تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها [إحدى عشرة] (١) مسألة:
المسألة الأولى
في اشتقاق العتق، والأسباب التى يلزم بها.
والعتق عبارة عن ارتفاع الملك عن العبد، ولذلك سميت الكعبة بالبيت العتيق، لأنه لم يملكه أحد من الجبابرة.
وقد يكون اشتقاق العتق من الجود والكرم، منه سمى الفرس العتيق إذا كان سابقًا، وعتق الرجل كرمه، فكان العبد لما زال عنه الرق، ولحق بالأحرار وتم فصله سمى عتيقًا.
وهو من أفضل أعمال البشر، وأجل نوافل الخير، وهو ينقسم إلى:
واجب وتطوع.
فالواجب قد يكون بعشرة أسباب:
السبب الأول: بالتزام الرجل ذلك نفسه، وتبتله عتق عبده ابتداءً.
والسبب الثاني: أن ينذر ذلك بأمرٍ كان أو يكون أو بالحنث أو غيره.
والسبب الثالث: أن تحمل [أمَتَهُ منهُ] (٢).
والرابع: أن يعتق بعض عبده، فيُكمل عليه باقيهِ.
والخامس: أن يُمثل بعبده مثلة ظاهرة.
_________________
(١) في أ: أحد عشر.
(٢) في هـ: تقديم وتأخير.
[ ٥ / ١٤٣ ]
والسادس: أن يقتل نفسًا خطأ.
والسابع: وطء المتظاهر.
والثامن: كتابة العبد.
والتاسع: مقاطعة العبد على مال.
والعاشر: أن يعتق عليه.
وأما التطوع فهو ما يوافقه الإنسان ابتداءً من غير تقدم سبب أوجبه.
واختلف فيما إذا كان ينذر من غير سبب، كقوله: لله علىَّ عتق رقيقى [هل] (١) الأصل يجبر على عتقهم أو يؤمر؟
قولان قائمان من "المُدوّنة":
أحدهما: أنه يؤمر، ولا يخير، وهو قوله في "كتاب العتق الأول".
والثانى: أنه يجبر، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب الهبات"، إذا تصدق على معين في غير يمين، حيث: قال إنه يجبر والمتصدق عليه معين في غير يمين في كلا الموضعين، وهو قول أشهب في "مسألة العتق" في غير "المُدوّنة".
وقد قيل: "إن ذلك اختلاف يرجع إلى حال، وأن ابن القاسم إنما قال: يؤمر إذا قال: أنا أفعل، لينال مقصودة من الأجر والقربة لأن الخبر ينافى الثواب المترقب، حتى إذا ظهر وتحقق أنه لا يفعل فخير حينئذٍ، كما قال أشهب.
والحمد لله وحده.
_________________
(١) في أ: هو.
[ ٥ / ١٤٤ ]
المسألة الثانية
إذا قال: عبيدى أحرار، ففى ذلك ثلاثة أسئلة:
الأول: إذا قال: رقيقى أحرار.
والثانى: إذا قال: ممالكى أحرار.
والثالث: إذا قال: عبيدى أحرار.
فالجواب عن السؤال الأول: إذا قال: رقيقى أحرار، فلا خلاف عندنا في المذهب أن الإناث يدخُلن تحت لفظه، إذ ليس في كلام العرب صيغة ينفردن بها في هذا اللفظ، فإذا قال: رقيقى أحرار عتق عليه جميعُ ما عندهُ مِن الذُكران والإناث، ولا يصدق إذا ادعى أنهُ أراد الذكران دون الإناث.
والجواب عن السؤال الثاني: ممالكى أحرار هل [يتناول] لفظه [الذكور] (١) [و] (٢) الإناث أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن الإناث يدخلن تحت لفظه، وهو قوله في "المُدوّنة".
والثانى: أن الإناث [لا] (٣) يدخلن، وأن اللفظ لا يتناولُهُنَّ.
والقولان لسحنون في "العُتبيَّة".
وسبب الخلاف هل تغلب الدلالة العُرفية على الدلالة الوضعية أم لا؟ و[ذلك] (٤) أن عرف الاستعمال في المماليك يشمل الذكور والإناث،
_________________
(١) في جـ، ع، هـ: الذكران.
(٢) في أ: دون.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٥ / ١٤٥ ]
حتى [لا يعقل] (١) من لفظ [من تلفظ] (٢) [بهذا] (٣) إلا العموم والشمول.
وأما الدلالة الوضعية: [فمعلوم] (٤) من مواصفات العرب، إفراد كلِّ واحدٍ بصفته، فنقول: مملوك ومملوكة، وهذا على القول بأن اللغة [إنما] (٥) تؤخذ اصطلاحًا، وهي مسألة اختلف فيها الأصوليون.
والجواب عن السؤال الثالث: إذا قال عبيدى [أحرار] (٦) فهل يندرج الإناث تحت [اللفظ] (٧) أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين في "المُدوّنة":
أحدهما: [أن الإناث] (٨) لا يدخُلن تحته، وهو ظاهر قوله في "كتاب العتق الأول" حيث قال: "كل عبدٍ اشتريته أو كل جارية" اشتريتها، فهي حرة، وهو ظاهر قوله في "كتاب الصيام" من "المُدوّنة" [في قوله] (٩) شهادة العبيد والإماء، هل تجوز بانفراد كل واحد منهما بصيغته، ويشهد لهذا القول منِ كتاب الله تعالى: ﴿مِنْ عِبَادِكم وَإِمَائِكُمْ﴾، وقال أيضًا: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ [البقرة: ٢٢١].
والقول الثاني: أن الإناث يدخلن تحت لفظة العبيد، وهو ظاهر قوله في
_________________
(١) في هـ: لعقل.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ، جـ: بها.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ: الذكران.
(٨) في أ: أنه.
(٩) سقط من أ.
[ ٥ / ١٤٦ ]
"كتاب القذف" من "المُدوّنة": في العبد والأمة إذا أُعتقا، فقال لهما رجل: زنيتما في حال العبودية، حيثُ قال: لا حدَّ عليه إذا أقام البينة أنهما زنيا، وهما عبدان، ويدلُّ عليه من كتاب الله تعالى قولهُ: وما ربك بظلام للعبيد ولا خلاف بين الأمة أن ذلك عام في الجميع، ومصداق ذلك أيضًا أن العرب تقول للأمة عبدة.
ولهذا اتفق العلماء في قوله ﵇ "من أعتق شركًا له فى عبد" أن الأمة في معنى العبد، إما لاشتراكهما في [الصفة] (١) كما قال بعضهم، وإما لكونه قياسًا على الأصل، وهو مذهب حُذَّاق الأصوليين. [وإلى] (٢) أن لفظ [العبيد] يتناول الذكور والإناث ذهب فضل بن سلمة واعتمد ما استقرأ من "كتاب القذف"، ولا معتمد له فيه، [لأن قوله] (٣): وهما عبدان من باب تغليب المذكر على المؤنث إذا اجتمعا.
وسبب الخلاف: ما تقدم من الدلالة العرفية والوضعية أيهما يغلب.
والحمد لله وحده.
_________________
(١) في أ: الصيغة.
(٢) في هـ: على.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ١٤٧ ]
المسألة الثالثة
إذا قال: كل عبدٍ أمْلُكُه أو أشتريه فهو حُر ولا يخلو ذلك من ثلاثة أوْجه:
أحدها: أنْ يُعبر بلفظ الاستقبال.
والثانى: أن يعبر بلفظ يقتضى [الحال] (١).
والثالث: أن يعبر بلفظ مشكل [مضارع] (٢) للحالتين.
فأمَّا الوجهُ الأول: إذا عبر بلفظ يقتضى الاستقبال أو [ما] (٣) في معناه، مثل قوله: كلُّ عبدٍ أملكُهُ فيما أستقبل. أو غدًا أو أبدًا، وقال: أكتسبهُ أو أستفديه أو يدخُل في ملكى أو أملكه إلى شهر أو سنة.
فلا خلاف في هذا الوجه أنَّهُ لا يدخل فيه ما في ملكه، وإنما يلزمه في الاستقبال [مع] (٤)، التخصيص إمَّا بالزمان أو بالبلدان وإما بالجنس والأعيان، [ويسقط] (٥) مع الشمول والعموم، لأن ذلك من باب تضييق الواسع وسد باب الإباحة.
وأما الوجه الثاني: إذا عبر بلفظ الحال، مثل قوله: كل عبد أملكه الآن، أو ملكته، أو في ملكى، أو تحت يدي، أو عبدي، أو عبيدي، أو مماليكي، أو رقيقي، فلا خلاف في المذهب أنهم يدخلون في اليمين ويعتقون عليه، دون ما يستأنف تملكه بعد اليمين. وأما
_________________
(١) في أ: الاستقبال.
(٢) في أ: مطاوع.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: وليقص.
[ ٥ / ١٤٨ ]
الوجه الثالث: إذا عبر بلفظ مشكل مضارع للحالتين حالة الماضي وحالة الاستقبال.
والمضارع في وضع اللغة: المشابهة، كقوله: كُلَّ عبد أملُكُهُ أو أشتريهِ، هل يختص بالحال أو بالاستقبال أو يعم الوجهين؟
فعلى هذا الاحتمال تتخرج أجوبة الكتاب، وعليه يتنزل تأويل ما تأول فيه من الاضطراب، هل إنما اختلف الجواب لأجل اختلاف السؤال أو لأجل اختلاف الأحوال أو إنما هو اختلاف أقوال؟
فمرَّه جعله للحال خصوصًا، وهو قوله: [إذا قال: إن: دخلت الدار فكل مملوك أملكه أبدًا فهو حرٌّ فدخلها فقال: يعتق عليه إذا حنث إلا فيما عنده يوم حلف ومرة جعله للاستقبال [خصوصًا] (١) وهو قوله] (٢).
إن كلمت فلانًا أبدًا، فكل مملوك أملكه من [الصقالبة] فهو حر، قال: فذلك عليه عند مالك إذا كلم فلانًا، فكل مملوك يملكه بعد ذلك من الصقالية حر، قال: ذلك عليه عند مالك إذا كلم.
وقوله: "بعد ذلك" يريد بعد يمينه، يشعر بأنه لا شىء عليه فيما عنده من الصقالبة قبل يمينه، وهذا ظاهر قوله في "الكتاب".
ومرةً يرى أن قوله: أملُكُهُ أو أشتريه يعم الوجهين وهو قوله في "الكتاب" إذا قال: كل عبد أملكه فهو حر. أو قال: كل جاريةٍ أشتريها فهي حرة. فلا شىء عليه، لأنه قد عم ومفهوم قوله: أنه لو خص ذلك بزمان أو بمكان أو بجنس للزمه العتق فيما عنده قبل يمينه، وفيما يملكه بعد
_________________
(١) في هـ: خلوصًا والمثبت من جـ وهو الصواب.
(٢) سقط من أ.
[ ٥ / ١٤٩ ]
يمينه. وعلى هذا تأويل بعضهم "مسألة الصقالبة" وقال: معناها لم يكن عنده صقلبى، ولو كان عنده لعتق.
ومن المتأولين من جعل ما في الكتاب اختلاف سؤال، وأن الأبد عند مالك عائد على دخول الدار، وعند أشهب عائد "على الملك وإن كان كل واحد منهما تكلم على ما لم يتكلم عليه الآخر، ولاسيما [على نقل أبى سعيد] (١) [البراذعى] (٢) [في التهذيب] (٣).
وفي الرواية الصحيحة، رواية يحيى بن عمر أن "أبدًا" في الدخول لا في الملك، وأنه لا تأثير له في الفقه أيضًا في إثباته الدخول ولا في إسقاطه، وإنما تأثيره إذا كان عائدًا على الملك في الإثبات والإسقاط.
وهكذا اختلفت أجوبة ابن القاسم في "المُدوّنة" أيضًا في دخول الدار.
