تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها خمس مسائل:
المسألة الأولى في حبس المديان واختبار أحواله
وأصل تسميته مديانًا: كثرة ما عليه من الديون.
والدين من المذلة، يقال: دان الله، إذا أطاعه، ومنه الحديث: "الكيس من دان نفسه" (١) أي: أذلها.
والدين مذلة على من هو عليه، وقد استعاذ منه - ﷺ -، وقال أيضًا: "إياكم والدين، فإنه هم بالليل ومذلة بالنهار"، وقال عمر بن الخطاب ﵁: "إياكم والدين، فإن أوله هم، وآخره حرب" (٢): بفتح الراء، أي: سلب، يريد والله أعلم أنه بالتفليس يسلب حتى لا يبقى عنده مال، وقد رويت عن النبي - ﷺ - آثار كثيرة في التشديد في المديان [منها ما] (٣) رواه ابن أبي قتادة عن أبيه أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر أيكفر الله به خطاياي؟ فقال النبي - ﷺ - نعم: فلما أدبر الرجل ناداه أو أمر به فنودى له فقال: "كيف قلت؟ "، فأعاد عليه قوله، فقال: "نعم إلا الدين فإنه كذلك قال لي جبريل" (٤).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجة (٤٢٦٠)، وأحمد (١٧١٦٤)، والحاكم (١٩١)، وضعفه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى.
(٢) أخرجه مالك (١٤٦٠)، والبيهقي في الكبرى (١١٠٤٦).
(٣) سقط من أ.
(٤) أخرجه مالك (٩٨٦)، والنسائي (٣١٥٥)، وأحمد (٢٢٦٧٩)، وصححه الشيخ الألباني ﵀.
[ ٨ / ١٥٩ ]
ومنها: ما روى أن النبي - ﷺ - كان جالسًا مع أصحابه في موضع الجنائز إذا رفع رأسه ثم نكسه ثم وضع راحته على جبهته ثم قال: "سبحان الله ماذا أنزل الله من التشديد" (١).
وقال - ﷺ -: "صاحب الدين مأسور يوم القيامة بالدين" (٢) وقال: "نفس المؤمن [معلقة] (٣) بدينه" (٤) أو قال: "من كان عليه دين حتى يقضي [دينه] (٥) ".
والأحاديث في ذلك أكثر من أن تحصى، فقيل: إن في ذلك كله ما كان من النبي - ﷺ - قبل أن تفتح عليه الفتوحات، وقبل فريضة الزكاة على المسلمين، فلما فرضت الزكاة قال النبي - ﷺ -: "من ترك مالًا فلورثته، ومن ترك دينًا فعلي" (٦)، وقيل: إن هذه الآثار إنما وردت فيمن تداين في سرف أو فساد غير مباح، أو من تداين وهو يعلم أن ذمته لا تفي بما تداين به؛ لأنه مهما فعل، فقد قصد إلى استهلاك أموال المسلمين، وهذا هو الصحيح، فإذا ثبت ذلك فالغرماء على ثلاثة أقسام:
غريم غني، وغريم معسر غير معدم، وغريم معسر معدم.
فأما الغريم الغني: فتعجيل الأداء عليه واجب، ومطله بالحق حرام غير جائز؛ لقول النبي - ﷺ -: "مطل الغني ظلم" (٧).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٩٢٨).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٨٩٣)، وضعفه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى.
(٣) في الأصل: متعلقة، والمثبت من أصول الحديث.
(٤) أخرجه الترمذي (١٠٧٨)، وابن ماجة (٢٤١٣)، وأحمد (١٠٦٠٧)، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى.
(٥) سقط من أ.
(٦) تقدم.
(٧) أخرجه البخاري (٢١٦٦)، ومسلم (١٥٦٤).
[ ٨ / ١٦٠ ]
وأما المعسر الذي ليس بمعدم، وهو يفرحه تعجيل القضاء ويطريه: فتأخيره إلى أن يوسر ويمكنه القضاء من غير مضرة تلحقه مرغب فيه ومندوب إليه، وفيه قال النبي - ﷺ -: "من أنظر معسرًا أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" (١).
وأما المعسر المعدم: فتأخيره إلى أن يوسر وأجب، والحكم بذلك لازم، فهو في نظرة الله تعالى إلى أن يوسر، ولا يحبس، ولا يؤاجر، ولا يستخدم، ولا يستعمل؛ لأن الدين إنما تعلق بذمته، فلا يصح أن يؤاجر فيه، خلافًا لأحمد بن حنبل الذي يقول: إن المعسر يؤاجر في الدين.
والدليل على ما عليه الجمهور: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٢): معناه إن حضر ذو عسرة، أو وقع ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة، فالآية عامة في كل من أعسر بدين كائنًا ذلك الدين ما كان، ربًا كان أو غيره، فإذا ثبت ذلك، فالغريم مجهول على الملأ حتى يتبين عدمه كان قد أخذ في الدين الذي يطلب به عوضًا أم لا؛ لأنه إن كان أخذ به عوضًا فهو مال قد حصل إليه فلا تقبل منه دعوى العدم حتى يبينه، وإن كان لم يأخذ به عوضًا: فالمعلوم من حال الناس الحرص على الطلب، الجد في الكسب، فهو محمول على ما يعلم من حال الناس، وما جبلهم الله عليه، هذا قول الشيخ أبي إسحاق التونسي وغيره من المحققين.
فإذا لم يتبين عدمه ولم يظهر فقره: فعلى الحاكم بذل وسعه في استبراء حاله، فإن أدَّى اجتهاده إلى حبسه: فليحبسه فإن ذلك جائز له باتفاق الأمصار، والدليل على إجازة حبسه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٠٠٦).
(٢) سورة البقرة الآية (٢٨٠).
[ ٨ / ١٦١ ]
مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ (١)، أي: ملازمًا، فإذا جاز ملازمته ومنعه من التصرف جاز حبسه فإذا اقتضى نظر الحاكم حبسه فحبسه: على ثلاثة أوجه:
أحدها: حبس تلوم، واختبار فيمن جهل حاله.
والثاني: حبس من ألد واتهم بأنه خبأ مالًا وغيبه.
والثالث: حبس من أخذ أموال الناس، وتعدى عليها، وادعى العدم، فلم يبين عدمه؛ إذ لم يعلم أنه جرى عليه بسببٍ أذهب ما حصل عنده من أموال الناس.
فالجواب عن الجواب الأول: وهو حبس التلوم والاختبار في المجهول الحال: فإنه يحبس قدر ما يستبرأ، ويكشف عن حاله، وذلك يختلف باختلاف الدين؛ فما روى ابن حبيب عن ابن الماجشون: فيحبس في الدريهمات اليسيرة: قدر نصف شهر، وفي الوسط: شهران، وفي الكثير من المال: أربعة أشهر، ووجه ذلك: أنه يحبس على وجه اختيار حاله، فوجب أن يكون على قدر الحق الذي يسجن لأجله.
فإن طلب المحبوس التلوم، والاختبار أن يعطي حميلًا حتى يتبين حاله، ويكشف عن أمره، ولا يحبس؛ فقد قال مالك في "المدونة" في هذا الوجه: لا يحبس، ويؤخذ عليه حميل، وفي بعض روايات "المدونة": يأخذ عليه وكيل، وحكى أبو عمران أنه رواها، والصواب رواية من رواها "حميلًا"؛ إذ لا فائدة للوكيل في هذه الصورة.
ولم يبين إن كان الحميل بالوجه أتى بالمال، والصواب هنا أن يكون
_________________
(١) سورة آل عمران الآية (٧٥).
[ ٨ / ١٦٢ ]
بالوجه، وقد نص عليه أبو عمران، وأبو إسحاق التونسي ﵄، وغيرهما من شيوخنا القرويين والأندلسيين، ولا يقتضي النظر سواه؛ لأن هذا لم يثبت أنه ملي، ولا أنه غيب مالًا، فعاقب بالسجن والأدب، ولا قويت عليه التهمة بذلك، فيستبرئ أمره بسجنه، والتضييق عليه لعله يخرج منه، فيخرج ما عنده من المال، وإنما كان ذلك يسجن هذا توقيفًا له ليكشف حقيقة حاله، ويستخبر باطنه، فإذا أعطى حميلًا بالوجه إلى مدة الاختبار التي شرع سجنه لذلك، فإن ظهر للحاكم وجه للشدة أمر الحميل بإحضاره وبرئ من الضمان، ويحبس حتى يؤدي المال إن تبين أن له مالًا.
