تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها ست مسائل:
المسألة الأولى في الشروط المعتبرة في وجوب القطع في السرقة
وجملتها تسعة شروط: البلوغ، والعقل، وألا يكون للسارق [في المسروق] (١) شبهة ملك، وألا يكون سارق مضطرًا إلى السرقة لمجاعة لحقته، وأن يكون الشيء المسروق مما يصح تملكه وتموله، وأن يخرجه من حرز مثله [وأن يكون نصابًا يوم السرقة] (٢)، وأن يكون من الأموال التي يجب فيها القطع، وأن يكون على وجه الاستسرار والاختفاء.
وهذه الشروط منها ما هو متفق في اعتباره، ومنها ما هو مختلف فيه.
وقولنا: البلوغ؛ احترازًا من غير البالغ؛ لأن غير البالغ غير مكلف بحدود الشريعة، والقطع من جملتها، وإنما يخاطب برد ما أخذ مع قيامه، أو قيمته، أو مثله مع فواته.
وقولنا: العقل؛ احترازًا من المجنون، والمغمى عليه، فإنه ليس بأهلية التكليف؛ إذ العقل مغرزها، وقال النبي - ﷺ -: "رفع القلم عن ثلاث" (٣)، فذكر المجنون حتى يفيق، ومعناه: رفع المأثم.
وقولنا: وألا يكون للسارق في الشيء المسروق شبهة ملك؛ احترازًا
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) أخرجه أبو داود (٤٣٩٨)، والنسائي (٣٤٣٢)، وابن ماجة (٢٠٤١)، وأحمد (٢٤٧٣٨) من حديث عائشة، وصححه الشيخ الألباني.
[ ١٠ / ٤٣ ]
ممن سرق من الغنيمة قبل أن تقسم وله [فيها] (١) نصيب، وقد اختلف المذهب عندنا في ذلك، هل يقطع السارق منها أم لا؟ على قولين منصوصين في "الكتاب".
أحدهما: أنه لا يقطع حتى يسرق ما فوق حقه بثلاثة دراهم، وهو قول غيره.
[والثاني: أنه يقطع جملة بلا تفصيل] (٢) وهو قول ابن القاسم.
وعلى القول باعتبار ما فوق حقه، هل أراد بذلك حقه من جميع الغنيمة، أو من الشيء المسروق؟ قولان.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الغنيمة بماذا تملك، هل بالإيجاف أو بالقسم؟ على ما أتقناه في "كتاب الجهاد".
وقولنا: وألا يكون السارق مضطرًا إلى السرقة لمجاعة لحقته؛ فإنه إن لحقته المجاعة جاز له أن يمد يده في مال الغير، ويأكله ولا ضمان عليه في ذلك؛ لأن إحياء النفوس واجب؛ إذ لو كان رب المال حاضرًا لوجب [عليه] (٣) أن يعطيه من ماله ذلك [ما] (٤) يقوي به نفسه ويحييها من الهلاك؛ ولهذا لا قطع عليه إذا تحقق ذلك السبب.
وقولنا: وأن يكون الشيء المسروق مما يصح تملكه وتموله؛ احترازًا مما لا يتمول، ولا يدخل تحت الملك بوجه كالحر.
وقد اختلف المذهب عندنا، فيمن سرق صبيًا صغيرًا حرًا، هل يقطع
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ١٠ / ٤٤ ]
أو لا يقطع [على قولين] (١):
أحدهما: أنه يقطع، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه لا يقطع، وهو قول عبد الملك، وهو الصحيح.
وقولنا: أن نخرجه من حرز مثله؛ احترازًا ممن سرق من غير حرز.
ولا خلاف في المذهب عندنا أن الحرز معتبر في السرقة، وأنه إن سرق من غير حرز، فلا يقطع؛ لقوله - ﷺ -: "لا قطع من ثمر معلق، ولا في حريسة جبل".
فإذا آواها المراح أو الجرين، فالقطع فيما بلغ قيمته ربع دينار.
فإذا ثبت ذلك فحرز كل شيء على حسبه، وليس من شرطه الأبواب والأغلاق؛ بل يسمى حرزًا، وإن كان في الفضاء إذا كان منزلًا نزله أو موضعًا عَيَّنَه لوضع متاعه أو لِرَبْط دابته في السوق أو غيره، وكذلك ما كان على ظهور الدواب أو ما نشر على البيوت أو على الجدران، فإن ذلك كله حرز، ومن سرق منه قطع -كان معه مالكه أو لم يكن- ما لم يكن الجدار مما يوالي الطريق.
وقولنا: وأن يكون الشيء المسروق نصابًا يوم السرقة؛ احترازًا من أن يسرق نصابًا يوم السرقة؛ احترازًا من أن يسرق دون النصاب.
ولا خلاف عندنا في المذهب أن النصاب معتبر فيما يجب فيه القطع في السرقة، وحده ربع دينار من الذهب أو ثلاثة دراهم من الورق، أو ما يساويهما من سائر الأموال؛ لقوله - ﷺ -: "القطع في ربع دينار فصاعدًا" (٢) [وقالت عائشة ﵂: ما طال عليّ ولا نسيت القطع في ربع
_________________
(١) في أ: قولان.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٣٨٤)، وصححه الألباني -رحمه الله تعالى-.
[ ١٠ / ٤٥ ]
دينار (١)] (٢) وقطع رسول الله - ﷺ - في مجن قيمته ثلاثة دراهم.
فإذا ثبت ذلك فلا يخلو الشيء المسروق من أن يكون مسكوكًا، أو متبورًا، أو مصوغًا [أو عروضًا] (٣).
فإن كان المسروق عينًا أو متبورًا، فلا خلاف في اعتبار وزنهما.
فإن كان المسروق مصوغًا، فلا خلاف في اعتبار وزنه أيضًا، وهل تعتبر قيمة ما فيه من الصياغة أم لا؟
قال بعض المتأخرين: وقد كان يجب أن تقوم؛ لأن الصياغة سلعة يتفاوت الثمن بتفاوتها.
