تحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتها ثمان مسائل.
المسألة الأولى في تقاسيم أنواع البيوع
اعلم أنهم قالوا: إنما البيوع تنقسم إلى أربعة أقسام: بيع مرابحة وبيع مساومة وبيع مزايدة وبيع استنابة واسترسال.
فأما بيع المرابحة: فهو أن يسمي له الثمن الذي اشترى به تلك السلعة ويربحه عليه.
أما على جملة الثمن كقوله: اشتريت بألف فيربحه على الجملة أو يربحه على أجزاء الثمن كقوله للعشرة أحد عشر قل الثمن أو كثر، غير أنه لا يجوز للبائع أن يقول: قامت عليّ بكذا إطلاقًا ويسكت عن التفصيل ليربح على ذلك فلابد من البيان لأن ما قامت به عليه السلع ينقسم إلى ما يحسب مع رأس المال ويحسب له الربح وما لا يحسب ولا يحسب له الربح، وما يحسب ولا يحسب له ربح.
وتلخيص ذلك أن ماله عين قائمة في السلعة كالصبغ والخياطة والقصارة والطرز فإنه يحسب مع رأس المال ويحسب له الربح.
وكل ما ليس له عين قائمة إلا أنه له تأثير في زيادة الثمن أو لا تأثير له فلا يخلو ذلك من أن يكون مما يتولاه التأخير بنفسه عادة وعرفًا أو مما لا
[ ٧ / ٧ ]
يتولاه بنفسه أصلًا.
فإن كان مما يتولاه التأخير بنفسه في أغلب الأحوال كثير المتاع وطيه ونشره وشده فإنه لا يحسب ولا يحسب له الربح إلا إن استأجر على ذلك فقد اغتنم الراحة ودفع الكلفة والمؤنة عن نفسه ثم لا يلزم ذلك من اشتراه مرابحة إلا أن يعلم ذلك مما لا يشتريه التاجر إلا بواسطة السمسار فيحسب ولا يحسب له ربح.
وأما ما لا يتولاه التاجر بنفسه فلا كحمل المتاع والنفقة على الرقيق والحيوان.
أما حمل المتاع فذلك مما يؤثر في زيادة الثمن في السلعة فإنه يحسب ولا يحسب له ربح.
وإنما قلنا: إنه لا يحسب في الربح؛ لأن المشتري الأول قد أدى قيمتها ثمنًا، وإنما قلنا: إنه لا يحسب الربح؛ لأن المشتري الثاني إنما يربحه على أعيان السلع المشاهدة ثم لا يلزم أن يربحه على غير معين ولا مقبوض.
وأما الرقيق والحيوان فلا يخلو من أن يكون لهم غلة أم لا.
فإن كانت لهم غلة وفيها ما يقوم بمؤنتهم فإن نفقتهم لا تحتسب ولا يحسب لها الربح.
فإن لم يكون لهم غلة أولهم غلة لا تقوم بمؤنتهم فإن نفقتهم تحسب في المال ولا يحسب لها ربح كالحملان على سواء، فإن ربحه على الجميع دون تفصيل، وإنما قال: قامت علىّ بكذا وكذا من غير توزيع فذلك يختلف.
أما ما يحسب له فقد اختلف المذهب فيه على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه يلزمه البيان في الجميع وهو ظاهر "المدونة".
[ ٧ / ٨ ]
والثاني: أنه لا يلزمه في الجميع لأن ذلك سلعة ثانية بل هي هي وهو تأويل التونسي على "المدونة".
والثالث: بالتفصيل بين القصارة وغيرها، فلا يحتاج في القصارة إلى البيان إذ لا يتوهم المشتري في ذلك أمرًا لم يعلمه بل ذلك زيادة في الثمن على كل حال.
وأما الصبغ فإن كانت الثياب التي تشترى لتصبغ فلتبع ولا شيء وإن كانت من الثياب التي لا تشتري ولا يصلح لها فلا بيع حتى يتبين.
وأما الخياطة فلا يبع حتى يتبين من وجهين اثنين:
أحدهما: أن أكثر الناس يكرهون الشد في المخيط.
