بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد [وآله وسلم تسليمًا] (٢).
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها أربع عشرة مسألة؛ [فأولها: مسألة التوقيت] (٣).
قال سحنون: قلت [لعبد الرحمن بن القاسم] (٤): أرأيت الوضوء، هل كان مالك يوقت فيه واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا؟، قال: لا، إلا ما أسبغ (٥).
[و] (٦) اعلم أن هذه المسألة قد مُدَّت إليها أيدي الأغراض، وكَثُر عليها الاعتراض؛ فبعضهم يقول: [هذا] (٧)، فيه تناقض؛ لأنه أثبت ونفى، وبعضهم يقول: [بل] (٨) الاستثناء الواقع في الجواب استثناء منفصل، وبعضهم يقول غير ذلك. وكل يَخْبِطُ عَشْواء، وعن المقصود الأسنى حاد وراء، فها أنا أكشف الغطاء عن سر المسألة حتى تكون أجلى من النهار، وأشهر في الظلام من النار؛ فأقول: هذه الترجمة اشتملت على معنيين؛ سؤال وجواب، فالسؤال [مركب من كلمتين والجواب] (٩) مركب على
_________________
(١) في ب، جـ: الوضوء.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: المسألة الأولى في التوقيت في الوضوء.
(٤) في ب: لابن القاسم.
(٥) "المدونة" (١/ ٢)، وقال: لم يكن مالك يوقت، وقد اختلفت الآثار في التوقيت.
(٦) زيادة من ب.
(٧) زيادة من ب.
(٨) سقط من ب.
(٩) سقط من أ.
[ ١ / ٨٥ ]
كلمتين، معادلة وموازنة ومسائلة ومطابقة، فالسؤال اشتمل على الإجمال أولًا، والتفصيل ثانيًا، والجواب يشتمل على التفصيل أولًا، والإجمال ثانيًا.
فالإثبات من الجواب ثانيًا عديل التوقيت من السؤال أولًا، والنفي من الجواب أولًا عديل الواحدة من السؤال ثانيًا.
فالتوقيت لابد منه في مظنة [الجواب] (١) والطهارة واجبة فكأنما مقصود السائل: أن يقع التوقيت عددًا، ومقصود المجيب: أن يقع التوقيت كمالًا.
فالعدد معلوم الأصل، والتوقيت معلوم الأصل دون التفصيل. والإسباغ: معلوم في الأصل، مجهول التفصيل.
فهذا ترتيب الجواب على هذا السؤال، وليس فيه تناقض كما يَدَّعِي بعض المتفقهة، ويقولون: [نفى وأثبت] (٢) فإن مصرف النفي غير مصرف الإثبات كما رتبناه، فلكون التحديد بالأعداد فيها لا يفي بالمقصود، وقد يقع [فيها] (٣) قصور أضرب عنها إلى الإسباغ الذي هو معنى كليًا يلتمسه المكلّف ما أمكن حتى يصل إليه، وقد أبان مالك -﵀- فيما روى عنه ابن حبيب في كتابه (٤) حيث قال: "لا أحب الواحدة إلا للعالم بالوضوء". فهذا نص لما قيدناه وميزناه أنه مراده ومغزاه، فإن قيل: ما معنى قوله: [هل] (٥) كان مالك يوقت في الوضوء واحدة أو
_________________
(١) في أ: الوجود.
(٢) في أ: حالفوا ثابت.
(٣) سقط من أ.
(٤) انظر: "النوادر والزيادات" (١/ ٣١)، وقال: ولا أحب أن ينقص من اثنتين، ولا يزاد في المسح على الواحدة، وأما غسل القدمين فلا حَدَّ في غسلهما.
(٥) في الأصل: إذا.
[ ١ / ٨٦ ]
اثنتين أو ثلاثًا، قال: لا، إلا ما أسبغ؟ فكان الجواب غير مطابق للسؤال.
وهل شرط الجواب أن يكون مطابقًا للسؤال؟ لأنه سأل عن الأعداد، فأجابه [بالإسباغ] (١).
فالجواب عن التحديد بالأعداد فيه قصور عن [الكلام] (٢) فأضرب عنه إلى الإسباغ الذي هو معنى كليًا يلتمسه المكلف قدر الإمكان، كما قدمناه.
وقوله: وقد اختلفت الآثار في التوقيت يريد الأعداد.
وقوله: "هل وقت مالك في الوضوء" بمعنى: قدر فيه مالك عددًا يقتصر عليه، ويوقف عنده ولا يزاد عليه فلا عدد يقتصر عليه ويوقف لديه، ولا يزاد ولا ينقص منه، فهذا معنى كلامه [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) في أ: على الإسباغ.
(٢) في ب: الكمال.
(٣) زيادة من جـ.
[ ١ / ٨٧ ]
المسألة الثانية
الأسآر
فجميع ما يَدُب على الارض ينقسم [على] (١) قسمين؛ آدمي وبهيمي، فالآدمي ينقسم إلى: مسلم وكافر.
فالمسلم: ينقسم إلى مؤمن وفاسق.
فالمؤمن سُؤْره طاهر على الإطلاق، والفاسق ملتحق بقسم الكافر؛ [فسُؤره] (٢) كسؤر الكافر: نجس على الإطلاق.
وأما [الكفار] (٣): فلنجاستهم حسًا ومعنى.
أما الحس: فلكونهم يباشرون النجس بأيديهم، وبأفواههم من الميتة والخمر ولحم الخنزير، وأفواههم لم تَخْل من فضلات ما أكلوه وشربوه، ثم لا [يؤمن] (٤) ممازجة الماء [الذي] (٥) شربوا [منه] (٦) من مخالطة تلك الفضلات مما يرجع فيه إلى الإناء.
وبهذا الاعتبار ساوينا بين الفاسق والكافر الأصلي؛ [والعلة شاملة للجنسين] (٧).
وأما نجاستهم معنى؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٨)؛
_________________
(١) زيادة من ب.
(٢) في ب: وسؤره.
(٣) في أ: الكافر.
(٤) في أ: يؤمنون من.
(٥) في أ: التي.
(٦) في أ: منها.
(٧) في أ: لعلة مماثلة الجنس.
(٨) سورة التوبة الآية (٢٨).
[ ١ / ٨٨ ]
فقد أخبر الشارع [ق/ ٢ جـ]، بنجاستهم ذاتًا وصفة، وهذا هو مشهور المذهب، وهو نص "المدونة" (١).
قال مالك: "ولا يتوضأ بسؤر النصراني، ولا بما أدخل يده فيه" (٢)، فعمَّ ولم يفصل.
وروى ابن القاسم عن مالك في "العتبية" التفصيل بين سؤره وفضله، قال: "لا بأس بالوضوء بسؤره، وأما بفضله فلا".
وسحنون ﵁ صَّل بين من أُمن شربه الخمر، فإنه يتوضأ بسؤره اختيارًا واضطرارًا، [ومن] (٣) لم يُؤْمَن منه فلا.
ويتحصل في المذهب على هذا ثلاثة أقوال في السؤر، وقول واحد في الفضل:
أحدها: أنه نجس إطلاقًا، وهو ظاهر قول مالك في "المدونة".
والثاني: أنه طاهر إطلاقًا، ونص عليه اللخمي، وهو قول مالك فيما روى عنه ابن القاسم في "العتبية" (٤).
والثالث: قول سحنون في "النوادر" (٥).
وسبب الخلاف: إضافة الماء بشيء نجس، ولم يغيره هل يؤثر في ترك استعماله، ويطلق عليه اسم النجس أم لا؟، وقد يتناول الجميع فيرجع
_________________
(١) المدونة (١/ ١٤).
(٢) انظر: السابق.
(٣) في ب: وإن.
(٤) البيان والتحصيل (١/ ٣٣).
(٥) حيث قال: "إذا أمنت أن يشرب النصراني خمرًا أو يأكل خنزيرًا فلا بأس بفضل سؤره في ضرورة أو غير ضرورة". النوادر (١/ ٧٠).
[ ١ / ٨٩ ]
إلى قول واحد؛ فيُحمل قول مالك [في المدونة] (١) على أنه تيقن مباشرته وشربه للخمر، ويُحمل قول ابن القاسم على أنه قد تيقن مجانبته للخمر، فيرجع الجميع إلى قول سحنون.
فإن توضأ به وصلى، هل يعيد أو لا يعيد؟
فيتخرج الخلاف فيها على الخلاف في الماء القليل إذا وقعت فيه النجاسة اليسيرة ولم تغيره.
وأما البهيمي: فينقسم إلى ما لا يصل إلى النَّتَن، وإلى ما يصل إليه.
[فأما [ما] (٢) لا يصل إلى النَّتَن] (٣) من جميع البهائم على اختلاف أنواعها: فسؤره طاهر -كان الماء قليلًا أو كثيرًا-.
فأما ما يصل منها إلى النتن: فلا يخلو ما شربته منه من أن يكون [الماء] (٤) قليلًا أو كثيرًا، فإن كان كثيرًا كالحوض وشبهه: فالماء طاهر لا يتنجس بشربها؛ سواء أكان في أفواهها وقت شربها أذىً أم لا؛ لقوله ﵇: "لها ما أخذت في بطونها ولنا ما بقى شرابًا وطهورًا" (٥)، ولقول عمر ﵁: يا صاحب الحوض: "لا تخبرنا؛ فإنا نرد [ق/ ٧ أ] على السباع، وترد علينا" (٦).
_________________
(١) زيادة من ب.
(٢) سقط من الأصل.
(٣) سقط من ب.
(٤) سقط من ب.
(٥) أخرجه ابن ماجة (٥١٩) من حديث أبي سعيد الخدري. قلت: ضعفه العلامة الألباني في ضعيف سنن ابن ماجة (٥١٩)، وضعيف الجامع (٤٧٨٩)، وهو كما قال.
(٦) أخرجه مالك (٤٥)، والبيهقي في الكبرى (١١١٤)، وعبد الرزاق في المصنف =
[ ١ / ٩٠ ]
فإن كان قليلًا، مثل آنية الوضوء، وما فوقها قليلًا، شرب منه [أما] (١) ما يصل إلى النَّتَن، فلا يخلو من أن يتيقن في أفواهها أذى وقت الشرب أم لا؟
فإن تيقن الأذى في أفواهها وقت شربها: فإنه لا يتوضأ بذلك الماء.
فإن توضأ به رجل وصلى: فهل يعيد أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يعيد [أصلًا] (٢) سواء علم أو لم يعلم -وهو مشهور المذهب-.
والثاني: أنه يعيد في الوقت، وسواء علم أو لم يعلم -وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" (٣).
والثالث: التفصيل بين أن يتعمد الوضوء به بعد علمه فيعيد، أو لا يتعمد.
وإذا علم بعد الصلاة: فلا يعيد إلا في الوقت، وهو قول ابن حبيب (٤)، وهو ظاهر قول أبي سعيد البراذعي في ["التهذيب" (٥)].
وسبب الخلاف: الماء القليل إذا وقعت فيه النجاسة [اليسيرة] (٦)،
_________________
(١) = (٢٥٠)، وابن المنذر في "الأوسط" (١/ ٣١٠). قال الشيخ الألباني: ضعيف. المشكاة (٤٨٦)، وانظر: تمام المنة.
(٢) سقط من الأصل.
(٣) في جـ: الصلاة.
(٤) المدونة (١/ ٥).
(٥) النوادر (١/ ٧٣).
(٦) في جـ: المدونة.
(٧) في أ: القليلة.
[ ١ / ٩١ ]
ولم تغيره، هل هو طاهر مطهر أو لا طاهر ولا مطهر أو طاهر غير مطهر، وهو شذوذ من القول؟
وأمَّا إن لم يرد في أفواهها وقت شربها أذى، فهاهنا تفصيل وتحصيل:
أمَّا الهرة: فلا خلاف في المذهب في استعمال سؤرها وطهارته؛ لقوله ﵇: "إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات" (١)، [فخرجت] (٢)، بهذا الدليل من جملة الحيوانات؛ لِعِلَّة الطّواف والملازمة، وما فيها من المنفعة ["للخليقة"] (٣).
أما الكلب: فقد ورد [الخبر] (٤) بغسل الإناء من وُلُوغه سَبْعًا عمومًا من غير تفصيل بين المأذون وغيره، وبين أواني الماء وأواني الطعام، فبنا نُشَمِّر الذَّيل إلى التفصيل ونتشوف إلى التحصيل.
أما أواني الماء: فلا خلاف في وجوب غسلها سبعًا حسب ما ورد في الخبر، ولا يغسل بما فيه من الماء؛ لأنه ورد في حديث مسلم: "فليرق الماء .. " (٥)
فهل يبادر إلى غسله في الحال أو عند إرادة الاستعمال؟ قولان، وسبب الخلاف: هل غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا تعبد أو لنجاسته؟
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٧٥)، والترمذي (٩٢)، والنسائي (٦٨)، وابن ماجة (٣٦٧)، وأحمد (٢٢٠٢٢)، ومالك (٤٤). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) في أ: فخرجته.
(٣) في ب: والخليقة.
(٤) في ب: الأثر.
(٥) أخرجه البخاري (١٧٠)، ومسلم (٢٧٩)، واللفظ له.
[ ١ / ٩٢ ]
فمن رأى أنه لنجاسته أجاز التأخير، ومن رأى أنه تعبد منع التأخير أو التعداد؛ إذ لا ينافي أن يكون الغسل لنجاسة؛ لأنَّ القدر الذي يحصل فيه الإنقاء مطلوب لمعنى، والزائد عليه عبادة، كالاستجمار والإقراء؛ إذ الاستبراء يحصل بقرء واحد، والباقي من الثلاثة تعبد، فكذلك أحجار الاستجمار، والتحديد بالسبع من هذا القبيل.
وأما أواني الطعام: فهل هي كأواني الماء في لزوم غسل [ق/ ٤ ب] الإناء؟
في المذهب قولان، وسبب الخلاف: العموم هل يخصص بالعادة أم لا؟
وهي مسألة اختلف فيها الأصوليون؛ فمن قال: إن العموم لا يخصص بالعادة (١)، قال: إن أواني الطعام مثل أواني الماء للعموم، وهو قوله ﵇: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم" (٢)، والإضافة دليل التعريف، والتعريف دليل العموم، إلا أن يقوم دليل على أن المراد بالتعريف العهد.
ومن رأي أن العموم يخصص بالعادة (٣)، فيقول: وجدنا عادة العرب التحفظ بأواني الطعام، ورفعها في محل الصيانة؛ إذ لا تستعمل إلا في وقت مخصوص بخلاف أواني الماء تُبْتَذَلُ في كل ساعة، وصارت مُعَرّضة لملاقاة الكلاب، وأن تكون مولغة لها، فكان ذلك مقصود الشرع، والله أعلم.
واختلف في سؤر الكلب، هل هو طاهر أو نجس؟
_________________
(١) وهذا هو مذهب الجمهور، وهو الحق.
(٢) تقدم.
(٣) وهذا هو مذهب الحنفية.
[ ١ / ٩٣ ]
على أربعة أقوال:
أحدها: أنه طاهر في الماء والطعام، وهو ظاهر قول ابن وهب، وأشهب، وابن زياد (١)، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" (٢) لقوله: "لأنه يرى الكلب كأنه من أهل الدار وليس كغيره من السباع، وأيّ [مزية] (٣) على السباع إن قلنا بنجاسة سؤره، ولاسيما وقد وقع في بعض روايات المدونة: ([والهرة] (٤) أيسرهما [لأنها] (٥) مما يتخذه الناس) (٦)، والضمير فيهما يعود على الكلب المذكور قبله.
ولا فرق على هذا القول بين الماء والطعام [وتفريق ابن القاسم في المدونة بين الماء والطعام] (٧)، استحباب، جار على غير قياس، وإلا لو كان بالعكس أولى؛ لأنَّ الماء يدفع عن نفسه، والطعام لا يدفع عن نفسه، فكان بالطرح أولى، لكن ابن القاسم لاحظ المصلحة، واعتبر الحرمة فقال: "الماء في غالب الأحوال لا قدر له ولا قيمة، والنفوس مجبولة على التسامح [بها] (٨)، وبذلها بغير عوض؛ لأنه أذل موجود، وبهذا الاعتبار عفا عنه مالك في قاعدة الرِّبا، وجوز التفاضل فيه على مشهور [مذهبه] (٩).
فعلى هذا المنهاج أجرى ابن القاسم [مذهبه] (١٠) في التفرقة بين الماء
_________________
(١) النوادر (١/ ٧٢).
(٢) المدونة (١/ ٥).
(٣) في ب: منزلة له.
(٤) في أ: الهر.
(٥) في أ: لأنهما.
(٦) المدونة (١/ ٦)، والنوادر (١/ ٧٢).
(٧) سقط من أ.
(٨) سقط من ب.
(٩) في ب: المذهب.
(١٠) في ب: جوابه.
[ ١ / ٩٤ ]
والطعام، وأنه ضرب من قياس الشَّبه.
والقول الثاني: أن سؤره نجس في الماء والطعام، ويطرح الجميع ولا يستعمل، وهو قول مالك في رواية ابن وهب عنه (١)، لأمر النبي - ﷺ - بغسل الإناء من ولوغه عمومًا.
والثالث: التفصيل بين المأذون في اتخاذه وغير المأذون، فسؤر المأذون طاهر، وغيره نجس.
والرابع: التفصيل بين البدوي والحضري، فإن كان [البدوي] (٢): فسؤره طاهر؛ لأن اتخاذه له مباح، وإن كان [الحضري] (٣): فسؤره نجس؛ لأنه خاص في اتخاذه، وهو قول عبد الملك.
وسبب الخلاف بين من قال بنجاسة سؤره عمومًا [أو بطهارته عمومًا] (٤)، الأمر بغسل الإناء من ولوغه هل هو تعبد أو لنجاسته؟
وسبب الخلاف بين من يفرق بين المأذون وغيره، وبين من أطلقت اختلافهم في الألف واللام، هل هما للعهد أو للاستغراق، والقول بالتفصيل بين البدوي والحضري لا وجه له إلا أن يقال: [إن] (٥) البدوي له [ضرورة] (٦) إلى اقتنائه.
وقد وقع لمالك في "المدونة" (٧) لفظان؛ أحدهما: قوله: [ولا] (٨)
_________________
(١) النوادر (١/ ٧٢).
(٢) في ب: بدويًا.
(٣) في ب: حضريًا.
(٤) سقط من أ.
(٥) زيادة من ب.
(٦) زيادة من ب.
(٧) المدونة (١/ ٥).
(٨) في ب: وما.
[ ١ / ٩٥ ]
أدرى ما حقيقته، والثاني: قول ابن القاسم: "وكان يضعفه" (١) -يعني: مالكًا-.
[واختلف] (٢) المتأخرون في تأويلهما وتنزيلهما على الوقف، فقيل: إنه كان يضعف الحديث [لأنه من أخبار الآحاد] (٣)، والقرآن يعارضه، والله تعالى يقول: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (٤).
وقيل: أنه كان يضعِّف [العدد] (٥)؛ لأن الأعداد في غسل النجاسة غير معتبرة.
وقيل: إنه كان يضعف [الوجوب -يعني: وجود الغسل] (٦) - وهو تأويل أبي الحسن القابسي [﵁] (٧)، ويدل عليه تخصيصه بالماء، وأعظم إراقة الطعام.
ولو كان الغسل واجبًا لساوى بين الماء والطعام على [مذهبه في] (٨) "المدونة"، ولا حجة لمن قال: إنه ضَعَّفَ الحديث؛ بقوله: [وما] (٩) أدرى ما حقيقته [لاحتمال أن يريد بقوله ما أدرى ما حقيقته] (١٠)، أي حقيقة معناه، وحكمة الله في هذه [العبادات] (١١)، أو يكون هذا على
_________________
(١) المدونة (١/ ٥).
(٢) في ب: فاختلف.
(٣) في ب: لأنه خبر آحاد.
(٤) سورة المائدة الآية (٤).
(٥) في ب: الأعداد.
(٦) في ب: وجوب.
(٧) زيادة من ب.
(٨) في ب: مذهب.
(٩) في ب: لا.
(١٠) سقط من أ.
(١١) في أ: العبادة.
[ ١ / ٩٦ ]
مذهب من قَدَّمَ القياس على خبر الواحد، وهو مذهب جماعة من الفقهاء الأصولين، ومن [أئمتنا] (١) البغداديين، وحكوا أنه مذهب مالك، ويؤيد هذا التأويل قوله في "المبسوط"-: ليس غسل الإناء سبع مرات بالأمر اللازم [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) في أ: أئمة.