وكلام زيد في مسألة الصقالبة: إما أن يحمل على أنه اختلاف سؤال.
وفي بعض روايات "المُدوّنة": فكل مملوك أملكُهُ بعد ذلك. حكاها ابن أبي زمنين، فعلى هذا يكون اختلافُ سؤال فلا إشكال، ويحمل على أنهُ اختلاف [حال] (٤) [على] (٥) الرواية المشهورة، كُلَّ مملوك أملُكُهُ مِن الصقالبة بهد ذلك. بإسقاط "بعد ذلك" الذي هو للاستئناف.
أو يحمل [جوابه] (٦): في "مسألة الصقالبة" على أنه لم يكن عنده
_________________
(١) في هـ: على ما نقل أبو سعيد.
(٢) سقط من هـ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: في.
(٦) في أ: قوله.
[ ٥ / ١٥٠ ]
يوم اليمين عبد صقلبى، ولو كان عنده لعُتق مع ما يملكه في المستقبل لأنَّ يمينه على الخصوص، كما لزمهُ العتق فيما عنده في مسألة الدخول، وإلى هذا التأويل مال أكثر شيوخ المتأخرين.
ومنهم من حمل الكلام على ظاهره، وجعل ذلك اختلاف قولٍ واضطراب رأى، وهو الصحيح، وهو مذهب سحنون فيها أملكُهُ أن ذلك للاستقبال.
فيتحصَّل مِن الكتاب على هذا التأويل إذا قال: كُلُّ عبد أملكه أو أشتريه، ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّهُ للحال خاصة، وهو قوله في مسألة الدخول.
والثانى: أنَّهُ للاستقبال مجردًا، وهو قولُهُ في مسألة الصقالبة.
والثالث: أنه للعموم في الحال والاستقبال، وهو قوله في "الكتاب" كُلُّ عبد أملكه أو كل جارية أشتريها فهي حُرَّة، [حيث] (١) قال: لا شىء عليه، لأنَّهُ قد عمَّ.
وظاهر قوله أنَّهُ لا شىء عليه لا في الحال ولا في الاستقبال.
[لأجل العموم. مفهومه أنه لو خص ألزمه فيما عنده وفيما يملك] (٢) والحمد لله وحده على كل حال.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٥ / ١٥١ ]
المسألة الرابعة
إذا قال: إن كلمت زيدًا، فعبدى فلان حر.
فلا يخلو من أن يحنث قبل أن يخرجه من ملكه أو بعد أن أخرجه من ملكه.
فإن حنث قبل أن يخرجه من ملكه عتق عليه، بلا خلاف.
فإن حنث بعد أن أخرجه من ملكه، ثم عاد إليه بعد ذلك، فلا يخلو من أربعة أوجه:
أحدها: أن يخرج العبد من يده اختيارًا [وعاد إليه اختيارًا] (١).
والثانى: أن يخرج من يده اضطرارًا، وعاد [إليه] (٢) اضطرارًا.
والثالث: أن يخرج من يده اضطرارًا، وعاد إليه اختيارًا.
والرابع: أن يخرج من يده اختيارًا، وعاد إليه اضطرارًا.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا خرج من يده من يده اختيارًا، وعاد إليه اختيارًا مثل: أن يبيعه ثم اشتراه ثم كلم زيدًا، هل يعود عليه اليمين أم لا فالمذهب على قولين قائمين من "المُدوّنة":
أحدهما: أن اليمين ساقط عنه ولا يعود إليه، لزوال الملك الأول الذي وقع فيه اليمين، [وهو قول ابن بكير] (٣)، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب الأيمان بالطلاق" فيما إذا حلف بطلاق امرأتهُ البتة إن فعل كذا
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من هـ.
[ ٥ / ١٥٢ ]
وكذا، فطلقها ثلاثًا، ثمَّ تزوجها بعد زوج، ثم فعل ما حلف عليه أن اليمين ساقط عنه لزوال الملك الذي فيه.
والثانى: أنَّ اليمين يعود عليه، وهو نصُّ قول ابن القاسم في الكتاب.
وسبب الخلاف: هل يُتَّهم السيد في إخراج العبد من ملكه في الفرار من الحنث أم لا؟
فابن القاسم اتَّهمه أن يتواطئ مع المشترى فيما أظهراهُ من صورة البيع، ليسلم من الحنث، ولهذا فرق بين البيع والميراث.
وابن بكير لم يتهمه لضعف الأسباب المؤثرة في قيام التهمة، بل لعدمها جُملةً.
فإذا كانت التهمة في أن يتفق البائع والمشترى فيما أظهراهُ من البيع، وأين التهمة إذا مات المشترى، ثُمَّ اشتراه البائع من ورثته أو تداولته الأملاك في حياة المشترى الأول [حتى] (١) اشتراه الحالف البائع من آخرهم مع طول الزمان.
وهذا كُلَّهُ يؤخذ [من] قول ابن القاسم في مراعاة التُّهمة، وبهذا وأمثاله صار قول ابن بكير أصح من قول ابن القاسم في المسألة، وأن التهمة لو كانت محققة لحنث إذا كلم زيدًا، والعبد في ملك غيره، ولأن العبد لم يخرجه [ذلك] (٢) من ملكه.
والجواب عن الوجه الثاني والثالث: إذا خرج من يده اضطرارًا واختيارًا، وعاد إليه اضطرارًا [أو اختيارًا] (٣) مثل أن يبيعه الحالف باختياره أو باعه
_________________
(١) في أ: ثم.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ١٥٣ ]
عليه [الإِمام] (١) في فلس ثم ورثه بعد ذلك، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يصير له من الميراث مقاسمة، أو اشتراه من تركة من هو وارثه.
فإن أخذه في سهمه في المقاسمة: فلا خلاف أن اليمين ساقط عنه ولا يعود عليه.
فإن اشتراه من جملة التركة، فإن كان مثل ميراثهِ أو أقل [فقولان] (٢):
أحدهما: أن اليمين [ساقطة] (٣) لا تعود عليه، وهو نصُّ المُدوّنة.
ويتخرج من الكتاب قولٌ ثان: أن اليمين تعود عليه، إذ لا فرق بين أن يشتريه [من تركه] (٤) من يرثه أو [من تركة] (٥) غيره، لأن سهمه من الميراث لم يتعين في عين ذلك العبد، بل [هى] (٦) في بعضه، ثم إنه [قد] (٧) اشترى [بقيته] (٨) لبقية سهمه من جملة التركة، فصار بمنزلة ما لو كانت قيمته أكثر من سهمه، [فأدى] (٩) بقية الثمن من عنده. وهذا الفصل قد منعه في "الكتاب"، ولا فرق بين [الفصلين] (١٠) فلو كان في التركة من العبيد ما ينقسم، فقسموهم، فصار سهمه على
_________________
(١) في هـ: السلطان.
(٢) في أ: قولان.
(٣) سقط من أ، جـ.
(٤) سقط من هـ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
(٨) سقط من أ.
(٩) في أ: فرد.
(١٠) في أ: الأصلين.
[ ٥ / ١٥٤ ]
ذلك العبد [بعينه] (١)، يتخرج عتقه [عليه] (٢) على [الخلاف] (٣) في القسمة هل هى بيع أو تمييز حق؟
فإن كان العبد [أكثر] (٤) من ميراثه، فهل يعتق عليه إذا [حنث] (٥) أو يسقط عنه اليمين؟ قولان:
أحدهما: أن اليمين [يعود عليه لأنه اشترى بعضًا وورث بعضًا وهو نص قوله في المدونة.
والثانى: أن اليمين] (٦) تسقط، ولا تعود عليه، وهو اختيار اللخمى، لضعف أمر التهمة، وتغليبًا لشائبة الميراث.
والجواب عن الوجه الرابع: إذا خرج من يده اضطرارًا، وعاد إليه اختيارًا مثل: أن يبيعه عليه السلطان في فلس، ثم اشتراه بعد ذلك ليسر حدث أو قبله من واهب أو موصٍ، هل يعود عليه اليمين أم لا؟ فالمذهب على قولين [قائمين] (٧) منصوصين في "المدونة":
أحدهما: أن اليمين يعود عليه، وهو قول ابن القاسم في "المُدوّنة".
والثانى: سقوطها، وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف في بيع السلطان، هل يسقط عنه التهمة ويزيل الظنة أم لا؟
فابن القاسم يقول: لا يزيلها، لاحتمال أن يكون قد أخفى ماله وأظهر
_________________
(١) في أ: بقيمته.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: الاختلاف.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: حلف.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من هـ.
[ ٥ / ١٥٥ ]
الفلس حيلةَّ في إسقاط اليمين عن نفسه، يبيع السُلطان العبد [ثم يسترجعه] (١) في ثانى حال.
والغير يقول: [يزيل] (٢) التهمة، لأن بيع السلطان العبد، يسقط كل تهمة، لاستحالتها عادة وعرفا أو يعرض الإنسان عرضه [ومهمته] (٣) لليمين في محافل القضاة وأندية الولاة مع ما في ذلك من الابتلاء بأنواع من التهديد، وضروب من الوعيد المحتوم باليمين في مقطع الحق وملأ من الخلق، أنه ما ألد ولا شرك وليس وجد للقضاء موضعًا لفعل.
[فأين تبقى] (٤) التهمة، مع هذا [الامتحان] (٥) الواجب على السُلطان: أن يستديم العمل به في كل زمان وأوان، وهو الحقُّ إن شاء الله تعالى.
ويلتحق بالمسألة وجهٌ آخر: إذا باعهُ ثُمَّ رُدَّ إليه بعيبٍ، هل يحنت بكلام زيد قبل أن يرد عليه أم لا؟ قولان قائمان في "المُدوّنة":
وسبب الخلاف: الرد بالعيب، هل هو نقض بيع أو [هو] (٦) بيع مبتدأ؟
فعلى القول بأنَّهُ نقض بيع: فإنه يحنث ويعتق عليه إذا رد، وهو قول أشهب في "كتاب الاستبراء".
وعلى القول بأنه بيع مبتدأ، فيتخرج على الخلاف الذي قدمناه بين ابن
_________________
(١) في هـ: ليستخرجه.
(٢) في أ: تزول.
(٣) في هـ: مصحبته.
(٤) في أ: فإذا ثبتت.
(٥) في أ: الاحتمال.
(٦) سقط من أ.
[ ٥ / ١٥٦ ]
القاسم وابن بكير، وهو قول [ابن القاسم] (١) [في "كتاب الاستبراء"] (٢)، في الأمة الرائعة إذا رُدَّت بعيب، فالمواضعة فيها على المشترى، وهذا منه بناءً على أنَّ الرد بالعيب بيع مبتدأ.
والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من هـ.
[ ٥ / ١٥٧ ]
المسألة الخامسة
في اليمين بالعتق على فعل، ولا يخلو الحالف من، وجهين:
[أحدهما] (١): أن يحلف على فعل نفسه.
[والثانى] (٢): أن يحلف على فعل غيره.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا حلف على فعل نفسه، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يحلف [ألا يفعل. والثانى: أن يحلف ليفعلن فإن حلف ألا يفعل من أن يحلف] (٣) بعتق عبده ألا يفعل فعلًا، فإنه على بر، ويحل له البيع والوطء حتى بفعل ذلك الفعل.
فإن فعله والعبد في ملكه: عتق من رأس ماله إن كان [فعله] (٤) في الصحه أو من الثلث إن كان فعله في المرض.
واختلف [فيما إذا ولد] (٥) للعبد من أمته قبل الحنث، هل يدخل معه في الحرية أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنه لا يدخل معه، وهو قول ابن القاسم [وهو مذهب] (٦) "المُدوّنة".
_________________
(١) في أ: إما.
(٢) في أ: وإما.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: فيما يولد.
(٦) في أ: في.
