المسألة الأولي في تسميته قراضًا ومضاربة على لغة أهل العراق
فالقراض: مأخوذ من القرض؛ قال صاحب العين: أقرضت الرجل إذا أعطيته ليعطيك، وهي عطية يجازي بها صاحبها؛ قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (١).
والقراض عطيه ليجازي عليها بجزء من ربحها، والقرض في السلف من هذا، فكأن القرض ينتفع به آخذه لكن لا ضمان عليه فيه، وعليه رده ومكافأة ما صنع مع صاحبه ما يدخله عليه من ربح، ولهذا سمى هذا مقارضة؛ إذ المنفعة فيه والرغبة من اثنين، التي هي المفاعلة، ولا يكون ذلك في السلف؛ إذ النفع فيه للمسلف وحده.
وقد قيل: سمى هذا قرضًا؛ لأن الله ﵎ يجازي عليه بثوابه، وهذا معترض؛ لأن هذا الاسم كان في الجاهلية معروفًا، وهم لا يطلبون عند الله جزاءً، ولا يعترف أكثرهم بمعاد.
وأما تسميته مضاربة: فمن الضرب في الأرض، وهو السفر بها، قال الله العظيم: ﴿يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (٢)، وكان أصل القرض في الجاهلية دفع المال للمسافر، فتكون المضاربة هنا إما بمعنى السفر الذي جاء فيه فاعل من المؤاجر، فقالوا سافر أو لأجل عقد من اثنين.
ولا خلاف في جوازه بين المسلمين، وأنه رخصة مستثناة من الإجارة
_________________
(١) سورة البقرة الآية (٢٤٥).
(٢) سورة المزمل الآية (٢٠).
[ ٨ / ٢٧ ]
المجهولة، ومن السلف بمنفعة، وهو معنى قول بعض شيوخنا أنه سنة أي: إباحة أو رخصة، وهو من العقود الجائزة، ولأحدهما الترك متى شاء ما لم يتعلق بالمال حق لأحدهما، والحمد لله وحده.
[ ٨ / ٢٨ ]
المسألة الثانية في معرفة ما يجوز به القراض
والقراض لا خلاف في جوازه بالدنانير والدراهم.
وفي جوازه بنقار الذهب والفضة قولان لمالك في الكتاب في "أول كتاب القراض" من "المدونة".
وفي جوازه بالفلوس قولان:
المنع: وهو المنصوص المشهور، ويستقرأ من المدونة الجواز من غير ما موضع؛ بناءً على أن لها حكم العين.
ولا يجوز بشيء من العروض المعينات، ولا بشىء من المكيلات والموزونات عند مالك وجميع أصحابه، ولا عند أحد من فقهاء الأمصار؛ لأن القراض في الأصل غرر؛ لأنه إجارة مجهولة؛ إذ لا يدرك العامل، فهل يربح في المال أم لا؟ ولا مقدار ما يربح إن ربح، إلا أن الشرع جوزه للضرورة إليه، وحاجة الناس إلى التعامل به، فيجب ألا يجوز منه إلا مقدار ما جوز الشرع، وأن يكون ما عداه ممنوعًا بالأصل.
وأيضًا فإن القراض بالعروض لا يخلو من أربعة أوجه:
إما أن يجعل رأس المال القراض العروض بعينه.
أو ثمنه الذي يببيعه به.
أو قيمته يوم العقد.
أو قيمته يوم التفاضل؛ لأن معرفة رأس المال ومقداره لابد منه في القراض ليعرف العامل على ما يعمل، فإن كان عين القراض هو رأس المال
[ ٨ / ٢٩ ]
فذلك غرر؛ لأنه يأخذ السلعة وقيمتها مائة دينار ويردها وقيمتها عشرة دنانير، ويذهب العامل ببعض رأس المال، فيأخذها وقيمتها عشرة فيردها وهي تساوي مائة دينار، فيذهب رب المال بأجرة العامل.
فإن كان الثمن الذي يبيعه به هو رأس المال، فقد اشترط رب المال المنفعة لشيئه على العامل فيما تحمل عنه من مؤنة البيع وما يكفيه من ذلك.
وإن كان قيمتها يوم يدفعها إليه هو رأس المال كان رب المال قد باع منه العروض بما قوماه به على أنه إن باعه بأقل من ذلك: جبره من ربحه، وإن باعه بأكثر من ذلك: كان له نصف الفضل، وذلك من الغرر البين والمزابنة؛ كمن دفع إلى رجل ثوبًا ليبيعه بعشرة دنانير على أن عليه ما نقص وله بعض زاد.
وإن كان رأس المال قيمته يوم التفاضل: فذلك أيضًا غرر بين؛ لأن قيمته يوم التفاضل مجهولة فيكون العامل يعمل على رأس مال مجهول قد يكثر، ويغرمه ربحه أو يقل، فيذهب ببعض مال رب المال، فصارت جميع وجوه هذه المسألة إلى غرر وفساد، غير أن الحكم يختلف فيها إذا نزلت على مذهب ابن القاسم.
فأمَّا إذا جعلا رأس المال الثمن الذي يبيعه به: فإنه تكون له إجارة المثل في بيعه العروض، ثم يرد إلى قراض المثل في الثمن إذا لم يعثر عليه إلا بعد العمل، وهي في سائر الوجوه أجير له إجارة مثله على خلاف وتحصيل قد قدمناه في كتاب المساقاة، فلا نطول بذكره مرة أخرى، والحمد لله وحده.