والثاني: أن المشتري يظن أن البائع الثاني اشتراها يحط؛ لأن الظن فيما اشترى قائمًا ثم فعل وخيط أنه يحط من ثمنه وهذا تأويل الشيخ اللخمي -﵀- وعلى القول بأنه لابد له من البيان في الجميع أو في البعض على التفصيل.
فإذا باع ولم يبين فلا يخلو من أن تكون قائمة أو فائتة.
فإن كانت قائمة فهل بينهما أم لا؟ قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أن البيع مفسوخ إن رضي البائع بإسقاط ما حسب للذي لا يحسب له وهو ظاهر "المدونة" لأنه قال: البيع مفسوخ إلا أن يتراضيا على شيد فيجوز.
فجعل تراضيهما كابتداء بيع فيجوز وهذا قول ابن القاسم.
والثاني: أنه إن رضي البائع بإسقاط ما حسب أو رضي المشتري أن يربح عليه فالبيع بينهما جائز وهو ظاهر "المدونة" في مسألة الكذب، وهو مذهب سحنون.
[ ٧ / ٩ ]
وسبب الخلاف: هل يغلب في هذه المسألة حكم الغش والخديعة فيفسخ وإن رضي أحدهما بإسقاط حقه أو يغلب فيها حكم الكذب في الثمن فيجوز البيع إذا رضي أحدهما بإسقاط حقه.
فإن فاتت السلعة بماذا تضمن؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: تمضي بالقيمة ما بلغت وهذا القول يتخرج على القول بأن البيع يفسخ مع القيام وأن ذلك من باب الغش والخديعة.
والثاني: أنه يمضي بالأقل من الثمن أو القيمة.
وينبني الخلاف: على الخلاف هل ذلك من باب الغش والخديعة فتكون فيه القيمة بالغة ما بلغت أو هو من باب الكذب في الثمن فيكون فيه الأقل؟
وهذا البيع يدخله الدلسة من أربعة أوجه:
أحدها: أن تكون السلعة قديمة عند المشتري فيدخلها في السوق فيظن الناس أنها طرية مجلوبة.
والثاني: كتم عيب يعلمه فيها.
والثالث: الكذب وهو أن يزيد في الثمن الذي به اشترى.
والرابع: الغش وكتمان ما لو علمه المشتري لم يشترها مرابحة أو يزيد في شرائها جملة أو إظهار ما يغتر به المشتري ويظن أن ذلك ثمنها من رقم أو توظيف.
وهذا الباب أضيق أبواب البيوع أعني بيع المرابحة.
وأما القسم الثاني: في بيع المساومة: وهذا أحسنها وأسلمها.
وهو أن يساوم الرجل الرجل سلعته فيتماسكان فيبيعها بما يتفقان عليه من الثمن، وتدخله الدلسة من وجهين:
[ ٧ / ١٠ ]
أحدهما: أن تكون السلعة، قائمة عند صاحبها فيدخلها في السوق ليرى أنها طريقة مجلوبة، وهذا البيع يسمي بالتشريح عند أهل السوق أو باع في الجلب أو الركة ما ليس منها فقد ذهب بعض المتأخرين إلى أن هذا دلسة.
والثاني: كتم عيب فيها مما لو علمه المشتري لم يشترها بذلك، واختلف هل لأحد المتبايعين القيام فيها بالغبن؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه له القيام فيها بالغبن، وهي رواية أبي زيد عن ابن القاسم.
والثاني: نفي القيام وهو مشهور المذهب.
والثالث: التفصيل بين الجهل بعين المبيع أو الجهل بمقدار ثمنه.
فإن جهل المبيع نفسه مثل أن يبيع فص ياقوت يظن أنه زجاج أو اشترى زجاجًا يظن أنه فص ياقوت فله القيام بذلك.
فإن جهل مقدار ثمنه كمن باع ما يسوي مائة بعشرة مع معرفته بما باع يمينًا واسمًا فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا قيام بالغبن وهو المشهور.
والثاني: التفصيل بين أن يكون مغبونًا بأكثر من الثلث فيكون له القيام، أو بالثلث فأقل فليس له القيام وهذا القول حكاه ابن القصار عن المذهب.