[ ٥ / ١٥٨ ]
والثانى: أنه يدخل معه، وهو قول أصبغ.
وأما إن حلف ليفعلن، فلا يخلو من أن يضرب ليمينه أجلًا أم لا؟
فإن ضرب ليمينه أجلًا: فإنه يمنع من البيع اتفاقًا، وفي الوطء قولان:
أحدهما: أنه [لا] (١) يمنع منه، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثانى: [أنه] (٢) يمنع منه، وهو قول مالك أيضًا في "المُدوّنة"، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
وسبب الخلاف: هل ذلك شبيه بنكاح [المتعة] (٣) أم لا؟
فإن مضى الأجل ولم يفعل: فإن العبد يعتق من رأس المال، إن حل الأجل والسيد صحيح.
وإن مات السيد في الأجل، فهل يُعتقُ العبد أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنه لا يُعتق عليه، وهو نصَّ ابن القاسم في "المُدوّنة"، وهو المشهور، لأنَّهُ صار في ملك الوارث قبل بلوغ وقت حنثه.
والثانى: أن العبد يُعتقُ، وأنه يحنث وإن مات في الأجل، وهو قول ابن كنانة، لأن الحنث يقع عليه.
وأما إذا لم يضرب ليمينه أجلًا، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يحلف ليفعلن فعلًا في عبدهِ.
والثانى: أن يحلف أن يفعله في غيره.
فإن حلف ليفعلنَّهُ في [غيره] (٤) مثل: أن يحلف بعتقه ليضربنَّهُ.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: المعتدة.
(٤) في ع، هـ: عبده.
[ ٥ / ١٥٩ ]
فإن حلف على ضرب يجوز له، فإنَّه يمكن من ضربه ويبر في يمينه.
فإن باعهُ قبل أن يضربهُ: فالبيع مردود مع القيام، وهل يرد إلى الإيقاف أو إلى حُرِّية؟ قولان قائمان من "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّهُ يُرد إلى الإيقاف [وهو قول ابن القاسم] (١).
والثانى: أنَهُ يُردُّ إلى الحريَّة، وهو قول ابن دينار.
فإن مكنه المشترى من الضرب من ملكه، فضربه، فهل يبرأ بذلك أم لا؟ قولان قائمان من "المُدوّنة" منصوصان في المذهب.
وسبب الخلاف: هل المعتبر في الأيمان ما يوجبه اللفظ أو المُعتبر المقصد؟
وعلى القول بأنَّه يُردُّ إلى الملك، فإن كاتبه سيدهُ وضربهُ في كتابته، هل يُبرئُهُ ذلك الضرب ويستمر على كتابته؟ قولان قائمان من "المُدوّنة" منصوصان في المذهب:
أحدهما: أنَّهُ يبرأ، وهو قولُ مالك وابن القاسم.
والثانى: أنه لا يبرأ، وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف: تردُّد [المكاتب] (٢) بين البقاء في الملك والخروج منه. وعلى القول بأنَّ ذلك الضرب لا يبرئُهُ: فإنَّ الكتابة تُوقَّف، فإن أداها بعد أن كان عتيقًا بالحنث، ويرد عليه جميع الكتابة، وكأنُّه لم يزل عتيقًا، وهذا مثل أحد قولى مالك في آخر "كتاب العدة" في أُمِّ ولد المكاتب، [أنها] (٣) تكون أُمَّ ولد بما ولدت [في] (٤) الكتابة إذا أدى.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: الكتابة.
(٣) في أ: إنما.
(٤) سقط من أ.
[ ٥ / ١٦٠ ]
فإن عجز ورجع رقيقًا للسيد، هل يبرئُهُ ذلك الضرب [أو لا يبرئه إلا ضربًا آخر] (١)؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَهُ يُجزئُهُ [وهو قول أشهب] (٢).
والثانى: أنه لا [يجزئه] (٣) إلا ضرب آخر، وهو قول أصبغ.
وسبب الخلاف: اعتبار الحال والمآل، كما تقدم
فإن مات السيد قبل الضرب: فإن العبد يعتق من الثلث.
فإن حلف على ضربٍ لا يجوز. فإنه لا يمكن منه، ويعجل عليه العتق في الحال.
فإن اجترأ وضربه، فإنه يبرأ من الحنث، ويكون [مأثومًا فيما] (٤) بينه وبين الله تعالى.
وأما إذا حلف على فعل يفعله في [غير عبده] (٥) كقوله: إذا لم أدخل الدار، فعبدى فلان حُرٌ. فإنه يمنع من البيع اتفاقًا، وفي الوطء أربعة أقوال:
أحدها: أنه يمنع منه جملة [وهو نص المدونة] (٦).
والثانى: التفصيل بين أن يكون [يمينه] (٧) على ما هو كالأجل، مِثل أن يحلف ليكلمن زيدًا أو ليركبن هذه الدابة، فلهُ أن يطأ، لأن حساة
_________________
(١) في هـ: أو لابد له من ضرب آخر.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: يبرئه.
(٤) في هـ: ما نوى.
(٥) في أ: غيره.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ: مقصد.
[ ٥ / ١٦١ ]
المحلوف عليه، كالأجل أو تكون يمينه على دخول الدار وشبهه، فيمنع من الوطء، وهو قول مالك في "كتاب محمَّد".
والقول الثالث: عكس ذلك أنه إن كانت يمينه مما يقع عليه الحنث في حياته يومًا ما منع من الوطء.
وإن كان مما لا يقع الحنث [فيه] (١) إلا بموت نفسه مثل: أن يحلف إن سافر ليتزوجن، فلا شىء عليه، لأن الحنث والعتق إنما يقع عليه بموته ليس في حياته، وهو قول ابن كنانة في "كتاب ابن حبيب".
والقول الرابع: أنه لا يمنع من الوطء جملة، وهو ظاهر قوله مالك: أن ترك الوطء محدث، ليس من الأمر القديم. يريد أنه لا يمنع منه على حال من الحالات قال: والاستحسان [منع] (٢) الوطء، وليس بواجب، ولأنه منع منه [من منع] (٣)، لأنه شبيه بنكاح المتعة واختلف فيما ولد العبد من أمته، هل يدخل معه في العتق أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يدخل معه، وهو مشهور المذهب.
والثانى: أنه لا يدخل معه، وهو قول الغير، وهو قول شاذ.
والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: وهو أن يحلف على فعل غيره فلا يخلو من أن يحلف ألا يفعل أو يحلف ليفعلن.
فإن حلف ألا يفعل مثل أن يقول: عبدى حر إن فعل فلان كذا فهو كالحالف على فعل نفسه أيضًا.
فإن لم يضرب أجلًا، فلا يخلو من وجهين:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ع، هـ: ترك.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ١٦٢ ]
أحدهما: أن يحلف على فعل غيره.
والثانى: أن يحلف على فعل عبده.
فإن حلف على فعل عبده مثل قوله: عبدي [فلان] (١) حر إن لم [يدخل] (٢) الدار فلا يخلو السيد أيضًا من أن يريد إكراهه [على الفعل] (٣) أم لا: فإن نوى إكراهه على الفعل، فله أن يكرهه على الفعل، ويبرئ.
فإن مات السيد قبل أن يكرهه على الفعل، فإن العبد يعتق من الثلث، وهل يبرئه إكراه الورثه [أم لا] (٤)؟ قولان قائمان من "المُدوّنة" من "كتاب بيع الخيار" ومن "كتاب النذور" من مسألة الذي جعل امرأته [بيد أمها ثم] (٥) ماتت الأُم.
ومن مسألة الذى حلف لغريمه ليقضينه حقَّه رأس [المال] (٦) إلا أن يؤخره.
وأما إن حلف على فعل الأجنبى كقوله: إن لم يحج فلان، فعبدى حرُّ. فهل هو كالحالف على فعل نفسه [أم لا] (٧)؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه كالحالف على فعل نفسه.
والثانى: [أنه] (٨) ليس كالحالف على فعل نفسه، وهو مذهب
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: أدخل.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: بيدها إن.
(٦) في هـ: الهلال.
(٧) سقط من أ.
(٨) سقط من أ.
[ ٥ / ١٦٣ ]
"المُدوّنة".
لأنه قال: يتلوم للأجنبى ولا يتلوم للحالف.
فإن فعل فلان بر الحالف، وإن أبى أن يفعل تلوم له السلطان [على] (١) قدر ما يرى أن الحالف أراده.
فإن أبى من الفعل عتق العبد، واختلف إذا مات السيد الحالف في أيام التلوم، هل يعتق العبد أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يعتق من الثلث، وهو قول ابن القاسم في "المُدوّنة".
والثانى: أنه لا يعتق من الثلث، ولا من رأس المال، وهو قول أشهب في "الكتاب".
والثالث: أنه لا يعتق من الثلث [وهو قول ابن القاسم في المدونة] (٢) وهكذا اختلف، هل للسيد الوطء في أيام التلوم أم لا؟ على قولين:
فعلى قول ابن القاسم: يُمنع.
وعلى القول أشهب: [لا] يمنع.
وسبب الخلاف: هل التلوم كالأجل أم لا؟
والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٥ / ١٦٤ ]
المسألة السادسة
إذا قال: أحد عبيدى حرُّ أو إحدى نسائي طالق.
فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون له نية في واحد بعينه، وهو ذاكر له.
والثانى: أن يكون له نيةٌ في واحد بعينه، ونسيهُ.
والثالث: ألا يكون له نية في واحد بعينه.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كانت له نية في واحد بعينه، وهو ذاكرٌ له فلا خلاف أن ذلك المعين يعتق وحده، ولا شىء على السيد فيما عداه، وكذلك الطلاق.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا نوى واحدًا بعينه ثم نسيه، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يتذكر بعد النسيان [والثانى: أن يستمر عليه النسيان] (١)، فإن تذكر بعد النسيان، وقال: نويت مرزوقًا، فلا يخلو من أن يدّعى ذلك في صحة أو مرض.
فإن ادعى ذلك في صحةٍ، فلا خلاف أعلمه في المذهب نصًا أنه يصدق، وهل ذلك بيمين أو بغير يمين؟ قولان:
أحدهما: أنَّهُ يصدق [في التعيين] (٢) بغير يمين، وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أنه لا يصدق إلا بيمين، وهو قول أشهب.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٥ / ١٦٥ ]
فإن ادعى ذلك في مرض و[عنده] (١) عبدان فلا يخلو من أن يكونا متكافئين أو مختلفين.
فإن كانا متكافئين: صدق وخرج الذي نواه، وعينه من رأس المال اتفاقًا.
وإن كانا مختلفين.
فإن قال: نويت الأدنى صدق وعتق من رأس المال.
وإن قال: نويت الأعلى هل يجعل الفضل من قيمته في الثلث أو يخرج الجميع من رأس المال؟ قولان منصوصان في "المُدوّنة":
أحدهما: أن الفضل مجعول في الثلث، وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أن جميعه خارج من رأس المال، وهو قول الغير [في المدونة] (٢).
وسبب الخلاف: المخير بين شيئين، هل يعد مختارًا لما ترك أم لا؟
إلا أن ابن القاسم يلزمه على [هذا البناء] (٣) إذا قال: نويت الأدنى، أن يقال: يجعل في الثلث أيضًا، لأنه إنما جعل الفضل في الثلث لاحتمال أن يكون قد اختار الأدنى أولًا، ثم انتقل إلى الأعلى ثانيًا، فيكون في ذلك عتقًا مبتدأ في المرض فيصرف إلى الثلث.
وبذلك أيضًا يحتمل أن يختار أيضًا الأعلى أولًا، ثم انتقل إلى الأدنى ثانيًا، فيكون عتقًا مبتدأ في المرض فيصرف إلى الثلث.
وهذا الالتزام، لازم لابن القاسم، ولا محيص له عنه ولا مناص.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: هذه النية.
