تحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتها ثلاثُ مسائل:
[المسألة الأولى] في ضمان العارية
ولا يخلو المستعير من وجهين:
أحدهما: أن يدَّعِي فساد الشيء المُعار.
والثاني: أن يدّعي هلاكَهُ وضياعَهُ.
فإن ادعى فسادًا بالشيء المُعار مثل: أن يستعير قياسًا ليعمل به، فأتى به مكسورًا، أو سيفًا ليُقاتل به عدوًا، فأتى به مقطوعًا، فادعى أن فساد ذلك الشيء وكسْرهِ من سبب ما استعارُه له، فهل يُصدّق المستعير أم لا؟ فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أنه لا يُصدّق جُملةً حتى يُقيم البيّنة أنه ضرب به ضربًا يجوزُ له، وهو قولُ عيسى في "العتبية".
والثاني: أنه يُصدّق ولا يضمن إذا أتى بما يُشبه، ويرى أن الكسْر يُصيبَه في ذلك العمل، وذلك لا يخفى، وهو قول عيسى بن دينار، ومطرف، وأصبغ.
والثالث: أنه ضامن، ولا يَصدَّق على حال، وهو قول أشهب في "كتابه".
والرابع: أنه لا يُصدّق، ويكونُ ضامنًا إلا أن يُقيم بيِّنة على ذلك أو عَرف أنه كان معهُ في اللقاء، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
[ ٩ / ٢٥٧ ]
وسبب الخلاف: هل يُقاس عينُ الشيء المعار وتغييبه على ذهاب عينه أم لا؟.
فمن جعل تغييبُهُ كذهاب عينه قال: المستعير ضامن، ومن جعل تغييبُهُ مُخالف لذهاب عينه قال: القول قولُ المُستعير في إسقاط الضمان عنه.
وبقية الأقوال جارية على الاستحسان على غير قياس.
فإن ادعى هلاك الشيء المُستعار وضياعُه، فهل يُصدّق في ذلك أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن المستعير ضامن للعارية، قامت البينة على التلف أو لم تقُم كانت مما يُغابُ عليه أم لا، وهو قول أشهب، وأحد قوليْ مالك، وهو مذهب الشافعي.
والثانى: أنه لا ضمان عليه إلا أن يشترط الضمان، وهذا القول حكاه أبو إسحاق بن شعبان في "الزاهي" وعابهُ.
والثالث: أنه يضمن فيما يُغابُ عليه إلا أن يقوم ببينة على التلف بغير سببه، ولا يضمن فيما لا يغاب [عليه] (١) إلا أن يكون سبب التلف من المُستعير، وهو المشهور من قول مالك، وهو قولُ ابن القاسم في "المدونة"، وهو أصح الأقوال وأوْلى بالصواب على ما نصف.
وسبب الخلاف: تعارُض الآثار وتجاذب الاعتبار.
فأما الآثار: فمنها ما رُوي أن رسول الله - ﷺ - حين أمَّنَ صفوان بن سليم ثم إنه غزى حنينًا، فذكر له [- ﷺ -] (٢) أداة، وسلاح عند صفوان، فأرسل إليه فسأله: "إياها عارية"، فقال صفوان: [أين الأمان] (٣): أتأخذها غصبًا، فقال له رسول الله - ﷺ -: "إن شئت أن تمسك أداتك
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: بن الماهان.
[ ٩ / ٢٥٨ ]
فأمسكها، وإن [أعرتها] (١) فهي مضمونةٌ عليّ حتى ترِد إليك" فقال صفوان: ليس بهذا بأس، وقد أعرتُك يا محمَّد، فبعث إليه بمائة [درع] (٢) وأداتُها -وكان صفوان كثير السلاح- فقال النبي: "اكفِنَا حَمْلَها" فحملها له صفوان (٣).
ورُوي أنه قال له: "أعاريةٌ مضمونة أم عاريةٌ مؤداة"، فقال ﵇: "بل عارية مؤداةٌ مضمونة".
وفي بعض الآثار: "عارية مؤداة".
ومنها: ما رُوي عنه - ﷺ - أنه قال: "ليس على المُستعير ضمان" (٤).
