تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها ثلاث مسائل:
المسألة الأولى في جواز المساقاة وشروطها التي يتوقف الجواز عليها
والمساقاة مشتق من سقي المثمرة؛ إذ هو معظم عملها، وأصل منفعتها، وهي سنة على حيالها وهي مستثناة من المخابرة وهي كراء الأرض بما يخرج منها من بيع الثمرة قبل طيبها، وقيل: وجودها، ومن الإجارة بالغرر والمجهول.
والأصل في جوازها مساقاة رسول الله - ﷺ - أهل خيبر ومعاملته إياهم على ذلك، وللضرورة الداعية إلى ذلك، وهي أصل منفرد بأحكام تختص به، وتنعقد بالقول كسائر الإجارات والمعاوضات، واختلف هل تنعقد بغير لفظها أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنها لا تنعقد إلا بلفظة المساقاة، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنها تنعقد بلفظ الإجارة، وهو مذهب سحنون.
فإذا ثبت ذلك، فاعلم أن الأصول في المساقاة ثلاثة:
أصل له ساق ثابت تجني ثمارها.
والثاني: ما ليس له ساق ثابت.
والثالث: ما يجز ويخلف.
فأمَّا الأصل الأول وهو ما له ساق ثابت يجني ثمارها وهو قائم كالنخل والأعناب، وما في معناهما فلا خلاف في جواز المساقاة فيها بشرط واحد
[ ٧ / ٣٣٥ ]
وهو أن تكون المساقاة قبل الإزهاء لارتفاع الضرورة؛ إذ به يحل البيع فإذا جاز البيع منعت المساقاة.
وأمَّا الأصل الثاني -وهو ما ليس له ساق ثابت يجني من أصله كالزرع، وقصب السكر، والبصل واللفت، وسائر المقاني، فقد اختلف في جواز مساقاته على ثلاثة أقوال:
أحدهما: جواز مساقاته جملة بلا تفصيل، وهو قول ابن نافع.
والثاني: أنه لا تجوز فيه المساقاة جملة بلا تفصيل بين أن يعجز أو لا يعجز.
والثالث: التفصيل بين أن يعجز أو لا يعجز.
فإن عجز عنه صاحبه جازت فيه المساقاة.
وإن لم يعجز عنه لم تجز المساقاة، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
فعلى القول بجواز المساقاة على هذا التفصيل، فلجوازه ثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون ذلك بعد ظهوره من الأرض، وإن كانت معينًا فيها، لم يجز لعدم شبهيته بالأصول قبل الإثبات.
والشرط الثاني: أن يكون ذلك قبل أن يحل فيه البيع لما تقدم.
والشرط الثالث: أن يعجز عنه صاحبه عجزًا ينعدم فيه لو ترك، فإن لم يوجد العجز لم يجز.
والأصل الثالث من أصل التقسيم: وهو ما يجز ويخلف؛ كالموز، والقصب، وسائر البقول، هل تجوز فيه المساقاة أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن مساقاتها لا تجوز بوجه، وهو مذهب "المدونة"، وهو
[ ٧ / ٣٣٦ ]
المشهور؛ لأنها على أحد وجهين:
إما أن لا ينبت بعد، ومساقاة المغيب لا تجوز.
وإما أن يكون قد نبت: فكذلك أيضًا لجواز بيعها باستقلالها، فلا مساقاة بعد جواز البيع.
والثاني: جواز المساقاة فيها، وهو قول ابن نافع وغيره.
والأصل في المساقاة ألا تجوز إلا في الأصول التي يتكدد بكدها الكادح؛ كالنحل والعنب؛ إذ للعمل فيهما أمد بعيد، وفيهما جاء الشرع بها.
فإذا ثبت هذا، فمن منع المساقاة فيما تقدم رأى أن عملها متقاصر عن بلوغ المرتبة في الكد المتقضي للإجزاء.
ومن قال بالإجزاء قاسها على الأصول بعلة الأصالة.
