تحصيل مشكلات كتاب الضحايا، وهي أربع مسائل:
المسألة الأولى: الأضحية، هل هي واجبة أم لا؟ ولا خلاف في [المذهب] (١) أنها ليست بواجبة وجوب الفرائض، مثل الصلاة والصيام والزكاة، وإنما الخلاف في المذهب، هل هي واجبة وجوب السنن أو هي سنة غير واجبة، وعنوا بالواجب المؤكد، وإن كان قد وقع لابن حبيب ما يدل [على] (٢) أنها واجبة وجوب الفرائض، حيث قال: "في الفقير إن وجد ثمنًا أو وجد من يسلفه فليستلف"، وحكاه عن مالك، إلا أن مثل هذا قد يقوله العالم على معنى التأكيد، كما قيل في زكاة الفطر: إن الفقير يتسلف ويؤديها، وذلك غير واجب عليه، لأن وجوب الأضحية إن وجبت، فإنما يكون على القادر عليها، كسائر العبادات الواجبة في المال، فإنما تجب على من عنده من المال ما يبيع أو يخرج منه ذلك القدر.
وأما من يتسلف أو يسعى حتى يحصل [له] (٣) ما يجب فيه الحق ليؤديه منه، فليس ذلك عليه بواجب باتفاق الأمة قاطبة أنه لا يجب على الحر المسلم أن يسعى في حصول النصاب لتجب عليه الزكاة، فالمذهب في وجوبها [وجوب السنن] (٤) على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: [أنها] (٥) واجبة وجوب السنن، وهو مشهور المذهب، وهو
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٥٠ ]
قول ابن القاسم في "الكتاب": فيمن حبس أضحيته حتى مضت [أيام النحر فإن لا يضحى بها بعد] (١) أيام النحر [إلا] (٢) أنه آثم" والإثم لا يكون إلا في [الواجب إذا ترك] (٣)، والسنن المؤكدات يذم تاركها، لما في ذلك من التهاون بقول الشارع ﷺ أو بفعله.
والثاني: أنها من السنن المندوبات التي يثاب عليها فاعلها ولا يذم تاركها، وهو صريح قول مالك في الكتاب [حيث قال] (٤): "لا أحب لمن يقدر عليها أن يتركها".
وسبب الخلاف: تعارض الأحاديث، فمنها قوله - ﷺ -: "من رأى منكم هلال ذي الحجة، فأراد أن يضحي، فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئًا".
فظاهر هذا الحديث يقتضي نفي الوجوب، لقوله: "فأراد أن يضحي"، لأن الواجبات لا تتعلق بإرادة المكلف.
ويعارضه ما روى عنه - ﷺ - أنه أمر من ذبح [قبله] (٥) أن يعيد، فقال: [له] (٦): "ليس عندي إلا جذعة من المعز، فقال: "اذبحها ولا تجزئ أحدًا بعدك" وهو أبو بردة بن نيار.
فظاهر هذا يقتضي الوجوب، وبهذا استدل من قال بالوجوب، [وتأول] (٧) الخبر الأول في قوله: "فأراد أن يضحي"، أن مثل هذا اللفظ يصح أن يؤتى مثله في الوجوب، كقوله - ﷺ -: "إذا جاء أحدكم الجمعة
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: ترك الواجب.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: قبل ذبحه.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ: وبتأويل.
[ ٣ / ٢٥١ ]
فليغتسل".
وقال بعض المتأخرين: "وهذا الاعتراض غير صحيح، لأنه لا يختلف أن يفسر هذا اللفظ من أراد، ومن جاء لا يتضمن وجوبًا ولا ندبًا، وإنما وجبت الجمعة بنص آخر بالآية، وبما جاء في ذلك من الأحاديث، ولو لم يكن في ذلك إلا قوله "من جاء" لم تجب، والقول بأنها ليست بواجبة أبين، لأن الأصل براءة الذمة وفراغ الساحة، وطريق انشغالها الشرع، ولم يأت من جهة الشرع ما يدل على عمارتها، بل ثبت عنه - ﷺ - أنه قال: "أمرت بالنحر وهو لكم سنة"، ففرق بين حكمها عليه وعلى أمته، فلو كانت واجبة عليهم لم يكن للتفرقة وجه [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من ب.
[ ٣ / ٢٥٢ ]
المسألة الثانية في سنها وصفة ما وجب منها، ومن أي حسن تكون؟
ولا خلاف: أنها لا تكون إلا من بهيمة الأنعام دون الوحش والطيور.
[وسنها] (١): الجذع من الضأن، والثنى من البقر وسائر الأنعام واختلف في سن الجذع من الضأن، على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه ابن سنة، وهو قول أشهب وابن نافع.