[ ٨ / ٣٠ ]
المسألة الثالثة في نفقة العامل من مال القراض
ولا يخلو العامل من أن يكون في السفر أو في الحضر، فإن كان في الحضر: فلا يخلو من أن يكون في موضع استيطان أم لا.
فإن كان في موضع له فيه استيطان: فلا نفقة له.
وإن لم يكن فيه استيطان كالغريب المقيم في بلد ليس له فيه أهل، ولا هي له بوطن: فهذا تكون له النفقة، ووجهه: أنه إذا كان غير مستوطن تلك البلدة، ولا فيها أهل، فما حبسه فيها إلا العامل بالمال، فصار كالمسافر.
وإن كان في السفر: فالسفر ضربان:
سفر القرب والطاعات، وسفر طلب المتاجر والحاجات.
فأمَّا سفر البر والطاعات كالسفر إلى الحج، أو إلى الغزو إذا خرج بمال القراض: هل تكون له فيه النفقة أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا نفقة لحاج ولا لغاز في طوري الإياب والذهاب، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أن لهما النفقة من مال القراض في الإياب والذهاب، وهو قول ابن المواز.
والثالث: التفصيل بين الإياب والذهاب؛ فتكون له النفقة في الذهاب دون الإياب، وهذا القول يؤخذ من المدونة من مسألة المسافر في طلب
[ ٨ / ٣١ ]
الأرباح؛ حيث قال: "فإذا رجع إلى أهله لم يأكل منه"، إلا أن المشهور ما بدأنا به ألا نفقة لهما.
ويتخرج في المسألة قول رابع: أن النفقة تقصي على قدر نفقته في سفره إلى الحج، وعلى مال القراض، وهذا القول يؤخذ من "المدونة" من مسألة الذي سافر إلى حاجته، ثم أخذ مالًا قراضًا، حيث قال تقصي النفقة، على ما سنبين كيفية التقصيص إن شاء الله.
فأما الوجه الثاني وهو السفر في طلب المآرب والحاجات فلا يخلو من وجهين: إما أن يكون في موضع استيطان، فللمذهب في ثبوت النفقة وإسقاطها على قولين:
أحدهما: إسقاطها في طوري الإياب والذهاب، وهو مذهب المدونة وعليه الجمهور.
والثاني: ثبوتها فيهما، وهو قول أشهب فيما رواه البرقي عنه في "المدونة".
فإن سافر من موضع استيطان إلى غير استيطان، فهل تكون له النفقة في طوري الإياب والذهاب؟
فلا يخلو من أربعة أوجه:
إما أن يكون السفر بعيدًا والمال كثير.
وإما أن يكون السفر قريبًا، والمال قليل.
وإما أن يكون السفر بعيدًا، والمال قليل.
وإما أن يكون السفر قريبًا، والمال كثير.
فأما الوجه الأول: إذا كان السفر بعيدًا والمال كثير، فله الأمران جميعًا -الكسوة والنفقة- في الذهاب، قولًا واحدًا، وفي الإياب قولان:
[ ٨ / ٣٢ ]
أحدهما: وجوب النفقة والكسورة، وهو نص قوله في المدونة؛ قياسًا للإياب على الذهاب.
والثاني: أنه لا نفقة له ولا كسوة، وهو ظاهر قوله في المدونة؛ حيث قال: "فإذا رجع إلى مصره لم يأكل منه"، فيحتمل أن يريد بقوله: "إذا رجع": أي: إذا وصل إلى مصره، ويؤخذ أيضًا من قوله في "الكتاب" في الذي أخذ مالًا قراضًا من بلد له فيها أهل فخرج به إلى بلد له فيها أهل: وإنه لا نفقة له في الذهاب والرجوع؛ لأنه ذهب إلى أهله ورجع إلى أهله، وهذا الاستقراء ظاهر جدًا.
وأما الوجه الثاني: إذا كان السفر قريبًا والمال قليل، فلا كسوة له قولًا واحدًا، وفي النفقة قولان:
أحدهما: وجوب النفقة له، وهو قول ابن القاسم في سماع عيسى عنه في "العتبية".
والثاني: أنه لا نفقة له، وهو ظاهر المدونة و"الواضحة"، وقد قال في "الكتاب": "إنما تكون له النفقة إذا كان المال يحمل ذلك".
وأما الوجه الثالث: إذا كان السفر بعيدًا، والمال قليلًا: فلا نفقة له ولا كسوة، ولا أعرف في هذا الوجه نص خلاف.
وأما الوجه الرابع: إذا كان السفر قريبًا، والمال كثير: فله فيه النفقة دون الكسوة، إلا أن تكون له إقامة بموضع مثل الشهر والشهرين حتى يحتاج فيه إلى الكسوة، فيجوز له أن يكسي منه، وهو قوله في "المدونة" و"العتبية".
وحد المال الكثير الذي تجب فيه النفقة والكسوة: إذا سافر مثل الأربعين دينارًا أو الخمسين، وهو نص قول مالك في "الموازية".
[ ٨ / ٣٣ ]
واختلف إذا خرج لحاجة تعرضت له في بلد من البلدان، فأخذ مالًا قراضًا فخرج، هل له فيه النفقة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن له فيه النفقة على قدره، وأنه ينظر إلى قدر نفقته في سفره، فيجعلها كمال آخر، فتقصي النفقة عليها وعلى ما أخذ من المال؛ فإن كانت قدر مائة والقراض سبعمائة: فعلى المال سبعة أثمان النفقة، وعلى العامل ثمن في خالص ماله، وهذا قول ابن القاسم في "المدونة"، و"العتبية"، و"الموازية".