[ ٥ / ١٦٦ ]
وهذا التفصيل بين الصحة والمرض يلزم في الوجه الأول إذا لما يسأل السيد عن نيته حتى مرض.
والجواب عن الوجه الثاني من الوجه الثاني: إذا استمر عليه النسيان فإنه يعتق عليه ما عنده من العبيد، ويطلق ما عنده من النساء، وذلك تحكم، وهو من باب تغليظ الحظر على الإباحة إذا اجتمعا.
ولو كانا عبيدين، ولكل واحد منهما أولاد أحرار، فماتا وخلفا مالًا قبل أن يحكم بعتقها، فإن المال بين السيد و[بين] (١) الأولاد نصفان، لأن أحدهما حرٌّ على كل حال، فلما أن جهل عينه وتساوت الدعاوى بينهما، قسم المال بينهما أيضًا، كالشىء [المتداعى] (٢) فيه، وإن مات واحد منهما: كان الحكم فيما خلف من المال كذلك، والباقى منهما عتيقًا.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا لم تكن له نية في واحد بعينه، فقد اختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن العتق والطلاق يجرى في جميع ما عنده من النساء والعبيد، ولا خيار له، وهو قوله في كتاب ابن الجلاب.
والثانى: أن له أن يختار في العتق والطلاق، وهي رواية المدنيين عن مالك.
والثالث: أنَّ لهُ أن يختار العِتق دون الطلاق، وهو قول ابن القاسم في "المُدوّنة"، وهي رواية المصريين عن مالك أجمع.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في هـ المدعى.
[ ٥ / ١٦٧ ]
ومن فرق بين العتق والطلاق، يقول: لافتراق أصليهما.
فأما العتق، فيقبل التبعيض والاختيار، بديل جواز العتق في بعض العبد، وأن العتق المبعض يجوز أيضًا، ويكمل [في] (١) واحد، ويحرم [منه] (٢) من كان له فيه نصيب، كالمبتلين في المرض، على مذهب "المُدوّنة" أيضًا، فإن الملك يقبل الخيار، [والاختيار] (٣) من أصله.
فلو قال رجل لرجل: أبيعك أحد عبيدى هؤلاء، أيا شئت [أنت] (٤) منهم فإنه يجوز على مذهب المدونة.
فلو قال له: أزوجك إحدى ابنتى هاتين، أيتهما شئت أنت لم يجز اتفاقًا.
فلما افترقت أصولهما افترقت الفروع المركبة عليهما.
فإن مات قبل أن يختار، فهل للورثة الخيار كما كان له؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الخيار للورثة كما كان للميت، وهو قول ابن القاسم وأشهب والثانى: أن الورثة لا خيار لهم، وهو قول ابن القاسم في "كتاب محمَّد"، ويعتق من رأس المال عشرة، إن كانوا عشرة أو خمسة إن كانوا خمسة. فإن لم يختر السيد حتى مرض، كان على خياره.
فإن اختار الأدنى كان من رأس المال.
فإن اختار الزعلى، هل يكون الفضل في الثلث أم لا؟
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: والخيار.
(٤) سقط من أ.
[ ٥ / ١٦٨ ]
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الفضل يصرف إلى الثلث، وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أن جميعه خارج من رأس المال، وهو قول الغير.
والقولان في "المُدوّنة".
وسبب الخلاف: المخير بين الشيئين، هل يعد مختارًا لما ترك أم لا؟ فإن لم يخير السيد حتى مات أحدهما، وكانا اثنين، فإن مات حتف أنفه: كان ما خلف من المال لسيده بالرق، وكان الباقي عتيقًا.
فإن مات مقتولًا هل يحكم له بحكم العبد أو يحكم له بحكم الحر؟ قولان:
أحدهما: أن يحكم له بحكم الحر، ويكون فيه الدية في الخطأ والقصاص في العمد.
الثاني: أنه يحكم [على من] (١) مات منهما بحكم العبد، وعلى قاتله قيمة عبد، ويكون الباقي عتيقًا، وهو قول سحنون.
فإن ماتا جميعًا قبل الاختيار، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الأول موروث بالرق وآخرهما موتًا مورث بالحرية.
والثانى: أنهما جميعًا ماتا على الرق، وبه يورثان.
والقولان لسحنون.
وسبب الخلاف: الاختيار، هل يفتقر إلى حكم حاكم أم لا؟
والحمد لله وحده.
_________________
(١) في أ: لمن.
[ ٥ / ١٦٩ ]
المسألة السابعة
إذا قال لأمتيه: إن دخلتما هذه الدار، فأنتما حرتان، أو لامرأتيه: فأنتما طالقتان.
فإن دخلتا جميعًا عتقتا وطلقتا، ولا خلاف في ذلك فإن دخلت واحدة منهما دون الأخرى، ففى المذهب ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا شىء على الزوج، ولا على السيد حتى يدخلا جميعًا، وهو قول ابن القاسم في "المُدوّنة".
والثانى: أنهما يعتقان جميعًا بدخول الواحدة، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في "العتبية".
والثالث: أن الداخلة تعتق خاصة، وهو قول أشهب في ["العُتبية"] (١).
وسبب الخلاف: الحنث، هل يقع بأقل الأشياء أو لا يقع إلا بأكملها؟ والذي يأتي على [مذهبه] (٢) المعهود له في "المُدوّنة" ما قاله في "العتبية": إنهما يعتقان جميعًا بدخول الواحدة. لأن مشهور مذهبه أن الحنث يقع بأقل الأشياء، إذ لا فرق بين أن يقول لها: إن دخلت هاتين الدارين فأتت حُرَّة، فدخلت واحدة، فيحنث وبين أن يقول لأمتيه: [إن دخلتما هذه الدار] (٣) فأنتما حرتان، فدخلتهما واحدة منهما.
والحمد لله وحده.
_________________
(١) في ب: المدونة.
(٢) في أ: مذهب.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ١٧٠ ]
المسألة الثامنة
في العتق [بالسهم]
ولا يخلو ذلك من ثلاثة [أوجه] (١):
أحدها: أن يقول "ثلث رقيقى أو نصفهم أحرار".
والثانى: أن يقول "أثلاث رقيقى أو أنصافهم".
والثالث: أن يسمى منهم عددًا معلومًا.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا قال: ثلث رقيقي أو نصفهم أحرار، فلا يخلو من أن يكون ذلك في صحة أو مرض.
فإن كان ذلك في صحة، فهل يسهم بينهم أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يسهم بينهم، ويعتق من خرج اسمه إلى مبلغ قيمة الجزء الذي سمى كان ذلك في عبدٍ أو بعض عبد، ويستتم عليه ما بقى من ذلك العبد بعد تمام الجزء، وهو قول مالك في "كتاب ابن المواز".
والثانى: أنهم يعتقون جميعًا، [حتى يأتى على جميع] (٢) ما عنده، ولا يسهم بينهم، وهو قول أصبغ في "كتاب ابن حبيب".
والثالث: أن يختار للعتق من أحب من عبيده، إلى مبلغ [ذلك] (٣) الجزء الذي سمى، وهو قول سحنون في "كتاب ابنه"، وهل ذلك بيمين
_________________
(١) في هـ: أقسام.
(٢) في هـ: أعنى جميع.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ١٧١ ]
أو بغير يمين؟ قولان:
أحدهما: أنه يحلف ما أراد واحدًا بعينه، وهو قول سحنون.
والثانى: أنه لا يمين عليه، وهو قول ابن القاسم.
والقولان في "النوادر".
فإن قال: أنصاف رقيقي، أو أثلاثهم، أو قال: نصف كُلِّ رأس، [أو ثلث كل رأس] (١). فإنه [لا] (٢) يسهم بينهم للعقد، ولكن يعتق من كل واحد منهم الجزء الذي سمَّى، ويستتم باقيهم عليه، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المُدوّنة"، وبه قال ابن المواز. فإن قال: عشرة من رقيقى أحرار فإن الثلاثة الأقوال تجرى فيه، [وله] (٣) أن يختار من شاء منهم أو يقرع بينهم أو يقع الحصاص.
فإن كان ذلك في مرض، وقال: ثلث رقيقى أحرار أو نصفهم، فهل يسهم بينهم أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يقرع بينهم حتى يستكمل ذلك الجزء، وهو مذهب "المُدوّنة".
والثانى: أن ذلك الجزء يعتق بينهم بالحصص، وهو قول أبى زيد بن [أبى] (٤) [الغمر] والحارث، وأصبغ في كتاب محمَّد.
والثالث: التفصيل بين أن يكون له مال سواهم: يخرج ذلك الجزء من ثلثه، أو له مال لا يفى بثلثهم: فإنه يعتق من كل واحد منهم ثلثه، وهو
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) سقط من هـ.
(٣) سقط من هـ.
(٤) سقط من أ.
[ ٥ / ١٧٢ ]
قول أشهب في "كتاب ابن حبيب".
وعلى القول بأن ذلك الجزء [يعتق منهم] (١)، إما بالقرعة وإما بالحصص.
فإذا أعتق ذلك [منهم] (٢)، ونفذ العتق في مرضه، على القول باعتبار المال المأمون، هل يستتم عليه عتقهم في ثلثهم بعد الموت.
وإن عتق ذلك الجزء بالحصص أو بالقُرعَة، إن استكمل ذلك الجزء في بعض عبد أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين في "المُدونة"؟
أحدهما: أنه يستتم عليه إن مات، وإن عاش أتموا من رأس ماله، وهو قوله في "النوادر".
والثانى: أنه [لا] (٣) يستتم عليه، لأن الميت لم يقصد إلى التبعيض، وإنما ذلك أمرٌ أوجبته الأحكام.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الأثر الوارد عن رسول الله - ﷺ - في العتق بالسهم، هل ذلك في المبتلين، أو ذلك في الموصى بعتقهم؟ فروى [عن] (٤) عمران بن الحصين: أن رجلًا أعتق عبيدًا له عند موته، وهم ستة، ولا مال له غيرهم، فأسهم رسول الله - ﷺ - بينهم، فأعتق ثلث أولئك الرقيق (٥).
فقيل: بتل عتقهم، وقيل: أوصى بعتقهم، ولا خلاف في المذهب
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من هـ.
(٤) سقط من أ.
(٥) أخرجه مالك (١٤٦٣) والشافعي (٩٤٤) والبيهقي في "الكبرى" (٢١١٨٩).
[ ٥ / ١٧٣ ]
أن العتق بينهم بالحصص.
ولا خلاف في الموصى بعتقهم أن العتق بينهم بالقرعة.
واختلف في المبتلين في المرض، هل هم كالموصى بعتقهم أو كالمدبرين؟
وأما إن قال: أنصاف رقيقى، أو أثلاثهم، أو ثلث كل رأس [أو نصف كل رأس] (١) فلا خلاف أعلمه في المذهب أنه يعتق من كل واحدٍ منهم ما ذكر، إن حملهم الثلث، ويستتم منهم ما بقى في ثلثه إن مات، وإن عاش أتموا من رأس المال.
فإن لم يحملهم الثلث فإنهم يتحاصون في الثلث بقدر قيمة كل واحدٍ منهم.
وأما إن قال عشرة من رقيقي [أحرار] (٢)، وهم ستون، هل يعتبر في تلك الوصية [الجزء] (٣) أم العدد؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها في "المُدوّنة":
أحدها: أن المعتبر فيه الجزء دون العدد، حتى لو لم يبق منهم إلا [واحد أعتق منه] (٤) ذلك الجزء، وهو قول عبد الملك بن الماجوش في كتاب ابن حبيب.
والثانى: أن المعتبر فيه العدد مهما حمله ثلث جميع ماله من الرقيق وغيرهم.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٥ / ١٧٤ ]
وهذا القول حكاه ابن حبيب عن ابن القاسم، وعليه حمل ابن أبي زمنين مذهب "المُدوّنة"، والذي قاله ظاهر "المُدوّنة" من "كتاب الوصايا الأول"، و"كتاب العتق الأول".
