تحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتُها سبع عشرة مسألة:
المسألة الأولى
في الكتابة.
كانت الكتابة في [الجاهلية فأقرها] الإِسلام، وهي العتق على مال.
واختلف في اشتقاقها:
فقيل: هى مشتقة مِن الكتاب، وهو: الأجل، قال الله ﷿: ﴿إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ (١) أي: أجل معلوم أي مُقدر.
وقيل [هى] (٢) مِن الإيجاب واللزوم، لإلزام السيد ذلك للعبد، ولا رجوع لهُ فيه، وأن ذلك أمرٌ [لازم للعبد]، ولا خروج لهُ [عنه] (٣) أيضًا، كان ذلك برضاهُ على الوِفاق [إلا على القول بأن له أن يعجز بنفسه وإن كان له مال ظاهر] (٤) أو [على غير] (٥) رضاه، على الخلاف في السيِّد، هل له أن يجبر عبده على الكتابة أم لا؟ [وقد اختلف] فيهِ المذهب على قولين قائمين مِن "المُدوَّنة"، وقد قال فيمن كاتب عبدهُ على نفسه [مع] (٦) عبدٍ لهُ غائب: إنَّ ذلك جائز، وذلك
_________________
(١) سورة الحجر الآية (٤).
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ع، هـ: بغير.
(٦) في هـ: وعلى.
[ ٥ / ٢٥١ ]
لازم كتابة [ولا رجوع] (١) لهُ عنهُ، وهو قولهُ في "كتاب العتق الثاني" إذا أعتق عبدهُ على مالٍ، حيثُ قال: إنَّهُ يُتبع في الذمَّة على ما [أحب أو كره. وظاهر] قول ابن القاسم [الذي] (٢) يقول: يُعتق ولا يُتبع، أنَّهُ لا يجوز لهُ أن يُجبرهُ على الكتابة.
والدليل على أنَّها مِن الإيجاب، مِن كتاب الله تعالى [قوله] (٣): ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ (٤) أي: أوجبها.
وقيل: إنَّ الكتابة مأخوذة مِن الكتاب الذى يكتبونه بينهم في [عقد ذلك ويقدر] فيها كتاب، وكتابة، ومكاتبة قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (٥) الآية.
[صيغتها] (٦) صيغة الأمر، مقيَّدة بشرط، فإذا وجب هذا الشرط، هل تجب الكتابة أو هى مباحة أو مندوب إليها؟ ولا خلاف عندنا أنَّ الكتابة ليست بواجبة، وبه قال الشافعى وأبو حنيفة خلافًا للظاهرية، ولا خلاف عندنا أنَّها مباحة واختلف عندنا، هل هى مندوب إليها أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أنَّها على الإباحة دون المندوب، وهو ظاهر قول مالك في "الموطأ".
والثانى: أنها على الندب، وهو قول القاضى أبى الحسن بن القصَّار،
_________________
(١) في هـ: ولا خروج.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سورة الأنعام الآية (٥٤).
(٥) سورة النور الآية (٣٣).
(٦) في هـ: وهذه.
[ ٥ / ٢٥٢ ]
وبه قال عبد الملك بن الماجشون [في المبسوط] (١).
وسبب الخلاف: اختلافهم في صيغة الأمر إذا وردت.
فمن حملها على [ظاهر الأمر] (٢) قال بالوجوب.
ومن صرفها عن الوجوب، استدل بالإجماع على أن السيد لا يجبر على عتق عبده ولا على بيعه.
والكتابة لا تخلو مِن أن تكون بيعًا أو عتقًا.
فإذا خرجت عن أن تكون واجبة، ترددت بين الندب والإباحة.
فمن حملها على الندب رأى أن الكتابة عقدٌ مِن عقود الحُرية، الذي هو أفضل أعمال البر، وأجلُّ نوافل الخير، ولاسيما وقد أمر الله تعالى به.
فإذا بطل أن يُحمل [هذا] (٣) الأمر على الوجوب، فأقل مراتبه أن يُحمل على الندب.
[ومن] (٤) حملهُ على الإباحة، رأى أنَّهُ أمرٌ وَرَدَ بعد الحظر ومشهور [مذاهب] (٥) الأصوليين أنَّ صيغة افعل إذا وردت بعد الحظر، [أنه] (٦) [يحمل] (٧) على الإباحة، كالأمر بالصيد بعد الإحلال، والانتشار بعد صلاة الجمعة إلا أن بعض حُذَّاق الأصوليين، قال: إنَّما يصحُّ ذلك، إذا
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في هـ: ظاهرها.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: فمن.
(٥) في هـ: مذهب.
(٦) في أ: أنها.
(٧) سقط من أ.
[ ٥ / ٢٥٣ ]
كان الحظر [متأصلًا] (١)، فأمَّا إذا كان لعارضٍ طرأ ثُمَّ زال كالإحرام والجمعة والإطعام، وذلك حظرٌ طرأ ليس بأصلى، وإلى هذا ذهب إمام الحرمين في التلخيص، وحظر الكتابة متصلًا.
وبيان وجود الحظر في الكتابة، وأنها على خلاف الأصل، ومقتضى الدليل: ألا تجوز الكتابة، لأن العبد يسعى ويقتحم الأخطار، ويجول في الأقطار، ويُؤدى المال إلى السيد لأمرٍ لا يدرى أيكون أو لا يكون.
ويُحتمل أن يُؤدى جميع الكتابة، فيعتق ويحتمل أن يموت قبل الأداء، ويحتمل أن يعجز بعد أنْ أدى أكثر الكتابة، ويرجع رقيقًا، والمال للسيِّد، ويذهب عناؤه [باطلًا] (٢)، لا هو إلى العتق ولا مالهُ يرجع إليه، فهذا غرر وخطر مع ما فيهِ مِن أكل المال بالباطل، [إلا أنَّ] (٣) الشرع رد بجوازها، وهذا أمر ورد بعد الحظر، والحظر أصل، فوجب أن يُحمل على الندب.
ويختلف هل هى منجمَّة أو حالة؟ على قولين:
أحدهما: أنَّها مُنجمة، ولا يجوز أن تكون حالة، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدوّنة" حيث قال: والكتابة عند الناس منجمة.
وهو قولُ الشيخ أبى محمَّد بن أبي زيد في "رسالتهِ" (٤)، وهو مذهب الشافعى ﵁.
والثانى: أنَهُ يجوز أن تكون حالة، وهذا القول حكاية القاضى أبى
_________________
(١) في أ: متصلًا.
(٢) سقط من هـ.
(٣) في هـ: لكن.
(٤) (ص/ ٢٢٣).
[ ٥ / ٢٥٤ ]
محمَّد عن مُتأخرى شيوخنا، وهو الذي ارتضاهُ هو وغيرهُ مِن أئمتنا، وهو مذهب أبى حنيفة ﵁.
وسبب الخلاف: اختلافهم في اشتقاق "الكتابة":
فمن رأى أنَّها مشتقة مِن "الكتاب" الذي هو الأجل قال: إنَّها منجمة.
وَمن رأى أنَّها مشتقة مِن الكتاب الذي يُكتب بينهما يقول: إنَّها حالة، إذ ليس في مقتضى إطلاقها ما يدلّ على التنجيم والتأخير إلا ما يُؤخذ من الاشتقاق.
فإن كان هناك دليل عرفى، فينبغى أن يكون الرجوع إليهِ، وكذلك قولهُ تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (١) هو ندب وترغيب للوجوب واللزوم، خلافًا للشافعى، فإنَّهُ حمل الكتابة على الندب، والإيتاء على الوجوب.
وقد اختلف في ذلك على أربعة أقوال:
أحدها: أنَّهُ يوضع عنهُ مِن آخر كتابته شىء، وهو قول مالك في المُدوَّنة، ومَنْ حكى عنه مِن أهل العلم.
والثانى: أنَّهُ يُوضع [عنهُ] (٢) رُبع الكتابة، وهو قول على بن أبى طالب ﵁.
والثالث: أنَّهُ شىءٌ حث عليه المولى وغيرهُ، وهو قول النخعى.
وهذه الأقوال كُلُّها في "المُدوَّنة".
_________________
(١) سورة النور الآية (٣٣).
(٢) سقط من هـ.
[ ٥ / ٢٥٥ ]
والرابع: أنَّ الخطاب في ذلك للولاة، يعطونهُ مِن الزكاة التي فرض الله لهم، وهو قول زيد بن أسلم.
وفيها قول خامس: أن الخطاب فيها للسيد أن يعطيهِ [شيئًا] (١) من مالهِ، وهذا القول مروىٌّ عن عمر بن الخطاب ﵁.
واختلف في قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (٢)، ما الخير الذي أراد؟ فقيل: [الخير] (٣) المراد [هو] (٤) القوة على الأداء، وهو مشهور قول مالك.
وقيل: المال نفسه، وقالهُ مجاهد وسعيد بن جُبير وزيد بن أسلم والضحَّاك، قال الله تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ (٥) و[قيل] (٦) الأمانة [والصدق] (٧) والوفاء، وهو قول النخعى.
وقد اختلف في كتابة مَن لا سعاية [له] (٨) ولا أمانة كالصغير:
قال ابن القاسم: أنَّها جائزة.
قال أشهب: لا تجوز، وترد إلا أن تفوت بالأداء.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سورة النور الآية (٣٣).
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سورة البقرة الآية (١٨٠).
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من هـ.
(٨) في ع، هـ: فيه.
[ ٥ / ٢٥٦ ]
المسألة الثانية
في الكتابة [على غرر] (١)، هل تجوز أو لا تجوز؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كُلّها قائمة مِن "المُدوّنة":
أحدها: أنَّ الكتابة على الغرر جائزة، وهو مشهور المذهب، وهو ظاهر "المُدوَّنة" بجواز الكتابة على وصف حمران أو سودان، ولم يصفهم جاز، ويعطى وسطًا من وصف الحُمران أو السودان، فظاهر "المُدوَّنة" أنَّهُ تجوز الكتابة على غرر، وقد سألهُ في كتاب "المُدوَّنة" عن الكتابة بالغرر، فأتى بهذه المسألة، ولم يُجبهُ عن الغرر الذي سأل عنهُ، كالعبد الآبق والبعير الشارد.
والثانى: أنَّ الكتابة على غرر لا تجوز، وهذا القول قائم مِن "المُدوَّنة" مِن "مسألة اللؤلؤ" إذا كاتبهُ على لؤلؤ "غير موصوف"، فقال ابن القاسم فى "الكتاب": إن الكتابة لا تجوز، إذ [لا يحاط] (٢) بصفتهِ، وتفسخ الكتابة.
وقال محمَّد بن الموّاز: لا تُفسخ الكتابة، وتكون مِن أوسط الذي يشبه ما بينهما.
والقول الثالث: أنَّ الكتابة بالغرر تُكره ابتداءً، فإن نزلت لم تفسخ، لإجازة غير واحد الربا بين السيد وعبده، وهو قول أشهب في كتاب ابن الموّاز.
وعلى القول بأنَّها تجوز على الغرر، فلا يخلو ذلك الغرر مِن ثلاثة
_________________
(١) في هـ: بالغرر.
(٢) في أ: لا يخاطب.
[ ٥ / ٢٥٧ ]
أوجه:
إمَّا أن يكون في مِلك العبد.
أو في ملك السيد.
أو في ملك غيرهما.
فإن كان في ملك العبد، مثل: أن يُكاتبهُ على عبد لهُ آبق أو بعيرٍ شارد أو جنين في بطن أُمِّه: فإنَ ذلك جائز، لأنَّهُ قد كان للسيِّد انتزاع ذلك مِن عبدهِ، وأن يجبره على طلبهِ من غير كتابة.
فإذا جعل لهُ العتق على ذلك، فقد [تفضل].
فإن كان ذلك الغرر في ملك السِّيد، مثل: أن يُكاتبهُ على أن [يأتيه] (١) بعبده الآبق وبعيره الشارد، فإنَّ ذلكَ جائز [أيضًا] (٢)، إذ للسيد أن يُجبرهُ على طلب ذلك كما تقدم، لأنَّهُ عبده ولهُ أن يُكلفهُ مِن الأعمال التي له [بها] (٣) طاقة ما شاء، وهو قول ابن القاسم في ["المدونة"] (٤).
فأما إن كان ذلك الغرر في يد غيرهما، مثل: أن يُكاتبهُ على عبدٍ فلان، هل تجوز الكتابة أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّ الكتابة جائزة، فإنَّ جاء به وحصَّلهُ، كان حُرًا، وإلا حكم بعجزهِ، وهو قول ابن القاسم في "المُدوَّنة" و"الموَّازية".
والثانى: أنَّ الكتابة لا تجوز وتفسخ إلا أن يشتريه قبل الفسخ، وهو
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من هـ.
(٤) في جـ، هـ: العتبية.
[ ٥ / ٢٥٨ ]
قول أشهب في "كتاب محمَّد".
والثالث: أنَّهُ إن لم يشتره، أدى قيمته، ولا يفسخ ذلك، وهو قول محمَّد [وقال] (١) ابن ميسر لا يتم له شىء إلا بعبدِ فُلان، والذي قالهُ يُحتمل أن يكون تفسيرًا لقول ابن القاسم.
وسبب الخلاف: الكتابة، هل ناحيتها ناحية البيع أو ناحيتها ناحية العتق؟
واختلف إذا كاتبهُ على أن يغرس لهُ كذا وكذا شجرة، هل ذلك كتابة أو وعد؟
وفائدة ذلك وثمرته، إذا فلس السيد أو مات فإن كانت كتابة تثبت، وإن كان وعدًا أُسقط.
والصحيح: أنَّها كتابة، والدليل عليه كتابة سلمان الفارسي ﵁ كاتبهُ [سيده] (٢) على أن يغرس لهُ كذا [وكذا] (٣) واديًا مِن نخل.
والحمدُ لله وحدهُ.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ٢٥٩ ]
المسألة الثالثة
في الكتابة على الخدمة.
