسيب [﵀] (١)
وهو إذا باع حنطة بدينار ونصف درهم، فلم يجد عند المشتري نصف درهم، فأراد أن يأخذ منه عوضه: فلا يخلو ما يأخذ منه من أن يكون [عرضًا] (٢) أو طعامًا.
فإن كان [عرضًا] (٣): جاز قبل القبض وبعده، ولا علة تبقى هنالك.
فإن كان المردود للبائع طعامًا: فلا يخلو من أن يكون ذلك قبل الغيبة على [الشراء] (٤) أو بعد الغيبة عليه.
فإن كان ذلك بعد الغيبة عليه: فلا يجوز البيع اتفاقًا؛ لأن ذلك طعام بطعام ليس يدًا بيد.
فإن كان ذلك قبل الغيبة، وقبل القبض أو بعده: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يكون المردود عين المشتري، أو [من] (٥) نوعه، أو [من غير] (٦) جنسه.
فإن كان عين المشتري، وكان قبل القبض: فلا يجوز اتفاقًا؛ لأن ذلك
_________________
(١) زيادة من ع.
(٢) في ع: عوضًا.
(٣) في ع: عوضًا.
(٤) في أ: المشتري.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٦ / ٥٣ ]
بيع الطعام قبل قبضه، والمشتري هو البائع في هذا الوجه.
وإن كان بعد القبض: فالمذهب على قولين: الجواز، والمنع والقولان قائمان من "المدونة".
وسبب الخلاف: هل يحمل فعلهما على الإقالة فيجوز؛ لأن الإقالة من بعض المكيل قبل الغيبة على الطعام جائزة عنده، أو يحمل على البيع ثم لا يجوز؛ لأن ذلك طعام بطعام متفاضلًا؟
فإن كان المردود من نوع المشتري؛ مثل أن يكون المشتري حنطة والمردود شعيرًا: فيمنع اتفاقًا أيضًا، والعلة فيه التفاضل بين الطعامين لكون الدينار مع أحد الطعامين وله حصة في الطعام المنفرد.
فإن كان المردود من غير جنس المشتري؛ مثل أن يكون المشتري حنطة، والمردود زبيبًا: فالجواز اتفاقًا؛ لجواز التفاضل بين الجنسين.
فرع: ولو ابتاع بدراهم لحمًا فأخرج درهمًا ناقصًا، وقال للبائع: خذ [عوض] (١) ما نقص من الدرهم لحمًا [لم يجز] (٢) ودخله أربعة أوجه من الربا: التفاضل بين الفضتين، والتفاضل بين الطعامين، وبيع الطعام قبل قبضه، والاقتضاء من ثمن الطعام طعامًا.
ولو كان ذلك بعد أن قبض الطعام: دخله كل ما ذكرنا إلا بيعه قبل قبضه [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) زيادة من ع.
[ ٦ / ٥٤ ]
المسألة الرابعة عشرة في شراء بعض الورثة الحليّ من التركة
والكلام في هذه المسألة على صورتها وتنزيل المعاني المختلفة لأجل اختلاف الرواة في الضبط؛ لأن المعاني تختلف باختلافه، ونص المسألة في الكتاب: أرأيت لو أن رجلًا هلك فباع ورثته ميراثه، فكانوا إذا بيع الشيء فمن يريد أخذه وكتب على نفسه الثمن حتى يحسب ذلك عليه في حصته فبيع في الميراث على ذهب أو فضة، أو بيع ما فيه الذهب والفضة؛ مثل السيف وما أشبهه فقال مالك: لا يباع من ذلك ما كان فيه الذهب والفضة إلا بنقد من الورثة أو غيرهم.
واحتج مالك [فقال] (١): ألا ترى أن لو تلف بقية [الملك] (٢) أليس يرجع عليهم فيما صار عليهم، وفي رواية أخرى: فيما صار لهم، وفي رواية: يرجع عليهم، على فعل ما لم يسم فاعله.
وصورة المسألة: أن الوارث الذي اشترى قد قبض حصة بقية الورثة فيما اشترى، وانتظر بدفع الثمن المحاسبة، وذلك صرف مستأخر، ويفسخ البيع، ويرد على أصحابه سهامهم من الحلي، ويتماسك بحصته، ولا يلزمه أن يرد جميع الحلي حتى يبتدئوا قسمته؛ لأن المفاضلة والمناجزة وقعت بينهم في الحلي المبيع بإمساك قدر حصته منه ودفع الباقي إلى من هو له، وليس لهم أن يأبوا ذلك عليه، وهو نص قول مالك في "كتاب محمَّد".
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ع: المال.
[ ٦ / ٥٥ ]
واحتجاج مالك - ﵁ - بالمال أن لو تلف أن شراءه ليس بقسمة [ناجزة] (١) لانتظارهم [المحاسبة] (٢)، وهذه صورتها على الجملة، وإنما الغموض والإشكال في تنزيل المعاني التي أوجبها اختلاف الروايات في الضبط، والله المستعان على ما نرومه من الشرح والبيان:
أما قوله: ألا ترى أن لو تلف بقية المال [أليس] (٣) يرجع عليهم [فيما] (٤) صار عليهم؟ فيحتمل أن يريد بالبقية بما بقي من المال في الوسط لم يكتبه واحد منهم على نفسه فيكون ضمانه من الورثة جميعًا.
وقوله: "يرجع عليهم [فيما] (٥) صار عليهم": فيحتمل أن يريد بقوله: يرجع عليهم [بقية الورثة الذين لم يكتبوا على أنفسهم شيئًا. وقوله: فيما صار عليهم يحتمل أن يكون بمعنى صار لهم يريد بالكتابة على أنفسهم] (٦) فيقتسمونه لأنه في ضمانهم جميعًا.
ويحتمل أن يريد بقوله: "عليهم" على ظاهره، ويكون ما كتبوه على أنفسهم وقبضوه قد ادعوا تلفه ولا يعلم ذلك إلا بقولهم: فيجب عليهم المثل أو القيمة فيما يرجع إلى القيمة أن يخرجوه من أموالهم ويقسموه بينهم على فرائضهم، ويكون كأنه جميع التركة ويحتمل أن يريد بقوله: أليس يرجع عليهم: يريد [الوارث] (٧) الذي كتب على نفسه أولًا فيرجع على بقية الورثة بما كتبوه هم على أنفسهم كما كتب هو وقد تلف ما كتب هو على
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ع: المحبوسة.
(٣) في أ: أنه.
(٤) في أ: بما.
(٥) في أ: بما.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
[ ٦ / ٥٦ ]
نفسه وقبضه، وكان تلفه ببينة أو بغير بينة؛ [وكان] (١) الضمان من [جميع] (٢) الورثة، واسم البقية يصلح إطلاقها، على ما قبض وعلى ما لم يقبض، وكذلك البعض أيضًا يطلق على الواحد وعلى أكثر وذلك لا ينكره إلا جاهل بوضع اللغة وعرف الشريعة.