وسبب الخلاف: اختلافهم في قوله - ﷺ -: "دع الناس يرزق الله بعضهم من بعض" (١) هل يقصر على سببه أو يتعدى؛ لأن ذلك ورد في بيع حاضرٍ لباد.
والقسم الثالث: بيع المزايدة، وهو أن يرى سلعته النداء فيجتمع عليه
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٤٦) بسند صحيح.
[ ٧ / ١١ ]
القوم فيزيدون إلى أن توقف على الثمن وما زاد فهو أحق بها.
فإن اشترك اثنان في العطاء فإما في كرة واحدة فإنهما يشتركان فيها اتفاقًا.
فإن سبق أحدهما وبعد الآخر في العطاء فهل يشتركان أو يكون للأول؟ قولان.
وهذا البيع جوزه جمهور العلماء، ومنعه بعضهم لأن ذلك من مقتضى النهي، وقد قال النبي - ﷺ -: "لا يسم أحدكم على سوم أخيه" فحملوا النهي على ظاهره وأكثر العلماء حملوه على ما كان بعد التراكن والتقارب.
وهذا البيع يدخله الدلسة من ثلاثة أوجه، وجهان متقدمان.
والوجه الثالث: النجش وهو الزيادة على ثمن السلعة من غير قصد للشراء، إما أن صاحبها دس من يزيد فيها، وإما أن ينبعث إلى الزيادة من ذات نفسه فإن وقع البيع على هذا فينظر.
فإن كان النجاش من سبب البائع فالبيع يفسخ في الفوات والقيام إلا أن يرضي البائع أن يسقط النجش فيلزم البيع للمشتري.
وإن كان الناجش من غير سبب البائع وعلم ذلك في البيع لازم للمشتري ويستأثر الناجش بالإثم وحده.
وقيل: إن البيع يفسخ على كل حال وهذا القول حكاه أبو صالح القزويني عن المذهب في "كتاب المعتمد".
وسبب الخلاف: النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟
والقسم الرابع: بيع الاستنابة والاسترسال وذلك في الجاهل بقيمة السلعة أو بسعر السوق مثل أن يقول البائع: بع مني كما تبيع لغيري أو
[ ٧ / ١٢ ]
اشتر مني كما تشتري من غيري، فهذا البيع جائز أيضًا وأنه إذا عين كان له القيام بالغبن اتفاقًا.
[والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ١٣ ]
المسألة الثانية إذا اشترى سلعة إلى أجل ثم باعها بالنقد مرابحة
فقد اختلف أرباب المذهب في البيع الواقع على هذه الصفة هل هو بيع فاسد فساد لا يلحقه الصحة أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه مفسوخ مع القيام ويرد إلى القيمة مع الفوات، وإلى هذا ذهب أبو الحسن القابسي ويحيى بن عمر.
ثم لا تخلو السلعة عند القائلين بالفساد من أن تكون قائمة أو فائتة.
فإن كانت قائمة فإن البيع فيها مفسوخ كما قلنا.
فإن رضي المشتري أن يأخذها بالثمن إلى ذلك الأجل فليس ذلك له؛ لأن ذلك سلفًا جر نفعًا والتأخير سلف من البائع ليتمسك بعقده وبيعه.
فإن كانت فائتة فليس للمشتري الرضا والتماسك؛ لأن ذلك فسخ دين في دين إن تجانس الثمن مع القيمة وبيع الدين بالدين إن اختلف جنساهما وصرف مستأخر في العينين إن كان الثمن دنانير والقيمة دراهم أو بالعكس وسلف بزيادة إن كانت القيمة أقل، كأنه وجبت له القيمة وهي أقل فأخره بها إلى أجل يريد فيها.
واختلف القائلون بفساد هذا البيع إذا قال هل يضمن بالأقل أو بالأكثر؟ على قولين متأولين على "المدونة":
فذهب أبو القاسم وغيره من القرويين إلى أنه عليه الأكثر وتأولوا قوله في "المدونة" إن كانت القيمة أكثر وليس له إلا ذلك أي القيمة لأنها أكثر، وإلى هذا ذهب ابن الموَّاز.
[ ٧ / ١٤ ]
وتأولوا أيضًا قوله في الكتاب في المشتري إذا قال: أنا أقبل ولا أرد. أنه لا خير فيه على أنه مع القيام لا مع الفوات.