فالذي في كتاب "الوصايا الأول" فيمن أوصى لرجلٍ بعشرةٍ من غنمه: أنه يعطى العشرة، يدخل في تلك العشرة ما دخل. فتأوله [بعضهم] (١) أنه أراد من القيمة.
والذي في كتاب "العتق الأول" أظهر، إذا قال: رأس من رقيقى أو خمسة أو ستة أحرار. ولم يسمهم بأعيانهم، حيث أجاب فيها كالجواب الأول في القرعة بينهم. إلى قوله: ولا يُلتفت في ذلك إلى العدد، إذا كان فيما يبقى للورثة ثلاثة أرباعهم، أو خمسة أسداسهم بقية الأجزاء على ما سمى.
قال: وهذا إذا لم يترك مالًا غيرهم، [فإن ترك مالًا غيرهم] (٢) واستكمل عتق جميعهم على ما سمى في ثلث جميع ماله، حتى يأتي على جميع وصيته التى سمى على ما فسرت لك [فافهم هذا التحصيل تربت يداك] (٣).
وهذه الزيادة ليست في أصول "القروية" ولا ذكرها مختصروهم، وهي ثابتة في أصول الأندلسيين وغيرهم.
والقول الثالث: أن المعتبر فيهم الجزء والعدد، وأنه مهما أخرج سدسهم بالقيمة لا ينظر إلى العدد، سواءٌ خرج أقل من العشرة أو أكثر،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ١٧٥ ]
وعلى هذا يدل لفظه في "الكتاب" في غير ما موضع، كقوله: إن بقى منهم عشرون عتق منهم النصف، وإن بقى منهم ثلاثون عُتق ثُلثهم بالقُرعة، ويرق ما بقى، وإن بقى [منهم] (١) أحد عشر عتق منهم عشرة أجزاء من أحد عشر جُزءًا، وهو قوله في "كتاب الوصايا الثاني"، فيمن قال: عشرون من غنمى لفلان وغنمه مائة، فإنه يعطى [خمسها] (٢) بالسهم، وقع له في ذلك عشرون أو ثلاثون أو عشرة، ولم يكن له غير ذلك.
فإن هلكوا كلهم إلا عشرة فإنهم يعتقون جميعًا، إن حملهم الثلث، وهذا هو مشهور مذهب ابن القاسم في "المدوّنة"، وبه قال ابن عبد الحكم وعبد الملك وابن كنانة وابن حبيب، وأنَّهُ [لا يزاد] على ما خرج في السهم، ولا يلتفت في ذلك إلى العدد، وإن حمله الثلث، وإنَّ ذكر العدد هاهُنا كذكر الجزء.
وسبب الخلاف: [هل] النظر إلى الألقاب والمسميات أو النظر إلى المعانى والمقاصد؟
فمن اعتبر الألقاب والمسميات قال: باعتبار العدد.
ومن اعتبر المقاصد والمعانى قال: [الاعتبار بالجزء] (٣) وأما ابن القاسم الذي اعتبر الجزء أولًا والعدد آخرًا، فقد [اعتبر الطريقين] (٤) [ولاحظ الشقين] (٥).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: خمسه.
(٣) في أ: لا اعتبار بالجزء.
(٤) في ع، هـ: راعي الطرفين.
(٥) سقط من أ.
[ ٥ / ١٧٦ ]
وعلى القول باعتبار الجزء أولًا وآخرًا، هل يعتق منهم ذلك الجزء بالقرعة أو بالحصص؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّهُ يعتق منهم بالقرعة، وهو مذهب المُدوّنة.
والثانى: أنَهُ يُعتق منهم بالحصص [وهو قول المُغيرة في كتاب ابن سحنون.
والثالث: أن الورثة بالخيار بين القُرعة والحصص] (١)، وهو قول أشهب في كتاب محمَّد.
وعلى القول بأنه يعتق منهم بالسهم، فصفته على القول باعتبار العدد: أن يضرب بالعدد الذى سمى، ويكتب أسماءهم في بطاقة، ثم يسهم بينهم حتى يخرج ذلك العدد من غير اعتبارٍ بالقيمة إذا استكمل العدد.
وصفتهُ على القول باعتبار الجزء أن يقوموا جميعًا، ثُمَّ يكتب اسم كل واحد منهم في بطاقة، ثم يُقرع بينهم، فمن خرج اسمه نظر إلى قيمته، فإن ساوت الجزء الذي سمى عتق ورق باقيهم، وإن لم يف به، وعاد الضرب حتى يكمل ذلك الجزء، دخل فيه عشرةٌ أو أكثر أو أقل، فإن كمل الجزء بنصف قيمة واحد منهم، فإن النصف الباقي يتخرج على الخلاف الذي قدَّمناهُ في استتمام النصف الباقي في ثُلُثهِ بعد الموت.
[ورضوان من الله أكبر] (٢) والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) زيادة من هـ.
[ ٥ / ١٧٧ ]
المسألة التاسعة
إذا اشترى أباه وعليه ديْنٌ يغترقه.
فقد اضطربت أجوبتهُ في "الكتاب".
فقال: فيما إذا اشتراهُ وعليه ديْنٌ يغترقهْ أنَّهُ لا يُعتق عليه، ولم يذكر البيع، هل يُردَّ أم لا؟
وقال فيما إذا اشتراه، ولم يكن عنده إلا بعض ثمنه، فقال مالك: أرى أن يرد البيع.
قال ابن القاسم: لا يعجبنى ما قال، وأرى أن يباع منه بمقدار بقية الثمن، ويعتق [منه] (١) ما بقى.
ثم قال بعضُ أصحابه وهو المغيرة: لا يجوز له ملك أبيه إلا إلى عتق، فأما إذا كان عليه دين يرده، فقد صار خلاف السنة إلى آخر المسألة.
فقول ابن القاسم: مطرد، وأنَّهُ يقول في المسألة الأولى مثل قوله في الثانية، وأن البيع عنده صحيح، ويباع للدين.
فإن استغرقه الدين كان.
فإن وفي بيع بعضه بالدين: فإن الباقي يكون عتيقًا.
وقول المغيرة أيضًا مطرد في المسألتين، مخالف لقول ابن القاسم.
وقول مالك مخالف لابن القاسم في الفصل الثاني: إذا اشتراه وليس عنده إلا بعض ثمنه، والغير يوافقه في ذلك.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٥ / ١٧٨ ]
واختلف في تأويل قول مالك في الفصل الأول إذا اشتراه وعليه دين يفرقه حيث قال: لا يعتق عليه.
هل هو وفاق لقوله في الفصل الثاني أو خلافٌ له؟ على قولين:
أحدهما: أنه موافق [له] (١)، وأن معنى قوله في الأول لا يعتق عليه، كقوله يرد البيع في الثانية وهو تأويل الشيخ أبى الحسن بن القابسى، وهو الصحيح، لأن المسألة جاءت [مجتمعة] (٢) باللفظين في "كتاب المبسوط" ونصها: قال مالك: ومن اشترى أباه، وعليه دين أو عنده بعض ثمنه لا يعتق منه شىءٌ، وأرى أن يردَّ البيع.
ثم قال ابن القاسم: لا يعجبنى ذلك، وأرى أن يُباع منه [ببقية الثمن] (٣) وهذا هو الصحيح.
والثانى: أن معنى قوله في [الأولى] (٤) "ولا يعتق عليه" أنه يباع في الدين [ولا يرد البيع] (٥).
والثالث: ينتقض فيها البيع، وهذا تأويل الشيخ أبى محمَّد بن أبي زيد.
فعلى تأويل القابسى وما في "المبسوط"، يكون في المسألة قولان:
أحدهما: أنه يرد البيع في [الفصلين] (٦)، وهو قول مالك، ويكون قول الغير حُجَّة لهُ.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: ببقيته.
(٤) في هـ الأول.
(٥) سقط من أ.
(٦) في هـ: اللفظين.
[ ٥ / ١٧٩ ]
والثانى: أنه يباع في الدين، وهو قول ابن القاسم.
[و] (١) على تأويل الشيخ أبى محمَّد، يتخرج في المسألة ثلاثة أقوال من "الكتاب":
أحدها: أن البيع لازم [في الجميع] (٢)، ويباع منهُ بوفاء الدين، وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أنه ينتقض البيع في الفصلين جميعًا، وهو قول المغيرة في "الكتاب".
والثالث: التفصيل بين أن يشتريه [وعليه من الديون ما يغترقه أن البيع الأول صحيح ويباع فيما عليه من الدين وبين أن يشتريه] (٣)، وليس عنده إلا بعض ثمنه، فيُفسخ فيه البيع، وهو قول مالك ﵀، وهذا أضعف الأقوال. [والحمد لله وحده] (٤).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: للجميع.
(٣) سقط من أ.
(٤) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٥ / ١٨٠ ]
المسألة العاشرة
في عتق أحد الشريكين حصَّتهُ له في عبدٍ بينهُ وبين غيره فلا يخلو ذلك [من] (١) ستة أوجه:
أحدها: أن يكون بين حرين مسلمين.
والثانى: أن يكون بين مملوكين مسلمين.
والثالث: أن يكون بين حُر ومملوك.
والرابع: أن يكون بين محجُورٍ عليهِ [ومطلوقُ] (٢) اليد.
والخامس: أن يكون بين نصرانيين.
والسادس: أن يكون بين مسلم ونصرانى.
والعبد في جميع ذلك مسلم أو نصرانى.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان العبد بين أشراكٍ مسلمين، فأحدث أحدهما في حقه عقدًا من عقود الحرية، فلا يخلو ما أحدثه من أربعة أوجه:
إما أن يكاتب، أو يدبر، أو يعتق إلى أجل، أو يعتق ناجرًا.
فأما الكتابة فباطلة، لاستحالة [كتابة بعض] (٣) عبد، لاختلاف صفة الاستسعاء هذا يستسعيه على النجوم، وهذا يستسعيه على الدوام، وذلك مخاطرة ومقامرة [وهو] (٤) من أكل المال بالباطل.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في هـ: ومطلق.
(٣) في أ: بعض كتابة.
(٤) سقط من أ.
[ ٥ / ١٨١ ]
وأما التدبير إذا دبر أحد الشريكين حصته، هل يجوز [له] (١) ذلك ابتداءً أم لا؟ قولان، سواء كان ذلك بإذن شريكه أو بغير إذنه، والقولان قائمان من "المُدوَّنة".
[لأن] (٢) تدبير البعض يؤدى إلى بيع المدبر على القول بالمقاواة على ما سيأتى إن شاء الله تعالى.
وعلى القول بأنهُ لا يجوز ابتداءً، فإذا وقع ونزل، هل يُردُّ التدبير أو يمضي؟
والتفصيل بين أن يكون الشريك الذي دبر موسرًا أو معسرًا، فيمضى [على الموسر وفي المعسر] (٣) قولان:
أحدهما: أنه يمضي، وهو مذهب "المُدوَّنة".
والثانى: أنه يرد التدبير، وهو قول سحنون في "العُتبية".
وعلى القول بإمضاء التدبير [مع] (٤) اليُسر اتفاقًا [و] (٥) مع العسر، على قول فما حكم حصةُ المتمسك بنصيبه؟ فالمذهب على خمسة أقوال:
أحدها: أنه يقوم عليه حصته، ولا يقاويه، وهو قوله في باب "عتق المديان"، في كتاب "العتق الأول".
[حيث] (٦) قال: ولقد سمعته ونزلت، فأما التدبير الذي دبره كله،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: و.
(٣) في أ: مع اليسر وفي العسر.
(٤) في أ: في.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٥ / ١٨٢ ]
ولم يجعل فيه تقوية، أي مقاواة.