وقوله في الرواية الأخرى: أليس يرجع عليهم على ما لم يسم فاعله: معناه يرجع على من كتب على نفسه شيئًا فيما صار عليه من القيمة إن تلف وجهل السبب على رواية: فيما صار عليهم أو يرجع عليهم فيما صار لهم بالكتبة وقبضوه ويكون قائمًا بأيديهم على رواية: "لهم"، ويحتمل قوله: يرجع عليهم أيضًا طرآن الغرماء إذا طرؤوا وقد تلف بقية المال ولم يبق إلا ما اشتراه الوارث فيقتسمه الغرماء فيما بينهم، والله أعلم بمراد مالك في هذا الأمر، والمسألة محتملة غير ما ذكرناه، ولكن ما ذكرناه أجلى الاحتمالات [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) في أ: لأن.
(٢) سقط من أ.
(٣) زيادة من ع.
[ ٦ / ٥٧ ]
المسألة الخامسة عشرة فيما إذا أسلفه دراهمًا أو عروضًا ثم اشترى [منه] (١) بالدراهم أو باع منه بالعروض
ولا يخلو سلفه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يشترطا [فيه] (٢) الحلول، والنقد.
والثاني: أن يشترطا الأجل، وسمياه.
والثالث: أن يبهم الأمر بينهما.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا وقع السلف على النقد والحلول وكان دراهم فصرفها منه بدنانير قبل أن يبرح: فإن ذلك جائز إذا قبض المسلف الدراهم التي هي صرف الدينار في الحال؛ لأن سلفهما على الحلول، وله أن يقبض منه متى يشاء.
فإذا أخره به بعد ما أخذه منه الدينار وعلم أنهما قد قصدا إلى صرف مستأخر، وجعلا السلف ذريعة إلى جوازه.
فإن اشترى بها منه عرضًا من العروض أو طعامًا إلى أجل مثل أجل السلم: جاز، وإن كان إلى غير [أجل] (٣) السلم: لم يجز؛ لأن ذلك بيع ما ليس عنده.
والجواب على الوجه الثاني: إذا كان العرض إلى أجل ثم اشترى [به] (٤)
_________________
(١) في أ: منها.
(٢) في أ: منه.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٦ / ٥٨ ]
منه عروضًا أو طعامًا، فإن كان ذلك على النقد: جاز، وإن كان إلى أجل لم يجز؛ لأن ذلك بيع الدين بالدين.
وإن صرف بها دنانير من عنده: لم يجز أيضًا؛ لأن ذلك صرف مستأخر فكأنه أخذ دنانير في دراهم إلى أجل، والدراهم كأنها لم تكن؛ لأن ما قبض في الحال ورد في الحال كأنه لم يكن بحال.
والجواب على الوجه الثالث: إذا أبهم الأمر؛ مثل أن يسلفه ولم يذكر الحلول، ولا الأجل على ماذا يحمل؟
[فالمذهب] (١) على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يقتضي التأجيل وعليه يحمل، ويضرب له من الأجل مقدار ما يرى أنه رفق في السلف، وهي رواية يحيى عن ابن القاسم في غير "المدونة" وهو ظاهر قوله في "كتاب الصرف"؛ حيث قال: لأنك أخذت دراهمًا بدنانير تكون عليك إلى أجل والأجل غير مذكور في أصل السلف؛ فدل أن السلف المطلق يقتضي التأجيل، ويؤخذ أيضًا من "كتاب العارية" من "المدونة" في الذي أعار لرجل عرصته فبنى فيها ولم يضربا لعاريتهما أجلًا: فإنه يضرب لهما من الأجل ما يعار لمثله.
والقول الثاني: أنه يحمل على النقد، وهو قول أشهب و[به قال] (٢) ابن القاسم في غير "المدونة"، وهذا القول قائم من "المدونة" ومن كتاب الصرف أيضًا من الذي استلف دراهم من رجل ثم اشتري بها منه مكانه حنطة أو ثيابًا؛ حيث قال: فإن كان السلف إلى أجل: جاز ذلك على النقد، وإن كان حالًا: جاز ذلك يدًا بيد، وفي بعض
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٦ / ٥٩ ]
الروايات: أو إلى أجل.
وقال أبو عمران: يريد مثل أجل السلم، بقوله: [أو] (١) إلى أجل [دليل] (٢) على أن قوله: على النقد: هو على الحلول، إلا أن يشترط الأجل على اختلاف الروايات في إثبات هذا الحرف، وهو [قوله] (٣) أو إلى أجل.
قال سحنون: وهو حرف سواء وأمر بطرحه.
وقال ابن وضاح: هو لأشهب.
وقال بعض المتأخرين: ومن قول أشهب أدخله سحنون، وهو يجيز ذلك؛ لأنه "من" قول مالك.
وقال فضل بن سلمة: ما طرحه سحنون إلا لكونه أسلم [عينًا] (٤) عليه في ذمته في طعام إلى أجل، وهو الدين بالدين.
وسبب الخلاف: هل الأصل في [القرض] (٥) الأجل حتى يصرح فيه بأنه على الحلول أو الأصل فيه النقد والحلول حتى يصرح بالأجل؟ فمن رأي أن المقصود في العرض المعروف والرفق بالمستقرض يقول: إن الأجل فيه هو الأصل؛ إذ لا فرق في الحلول؛ [لأن لصاحبه أن يطالبه في الحال.
ومن رأي أن الأجل نفسه معروف زائد على معروف القرض يقول: إنه على الحلول] (٦) حتى يشترط الأجل؛ لأن المعروف لا يطالب به إلا فيما أوجبه على نفسه.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: قولنا.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ع: القضاء.
(٦) سقط من ع.
[ ٦ / ٦٠ ]
وهكذا الحكم في العروض؛ إذا أقرضه عرضًا إلى أجل: جاز أن يبيعه منه بالنقد، ولا يجوز إلى أجل، وهو بيع الدين بالدين.
فإن كان العرض نقدًا: جاز أن يبيعه منه نقدًا أو إلى أجل، وإن أبهم الأمر: فقولان، على ما قدمناه في العين [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من ع.
[ ٦ / ٦١ ]
المسألة السادسة عشرة في البيع والصرف
ولا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك في جنسين.
والثاني: أن يكون في الجنس الواحد.
فإن كان ذلك في جنسين، مثل أن يشتري سلعة وذهبًا بدراهم، أو يشتري سلعة ودراهم بدنانير: فلا يخلو ما مع السلعة من أحد النقدين إما أن يكون كثيرًا أو يسيرًا.
فإن كان كثيرًا: فهل يجوز البيع، أو لا يجوز؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" وهو مشهور المذهب.
والثاني: أن ذلك جائز، وهو قول أشهب في أول "كتاب الصلح" في الذي اشترى سلعة بذهب، ثم وجد بها عيبًا، فصالحه البائع على دراهم نقدًا؛ حيث قال: جاز إن كانت أقل من صرف دينار، وإن كانت أكثر من صرف دينار: لم يجز.
وقال أشهب: ذلك جائز وإن كان أكثر من صرف دينار.
وعلى القول بأنه لا يجوز إذا كان الذهب أو الدراهم كثيرة، فما حد تلك الكثرة؟
[ ٦ / ٦٢ ]
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن حد الكثرة فيها: ما كان قدر صرف دينار، وهو نص قول مالك [في "المدونة"] (١) في "كتاب الصرف" و"كتاب الصلح".
والثاني: أن المعتبر في ذلك أن يكون أكثر من صرف دينار؛ أي: جُله، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الصرف" أيضًا، وبه قال ابن الموَّاز.