ومنها: ما رُوي عنه أيضًا - ﷺ -[أنه قال] (٥): "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" (٦).
فمن أَخذ بقوله ﵇: "بل عارية مضمونةٌ مؤداة" فقال بضمان العارية جُملة بلا تفصيل، كما به قال أشهب، والشافعي.
ومن أخذ بقوله ﵇: "ليس على المستعير ضمان" فقال: بنفي الضمان جُملةً بلا تفصيل، كما به قال أبو حنيفة، إلا أن يشترطهُ كما حكى ابن شعبان.
_________________
(١) في أ: أعرتنا.
(٢) في ب: درهم.
(٣) أخرجه البخاري (٣٥٦٢)، (٣٥٦٦)، وأحمد (١٥٣٣٧)، (٢٧٦٧٧)، والحاكم (٢٣٠٠)، والدارقطني (٣/ ٣٩)، وصححه الألباني -رحمه الله تعالى.
(٤) أخرجه الدارقطني (٣/ ٤١) بسند ضعيف.
(٥) سقط من أ.
(٦) خرجه أبو داود (٣٥٦١)، والترمذي (١٢٦٦)، وابن ماجة (٢٤٠٠)، وأحمد (٢٠٠٩٨)، وضعفه العلامة الألباني -رحمه الله تعالى.
[ ٩ / ٢٥٩ ]
ومَنْ فصل بين ما يُغاب [عليه] (١) وبين ما لا يُغاب [عليه] (٢) فقد جمل؛ لأنه استعمل جميع الأحاديث ومازجها بوجه من النظر، فيتأول على ما رُوي عنه ﵇ بوجُوب الضمان في العارية فيما يُغابُ عليه، [إذا لم يعلم هلاكه. وما روى عنه من سقوط الضمان فيما لا يغاب عليه] (٣).
وفيما يُغاب عليه إذا عُلم هلاكه يُحمل على أن قولُه ﵇: "بل عاريةٌ مضمونةٌ مؤداة" (٤) من الألفاظ التي لا تستقل بأنفسها، فلا يصحُّ الاحتجاج بها على وجوب الضمان؛ لأن ما لا يستقل بنفسه فوجهُهُ أن يقصرُ على سببه، ولا يُحمل على عمومه، ولا خلاف بين الأصوليين في ذلك، وإنما اختلفوا في اللفظ العام المستقلُّ بنفسِه.
وإنما يصحُّ [الاستدلال] (٥) بظاهر هذا الحديث، [في وجوب] (٦) الضمان؛ لو قال ﵇ مجاوبًا لصفوان؛ إذ قال له: أعاريةٌ مضمونة؟ أو "العارية مضمونة مؤداة".
وأيضًا فإن في مقابلة هذا الحديث ما رُوي عنه قال: "بل عاريةٌ مؤادة"، فنفى الضمان، وأوجب الأداء.
ويتأول أيضًا قوله ﵇: "على اليد ما أخذت حتى تُؤديه" (٧) على بقاء العين، فأمّا مع تَلَفِهِ فلا يصح، ولا يجوز حمله على القيمة؛
_________________
(١) في ب: عنه.
(٢) في ب: عنه.
(٣) سقط من أ.
(٤) تقدم.
(٥) في ب: الاحتجاج.
(٦) في أ: بوجوب.
(٧) تقدم.
[ ٩ / ٢٦٠ ]
لأنه لم [يجد] (١) لها ذكر.
وأما النظر باعتبار العارية [بالإجارة] (٢)؛ لأنه مالٌ مقبوض لمنفعة القابض، وَوَجَبَ ألا يضمن قياسًا على الإجارة؛ لاتفاق الأئمة الثلاثة مالك، والشافعي، وأبو حنيفة أن الإجارة غير [مضمونة] (٣).
فأما [إن اشترط] (٤) المستعير إسقاط الضمان فيما فيه الضمان، أو اشترط المُعير على المستعير إيجاب الضمان فيما لا ضمان فيه.