والذي قاله ظاهر، وهو قوله في "الكتاب" فيمن استهلك لرجل حليًا مصوغًا أن عليه قيمته.
فإذا قلنا باعتبار قيمته، فإن كانت قيمته ثلاثة دراهم، فإنه يقطع، وإن كان وزنه أقل من ربع دينار.
فإن كان المسروق عروضًا فلا خلاف في اعتبار القيمة فيها.
واختلف بماذا تقوم هل بالدراهم أو بالذهب على ثلاثة أقوال كلها متأولة على "المدونة".
أحدها: أن التقويم بالدراهم؛ فإن كانت قيمته ثلاثة دراهم قطع، وإن كان وزنه أقل من ربع دينار من الذهب، وإن [كانت قيمته] (٤) أقل من
_________________
(١) أخرجه النسائي (٤٩٢٧)، ومالك (١٥٢٠)، وابن حبان (٤٤٦٢) من حديث عائشة، وصححه الألباني -﵀-.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: من سائرها.
(٤) في أ: كان يساوي.
[ ١٠ / ٤٦ ]
ثلاثة دراهم، فلا قطع فيه، وإن كان يساوي أكثر من ربع دينار، وسواء كانت المعاملة في البلد بالدراهم أو بالدنانير، وهو ظاهر قوله في "الكتاب" حيث قال: وإنما تقوم الأشياء كلها بالدراهم، وهو نص قوله في كتاب محمَّد.
والثاني: أن التقويم بالذهب على كل حال في كل شيء من الفضة والعروض، وأن الثلاثة دراهم إذا كانت أقل من ربع دينار لارتفاع الصرف، فلا قطع فيها من غير التفات إلى معاملة أهل البلد، وهو قول ابن عبد الحكم، وهو ظاهر قول "المدونة" من قوله في مسألة الرهن: إن كانت قيمته إذا سالت ربع دينار، وقوله في الشاة أيضًا: إن كانت قيمتها يوم خرج بها ربع دينار قطع، فقد قوم هنا، وهو مذهب الشافعي.
والثالث: أن التقويم إنما يكون بمعاملة أهل البلد من دنانير أو دراهم، وأن معنى قوله في "الكتاب": "تقوم بالدراهم" أن معاملتهم بها، هو تأويل بعض المغاربة، والبغداديين من أصحابنا.
فإذا ثبت أن النصاب من الذهب ربع دينار، ومن الورق ثلاثة دراهم على مشهور المذهب إن كان نصاب كل واحد منهما معتبر في نفسه، فمن شرطه أن يكون صافيًا لم يخالطه نحاس ولا غيره، فإن خالطها نحاس أو كانت ناقصة الوزن، فإن كان نقصًا كثيرًا اتفقت عليه الموازين لا يجري جريان الوازنة [أو كان ما فيها من النحاس بهذه الشائبة، فلا قطع فيه قولًا واحدًا، وإن كان نقصًا يسيرًا مثل ثلاث حبات أو حبتين، وهي تجري جريان الوازنة] (١)، أما الحبة والحبتان فلا يمنع إلا القطع لقلة ذلك وخفته، وأما الثلاث حبات أو خروبة، وهي مع ذلك تجوز فلا قطع فيها، وهو قوله في "كتاب محمَّد" في الثلاث حبات من كل درهم، وهو قول أصبغ
_________________
(١) سقط من أ.
[ ١٠ / ٤٧ ]
في الحبتين من كل درهم.
وقولنا: أن تكون من الأموال التي [يجب فيها القطع احترازًا مما لا يجب فيها القطع من الأموال التي] (١) تقتنى كجلد الميتة غير مدبوغ، أو كلب الصيد، أو ما كان في معناهما ما يجوز تملكه، ولا يجوز بيعه على الخلاف في ذلك في المذهب بين ابن القاسم وأشهب.
وقولنا: أن يأخذه على وجه الاستسرار والاختفاء؛ احترازًا من المنتهب الذي ينتهب، ويختلس جهرة، فإنه لا قطع عليه باتفاق المذهب؛ لأنه ليس بسارق، والقطع إنما وجب على السارق؛ لأن السرقة أخذ الشيء على وجه الخفية.
فهذه جملة الشروط المعتبرة في السرقة، وتجمعها عبارة شيقة وجيزة، وهي أن تقول: كل ما يباع، ويبتاع، وتمد إليه يد الأطماع، ويقع به في مستقر العادة الانتفاع، فإن القطع يتعلق به الإجماع -أعني: إجماع المذهب-.
ولا يرتاب سليم الاعتقاد إذا نظر فيها بعين الانتقاد في صحة هذا العبارة وحصرها لما يجب فيه القطع [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من ب.
[ ١٠ / ٤٨ ]
المسألة الثانية في السارق إذا أخذ، ومعه متاع فقال صاحب المتاع: أرسلني إليه
وقد وقع في هذه المسألة سؤالان:
أحدهما: قول ابن القاسم أولًا: وقد أخبرني أوثق أصحابي عندي أن مالكًا سئل عن رجل [كان] (١) يسكن الشام، وله مال بمصر، فقامت عليه البينة أن السارق أخذ المتاع سرًا، فقال السارق: صاحب المتاع أرسلني، فقال مالك: أرى أن تقطع يده، فقيل لمالك: فإن سئل صاحب المتاع، فقال: أنا أرسلته، فقال: لا ينظر في قول صاحب المتاع، وتقطع يده.
والسؤال الثاني: قوله: ولقد سألنا مالكًا عن الرجل يلقى في جوف الليل، ومعه متاع، فيؤخذ فيقول: فلان أرسلني إلى منزله، فأخذت له هذا المتاع، قال مالك: أرى أن ينظر في ذلك؛ فإن كان الرجل [الذي] (٢) معه المتاع يعرف له انقطاع إلى رب المتاع، ويشبه ما قال لم يقطع، فإن لم يعرف منه ما ذكرت لك، قال مالك: رأيت أن تقطع يده ولا يقبل قوله.