والثاني: أنه ابن عشرة أشهر، وهو قول ابن وهب.
والثاني: أنه [ابن ثمانية أشهر، وقيل] (٢) ابن تسعة أشهر [وهي رواية سحنون عن علي بن زياد وبه أخذ] (٣).
والجذع من البقر: ابن سنتين [ومن الإبل ابن خمس سنين. والثنى من الغنم ابن سنتين ومن البقر ابن أربع، ومن الإبل ابن ست] (٤)، [وقد تقدم مثل هذا في "كتاب الزكاة"] (٥)، وأفضلها عندنا الضأن، ثم المعز.
واختلف في الإبل والبقر، على قولين:
أحدهما: أن البقر أفضل ثم الإبل، وهو المشهور، وهو قول القاضي أبي محمد.
والثاني: الإبل ثم البقر، وهو قول أبي إسحاق بن شعبان في الزاهي.
_________________
(١) في جـ: ومنها.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من ب.
[ ٣ / ٢٥٣ ]
واختلف في ذكور كل صنف وإناثه، على قولين:
أحدهما: أن الذكران ثم الإناث، وهو قول مالك في "مختصر بن عبد الحكم".
والثاني: أن الذكور والإناث في الهدايا والضحايا سواء، وهو قول مالك في "المبسوط".
ولا خلاف أعلمه في المذهب أن الفحل مقدم على الخصي، وقال ابن شهاب في: خصي الضأن: "لا ينقصه الخصي شيئًا".، وقال مالك: في "المختصر" وغيره: "وفحول الضأن في الضحايا أفضل من خصيانها، وخصيانها أفضل من إناثها وإناثها أفضل من ذكور المعز، وفحول المعز أفضل من خصيانها، وخصيانها أفضل من إناثها، وإناثها أفضل من الإبل والبقر في الضحايا".
وأما في الهدايا: فالإبل [أفضل] (١) ثم البقر.
رأيت لبعض المتأخرين: "أن فحول الضأن أفضل من خصيانها وخصيانها أفضل من إناثها، و[إناثها] (٢) أفضل من فحول المعز، وفحول المعز أفضل من إناثها، وإناثها أفضل من الإبل والبقر [في الضحايا] (٣).
وهذا [الترتيب] (٤) الذي رتبه هذا المتأخر لا تنافي بينه وبين ما رتبه مالك، لا علم أن الخصى له مزية على إناث جنسه بكثرة اللحم والشحم، وإنما فرق مالك بين الضحايا والهدايا، وذلك أن المقصود في الضحايا: حسن اللحم ورطوبته، لأنها قربة اختص بها أهل البيت.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٥٤ ]
والهدايا المقصود منها: كثرة اللحم وفوره، لأنها قربة قربت للمساكين، والمساكين لا يريدون إلا الزائد من الأطعمة، وإنما غرضهم كثرة الشيء [وإشباعه] (١)، فالإبل والبقر محل لهذا المقصد، وهذا من طريق النظر.
وأما من طريق الأثر، فقد ثبت عنه - ﷺ - أنه ضحى بصنفين، وروى [ابن حبيب] (٢) في "الواضحة": عن عدد من الصحابة والتابعين أنهم يستحبون أن تكون الأضحية بكبش عظيم سمين فحل أقرن أملح ينظر في سواد، ويسمع بسواد ويشرب بسواد، ويؤيده تقديم الضأن على الإبل والبقر ظاهر القرآن في قصة إبراهيم ﵇، قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]، قيل: فداه بكبش، وهو القربان الذي تقبل من ابن آدم.
وأما الصفة التي يجب أن تكون عليها [الأضحية] (٣) في ذاتها:
فهي أن تكون سمينة صحيحة، سالمة من العيوب التي نص الشارع عليها، وقد سئل - ﷺ - عن ما يتقي من العيوب في الضحايا، فأشار بيده، وقال: "أربع العرجاء البين ضلعها، والعوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها والعجفاء التي لا تنقي"، فقيل: التي لا شحم فيها، وقيل: التي لا مخ فيها.
فإن كان فيها عيب كثير سوى هذه الأربعة المنصوص عليها، هل تجزئ معه أو لا تجزئ؟ قولان:
أحدهما: أنها لا تجزئ، وهو قوله في "المدونة" وغيرها، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنها تجزئ، وهو مذهب البغداديين من أصحاب مالك،
_________________
(١) في جـ: واتساعه.
(٢) في أ: ابن وهب.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٥٥ ]
كالقاضي أبي الحسن بن القصار و[ابن الجلاب] (١) وغيرهما.