فإن اشترط المُستعير سقوط الضمان فيما فيه [الضمان] (٥)، فهل يُوفّى له بعُهدةِ شرطهِ، أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الشرط باطل، والضمان لازم، وهو قول ابن القاسم في بعض المدونة، وهو قول أشهب، وابن القاسم في "العتبية".
والثاني: أنه يُوفى له بعُهدة شرطه، ويُسقط عنهُ الضمان، وهو قولُ أشهب في الصانع يشترط الإضمان عليه أنّ شرطهُ جائز، ولا ضمان عليه، فإذا أسقط الضمان عن الصُنّاع بذلك الشرط، فأحرى أن يُلزم في المستعير إذا أعارهُ على أن لا ضمان عليه؛ لأنه قد فعل المعروف معهُ من جهتين:
وينبني الخلافُ على الخلاف: فيمن أسقط حقًا قبل وُجوبهِ، هل
_________________
(١) في أ: يجب.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: أن يشترط.
(٥) سقط من أ.
[ ٩ / ٢٦١ ]
يسقط أم لا؟ والقولان [في ذلك] (١) في المذهب.
فإن اشترط المُعير على المُستعير إيجاب الضمان فيما لا ضمان فيه، أو مع قيام البيّنة فيما يُغاب عليه، فهل [يوفي] (٢) له بمقتضى الشرط أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن الشرط باطل والضمان ساقط، وهو قول ابن القاسم في المدونة، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنه إن كان شرط عليه الضمان لأمرٍ خافهُ من طريقٍ مُخوِّفة أو نهرٍ أو لصوص أو ما أشبه ذلك، فالشرط لازم إن عطبت في الأمر الذي خافهُ، واشترط الضمان من أجلِه، وهو قول مطرّف في "الواضحة".
وسبب الخلاف: اختلافهم في الشرط هل يُخرج العارية عن سنتها أو لا؟
فمن رأى أن يُوفِّي بمقتضى الشرط قال [: يخرجها عن سنتها الشرط، ومن رأى أنه لا يوفى بمقتضاه قال: يبطل الشرط، ولا يوفى بمقتضاه لأنه] (٣) يُخرج العارية عن سنتها.
وقال بعض المتأخرين: وينبغي إذا اشترط المُعير على المستعير الضمان فيما لا يُغابُ عليه، فأبطل ذلك الشرط بالحُكم عن المُستعير أن يلزمُهُ إجارة المثل في استعماله العارية؛ لأن الشرط يُخرج العارية عن حُكم العارية، وسنتها إلى باب [إجارة] (٤) الفاسدة؛ لأن رب الدَّابة لم يرض أن يُعيرُه إياها إلا بشرط أن [يحوزها] (٥) في ضمانه، فهو عوضٌ مجهول يُردُّ إلى
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من ب.
(٥) في ب: يحرزها.
[ ٩ / ٢٦٢ ]
المعلوم.
فإذا وجب ضمان العارية على المستعير، فإنما يضمن قيمة الرقبة يوم انقضاء أجل العارية على ما نقصها الاستعمال المأذون فيه بعد يمينه: لقد ضاعت ضياعًا لا يقدرُ فيه على ردها؛ لأنه يتهم على أخذها بالقيمة بغير رضا صاحبها.
وعلى القول بأنه لا ضمان عليه فيما لا يُغاب عنه، فإن استعار دابة بعدتها ثم ادعى ضياعها، فإنه يصدُق في عينِ الدابة، ولا يُصدّق في سرجها ولجامها؛ لأن ذلك مما يُغاب عليه.
فإذا ردّ المستعير الدابة [المستعارة] (١) مع عبده أو أجيره أو جارهِ؛ فعطبت أو ضلّت فلا ضمان على المستعير، ولا على الرسول؛ لأن شأن الناس [على ذلك] (٢) أن يردّوه مع الذي [عندهم] (٣) من عبدٍ أو أجير، وإن لم يُعرف ضياع ذلك إلا من قول الرسول، فلا يُصدّق، وهو قول مُطرف، وابن الماجشون في "الواضحة".
وأُجرة حمل العارية على المستعير قولًا واحدًا.
والدليل قوله - ﷺ - لصفوان في السلاح الذي أعَارَهُ إياه: "اكْفِنا حملها" (٤).