وإن لم يتبين له مال: أطلق بعد اليمين، وإن لم يحضره غرم المال -وإن تبين أنه عديم- من أجل اليمين اللازمة له.
والجواب عن الوجه الثاني: وهو حبس ما ألد واتهم بأنه خبَّأ مالًا وغَيَّبَه، فإنه يحبس حتى يؤدي، أو يثبت عدمه فيحلف، ويسرح.
فإن سأل أن يعطي حميلًا: إلى أن يثبت عدمه أو ينال النظرة ووعد بالقضاء، أما إذا سأل أن يعطي حميلًا حتى يثبت أمره، أو حتى تزكي البينة إن شهدت له بالعدم، هل يقبل منه الكفيل بالوجه أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يقبل منه إلا أن يريد أن يسجن، وطلب أن يعطي حميلًا غارمًا لا يسقط عنه الغرم إثباته العدم؛ لأن التضييق بالحبس واجب عليه للتهمة اللاحقة رجاء أن يؤدي، وهو ظاهر قول سحنون في "كتاب ابنه".
والثاني: أنه يجوز أن يؤخذ منه الحميل بالوجه، وهو قول ابن القاسم.
[ ٨ / ١٦٣ ]
وذهب بعضهم إلى أن ذلك ليس باختلاف، وأن ابن القاسم إنما تكلم على من لا يعرف بالناس، وسحنون إنما تكلم على من لا يعرف به، ويتوسم بأن عنده ما يؤدي منه عليه من الحق.
والجواب عن الوجه الثالث: وهو الذي أخذ أموال الناس، وتعقد عليها، وادعى العدم، فتبين كذبه؛ إذ لم يعلم أنه اجتيح بحريق أو بسرقة: فإنه يسجن أبدًا حتى يؤدي أموال الناس، أو يموت في السجن، وروى عن سحنون أنه يضرب بالدرة المرة بعد المرة حتى يؤدي أموال الناس.
وقال القاضي ابن رشد: وليس قول سحنون بخلاف لمذهب مالك؛ فقد قال مالك: وضرب الإمام الخصم على اللدد، وأيّ لدد أبين من هذا، فالقضاء بما روى عن سحنون في مثل هؤلاء الذين يقعدون على أموال الناس، ويرضون بالسجن، ويستحقونه ليأكلوا أموال الناس ويستهضموها؛ بل هو الواجب الذي لا تصح مخالفته إن شاء الله تعالى.
وقد قال عمر بن عبد العزيز ﵁: تحدث للناس أقضيه بقدر ما أحدثوا من الفجور (١).
وما حكاه ابن الهندي عن سحنون ﵁ أنه قال في ابن أبي الجواد إذا ضربه حتى مات إن صح فلا يدل على رجوعه عن مذهبه، وإنما يدل على ثبوته عليه، واستنصاره فيه مع ورعه وفضله؛ لأنه قال: لم أقتله أنا، وإنما قتله الحق، وأشفق -مع ذلك- إشفاق المؤمن الحذر الخائف لربه؛ مخافة أن يكون جاوز في اجتهاده، اقتداءًا بعمر بن الخطاب ﵁ في قوله:
_________________
(١) تقدم الكلام على هذا الأثر.
[ ٨ / ١٦٤ ]
لو مات جمل بشاطئ الفرات ضياعًا لخشيت أن يسألني الله عنه.
فإذا حبس في دين، فإنه لا تدخل عليه امرأته؛ لأنه إنما يراد التضييق عليه، وقول سحنون، وقال محمد بن الحكم: ولا يخرج للجمعة ولا للعيدين، واستحسن إذا اشتاد مرض أبويه أو ولده أو أخته أو أخيه، وخيف عليه الموت أن يخرج، ومن يقرب من قرابته فيسلم عليهم، ويؤخذ منهم كفيل بوجهه، ولا يفعل ذلك في غيرهم من القرابة، ولا يخرج لحجة الإسلام، ولو أحرم بحجة أو عمرة، أو نذر فقيم عليه بالدين، فإنه يحبس وبقى على إحرامه، ولا يحله منه إلا الطواف بالبيت [وإن] (١) طال الزمان، وهو نص قول مالك في "كتاب الحج الثاني" من "المدونة" في قوم اتهموا بالدم، فأخذوا وهم محرمون بالحج: إنهم يحبسون، ولا يحلهم إحرامهم إلا الطواف بالبيت.
وقال ابن الحكم: ولو ثبت الدين عليه يوم نزوله بمكة أو منى، أو عرفة استحسنت أن يؤخذ معه كفيل حتى يفرغ من الحج، ثم يحبس بعد النفر الأول، وهذا كله منصوص لابن عبد الحكم في "كتاب ابن سحنون".
وكل من وجب عليه حق من الحقوق لقريب أو لأجنبي، فإنه يحبس فيه إذا طلب ذلك صاحب الحق، إلا الوالدين، فإنهما لا يحبسان فيما ترتب لولد في ذمتيهما من الدين، ولا يحلفهما؛ لأن ذلك من باب العقول؛ لأنه حق لا يوصل الولد إليه إلا بعد ارتكاب محظور.
فإن شح الابن في استحلاف أبيه استحلف له، وكانت جرحه على الابن، وهو قول ابن القاسم في "الواضحة" و"الموازية" ونصه في "المدونة": "إن استحلفه وهى جرحه"، ولم ينص على أنه يستحلف له
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٨ / ١٦٥ ]
إن طلب ذلك، فأمعن النظر في هذا المعنى كيف يجوز للحاكم مساعدة الولد على تحليف الأب وسجنه، وهو من الكبائر، وكيف يحمله على ارتكاب محظور متفق على حظره.
فإن قلنا: إن الولد طلب أمرًا أباحته الشريعة على الجملة، فنقول أيضًا في ضمن امتثاله أمر قد حصرته الشريعة على الجملة، والأصول على أن كل طاعة لا يتوصل إلى فعلها إلا بارتكاب محظورة في نفسها.
أصل ذلك الحج على مشهور المذهب، فإن الولد إذا تعينت عليه فريضة الحج، فمنعه أبوه من السفر لأدائها أنه لا يخرج، ولا يكون عاصيًا بترك المبادرة إلى أدائها؛ بل هو عاص بالخروج، مطيع بالتخلف عن الخروج، ولو مات قبل أن يحج على الصورة المفروضة لكان غير مأثوم، وهذا كما تراه، ولاسيما على مذهب البغداديين من أصحابنا القائلين بأن فريضة الحج على الفور.
وقال بعض المتأخرين غاية المقدور في ذلك أن يقال للولد قد طلبت حقًا واجبًا في مقتضى الشرع، فأنت عاص في استيفائه.
فانظر لنفسك ما هو أرشد لها.
وأما إذا امتنع الأب [من] (١) الإنفاق على ولده الصغير: فإنه يحبس في ذلك، وهو قول محمد بن عبد الحكم في "كتاب ابن سحنون": والفرق بين النفقة، وما له عليه من الدين أن ترك الإنفاق على ولده الصغير من الإضرار به، فالسلطان يأخذه بذلك، ويلزمه إياه.
ويحبس الوصي فيما على الأيتام من دين إذا كان لهم في يده مال، وكذلك الأب يحبس في الدين الذي على الولد إذا كان له بيده
_________________
(١) في أ: على.
[ ٨ / ١٦٦ ]
مال، و[ما] (١) رواه ابن سحنون عن ابن عبد الحكم معناه أنه قبض له مالًا، ولم يعلم له نفاذه، ولا يقبل قوله أنه يدعي خلاف الظاهر من حاله.
ولا يمتنع المحبوس أن يسلم على أحد معه، أو يسلم عليه، ولا يخرج، وإن اشتد به المرض إلا أن يغلب على عقله، فيخرج بحميل، فإن احتاج إلى أمة تباشر منه لا يباشر غيرها، وتطلع على عورته، فلا بأس بذلك.
فإذا حبس الزوجان في دين عليهما، فطلب الغريم أن يفرق بينهما في الحبس، وطلب الزوجان أن يجتمعا، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك للزوجين إن كان السجن خاليًا فليجتمعا، وإن كان فيه غيرهما: حبس الرجل مع الرجال، والمرأة مع النساء، وهو قول ابن عبد الحكم.
