تحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتها خمس مسائل:
المسألة الأولى في صلح البائع والمشتري في دعوى بما يعيب
فليدمع البداية بها لأنها أغلظها فروعًا وأكثرها وجوهًا، ولنقتصر فيها على صلح البائع رغبة في إنفاذ العقد.
وأما صلح المشتري فرغبة في فسخ العقد تقدم مبسوطا في مسألة حمار ربيعة "في كتاب الآجال".
اعلم أنه إذا باع سلعة بذهب إلى أجل فادعى المبتاع أن بها عيبًا وأراد مصالحة البائع فلا تخلو السلعة من أن تكون قائمة، أو فائتة.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كانت قائمة فلا تخلو من ثلاثة أوجه: إما أن تكون عرضا، أو دنانير، أو دراهم.
فإن صالحه على عرض فلا يخلو من أن يكون نقدًا أو إلى أجل.
فإن كان نقدًا جاز قولا واحدًا.
وإن كان إلى أجل فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز، وهو ظاهر قول أشهب في "الكتاب".
والثاني: المنع، وهو نص قول ابن القاسم في "كتاب الصلح".
وسبب الخلاف: من ملك أن يملك هل يعد كالمالك قبل أن يملك أم لا؟، فإذا قلنا: إنه كالمالك فيمنع كما قال ابن القاسم؛ لأنه ملك أن يرد
[ ٧ / ٢٠٩ ]
لوجود العيب ويأخذ الثمن الثابت في الذمة، فإذا اعتاض عنه بالعرض إلى أجل كان ذلك فسخ الدين في الدين، وإذا قلنا: إنه ليس كالمالك فلا يمنع كما قال أشهب؛ لأنه عوض عن الخصام لا عن قيمة العيب إذا لم يثبت بعد؛ فكان ذلك كالشراء للخصومة. فإن صالحه على دنانير؛ فإن كان نقدا جاز قولا واحدا؛ لأن المشتري كأنه استرجع بعض ثمنه والمستبقى هو الثمن.
فإن كان إلى أجل فلا يجوز إن تأخر بشرط؛ لأنه بيع وسلف من المشتري، وإن تأخر من غير شرط جاز.
فإن صالحه على دراهم؛ فإن كانت الدراهم إلى أجل فلا يجوز؛ لأنها سلعة وفضة إلى أجل نقدًا -قلت الدراهم أو كثرت.
فإن كانت نقدًا جاز في أقل من صرف دينار قولا واحدًا، وفي أكثر من صرف دينار قولان في ذلك: المنع لابن القاسم؛ لأنه بيع وصرف، والجواز لأشهب إما لكون البيع والصرف عنده جائز وهو مشهور مذهبه، وإما لأنه يرى الصلح عوضًا عن الخصام.
وأما الوجه الثاني من الوجه الأول: إذا وقع البيع على النقد ولم ينتقد فعلى الأوجه الثلاثة التي قدمناها أن يكون الصلح بعرض أو بذهب أو بورق.
فإن كان الصلح بعرض فذلك جائز معجلا ومؤجلا وكان سلمًا يراعي فيه تعجيل رأس المال النقد في رأس المال وتأخيره إلى القدر المعروف؛ لأن المشتري كأنه اشترى العرض المصالح به ببعض ما عليه من الثمن.
فإن كان الصلح بدنانير لم يجز إلا على المقاصصة؛ لأنه إذا عجلها صار ذهب وسلعة بذهب.
[ ٧ / ٢١٠ ]
وإن كان بدراهم لم يجز أن يتناقدا معا إذا كانت الدراهم قليلة أقل من صرف دينار، وإن كانت أكثر من صرف دينار جرى على الخلاف الذي قدمناه بين ابن القاسم وأشهب.
وأما الوجه الثالث: إذا كان البيع إلى أجل فلا يخلو من أن يكون بعرض أو بدنانير أو بدراهم.
فإن كان الصلح بعرض لا يجوز إلى أجل؛ لأنه دين بدين، ويجوز نقدًا لزوال المانع.
فإن كان بالدنانير وكان نقدًا أو إلى أجل غير أجل الثمن فلا يجوز، لأنه ذهب بذهب مع أحدهما سلعة، فإن كان إلى أجل الثمن جاز ويصير مقاصصة.
