بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[وصلى الله على محمَّد] (١).
تحصيل مشكلات هذا الكتاب [وهي] (٢) ست عشر مسألة:
المسألة الأولى في اجتماع نكاح وبيع
اختلف أرباب المذهب في النكاح والبيع، هل يجوز اجتماعهما في العقد أم لا؟ مثل أن يزوج الرجل المرأة بمائة دينار على أن أعطته عبدًا أو دينارًا أو تزوجها بعبد أو دار على أن أعطته دنانير أو دراهم.
ولا شك ولا خفاء أن الذي أصدقها الزوج وسماه بعضه ثمن البضع، وبعضه عوض عما أعطته الزوجة، والقدر الذي [هو] (٣) عوض للبضع مجهول في الحال.
واختلف المذهب عندنا في جواز العقد ابتداء، على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أن العقد الواقع على هذا [الوجه] (٤) صحيح، لا وهم فيه، وهو قول أشهب، وهو ظاهر قول ابن القاسم في مسألة الموضحتين في كتاب الصلح من "المدونة"، لأنه قال هناك: إن النقص المصالح به ينقسم
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من ع، هـ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ، جـ: النعت.
[ ٣ / ٤١٧ ]
بين الموضحتين على نصفين، فساوى فيه بين المعلوم الذي هو دية الخطأ، والمجهول الذي يعود به العمد، فكذلك ينبغي أن يكون الحكم عنده في النكاح والبيع.
فينقسم الذي سماه الزوج على البضع والعبد الذي أعطته المرأة، على نصفين.
فما ناب السلعة فمعلوم؛ لأن قيمتها معلومة، وهي كجناية الخطأ.
وقيمة البضع مجهولة، وهي كجناية العمد.
فهذا الذي قلناه لازم لابن القاسم.
فإن جعلناه من باب جمع السلعتين في البيع جاز أيضًا، إذ لا خلاف أعلمه في المذهب نصًا أنه يجوز الجمع بين السلعتين في البيع إذا كانا لملك واحد، اتفقت قيمتهما أو اختلفت، إلا متأولا وذلك أن المرأة جمعت بين بضعها [وعبدها] (١) في صفقة واحدة، فباعت الجميع بمائة دينار.
والقول الثاني: أن العقد لا يجوز، فإن وقع ونزل هل يفيته العقد أو لا يفيته إلا بالدخول؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه يمضي بالعقد، وإنما منع ابتداء حماية، وهو أحد قولي مالك في وجه الشغار وصريحه، وما كان صداقه فاسدا في لزوم الطلاق وثبوت الميراث، وهو نص قول مالك في "ثمانية أبي زيد".
والثاني: أنه يفوت بالدخول أو يكون لها صداق المثل، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٤١٨ ]
والثالث: أنه يوقف حتى ننظر، فإن بقي بعد قيمة السلعة ربُع دينار: فالنكاح جائز، وهو قول عبد الملك في "كتاب محمَّد"، ومثله للغير في "المدونة" في "كتاب النكاح الثاني" من "المدونة"، والزيادة المعتبرة عند الغير إنما هي يوم الصفقة، كذا فسرها ابن حبيب عن مطرف.
واختلف أئمتنا -رحمة الله- عليهم في العلة التي لأجلها منع [اجتماع] (١) النكاح والبيع في صفقة واحدة:
فمنهم من يقول: العلة في ذلك تنافر العقدين وتضادهما؛ لأن البيع مبني على المكايسة والمشاححة، والنكاح مبني على المكارمة والمسامحة.
وكل عقدين متضادين وضعا: لا يجوز أن يجتمعا شرعا، فعلى هذا يفسخ من غير اعتبار بالتسمية أن يكون سما لكل عقد منهما عوضا أم لا، خلاف ما ذهب إليه جماعة من مشايخ المذهب: في أنه إذا سمى حين العقد أو لم يسم ووقع الاختيار قبل الدخول، وعلم أنه أبقى للبضع ما تستحل به السلعة: أنه جائز على كل الأقوال.
ومنهم من قال: العلة في ذلك [عرو] (٢) البضع [عن] (٣) الصداق، وإن استغرقت السلعة جميع ما سمي الزوج من الثمن أو يجهل ما وقع للبضع منه، على قول من يقول بالوقف.