(٢) زيادة من جـ.
[ ١ / ٩٧ ]
المسألة الثالثة
في أحكام المياه
فالماء على وجهين؛ مطلق ومضاف.
فالمطلق: هو الذي لم يخالطه شيء من الأشياء، فحكمه: أنه طاهر بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.
والأصل في المياه الطهارة [والتطهير] (١)، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (٢).
والطهور: فعول من التطهير، وهو الطاهر المطهر، ومنه قوله ﵇: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" (٣)، أي: مطهرة؛ لأنَّ التراب كان طاهرًا قبله، وخَصَّ - ﷺ - وجه الأرض مطهرًا، [أي] (٤): فيتيمم به.
وفي الصحيحين: [أنه] (٥) عاد مريضًا، فقال: "لا بأس، طهور إن شاء الله" (٦).
يُريد أن [المرض] (٧) مُطَهِّر من الذنوب، ولم يُرِد أن [المرض] (٨)
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) سورة الفرقان الآية (٤٨).
(٣) أخرجه البخاري (٣٢٨)، ومسلم (٥٢١).
(٤) سقط من ب.
(٥) سقط من ب.
(٦) أخرجه البخاري (٣٤٢٠)، وانفرد به، وليس كما زعم المصنف.
(٧) في ب: المريض.
(٨) في ب: المريض.
[ ١ / ٩٨ ]
طاهر.
وأما المضاف: فعلى وجهين؛ مضاف بشيء طاهر، ومضاف بشيء نجس.
فأما المضاف بشيء طاهر: لا يخلو من ثلاثة أوجه: مضاف بما لا ينفك عنه غالبًا، ومضاف بما ينفك عنه غالبًا، ومضاف بما ينفك [عنه] (١) في بعض الأزمنة.
فالجواب عن الوجه الأول؛ وهو المضاف بما لا ينفك [عنه] (٢) غالبًا كالمضاف بقراره كالماء الجاري على الشَّب [والحديد] (٣)، والزَّرْنِيخ وغيره من المعادن، أو تغير [مجرى] (٤) الماء [بالطحلب] (٥): فلا خلاف أنه طاهر مطهر.
والجواب عن الوجه الثاني: وهو المضاف بما ينفك عنه غالبًا كالمضاف بالحبوب والأخباز والجلود وغير ذلك: فلا تخلو من أحد وجهين:
إما أن يغيره ذلك أم لا، فإن تغير أحد أوصافه [فهو عندنا طاهر غير مطهر، وإن لم يتغير أحد أوصافه] (٦)، ولا بعضها: فلا خلاف في المذهب أنه طاهر.
[و] (٧) هل يسلبه التطهير أم لا؟
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: ممر.
(٥) في أ: والطحلب.
(٦) سقط من أ
(٧) زيادة من ب.
[ ١ / ٩٩ ]
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" (١):
أحدهما: أنه طاهر مطهر، وأن ما أضافه لا يسلبه التطهير، وهو مشهور المذهب، وهو ظاهر "المدونة" (٢)، في رجل أصابته السماء حتى استنقع أنه يتوضأ، وهو مضاف بشيء طاهر؛ لأنَّه ما سال من ثيابه وَمَرَّ على جسده، وهذا على رواية رجل.
والثاني: أنه طاهر غير مطهر، وهو نص قوله في "النوادر" (٣)، وهو ظاهر قول مالك في كتاب الوضوء من "المدونة" (٤)، حيث قال: "ولا يتوضأ بما قد [بُلَّ] (٥) فيه شيء من الطعام والشراب، ولا بما وقع فيه جلد فأقام [فيه] (٦) أيامًا حتى ابتل"؛ فظاهر هذا [ألا] (٧) فرق بين أن يتغير [أو لا يتغير] (٨)، إلا أنه شذوذ من القول.
وروى مثله عن [الشيخ] (٩) [أبي الحسن] (١٠) القابسي ﵁.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا أضيفت بما ينفك عنه في بعض الأزمنة دون بعض كالمضاف بأوراق الشجر والحشيش، وما في معناه، وهذا (١١) يتخرج على ثلاثة أقوال [ق/ ٣ جـ]:
_________________
(١) المدونة (١/ ٤).
(٢) المدونة (١/ ٢٥).
(٣) النوادر (١/ ٧٦).
(٤) المدونة (١/ ٤).
(٥) في جـ: حل.
(٦) سقط من ب.
(٧) في أ: لا.
(٨) في ب: أم لا.
(٩) زيادة من ب.
(١٠) سقط من ب.
(١١) في أ: وإنه.
[ ١ / ١٠٠ ]
أحدها: أنه يمنع [التوضؤ] (١) به كالمضاف بالحبوب؛ لأن ذلك لا يجانس [الماء] (٢) والاحتفاظ منه ممكن، وهو قول أبي العباس الإبياني.
والثاني: أنه لا يمنع [التوضؤ] (٣) كالمضاف [لما] (٤) يلازمه من حمأة أو طحلب؛ لأن التكليف [بالمحافظة] (٥) عن مثل [ذلك] (٦) مشقة [حافة] ومضرة [ق/ ٨ أ] لاحقة، وهو مذهب العراقيين [من أصحابنا] (٧).
و[القول] (٨) الثالث: التفصيل بين زمان الإمكان من الاحتراز منه، فلا يتوضأ به، وبين الزمان الذي لا يمكن الاحتفاظ منه، فيجوز [التوضؤ] (٩) به، وهذا القول توسط بين القولين المتقدمين، وهو مُخَرَّج غير منصوص.
وأما المضاف بشيء نجس: فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: [أن تتغير الأوصاف أو بعضها، والثاني: ألا يتغير له وصف من الأوصاف] (١٠).
فالجواب عن الوجه الأول إذا تغيرت [الأوصاف] (١١) أو بعضها: فإن
_________________
(١) في ب: الوضوء.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: الوضوء.
(٤) في ب: بما.
(٥) في أ: للمحافظة.
(٦) في ب: هذا.
(٧) زيادة من ب.
(٨) زيادة من ب.
(٩) في ب: الوضوء.
(١٠) في ب: إما أن يتغير أم لا.
(١١) في ب: أوصافه.
[ ١ / ١٠١ ]
تغيرت الأوصاف الثلاثة [الرائحة] (١)، أو اللون، أو الطعم: فلا خلاف في مذهب مالك ﵀ أنه [ماء] (٢) نجس، وأنه ليس بطاهر ولا مطهر.
وإن تغيرت الرائحة بانفرادها، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه نجس، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنه طاهر ليس بنجس، وهو قول عبد الملك.
وسبب الخلاف: الزيادة في الخبر إذا كان راويها ثقة، هل تقبل تلك الزيادة أم لا؟
والأحاديث الواردة عن النبي - ﷺ - مختلفة بالزيادة والنقصان؛ فمنها ما [خرَّج] (٣) أبو داود من طريق أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - سُئل عن بئر بضاعة -وهو بئر تلقى فيه لحوم الكلاب والحيض- فقال - ﷺ -: "إن الماء لا ينجسه شيء" (٤).
وفي حديث آخر: "خلق الله الماء طهورًا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه، أو طعمه" (٥) وفي حديث آخر: "أو رائحته".
فلأجل هذا الاختلاف اختلف في الرائحة، هل هي من الأوصاف
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) في ب: خرجه.
(٤) أخرجه أبو داود (٦٦)، والترمذي (٦٦)، والنسائي (٣٢٦)، وأحمد (١٠٧٣٥) من حديث أبي سعيد. قال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال العلامة الألباني: صحيح. إرواء الغليل (١٤).
(٥) أخرجه ابن ماجة (٥٢١) من حديث أبي أمامة. وقال العلامة الألباني: ضعيف. الضعيفة (٢٦٤٤).
[ ١ / ١٠٢ ]
المعتبرة كاللون [والطعم] (١) أم لا؟
والجواب عن الوجه الثاني: إذا أضيف بشيء نجس، فلم تتغير الأوصاف: فلا يخلو ذلك من أن يكون كثيرًا مستبحرًا أم لا، فإن كان كثيرًا مستبحرًا: فلا خلاف في مذهب مالك أن الإضافة لا تؤثر، وأن الماء طاهر مطهر.
[فإن كان الماء قليلًا دون القلتين التي آنية الوضوء مثله: فاختلف فيه المذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أنه طاهر مطهر] (٢) على أصله، وهذا هو مشهور المذهب.
والثاني: أنه نجس؛ ومن توضأ به عالمًا وصلى أعاد أبدًا، وهو قول ابن حبيب -متأوَل على قول ابن القاسم في الكتاب- لأنه قال: "ومن توضأ بماء ولغ فيه ما يأكل الجِيَف، فإنه يعيد في الوقت" (٣). والإعادة في الوقت لغير المتعمد، وهو نقل أبي سعيد.
والثالث: أنه مكروه، ويستحب تركه مع وجود غيره.
والرابع: أنه ماء مشكوك في حكمه، هل هو طاهر أو نجس.
وهذه الأقوال كلها ترجع إلى قولين أصلين: إطلاق الطهارة، وإطلاق النجس.
وسبب الخلاف: تعارض الأخبار الواردة في ذلك:
فمنها: ما [روى] (٤) مالك من طريق أبي هريرة أنه قال: قال رسول
_________________
(١) في الأصل: الطعام.
(٢) سقط من جـ.
(٣) المدونة (١/ ٦).
(٤) في جـ: خرجه.
[ ١ / ١٠٣ ]
الله - ﷺ -: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في وضوئه، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" (١).
فيفهم منه أن قليل الماء ينجسه قليل النجاسة.
وكذلك يفهم من حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه" (٢).
ويعارضه حديث أنس بن مالك: أن أعرابيًا قام إلى ناحية من المسجد فبال فيها، فصاح به الناس، فقال رسول الله - ﷺ -: "دعوه لا تَزْرِمُوهُ" (٣)، فلما فرغ أَمَرَ رسول الله - ﷺ - بذَنوب من ماء، فصب على بوله" (٤).
فظاهره: أن قليل الماء لا ينجسه قليل النجاسة؛ إذ المعلوم أن ذلك الموضع قد طهر بذلك الذَّنوب.
وعلى القول بأنه نجس، هل يتيمم مع وجوده من لم يجد سواه؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يتيمم ويتركه، وهو [قول] (٥) ابن القاسم.
والثاني: أنه يجمع بين التيمم واستعماله، [وبه قال] (٦) محمَّد بن مسلمة، وعبد الملك.
وعلى القول [بالجمع] (٧) بين التيمم والوضوء كيف يجمع بينهما؟
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٦٠)، ومسلم (٢٧٨)، ومالك (٤٠).
(٢) أخرجه البخاري (٢٣٦)، ومسلم (٢٨٢).
(٣) أي: لا تقطعوا عليه بوله.
(٤) أخرجه البخاري (٥٦٧٩)، ومسلم (٢٨٤).
(٥) في أ: مذهب.
(٦) في ب: وهو قول.
(٧) في ب: بأنه يجمع.
[ ١ / ١٠٤ ]
[فالمذهب] (١) على قولين:
أحدهما: أنه يتوضأ به، ثم يتيمم ويصلي، وبه قال عبد الملك.
والثاني: أنه يتيمم ويصلي، ثم يتوضأ ويصلي، ويقدم الصلاة بالتيمم، وهو قول سحنون، قبل أن تتنجس أعضاؤه بذلك الماء، ثم يتوضأ بعد ذلك ويصلي به مراعاة لقول من يقول: أنه [ماء] (٢) طاهر؛ [فتوقع] (٣) الصلاة على وجه [مجمع] (٤) عليه لعدم الترجيح.
فإن حضرت صلاة أخرى: فإنه يعيد التيمم، ثم يصلي. فإن [انتقضت] (٥) طهارته: توضأ بما بقى من ذلك الماء أيضًا.
وهنا فصل أخر [في المياه] (٦):
اختلف فيه من أي قبيل هو؟ وهو الماء المستعمل، هل يستعمل في رفع الحدث مرة ثانية أم لا؟
فقد اختلف فيه المذهب على قولين قائمين من "المدونة" (٧):
أحدهما: أنه لا يستعمل أصلًا، ويتيمم من لم يجد سواه، وهو قول مالك في "المختصر"، وفي كتاب ابن القصار، عليه حمل حذاق المتأخرين قول مالك في "الكتاب" [حيث قال] (٨): "ولا يتوضأ بما قد
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) في ب: لتقع.
(٤) في ب: مجتمع.
(٥) في أ: انقضت.
(٦) سقط من ب.
(٧) المدونة (١/ ٤).
(٨) زيادة من ب.
[ ١ / ١٠٥ ]
توضأ به مرة ولا خير فيه" (١)، وإن قول ابن القاسم خلاف، ويؤيده قوله فيمن ذكر وهو في الصلاة أنه لم يمسح رأسه، وفي لحيته بلل، فقال: "لا يجزئه أن يمسحه بذلك البلل" (٢).
وظاهره سواء كان البلل يسيرًا أو كثيرًا؛ لأنه ماء مستعمل.
ولعبد الملك في غير "المدونة": أنه يمسح به إذا كان الماء كثيرًا، وهو القول الثاني في المذهب: أن الماء المستعمل يستعمل، وهو نص قول ابن القاسم في "المدونة" إذا كان الذي توضأ به أولًا طاهر الأعضاء.
وسبب الخلاف: اختلافهم في هذا الماء هل يطلق عليه اسم الإطلاق أم لا؛ فمن رأى أنه ماء مطلق، وأن [هذا] (٣) الاسم يتناوله، قال: إنه يستعمل.
ومن رأى أنه لا يطلق عليه [هذا] (٤) الاسم، قال: لا يستعمل ولأصحابنا المتأخرين [على] (٥) هذه المسألة [توجيهات] (٦)، أضربتُ عن ذكرها لضعفها، [والله وليّ التوفيق] (٧) [والحمد لله وحده] (٨).
_________________
(١) المدونة (١/ ٤).
(٢) المدونة (١/ ١٧).
(٣) سقط من ب.
(٤) سقط من ب.
(٥) في ب: في.
(٦) في أ: توجيه.
(٧) سقط من ب.
(٨) زيادة من جـ.
[ ١ / ١٠٦ ]
المسألة الرابعة
فيما ينتقض الطهارة
والطهارة ينقضها ثلاثة أشياء:
أحدها: خروج خارج.
والثاني: دخول داخل.
والثالث: ما ليس [بداخل ولا] (١) بخارج، ولكنه سبب لخارج، فالجواب عن الوجه الأول؛ وهو خروج خارج، [فأرشق] (٢) عبارة [عَبَّرَ بها] (٣) مُتأخرو المذهب في حصر النواقض أن تقول: الخارج المُعتاد [من المَخْرَج المعتاد] (٤) على سبيل الاعْتِياد: فهو الذي يوجب الوضوء باتفاق [من] (٥) المذهب.
[وقولنا] (٦): الخارج المُعتاد: كالبول، [والغائط] (٧)، والريح، وما يخرج من الذَّكر على اختلاف أنواعه وأسمائه؛ احترازًا من غير المعتاد كالدود، [والحصى] (٨)، والدَّم من الدُّبر.
وقولنا: من المَخْرَج المُعتاد، احترازًا مما يخرج من الفم من دم أو
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: وأن.
(٣) في أ: عبرها.
(٤) سقط من ب.
(٥) سقط من ب.
(٦) في ب: فقوله.
(٧) سقط من ب.
(٨) في ب: الحصاة.
[ ١ / ١٠٧ ]
قيء، أو ما يخرج من جرح من دم أو قيح؛ فإن أبا حنيفة اعتبر الخارج دون المخرج، والشافعي [اعتبر] (١) المخرج دون الخارج، وتابعه على ذلك محمد بن الحكم من أصحابنا.
وقولنا: على سبيل الاعتياد؛ احترازًا مما ليس بمعتاد كالدُّبر، والدود تخرج عارية عن البَّلَّة، والحصا، وسلس البول، والمذي، والريح، ودم الاستحاضة، فهذا لا يوجب الوضوء عند مالك، ولا ينقضه على تفصيل لنا فيه.
والزائد على القدر المعتاد كالسلس والاستحاضة: لا يخلو إما أن يكون دائمًا [مسترسلًا على سائر الأوقات أو يكون منقطعًا يأتي المرة بعد المرة، فإن كان دائمًا] (٢) متصلًا لا يفتر: فلا خلاف [في المذهب] (٣) أن
الوضوء في حقه لا يجب، لكنه مستحب.
فإذا بال بول العادة، أو كانت المستحاضة ممن لها التمييز: فيجب الوضوء على صاحب السلس، والغسل على المستحاضة [فإن] (٤) كان غير دائم: ففي هذا الوجه يفترق حكم صاحب البول، وصاحب المذي؛ فصاحب البول: لا خلاف أنه يتوضأ لكل صلاة. وهل ذلك على معنى الوجوب أو على معنى [الندب] (٥)؟
فبين المتأخرين [قولان متأولان] (٦) على "المدونة"، والظاهر
_________________
(١) في ب: يعتبر.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: ولو.
(٥) في أ: المندوب. وفي ب: الاستحباب.
(٦) في ب: خلاف على قولين متأولين.
[ ١ / ١٠٨ ]
منهما: أنه على الوجوب.
وأما صاحب المذي فلا يخلو سلسه [منه] (١) مرة بعد مرة من أن يكون ذلك [من سببه] (٢)، أو [من سبب] (٣) يقدر على رفعه، أو من سبب لا يقدر على رفعه ودفعه، فإن كان ذلك من سببه كالتَّذكر، وكان لا يخرج منه إلا بالتذكر: فهذا يجب عليه الوضوء باتفاق المذهب، ولكن هل يغسل جميع الذكر أو رأس الإحْلِيل خاصة؟
فالمذهب على قولين، وفي "المدونة" ما يدل على القولين جميعًا؛ لأنه قال في موضع: "فإنه يغسل ذكره" (٤)؛ فظاهره كله.
وقال في موضع آخر: "يغسل ما به" (٥)، وظاهره رأس القضيب [خاصة] (٦).
وهل يفتقر غسله إلى نية أم لا؟
وهذا يتخرج على صفة غسله؛ فمن قال [بغسل] (٧) جميع الذكر: فقال: يحتاج إلى نية؛ لأن ذلك جنابة الذكر.
ومن قال [بغسل] (٨) مخرج الأذى خاصة، قال: لا يحتاج إلى النية.
فإن كان ذلك من سبب يقدر على دفعه بالتَّسَرِّي والنكاح: فهل يجب
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) في ب: بسببه.
(٣) في ب: بسبب.
(٤) المدونة (١/ ١٢).
(٥) المدونة (١/ ١٢).
(٦) سقط من ب.
(٧) في ب: يغسل.
(٨) في ب: يغسل.
[ ١ / ١٠٩ ]
الوضوء ابتداءً بهذا الوصف، أو لابد من اعتبار التذكر معه؟ [فإذا طالت العزبة واستدام التذكر، فيخرج المذي ويجب الوضوء] (١).
وهل يجب بانفراد العزبة وإن لم يقارنه التذكر؟
ففي "المدونة" روايتان:
إحداهما [قوله] (٢): إن كان ذلك من طول عزبة إذا تذكر خرج منه" (٣)، فاقتضت هذه الرواية: أن الوضوء لا يجب بمجرد العزبة، وإن خرج مذي حتى يتذكر.
[والرواية الأخرى] (٤): فإن كان ذلك من طول عزبة أو تذكر فكل وصف ["اعتبر على انفراده" (٥)] (٦): فالتذكر بانفراده، والعزبة بانفرادها. فقد تبين لك ما بين الروايتين من المعنى.
وعلى الرواية باعتبار العزبة على الانفراد، فإن قدر على إزالتها بالشراء أو النكاح: فهل يجب عليه الوضوء لكل صلاة أو يؤمر؟
قولان مخرّجان على المذهب.
وسبب الخلاف: من ملك أن يَمْلك قبل أن يُمَلك هل هو كالمالك؟
فإن كان ذلك [ق/ ٩ أ] من سبب لا يقدر على دفعه وزواله، كمن به علة دائمة، فإنه يؤمر بالوضوء اتفاقًا، فهل ذلك على معنى الندب أو على معنى الإيجاب؟
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) سقط من أ.
(٣) المدونة (١/ ١٠).
(٤) في ب: والثانية.
(٥) المدونة (١/ ١١).
(٦) في ب: اعتبر كلا الوصفين على انفراده.
[ ١ / ١١٠ ]
قولان قائمان من "المدونة".