والثاني: أنه لا نفقة له في مال القراض أصلًا؛ لأنه إنما خرج لحاجته لا بسبب القراض، وهو قول سحنون في بعض روايات المدونة في رواية "المدونة" في رواية ابن لبابة، وهو قول ابن عبد الحكم في "مختصره"، ويؤخذ لابن القاسم من "المدونة" من مسألة الحاج إذا أخذ مالًا قراضًا فخرج به إلى الموسم والأصل في هذه الجملة: أن المراعي في استحقاق النفقة أن يكون خروجه من أجل المال، وأن يكون السبب الباعث له على الخروج طلبًا لتنميته بتكثير المالية دون أن يكون ليبتاع حاجته، وعارض ضرورة؛ لأن الأصل عدم التسليط وعدم التصرف في ملك الغير إلا بحصول شرطه، فإذا ثبت ذلك، فإنه إنما يستحق من مال القراض على الشريعة المتقدمة ما لا ينفك منه الإنسان غالبًا كالنفقة، والكسوة، وكراء الركوب، وكراء المسكن، ودخول الحمام، والحاجة، وحلق الرأس، وغسل الثوب، وما أشبه ذلك، وما فضل عند العامل إذا قدم من سفره، فإنه يرده ويكون من جملة المال.
وأما خلق الثوب، والجبة، والقربة، والغرارة، والإداوة: فلا يرده، وهذا قول ابن القاسم عن مالك في "المدونة"، و"الموازية".
والبضاعة إذا أخذها مثل القراض ينفق منها إذا شخص بها، ولا
[ ٨ / ٣٤ ]
يكتسي منها.
وكذلك إذا دفع إليه سلعة يبيعها له، فله أن ينفق منها إذا باع، ويكون ذلك على وجه المعروف، وكان المال يحمل ذلك مثل القدر الذي قدرناه في القراض، وهذا كله قول مالك في "كتاب محمَّد"، والحمد لله وحده.
[ ٨ / ٣٥ ]
المسألة الرابعة في خلط المالين المأخوذين في القراض
ولا يخلو المالان من أن يكونا لملَّاك متعددة، أو لمالك متحد.
فإن كانا لملاك متعددة: فالخلط جائز للعامل ابتداءً، وهل يجوز له بشرط أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز.
[والثاني: المنع] (١).
ووجه القول الأول: أنه لا تهمة في ذلك؛ إذ لا يأخذ كل واحد منهما إلا ربح ماله.
ووجه القول الثاني: كون رب المال يفيد له هذا الشرط غرضًا ناجزًا من استقراء الربح بمال العامل وغيره؛ لأن التجارة لكثرة المال أشد تأتيًا وأشد تمكنًا.
وأما إذا كان لمالك متحد؛ مثل أن يعطي له مالًا قراضًا، ثم زاد له مالًا آخر: فلا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه:
إما أن يكون قبل العمل بالأول، وإما أن يكون ذلك بعد التنضيض.
فإن كان ذلك قبل العمل: فلا يخلو من أن يشترط عليه الخلط، أو لا يشترطه عليه.
فإن اشترط عليه الخلط: فالإجزاء حاصل -اتفقت الأجزاء أو اختلفت.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٨ / ٣٦ ]
فإن اشترط ألا يخلطهما، وأن يعمل بكل مال على حدة: فلا يخلو من أن تتفق الأجزاء أو تختلف.
فإن اتفقت الأجزاء، فقولان:
أحدهما: الجواز، وهو ظاهر المدونة من قول الغير.
والثاني: أنه لا يجوز إلا بشرط الخلط؛ كما في اختلاط الأجزاء.
فإذا اختلفت الأجزاء: فلا يجوز قولًا واحدًا، للغرر والخطر.
فإن أخذ الثاني بعد استشغال الأول: فلا يخلو من أن يشترط الخلط، أو لا يشترطه.
فإن لم يشترط الخلط: جاز، ويعمل بكل مال على حدة، ثم لا جبران بعد المالين.
فإن اشترط الخلط: فالإجزاء غير حاصل -اتفقت الأجزاء أو اختلفت.
حذار الخسران المفتقر إلى الجبران في الثاني، ولزوم إجباره من الأول ظلم على العامل.
وأما الوجه الثالث: وهو أن يكون أخذه للثاني بعد تنضيض الأول: فلا يخلو من وجهين:
إما أن يكون المنضود هو رأس المال الأول من غير أن يزيد، أو ينقص، فإن لم يزد ولا نقص، فإن اشترط الخلط: فالإجزاء حاصل -اتفقت الأجزاء أو اختلفت.
فإن أخذه على ترك الخلط: فالإجزاء غير حاصل، وعند اتفاقهما قولان، وقد قدمناهما في الوجه الأول.
فإن نقص عن رأس المال: لم يجز أخذ الثاني على وجه -اتفقت
[ ٨ / ٣٧ ]
الأجزاء أو اختلفت، اشترط الخلط أم لا- كأنه زيادة ازدادها رب المال؛ إذ كأنه قصده ملاقاة الوضيعة ولزوم الإبقاء لقدرة العامل على رد رأس المال بالتنضيض.