فهذا نص السؤالين في "الكتاب".
فقال في أحد السؤالين أنه يقطع، وقال في الآخر: لا يقطع.
واختلف المتأخرون في ذلك؛ فمنهم من جعله اختلاف قول؛ لأن الذي أخذ المتاع مدعٍ في الوجهين، وكونه له إلى صاحب المتاع انقطاع في
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ١٠ / ٤٩ ]
السؤال الثاني كتصديقه إياه في السؤال الأول.
ومنهم من قال: إن ذلك اختلاف السؤال؛ لأنه قال في السؤال الأول: وقد قامت عليه بينة بالسرقة، فلم يلتفت إلى تصديق رب المتاع، وفي السؤال الثاني لم تشهد عليه البينة بالسرقة، ولا اعترف بها؛ [فركب] (١) على كل سؤال مقتضاه.
ومنهم من قال: إن ذلك اختلاف حال؛ وذلك أن الأول قد ثبتت [عليه السرقة] (٢) ببينة، فصار الحد قد وجب عليه، فلا يسقط بدعوى رب المتاع أنه أرسله كما لا يسقط الحد لو قال المسروق منه أن المتاع متاعه على أحد القولين. وظاهر المدونة إذا اعترف المسروق [منه] (٣) أن المتاع متاعه أنه لا يقطع من قوله في السارق إذا دعى أن المتاع متاعه، وأنكر المسروق منه حيث قال: المسروق منه يحلف أن المتاع متاعه ليس للسارق وتقطع يده، وظاهره أنه لو اعترف له ابتداء لما قطع.
ويؤخذ من الكتاب أيضًا [من موضع آخر] (٤) لا [يدفع] (٥) عنه اعترافه بالملك للسارق قطعًا.
وهو قوله: إذا قال المسروق منه: لم يسرق مني شيئًا، وقد شهد الشهود عليه بالسرقة أنه يقطع، ولا يلتفت إلى قوله: لم يسرق مني شيئًا.
فإذا كان لا يقبل قوله في ذلك، فكذلك إذا اعترف أن الشيء الذي
_________________
(١) في أ: فركبت.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: يرفع.
[ ١٠ / ٥٠ ]
سرق هو له، وهو نص قول مالك في آخر "الكتاب" إذا اعترف أنه سرق من فلان، فقال فلان: ما سرق مني شيء؛ بل المتاع متاعه، أو قال: إنه كان قد استودعنيه، فقال مالك: يقطع، ولا يلتفت إلى قول هذا.
والقولان قائمان من "المدونة"، ولم يذكر في السؤال الثاني أن له إليه انقطاع، فلو كان له انقطاع ودخل من مدخله غير مستسر، وأتى في وقت يجوز أن يرسله فيه لما قطع، وإلى هذا [ذهب] (١) ابن حبيب.
وأما إن أخذ المتاع مستسرًا، ودخل من غير مدخل أو دخل في حين لا يعرف فليقطع، ولا ينفعه انقطاعه.
وأما إن لم يعرف منه انقطاعه، فإنه يقطع في الوجهين جميعًا إلا أن يصدقه رب المتاع، فلا يقطع إذا دخل في حين يعرف غير مستسر.
أما إن كان مستسرًا أو في حين لا يعرف، فإنه يقطع، وإن صدقه رب المتاع.
وهذا كله قول أصبغ في "الواضحة".
والذي قاله صحيح موافق لقول ابن القاسم، وتأويل بعض الشيوخ؛ لأنه رأى أن تصديقه له إذا أخذه من مأخذه، ولم يأخذه مستسرًا هو الذي يصرف عنه القطع.
وأما الذي [لقى] (٢) في جوف الليل [فقال: إن فلانًا بعثني] (٣) وله إليه انقطاع فلا يقطع؛ لأنه لم يقر بسرقة ولا شهد عليه بها، وقد أتى بما يشبه.
_________________
(١) في أ: أشار.
(٢) في ب: وجد.
(٣) سقط من أ.
[ ١٠ / ٥١ ]
وإن لم يكن له إليه انقطاع، فعلى قول أشهب لا يقطع؛ لأنه لم يقر بسرقة، وإنما قال: صاحب المتاع أرسلني، والبينة لم تعلم بسرقته؛ فكان كقوله: تزوجت هذه المرأة ووطئتها، ولم يثبت نكاحه؛ فعنده أنه مقر بوطء حلال، فأشبه الراجع عن الزنا إذا أقر به، وعلى مذهب ابن القاسم يحد؛ لأنه متماد على الإقرار بالوطء، ولم يرجع عنه ومدعٍ تزويجًا لم يثبت له فكذلك يقر بأنه أخذ من حرز، وإن أخذه مأذونًا له فيه، فلا يصدق ويقطع إلا أن يكون له إليه انقطاع [لبطلان فحواه، والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) سقط من أ.
[ ١٠ / ٥٢ ]
المسألة الثالثة في التعاون على السرقة
وإذا تعاون جماعة على سرقة، فلا يخلو حالهم من وجهين:
أحدهما: أن يدخلوا جميعًا في الحرز حتى أخرجوا منه السرقة.
والثاني: أن يكون بعضهم داخل الحرز، وبعضهم خارجه.
فإن دخلوا جميعًا في الحرز؛ وتعاونوا على إخراجها، فلا يخلو من أن تكون السرقة مما يستبد بها الواحد لخفتها، أو تكون مما لا يستبد بها الواحد لثقلها.
فإن كانت مما يستبد بحملها الواحد لخفتها فحملها واحد وخرج، فلا خلاف أنه لا يقطع إلا الخارج بها خاصة.