وسبب الخلاف في البيع والصرف: اختلافهم في عقديهما، هل هما عقدان متضادان، أو عقدان متماثلان؟
فمن رأي أنهما متماثلان لكون عقد البيع يجوز فيه الخيار والأجل والحوالة، وعقد الصرف لا يجوز فيه شيء من ذلك ولا يحتمله قال: لا يجوز اجتماعهما لتنافرهما وتدابرهما، وكل عقدين متضادين وضعًا فلا يجوز اجتماعهما شرعًا، وكذلك ما عدا البيع من سائر العقود، وهي ستة، ويجمعها ["جص مشنق" الجيم: جعل وبيع. والصاد: صرف وبيع، والميم: مسافات وبيع، والشين] (٢) شركة وبيع، والنون: نكاح وبيع، والقاف قراض وبيع، ولا يجوز عقد الصرف مع عقد من هذه العقود لما بينهما من التنافر.
ومن رأي أنه عقد معاوضة، وأنه نوع من أنول البيوع قال: يجوز الجمع بينه وبين سائر العقود، وأصل ذلك نكاح وبيع إذا عرف ما ينوب [البضع] (٣) من الثمن، وإن كان عقد النكاح يجوز فيه ما لا يجوز في البيع؛ لكون النكاح مبني على المسامحة [والمكارمة] (٤) والبيع مبني على
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: البيع.
(٤) سقط من أ.
[ ٦ / ٦٣ ]
المكايسة والمغابنة وكذلك إذا كان مع العقدين سلعة فإنه يعتبر أيضًا أن تكون قيمة السلعة صرف دينار أو أقل على حسب ما ذكرنا في أحد العينين إذا كان مع [السلعة] (١): فإن ذلك لا يجوز عند ابن القاسم وإن انتقد جميع الصفقة.
فإن كان أقل من صرف دينار: جاز إذا انتقد جميع الصفقة.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان في الجنس الواحد؛ مثل أن يشتري سلعة وفضة بفضة: فلا يخلو من أن يكون ذلك في الكثير من الفضة، أو في اليسير منها.
فإن كان ذلك في الكثير منها؛ مثل أن يشتري سلعة بدرهم ونصف فيدفع له درهمين، ويرد عليه البائع نصف درهم مع السلعة، أو بثلاثة دراهم ونصف، فيدفع له أربعة ويرد عليه نصف الدرهم مع السلعة: فإن ذلك لا يجوز، وكذلك فيما هو أكثر من ذلك.
وقال ابن القاسم في "المدونة": وأصل قول مالك: أن الفضة [بالفضة] (٢) مع إحدى الفضتين أو مع واحدة منهما سلعة من السلع: أن ذلك لا يجوز -كانت السلعة يسيرة أو كثيرة- لقوله ﵇: "الفضة بالفضة ربا إلا هاء وهاء مثلًا بمثل" (٣) وفي حديث آخر: "كيلًا بكيل، ولا تبيعوا بعضها على بعض" (٤) فإذا كانت السلعة مع إحدى الفضتين: لم تحصل المماثلة؛ لأن للسلعة حق في الفضة [المفقودة] (٥) وعلى هذا المعنى
_________________
(١) في ع: السلعتين.
(٢) سقط من أ.
(٣) أخرجه البخاري (٢٠٦٦) ومسلم (١٥٩٠).
(٤) أخرجه أحمد (٧١٧١) وابن أبي شيبة (٤/ ٣٢٠) بسند صحيح.
(٥) سقط من أ.
[ ٦ / ٦٤ ]
تتنزل مسألة أبي البلاط المكي حين سأل عبد الله بن عمر [رضي الله] (١) عنه وقال: أنا تاجر من البحرين ولهم دراهم صغار فنشتري البيع هنالك [فيردوا] (٢) علينا من الدراهم الصغار، فقال له عبد الله بن عمر: ذلك ربا، فقال له أبو البلاط: يا أبا عبد الرحمن: إن الدراهم الصغار لو وزنت كانت سواء، قال: فأخذ عبد الله بن عمر بيده حتى دخل به المسجد فقال: هذا الذي ترون يريد أن آمره بأكل الربا.
ومعنى قول أبي البلاط: فنشتري البِيَع: جمع بيعة، بمعنى صفقات.
ومعنى قوله: فيردوا علينا الدراهم الصغار: يريد أن الدراهم التي يشترون بها دراهم كبار، فإذا اشتروا الصفقة نقدوا فيها الكبار على حسب دراهمهم؛ مثل أن تكون الصغار على النصف من الكبار، وربما يشترى مثلًا بأحد عشر أو ثلاثة عشر درهمًا من الدراهم الصغار، فإذا دفع إليه المشتري من الكبار خمسة أو ستة بقي للبائع عليه نصف درهم فيدفع له البائع درهمًا مع السلعة من الدراهم الصغار ليدفع إليه المشتري درهمًا كاملًا: فمنعه عبد الله بن عمر؛ لأن ذلك فضة بفضة مع إحداهما سلعة، وذلك حرام لا يجوز.
فإن كان ذلك في اليسير منهما؛ مثل أن يشتري ببعض الدرهم سلعة ويسترجع ببقيته فضة، فهل يجوز ذلك، أو لا يجوز؟ فالمذهب على ستة أقوال:
أحدها: أن ذلك لا يجوز جملة، وهو قول مالك فيما [حكاه] (٣) عنه أشهب في "كتاب محمد" وفي "العتبية".
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: فيرد.
(٣) في أ: حكى.
[ ٦ / ٦٥ ]
والثاني: أن ذلك [جائز في] (١) القليل والكثير، وهو قول أشهب في الكتاب المذكور.
والثالث: أن ذلك [يجوز] (٢) في القليل دون الكثير، وهو قول مالك في "المدونة".
والرابع: أنه يجوز أن يأخذ ببقية [الدرهم] (٣) سلعة وباقيه فضة، ولا يأخذ نصف درهم فضة ونصفه فلوسًا، وهو قول مالك في "كتاب محمد" أيضًا.
والخامس: بالتفصيل بين البلد الذي فيه [الفلوس والدراهم الصغار] (٤) كالأرباع والأنصاف والخراريب: فلا يجوز ذلك فيه، وبين البلد الذي لا يجوز فيه ذلك: فيجوز للضرورة، وهو قول بعض المتأخرين.
[والسادس: أنه لا يجوز في بلد فيه الفلوس، ويجوز في بلد فيه الدراهم الصغار، وهو قول أشهب أيضًا.
وعلى القول بأنه يجوز في القليل والكثير] (٥)، فقد اختلف في حد القليل على قولين:
أحدهما: أن النصف في حيز القليل، وهو قوله في "كتاب الصرف".
والثاني: أن الثلث في حيز اليسير، والنصف في حيز الكثير وهذا القول قائم [من المدونة] (٦) في السيف المحلى.
_________________
(١) بياض في أ.
(٢) في أ: لا يجوز.
(٣) في أ: الدراهم.
(٤) في أ: فلوس ودراهم صغار.
(٥) سقط من ع.
(٦) في ع: من قوله.