وقد أجرى الشيوخ العمل في المسألة على قول الغير على الاختلاف في عمل مسألة الموضحة.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ع، هـ: خلو.
(٣) في ع، هـ: من.
[ ٣ / ٤١٩ ]
وقول الغير: في هذه المسألة [يضاهي] (١) قول المخزومي في "مسألة الموضحتين"، وذلك أنه جعل العوض كله للمجهول إلا ما نقص [منه] (٢) المعقود، وهكذا يظهر مراد الغير في مقتضى قوله في مسألة النكاح والبيع إذا تدبرته. والحمد لله وحده [وصلى الله على محمَّد وآله] (٣).
_________________
(١) في هـ: أيضًا هو.
(٢) سقط من أ.
(٣) زيادة من ب.
[ ٣ / ٤٢٠ ]
المسألة الثانية في النكاح بصداق فيه غرر
مثل أن يتزوجها على عبد آبق، أو بعير شارد، أو جنين في بطن أمه، أو على ثمرة لم يبد صلاحها، أو على خمر أو خنزير، أو دار فلان، أو بمال على غائب، أو بصداق إلى أجل مجهول:
فلا خلاف عندنا في المذهب أنه لا يجوز الإقدام على هذا ابتداء، فإن وقع ونزل ما الحكم فيه؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه يمضي بالعقد من غير اعتبار الدخول، ولا يدخل حتى يفرض لها صداق مثلها، فإن دخل بها: كان لها صداق مثلها، وإن طلق قبل البناء: فلا شيء عليه من الصداق كالتفريض، وهذا أحد الأقاويل، وهو ظاهر قوله في "المدونة" في "كتاب النكاح [الأول] (١) "، وقد بيناه كل البيان في "مسألة الشغار".
والثاني: أنه يفسخ قبل البناء ويثبت بعده، ويكون لها صداق المثل، وهو نص قوله في "المدونة".
الثالث: أنه يفسخ قبل البناء وبعده، وهو قول مالك في "كتاب محمد" وغيره، وهو أحد قوليه أيضًا في "المدونة" فيما كان فساده في صداقه.
على هذه الأقوال كلها فإن المرأة ترد ما قبضت مما سمى لها من الغرر والمجهول إن قبضته.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٢١ ]
فما كان قائمًا بعينه لم يفت فإنها ترد عينه.
وما كان فائتا فإن كان فواته من سببها: فإنها ترد المثل فيما له مثل وترد قيمة ما ليس له مثل، والقيمة في ذلك يوم القبض.
فإن كان الفوات من غير سببها، كذهاب العين أو الفوات بحوالة الأسواق فقيل: يكون الضمان منها أو من الزوج؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن الضمان منها، وهو نص الكتاب.
والثاني: أن الضمان منه، ولا شيء [له] (١) عليها وهو قول ابن حبيب، كما لو طلقها قبل البناء والصداق غرر [على] (٢) أن الطلاق يلزم على مشهور المذهب.
واختلف المذهب في النكاح الصحيح، متى تستحق فيه المرأة الصداق؟، على ما سنعقد فيه مسألة مفردة إن شاء الله تعالى بعد هذا، فكيف في النكاح الفاسد؟
وقوله في "الكتاب": إلا أن يقبض الجنين بعدما ولد، ثم قال: ويحول في يدها باختلاف الأسواق أو نماء أو نقصان، يفيد أن بيع التفرقة، يفيته حوالة الأسواق، وقد نبه عليه بعض المتأخرين، والذي قاله صحيح ظاهر.
وأما الثمرة التي لم يبد صلاحها، فلا تخلو من وجهين:
أحدهما: [أن يعقدا] (٣) في ذلك على الجد.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ، جـ: أن العقد.
[ ٣ / ٤٢٢ ]
والثاني: أن يعقدا فيه على البقاء، فإن عقدا فيها على الجذ، مثل أن يتزوجها على ثمرة لم يبد صلاحها على الجذ، فإن جذتها في الحال: فالنكاح جائز والصداق صحيح.