قال ابن القاسم أيضًا في "الكتاب المذكور": وكانت المقاواة عند مالك ضعيفة، ولكنه شىء جرى في كتابه.
وقال أيضًا في باب "عتق الشريكين": إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه إلى أجلٍ، سمعته يقول فيمن دبر حصته من عبدٍ بينه وبين غيره: إنه يقوم عليه.
قال: وقوله في المدبر غير هذا، إلا أنه أفتى بهذا، وأنا عنده قاعد، ومعناه: أن يقوم عليه بالحكم كالعتق.
والقول الثاني: أنه يقاويه.
والثالث: أنه يخير بين أن يقاويه أو يقوم عليه.
والقولان في "كتاب المُدَبرَّ من "المُدوَّنة".
والقول الرابع: أنه يحكم عليهما بالمقاواة، ولابد منه، ولا خيار للشريك، وذلك حق للعبد، وهذا القول ذكره محمَّد عن مالك وابن حبيب عن مطرف وعبد الملك، وبه أخذ ابن حبيب.
والقول الخامس: التفصيل بين أن يكون موسرًا أو معسرًا.
فإن كان موسرًا، فيقوم عليه.
وإن كان معسرًا، فلا مقاومة عليه ولا تقويم، كالشريك [المعسر] (١) يعتق حصته، وهو قول ابن القاسم في كتاب محمَّد.
وعلى القول بالتقويم: فإن المتمسك يخير بين التقويم والتدبير.
وعلى القول بالمقاواة: يخير بين أربعة أشياء: التقويم أو المقاواة أو التدبير
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٥ / ١٨٣ ]
أو التماسك. وعلى القول بالتخيير: يخير بين خمسة أشياء: بين التقويم، والمقاواة، والتدبير، والتماسك [والعتق] (١).
وسبب الخلاف [اختلافهم في] (٢): المغلب في ذلك، هل يغلب فيه حق العبد، فيحكم بالتقويم، شاء المتمسك أو أبى، كما قال عبد الملك وغيره أو يغلب في ذلك حق السيد، فيحكم بالتخيير بين المقاواة والتقويم؟
أما القول بالمقاواة: فيتخرج على جواز بيع المدبر، وعلى القول بإمضاء التدبير مع العسر، إذا لم يف ببيع ما قوم عليه من القيمة، هل يتبع بما بقى أو يباع من نصيب المدبر بما بقى من القيمة؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يباع النصيب الذي قوم عليه، وما عجز عنه فإنه يتبع [به] (٣) دينًا في ذمته، وهو قول أشهب في "كتاب محمَّد".
والثانى: أنه يباع من جمعيه مقدار ما عليه من الدين، وما بقى كان مدبرًا، كمن دبر وعليه دين، وهو قول أصبغ في "كتاب [ابن المواز"] (٤).
وأما إن أعتق إلى أجل، فلا يخلو من أن يكون موسرًا أو معسرًا.
فإن كان موسرًا، هل [يقوم] (٥) عليه نصيب المتمسك بالرق إلى ذلك الأجل؟ فالمذهب على أربعة أقوال:
أحداها: أنه [يقوم] (٦) عليه الآن، وهو قوله في "المُدوَّنة"،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣)
(٤) في هـ: محمَّد.
(٥) في أ: يعتق.
(٦) في أ: يعتق.
[ ٥ / ١٨٤ ]
و[هو] (١) قول مالك والمغيرة وابن القاسم في "كتاب ابن سحنون".
والثانى: أنه لا يقوم عليه إلا عند الأجل، وإلا فإنه لا [يشاء] (٢) شريك أن يطلب شراء حصة شريكه فيما [جاء] (٣) عليه، إلا أعتق حصته إلى أربعين سنة، فاقتطعه دونه، وهي رواية عيسى بن دينار عن ابن حسان عن مطرف عن مالك في "كتاب النوادر".
والقول الثالث: أن المتمسك بالرق بالخيار، إن شاء قوم عليه الساعة، ويكون جميعهُ حر إلى سنة.
وإن شاء [تمسك] (٤)، وهو قول عبد الملك في "كتاب ابن سحنون".
والقول الرابع: التفصيل بين أن يطول [الأمد] (٥) جدًا، فيؤخر التقويم إلى حلوله أو يكون الأجل قريبًا كالسنة ونحوها: فيقوم عليه الآن، وهو قول ابن القاسم وأشهب فيما رواه أصبغ عنهما في "كتاب ابن سحنون".
وعلى القول بأنه لا يقوم عليه حتى يحل الأجل، فإذا أراد المتمسك أن يبيع حصته قبل الأجل، هل يمكن أم لا؟
فأما من الشريك الذي أعتق إلى أجل، فلا خلاف وأما من غيره، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن البيع لا يجوز، لأنه غرر [وخطر] (٦)، إن أتت السنة،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: يشاط.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ، جـ: تماسك.
(٥) في هـ: الأجل.
(٦) وسقط من أ.
[ ٥ / ١٨٥ ]
وهو موسر: أخذ المشتري القيمة.
وإن أتت وهو معسر، صح له العبد.
والثانى: أن البيع جائز، وهذا القول مخرج غير منصوصٍ عليه.
وسبب الخلاف: اعتبار الطوارئ، هل تُراعى أو لا؟
وعلى القول بأنه لا يلزمه التقويم حتى يحل الأجل، فإذا حل الأجل وهو معسر، هل يقوم عليه اعتبار [يسره] (١) يوم العتق؟
فالمذهب: أنه لا يقوم عليه.
ولو كان بالعكس مثل أن يكون يوم العتق مُعسرًا أو عند حلول الأجل موسرًا، هل يقوم عليه أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه [يقوم] (٢) عليه إذا كان موسرًا يوم الحلول، وهو قول عبد الملك.
والثانى: أن المعسر بيسره في الطرفين جميعًا، وإن عدمه يوم العتق سقط عنه التقويم، وإن أيسر عند الحلول، وهو قول المغيرة وسحنون.
والقولان في "كتاب ابن سحنون".
وسبب الخلاف: في أصل المسألة قوة التهمة وضعفها.
فمن رأى أن التهمة في ذلك قوية قال: يتهم في استخراج حصة الشريك من يده بغير اختياره، ويستبد بملك عبده إلى أجلٍ أراده.
ومن ضعّف أمر التهمة: نظر إلى أن مال الجميع، الخروج من ملكهما عند حلول الأجل.
_________________
(١) في أ: اليسرة.
(٢) في أ: لا يقوم.
[ ٥ / ١٨٦ ]
والمقصود: القربة لاستعمال الحيلة.
فإن كان معسرًا: فإنه لا [يقوم] (١) عليه في الحال ولا في المآل.
فإن أعتق عتقًا ناجزًا، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون معسرًا.
والثانى: أن يكون موسرًا.
فإن كان معسرًا: فإنه لا يلزمه التقويم، [لأن] (٢) التقويم مشروط بالإيسار.
واختلف في المتمسك بالرق: إذا أراد أن يقوم على المعتق، ويتبعه في الذمة: على قولين قائمين من "المُدوَّنة":
أحدهما: أن ذلك له، وأن له أن يقوم عليه وتبيعه في الذمة، لأن ضرر التأخير على الذي لم يعتق، وهو نص قول مالك في "كتاب ابن المواز"، وهو ظاهر "المُدوَّنة".
والثانى: أنه لا يمكن من ذلك ولا يجوز له، وهو قول المغيرة في "كتاب أمهات الأولاد" من "المُدوَّنة".
وسبب الخلاف: معارضة القياس لدليل الخطاب في قوله ﵇ "وكان له مال"، دليله: أنه إن لم يكن له مال لا يقوم عليه، "وهو معسر" آخر الحديث من تفسير ابن نافع على قول، أو من متن الحديث على قول.
فعلى القول بأنهُ من متن الحديث: يكون القياس معارضًا للخبر إذ
_________________
(١) في أ: تقويم.
(٢) في أ: فإن.
[ ٥ / ١٨٧ ]
الخبر خبر آحاد، والقياس يوجب تضمين المعتق، إذا أراد التمسك اتباع ذمته وإسقاط حقه من العبد.
فإن كان موسرًا، فلا يخلو من أن يعتق جميعه أو يعتق بعضه منه.
فإن أعتق جميعه، هل يلزم [ذلك] (١) صاحبه، ولا خروج له عنه أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك لازم للشريك، ولا له عتق حصته، وليس له إلا القيمه يوم العتق، وهو قول ابن القاسم في "كتاب ابن حبيب"، وهو مذهب "المُدوَّنة".
والثانى: أن ذلك لا يلزم الشريك الآخر إلا أن يشاء، وله أن يعتق حصته، كما لو أعتق شركًا له فيه، وهو قول مطرف وابن الماجشون في "النوادر".
فإن أعتق حصته منه، وهو موسر، فلا يخلو من أن يكون موسرًا بقيمة جميع نصيب [الشريك أو بعض. فإن كان موسرًا بجميع نصيب] (٢) شريكه بالسراية أو بالتقويم: [فالمذهب] (٣) على قولين قائمين من "المُدوَّنة":
أحدهما: أنه يعتق عليه بالسراية، وهو أحد قولى مالك في "المُدوَّنة"، وهذا القول قائم من "المُدوَّنة" من "كتاب العتق الثاني" في أحد الشريكين، إذا شهد على شريكه أنه قد أعتق حصته من العبد، وهو موسر حيث قال: فإن كان المشهود عليه موسرًا، فنصيب الشاهد حر، لأنه أقرَّ أن ماله على المعتق إلا القيمة، وقد جحده فيها.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ١٨٨ ]
الثاني: أنه لا يعتق عليه إلا بالتقويم [وهو المشهور وهو نص المدونة وعلى القول بأنه لا يعتق عليه إلا بالتقويم] (١)، فلا يخلو من خمسه أوجه:
أحدها: أن يعتق في الصحة، [ويُعثر] (٢) عليه في الصحة.
والثانى: أن يعتق في الصحة، فلم يقوم عليه حتى مرض.
والثالث: أن يعتق في الصحة، فلم يُعثر عليه إلا بعد الموت.
والرابع: أن يعتق في المرض، فأُقيم عليه فى المرض.
والخامس: أن يعتق في المرض، فلم يشعر بفعله حتى مات من مرضه ذلك.
فإن أعتق في الصحة [وعثر عليه في الصحة] (٣)، فلا يخلو شريكه من أن يكون قد أحدث في نصيبه حدثًا [أم لا] (٤).
فإن لم يحدث في نصيبه حدثًا، فلا يخلو المعتق من أن يكون واحدًا أو اثنين:
فإن كان الشريك المعتق واحدًا، فإن كان موسرًا ببعض نصيب الشريك، هل يقوم عليه العبد بمقدار غلبته أم لا؟
قولان:
أحدهما: أنه يقوم عليه بمقدار غلبته، وهو نص قول مالك في "المُدوَّنة".
والثانى: أنه لا يقوم عليه إلا إذا كان موسرًا بقيمة جميع نصيب
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في هـ: وعثر.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٥ / ١٨٩ ]
شريكه، وهذا القول [مستقرأ] (١) من "المُدوَّنة".
وسبب الخلاف: معارضة القياس لظاهر الخبر وظاهر الخبر يقتضى التقويم بمقدار المالية، استوعب حقُّ الشريك أو بعضهُ، ما لم يكن عنده من المال يسيرًا جدًا.
والقياس يقتضى ألا تقويم: لأن التقويم على خلاف الأصل، لأن ذلك يؤدى إلى استخراج المملوك من الملك بغير اختيار [المالك] (٢)، من غير استحقاق ولا جناية صدرت منه على نفس ولا مال، لأن الشرع ورد بها على شرط [اليسار] (٣) بقيمة الشقص، فإذا عدم الشرط، بقى على أصل المنع.