فإن كان بالدراهم لم يجز -كانت نقدًا أو إلى أجل- لأنه صرف مستأخر.
والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: وهو أن يكون الصلح بعد فوات البيع؛ فإن التقسيم المتقدم دائر فيه وهو أن يكون على النقد فانتقد، أو على النقد ولم ينتقد، أو إلى أجل. فإن وقع على النقد وانتقد فلا يخلو الصلح من أن يكون على النقد أو على النسيئة.
فإن كان على النقد جاز على الإطلاق دون تفصيل دون ما صالح من عرض أو عين.
وهل من شرطه معرفتهما بقيمة العيب؟ وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه يجوز وإن جهلا قيمة العيب في الحال، وهو قوله في
[ ٧ / ٢١١ ]
"الموازية" و"المستخرجة".
فوجه قول ابن القاسم أن الجهل بقيمة العيب غرر وخطر، ووجه قوله في "الموازية" أن الصلح في غالب الأحوال أن يكون على أقل من قيمة العيب بالشيء البين؛ فيصيرا قد خرجا بالصلح من حد المكايسة إلى حد المكارمة؛ لأن ذلك هبة من المشتري ومعروف صنعه، وهبة المجهول عندنا جائزة.
فإن كان الصلح على التأجيل: فأما بالدراهم أو العروض فلا يجوز بحال؛ لأنه فسخ دين في دين، وأما بالدنانير فإن كان مثل قيمة العيب فأقل فذلك جائز، وإن كان أكثر لم يجز؛ لأنه تأخير بزيادة؛ وذلك أن المشتري وجبت له قيمة العيب على البائع فأخره بها بشرط الزيادة؛ وذلك سلف جر نفعا.
فإن باعه بنقد ولم ينتقد فلا يخلو الصلح من أن يكون بعرض أو بدراهم أو بدنانير، فإن كان بعرض جاز نقدًا ومؤجلا، ويكون سلما، ويلزم المشتري النقد كما تقدم؛ لأنه اشترى الموصوف بما في ذمته.
فإن كان بالدراهم فلا يجوز إلا أن يتناقدا على حكم الصرف.
فإن كان بالذهب: فأما على معنى الوضع أن يضع عنه من الثمن الذي عليه فذلك جائز -قل ما حط عنه أو كثر. فإن كان على غير ذلك فلا يجوز إلا أن يحضر المبتاع ما عليه من الثمن ويحضر البائع ما عليه من قيمة العيب فيراطله بها كفة بكفة احترازًا من التفاضل بين الذهبين.
أما الوجه الثاني من الوجه الثاني: وهو أن يكون البيع إلى أجل فلا يخلو من أن يكون الصلح بعرض أو بدراهم أو بدنانير.
[ ٧ / ٢١٢ ]
فإن كان الصلح بعرض جاز نقدًا لا مؤجلا؛ لأنه دين بدين.
وأما بالدراهم فلا يجوز نقدًا ولا مؤجلا؛ لأنه صرف ومستأخر.
وأما بالدنانير: فإن كان على وجه المقاصصة والوضيعة جاز، فإن كان على وجه النقد ينقده البائع فلا يجوز هذا، وجاءت الرواية، وللأشياخ المتأخرين في تأويلها كلامان:
أحدهما: أن ذلك على إطلاقه لا يجوز؛ لأنه سلف جر منفعة كأن البائع أسلفها للمشتري يردها إذا حل الأجل فيما عليه من الثمن، ولأنه يدفع عن نفسه الخصام في الحالة الراهنة بما أعطى، وهذا تأويل أبي الحسن ابن القابسي.
والثاني: أن معنى ذلك إذا كان المصالح به أقل من قيمة العيب؛ لأنه يتهم أن يدفع قليلا ليأخذ كثيرًا إذا حل الأجل، وأما إن كان مثل قيمة العيب فأكثر فلا تهمة؛ لأنه من البعيد أن يعطي كثير في قليل، وهو تأويل ابن أبي زيد - ﵁ -.