وفي أُجرة ردِّها قولان:
فقيل: على المُستعير، وهو الأظهر.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) في ب: يرسله.
(٤) تقدم.
[ ٩ / ٢٦٣ ]
وقيل على المُعير؛ لأن العارية معروف، فلا يُكلّف أجرًا بعد معروفٍ صنعَهُ [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من ب.
[ ٩ / ٢٦٤ ]
[المسألة الثانية] فيمن استعار عرصة ليبنِي فيها أو يغرس، ثم أراد إخراجه
ولا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يضرب لعاريته أجلًا.
والثاني: أن يُعيره ولا يضرب لذلك أجلًا.
فإن ضرب لعاريته أجلًا، فليس له إخراجَهُ حتى يحلّ الأجل؛ وسواء رام ذلك قبل أن يبني ويغرس أو بعد ما بني وغرس.
فإذا حلّ أجل العارية أو أراد المستعير أن يخرج قبل الأجل، فإنه يخرج، وهل يُعطيه المُعير قيمة عملهِ قائمًا أو منقوضًا؟ فالمذهب على قولين قائمين من المُدونة:
أحدهما: أنه يُعطيه قيمتُه منقوضًا، ويأمرُه بقلعِه، وهو نصُّ قول ابن القاسم في المُدونة.
والثاني: أنه يُعطيه قيمتهُ قائمًا، وهو قول المغيرة، وابن كنانة، ومطرف، وابن الماجشون، وروايتهم عن مالك؛ على ما حكاه سحنون في "العتبية"، وابن حبيب في "الواضحة"، ووقع في بعض نسخ "المُدونة" في رواية ابن هلال: أنه يأخذ قيمتهُ ولم يذكر منقوضًا، وظاهره قائمًا.
فإن لم يضرب لعاريته أجلًا، فرأى إخراجه، فلا يخلو من أن يرومُه قبل أن يبني، ويغرس أو بعد ما بَنى.
فإن رامُه قبل أن يبني ويغرس، فلِلمُعير إخراجه.
[ ٩ / ٢٦٥ ]
وإن كان ذلك بعد ما بني، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك بعدما مضى من الزمان ما يُعار إلى مثلهِ.
وإما أن يكون قبل أن يمضي ذلك.
فإن كان بعدما مضى من الزمان ما يُعار إلى مثله، هل يُمكَّن من ذلك أم لا؟ فالمذهب على خمسة أقوال:
أحدها: أن ذلك له، ويُعطيه ما أنفق، وقيمة ما أنفق على اختلاف الواقع في "الكتاب" على ما سنبين توجيهه إن شاء الله، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه لا يُمكَّن من إخراجه، وإن أعطاهُ ما أنفق حتى يمضي من الزمان ما يعارُ إلى مثله من الأمد، وهي رواية الدمياطي عن ابن القاسم في "العتبية".
والثالث: أن له إخراجه فيما قرُب أو بعُد؛ لأنه فرّط إذ لم يضرب أجلًا، ويُعطيه ربُّ الأرض قيمة ذلك مقلوعًا ويأخذُهُ، أو يأمرُهُ بقلعِه، وهو قولُ أشهب في "كتابه".
والرابع: التفصيل بين أن يكون ذلك لحاجته إلى عرصته أو إلى بيعها [لا] (١) لشرٍ وقع بينهما، فيجوز ذلك له. وإن كان لغير حاجة و[لكن] (٢) لشر وقع بينهما، فليس ذلك له، وهي رواية الدمياطي عن أشهب في "العتبية".
والخامس: التفصيل بين أن يكون ذلك قبل أن يسكُن فلا يُخرجه، وإن أعطاهُ قيمتهُ قائمًا إلا برضاه، أو يكون ذلك بعد أن سكن، فله إخراجه، وهو قولُ أصبغ، وبه أخذ يحيى بن عمر. فإن بنى وغرس على أنه إذا
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ٢٦٦ ]
حلّ الأجل ترك الغرس، والبناء لرب الأرض، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يُعيرُه على أنهُ إذا [حل الأجل] (١) خرجَ وتَرَكَ [الغرسَ والبناء] (٢) لربِّ الأرض.