فأما إذا زاد على رأس المال: فإن اختلفت الأجزاء، أو اشترط ألا يخلطهما: فالإطباق على أن ذلك لا يجوز، كما قدمناه في الوجه الأول للغرر والخطر؛ فكأنه أخذ أحدهما لأجل الآخر.
فإن اتفقت الأجزاء، أو شرط ألا يخلطهما: فالمذهب على قولين منصوصين في "الكتاب":
أحدهما: أن ذلك لا يجوز جملة، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أن ذلك جائز، وهو قول غيره في المدونة لبعد التهمة لزوال الخسران المفتقر إلى الجبران.
ووجه قول ابن القاسم: ما قدمناه من قدرة العامل على فك عقد القراض عن نفسه بالتنضيض فكان أخذ الثاني عوضًا عن ترك الفك ولزوم الإبقاء، وذلك زيادة، والقراض لا يغلبها، والحمد لله وحده.
[ ٨ / ٣٨ ]
المسألة الخامسة في نهي المالك للعامل عن الاسترسال في التصرف
اعلم أن رب المال إذا نهاه عن التصرف في بعض الأعيان وأباح له بعضها: فلا يخلو ذلك البعض المباح من وجهين:
إما أن يكون أكثر من البعض الآخر، وإما أن يكون أقل منه.
فإن كان أكثر منه: فذلك غير جائز؛ لأنه يخل بمقصود القراض الذي هو الاستمناء والاستكثار لسهولية وجوده شرقًا وغربًا، متهمًا ومتحدًا في كل صوب وأوب.
وإن كانت أقل منه: فلا يخلو من ثلاثة أقسام: إما أن يعين له سلعة، وينهاه عن التصرف في غيرها.
وأما القسم الأول: فلا يجوز إلا أن تكون تلك السلعة عامة الوجود في الشتاء والصيف.
وأما الثاني: فلا يجوز على الإطلاق، وسواء كان ذلك الرجل موسرًا لا تقدم منه السلع والمتاجر، أو معسرًا يعدم ذلك عنده لإخلاله بمقصود القراض الذي هو النمو والزيادة لتجويز امتناعه عن مبايعة العامل صنفًا منه بماليته، أو أنه لا يبيع إلا بالثمن المجحف العري عن الربح، وبهذا فارق القسم الأول لبعد فرض امتناع كافة ملاكها عن بيعها.
وأما تعيين البلد: فذلك على قسمين:
أحدهما: أن تكون البلد حيث عقد القراض، فذلك جائز؛ لأنه يتجسم مشقة الحل والترحال، وهذا إذا كان البلد المسمى لا تعدم منه السلع والمتاجر لسعته.
[ ٨ / ٣٩ ]
وأما إن كانت تلك المتاجر تعدم منه لصغره: فلا يجوز، وتجري مجرى ما تقدم في إخلاله بمقصود القراض الذي بيناه.
والثاني: أن تكون البلد بغير موضع العقد حيث يتجسم الحل والترحال إليه، فذلك على ضربين:
أحدهما: أن يخرج إليه ليتجر به، وكانت التجارة موجودة فيه: فذلك جائز.
والثاني: أن يخرج إليه ليبيع فيه ما يحمل إليه أو يجلب منه ما يشتري فيه: فهذا للأصحاب فيه قولان: الجواز، والمنع والتوجيه مأخوذ مما تقدم، والحمد لله وحده.
[ ٨ / ٤٠ ]
المسألة السادسة في اشتراء العامل من يعتق عليه أو على رب المال
وهذه الترجمة تحتوي على أربعة أسئلة:
الأول: أن يشتري من يعتق على نفسه.
والثاني: أن يشتري من يعتق على رب المال.
والثالث: أن يشتري أن يعتق عبدًا من مال القراض.
والرابع: أن يطأ جارية من مال القراض فيحبلها.
فالجواب عن السؤال الأول: إذا اشترى العامل من يعتق إلا إذا كان له فيه شبهة، واختلفت الأصحاب في تلك الشبهة ما هي على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها هي المال، فمتى كان له عتق عليه، ولا اعتبار بما سواه من علم وفضل، وبه قال ابن المواز.
والثاني: أنها هي الربح، فمتى كان هناك ربح عتق على العامل حصته منه، ويقوم عليه نصيب رب المال إن كان موسرًا يوم الحكم.
وإن كان معسرًا: لم يعتق عليه نصيب رب المال؛ بل يباع عليه للقراض، إلا أن يريد رب المال أن يقومه عليه ويبيعه به دينًا: فإنه يتخرج على قولين، وقد قدمناهما في "كتاب العتق الأول" في عتق أحد الشريكين.
وإن لم يكن هناك ربح: لم يعتق عليه ويباع ولا يعتبر عمله في شيء من ذلك، ولا يسره إلا من باب التقويم، وبه قال المغيرة.
والثالث: أن الشبهة المعتبرة هي اليسر إذا انضم إليه أحد الوصفين على
[ ٨ / ٤١ ]
البدل، إما العلم، وإما الفضل؛ فمتى كان موسرًا وهو عالم وفيه فضل: فإنه يعتق عليه ويغرم لرب المال الأكثر من رأس المال وحصته من الربح يوم الشراء أو يوم الحكم إن كان فيه فضل؛ لأنه لما علم فقد رضي بالتزام الأكثر، أو الأكثر من ثمنه الذي اشتراه به أو قيمته يوم الحكم إن لم يكن فيه فضل؛ لأنه لما علم فقد رضي بالتزام الأكثر أيضًا.