[والموجب الثاني] (١): وهو دخول داخل كالإيلاج في قُبُل أو دُبُر، فلا خلاف في مذهب مالك [في] (٢) أنه ينتقض الوضوء ويوجب الطهارة عليهما؛ كان معه إنزال أم لا [على أحد القولين فيمن أكره على الزنا أنه يحد لوجود الانتشار والنشاط منه؛ لأن ذلك ينافي الإكراه فإنه يجب عليه الغسل على هذا القول لاحتمال أن يصدر ذلك عن إرادته واختياره، وأما المرأة فقد روى إسماعيل القاضي عن مالك أنها لا غسل عليها، والقياس وجوبه عليها كان معها إنزال أم لا] (٣) إذا كان الإيلاج بالاختيار منهما.
فإن أُكرها أو أحدهما هل يفسد ذلك وضوءهما، أو وضوء المكرَه منهما أم لا؟
فهذه المسألة لم أرها في [المدونة] (٤) نصًا، والذي تقتضيه أصول المذهب وفصوله: ألَّا وضوء على المكرَه منهما؛ لأن المكره على مذهب مالك ﵀ لا ينسب إليه فعل.
[والجواب عن الوجه الثالث] (٥): وهو ما ليس بخارج، ولكنه سبب للخارج كالنوم، والقُبلة، والمباشرة، والملامسة، وأشباهها.
فأما النوم: فاختلف المذهب فيه على قولين:
أحدهما: أنه حدث في نفسه، وهو قول ابن القاسم (٦) فيما حكاه أبو
_________________
(١) في ب: والجواب عن الوجه الثاني.
(٢) ساقطة من ب.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: المذهب.
(٥) في أ: والموجب الثالث.
(٦) المدونة (١/ ٩، ١٠).
[ ١ / ١١١ ]
الفرج [عنه] (١) وإليه مال ابن القصار.
والثاني: أنه ليس يحدث [في نفسه وهو مشهور المذهب] (٢)، [وإنما هو سبب للإحداث] (٣).
ولهذا تعتبر حالة النائم، والهيئة التي يغلب بها على الظن أنه يخرج ولا يشعر، وهو على أربع مراتب؛ أقربها إلى انتقاض وضوئه فيها [الاضطجاع] (٤) [ق/ ٤ جـ]، ثم السجود والركوع، ثم القيام، ثم الاحتباء.
واختلف في الركوع، فقيل: كالقيام، وقيل: كالسجود.
واختلف في الاستناد؛ فقيل: كالجلوس، وقيل: كالاضطجاع؛ فإذا نام الرجل مضطجعًا، فعليه الوضوء بالاستثقال، وإن لم [ق/ ٥ ب] يطل، وإذا نام ساجدًا هل يجب عليه الوضوء بمجرد النوم أو لابد من الإطالة؟.
في المذهب ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يجب عليه الوضوء إذا نام ساجدًا -قليلًا كان نومه أو كثيرًا- وهو ظاهر "المدونة" (٥) من قوله: وقد يتوضأ أيسر شأنًا ممن فقد عقله بجنون أو إغماء أو سكر، وهو الذي ينام ساجدًا أو مضطجعًا. وإلى هذا الترجيح مال بعض مشايخ الأندلسيين.
والثاني: أنه لابد من اعتبار الوصفين؛ الإطالة والاستثقال، وهو نص
_________________
(١) زيادة من ب.
(٢) زيادة من ب.
(٣) سقط من ب.
(٤) في أ: الإضجاع.
(٥) المدونة (١/ ٩).
[ ١ / ١١٢ ]
"المدونة" (١).
والثالث: أنه يجب بالاستثقال، وإن لم يطل.
وقد وقع في بعض روايات "المدونة" بإسقاط الألف في قوله: "من استثقل وطال"، وفي رواية: "أو طال ذلك".
فهذا ما يؤيد هذا القول من "المدونة".
وكل ما هو مزيل للعقل حتى لا يشعر الإنسان بنفسه: فحكمه حكم النوم.
وسواء كان المزيل بإيثار المكلّف، واختياره كالسكْر، أو كان ذلك بغير اختياره كالإغماء والجنون، فهذا مما لا [اختلاف] (٢) فيه في المذهب.
وأما القُبلة مع وجود اللَّذة والقصد [إليها] (٣)، فاختلف فيها في المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن القُبلة توجب الوضوء بأي وجه كانت على الفم أو على [غير الفم] (٤) كانت بطوع أو إكراه على الفاعل والمفعول، وهو ظاهر قوله في [آخر] (٥) باب التيمم من كتاب الوضوء حيث قال: "وإن كانا متوضئين فلا يقَبِّل أحدهما صاحبه إلا أن يكون معهما من الماء ما يكفيهما جميعًا" (٦)، ولم يفصل بين أن تكون على الفم [أو] (٧) على غيره.
_________________
(١) المدونة (١/ ١٠).
(٢) في ب: يختلف.
(٣) زيادة من ب.
(٤) في ب: غيره.
(٥) سقط من أ.
(٦) المدونة (١/ ٤٩).
(٧) في ب: أم.
[ ١ / ١١٣ ]
الثاني: التفصيل بين [أن تكون على] (١) الفم [أو] (٢)؛ غيره فإن كانت على الفم: وجب الوضوء عليهما جميعًا، وإن كانت على غير الفم: وجب الوضوء على الفاعل، ولا شيء على المفعول به، إلا أن يلتذ، وهو نص قوله في كتاب الوضوء، حيث قال: "أرأيت من قَبَّلْته امرأته على غير الفم -على ظهره أو على رأسه- أتكون هي اللامسة [دونه] (٣) في قول مالك؟ قال: نعم" (٤).
والقول الثالث: إنه لا شىء عليه إلا أن يلتذ (٥)، وهي رواية ابن وهب عن مالك، وأشهب عن مالك في كتاب الصيام: أن من قَبَّل امرأته أو باشرها وهو صائم: [أنه] (٦) لا شيء عليه إلا أن يمذى، فيقضي.
وسبب الخلاف: ما يؤدي إلى الشيء، هل هو كالشيء أم لا؟
[فالمباشرة] (٧)، والملامسة من هذا القبيل، ثم لا يخلو اللمس من أربعة أوجه:
أحدها: أن يقصد [إلى] (٨) اللذة ووجدها، أو لم يقصد إليها ولم يجدها أو قصد، ولم يجد، أو وجد ولم يقصد.
فالجواب [على] (٩) الوجه الأول -وهو أن يقصد إلى الالتذاذ فيلتذ؛
_________________
(١) زيادة من ب.
(٢) في أ: و.
(٣) سقط من ب.
(٤) المدونة (١/ ١٣).
(٥) المدونة (١/ ١٣)، وهو أيضًا رواية ابن القاسم السابقة، فإن تمام كلامه أنه قال: "نعم إلا أن يلتذ الرجل أو ينعظ، فإن التذ لذلك أو أنعظ فعليه الوضوء".
(٦) زيادة من ب.
(٧) في ب: والمباشرة.
(٨) سقط من ب.
(٩) في ب: عن.
[ ١ / ١١٤ ]
و[لا] (١) خلاف عندنا في وجوب الوضوء؛ لوجود الملامسة التي سمَّاها الله حِسًا ومعنى.
والجواب عن الوجه الثاني -وهو ألا يقصد بها الالتذاذ ولا يلتذ-: فتفترق فيه القبلة والمباشرة والملامسة:
أما المباشرة واللمس: فلا يجب عليه فيهما وضوء؛ لعدم الملامسة التي سماها الله بقوله: ﴿أو لامستم النساء﴾ ولا وجد معها لذة.
وأما القبلة: فاختلف فيها على قولين:
أحدهما: إيجاب الوضوء منها، وهي رواية أشهب عن مالك، وقول أصبغ، وهو ظاهر "المدونة" (٢)، آخر باب التيمم، وعلة ذلك: أن القبلة لا تنفك عن اللذة، إلا أن تكون صبية صغيرة قبَّلَهَا على سبيل الرحمة.
والثاني: أنه لا يجب الوضوء منها كالملامسة والمباشرة، وهو قول مطرف، وابن الماجشون وغيرهما (٣).
وسبب الخلاف: هل الاعتبار بالصور أو الاعتبار بالمعاني؟
والجواب عن الوجه الثالث -وهو أن يقصد بها إلى اللذة [فلا] (٤) يلتذ- فالمذهب فيه أيضًا على قولين:
أحدهما: وجوب الوضوء، وهي رواية عيسى بن القاسم، وهو ظاهر "المدونة" (٥)؛ لوجود الملامسة التي ذكر الله تعالى في كتابه. فإذا ابتغاها
_________________
(١) في ب: فلا.
(٢) المدونة (١/ ١٣)، والنوادر (١/ ٢، ٥٣)، والبيان والتحصيل (١/ ١١٥).
(٣) النوادر (١/ ٥٢).
(٤) في ب: ولم.
(٥) المدونة (١/ ١٣).
[ ١ / ١١٥ ]
وطلبها وجب عليه الوضوء -وجدها أم لا- لأن الله تعالى [لم] (١) يشترط في الملامسة وجود اللذة.
والقول الثاني: إنه لا وضوء عليه، وهو قول أشهب عن مالك، ووجه [ذلك] (٢)، أن المقصود بالملامسة وجدان اللذة، فإذا عدمت لم يجب الوضوء.
والجواب عن الوجه الرابع -وهو أن يجد اللذة ولم يقصدها- فهل يجب عليه الوضوء؟ قولان قائمان من المدونة (٣).
[وسبب الخلاف] (٤): هل العبرة بوجود المعنى أو العبرة بوجود الصور. والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) المدونة (١/ ١٣).
(٤) سقط من أ.
[ ١ / ١١٦ ]
المسألة الخامسة
مسألة الإنعاظ (١)
وإنما أفردناها بالكلام عن باب [الملامسة] (٢) لما فيها من التفصيل الذي لا يمكن تحصيله إلا [إذا أفردت] (٣)، فلا يخلو ذلك من أربعة أوجه:
[أحدها] (٤): أن ينعظ ويلتذ فيخرج منه الماء.
[والثاني] (٥): أن ينعظ ويلتذ ولا يخرجه منه الماء.
[والثالث] (٦): أن ينعظ وخرج [منه] الماء ولم يلتذ.
[والرابع: أن ينعظ ولم يلتذ ولم يخرج منه الماء.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا أنعظ والتذ وخرج منه الماء فلا خلاف في وجوب الوضوء.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا أنعظ والتذ ولم يخرج منه الماء هل يجب عليه الوضوء أم لا؟ قولان والمشهور وجوبه.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا أنعظ وخرج منه الماء ولم يلتذ] (٧)،
_________________
(١) قال ابن منظور: نعظ الذّكر نَعْظًا وَنَعْظًا ونعوظًا وأنعظ: قام وانتشر، والإنعاظ الشبَقُ، وأنعظت المرأة: شَبقت، واشتهت أن تجامع، وانعاظ الرجل: انتشار ذَكره، وأنعظ: اشتهى الجماع. لسان العرب (٧/ ٤٦٤).
(٢) في أ: المسألة.
(٣) في ب: بالانفراد.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
[ ١ / ١١٧ ]
فالمذهب على قولين أيضًا، والمشهور وجوبه إذ الغالب أن خروج المذي لا يكون إلا عن لذة.
والجواب عن الوجه الرابع: إذا لم يكن إلا مجرد الإنعاظ وانكسر عن غير ماء هل يجب الوضوء أم لا؟
قولان قائمان من "المدونة" (١) على اختلاف الروايات [فيها] (٢) في إثبات الألف في قوله: إذا التذ أو أنعظ، وفي رواية أخرى: إذا التذ وأنعظ، وهكذا مذكور في كتاب الوضوء وكتاب الصيام (٣)، والحمد لله وحده.
_________________
(١) المدونة (١/ ١٣).
(٢) سقط من ب.
(٣) المدونة (١/ ١٩٧).
[ ١ / ١١٨ ]
المسألة السادسة
إذا شك في الحدث وأيقن بالوضوء
[فقيل] (١): الخوض في مقصود المسألة يتعرض لتعاطي البحث عن معنى عبارة تلهج بها ألسنة الحذاق.
وقد تلتبس على من لم [يتبحر] (٢) في دقائق هذا الفن، ويقولون: [إن] (٣) اليقين لا [يترك] (٤) بالشك، [ويقرون] (٥) ذلك، ويجعلونه مراعًا، ومأخذًا لأحد قولي المذهب في جميع مسائل الشكوك، وذلك غير صالح [لإثبات] (٦) المأخذ ولا مؤيد بدليل سمعي، وإن [وافق] ظاهرها، فإنها عند البحث عن عوارها يتلاشى المتمسك بها، ["وبكع" (٧)] (٨) عنها ملتمسها، فنقول في [ترتيب] (٩) العبارة [وتحريف] (١٠) الطريقة: اليقين إذا تصور معه شك، فضلًا عن ترك اليقين به؛ إذ هما متنافران متدابران فالاستحالة في نفسها ترجع إلى الجمع بين الشيء ونقيضه.
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) في ب: يستبحر.
(٣) زيادة من ب.
(٤) في أ: يدرك.
(٥) في ب: ويقررون.
(٦) في ب: لاستبانة.
(٧) يقال: بكعت الرجل بكعًا: إذا استقبلته بما يكره. النهاية في غريب الحديث (١/ ١٤٩).
(٨) في ب، جـ: يقع.
(٩) في أ: تزيف.
(١٠) في ب: وشريف.
[ ١ / ١١٩ ]
وقول القائل: اليقين أولى من الشك يوهم الترجيح عند الاجتماع، وتوهم الاجتماع بين الشك واليقين لا يقابل بالباطل سواء؛ إذ اليقين [تصميم (١)]، والشك تجويز، وذلك [في] (٢) غاية التضاد، ونهاية [التجاسر] (٣) بل لا يصح أن يناط المثبوت بالمشكوك، والشريعة مثبوتة فلا تناط بهواجس مشكوكة بحقيقة أن الترجيح فرع اعتقاده مصادفة تكون لديها مصادمة والمصادمة لا تتحقق فضلًا عن المصادمة بما أشرنا إليه. فإذا ثبت هذا فليس المعنى بقول القائل: لا يترك اليقين للشك. وجود القطع واليقن حالة الشك والتخمين.
ولكن عني بذلك أن ما سبقت استيقانه والقطع به إذا انقضى بذلك وتصرم بطرد الشك.
ويقينًا غير مستيقنين بما استبقيناه قاطعين ببقائه على أن القطع الأول بطرد الشك لا يتضمن ارتفاع العلم عما استيقناه أولًا، وهذا في ضرب المثال بمثابة المتطهر إذا شك في الحَدَث فإن هذا الشك مسبوق بالقطع واليقين، واليقين بحصول الأعضاء مغسولة، لكنه غير موجود حالة الشك لو وجد لا يبطل الشك، وهذا مما لا يطرد فيه [القول] (٤)؛ لأنه تحرم الثقة باليقين لطروء الشك عليه، فقد تعذرت [الدلالة] (٥) بترك حكم ما سبق عند طروء الشك والالتباس، وذلك [بمثابة] (٦) من طلق الواحدة من الأربع غير معينة، فإنه لا يساغ له القرب [بالغشيان] (٧) في واحدة
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) هكذا بالأصل.
(٣) سقط من ب.
(٤) سقط من أ.
(٥) في جـ: الدلائل.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ: في الغشيان.
[ ١ / ١٢٠ ]
إلا بعد بيان المطلقة من الجملة، وإن كانت كل واحدة [منهن] (١) قد سبقت فيها استيقان النكاح على نعت القطع والتعميم، ولو لم يقع فيها بطلاق.
وكذلك إذا كان معه إناء فيه ماء طاهر، فإذا اختلط ذلك الماء بآخران طاهر ونجس، والذي عنده فيما مضى والقضاء، وقد سبقت فيه استيقان الطهارة، وإنما النجاسة طارئة وعارض صالح، ومع ذلك فلا يجوز الاستمساك بحكم ما سبق من اليقين؛ لأنَّه بالشك ارتفع اليقين فيجيء من ذلك أن التمسك بحكم ما سبق في المحل التنويع بحساب قوله اليقين، وذلك موضع [ق/ ١٠ أ] الإرشاد ومقام الترداد، بل لا يجوز التمسك به في منازل الأدلة إلا أن يقوم الدليل، وهذا مما لابد لنا من بيانه، وسياقه على الإيجاز، والاختصار، والتطويل فيه والإكثار مُحَالٌ على فَنّ الأصول. فليرجع بنا الكلام إلى تحصيل المسألة وتهذيبها؛ لأنها في الكتاب مع ما عليها من الاستكمال في حيز [الاستدلال] (٢).
قال مالك (٣) ﵀: فيمن توضأ ثم شك في الحدث؛ فلم يدر أحدث بعد الوضوء أم لا:
إن كان مستنكحا فلا شيء عليه، وإن كان غير مستنكح فليعد الوضوء كالذي يشك في الصلاة، فلم يدر أصلي ثلاثًا أم أربعًا، فإنه يلغي الشك، ويبنى على اليقين.
فكأن هذا الاستدلال أتى فجأة في نفسه على ظاهر الصورة؛ لأنه في مسألة الشك في الوضوء، وفي مسألة الصلاة يبنى على اليقين، فالذي يليق بالاستدلال [أن يقال] (٤) يعيد الصلاة، وإلا لم تصح المناسبة بين
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: الإشكال.
(٣) المدونة (١/ ١٤).
(٤) سقط من أ.
[ ١ / ١٢١ ]
المسألتين.
وإلى هذا المعنى أشار بعض المتأخرين، وهو ظاهر، إلا أن مقصود صاحب الكتاب [في الاستدلال] (١) بمسألة الصلاة على مسألة الوضوء من طريق المعنى، لا من جهة الصورة؛ لأن اليقين في مسألة الوضوء [ألا تؤدي] (٢) إلا بطهارة متيقنة ولا تبرأ ذمته إلا بها، وكذلك مسألة الشاك في الصلاة [لأن] (٣) ذمته معمورة بأربع ركعات مثلًا، فلا تبرأ ذمته إلا بالإتيان بأربع ركعات، فيقال له: الغ الشك، وابْن على يقينك وائت بركعة رابعة، وهذا التشبيه من جهة المعنى، وهو مقصود صاحب الكتاب.
وأما التشبيه من جهة الصورة فتوازى مسألة الشك في [صلاة] (٤) مَنْ شك في أثناء وضوئه في غسل عضو منه، فيقال له: ألق الشك وابن علي اليقين، واغسل ذلك [العضو] (٥) كما يقال لمن شك أصلى ثلاثًا أم أربعًا: الغ الشك وائت بركعة رابعة.
فهذا وجه التمثيل من حيث الصورة، فافهم هذه الدقيقة، فإنها جليلة.
ثم لا يخلو من أربعة أوجه:
إما أن يستيقن بحصولهما [جميعًا] (٦) إلا أنه يشك أيهما كان قبل صاحبه، أو يشك فيهما جميعًا، أو يتيقن في أحدهما، ويشك في طروء
_________________
(١) في أ: قياس.
(٢) في أ: لا يكون.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: الصلاة.
(٥) في جـ: الموضع.
(٦) سقط من أ.
[ ١ / ١٢٢ ]
الآخر عليه، أو يتيقن بأحدهما ويشك في فعل الآخر، ويشك بعد ذلك إن كان قبله أو بعده؛ فهذه أربعة أوجه.
فأما إن تيقن بهما جميعًا؛ ولم يدر أيهما كان قبل صاحبه فليتوضأ، والوضوء هاهنا واجب؛ لأنه ليس عنده أمر يتيقنه فيبنى عليه.
وأما إن تيقن بالحدث وشك في طروء الحدث عليه: فهذا يكون الوضوء عليه واجبًا؛ لأنه على أصل الحدث، ولا ينتقل عنه إلا بيقين.
وأما إن تيقن [ق/ ٥ جـ]، وشك في الحدث، فلا يدري أحدث بعد الوضوء أم لا؛ قولان قائمان من "المدونة" (١):
أحدهما: [أنه يعيد] (٢) الوضوء، وهو نص قوله في هذه المسألة.
والثاني: أنه لا وضوء عليه، وهو ظاهر قوله في "كتاب الأيمان" بالطلاق.
وعلى القول بأنه يعيد الوضوء على ما نص عليه في الكتاب: هل الإعادة إيجابًا أو استحبابًا؟
وظاهر "المدونة" [ألا إعادة عليه] (٣) إيجابًا [باستدلاله بمسألة الصلاة] (٤).