وإن تأخرت عن الجذاذ حتى طابت الثمرة، لم يفسخ النكاح وإن لم يدخل؛ لأن العقد وقع على نعت الجواز، إذ لا يتهمان أن يكونا عملا على ذلك، ويفسخ النكاح وترد [الثمرة] (١) للزوج، ما عرفت مكيلته ردت فيه، وما جهلت فيه المكيلة ردت قيمته يوم قبضه، ولها على الزوج قيمة ذلك البلح مجذوذًا قيمته يوم النكاح.
وهكذا نقل أبو محمَّد بن أبي زيد في "النوادر" ولم يذكر قائله.
فإن عقد فيها على البقاء، فهاهنا يكون النكاح فاسدًا على الخلاف الذي قدمناه.
ثم لا تخلو الثمرة من أن تكون مقبوضة أو غير مقبوضة:
فإن [قبضته] المرأة، فإنها تردها على الزوج إن كانت قائمة بعينها.
فإن فاتت، فإنها ترد المكيلة، إن عرفت، أو القيمة إن جهلت المكيلة.
فإن جذتها [في الحال] (٢) رطبا: فإنها ترد القيمة ويقبل قولها فيما أقرت به من المكيلة.
فإن لم تقبضها الزوجة حتى تلفت على الشجر، فلا ضمان عليها، والضمان في ذلك على الزوج، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب"، حيث قال: وهذا في غير الثمرة التي لم يبد صلاحها على الرواية الصحيحة، وفي بعض روايات "المدونة" قال سحنون: وهذا في غير
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٢٣ ]
الثمرة التي لم يبد صلاحها.
والفرق بين الثمرة وغيرها: أن الثمرة في أصول البائع، فلا يتهيأ فيها للمشتري قبض.
وإذا لم يتهيأ له ذلك حتى فاتت لم يتعلق به ضمان، بخلاف ما جذت منها وحصل في ضمانها.
وقوله: وعليها ما جذت من الثمرة وما حصدت من [الحب] (١) فألزمها رد المكيلة فيما بيع جزافًا بيعًا فاسدًا، ولم يجعل حوالة الأسواق فيه فوتًا.
وذهب بعض الشيوخ إلى أن ذلك خلاف لما في "كتاب ابن الموَّاز" في أن المكيل والموزون إذا بيعا جزافًا بيعًا فاسدًا: أن حكمه حكم العروض، وذكروا أن قوله اختلف هناك، والذي قاله في "المدونة"، [وهو] (٢) أحد قوليه، وهذا كله غرر.
وأما إذا كان بعضه غرر وبعضه صحيح، مثل أن يتزوجها بدراهم وبثمره لم يبد صلاحها أو بمال بعضه نقدا وبعضه [مؤجل] (٣) إلى أجل مجهول: إن رضيت المرأة بإسقاط الغرر وأخذ الصحيح منه: لم يفسخ قبل البناء إذا كان في الصحيح [منه] (٤) رُبع دينار فصاعدًا [وإن لم ترض بذلك فسخ ما لم يبن بها وكذلك أن رضيت بإسقاط المؤجل وكان في المعجل ربع دينار فصاعدًا أو رضي الزوج بتعجيل المؤجل أو تراضيا جميعًا على] (٥).
_________________
(١) في ع، هـ: المكيلة.
(٢) في ع، هـ: فهذا.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٢٤ ]
أن جعلا بدلا مما يسمى من الغرر شيئًا معلومًا صحيحًا، تم النكاح.
ولو لم يكن مع الغرر شيء وتراضيا بإسقاطه على أن يجعلا بدله صداقًا صحيحًا قبل البناء، فلا يجوز ذلك ولابد من فسخه على القول بأنه لا يفوت بالعقد.
وأما على القول بأنه يفوت بالعقد فلا إشكال في صحته وجوازه [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من ع، هـ.