وسبب الخلاف: الأربعة المنصوص عليها، هل هي في معنى الحصر أو في معنى [الأصل] (٢) فليقاس عليها؟
فمن فهم أن ذلك في معنى الحصر، قال: إنها تجزئ وغير هذه الأربعة لا تؤثر، وهذا هو الظاهر من اللفظ أنه - ﷺ - سئل ما الذي يتقي فيها [من] (٣) العيوب؟ فنص على الأربعة، ولم يكتف بذكرها [وعددها] (٤) حتى نعتها ووصفها بصفةٍ تخرج [غيرها] (٥) من العدد المحصور.
ومن فهم منه أن ذلك في معرض الأصل، قال: يجوز القياس عليها، لأن مقصود الشارع اجتناب ماله قدر وبال من سائر العيوب، لأن المراد من اجتناب هذه العيوب [المعدودة] (٦) تأثيرها في نقصان الشاة المضحى بها لا غير ذلك، فمهما وجد عيب يعمل مثل ذلك أو أكثر منه، فما المانع أن يناط به الحكم؟، وهذا أظهر من طريق النظر.
فإذا ثبت ذلك، فالعيوب على ضربين:
عيب يعم جميع الجسد، وعيب يخص بعض الجسد: ولا يعم فالعيوب التي تعم جميع الجسد كالمرض والعجف والهرم والجرب والجنون:
أما المرض والعجف البين، فقد أحكمتها الحسنة، والجرب كالمرض، لأنه
_________________
(١) في ب: أبي القاسم ابن الجلاب.
(٢) في ب: الأصول.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٥٦ ]
يفسد اللحم، إلا الجرب القليل [الخفيف] (١) الذي لا يؤثر في الهزال [ولا] (٢) في فساد اللحم.
وأما الهرمة فإنها تجزئ إذا كان خفيفًا، وإن كان هرمًا بينًا، فهو كالمرض، وهو قول أصبغ إذا كان هرمًا بينًا، وهو تفسير لقول مالك في "كتاب محمد"، حيث يقول. "تجزئ الهرمة"، فأطلق.
وأما المجنونة: فإن كان لازمًا لم يجزئ، ولا يتقرب إلى الله تعالى بمثل هذه. وإن كان يعرض المرة، ثم يذهب فذلك خفيف.
وأما العيوب التي تخص ولا تعم، فمنها العور، فإن ذهب الانتفاع بتلك العين، أو أكثرها لم تجزئ، وإن ذهب أيسر ذلك أجزأته، وكذلك إن ذهب الأكثر من كل عين.
وأما ما يكون في الأذن، كالشرقاء والخرقاء والمقابلة والمدابرة والسكاء والجدعاء:
[والخرقاء: المثقوبة الأذن] (٣) والشرقاء: المشقوقة الأذن.
والمقابلة: ما قطع من أذنها من قبل وجهها.
والمدابرة: ما قطع من قبل قفاها.
والسكاء: الصغيرة الأذن.
والجدعاء: المقطوعة الأذن.
فهذه العيوب ما كان منها يسيرًا، فلا يمنع الإجزاء اتفاقًا، كقطع دون الثلث من الأذن، وما كان منها كثيرًا، هل يؤثر في المنع أم لا؟ قولان، وقد
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٥٧ ]
قدمناهما.
فعلى القول بأنه يؤثر، وهو المشهور إذا ذهب أذناها أو أكثرهما أو واحدة منهما، بكليتها أو أثرها، فإنها لا تجزئ، فالنصف [منها] (١) في حيز الكثير، ودون الثلث في حيز اليسير.
واختلف في الثلث، على قولين قائمين من "المدونة".
أما ابن حبيب قال: "الثلث من الأذن كثير كالثلث من الذنب كثير".
وقال ابن المواز: "النصف كثير من غير أن يحد فيه حدًا".، وظاهر قوله: يشعر أن الثلث في حيز اليسير، كما قال في غير ما موضع من "المدونة".
قال اللخمي: "والشق أيسر من الشَّيْنِ من القطع، لأن جميعها موجود في الشق، ولم ينتقص من خلقتها شيء بخلاف القطع، وأرى أن تجزئ، وإن بلغ بالشق النصف" انتهى كلامه.
[قال المؤلف] (٢) وأما في ذهاب الأسنان، فلا يخلو ذهابها من ثلاثة أوجه:
إما أن يكون بكسر أو بإثغار أو لكبر:
فإن كان ذهابها بكسر: فإن كان يسيرًا، كسن واحدة: "فتجزئ".
وإن كثر الكسر: فلا تجزئ، وهو قول ابن حبيب في الكسر، وهو قول محمد في السن الواحدة.