فإن خرجوا بها جميعًا، ويد كل واحد منهم على بعضها؛ فلا قطع على واحد منهم حتى تكون قيمتها تسعة دراهم، وهم ثلاثة فيقطعوا ثلاثتهم.
وقيل: إنهم يقطعون جميعًا كما لو سرقوا ما لم يستقل الواحد بحمله، وهذا القول حكاه ابن الحلاب عن بعض الأصحاب.
فإن كان السرقة مما لا يستبد بها واحد، وهي مما يحتاجون إلى التعاون عليها لثقلها؛ فرفعوها جميعًا أو رفعوها على واحد منهم، وقيمتها ثلاثة دراهم، فهل يقطعون جميعًا، أو لا يقطع إلا الخارج بها؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنهم يقطعون، وهي الرواية عن مالك، ونص قوله
[ ١٠ / ٥٣ ]
في "المدونة".
والثاني: [أنه] (١) لا قطع على واحد منهم إلا الذي انفرد بإخراجها إن رفعوها عليه في الحرز، ولم يمسكوها عليه بعد ذلك، وهذا القول مخرج غير منصوص عليه.
وينبني الخلاف: على الخلاف في قيمة السرقة إذا وجبت هل يؤخذ كل واحد من سراقها بقيمتها على الكمال إذا وجد منفردًا، ثم يكون هو الراجع على أصحابه قياسًا على قتل العمد إذا تعاون جماعة على [قتل] (٢) واحد أن كل واحد منهم يقتل، وهو قول ابن القاسم؛ لأن السرقة لما لم يتمكن لواحد إخراجها إلا بتعاون أصحابه، وتظاهرهم صار كل واحد كأنه أخرجها بكليتها؛ إذ لولاه لما أخرجها من سواه، فيعد كأنه أخرج نصابًا كاملًا.
ومن رأى أنه لا يؤخذ من وجد منفردًا إلا بقدر ما ينوبه من قيمتها في جملة أصحابه، قال: لا قطع على واحد منهم.
فإن كان بعضهم داخل الحرز، وبعضهم خارجه، فتعاونوا على إخراج السرقة من حرزها، وقد قربها الداخل إلى باب الحرز، ثم مد الخارج يده، فأخذها أو أخرجها من هو داخل الحرز من الحرز حتى صارت خارجًا، فرفعها الخارج أو التقت أيدي المتناولين في باب الحرز، أو في النقب إن كانوا نقبوا البيت، فأخذها الخارج ويد الداخل مصاحبة للمتاع حتى قبضه الخارج أو ربطه الداخل بحبل، فخرجه الخارج حتى أخرجه من الحرز، هل يقطعان جميعًا أو لا يقطع إلا الخارج بها خاصة؟
فالمذهب على خمسة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ١٠ / ٥٤ ]
أحدها: أنهما يقطعان جميعًا، وهو أحد قولي مالك في الذي ربط المتاع وجره غيره، وفي اللذين التقت أيديهما في المناولة في الثقب، فيقطعان جميعًا في هذه الأسئلة كلها، وهو قوله في "كتاب محمَّد"؛ لأن الخارج لا يصل [إليه] (١) إلا بمناولة الداخل له، فصار كالمتعاونين على إخراجه كما إذا حملوه من الحرز على أحدهم.
والثاني: أنه لا يقطع إلا الذي أخرجه من الحرز خاصة كان الذي هو داخل الحرز، أو الذي هو خارجه، وهو نص قول مالك في الكتاب، وعلى هذا قال مالك في اللذين التقت أيديهما في النقب أنهما يقطعان جميعًا لتساويهما في إخراجها من الحرز، وكل واحد منهما له تأثير في إخراجها، ولم يختص بها واحد دون الآخر.
والثالث: أنه لا قطع على واحد منهما، وهو ظاهر توقف مالك في الذي أخذ في الحرز بعد أن ألقى المتاع خارجًا؛ لأن الداخل لم يخرجه من الحرز، والخارج لم يدخل في الحرز.
والرابع: أنه لا يقطع الخارج المتناول للسرقة.
والخامس: أنه يقطع الذي قربه إلى باب الحرز خاصة.
وهذا الخلاف حكاه القاضي الحفيد ابن رشد.
والأقوال كلها ظاهرة في "المدونة".
وأما الذي أخذ في الحرز بعد أن ألقى المتاع خارجًا، فقد شك فيه مالك بعد أن قال: يقطع، وبه أخذ ابن القاسم، وموجب اختلاف قول مالك فيه، هل النظر إلى خروج المتاع من حرزه بسببه أم النظر إلى إخراجه هو به؟
_________________
(١) سقط من أ.
[ ١٠ / ٥٥ ]
ونظير هذا إذا أخرج السرقة من حرزها بواسطة السبب من غير أن يدخل هو داخل الحرز، مثل أن يدخل قصبة، فأخرج بها المتاع، أو كانت شاة، فحرك لها العلق حتى خرجت، أو كان بازًا معلمًا فصفر له حتى خرج.
وينبغي أن يدخل الخلاف في هذه الأسئلة كلها؛ لأن السرقة أخرجت من الحرز بسببه فكونه خارج الحرز غير داخل فيه كقبض أهل الدار إياه داخل الحرز، وقد رمى المتاع خارجًا فتدبر ذلك تجده صحيحًا.
وقد نص مالك ﵀ في "الكتاب" على الذي أخرجها بقبضه أنه يقطع، وما أفسد السابق في الحرز ثم أخرجه أو استهلكه في الحرز ثم خرج؛ فإن ساوى ما أخرجه من الحرز بعد فساده ربع دينار قطع، وإلا فلا، وإن استهلكه ثم خرج فلا يقطع، ويغرم قيمته أو مثله فيما له مثل.