ولا تخلو الخدمة مِن أن يكون معها مال أو لم يكن:
فإن كان معها مال، مِثل: أن يُكاتبهُ على عشرة دنانير منجمة عليه، يُؤدى كُل شهر دينارين، خدمته حتى يُؤدى كتابته، وأسفارًا يشترطها عَليهِ ما دام في الكتابة، فإنَّ ذلك لازمٌ لهُ ما لم يُؤد كتابتهُ، وإذا أدّى كتابتهُ وعجَّلها قبل حلولها، هل يسقط عنهُ ما كان اشترط عليه مِن الخدمة أم لا؟
ولا يخلو مِن أن يعجل عتقهُ [بعد] (١) قضاء الخدمة والأسفار أم لا.
فإن عجَّل عتقهُ بعد قضاء الخدمة والأسفار، عند حلول أجل الكتابة، فإنَّهُ لا تسقط عنه الخدمة ولا يحصل لهُ العتق إلا بانقضاء أمد الكتابة.
وإن عجل المال قبل ذلك، وهو قول أصبغ في "كتاب ابن حبيب" وبهِ قال ابن الموَّاز.
فإن لم يشترط ذلك، ولا قيَّدهُ، هل يسقط عنهُ إذا عجَّل الكتابة أم لا؟
فعن مالك في ذلك روايتان:
إحداهما: أنَّ الخدمة والأسفار ساقطة عنهُ، وهي رواية ابن القاسم عنهُ في "الموازية".
والثانى: أنَّ يُعطيه مكان الأسفار والخدمة عينًا، ويتم عتقهُ، وهي رواية [أشهب] (٢) عنهُ فى "الموازية" أيضًا.
_________________
(١) في أ: قبل.
(٢) سقط من أ.
[ ٥ / ٢٦٠ ]
وسبب الخلاف: الخدمة، هل هى مقصودة في نفسها أو الكتابة هى المقصودة والخدمة تبعٌ؟
فإن لم يكن مع الخدمة مال، مِثل أن يقول لهُ: أكاتبك على خدمة شهر.
فإن أراد أن يكون العتق بعد الخدمة: فلا خلاف أنَّهُ لا يُعتق حتى [يُؤدى] (١) الخدمة.
فإن مرض في الشهر أو أبق فيه:
فإن كان الشهر معينًا، فإنَّهُ يلزمه البدل والعوض [ولا يعتقه حتى يخدمه شهرًا بخلاف المعتق إلى أجل لأن الكتابة هاهنا كالمعاوضة. فإذا لم يعين الشهر كان أولى في لزوم العوض] (٢).
فإن أعطى العبد قيمة خدمة الشهر للسيِّد، فلا يُجبر السيِّد على القبول.
فإن أراد أن تكون الخدمة بعد العتق، فلا أعلم في المذهب نص خلاف في سقوط الخدمة ولزوم العتق.
فإن أبهم الأمر: فإنَّهُ يحمل على أنَّ العتق يكون بعد الخدمة.
فإن اشترط السيِّد [أن يصيبها] (٣) إن كانت أمة أو استثنى ما [تلد] (٤) في كتابتها، هل تجوز الكتابة أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّ الكتابة باطلة، إلا أن يرضى السيد بترك الشرط، وهو
_________________
(١) في هـ: يوفى.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: وُلد.
[ ٥ / ٢٦١ ]
قول مالك في "العُتبيَّة" و"الموازية" في سماع أشهب عنهُ، ولا فرق في ذلك بين ولد [المكاتب والمكاتبة] (١).
والثانى: أنَّ الكتابة جائزة، والشرط باطل، وهو قول ابن القاسم في "الموَّازية"، وبهِ قال أصبغ. لأنَّهُ بمنزلة مَنْ أعتق أمة واستثنى ما في بطنها.
والثالث: أنَّها إن أدت مِن الكتابة نجمًا واحدًا: مضت، وبطل الشرط وإن لم تُؤد شيئًا.
فإن ترك السيِّد شرطهُ، وإلا بطلت الكتابة، وكذلك في ولد [المكاتب] (٢)، وهو قول محمَّد بن الموَّاز، واتفقوا على أنَّهُ: إن لم ينظر في أمرها حتى أدت حُرة وما في بطنها والمكاتبة كذلك.
والحمد لله وحده.
_________________
(١) في أ: المكاتبة الذكر.
(٢) في هـ: المكاتبة.
[ ٥ / ٢٦٢ ]
المسألة الرابعة
في القطاعة.
ولا يخلو الحُكم فيها مِن ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون ذلك بلفظ القطاعة، إمَّا صيغة أو فحواها.
والثانى: أن يكون ذلك بلفظ السلف.
والثالث: أن يكون بلفظ [الإنظار].
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان ذلك بلفظ الكتابة صيغةً أو فحوى، مِثل أن يقول: أقاطعك على عشرين مِن مائة، ولا يخلو مِن وجهين:
أحدها: أن يكون في مكاتب يملك جميعهُ أو في مكاتب بينهُ وبين غيره.
فإن كان ذلك في مكاتب يملك جميعهُ، فلا خلاف في الجواز.
وإن قاطعهُ مِن ذهب على وَرِق أو مِن وَرِق على ذهب أو عروض.
فإن كان [على] (١) النقد وتعجيل العتق، فلا خلاف في المذهب في الجواز فإن كان إلى أجل وتعجَّل العتق، قولان:
مشهور المذهب: الجواز.
وسبب الخلاف: الكتابة، هل طريقها طريق البيع أو طريق العتق؟ وللخلاف فيها مطلق آخر: معاملة السيِّد هلى هى كمعاملة الأجانب أم لا؟
_________________
(١) سقط من هـ.
[ ٥ / ٢٦٣ ]
فإن تعجَّل ما فسخ فيهِ الكتابة، فالعتق مُعجَّل اتفاقًا.
فإن كان إلى أجل، والعتق غير مُعجَّل، هل تجوز القطاعة أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ القطاعة لا تجوز إلا على تعجيل العتق، وهو قول سحنون في "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّ ذلك جائز، سواءٌ عجلَّ عتقهُ أم لا، وهو ظاهر قول ابن القاسم فى "المُدوَّنة".
والخلاف في المذهب مشهور، قد حكاهُ الشيخ أبو إسحاق التونسى وغيره.
فإن كان ذلك في مكاتب بينهُ وبين غيره مثل أن يُقاطعهُ على عشرين من مائة كما قدَّمنا، فلا يخلو مِن أن يكون ذلك بإذن شريكهِ أم لا.
فإن كان ذلك بإذن شريكهِ، فلا يخلو العبد مِن ثلاثة أحوال:
إما أن يُؤدى للشريك الذي لم يقاطع جميع حقِّه مِن الكتابة.
والثانى: أن يعجز.
والثالث: أن يموت قبل أداء.
أمَّا إذا أدى لهُ جميع نصيبه، فالعبد حر والولاء بينهما على قدر أنصبائهما في العبد.
وأمَّا الحالة الثانية: إذا عجز، فلا يخلو عجزهُ مِن وجهين:
أحدهما: أن يعجز قبل أن يستوفى المُتمسك شيئًا.
والثانى: أن يعجز [بعد أن استوفى] (١)، مِثل: الذي قاطع عليهِ
_________________
(١) في أ: قبل أن يستوفى.
[ ٥ / ٢٦٤ ]
المقاطع أو أقل أو أكثر.
فإن عجز قبل أن يُؤدى شيئًا، فلا يخلو المُقاطع مِن أحد وجهين:
إمَّا أن يستوفى جميع ما قاطع عليهِ أو بعضه أو لم يستوف شيئًا.
فإن استوفى جميع ما قاطعهُ عليه، فلهُ الخيارين بين أن يُقاسم شريكهُ المتمسك ويدخلهُ فيما قبض على السواء، ويكون العبد بينهما رقًا، كما كان، أو يقتنع بما قبض، ويُؤثرهُ على نصيبه مِن العبد، ويكون جميع العبد للمتمسك.
وهذا الحكم إذا [قبض] (١) البعض، فلهُ الخيار أيضًا، غير أنَّهُ إن اختار الاستبداد بما قاطع.
فينظر إلى ما قبض، فإن قبض خمسة مِن عشرين، فقد [بقى] (٢) لهُ في العبد الرُبع، والثلاثة الأرباع للشريك.
فإن لم يستوفى القاطع شيئًا، فالعبدُ بينهما كما كان.
وأمَّا إن عجز بعد أن يستوفى المُتمسك مقدار ما قاطع عليهِ المقاطع أو أكثر، والمُقاطع قد استوفى جميع ما قاطع عليهِ أيضًا، فالعبد بينهما أيضًا ولا خيار لهما.
فإن استوفى أقل ممَّا قبض المُقاطع، فالخيار للمقاطع أيضًا، إن شاء أن يرد على المُتمسك ما استقصاهُ منهُ حتى يساويه ويُوازيهِ، ويكون العبد بينهما أو يأبى فيكون جميع العبد للمُتمسك.
وأمَّا إن عجز قبل أن يستوفى المُقاطع شيئًا، والمُتمسك قد قبض بعض
_________________
(١) في ع، هـ: اقتضى.
(٢) سقط من هـ.
[ ٥ / ٢٦٥ ]
حقّهُ مِن الكتابة، فلا يخلو ما قبضهُ المُتمسك من أن يكون قبضه على النجوم أو تعجله قبل حلول النجم.
فإن قبضهُ على الحلول، هل للمُقاطع الدخول معهُ أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنَّهُ لا دخول لهُ معهُ، لأنَّهُ رضي بتأخير المكاتب، وترك لشريكهِ ما أخذ، وهو قول بعض المتأخرين.
والثانى: أنَّ للمقاطع الدخول معهُ فيما قبض، ويتحاصان فيه هذا المقدار ما قاطع عليهِ، والآخر بمقدار ذلك النجم، لأنَّ ذلك النجم الذي حلَّ هو لهما جميعًا، فلا يستبد بهِ واحد منهما دون الآخر، وهو اختيار أبى عبد الله محمَّد بن يونس.
وأمَّا إن تعجلهُ المُتمسك قبل محله، هل يشتركان فيه أو يكون كُله للمقاطع؟ قولان بين المتأخرين أيضًا:
أحدهما: أنَّهما يقتسمانهِ على مقدار أنصابهما في العبد أو على [قدر] (١) ما لهما عليهِ من المال، وهو الأحسن.
والثانى: بالتفصيل بين أن يكون للعبد مالٌ سواه، فيكون للمقاطع أن يأخذ حقَّهُ مِن ذلك المال، ويسلم للمتمسك ما اقتضى، وبين أن لا يكون لهُ مال: فيكون أولى بما عجل [من المتمسك] (٢) حتى يستوفى منهُ مقدار حقِّه.
فإن فضل شىء كان للمتمسك وحدهُ. ووجهه أن حقًا للمقاطع، قد حل وحق الآخر لم يحل، وبعدما قبض المتمسك هبة مِن المكاتب
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: للمتمسك.
[ ٥ / ٢٦٦ ]
، والمقاطع ردّ هبتهُ.
وأمَّا الحالة الثالثة: إذا مات المكاتب، فلا يخلو من أن يموت حتف أنفه أو مات مقتولًا.
فإن مات حتف أنفهِ، وترك مالًا فيهِ: وفَىّ بحق المُتمسك، فهو لهُ.
فإن فضل شىء، كان بينهما.
وإن لم يترك شيئًا: فلا رجوع للمتمسك على المقاطع.
وإن مات مقتولًا، وأخذت قيمتهُ، هل يكون كرقبتهِ أو كماله؟ قولان:
أحدهما: أنَّ قيمتهُ كرقبتهِ.
والثانى: أنها كماله، وهو قول أبى عمران الفاسى [﵁] (١).
وفائدة ذلك وثمرته: أنَّا إن قلنا: إن القيمة كالرقبة: كان الخيار للمقاطع.
وإن قلنا: إنَّ القيمة كالمال، كان للمتمسك أن يستوفى جميع حقِّه مِن تلك القيمة، وما فضل يكون بينهما.
وسبب الخلاف: هل قيمة الشىء كعينه [أم لا؟ ولا خلاف أن ثمن الشىء كعينه] (٢)، على ما قال سحنون، وذلك أنَّ أم الولد لا يجوز بيعها، لأن ثمنها كعينها.
فإذا قلت جاز للسيد أخذ قيمتها وتكون لهُ حلالًا.
وأمَّا الوجه الثاني مِن أصل التقسيم: إذا قاطعهُ بغير إذن شريكهِ،
_________________
(١) زيادة من جـ، ع، هـ.
(٢) سقط من أ.
[ ٥ / ٢٦٧ ]
وقبض ما قاطع عليهِ، فالخيار للمتمسك إذا عجز المكاتب بين أن يستبدَّ بالعبد أو يدخل مع المقاطع فيما أخذ.
وإن اختار الدخول معهُ، فذلك لهُ، والعبد بينهما.
وإن اختار الاستبداد بالعبد، هل لهُ ذلك أو يرجع الخيار إلى المقاطع؟ قولان:
أحدهما: أنَّهُ لا خيار لهُ، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
والثانى: أنَّ الخيار يرجع إلى المقاطع، وهو قول ابن المواز وأشهب.
وسبب الخلاف: من خيِّر بين شيئين، هل يُعدُّ مختارًا لما ترك أم لا؟
والجواب عن الوجه الثاني مِن أصل المسألة: إذا كان بوجه السلف، مِثل أن يحل النجم، ويحضر المكاتب جميعهُ فيقول أحدهما لصاحبه: بدنى بذلك النجم، وخذ أنت الذي يليه، فللمسلف الرجوع على صاحبهِ اتفاقًا مِن غير اختيار [ولا خيار] (١)، لأنَّ ذلك معاملةً بين الشريكين على سبيل المعروف، ولم يدخل المكاتب فيما بينهما بشىء.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا كان بلفظ الإنظار، وهو أن يُصرح بتأخير، وإسلام ما يحضرهُ المكاتب لشريكه، قصد بذلك الرفق بالعبد، ومعروف صنعهُ معهُ، وهذا لا رجوع لهُ على الشريك فيما قبض.
فهذه الوجوه الثلاثة لا إشكال فيها على ما فصَّلناهُ وحصلناهُ، وإنَّما الغموض والإشكال عند التباس السؤال، وإطلاق الألفاظ مِن غير احتياط، وإهمال التحرز والتحفظ، فهنالك يتبلَّد الخاطر ويتردد الناظر ويتحيَّر
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٥ / ٢٦٨ ]
[الفاكر] (١)، [حتى] (٢) يتعذّر التمييز بين السلف والقطاعة، والإنظار لأجل الامتزاج، [ويعتاض] (٣) التقدير لرد الاحتياج.