ومن طريق المعنى أيضًا: أن الشريك المتمسك يلحقه الضرر من تبعيض سهمه في العبد على ما لا يخفى.
وإن كان موسرًا بجميع [نصيب] (٤) الشريك والعتق من واحد، فلا يخلو المتمسك من أن يكون حاضرًا أو غائبًا.
فإن كان حاضرًا، فإن الشريك مخيرٌ بين أن يعتق أو يقوم.
فإن اختار العتق، أتمهُ بلا خلاف.
وإن اختار التقويم، فتمادى عليه فلا إشكال.
فإن اضطرب رأيهُ، فاختار العتق، قال: أنا أقوم، أو إذا اختار التقويم، ثم قال: أنا أعتق، هل يمكن من ذلك أم لا؟ فالمذهب على
_________________
(١) في أ: استقراء.
(٢) في أ: الملاك.
(٣) في أ: الإيسار.
(٤) في أ، جـ: قيمة.
[ ٥ / ١٩٠ ]
قولين:
أحدهما: أنه لا يرجع عما اختاره، أولا، وليس له إلا القيمة، وهو قول أشهب في "كتاب ابن المواز".
والثانى: أن له الرجوع إلى العتق ما لم يقوم، وهي رواية ابن القاسم وابن وهب عن مالك، وبه قال ابن الماجشون في "كتاب ابن حبيب".
فإن اختار التقويم، واتصل بيسر المعتق، من يوم العتق إلى يوم التقويم: فلا خلاف في المذهب أنه يقوم عليه [بقيمته] (١) يوم الحكم فإن تخلله عسر أو كان يوم العتق معسرًا أو يوم الحكم موسرًا ما الحكم فى ذلك؟
أما إذا تخلله عسر، مثل: أن يكون يوم العتق [موسرًا] (٢) ثم أعثر ثم أيسر ثم أقيم عليه.
فإن أقيم عليه بالتقويم في حالة العسر، فلم [يقض] (٣) عليه بشىء: فلا خلاف أنه لا تقويم عليه بعد ذلك.
وإن لم يكن أقيم عليه، فلا يخلو من أن يكون عدمه عدمًا بينًا أم لا.
فإن كان عدمه عدمًا بينًا: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يقوم عليه، ولا يُنظر إلى ما خالل ذلك من العسر، وهو قول ابن القاسم في المُدوّنة، وهو قول ابن نافع في "كتاب محمَّد".
والثانى: أنه لا يقوم عليه، وهو قول مطرف وابن الماجشون وأشهب وأصبغ وابن القاسم وابن عبد الحكم في "الموازية".
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من هـ.
(٣) في أ: يقبض.
[ ٥ / ١٩١ ]
فإن أعتق وهو معسر، فلم يقوم عليه حتى أيسر، فلا يخلو العبد من أن يكون حاضرًا أو غائبًا.
فإن كان غائبًا حيث لا يعلم خبره، فلا خلاف أنَّه يقوم عليه إذا قدم.
فإن كان العبد حاضرًا أو الشريك والعبد عالمان بحال المعتق وعسره، ثُمَّ [رفعاه] (١) إلى الإِمام بيسر حدث، فهل يقوم عليه أم لا؟ فعن مالك في ذلك قولان منصوصان في "المُدوَّنة":
أحدهما: أنه يقوم عليه، وهو قول ابن نافع [في الموازية] (٢).
والثاني: أنَّهُ لا يقوم عليه.
وسبب الخلاف: هل النظر إلى يسره يوم العتق شرط الاتصال إلى يوم الحكم أو النظر إلى يسره يوم الحكم من غير التفات إلى ما قبل ذلك؟
فإن كان المتمسك غائبًا: فإن الإِمام يكتب إليه، إما أن يعتق أو يقوم.
فإن كان المعتق غائبًا، فلا يخلو من أن تعلم حياته، أو لم تعلم.
فإن علمت حياته، وخلف يسرًا: فإنه يقوم عليه.
وإن لم تعلم حياته أو علمت، ولم يخلف مالًا، فإنه [لا] (٣) يقوم عليه فإن كان العتق من اثنين وتماسك الثالث، فلا يخلو من أن يعتقا [معًا] أو أعتق واحدٌ بعد واحد.
فإن أعتقا معًا، وتساويا في اليسار، فلا خلاف في التقويم عليهما معًا، وهل ذلك على عدد الرؤوس أو على عدد الأنصاب؟ قولان قائمان من
_________________
(١) في أ: رفعه.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ١٩٢ ]
"المُدوَّنة":
أحدهما: أنه يقوم عليهما على قدر أنصابهما، كالشفعة وهو قول أشهب في "كتاب محمَّد".
والثانى: أنه [يقوم] (١) عليهما على [عدد] (٢) رؤوسهما، لأن الفساد القليل والكثير سواء، ألا ترى أنه يقوم على صاحب السدس جميعه، وهو قول عبد الملك في "المبسوط".
وسبب الخلاف: التقويم، هل سبيله سبيل [الجناية] (٣)، فيكون على الرؤوس أو سبيلهُ سبيل [المعاوضة] (٤)، فيكون على عدد الأنصاب، كالأخذ بالشفعة.
وإن كان أحدهما موسرًا والآخر مُعسرًا، فهل يقوم كله على الموسر، أو إنما يقوم عليه مقدار حصته خاصة؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يقوم عليه جميعه، وهو مذهب "المُدوَّنة"، وبه قال أكثر أصحاب مالك.
والثانى: أنه لا يقوم عليه إلا مقدار حقه خاصة، وهذا القول حكاه سحنون عن عبد الملك في كتاب [ابنه] (٥).
وينبنى الخلاف على الخلاف: هل حكمه حكم [الجناية] (٦)، فيقوم
_________________
(١) في أ: يعتق.
(٢) في أ: قدر.
(٣) في ع، هـ: الجنايات.
(٤) في ع، هـ: المعاوضات.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ع، هـ: الجنايات.
[ ٥ / ١٩٣ ]
عليه جميعه أو حكمه حكم [المعاوضة] (١)، فلا يقوم عليه قدر حقه؟
فإن أعتق واحد منهما بعد الآخر.
فإن كان الأول منهما موسرًا، فالتقويم عليه بلا خلاف، من غير اعتبار حال الثاني.
فإن كان الأول معسرًا، والثانى موسرًا، فهل يقوم على الثاني؟ قولان قائمان من "المُدوَّنة":
أحدهما: أنه لا يقوم عليه، وهو نص المدونة.
والثانى: أنه يقوم عليه، وهو قول ابن نافع في "الموازية" و"الواضحة"، ويؤخذ من قول ابن القاسم في "المُدوَّنة"، من مسألة العبد الذي أعتق الشريك حصته منه، وهو موسر ثم أعتق الآخر بعض نصيبه ثم مات قبل أن يستكمل عليه حيث قال: فإنه يعتق باقيه على الأول، فكما أن تصرف المتمسك في نصيبه لا يسقط التقويم عن الأول إذا مات، فكذلك عدم الأول لا يسقط التقويم عن الثاني.
وسبب الخلاف: هل النظر إلى تعدد الجنايات [وحدودها] (٢) أو النظر إلى من سبق بها وابتدأ الفساد؟
وظاهر الخبر مؤاخذة الموسر منهما والتقويم عليه، كان هو الأول أو الآخر.
فأما الوجه الثاني: إذا أحدث الثاني بعد عتق الأول في نصيبه حدثًا، فلا يخلو [ما أحدث به من أن يكون مما] (٣) ينقل ملكه إلى ملك أو ما ينقل
_________________
(١) في ع، هـ: المعاوضات.
(٢) في هـ: ووجودها.
(٣) في أ: من أن يحدث فيه.
[ ٥ / ١٩٤ ]
ملكه إلى حرية:
فإن أحدث فيه ما ينقل ملكه إلى ملك، كالبيع وأمثاله، فلا يعد ذلك [منه] (١) رضا بترك التقويم والتزام العتق، بل يرد ما صنع مع القيام، ويبقى على رأس أمره في التخيير بين العتق والتقويم.
فإن فات عند المشتري بالعتق، فالبيع يرد قولًا واحدًا.
فإن فات بكتابة أو تدبير، فالبيع يرد وفي الإيلاء قولان.
فإن أحدث فيه ما ينقل الملك إلى حُرية، فإن أعتق ناجزًا فلا خلاف في سقوط التقويم، ولزوم العتق، إلا على القول بالسراية.
فإن أعتق إلى أجل أو دبر أو كاتب، فلا خلاف في المذهب في رد ما صنع إذا عثر على ذلك قبل الأجل.
واختلف هل يلزم العتق في سهمه أو يرجع إلى رأس أمره في التخيير؟ فالمذهب على قولين منصوصين في "المُدوَّنة":
أحدهما: أنه يرجع إلى رأس أمره في التخيير [بين العتق والتقويم] (٢)، وهو قول ابن القاسم في "المُدوَّنة".
والثانى: أنه يعجل عليه العتق، ولا خيار له لأنه استثنى من الرق ما ليس له، وهو قول الغير في "المُدوَّنة"، ويؤخذ لابن القاسم مثل قول الغير من قوله: إذا قال المتمسك: أنا أقوم، ثم قال: بل أعتق أنه لا يقوم ولا يعتق، فكما يعد مختارًا بالتصريح، فكذلك يعد مختارًا بالعتق بالتصرف بأنواعه.
وإن عثر على ذلك بعد حلول الأجل، أو بعد أن أعسر الشريك الذي
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٥ / ١٩٥ ]
أعتق ناجزًا، مضى فعله، ولا مرد له ولا فرق في ذلك بين العتق إلى أجل ولا بين التدبير والكتابة.
فأما إن أعتق في الصحة، فلم يقوم عليه حتى مرض، فهل يقوم عليه أو يسقط التقويم، فالمذهب على قولين منصوصين في "المُدوَّنة":
أحدهما: أنه يقوم عليه في ثلثه، وهو قول ابن القاسم في "المُدوَّنة".
والثانى: أنه لا [يقوم] (١) عليه حتى يصح أو يموت، وهو قول الغير في "الكتاب".
وسبب الخلاف: هل تتداخل أحكام الصحة في المرض مع تنافر أحكامهما، لكون أحدهما من الثلث والآخر من رأس المال أو لا تتداخل؟
وأما الوجه الثالث: إذا أعتق فى الصحه، ثُمَّ عثر عليهِ بعد الموت، فهل يقول نصيب الشريك فيما له أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال؟
أحدها: أنه لا [يقوم] (٢) عليه جملةً، وهو قول ابن القاسم في "المُدوَّنة"، وهو قول سحنون في "كتاب ابنه".
والثانى: أنه يقوم عليه جملةً، وهو قول أصبغ وابن عبد الحكم في كتاب "ابن المواز".
والثالث: التفصيل بين أن يغافصه الموت فيموت، بحدثان العتق فيقوم عليه [، أو بعد أن يموت بعد طول، أو تفريط فلا تقويم عليه، وهو قول أشهب في "العُتبيَّة" و"الموازية".
وعلى القول بأنه يقوم عليه] (٣)، هل يعتق من الثلث أو من رأس
_________________
(١) في أ: يعتق.
(٢) سقط من هـ.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ١٩٦ ]
المال؟
على قولين:
[أحدهما] (١): أنهُ يعتق من رأس ماله، وهو قول أشهب في "العُتبيَّة".
والثانى: أنه يعتق عليه من الثلث، وهو قول أصبغ وابن عبد الحكم في "الموَّازية"، وهو قول مطرف في "الواضحة".
وسبب الخلاف: هل النظر إلى حين العتق أو إلى حين التقويم؟
وأما إن عتق بعض عبد يملك جميعه، فلم يستكمل عليه حتى مات، هل يستتم عليه بعد الموت أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يستتم عليه، وهو مذهب "المُدوَّنة"، وهي رواية أشهب عن مالك في "الموَّازية"، وقال سحنون في "كتاب ابنه": هذا قول أصحابنا، ولو مات مكانه أو فلس.