وإن لم يعلم وفيه ربح أيضًا: عتق عليه نصيبه، وقوم عليه نصيب رب المال، كما قال المغيرة في القسم الثاني، وهذا معنى قوله في "الكتاب": "ويرد إلى رب المال رأس ماله وربحه"، وتأثير العلم عنده في لزوم الأكثر.
وأما إن انفرد اليسر بلا علم ولا ربح: فلا يعتق منه شيء ويباع.
وكذلك إذا عدم وكان عالمًا أو غير عالم، ولم يكن فيه فضل: فإنه يباع كله أيضًا.
وأما إن كان فيه فضل: عتق عليه نصيبه، ويباع منه لرب المال رأس ماله وحصته من الربح يوم الحكم إن لم يعلم.
وإن علم: بيع منه لرب المال أيضًا برأس ماله وربحه يوم الحكم، إلا أن يكون الثمن الذي اشتراه به أكثر من ذلك، فيتبع بالزائد في ذمته، وتأثير العلم في لزوم الأكثر أيضًا، وبه قال ابن القاسم.
وسبب الخلف: اختلافهم في الربح متى يملكه العامل، هل يملكه بالظهور من غير اعتبار بالمفاضلة، فيكون له حكم الشريك، وإنما يملكه بالتنضيض والمفاضلة، فلا يكون له حكم الشريك.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا اشترى من يعتق على رب المال -مليًا كان العامل أو معدمًا- موسرًا كان رب المال أو معسرًا إن لم يكن في العبد ربح.
[ ٨ / ٤٢ ]
فإن كان فيه ربح: قوّم عليه نصيب العامل إن كان موسرًا، وإن كان معسرًا بقى حظ العامل رقيقًا كالشريك المبعض للعتق سواء.
فإن كان عالمًا: فلا يخلو من أن يكون موسرًا أو معسرًا.
فإن كان موسرًا: فإنه يعتق عليه، ويغرم لرب المال رأس ماله وحصته من الربح إن كان في الثمن ربح يوم الشراء؛ مثل أن يكون رأس المال مائة فربحه مائة ثم يشتري بمائتين: فإنه يغرم لرب المال مائة وخمسين، منها مائة رأس ماله وخمسون حصته من الربح، ولا شيء لرب المال في قيمته يوم الحكم.
وإن كان أكثر من الثمن؛ إذ لا يربح فيمن لا يجوز له أن يملكه، والولاء لرب المال في ذلك كله.
فإن كان معسرًا: فلا يخلو من أن يكون في الثمن الذي اشتراه به ربح، أو لم يكن.
فإن لم يكن فيه ربح، وإنما اشتراه برأس مال القراض: فإنه يباع جميعه إلى أن يفي بيع بعضه برأس المال، فلا يباع منه إلا ذلك، ويعتق الباقي، ولكون ولاؤه لرب المال، وإن كان فيه ربح بيع لرب المال منه برأس ماله وحصته من الربح يوم الشراء إن كان هناك؛ مثل أن يكون رأس المال مائة، فربح آخر يشتريه بمائتين: فإنه يباع منه بمائة وخمسين، ويعتق الباقي على العامل، ولا يربح فيه رب المال أيضًا إن نابت قيمته على ذلك يوم الحكم؛ لأن الربح المعتبر في "الكتاب": ما كان في الثمن الذي اشترى به لا ما كان في قيمة العبد بعد الشراء، ولم يفِ جميع العبد بحظ رب المال، وابتع العالم بالباقي لتعديه، وهذا تحصيل مذهب ابن القاسم في "المدونة" في هذه المسألة، ولا خفاء بتوجيهه على من يشم رائحة
[ ٨ / ٤٣ ]
التفصيل.
وأما تحصيل ما فيها من الاختلاف على الجملة: إذا اشتراه وهو عالم على ما أشار إليه في الكتاب حيث قلل: وقد اختلف في هذه المسألة، وهذا أحسن ما سمعت، والذي تحصل عندي من الخلاف المشار إليه ستة أقوال، أكثرها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنهم يعتقون عليه إن كان له مال ويباعون عليه إن لم يكن له مال، وهو قوله في "الكتاب".
والثاني: أنهم يعتقون على رب المال جملة، وهذا القول قائم من المدونة من "كتاب الرهن" على ما وقع في بعض روايات "المدونة".
والثالث: أن البيع لا يجوز، وهذا القول قائم من "المدونة" من "كتاب العتق الثاني": في الأب يشتري من يعتق على ابنه الصغير.
والرابع: أنه لا يعتق على واحد منهما، وهو قول ابن القاسم في سماعه في "العتبية".
والخامس: أن العامل يضمن الثمن، ويكون له العبد وهو قول مالك في رواية ابن أبي أويس عنه، وهذا القول قائم من "المدونة" من مسألة الوكيل على ظاهر "الكتاب".
والسادس: أن رب المال بالخيار؛ إن أحب أن يأخذ فيعتق عليه، ويكون للعامل إن كان فيه فضل حصته من الربح، وإن أحب أن يضمن العامل لتعديه: كان ذلك له، وهذا القول أيضًا قائم من "المدونة" من "كتاب السلم الثاني" و"كتاب الوكالات" في تعدي الوكيل.
والجواب عن السؤال الثالث: إذا أعتق العامل عبدًا من مال القراض: فلا يخلو من أن يعتقه العامل، أو يعتقه رب المال.
[ ٨ / ٤٤ ]
فإن أعتقه العامل: فلا يخلو من أن يشتريه للعتق، أو للقراض.