وقيل: إنها لا تجزئ ولا يضحى بها، وهو قول مالك في "المبسوط".
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من ب.
[ ٣ / ٢٥٨ ]
وإن كان من أثفار: جاز.
وإن كان من كبر، فقولان:
أحدهما: أنها تجزئ، وهو قول مالك في "كتاب محمد": إذا سقطت أسنانها من أثغار أو هرم أو وجع، فلا بأس بها.
والثاني: أنها لا تجزئ، وهو قول ابن حبيب.
أما المكسورة القرن: فقد اختلف فيها المذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أنه يجوز أن يضحى بها، وإن كانت مستأصلة القرنين، وهو قول ابن المواز.
والثاني: لا يجوز أن يضحي بعضباء، وهي المكسورة القرن الخارج والداخل، وإن لم يدمي، وإن ذهب الخارج وبقى الداخل صحيحًا: فإنها تجزئ، وهو قول ابن حبيب [في المدونة] (١).
و[القول] (٢) الثالث: [بالتفصيل] (٣) أنه إذا ذهب البعض، وكانت لا تدمى: جاز أن يضحي بها، وإن كان يدمي: فلا يجوز، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والرابع: أنها تجزئ، وإن كان يدمى، وهو قول أشهب في "مدونته"، وهذا [الخلاف] (٤) ينبني على الخلاف في المرض الخفيف وفي [الشق] (٥) الخفيف، هل يؤثر أم لا؟ ولا أعلم في المذهب نص خلاف في الجماء أنها تجزئ، فإذا جاز أن [يضحي بها] (٦)، وقد خلقت بلا قرن.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: السن.
(٦) في ب: تذكى.
[ ٣ / ٢٥٩ ]
فكذلك يجوز أيضًا أن يضحي [بها] (١) إذا قطعا، فكما أنها إذا خلقت بغير أذنين: أنها لا تجوز، فكذلك إذا [قطعتا] (٢).
وسبب الخلاف: في جميع ما قدمناه من قطع الأذن والقرن تعارض الآثار:
فمن ذلك ما خرجه النسائي عن أبي بردة أنه قال: يا رسول الله: أكره النقص يكون في القرن والأذن، فقال له رسول الله - ﷺ -: "ما كرهته فدعه ولا تحرمه على غيرك".
ويعارضه ما روى عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: "أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نستشرق العين والأذن ولا نضحي بشرقاء ولا بخرقاء ولا مقابلة ولا مدابرة ولا بتراء"، وهذا خلاف قصة أبي بردة.
وقد يمكن الجمع بين الحديثين، فيحمل ما قال في حديث علي ﵁ على ما كثر من ذلك، وحديث أبي بردة على ما كان يسيرًا.
وأما التي يبس ضرعها [كلها] (٣)، فلا يضحي بها.
وإن يبس البعض وسلم البعض: فلا بأس أن يضحي بها، وهو قول مالك في "كتاب محمد" [والحمد لله وحده] (٤).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: قطعت أذناها.
(٣) سقط من أ.
(٤) زيادة من جـ.
[ ٣ / ٢٦٠ ]
المسألة الثالثة في وقت ذبح الأضحية
قال مالك: "الأيام التي يضحي فيها يوم النحر، ويومان بعده إلى غروب الشمس من آخرها".
قال محمد: "وقاله علي بن أبي طالب ﵁ وابن عباس وابن عمر وأنس وكثير من التابعين رضوان الله عليهم أجمعين".
وأما ما روي عن عمر بن عبد العزيز وعن الحسن ﵄: أن الأضحية ثلاثة أيام بعد يوم النحر، فقد عيب ذلك.
وقد قال يونس أن الحسن قال: "الشهر كله".
قال مالك: "يوم الحج الأكبر يوم النحر".
قال غيره: "سمى بذلك لأن المشركين كان يقف بعضهم بعرفة، وبعضهم بالمشعر ثم يأتي [من عرفة] (١) فيقف يوم النحر [بالمشعر] (٢)، فصار اجتماعهم فيه، فأمر أن ينذرهم بسورة براءة في أكبر مجتمعهم، وشيء آخر أن ليلة هذا اليوم من طلع عليه فجرها، ولم يقف بعرفة، فقد فاته الحج والليلة من اليوم، وهذه الأيام تنقسم إلى معدودات ومعلومات: قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وقال سبحانه: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨].
فقال علماؤنا: "أيام الرمي معدودات وأيام النحر معلومات". وقال - ﷺ -: "أيام مني ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه"، فاليوم الأول معلوم
_________________
(١) في أ: بعرفة.
(٢) في أ: في المشعر.