فيتحصل لك من جملة المسألة ستة أقسام؛ كل قسم ثلاث مسائل؛ وذلك ثماني عشرة أسئلة لأنها إذا كانت قائمة فثلاثة أوجه وإن كانت فائتة فثلاثة أوجه: إما ينقد فانتقد أو ينقد ولم ينتقد أو بالتأجيل، وفي كل قسم من هذه الأقسام ثلاث مسائل: إما أن يصالح بعرض أو بذهب أو بدراهم؛ فيأتيك من ذلك العدد الذي حصلنا. [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ٢١٣ ]
المسألة الثانية في صلح الورثة امرأة الهالك
ولا يخلو صلحهم إياها من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يصالحوها على قدر حقها من التركة أو أقل.
والثاني: أن يصالحوها على قدر حقها من غير التركة من أموالهم.
والثالث: أن يصالحوها على أكثر من حقها من التركة.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا صالحوها على قدر حقها من التركة فذلك جائز على الإطلاق وإن اشتملت التركة على عين وحلي؛ لأن ذلك ليس ببيع وإنما أخذت بعضًا ووهبت بعضًا.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا صالحوها من أموالهم على مثل حقها أو أقل أو أكثر فلا يخلو من أن تكون التركة من جنس ما به صولحت أم لا.
فإن كان في التركة من جنس ما به صولحت كان الميت ترك دنانير ودراهم أو أحدهما فصالحت به جنسا لا عينًا لم يجز على الإطلاق؛ لأنه ذهب بذهب وفضة بفضة مع أحدهما سلعة.
فإن لم يكن في التركة نظير ما أخذت؛ مثل أن يصالح بدنانير وفي التركة دراهم أو بالعكس فلا يخلو من أن تكون التركة كلها وافرة ليس فيها ديون ولا طعام من بيع ولا شيء غائب، أو يكون فيها أحد هذه الوجوه.
فإن كانت التركة كلها حاضرة ولم يكن فيها من الوجوه الثلاثة وجه، فإن كان حظها مما في التركة من العين أقل من صرف دينار فإن ذلك جائز قولا واحدًا؛ لأنها باعت جميع سهم من التركة بما قبضته من العين، فإن
[ ٧ / ٢١٤ ]
كان حظها منها أكثر من صرف دينار فالمذهب على قولين:
أحدهما: المنع، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب"؛ لأن ذلك بيع وصرف.
والثاني: الجواز، وهو قول أشهب.
فإن كان في التركة أحد هذه الوجوه التي ذكرناها فإن ذلك لا يجوز باتفاق المذهب؛ لأنه إن كان فيها دين وكان ذهبًا والصلح على دراهم أو بالعكس كان صرفًا مستأخرًا، وإن كان من جنس ما وقع به الصلح كان ذلك ذهبًا بذهب أو فضة بفضة مع أحدهما سلعة، وإن كان فيها طعام من بيع منع؛ لأن ذلك بيعه قبل قبضه، وإن كان فيها شيء غائب فلا يجوز أيضا؛ لأن ذلك غرر وخطر.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا صالحوا على أكثر من حقها من التركة فلا يخلو من أن تكون التركة ذهب وفضة أو فيها أحدهما.
فإن كان فيها ذهب وفضة فأخذت أكثر من حقها من أحدهما فلا يخلو من أن تكون حصتها من الأخرى أقل من صرف دينار، أو أكثر.
فإن كانت حصتها منها أقل من صرف دينار فلا يخلو من أن يستأصل الجنس الذي أخذت منه أو استأصلت منه.
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك جائز كما لو استأصلته، وهو قول ابن القاسم؛ بناء منه على أن الجنس المأخوذ منه يطرح من الكل، وجعل الزوائد على حقها ثمنًا لحقها في سائر التركة.
والثاني: أنه لا يجوز حتى يستأصل جميع الجنس الذي تأخر منه، وهو
[ ٧ / ٢١٥ ]
قول ابن المواز، بناء منه على أن الذي يبقى من الجنس المأخوذ منه حقها باق فيه؛ لأن لها جزءا في كل عين منه فقد باعت حينئذ ذهبًا بذهب وفضة بفضة مع أحدهما سلعة.