فها أنا أُشمِّر الذيل، وأنفس القول طلبًا لإزاحة الإشكال، وقطعًا لمادة الاحتمال، حتى تكون المسألة أجلى مِن النهار، وأشهر في الظلام من النار.
فنقول وبالله التوفيق: لا يخلو المُكاتب [على] (٤) الحالة [الموصوفة] (٥) مِن أربعة أوجه:
أحدها: أن تحل جميع الكتابة، وأحضر المكاتب نصفها.
والثانى: ألا يحل منها شىء، ولا حضر قدر حق أحدهما.
والثالث: أن يحل نجم واحدٍ، فأحضرهُ [كله] (٦).
والرابع: أن يحل نجم واحد وأحضر بعضهُ.
فأمَّا الوجه الأول: وهو أن تحل جميع الكتابة، وأحضر المكاتب نصفها: فسخ أحدهما في اقتضاء جميع نصيبهُ، وأذن لهُ في ذلك صاحبهُ، ورضى بإتباع المكاتب وإنظاره، ثُمَّ عجز قبل أن يقبض منهُ شيئًا، فلا خلاف في المذهب في هذا الوجه: أنَّهُ إنظار وليس بسلف، وأنَّهُ لا رجوع لهُ على شريكهِ بشىء، وأنَّ العبد يكون بينهما إن عجز.
_________________
(١) في أ: المفكر.
(٢) في أ: كما.
(٣) في هـ: بعض.
(٤) في هـ: في.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: كلها.
[ ٥ / ٢٦٩ ]
وأمَّا الوجه الثاني: إذا لم تحل [له] (١) الكتابة، وأحضر المكاتب منها مقدار حق أحدهما، وأذن أحدهما لصاحبه أن يُعجل جميع حقِّهِ، هل ذلك قطاعة أو سلف؟ قولان منصوصان فى "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَّهُ كالقطاعة، وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أنَّهُ سلف، وهو قول غيرهُ.
وعلى القول بأنَّ ذلك سلف للقابض، هل هو سلف مِن الشريك أو [من] (٢) المكاتب؟ قولان:
أحدهما: [أنه] (٣) مِن المكاتب، وهو قول الغير في "الكتاب".
والثانى: أنَّهُ سلف مِن الشريك، وهو قول ابن الموّاز.
وفائدة الخلاف وثمرتهُ: [أنه] (٤) إن كان سلفًا مِن الشريك، فلهُ الرجوع على القابض إذا عجز المكاتب.
وإن كان سلفًا مِن المكاتب، فلا يرجع الشريك على القابض بشىءٍ، عجز المكاتب أو عتق.
وأمَّا الوجه الثالث: إذا حلّ مِن الكتابة نجم، وأحضرهُ المكاتب كُلَّهُ، فاستبدَّ أحدهما بقبضهِ بإذن شريكه: فذلك سلف مِن الشريك بلا إشكال، لتعيين حق [كل] (٥) واحد منهما فيه، وترك أحدهما الآخر يقبض ويستقل بهِ مِلكًا دونهُ:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٥ / ٢٧٠ ]
دليلٌ على السلف.
وأمَّا الوجه الرابع: إذا حلَّ نجم وأحضر المُكاتب نصفهُ، مثل أن يكون النجم عشرة، وأحضر "خمسة": فهاهنا يُنظر إلى لفظ القاَبض، ومنهُ يُعرف إن كان ذلك سلفًا أو إنظارًا فإن قال: بدنى به. أو قال: أنا آخذهُ، وأنظرهُ أنت، كان ذلك إنظارًا لا سلفًا، ثُمَّ لا رجوع للشريك على القابض إن عجز المكاتب، ولا خيار لهُ، لانَّ قولهُ "أنظرهُ" معناهُ [أن] (١) نصيبك باق عليهِ.
فإن قال: "وعنى آخذ هذه الخمسة، وخُذ أنت الخمسة الباقية" (أو استوفِ أنت حقَّك مِن الخمسة الباقية): كان ذلك سلفًا من الشريك للقابض بلا إشكال، ويرجع عليهِ بنصف الخمسة إن عجز المكاتب قبل أن يستوفى منهُ تلك الخمسة الباقية مِن ذلك النجم.
والحمدُ لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٥ / ٢٧١ ]
المسألة الخامسة
في العبيد إذا كوتبوا كتابةً واحدة.
فلا يخلو مِن ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكونوا لمالك واحد.
والثانى: أن يكونوا لملاك [متعددة] (١).
والثالث: أن يكونوا شركة بين أشراك.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كانوا لمالكٍ واحد، فلا يخلو مِن أن يكونوا كبارًا كُلُّهم أو فيهم صغار وكبار:
فإن كانوا كُلُّهم كبارًا يقوون على السعى والكتابة جائزة وكل واحد منهم يسعى لنفسهِ في أداء ما وجب عليهِ من الكتابة فإن أدى ما عليه فإنَّهُ يسعى مع أصحابهِ ويعينهم على الأداء.
فإذا أعتقوا [بالأداء] (٢).
فمن أدى عن أصحابهِ منهم شيئًا، فإنَّهُ يرجع عليهم بهِ على ما [سيأتى] (٣) إن شاء الله تعالى.
ومن مات منهم لم يحط عنهم شىء مِن الكتابة لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم حميل بجميع الكتابةِ وعقد الكتابة يقتضى ذلك.
فإن استحقَّ أحدهم بحرية أو ملك ينبغى أن يسقط عنهم ما ينوبه لأنَّهُ قد تبيَّن أنَّ السيد عقد الكتابة على غير ملكهِ، ولا تلزم الحمالة للسيِّد بما
_________________
(١) في هـ: معددة.
(٢) في أ: على الأداء.
(٣) فى ع، هـ: سنأتى به.
[ ٥ / ٢٧٢ ]
هو ملكٌ لغيرهِ.
وإلى هذا ذهب الشيخ أبو الحسن اللخمى، وهو قول ابن الماجشون في "الموَّازية".
واختلف في كيفية فض الكتابة عليهم على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّها تفض على قدر قوتهم عليها وهو قول مالك في "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّها تفض على قدر القوة على الأداء أو قيمة الرقاب وهو قول ابن الماجشون.
والثالث: أنَّها تُقسَّم على العدد وهذا القول حكاهُ ابن الموّاز عن عبد الملك.
فإن عجز بعضهم وأدَّى الآخر جميع الكتابة فإنَّهُ يرجع عليهم على قدر قوتهم على الكتابة كما فضت عليهم أولا وهو قول ابن القاسم في "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّهُ يرجع عليهم على قدر قوّتهم يوم كُوتبوا، وهو قول مطرف وابن الماجشون.
والثالث: أنَّهُ يرجع عليهم على قدر قوتهم يوم كوتبوا.
والرابع: أنه يرجع عليهم على قدر قوتهم يوم كوتبوا وحالهم يوم عُتقوا وهو قول أصبغ.
والخامس: أنَّهُ يرجع عليهم على عددهم. كما أنَّ الكتابة تقضى عليهم [على عددهم] (١) على ما حكاهُ ابن الموَّاز عن عبد الملك خلاف
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٥ / ٢٧٣ ]
ما ذكر عنه ابن حبيب: أنَّهُ يرجع عليهم على قدر قيمتهم يوم عُتقوا.
فإذا ثبت لهُ الرجوع على أي صفة [كان] (١)، هل يرجع عليهم على النجوم أو يرجع عليهم على الحلول؟ فلا يخلو مِن أن يُؤديهما على النجوم أو يُعجِّلها.
فإن أداها على النجوم فلا خلاف أنَّهُ [يرجع] (٢) مُعجلًا.
فإن عجَّلها فهل يرجع [عليهم] (٣) على النجوم أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يرجع عليهم على النجوم، وهو قوله في "المدونة".
والثانى: أنَهُ يرجع عليهم معجلًا وهو قوله في كتاب "محمد" حيث قال في باب آخر أنه يرجع عليهم.
وسبب الخلاف: في جميع ما قدَّمناهُ اختلافهم في الكتابة هل طريقها طريق العتق أو البيع؟
فمن رأى أنَّ طريقها طريق البيع قال: تُعتبر قيمتهم يوم الكتابة.
ومن رأى أنَّ طريقها طريق العتق قال: تُعتبر قوتهم على الأداء وما عدا ذلك استحباب.
فإن كان فيهم صغارٌ وكبار فلا يخلو حالة مَن فيهم مِن الصغار مِن ثلاثة أوجه:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: لا رجع.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ٢٧٤ ]
إمَّا أن يكون عاجزًا عن السعى غيرُ قادرٍ على الأداء حتى انقضت الكتابة.
أو كان قادرًا عليهِ يوم الكتابة وقوى على السعى بعد مضى بعضها.
فإن كان لا يقوى على السعى حتى مضت الكتابة لم يُتبع بشىءٍ.
وإن كان يقوى على السعى يوم الكتابة فض عليهِ كما يفض على الكبير ويجتهد عليه على قدر ما يرى أنه يقوى عليهِ في كُلِّ سنة [لأنَّ قوتهُ] (١) تتزايد بمرور السنين.
فإن قوى على السعى بعد مضى النجوم فقد اختلف في كيفية الكتابة عليهم علي قولين:
أحدهما: أنَّهُ ينظر إلى حاله يوم عُقدت لهُ الكتابة، يُريد أشهب على ما يُرجى [من أنه يبلغ السعاية إلى الوقت الفلانى فيكون عليه من ذلك الوقت على التقدير يوم عقدت الكتابة كما يقوم الزرع] (٢) إذا فسد [على ما يرجى منه] (٣)، وهذا تأويل الشيخ أبى إسحاق التونسى [﵀] (٤).
والثانى: أنَّهُ ينظر إلى حالهِ يوم بلغ السعى أنْ لو كان على هذه الحالة يوم الكتابة وقال الشيخ أيضًا: وينبغى أن يحط عنهُ هذا القدر الذي كان فيه لا قُدرة لهَ على السعاية إذ لو انقضت الكتابة قبل بلوغه السعاية ما كان عليه شىء. والذي قاله أبو إسحاق صحيح ولا يكون الحُكم إلا كذلك وألا يؤدى ذلك إلى من تَوظف عليهِ الكتابة بنفس العقد وهو عاجز عن السعى
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) زيادة من ب.
[ ٥ / ٢٧٥ ]
وذلك لا سبيل إليهِ.
وأمَّا الوجه الثاني: إذا كان المُلاك متعدِّدة فجمعوهم في كتابة واحدة فلا إشكال أنَّ ذلك ممنوع ابتداءً.
فإن نزل [ذلك] (١) فلا يخلو مِن أن يعثر على ذلك قبل الأداء أو بعده:
فإن عثر على ذلك قبل الأداء فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّ الكتابة باطلة لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهم حميل بما على صاحبهِ إذ لو هلك أحدهما أخذ سيِّد الهالك مال الآخر باطلا وهذا يُشبه الرقباء وهو قول مالك في "المُدوَّنة".
والثانى: أن الكتابة تمضى ويبطل الشرط وتفض عليهم وتسقط حمالة بعضهم عن بعض وهو ظاهر قول ابن القاسم في الأمة التي يُكاتبها ويستثنى ما في بطنها وهو قولهُ في "الموَّازية".
والثالث: أنَّهُ يُفسخ ما لم يُؤد نجمًا أو قدرًا منها كما قال محمد في تلك المسألة.
فإن عثر على ذلك بعد الأداء فإنَّ الكتابة تمضى وعتقهم نافذ.
ومَن أدى منهم شيئًا عن أصحابه [رجع] (٢) عليهم بهِ كالحمالة بالكتابة إذا فاتت بالأداء، فإنَّ الكفيل يرجع على المكاتب بما أدى.
وأمَّا الوجه الثالث: في العبيد إذا كانوا بين أشراك فكاتبوهم جميعًا كتابةً واحدة. هل تجوز الكتابة أم لا؟
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٥ / ٢٧٦ ]
فالمذهب على قولين؟
أحدهما: أنَّ الكتابة لا تجوز لأن كلَّ عبدٍ تحمل لغير سيَّده بحصتَّهِ في كل عبد، فهي كتابة منتقضة إلا أن تسقط حمالة بعضهم [عن بعض] (١) فتجوز [و] (٢) على كُلِّ واحد بقدر ما يلزمهُ مِن الكتابة يوم عقدت وهو قول أشهب في [الموَّازية].
والثانى: أنَّ الكتابة جائزة لأنَّ لكلِّ واحدٍ من الأشراك سهم معلوم فى كُلِّ عبد. وإنما يقبض كُلُّ واحدٍ [منهم] (٣) عن سهمهِ لا غير ولم يقبض أحدهم عن غير ملكه شيئًا وهو قول أحمد بن ميسر في "الموَّازية".
والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ٢٧٧ ]
المسألة السادسة
في المُكاتب هل يجوز لهُ أن يعجز نفسهُ أم لا؟
ولا يخلو تعجيز المكاتب مِن ثلاثة أوجه:
إمَّا أن يكون بتواطئهِ مع السيَّد.
أو بإرادة المكاتب منفردًا.
أو بإرادة السيد متحدًا.
فإن كان بتواطئهِ مع السيِّد فلا يخلو مِن أن يكون لهُ مالٌ ظاهر [أم لا؟ فإن كان له مال ظاهر] (١) أو قوة على السعى، فالمذهب على ثلاثة أقوال كُلها قائمة مِن "المُدوَّنة".
أحدها: أنَّ لهُ أن يعجز نفسهُ جُملةً.
والثانى: عكسهُ.
والقولان عن مالك فيما رواه ابن القاسم وابن نافع في "العُتبيَّة".
والثالث: بالتفصيل بين المال والقوة فيكون العجز مع القوة لا مع المال وهو قول ابن الموَّاز.
وسبب الخلاف: هل يغلب حقِّهما [في الكتابة] (٢) على حقِّ الله تعالى فيكون العجز لهما دون السُلطان أو يغلب حقِّ الله لما يُرجى لهُ مِن الحُرَّية ثُمَّ لا يجوز؟
فإن لم يكُن لهُ مال ظاهر فهل لهم العجز دون السُلطان أم لا؟
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٥ / ٢٧٨ ]
قولان قائمان مِن "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَّ [له] (١) العجز دون السُلطان وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أنَّهُ لا يعجزهُ إلا السُّلطان وهو قول سحنون.