وسبب الخلاف: تعارض الأصلين أيهما يقدم على الآخر؛ وذلك أن الصلاة ثابتة في الذمة، فلا تبرأ إلا بيقين وبطهارة متيقنة ولا يقين هنا مع وجود الشك والأصل استصحاب [حالة] (٥) اليقين، [والحمد لله وحده] (٦).
_________________
(١) المدونة (١/ ١٣، ١٤).
(٢) في ب: أن الإعادة عليه.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: الحالة.
(٦) سقط من ب.
[ ١ / ١٢٣ ]
المسألة السابعة
إذا رأي في ثوبه نجاسة وهو في الصلاة، أو في غير الصلاة
والمصلي مأمور بأن يناجي ربه بقلب طاهر، وثوب طاهر على موضع طاهر، ولا خلاف في ذلك.
وقد ثبت عن رسول الله - ﷺ - في حديث المقداد: أنه أمر بغسل المذي من الثوب (١).
وثبت من حديث ابن عمر ﵁ أنه أمر بغسل المني حيث قال لعمر: " [توضأ] (٢) واغسل ذكرك [ثم نم" (٣)] (٤).
إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على وجوب طهارة الثوب والجسد للصلاة.
ومن صلى بثوب نجس عامدًا قادرًا على غسله أو على غيره: فإنه يعيد أبدًا [على مشهور المذهب من حديث ابن عمر] (٥)، ولا خلاف في المذهب في أن المكلف مأمور بغسل [جميع] (٦) [النجاسات] (٧) كلها من ثوبه قبل الشروع في الصلاة، من أي نوع كانت تلك النجاسة، قليلة أو
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٢)، (١٧٦)، (٢٦٦)، ومسلم (٣٠٣).
(٢) سقط من أ.
(٣) أخرجه البخاري (٢٨٦)، ومسلم (٣٠٦).
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦)
(٧) في ب: النجاسة.
[ ١ / ١٢٤ ]
كثيرة، إلا الدَّم: فإنه يُحكم [لكثيره] (١) بحكم سائر النجاسات، واختلف في حكم القليل منه في الغسل على أربعة أقوال:
أحدها: أنه يعفى عن غسله كما يعفى عن الصلاة به جملة، وهو قول الداوودي.
والثاني: أنه لا يعفى عن ترك غسل شيء منها جملة، وهو قوله في كتاب "ابن حبيب"، وهو ظاهر قول مالك في "المدونة" حيث قال: "الدماء كلها تغسل وإن كان دم ذباب" (٢).
والثالث: التفصيل بين دم الحيض وغيره، فدم الحيض: يغسل قليله وكثيره، وغيره من الدماء: يتسامح [عن] (٣) قليله، وهو إحدى الروايتين [عند] (٤) ابن الجلاب.
والرابع: التفصيل بين دم البراغيث [وغيره فدم البراغيث] (٥) يسامح [عن] (٦) قليله، وسائر الدماء فلا يسامح بترك غسل قليله، وهو [قول] (٧) [مالك] (٨) في "المدونة"، وهو قول ابن شعبان في الزاهي.
فإن رآها [بثوبه بعد ما تلبس] (٩) بالصلاة هل ينزعه، ويتمادى [أو يقطع] (١٠)؟ فهذا محل التفصيل:
_________________
(١) في ب: لكثرته.
(٢) المدونة (١/ ٢١).
(٣) في ب: في.
(٤) في أ: عن.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ب: في.
(٧) في ب: قوله.
(٨) سقط من ب.
(٩) في ب: في ثوبه وهو ملتبس.
(١٠) سقط من أ.
[ ١ / ١٢٥ ]
أما الدم اليسير من غير دم الحيض: فلا خلاف في المذهب أنه لا يجب إعادة الصلاة منه، وإنما يجوز له النزع في الصلاة أيضًا إن كان مما يَخفُّ نزعه كالعمامة باتفاق [من] (١) المذهب.
وما يشق نزعه كالقميص على الخلاف في المذهب، فإن [الشيخ] (٢) أبا الحسن القابسي يقول بنزعه، وإن كان قميصًا؛ لأنه شغل [في الصلاة] (٣) يرجع إلى إصلاح الصلاة مما يخف ولا يعد شغلًا في الصلاة كالعمامة والرداء [واختلف عن مالك في يسير القيح والصديد هل هو كالدم، على قولين: فقال مرة: هو كيسير الدم فهما من جنس ما تدعو الضرورة إليه، وقال في المبسوط: القيح والصديد كالبول والغائط ويتخرج في قليل [البول] (٤) وكثيره قولان] (٥).
واختلف في القدر المعفو عنه في الدم، فقيل: مقدار الدرهم، غير أن مالكًا سُئِلَ عن ذلك فقال: لا أجيبكم إلى هذه الضلالة؛ [فإن الدراهم تختلف] (٦) منها الصغير والكبير.
وقيل: مقدار الخنصر.
[واختلف في اليسير] (٧) والكثير من الدّم، والقليل والكثير من [سائر] (٨) النجاسات: هل يجوز فيه النزع إذا رآه [وهو] (٩) في الصلاة
_________________
(١) ساقطة من ب.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في جـ: الدم.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ب: فالدراهم مختلفة.
(٧) سقط من أ.
(٨) سقط من ب.
(٩) سقط من ب.
[ ١ / ١٢٦ ]
مثل قليل الدّم؟.
فالمذهب على [ثلاثة أقوال قائمة] (١) من "المدونة":
[أحدها] (٢): أنه لا يجوز [له] (٣) النزع، وأنه متى رآه وهو في الصلاة فليقطع، وهو نص "المدونة" (٤).
والثاني: أن النزع جائز له فيما يتمكن كالدم اليسير، وهو ظاهر قوله في "المدونة"؛ لأنَّه قال: فإن رآه بعد الفراغ من الصلاة، فإنه يعيد في الوقت، [والإعادة] (٥)، في الوقت استحبابًا، [فجعل] (٦) ما مضى من صلاته بمنزلة ما مضى وقته، وهو قول مالك في "المبسوط" [إلا أنه قال: فإن لم يقدر على النزع قطع.
والثالث: أنه يتمادى ويعيد لذا لم يقدر على النزع، وهو قول عبد الملك] (٧).
وسبب الخلاف: تعارض الأحاديث في ذلك:
وقد روى أن رسول الله - ﷺ - رأى في ثوبه دمًا في الصلاة فانصرف.
فحُمل على أنه دم كثير، فهذا يمنع من النزع؛ إذ لو كان سائغًا لفعله [- ﷺ - وثبت أن] (٨) النبي - ﷺ -[نزع نعليه] (٩) [وهو] (١٠) في الصلاة
_________________
(١) في أ: قولين قائمين.
(٢) في أ: أحدهما.
(٣) سقط من أ.
(٤) المدونة (١/ ٣٣، ٣٤).
(٥) في أ: والصلاة.
(٦) في الأصل: فاجعل.
(٧) سقط من أ.
(٨) سقط من أ.
(٩) في ب: خلع نعله.
(١٠) في أ: وبنى.
[ ١ / ١٢٧ ]
[وبنى] (١) على ما مضى، [من صلاته] (٢)، فثبت أن النزع مباح.
فلتعارض هذه الأحاديث اختلف أصحاب المذهب [في النزع] (٣)؛ فالمشهور وجوب القطع [فيما عدا الدم اليسير] لأن الأصل وجوب [القطع] (٤) في اليسير و[الكثير] (٥) من سائر النجاسات خصص الدليل [من ذلك] (٦) الدم اليسير، وبقى ما عداه على الأصل.
والدليل على تخصيص الدم اليسير: اعتبار الضرورة فيما تعم [به] (٧) البلوى، وبالله التوفيق، والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من ب.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من ب.
(٥) سقط من ب.
(٦) زيادة من ب.
(٧) سقط من أ.
[ ١ / ١٢٨ ]
المسألة الثامنة
[في الماء] (١) إذا ماتت فيه الدَّابة
فلا تخلو [تلك] (٢) الدابة من أن يكون لها [دم] (٣) سائل [أو ليس لها دم سائل] (٤).
فإن كانت مما لها دم كالشاة، والوزغة، والفأرة، وما أشبه ذلك: فلا يخلو ذلك الماء من أن تكون له مادة أم لا.
فإن كانت له مادة كالآبار: فلا يخلو من أن تتغير بعض أوصافه أو لا.
فإن تغيرت له بعض الأوصاف أو كلها فإنه [يُنْزَفُ] (٥) منه حتى تَطِيبُ النّفس، وهو ماء نجس ولا يستعمل في العبادات، ولا في العادات، ولا يسقى منه الماشية، ولا زرع على ظاهر المذهب.
فإن لم يتغير له وصف من الأوصاف المعتبرة: فينظر إلى حالة الدابة في الماء؛ فإن تغيرت في ذاتها حين أُخْرِجَتْ فينظر إلى حالة البئر، إما أن تكون قليلة الماء [أو كثيرة الماء] (٦) فإن كانت قليلة الماء: فإنه يُنْزَف ماؤها حتى تُصَفَّى أو تفرغ.
وإن كانت كثيرة الماء: فَيُنْزَف منه الماء حتى تَطِيب النَّفس وتسكن النَّفْس إلى استعماله ولا تَنْفِر عنه، وتُغْسَل منه الثياب إن أصابها، ولا
_________________
(١) زيادة من ب.
(٢) زيادة من ب.
(٣) في أ: نفس.
(٤) في ب: أم لا.
(٥) في ب: ينزع.
(٦) في ب: أو كثيرته.
[ ١ / ١٢٩ ]
يستعمل أيضًا في العبادات، ولا في العادات، وهو قوله في "النوادر" (١).
وإنما فرق بين البئر القليلة الماء والكثيرة؛ لأنَّ القليلة الماء مادتها ضعيفة، والميتة قد تَزَلَّعَتْ (٢) فيها، وأجزاؤها مخالطة لأجزاء الماء، ولم يكن لها من القوة بحيث تدفع عن نفسها، ولهذا قال: ينزف حتى تصفى، والكثيرة الماء بخلافها.
فإن أخرجت حين ماتت ولم تتغير: فَيُنْزَفُ منه قدر ما يطيب النفس، ثم يستعمل، ويُجْتَنَبُ استعماله قبل النَّزْف في العادات والعبادات [عند مالك] (٣) على سبيل الاستحسان.
وقد قال مالك في "المدونة" (٤): ولا بأس أن تسقي الماشية منه.
فإن كان الماء راكدًا لا مادة له كالمواجل والمصانع التي يكون [فيها] (٥) ماء السماء تقع فيه الوزغة، أو الفأرة فتموت فيه: فلا يخلو [الماء] (٦) من [أحد] (٧) وجهين:
إما أن تتغير له أحد الأوصاف أم لا.
فإن تغيرت له أحد الأوصاف فإنه ماء نجس باتفاق المذهب، وينزف كله بالاتفاق، ويغسل منه المحل على الخلاف، إلا ما وقع لابن وهب في كتاب ابن سحنون من أنه ينزع منه حتى يطيب، فإن لم [ق/ ١١ أ] يتغير له وصف من الأوصاف، فهل هو نجس أو طاهر؟
_________________
(١) في النوادر (١/ ٧٧، ٧٨).
(٢) تزلعت: تشققت وتكسرت.
(٣) سقط من ب.
(٤) المدونة (١/ ٢٥).
(٥) في أ: فيه.
(٦) ساقطة من أ.
(٧) في أ: إحدى.
[ ١ / ١٣٠ ]
قولان قائمان من "المدونة" (١):
[أحدهما: أنه نجس ولا يستعمل وهو قوله في المدونة] (٢): في مراجل برقة: إذا ماتت فيها [الفأرة] (٣) فلا يتوضأ به، ولا بأس أن تُسْقى منه الماشية، فعلى هذا يستعمل في جميع العادات كالعجين والطبخ [ولا عبرة بتفريق من فرق بين استعمالها في الماشية واستعمالها في العجين والطبخ] (٤)؛ لأن ما شربته الماشية مستهلك لا يقع به الانتفاع كالكلب في ذاته [ق/ ٦ ب].
أصل ذلك العَسَل الذائب إذا ماتت فيه الفأرة؛ إذ ذلك لا تقوم به الحجة؛ لأن الانتفاع به قد حصل على أي وجه أردت، وأدنى حاله أن يكون طاهرًا غير مطهر.
والقول الثاني: أنه طاهر، وهو أصل مذهب مالك في الماء القليل إذا وقعت فيه النجاسة اليسيرة، ولم تغيره، غير أن مالكًا ﵀ فرق بين حلول النجاسة في الماء [وبين] (٥) موت الدابة في الماء؛ فرأى أن الماء لا يتنجس بحلول النجاسة فيه إلا بعد حصول وصف آخر؛ وهو حصول تغير أحد الأوصاف.
ورأى في موت الدابة في الماء أنه نجس من غير اعتبار بتغيير الأوصاف.
فإذا بحثت عن المعنى الموجب لنجاسة الماء لم يبق بعد السَّبْر والتَّقْسِيم
_________________
(١) المدونة (١/ ٢٥) حيث قال: وسئل مالك عن مواجل أرض برقة تقع فيه الدّابة فتموت فيه؟ قال: لا يتوضأ به، ولا يشرب منه، قال: ولا بأس أن تسقى منه الماشية.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: شاة.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ١ / ١٣١ ]
إلا زهوق النفس في الماء خاصة، فانظر هل هو وصف يصلح أن يكون مناطًا للحكم، [وأي] (١) مناسبة بينهما؟ [وهو] (٢) مما ينبغي للناظر أن يتأمله، ولا يُنْتَفَعُ فيه بالتقليد.
فالجواب عن الوجه الثاني -وهي أن تكون تلك الدابة مما ليس لها دم سائل من خشاش الأرض وهوامها مثل الزنبور، والعقرب، والخنفساء، وما أشبه ذلك إذا ماتت في ماء أو طعام [هل يؤثر موتها في فساده: أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من المدونة بعد الاتفاق أنها إذا ماتت في ماء أو طعام] (٣)، ولم تنزلع ولا تمزقت فيه أجزاؤها ولا تقطعت أوصالها، ولا طال مكثها فيه: أنه طاهر ويؤكل الطعام، كما لا اختلاف فيه إذا تغير الماء وتزلعت فيه وغلب عليه أن له حكم المضاف، ولا يستعمل في تطهير، وهل هو نجس أم لا؟.
فإنه يتخرج من ["المدونة"] (٤) على قولين منصوصين في المذهب [على ما] (٥) قدمناه:
أحدهما: أنه يتنجس، وهو ظاهر قوله في "كتاب الذبائح".
والثاني: أنه لا يتنجس، وهو ظاهر قوله في [أول] (٦) كتاب الوضوء، وينبني الخلاف على الخلاف فيما ليس له نفس سائلة؛ هل يفتقر إلى الزكاة أم لا؟ (٧)
_________________
(١) في أ: وإلى.
(٢) في ب: وهذا.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: الكتاب.
(٥) في ب: كما.
(٦) سقط من ب.
[ ١ / ١٣٢ ]
وظاهر قوله في ["كتاب الصيد" و"كتاب] (٧) الذبائح" أنها تفتقر إلى الزكاة، وظاهر قوله في هذا الكتاب أنها لا تفتقر إلى الزكاة، وإليه ذهب القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب.
واختلف في أكل ما عُولِجَ بماء نجس كالزَّرع إذا سُقِيَ بماء نجس أو لبن ماشيته [شربت] (١) ماء نجسا، وطهارة بولها: على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يؤكل، وأن بول ما شرب من ذلك الماء طاهر، وهو ظاهر قول مالك في مسألة غَسْل النجس في [كتاب] (٢) الوضوء (٣).
والثاني: أنه نجس ولا يؤكل، وأن ذلك البول نجس، وهو ظاهر قول مالك في كتاب البيوع الفاسدة (٤)، لأنه منع هناك بيع العذرة ليزبل به الزرع [وامتنع من البيع منع أكل ما نبت فيه الزرع أو البقل] (٥) وهو نص المذهب في غير "المدونة".
وسبب الخلاف: اختلافهم في متقلبات الأعيان، هل ينقلب الحكم بانقلابها أم لا؟
وعلى هذا الأصل ينبني الخلاف في عرق السكران، وبول الجلالة من الأنعام ولبنها، وبول ماشية شربت ماء نجسًا ولبنها، والحمد لله وحده.
_________________
(١) في ب: إذا سقيت.
(٢) سقط من ب.
(٣) المدونة (١/ ٢١).
(٤) المدونة (٩/ ١٦٠).
(٥) في ب: والمنع من البيع معنى لا يحل ما ينبت من زرع وبقل.
[ ١ / ١٣٣ ]
المسألة التاسعة
[فيمن] (١) عجز ماؤه قبل أن يفرغ من وضوئه، فقام يطلبه
فقد قال في "المدونة" (٢): أنه يبني ما لم يطل، ولا يخلو هذا العاجز من ثلاثة أوجه: إما أن يأخذ من الماء ما يكفيه لوضوئه، ثم غُصِبَ منه، أو طرأ عليه ماء يهرقه [وإما أن يتعمد أولًا] (٣) فأخذ من الماء ما لا يكفيه، [وإما أن] (٤) يغلب على ظنه أنه أخذ من الماء ما يكفيه لوضوئه، ثم تبين له في أثناء وضوئه أنه أخطأ في اجتهاده، وقد فرغ ماؤه.
[فالجواب عن الوجه الأول] (٥) [ق/ ٦ جـ]، إذا أخذ من الماء ما يكفيه قطعًا، ثم غصب أو طرأ عليه ماء يهرقه عليه، فقام لأخذ الماء، فهل هو كالناسي؟
فيبنى وإن طال، وهو تأويل بعض المتأخرين على المدونة، وعليه تحمل رواية ابن وهب، وابن أبي زمنين.
أو هو كالعامد ثم لا يبنى -طال أو لم يطل- وهو متأول على المدونة أيضًا.
وينبني الخلاف على الخلاف في الموالاة، هل هو فرض أو سنة، أو فرض مع الذكر ساقط مع النسيان؟
_________________
(١) في أ: من.
(٢) المدونة (١/ ١٦).
(٣) في أ: أو تعمد أم لا.
(٤) في أ: أو.
(٥) في أ: فأما.
[ ١ / ١٣٤ ]
والصحيح: أن له أن يَبْنِي وإن طال؛ لأنه في حكم الناسي.
[والجواب عن الوجه الثاني] (١): إن تعمد وأخذ ماء لا يكفيه فلا يجوز له البناء طال أو لم يطل؛ لأنه قد تعمد إلى تفريق الطهارة والمتعدي لا يمكن أن يصل بتعديه إلى ما يريد، وينبغي أن يعاقب بنقيض مقصوده [أو لا يجوز له، فالمذهب على خمسة أقوال:
أحدها: أنه لا يجوز جملة بناء على أن الموالاة [فرض] (٢) وهو نقل التونسي، ونقله ابن رشد عن ابن حبيب أيضًا.
والثاني: أن تفريقه جائز وهو قول ابن عبد الحكم.
والثالث: أنه يجوز فيما بين مغسول، وممسوح، ولا يجوز فيما بين مغسولين، وهو قول مطرف، وابن الماجشون في الواضحة.
والرابع: أنه يجوز فيما بين ممسوحين وهي رواية عليّ بن زياد عن مالك في "المجموعة".
والخامس: أنه يجوز في التفريق وهو [نقل] (٣) القاضي عبد الوهاب في التلقين وهو قول ابن القاسم في النوادر] (٤).
[والجواب عن الوجه الثالث] (٥): إذا أخذ ما يغلب على ظنه أنه يكفيه. ثم تبين له أنه أخطأ في الاجتهاد، فهل يعذر بالاجتهاد ويبني، وإن طال أو إنما له البناء ما لم يطل؟.
فالمذهب يتخرج على قولين، ويحمل قوله في المدونة أنه يبني ما لم
_________________
(١) في أ: وأما.
(٢) في جـ: واجبة.
(٣) في جـ: قول.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ، جـ: وأما.
[ ١ / ١٣٥ ]
يطل [على هذا الوجه] (١).
وسبب الخلاف: المجتهد هل يعذر باجتهاده أم لا؟ [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) سقط من أ، جـ.
(٢) زيادة من جـ.
[ ١ / ١٣٦ ]
المسألة العاشرة
في غسل الجُنب في الماء الدائم وفي الماء الجاري
فإن كان الماء راكدًا فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يكون كثيرًا جدًا، أو قليلًا جدًا، أو متوسطًا فإن كان الماء كثيرًا جدًا كالماء المستبحر: فللجنب أن يغتسل فيه قبل أن يغسل ما به من الأذى باتفاق.