واستدلوا عليه بقوله: ولا أرد. والرد إنما يمكن مع القيام لا مع الفوات.
وحملوا قوله في "الكتاب": لا أحبه ولا خير فيه، على التحريم.
والقول الثاني: أن عليه الأقل من الثمن أو القيمة وهذا القول أيضًا متأول على "المدونة" من قوله: فليس له إلا ذلك. يريد الثمن لأنه جاء به بلفظ المذكر والثمن مذكر والقيمة مؤنثة.
ولو أراد القيمة لقال: ليس له إلا تلك أو إلا هي وآخرون ممن يقول بالقول يقولوا: إنما فهم ذلك من سياق اللفظ. وصيغته: ليس له إلا ذلك، وهذا النفي يشعر بالتقليل.
فلو أراد القيمة لقال كان ذلك له فلاحق العبارة وقطع اللبس بجواب النفي دل على أنه قصد إلى الأقل، وبه قال الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد -﵀- في "مختصره"، وأبو القاسم بن شبلون، ومعظم الشيوخ.
والقول الثاني من أصل المسألة: أنه عقد تلحقه الصحة وأن معنى قوله في "الكتاب": والسلعة مردودة إلى البائع مع القيام. أي إن شاء المشتري وله الخيار، وكذلك في "كتاب ابن حبيب".
قال ابن أبي زمنين: وهو مذهب ابن القاسم ويعد هذا الرضا كشراء مستأنف ولا يلتفت إلى علة سلف جر نفعًا: لأنه قد ملك الرد فقد ملك أن يملك، وإلى هذا ذهب أبو القاسم بن الكاتب وابن لبابة وأبو عمران الفاسي وابن أبي زمنين.
وسبب الخلاف: هل يحكم لهذه المسألة بحكم الغش والخديعة أو يحكم
[ ٧ / ١٥ ]
فيها بحكم الكذب في الثمن أو متردد بينهما.
وأما سحنون ﵁ فقد أطلق القول فيها وحكم لها بحكم الكذب في المرابحة، ويقوم الثمن المؤجل بالنقد، ويجعل ذلك كالثمن الصحيح ويراعي ألا تكون قيمة السلعة أقل من قيمة المؤخر يريد بما ينوبها من الربح.
[والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ١٦ ]
المسألة الثالثة إذا نقد خلاف ما عليه عقد ثم باع مرابحة
فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يبيع على ما عقد.
والثاني: أن يبيع على ما نقد.
فإن باع على ما عليه عقد فإن بين جاز اتفاقًا فإن لم يبين فلا يخلو من أحد وجهين:
إما أن يعقد على عين تنقد عروضًا أو عينًا من غير جنسه.
أو عقد على عروض فيعد عينًا.
فإن عقد على عين ثم نقد خلافه فلا يبيع على ما عليه عقد باتفاق المذهب حتى يتبين لما علم أن العدول عن المعقود به إلى أخذ العوض عنه إذ الإبقاء طلبًا للارتفاق عنه المشتري.
فإذا باع على ما عقد ولم يبين فقد كذب إن قال: فاتت علي بكذا لما يعلم بالعادة أن المشتري إذا نقد خلاف ما عليه عقد أنه يجلب بذلك الرفق والوضيعة فمن هنالك يتبين لك أنه كذب في المرابحة.
فأما إن عقد على عروض فنقد عينًا أو عرضًا يخالفها فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يبيع على واحد منهما حتى يتبين وهو ظاهر "المدونة".
والثاني: أنه يبيع على ما عقد ولا يبين ولا يبيع على ما نقد حتى يتبين وهو ظاهر قوله في "كتاب محمَّد".
[ ٧ / ١٧ ]
وأما الوجه الثاني: إذا باع على ما نقد فلا يخلو من أن يبين أم لا.
فإن بين وكان المنقود عرضًا عن عين جاز ذلك قولًا واحدًا.
فإن كان المنقود عينًا عن عين من غير جنسها، أو نقد عينًا عن طعام فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: الجواز وهو نص "الكتاب".