فإن اشتراه للعتق، فإن كان موسرًا: فإنه يعتق عليه ويغرم لرب المال رأس ماله وربحه إن كان هناك ربح.
وإن كان اشتراه للقراض: فلا يخلو من أن تكون له قيمة تشبهه أم لا.
فإن لم تكن له شبهة: فلا ينفذ فيه عتقه، ويباع في رأس رب المال.
فإن كان له فيه شبهة: فإنه ينفذ عتقه.
واختلف الأصحاب في تلك الشبهة على قولين منصوصين في "الكتاب".
أحدهما: أن الشبهة المعتبرة: الإيسار، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أن الشبهة المعتبرة: الربح؛ فإذا كان فيه ربح عتق عليه حظه وقوّم عليه إن كان موسرًا على حسب الشريك المبعض للعتق، وإن لم يكن فيه ربح: لم يعتق عليه منه شيء، وإن كان موسرًا، وهو قول الغير في "الكتاب".
وعلى القول باعتبار الإيسار دون الربح، فإن كان موسرًا: فإنه يعتق ويغرم.
واختلف ماذا يغرم على قولين:
أحدهما: أنه يغرم لرب المال رأس ماله وحصته من الربح إن كان ثم، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه يغرم له قيمته يوم العتق إلا قدر حظه فيه من الربح إن كان ثم؛ لأنه من حينئذ فوته، وهو قول بعض المتأخرين.
[ ٨ / ٤٥ ]
وإن كان معسرًا على قول ابن القاسم فإنه لا يباع ولا يعتق منه شيء إن لم يكن فيه فضل.
فإن كان فيه فضل: عتق عليه حظه منه، وتبعث البقية لرب المال يستوفي منها رأس ماله وربحه.
وإن أعتقه رب المال: فإنه يقوم عليه حظ العامل إن كان موسرًا.
وإن كان معسرًا: فقولان أيضًا:
أحدهما: أنه يعتق عليه بحصة العامل من الربح دينًا إن كان هناك ربح، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه يعتق منه حق رب المال، ويبقى حظ العامل، ويباع له، وهو قول الغير في "الكتاب"، وهو الأظهر في النظر.
والجواب عن السؤال الرابع: إذا أحبل العامل جارية من مال القراض: فلا يخلو من أن يشتريها للقراض، أو يشتريها للوطء، أو جهل أمره.
فإن اشتراها للقراض، ثم تعدى عليها فأحبلها: فلا يخلو من أن يكون موسرًا، أو معسرًا.
فإن كان موسرًا: فإنه يغرم قيمتها وتكون له أمّ ولد.
واختلف في القيمة متى تعتبر على قولين:
أحدهما: أنه يغرم قيمتها يوم الوطء إلا قدر حظه من الربح، وهو قوله في "كتاب محمد".
والثاني: أنه يلزمه الأكثر من قيمتها يوم الوطء أو يوم الحمل من الثمن الذي اشتراها به، وهو قول ابن المواز.
ولا شيء عليه من قيمة الولد في الوجهين جميعًا.
[ ٨ / ٤٦ ]
فإن كان الواطىء معسرًا هل تباع عليه، أو يتبع؟ قولان:
أحدهما: أنه تباع عليه فيما يجب لرب المال.
فإن كان فيها فضل بيع منها بقدر رأس المال وربح رب المال ويتبع بنصف قيمة الولد، فإن لم يفِ ثمنها بما وجب عليه من القيمة: فإنه يتبع الزائد.
والثاني: أنه يتبع بالقيمة دينًا في ذمته، ولا تباع عليه.
والقولان لمالك في كتاب محمد، وهما قائمان من المدونة من مسألة الأمة بين الشريكين، فعلى القول بأنها لا تباع، هل يتبع بقيمة الولد أو بنصفها إن كان فيه فضل، وكان القراض على النصف أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يتبع بالقيمة، أو بنصفها، وهو قول مالك في "المدونة" و"الموازية".
والثاني: أنه لا شيء عليه من قيمة الولد، وهذا القول أيضًا قائم من "المدونة" وغيرها.
وسبب الخلاف: القيمة متى تعتبر؟ هل يوم الوضع أو يوم الحمل؟
وإن كانت حائلًا وكان موسرًا: خير رب المال بين التقويم والترك.
وإن كان معسرًا هل تباع فيما لزمه من القيمة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنها تباع فيما لزمه من القيمة بناء منه على أنه بنفس التعدي تعلقت القيمة بذمته.
والثاني: أنها لا تباع وتبقى بحالها؛ بناءً على أن الخيار في التقويم لرب المال.
[ ٨ / ٤٧ ]
والقولان لمالك في "الموازية".
وأما الوجه الثاني: إذا تسلف مال القراض فاشتراها لنفسه فأحبلها: فلا يخلو من أن يكون له مال أو لا؛ فإن كان له مال فإنه يغرم لرب المال.
واختلف ما الذي يغرم له على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يغرم قيمتها يوم الوطء.
والثاني: أنه يغرم الثمن.
والثالث: أنه يغرم الأكثر من الثمن أو قيمتها يوم الوطء أو يوم الحمل.
والأقوال الثلاثة لابن القاسم.
فإن لم يكن له مال، هل تباع عليه، أو يتبع في الذمة؟ قولان:
أحدهما: أنها تباع كلها إن لم يكن فيها فضل، فإن كان فيها فضل: بيع منه بقدر رأس المال أو حصة رب المال من الربح، وهو قول ابن حبيب وغيره.