وسرقة الواحد من جماعة إنما يصير فيها النصاب على الجملة، ولا ينظر إلى حد كل واحد منهم إن كان فيه نصابًا أم لا، بخلاف سرقة الجماعة من واحد على ما فصلناه وحصلناه، والحمد لله وحده.
[ ١٠ / ٥٦ ]
المسألة الرابعة في السرقة من الدار المشتركة أو المأذون فيها
وتحصيل القول في ذلك أن الدار تنقسم في السرقة منها على ستة أقسام:
دار حجزها ساكنها، ومالكها عن الناس.
ودار أذن فيها ساكنها، ومالكها لخاصٍ من الناس.
ودار ينفرد الرجل بسكناها مع زوجته عن الناس.
ودار أذن فيها ساكنها ومالكها [إذنًا عامًا] (١) لجميع الناس.
ودار مشتركة بين ساكنيها مباحة لجميع الناس.
ودار مشتركة بين ساكنيها محجورة عن سائر الناس.
فأما الدار التي حجزها ساكنها ومالكها عن جميع الناس، فالقطع على من سرق منها ما يجب فيه القطع إذا خرج به من الدار.
وإن سرق من بعض بيوتها، وأخذ ما في الدار قبل أن يخرج منها لم يقطع، ولا خلاف في ذلك.
وأما الدار التي أذن فيها ساكنها، أو مالكها لخاص من الناس كالرجل يُضيف الضَّيْف، فيدخله داره أو يبعث الرجل رجلًا إلى داره ليأتيه من بعض بيوتها بمتاعه، أو ما أشبه ذلك، فيسرق بعض متاعه: فلا يخلو من أن يسرق من البيت الذي أذن له في دخوله أو سرق من بيت مغلق غير مأذون له فيه.
_________________
(١) في أ: عن.
[ ١٠ / ٥٧ ]
فإن سرق من بيت أذن له في دخوله، فلا خلاف أنه لا يقطع.
وإن سرق من بيت مغلق قد حجر عليه دخوله، هل يقطع أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه لا يقطع، وإن خرج بما سرق من جميع الدار؛ لأنه خائن، وليس بسارق، وهو قول مالك في "المدونة"، و"كتاب ابن المواز".
والثاني: أنه لا يقطع حتى يخرج به من جميع الدار، وهو تأويل الشيخ أبي محمَّد عبد الحق على "المدونة"، وحكى أنه قول مالك في "كتاب ابن المواز".
والثالث: أنه يقطع، وإن لم يخرج به من جميع الدار إذا خرج به إلى الموضع الذي أذن له بدخوله؛ كالشراء في ساحة الدَّار، وهو قول سحنون، وهو ظاهر قول مالك في "الكتاب" في الزوجة إذا سرقت من بيت حجرها عليها الزوج حيث قال: تقطع كالدار المشتركة بين ساكنيها المباحة لسائر الناس كالفنادق.
وأما التي ينفرد الرجل بسكناها مع زوجته عن الناس، فإن سرق منها أجنبي، وأخذ في ساحتها لم يقطع، وإن أخذ بعد أن خرج من جميعها قطع.
وإن سرق أحد الزوجين من بيت قد حجره عليه صاحبه، وأغلقه دونه، أو سرق عبد أحدهما من ذلك، هل يقطع أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يقطع من سرق منهم، وخرج بما سرق من البيت الذي حجر عليه، وأغلق دونه، وإن لم يخرج به من جميع الدار، وهو ظاهر
[ ١٠ / ٥٨ ]
ما في "المدونة".
ونص قول سحنون؛ قياسًا على المتحاجرين بالسكنى في الدار الواحدة.
والثاني: أنه لا يقطع، وإن خرج به من جميع الدار، وهو قول مالك في الضيف يسرق، وهو نص قوله في "كتاب ابن المواز".
والثالث: أنه لا يقطع حتى يخرج به من جميع الدار، وهو الذي حكاه أبو محمَّد عبد الحق أنه لمالك في كتاب ابن المواز"، وهو ظاهر "المدونة" أيضًا؛ لأن بقية الدار من تمام الحرز.
وأما الدار التي أذن فيها ساكنها أو مالكها إذنًا عامًا للناس كالعالم أو الطبيب يأذن للناس في دخولهم إليه في داره، أو كالرجل يحجر نفسه في ناحية من داره، ويترك بابها مفتوحًا يدخل منه بغير إذنه: فهذا يجب القطع على من سرق من بيوتها المحجورة إذا خرج بسرقته عن جميع الدَّار، ولا يجب القطع على من سرق من قاعة الدَّار؛ لأن بقيّة الدَّار من تمام الحجر؛ ففارقت المحجة في أنها لا تدخل إلا بإباحة صاحبها، وإنما لم يسقط عنه القطع إذا خرج من جميع الدار، كما يسقط عن الضيف على مذهب ابن القاسم؛ لأن الضيف خصه بالإذن، فصار مؤتمنًا، وكان له فيما أخذ -على مذهبه- حكم الخائن لا حكم السارق.
وأما الدار المشتركة بين ساكنيها المباحة لسائر الناس كالفنادق التي يسكن كل واحد بيته على حدة، وقاعتها مباحة للبيع والشراء فيها، فحكم قاعتها حكم المحجة؛ فمن سرق من بيوتها شيئًا -كان من الساكنين فيها أو من غيرهم- وأخذ في قاعة الدار، فقد وجب عليه القطع، ولا خلاف في هذا أيضًا.
وأمَّا الدار المشتركة بين ساكنيها المحجورة عن سائر الناس، فلا خلاف
[ ١٠ / ٥٩ ]
أن السكان تقطع من سرق منهم من بيت صاحبه إذا أخذوا، وقد خرج بسرقته إلى قاعة الدار، وإن لم يخرج بها عن الدار، ولا أدخلها بيته، ولا خلاف في أنه لا قطع على من سرق منهم من قاعة الدَّار شيئًا، وإن أدخله بيته، وخرج به عن الدَّار إلا أن يكون الذي سرق من قاعتها دابة من مربطها المعروف، وما أشبه ذلك من المتاع الثقيل الذي يجعل بعضه [على بعض] (١)، فيكون ذلك الموضع حرزًا له كمربط الدابة؛ فيكون حكم من سرق شيئًا من ذلك منهم حكم من سرق من بيت من البيوت.