فإن كان الماء قليلًا جدًا كالقصرية ونحوها، فهل يجوز للجنب الاغتسال فيها على الجملة أم لا؟
فعلى قولين قائمين من "المدونة" (١):
أحدهما: أنه لا يغتسل فيها جملة، سواء غسل ما به من الأذي أم لا؛ لأنه ماء مستعمل.
والصورة أنه دخل في القصرية، وفيها الماء، فأخذ يغرف على جسده، ويرجع [إلى القصرية] (٢)، فهو غسل لم يكن آخره إلا بالماء المستعمل.
ولا فرق عند من منع استعماله بين أن يغسل به [جميع] (٣) أعضائه أو بعضها، وهو قول مالك أول الكتاب.
والثاني: أنه يجوز الاغتسال فيه إذا غسل الأذى عن نفسه، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" (٤).
_________________
(١) المدونة (١/ ٢٥).
(٢) في ب: فيها.
(٣) سقط من أ.
(٤) المدونة (١/ ٢٥).
[ ١ / ١٣٧ ]
والقولان متأولان على "المدونة"؛ فالأول تأويل ابن أبي زيد.
وسبب الخلاف: [اختلافهم] (١) في الماء [المستعمل] (٢) هل يشبه الماء المطلق أم لا؟
فإن كان متوسطًا بين القلة والكثرة كالصهريج [الفسقية] (٣) فهل يجوز للجُنب الاغتسال فيها أم لا، وإن لم يغسل ما به من الأذى؟.
قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنه لا يجوز [الاغتسال فيه حتى يغسل ما به من الأذى في الاضطرار، والاختيار وهو ظاهر قول مالك في الكتاب] (٤).
والثاني: أنه يجوز مع الاضطرار دون الاختيار، وهي رواية عليّ بن زياد عن مالك في الكتاب؛ لأن ظاهر "المدونة" يدل على أن عليّ بن زياد تكلم على هذه المسألة، وإليه يعود كلامه (٥).
وينبني الخلاف: على الخلاف في النجاسة اليسيرة إذا خالطت الماء هل تُسْلُبه التَّطّهير [أم لا]؟ (٦).
فإن كان الماء مُعينًا، وكان كثيرًا فلا خلاف في الجواز.
وإن كان قليلًا فقولان منصوصان في المدونة (٧):
_________________
(١) ساقطة من أ.
(٢) زيادة ليست بالأصل.
(٣) في أ: الجنسقية.
(٤) سقط من أ.
(٥) قال علي بن زياد: قيل لمالك: فإذا اضطر الجُنب؟ قال: يغتسل فيه، إنما كره ذلك إذا وجد منه بُدًا، فأما إذا اضطر إليه، فلا بأس بأن يغتسل فيه إذا كان الماء كثيرًا يحمل ذلك. المدونة (١/ ٢٥).
(٦) سقط من أ.
(٧) المدونة (١/ ٢٥).
[ ١ / ١٣٨ ]
أحدهما: أنه لا يجوز حتى يغسل [ما به من] (١) الأذى [عن نفسه] (٢) وهو قول مالك في الكتاب، وظاهره: ألا فرق بين الاضطرار والاختيار.
والثاني: أنه يجوز الاغتسال فيه، وإن لم يغسل ما به من الأذى حالة الاضطرار دون الاختيار، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (٣) حيث قال: إنما منعه مالك ابتداءً؛ فإن اغتسل فيه، فإنه [يجوز له] (٤) إذا كان معينًا [والحمد لله وحده] (٥).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) وهي رواية ابن زياد أيضًا المتقدمة.
(٤) في أ: يجزئه.
(٥) زيادة في جـ.
[ ١ / ١٣٩ ]
المسألة الحادية عشر
[في] (١) الصلاة في ثوب الكافر، ومَنْ لا يَتَوَقَى النجاسة من المسلمين
فأما الصلاة في ثوب الكافر: فلا يخلو من أن يكون جديدًا، أو مَلْبُوسًا.
فإن كان جديدًا -لم يلبس بعد- فقد قال مالك ﵀: لا بأس بالصلاة فيما نسجوه، مع العلم بأنهم يباشرون الأنجاس، ولا يتوقون الأدناس، وهو يقول في "العتبية" (٢): يَبُلُّون ما نسجوه بالخمر، ويحلونه بأيديهم، ويسقون الثياب قبل أن تنسج.
وقال في "المدونة" (٣) أيضًا: لا يتوضأ بسؤر النصراني و[لا] (٤) بما أدخل يده فيه.
ومع ذلك يقول: تجوز الصلاة فيما نسجوه، وقد مضى الصالحون على ذلك، فترك النظر على الاقتداء والتسليم للسلف الماضي، وإلا فالذي يَقْتَضِيه الدّليل النَّقلي، والنَّظري: أنهم وجميع أمتعتهم نجس؛ كما أخبر الله تعالى في كتابه العزيز (٥).
وأما [إن] (٦) كان لبيسًا من أمتعتهم، فهل هو كالجديد أم لا؟.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) النوادر (١/ ٩٠)، والبيان والتحصيل (١/ ٥٠).
(٣) المدونة (١/ ١٤).
(٤) سقط من أ.
(٥) فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ سورة التوبة الآية (٢٨).
(٦) في ب: ما.
[ ١ / ١٤٠ ]
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه ليس كالجديد، وأنه لا يصلي المسلم به، ولا الكافر إذا أسلم، إلا بعد الغسل، وإن كان جديدًا بعد أن امتهن باللبس، وهو المشهور.
والثاني: أنه كالجديد الذي كما نُسج، وأنه يصلي به [وإن لم يغسل] (١) وهو قول محمَّد بن عبد الحكم (٢).
وسبب الخلاف: الإجماع المنعقد على غير قياس، هل يقاس عليه أم لا؛ لأن قول مالك: "مضى الصالحون على ذلك" (٣) إشارة إلى الإجماع.
وأما الصلاة في ثوب ما لا يَتَوقَى [النجاسة] (٤) من المسلمين مثل أن يشتري رجل [ثوبًا] (٥) من السُّوق على ماذا يحمل؟
فلا يخول بائعه من أن يكون معلومًا أو كان مجهولًا.
فإن كان [ق/ ١٢ أ] معلومًا عند المشتري، وكان علمه فيه [بالصلاحية] (٦) ومُلَازمة الصلاة، [وَمُجانَبة الخمر] (٧)، وسائر الأَنْبِذَة: فإن ثيابه محمولة على الطهارة؛ الرِّدَاء والقَمِيص، والعَمَامة.
وأما ما يلبسه في الوَسَط كالسروال والمِئْزَر: فلا يصلي به حتى يغسله؛
_________________
(١) ساقطة من ب.
(٢) النوادر (١/ ٩٠).
(٣) المدونة (١/ ٣٥).
(٤) في ب: الأنجاس.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ب: بالصلاح.
(٧) في ب: واجتناب الخمور.
[ ١ / ١٤١ ]
لأن كثيرًا من الناس لا يُحسن الاستبراء من البول.
فإن كان البائع ممن يتهاون بالصلاة، وقِلّة الاكْتِراث بالدِّين، والمشتري بذلك عالم: فلا يصلي في ثيابه حتى تُغْسَل، ولا فرق بين القميص، والعَمامة، والمِئْزَر.
وهذا الذي يقتضيه النظر، غير أن أبا الحسن اللخمي ﵁ قال في عمامته: أنها لا تغسل إن علم أنه لا يشرب الخمر.
وأما إن جهل حال البائع: فلينظر إلى الأَشْبَه ممن يلبس مثل تلك الثياب، فإن شك في أمره، فالاحتياط الغسل؛ إذ هو أفضل.
فهذا [ما] (١) حضر عندي في هذه المسألة [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) في أ: مما.
(٢) زيادة من جـ.
[ ١ / ١٤٢ ]
المسألة الثانية عشر
في الرُّعَاف
وهو مأخوذ من قولهم: رَعَف، يَرْعُف: بفتح الماضي، وضم المستقبل، وهي اللغة الفصيحة، وقيل: [رَعُف] (١)، بالضم فيهما جميعًا.
وأصل الاشتقاق في الرّعاف: من السبق؛ لسبق الدم أنفه منه، ومنه: رعف فلان الخيل إذا تقدمها، وقيل: مأخوذ من الطهور.
[والرعاف ليس بحدث ينقض الطهارة عند مالك ﵁] (٢) اعتبارًا لأصل مذهبه في الحصر الذي قدمناه.
وهو -أعني الرعاف- ينقسم فيما يرجع إلى الصلاة على قسمين:
أحدهما: أن يكون دائمًا لا ينقطع.
والثاني: أن يكون غير دائم ينقطع.
فإن كان دائمًا لا ينقطع: فالحكم فيه أن يصلي صاحبه به الصلاة في وقتها على الحالة التي [هو] (٣) عليها.
والأصل في ذلك أن عمر ﵁ صلَّى حين طُعن، وجرحه يثعب دمًا (٤).
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) في ب: والرعاف عنده ليس بحدث.
(٣) سقط من أ.
(٤) أخرجه مالك (٨٤)، والبيهقي في الكبرى (١/ ٣٥٧)، والبغوي في شرح السنة (٣٣٠).
[ ١ / ١٤٣ ]
وإن لم يقدر على الركوع والسجود أومأ، وصلى صلاته كلها إيماء، كما قال سعيد بن المسيب [﵀] (١).
إما لما يخاف من مزيد الرعاف، وإما لما يخشى أن تتلطخ بالدم ثيابه على الخلاف.
وكلا الوجهين يباح له معه الإيماء [مع] (٢) البدل.
فإن انقطع عنه في بقية من الوقت: فلا إعادة عليه؛ لأنه صلاها في وقتها، كما وجبت عليه.
والقسم الثاني: [وهو أن يكون] (٣) غير دائم [وينقطع] (٤): فلا يخلو من أَنْ يُصِيبَه قَبْل الشّروع في الصلاة أو بعد الشّروع فيها، فإن أصابه قَبْل الشّروع فيها: فإنه يؤخرها وينتظر حتى ينقطع ذلك الدّم عنه ما لم يَفُت وقت الصلاة المفروضة القائمة للظهر، والقائمة للعصر، وقيل: ما لم يَخَف فَوَات الخير؛ وهو أن يتمكن اصفرار الشمس للظهر والعصر، فإن خشى [ذلك] (٥) صَلاَّها على حَسب الإمكان كما تقدم.
ولو أصابه ذلك بعد الدخول في الصلاة، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون يسيرًا يذهبه الفتْل (٦).
والثاني: أن يكون كثيرًا لا يذهبه الفّتْل.
فإن كان يسيرًا فَتَلَه، وتمادى على صلاته، ولا خلاف في ذلك عند
_________________
(١) زيادة من ب.
(٢) في ب: على.
(٣) في ب: إذا كان.
(٤) سقط من أ.
(٥) زيادة من ب.
(٦) ما يُفتل بين الإصبعين من الوسخ.
[ ١ / ١٤٤ ]
من يقول يُبنى في الرّعاف.
وإن كان كثيرًا -قاطرًا أو سائلًا لا يذهبه الفّتْل- فالنظر يوجب أن يقطع [ويذهب] (١) فيغسل الدّم [ويبتدأ] (٢)، لأن الشأن في الصلاة أن يتصل عملها، ولا يتخللها شغل ولا عمل، إلا أنه قد جاء عن جمهور الصحابة والتابعين ﵃ جواز البناء.
واختلف في المختار المستحب: هل البناء أو القطع، بعد اتفاقهم أن البناء من [قبيل] (٣) الجائز، وليست من قبيل الواجب، إلا شيئًا استخرجه ابن حبيب من مسألة الإِمام إذا رَعَف فَاسْتَخْلَف بالكلام: أن صلاته وصلاة من خلفه باطلة؛ فجعل قطعه [بالكلام] (٤) بعد الرّعاف يُبْطِل عليه وعليهم وهذا -لعمرك- استخراج صحيح لازم على أصل المذهب: أن الإِمام مهما تعمد إلى فعل ما يفسد الصلاة، فقد أفسد على نفسه وعلى من خلفه، وهذا على مشهور المذهب: أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة إمامه، فإذا كان [الرعاف لا يخرج] (٥) المصلي [من] (٦) صلاته، وأنه باق [على] (٧) [حُرْمَتِهَا] (٨) ويمنع من الكلام [عمدًا] (٩)، فإذا تكلم خرج من الصلاة ومنع من البناء، فينبغي أن يكون الإِمام كذلك فوجه
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في الأصل: قبل.
(٤) في أ: للكلام.
(٥) سقط من أ.
(٦) بياض في أ.
(٧) في ب: في.
(٨) في جـ: حكمها.
(٩) زيادة من ب.
[ ١ / ١٤٥ ]
الدليل من ذلك أنه إذا منع من الكلام فقد وجب عليه أن يبنى حتى إذا تكلم ابتداء صار عاصيا له تعالى.
وعلى القول بالبناء من قبيل الجائز، فما المختار؟ هل القطع هو المختار أو البناء؟
فابن القاسم يقول: القطع أصوب، ومالك رحمة الله عليه يقول: البناء أصوب، وهذا [بناء] (١) على أصله أن العمل مقدم على القياس.
وهل البناء جائز لكل مُصَلٍ أو إنما هو جائز للإمام، والمأموم [خاصة] (٢) دون الفّذ؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن البناء جائز [لكل مصل] (٣)، وهو ظاهر المدونة لقوله: "وكل من رعف في صلاته" (٤)، و"كل": من صيغ العموم، على القول بأن العموم له صيغة (٥).
والثاني: أن الفّذ لا يبنى.
وسبب الخلاف: البناء في الرّعاف هل هو لمعنى أو لغير معنى؟
_________________
(١) في ب: البناء.
(٢) زيادة من ب.
(٣) في أ: لكل المعلين.
(٤) المدونة (١/ ٣٨).
(٥) قال الشيرازي: "للعموم صيغة بمجردها تدل على استغراق الجنس والطبقة". وقال الأشعرية: ليس للعموم صيغة، وما يرد من ألفاظ الجمع، فلا يحمل على العموم، ولا على الخصوص إلا بدليل. ومن الناس من قال: إن كان ذلك في الأخبار، فلا صيغة له، وإن كان ذلك في الأمر والنهي، فله صيغة تحمل على الجنس " التبصرة (١٠٥). قلت: الراجح هو الأول، وهو مذهب الجمهور.
[ ١ / ١٤٦ ]
فمن رأى أنه لمعنى؛ وهو إدراك فضيلة الجماعة، قال: لا يبنى الفّذ. ومن رأى أنه غير معقول المعنى، قال: [إن الفذّ يبنى] (١).
والقائلون [بالبناء] (٢) اتفقوا أنه لا يبنى إلا على ركن؛ لأن لفظة البِّنَاء تشعر بتَسَابق أساس يبنى عليه.
واختلفوا في [الإحرام] (٣) هل هو ركن يبنى عليه أم لا؟
على أربعة أقوال:
أحدها: أنه يبنى عليه [جملة] (٤)، وهذا القول قائم من "المدونة" (٥)، وهو قول سحنون.
والثاني: أنه لا يبنى عليه، بل يستأنف الإحرام والإقامة، وهو قول محمَّد بن عبد الحكم، وهو ظاهر "المدونة"، في مسألة الناعس.
والثالث: التفصيل بين الجمعة وغيرها؛ ففي الجمعة يبتدئ، وفي غيرها يبنى على إحرامه، وهي رواية ابن وهب عن مالك، وهو ظاهر المدونة أيضًا.
والرابع: [والتفريق] (٦) بين أن يكون إمامًا أو فذًا؛ فإن كان إمامًا: ابتدأ الإحرام، وإن كان مأمومًا: بني على الإحرام، وهذا أضعف الأقوال.
ويبنى الخلاف: على الخلاف في الإحرام، هل هو ركن أو ليس
_________________
(١) في ب: يجوز البناء للفذ وغيره.
(٢) في ب: بجواز البناء.
(٣) في الأصل: الأرجام.
(٤) في أ: في جمعة وغيرها.
(٥) المدونة (١/ ٣٧).
(٦) في ب: التفصيل.
[ ١ / ١٤٧ ]
بركن؟
وعلى القول بأنه لا يبنى على الإحرام قال: لأنه ليس بركن، وإنما ينبني على ما يسمى ركنًا.
ولا خلاف في الركعة إذا تمت بسجدتيها أنها ركن في جميع المسائل.
واختلف في ركعة لم تتم بسجدتيها [ق/ ٧ جـ] هل ينبنى عليها أم لا؟
على أربعة أقوال:
[أحدها] (١): أنه [يصح البناء] (٢) على ما مضى منها [أيضًا] (٣) كانت الأولى أو الثانية.
والثاني: أنه لا يجوز [البناء] (٤) على بعض الركعة -كانت الأولى أو الثانية- وهو ظاهر "المدونة".
والثالث: التفصيل بين الركعة الأولى والثانية؛ فلا يبنى في الركعة الأولى، ويبنى في الثانية على بعضها بعد أن انعقدت الأولى بسجدتيها، وهو ظاهر المدونة في مسألة الناعس، والمزاحم، وهي رواية ابن القاسم عن مالك في "العتبية".
والرابع: أنه إن رعف في الأولى لم يَبْن، فظاهره: وإن تمت بسجدتيها، وإن رعف في الثانية [بني] (٥) وهو ظاهر "المدونة" في مسألة الناعس، وهذا القول يروى عن ابن الماجشون.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: يبنى.
(٣) زيادة من ب.
(٤) في ب: أن يبنى.
(٥) سقط من أ.
[ ١ / ١٤٨ ]
وينبني الخلاف: على الخلاف في الركعة التي هي ركن يبنى عليه في الصلاة، ويكون به المُدْرِك مُدْرِكًا لصلاة الجماعة: هل هو وضع اليدين على الركبتين أو رفع الرأس منهما، وهذان القولان منصوصان في المذهب قائمان من "المدونة" (١).
واختلف في حكم الرَّاعف إذا خرج ليغسل الدّم، هل هو بَاقٍ في حُكم الإِمام؟
على أربعة أقوال:
أحدها: أنه خارج [من] (٢) حكمه حتى يرجع إليه؛ جملة من غير تفصيل.
والثاني: أنه باق في حكمه جملة.
والثالث: أنه إن رعف قبل أن يعقد معه ركعة: فهو خارج عن حكمه حتى يرجع إليه، وإن رعف بعد أن عقد معه ركعة: لم يخرج عن حكمه.
والرابع: أنه ينظر إلى ما آل إليه الأمر؛ فإن أدرك ركعة من صلاة الإِمام بعد رجوعه إليه: كان في حكمه حال خروجه عنه، وإن لم يدرك ركعة بعد رجوعه: لم يكن في حكمه حال خروجه.
وفائدة ذلك وثمرته ما يجب على الإِمام من سجود السهو في [حين] (٣) غيبته، أو تعمد إلى [إفساد] (٤) صلاته، أو تكلم هو في [حين] (٥)
_________________
(١) المدونة (١/ ٣٧).
(٢) في ب: عن.
(٣) سقط من ب.
(٤) في ب: فساد.
(٥) في ب: حال.
[ ١ / ١٤٩ ]
انصرافه ساهيًا: هل يحمل عنه ذلك الإِمام أم لا؟
فعلى القول بأنه باق في حكمه غير خارج عنه: فالإمام يحمل عنه السهو، ويجب عليه ما يجب على الإِمام من سجود السهو [وتفسد] (١) صلاته [بفساد صلاة] (٢) الإِمام، وأنه إن أتم في موضعه ثم تبين له أنه لو رجع لأدرك صلاة إمامه بطلت صلاته.
فإن قلنا: إنه خارج [عن] (٣) حكمه حتى يعود إليه: فلا يحمل عنه الإِمام السهو، ولا تفسد صلاته بفساد صلاة الإِمام، ولا يعيد إذا تم في موضع غسل الدم عنه، ولا يلزمه السهو [عنه] (٤) إذا سهى الإِمام في غيبته عنه.
وهذا فائدة الخلاف وثمرته؛ فإذا غلب على ظنه أن الإِمام قد فرغ من صلاته أو علم ذلك بيقين، فبنى في موضعه: فلا يخلو من أن تكون جمعة أو غيرها؛ فإن كانت جمعة فهل تجزئه أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن صلاته باطلة، [ويعيدها] (٥) ظهرًا أربعًا، وهو مذهب "المدونة" (٦)؛ وعلل بأن الجمعة لا تكون إلا في [المسجد] (٧) الجامع.