[ ٣ / ٢٦١ ]
غير معدود في أيام مني، لأن أوله للمشعر الحرام وآخرها لمنى فلما لم يخلص [بمنى] (١) لم يعد"، وقال بعضهم: "الأيام المعلومات والأيام المعدودات أربعة، فيوم منها معلوم غير معدود، وهو اليوم الأول، معلوم بالنحر غير معدود في الرمي، لأنه لا يرمي فيه إلا جمرة العقبة، والرابع معدود غير معلوم، معدود في الرمي لمن لم يتعجل، غير معلوم [بالنحر] (٢)، و[منها] (٣) يومان معدودان معلومان، وهما اليومان اللذان بعد يوم النحر، وهذا العقد قريب من الأول، وتسمى أيضًا أيام التشريق.
واختلف في سبب تسميتها بهذا الاسم:
فقيل: سميت بذلك لأجل الصلاة، لأن الصلاة للعيد تصلى عند شروق الشمس، وسميت سائر الأيام باسم أولها، وقد روى عنه - ﷺ - أنه قال: "من ذبح قبل التشريق أعاد".
وقيل: سمي بذلك لأنهم كانوا لا يذبحون فيها إلا بعد شروق الشمس، وهو قول ابن القاسم: "أن الأضحية لا تذبح في اليوم الأول ولا في الثاني حتى تحل الصلاة".
وخالفه أصبغ: في غير اليوم الأول، وقد سميت بذلك لأن الناس يشرقون فيها لحوم ضحاياهم، أي: ينشرونها لئلا تتغير.
وقيل: سميت بذلك، لأن الناس يبرزون فيها إلى المشرق، وهو المكان الذي يقوم الناس فيها بمنى.
وأما وقت ذبح الأضحية: فوقتها بعد الصلاة، وبعد ذبح الإمام إن كان
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: الذبح.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٦٢ ]
هناك إمام يجب انتظاره.
فإن لم يكن هناك إمام، فليتحروا صلاة أقرب الأئمة إليهم، والإمام الذي أمر بانتظاره، ووجب على الناس الاقتداء به، هو: الإمام الذي تؤدي إليه الطاعة إذا كان متبعًا للسنة والجماعة أو من أقامه في بلده أو بعثه عاملًا على بلد من بلدان مملكته.
فمن صلى معه أو مع عامله، فلا يخلو الإمام حينئذ من وجهين:
أحدهما: أن يخرج بأضحيته إلى المصلى، ويذبحها بعد فراغه من الصلاة، [والثاني] (١) ألا يخرجها:
فإن أبرزها وأخرجها إلى المصلى: فهذا لا خلاف أن من ذبح قبله يعيد لأنه لم يقصد إلا [العناد] (٢).
وذبح آخر قبله، فلا يخلو الإمام من أن يبادر بالذبح من غير توان ولا تفريط أو بتوان وتفريط.
فإن لم يكن منه توان ولا تفريط، فسبق أحد فذبح قبله، فهذا تجب عليه الإعادة مثل الأول.
وإن كان من الإمام توان وتفريط؛ حتى تجاوز ما يذبح [في مثله] (٣) الإمام، فهل تجب الإعادة على من ذبح قبله أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنها تجزئه ولا إعادة عليه، وهو قول أبي مصعب وابن الجلاب.
والثاني: وجوب الإعادة، وهذا القول مخرج غير منصوص [عليه] (٤).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: المعاندة.
(٣) في أ: فيه.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٦٣ ]
وسبب الخلاف: نهيه - ﷺ - عن الذبح قبل الإمام، هل هو معقول المعنى أو غير معقول المعنى؟
فمن رأى أنه معقول المعنى، قال: لا يعيد إذا كان من الإمام توان، لأن ذلك رضا منه بإسقاط حقه.
ومن رأى أنه غير معقول المعنى، قال: إنه يعيد، وإن توانى الإمام.
وأما من لم يصل معه، إما لتخلفه عن الصلاة لعذر أو لغير عذر، وإما لكونه من أهل البادية ممن بعد عن الإمام.
فأما من هو قريب من الإمام غير أنه لم يشهد الصلاة معه فذبح بالتحري، ثم ظهر له أنه ذبح قبله، فهل تجزئه أو يعيد؟ قولان:
أحدهما: أنه يعيد، وهو المشهور.
والثاني: أنه لا يعيد وتجزئه، وهو ظاهر قول ابن الجلاب.
والصحيح: أنه يعيد، لأنه مخاطب بالصلاة مع الإمام، فيدرك ذلك بالمشاهدة.