فأما إن كانت حصتها من الآخر أكثر من صرف دينار فعلى الخلاف الذي قدمناه؛ فيمنع عند ابن القاسم لأنه بيع وصرف؛ لأن الزائد على حقها فيما أخذت عوض عن حصتها في الجميع؛ وذلك صرف وعوض عن حقها في بقية التركة، وذلك بيع.
فإن كان في التركة أحد النوعين ذهب أو فضة فأخذت أكثر من حقها منه وفي التركة عروض فلا مجال للصرف في ذلك وإنما هي امرأة باعت حقها من غير ما أخذت بما زاد على حظها منه فيجوز إن لم يكن هناك طعام من بيع ولا ديون ولا مال غائب، ويراعى في ذلك جميع شروط البيع في الجمة، وذلك بين. [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ٢١٦ ]
المسألة الثالثة هل يقتضي المقتضى من مال مشترك بينه وبين غيره
ولا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يخرج بإذن شريكه.
والثاني: أن يخرج بغير إذنه.
فإن خرج بإذن شريكه وأعذر إليه في الخروج [] (١) وامتنع وأذن له الحاكم بالخروج فلا يخلو ذلك من الدين من أن يكون مما لا يجوز بيعه قبل قبضه أو كان من بيع عين الطعام والإدام فهل يجوز [أن] (٢) يأذن الشريك لشريكه في اقتضاء نصيبه أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو ظاهر قوله في "الكتاب" حيث قال: غير الطعام والإدام؛ لأن ذلك بيعه قبل قسمته لأن إذنه له في الخروج لاقتضاء نصيبه مقاسمة، والمقاسمة فيه كبيعه قبل قبضه، قاله ابن أبي زمنين وغيره.
والثاني: أن ذلك جائز، ولا يكون ذلك بيعه قبل قبضه، وهو قول مالك في "الأسدية".
وسبب الخلاف: القسمة هل هي بيع أو تمييز حق؛ فعلى القول بأنها بيع يمنع، وعلى القول بأنها تمييز حق جاز.
_________________
(١) قدر كلمة بالأصل لم أتبينها.
(٢) سقط من أ.
[ ٧ / ٢١٧ ]
فإن كان مما يجوز بيعه قبل قبضه إما لكونه عرضًا أو عينًا وإما لكونه طعامًا من قرض فلا خلاف أنه يستبد بما اقتضى ولا مدخل لشريكه في ذلك على الغريم أو لم [] (١).
فإن خرج بغير إذن من شريكه وبغير إعذار من الحاكم، وكان الدين مما يجوز بيعه قبل قبضه هل يختص المقتضى أو للشريك الدخول معه؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن له الدخول معه فيما اقتضى، وهو قوله في "كتاب الصلح" و"كتاب المديان"، وهو قول الغير في "كتاب الجنايات".
والثاني: أن المقتضي يختص بما اقتضى ولا يدخل معه فيه الشريك. وهو قول ابن القاسم عن مالك في "كتاب السلم الثاني" من "المدونة" في إقالة أحد الشريكين البائع منهما طعامًا من نصيبه حيث قال: لا يدخل معه شريكه فيما أخذ مع كون الإقالة بيعًا، وهو قول ابن القاسم في أول "كتاب الجنايات" من "المدونة" في العبد إذا قبل رجلا له وليان فعفى أحدهما عن العبد على أن يأخذ حصته ورضي بذلك السيد حيث قال: فإن دفع السيد إلى أخيه نصف الدية تم فعله، وإلا خير العافي بين أن يكون العبد بينهما أو يرده، فإن كان له الدخول مع شريكه فيما قبض شاء أو أبى ما كان يكون الخيار للعافي بل يكون للشريك.
قال في القول الثالث: حيث قال سحنون وقد قال أيضا: إن للأخ الدخول مع أخيه في العبد، يؤيد ابن القاسم.
فعلى القول بأن الشريك يدخل معه فيما اقتضى فلا يخلو المقتضى من
_________________
(١) قدر كلمة بالأصل لم أتبينها.
[ ٧ / ٢١٨ ]
أن يقتضي حقه، أو صلاح.
فإن اقتضى جميع حقه كان ما اقتضى بينهما بحق الشركة.
فإن صالح الغريم فلا يخلو صلحه من وجهين:
إما أن يكون بمعنى الحط، أو بمعنى البيع.