والثاني: أن يُعيرَهُ على أنه إذا دخل الأجل أخذ قيمتهُ قائمًا.
والثالث: أن ينبني على أنهُ إذا حلّ الأجل قَلَعَ غرسهُ، ونقض بنيانهُ، وترك عرصته.
فأما الوجه الأول: إذا أعارهُ على أنّهُ إذا خرج ترك البناء، والغرس لربِّ الأرض، فلا يخلو من أربعة أوجه:
أحدها: أن يضرب لعاريته أجلًا ويُبين البناء.
والثاني: أن يضرب الأجل، ولم يُبين البناء.
والثالث: أن يبين البناء، ولم يضرب الأجل.
والرابع: ألا يُبين [البناء] (٣)، ولا يضرب الأجل.
فأما إذا ضرب لعاريته أجلًا وبيّنَ البناء، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون [الأجل] (٤) قريبًا أو بعيدًا.
فإن كان قريبًا مما يجوز للبائع أن يستثنى سكناه إذا باع [داره] (٥)، ولا يتغير البناء إلى ذلك الأمد [فإنه حوز قولًا واحدًا، فكأنه المعير قد أكرى أرضه إلى الأمد] (٦) المضروب لذلك البناء.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: القيمة.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: الأمد.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٩ / ٢٦٧ ]
فإن كان بعيدًا مثل عشر سنين وما قاربها، فلا يخلو من بنَّاهُ من البنيان من أن يتغير إلى ذلك الأمد أو لا يتغير، فإن كان يتغير إلى ذلك الأمد؛ فإن ذلك لا يجوز، ولا يدري كيف يصير البناء في هذا الأمد، وهو مذهب "الكتاب"؛ لأنه ذكر في السؤال عشر سنين.
فإن كان البناء لا يتغير إلى ذلك الأمد، مثل: أنْ يصِف [بناء] (١) مُتقنًا لا يُمكن تغييرهُ هذا الأمد، جاز ذلك، وهو تأويل ما في "المدونة".
وإذا ضرب الأجل، ولم يُبين البناء أو بيّن البناء، ولم يضرب أجلًا، أو لم يُبين البناء، ولا ضرب أجلًا، كان ذلك فاسدًا قولًا واحدًا، وهل يُفسخ ذلك بينهما في الحال أو يمضي ذلك إلى أجله بالقيمة؟ فلا يخلو من أن يعثُر على ذلك قبل أن يبنى أو بعد ما بَنَى.
فإن عُثر على ذلك قبل أن يبنى، فإنه يُفسخ قولًا واحدًا.
فإن عُثر على ذلك بعدما بني، فهل يفوت بالبناء أو يُفسخ أم لا؟ على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنه يُفسخ، ويكون النقض للباني، وعليه كراء القاعة، ويُخير عليه المُعير إن شاء أمرُه بقلعه، وإن شاء أعطاه قيمتهُ منقوضًا، وهو قول ابن القاسم [في الكتاب] (٢) في "كتاب العارية".
والثاني: أنه يفوت بالبناء، ولا يفسخ، ويسكن إلى الأمد المضروب أو [إلى مثله] (٣) إن لم يضربا أجلًا، وعليه كراء المثل، وهو قوله فيمن أكرى كراءً فاسدًا، فبنى أنّ لهُ السُكنى إلى المُدة، وعليه كراء المثل.
_________________
(١) في ب: بنيانًا.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: إلى ما يعار إليه.
[ ٩ / ٢٦٨ ]
وينبني الخلاف على الخلاف في الأصول، هل هي قابضة على ملاكها أم لا؟
فمن رأى أنها قابضة على ملاكها قال: إنه يفوتُ بالبناء، وله السُكنى إلى الأمد.
ومن رأى أنها غير قابضة على ملاكها قال: بفسخه ولا يسكُن؛ لأن رب الأرض لم [يقبض] (١) البنيان بعدُ فكأنه باقٍ في يد بائعهِ.