وأما من كان بالبادية ممن بعد عن الإمام: فإنهم يتحرون صلاة أقرب الأئمة إليهم وذبحه:
فإن تبين لهم أنهم أخطؤوا، فهل تجزئهم أو يعيدون؟ قولان:
أحدهما: الإجزاء، وهو قوله في "المدونة" وهو المشهور.
والثاني: الإعادة، وهو قول أشهب في "كتاب محمد".
وسبب الخلاف: المجتهد، هل يعذر باجتهاده أم لا؟
ووقت الذبح: في أيام الذبح من الضحى إلى زوال الشمس، فإن أجزأه ذبح قبل طلوع الشمس وبعد الفجر: أجزأه إذا كان ممن لا إمام له من أهل
[ ٣ / ٢٦٤ ]
البادية أو من غيره، ولم أر نصًا في هذه المسألة أيضًا، والذي ذكرناه هو الذي تقتضيه مسائل المذهب.
وأما من ذبح أضحيته بالليل، فهل تجزئه أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يعيد ولا يجزئه ما ذبح، وهو قول مالك المشهور [عنه] (١).
والثاني: أنه يجزئه، وهذا القول حكاه ابن القصار عن مالك في [كتاب] (٢) "عيون الأدلة".
وينبني الخلاف فيها على الخلاف في الأيام والليالي إذا خصصت، بالذكر، هل يفيد ذلك تخصص الحكم بها دون السكوت عنه أو المسكوت عنه يندرج تحتها ضمنًا؟، وقد وقع في "المدونة" مسائل تدل على الأمرين جميعًا.
وقد قال في "كتاب الاعتكاف": فيمن نذر اعتكاف يوم لزمه يوم وليلة، وكذلك إذا نذر اعتكاف ليلة: لزمه يوم وليلة، وقد ذكر الله الأيام مع الليالي، فقال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر]، فجعل الأيام مندرجة تحت الليالي". وقال في "كتاب الصيام" فيمن نذر أن يصوم [اليوم] الذي يقدم فيه فلان، فقدم ليلًا: أنه يصوم صبيحة تلك الليلة.
واختلف إذا زالت الشمس من اليوم الأول قبل أن يذبح، هل التأخير إلى اليوم الثاني أفضل أو بقية هذا اليوم أفضل؟
على قولين:
أحدهما: أن بقية هذا اليوم أفضل من التأخير إلى بكرة
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٦٥ ]
ثانية، وكذلك الثاني أفضل من الثالث، ولا فرق بين أوله وآخره، وهو قول ابن المواز.
والثاني: أنه يؤخر إلى بكرة اليوم الذي يليه، وهو قول ابن حبيب، وأما اليوم الثالث إذا زالت الشمس قبل أن يذبح، فإنه يذبح ما بينه وبين العشاء الذي هو غروب الشمس. والحمد لله وحده.
[ ٣ / ٢٦٦ ]
المسألة الرابعة في الأضحية، هل تجب بالتسمية أو لا تجب إلا بالذبح؟
وقد اختلف المذهب عندنا في الأضحية، هل تجب بالتسمية أو لا تجب إلا بالذبح؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنها لا تجب إلا بالذبح، وهو المشهور المعلوم في المذهب.
والثاني: أنها تجب بالتسمية والتعيين، فمتى سمى هذه أو عينها، فإنها تجب كالهدى، وهو مذهب البغداديين من أصحاب مالك، على ما نقله أبو الفضل عياض.
وفائدة الخلاف وثمرته: إذا أراد [بيعها] (١) أو بدلها بغيرها بعد التسمية أو ولدت أو جز صوفها أو حدث بها عيب أو ماتت قبل الذبح أو غير ذلك من [الأحكام] (٢) التي تعتريها، وتختلف باختلاف التعيين وعدمه.
و[قد] (٣) نص [في] (٤) "المدونة" وغيرها: أنه يجوز أن يبيع أضحيته ويشتري مثلها أو ما هو خير منها، وكذلك الاستبدال أيضًا: فإذا باعها واشترى من ثمنها ما هو خير [منها من ثمنها] (٥) واستفضل من ثمنها شيئًا، هل يجوز له ذلك أو لابد أن يشتري بجميع ثمنها؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يشتري بجميع الثمن ولا يستفضل منه شيئًا، وهو قول ابن
_________________
(١) في أ: ذبحها.
(٢) في أ: الأحوال.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٦٧ ]
القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه يجوز [له] (١) أن يتصدق بما بين القيمتين، إذا أبدلها بدونها، [ويفضل] (٢) الثمن إذا اشترى مثلها أو أفضل منها أو دونها مما تجوز مثلها في الضحايا.