ويتخرج القول الثاني بالجواز من مسألة الإِمام إذا صلى بالناس ركعة من صلاة الجمعة. ثم انفضوا، ولم يبق معه [إلا] (٨) عدد لا تنعقد به
_________________
(١) في أ: بفساد.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: من.
(٤) ساقطة من أ.
(٥) في أ: ويعيد.
(٦) المدونة (١/ ١١٥).
(٧) سقط من أ.
(٨) زيادة من ب.
[ ١ / ١٥٠ ]
الجمعة، فأتم بهم [ق/ ١٣أ] الجمعة.
فالمذهب على قولين:
أحدهما: بالإجزاء.
والجمع بين المسألتين: أن بعض الشروط التي تصح بها الجمعة قد اخْتَّلت قبل الفراغ منها، وهل ذلك مؤثر أم لا؟ وإلى هذا ذهب الشيخ أبو إسحاق التونسي: أن الجمعة وغيرها في الإجزاء سواء.
وسبب الخلاف: الفعل المتعلق بشرط هل [من] (١) شرط صحة الحكم استدامة ذلك من البداية إلى النهاية، أو من شرطه أن يكون موجودًا عند البداية؟
فإذا وجب الشروع في العمل لأجله، فقد وجب العمل بمقتضاه من غير اعتبار باستصحاب حاله؛ لأن الفراغ من العمل كالنيّة في الصلاة؛ [لأن] (٢) من شرطها [حضور] (٣) النية عند الافتتاح [بالاتفاق] (٤).
وإن عزبت في أثناء الصلاة [فهل الحكم] (٥) الظاهر ببطلان الصلاة على الظاهر، أو بجوازها فهذا مما جرى فيه قولان، ومن هذا القبيل [إذا شهدت البينة] (٦) على حد أو على حق وثبت عدالتهم، ثم حكم القاضى بإنفاذ الحكم، فلم ينفذ حتى ظهر التجريح مثل أن يؤخذوا يشربون الخمر.
والعدالة شرط في الشاهد، وهل من شرطها استدامته من أول الحكم
_________________
(١) في أ: هو.
(٢) في ب: فإن.
(٣) في ب: حصول.
(٤) على الاتفاق.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ب: تقديم وتأخير.
[ ١ / ١٥١ ]
إلى آخره أم لا، وأخره نفوذه؟
وقد قال في كتاب القطع في السرقة من "المدونة" (١): إن ذلك ليس من شرطه، وأنه ينفذ حكم من غير اعتبار بما ظهر من حال البينة بعد انعقاد الحكم.
وهذا أصل متداع في غير ما موضع، وهذا كله إذا كان [ذلك] (٢) بمعنى الاختيار والإيثار.
وأما إن [غلب] (٣) بوادٍ أو سبع ضارٍ، أو لصوص حالت بينه وبين المسجد هل يصح له البناء في موضعه أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يبنى في موضعه ويعيد ظهرًا أربعًا، وهو قول المغيرة.
والثاني: أنه يبنى في موضعه، وتجزئه الجمعة، ولا يعيدها.
وسبب الخلاف: [ق/ ٧ ب] المغلوب بعذرٍ ظاهر هل يُعذَر بِعُذْره أم لا؟
فإن كان في غير [الجمعة] (٤) فغلب على ظنه أن الإِمام [قد] (٥) فرغ فبنى في موضعه، ثم تبين له أنه لو ذهب لأدرك الإِمام، فهل تجزئه صلاته أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: الجواز.
_________________
(١) المدونة (١٦/ ٢٦٥).
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: كان.
(٤) في أ: المسجد.
(٥) زيادة من ب.
[ ١ / ١٥٢ ]
والثاني: [عدمه] (١).
وله سبب آخر: الراعف هل هو باقٍ في حكم الإِمام أو هو خارج عنه؟
وسبب الخلاف: المجتهد هل يعذر باجتهاده أم لا؟
فصل
وللبناء في الرعاف صفات وحالات تختلف باختلاف الحال التي عليها خروج الراعف، وذلك أربع صور:
[الصورة] (٢) الأولى: إذا أدرك مع الإِمام الركعة الأولى ثم رعف في الثانية ثم أدرك الإِمام في الرابعة.
والثانية: إذا فاتته الأولى فصلى معه الثانية والثالثة. ثم رعف في الرابعة. ثم وجد الإِمام قد فرغ [من الصلاة] (٣).
والثالثة: أن تفوته الأولى، وأدرك الثانية. ثم رعف في الثالثة. ثم رجع والإمام في الرابعة.
والرابعة: أن تفوته الأولى، وأدرك الثانية. ثم رعف في الثالثة، فرجع فوجد الإِمام قد فرغ. وعلى هذه الصور الأربعة تدور أحكام البناء والقضاء في الرعاف.
فالجواب عن الصورة الأولى: إذا توسطت الفوائت وتَطَرَّفَت المُدْرَكَات: هل يتصور فيه البناء، والقضاء، أو ليست فيه إلا القضاء؟
فمشهور المذهب: أن البناء لا يتصور فيه إلا مجازًا، وإنما هو القضاء يأتي بركعة بأم القرآن وسورة. ثم يقوم ولا يجلس؛ لأنها ثالثة صلاته،
_________________
(١) في جـ: المنع.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من ب.
[ ١ / ١٥٣ ]
[فيقوم] (١) ويأتي بركعة بأم القرآن خاصة [فيجلس] (٢) ويسلم.
وقد وقع لسحنون ما يدل على أن البناء، والقضاء يتصور في هذه المسألة حقيقة، وليس ذلك بصحيح.
والجواب عن الصورة الثانية: إذا توسطت المُدْرَكَات وتَطَرّفت الفوائت: فلا إشكال في هذه الصورة أن فيها البناء والقضاء.
واختلف هل يبدأ بالبناء [أو] (٣) بالقضاء؟ على قولين.
والجواب عن الصورة الثالثة: إذا أدرك الثانية والرابعة، وفاتته الأولى والثالثة؛ [فالمذهب على قولين] (٤):
أحدهما: أنه يبدأ [بالقضاء] (٥) بقضاء الأولى، يقرأ فيها بالحمد والسورة، ثم يقوم لأنها ثالثة صلاته. ثم يأتي بالثالثة يقرأ فيها بالحمد [وحدها] (٦) ويجلس ويتشهد ويسلّم.
وهذا الجواب صحيح، ولاسيما على مذهب من يقول بتبدئة القضاء على البناء؛ لأن البناء لما نفذ فيها، ووجب قضاء الركعتين، ووجب أن يبدأ بقضاء الأولى قبل الثانية.
وقد وقع لسحنون في "المجموعة" أنه يقضي الثالثة بالحمد وحدها قبل الأولى، وذلك مخالف لأصله، بعيد من قوله.
_________________
(١) في ب: ثم يقوم.
(٢) في ب: ثم يجلس.
(٣) في ب: على.
(٤) في ب: فالمذهب قولان.
(٥) زيادة من ب.
(٦) في أ: وحده.
[ ١ / ١٥٤ ]
والجواب عن الصورة الرابعة: إذا [فاتته] (١) الأولى، وأدرك الثانية، ثم [رعف] (٢) في الثالثة، فوجد الإِمام قد سلَّم: فاختلف في هذه المسألة في تبدئة البناء على القضاء على قولين:
أحدهما: أنه يبدأ بالبناء على القضاء، وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن المواز (٣)، [وهو] (٤) ظاهر قوله في "المدونة" (٥): يأتي بركعة بأم القرآن خاصة. ثم يجلس؛ لأنها ثانية صلاته، إلا أنها ثالثة الإِمام.
وإنما قلنا يجلس [لأنه يتبع في الأفعال حكم] (٦) نفسه [باتفاق] (٧) من الجميع، وهو معنى قوله في "المدونة" (٨): ما أدرك فهو أول صلاته؛ لأنه يقضي مثل ما فاته، يريد أنه أول صلاته أنه إن أدرك ركعة أضاف إليها أخرى. ثم يجلس، ولهذا يقال: بأن في الأفعال قاضٍ في الأقوال على [حسب] (٩) اختلاف عباراتهم في ذلك.
ومثل هذا يعتاض على المبتدئ في تنزيله وتمييز بعضه من بعض حتى يتوهم أن ذلك اضطراب، فإذا أتى بركعة بأم القرآن خاصة، فإنه يجلس كما قدمناه. ثم يقوم ويأتي بركعة بأم القرآن خاصة، وهل يجلس أو يقوم؟ فابن المواز يقول: إنه يجلس لأنه [آخر صلاة الإِمام] (١٠)، وإنه
_________________
(١) في ب: فاتت.
(٢) في أ: رفع.
(٣) النوادر (١/ ٢٤١ - ٢٤٧).
(٤) سقط من أ.
(٥) المدونة (١/ ٨٧).
(٦) في أ: لا يتبع في الأفعال إلا حكم.
(٧) في ب: بالاتفاق.
(٨) المدونة (١/ ٩٧).
(٩) سقط من أ.
(١٠) في أ: آخر صلاته.
[ ١ / ١٥٥ ]
لا يقوم للقضاء إلا من جلوس.
وابن القاسم وابن حبيب يقولان: لا يجلس؛ لأنها ثالثة بنائه، وهو الصحيح، ولا يخفى على أحد ضعف قول ابن المواز، ويلزمه على قوله باعتبار صلاة الإِمام أن يقول إذا أتى بركعة تكون ثانية [له] (١) ألا يجلس؛ لأنها ثالثة الإِمام، وذلك خلاف قاعدة المذهب.
والقول الثاني: أنه يبدأ بالقضاء [على] (٢) البناء، وهو مذهب سحنون، ومعناه أنه يأتي بركعة بأم القرآن وسورة، فيجلس ثم يقوم ويأتي بأم القرآن خاصة.
وسبب الخلاف: اختلافهم في معنى قوله: "ما أدرك [مع الإِمام] (٣) فهو أول صلاته"؛ هل أراد بذلك أنه أول صلاته في الأفعال والأقوال -وإليه ذهب سحنون- أو في الأفعال دون الأقوال -وإليه ذهب ابن القاسم- وهو تفسير الكتاب [وإلى الله الهداية إلى طريق الصواب] (٤) [والحمد لله وحده] (٥).
_________________
(١) زيادة من ب.
(٢) في أ: لا.
(٣) زيادة من ب.
(٤) سقط من ب.
(٥) زيادة من جـ.
[ ١ / ١٥٦ ]
المسألة الثالثة [عشر] (١)
[مسألة] (٢) الحيض
والكلام [في هذه المسألة] (٣) في [سبعة] (٤) فصول:
أحدها: معرفة الحيض من دم الاستحاضة.
والثاني: ما يسمى حيضًا هل تسمى حيضة أم لا؟
والثالث: أقل الطهر.
والرابع: معرفة أكثر الحيض.
والخامس: [معرفة] (٥) أقل الحيض (٦).
والسادس: ما الحكم في الاستظهار.
[والسابع: معرفة علامة الطهر] (٧).
الجواب [عن] (٨) الفصل الأول: في تمييز دم المحيض من دم الاستحاضة: فاعلم أن الدماء التي ترخيها الرحم [على] (٩) ثلاثة أنواع: دم حيضة وحيلة، ودم علة وفساد، ودم نفاس.
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) في ب: في.
(٣) في ب: فيه.
(٤) في أ: ستة.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ب: تقديم وتأخير.
(٧) سقط من أ.
(٨) في أ: في.
(٩) سقط من أ.
[ ١ / ١٥٧ ]
فأما دم الحيضة والحيلة: فهو دم الحيض، وهو شيء كتبه الله على بنات آدم، وجعله حفظًا للأنساب، وعلمًا على براءة الأرحام، ومع ذلك عقوبة عليهن، ونكاية فيهن فيما يرجع إلى العبادات والعادات.
فأما كونه عقوبة في العبادات: كونه يؤثر في إسقاط الصلاة عنهن جملة (١)، ويؤثر في صحة الصيام، والمنع من فعله في زمانه حتى يكون فعله في حقهن قضاء؛ وذلك مما يؤثر في نقصان الأجر؛ إذ لا يستوي فعل العبادة في وقتها وفعلها بعد وقتها.
وإن كان المكلف معذورًا بالتأخير، فالعذر الموجب للتأخير إنما أسقط الإثم مع وجوده خاصة؛ لانر [فعل] (٢) العبادة في الوقت، وبعده متساوٍ في مقدار الثواب.
إذ لا إشكال أن من نام واسْتَرْسَلَ عليه النوم، أو [غلبه] (٣) السهو حتى مضى [ق/ ٨ جـ] وقت الصلاة بالكلية: أنه يقضي الصلاة ولا يكون أجره كأجر من صلاها في وقتها، وهذا لا نزاع فيه.
وبهذا الاعتبار نص الشارع على نقصان دينهن، وذلك النقصان مرة يرجع إلى سبب يخل بالصلاة، وتارة يرجع إلى نقصان الأجر والثواب كالصيام الذي تفعله في غير وقته.
وأما كونه عقوبة في العادات: فكون المرأة في كل شهر في الغالب ملطخة بالأقذار، ملوثة بالأوطار، مشوبة بالأنجاس، غريقة في لجة الأوساخ والأدناس، كريهة النكهة، والنفس لا تميل إليها [الشهوات] (٤)
_________________
(١) لقول عائشة ﵂: "كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة" أخرجه البخاري (٣١٥)، ومسلم (٣٣٥).
(٢) في أ: أفعال.
(٣) في ب: غلب عليه.
(٤) في أ: بالشهوة.
[ ١ / ١٥٨ ]
بل نفورها عنها أشد من نفورها عن اللبؤة.
وأيّ عقوبة ونكاية أشد من ذلك، وهو [إرثهن] (١) من أُمِّنَا حواء عليها الصلاة والسلام.
وهو دم ينحدر من أعماق الجسم إلى قرار الرحم، فيجمعه الرحم طول مدة الدّهر، ومن ذلك سمى الطهر: قرء، والقرء: الجمع؛ تقول: قرأت الماء في الحوض، إذا جمعته فيه قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (٢) [﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾] (٣).
على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى تفصيلًا وتحصيلًا في "كتاب العِدَّة".
وهو دَم [غَلِيظ] (٤) أسود منتن، وبهذه الصفات يتميز عما عَدَاه من الدّماء.
وأما دم الاستحاضة: فهو دَمُ عِلّة وفَسَاد.
والمستحاضة: هي التي لا يَرْقَأ دَمُها بعد مُضِي أيام حيضتها.
ولا حكم لهذا الدّم [من] (٥) طريق الوجوب، ويستحب لها -على مذهب مالك- أن تتوضأ لكل صلاة (٦).
وحكمها حكم [ق/ ١٤ أ] [الطاهرة] (٧) في العبادات والعادات
_________________
(١) في أ: إرث.
(٢) سورة القيامة الآية (١٨).
(٣) سورة القيامة الآية (١٩).
(٤) في أ: غبيط.
(٥) في ب: في.
(٦) المدونة (١/ ١١).
(٧) في أ: الطاهر.
[ ١ / ١٥٩ ]
على مذهب مالك، ما لم تر دمًا تَشُك [فيه] (١) أنه دم حيض لرائحته ولونه، وتكون ممن لها التمييز، فيكون لها حينئذ حكم الحائض.
فإن كانت [ممن] (٢) لا تمييز لها: فإنها تَسْتَصْحِب هذا الحكم أبدًا.
فإذا انقطع دم الاستحاضة [عنها] (٣)، وقد كانت اغتسلت بعد أيامها المُعتادة: [فهل تعيد] (٤) الغسل استحبابًا؟ ففي "المدونة" (٥)، عن مالك روايتان:
إحداهما: أنها لا تعيد الغسل.
والأخرى: أنها تعيده، وهو الذي استحبه ابن القاسم.
وسبب الخلاف: مراعاة اختلاف العلماء؛ فمنهم من يقول: إنها تغتسل استحبابًا، وخرّج البخاري (٦) أن أم سلمة -زوج النبي - ﷺ - كانت تغتسل لكل صلاة.
فراعى مالك ﵀ هذا الخلاف مرة فاستحبه، ومرة لم يراعه، وَرَد نظره إلى أصول الشريعة.
وأما دم النفاس: فهو الذي يخرج مع خروج الولد.
وقال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب: والنفاس ما كان عقيب الولادة؛ فظاهر قوله أن الدّم الذي يخرج مع خروج الولد لا [يسمى] (٧) دم
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: مما.
(٣) زيادة من ب.
(٤) في أ: فلتعد.
(٥) المدونة (١/ ٥٠، ٥١).
(٦) أخرجه البخاري (٣٢١)، ومسلم (٣٣٤) من حديث عائشة أن أم حبيبة استحيضت .. إلخ.
(٧) في أ: سيما.
[ ١ / ١٦٠ ]
النفاس، وأنه لا حكم له في وجوب الغسل إذا لم يخرج [الدم] (١) [عقيبه] (٢).
وهذا الذي قاله خلاف المذهب، إلا إن شهد لما قاله دليل من كلام العرب، فيُصار إليه، وإلا فنصوص المذهب في اعتبار [الدم] (٣) الذي يخرج [مع] (٤) الولد.
فإن خرج الولد نَقِيًا مِنَ الدّم: فهل [يستحب] (٥) الغسل عليها أم لا؟ قولان:
أحدهما: [مشهور المذهب أنه لا يجب، ولا يستحب، ولمالك في "العتبية" (٦) قول ثان بأنه يستحب] (٧) قال: "ولا يأتي من الغسل الأخير"، وهذا إذا لم يخرج الدّم بعد الوَضع.
فأما إذا خَرَجَ الدّم بعد الوضع: فلا خلاف في المذهب في وجوب الغُسل عليها إذا انقطع الدّم عنها أو مضى لها مُدّة، تَحْمِل الزّائِد على أنه دَمُ استحاضة.
وحكم هذا الدّم -الذي هو دَمُ النِّفَاس- كَحُكم دَم الحيض فيما يَحِل وَيَحرُم.
والجواب عن الفصل الثاني: ما يسمى حيضًا هل يسمى حيضة أم لا؟.
_________________
(١) في جـ: الولد.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: فيه.
(٥) في أ: يجب.
(٦) البيان والتحصيل (١/ ٣٩٧)، والنوادر (١/ ١٣٨، ١٣٩).
(٧) في ب: تقديم وتأخير.
[ ١ / ١٦١ ]
والحيض في عُرْف الاستعمال: عبارة عن الدّم الذي يَحْرم على المرأة فعل العبادة مع وجوده.
والحيضة: عبارة عما يقع به الاعتداد في العِدّة والاستبراء؛ فإذا رأت المرأة لمعة، أو دفعة من دم الحيض. ثم انقطع من ساعته: فلا تخلو رؤيتها ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يكون قبل طُهْر فاصل.
والثاني: أن يكون ذلك بعد طُهْر فاصل.
فإن كان رؤيتها قبل طُهْر فاصل: فلا خلاف في المذهب أن له حكم الدم الأول، وأنها حيضة واحدة.
وإن كانت رؤيتها بعد طهر فاصل: هل يكون ذلك حيضة مستقلة، ويصح بهذا الاعتداد في الأقراء؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يسمى [حيضًا] (١) وحيضة، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب إرخاء الستور" (٢)؛ لأنه قال في المطلقة: إذا رأت أول قطرة [من دم الحيضة] (٣) الثالثة: فقد حلَّت للأزواج، وانقضت عدتها، وبَانَتْ مِن زوجها الأول، وهو تأويل أبي عمران الفاسي على المدونة.
قال القاضي أبو الوليد بن رشد: وهو مذهب ابن القاسم في أن الحيض لا أقلَّ له، وأن الحيض يسمى عنده حيضة، وهو ظاهر قول ابن القاسم في كتاب "الاستبراء" غير أنه هناك أحال على سؤال النساء.
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) المدونة (٥/ ٣٢٦).
(٣) في أ: من الدم في الحيضة.
[ ١ / ١٦٢ ]
والقول الثاني: أن الحيض لا يسمى حيضة، وأن الحيضة لا تسمى حيضًا، إلا لما استمر من الدم واتصل، وهي رواية ابن وهب عن مالك، وهو [ظاهر] (١) قول أشهب في المدونة (٢)؛ لأنه قال في التي رأت أول قطرة من الدم [من] (٣) الحيضة الثالثة: إنه يستحب لها ألا تعجل بالنكاح حتى تعلم أن ذلك [حيضة مستمرة؛ لأنها قد ترى الدم ساعة أو ساعتين ثم ينقطع عنها، فتعلم أن ذلك ليس بحيض، وابن القاسم] (٤) يقول لا يخلو أن تراه بعد طهر فاصل أو قبله.