والقولان في "العُتبيَّة".
وسبب الخلاف: هل يُتهمان بالمواطأة على إبطال حقِّ الله تعالى في العتق؟
فمن اتَّهمها قال: لابُدَّ مِن السلطان فإنَّهُ مُتولى البحث والكشف عن مثلِ ذلك.
فإن انفرد السيِّد بإرادة العجز ونابا العبد أو انفرد بهِ العبد دون السيَّد قولان في كل فصل في "الكتاب".
وسبب الخلاف: هل المُغلب في الكتابة حق العبد أو حقِّ السيد؟
والحمدُ للهِ وحده.
_________________
(١) فى أ: لهما.
[ ٥ / ٢٧٩ ]
المسألة السابعة
إذا قاطعه سيده على مال ثُمَّ استحقَّ ذلك المال.
وقد اختلفت أجوبة الكتاب في ذلك على ما قال ابن القاسم وأشهب وابن نافع والرواة. ونصُّ " [ما في] (١) المُدوَّنة": وإذا أدى المُكاتب كتابتهُ إلى سيده وعليهِ ديْن فقام الغُرماء فأرادوا أن يأخذوا مِن السيِّد ما اقتضى.
فقال ابن القاسم: إن كان يعلم أنَّهُ مِن أموالهم [أخذوه وإن لم يعلم أنه من أموالهم] (٢) لم يرجعوا على السيِّد.
وقال ابن القاسم: فإن أخذوا ذلك منهُ ردَّ المكاتب إلى الرق.
وقال ابن نافع وأشهب: إذا قاطع السيد مما بقى مِن الكتابة فاعترف بسرقة فإنَّهُ يرجع على المكاتب بقيمة ما أخذ منهُ.
قال ابن نافع: "وهذا إذا كان لهُ مال فإن لم يكن له مال رد مكاتبًا.
وقال أشهب: لا يُرد ويتبع لأنَّهُ كان عتيقًا بالقطاعة وثبتت خدمته وجازت شهادتهُ.
ثُمَّ قال أشهب وابن نافع في المكاتب يُقاطه سيدهُ على شىءٍ استرفعهُ واستودعهُ فيُؤخذ بملك فلا يُؤخذ الحق بالباطل [أي لا يعتق] (٣).
وقال بعض الرواة: ما كان فيه شبهة ملك مضى عتقُهُ ويُتبع بقيمة ذلك، وما لم تكن فيه شبهة ملك ردَّ مكاتبًا.
وهذا ما قيل في "المُدوَّنة" بجُملتهِ وتحصيلهُ تفصيلًا أن تقول: لا
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ٢٨٠ ]
يخلو المُكاتب مِن أن يكون مُوسرًا أو مُعسرًا:
فإن كان مُوسرًا غرم للسيَّد مثل ما أخذ منهُ أو قيمتهُ إن كان ممَّا يرجع إلى القيمة ومضى عتقهِ وسواء تقدمت فيه شبهة ملك أم لا، ولا خلاف في ذلك.
فإن كان مُعسرًا فالذي في الكتاب يتخرّج على أربعة أقوال:
أحدها: أنَّ عتقهُ مردود جُملةً وهو قول مالك في أول الباب إذا علم أن ذلك مِن أموالهم أو ما تولَّد من عين أموالهم على الخلاف في هذا الوجه.
والثانى: أن عتقهُ ماضٍ ولا يُرد ويتبع لأنَّهُ كان عتيقًا بالقطاعة وتمَّت حُرمتهُ وجازت شهادتهُ وهو قول أشهب في "الكتاب".
والثالث: التفصيل بين ما تقدمت فيه شُبهة مِلك فيمضى عتقهُ [فيه] (١) ويُتبع بقيمتهِ ذلك، وما لم يتقدَّم لهُ فيهِ شبهة مِلك فيردُّ السيَّد عتقهُ [فيه] (٢)، وهو قول الرواة في "المُدوَّنة" وهو ظاهر قول أشهب وابن نافع في المكاتب الذي يقاطع على وديعة حيثُ قال: لا يُؤخذُ الحقُّ بالباطل.
والقول الرابع: بالتفصيل بين أن يطُول الزمان أو يقصر:
فإن كان ذلك [بعد طول الزمان وجازت شهادته ووارث الأحرار فعتقه ماضٍ ولا يرد وإن كان ذلك] (٣) بالقُرب فإنَّ عتقهُ يرد وهو قول مالك فى الأب إذا أعتق عبد ابنهِ الصغير ولا مال للأب.
فإن عتقهُ يرد إلا أن يطول الزمان وجازت شهادتهُ ووارث الأحرار.
وعلى القول بأنَّ عتقهُ مردود هل يُرد إلى رق أو إلى حرية؟ فالمذهب
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ٢٨١ ]
على ثلاثة أقوال كُلّها مُستقرأة مِن "الكتاب":
أحدها: أنَّهُ يرد إلى الرق لا إلى الكتابة وهو ظاهر قول ابن القاسم في الكتابة.
والثانى: أنَّهُ يُرد إلى كتابة، وهو قول الرواة.
والثالث: التفصيل بين أن يرجى لهُ مال، فيُرد [إلى الكتابة] (١) أو لا يرجى لهُ مال فيُرد إلى الرق وهو اختيار أبى الحسن اللخمى.
وسبب الخلاف: هل العتق لأجل ما أداهُ المُكاتب أو يحمل على أنه مِن السيد؟
فمن رأى أنَّ أداء الكتابة يوجب العتق لأنَّ السيِّد هو المُعتق.
فإذا استحقَّ ما دفع [كشف] (٢) الغيبُ [أنه] (٣) لم يُعتق ويجب على هذا أن [يستبرئ] (٤) مالهُ فيه شبهة ملك وما سرقهُ.
وإن عد ذلك كالعتق مِن السيِّد كان ينبغى أن يمضي عتقهُ على كُلِّ حالٍ سواءٌ سرق ذلك أو كان له فيه شبهة مِلك لأنَّ العتق [فرط] (٥) مِن السيِّد فلا يقدر على ردِّهِ.
والتفريق بين مَن تعدَّى ومَنْ لهُ فيه شبهة مِلك ضربٌ مِن الاستحسان.
والله أعلم.
والحمد لله.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: انكشف.
(٣) في: إذا.
(٤) في أ: يستوى.
(٥) في هـ: سبق.
[ ٥ / ٢٨٢ ]
المسألة الثامنة
إذا وطئ السيد مُكاتبتهُ.
[وفي هذه المسألة] (١) أربعة أسئلة:
الأول: إذا وطئ السيد مُكاتبتهُ.
الثاني: فيما إذا وطئ السيد مُكاتبة [مكاتبه] (٢)، [هل يدرأ عنه الحد؟] (٣).
الثالث: إذا وطئ السيِّد أمة مُكاتبه [فحملت] (٤).
والرابع: في المُكاتب إذا وطئ مكاتبتهُ.
فالجواب عن السؤال الأول: إذا وطئ السيد مكاتبتهُ. فلا يخلو من أن تكون حائلًا أو حاملًا:
فإن كانت حائلأ ولم تحمل مِن وطئه فإنَّها تستمر على كتابتها ثُمَّ لا تخلو مِن أن يكون السيد أكرهها على الوطئ أو طاوعتهُ:
فإن أكرهها على نفسها فلا تخلو مِن أن تكون بكرًا أو ثيِّبًا:
فإن كانت بكرًا فعليهِ ما نقصها.
وإن كانت ثيِّبًا فهل يغرم بالنقص شيئًا أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوَّنة":
_________________
(١) في هـ: وفي هذا الباب.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من هـ.
(٤) سقط من هـ.
[ ٥ / ٢٨٣ ]
أحدهما: أنَّهُ يغرم قيمة ما نقصها وهو قولهُ في كتاب الرهون.
والثانى: أنَّهُ لا شىء عليهِ.
وإن طاوعتهُ هل عليه [للنقص] (١) شىءٌ أم لا؟
وينبنى الخلاف على الخلاف في المُكاتب هل لهُ أن يُعجز نفسهُ أم لا؟
وإن كان لهُ مال ظاهر أم لا؟
فإن كانت حاملًا فهي مُخيَّرة بين أن تعجز نفسها وتكون على حُكم أم الولد، أو تستمر على كتابتها.
فإن أدَّت عُتقت.
وإن عجزت صارت أم ولد.
واختلف في نفقتها إذا اختارت المضى على كتابتها على قولين:
أحدهما: أنَّ نفقتها على السيِّد ما دامت حاملًا وهو قول مالك في "كتاب ابن سحنون".
والثانى: أنَّ نفقتها على نفسها ولا شىء لها على سيِّدها وهو قول أصبغ في "كتاب ابن حبيب".
وفي "المُدوَّنة" في هذه المسألة أقاويل خارجة [عن المذهب: أحدها: أنها إن حملت بطلت كتابتها وتكون أم ولد. وهو قول سعيد بن المسيب. وحجته أنها أم ولد] (٢).
لا خدمة [له] (٣) فيها ولا غلة [و] (٤) في استدامتها في الكتابة
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٥ / ٢٨٤ ]
إخراج لأُمِّ الولد عن حكمها [فبطلت وبقيت أُم ولد.
والثانى: أنَّها تبقى مكاتبة فإن عجزت كانت أُم ولد.
وحجته: أنَّ أُم الولد] (١) لم يُتفق على منع خدمتها وإن لم يتقدَّم فيها كتابة [قط] (٢)، والمكاتبة متفق على منع وطئها.
وإذا لم يكن بُد مِن أحد الأمرين إمَّا بُطلان الكتابة أو بقاؤها عليها كان بقاؤها أفضل لأنَّ بطلانها يُؤدى إلى وطءٍ قد حُرِّم باتفاق.
وبقاؤها على الكتابة لا يُؤدى [إلى استباحة] (٣) ما اتفق على منعه فكان بالحكم أولى وهو قول النخعى.
والثالث: بالتفصيل بين أن يكون قد أكرهها أو قد طاوعتهُ:
فإن أكرهها، فهي حُرَّة، [وإن طاوعته فهي أمة لا كتابة فيها يريد أم ولد وهو قول ربيعة وهو أحسن ما قيل فيها] (٤) وذلك أنَّها إذا لم تُطاوعهُ فهي لم ترض بالعجز بعد. فلمَّا حملت لم يكن سبيل إلى استخدامها لأنَّ ذلك خلاف سُنَّة أم الولد ولا إلى وطئها للحظر المُتقدم ولم تعجز، فلم يبق إلا أنَّها أُم ولد حرم الاستمتاع بها فوجب عتقُها.
وإذا رضيت بالوطء كأنَّها رضيت بالعجز إذ الحمل غالبًا يأتى [عن] (٥) الوطء.
فالجواب عن السؤال الثاني: إذا وطئ مكاتبة مكاتبه، فإنَّهُ يُدرأ عنهُ الحد ويلحق بهِ الولد، وتُخيَّر الأمة بين أن تعجز نفسها وتكون أُم ولد
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) فى أ: على.
[ ٥ / ٢٨٥ ]
للواطئ أو تبقى على كتابتها.
فإن أعجزت نفسها فإنَّها تكون أُم ولد للواطئ ويغرم قيمتها [للمكاتب] (١) يوم الوطء ولا شىء عليهِ في الولد وهذا قول ابن القاسم في "العُتبيَّة".
واختُلف هل [يقاصصه] (٢) السيد بتلك [القيمة] (٣) في الكتابة التي عليه؟
على قولين: [فإن اختارت البقاء على الكتابة هل تؤخذ القيمة من السيد الواطئ فتوقف أو لا تؤخذ منه على قولين] (٤):
أحدهما: أنَّ القيمة تُؤخذ منهُ فتوقف مخافة العجز فترجع تكون أُم ولد بلا قيمة. وهو قول ابن القاسم في "العُتبيَّة" و"الموَّازية".
والثانى: أنَّ القيمة لا تُؤخذ مِن الواطىء حتى تعجز، فإذا عجزت كُلِّف القيمة وهو قول ابن الموّاز.
واختلف على هذا القول متى تقوّم؟ على قولين:
أحدهما: أنَها تقوّم عليهِ بقيمتها يوم الوطء وهو قول ابن القاسم وبهِ قال ابن الموَّاز.
والثانى: أنها تقوم عليه بقيمتها يوم العجز وهو قول أصبغ.
وهل تقوم بولدها أم لا؟ قولان لأصبغ.
وعلى القول بأنَّها القيمة توقف فلا تخلو حالة المُكاتبة مِن ثلاثة
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) فى أ: يقاصه.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٥ / ٢٨٦ ]
[أوجه] (١):
إمَّا أن تعجز.
وإمَّا أن تُؤدى.
وإمَّا أن تموت قبل العجز وقبل الأداء.
فإن أدت عتقت وأخذ الواطئ القيمة التي وقفت.
وإن عجزت كانت القيمة لسيِّدها المكاتب و[تكون] (٢) هى أُم ولد للواطئ.
وقال في "العُتبيَّة": ولم يكن عليهِ في ولدها شىء.
فإن ماتت قبل الأداء لمن تكُون القيمة [الموقوفة] (٣)؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّها تكون لسيِّدها المُكاتب إذ لا ضرر عليهِ في هذا (٤) [وهو قول ابن القاسم في "الموَّازية".
والثانى: أنَّها تُرد إلى السيَّد الواطئ ولا شىء فيها لسيِّدها المُكاتب لأنَّ الحمل لم يضرُّهُ وقد ماتت في كتابتها مِن غير حمل وهو قول أصبغ في "كتاب محمد".
والثالث: أنَّهُ يُؤخذ مِن القيمة الموقوفة قيمة الولد ويدفع إلى المُكاتب ويؤدى باقى القيمة إلى الواطئ وهو قول ابن القاسم في "العُتبيَّة".
والجواب عن السؤال الثالث: إذا وطئ السيِّد أمة مكاتبه فحملت.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) فى أ: الموقفة.
(٤) بداية سقط من ب ينتهى عند نهاية المسألة العاشرة.