والثاني: أنه يفرق بينهما، ولا يمكن أن يكون معه امرأته وتبيت عنده؛ لأنه إنما سجن ليضيق عليه، وهو قول سحنون في "كتاب ابنه"، [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة ليست بالأصل.
[ ٨ / ١٦٧ ]
المسألة الثانية في طرآن الغريم
والكلام في هذه المسألة على ثلاثة أسئلة:
الأول: طروء الغريم على الغرماء.
والثاني: طروء الغرماء على الورثة بعد قسمة التركة.
والثالث: طروء الغريم على الغرماء وعلى الورثة.
فالجواب عن السؤال الأول: وهو طروء الغريم على الغرماء؛ مثل أن يموت رجل وعليه من الدين ما يفترق ماله، فقام عليه غرماؤه وأخذوا ماله، وقسموه على قدر ديونهم، ثم طرأ غريم، فلا يخلو الورثة من أن يعلموا بنفقة الغرماء، أو لم يعلموا.
فإن علموا بنفقة الغرماء، وكان الميت موصوفًا بالدين: فإن الغريم الضاري يرجع إما على الورثة، وإما على الغرماء.
وقد اختلف على من يرجع في الابتداء على قولين منصوصين في الكتاب:
أحدهما: أن الغريم القادم يرجع أولًا على الورثة بقدر ما هو به في الحصاص أن لو حضرتم ثم يرجع الورثة، أو الوصي على الغرماء الذين اقتضوا أولًا لذلك القدر.
والثاني: أن الضاري يرجع على الغرماء أولًا، فإن وجدهم أمينًا أخذ منهم ما ينوبه في المحاصة أن لو حضر معهم، ثم لا رجوع لهم على الورثة بشيء.
[ ٨ / ١٦٨ ]
وإن وجدهم عدمًا: فإنه يرجع على الورثة بذلك القدر، ثم يرجع الورثة على الغرماء الأولين بما ادعوا من ذلك إلى التقادم.
والقولان لابن القاسم في "الكتاب".
وسبب الخلاف: اختلافهم في المسبب والمباشر أيهما أولى بالمؤاخذة، ولاسيما في مسألتنا أن المسبب قد تعدى فيه الدفع والتمكين بعلمه بأن المال الذي مكن فيه الغرماء تعين في الحق لغيرهم إما بمحض العلم كعلمه ببقية الدين، وإما بغلبة ظن لكون الميت موصوفًا بالدين، وعلى القول بأن عهدة الطارئ على الغرماء إما بطريق الإيصاء لكون الوارث الوصي غير عالم ببقية الدين، وإما على القول بأنه العهدة أولًا على الغرماء.
وإن علم للوارث فلا تخلو التركة من أن تكون مما يرجع إلى المثل، أو ما يرجع إلى القيمة.
فإن كان التركة مما يرجع إلى المثل؛ كالمكيل والموزون: فإنه يرجع على واحد منهم بما ينوبه في المحاصة أن لو حضر القسمة أولًا، ولا يأخذ الملي بالمعدم، وسواء كان عين ما أخذوه قائمًا أو فائتًا؛ لأنه إن كان قائمًا أخذه، وإن كان فائتًا أخذ مثله؛ لأن المثل في المكيل والموزون يقوم مقام العين، ولا تنتقض القسمة بينهما في ذلك، ولا خلاف -أعلمه- في هذا الوجه.
فإن كانت التركة مما يرجع إلى القيمة؛ كالعروض والحيوان فلا يخلو ما أخذوه من أن يكون قائمًا بأيديهم، أو فائتًا.
فإن كان قائمًا: فالطارئ مخير بين أن ينقض القسمة بينهم حتى يأخذ حقه من الوسط؛ لما يدخل عليه من الضرر في تبعيض حقه، أو يبقيها
[ ٨ / ١٦٩ ]
على ما كانت عليه، ويأخذ من كل واحد منهم ما ينوبه مما قبض.
فإن كان فائتًا: فلا يخلو فواته من أن يكون بسبب قابضه، أو بسبب سماوي.
فإن كان بسببه: فإنه ضامن النصيب الطارئ من غير اعتبار بكمية الأخلاف من البيع، والهبة والصدقة، والعتق، والإيلاد، وغير ذلك من أنواعه.
فإن كان بسبب سماوي فلا يخلو ذلك من أن يكون مما يغاب عنه، أو مما لا يغب عنه.
فإن كان مما يغاب عنه، فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن كل واحد منهم ضامن للطارئ مما ينوبه مما قبض، وإن قامت له البينة على تلفه، ولا فرق في ذلك بين العين وغيره.
والثاني: أنه لا ضمان عليه في العين، ولا غيره إذا قامت البينة على تلفه، وإن لم تقم البينة كان ضامنًا.
والثالث: الفرق بين العين وغيره؛ فيضمن بالعين، وإن قامت البينة على التلف، ولا يضمن غير العين إذا تلف ببينة، وهو قول أصبغ في "العتبية".
فإن كانت التركة مما لا يغاب عليه، هل يصدق في دعوى التلف بغير سببه أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا ضمان عليه ويحلف.
والثاني: أنه ضامن على كل حال.
وسبب الخلاف: اختلافهم في ديون الغرماء هل هي متعينة في عين
[ ٨ / ١٧٠ ]
التركة؟ أو في ذمة الميت؛ فمن رأى أنها متعينة في عين التركة: قال بأنهم ضامنون من غير اعتبار بصورة التلف كان ببينة أو بغير بينة، كان ذلك الشيء مما لا يغاب أم لا؛ لأن ذلك ضمان أصل بمنزلة من استهلك مال غيره يظن أنه ماله ثم تبين له أنه مال غيره، فإنه يضمنه.
ومن رأى أنها متعينة في ذمة الميت: فيفصل بين قيام البينة على التلف، وعدم قيامها، وبين ما يغاب عنه، وما لا يغاب عنه؛ لأنه ضمان تتمة، لا ضمان أصل.
ومن فرق بين العين وغيره، فليس لتفرقه وجه، اللهم إلا أن يلاحظ من فرق بين العين وغيره فيما إذا تلف المال قبل أن يقسم على الغرماء، وسيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وهكذا الحكم في طروء الوارث على الورثة في جميع فصول المسألة ووجوهها.
وأما إن كان الورثة غير عالمين بدين بقية الغرماء، ولا كان الميت موصوفًا بالدين: فلا رجوع للغرماء الطارئين عليهم بوجه ولا على حال، سواء وجدوا الغرماء الماضين أملياء أم غرماء؛ لأنهم ما أخذوا لأنفسهم شيئًا، ولا تسببوا في تلف مال أحد، وإنما فعلوا ما وجب عليهم من تسليم التركة للغرماء خاصة.
والجواب عن السؤال الثاني: في طروء الغرماء على الورثة بعد قسمة التركة، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون الورثة عالمين بدين الغرماء، أو كان الميت موصوفًا بالدين.
والثاني: أن يكونوا غير عالمين، ولا كان الميت موصوفًا بالدين، فإن
[ ٨ / ١٧١ ]
علموا بالدين، أو كان الميت موصوفًا بالدين: فلا يخلو الورثة من أن يقسموا جميع التركة، أو عزلوا منها مقدار الدين، ثم قسموا ما بقى.
وإن قسموا جميع التركة: فلا تخلو التركة من أن تكون قائمة، أو فائتة.
فإن كانت قائمة إما بأيدي الورثة، وإما في أيدي غيرهم مثل أن يبيعوها، أو يهبوها، أو يتصدقوا بها، فهل تنتقض القسمة أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن القسمة تنتقض، وهي رواية أشهب عن مالك، وإن رضي الورثة بدفع الدين من أموالهم، وينتقد ما عقدوا فيها من العفو وتسترجع السلع من يد من قبضها -مشتريًا كان أو موهوبًا له؛ لأن الميراث لا يصح إلا بعد قضاء الدين؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (١)، فصار بيعًا منهيًا عنه لحق الله تعالى، فأشبه بيع يوم الجمعة أو الثنية، أو بيع التفرقة، وما أشبه هذا، فيجب فسخه لمكان النهي عنه، وإن كان لا غرر في ثمنه، ولا مثمونة.