فإن رأته بعد طهر فاصل، فذلك حيضة ثانية، وإن رأته قبل طهر فاصل، فالدم الأول مضاف إلى تلك القطرة، ويكون حيضة واحدة.
وسبب الخلاف: الحكم المتعلق بما له أول وآخر من الأسماء. هل يتعلق بأولها أو بآخرها؟ والحيض مما له أول وآخر.
والجواب عن الفصل الثالث: في أقل الطهر. وفائدة [ذلك] (٥) معرفة عدد الأيام التي تكون بين الدمين [طهرًا] (٦) أو يكون الدم الثاني حيضًا مؤتَنفًا، فالخلاف فيه في المذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أن أقل الطهر خمسة أيام، وهو قول عبد الملك بن الماجشون، وروايته عن مالك.
وكلما كثر الطهر قَلَّ الحيض، وكلما قَلَّ الطهر كثر الحيض [عنده] (٧)
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) المدونة (٥/ ٣٢٦).
(٣) في أ: في.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: طاهرة.
(٧) سقط من أ.
[ ١ / ١٦٣ ]
وهو قول ضعيف عند أهل النظر؛ لما فيه من مخالفة الأثر؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن تحيض المرأة أكثر من نصف [زمانها] (١).
والثاني: أن أقله ثمانية أيام، وهو قول سحنون، وهو تأويل أبي محمَّد بن أبي زيد على المدونة على ظاهر قول مالك في كتاب الوضوء، وفي "كتاب العِدّة".
و[قال] (٢) في "كتاب الوضوء" في التي رأت الدّم خمسة عشر يومًا، ثم رأت الطهر خمسة أيام. ثم رأت الدم أيامًا. ثم رأت الطهر سبعة أيام:
قال: هذه مستحاضة (٣)، فجعل سبعة أيام في حيز اليسير.
وقال في "كتاب العدة" (٤): لا أرى الأربعة أيام، والخمسة، وما قرب طهرًا، وأرى أن الدم بعضه من بعض إذا لم يكن بينهما من [الطهر] (٥) إلا أيامًا يسيرة؛ الخمسة ونحوها.
وهذا يبين قول الشيخ أبي محمَّد بن أبي زيد، ويعضده في أن أقل الطهر ثمانية أيام؛ لأنه [لم] (٦) ير السبعة في كتاب الوضوء طهرًا، ونص هناك على السبعة أيام، ولم [يزد] (٧) ولا قال ونحوها، والنحو هنا: الزيادة [على الخمسة] (٨) وكذلك ما قرب، غير أن النحو والشبه
_________________
(١) في ب: دهرها.
(٢) سقط من أ.
(٣) المدونة (١/ ٥٢).
(٤) المدونة (٥/ ٤٢٨).
(٥) في أ: الدم.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ: يرد.
(٨) ساقطة من ب.
[ ١ / ١٦٤ ]
إذا عُطِفَا على واحد، فالمراد بذلك اثنين، كقوله: اليوم ونحوه، والبريد ونحوه؛ إذ لا يصلح أن يريد المتكلم بذلك بعض يوم.
وإن [عُطِفَا] (١) على الجُملة، فإنه لا يُحمل على أن المراد به عدد المعطوف عليه، وإنما أراد الزيادة عليه ما لم يكون عدد [مثل] (٢) عدد المعطوف [عليه] (٣) أو [نصفه] (٤).
وغاية ما قال فيه بعض الأشياخ: الثلث، وهكذا ذكر القاضي أبو الفضل ﵀.
إلا أن الذي قاله يحتاج إلى [عرف لغوي] (٥) أو عُرف شرعى فإن عري عنهما كان تحكمًا، فظاهر قوله: الخمسة، وما [قرب] (٦) والذي [قرب] (٧) من الخمسة (٨): اثنان؛ فتكون سبعة، مثل الذي نص عليه في "كتاب الوضوء"، وظاهره أن الثمانية في خير الكثير، وهذا وجه استقراء الشيخ ﵁.
والقول الثاني: أن أقله عشرة أيام، وهي رواية الأندلسيين عن مالك، ورواية أصبغ عن ابن القاسم.
[والرابع] (٩): وهو قول محمَّد بن مسلمة أن أقله خمسة عشر يومًا، وهذا القول [أظهر] (١٠) في النظر وموافق للأثر؛ لأن الله تعالى جعل
_________________
(١) في جـ: عطفهما.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: صفة.
(٥) في أ: نقل اللغوي.
(٦) في أ: قارب.
(٧) في أ: قارب.
(٨) بالمدونة (١/ ٥٢).
(٩) سقط من أ.
(١٠) سقط من أ.
[ ١ / ١٦٥ ]
عدة الحرائر ذوات الأقراء في الطلاق: ثلاثة قروء بقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١).
وجعل عدة اليائسة [من] (٢) ثلاثة أشهر فقال تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (٣)، فجعل بإزاء كل شهر قرء، ولا تصح هذه الموازاة والمقابلة إلا على القول بأن [أقل] (٤) الطهر خمسة عشر يومًا؛ لأن أكثر ما قيل في أقل الطهر [خمسة عشر يومًا] (٥)، وأكثر ما قيل في أكثر الحيض خمسة عشر يومًا فجاءت القسمة على [الموازاة] (٦) في قوله - ﷺ -: "إن إحداكن تمكث نصف عمرها أو شطر عمرها لا تصلي" (٧) وما عداه من الأقوال لا حظ لها في النظر، ولا ارتباط لها بالأثر، [والتوفيق بالله] (٨).
والجواب عن الفصل الرابع: في أقل الحيض. والذي يتحصل فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن دم الحيض لا أقل له، وأن الدفعة واللمعة تسمى حيضًا، وهو [قول] (٩) ابن القاسم، وأن المرأة [متى] (١٠) رأت ذلك، فإنها
_________________
(١) سورة البقرة الآية (٢٢٨).
(٢) سقط من أ.
(٣) سورة الطلاق الآية (٤).
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: خمسة أيام.
(٦) في أ: الموازنة.
(٧) قال ابن الجوزي: وهذا لفظ لا أعرفه. التحقيق (١/ ٢٦٣) حديث (٣٠٦). وقال علي القاري: لا أصل له بهذا اللفظ، ومعناه في الصحيح. المصنوع (٩٦). وقال الزيلعي: هذا حديث لا يعرف. نصب الراية (١/ ١٩٢).
(٨) زيادة من جـ.
(٩) في ب: مذهب.
(١٠) في أ: مهما.
[ ١ / ١٦٦ ]
تدع الصلاة والصيام، ولا يأتيها زوجها إذا رأته بعد طهر فاصل.
فإن انقطع الدم عن ساعتها: اغتسلت وصلت، وحلَّ لزوجها أن يطأها.
فإن عاودها الدم بعد ذلك، فإنها تدع الصلاة. وإنما أُمرت بالاغتسال إذا انقطع عنها؛ إذ لعله لا يعود إليها، هكذا يكون حكمها حتى تستكمل أيامها المعتادة، فتلفق أيام ما تحيض، وتلغى أيام الطهر.
[ويجيء] (١) من هذا [وجه] (٢) مشكل، وهو:
إذا انقطع الدم عنها بإثر أمدها، فأمرت بالاغتسال فتصوم وتصلي؛ فيكون لها حكم الطاهر، فإن عاودها الدم رجعت إلى حال [الحائض] (٣).
ووجه الإشكال فيه: [الحكم في] (٤) الصوم الذي صامته في اليوم الذي رأت فيه الطهر، إن كان رمضان هل [يقع] (٥) موقع الإجزاء وتبرأ منه الذمة؛ لأنه مفعول في زمان أمرت به بالغسل، وتوجه عليها فعل العبادة -وهذا هو ظاهر المذهب- أو نقول: إنها لما عاودها الدَّم قَبل انقضاء [زمان] (٦) و[ما] (٧) يسمى طُهْرًا، وأن حُكْمَ [الحيض] (٨) مُسترسل عليها فيما رأت فيه الدم، وما لم تره كان صومها غير واقع موقع الإجزاء، والذَّمة [به [ق/ ١٥ أ، مَعْمُورة] (٩)، وغاية شأنها أنها لم تكن بذلك
_________________
(١) في ب: ويأتي.
(٢) في أ: فصل.
(٣) في ب: الحيض.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: وقع.
(٦) ساقطة من ب.
(٧) سقط من أ.
(٨) في أ: الحاكم.
(٩) في ب: غير بريئة.
[ ١ / ١٦٧ ]
حائضًا مع جريان الدم.
وهذه مسألة لم أجد فيها نصًا في المذهب، والذي يقتضيه النظر [أن الصوم في ذمتها] (١) مُتيقن، فلا تبرأ إلا بيقين.
والقول الثاني: أن الحيض ثلاثة أيام في العِدّة والاسْتِبْرَاء، وما دونها يكون حيضًا يمنع الوطء والصيام من غير أن يسقط وجوبه، ويمنع [من] (٢) الصلاة ويسقط وجوبها، وهو قول محمَّد بن مسلمة.
ومعنى قوله: تُمنع من [فعل] (٣) الصلاة من غير أن يسقط وجوبه إلى وجوب القضاء؛ إذ لا خلاف أن الحائض تقضي الصيام، وإنما [وقع] (٤) الخلاف بين الأصوليين، هل القضاء عليه بالخطاب الأول أو الخطاب الجديد (٥).
والقول الثالث: أن أقل الحيض في العِدَّة والاسْتِبرَاء خمسة أيام، وهو قول عبد الملك بن الماجشون، وزاد أبو إسحاق [ق/ ٩ جـ] بلياليها. و[معنى] (٦) قوله: يمنع الصلاة ويسقط وجوبها يعني أنه لا قضاء عليها لقول عائشة ﵂: "كنا نؤمر بقضاء الصيام، ولا نؤمر
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من ب.
(٤) زيادة من ب.
(٥) اختلف في ذلك على مذهبين: أولهما: أن وجوب القضاء ثابت بالخطاب الأول. ذهب إلى هذا عامة الحنفية، والمالكية، وكثير من الشافعية، وهو الصحيح. ثانيهما: أن القضاء ثابت بخطاب جديد. وإلى هذا ذهب أكثر المتكلمين.
(٦) سقط من أ.
[ ١ / ١٦٨ ]
بقضاء الصلاة" (١).
وسبب الخلاف: الحكم هل يتعلق بأوائل الأسماء، أو [بأواخرها] (٢).
والجواب عن الفصل الخامس: في أكثر الحيض.
والسادس: في حكم الاستظهار.
ولا شك ولا خفاء أن ما تراه المرأة من الدم، وتمادى بها أن المنع مِنْ فِعْل العبادات البدنِيّة، والعادات الاسْتِمْتَاعِيَّة يُسْتصحب مع وجود الدّم إذا كانت ممن تحيض، أو كانت في سِن مَنْ تَحيض، اتصل ذلك [الدم] (٣) أو انفصل.
إذا كان [ذلك] (٤) الانفصال يحكم له بحكم الاتصال.
فإن تمادى بها الدم أيامًا فلا يخلو حالها من أحد وجهين:
أن تكون مبتدأة، أو معتادة.
فإن كانت مبتدأة: فالذهب [في حكمها] (٥) على قولين:
أحدهما: أنها تنتظر إلى خمسة عشر يومًا، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (٦) في كتاب الوضوء.
والثاني: أنها تقعد أيام لداتها (٧) وهي رواية [علي] (٨) بن زياد عن
_________________
(١) تقدم.
(٢) في الأصل: بآخره.
(٣) في أ: اليوم.
(٤) زيادة من ب.
(٥) في أ: فيها.
(٦) المدونة (١/ ٥٢).
(٧) أترابها: وهذا أسلوب من أساليبهم في تثبيت الصفة وتمكينها.
(٨) سقط من أ.
[ ١ / ١٦٩ ]
مالك في الكتاب [المذكور] (١).
وهذا الخلاف ينبني على الخلاف في المعتادة، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى.
وعلى القول أنها تقعد إلى خمسة عشر يومًا، هل تستظهر أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها لا تستظهر بشيء، وقد تَبَيَّن أنها مستحاضة، وأنا ما بها من الدم عِلّة وفَسَاد، وهو قول ابن القاسم [وهو مشهور المذهب] (٢).
والثاني. أنها تستظهر بيوم أو يومين، وهو قول مالك في كتاب ابن المواز (٣).
والثالث: أنها تستظهر بثلاثة أيام، وهو قول ابن نافع في كتاب ابن سحنون.
وسبب الخلاف: النادر الشاذ: هل يعطى [له] (٤) حكم نفسه أو يعطي له حكم غالب [جنسه] (٥)؛ وذلك أن الغالب فيما يعرف بالتجابر أن المرأة لا يتمادى بها الدم أكثر من خمسة عشر يومًا؛ إلا أن تكون مستحاضة؛ ولهذا وقع الاتفاق من الجمهور أنها لا تزيد على ذلك القَدْر لا بالاستظهار [ق/ ٨ ب] ولا بغيره.
فإن اتفق في العالم أن يكون في امرأة تحيض أكثر من خمسة عشر يومًا كان حكمها حكم الأكثر ولا يُنْظَر إلى شُذُوذها ونُذُورها.
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) سقط من أ.
(٣) النوادر (١/ ١٣٥).
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: نفسه.
[ ١ / ١٧٠ ]
ومن يقول: أنها تستظهر بثلاثة أيام، وتقعد ثمانية عشر يومًا، قال: إن النادر يعطى له حكم نفسه؛ لأن الاقتصار على خمسة عشر يومًا ليس بحد، ولا يقضي [بمنع] (١) الزيادة عليه.
ومن قال: تستظهر بيومين ولا تزيد عليها.
يقول: الأصل ألا تجوز الزيادة على ما علم بالتجربة في أكثر عوائد النسوان إلا أنني وجدت نساء ابن الماجشون يحضن سبعة عشر يومًا، ولهذا زدت [اليومين] (٢)، وعلى القول أنها تقعد أيام لداتها هل تستظهر عليها بثلاثة أيام أم لا؟
قولان في "المدونة" (٣): خلاف ماله فيها، والثاني: أنها تستظهر؛ وهو قول ابن القاسم في الكتاب، وهو قول ابن نافع في غير المدونة.
[ومثار] (٤) الخلاف [يأتي] (٥) بيانه في فصل المعتادة إن شاء الله.
فإن كانت معتادة؛ وهي التي لها أيام معلومة لا تكاد تجاوزها إلا وقد طهرت.
فإذا تمادى بها الدم على أكثر أيامها المعتادة: فقد اختلف في المذهب [في هذه المسألة] (٦) على خمسة أقوال:
أحدها: أنها تنتظر إلى خمسة عشر يومًا، وهل تستظهر عليها أم لا؟
قولان؛ وقد بيناهما في الوجه الأول.
_________________
(١) في أ: بمعنى.
(٢) زيادة من ب.
(٣) المدونة (١/ ٥٠).
(٤) في ب: المسار.
(٥) في أ: فيما.
(٦) زيادة من ب.
[ ١ / ١٧١ ]
والثاني: أنها تنتظر قدر [أيامها] (١) المعتادة، ولا تستظهر.
والثالث: أنها تقعد أيامها المعتادة، وتستظهر، وهو [ظاهر] (٢) قول ابن القاسم في كتاب الحج (٣)، وقال: المرأة إذا حاضت قبل طواف الإفاضة إن كريهًا يحبس عليها قدر أيامها المعتادة مع ثلاثة أيام الاستظهار.
فظاهره: أنه إذا مضى هذا [العذر] (٤) فلتغتسل، وتطوف، وتصلي، وتكون مستحاضة.
والرابع: أنها تقعد أيامها المعتادة. ثم تغتسل، ويكون لها حكم الطاهر في العبادات دون العادات؛ فتصلي وتصوم على معنى الاستحباب، ويجتنبها زوجها على معنى [الاحتياط] (٥)، وهي رواية ابن وهب عن مالك في المدونة (٦)؛ حيث قال: وقد كان يقال إن المرأة لا تكون حائضًا أكثر من خمسة عشر يومًا، ثم نظرت في ذلك فرأيت أن ذلك احتياطًا [لها] (٧)؛ فتصلي وليست عليها أحب إليّ من أن تترك الصلاة، وهي عليها.
والقول الخامس: أنها تنتظر أيامها المعتادة. ثم تغتسل، وتصلي، وتصوم.
فإن تمادى بها الدم خمسة عشر يومًا: علم أنها مستحاضة، وأن ما مضى من الصلاة، والصيام، وقع موقع الإجزاء في موضعه، ولم يضرها
_________________
(١) في أ: أيام.
(٢) زيادة من ب.
(٣) المدونة (٢/ ٢٠٢).
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: الاحتفاظ.
(٦) المدونة (١/ ٥٣).
(٧) سقط من أ.
[ ١ / ١٧٢ ]
امتناعه من الوطء.
فإن انقطع عنها دون خمسة عشر يومًا: علم أنها حيضة [انتقلت] (١)، ولا يضرها ما حلت وصامت، وتغتسل عند انقطاعه.
وسبب الخلاف: بين من قال: تننظر خمسة عشر يومًا وبين من قال: تقعد أيامها المعتادة: معارضة الغالب للأثر؛ فالغالب: أن دم الحيض لا يجاوز خمسة عشر يومًا إلا إذا كانت الحائض مستحاضة؛ فالغالب عندهم أن دم الحيض يمتد أمره إلى هذا القدر؛ فوجب بهذا الغالب أن تتنظر إلى خمسة عشر يومًا. ويُقَابله ما خرّجه مالك في "موطئه" (٢) أن امرأة كانت تهراق الدماء [في] (٣) رسول الله - ﷺ - فاستفتت لها أم سلمة رسول الله - ﷺ -[فقال لها رسول الله - ﷺ -:] (٤) "لتنظر إلى عدة الليالي، والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها [الدم] (٥) الذي أصابها؛ فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلَّفت ذلك فلتغتسل. ثم لتستثفر بثوب، ثم لتصلي".
والعجب من قال بنسخ قول النبي - ﷺ -[بالعادات، والعادات] (٦) لا يُعدَدُ بها النَّسْخ، ولا يُقَدّم الحكم بها على أخبار الآحاد بالاتفاق.
وإنما وقع الخلاف بين الأصوليين في العموم: هل يخصص بالعادات أم لا؟
_________________
(١) في ب: انقلبت.
(٢) أخرجه مالك (١٣٨)، وأبو داود (٢٧٤)، والنسائي (٣٥٤)، وابن ماجة (٦٢٣)، وأحمد (٢٦١٧٦)، والدارمي (٧٨٠)، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى.
(٣) في ب: على.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ب: العادة، والعادة.
[ ١ / ١٧٣ ]
وأما أن يقع النسخ به، فلم يَصِر إليه أحد من العلماء، فهذا مما يحتاج الناظر إلى إمعان [النظر] (١) فيه.
وأما رواية ابن وهب فهي مبنية على الاحتياط للعبادة؛ لأن العبادة تجب عليها على قول من يقول: تقعد أيامها المعتادة، وساقط على قول من يقول: تقعد إلى خمسة عشر يومًا، فتوسط بينهما على طريق الاستحباب.
وأما الاستظهار فهو مشهور في المذهب، ضعيف في الحديث، والأصحاب اعتمدوا في ذلك [أثرًا ونظرًا] (٢).
فالأثر ضعيف، والنظر لطيف، وهو قياس الاستظهار على المصرات؛ لأن الشارع جعل هناك أن الثلاثة مما يجعل به التمييز بين اللبن المخزون في الضرع، وبين الحلاب المتم على طبع البهيمة وعادتها في غزارة اللبن، فكذلك ينبغي اعتبار الثلاثة الأيام في حق الحائض حتى يحصل لنا به التمييز بين دم الحيض و[دم] (٣) الاستحاضة، ويتبين لنا هل ذلك عادة منتقلة أم لا.
وهو قيام الشبه، وهو [في نفسه] (٤) ضعيف عند الأصوليين.
فصل
وقد قدمنا أن دم الحيض لا يصح فعل العبادة معه، بل المرأة عاصية بفعلها.
وهل ذلك في كل عبادة أو [في] (٥) بعضها دون بعض؟
_________________
(١) في الأصل: طاهرًا.
(٢) في ب: على الأثر والناظر.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من ب.
(٥) سقط من أ.
[ ١ / ١٧٤ ]
ولا خلاف فيما عدا قراءة القرآن من العبادات البدنية أن الحائض لا تفعلها.