[ ٥ / ٢٨٧ ]
فلا يخلو مِن أن يكون مُوسرًا بقيمتها أو مُعسرًا:
فإن كان مُوسرًا فالقيمة تلزم السيِّد. وهل يقابض بهِ المُكاتب ويتعجَّل عتقهُ أو يأخذها ويُؤديها على النجوم؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يقابضه بها ويخرج المكاتب حُرًا إن كانت القيمة مِثل الكتابة ويُتبع السيد بالفضل إن كانت أكثر وهو قول ابن القاسم في كتاب "ابن المواز".
والثانى: أنَّ المكاتب يقبض القيمة ويُؤديها على النجوم وهو قول ابن الموَّاز وسحنون في "كتاب ابنه".
فإن لم يكن للسيِّد مال يبعث عليهِ كتابة مكاتبهِ ويكون المكاتب أولى بما يُمنع مِن ذلك وهو قول أحمد بن ميسر.
فإن ساوت قيمة الكتابة قيمة الأمة خرج حرًا إن كان هو المشترى لها.
فإن ساوى مِثل نصف قيمة الأمة فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ المكاتب يأخذ ذلك القدر ويُبقى نصف الأمة للمكاتب رقيقًا ونصفها للسيِّد على حساب أم الولد ويتبع المكاتب السيِّد بنصف قيمة الولد، وهو قول ابن الموَّاز.
والثانى: أنَّهُ إن كان في قيمة الكتابة وفَّى بقيمتها عتق المُكاتب وإن لم يف بقيمتها بقيت أمة للمكاتب ويتبع سيدهُ بقيمة ولدهِ وهو قول أشهب فى "الموَّازية".
والجواب عن الوجه الرابع: في المكاتب إذا وطئ مُكاتبتهُ فحملت منهُ. فلا خيار لها في تعجيز نفسها.
فإن أدت خرجت مع ولدها أحرارًا.
[ ٥ / ٢٨٨ ]
وإن أدى هو قبلها فولدهُ يخرج معهُ ولها أن تُعجز نفسها.
فإن مات في كتابته قبل خروجها وترك مالًا فيه وفاء بكتابتهِ خرجت هى حُرَّة وولدها.
ولو قوى الولد فعل عتقها سعى مع أقربهما عتقًا فيُعتق بقيتهُ.
ولو كان معهُ ما يُؤدى عن أبويهِ أخذ مِن مالهِ ما يُؤدى عنهما وعتق.
وإن ماتت أولًا وتركت مالًا أخذ من مالها بقية الكتابة وعتق ولدها وورث ما بقى.
وإن لم يكن فيه وفاء فللولد أخذه والسعاية فيهِ وكذلك لو لم يدع شيئًا.
فإن أدوا عنه عُتقوا.
وإن عجزوا كانوا في كتابة أبيهم. [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من جـ، ع.
[ ٥ / ٢٨٩ ]
المسألة التاسعة
في كتابة بعض العبد.
ولا يخلو مِن وجهين:
أحدهما: أن يكاتب بعض عبدٍ ملك جميعهُ فلا خلاف في المذهب أنَّ ذلك لا يجوز، وتُردُّ فيه الكتابة.
واختلف إذا فات الأداء على قولين:
أحدهما: أنَهُ يكون رقيقًا لسيِّده ولا يُعتق منهُ شىء وهو قولهُ في "المُدوَّنة".
والثانى: أن السيِّد يحلف ما كان يعلم أنَهُ يُعتق عليه إذا أدى فإن حلف لم يستتم عليهِ.
فإن نَكَلَ يستتم عليه، وهو قولهُ في "المبسوط" في العبد بين الشريكين إذا كاتبه أحدهما نصيبه.
فإن كان عبدًا بينهُ وبين غيره، فلا يخلو من أن يُكاتب شريكه حصَّتهُ أو يتماسك بها.
فإن تماسك بها فإنَّ ذلك لا يجوز اتفاقًا لأنَّ ذلك يصير إلى عتق النصيب بغير تقويم مع ما في ذلك [من] (١) المخاطرة.
لأنَّ أحدهما يأخذ بخراج والآخر يأخذ بنجوم.
واختلف فيه إذا نزل هل تُفسخ الكتابة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنَّ الكتابة تسقط ويُؤدى عليهِ جميع ما أخذا منهُ ويكون جميعهُ رقيقًا وهو قول ابن القاسم في "المُدوَّنة".
_________________
(١) فى أ: فى.
[ ٥ / ٢٩٠ ]
والثانى: أنَّ السيِّد يحلف أنَّهُ كان يعلم أنَّهُ يُعتق عليه إذا أدى، فإن حلف لم يقوم عليهِ بقيتهُ وهو قولهُ في "المبسوط". وظَاهر قوله أنَّهُ لا يرد عتق ذلك النصيب لأنَّهُ لم يقُل: إذا حلف رقّ الذي أدَّى، وإنما قال: "لم يقوم".
وعلى القول بأنَّ الكتابة تسقط ويكون جميعهُ رقيقًا، فإنَّهُ يرد ما أخذ فيكون بينهُ وبين شريكه مع رقبةِ العبد، وسواءٌ قبض الكتابة أو بعضها، وقال غيره في "المُدوَّنة": إنَّما يكون ذلك بينهما إذا اجتمعا على قيمتهِ.
ومَن دعى إلى رده إلى العبد. فذلك لهُ إذ لا يُنتزع مالهُ حتى يجتمعا عليهِ.
فإن كاتب الشريك حصَّتهُ فلا يخلو مِن خمسة أوجه:
أحدها: أن يتفقا في العقد والنجوم والعدد.
والثانى: أن يختلفا في العقد والنجوم والعدد.
والثالث: أن يتحد العقد ويشترط أن يختلف العدد أو النجوم.
والرابع: أن يختلف العقد ويتَّفقا في العدد والنجوم.
والخامس: أن يختلفا ويختلف نوع المال الذي كاتباهُ عليهِ.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا اتفقا في العقد والنجوم والعدد فلا خلاف في الجواز ويكون اقتضاؤهما واحدًا على الشركة ولا إشكال في ذلك.
والجواب عن الوجه الثانى: إذا اختلف العقد واختلف العدد والنجوم مثل أن يُكاتبهُ أحدهما على مائة والآخر على مائتين وكلاهما إلى سنة، أو كَاتباهُ على مائة أو أحدهما إلى سنة والآخر إلى سنتين فلا خلاف أنَّ ذلك لا يجوز ابتداءً.
[ ٥ / ٢٩١ ]
فإن نزل فإنَّهُ يرد النظر إلى العبد أو إلى أحد السيدين.
فإن رضي العبد أن يُلحق الأدنى بالأعلى أو يرضى صاحب الأكثر أن يحط عن العبدى ذلك الفضل حتى يتساوى مع صاحب القليل أو يرضى صاحب المدة القريبة أن يتساوى مع صاحب المدة البعيدة في الاقتضاء أو برضا العبد أن يجعل نجومهُ لصاحب المُدَّة البعيدة في الاقتضاء حتى يساويهِ مع صاحب المدة القريبة في الأقصى فإنَّ الكتابة ثابتة جائزة.
فإن أنهى ذلك فمشهور المذهب أنَّ الكتابة باطلة ما لم يفت بالأداء. [والجواب عن الوجه الثالث: إذا اتحد العقد واشترط أن يختلفا العدد. فالكتابة جائزة والشرط باطل] (١).
والجواب عن الوجه الرابع: إذا اختلف العقد، ويتقفان في العدد والنجوم فهل تُفسخ الكتابة أم لا؟ فالمذهب على قولين منصوصين فى "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَّ الكتابة تفسخ إلا أن يتراضيا [بالتساوى] (٢) وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أنَّ الكتابة جائزة يريد ويسقط الشرط. وهو قول الغير. ويكون القضاء بينهما واحدًا.
والجواب عن الوجه الخامس: إذا اختلف العقد ويختلف نوع المال الذى كاتباه مثل: أن يُكاتبهُ أحدهما على دنانير ويُكاتبه الآخر على عروض فالكتابَة بينهما مفسوخة قبل الأداء وبعده إلا أن يرضى السيَّد أن تكون الدنانير والعروض شركة بينهما وتصحُّ الكتابة.
والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ، هـ.
(٢) فى أ، هـ: إن تساويا.
[ ٥ / ٢٩٢ ]
المسألة العاشرة
في الذي يُكاتب عبده وعلى السيِّد ديْن، وقد جنى العبد جناية.
فلا يخلو المكاتب مِن أن يكون قادرًا على أداء جميع ذلك أو يعجز عن بعضه:
فإن كان قادرًا على أداء جميع الدَّين والجناية والكتابة فإنَّهُ يمضي على كتابتهِ.
فإن أدَّى الدَّين الذي على السيِّد فهل له أن يحاسبه به مِن نجومهِ أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يُحاسبه بهِ إذ لا ضرر في ذلك على سيِّدهِ، إذ لو عجَّل لهُ الكتابة لأدى. إذ قال: لَم يكُن لهُ الكتاب. وإلى هذا ذهب الشيخ أبو إسحاق التونسى.
والثانى: أنَّهُ لا يُحاسبه بهِ وهو ظاهر قول مالك في "المُدوَّنة" لأنَّهُ قال: إذا قال العبد: أنا أؤدى الذي مِن أجله تردنى والحماسة. وأبقى على كتابتى. كان ذلك له. وظاهر هذا الكلام أنَّهُ لا يُحاسب السيِّد بذلك. ومفهوم مِن فحوى الكلام أنَّ الدين التزم أداءه كالتزامهِ للكتابة فكأنَّهُ مِن جملتها.
وأمَّا الجناية التي جناها العبد فهل يحاسب بها السيد إذا أداها أم لا؟ فالمذهب يتخرج على قولين:
أحدهما: أنَّهُ لا يُحاسبه بها، وهو ظاهر "المُدوَّنة"، وهو مشهور المذهب.
[ ٥ / ٢٩٣ ]
والثانى: أنَّهُ لا يُحاسبه بها. قال بعض المتأخرين وهو أشبه في النظر. قال: وبيان ذلك أنَهُ إذا جنى جناية تُساوى عشرة وقيمتهُ عشرون وكُوتب بثلاثين"، فقال للسيد: أنا أؤدى عشرة الجناية وتبقى علىَّ مِن كتابتى عشرون، لأنِّى لو لم أؤد الجناية جبرت على دفعى في الجناية إذا افتدى بعشرة، فلا حُجَّة لك في الامتناع مِن أن يُحاسب بعشرة مِن الكتابة في الجناية، إذ لا ضرر عليهِ في هذا] (١).
ويُعارضه على هذا التقدي أن يُقال: إن الجناية كان أصلها مِن العبد لم يجب على السيِّد أن يقاص من الكتابة منها، ومِن حجَّتهُ أن يقول: إنَّما كاتبتُهُ على أن تحملها. أو يقول: ظننت أن المجنى عليه يتبعهُ بذلك دينًا كالمعتق، ويُقبل قولهُ في ذلك إذا ادّعاهُ.
والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من هـ. وهذا السقط بدأ من منتصف المسألة الثامنة.
[ ٥ / ٢٩٤ ]
المسألة الحادية عشرة
في الرهن في الكتابة.
ولا يخلو الرهن في الكتابة مِن وجهين:
أحدهما: أن يكون في عقد الكتابة.
والثانى: أن يكون بعد العقد.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان الرهنُ في عقد الكتابة والسيِّد حى لم يمُت ولم يُفلس فلهُ حَكم الرهن اتفاقًا في القيام والفوات.
وإن مات السيِّد أو فلس فهل يخرج عن حكم الرهن ويعدُّ ذلك [منه] (١) انتزاعًا؟ فالمذهب على قولين منصوصين في "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَّ ذلك انتزاع وليس لهُ حُكم الرهن، وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أنَّ لهُ حكم الرهن، وهو قول غيره.
وسبب الخلاف: مُعاملة السيد عبدهُ في المعاوضات هل هى مُعاملة صحيحة أم لا؟
فعلى قوله في هذه المسألة أنَّ الربا جائز بين العبد وسيِّدهِ، وإن سمَّى ذلك سلفًا أو بيعًا وهو انتزاع معنوى على ما يقول ابن القاسم.
لأنَّ السيد إن ردَّ على العبد أكثر ممَّا أخذ منهُ فالزيادة منهُ هبة للعبد وليس بزيادة في السلف.
وعلى ما قال في "كتاب الصرف" أنَّ الربا يجرى بين العبد وسيدهِ
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٥ / ٢٩٥ ]
كالأجنبى.
ومن حكم فيهِ بأنَّهُ انتزاع فلا يرى فيهِ حقًا للمكاتب لا مع القيام ولا مع الفوات.
ومَن حكم فيه بحكم الرهن قال: فإن المكاتب يكون أحق بعينه فى القيام وهو في الفوات أسوة الغرماء.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان الرهن بعد العقد مثل أن يحل عليه نجم فطلب التأخير على رهن يضعهُ. فالاتفاق في هذا الوجه أنَّ ذلك ليس بانتزاع وأن [له حكم] (١) الرهن مع القيام عاش العبدُ أو مات.
فإن ضاع الرهن عند السيِّد ولم يعلم إلا بدعواه فلا يخلو السيد [من] (٢) أن يكون مديانًا أو غير مديان:
فإن كان مديانًا، فللمكاتب محاصة الغرماء بقيمة الرهن في مال السيَّد. ثُمَّ ينظر إلى ما نابه في المحاصة.
فإن كان مقدار ما بقى عليه مِن الكتابة عتق واتبع ذمة السيد بما بقى مِن قيمةِ رهنه.
فإن كان الذي نابه في [الحصاص] (٣) أقل مما عليه في الكتابة وأكثر ممَّا عليهِ مِن النجوم فليحسب ذلك بما حل ثُمَّ مِن النجوم التي تليهِ فيأخذهُ الغرماء ثُمَّ تُباع لهم بقية الكتابة في بقية دينهم.
فإن أدَّى المكاتب لمشترى الكتابة عُتق ويكون ولاؤه لعاقدها.
وإن عجز رق لمشترى الكتابة ويُتبع السيد بما بقى لهُ مِن قيمةِ رهنه فى
_________________
(١) في أ: للحكم.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: الحصص.
[ ٥ / ٢٩٦ ]
الوجهين جميعًا.
وأمَّا إن كان السيِّد ليس بمديان فهل يُقاصصهُ المكاتب في الكتابة بقيمته أو تُؤخذ القيمة مِن السيد، فتوقف؟ قولان منصوصان في "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّهما يتقاصان بهما جُملةً [بلا] (١) تفصيل.