[ ٦ / ٦٦ ]
وسبب الخلاف في أصل المسألة: اختلافهم في هذا المعنى هل ذلك ضرورة عامة ومشقة تامة فيؤثر في إباحة المحظور [وأصل المذهب عندنا أن للضرورة تأثير في إباحة المحظور] (١) وهو ظاهر قول مالك في "الكتاب"؛ حيث قال: لأنها نفقات لا تكاد تنقطع، فاستدل بأن مكة لا يجوز دخولها إلا بإحرام، ثم إنه رخص للمترددين إليها بالفاكهة والحطب والحشيش أن يدخلوها بغير إحرام؛ لما عليهم من المشقة والمؤونة في الإحرام عند كل تكرار، أو لا مضرة في ذلك لأنه قادر على أن يشتري بجميع الدرهم، ثم يأخذ حاجته ويبيع ما بقي [أو] (٢) ينفق من عند البائع حتى يتكامل له عنده درهم أو أكثر فيعطيه [إياه] (٣)، أو يقدم له هو درهمًا ثم يستخرج النفقة من عنده شيئًا فشيئا حتى يفرغ الدرهم ولا يعمل بالربا المحرم؛ لأن ذلك فضة بفضة مع إحداهما سلعة.
وهذا الذي قدمناه في المعاملات، وأما الاقتضاء؛ مثل أن يبيع له سلعة بثلثي درهم [ثم يعطيه سلعًا ويأخذ الدرهم، أو يقرضه ثلث درهم] (٤) ثم يعطيه عند القضاء ثلث الدرهم ويأخذ منه الدرهم كاملًا، فهل يجوز أم لا؟
فالمذهب يتخرج على ثلاثة أقوال:
أحدها: الجواز جملة.
والثاني: المنع جملة.
والثالث: أنه يجوز في اقتضاء ثمن البيع، ولا يجوز في اقتضاء
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: أن.
(٣) سقط من ع.
(٤) سقط من ع.
[ ٦ / ٦٧ ]
القرض، وهي رواية [عيسى] (١) عن ابن القاسم: أنه يجوز في [الاقتضاء] (٢) من درهم كما يجوز في أصله، ولا يجوز في الاقتضاء من القرض كما لا يجوز في أصله؛ لاتفاقهم أنه لا يجوز له أن يدفع [له] (٣) درهمًا أثلاثًا ثم يأخذ [منه] (٤) الدرهم الكامل من غير مراطلة؛ لأن ذلك ربا التفاضل، فينبغي أن لا يجوز [عند] (٥) الاقتضاء كما لا يجوز يدًا بيد، وهذه العلة [معدومة] (٦) في اقتضاء درهم البيع.
ووجه من جوز في الجميع جملة: أنهم لم يقصدوا في ذلك إلا [الرفق في] (٧) القضاء والاقتضاء دون المصارفة والمكايسة.
ووجه من منعه جملة: أن ذلك مخاطرة، وكل واحد لا يدري مقدار ما أخذ إن كان وزن مثل ما دفع أو أقل أو أكثر مع التهمة أن يكونا قد تعاملا على ذلك ابتداء [والحمد لله وحده] (٨).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: اقتضاء.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: في عقد.
(٦) في أ: مقدومة.
(٧) في أ: في الرفق.
(٨) زيادة من ع.
[ ٦ / ٦٨ ]
المسألة السابعة عشرة في صرف بعض الدينار
وقد اختلف المذهب في صرف بعض الدينار، والذي يتخرج من "المدونة" في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك لا يجوز، وهو نص قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: الجواز، وهو ظاهر قول ابن القاسم فيما إذا صرف دينارًا من رجلين لبقاء الشركة بين المشتريين [في الدينار] (١)، وهو ظاهر قوله آخر الكتاب [أيضًا] (٢) فيما إذا أسلف لرجل دينارًا؛ حيث قال: يجوز أن يأخذ سدسه دراهم، وهذا صرف بعض الدينار بعينه.
والقول الثالث: بالتفصيل بين أن تكون الشركة بين البائع والمشتري ثم لا يجوز، أو تبقى بين المشتريين في الدينار فيجوز، وهو نص "المدونة".
وسبب الخلاف: هل المعتبر إبقاء الشركة بين البائع والمشتري خاصة، أو المعتبر كون [المشتري] (٣) لا يقدر على البينونة بما اشترى، ولاسيما على ما علل به في المدونة بأنه إنما أخرج دراهم ولا يأخذ عند المقاسمة إلا الدراهم من ذلك درهم بدرهم ليست يدًا بيد مع تفاضلهما، فيدخل فيه الربا من وجهين [والحمد لله وحده] (٤).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: البائع.
(٤) زيادة من ع.
[ ٦ / ٦٩ ]
المسألة الثامنة عشرة في الاقتضاء
ولا يخلو ذلك من ستة أوجه:
أحدها: اقتضاء المسكوك عن المسكوك.
والثاني: اقتضاء المتبور عن المتبور.
والثالث: اقتضاء المصوغ عن المصوغ.
والرابع: اقتضاء المسكوك [عن] (١) المتبور، أو المتبور [عن] (٢) المسكوك.
والخامس: اقتضاء المطبوع عن المصنوع، أو المصنوع عن المطبوع.
والسادس: اقتضاء المصنوع عن المتبور، أو المتبور عن المصنوع.
ونعني بالمطبوع: السكي، و[نعني] (٣) بالمصنوع: الحلي.
فأما المسكوك عن المسكوك: فلا يخلو من أربعة أوجه:
أحدها: اقتضاء القائمة عن الفرادى، أو الفرادي عن القائمة.
والثاني: اقتضاء القائمة عن المجموعة، والمجموعة عن القائمة.
والثالث: اقتضاء الفرادى عن المجموعة، والمجموعة عن الفرادى.
والرابع: اقتضاء المحمدية عن اليزيد، واليزيدية عن المحمدية، أو السمراء عن المحمولة، أو المحمولة عن السمراء.
فبنا أن نقدم القول في شرح هذه الألقاب قبل الخوض في مقصود
_________________
(١) في أ: على.
(٢) في أ: على.
(٣) سقط من أ.
[ ٦ / ٧٠ ]
المسألة، والكلام في ذات الشيء قبل الكلام في أوصافه.
فالقائمة: مأخوذة من اسمها، ومشتقة من رسمها؛ سميت بهذا الاسم لقيامها بنفسها [واستغنائها] (١) عن غيرها، كما يقال: فلان قائم بأمر نفسه ومستقل به إذا كان لا يحتاج إلى مقاصد ومؤازر، وهي تجري بعددها في المعاملات، وقد بالغ ابن القاسم في وصفها [في الكتاب] (٢) حيث قال: إذا اجتمع منها مائة في العدد زادت في الوصف دينارًا، وذلك غاية الكمال.
والفرادى: مأخوذة من اسمها، ومشتقة من رسمها؛ لأن كل واحد منهما منفرد بنفسه ومستقل بحكمه في الجريان، ولا يحتاج فيها إلى الوزن، على عكس القائمة.
والمجموعة: مأخوذة من اسمها أيضًا، سميت بذلك لاجتماعها في الوزن لأن الدينار يجتمع منها بالأثمان والأسداس والأثلاث والأرباع دون أن يحذفها دينارًا قائمًا، والمائة فيها مجموعة من دنانير مجموعة، ولا تجري بعيونها في المعاملات، وإنما تجري بوزنها في أغلب الأحوال.