والثانى: [أنه] (٢) إن غافصه الموت، ومات بحدثان ذلك، فإنَّهُ يعتق عليه باقيه في ثلثه، وهي رواية مطرف عن مالك فى كتاب "ابن حبيب".
وأما الوجه الرابع: إذا أعتق في المرض، ثُمَّ عُثر عليه في المرض، فهل يقوم نصيب الشريك أم لا؟ فالمذهب على خمسة أقوال كلها قائمة من "المُدوَّنة":
أحدها: أنه لا يقوم عليه إلا بعد الموت، كان [ماله] (٣) مأمونًا أم لا، [والثانى: أنه يقوم عليه كان ماله مأمونًا أم لا] (٤) إذا حمله ما عنده من
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في هـ: له.
(٤) سقط من أ.
[ ٥ / ١٩٧ ]
المال، وظاهرهُ: أنه يقوم عليه الآن، ولا يعتق عليه إلا بعد الموت، وعليه حمله غير واحد من شيوخنا، وهو نصُّ ما في كتاب محمَّد.
[والثانى: أنه يقوم عليه بعد الموت، كان ماله مأمونًا أم لا].
والثالث: التفصيل بين أن يكون [ماله] (١) مالًا مأمونًا فيقوم عليه الآن، وبين أن يكون مالهُ غير مأمون، فلا يقوم عليه إلا بعد الموت، فإذا مات قُوِّم في ثُلُثه، وينفذ العتق فى جميعه.
والأقوال الثلاثة لمالك في "المُدوَّنة".
والقول الرابع: أنَّهُ لا يقوم [عليه] (٢) نصيب الشريك في مرضه، حتى يصح أو يموت:
فإن صحَّ: قوم عليه في ماله.
وإن مات: عتق ما أعتق في ثُلُثه، ولا يقوم عليه نصيب شريكه، وإن حمله الثُلث، لأن التقويم لا يلزم إلا في عتقٍ بعض إلى حُرية ناجزة أو إلى أجلٍ قريب، ولا يردُّهُ دين، وهذا قد يرده الدين، وهو من الثلث إلا أن يكون له أموالٌ مأمونة، فيقوم عليه ويُعجَّل لهُ العتق مكانه قبل أن يموت، وهو قول ابن الماجشون في كتاب ابن المواز، وبه قال ابن حبيب.
والقول الخامس: أن الشريك مُخير بين التقويم وقبض الثمن، بقى كله للمعتق موقوفًا وإن مات عتق عليه أو ما حمله الثلث منه، وما بقى رقيقًا لورثته، وبين [أن يتماسك] (٣) بنصيبه حتى يصح، فيقوم عليه فى رأس ماله أو يموت فيقوم عليه في الثلث، وهذا القول حكاه ابن
_________________
(١) في هـ: له.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: المتماسك.
[ ٥ / ١٩٨ ]
سحنون عن أبيه عن ابن القاسم في "كتابه"، وهذا القول قائم من "المُدوَّنة" من تدبير أحد الشريكين، حيث خير المتمسك بين التقويم [وغيره] (١)، لأنه ليس التقويم إلا إلى عتق، ولابد لاحتمال [أن يطرأ] (٢) الدين على المدبر، ولا يحمله الثلث فيرق الباقي، وذلك موجود في هذه المسألة.
وينبنى الخلاف على الخلاف: في اعتبار المال المأمون، هل يُراعى أو لا يُراعى؟
واختلف فيما إذا أوصى بعتق نصيبه، هل يقوم عليه نصيب شريكه [بعد موته] (٣) أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّهُ لا يقوم عليه نصيب شريكه، قال سحنون: وهذا قول جميع أصحابنا، وهو قول مالك في "الموطأ".
والثانى: بالتفصيل بين أن يُوصى بذلك أو لا يُوصى.
فإن أوصى بتقويم حصة شريكه عليه بعد موته: فإنه يقوم عليه فى ثلثه، وهو قول مالك وابن القاسم [وأكثر أصحابه في العتبية] (٤).
فإن لم يوص بذلك فلا يقوم عليه.
والقول الثالث: أنه يقوم عليه، وإن لم يوص به كالمبتل [على] (٥) سواء، وهذا القول حكاهُ ابن الجلاب في المذهب.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ع، هـ: طرآن.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: "وأكثر أصحابنا" وفى جـ: "وأكثر أصحابنا في العتبية".
(٥) سقط من أ.
[ ٥ / ١٩٩ ]
وعلى القول بأنَّهُ يقوم عليه نصيب شريكه إذا أوصى بذلك، هل يُجبر عليه الشريك المتمسك إذا أبى أو لا يُجبر عليه؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يُجبر على التقويم إن أباهُ، وهو قول أكثر أصحاب مالك في "العتبيَّة".
والثانى: أنه لا يجبر وأنَّهُ بالخيار، إن شاء أعتق حصته منه وإن شاء قومها في ثلث مال الميت، وإن شاء تماسك بحصته، ولا يُجبر على البيع، وهي رواية ابن وهب عن مالك فيما حكاه سحنون في "العُتبيَّة"، فقال: "وهي [وهم] (١) لا أعرفها".
وأما الوجه الخامس: إذا عثر على ذلك بعد الموت، فهل يقوم عليه أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ لا يقوم عليه: وإن حمله الثُلُث، وهو نص "المُدوّنة".
والثانى: أنه يقوم عليه، وهذا القول قائم من "المُدوَّنة" من قوله: إذا أعتق فى الصحة، ثُمَّ عُثر عليه بعد الموت مِن غير طول ولا تفريط: أنَّهُ يقوم عليه فى أحد الأقوال. وهو الأظهر في النظر والله أعلم.
وهذا كُلُّهُ [إذا كان] (٢) بين الحُرَّين المسلمين والعبدُ مُسلمٌ أو نصرانى أو فيما بين الحُر والعبد، والحُر هو المعتق أو فيما بين المسلم والنصرانى والعبد مسلم: فالحُكم في جميع ذلك على السواء.
والجواب عن الوجه الرابع من [أصل المسألة] (٣): إذا كان بين الحُر والعبد، والعبدُ هو المعتق، فلا يخلو من أن يكون بإذن السيد أو بغير إذنه.
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من هـ.
[ ٥ / ٢٠٠ ]
فإن كان ذلك بإذن السيد أو بغير إذنه إلا أنَّهُ أجاز فعلهُ بعد العلم: فالتقويم على السيد، لأنَّهُ هو المعتق على الحقيقة، فإن لم يكن له مال سوى العبد المباشر للعتق: فإنهُ يُباع عليه في القيمة.
وإن كان بغير إذنه، ولم يجوز فعله بعد العلم: فالعتق مردود وأما إذا كانا عبدين، فهما إذًا بإذن السادات كالأحرار بلا تفريع.
والجواب عن الوجه الخامس: إذا كانا حرين مسلمين، أحدهما مُطلق اليد في التصرف، والآخر محجورٌ عليه كالصبى والسفيه، فالتقويم على مطلق اليد في التصرف إذا ابتدأ العتق.
وإن ابتدأ العتق محجورٌ عليه: فعتقهُ مردود.
وإن أجازه من له النظر: فإن كان مسلمٌ أو نصرانى والعبد نصرانى:
فإن أعتق المُسلم: فالتقويم عليه.
فإن أعتق النصراني، هل يقوم عليه نصيب المسلم أم لا؟ فالمذهب على قولين منصوصين في "المُدوَّنة":
أحدهما: نفى التقويم، وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أنَّهُ يقوم عليهِ، وهو قول الغير.
وسبب الخلاف: الكُفَّار هل هم مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟ وللخلاف سبب آخر: وهو هل يغلب حق الشريك المُسلم فيقوم عليهِ أو يغلب حقُّ العبد ثُمَّ لا [يقوم] (١)؟، لأنَّ التقويم يتضمن ثلاثة حقوق: حق الله وحق العبد وحق الشريك.
والجواب عن الوجه السادس: إذا كانا نصرانيين والعبدُ مُسلم، هل يقوم
_________________
(١) في هـ: تقويم.
[ ٥ / ٢٠١ ]
على المعتق منهما أم لا؟ قولان في المذهب قائمان من "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَّهُ يوم على المعتق منهما، وهو المشهور.
والثانى: أنَّهُ لا يقوم عليه، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المُدوَّنة"، فيما: إذا كان [عبد بين مسلم ونصرانى] (١)، فأعتق النصرانى حصَّتهُ.
وسبب الخلاف: هل يغلب حقُّ العبد، فيكون حكم بين مسلم ونصرانى أو يغلب حق الله فيسقط التقويم على القول بأنَّ الكفَّار غير مخاطبين بفروع الشريعة.
وإن كان العبدُ نصرانيًا، فأعتق أحدهما حصته، فإن الخلاف في التقويم على من أعتق منهما، يتخرَّج على الخلاف في الكفَّار هل هم مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟
والحمد لله وحده.
_________________
(١) في أ: عبدٌ مسلم بين مسلم وكافر. وفي هـ: عبد نصرانى بين مسلم وكافر.
[ ٥ / ٢٠٢ ]
المسألة الحادية عشر
في المأذون إذا اشترى من يعتق على سيده، فلا يخلو المأذون من وجهين:
أحدهما: أن يتَّجر بمال نفسه لنفسه.
والثانى: أن يتَّجر لسيده.
فإن كان العبد يتجر لنفسه، فاشترى من يعتق على سيده، هل يعتق على السيد أم لا؟ قولان قائمان من "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَّهُ يعتق على السيد، علم [العبد] (١) بذلك أو لم يعلم، وهو قول مالك وابن القاسم.
والثانى: أنَّهُ لا يعتق عليه، علم [العبد] (٢) بذلك أو لم يعلم، وهو قول أشهب في "كتاب ابن المواز".
وسبب الخلاف: [اختلافهم في] (٣) من ملك أن يملك، هل يُعد كالمالك قبل أن [يملك] (٤) أم لا؟
فإن كان العبد يتَّجر لسيده، فلا يخلو المأذون من أن يكونه عالمًا أو غير عالم.
فإن لم يعلم، فالمشترى يعتق على السيد اتفاقًا، لأن تصريف المأذون بين أن يكون عالمًا، كتصرف سيده.
فإن علم واجترأ على الشراء، هل يعتق من اشترى على السيد أم لا؟
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: يملكه.
[ ٥ / ٢٠٣ ]
قولان منصوصان في "المُدوَّنة":
أحدهما: أنه يعتق عليه، علم المأذون بذلك أو لم يعلم، وهو نص قول ابن القاسم في "كتاب الرهون"، وفي بعض روايات "المُدوَّنة"، وهو قول ابن القاسم وأصبغ في غير "المُدوَّنة"، بناءً على أن الصيغة عامة بفحواها للمسميات، وشاملة ببنائها للمشتريات والعبد مغرور في تركه البيان والتفسير والنهى والتحظير عن بعض أنواع المتاجر.
والقول الثاني: أنه لا يعتق على السيد، إن علم وهو نص [قول] (١) ابن القاسم في [آخر] (٢) كتاب العتق [الثاني] (٣)، بناءً على أن السيد إنما قصد بالإذن في التجارة: الإكثار، وعرض ماله للاستثمار بالأرباح الغزار، وليس للعبد أن يرصد به المخاوف ويقدمه للمُتالف، وذلك ضد مُرام السيد، وعكس للغرضِ المقصود.
والله أعلم [والحمد لله وحده وصلى الله على محمَّد وآله وصحبه وسلم] (٤).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في هـ: الأول.
(٤) زيادة من ع، هـ.
[ ٥ / ٢٠٤ ]
كتاب العتق الثاني
[ ٥ / ٢٠٥ ]