فإن تساوت القيمة والكتابة عتق.
وإن نافت [قيمتهُ] (٢) على الكتابة اتبع السيد.
وإن قصرت عن الكتابة قوصص بها على النجوم ويسعى المُكاتب فيما بقى وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
ووجهُهُ: [أن] (٣) الرهن لما جُهل أمره ولا يدرى هل [تلفه] (٤) بتعد مِن السيد فيكون الحكم أن تُؤخذ القيمة منهُ وتُوقف.
فإن أتى المُكاتب برهن ثقة أخذها كما قال في "كتاب الرهون" أو كان هلاكُه بغير سببهِ ولا بتعد منه فيسقط الضمان عن السيد ويكون التلف من الراهن فلمَّا كان الأمر هكذا توسط فيهِ بالضمان ويُحكم [له] (٥) فيهِ بالقصاص في الحال، والتوسط سوق الاعتدال.
والقول الثاني: بالتفصيل بين أن يتهم السيِّد بالعداء على الرهن أو لا يتهم.
فإن اتُّهم بالعداء أُخذت منهُ القيمة ووقِّفت وتُؤدى على النجوم.
_________________
(١) فى هـ: من غير.
(٢) سقط من هـ.
(٣) سقط من أ.
(٤) فى أ: بيعه.
(٥) سقط من أ.
[ ٥ / ٢٩٧ ]
فإن أتى المُكاتب برهن ثقة أخذ القيمة لنفسهِ ويُؤدى المُكاتب على نجومها.
فإن لم يتهم بالعداء عليه فلا تخلو الكتابة مِن أن تكون عينًا أو عرضًا:
فإن كانت الكتابة دنانير والقيمة دنانير كانت قصاصًا [بما] (١) على المكاتب، لأن وقفُها يؤول إلى ضرر وخطر وغرر.
فإن كانت الكتابة عروضًا وطعامًا والقيمة عينًا، فإن رجى رخص ما عليه حتى يشتريه باليسير مِن الثمن [أوقفت القيمة] (٢).
فإن لم يُرج ذلك قوصص بها في قيمة ما عليهِ مِن العروض في الحال، وهو قول أشهب في "المُدوّنة".
ووجههُ: أنَّ القيمة [قد وجبت] (٣) على السيِّد بهلاك الرهن فكان القصاص بها أولى مِن الإيقاف [المعرض] (٤) للإتلاف إذ بها يحصُل للعبد العتق المُتبغى وينالُ بها السيِّد الثواب المُرتجى.
حتى إذا ظهرت دلائل التهمة، ولاحت أمارة الظنَّة بالعداء مِن السيد كان إيقافُ القيمة أوْلى لئلا يصل السيد بتعديه إلى ما لا يُريد، لاحتمال أن يقصد بذلك استعجال الكتابة قبل محلها فيُعاقب بنقيض مقصودهِ.
والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) فى أ: واجبة.
(٤) فى أ، جـ: المتعرض وفى ع: المترضى.
[ ٥ / ٢٩٨ ]
المسألة الثانية عشرة
شراء المُكاتب مَن يعتق على الحر بالمِلك إذا ملكه.
ولا يخلو شراؤهُ مِن وجهين:
إمَّا أن يشتريه بغير إذن سيَّدهِ.
[والثانى: أن] (١) يشتريهِ بإذنهِ.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا اشتراهُ بغير إذنهِ هل يدخل في الكتابة أم لا؟ قولان قائمان مِن "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّهُ لا يدخل معهُ في الكتابة ولهُ أن يتبعهُ إذا خشى العجز وهو قولُ مالك في "المُدوَّنة".
والثانى: أنَهُ يدخُل معهُ ويكون لهُ حُكم مَنْ انعقدت عليهِ الكتابة وهذا القول يُستقرأ مِن "المُدوَّنة".
وينبنى الخلاف على الخلاف: في المكاتب هل لهُ أن يُعجز نفسهُ مع القُدرة على الأداء أو لا يجوز لهُ؟
فمن رأى أنَّ لهُ أن يُعجز نفسهُ قال: يدخُل معهُ.
ومن رأى أنَّهُ ليس لهُ أن يُعجز نفسهُ قال: لا يدخُل معهُ لأنَّ شراءهُ تعطيل لماله عن التَّنمية التي يحصل بها الأداء والعتق.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا اشتراهُ بإذن سيدهِ هل يدخُل معهُ في الكتابة أو لا؟ قولان قائمان مِن "المُدونة":
أحدهما: أنَّهُ يدخُل معهُ وهو نصُّ "المُدوَّنة".
_________________
(١) فى أ: أو.
[ ٥ / ٢٩٩ ]
والثانى: أنَّهُ لا يدخُل معهُ، وهو مُستقرأ مِن "المُدونة".
وسبب الخلاف: هل يجوز اتفاق السيد والمُكاتب على عجزهِ مع القُدرة على الأداء أم لا؟
فمن رأى أنَهُ يجوز لهُ عجزهُ مع اتفاقهما قال: يدخُل معهُ.
ومن رأى أنَّهُ لا يجوز أن يتَّفقا على ذلك قال: لا يدخل معهُ لأنَّ ذلك [داعٍ] (١) إلى عجزهِ.
وعلى القول بأنَّهُ يدخل معه مِن [الذي يدخل معه من] (٢) قرابتهِ؟ فالمذهب على أربعة أقوال كلها قائمة مِن "المُدوَّنة":
أحدها: أنَّهُ يدخل معهُ كُل مَنْ كان يعتق على الحر بالملك إذا ملكهُ، ويدخُل في ذلك الأخوة، وهو قول مالك في "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّهُ لا يدخل معهُ إلا الأبوة والبنوَّة خاصة، وهو قول أشهب في "المُدوَّنة" ومثلهُ لابن القاسم في "الموَّازية".
والثالث: أنَّه لا يدخل إلا الولد خاصة بإذن سيِّده إذ لهُ أن [يستلحقه] (٣)، وهو قول ابن نافع في "المُدوَّنة".
والرابع: أنَّهُ يدخل معهُ الولد وان اشتراهُ بغير إذن سيَّدهِ وهو قول ابن نافع في غير "كتاب محمد"، على قول أبى محمد في "النوادر"، وهو ظاهر تعليل ابن نافع في "الكتاب" حيث قال: إن له أن يستحدثهُ واستحداثهُ لا اختيار فيهِ للسيد فينبغى أن يكون الشراء كذلك.
_________________
(١) في ع، هـ: داعية.
(٢) سقط من أ.
(٣) فى أ، جـ: يستحدثه.
[ ٥ / ٣٠٠ ]
وسبب الخلاف: بين القولين الأولين اختلاف العلماء فيمن يعتق على الحر بالملك.
فأشهب راعى ما وقع عليهِ الإجماع في الحر.
ومالك راعى مشهور مذهبهِ في عتق الأخوة، فاطَّرد ذلك في المكاتب.
وأمَّا الابن فسببُ الخلاف فيه ما قدَّمناهُ في المكاتب هل يجوز لهُ أن يعجز نفسهُ وإن كان لهُ مال ظاهر؟
فمن رأى ذلك لم يُفرق بين الولد وغيرهِ.
ومَنْ منع فقد فرق بين الولد وغيره للعلة التي ذكرها ابن نافع.
وهذا كُلَّهُ إذا لم يكن على المكاتب ديْن.
وأمَّا إن كان عليهِ ديْن فلا [يجوز] (١) شراؤهُ مِن أن يعتق عليهِ إلا بإذن الغرماء.
والحمد لله وحده.
_________________
(١) فى أ: يخلو.
[ ٥ / ٣٠١ ]
المسألة الثالثة عشرة
في عتق السيِّد أحد المكاتبين.
ولا يخلو المعتق مِن [أحد] (١) وجهين:
أحدهما: أن يكون لهُ قوة.
والثانى: أن يكون ممن لا قُوَّة لهُ إمَّا لزمانة طرأت عليه بعد الكتابة، أو لكونه صغيرًا لا حرفة لهُ ولا قوة [فإن كان لا قوة] (٢) لهُ في الحال ويقوى في أثناء الكتابة فهو كالصحيح المستوى.
فإن كان أمرَ الكتابة ينقضى قبل أن يبلغ السعى، فهو كالزمن، وقد تقدَّم الكلام عليهِ في باب "توظيف الكتابة".
فإن كان مِمن لا قوة لهُ على السعى، لا في الحال ولا في المآل فلا يخلو ذلك مِن أن يكون ذلك بإذنهم أو بغير إذنهم.
فإن كان ذلك بإذنهم فلا خلاف في جواز عتقهِ لدفعهم عن أنفسهم ضررًا ناجزًا وهو نفقتهُ وكسوتهُ.
والكتابة عليهم كما كانت.
فإن أعتقه بغير إذنهم هل يُنفذ العتق أو يُوقف؟ قولان قائمان مِن "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَّ العتق نافذ لا يُوضع عنهم مِن الكتابة [سهم] (٣) العتيق وهو نصُّ "المُدوَّنة".
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) فى أ: منهم.
[ ٥ / ٣٠٢ ]
والثانى: أنَّ عتقهُ موقوف إلى العجز أو الأداء، وهو ظاهر "المُدونة" مِن قولهِ: إن لهم الرجوع عليهِ إذا أدوا عنهُ. وهو نصُّ "المُدوَّنة": أنَّ لهم الرجوع على الزمن.
وسبب الخلاف: هل النظر إلى الضرر الذي درأ عنهم فى الحال مِن مؤنتهِ ونقله أو النظر إلى ما فوت لهم فى المال مِن الرُجوع عليهِ إذا أدوا؟
فإن كان العتيق لهُ قوة وسعاية إمَّا بيدهِ وحرفتهِ أو بمالهِ الحاصل عندهُ فلا يخلو مِن أن يكون ذلك بإذن أصحابهِ أو بغير إذنهم.
فإن كان ذلك بغير إذنهم فقولان قائمان مِن "المُدونة":
أحدهما: أنَّ العتق موقوف وهو قولهُ فى المُدوَّنة.
والثانى: أنَّ العتق نافذ وهو قولهُ فى آخر الكتاب فى الزمن الذي لهُ مال.
وسبب الخلاف: هل للسيَّد أن يعجز مكاتبه وإن أراد البقاء على الكتابة أو ليس لهُ ذلك؟
فعلى القول بنفوذ العتق فى الحال فلهُ أن يعجزه إذ فعلهُ يُؤدى إلى [عجز] (١) الباقين.
فإذا قُلنا بنفوذ العتق فى الحال هل يوضع الباقين منابة العتيق مِن الكتابة أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يُوضع عنهم شىء، وهو قولُ مالك فى "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّهم توضع عنهم حصتهُ، وهو ظاهر قوله فى "الكتاب" فى الأمة التي أحبلها السيَّد فى الكتابة فرضيت هى ومَن معها فى الكتابة
_________________
(١) فى أ: عتق.
[ ٥ / ٣٠٣ ]
بتسليمها إلى السيد حيث قال: يوضع عنهم جميع حقها مِن الكتابة، فإذا قال: يوضع عنهم جميع حقها من الكتابة، فإذا قال: يوضع عنهم مع رضاهم بالتسليم، وإخراجها مِن الكتابة بفعل السيِّد فبأن توضع عنهم جميعهم مع الإكراه أولى وأحق.
وسبب الخلاف: هل للسيِّد أن يُجبر عبده على الكتابة أم لا؟
فعلى القول بأنَّ لهُ الجبر فلهُ أن يعتق وتبقى جميع الكتابة على مَن بقى كماله أن يوصف ذلك القدر عليهم [ابتداءً] (١).
وعلى القول بنفى الجبر فتسقط عنهم.
وعلى القول بأن العتق موقوف على الأداء أو العجز فإذا أعتق بالأداء فهل يرجع على سيِّده بما أدى إن أدى عن نفسه، وهل يرجع عليهِ أصحابه إن هم أدوا عنهُ؟ قولان منصوصان فى المذهب قائمان مِن "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَهُ لا يرجع على السيد بشىء ولا يرجع عليهِ أصحابه وهو نص "المُدوّنة".
والثانى: أنَّهُ يرجع [هو] (٢) على سيده ويرجع عليه أصحابهُ إن أدوا عنه، وهذا القول قائم مِن "المُدوَّنة " مِنَ "كتاب العتق الثاني" مِن مسألة العبد المستأجر إذا أعتقه سيدهُ قبل تمام الإجارة ولم يشترط أن يكون لهُ جميع الإجارة، وأن المُستأجر لهُ مِن إسقاط حقِّه مِن بقية الإجارة. فقد تأوَّل بعض الشيوخ على "المُدوَّنة" أنَّ بقية الإجارة للعبد ويرجع بها على السيِّد إنْ كان قد قبض جميعها عند العقد إذ لا سبيل له إن مد الإجارة عن الحر، وهي مسألتنا بعينها.
_________________
(١) فى ب: استبراءً.
(٢) سقط من أ.
[ ٥ / ٣٠٤ ]
وسبب الخلاف: هل تغلب فيه شائبة الرق مِن حيثُ أنَّ العتق مُيسر ثُمَّ مِن جهة السيد حتى لا يلحقه ديْن حدث. أو تغلب فيه شائبة الرق مِن حيثُ أنَّهُ يستسعى بالرق على وجهٍ شرعى.
فإن أعتقهُ بإذنهم ورضاهم هل ينفذ فيه العتق أو يتوقف؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كُلها قائمة مِن "المُدوَّنة":
أحدها: أنَّ العتق نافذ جُملةً وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أن العتق موقوف وهو قول الغير فى المُدونة ولابن القاسم مثله من مسألة النصراني إذا أسلم حيثُ قال: يُباع عليهِ مكاتبتهما جميعًا لحقِّ الحمالة رضي أم كره.
والقول الثالث: التفصيل بين أن يتساويا فى القوة فيجوز أو يكون العتيق أفضلهم وفيه ترجى علتهم ثم لا تجوز ويوقف.
وسبب الخلاف: هل له أن يعجز نفسهُ أم لا؟ [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من جـ، هـ.
[ ٥ / ٣٠٥ ]
المسألة الرابعة عشرة
فى المكاتب إذا مات ومعه أولاد وأمهات أولاد فى كتابته.