فإن كان بمعنى الحط؛ مثل أن يأخذ عشرة ويحط أربعين، والدين مائة، فإن رضي القاعد بتسليم ذلك فلا كلام، وإن امتنع من التسليم قاسمه، وفي كيفية القسمة قولان:
أحدهما: أنه يقاسمه على ما كان عليه أصل الدين، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الصلح" فيقسمان العشرة أيضًا.
والثاني: أنهما يقتسمان العشرة أسداسًا يقدر كأن الدين جميعه ستون دينارًا: للقاعد خمسون وعشرة للخارج، وكأن جميع نصيب الصلح يتحاصان فيه على قدر حقيهما يضرب للخارج بالسدس والقاعد بخمسة أسداس، وهو قول الغير في "كتاب الصلح".
وفائدة الخلاف: نقصان كمية نصيب الخارج حتى إذا اقتضى القاعد حقه من الغريم استدرك الخارج أولا ما أخذ منه على كلا القولين.
واختلف في المتولي مشقة الاقتضاء على قولين كلاهما عن ابن القاسم:
أحدهما: أن القاعد يقتضى جميع حقه ثم يعطى للخارج أول ما أخذ منه كأنه لما انتفع بخروجه تعين عليه حسم الرحيل وتكلف الارتحال في الاقتضاء كما فعله هو، وهو قول ابن القاسم في "كتاب المديان".
الثاني: أنهما جميعا يتوليان الاقتضاء؛ فالخارج يرجع على الغريم إما بخمسة على قول، وإما بسدس العشرة على قول، والقاعد يقوم عليه
[ ٧ / ٢١٩ ]
بجميع حقه إلا ما أخذه من الخارج، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الصلح"، وهكذا قال غيره في "كتاب المديان"، بناء منه على أنه أهدر خروج الخارج أولا بخلوه عن الإذن ورجع القاعد عليه ومقاسمته إياه ما اقتضاه حكمًا شرعيًا.
أما إن كان صلحه بمعنى البيع؛ مثل أن يصالحه بعرض والدين عينًا، أو بعين والدين عرضًا فالقاعد بالخيار كما تقدم.
فإن قاسمه ما أخذ هل يكون بقية الدين بينهما أم لا؟
على قولين لابن القاسم والغير، وقد قدمناهما:
فعلى القول بأنهما جميعًا يتوليان الاقتضاء فإن ما بقى من الدين يكون بينهما.
وعلى القول بأن القاعد يتولى الاقتضاء آخرًا فلا يخلو من أخذ من الخارج أولا من أن يكون مما يرجع إلى المثل أو ما يرجع إلى القيمة.
فإن كان مما يرجع إلى القيمة فإنه يرد عليه نصف قيمة العرض الذي أخذ منه.
فإن كان مما يرجع إلى المثل كالمكيل والموزون هل يرجع عليه بالمثل أو القيمة؟
قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنه يرجع عليه بالمثل، وهو ظاهر "المدونة" في غير ما موضع.
والثاني: أنه يرجع عليه بالقيمة، وهو ظاهر قوله في "كتاب الصلح" ولاسيما على قول الغير آخر "الكتاب".
[ ٧ / ٢٢٠ ]
وعلى القول بأنه يرجع عليه بقيمة ما أخذ منه فمتى تعتبر قيمته؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يرد قيمته يوم وقع الصلح به، وهو نص قوله في "كتاب الصلح" من "المدونة".
والثاني: أنه يرد قيمته يوم أخذه من الخارج، وهذا تأويل أكثر المتأخرين على المدونة، وحملوا قوله يوم صالح على أنه يوم القبض. وهذا كله في تحصيل المسألة، وأما توجيه هذه الجملة وفهمها فنحن الآن خائضون فيه إن شاء الله.