[ ٣ / ٤٢٥ ]
المسألة الثالثة في الصداق إذا [استحق] (١) أو وجد به عيبا
[فإذا] (٢) تزوجها على صداق ثم وجدت به عيبا، مثل: أن يتزوجها على قلال خل، [فوجدتها] (٣) خمرًا أو على عبد فاستحق أو وجدت به عيبا:
فإذا تزوجها على قلال خل، [فوجدتها] (٤) خمرًا أو على عبد فاستحق بحرية، فلا يخلو من أن يعثر على ذلك قبل البناء أو بعده:
فإن عثر على ذلك قبل البناء، هل يصح النكاح أو يكون فاسدًا؟
قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أن النكاح صحيح، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن النكاح فاسد، وهو قول سحنون في العبد والخمر، وقول محمَّد بن عبد الحكم في الخمر، وهو ظاهر "المدونة" في غير ما موضع إذا تزوجها على صداق فاسد من غير اعتبار بالعقد.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الأمر إذا وقع موقع السداد، ثم [انكشف] (٥) على الفساد، أو وقع موقع الفساد، ثم انكشف عن السداد،
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) في أ، جـ: أو.
(٣) في ع، هـ: فأصابتها.
(٤) في ع، هـ: فأصابتها.
(٥) في أ: تكشف.
[ ٣ / ٤٢٦ ]
هل يستصحب معه حالة الابتداء أو تستصحب معه حالة الانتهاء؟
ومثل الأول ما ذكرناه في أصل المسألة.
ومثل الثاني إذا وقع موقع الفساد ثم انكشف عن السداد، مثل أن يتزوجها على قلال خمر فوجدتها خلا أو تزوجها على أنها في عدة ثم تبين أنها في غير عدة أو تزوج امرأة رجل غائب على أنها باقية في عصمته، ثم تبين أنه مات قبل ذلك وانقضت العدة، وأمثلة ذلك كثيرة.
فعلى القول بأن النكاح جائز إذا كان قبل البناء، وعثر على ذلك بعد البناء على القولين هل ترجع على الزوج بالمثل في الخل أو بقيمة؟ المذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنها ترجع عليه بالمثل، لأن ذلك مما يتوصل إلى معرفة مقداره بملء القلال بعد تطهيرها إن تطهرت أو معرفة قدر ما تحمل من الماء ثم تطهر به، ثم يكال ذلك الماء، ويدفع لها الزوج من الخل قدره، وهو ظاهر "المدونة"، حيث قال: إنها ترجع [بالمثل] (١) فيما يوجد مثله.
والثاني: أنها ترجع عليه بقيمة الخل لا بالمثل، لأنها على الجزاف دخلت لا على الكيل، لأن الكيل إنما يكون بالقسط، والمكايل التي جعلها الوالي للناس في الأسواق لا بالقلال والجرار، وهو قول سحنون، وهو تأويل بعض المتأخرين على "المدونة"، وحملوا قوله في "الكتاب": وتأخذ مثله [إذا كان يوجد مثله] (٢) أو قيمته إن كان لا يوجد مثله على التفصيل والتقسيم، أي: إن كان على الكيل فمثله أو على الجزاف فقيمته.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٢٧ ]
وقال بعضهم: إن كان اشترط الكيل، فلابد من المثل وإن كان لم يشترطه: فهو من باب الجزاف لكونه يتوصل إلى معرفة حقيقته، فلا معنى للقيمة.
وقال آخرون: بل الصواب القيمة إذا وقع العقد على ما لا يصلح العقد فيه، إلا أن يقال: إن مثل ذلك لا يراد لعينه، حتى لو استحق لزم البائع أن يأتي بمثله كالدنانير.
والخلاف في هذه المسألة ينبني على الخلاف في المكيل والموزون، هل يراد لعينه كالعروض أو يراد لغرضه [كالدنانير والدراهم؟
فمن رأى أن المكيل والموزون مراد لعينه، فيقول في ذلك بالقيمة، لأن الأغراض تتعلق بالأعيان لخصائص الصفات.
ومن رأى أنه مراد لغرضه] (١)، قال في ذلك بالمثل، لأن مثل الشيء يقوم مقامه ويَسُدُّ مَسَدَّه.
والقولان في المذهب منصوصان قائمان من "المدونة"، وقد قال في "كتاب الوديعة" فيمن أودعت عنده فاستسلفها ثم ادعى الرد والتلف، فإن كان التلف بعدما ردها، فقال: إن كانت الوديعة دنانير أو دراهم أو مكيل أو موزون فالقول قوله، وإن كانت من غير المكيل والموزون فلا يقبل قوله في دعوى الرد.
وذلك جنوح منه إلى أن المكيل والموزون مراد لغرضه لا لعينه.