والثاني: المنع وهو ظاهر "المدونة" من غير ما موضع لأنه في العين صرف مستأخر، وفي الطعام بيعه قبل قبضه؛ لأن العقد إذا وقع بطعام ثم نقد عينه عينًا أو عرضًا فإن ذلك لا يكون إلا بتراضٍ من المتبايعين وذلك بيع مبتدأ أو هو بيع الطعام قبل قبضه.
وقد بينا هذه المسألة في "كتاب السلم" وفي "كتاب النكاح الثاني" بيانًا لا مزيد عليه.
فإن باع ولم يبين فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن البيع لا يجوز كبيعه على ما عقد عليه ولم يبين سواء وهو ظاهر "المدونة" وظاهر ما في "كتاب محمد" أيضًا من غير تفصيل في المنقود ما جنسه.
والثاني: الجواز عمومًا من غير تفصيل، وهذا تأويل فضل بن سلمة على "المدونة" وهي رواية ابن وهب عن مالك في "موطئه"، وروى مثله عن مالك وابن القاسم وأشهب وعلي بن زياد وابن أشرس.
والثالث: التفصيل بين أن يكون ما نقد أقل مما عليه عقد فيجوز، وبين أن يكون أكثر فلا يجوز حتى يبين، وهذا تأويل القاضي أبو الفضل عياض على "المدونة".
والرابع: التفصيل بين العروض والطعام وبين العين، ففي العين
[ ٧ / ١٨ ]
والطعام يبيع على ما عليه عقد وإن لم يبين، وفي العروض لا يبيع حتى يبين وهو قوله في "كتاب ابن الموَّاز".
وينبني الخلاف على الخلاف في السلم الحالي هو يجوز أو لا يجوز؟
فمن جوزه جوز البيع هاهنا على الطعام والعروض؛ ومن منعه منع الجميع وهو المشهور.
ومن فرق بين المعدود والمكيل والموزون يقول: إن الثمن في المكيل والموزون واحد، والمعدود يختلف فيه الثمن بتقارب القيمة.
وتفاوت القيمة يختلف باختلاف نظر المفهومين وهو ظاهر قول مالك في "كتاب المرابحة" "وكتاب الشفعة" جواز السلم الحال وهي رواية منصوصة عنه في المذهب وقد جوز هنا أن يبيع على صفة ما نقد من العروض والطعام وقد قدم سلعته ونقدها في شيء موصوف مضمون في الذمة على أن يقبضه في الحال.
والأعذار التي يعتذر به الشيوخ المتأخرون عن هذه المسألة مع ما وقع منها في "كتاب الشفعة" كلها ضعيفة فمهما اعتذروا به عن قول ابن القاسم في "كتاب المرابحة" أن ابن القاسم إنما تكلم على أحكام المرابحة دون أن يتعرض لما عداها، فلو سئل عن السلم الحال لأجاب فيه بما هو معروف من مذهبه وكذلك ما اعتذروا به في مسألة الشفعة من أن الشفيع مضطر إلى ذلك إذ لا يقدر على غيره فهو عذر بارد لا يسوغ سماعه فإن الشرع لم يعذر أحدًا في مناولة ما حظره واستباحة ما حرمه فيما وجد عنه مندوحة ولاسيما في المعاوضات التي هي اختيارية.
والأخذ بالشفعة من قبيل المعاوضات على مشهور المذهب؛ إذ الشفيع مخير بين الإقدام والإحجام، وكيف يقال فيما هذه صفته أنه مضطر وهل
[ ٧ / ١٩ ]
ذلك إلا تعسف ومن يهد الله فما له من مضل وعلى القول بأن البيع لا يجوز إذا باع على ما نقد لم يبين، فإن كانت السلعة قائمة ردت إلا أن يشاء المشتري أن يربح البائع على ما نقد.
فإن فاتت فإنه يضرب له الربح على ما نقد ما لم يكن أكثر مما عقد عليه وربحه قلما يزاد عليه.
[والحمد الله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ٢٠ ]
المسألة الرابعة في الذي اشترى المتاع فرقم عليه أكثر مما باع به ثم باع مرابحة أو مساومة
ولا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يرقم فيها رقومًا أكثر من أثمانها ويبيع على الثمن الصحيح.
والثاني: أن يبيع على ما رقم.
والثالث: أن يسري جملة ويرقم عليها بوظيفة الثمن.