ومن فصل فقد حصل ورآها عند عدم العجز بعيدة عن الأصول لتفاهة عملها، وبالعجز تنحو نحوها، وأقيم العجز مقام دوام العمل المتفق عليها، والحمد لله وحده.
[ ٧ / ٣٣٧ ]
المسألة الثانية في حكم المساقاة الفاسدة
اعلم أن المساقاة الفاسدة والقراض الفاسد: الكلام بينهما واحد، فلنجمع بينهما في الكلام في هذا المقام، فنقول وبالله التوفيق:
اختلف أرباب المذهب في القراض الفاسد والمساقاة الفاسدة؛ إذ فات بالعمل على أربعة أقوال:
أحدها: أنه يرد إلى قراض المثل، أو إلى مساقاة المثل، أو إلى إجارة المثل، جملة بغير تفصيل، وهو قول عبد الملك بن الماجشون، وروايته عن مالك، ويحكى هذا عن أشهب أيضًا.
والثاني: أن الحكم فيها إجارة المثل جملة بلا تفصيل، وهذا القول مروي عن مالك أيضًا، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة في القراض الفاسد.
والثالث: أنهما يردان إلى الأقل من الجز المسمى، أو من قراض المثل، أو مساقاة المثل إن كان الشرط من رب المال، وإن كان العامل: فله الأكثر مما ذكرنا، وهذا القول حكاه ابن المواز في القراض بالضمان.
والقول الرابع: إن ما كان من زيادة يزدادها أحدهما على الآخر على وجه ممنوع: ففيه يرد إلى إجارة المثل في القراض والمساقاة.
وإن كان شرط داخل من زيادة يزدادهما أحدهما على الآخر على وجه ممنوع: ففيه يرد إلى إجارة المثل في القراض والمساقاة، وإن كان شرط داخل في المال غير خارج عنه: ففيه يرد إلى قراض المثل أو مساقاة المثل، وهو مذهب ابن القاسم على تقييد وتفصيل لأشياخنا فيه نورده آخر المسألة
[ ٧ / ٣٣٨ ]
إن شاء الله.
ولا خفاء لما في هذين القولين من الضعف والوهاء، وإنما يتردد النظر بين القولين الأولين؛ إذ هما الجاريان على جادة القياس والطريق المقاس.
وينبني الخلاف: على الخلاف في نفي الحكم عن الأسماء الحكمية، هل تنتفي الأسماء بانتفاء أحكامها أم لا؟
والأسماء هاهنا تسمية هذا قراض، وتسمية هذه مساقاة والأحكام التي تصورها هذه الأسامي وتتوارد عليه الصحة.
فإذا انتفت هل ينتفي الاسم والبطلان؟
والمقصود هذا الموضع أحكام الصحة، فإذا انتفت هل ينتفي الاسم حتى لا يسمى قراضًا، ولا مساقاة أم لا؟ فهذا معنى الحكم.
والقول بإجارة المثل مبني على نفي الاسم بنفي الحكم؛ لأنه من جملة أوصافه ينتقل بانتقالها، فإذا وجدنا الاسم والحكم منتف عنه: وجب بذلك نفي الاسم، فإذا قلنا بخروجه عن اسمه لمحض أن تكون إجارة، وصار إجارة معنى، وإن كان قراضًا لفظًا.
والقول بالقراض المثل أو بالمساقاة المثل مبني على أن الاسم لا ينتفي بنفي الحكم؛ لأنه ليس بمعنى ذاتي، وإنما هو معنى منفصل عن الاسم بدليل أنه يتعلق بالاسم بعد ثبوته؛ لأنه يسمى قراضًا قبل أن يتصف بالصحة أو بالبطلان.