فافهم هذا فإنه أصل يبنى عليه كثير من مسائل "المدونة"، مثل اختلافهم
_________________
(١) سقط من ب.
[ ٣ / ٤٢٨ ]
في النقود، هل تتعين [لذي] (١) العقود أم لا؟، والعروض هل يقضي بها بالمنكر في الاستهلاك أم لا؟، وغير ذلك مما لا يُحصى كثرة.
وقد اعترض بعض حُذَّاق المتأخرين على هذا السؤال باعتراض لازم يتعذَّر الانفصال عنه كما يجب، أعني: سؤال الخل أو وجد خمرا، وقال: فانظر النكاح على هذه القلال، وقد قال بأعيانها.
فإن كانت حاضرة، فكيف لم يوقف عليها حتى يعلم هل خمرًا أو خلًا، والصفة مع حضورها في المجلس لا تصح على رأى محمَّد في جواز بيع الثوب المطوي في جرابه.
وإن كانت غائبة عن المجلس، حاضرة في البلد، وقدر إياها قبل ذلك، على الخلاف المشهور في جواز البيع على هذا النعت أيضًا، أو كانت غائبة عن البلد، فاشتريت على صفة أو رؤيت متقدمة.
فالمسألة على هذين الوجهين ممنوعة أيضًا، إذ لا يرجع الخل خمرًا أبدًا، فالاعتراض واقع جدًا، غير أن المعترض به انفصل عنه بانفصال لا يرفع شغب الاعتراض قال: يحتمل أن تكون القلال حاضرة بأعيانها ورأياها وظناها خلا مما يشتبه عليهما في أعلاها من الغبار الذي يعلوه أو شبه عليهما بالرائحة التي فاحت منها عند فتحها ثم استبان بعد ذلك أنها خمرًا.
أو تكون جماعة قلال اطلع على بعضها وهو خل، فحمل بقيتها على ذلك، فإذا هي لم تخلل أو كانت [مغطاة] (٢) أو مغلقة بما يعسر حله، ويخشى فسادها بحلها، فاستغنى بما اطلع عليه من غيره واستدل به على بقيتها، وهذا إذا وجد الصداق على صفة لا يجوز الرضا بها، كالخل يوجد
_________________
(١) في أ: إذا.
(٢) في ع، هـ: غير معقصة.
[ ٣ / ٤٢٩ ]
خمرًا أو عبدًا استحق لحرية، على ما قدمناه.
وأما إذا وجدت به عيبا مما يجوز لها الرضا به أو لوليها إن كانت محجورًا عليها، فهل يرجع [بالقيمة] (١) أو بصداق المثل إذا اختارت الرد أم لا؟ فالمذهب على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: ترجع بقيمة ما ردت من يدها، وهو نص "المدونة" في "كتاب النكاح"، وفي "كتاب الاستحقاق".
والثاني: أنها ترجع على الزوج بصداق المثل، قياسا على البيع؛ لأن من باع عرضا بعرض، فاستحق أحدهما أو وجد به عيبا: فإنه في العرض الذي خرج من يده إن كان قائمًا، أو بقيمته إن كان فائتًا، فكذلك النكاح، وقد قال مالك في هذا "الكتاب": أشبه شيء بالبيوع النكاح.
والثالث: أنها ترجع على الزوج بمثل ما استحق من يدها إن كان عبدًا ترجع عليه بمثله، وهو قول ابن كنانة في "كتاب المدنيين"، وهذا على أحد الأقوال: أن العروض يقضي فيها بالمثل، وهذا القول قائم من "المدونة" و"كتاب التجارة إلى أرض الحرب"، وفي غير ما موضع منها: أن من استهلك لرجل جلدًا: أن عليه شراء جلده أي مثله، والجلدة: عرض من العروض.
ويؤخذ أيضًا من كتاب "تضمين الصُنَّاع" من قول [الغير] (٢) في الغزل: إن على الحائل مثله، خلافًا لقول ابن القاسم الذي قال فيه: عليه القيمة كما لو استهلك ثوبا.
_________________
(١) في أ، جـ: على القيمة.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٣٠ ]
والقول الرابع: التفصيل بين أن يكون ذلك قبل البناء أو بعده، فإن كان قبل البناء فسخ النكاح، وكانت هي أحق بسلعتها.