والقول الثاني: أن القسمة لا تنتقض، فإن كان الورثة أملياء، أو كان الثمن الذي باعوا به قائمًا بأيديهم، ويدفع للغرماء، ويمضي البيع؛ لأن الغرماء لا حق لهم في أعيان السلع، وإنما حقهم في دين يأخذونه، فمتى أخذوه لم يكن لهم في السلع كلام.
فإن لم يكن للورثة مال، ولا وجد معهم الثمن الذي باعوا به: كان للغرماء أخذ السلع من أيدي المشتريين، إلا أن يشاء المشترون أن يدفعوا قيمة ما نمى في أيديهم لو نقص قيمته يوم قبضوه، فذلك لهم.
_________________
(١) سورة النساء الآية (١١).
[ ٨ / ١٧٢ ]
وإن كان قائمًا ويرجع المشتري على الورثة بالثمن، وهو قول مالك في "الموازية"، وهو تفسير لما في "المدونة"؛ لأنه لم يبين في "الكتاب" هذا البيان.
وسبب الخلاف: النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟ وقد اتفق المسلمون قاطبة أن الدين قبل الميراث.
فإن كان التركة قد فاتت: فلا يخلو فواتها من أن يكون فواتًا حسيًا، أو فواتًا معنويًا.
فإن كان فواتا حسيًا: فالورثة ضامنون لقيمة ما قبضوه من التركة يوم قبضوه، سواء فات بتلف أو بإتلاف؛ لأنهم بوضع اليد ضامنون لعلمهم بتعيين حق الغير فيما أخذوه ولا إشكال في هذا الوجه.
فإن كان فواته فوات معنى؛ مثل أن يعتقوا، أو يدبروا، أو أكروا، أو فعل ذلك من صارت إليه تلك الأعيان بشراء أو بهبة أو بصدقة من الورثة، فلو كان الورثة أملياء: أخذ منهم الثمن أو القيمة، على ما قدمناه، وسواء كان الفوات من فعلهم أو من فعل غيرهم.
فإن كانوا غرماء: أخذت منهم تلك الأعيان، ويبعث للغرماء فيما وجب لهم، ولا تأثير بفعلهم إن هم فعلوا ذلك، غير أنه يدرأ عنهم الحد في وطء الجواري للشبهة؛ لأجل أن حق الغرماء لم يتعين في عين التركة، وبدليل أن لو ظهر للميت مال آخر لكان للورثة أن يردوا منه الدين، ويمضي فعلهم فيما فعلوا؛ لأنهم يؤدبون لاقتحامهم في التحكم في مال ليس لهم فيه حق في ظاهر الأمر.
فإن فعله غيرهم ممن صار إليه بشراء أو صدقة، أو هبة، فإن كان الفاعل موسرًا: أخذت منه قيمة ذلك يوم قبضه، ومضى فعله، ويرجع بذلك على الورثة.
[ ٨ / ١٧٣ ]
وإن كان عديمًا: فلا يخلو من أن يكون عالمًا بفعل الورثة، أو لم يعلم.
فإن كان عالمًا بتعدي الورثة على التصرف بالبيع وغيره: فحكمه حكم الورثة، وقد بيناه.
وإن كان غير عالم بتعديهم هل للغرماء رد ذلك، ويبطل العتق، والإيلاد أم لا؟
فالمذهب يتخرج على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أن للغرماء رد العبد، ويبطل العتق والإيلاد، وهو قول مالك في "كتاب الغصب" في الذي اشترى أمة من غاصب، ولم يعلم بأنه غاصب، فأعتقها ثم استحقها ربها؛ حيث قال: له أخذها، ويبطل عتقه؛ فقد تساوى في التعدي، وتسليط الشرع إياهما على تلك الأعيان، إلا أن أحدهما يسلطه على ملك عين الشيء المستحق لكونه من ملكه غصب، ومن حوزه استخرج، والغصب عندنا لا يقطع الملك، فصار ملك المالك مستدامًا، والآخر سلطه على استيفاء حقه من تلك الأعيان وحقه فيها متعين لعدم القدرة على غيرها في الحال، فأشبه الغاصب من هذا الوجه.
والثاني: أنه لا رد لهم، والعتق والإيلاد نافذ؛ لأنهم غير متعدين فيما فعلوه؛ لأنهم تصرفوا بوجه شبهة والغرماء لم يستحقوا الأعيان بكل حال، ولا لهم البيع دون النظر ممن يجب له النظر في ذلك وأمثاله، وإلى هذا أشار بعض المتأخرين، وهو ظاهر "المدونة" من غير ما موضع والأول أصح.
وأما الوجه الثاني: إذا عزلوا من التركة مقدار الدين، ثم اقتسموا ما
[ ٨ / ١٧٤ ]
بقى، ثم قدم الغريم وقد تلف المال في الإيقاف بسبب سماوي، هل يكون ضمانه من الورثة، أو من الغرماء؟
فالمذهب يتخرج على قولين:
أحدهما: أن ضمانه من الغرماء إذا كان المال الموقوف مثل ديونهم قدرًا وصفة، وهو قول مطرف، وابن الماجشون في "كتاب ابن حبيب" وهذا هو المشهور.
والثاني: أن ضمانه من الورثة حتى يقبضه الغرماء، وهو قول مالك في "كتاب المديان".
وسبب الخلاف: اختلافهم في المال إذا تلف بعد أن وقف ليقسم على الغرماء، هل يكون ضمانه من الغرماء، أو من الغريم؟
وإيقاف الورثة المال بالإشهاد كوقف الحاكم إياه؛ لأن الجماعة العادلة تقوم مقام السلطان إذا كانوا بموضع لا سلطان فيه.
وأما الوجه الثاني من السؤال الثاني: إذا كان الورثة غير عالمين بالدين، وكان الميت موصوفًا بالدين: فلا تخلو التركة من أن تكون قائمة بأيدي الورثة، أو فائتة.
فإن كانت التركة بأيدي الورثة قائمة أو بعضها؛ مثل أن يفوت ما أخذ بعضهم، وبقى ما أخذ البعض، هل تنتقض القسمة بطرءان الغرماء عليهم أم لا؟
فالمذهب على خمسة أقوال:
أحدها: أن القسمة تنتقض بين جميعهم حتى يخرجوا الدين من جملة المال ثم يقتسموا ما بقى، وهي رواية أشهب عن مالك في "كتاب محمد" وغيره، وظاهره أن القسمة تنتقض، فإن رضي الورثة بإخراج الدين من
[ ٨ / ١٧٥ ]
أموالهم ليقروها؛ لأنها قبض لحق الله تعالى؛ لأنها قسمة وقعت قبل خروج الدين.
والثاني: أنها لا تنتقض جملة بلا تفصيل، وهو قول أشهب، وسحنون.
والثالث: أنها تنتقض بين جميعهم، إلا أن يشاء الورثة أن يخرجوا الدين، ويقروا قسمتهم بحالها، أو يتطوع أحدهم بإخراج جملة الدين من عنده لاغتباطه بحقه، فيكون ذلك له.
ولا تنتقض القسمة بمنزلة ما لو وهبه صاحبه.
وليس لأحدهم أن يخرج ما ينوبه من الدين، ويتمسك بحظه الذي صار إليه بالقسمة إلا أن يرضى بذلك جميعهم، وهو أحد قولي ابن القاسم.
فإن رضوا بإخراج الدين من أموالهم إلا واحد، فإن كان الدين ثبت بغير شهادة بعض الورثة: كان ذلك للآبى، ولا يلزم ذلك برضاهم.
فإن كان الدين ثبت بشهادة أحدهم مع يمين الطالب، وكان الشاهد هو الآبي ألا تنتقض القسمة، هل يقبل ذلك منه أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يقبل منه، ويلزمه ما دعى إليه أصحابه، ويقال له: إما أن تخرج منابتك من الدين، وإلا بعنا عليك ما صار لك بالقسم، وهو نص قول ابن القاسم في المدونة في "كتاب القسمة" "وكتاب الشهادات"، وغيرهما؛ لأنه يتهم على أنه إنما أراد نقض القسمة ليزداد حظه؛ إما لغَبْن جرى عليه فيها، أو لإتلاف حظه، أو بعضه بأمر من الله، أو ما أشبه ذلك، وهو اختيار القاضي أبو الوليد.