ولا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يترك مالًا فيه وفاء بالكتابة.
والثانى: أن يترك مالًا لا وفاء فيه بالكتابة (١).
والثالث: أن يموت ولم يترك مالًا.
فإن ترك مالًا فيه وفاء بالكتابة فلا خلاف أن من معه فى الكتابة يعتقون فيه عاجلًا.
فإن ترك مالًا لا وفاء فيه بالكتابة فلا يخلو الأولاد مِن أن يكونوا صغارًا أو كبارًا:
فإن كانوا صغارًا عاجزين عن السعى فلا يخلو ذلك المال من وجهين:
إمَّا: أن يكون [فيه] (٢) ما يبلغهم السعى.
والثانى: أن يكون ذلك مما لا يبلغهم السعى (٣).
فإن كان فيه ما يبلغهم السعى، فإنه يُؤدى عنهم [على] (٤) النجوم حتى يبلغهم السعى.
فإن كانوا كبارًا، فهل يُدفع لهم المال ويسعون فيه؟ فلا يخلو الولد من
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) فى هـ: أن يكون دون ذلك.
(٤) فى أ: عن.
[ ٥ / ٣٠٦ ]
أن يكون مأمونًا أم لا:
فإن كان الولد مأمونا قائما بالمال مشتغلًا بالاشتغال به فلا خلاف فى المذهب أنه يدفع له خلافًا لقول ربيعة فى "الكتاب" حيث قال: [لا يدفع إلا للسيد] (١).
فإن كان الولد غير مأمون فالمذهب على ثلاثة أقوال كُلَّها قائمة منِ "المدوَّنة":
أحدها: أنَّه لا يدفع إلا للولد إن كان مأمونًا ولا يُدفع لأُم الولد وإن كانت معهُ، وهو قول مالك فى كتاب المكاتب من "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّهُ يدفع لأُم الولد خاصة إذا لم يستقل بهِ الولد إمَّا لكونهِ صغيرًا وإمَّا لكونهِ غير مأمون ولا يدفع لغيرها وهو ظاهر قوله فى "كتاب الجنايات".
والقول الثالث: أنَّهُ يدفع لكل مَن كان معه فى الكتابة ويسعى فيه، وإن كان أخًا أو أجنبيًا، وهو قول أشهب فى "الموَّازية".
وعلى القول بأنَّهُ لا يدفع لأحد إلا للولد.
فإن كان الولد غير مأمون أو لم يترك ولدًا معهُ فى الكتابة أصلًا كان للسيَّد أن يأخذ ذلك المال.
واختلف هل يُؤديه على النجوم أو يحسب ذلك [لهم] (٢) من أول الكتابة أو مِن آخرها؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّهُ يحسب ذلك لهم مِن آخر كتابتهم، وهو قول ابن القاسم
_________________
(١) فى هـ: لا يدفع السيد.
(٢) سقط من أ.
[ ٥ / ٣٠٧ ]
فى آخر كتاب الجنايات مِن "المُدونة".
والثانى: أنَّ ذلك يُحسب لهم من أولها، وهو قول مالك فى "كتاب محمد".
والثالث: أنَّهُ مقسوم [على النجوم] (١) ومفضوض على سائرها، وهو قولٌ قياس وإليه أشار بعض المتأخرين، لأنَّهُ لما مات حلَّ ما عليه من الدين فى خاصة نفسه، وحمالته توجب أن يُؤدى ما ترك عن ذلك [كله] (٢) وإنَّما فرق مالك بين الولد وغيره فى دفع المال إليه لأنَّه يشفق وإنَّما فرق مالك بين الولد وغيره فى دفع المال إليه لأنَّهُ يشفق عليه ويصونه ولا يُبذره كما كان الأب يفعل.
[وأما] (٣) الأجنبى فربَّما يَبذرهُ ويسرف فيه ولا تُدركه منهُ شفقة لكونهِ لم يعرف فيه ولا تعب فى اقتنائه فى غالب الأمر.
فإن مات ولم يترك مالًا فلا يخلو من معه فى الكتابة من أن يكونوا صغارًا أو كبارًا:
فإن كانوا صغارًا عاجزين عن السعى.
فإن كانت معهم أم ولد لأبيهم فإن قويت على السعى فإنَّها تسعى فى بقية الكتابة عنها وعنهم. فإن أدت رجعت عليهم بما أدت عنهم إن لم يكونوا أولادها [فإن كانوا أولادها] (٤) فلا ترجع عليهم بشىء ولها أن تستسعيهم فى الكتابة إذا أطاقوها.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من هـ.
[ ٥ / ٣٠٨ ]
فإن عجزت عن السعى فلا يخلو من أن يكون فى ثمنها إذا بيعت ما يفى ببقية الكتابة أو ليس فيه ما يفى:
فإن كان فى ثمنها ما يفى ببقية الكتابة فإنَّها تباع، وتؤدى الكتابة من ثمنها.
وكذلك الحكم إذا كانوا كبارًا عاجزين عن السعى فإنَّ لهم بيعها وإن كانت أمهم.
واختلف إذا كانوا جماعة أمهات أولاد وكان مع [كل] (١) واحدة منهن ولد، وكان مع واحدة خاصة أو كان معهنَّ الولد من غيرهن، وكان فى بيع بعضهن ما يفى بالكتابة، كيف يُباع منهن؟
على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الخيار فى ذلك للولد فيختار [بيع] (٢) من فيها نجاتهم، وهو قول ابن القاسم فى "المُدوَّنة".
والثانى: [أنه] (٣) لا تباع واحدة منهنَّ إلا بالقُرعة، وهو قول سحنون.
والقول الثالث: أنه يُباع منهنَّ بالحصص، كالمدبرين، وهو اختيار أبى الحسن اللخمى - ﵁ - (٤).
وكذلك الحكم فى السيَّد إذ لو كان حيًا.
فإن لم يكن فى ثمن أم الولد إذا بيعت ما يفى بالكتابة.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) فى أ: ويبيع.
(٣) فى أ: أنها.
(٤) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٥ / ٣٠٩ ]
فإن كان فى ثمنها ما يبلغهم السعى إن كانوا صغار فإنَّها تُباع ويأخذ السيد الثمن ويقبضه لنفسه على النجوم حتى يبلغوا السعى.
فإن لم يكن فى ثمنها ما يُبلغهم السعى فإنَّهم يرقون جميعًا للسيد.
واختلف إذا لم يكن معها ولد فى الكتابة مجال لا منها ولا من غيرها وكانت مع الأب أو الأخ هل تسعى معهُ أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنَّها لا تسعى إلا مع الولد خاصة، وهو قول ابن القاسم فى المُدَّونة.
والثانى: أنَّها تسعى مع [الأب] (١) والأخ، وهذا القول ذكره اللخمى ولم يُسم قائله.
وقد اختلف فى أم ولد المكاتب متى تكون أُم ولد [بعد اتفاقهم] (٢). على أنَّها لا تكون أُم ولد بما ولدت منه قبل الكتابة.
وعلى أنَّها تكون أُم ولد بما حملت به بعد أداء الكتابة.
وإنَّما اختلف فيما حملت به فى حين عقد الكتابة أو حملت [به] (٣). بعد الكتابة ثم وضعته بعد الأداء على قولين منصوصين: لعبد الملك فى كتاب العدة وطلاق السنَّة فى "المُدونة"، وكتاب "المأذون له فى التجارة".
وينبنى الخلاف على الخلاف فى أم الولد هل تكون أم ولد بنفس الحمل أو لا تكون أم ولد إلا بعد الوضع؟
_________________
(١) فى أ: الابن.
(٢) فى أ: باتفاقهم.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ٣١٠ ]
وهكذا الخلاف فيمن اشترى زوجته وهي حامل [منه] (١) هل تكون أُم ولد بذلك الحمل منهُ أم لا؟ على قولين قائمين من "المُدوَّنة".
والحمد لله وحده
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٥ / ٣١١ ]
المسألة الخامسة عشرة
في الكتابة في المرض، وفيها ثلاثة أسئلة:
الأول: إذا أقرَّ فى المرض بقبض الكتابة فى الصحة.
والثانى: إذا كاتبه فى المرض.
[والثالث: وقوعها فى المرض وإقراره فى المرض] (١) بقبض الكتابة.
فالجواب عن السؤال الأول: إذا أقرَّ فى المرض بقبض الكتابة في الصحة، فلا يخلو من أن يكون موروثًا بولد أو بكلالة:
فإن كان موروثًا بولد، فلا خلاف أعلمه فى المذهب فى نفى التُهمة، وخروج العبد من رأس المال، ويكون حُرًا من ساعته.
فإن كان موروثًا بكلالة، هل يخرج من الثلث أو يبطل رأسًا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَّهُ يخرج من الثلث، وهو قول ابن القاسم فى "كتاب المكاتب".
والثانى: أنه يبطل إقراره، وهو قوله فى كتاب الوصايا من "المدونة"، وهو قول الغير فى كتاب [الوصايا] (٢)، حيث قال: "ولا يكون فى الثلث إلا ما أُريد به الثلث".
وسبب الخلاف: هل إقراره كالإنشاء، فيُعدَّ كما لو أعتقه ساعتئذ أو هو كالإخبار عمَّا وقع فيتهم ثمَّ يبطل؟
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) فى أ: ابن حبيب.
[ ٥ / ٣١٢ ]
وعلى القول بأنَّهُ كالإنشاء، فيدخله الخلاف الذي أسلفناه فى "كتاب العتق الأول" فى المبتل فى المرض حرفًا حرفًا.
والجواب عن السؤال الثاني: إذا كاتبه فى المرض، ففى هذا السؤال فى الكتاب إشكال:
وقد قال فى أول الكتاب: "إذا كاتب عبدهُ فى المرض، فإن حمله الثُلُث جاز، وإن لم يحمله: خُير الورثة، إمَّا أجازوا وإمَّا عتقوا منه ثلث الميت بتلا".
ثم قال مالك [فى المريض] (١) [بيعه وشراؤه جائز] (٢) إلا أن يحابى، فيكون مُحاباة فى الثلث".
فانظر ما بين المسألة التي استدل بها والتي يستدلَّ عليها من المنافرة، لأنَّ التي استدل عليها شرط فيها [حملان] (٣) الثلث حابا أم لا والتي استدل بها، إنما اعتبر الثلث، مع وجود المحاباة خاصة، ولا فرق في التحقيق بين المسألتين، ولاسيما على القول بأن الكتابة بيع، إلا أن يتأول متأول أن نفس الكتابة محاباة للعبد من السيد، مثل: أن تكون الكتابة، مثل قيمة رقبته إلا أنَّ السيد [كان] (٤) قادرًا على أن [يُخرجهُ] (٥) بمثل ذلك، فتكون الكتاب مُحاباة، فلذلك اعتبر الثلث، وهو تأويل سائغ لائق [بالكتاب] (٦).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) فى أ: ما باع واشترى أن ذلك جائز.
(٣) فى أ: حالان.
(٤) سقط من أ.
(٥) فى هـ: يخارجه.
(٦) فى أ: بالكتابة.
[ ٥ / ٣١٣ ]
وإذا وقعت بلا مُحاباة، هل تمضى ويسعى العبد على النجوم أو يوَّقف المكاتب بنجومه إلى بعد الموت، فيُصرف إلى الثلث؟ ففى المذهب قولان منصوصان فى "المُدوَّنة".
وسبب الخلاف: هل الكتابة من ناحية العتق أو مِن ناحية البيع.
والجواب عن السؤال الثالث: إذا وقعت الكتابة فى المرض، [وأقر بقبضها فى المرض] (١).
فعلى القول بأنَّ ناحيتها ناحية البيع: فلا خلاف أنَّ العبد يكون حرًا من رأس المال.
وعلى القول بأنَّ ناحيتها ناحية العتق: فيتخرج على الخلاف فى المبتل فى المرض حرفًا حرفًا [بلا ريب ولا رجم غيب] (٢).
والحمد لله وحدهُ.
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) سقط من أ.
[ ٥ / ٣١٤ ]
المسألة السادسة عشرة
فى السيد إذا أوصى بكتابة مكاتبه، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يُوصى بها لأجنبى.
والثانى: أن يوصى بها لمكاتبه.
فإن أوصى بها لأجنبى، فلا يخلو أن يوصى بها كُلَّها أو يُوصى بنجم منها:
فالجواب عن الوجه الأول: إذا أوصى بها [كلها] (١) لأجنبى، فإنَّ وصيَّته [كلها] (٢) مصروفة إلى الثلث.
واختلف ما الذي [يجعل فى] (٣) الثلث؟ على ثلاثة أقوال كلَّها قائمة من "المُدوَّنة":
أحدها: أنَّهُ يجعل فى الثلث الأقل من قيمة الرقبة أو [قيمة] (٤) الكتابة، وهو قول أكثر الرواة فى [الكتاب] (٥).
والقول الثالث: أنَهُ يجعل فى الثُلُث قيمة الكتابة، مِن غير التفات إلى قيمة الرقبة، وهو ظاهر [قول ابن القاسم] (٦) فى "المدوَّنة" فى [وصية للمكاتب] (٧) بنجم معين.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من هـ.
(٣) فى هـ يصرف إلى.
(٤) فى أ: عدد.
(٥) فى أ: الكتابة.
(٦) فى أ: قوله.
(٧) فى أ: وصية للكتابة.
[ ٥ / ٣١٥ ]
وسبب الخلاف: هل النظر إلى الحال أو النظر إلى المآل؟
فمن اعتبر الحال قال: قيمة الكتابة، لأنَّها التي تملكها فى الحال، إذ له بيع الكتابة، ويقبض [الثمن] (١) نقدًا.
ومَنَ اعتبر المآل: رأى أن عدد الكتابة هو الموصى به فهو المجعول فى الثلث.
وأمَّا قوله أو قيمة الرقبة، إن كانت أقل.
أما على القول باعتبار عدد الكتابة فى الثلث، فيصح الأمران على [اعتبار] (٢) المآل، لأنَّ الذي يحصل للموصى به إذا حمل الثُلُث.
ووصية أحد أمرين: إمَّا الكتابة إن أداها العبد.
وإما رقبة العبد إن عجز فيصح اعتبار الأقل [بينهما] (٣).