والمائة منها مائة بصحة المائة بلا مزيد عليها فهذا حد كل جنس من غير زيادة على المقصود، ولا بخس.
فأما اقتضاء القائمة من الأفراد والأفراد من القائمة فجائز من غير اكتراث [بما] (٣) تقدم من الذمة منها؛ لأن التطاول فيها من جهة القائمة خاصة إن أخذت القائمة عن الأفراد كان من حسن القضاء، وإن أخذت الأفراد عن
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: أن.
[ ٦ / ٧١ ]
القائمة كان من حسن الاقتضاء، إلا أن تكون القائمة أقل عددًا من الأفراد فيكون مبايعة؛ لأنه اغتفر عدد الأفراد بعيوب القائمة وذلك ربا.
وأما اقتضاء القائمة من المجموعة، أو المجموعة من القائمة: فإن المعتبر فيهما الثابت في الذمة أولًا مجموعة، فإن كان الثابت في الذمة مجموعة فقضي عنها القائمة جائز، وإن كان الثابت في الذمة قائمة: فغير جائز أن تقضي المجموعة عنها لدخول الربا فيها بمعنى المبايعة، إن كان في الذمة قائمة فقد ترك الوزن وجودة عين القائمة لفضل [عدد] (١) المجموعة، وهذا المعنى الذي علل به موجود فيما إذا كان الثابت في الذمة مجموعة؛ لأنه قد قد ترك العدد لفضل العيون والوزن في القائمة.
ولأشهب في "العتبية" أن المجموعة تقتضي من القائمة.
وقد فرق بين السؤالين بعض المتأخرين على قول ابن القاسم.
وقال: إذا كان الثابت في الذمة قائمة فقد ثبت له عليه دين بشريطة العدد فصار له الحكم، فإذا أخذ فيها مجموعة أكثر عددًا علمنا أنه إنما ترك ما وجب [له] (٢) من عدد القائمة وفضل عيونها لكثرة عدد المجموعة، بخلاف ما إذا [كان الثابت] (٣) في الذمة مجموعة فلم يرتب له عددًا معلومًا إذ عدد المجموعة الوزن يسقط حكمه ثم لا تأثير له، فقد أخذ أكثر وزنًا وأفضل عيونًا، فالفضل من جهة واحدة فجاز.
وهذا الفرق ظاهر إذا كان العدد معتبرًا عندهم، وأما إذا كان العدد عندهم غير معتبر: فلا فرق، ويعد ذلك اختلاف قول.
_________________
(١) في أ: غير.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: كانت.
[ ٦ / ٧٢ ]
وأما اقتضاء الأفراد عن المجموعة، أو المجموعة عن الأفراد: فغير جائز لتقابل الفضول من [الجهتين] (١)؛ وذلك أنه اعتبر وزن الفرادى لفضل عيونها، واغتفر الآخر شر عيون المجموعة لفضل وزنها أو عددها فتكون مبايعة، اللهم إلا أن يترك وزن عيون المجموعة فيأخذها بوزن الأفراد فيجوز إذ الفضل من جهة الأفراد خاصة ما لم يكن لكثرة العدد عندهم فرية وفضيلة فيجرى على قولين: الجواز، والمنع، وينبني الخلاف على الخلاف في الاقتضاء [هل هو كالمراطلة] (٢) أم لا؟
فإن قلنا: أنه كالمراطلة، فالعدد غير معتبر فيجوز، وإن قلنا إنه ليس كالمراطلة فهو معتبر.
والقولان قائمان من "المدونة" من قوله: إذا كان الثابت في الذمة قائمة فلا تقتضي منها المجموعة، فاعتبر العدد ولم يغيره في العكس إذا كان الثابت في الذمة مجموعة، بل جوز، وكل سواء.
وأروج عبارة في هذا أن يقال: إذا كان الفضل من جهة واحدة: جاز، وإن كان من جهتين كفضل السكة من أحدهما وجودة الذهب من الآخر، واختلف الوزن: وقع الربا.
فإن استوى الوزن: جرى على القولين في [الاقتضاء] (٣) هل هو كالمراطلة أم لا؟
وتحصيل ذلك على ما في المدونة والعتبية: أن القائمة تقتضي من كل شيء، والمجموعة لا تقتضي شيء، والفرادى تقتضي من القائمة،
_________________
(١) في أ: جهتين.
(٢) سقط من ع.
(٣) في أ: القضاء.
[ ٦ / ٧٣ ]
وبالعكس، ولا تقتضي من المجموعة.
ولأشهب في "العتبية": أن المجموعة تقتضي من القائمة [ولابن لبابة في كتابه أنه لا تقتضي واحدة منهما عن الأخرى فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: أن كل واحدة منهما تقتضي عن الأخرى وهو قول أشهب، وإليه مال اللخمي.
والثاني: أنها لا تقتضي واحدة منهما عن الأخرى وهو قول ابن لبابة.
والثالث: أن القائمة تقتضي من المجموعة ولا تقتضي المجموعة من القائمة وهو قول ابن القاسم في "الكتاب"] (١).
وأما اقتضاء المحمدية عن اليزيدية، أو بالعكس أو السمراء عن المحمولة، أو المحمولة عن السمراء: فلا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك قبل الحلول.
والثاني: أن يكون بعد الحلول.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان قبل الحلول: فلا يخلو من ستة أوجه:
[إما أن يقضيه] (٢): أقل عددًا، أو أقل صفة، أو مثل العدد والصفة، أو أكثر عددًا وأكثر صفة، أو مثل العدد وأكثر صفة، أو أكثر صفة وأقل عددًا.
فإن قضاه أقل عددًا وأقل صفة، أو مثل العدد وأقل صفة كاليزيدية عن
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: أحدها.
[ ٦ / ٧٤ ]
المحمدية أو المحمولة عن السمراء: فإن ذلك لا يجوز في العين والطعام، وسواء كان الدين من بيع أو قرض؛ والعلة في ذلك "ضع وتعجل".
فإن قضاه أقل عددًا أو أجود صفة كالمحمدية عن اليزيدية أو السمراء عن المحمولة: فإن ذلك لا يجوز لتقابل الفضول، وذلك ربا.
فإن قضاه مثل العدد والصفة: جاز اتفاقًا إذا رضي الذي له الدَّين بقبوله قبل أجله؛ إذ له ألا يرضى بذلك في طعام البيع وعروضه اتفاقًا، وفي العين وعووض السلف وطعامه على الخلاف؛ فابن القاسم جوز التعجيل ويجبر على القبول؛ إذ الأجل حق للذي عليه القرض، ودين العين إذا كان من ثمن [بيع] (١) كذلك بخلاف طعام البيع وعروضه، فالأجل فيه حق لهما جميعًا، وأشهب يساوي بين القرض والبيع والعروض والعين، وأن رب الدين لا يجبر على قبوله قبل أجله.