وإن كان بعد البناء فلها صداق المثل قياسا على البيع أيضًا، وهذا القول مخرج غير منصوص فيما رأيته.
فوجه القول الأول: أنها ترجع بقيمة ما خرج من يدها [لأن العرض الذي رضيت به بدلا عن بعضها فإذا خرج من يدها] (١) باستحقاق أو رد بعيب، فقيمته تقوم مقامه؛ لأن الرجوع إلى قيمة ما استحق من يدها أقرب من الرجوع إلى صداق مثلها؛ لأن القيمة معلومة وصداق المثل مجهول.
ووجه القول الثاني: أنها ترجع بصداق المثل، لاحتمال أن يكون رضاها بذلك العبد مثلًا عوضًا عن صداقها لغرض لها في عينه، فإذا استحق من يدها أو ردته بعيب فقد فات لها مقصودها، ولم يحصل لها غرضها، فوجب لها أن ترجع إلى قيمة سلعتها الذي هو صداق المثل بالغا ما بلغ.
وقد تكون قيمة العبد الذي رضيت به أقل من صداق المثل، لكنها اغتفرت في ذلك لغرضها في عين العبد.
وعلى هذا الأصل أسس مالك -﵀- قاعدة المذهب في البيوع.
ووجه القول الثالث: أنها ترجع بمثل ما استحق من يدها، وذلك منه بناء على أحد أمرين:
إما أنه [بني] (٢) على أحد قولي المذهب أن العروض مرارة لأغراضها، وهو قول ضعيف في المذهب.
وإما على أن النكاح يسامح فيه ما لا يسامح في البيع، ألا ترى أنه
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٣١ ]
جوزه على عبد غير موصوف، وعلى شوار بيت: وذلك لا يجوز في البيع باتفاق، وهذا الوجه أشبه [من الأول] (١).
ووجه القول الرابع: أنه إذا كان قبل البناء فسخ النكاح؛ لأن العوض الذي عليه عاوضت، لم يحصل لها على مرادها وسلعتها بيدها إلى الآن لم تفت، فكانت أحق بها كالبيع، وهذا قول قياسي. وربك أعلم [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من ع، هـ.
[ ٣ / ٤٣٢ ]
المسألة الرابعة في الحطيطة من الصداق على شروط اشترطتها المرأة على الزوج
مثل أن يتزوجها على صداق مسمى، فوضعت منه على ألا يتزوج عليها أو على ألا يخرج بها من بلدها وغير ذلك مما كان مباحًا للزوج أن يفعله.
ولا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن تكون الحطيطة والشرط في عقد النكاح.
والثاني: أن يكونا بعد العقد.
فإن كان ذلك في عقد النكاح، فرضيت بمائة على ألا يتزوج عليها ولا يتسرى عليها، ففعل شيئًا مما شرطت عليه ألا يفعله، هل ترجع عليه بما وضعت أو لا ترجع؟ فلا تخلو الوضيعة من أن تكون مما ناف على صداق المثل أو من صداق المثل.
فإن كانت الوضيعة مما ناف على صداق المثل، فاتفاق المذهب على أنها لا ترجع عليه بشيء.
وإن كانت الوضيعة من صداق المثل، فقولان منصوصان في "المدونة":
أحدهما: أنها لا ترجع عليه بشيء، وهو قول ابن الموَّاز.
والثاني: أنها ترجع عليه بما وضعت، وهو قول علي بن زياد، وفي بعض نسخ "المدونة": أن ذلك قول علي نفسه، وفي بعضها: أنها رواية عن
[ ٣ / ٤٣٣ ]
مالك، وقد ذكر سحنون آخر [الكتاب] (١) أنها رواية ابن نافع عن مالك.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الشروط في النكاح بمثل ذلك، هل يجب الوفاء بها أو يستحب؟
فمن رأى أنه يجب الوفاء بها قال: لها الرجوع على الزوج بما وضعت، وإلى أن الوفاء بها واجب ذهب ابن شهاب وغيره.
ومن رأى أن الوفاء بها مستحب ليس بواجب قال: لا ترجع على الزوج بشيء؛ لأن الصداق ما وقع به النكاح.