وأمَّا اعتبار الأقل بين قيمة الكتابة وقيمة الرقبة:
فذلك استحسان على القول بمراعاة الحال، إذ لا مدخل لقيمة الرقبة هنالك.
والجواب عن الوجه الثاني من الوجه الأول: إذا أوصى له بنجم منها، فلا يخلو ذلك النجم من أن يكون معينًا أو مبهمًا:
فإن كان معينا، وحمله الثلث، كان له مطالبة المكاتب بذلك.
فإن عجز رق [له] (٤) من رقبة العبد مقدار ما يُقابل ذلك.
_________________
(١) فى هـ: القيمة.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) فى أ: وله.
[ ٥ / ٣١٦ ]
فإن قال له الورثة نعجل لك نجمًا، وأبى أن يقبله، وقال [لعل] (١) العبد يعجز، فيكون [لي] (٢) من رقبته مقدار ذلك.
فإن كان ذلك قبل حلول النجم، كان ذلك له.
وإن كان بعد حلوله، والعبد به ملى، كان ذلك للورثة.
فأمَّا إن كان نجمًا مُبهمًا، فإنَّهُ يكون شريكًا للورثة على حساب الأنجم.
فإن كانت خمسة، كان شريكًا بالخُمس فى الكتابة، إن أُدِّيت، وفى الرقبة إنْ عجز.
والجواب عن الوجه الثانى من أصل التقسيم: إذا أوصى بها لمكاتبه، فلا يخلو من أن يُوصى له بها كلها أو بنجم منها:
فإن أوصى [له] (٣) بها كُلها: كان ذلك وصية بعتقه بلا خلاف.
واختُلف ما الذي يجعل فى الثلث: على قولين:
أحدهما: أنَّه يجعل فيها قيمة الرقبة.
والثانى: قيمة الكتابة.
والقولان لابن القاسم فى "المدونة"، كما تقدم، فإن حمَّله الثلث عُتق، وإن لم يحملهُ الثلُث خُيِّر الورثة بين أن يجيزوا ذلك أو [يعتقوا] (٤) منه ما حمل الثلث بتلا.
ويوضع عنه من الكتابة مقدار ما يقابل الجُزء المعتق منه.
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) في أ: في.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: يعتق.
[ ٥ / ٣١٧ ]
[وأما إذا] (١) أوصى له بنجم بعينه، وقد حمله الثلث، فذلك جائز.
واختُلف ما الذي يجعل فى الثلث؟ على قولين قائمين من "المُدوّنة":
أحدهما: قيمة ذلك النجم، ولا ينظر إلى الرقبة، وهو ظاهر قول ابن القاسم فى "الكتاب".
والثانى: أن المجعول فى الثلث الأقل من [قيمة] (٢) ذلك النجم أو ما يُقابلهُ من الرقبة، وهو ظاهر قول ابن القاسم فى: الوصيَّة بالكتابة لأجنبى، وهذا مثله، وهو نص قول أشهب فى غير "المدونة".
فإن حمله الثلث نظر إلى قيمة ذلك النجم من جميع الكتابة.
فإن كان ربعها، عُتق منه الربع أو خمسًا عتق منه الخمس على هذا الحساب، ويسقط [عنه] (٣) ذلك النجم [من الكتابة] (٤)، ويسعى فيما بقى.
فإن لم يحمله الثلث: خُيِّر الورثة بين إجازة ذلك أو يعتقون من [المكاتب] (٥) ما حمل الثُلُث منه، ويوضع [عنه] (٦) من الكتابة بقدر ذلك.
واختلف هل يوضع عنه من كل نجم أو يجمع ذلك فى نجم واحد بعينه؟ على قولين قائمين من "المُدونة":
_________________
(١) في أ: فإذا.
(٢) سقط من أ.
(٣) فى أ: منه عدد.
(٤) سقط من هـ.
(٥) فى أ: الكتابة.
(٦) سقط من أ.
[ ٥ / ٣١٨ ]
أحدهما: أنه يوضع عنه من كل نجم قدر ما عتق، وهو نصّ قول ابن القاسم فى "المدوَّنة".
والثانى: أنَّهُ يُوضع عنه فى ذلك النجم بعينه، وهو قول أشهب فى غير "المدونة".
وينبنى الخلاف على الخلاف فى الموصى له بشىء بعينه، ولم يحمله الثلث، هل يقطع له بالثلث فى جميع التركة أو يقطع لهُ بها فى ذلك الشىء بعينه؟
والقولان لمالك فى كتاب الوصايا من "المدونة".
ولا فرق بين السؤالين، لأنَّ النجم معين [والشىء] (١) الموصى له بعينه معين.
فينبغى أن يكون الجوابان على سواء.
[والحمد لله وحده] (٢)
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٥ / ٣١٩ ]
المسألة السابعة عشرة
فى موت أحد المكاتبين:
وإذا مات أحد المكاتبين، وقد كوتبوا كتابة واحدة، فلا يخلو من وجهين:
إمَّا أن يترك مالًا.
أو لم يترك شيئًا.
[فإن لم يترك شيئًا] (١) فالذي بقى فى الكتابة يسعى، فإن أدى عتق، وإن عجز [رق] (٢) ولا إشكال في هذا الوجه.
فإن مات وترك مالًا، فلا يخلو من أن يكون فيه وفاء وفضل أو دون الوفاء:
فإن ترك دون الوفاء: فإنَّهُ يُحسب لهم إما فى أول النجوم.
وإمَّا فى آخر الكتابة على الخلاف الذي قدَّمناهُ:
فإن كان فيه وفاء وفضل: فالكتابة حالَّة، وللسيِّد تعجيلها اتفاقًا لأن الكتابة التي هى على الميت، بعضها بالأصالة، وبعضها بالحمالة: وجميع ذلك يحل بموتهِ.
فإذا عجلت الكتابة من مال [الميت] (٣) عتق فيه كل من كان معهُ فى الكتابة، ويكون للسيِّد الرُجوع على كُلِّ مَن كان يرجع عليه المكاتب، لو
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ٣٢٠ ]
عاش وأدى عنه، لأنَّ السيِّد يقوم مقامه، إذ لولا هم لأخذ السيِّد جميع ما خلَّفهُ المُكاتب، لأنَّهُ مات رقيقًا.
واختلف المذهب فيمن كان يرجع عليه المكاتب لو أدَّى عنه: على أربعة أقوال:
أحدها: أنَّهُ لا يرجع على ذوى الأرحام كُلّهم، كان ممن يرث أو [ممن] (١) لا يرث، كالخالة والعمَّة وبنت الأخ، وهو قول أشهب.
والثانى: أنَّهُ لا يرجع على مَنْ يرث بالنسب، ويرجع على مَنْ عداه من ذوى الأرحام، وهي رواية ابن القاسم عن مالك.
والثالث: أنه لا يرجع على الأبوة والأخوة خاصة ويرجع على من عداهم وهو قول ابن القاسم فى المدونة] (٢).
والرابع: أنَّهُ لا يرجع على الأُبوَّة والبنوة خاصة، ويرجع على من سواهم، وهو ظاهر قول أشهب فيمن يدخل [مع] (٣) المُكاتب فى الكتابة إذا اشتراهُ.
وينبنى الخلاف على الخلاف: فيمن يعتق على الحُر بالمِلك [إذا ملكه] (٤)، هل يرجع عليهم على النجوم أو على الحلول؟ قولان:
وإن ترك فضلًا عن وفاء الكتابة، فلا يخلو من معهُ فى الكتابة من أن يكون قريبًا أو أجنبيًا:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) فى أ: على.
(٤) سقط من أ.
[ ٥ / ٣٢١ ]
فإن كان أجنبيًا، فالمال للسيد اتفاقًا.
وإن كان قريبًا، فلا يخلو مِن أن يكون قريبًا بسبب أو قريبًا بنسب:
فإن كان قريبًا بسبب، كالزوجية، هل يرث الحى منهم الميت أم لا؟
فالمذهب على قولين منصوصين عن مالك ﵀:
أحدهما: أنَّهُ لا يرث الحى الميت منهما، وهو نصُّ قوله فى "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّهما يتوارثان، وهو قوله فى "كتاب ابن الموَّاز".
ولا خلاف فى المذهب فيما أعلمه أنَّهُ لا يرجع عليها إذا أدَّى عنها الكتابة، كما لو فداها من [أيدى] (١) العدو.
واختلف إذا أدت عنه، هل ترجع عليه؟ على قولين:
أحدهما: أنَّها لا ترجع عليه، وهو قول ابن الماجشون.
والثانى: أنَّها ترجع عليه لعدم العلَّة التي هى أصل فى الباب.
فإن كان قريبًا بنسب، وما ذلك النسب الذي يستحق به ميراث المكاتب؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يرثه كُل من يرث الحُر من العم وغيره من نساء أو رجال، وهو قول ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم.
والثانى: أنَّهُ لا يرثُهُ إلا من يعتق على الحُر بالملك إذا ملكه، وهو الذي لا يرجع عليه إذا أدى عنه، وهو مذهب "المُدونة"، وهو قول عبد الملك وابن القاسم، قاله مرة فى "كتاب محمد".
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٥ / ٣٢٢ ]
والثالث: أنَهُ لا يرث إلا الأُبوة والبنوة خاصة، وهو ظاهر قول أشهب: فيمن يدخل مع المُكاتب إذا اشتراه.
وسبب الخلاف: مخالفة هذه المسألة الأصول، ولا خلاف أنَّهُ لا يرثه من كان خارج الكتابة من أقاربه، وإن كان أقرب الأقرباء كالأب والابن، وهذا [حكم] (١) بين حكمين.
وهي من المسائل التي انفرد بها مالك ﵀ دون سائر العلماء، ومعتمده فى ذلك أمران:
أحدهما: قضية عمر - ﵁ -، وذلك أنَّ مُكاتبًا تُوفي وترك مالًا كثيرًا وعليه بقية من كتابته، فجاء أولاده إلى عمر، فقالوا: نؤدى دينه ونأخذ ما بقى، فقال لهم عمر بن الخطاب - ﵁ -: أرأيت لو مات أبوكم، ولم يترك وفاء، أكنتم تسعون فى أدائه؟، فقالوا: لا، فقال عمر: فلا إذا.
ووجه الدليل من الحديث أنَّ عمر منعهم الميراث لكونهم خارج الكتابة، وأنَّهم لا يتساوون مع أبيهم فى الحُكم، فوجب أن يكون ميراثهُ لمن ساواه فى الحُكم.
والعمدة الثانية: مراعاة الشبهة، وهي عبارة عن تشاكل الأمرين، وتشابه الشيئين، وليس القطع إلى أحدهما بأولى من الآخر، فوجب أن يكون الحكم مقتضى شائبة الشبهة، وذلك الحُكم منافر لكلا الشقين، مثل: ما رُوى أنَّ رسول الله - ﷺ - حكم به فى ولد وليدة [ابن] (٢) زمعة، وذلك أنَّ سعد بن أبي وقاص تداعى هو وعبد الله بن زمعة فى الولد الذي ولدتهُ وليدة زمعة، فقال سعد: "يا رسول الله، هذا ابن أخي أمرنى أن
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٥ / ٣٢٣ ]
أستلحقه إلى نسبه عند الوضع"، على حسب ما كانوا عليه فى الجاهلية، وفي أول الإسلام من اللاطة، وقال ابن زمعة: "هذا أخي وابن أبي، ولد على فراش أبى"، فقال رسول الله - ﷺ - "الولد للفراش، وللعاهر الحجر" يعني الزانى، فألحقهُ بابن زمعة، ثم قال لزوجته: "احتجبى منه يا سودة"، لما رأى من شبه الولد بعتبه، فلم يرها حتى مات.
فوجه الدليل من الحديث أنَّ رسول الله - ﷺ - حكم بالشُبهة، وأناط بها حُكمًا منافرًا لشقِّ الدَّعوى، وهو أمره - ﷺ -[لسودة بالاحتجاب مع إلحاقه الولد بفراش أبيها وذلك الولد أخ لها من أبيها وكون النبي - ﷺ - أمر سودة] (١) بقطع ما أمر الله به أن يُوصل من الأرحام لما تخايل له من الشبهة بين الولد وعتبة من أدل الدلائل على ما رمناه من تصحيح مذهب مالك ﵀ فى ميراث المكاتب.
وتقرير الشبهة: أنَّ الولد تجاذبهُ فراشان:
أحدهما: صحيح.
والآخر: فاسد.
غير أنَّ كل واحد منهما لو انفرد للحق الولد بصاحبه إبانا لوجود المقتضى لولد، فلما [اجتمعوا] (٢) غلب حُكم الفراش الصحيح على الفاسد، لأنَّهُ المؤثر فى لحوق الأنساب عمومًا وخصوصًا وللفراش الفاسد تأثير الشبهة فيه في الخصوص لا في العموم. فالذي يقتضيه الدليل المعروف والعمل المألوف أنَّ للولد [إن] (٣) لحق بالفراش الفاسد، أن يكون
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) فى أ: اجتمع.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ٣٢٤ ]
الاحتجاب، [واجب] (١) على سودة كوجوبه على سائر أمهات المؤمنين، وإن لحق بفراش أبيها زمعة: وجب أن يرتفع الحجاب وتُفَّتح الأبواب لثبوت النسب والانتساب، ولا واسطة بين القسمين، ولكن رسول الله - ﷺ - حكم وقضى، وبيَّن أنَّ هناك وجهًا لا يهمل ومعنى لا يغفل، وهو [حاجز] (٢) بين القسمين، وحائل بين الوجهين، وميراث المكاتب من هذا القبيل:
إمَّا أن يحكم بأنَّهُ مات على الرِّق، فيكون ما ترك لسيده بالرق.
أو يحكم بأنَّهُ مات حرًا، فيرثه ورثته، مَن كان منهم فى الكتابة، ومَنْ كان [منهم] (٣) خارجا عنها وكونه يرثهُ مَنْ كان معه فى الكتابة من ورثته دون غيرهم غير معقول، لكن الشرع لاحظ فيه شائبة الحريَّة، وشائبة الرق، [فرتب] (٤) على كل شائبة مقتضاها.
تمَّ الكتاب والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله
_________________
(١) في أ: وأوجب.
(٢) في أ: جائز.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: فركب.
[ ٥ / ٣٢٥ ]
كتاب أمهات الأولاد
[ ٥ / ٣٢٧ ]