[ ٨ / ١٧٦ ]
والثاني: أن قوله في ذلك مقبول، وأنه لا يلزمه ما دعاه إليه أصحابه، وأن له نقض القسمة، إلا أن يؤدوا الدين على ألا يتبعوه في نصيبه بشيء، فإن ذلك لهم، وهو ظاهر قوله في "المدونة"؛ لأن الشاهد الآبي بين إحدى حالتين؛ إما أن يتهم على نقض القسمة لغرض له في نقضها، فذلك يسقط شهادته من أصلها، وإما ألا يتهم: فلا يلزمه ما فعل أصحابه إلا أن يؤدوا عنه الدين كما قدمناه.
وعلى القول بأن القسمة تنتقض بينهم إلا أن يشاء الورثة أن يخرجوا الدين من عندهم، فإذا أبوا من إخراجه، وانتقضت القسمة، فإن ما بقى من التركة بعد قضاء الدين يكون بين جميع الورثة؛ من فات بيده منهم بآفة سماوية أو بعضه، ومن بقى جميع سهمه، فإنهم يقتسمون ذلك على فرائضهم، ويحطونه كأنه جميع التركة، وهو أحد قولي ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب القسمة".
والقول الرابع من الأقوال: أن القسمة إنما تنتقض بين من بقى حظه بيده، أو شيء منه، أو استهلكه.
وأما من تلف جميع حظه بأمر من السماء: فلا يرجع عليه بشيء من الدين، ولا يرجع هو مع سائر الورثة فيما بقى من التركة بعد تأدية الدين؛ فلا له ولا عليه، وهذا القول لابن القاسم في "كتاب القسمة" أيضًا.
وأما من تلف حظه: فإن الدين جميعه يؤخذ، فمن بقى سهمه بيده، فإذا أخرج الدين نظر إلى الباقي بعد خروجه، فيضم إلى قيمة ما أتلف هؤلاء، فيكون هو جميع التركة، فيرجع الذي أدى الدين عليهم بقدر ما ينوب كل واحد منهم، فهذا قوله في "الكتاب"، فتأمل هذا الكلام، فإن ظاهره يؤذن بالاضطراب أيضًا، وقوله: كأنه جميع التركة يؤذن بأن
[ ٨ / ١٧٧ ]
القسمة تنتقض، ومن بقى سهمه بيده قائمًا رده، ومن استهلك ما أخذ أخرج قيمته يوم أخذه، ويضم إلى ما بقى من التركة فيقسم بينهم على فرائض الله تعالى.
وقوله: "يضم ما بقى بيد هذا الوارث بعد الدين إلى ما أتلف بقية الورثة، فكان هو التركة، فما بقى بيد الغارم كان له، ويسع جميع الورثة بتمام مورثه من مال اليتيم" يؤذن بأن القسمة لا تنتقض؛ لأنها لو انتقضت لضم بقية الورثة إلى قيمة المتلف، ويقسم بينهما على فرائض الله تعالى؛ فهذا لم يمشه على أنها تنتقض، وعلى أنها لا تنقضض، وجعلها تنتقض بين ما بقى سهمه بيده من غير اعتبار بنمائه ونقصانه فلم يجعل فوات البعض كفوات الكل.
ولا شك أن نقصان الذات بسبب سماوي كذهابها [كلها] بذلك السبب؛ لأنه قال في أحد قوليه: من فات سهمه بسبب سماوي: لا له، ولا عليه.
وكذلك كله اختلاف قول، واضطراب رأي.
والقول الخامس: أن القسمة تنتقض بين جميعهم؛ مثل قول ابن القاسم الأول إلا أن لمن شاء منهم أن يعد نصيبه بما ينوبه من الدين، وكان ذلك له، إلا أن يكون ما بأيدي سائر الورثة، قد تلف شيء منه بموت أو جائحة، فليس ذلك إلا أن يشركهم في ضمان ما مات من ذلك أو أجيح، فإنه يحمل منه ما ينوبه، وهو قول ابن حبيب في "الواضحة".
وعلى قول سحنون، وأشهب بأن القسمة لا تنتقض فما كيفية إخراج الدين وتفضيضه؟.
فقد اختلف فيه على قولين:
[ ٨ / ١٧٨ ]
فذهب سحنون إلى أنه يفض على قيمة ما بيد كل واحد منهم يوم الحكم.
وذهب أشهب في أحد قوليه إلى أن الدين يفض على الأجزاء التي فيها اقتسموا عليها -زادت قيمتها أو نقصت- ما دامت قائمة لم تتلف.
ومعنى قول أشهب: يغض الدين على الأجزاء التي اقتسموا عليها يريد بالسهام سهام المسألة؛ كالنصف والربع والثلث والسدس، وعلى ذلك يفض الدين، وهذا مراده، والله أعلم.
ولا فرق على مذهب أشهب، وسحنون بين أن يكون الدين قد ثبت بشهادة شاهدين، أو بشهادة أحد الورثة مع يمين الطالب؛ إذ لا انتفاع للشاهد بشهادتهما على مذهبهما.
فإذا فات ما بأيدي الورثة من التركة، فلا يخلو فواتها من ثلاثة أوجه
إما أن يكون بإتلاف، أو بإحداث، أو بتلف من السماء.
فإن كان بإتلاف؛ مثل أن يأكلوه ويستنفقوه، هل يضمنون بذلك أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال، كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنهم ضامنون لديون الغرماء باستنفاق التركة واستهلاكها، وهو نص قول ابن القاسم في "كتاب القسمة" من "المدونة" و"الموازية"، وظاهره: ألَّا فرق بين الصغار والكبار، وهو قول أشهب في "الموازية"؛ حيث قال: إن طرأ دين رجع عليهم أجمع، وإن لم يكن عند الصغار شيء؛ لأنه أنفق عليهم أخذ من الكبار، ويرجع الكبار على الصغار بحصتهم، وإن لم يوجد أيضًا عند الكبار شيء اتبع الغرماء الصغار والكبار بقدر حصصهم التي ورثوا، وبه قال أصبغ، وهو قول المخزومي في "كتاب
[ ٨ / ١٧٩ ]
النكاح الثاني" من "المدونة".
والثاني: أنهم لا يضمنون بالاتفاق عند طرءان الغرماء، وهو قول ابن القاسم في الصغير في "كتاب النكاح الثاني" من "المدونة" في الوصي إذا أنفق التركة على اليتيم، ثم طرأ غريم؛ حيث قال: لا ضمان على الوصي، ولا على اليتيم.
والكبير يقاس على الصغير بعلة إتلاف مال الغير على وجه الشبهة.
وغاية ذلك أن يحمل منها محمل الخطأ، والعمد والخطأ في أموال المسلمين سواء، ولا خلاف عندنا في المذهب أن جناية الصغير على الأموال لازمة لماله وذمته.
والقول الثالث: التفصيل بين الصغير والكبير؛ فالكبير ضامن والصغير غير ضامن، وهو ظاهر المدونة؛ حيث نص على الصغير في كتاب النكاح أنه لا يضمن، وهو نص قوله في "العتبية"، ونص في "كتاب القسمة" على الضمان جملة ولم يفصل.
وسبب الخلاف: الدين الطارئ على الميت هل هو متعلق بعين التركة أو هو واجب في ذمة الميت.
فأمَّا إتلافها بإحداث؛ كالبيع، والهبة، والصدقة، والعتق: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنهم يضمنون بذلك، ويلزمهم أن يؤدوا قيمة ما أتلفوا بغير عوض، ولا يرجع على الموهوب له بشيء، وهو قول ابن حبيب في "الواضحة"، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب القسم في البيع"؛ حيث قال: وما بيع فعليه ثمنه، لا قيمته إن لم يحاب.
والثاني: أنهم لا يضمنون بذلك شيئًا فيما لم يؤخذ منه عوضًا، ولا
[ ٨ / ١٨٠ ]
لهم في المبيع إلا الأثمان، ولا رجوع لهم على المشترين في عدم البائع، إلا أن يكون في المبيع محاباة، فيكون حكمه حكم الهبة؛ يريد: فيرجع عليهم صاحب الدين بالمحاباة كما يرجع الموهوب له بعد قيام الهبة دون فواتها، وهو قول أشهب وسحنون.
فأما ما تلف بسبب سماوي: فلا يخلو ذلك الشيء من أن يكون مما يغاب عنه، أو مما لا يغاب عنه.