فإن كان الشرط والوضيعة بعد العقد، [مثل أن يعقد النكاح بينهما على مائتي دينار ثم وضعت عنه بعد العقد] (٢) مائة على أن لا يتزوج عليها أو لا يتسرى أو لا يخرجها من بلدها، فهل يجوز [هذا] (٣) الشرط ابتداء أو لا يجوز؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك جائز اشتراطه والمعاوضة [عليه] (٤) جائزة أيضًا، ولها الرجوع على الزوج بما وضعت عنه، إن لم يف لها بشرطها، وهذا قول ابن القاسم في "المدونة"، واتفق فيه ابن القاسم وعلي بن زياد؛ لأنه جعل لها الخيار في ذلك ولا يكون الخيار بين الفعل والترك إلا فيما يجوز فعله.
والقول الثاني: أن ذلك لا يجوز اشتراطه بشرط الوضيعة، لأنه من تحريم ما أحل الله، وأن الذي أعطته على مذهبه في "المدونة": إن
_________________
(١) في أ: الباب.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٣٤ ]
وفي بشرطها صح له، وإن لم يف رده، فمرة يكون بيعا، ومرة يكون سلفا، وهذا قول ابن كنانة ومثله في "المختصر" و"السليمانية" و"المبسوط" و"المدونة"، وقد [وقع] (١) مثل هذا في غير ما موضع من "المدونة".
وقد وقع في هذه المسألة سؤالان، اختلف المتأخرون فيهما، هل ذلك اختلاف سؤال أو ذلك اختلاف أقوال؟
وذلك أنه قال: فيمن تزوج امرأة على ألف، فإن كانت له [أخرى] (٢) فصداقها ألفان، فقال: لا يجوز هذا النكاح لأنه غرر [ولا تدري] (٣) هل عنده امرأة أخرى في حين العقد، فيكون صداقها ألفان أو ليست عنده فلا يكون صداقها إلا ألف واحدة، فهذا من الغرر كالعبد الآبق والبعير الشارد.
ثم قال في سؤال آخر بعده: فإن تزوجها بألف على [أنه] (٤) إن أخرجها من بلدها فصداقها ألفان، قال: لا شيء عليه [وله] (٥) أن يخرجها، ولا شيء لها غير الألف.
فذهب بعضهم إلى أنه اختلاف سؤال قال: والفرق بينهما أن الأولى لا تدري وقت العقد، هل عنده امرأة أخرى [فيكون صداقها ألفان] (٦) أو ليست عنده، فيكون لها ألفًا واحدًا.
وأما الثانية فصداقها ألف واحد، لا شيء لها غيره، حتى يحدث عقدًا آخرًا على امرأة أخرى، فعند ذلك يكون لها ألفا أخرى،
_________________
(١) في ب: منع.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٣٥ ]
وإلى هذا ذهب فضل بن سلمة.
وذهب هو وغيره أيضًا إلى أن ذلك اختلاف قول، فإن السؤالين سواء، وترجع المرأة في جميعهما إلى أنها لا تدري، هل صداقها ألف أو ألفان؟ وهذا التأويل أسعد بظاهر الكتاب.
وذهب الشيخ أبو عمران الفاسي [- ﵁ -] (١) إلى أن قوله في هذه المسألة لا شيء عليه، أي: لا يقضى عليه بهذه الزيادة؛ لأنه خرج منه مخرج اليمين، لا مخرج التبرع [والتقرب] (٢) الذي يقضى به.
وتأويل فضل [بن سلمة] (٣) في الوجهين أقرب من تأويل أبي عمران الفاسي [والحمد لله وحده"] (٤).
_________________
(١) زيادة من ع، هـ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) زيادة من ع، هـ.
[ ٣ / ٤٣٦ ]
المسألة الخامسة في الأب إذا زوج ابنه أو ابنته وضمن الصداق
وإذا زوج ابنته وضمن صداقها، فلا يخلو من وجهين:
[أحدهما: أن يكون ذلك في صحته.
والثاني: أن يكون في مرضه، فإن كان ذلك في صحته فلا يخلو من وجهين] (١):
أحدهما: أن يكون ذلك [بإذنها] في العقد.