فإن شح في الوجهين، صنع بالفضل ما أحب، وهو قول ابن حبيب [قال:] (٣)، وقال بذلك [جل] (٤) من لقيت من أصحاب مالك.
ومثار الخلاف فيها، الخبر المروي عن النبي - ﷺ -: أعطي حكيم بن حزام دينارًا يشتري به أضحيته، فابتاعها بدينار ثم باعها بدينارين، فاشترى أخرى بدينار، وأتى النبي - ﷺ - بها وبالدينار، فتصدق به - ﷺ -، ودعا له بالبركة".
فمن صح عنده هذا الحديث: عمل بمقتضاه.
ومن لم يصح عنده الحديث: منعه من إصراف الفضلة في غير الوجه الذي قصد بتلك القربة ونواها.
ولا جرم أن ابن القاسم قال: "أنكر مالك هذا الحديث"، وقال مالك في الأضحية إذا ولدت: "إن ذبح ولدها معها فحسن" [ثم عرضتها عليه فقال: امحه واترك منها إن ذبح معها فحسن] (٥).
قال ابن القاسم: "وأنا لا أرى ذلك عليه بواجب، فتأمل قوله واترك منها: "إن [ذبح] (٦) معها فحسن"، فإذا ترك الاستحسان [فكأنه] (٧) لم يبق
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: ويستفضل.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ب: ذبحها.
(٧) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٦٨ ]
إلا الوجوب.
[ويدل] (١) عليه قول ابن القاسم: "وأنا لا أرى ذلك عليه بواجب"، فالذي يدل عليه هذا الظاهر: أن ذبح الولد مع أمه واجب، إلا أنه لم يصر إلى ذلك أحد من أهل المذهب"، ولا متقدم ولا متأخر.
قال أشهب في كتاب محمد: "لا أرى أن يضحي به ولا يحل".
و[قال] (٢) في "مدونته": "وليس ذلك مثل الهدى، والهدى بمنازلة المدبرة ولدها بمنزلتها"، يريد أن الأضحية لا تجب إلا بالذبح، وكان الولد ملكًا له، ولا يجوز له أن يضحي بدون السن [المشروعة] (٣)، فإن بعد ما بين الولادة والذبح، ما جاز أن يذبحه على وجه الأضحية، وهو قول مالك: "إن ذبح معها فحسن"، مراعاة القول بأنها تجب بالتسمية، ثم [أنه] (٤) نظر واجتهد فبقى على صميم مذهبه أنها لا تجب إلا بالذبح، فقال: "امحها واترك ما ذكرت لك من الاستحسان، لأن ذبحه معها ليس [بمستحسن] (٥) إنما هو أمر مباح، إن شاء فعل وإن شاء ترك".
والمحو: عبارة عن ترك العمل بما سمع، لأنه محو من الكتاب، لأن ابن القاسم ما كان يعلق عنه في كتاب، إنما هي أسئلة يلقيها من صدره هو أو يلقيها غيره، فيأخذ [عليها] (٦) الجواب لا غير والمسائل الممحوات من "المدونة" أربع منها هذه المسألة، والثانية في "كتاب النذور" فيمن حلف لا يكسو امرأته، فافتك لها [ثوبًا] (٧) من الرهن، قال مالك: "يحنث".
_________________
(١) في أ: ويحمل.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: بمستحق.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ: ثيابًا. .
[ ٣ / ٢٦٩ ]
قال ابن القاسم: [ثم] (١) عرضتها [عليه] (٢)، فقال: "امحها، وأبى أن يجيب عنها".
قال ابن القاسم: ينوي، فإن كانت يمينه ألا يهب لها ثوبا، ولا يبتاعه لها: لم يحنث، وإن لم تكن له نية: لم يحنث".
والثالثة: في "كتاب النكاح الثاني" في نكاح المريض والمريضة، وقد قال مالك: "إن نكاحها مفسوخ، وإن صحا دخل بها أم لا.
قال ابن القاسم: ثم عرضتها عليه"، فقال: "امحها، وأرى أنهما إذا صحا ثبتا على نكاحهما".
والرابعة في "كتاب القطع في السرقة" فيمن سرق ولا يمين له أو له يمين شلاء:
قال مالك: "تقطع رجله اليسرى".
قال ابن القاسم: "ثم عرضتها عليه"، فقال: "امحها" [وأرى أن تقطع يده اليسرى] (٣)، وتأول قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. وأما لبن الأضحية، فقد اختلف فيه المذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يشربه، فإن كان معها ولدها: فلا يتعرض له، وإن لم يكن معها ولدها، وكان اللبن يضر بها في ضرعها، وأروى الولد وأضر بها ما بقى بعد ريه، فإنه يتصدق به ولا يأكله، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب الضحايا" و"كتاب الحج".