فإذا ثبت أن الاسم لا ينتفي بانتفاء الحكم: فإنه يرد فاسده إلى صحيحه لا إلى إجارة لبعدها منه وقربه إلى قراض صحيح لبقاء الاسم؛ فالأوضح الأقيسة على رد النظير إلى النظير، وإلحاق الشبيه بشبيهه؛ إذ الشيء ينحو إلى شكله، ويتنحى عن ضده، وهذا البناء
[ ٧ / ٣٣٩ ]
يروق، ولكن لا يستنشق أريجه إلا الغواصون في بحار المعانى، وعن هذين القولين يجب البحث لا ما ورائهما من الخلاف في تعليل الفرق روايتان:
إحداهما: أن قراض المثل أو مساقاة المثل متعلق بالربح إن كان ويفوت فسخه بالعمل وأجرة المثل متعلقة بذمة رب المال، وإن لم يوجد الربح، ويفسخ أبدًا، وهذا هو المشهور عن أصحابنا.
والثانية: الفرق بين القراض والمساقاة؛ فالقراض يفسخ أبدًا، ورد إلى قراض المثل، وإجارة المثل؛ لأنه لا غاية له محصورة ولا نهاية معلومة.
فإن كان مما يرد فيه إلى إجارة المثل: كانت الإجارة متعلقة بربح المال، وإذا لم يكن في المال ربح لم تكن له إجارة، ويرد ما بيده مع السلع إلى رب المال، وتكون له أجرة المثل في شرائها والفسخ فيما يرد إلى قراض مثله، فلا ترد العروض إلى صاحب المال، وإنما معناه أنه لا يتمادى على العمل إذا نض المال بيده على ذلك القراض الفاسد.
وأما المساقاة: فالحكم فيها على ما قيل في الرواية الأولى، وهذا قول ابن حبيب في "الواضحة".
وأما قولنا: يرد ما بيده من السلع، إلى قوله: على ذلك القراض الفاسد: فليس هو من كلام ابن حبيب، وإنما هو تفسير القاضي أبي الوليد بن رشد، وقد حكى أبو محمَّد عبد الوهاب عن القاضي أبي الحسن ابن القصار أنه قال: يحتمل قول مالك عندي أن يكون له ما يساوي قراض مثله، وإن كان في المال وضيعة أيضًا، وقال القاضي أبو محمَّد: فالفرق على هذين قراض المثل وإجارة المثل: أن إجارة المثل متعلقة بالإطلاق، وقراض المثل متعلق بالشرط الذي شرطاه، وتفسير ذلك أن يقال في الإجارة: إن استأجرت المال من عمل له هذا العمل كم تكون إجارته، فيكون ذلك للعامل، ويقال في القراض إذا كان العامل قد رضي بجز كذا
[ ٧ / ٣٤٠ ]
وكذا على هذا الشرط الفاسد، فكم كان ينبغي أن يكون له؟ فما قل من شيء فهو قراض المثل على تأويل القاضي أبي الحسن راجع إلى إجارة المثل، وإنما يختلف ذلك على تأويله في صفة التقويم، وهو بعيد جدًا.
فإذا قلنا بأنها متعلقة بذمة رب المال، فهل يكون أحق بربح المال من الغرماء أم لا؟ ففي ذلك قولان:
أحدهما: أنه يكون أحق به من الغرماء.
والثاني: أنه لا يكون أحق به منهم، وهو قوله في "كتاب ابن المواز"، وهو ظاهر "المدونة".
وقد تأول ما في "الكتاب" على أنه قد دفع المال لربحه، وأخرجه من يده، ولذلك جعله أسوة الغرماء.
والقولان قائمان من "المدونة".
وسبب الخلاف: اختلافهم في الرهن، هل يكون رهنًا بغير لفظه أم لا على ما وقع في كتاب الرهون من أن البقعة على الراهن، ومن أشياخنا من قيد المذهب الذي أشرنا إلى ضعفه من حيث القياس، فقال مذهب ابن القاسم أنه أجبر في فاسد المساقاة أجمع: لا في أربع مسائل، منها: مسألة المساقاة والبيع، ومساقاة المذهبي من الثمار إذا ساقاه فيه سدس فهو أجبر في السنة الأولى دون ما بعدها، ومساقاة الحائطين في صفقة على أجزاء مختلفة، أو حائط واحد في سدس على أجزاء مختلفة، أو ساقاة حائطًا على أن يكفيه مؤونة حائط آخر فهو أجير في الحائط المكفي مؤونته، وفي الآخر مساقاة المثل، وكل هذا أصل واحد.