وينبغي أن يعلم العالم أن احتصاص المقتضى بما اقتضى من دين مشترك إنما لم يصح على الوجه الذي ذكرنا دفعا للضرر الداخل على الشريك الآخر باختصاص صاحبه عنه بما أخذ من دين هما فيه سواء مع نقصان ما بيد الغريم بما أخذ منه قطعا فأرجعناه وسلطناه حدًا وإبراء لما في ذمة الغريم، وذلك مما يستضر به القاعد المعذور، وهذا التسليط ليس على أن يأخذه منه فرضًا محضًا، يرد عليه المثل إن كان إنما أخذ منه المثل وهم يقولون إنما يرد عليه القيمة، ولو كان ملكا محضًا لما رده [] (١) مكيلته وهم يقولون له إذا اقتضى حقه فعلى أن التسليط وفوات السلامة في العقبى.
فإذا كان المحذور المعذور المجوز باقتضاء حقه كلاما تعين عليه رد جميع ما أخذ، وإلا فلا؛ إذ لا يختص بحصته التواء فصار فرضًا من وجه وملكًا من وجه، وهذا كما ترى. والحمد لله وحده.
_________________
(١) قدر كلمة بالأصل لم أتبينها.
[ ٧ / ٢٢١ ]
المسألة الرابعة الإقرار بقتل الخطأ
فلا يخلو المقر من وجهين: إما أن يصالح الأولياء على مال، أو لا يصالحهم.
فإن صالحهم على مال يحصوه عليه فلا يخلو من أن يكون جاهلا بالحكم، أو عالما به.
فإن كان جاهلا بالحكم فلا يخلو القتل من أن يكون ببينة، أو بإقرار القاتل بانفراده.
فإن كان القتل ببينة كان للقاتل الرجوع على أولياء القتيل بما قبضوه منه حتى يردوه عليه؛ لأن الدية على العاقلة في هذا الوجه باتفاق.
فإن كان بإقرار القاتل دون بينة تشهد على معاينته فالمذهب يتخرج على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن الدية على العاقلة ويرجع المقر على الأولياء بما قبضوه منه ويسقط عنه ما بقى، وهذا يتخرج على أحد قولي مالك في "كتاب الصلح" من "المدونة"؛ لأن الدية على العاقلة، ويكون معذورًا بالجهل.
والثاني: أن المقر يلزمه ما دفع، وأن ما التزمه يلزمه بالعقد ولا ينتقل عنه إلى العاقلة؛ لأنه التزم ما يلزمه عند بعض العلماء، وفي بعض أقوال مالك في الكتاب أن الدية في مال المقر، على ما سنبينه في الوجه الثاني إن شاء الله، وهذا تأويل أبي عمران الفاسي وغيره على "المدونة".
[ ٧ / ٢٢٢ ]
والثالث: أنه يلزمها دفع وقبض منه، ولا يرجع به على الأولياء ويسقط عنه ما لم يدفع، وهذا تأويل بعض الشيوخ على "المدونة" بناء على أن القبض له تأثير قوي كما لو حكم عليه بدفعه وأن القبض له تأثير فيما اختلف فيه كالديون في الأنكحة المختلف فيها وقبض السلع في بعض البياعات المكروهة عندنا المختلف فيها.
فإن كان عالما بالحكم غير جاهل به؛ مثل أن يكون فقيها عالما بما له وعليه صالح الأولياء على مال لكان يدعي أن يلزمه ما التزم ويمضي الصلح في الوجهين قبض ذلك منه أم لا قولا واحدًا، ويبقى النظر فيما دفع إلى أولياء القتيل هل يرجع به على العاقلة أم لا، وذلك يتخرج على قولين:
أحدهما: أنه لا يرجع على العاقلة بشيء.
والثاني: أنه يرجع بذلك على العاقلة، وإلى هذا أشار بعض المتأخرين.
والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا أقر بقتل الخطأ ولم يصالح على شيء فلا يخلو من أن يتهم في إقراره أم لا.
فإن كان يتهم في إقراره مثل أن يتهم في غيلولة المقتول فلا تلزم الدية العاقلة بإقراره قولا واحدًا، وهل يلزم ذلك المقر في ماله أم لا؟ على قولين:
فعلى القول بأن ذلك يلزمه في ماله فهل ذلك بقسامة أو بغير قسامة؟
قولان أيضا.
والأقوال كلها قائمة من "المدونة" من "كتاب الصلح والديات":
أحدهما: أن الدية على العاقلة بقسامة.