فإن كان مما لا يغاب عنه، فهل يضمنه الوارث بالتلف أم لا؟
فالمذهب على قولين:
فإن كان مما يغاب عنه: فالمذهب في ضمانه بالتلف مع قيام البينة على قولين:
أحدهما: أنهم لا يضمنون، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنهم ضامنون مع قيام البينة على التلف، وهو ظاهر قول ابن القاسم في سماع يحيى في "العتبية".
والثالث: أنهم يضمنون العين دون ما سواه، وهو قول أصبغ.
وسبب الخلاف: ما تقدم في دين الغرماء، هل هو متعلق بالذمة أو بعين التركة؟
والجواب عن السؤال الثالث: في طروء الغريم على الغريم، وعلى الورثة؛ مثل أن يقوم الغرماء على ميت، فأخذوا ديونهم من تركته، وفضلت فضلة، ثم طرأ غريم آخر لم يعلم به: فلا يخلو الورثة من أن يبيعوا التركة مبادرة، أو بعد الاستيفاء.
فإن باعوها مبادرة وقد قسم الورثة الفضلة، واستهلكوها، فإن وجد الورثة أملياء: كان له الرجوع عليهم بجميع دينه إن كان في الفضلة كفاف
[ ٨ / ١٨١ ]
دينه، فإن لم يكن فيها كفاف دينه رجع على الغرماء بما بقى له، ويتبع كل واحد بقدر ما ينوبه في المخاصمة أن لو كان معهم في حين الحصاص، ولا يأخذ الغني منهم بالمعدم، بخلاف رجوعه على الورثة يأخذ منهم الملي بالمعدم، وله أن يستوفي جميع حقه من واحد، إلا أن يكون دينه أكثر من سهم الوارث من التركة، فلا شيء عليه أكثر من ذلك، فإن وجد الورثة فليرجع على الغرماء بما كان ينوبه معهم، ثم يرجع جميعهم على الورثة، وهو قول عبد الملك في "الموازية"، وهو تفسير للمذهب.
فإن كان بيعهم بعد توان وتربص: فإن بيعهم هاهنا يجرى مجرى بيع السلطان، فلا رجوع له على الغرماء بوجه، وإنما له اتباع الورثة إذا كان في تلك الفضلة كفاف دينه، [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٨ / ١٨٢ ]
المسألة الثالثة في إقرار من أحاط الدين بماله بالدين لمن لا بينة له أو إقرار من هو في معناه ممن تلحقه من وجه ما
ولا يخلو هذا المقر بالدين على نفسه من أن يكون مريضًا، أو صحيحًا.
فإن كان صحيحًا: فلا يخلو من أن يحجر عليه الغرماء في التصرف، أو لم يحجروا عليه بعد.
فإن حجروا عليه في التصرف فلا خلاف في المذهب أن تصرفاته بعد الحجر مردودة -كانت بعوض كالبيع، أو بغير عوض كالهبة، والصدقة، والعتق.
وإقراره بالدين بعد الحجر لازم في ذمته، وما يفيد من المال بعد التفليس، وهو نص قول مالك في "المدونة" في "كتاب التفليس"، إذا رفعوه إلى الإمام وحبسه لهم؛ حيث قال: ولك وجه التفليس، فلا يجوز إقراره إلا ببينة.
فأما قبل الحجر عليه وقبل التفليس ومقدماته: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب نصًا أو تصرفه في المعاوضات جائزة كالبيع والكراء وهبة الثوب، ما لم يكن في ذلك محاباة، إلا ما يستقرأ من "المدونة" من "كتاب المديان" و"التفليس" من قول الغير أن القضاء كالبيع.
وقال في موضع آخر في "الكتاب": إن الرهن مثل البيع، وهو قوله في "كتاب المديان" من "المدونة"، فيوهم هذا الظاهر أن الخلاف يدخل في البيع كما هو في القضاء والرهن.
[ ٨ / ١٨٣ ]
ولا خلاف في المذهب أيضًا أن تصرفه في المعارف في ماله كالهبة، والصدقة، والعتق لا يجوز، وأن للغرماء رد ذلك وفسخه.
وأما قضاؤه ورهنه لبعض غرمائه دون بعض: فقد اختلف فيه المذهب على أربعة أقوال:
أحدها: المنع جملة.
والثاني: الجواز ما لم يتشاور الغرماء في تفليسه، والقولان في "الكتاب".
والثالث: أنه يجوز قضاؤه، ولا يجوز رهنه، وهذا القول حكاه القاضي أبو الوليد بن رشد، ولم يسم قائله، وقال: إنه يؤخذ من المدونة، ولم يتبين من "الكتاب" ما أشار إليه.
والقول الرابع: أن رهنه وقضاءه جائز، وإن تشاوروا تفليسه ما لم يفلسوه، وهو قول أصبغ.
وهذا كله فيمن لا يتهم عليه.
وأما إقراره بالدين قبل التفليس لا يخلو من أن يكون لمن يتهم عليه، أو لمن لا يتهم عليه.
فإن كان لمن لا يتهم عليه، فإقراره له جائز، ويتحاص المقر له مع الغرماء بما بيد المقر من المال.
فإن كان لمن يتهم عليه كالأخ والصديق، ومن كان في معناهما، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه جائز.
والثاني: أنه لا يجوز، وهو قوله في المدونة.
ومعنى قوله أنه لا يجوز: يريد أنه لا يتحاصص مع الغرماء فيما بيده
[ ٨ / ١٨٤ ]
من المال، وإلا فذمته عامرة بإقراره، وهو مأخوذ به فيما يطرأ من المال.
ووجه القول بالجواز: أن التهمة في ذلك ضعيفة بالنسبة إلى ما يدركه من الضرر في عمارة ذمة نفسه بإقراره، وذلك يربو على ما يلحق الغرماء من الضرر في نقصان ماليتهم بالحصاص؛ لأن ذمة الغريم قائمة بخلاف المريض لانخرام ذمته.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان المقر مريضًا: فلا يخلو من أن يكون مديانًا، أو غير مديان.
فإن كان مديانًا: فتصرفه في المعاوضات جائز، قولًا واحدًا ما لم يحاب، وتصرفه في المعارف صحت، قولًا واحدًا إلا بإجازة، وفي قضائه ثلاثة أقوال: المنع لابن القاسم، والجواز للغير في "كتاب المديان"، والتفصيل بين القضاء والرهن وهو القول الذي حكاه القاضي أبو الوليد.
ولا يدخل في القول الرابع الذي حكيناه عن الغير وإقراره بالدين لمن يتهم عليه لا يجوز، قولًا واحدًا.
وفي إقراره لمن لا يتهم عليه القولان؛ الجواز لابن القاسم، والمنع لابن وهب في "الموازية" حيث قال: لا يجوز إقرار العبد المأذون إلا ببينة؛ لأن ذلك يؤول إلى الإضرار بالسيد؛ كما أن المريض المديان يضر بالغرماء.
وتحصيل القول في ذلك: أن إقرار من أحاط الدين بماله إذا كان صحيحًا لمن لا يتهم عليه جائز قولًا واحدًا، وفي إقراره لمن لا يتهم عليه قولان، وإقرار من أحاط الدين بماله إذا كان مريضًا لمن يتهم عليه، فلا قولًا واحدًا، وفي إجازته لمن لا يتهم عليه قولان.
فإن كان غير مديان: فبيعه وشراؤه غير جائز أيضًا ما لم تكن فيه محاباة، فتصرف إلى الثلث، وتصرفه في المعارف كالعتق وغيره موقوف
[ ٨ / ١٨٥ ]
على الثلث، والزائد عليها موقوف على إجازة الورثة، وإقراره بدين.
فإن كان لمن لا يتهم عليه: جاز قولًا واحدًا.
وإن كان لمن يتهم عليه: فلا يجوز -كان وارثًا أو أجنبيًا كالصديق الملاطف، إلا أن تقوم له بينة على أنه كان يطالبه ويتقاضاه في صحته، فيكون الإقرار جائز له، وهو قوله في "الكتاب".
فإن أقر لوارث أو أجنبي: تحاصا؛ فما صار للأجنبى أخذه، وما صار للوارث دخل عليه فيه الورثة.