والرابع: أن يشترط العامل مؤنة رب المال.
قالوا: وأما في القراض: فهو أجير إلا في سبع مسائل على مذهبه في "المدونة" منها:
[ ٧ / ٣٤١ ]
مسألة القراض بالعروض، ويكون له الأجرة في بيع العروض، ويرد الثمن إلى قراض المثل، وهذا إذا قال: بعه، واعمل بثمنه قراضًا.
وأما إن قال له خذه على أن يكون هو رأس المال، أو قيمته يوم العقد، أو يوم التفاصل: فهو أجير.
والثانية: القراض المبهم إذا لم يسم له جزاءً معلومًا.
والثالثة: القراض بالضمان.
والرابعة: قراض إلى أجل.
والخامسة: إذا قال له: اعمل على أن لك شركاء في المال.
والسادسة: إذا اختلفا وأتيا جميعًا بما لا يشبه، فحلفا على ذلك.
والسابعة: إذا نهاه أن يبيع بالنقد، فباع به أو نهاه أن يشتري غير السلعة الفلانية غير عامة الوجود، فاشترى غيرها، وعبر عن هذا النوع بالقراض المكروه، وعن ما عداه بالقراض الفاسد، والحمد لله وحده.
[ ٧ / ٣٤٢ ]
المسألة الثالثة في دواب الحائط المساقي وعبيده
ولا يخلو الحائط في حين المساقاة من وجهين:
إما أن يكون مشغولًا بدواب رب الحائط، أو كان فارغًا منها.
فإن كان مشغولًا بدواب رب الحائط وعبيده: هل يجوز لرب الحائط إخراجهم إذا لم يشترط العامل بقاءهم في الحائط أو الحكم يوجب بقاءهم للعامل؟
فإن لم يشترطهم: فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن الحكم يوجب بقاءهم للعامل، وإن لم يشترطهم فإنه لا يجوز لرب الحائط إخراجهم عند عقد المساقاة إلا أن يكون قد أخرجهم قبل عقد المساقاة، فإن اشترط إخراجهم عند العقد: كانت مساقاة فاسدة يرد فيها إلى إجارة المثل، والثمر لرب الحائط، وهذا نص قول ابن القاسم في "المدونة" وهو مشهور المذهب؛ بناء على أن الحكم يوجب بقاءهم في الحائط دون الشرط.
والثاني: أنه يجوز لرب الحائط إلا أن يشترطهم العامل، وهو قول ابن نافع، ويحيى بن عمر في "كتاب ابن مزين"، وهو ظاهر قوله في "المدونة": إذا كان في الحائط دواب وغلمان يعملون، ويشترطهم العامل: فلا بأس بذلك.
ولفظ الاشتراط موقوف في أكثر الأمهات ثابت في الأسدية: فإذا هلكت تلك الدواب والغلمان: فعلى رب الحائط خلفهم على القولين جميعًا.
[ ٧ / ٣٤٣ ]
فإن كان الحائط فارغًا من الدواب في حين التعاقد، فاشترط العامل على رب الحائط أن يعينه بدابة أو غلام: فلا يخلو الحائط من أن يكون صغيرًا أو كبيرًا؛ فإن كان صغيرًا مما تكفيه دابة واحدة: فلا يجوز للعامل اشتراطها على رب الحائط؛ لأن ذلك زيادة ازدادها العامل.
فإن كان الحائط كبيرًا: فإنه يجوز للعامل أن يشترط على رب الحائط أن يعينه بدابة أو غلام؛ لأن ذلك لم يزل من عمل الناس.
تم "كتاب المساقاة" بحمد الله وحسن عونه، وصلى الله على محمَّد نبيه وعبده.
[ ٧ / ٣٤٤ ]
كتاب الجوائح
[ ٧ / ٣٤٥ ]