فأما الوجه الأول: إذا رقم عليها أكثر مما اشتراها لم يبعها على الثمن الصحيح مرابحة ومساومة فإن ذلك لا يجوز لأنه من وجه الغش والخديعة لأنه جعل الرقم عنوانًا يغتر به من أراد الشراء ويظن به الغفلة أو النسيان لثمنها ثم يتورع فيرى أن ذلك فرصة لثمنها ولا شك أن ذلك من باب الغش والخديعة.
وأما الوجه الثاني: إذا باعها على ما رقم عليها فقد زاد في ثمنها أو كانت ميراثًا أو هبة مما لا ثمن له معلوم. فذلك لا يجوز أيضًا لأنه من باب الكذب في المرابحة.
وأما الوجه الثالث: إذا اشترى جملة فرقم عليها بوظيفة الثمن فيبيع على ذلك مرابحة فإن ذلك لا يجوز أيضًا.
واختلف في غلته على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك مسألة الكذب لأنه زاد في ثمن الجملة إذ ليس شراؤها كثيرًا السلعة المنفردة فقد زاد عند التوظيف على ما كان يجب للمفرد
[ ٧ / ٢١ ]
بالحقيقة وهو مذهب سحنون.
والثاني: أنه مسألة غش وخديعة لأنه غش حين لم يبين له أنه اشتراها جملة تكون للمشتري يظن أنه اشتراها أفرادًا، وبه قال بعض المتأخرين لاختلاف تقويم المقومين إذ ليس كل واحد موثق بتقويمه.
والثالث: أنها مسألة غش وكذب لاجتماع الظنين فيها وهو قول ابن عبدوس وهو أظهر الأقوال.
[والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ٢٢ ]
المسألة الخامسة في الجارية إذا ولدت
وقد قال في الكتاب إذا اشترى جارية فولدت عنده فلا يبيعها مرابحة ويحبس الولد إلا أن يبين.
فانظر كيف جوز ابن القاسم البيع إذا وقع على هذه الصفة لما فيه من التفرقة بين الأم والولد.
وقد اختلف أصحابنا في تعليل جوازها على ستة أقوال:
أحدها: لقولهم: لعله أعتق الولد.
والثاني: أن يكون الولد بلغ حد التفرقة. والتأويلان باطلان.
أما الأول: فلقوله في الكتاب: ويحبس الولد فلو كان الولد حرًا فلا يحتاج إلى أن يحبسه.
وأما الثاني: فلو كان طول الزمان يؤثر في بيع المرابحة حتى تبين قد حبس الولد أو بيع معها.
والثالث: لعل الولد قد قامت وذلك باطل أيضًا لقوله: ويحبس الولد هنا الذي يحبس إذا مات الولد وذلك إحالة المسألة.
والرابع: لعله على تأويل ابن القاسم في "العتبية" وتخريجه في سماعه أنه رجع إلى إجازة بيع التفرقة، وقد وهموه في هذا التأويل.
والخامس: أن يكون ذلك برضا الأم على أحد القولين بأن ذلك من حقها.
والسادس: أنه إنما تكلم هنا على أحكام المرابحة ولم يتعرض للكلام
[ ٧ / ٢٣ ]
على التفرقة فلم يتجوز منها وكثير ما يرد له مثل هذا في مسائله.
[والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ٢٤ ]
المسألة السادسة في الذى باع بمائة مرابحة ثم تبين له أنه قامت عليه بعشرين ومائة
فلا يخلو من أن تكون السلعة قائمة أو فائتة.
فإن كانت قائمة يخير المشتري بين أن يضرب له الربح على رأس ماله مائة وعشرين أو ردها.
فإن فاتت خير المشتري أيضًا أن يضرب له الربح على عشرين ومائة أو يعطيه قيمتها ما لم تكن أقل من المائة وربحها أو يكون أكثر من مائة وعشرين ربحها، فهذا ترتيب المسألة وتحريرها قيامًا وفواتًا، وقد بين في "الكتاب" وجهي الخيار مع قيام السلعة وخيره في الفوات، ولم يبين إلا وجهًا واحدًا إلا أنه لم يبين حكم الخيار مع القيام أحال ذلك البيان مع الفوات فإذا اختار أن يربحه على مائة وعشرين، فهل عليه البيان إذا أراد أن يبيع؟
فلا يخلو من أن يبين لدعوى البائع الثاني وجه أم لا. فإن بين له وجه مثل أن يقيم بينة على ما يدعيه أو يأتي من رقوم السلع ما يستدل به على صدقه فللمشتري الثاني أن يبيع ولا يبين.