واختلف في قراءة القرآن [ظاهرًا] (١) على قولين؛ والمشهور جوازها.
واختلف فيما إذا كانت حائضًا جنبًا: هل يبقى حكم الجنابة [مع] (٢) الحيض، أو الحكم للحيض دون الجنابة.
وفائدة هذا وثمرته: إذا اغتسلت ناوية لإحداهما [و] (٣) ناسية للأخرى، وأرادت أن تغتسل لرفع [الجنابة] (٤) [عن نفسها] (٥)، إذ المشهور من مذهب مالك: أن الجنب لا يقرأ القرآن بيد أن أهل المذهب اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يقرأ القرآن جملة، وهو المشهور.
والثاني: أنه [يقرأ القرآن] (٦) جملة.
والثالث: التفصيل بين [اليسير] (٧) والكثير؛ فيقرأ اليسير، ولا يقرأ الكثير، وهذا الخلاف نقله [الشيخ أبو الحسن] (٨) اللخمي [ق/ ١٦ أ] و[هو] (٩) الصحيح عن مالك أيضًا أنه قال: حَرصْتُ [على] (١٠) أن أجد رخصة للجنب في قراءة القرآن فلم أجدها، ولا بأس أن يقرأ اليسير
_________________
(١) في الأصل: طاهرًا.
(٢) في أ: من.
(٣) زيادة من ب.
(٤) في ب: الحدث.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ب: يقرأه.
(٧) في أ: القليل.
(٨) سقط من ب.
(٩) سقط من ب.
(١٠) زيادة من ب.
[ ١ / ١٧٥ ]
منه (١).
وأما إذا اغتسلت لأحدهما ناسية للآخر، [هل يجزئ عنهما]؟ (٢).
فإن اغتسلت للحيض ناسية للجنابة: [فذلك] (٣) يجزئ عنهما جميعًا، ويتخرج في المذهب قول [ثان] (٤) بأنه لا يجزئ عن الجنابة.
ويجري الخلاف [على الخلاف فيما] (٥) إذا اتحد المُوجَب وتعدد المُوجِب، هل النظر إلى اختلاف المُوجِب [أو النظر إلى] (٦) اتفاق المُوجَب؟
ولا شك، ولا خفاء أن الجنابة والحيض كل واحد منهما لو انفرد كان موجبًا للغسل على صفة واحدة، فينبغي إذا اجتمعا أن ينوب أحدهما [عن] (٧) الآخر [مثله] (٨) البول والغائط.
وهذا الذي يقتضيه النظر الصحيح.
فإن اغتسلت للجنابة ناسية للحيض: هل يجزئها عن الحيض؟ فالمذهب على قولين قائمين من المدونة (٩):
أحدهما: أنه لا يجزئها، وهو ظاهر قوله في المدونة.
والثاني: أنه يجزئها غسل الجنابة عن غسل الحيض، وهو قول أبي
_________________
(١) النوادر (١/ ١٢٤).
(٢) سقط من ب.
(٣) في ب: فإنه.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: و.
(٧) في أ: إلى.
(٨) في أوب: أصله.
(٩) المدونة (١/ ٢٨).
[ ١ / ١٧٦ ]
الفرج، ومحمد بن الحكم، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" (١) أيضًا في مسألة الشجة إذا كانت في موضع الوضوء، إن غسلها بنية [الوضوء] (٢) يجزئ عن غسل الجنابة.
وقال [القاضي أبو الحسن] (٣) بن القصار: إن الأحداث إذا كان موجبها واحدًا واجتمعت تداخل حكمها.
وسبب الخلاف: ما قدمناه، وله مطلع آخر: هل الحيض أصل، والجنابة في [حكم] (٤) التبع، أو كل واحد منهما أصل في نفسه؛ اعتبارًا بحالة الانفراد؟
فإن أرادت أن تغتسل قبل ارتفاع [دم] (٥) الحيض لترفع عن نفسها حدث الجنابة لتقرأ القرآن: هل يفيدها ذلك [الغسل] (٦) شيئًا ويجزئها أم لا؟ فلا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يطرأ الحيض على الجنابة.
والثاني: أن تطرأ الجنابة على الحيض.
فأما طروء الحيض على الجنابة: فهل يجزئها أن تغتسل وتقرأ القرآن، ويزول عنها [حدث] (٧) الجنابة؟
فالمذهب على قولين:
_________________
(١) المدونة (١/ ٢٨).
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من ب.
(٤) في ب: حيز.
(٥) سقط من ب.
(٦) سقط من أ.
(٧) في ب: حكم.
[ ١ / ١٧٧ ]
أحدهما: أنها تغتسل وتقرأ القرآن، وهو ظاهر "المدونة" (١)؛ حيث قال: لا غسل عليها حتى تطهر من حيضتها إن أحبت.
فظاهر قوله: "إن أحبت" [أنها إن أحبت] (٢) أن تغتسل اغتسلت.
والثاني: أنها لا تقرأ القرآن، وإن اغتسلت، وأن غسلها لا ينوب عنها [ذلك المناب] (٣).
وسبب الخلاف: طروء الحيض على الجنابة: هل يَهْدِمُ أمرها ويُزِيل حُكْمها أم لا؟
فمن رأى أن الحيض لا يزيل حكم الجنابة، يقول: لها أن تغتسل للجنابة لتقرأ القرآن على [القول] (٤) المشهور أن الحائض تقرأ القرآن؛ لأنها مُفَرّطة بتأخير الاغتسال.
وإن لم تُفَرِّط أيضًا، فإن حكم الجنابة مُرَتب عليها قبل دخول الحيض عليها. ثم لا سلطانة له في [إسقاط] (٥) الحكم المُتَقَرِر بالشّرع.
أصل ذلك الصلاة التي زال وقتها و[قد] (٦) تقرر قضاؤها في الذمّة، فإن طُروء الحيض لا يُؤثِّر في [إسقاطها] (٧).
ومن رأى أن الحيض يَهْدِمُ أمر الجنابة ويُزيل حكمها، فيقول: إنها حائض فيجوز لها أن تقرأ القرآن، وإن لم تغتسل.
_________________
(١) المدونة (١/ ٢٩).
(٢) سقط من أ.
(٣) زيادة من جـ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من ب.
(٦) زيادة من ب.
(٧) في ب: سقوطها.
[ ١ / ١٧٨ ]
والقول بأنها لا تقرأ القرآن وإن اغتسلت: قول ثالث [في المسألة] (١) حكاه القاضي أبو بكر بن العربي، وهو قول لا وجه له، ولا دليل عليه، إلا إذا اعتبرنا حكم الحائض على الجملة؛ فقد قيل في أحد الأقوال فيها: أنها لا تقرأ القرآن، غير أنه أورده في محل التحصيل في الحائض الجنب.
وهذا مما يحتاج إلى التأمل والوقوف عليه.
وأما طُروء الجنابة على الحيض، كالحائض تحتلم، أو تتلذذ [بملامسة] (٢) زوجها، أو مِن [جِمَاعِه إياها] (٣) في موضع يجوز له:
وهذا لا خلاف فيه في المذهب نصًا أن الحكم للحيض [ق/١٠جـ] وأن الجنابة الطارئة لا حكم لها؛ لأن مانع الجنابة صادف محلًا مشغولًا بمانع هو [أقوى] (٤) منه.
والدليل على أنه أقوى منه في القطع: اتفاقهم في الجنب أنه مخاطب بالعبادة مع بقاء [جدته] (٥)، واختلافهم في الحائض هل هي مخاطبة بالصلاة والصيام في زمان حيضها أم لا.
و[لا] (٦) يتعد دخول الخلاف فيها بالمعنى أيضًا، حتى يقال: إن حكم الجنابة قائم، وأن [الحيض يمنع من قراءة القرآن لأجلها] (٧)، وأنها تفتقر إلى إحضارها في الذِكْر عند اغتسالها من حيضتها على ما قدمناه.
[والجواب عن الفصل السابع: في معرفة علامة الطهر.
_________________
(١) زيادة من ب.
(٢) في ب: من ملامسة.
(٣) في ب: جماع.
(٤) في أ: أقرب.
(٥) في أ: جادته.
(٦) سقط من أ.
(٧) في ب: الحائض لم تمنع قراءة القرآن لأجلها.
[ ١ / ١٧٩ ]
وللطهر علامتان: الجفوف والقصة البيضاء. واختلف في المذهب أيهما أنقى وأبر للرحم على ستة أقوال:
أحدها: أن القصة البيضاء أبرأ فلا تغتسل بالجفوف حتى تراها إلا أن يطول وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن الجفوف أبرأ فلا تغتسل إذا رأت القصة حتى ترى الجفوف إلا أن يطول عنها، وهو قول محمَّد بن عبد الحكم.
والثالث: أنها تبرأ متى رأت أحدهما طهرت وهو قول ابن حبيب.
والرابع: التفصيل بين المبتدئة والمعتادة. فالمبتدئة لا تطهر إلا بالجفوف ثم تعمل بعد ذلك على ما ظهر من أمرها، وهذا القول حكاه ابن حبيب عن ابن القاسم ومطرف.
والخامس: أنها إن كانت ممن ترى القصة فلا تطهر بالجفوف، وإن كانت ممن ترى الجفوف، فإنها تطهر بالقصة.
والسادس: بعكس ذلك، والقولان حكاهما اللخمي والحفيد في المذهب، والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) سقط من أ.
[ ١ / ١٨٠ ]
المسألة الرابعة عشر
في الحامل: هل تحيض أم لا؟
[فقد] (١) اختلف فيما تراه الحامل من الدَّم، هل هو دَم عِلَّة وفَسَاد أو دم [صِحّة] (٢) وجِبِلّة أو أنها تحيض؟
فذهب مالك (٣) ﵀ إلى أنها تحيض، وهو أحد أقاويل الشافعي، وذهب أبو حنيفة إلى أنها لا تحيض، وبه قال أحمد والثوري [وهذا ظاهر قول ابن القاسم في كتاب "محمَّد" في المعتدة تعتبد بثلاث حيض ثم ظهر بها حمل حيث قال: لو علم أن الأول حيض مستقيم لرجمتها، فنفى عن الحامل الحيض] (٤).
وسبب الخلاف: تعذر الوقوف على ذلك بالتجربة، [واختلاف] (٥) الأمرين، فإنه مرة يكون الدم الذي تراه الحامل دم حيض، وذلك إذا كانت قوة المرأة وافرة، والجنين [ضعيف] (٦).
ومرة يكون الدم الذي تراه الحامل [دم علة وفساد] (٧) لضعف الجنين ومرضه التابع لمرضها، وضعفها [في الأكثر] (٨) فيكون دَم عِلّة وفَسَاد.
_________________
(١) في أ: و.
(٢) في جـ: حيضة.
(٣) المدونة (١/ ٥٤).
(٤) سقط من أ.
(٥) في جـ: واختلاط.
(٦) في أ: صغير.
(٧) سقط من أ.
(٨) سقط من أ.
[ ١ / ١٨١ ]
فهذا مَثَار الخلاف بين العلماء.
ومذهب من يقول: أن الحامل تحيض، ضعيف جدًا؛ لأنه يكر على أصله بالبطلان؛ وذلك أنا نعتقد أن الحيض دليل على براءة الرّحم في غالب الأمر، وتحصل به النُّقية بذلك، وتتزوج المطلقة إذا حاضت ثلاث قُروء، ويأمر للسيد [بالوطء] (١) إذا استبرأت بحيضة.
فإذا قلنا أن الحامل تحيض، فذلك يهدم تلك القاعدة، ويسقط النُّقية بحصول براءة الأرحام بالحيض، وهذا معضل، والكلام في هذه المسألة في موضعين:
[أحدهما: الحامل إذا ولدت ولدًا، وبقى في بطنها آخر.
والثاني: إذا حاضت هل حالها حال الحامل أم حال النفساء.
فالجواب عن الموضع الأول] (٢): الحامل إذا ولدت ولدًا، وبقى في بطنها آخر، هل [حكمها حكم] (٣) الحامل، أو [حال] (٤) النفساء؟
[فالمذهب [فيها] (٥) على قولين منصوصين في "المدونة" (٦):
أحدهما: أن حالها حال النفساء، ولزوجها عليها الرجعة ما لم ينقطع الدم عنها، أو يمضي [عليها] (٧) زمان لا تكون نفساء إلى ذلك الأمد
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: حكمها حكم.
(٤) في ب: حكم.
(٥) سقط من أ.
(٦) المدونة (١/ ٥٤).
(٧) زيادة من ب.
[ ١ / ١٨٢ ]
[كشهرين] (١) على قول، أو الرجوع إلى عادة [النساء] (٢) في الغالب [على قول] (٣).
والثاني: أن حالها حال الحامل؛ ترى الدم على حملها على [الاختلاف] (٤) في ذلك على ما سيأتي بيانه عقيب هذا إن شاء الله.
ولا خلاف أنها إذا جلست [بعد وضع] (٥) الأول أقصى ما يمسك [النفساء] (٦) النفاس على [حسب] (٧) اختلاف قول مالك ثم ولدت.
الثاني: أنها تجلس له ابتداء مثل ذلك.
واختلف إذا ولدت الثاني قبل استيفاء [أكثر] (٨) ما يجلس النساء، هل تبتدئ له أَمَد [النّفاس] (٩) أو تبنى على ما مضى؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" (١٠):
أحدهما: أنها تستأنف، وهو الأظهر، وإليه ذهب أبو إسحاق.
والثاني: أنها تبنى على ما مضى [من الأول] (١١)، وإليه ذهب الشيخ أبو محمَّد، وأبو سعيد البراذعي.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: النسوان.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: الخلاف.
(٥) سقط من أ، ب.
(٦) سقط من أ، ب.
(٧) في أ: حساب.
(٨) سقط من أ.
(٩) في جـ: النساء.
(١٠) المدونة (١/ ٥٤).
(١١) في أ: للأول.
[ ١ / ١٨٣ ]
وسبب الخلاف: [كون الحامل] (١) تجاذبها وصفان، أيهما يغلب.
والجواب عن الموضع الثاني: في الحامل إذا حاضت هل حكمها حكم الحائل أم لا؟
فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة" (٢):
أحدهما: أن حكمها حكم الحائل، وهو قول أشهب.
والثاني: أن حكمها حكم الحامل الحائض؛ لأن الحيض عند ابن القاسم ينقسمن إلى: حوامل و[إلى] (٣) حوائل.
فالحوائل: قد تقدم الكلام [على حالهن] (٤)، [والكلام هاهنا] (٥) في الحوامل، [والحامل] (٦) إذا حاضت [هل] (٧) يكون لها حكم نفسها، فعلى قول أشهب -الذي يقول: أنها كالحائل تحيض- هل تستظهر على عادتها أم لا؟
[فاختلف فيه] (٨) على ثلاثة أقوال، كلها قائمة من "المدونة" (٩):
أحدها: أنها تستظهر، وهو ظاهر قوله في الكتاب حيث قال: "هي كغيرها من النساء".
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) المدونة (١/ ٥٤).
(٣) زيادة من ب.
(٤) في ب: عليهن.
(٥) في ب: وأما.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
(٨) في ب: فالمذهب.
(٩) المدونة (١/ ٥٤).
[ ١ / ١٨٤ ]
والثاني: أنها لا تستظهر، وهو [ظاهر] (١) قوله في الكتاب أيضًا في آخر [الباب] (٢): "تقعد حيضة واحدة".
قال سحنون في غير المدونة: معناه عدد أيامها المعتادة، وظاهره بغير استظهار.
والثالث: التفصيل بين أن تستريب أو لا.
فإن استرابت فلا تستظهر، وإن لم تسترب فلتستظهر.
وهذا يتخرج على الرواية الصحيحة في الكتاب، إلا أن تكون [استرابت] (٣) من حيضتها شيئًا من أول ما حملت هي على حيضتها (٤)، معناه أن الحمل لم يؤثر في زيادة الدم، ولا نقصانه، بل عادتها مستمرة على [عادتها] (٥) قبل الحمل.
[فهذا [هو] (٦) الذي] (٧) يقول [فيه] (٨) أشهب: أنها تستظهر.
واختلف الأشياخ هل يخالفه ابن القاسم في هذا الوجه أم لا؟
فذهب أبو عبد الله التونسي إلى أن ابن القاسم لا يخالف أشهب في ذلك [وذهب التونسي إلى أنه] (٩) خلاف لقول ابن القاسم، وأنها لا تستظهر عند ابن القاسم، وهو الصحيح؛ لانر الناس اختلفوا فيما تراه
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: الكتاب.
(٣) في الأصل؛ استبرأت، والتصويب من المدونة.
(٤) المدونة (١/ ٥٤).
(٥) في ب: ما كان.
(٦) سقط من أ.
(٧) في ب: فهذا التي.
(٨) في أ: فيها.
(٩) سقط من أ.
[ ١ / ١٨٥ ]
الحامل: هل هو حيض أم لا؟ وكان أمر الاستظهار في الحيض الذي لا شك فيه: مختلف فيه؛ ففي الحامل أضعف، فلا تستظهر.
وأما الرواية: إلا أن تكون [استرابت] (١) من حيضتها [شيئًا] (٢) من أول ما حملت، فقالوا: إنها رواية فاسدة؛ لأنها عكس النظر وضد الصواب.
وهو كلام متناقض في نفسه، وعلى قول ابن القاسم الذي يقول: إن حكمها حكم الحامل تحيض.
والحامل عنده منفردة بحكمها، وحكمها في الحيض، وحكم الحائل متغايران؛ فقد اختلف المذهب في حكمها على أربعة أقوال (٣):
أحدها: أنها إن رأت ذلك في شهرين تركت الصلاة خمسة عشر يومًا ونحوها.
وإن رأت ذلك في ثلاثة أشهر، فكذلك أيضًا.
وهو قول ابن اللباد.
والثاني: أنها [إن] (٤) رأته في ثلاثة أشهر تركت [ق/ ١٧ أ] الصلاة خمسة عشر يومًا ونحوها.
فإن رأته في أربعة أشهر تركت الصلاة عشرين يومًا. وهذا قول ابن القاسم في الكتاب.
والثالث: أنها تضاعف الأيام تجلس في أول [شهور الحمل] (٥) أيامها
_________________
(١) في الأصل: استبرأت، والتصويب من المدونة.
(٢) سقط من أ.
(٣) المدونة (١/ ٥٤).
(٤) في ب: إذا.
(٥) في: شهورها.
[ ١ / ١٨٦ ]
وتستظهر، وفي الثاني: تُثنَى أيامها، وفي الثالث: تُثَلّثها، وفي الرابع: تَرَبْعها [بلا استظهار] (١) حتى تبلغ ستين يومًا ثم لا تزيد.
وهذا كأنه يَرى الدّم لَمَّا لَمْ يأت صار كأنه شيء أُحبس، فإذا اندفع حُكم [له] (٢) بالقَدْر الذي كان يجب أن يأتي به في كل شهر؛ لأنه دم أحتبس ثم خرج، وهو قول [ابن وهب] (٣).
القول الرابع: أن تترك الصلاة الأيام التي كانت تحيض قبل الحمل من أول ما بلغت. وهذا القول حكاه ابن لبابة من رواية أصبغ عن مالك.
واختلف في السّنة الأشهر: هل حكمها حكم الثلاثة الأشهر [أم لا] (٤)؟
على قولين:
أحدهما: أن حكمها حكم الثلاثة الأشهر، وهو قول أبي القاسم [بن شبلون] (٥).
والثاني: أن حكم الستة أشهر حكم ما بعدها.
وسبب الخلاف: بين قول ابن القاسم وأشهب في أصل المسألة: النادر هل يعطي له حكم نفسه، أويعطي له [حكم] (٦) غالب جنسه [فأشهب يقول: يعطي له حكم غالب جنسه] (٧).
_________________
(١) في ب: بالاستظهار.
(٢) في أ: لها.
(٣) في ب: ابن حبيب.
(٤) سقط من أ.
(٥) في جـ: ابن شعبان.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ، ب.
[ ١ / ١٨٧ ]
وابن القاسم [يقول: يعطي له] (١) حكم نفسه.
وأما اختلافهم في [التفرقة] (٢) بين أول الحمل وآخره، وكونها تضاعف العدد: إنما هو استحسان جار على غير قياس [تم كتاب الوضوء بحمد الله] (٣).
_________________
(١) في ب: أعطاه.
(٢) في أ: التفريق.
(٣) زيادة من ب.
[ ١ / ١٨٨ ]
كتاب الصلاة الأول
[ ١ / ١٨٩ ]
[بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على محمَّد وآله وسلم] (١).