والثاني: أن يصنع به ما شاء [وأن يشربه] (٤)، ويحرم منه ولدها، وهو
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٧٠ ]
قول أشهب في "مدونته".
وأما جز صوفها قبل الذبح، فقد اتفق ابن القاسم وأشهب: أنه يمنع من جزه، لأن فيه جمالًا لها في الابتداء، وسحنون: بعد الوقوع.
واختلف إذا فعل وجزها، على قولين:
أحدهما: أنه ينتفع به ولا [يبيعه] (١)، وهو قول ابن القاسم في "كتاب محمد" و"العتبية".
والثاني: أنه يبيعه ويأكل ثمنه، وهو قول أشهب في الابتداء، وسحنون بعد الوقوع.
[وأما ما بعد الذبح]، فلا خلاف في المذهب أنه لا يجوز [له] (٢) أن يبيع منها شيئًا لا لحمًا ولا جلدًا ولا صوفًا ولا [شعرًا] (٣)، لأنها بالذبح صارت قربة لله تعالى، ومن باع شيئًا منها [نقض] (٤) بيعه مع القيام.
فإن فات، فما الحكم في ثمنه؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يتصدق به ولا يأكله، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه يجعل ثمن اللحم في طعام يشتريه ويأكله، وثمن الجلد في ماعون أو طعام، وهو قول سحنون.
والثالث: أنه يصنع بالثمن ما شاء، وهو قول محمد بن عبد الحكم، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب الحج": فيمن نذر هديًا للمساكين وذبحه بعد أن بلغ محله، قال: "يستحب له ترك الأكل منه".
_________________
(١) في أ: يبيعها.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: ولا شيئًا من الأشياء.
(٤) في ب: فسخ.
[ ٣ / ٢٧١ ]
فإن أطعم منه غنيًا أو فقيرًا أو نصرانيًا: لم يكن عليه شيء، وقد وقع لسحنون في كتاب "النوادر": ما يدل على جواز بيع جلد الأضحية، وهو قوله: وللرجل أن يؤاجر جلد أضحيته"، [وقال: كجلد] (١) الميتة".
قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد: "إذا دبغ، ولا فرق بين بيع الأعيان وبين بيع المنافع على ظاهر المذهب".
وأما من سرقت [رؤوس] (٢) ضحاياه من الفرن أو ضاع الجلد عند الدقاق أو استهلكه، قال ابن القاسم: "استحببت له [أخذ القيمة] (٣) وأن يصنع به ما شاء من أكل أو صدقة أو شراء ما يحتاج إليه، كما لو تعدى رجل على لحم رجل، فاستهلكه.
فله أن يأخذ من المتعدي ما شاء من حيوان أو طعام"، وهو قول ابن الماجشون أيضًا.
وأما ابن القاسم: فاستحب ألا يغرم من جلد الأضحية ولحمها ورأسها شيئًا، [وكأنه رأى أخذ] (٤) العوض بيعًا، وما قاله عبد الملك أقيس كأم الولد إذا قتلت.
وأما إن مات عن أضحيته أو قام عليه الغرماء، فلا يخلو من أن يموت قبل الذبح أو بعده:
فإن مات قبل الذبح، كانت ميراثًا وتباع في الدين، إن كان على الميت دين.
وإن مات بعد الذبح، فلا حق فيها للغرماء، كالأمة إذا اشتراها وعليه
_________________
(١) في ب: وكذلك جلد.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ، جـ: وابتداء.
[ ٣ / ٢٧٢ ]
دين، فإن للغرماء أن يبيعوها في دينهم قبل الإيلاد، فإذا أولدها لم يكن ذلك لهم.
فإذا قلنا أنه لا حق فيها للغرماء: فإنها تكون للورثة، يأكلونها، وهل [تكون بينهم] على السواء أو على قدر مواريثهم؟
قولان:
أحدهما: أن أكلهم فيها [بالسواء] (١)، الذكر والأنثى، [وذو السهم والعاصب] (٢)، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنهم يقتسمونها على [قدر] (٣) فرائضهم في الميراث، وهو قول أشهب.
واختلف فيمن تصدق عليه بلحم الأضحية أو بجلدها، هل يجوز له بيعه أم لا؟ على قولين:
أحدهما: الجواز، وهو قول أصبغ.
والثاني: المنع، وهو قول محمد في كتابه.
تم كتاب الأضحية بحمد الله [وحسن عونه] (٤) ويتلوه كتاب النكاح
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: وذووا الأسهام والعصبة.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٧٣ ]
كتاب النكاح الأول
[ ٣ / ٢٧٥ ]