وهل للوارث المقر له الرجوع على الأجنبي أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يرجع عليه بشيء، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه يرجع على الأجنبي، فإذا أخذ منه شيئًا شاركه فيه الورثة، فإذا شاركوه انتقض ما أخذ، فرجع على الأجنبي حتى لا يبقى في يد الأجنبي شيء، وهذا نص قول أشهب وقوله في مسألة الدور، وكلام ابن القاسم فيها أصح، وأسلم من الاعتراض، وأما قول أشهب فقد اعترض من وجهين:
أحدهما: حتى لا يبقى في يد الأجنبي شيء، وليس ما قالوه بصحيح؛ إذ لابد أن يبقى بيد الأجنبي شيء ما؛ لأنهما لو كانا أخوين، وترك مائة دينار، فأقر لأحد الوارثين ولأجنبي بمائة: أخذ كل واحد منهما خمسين، ثم إن أخاه شاركه فيما أخذ فأخذ منه خمسة وعشرين، فإنه يرجع على الأجنبي باثنتي عشر ونصف حتى يتساويا في القسم لاستوائهما في الإقرار، فإذا أخذها دخل معه الأخ فيقاسمه، فيأخذ أخوه منها ستة وربعًا، ثم يرجع على الأجنبي بنصف الستة وربع، وذلك ثلاثة وثمن فضلة الأجنبي بها، ولابد أن يبقى في يد الأجنبي كثير، فكيف يقال لا
[ ٨ / ١٨٦ ]
يبقى بيد الأجنبي شيء.
والوجه الثاني: مراجعة الأخ المقر له على الأجنبي بما أخذ أخوه من سهمه يوجب رجوع الأجنبي على الأخ الذي لم يقر له؛ وذلك أنا إذا صورنا مشاركة الأخ لأخيه فيما أخذ بالإقرار وهي خمسون دينارًا، وقلنا إن الأخ المقر له يرجع على الأجنبي المقر له بنصف ما أخذ منه أخوه حتى يتساوى معه في العدد كان يجب للأجنبي الرجوع على الأخ الذي لم يقر له، فيقول له إقرار الميت لازم لي، وأنا قبضت بعض ديني فلا يصح أن ترث أنت، ولم يتم لي ما أقر به الميت.
فإذا أخذ منه شيئًا رجع عليه الوارث المقر له، فقال له أنا وأنت في الإقرار سواء، فيجب أن أرجع عليك بنصف ما أخذت من أخي، فإذا رجع إليه رجع الوارث الذي لم يقر له، فقال: أنت وارث معي فلا يجوز الإقرار لك، فدخل عليه، فذلك يؤدي إلى الدور العقلي، وصورة الدور في مسألتنا إذا أوجبنا الرجوع إلى الأخ المقر له على الأجنبي بنصف ما أخذ منه أخوه وجب للأجنبي على الأخ الوارث الذي لم يقر؛ إذ لا ميراث إلا بعد وفاء الدين، فإذا أخذ منه شيء رجع عليه الأخ المقر له بنصف ما أخذ، فإذا أخذ منه رجع عليه الأجنبي بما انتقض من حقه، فهذا أبد الآباد، وذلك ظاهر لمن تأمله.
وأما إذا أقر بدين لوارث فلا يخلو ذلك الوارث من أن يكون زوجة أو ولدًا؛ فإن كان زوجة فأقر لها بدين أو ببقاء مهرها في ذمته في بلد جرت عادة أهله بقبض المهر قبل البناء، ففي ذلك تفصيل وتحصيل، وتلخيصه على منهاج قول مالك وأصحابه أن أمره لا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يعلم منه ميل إليها وصبابة بها.
[ ٨ / ١٨٧ ]
والثاني: أن يعلم منه الشنئان لها والبغض.
والثالث: أن يجهل مذهبه فيها وحاله معها.
فأما الوجه الأول: إذا علم منه الميل إليها وصبابة بها: فلا يجوز إقراره لها إلا أن يجيزه الورثة -كان موروثًا بولد أو بكلالة- ولا إشكال في ذلك.
وأما الحال الثاني: إذا علم منه البغض فيها، والشنآن لها: فإقراره جائز على الورثة جملة بلا تفصيل بين الكلالة والولد.
وأما الحال الثالث: إذا جهل حاله معها في الميل إليها، والبغض لها: فلا يخلو أمره من وجهين:
أحدهما: أن يورث بكلالة.
والثاني: أن يورث بولد.
فأما إذا ورث بكلالة: فلا يجوز إقراره لها.
وأما إذا ورث بولد: فلا يخلو من أن يكونوا إناثًا، أو ذكورًا، صغارًا أو كبارًا، واحدًا أو عددًا منها أو غيرها.
فاما إذا كان الولد إناثًا يرثنه مع العصبة، فسواء كان واحدة أو عددًا، صغارًا أو كبارًا من غيرها، أو كبارًا منها: فذلك يتخرج على قولين:
أحدهما: أن إقراره جائز.
والثاني: إقراره لا يجوز.
وهذا الخلاف يتخرج على اختلافهم في إقراره لبعض العصبة إذا ترك ابنة وعصبة، فقد اختلفوا في ذلك على قولين منصوصين في المذهب:
أحدهما: الجواز.
والآخر: المنع.
[ ٨ / ١٨٨ ]
حكاهما أبو إسحاق التونسي، والقول بالجواز مذهبه في "المدونة".
فأما إن كن صغارًا منها: لم يجز إقراره لها، قولًا واحدًا؛ لأنه يتهم أن يقر بماله عن العصبة.
وأما إن كان الولد ذكرًا وكان واحدًا: فإقراره لها جائز إلا أن يكون بعضهم صغيرًا منها، وبعضهم كبيرًا منها أو من غيرها، فلا يجوز إقراره لها؛ لأنه يتهم بالميل إليها لأجل الولد الصغير، والنفوس مجبولة على حب الأولاد الصغار أكثر من حب الكبار.
فإن كان الولد الكبير في الموضع الذي ترتفع التهمة عن الأب في إقراره لزوجته عامًا، فإن التهمة لا ترتفع عنه، والإقرار باطل على ما في سماع أصبغ من "العتبية"، وهو قوله في "المدونة" إذا تفاهم ما بينه وبين الولد.
فإن كان بعضهم بارًا به وبعضهم عاقًا له: فإنه يتخرج الخلاف الذي قدمناه في إقراره لبعض العصبة إذا ترك ابنه وعصبته، وكذلك الحكم سواء في إقرار الزوجة لخروجها ولا فرق أيضًا بين أن يقر أحدهما لصاحبه بدين، أو يقر أنه قبض ماله عليه من دين.
فهذا تحصيل ما قيل في هذه المسألة وتلخيص القول فيها، [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٨ / ١٨٩ ]
المسألة الرابعة في مال الميت أو المفلس يوقف للغرماء، فيهلك في الإيقاف
وإذا جمع القاضي مال المفلس وأوقفه ليقبضه غرماؤه، ثم تلف، فلا يخلو من وجهين:
إما أن يبيعه، وأوقف ثمنه ليفرقه عليهم، أو أوقف الشركة حتى يبيع ما يباع منها من غير جنس الدين.
فإن باعه وأوقف الثمن: فلا يخلو من أن يوقفه لمعين، أو لغير معين.
فإن أوقفه لغير معين، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ضمانه ممن وقف له، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن ضمانه من المفلس دون الغرماء، وهو قول ابن عبد الحكم.
فإن جمع المال ليبيع ما ليس من جنس الدين إن كان في التركة ثم تلف المال ممن ضمانه، فالمذهب على خمسة أقوال:
أحدها: أن ضمانه من المفلس -كان عرضًا، أو حيوانًا، أو عينًا- حتى يصل إلى الغرماء، وهي رواية أشهب عن مالك في كتاب ابن المواز.
والثاني: أن ضمانه من الغرماء -كان عينًا، أو حيوانًا، أو عرضًا أو ما كان، وهي رواية ابن الماجشون عن مالك؛ لأن السلطان احتجبه فصار ضمانه من غرمائه من حضر منهم أو غاب، علم أو لم يعلم، كان دينه عرضًا، أو حيوانًا.