وإن سرق أحد الزوجين من مال صاحبه من بيت من هذه البيوت، وقد حجره عليه وأغلقه دونه، فعليه القطع قولًا واحدًا أيضًا.
واختلف إن سرق أجنبي من بيت من بيوت الدار، وأخذ من قاعتها قبل أن يخرج به من الدار، أو سرق من القاعة ما نشر فيها من ثوب أو غيره أوتى فيه، هل يقطع أم لا؟
فالمذهب على أربعة أقوال كلها متأولة على المدونة:
أحدها: أنه يقطع في الوجهين جميعًا، وهو نص ابن المواز في كتابه، وهو تأويل بعض الأندلسيين على المدونة.
والثاني: أنه لا يقطع في الوجهين جميعًا إذا سرق من البيوت، وأخذ في القاعة، أو سرق من القاعة، فأخذ خارجها، وهو متأول أيضًا على المدونة.
والثالث: أنه إن سرق من البيوت، وأخذ في القاعة قطع، وإن سرق من القاعة، وأخذ خارجًا لم يقطع، وهو ظاهر "المدونة"، وهو نص ما في "كتاب محمَّد" في الوجه الأول.
والرابع: أنه لا يقطع إذا سرق من البيوت، فأخذ في القاعة، ويقطع
_________________
(١) في أ: فوق بعض.
[ ١٠ / ٦٠ ]
إن سرق من القاعة، وأخذ خارجًا، وهذا القول متأول على "المدونة" أيضًا.
ووجه القول الأول: أن القاعة حرز بالإضافة إلى الأجنبي، وغير حرز بالإضافة إلى الساكن؛ فإذا سرق من البيوت، وأخذ في القاعة فيقطع؛ لأنه قد صيره إلى غير حرز بالإضافة إلى الأجنبي على الجملة، وبهذا عَلَّل ابن المواز.
وإن سرق من القاعة، وأخذ خارجًا قطع؛ لأنه سرق من الحرز بالإضافة إليه، فأمر بقطعه في الوجه الأول.
وإن أخذ في الموضع الذي إن سرق منه قطع؛ لأنه أباحه لأهل الدار وصيره إلى موضع لا قطع على من سرق منه منهم.
ووجه قول من قال: إنه لا يقطع في الوجهين جميعًا؛ لأنه إذا سرق من البيوت، وأخذ في القاعة لم يقطع؛ لأن القاعة حرز بالإضافة إليه، وإن سرق من القاعة، وأخذ خارجًا فلا يقطع؛ لأنه سرق من غير حرز بالإضافة إلى السكان. وهذا على عكس الأول.
ووجه القول الثالث: أنه يقطع في الوجه الأول، ولا يقطع في الثاني؛ لأنه قد صيره إلى غير حرز ثم إن سرق من ذلك الموضع لم يقطع؛ لأنه موضع يقطع فيه إذا أخذ المتاع من البيت، وأخذ فيه.
ووجه القول الرابع: لا يقطع في الأول، ويقطع في الثاني؛ لأنه إذا سرق من البيوت، وأخذ في القاعة فقد أخذ في الحرز، والسارق إذا أخذ في الحرز، فلا قطع عليه، وإن سرق من القاعة، وأخذ خارجًا قطع؛ لأنه أخرجه عن جملة الحرز بالاتفاق.
والقياس إذا قطع في الوجه الثاني ألا يقطع في الوجه الأول؛ وعلى
[ ١٠ / ٦١ ]
هذا حمل أبو محمَّد عبد الحق ما في "المدونة"، وإذا قطع في الوجه الأول ألا يقطع في الوجه الثاني؛ وعلى هذا حمل أبو إسحاق التونسي ما في "كتاب ابن المواز"، فتدبر هذا التخريج يتبين لك معناها، والحمد لله وحده.
[ ١٠ / ٦٢ ]
المسألة الخامسة في معرفة ما يجب به القطع
ولا يجب القطع إلا ببينة أو اعتراف.
فأما البينة فشاهدا عدل، ولا يقطع بشاهد ويمين، ولا بشاهد وامرأتين.
وأما الاعتراف، فإنه ينقسم على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يأتي مستهلًا على نفسه بالسرقة من غير أن يؤخذ ويتهم به.
والثاني: أن يقر على نفسه بها بعد أن يتهم، فيؤخذ دون خوف ولا تهديد، ولا وعيد.
والثالث: أن يقر على نفسه بها بعد الضرب والتهديد والوعيد.
فأما الوجه الأول: إذا استهل بذلك على نفسه من قبل أن يؤخذ، فإنه يقطع من غير تعيين قولًا واحدًا، وله أن يرجع عن إقراره إذا كان لرجوعه وجه يذكره.
واختلف إذا جحد الإقرار أصلًا، ولم يأت لرجوعه بوجه يقبل، هل يقال أو لا يقال؟
على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يقال، وهو قوله في "الكتاب" إذا جحد الإقرار أصلًا، وهو قوله في آخر "الكتاب" إذا أقر بغير محنة ثم جحد، فقال مالك: يقال.
[ ١٠ / ٦٣ ]
والثاني: أنه لا يقال. وهو ظاهر قوله في "الكتاب" إذا أتى بأمر يعذر به [يقول أقررت لأجل كذا وكذا -فيقال. وظاهره أنه إذا لم يأت بأمر يعذر به] ألا يقال، وهو المشهور، وهو قوله في "كتاب الرجم".
وأما الوجه الثاني: إذا كان إقراره بعد أن يؤخذ دون خوف، ولا تهديد، فلا يخلو من أن يعين السرقة أو لم يعينها.