والثاني: أنها لا تباع، ولا خيار في ذلك لرب المال، وأن الحمل فوت يتبع العامل بالثمن في ذمته، وهو قول ابن القاسم في "كتاب محمد".
وهكذا الحكم في الذي اشترى أمة بمال البضاعة فأحبلها، فالجواب وحد في هذا كله إذا ثبت وتقرر أن العامل اشتراها لنفسه أو للقراض.
وأما الوجه الثالث: إذا اشتراها وأبهم الأمر، ولا يدري إن كان لنفسه اشترى أو للقراض، هل يصدق أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يصدق وتكون له أمّ ولد ويتبع بالقيمة في ذمته؛ لأنه يتهم في بيع أمّ ولده، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أنه يصدق لأنه أمين على التصرف في المال إذا ادعى الضياع،
[ ٨ / ٤٨ ]
فكيف إذا ادعى الشراء والملاقاة، وكونه تعدى على الوطء لا يدل على الشراء لنفسه، بل ينبغي أن لا يقبل قوله إن ادعى الشراء لنفسه إذا كان معسرًا، لما في ذلك من الضرر برب المال، وهو ظاهر قول ابن حبيب؛ لأنه لا فرق عنده بين أن يشتريها لنفسه أو للقراض إذا كان معسرًا أنها تباع عليه أو يباع منها بقدر رأس ماله وحصته من الربح إن كان فيها فضل.
وذهب بعض المتأخرين إلى أن الخلاف في بيعها في العدم إنما يتصور فيها إذا وطىء، ولم يعلم إن كان اشترى للقراض أو لنفسه بمال استسلفه من مال القراض: فحمله مالك على ما رواه عنه ابن حبيب على أنه اشتراها للقراض، ولم يصدقه أنه اشتراها لنفسه، ولذلك قال: إنها تباع في القيمة إذا لم يكن له مال، وحمله ابن القاسم على أنه اشتراها لنفسه بمال تسلفه من مال القراض، ولم يصدقه على أنه اشتراها من مال القراض؛ ولذلك قال: إنه لا تباع في عدمه، وأما لو علم أنه اشترها لنفسه من القراض، فلا تباع ويتبع بالثمن الذي اشتراها به قولًا واحدًا، والحمد لله وحده.
[ ٨ / ٤٩ ]
المسألة السابعة في اختلاف دافع المال والمدفوع إليه
والكلام في هذه المسألة في ثلاثة أسئلة:
أحدها: إذا قال الدافع: دفعته قراضًا، وقال المدفوع إليه: بل وديعة.
والثاني: إذا قال المدفوع إليه: أخذته قراضًا، وقال الدافع إليه: بل أبضعته معك لتعمل به.
والثالث: إذا قال المدفوع إليه: أخذته قراضًا، وقال ربا المال: بل قرضًا.
والجواب عن السؤال الأول: إذا قال الدافع: دفعته قراضًا وقال المدفوع إليه: بل وديعة: فلا يخلو الأمر فيه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون المال حاضرًا.
والثاني: أن يكون غائبًا.
والثالث: أن يكون قد تلف قبل أن يحركه المدفوع إليه أو بعد أن حركه.
فإن كان حاضرًا: فليس بمسألة، يأخذ رب المال ماله.
وإن كان غائبًا: ففي ذلك قولان:
أحدهما: أن القول قول الدافع، وهو قول ابن القاسم، وروايته عن مالك في "المدونة".
والثاني: أن القول قول المدفوع إليه المال؛ لأنه لا يؤخذ أحد بغير ما
[ ٨ / ٥٠ ]
أقرَّ به على نفسه، وهو قول أشهب، وابن عبد الحكم، وروايتهما عن مالك.
وأما إن تلف قبل أن يحركه أو بعد أن حركه ثم رده في موضعه: ببينة على القول بأن المودع إذا تجر في الوديعة لا يصدق في ردها إلى موضعها إلا ببينة، أو بغير بينة على القول بأنه يصدق في ردها إلى موضعها، ففي ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أن القول قول رب المال، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أن القول قول المدفوع إليه.
وإن تلف بعد أن حركه: كان القول قول الدافع، وهو قول أشهب.
وأما على القول بأن المودع إذا حرك الوديعة لا يبرأ من ضمانها إلا بصرفها إلى ربها، فإنه يكون ضامنًا دون يمين يلزم الدافع.
والجواب عن السؤال الثاني: إذا قال المدفوع إليه: أخذته قراضًا، وقال الدافع: بل أبضعته معك لتعمل فيه، هل يكون القول قول رب المال على حكم المدعى والمدعى عليه، ويحمل على أن كل واحد منهما مدع على صاحبه؟ فبين المتأخرين قولان تأويلًا على المدونة:
أحدهما: أن ذلك حكم المدعي والمدعى عليه، وبكون القول قول رب المال مع يمينه، ويكون عليه للعامل الأقل من إجارة المثل، أو ما يدعيه من الربح، وهذا تأويل أبي إسحاق التونسي على "المدونة"، وهو أسعد بظاهر "الكتاب"؛ ولأن رب المال قد ادعى ما يشبه لكون القابض قد أقرَّ له بالمال، ثم ادعى فيه جزءًا من الربح، فصار مدعيًا.