والثاني: أن الدية في مال المقر بقسامة، وهو ظاهر قول مالك في
[ ٧ / ٢٢٣ ]
"الكتاب" حيث قال: لا يكون عليه شيء إلا بقسامة، فقيل: معناه جميعها، وهو تأويل ابن لبابة على "المدونة".
والثالث: أن الدية في مال المقر بغير قسامة، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الصلح" أيضًا حيث قال: "الدية في ماله"؛ فأطلق، وهو قول المغيرة وعبد الملك.
والأقوال الثلاثة عن مالك، لقوله في "كتاب ابن المرابط" وغيره، وقد اختلف الناس في الإقرار بالقتل خطأ عن مالك فالأول رواية ابن القاسم وأشهب.
والرابع: التفصيل بين أن تكون له حياة أم لا؛ فإن كانت له حياة فالدية على العاقلة بقسامة، وإن لم تكن له حياة ومات من ساعته فالدية في مال المقر قسامة، وهو تأويل بعض الشيوخ على "المدونة".
والخامس: أنه لا يلزمه بإقراره في قتل الخطأ شيء لا على نفسه ولا على العاقلة، وهذا القول حكاه القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب عن مالك بهذا النص، وحكاه ابن ميسر عن ابن القاسم وابن وهب أن العاقلة ولم يذكر إلزامه هو هل يلزمه شيء أم لا؟
والسادس: أن العاقلة لا تقسم بقوله ولا يلزمه من الدية إلا ما يلزمه مع العاقلة لو اقتسموا بقوله، وهو قول ابن دينار، وحكاه ابن سحنون أيضًا عن آخرين من أصحابنا ولم يسمهم، وحكاه ابن الجلاب رواية عن المذهب. وعلى القول بأن الدية على العاقلة بقسامة هل يؤدي معهم المقر أم لا؟
على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه كواحد منهم وعليه ما عليهم، وهو تأويل بعضهم عن
[ ٧ / ٢٢٤ ]
مالك في "الكتاب" حيث قال: لا شيء عليه إلا بقسامة، فإذا أقسم الأولياء كان كواحد من العاقلة، وهو نص قول مالك في "كتاب الصلح" من "المدونة" و"كتاب محمد" و"المجموعة"، وهو تأويل أكثر الشيوخ.
والثاني: أنه لا شيء على المقر منها، وهو تأويل بعضهم على قول مالك في "المدونة"، وأما معنى قوله في "الكتاب": "كواحد منهم" على الاستحسان.
وسبب الخلاف: اختلافهم في إقرار القاتل هل هو كالشاهد على العاقلة أم لا؛ فمن جعله كالشاهد قال: يقسم ولاة الدم بقوله، ومن لم يجعله كالشاهد قال: لا يلزم العاقلة شيء، وهل يلزم ذلك المقر في ماله أم لا؟ فمن نظر أن مقتضى إقراره لا يوجب عليه شيء لا قصاص ولا دية قال: لا شيء عليه؛ لأن إقراره على غيره لا على نفسه، ومن رأى أنه أقر بالقتل وأن ما يدعيه من كونه خطأ تلحقه فيه التهمة قال: أدنى مراتبه أن تكون عليه الدية في ماله، ومن رأى أن ذلك عليه بقسامة فقد لاحظ مجرد الصورة وأن الدية في الخطأ لا تكون إلا بقسامة على الجملة، والحمد لله وحده.
[ ٧ / ٢٢٥ ]
المسألة الخامسة فيمن قتل رجلا له وليان فعفى أحدهما على مال
فلا يخلو من أن يصالح عن جميع الدم أو حصته، فإن صالح عن جميع الدم فلا يخلو ما صالح به من أن يكون مثل الدية فأكثر أو أقل منها.
فإن صالح عن جميع الدم بمثل الدية فأكثر فذلك جائز لازم للورثة لا خروج لهم عن صلحه، ويقتسمون ذلك للذكر مثل حظ الأنثيين.