فإن عينها قطع قولًا واحدًا.
وإن لم يعينها، هل يقطع بمجرد إقراره أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يقطع، وهو ظاهر قوله في آخر "كتاب السرقة" فيمن أقر أنه سرق ألف درهم بغير محنة، ولا شيء ثم جحد بعد ذلك، فقال: يقال. فظاهره أنه لو تمادى على إقراره لقطع.
والثاني: أنه لا يقطع حتى يعين السرقة ويظهرها، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
فعلى القول بأنه يقطع بمجرد إقراره دون تعيين على ظاهر ما في "كتاب السرقة" من "المدونة"، فله أن يرجع عن إقراره، وإن لم يأت بوجه يعين به، وهو ظاهر "المدونة" في آخر "كتاب السرقة".
وعلى القول بأنه لا يقطع إلا أن يعينها، فاختلف هل له أن يرجع عن إقراره بعد التعيين أم لا!! على قولين مرويين عن مالك في "العتبية" وغيرها.
وهذا الخلاف إنما يجري في الذي قال: إنما أقررت لوجه كذا.
وأما إن جحد الإقرار بعد التعيين أصلًا فلا يقال قولًا واحدًا.
وأما الوجه الثالث: إذا أقر على نفسه بعد الضرب والتهديد، فلا يقطع
[ ١٠ / ٦٤ ]
بمجرد الإقرار.
فإن عينها هل يقطع أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه لا يقطع، وهو نص قول مالك في "الكتاب".
والثاني: أنه يقطع، وهو ظاهر قوله في آخر "الكتاب" في الذي ادعى على رجل بالسرقة فقال: استحلفه لي حيث قال: فإن كان المُدعى عليه متهمًا بذلك موصوفًا به احتلف وامتُحن وهُدِّد، وإن كان غير ذلك لم يعرض له، وقوله: امتُحن وهُدِّد، فما فائدة الامتحان والتهديد إذا لم يعمل بمقتضاهما.
فعلى القول: بأنه يقطع فإنما يقطع ما لم يرجع عن إقراره، فإن رجع عن إقراره أُقِيل بلا خلاف.
وعلى القول الثاني بأنه لا يقطع، فإن تمادى على إقراره بعد ذلك، هل يقطع أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يقطع، وهو قوله في "المدونة".
والثاني: إنه لا يقطع، وهو قول ابن الماجشون، والحمد لله وحده.
[ ١٠ / ٦٥ ]
المسألة السادسة في اجتماع القَطْع مع [قيمة] (١) الشيء المسروق
ولا يخلو الشيء المسروق من أن يكون مما يجب فيه القطع، أو مما لا يجب فيه القطع لتفاهته.
فإن كان مما لا يجب فيه القطع لتفاهته، فالغرم واجب عليه في اليُسر والعُسْر، ولا خلاف في ذلك.
فإن كان مما يجب فيه القطع، فلا يخلو من أن يكون الشيء المسروق قائمًا بيد السارق أو فائتًا.
فإن كان فائتًا، هل يجب عليه الضمان مع القطع أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: وجوب الضمان على السارق مع القطع بكل حال في العسر، واليسر، وهذا القول حكاه ابن شعبان عن المذهب في "كتاب الزاهي"، وهو مذهب الشافعي، وأبي ثور.
والثاني: أنه لا يجب الضمان مع القطع في كل حال من يُسْر أو عُسْر، وهذا القول حكاه القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب عن بعض مشايخ المذهب، قال: وهو القياس، وهو مذهب أبي حنيفة، والثوري، وابن أبي ليلى.
والثالث: التفصيل بين اليُسْر والعُسْر؛ فإن كان معسرًا فلا ضمان عليه، وإن كان موسرًا، فإنه يضمن قيمة السرقة مع القطع بشرط اتصال اليسر من يوم السرقة إلى يوم الحكم كما قال أشهب، وإما إلى يوم القطع
_________________
(١) في ب: ثمن.
[ ١٠ / ٦٦ ]
كما قال ابن القاسم، وهذا مذهب مالك، وأكثر أصحابه.
وفائدة الفرق بين يوم الحكم بالقطع كما قال أشهب، وبين يوم القطع على قول ابن القاسم إذا حدث له يسر بعد الحكم، وقبل: القطع أو حدث له عسر؛ فعمدة من جمع بين الأمرين أنه اجتمع في السَّرقة حَقَّان: حق الله، وحق الآدمي، فإن اقتضى كل ذي حق موجبه ومقتضاه.
وأيضًا، فإنهم لما أجمعوا على أنه يأخذ عين شيئه إذا وجده بعينه لزم إذا لم يوجد بعينه عنده أن يكون في ضمانه قياسًا على سائر الأموال الواجبة.
وعمدة أبي حنيفة، ومن وافقه حديث عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا يغرم السارق إذا أقيم عليه الحد" (١) وهذا الحديث خرَّجه النسائي، وفيه ضعف عند أهل الحديث.
قال أبو عمر: لأنه عندهم مقطوع.
وأبو حنيفة أيضًا يقول: إن اجتماع حقين في حق واحد مخالف للأصول.
ويقولون: إن القطع هو بدل من الغرم؛ ومن هاهنا يرون أنه إذا سرق شيئًا ما يقطع فيه، ثم سرقه ثانية أنه لا يقطع.
وأما تفرقة مالك، فاستحسان على غير قياس.
وأما الوجه الثاني: إذا كان الشيء المسروق قائمًا، إما بيده، وأما بيد مشتريه منه، فلا يخلو من أن يدخله التغيير أو لا يدخله.
فإن لم يتغير، فإنه يأخذه، فإن فات بيد مشتريه منه، فلا يخلو من أن يفوت بسببه أو بسبب سماوي.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (٣/ ١٨٢)، والبيهقي في الكبرى (١٧٠٦٠)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٢٢)، وضعفه الدارقطني والبيهقي.