والثالث: التفصيل بين أن تكون التركة عينًا، أو عرضًا؛ فإن كانت عينًا: فضمانها من الغرماء، وإن كانت عروضًا: فضمانها من الغريم الذي عليه الحق، وهو مذهب ابن حبيب، وابن وهب، ومطرف في
[ ٨ / ١٩٠ ]
"الموازية"، و"الواضحة"، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والرابع: أن ضمان الذهب ممن له عليه ذهب، وضمان الورق ممن له عليه ورق، وضمان العروض ممن له عليه عروض مثلها، وهو ظاهر قول عبد الملك بن الماجشون، على ما نقله الشيخ أبو القاسم بن الجلاب.
والخامس: أن الضمان في الموت من الغرماء، وفي التفليس من المفلس، وهو قول أصبغ.
وسبب الخلاف: قبض الحاكم مال المفلس ورفعه يد الغريم هل هو كقبض الغرماء إياه أم لا؟
وعلى القول بأن ضياعه من الغرماء، فلو بيعت دار الميت بأمر القاضي لدين عليه؛ وهو مائة دينار، فبيعت بمائة دينار، وأودعها القاضي فهلكت في الإيداع، ثم استحقت الدار لرجع مشتريها على الذي بيعت له الدار -وهو طالب الدين- لأنه كان الثمن في ضمانه فكأنه قبضه، وهو قول أصبغ، وعبد الملك فيما حكاه ابن المواز عنهما في النوادر قال: وكذلك لو كان عبدًا، فباعه القاضي لغرمائه، فضاع من رسول القاضي، وقد استحقه العبد بحرية أن الثمن من الغرماء وعليهم يرجع المشتري بالثمن إلا أنه قال في هذا الفصل: فإن لم يجد عند الغرماء شيئًا رجع ذلك في مال المفلس أو الميت أن يبقى له شيء، أو طرأ له مال يأخذ ذلك منه، ويحسب ذلك على الغرماء؛ لأنه عنهم يأخذه، فإن لم يوجد للميت شيء: رجع ويتبعهم في ذممهم، [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٨ / ١٩١ ]
المسألة الخامسة في الذى أمر رجلًا أن يدفع عنه مالًا إلى رجل
والكلام في هذه المسألة في ثلاثة [أسئلة:
أحدها: إذا قال له ادفع إلى فلان مائة درهم صلة مني له، فقال: نعم، وليس للواصل قبل المأمور شيء.
والثاني] (١): إذا أمرته أن يدفع لفلان دنانير سلفًا منه، فدفع غيرها.
الثالث: إذا كان لرجل دين على رجل، فأمره أن يدفعه إلى من استقرضه مثل ذلك القدر.
فالجواب عن السؤال الأول: إذا قال له ادفع إلى فلان مائة درهم صلة مني له، فقال: نعم، وليس للواصل قبل المأمور شيء، فمات الذي أمر قبل أن يدفع المأمور الصلة: فلا يخلو الآمر من أن يشهد على الصلة، أو لم يشهد عليها.
فإن لم يشهد عليها: فلا خلاف في المذهب أن الصلة باطلة، ولا شيء فيها للموصول.
فإن أشهد عليها، فقولان منصوصان في "الكتاب":
أحدهما: أنه مضت للموصول بالإشهاد -قبضها في حياة الواصل أو بعد مماته- وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه إذا مات الواصل قبل أن يقبضها الموصل حتى تصير دينًا على الواصل يطلب، ولا ينفعه الإشهاد، وهو قول غيره في "الكتاب".
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٨ / ١٩٢ ]
والصحيح ما قاله ابن القاسم؛ وذلك أن الواصل لما التزم المأمور السلف، وأشهد الواصل أنه وصل به فلانًا صار كدين له على من أسلفه، وصار الموهوب قد أشهد له الواهب بدين له على رجل، فكان ذلك حوزًا؛ كمن وهبت له هبة فباعها الموهوب له قبل أن يقبضها، ثم مات الواهب: أن الهبة صحيحة لا يبطلها موت الراهب قبل الحوز؛ لتعلق حق المشتري بها، وهو غير محتاج إلى حيازة لكونه مشتريًا، والموهوب له قد خرجت من يده بالبيع.
والجواب عن السؤال الثاني: إذا أمرته أن يدفع لفلان دنانير سلفًا منه لي، فدفع له غير ما أمرته به، فلا يخلو من أن يدفع له دراهم عن دنانير، أو دفع له عرضًا.
فإن دفع له عرضًا عن عين ما الذي يجب على الآمر دفعه ورده؟
فقد اختلف المذهب في ذلك على ثلاثة أقوال، كلها قائمة من المدونة:
أحدها: أنه يرد عليه ما أمره بدفعه.
والثاني: أنه يرد عليه مثل ما دفع مخافة أن يكون ما دفع عنه المأمور أقل مما أمره بدفعه، فيؤدي إلى أن يربح في السلف.
والقولان لمالك في "الكتاب".
والثالث: الآمر مخير إن شاء دفع ما أمره بدفعه، وهذا القول أيضًا متأول على "المدونة".
ويتخرج في المسألة قول رابع: أنه لا شيء على الآمر؛ لأنه يقول: إذا كنت أمرته أن يدفع ذلك سلفًا لي لم يلزمني أما ما دفعه مما هو خلاف ما أمرته، وكأنه لم يمتثل أمري، فلا يلزمني شيء.
وينبني الخلاف: على الخلاف فيما أمر بدفعه عنه؛ هل هو دين على
[ ٨ / ١٩٣ ]
الآمر بنفس الإنعام به من المأمور، أو لا يكون دينًا إلا بإخراجه ودفعه إلى من أمر بقبضه؟
فإذا قلنا: أنه بنفس الإذن والإنعام: صار دينًا في ذمة الآمر، كما يقول ابن القاسم في مسألة الصلة، فإن الآمر يدفع عند القضاء ما أمر بدفعه، لا ما عوض عنه؛ لأنه بالالتزام صار ملكًا للمأمور له بالدفع، وجازت فيه مبايعته ومصارفته كدين ثابت له.
فإذا قلنا بأنه لا يجب، ولا يلزم إلا بإخراجه وقبضه كما قال الغير في مسألة الصلة كتمان الآمر مخير على قول، أو يدفع للمأمور ما دفع إليه على قول، أو لا يلزم الآمر شيء على قول؛ لمخالفته المأمور، فدفع غير ما أمر به.
فإن دفع دنانير عن دراهم، أو دارهم عن دنانير: دخله ما قدمناه من الربح في السلف ما فيه من الخيار في صرفها، على القول بتخيير الآمر.
والجواب عن السؤال الثالث: إذا أمر لمن له عليه دين أن يدفعه إلى من استقرضه مثل ذلك قدرًا وصفة، فدفع المأمور خلاف ما أمر به؛ مثل أن يدفع ذهبًا عن ورق، أو ورقًا عن ذهب: فإن الأقوال الثلاثة التي قدمناها في السؤال الثاني تدخل في هذا السؤال، ولا يدخل فيه القول الرابع؛ لأجل اختلاف السؤالين؛ لأن ذمة المقرض في هذا السؤال عامرة على كل حال، وعهدة المقرض عليه؛ إذ لا سبيل للآمر أن يرجع على الذي عليه الدين أولًا بوجه، ولا على حال ما نقله أهل المذهب، وإن كان يجوز أن يقول: إن الآمر لم يوسع للذي عليه الدين أن يدفع الإمالة عليها فيهما دفع غيره، كأن الخيار للآمر إن شاء جوز فعله، وأخذ من المقرض ما قبض، وإن شاء رد مصارفته، ويرجع على الذي كان عليه الدين بما ترتب في ذمته، إلا أنهم لم يقولوا ذلك، وإنما قالوا: إن ذمته
[ ٨ / ١٩٤ ]
برئت بالدفع سواء دفع عين ما به عمرت، أو دفع عنه عوضًا إذا وقع التراضي بينه وبين المقرض؛ فكان المقرض كالموسع للذي عليه الدين فيما يعطي هذا، وكأنه لم يقرضه إلا ما قبض؛ ولأجل هذا يجوز له أخذ ما قبض عوضًا عما أمر به على أحد قولي مالك، إلا أن فيه بعدًا.
وفي السؤال الثاني يتعين فيه هذا الاعتراض، ويلزم ألا تعمر ذمة الآمر إذا دفع عنه المأمور خلاف ما أمر به لزومًا صحيحًا.
تم الكتاب بحمد الله وعونه، وصلى الله على محمد نبيه.
[ ٨ / ١٩٥ ]
كتاب التفليس
[ ٨ / ١٩٧ ]