فإن صالح على أقل من الدية فذلك لازم في خاصة نفسه، ويكون له مما صالح به مقدار حقه ويسقط ما بقي عن القائل، ويكون لبقية الورثة حقوقهم على حسب الدية الكاملة، وصورها في الكتاب على أن المقتول ترك ابنين وبنتًا، فإذا صالح أحد الابنين بما ذكرنا كان له الحصتان من ذلك، ويرجع الأخ والأخت الباقيان بثلاثة أخماس الدية كاملة تكون بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، وليس للمصالح أن يضم حصته بما صالح إلى ما أخذ الأخ والأخت من حساب الدية الكاملة فيقسم معهما إلا برضاهما؛ لأنه قد رضي بنقصان حقه.
فإن صالح عن حصته من الدم خاصة فلا يخلو من أن يصالح على أكثر من حقه من الدية أو على أقل.
فإن صالح على أكثر من حقه من الدية، مثل أن يصالح لنفسه على الدية فأكثر فذلك جائز، واختلف هل لبقية الورثة الدخول معه فيما صالح به أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يدخل معه من بقى من الورثة فيما صالح به، وإنما
[ ٧ / ٢٢٦ ]
سلطانهم علي القاتل فيرجعون عليه على حساب الدية، وهو قول الغير في "كتاب الصلح"، وقول ابن القاسم في "كتاب الجنايات" من "المدونة".
والثاني: أن لهم الدخول معه، وهو قول ابن القاسم في الدين في "كتاب الصلح"، وأحد قوليه أيضا في الدم في "كتاب الجنايات".
وعلى القول بأن بقية الورثة لا يدخلون مع المصالح فيما به صالح وأن سلطنتهم على القائل فهل يجبر على أن يدفع لهم سهامهم على حساب الدية أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه لا يجبر علي أن يدفع حقوقهم من الدية، ولا سبيل لهم إلى القتل، وهو قول ابن القاسم والغير في "كتاب الصلح" من "المدونة".
والثاني: أن القاتل لا يجبر وأنه مخير إن شاء دفع وإن أبى رجع الخيار إلى الذي صالح من الأولياء إن شاء شاركهم فيما أخذوا وإن أبى انتقض الصلح ويكون لهم القتل إن شاؤوا، وهو قول ابن القاسم في أول "كتاب الجنايات" من "المدونة".
وينبني الخلاف على الخلاف في القاتل هل يجبر على دفع الدية إن شاء أولياء القتيل أو ليس لهم إلا القتل أو العفو؟
فعلى القول بأنه يجبر على الدفع أو تطوع بالدفع على القول الآخر، فإذا اقتضوا منه حقوقهم على حساب الدية فإنهم يضمونه إلى ما صالح به أخوهم ثم يقتسمون الجميع للذكر مثل حظ الأنثيين، وهو قول أشهب في "كتاب الصلح" من المدونة، وهو تفسير لقول ابن القاسم وهو صحيح.
وقد أشار سحنون إلى أن قول أشهب مخالف لقول ابن القاسم حيث
[ ٧ / ٢٢٧ ]
قال في غير "المدونة": "وقول أشهب وعلي خير من قول ابن القاسم" يعني: علي بن زياد، وهو الغير الذي قال في "الكتاب": إن صالح من حصته على أكثر من الدية أو على عرض قل أو كثر على ما ذكره بعض المحققين فإن صالح من حصته على أقل من حقه من الدية فلبقية الورثة أيضا الرجوع على القاتل بحقوقهم على حساب الدية يقسم بينهم على فرائض الله، وليس لذي صالح أن يضم ما صالح به إلى ما أخذه أصحابه في هذا الوجه؛ لأنه قد رضي بإسقاط بعض حقه عن القائل، ثم ليس له أن يدخل على أصحابه الضرر في نقصان حقوقهم؛ ولهذا قال في "الكتاب": إذا قتل رجل عمدًا وترك ابنين وبنتا فصالح أحد الابنين على أقل من خمس الدية فليس له غيره، ويرجع الأخ والأخت على القائل بثلاثة أخماس الدية. والحمد لله.
ومسألة موضحة العمل وموضحة الخطأ أخرناها إلى "كتاب الشفعة" إن شاء الله تعالى؛ لأن ذكرها هناك أجدر وفروعها في الكتاب المذكور أكثر، والحمد لله وحده.
[ ٧ / ٢٢٨ ]
كتاب تضمين الصناع
[ ٧ / ٢٢٩ ]