فإن صدقه من غير أمارة دلت على صحة دعواه فإنه لا يبيع حتى يبين؛ لأن ذلك من باب الكذب في المرابحة.
[والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ٢٥ ]
المسألة السابعة في الذي ورث نصف السلعة واشترى الباقي
فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يبيع له النصف إطلاقًا.
والثاني: أن يقول له أبيعك النصف الذي اشتريت.
فإن قال: أبيع منك نصف هذه السلعة ولم يبين، فإن البيع لا يجوز؛ لأن البيع وقع فيما باع وفيما ورث وربحه على الجميع وذلك كذب في ثمن ربع الميراث.
فإن قال: أبيع منك النصف الذي اشتريت فلا يخلو من أن يتقدم الشراء على الميراث أو يتأخر عنه.
فإن تقدم الشراء على الميراث فلا خلاف أنه يقع مرابحة ولا يتبين.
فإن تقدم الميراث على الشراء فهل يحتاج إلى البيان أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يبيع حتى يتبين وهو قول أبي الحسن بن القابسي.
ووجهه أن الميراث إذا تقدم على الشراء فربما أنه لا يتغالى في الثمن في شراء النصف الباقي ليتكامل له الملك.
والثاني: المساواة بين تقدم الميراث على الشراء أو تأخره.
[والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ٢٦ ]
المسألة الثامنة إذا كذب في المرابحة وزاد في الثمن
فلا تخلو السلعة من أن تكون قائمة أو فائتة.
فإن كانت قائمة خير المبتاع بين أخذها بجميع الثمن أو ردها.
فإن اختار الرد كان الخيار للبائع بين أن يحط الكذب وربحه فيلزم المبتاع ولا كلام له.
فإن أبا فسخ البيع بينهما ويؤدب الفاجر المعتاد ويرد البيع.
فإن فات السلعة فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يفيتها ما يفيت البيع الفاسد من حوالة الأسواق فأعلى فيكون على المبتاع قيمتها يوم قبضها إلا أن يكون ذلك أكثر من ثمن الكذب وربحه فلا يزاد عليه، أو يكون أقل من الثمن الصحيح وما قابله من الربح فلا ينقص منه، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في غير المكيل والموزون.
وما يرجع فيه إلى المثل فإن المشتري يرد المثل فيكون الرضا بذلك بجميع الثمن أو رد المثل.
والثاني: أن البائع في فوات السلعة تخير من أخذ الربح على ثمن الصحيح أو القيمة.
فإن اختار أخذ القيمة كان ذلك له إلا أن يشاء المبتاع إن ثبت على ما اشتراها به.
فإن أبى فعليه قيمتها يوم ابتاعها إلا أن يكون أقل أو أكثر على نحو ما ذكره ابن القاسم، وهي رواية علي بن زياد عن مالك في "المدونة".
[ ٧ / ٢٧ ]
والثالث: أنه يؤخذ الفضل من البائع فيدفع إلى المشتري وهو قول مالك في "كتاب ابن الموَّاز"، قيل: القيمة أعدل، قال: نعم، القيمة أعدل.
فعلىّ بن زياد خالف ابن القاسم في ثلاثة مواضع:
أحدها: أنه يفتيها حوالة الأسواق عند ابن القاسم، وظاهر قول علي ابن زياد أن حوالة الأسواق فيها ليس بفوت وعليه حمله بعضهم.
والثاني: أن ابن القاسم خيرهما مع القيام دون الفوات.
وفي رواية عليّ خيرهما مع القيام والفوات.
والثالث: أن ابن القاسم قال: يغرم قيمتها يوم قبضها.
وعلي يقول: يغرم قيمتها يوم ابتاعها.
[والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ٢٨ ]
كتاب الوكالات
[ ٧ / ٢٩ ]