فإن قضاه أكثر عددًا وأكثر صفة كقضائه المحمدية عن اليزيدية، أو السمراء عن المحمولة أكثر كيلًا: فإن ذلك لا يجوز في العين والطعام -كان الدَّين من بيع أو قرض- والعلة في ذلك ربا التفاضل والنساء؛ لأن الذي عليه الدين قد دفع الأكثر ليأخذ من ذمته الأقل عند حلول الأجل وذلك ربا مع ما في ذلك من الربح في السلف إن كان الدَّين من قرض وحط عن الضمان وأزيدك إن كان الدين من بيع فيما سوى العين بالاتفاق، وفي العين على الخلاف.
فإن قضاه مثل العدد وأكثر صفة: فلا يخلو الدين من أن يكون عينًا أو طعامًا.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٦ / ٧٥ ]
فإن كان عينًا: ففيه قولان قائمان من المدونة: الجواز، والمنع، والجواز أظهر أشهر.
وسبب الخلاف: العين هل هو مراد لعينه، أو مراد لغرضه، والقولان قائمان من المدونة، فعلى القول بأنه مراد لغرضه: كان جائزًا ويكون حسن القضاء، وعلى القول بأنه مراد لعينه فيمنع كالعروض؛ لأن ذلك ضمان بجعل، وهذا القول قائم من "المدونة" من مسألة الصرف إذا قال له في طعام السلم: بِعْهُ وجئني بالثمن حيث قال: إن جاءك بدراهم أقل من دراهمك كان ربا، [فقيل: اتهم] (١) في هذا الموضع أن يدفع كثيرًا ويأخذ قليلًا كما قال عبد العزيز في "كتاب السلم" وما ذلك إلا لكون العين فيه ضمان كالعروض.
فإن كان الدين طعامًا: فلا يخلو من أن يكون من بيع، أو من قرض.
فإن كان من بيع: فلا يجوز قولًا واحدًا؛ لأن ذلك "حُط عَنِّى الضمان وأزيدك".
وإن كان من قرض: قولان منصوصان في "المدونة":
أحدهما: الجواز؛ إذ لا ضمان فيه كالعين على المشهور.
والثاني: المنع، وهو قول ابن القاسم؛ لأن ذلك تفاضل بين الطعامين كالبيع، ويعد ذلك مبايعة لما يرجوا من حوالة الأسواق عند الحلول حتى يكون الأدنى أنفق من الأعلى.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان [ذلك] (٢) بعد الحلول: فلا يخلو
_________________
(١) في ع: فقد اتهمه.
(٢) سقط من أ.
[ ٦ / ٧٦ ]
من الأوجه الستة التي قدمناها في الوجه الأول: [إما] (١) أن يقضيه مثل العدد والصفة، أو مثل العدد وأقل الصفة، أو أقل عددًا وأقل صفة، أو أقل عددًا وأكثر صفة، أو مثل العدد وأجود صفة، أو أكثر عددًا وأكثر صفة.
فإن قضاه مثل العدد والصفة: فلا خلاف في الجواز؛ لأنه قد أبرأ ذمته مما عمرت به على [حسب] (٢) ما عمرت، فإن قضاه مثل العدد وأقل صفة؛ كاليزيدية عن المحمدية، أو المحمولة عن السمراء: فلا إشكال أيضًا في الجواز، ويكون ذلك أيضًا من [جنس الاقتضاء] (٣).
فإن قضاه أقل عددًا وأقل صفة: جاز في العين.
وفي طعام القرض، قولان والأشهر: الجواز، وذلك من جنس الاقتضاء.
وفي طعام البيع قولان:
أحدهما: إذا كان [لمعنى] (٤) الوضع جاز، وإن كان لمعنى العوض منع، وهو قوله في "كتاب السلم الثالث".
والثاني: أن ذلك جائز كالعين، وهو قول أشهب والقولان في "الكتاب".
فإن أبهم الأمر قولان.
فإن قضاه أقل عددًا وأكثر صفة أو أكثر عددًا وأقل صفة: لم يجز اتفاقًا في العين والطعام لتقابل الفضول.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: حساب.
(٣) في ع: حسن الاقضاء.
(٤) في ع: بمعنى.
[ ٦ / ٧٧ ]
فإن قضاه مثل العدد وأجود صفة: جاز في العين والطعام من بيع كان أو من قرض، وذلك من جنس القضاء فإن قضاه أكثر عددًا وأكثر صفة، أو أكثر عددًا ومثل الصفة: فالمذهب على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: الجواز إطلاقًا، وهو قول أشهب.
والثاني: المنع إطلاقًا لأنه في طعام البيع يبعه قبل قبضه، وفي القرض سلف بزيادة.
والثالث: التفصيل بين [قرب] (١) المجلس وبعده، وهو قول مالك في "الكتاب" بناءً منه على قوة التهمة وضعفها.
والرابع: التفصيل بين البيع والقرض؛ فيجوز في البيع، ولا يجوز في القرض؛ لأنه سلف بزيادة، وهو متأول على "المدونة".
وسبب الخلاف: مراعاة [قوة] (٢) التهمة وضعفها.
واختلف في اقتضاء الدقيق من [القمح] (٣) على قولين:
أحدهما: الجواز، وهو قول مالك في "كتاب السلم الثالث".
والقول الثاني: المنع، وبه قال عبد الملك.
ووجه القول بالجواز: أن الطحين ليس بصنعة ولا زاد فيه أكثر من تفتيت أجزائه، [ونقص الريع يقابله] (٤) أجرة الطحن.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: الحنطة.
(٤) في أ: وزيادة تقابله.
[ ٦ / ٧٨ ]
ومن منع: يرى أن ذلك مزابنة؛ لأن الدقيق كيله يختلف، فتحصل المُزَابَنَة.
والقولان عن مالك.
وقيل: إن ذلك اختلاف حال.
وعلى القول بالجواز هل يجوز اقتضاء الدقيق من القمح أقل من مكيلته أم لا؟
[قولان] (١): المنع لابن القاسم، والجواز لأشهب.
وأما الوجه الثاني من أصل المسألة: في اقتضاء المتبور، عن المتبور: فإنه يعتبر فيهما التساوي في الجودة والدناءة والتكافؤ في الوزن.
فإن تفاضلت الفضول من جهتين: منع، فإن كان الفضل من أحد الجهتين: فإنه يعتبر فيه ما يعتبر [في المسكوك] (٢).
وأما الوجه الثالث: في اقتضاء [المصنوع عن المصنوع] (٣) فإن اتفق الوزن والجودة: جاز وإن اختلفت الصنعة؛ لأن الوزن يسقط.
وإن تساوى الوزن واختلفا في الجودة: جاز إذا كان الفضل من جهة واحدة، فإن قابله فضل من الطرف الآخر: منع لوجود الربا.
وأما الوجه الرابع: في اقتضاء المسكوك عن المتبور، أو المتبور عن المسكوك: فإن كان التبر أفضل وزنًا: حرم لأن فضل الوزن يقابله فضل السكة فيقع الربا.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: بالمسكوك.
(٣) في ع: المصوغ عن المصوغ.
[ ٦ / ٧٩ ]
فإن استويا في الجودة والوزن ولم يكن للمتبور مزية: فإنه يجوز، وكذلك إذا كان المتبور أدنى صفة مع تساوي الوزن؛ لأن الفضل من جهة المسكوك.