[ ١٠ / ٦٧ ]
فإن فات بسببه، فإنه يغرم قيمته، ويرجع على السارق كثوب لبسه، أو أحرقه، أو طعام أكله.
فإن كان تلفه بسبب سماوي، فلا ضمان عليه.
وهذا كله قوله في كتاب السرقة.
فإن تغير في يد السارق مثل أن يكون ثوبًا، فصبغه أو خشبة فعمل منها بابًا أو حنطة، فطحنها ولتَّهَا سويقًا، أو نقرة فضة فصاغها حُلِيًا أو نحاسًا، فجعله قمقمًا أو ما أشبه ذلك، ولا مال له غير ذلك.
أما إذا صبغه أو جعله طهارة لجبته.
فإن جعله طهارة لجبته، أو قلانيس، فإن كان له مال كان ضامنًا لثوبه باختيار صاحب الثوب.
فإن لم يكن له مال كان صاحبه مخيرًا بين أخذ عين شيئه، ويعتق الجبة، ويأخذه، وإن أدى ذلك إلى فساد الجبة، أو تباع الجبة، ويكون شريكًا في قيمتها بقيمة ثوبه يوم سرقته.
فإن كانت قيمة الجبة مثل قيمة الثوب فأقل، كان ذلك لرب الثوب، ولا شيء فيه للسارق ولا عليه في النقص.
وأما الثوب إذا صبغه السارق، هل يكون فوتًا أو لا يكون فوتًا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يكون فوتًا، ولا سبيل لربه إلى أخذه، وإنما له قيمته يوم سرقه إن كان له مال، وإن لم يكن له مال بيع الثوب، ويأخذ قيمة ثمنه من قيمته.
والثاني: أنه لا يكون فوتًا، ولربه أخذه، ولا شيء عليه من قيمة الصبغ كالجَصِّ في الدَّار، والخياطة في الثوب.
[ ١٠ / ٦٨ ]
والثالث: أنه يكون شريكًا بقيمة الصبغ من قيمة الثوب أو بزيادة الصبغ على أحد القولين.
وهل يكون الخيار في ذلك لصاحب الثوب بين أن يضمنه قيمة الثوب أو يكون معه شريكًا على القول بالشركة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه مخير.
والثاني: أنه لا خيار له عليه، والشركة بينهما حكمية، ولا يجبر واحد منهما على بيع ماله في الثوب لصاحبه.
والقولان متأولان على "الكتاب".
والأقوال الثلاثة نص عليها أبو إسحاق التونسي، والقولان منهما في "الكتاب" على اختلاف الروايات فيها؛ لأنها وقع في بعضها أن صاحب الثوب مخير إن شاء أعطى السارق قيمة صبغه، ويأخذ ثوبه، وإن أبى بيع الثوب، وأعطى منه قيمته يوم السرقة، وعلى هذه الرواية اختصر أكثر المختصرين، وفي رواية ابن المرابط، وبعض الروايات قال: أرى أن يباع الثوب، ويعطي من قيمته لرب الثوب قيمته، ولم يجعل له الخيار.
وفي "كتاب ابن عتاب": إن قال رب الثوب: أنا آخذ ثوبي، وأدفع إليه قيمه صبغه، قال: ليس ذلك له، فيعطي قيمة ثوبه على ما وصفت لك، ولا يكون بالخيار.
وأما السويق إذا سرق حنطة، فطحنها سويقًا ولَتَّهُ بسمن، فقد قال في "الكتاب": إذا قال رب الحنطة: أنا آخذ هذا السَّويق بلتاته، فقال: هو ما وصفت لك -يريد في الثوب- يباع السَّويق، ويعطي له حنطة مثل حنطته تشتري له من ثمن السَّويق.
وإنما منعه من أخذ السَّويق المطحون من حنطته؛ لأن عين شيئه قد تغير
[ ١٠ / ٦٩ ]
وحول وسمي باسم آخر؛ فأشبه ما لو فات عينه كما لو سَرَقَ خشبة فعمل منها بابًا، فإنه يأخذ قيمة خشبته، ولا يأخذ ما عمل منها إلا برضا السَّارق.
وأما الفضة إذا سرق نقرة فصاغها حليًا أو ضربها دراهم ثم أخذ ولا مال له غيرها، فقطع فقال ابن القاسم في "الكتاب": لا شيء له إلا وزن فضته؛ لأني إن أجزت له أخذ ما صيغ منها بلا شيء كنت قد ظلمت السارق في عمله، وإن قلت للمسروق [منه] (١) أعطه عمله كانت فضة بفضة، وزيادة، فهذا ربا.
وما قاله صحيح لازم؛ لأن استفصال أجرة العمل زيادة في أخذ الفضتين، وذلك عندنا ممنوع [إلا] (٢) في وجه واحد؛ فإن المذهب اختلف فيه إذا جاء تاجر إلى أهل دار الضرب بفضة، وراطلهم بها بمسكوك يزيد لهم عمل أيديهم، وقد بينا ذلك في "كتاب الصرف".
وأما النحاس فقد أجاب فيه بالكتاب بمثل جوابه في الفضة، وذلك غير مستقيم؛ إذ لا ربا في ذلك، والتفاضل في النحاس إذا تبين التفاضل، ولا أدري لأي معنى منع المسروق منه أن يدفع عمل اليد، ويأخذ متاعه اللهم إلا أن يرى أن ذلك بغير عين شيئه حتى يكتسب اسمًا آخر، فوجب أن يأخذ مثل شيئه؛ لأنه من ذوات المثل. تم كتاب القطع في السرقة، والحمد لله وحده.
_________________
(١) في أ: له.
(٢) سقط من أ.
[ ١٠ / ٧٠ ]
كتاب المحاربين
[ ١٠ / ٧١ ]