وأما الغرس: إذا أعارُه أرضه على أن يغرس فيه المُستعير إلى أجل كذا، فإذا حلّ الأجل كان الغرس للمُعير، فهل يجوز ذلك أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنّ ذلك لا يجوز، وهو قول ابن القاسم في كتاب [كراء] (٢) الدُور والأرضين.
والثاني: أن ذلك جائز، وهو قولُ أشهب في: الكراء [إذا] (٣) اكترى الأرض على أن يغرس فيها شجرًا على أن يكون لربِّ الأرض إذا حلَّ الأجل قياسًا على البُنيان. وعلى القول بأن ذلك لا يجوز، واختلف في علِّته على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن العلة في ذلك غرره؛ إذ لا يدري هل يُسلِّم الشجر إلى ذلك الأجل أم لا؟ وبهِ علل في [الكتاب] (٤).
والثاني: أن العلة في ذلك كراء الأرض بالطعام.
_________________
(١) في أ: يمض.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: الكتب.
[ ٩ / ٢٦٩ ]
والثالث: أنّ العلة في ذلك بيع الطعام قبل بُدوّ الصلاح.
وينبني الخلافُ فيها على الخلاف في المغارسة الفاسدة: هل الشجر فيها على ملكِ الغارس أو على ملك رب الأرض؟
فمَنْ علّل المنع بأن ذلك كراء الأرض بالطعام، فقد [جعل] (١) الشجرة على ملك الغارس؛ إذ قد يعطيها، وفيها ثمر، فيصير قد اكترى الأرض بالطعام، وهو مذهب ابن القاسم الذي يقول في المغارسة الفاسدة أنّ الشجر على ملك الغارس.
ومَنْ علّل بأنهُ يبيع الثمر قبل بُدوّ [صلاحه] (٢) جَعَلَ الغرسَ لربِّ الأرض؛ لأن أرضهُ قابضة له بوضع العامل ذلك فيها، ويكون للعامل قيمتهُ يوم وضعهُ في الأرض، فصار ربُّ الأرض أعطى للعامل في [إجارته] (٣) ثمن هذا الغرس قبل أن يَبدو صلاحهُ [وذلك بيع الثمر قبل بدو صلاحه] (٤) [وهذا] (٥) مستوعب في "كتاب كراء الأرض" في مسألة مفردة.
فأما الوجه الثاني: إذا بني على أنهُ إذا حلّ الأجل أخذ قيمتَه قائمًا، فإن ذلك لا يجوز، كأنه أكرى الأرض تلك المُدّة بما يُغادر فيها من البناء بقيمته، يوم يتركهُ، وهذا من الغَرَر وسلف جر منفعة، وهو قول مطرف، وابن الماجشون في "الواضحة" وبه قال أصبغ، فإذا بني على هذا، فَلَهُ قيمة بنيانه قائمًا يوم فرغ منه أو ما أنفق فيه، ثم يكون لرب العرصة قيمة كرائها مبنية من يوم سكن، وهو قول من ذكرنا.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: صلاحها.
(٣) في ب: أجرته.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: وفيها.
[ ٩ / ٢٧٠ ]
وأما الغرر فظاهر؛ إذ لا يدري كيف يصير البناء عند حلول الأجل، وأما كونُه سلفًا جرّ نفعًا، فلكون الغارس وجبت له القيمة بنفس ما فرغ من البناء على ربّ الأرض، فتأخيرُه إياه بتلك القيمة إلى الأجل سلفٌ منه لرب الأرض، وجرّ به نفعًا وهو استنفاعه بالأرض إلى الأمد المضرب.
وأما الوجه الثالث: إذا بني على أنه إذا حلّ الأجل، قَلَعَ بُنيانه وفرغ العَرَصة لربها، فالشرط باطل، فإن ذلك من باب الضرر، وإنما يأخُذ قيمتُه باختيار ربّ العرصة، وهو قول مطرف، وابن الماجشون.
واختلف هل يأخذ قيمتهُ منقوضًا أو قائمًا على قولين:
أحدهما: أنه يأخذ قيمتهُ منقوضًا، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه يأخذ قيمتهُ قائمًا، وهو قول مطرف، وعبد الملك.