وأما الوجه الخامس: في اقتضاء المطبوع عن المصنوع، أو المصنوع عن المطبوع: فإن اختلفا في الوزن لم يجز بحال؛ لأن السكة [والصناعة] (١) كالعرضين وهما مما تختلف [فيه] (٢) الأغراض، ولا يقال: إن أحدهما أفضل من الآخر لأن كل واحدة منهما تراد لما [لا] (٣) تراد [له] (٤) الأخرى.
وإن استوى الوزن: فإنه يتخرج على قولين: الجواز والمنع -استويا في الجودة أو اختلفا- والقولان قائمان من "المدونة" والجواز أشهر.
وأما الوجه السادس: في اقتضاء المصنوع عن المتبور أو المتبور عن المصنوع: فإن كان المتبور أكثر [وزنًا] (٥) لم يجز، وسواء اتفقا في الجودة أو كان المتبور أدنى في الصفة.
فإن كان المتبور مثل وزن المصنوع وأدنى صفة أو أقل وزنًا [وأقل صفة] (٦) جاز؛ لأن الفضل من جهة المصنوع وحده.
فإن كان المتبور أقل وزنًا وأجود صفة: لم يجز لتقابل الفضول؛ لأنه اغتفر نقصان الوزن في جودة الصفة.
فهذا ما تحصل عندي من مسائل الاقتضاء، ولم أره لمتقدم ولا لمتأخر
_________________
(١) في ع: والصياغة.
(٢) في أ: فيهما.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: لها.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من ع.
[ ٦ / ٨٠ ]
على هذا التحصيل، فاشدد وثاقها تربت يداك [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من ع.
[ ٦ / ٨١ ]
المسألة التاسعة عشرة في وجود المقتضي [الزيادة] (١) فيما اقتضى ومعاوضته عنها
ولا يخلو دين المقتضي من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون عينًا.
والثاني: أن يكون طعامًا.
والثالث: أن يكون عرضًا.
فإن كان [عينًا فلا يخلو من أن يكون قرضًا أو ثمنًا لبيع. فإن كان] (٢) [من فرض] (٣)؛ مثل أن يقرضه دينارًا كيلًا فقضاه أرجح في الوزن فلا يخلو الرجحان من أن يكون يسيرًا، أو كثيرًا.
فإن كان يسيرًا: فذلك جائز، ويكون من حسن [الاقتضاء] (٤) ولا يلزم المقتضي المعاوضة [عن] (٥) تلك الزيادة؛ لأن الشرع سامح على الزيادة المتصلة إذا كانت يسيرة.
فإن كانت كثيرة فاشتراها رب الدين بورق أو عرض، فإن كان إلى أجل: فلا يجوز، وإن كان نقدًا: فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز، وهو نص "المدونة".
والثاني: المنع، وهذا القول قائم من "المدونة" من الفضل الذي بعده؛
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ع: قرضًا.
(٤) في ع: القضاء.
(٥) في أ: على.
[ ٦ / ٨٢ ]
لأن ذلك ذهب بذهب مع أحدهما فضة، أو سلعة تأخرت.
فإن اشتراها بذهب: فالمذهب على قولين: الجواز لأشهب، والمنع لابن القاسم.
وسبب الخلاف: اختلافهم فيما يوجبه الحكم هل هو مثل ما يوجبه الشرط أم لا؟ فإن قلنا: إن الحكم أوجب المراطلة في الرجحان الزائد، ولا يتهمان أن يتعاملا على ذلك حين السلف: جاز ذلك من غير إشكال.
وإن قلنا: [إن ما يوجبه الحكم] (١) مثل ما يوجبه الشرط: منع شراء الزيادة بالذهب، ويتهمان على العقد على المراطلة ابتداء، فيمنع ذلك اتفاقًا [لخروج المراطلة] (٢) عن [وجهها وتغيرها عن] (٣) سنتها، ويلزم من انقسم على هذا الترجيح أن يمنع شراء الزيادة بالفضة والعرض؛ لأن ذلك ذهب بذهب وزيادة، ولا محيص له عن هذا الإلزام.
فإن قضاه أنقص من وزن الأول: فإنه يجوز للمستسلف أن يعطيه فيما بقي عرضًا بلا خلاف.
وهل يجوز [له] (٤) أن يعطيه فضة؟
قولان: الجواز إذا لم يتجاوز عنه في عيون الدنانير فيكون مبايعة، فيمنع بالاتفاق.
وتتخرج في المذهب قولة أخرى بالمنع.
وسبب الخلاف: ما أحدثاه بعد العقد هل يتهمان فيه أم لا؟
_________________
(١) سقط من ع.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من ع.
(٤) سقط من أ.
[ ٦ / ٨٣ ]
فأما إذا كان الدين من ثمن بيع: فلا يخلو من أن يقضيه مثل [الصفة] (١) وأكثر وزنًا، أو مثل [الصفة] (٢) وأقل وزنًا؛ فإن قضاه مثل [الصفة] (٣) وأكثر وزنًا، فأراد رب الدين أن يشتري تلك الزيادة، فإن اشتراها بالعرض: جاز اتفاقًا.
فإن اشتراها بفضة وكان الدين ذهبًا، فإن كانت الفضة أقل من صرف دينار [وتناقدا] (٤): جاز على الخلاف الذي آنفناه في مسألة البيع بكسر الدينار إتقان من طب لمن حب.
وإن كان أكثر من صرف دينار: فالمذهب على قولين:
أحدهما: المنع؛ لأنه بيع وصرف، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: الجواز، وهو مذهب أشهب؛ لأن البيع والصرف جائز عنده.
وسبب الخلاف: هل امتناع البيع والصرف من الاجتماع لمعنى أو لا لمعنى؟ وقد أطلق الجواب في الكتاب ولم يفصل بين أن تكون الفضة أكثر من صرف دينار أو أقل، وظاهرة: ألا فرق، ويكون خلافًا لما تقدم لابن القاسم، وهذا إذا كان القضاء بفور عقد البيع وتناقدا الجميع.
وأما إن تراخى القضاء عن قبض السلعة: فإنه يتخرج على الخلاف الذي قدمناه من تأخير أحد الأعراض في الشراء في بعض الدينار، بناء على
_________________
(١) في أ: الفضة.
(٢) في أ: الفضة.
(٣) في أ: الفضة.
(٤) سقط من أ.
[ ٦ / ٨٤ ]
[أن] (١) ما أحدثاه بعد العقد غير ملتحق بالعقد -قلَّت الدراهم أو كثرت- ومنعه مرة بناء على قوة التهمة، وهو ظاهر قوله في "كتاب الصلح" في مسألة العبد.
وأما إذا اشتراها بذهب: فإن ذلك لا يجوز اتفاقًا؛ [لأنه] (٢) ذهب بذهب مع أحدهما سلعة.
وأما إن قضاه أقل وزنًا ومثل الصفة: فإنه يجوز للمستسلف أن يدفع عن ما بقي عرضًا أو فضة نقدًا، ولا إشكال في ذلك.
والجواب عن القسم الثاني: إذا كان الدين طعامًا؛ مثل أن يسلم في طعام فجاء ليقضيه: فلا يخلو من أن يقضيه مثل الكيل وأجود صفة، أو أدنى صفة، أو قضاه مثل الصفة وأكثر كيلًا، أو أقل صفة وأقل كيلًا.