والثاني: أن كل واحد منهما مدع على صاحبه؛ فرب المال يدعي على العامل أنه عمل له في المال باطلًا، والعامل يدعي أنه عمل له فيه على
[ ٨ / ٥١ ]
نصف الربح: فوجب أن يتحالفا جميعًا، فإن حلفا جميعًا، أو نكلا جميعًا عن اليمين: كان للعامل الأقل من إجارة المثل، وما يدعيه من الربح، ويكون معنى قوله في "الكتاب": إلا أن يكون إجارة مثله أكثر من نصف الربح فلا يزاد عليه يريد بعد أن يحلف، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر: كان القول قول الحالف منهما، وهذا تأويل القاضي أبي الوليد ابن رشد قال: وعلى هذا ينبغي أن تحمل الرواية وتصرف العناية إليه بالتأويل، ولا يلتفت إلى ألفاظها التي تدل على أنه جعل القول قول رب المال، فإن نكل: كان القول قول العامل.
وقد وقع له في "الكتاب" في آخر هذه المسألة لفظ فيه إشكال تنازع المتأخرون في تأويله؛ وذلك أنه قال: القول قول رب المال، فإن نكل كان القول قول العالم إذا كان ممن يستعمل مثله في القراض.
وقال بعضه: إن ذلك حشو، لأنه لفظ يستغني عنه، وإن المسألة تتم دونه.
وقال بعضهم: بل ذلك اختلاف قول؛ لأن المعهود من أصله في "الكتاب" أن المدعى إذا نكل عن اليمين، فإن المدعى عليه يحلف إذا أتى بما يشبه أم لا، فكذلك ينبغي أن يكون في هذه المسألة؛ لأن رب المال قد مكنه من دعواه بنكوله؛ فوجب أن يحلف وإن لم يأت بما يشبه.
وقال بعضهم: بل ذلك لفظ صحيح لا إشكال فيه ولا اعتراض عليه؛ لأن قوله: "إذا كان ممن يستعمل مثله في القراض"، ليس من تمام المسألة، وإنما المعنى في المسألة: أن الكلام قد تم بقوله: "فإن نكل عن اليمين كان القول قول العامل مع يمينه" ثم ابتدأ وقال: "هذا الذي وصفته من الأيمان إنما يكون إذا كان ممن يستعمل مثله في القراض"، فيكون كل واحد منهما قد ادعى على صاحبه ما يشبه فوجبت عليه اليمين على ما قلناه؛
[ ٨ / ٥٢ ]
لأن المسألة على ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون المدفوع إليه المال لا يشبه أن يستعمل مثله في القراض.
والثاني: أن يكون ممن يشبه أن يستعمل مثله في القراض.
والثالث: أن يكون ممن يعلم أنه يستعمل مثله في القراض.
فأما إذا كان ممن يشبه أن يستعمل مثله في القراض: فلا يمكَّن من اليمين؛ لإتيانه بما لا يشبه، ويكون القول قول رب المال، فإن حلف استحق ما ادعاه من أنه كان أبضع معه المال.
فإن نكل عن اليمين: كان القول قول العامل.
فإن كان مثله لا يستعمل في القراض؛ لأن رب المال قد مكَّنه من دعواه بنكوله.
فأمَّا إن كان مما يشبه أن يستعمل مثله في القراض كان لكل واحد منهما مدع على صاحبه بما يشبه، فوجب أن يحلفا جميعًا، فإن حلفا أو نكلا جميعًا: كان له الأقل، على ما تقدم.
وإن كان مما يعلم أن مثله يستعمل مثله في القراض: لوجب أن يكون القول قوله، على قول ابن القاسم في المدونة في مسألة الصانع في "كتاب الجعل والإجارة" في الصانع ورب الثوب يختلفان، فيقول رب الثوب: عملته باطلًا، ويقول الصانع: بل عملته بكذا وكذا أن القول قول الصانع، وهذا تأويل القاضي أبي الوليد بن رشد، والذي قاله ظاهر في المعنى، بعيد في اللفظ.
والجواب عن السؤال الثالث: إذا قال المدفوع إليه المال: أخذته قراضًا، وقال رب المال: بل دفعته إليك قرضًا: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
[ ٨ / ٥٣ ]
أحدها: أن يكون المال قد تلف كله أو بعضه قبل أن يحركه.
والثاني: أن يكون تلف أو نقص بعد أن حركه.
والثالث: أن يكون زاد بربح فيه.
فأما إذا تلف المال كله أو بعضه قبل أن يحركه: ففي ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أن القول قول المدفوع إليه، وهي رواية ابن عبد الحكم عن مالك.
والثالث: التفصيل بين أن يتلف قبل أن يحركه أو بعد أن حركه.
فإن تلف قبل أن يحركه: كان القول قول المدفوع إليه.
وإن تلف بعد الحركة: كان القول قول الدافع، وهو قول أشهب.
وأما إن تلف المال أو نقص بعد أن حركه: فالقول قول رب المال باتفاق بين ابن القاسم وأشهب؛ لأن المدفوع إليه مدع في مال قد حركه أنه لا ضمان عليه.
وأما إذا أدار المال فربح فيه: فقد اختلف فيه المذهب أيضًا على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن الربح يوقف ممن أكذب نفسه، ورجع إلى قول صاحبه كان الحكم على ما يدعيه المرجوع إلى قوله الذي أقر له.
والأقوال الثلاثة تقاس على ما في "كتاب إرخاء الستور"، و"كتاب الرهون" من "المدونة"، والحمد لله وحده.
[ ٨ / ٥٤ ]
كتاب الأقضية
[ ٨ / ٥٥ ]