وقد اختلف المتأخرون في تأويل قوله في المُدونة: "يغرم ما أنفق"، وفي موضع آخر: يغرم قيمة ما أنفق.
فمنهم من قال: إن ذلك اختلاف [قول] (١) وهو أسعد بظاهر الكتاب.
ومنهم من قال: إن ذلك اختلاف حال، فيكون قولهُ "يغرم ما أنفق" إن كان تولّى العمل بنفسه، ولم يستأجر عليه، ولا اشترى أنقاضًا، وإنما أخرجها من عنده.
والتأويل الثاني: أظهر في المعنى، وقد قيل غير ذلك، والتأويلات أقرب [وأشبه في الظاهر والمعنى، والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) في أ: من القول.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ٢٧١ ]
المسألة الثالثة في اختلاف المُعير والمستعير وشهادة الرسول في ذلك
واختلافهما يرجع إلى اختلاف المُتكاريين، وقد استوفينا الكلام عليه في "كتاب الرواحل والدواب"، ونُفرد الكلام هاهنا على فصلٍ لم نتكلم عليه هناك، وذلك: إذا بعَث رسولًا إلى رجل يُعيرُه دابة يركبُها إلى "برقة"، فأعارَه فركبها المُستعير إلى "برقة" فعطبت، فقال المُعير: إنما أعرتُهُ إلى فلسطين.
فلا يخلو الرسول من أن يُقرَّ بالتعدِّي أو لا يُقر.
فإن أقرَّ بالتعدي واعترف بأنه قال لربّ الدابة غير ما أمرهُ به المُستعير، فلا تخلو المسافتان من أنْ تتساويا في السهولة، والوُعورة أو تختلفا.
فإن تساوت، فلا ضمان على واحدٍ منهما، لا على الرسول، ولا على المستعير؛ لأن المُستعير نفسُه لو أصرفها إلى غير المسافة التي استعار إليها، وكانت مثلَها لسقَطَ عنهُ الضمان.
وإن اختلفت في السهولة والمرونة، وكانت التي ركبها فيها أشق من التي أذن فيها المُعير، فالرسول ضامن لقيمة الدابة دون المستعير.
فإن لم يعترف الرسول بالتعدِّي، والمُعير، والمُستعير قد اختلفا، فإن تساوت المسافتان، فلا ضمان على المستعير.
وإن كان مسافة الركوب أشق، فلا يخلو اختلافهما من أن يكون قبل الركوب أو بعد الركوب.
فإن كان قبل الركوب، فالقولُ قول المُعير مع يمينه قولًا واحدًا.
[ ٩ / ٢٧٢ ]
وإن كان بعد الركوب، وعطبت الدابة، فالقول قول المستعير في إسقاط الضمان عن نفسه، وهل يلزمهُ كراء ما بين المسافتين أم لا؟ فالمذهب على قولين [قائمين] (١) من المدونة:
أحدهما: أنه لا كراء عليه، [وهو قول ابن القاسم في "المدونة"] (٢) [فيما] (٣) وجدهُ في "مسائل عبد الرحيم" في "كتاب العارية" من "المدونة".
والثاني: أنه يلزمُهُ كراء [ما] (٤) بين المسافتين، وهو قول سحنون في بعض روايات "المُدونة"، وإن القول قول المُستعير في إسقاط الضمان عن نفسه، والقول قولُ المُعير في وجوب الكراء له، وهو قول أشهب في "مدونته"، وبه أخذ ابن حبيب.
وعلى القول بأن المُعير يأخذ الكراء، هل يأخذُهُ بيمين أو بغير يمين؟
فإن قامت له البينة أن الرسول قال له: إلى فلسطين، فيأخذهُ بغير يمين، وإن لم تقُم له بيّنة فلا يأخذُه إلا بيمين سواءً صدّقهُ الرسول أو كذّبهُ، ولا يُنظر إلى شهادة الرسول [لواحد منهما] (٥) [والحمد لله وحده وصلى الله على محمَّد] (٦).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) في ب: في.
(٤) سقط من ب.
(٥) سقط من أ.
(٦) زيادة من ب.
[ ٩ / ٢٧٣ ]
كتاب اللقطة
[ ٩ / ٢٧٥ ]