فإن قضاه مثل الكيل وأجود صفة أو أدنى صفة: فلا يجوز للمشتري أن يشتري تلك الصفة، ولا للبائع أن يرد على المشتري لنقص الصفة شيئًا؛ لأن ذلك بيع الطعام قبل قبضه إن كان من بيع، وإن كان من قرض: كان ذلك زيادة في السلف.
وأما إن قضاه مثل الصفة وأكثر كيلًا أو أقل: فلا يخلو من أن يكون ذلك قبل الحلول، أو بعده. فإن كان قبل الحلول: فلا يجوز للمشتري أن يشتري تلك الزيادة؛ لأنه بيع وسلف لكونه عجَّل ما لم يجب عليه تعجيله على أن يبيع منه الزيادة على ما أسلم إليه فيه، وسواء اشتراها بنقد أو إلى
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ع: أن ذلك.
[ ٦ / ٨٥ ]
أجل.
وأما إن كان أقل كيلًا: فلا يجوز للبائع أن يشتري ما بقي عليه [بشيء] (١)؛ لأن ذلك بيع وسلف أيضًا لأن البائع تَعْجل بعض ما عليه [على] (٢) أن يبيعه المشتري ما بقي عليه من الطعام مع ما في ذلك من بيعه قبل قبضه.
وأما إن كان بعد الحلول، وكان مثل [الصفة] (٣) أو أكثر كيلًا: جاز للمشتري أن يشتري منه تلك الزيادة نقدًا أو إلى أجل؛ إذ لا تهمة في ذلك وكأنها بسلعة أخرى منفصلة اشتراها منه المشتري.
وأما إن قضاه مثل الصفة وأقل كيلًا، وقد حلَّ الأجل: فلا يجوز للبائع أن يشتري ما بقي بشيء من الأشياء إن كان الطعام من بيع؛ لأن ذلك بيع الطعام قبل قبضه إن كان الطعام من بيع.
وإن كان من قرض: جاز بما شاء نقدًا، ولا يجوز إلى أجل؛ لأن ذلك فسخ دين في دين.
وأما إن [قضاه] (٤) بأكثر كيلًا وأكثر صفة، أو أكثر كيلًا وأقل صفة: فإن ذلك لا يجوز؛ لأن ذلك سلف بزيادة إن كان من قرض، وإن كان من بيع دخله بيعه قبل قبضة مع ما في ذلك من التفاضل بين الطعامين.
وإن قضاه أقل كيلًا وأقل صفة، فدفع البائع لأجل
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: الفضة.
(٤) في أ: قضى.
[ ٦ / ٨٦ ]
النقصان شيئًا. فلا يجوز من بيع [على حال] (١)، والعلة [فيه] (٢): بيعه قبل قبضه.
والجواب عن [القسم] (٣) الثالث: إذا كان الدين عرضًا يكال أو يوزن أو يعد: فإن حلَّ الأجل [جاز] (٤) كيف ما قدر وصور، فإن لم يحل الأجل: فإنه يعتبر فيه البيع والسلف وغيره من العلل [والحمد لله وحده] (٥).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: الوجه.
(٤) سقط من أ.
(٥) زيادة من ع.
[ ٦ / ٨٧ ]
المسألة العشرون في حكم الدراهم الزيوف والمعاملة بها
ولا يخلو الذي يأخذها من أن يكون عالمًا، أو غير عالم.
فإن كان غير عالم: فلا خلاف أن ذلك لا يجوز؛ لأنه غش وخديعة.
فإن كان عالمًا، فهل يجوز الرضا بها والمعاملة عليها؟
فالذي يتخرج من "المدونة" ثلاثة أقوال:
أحدها: الجواز إطلاقًا، وهو [ظاهر] (١) قول أشهب في "الكتاب"؛ حيث قال: لا بأس ببدلها على وجه الصرف بدراهم جياد وزنًا بوزن [لأنهما لم يريدا] (٢) بذلك فضلًا بين الفضتين.
والثاني: المنع إطلاقًا [حتى تقطع] (٣)؟ وهو قوله في "كتاب الصرف"؛ حيث قال: ولا يعجبني أن تباع الدراهم السوء والرديئة [بدراهم] (٤) فضة وزنًا بوزن ولا بعرض؛ لأن ذلك داعية إلى إدخال الغش والفساد في أسواق المسلمين.
والثالث: التفصيل بين الصيارفة وغيرهم، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الصلح"؛ حيث قال: وإنما ذلك للصيارفة فيما أرى، ولا أدري هل كسرها لجميع الناس، وأرى الصلح بها جائز إذا لم يغر بها أحد.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ع: لأنه لم يرد.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: بدرهم.
[ ٦ / ٨٨ ]
فأجاز ابن القاسم المعاملة بها في هذا القول إذا بين.
وعلى القول بأن المعاملة بها لا تجوز وإن بيَّن حتى تقطع، فإذا قطعت وكسرت: جاز بيعها وابتياعها إن لم يخف أن تسيل فتعمل منها الدراهم، فتباع على وجه الفضة، فإذا خيف ذلك صفيت حتى تباع فضة على حدة [والنحاس على حدة] (١) أشهب في "الكتاب" وقوله تفسير لقول ابن القاسم.
وقد اختلف المتأخرون في تأويل قول أشهب الذي جوز فيه بيعها [بالدراهم] (٢) على وجه الصرف وزنًا بوزن؛ فمنهم من قال: إن ذلك منه اختلاف قول؛ لأن ظاهر كلامه -هاهنا- جوز فيه بيع المغشوش بالدراهم الجياد في القليل والكثير لأنه قد تقدم أول كلامه أنه لا يجوز بيعه حتى يكسر لغش فيه، وهو تأويل أبي القاسم بن محرز.
ومنهم من قال: إن ذلك ليس باختلاف قول، إنما جوزه في الدرهمين والثلاثة لقوله في "الكتاب": كالبدل، ولا يجوز فيه إلا ما يجوز في البدل، وهو تأويل أبي القاسم بن الكاتب، واعترضوا على هذا التأويل وردوه، وقالوا: "لا يجيز هذا التأويل ولا يقبل لبعده عن ظاهر الكتاب؛ لأن البدل المراعي في الجواز في قليله إنما هو في المعدود لا في الكفتين، وهو يقول في الكتاب: وزنًا بوزن، والموازنة لا تعتبر إلا في المراطلة".
ومنهم من قال: إن معنى قول أشهب: يجوز مراطلة، معناه لولا الغش الذي فيه، وأما حتى يجوز أشهب المراطلة بين المغشوشين الجياد مع قوله
_________________
(١) في أ: بالدرهم.
(٢) سقط من أ.
[ ٦ / ٨٩ ]
أولًا لا تجوز المعاملة بها إلا بعد الكسر فلا؛ لأن ذلك يعد منه اختلاف قول، وهو تأويل أبي عمران الفاسي، قال: ويحتمل [أن يكون] (١) قول أشهب أن يكون وفاقًا، ويحتمل أن يكون خلافًا لقول ابن القاسم، والله أعلم.
تم كتاب الصرف [بحمد الله وحسن عونه وصلى الله على محمد نبيه] (٢).
_________________
(١)
(٢) زيادة من ع.
[ ٦ / ٩٠ ]
كتاب السلم الأول
[ ٦ / ٩١ ]