والثاني: [أن يكون ذلك بعد العقد، فإن كان ذلك في العقد فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك بإذنها.
والثاني]: (٢) أن يكون ذلك بغير إذنها.
فإن كان ذلك بإذنها، فلا يخلو الأب من وجهين:
أحدهما: أن يكون حيًا.
والثاني: أن يكون ميتًا.
فإن كان حيًا، فلا يخلو من أن يكون موسرًا أو معسرًا.
فإن كان الأب موسرًا فللزوج الدخول، وترجع الزوجة على أبيها بصداقها تأخذه به إن كان نقدًا، أو تتبعه به إن كان إلى أجل، غير أن الزوج
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٣٧ ]
يستحب له إذا كان الصداق إلى أجل: ألا يقدم على الدخول حتى يقدم ربع دينار مخافة مما يطرأ، فيؤدي ذلك إلى استباحة البضع بغير صداق.
فإن كان الأب معسرًا، فلا يخلو من أن يكون الصداق نقدًا أو إلى أجل.
فإن كان الصداق نقدًا، فالزوج مخير بين أن يدفع الصداق من ماله ويدخل، أو يطلق ولا شيء عليه:
فإن أدى الزوج الصداق، ودخل: كان له الرجوع على الأب، ويتبعه متى أيسر.
فإن اختار الطلاق وطلق، هل تتبع أباها بنصف الصداق متى أيسر أو لا تتبعه بشيء؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها تتبع بذلك ذمة أبيها [متى] (١) ظهر له مال، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: لا تتبعه بشيء، وهو قول ابن نافع.
ووجه قول ابن القاسم: أنها مطلقة قبل البناء، فكان لها أن تتبع بنصف الصداق من كان لها أن تأخذه بجميع الصداق ولو وقع البناء أصل ذلك الزوج.
ووجه قول ابن نافع: أن الأب إنما ضمن الصداق بشرط استمرار النكاح، ووجود الاستمتاع، فإذا وقع الطلاق بسبب امتناعها عن [إمكان] (٢) الزوج من الدخول، كان ذلك خروجا عن مقصود الأب، بخلاف الزوج إذ
_________________
(١) في أ، جـ: مهما.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٣٨ ]
السبب هناك من جهته.
فإن كان الصداق إلى أجل، فللزوج الدخول، وتتبع الزوجة أباها بالصداق إذا حل الأجل، غير أنه يستحب له أن يقدم [لها] (١) ربع دينار قبل أن يدخل كما قدمناه.
فإن كان الأب ميتا، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يموت بعد البناء.
والثاني: أن يموت قبل البناء.
فإن مات بعد البناء: فلا شيء لها على الزوج من الصداق، وإنما ترجع على ذمة أبيها.
فإن ترك لها ذمة: أخذت منها صداقها.
وإن لم يترك شيئًا: فلا شيء لها.
وإن مات قبل البناء، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يترك ما فيه وفاء الصداق.
والثاني: أن يترك دون الوفاء.
والثالث: ألا يترك شيئًا أصلًا.
فإن ترك مالًا فيه وفاء أخذت منه جميع صداقها، مؤجلًا كان أو معجلًا، ولا يقاصصها الورثة بما أخذت من ميراثها، بل تأخذ صداقها من التركة، فإن بقي منها شيء أخذت منه ميراثها.
وإن ترك الأب دون الوفاء، لا يخلو صداقها حينئذ من ثلاثة أوجه:
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٣٩ ]
أحدها: أن يكون كله معجلًا.
والثاني: أن يكون كله مؤجلًا.
والثالث: أن يكون بعضه مؤجلًا وبعضه معجلًا.
فإن كان الصداق كله معجلًا: فلها أن تأخذ تركة أبيها، وتنفرد بها دون سائر الورثة، إذ لا ميراث [لها] (١) إلا بعد قضاء الدين، ثم لها أن تمنع نفسها من الزوج حتى تقبض بقية صداقها، فيكون الخيار للزوج إما أن يكمل لها بقية الصداق من ماله، فيدخل ويتبع بما دفع ذمة الأب مهما ظهرت.
أو يفارق.
وإن اختار [الفراق] (٢)، فهل لها أن تحبس قدر نصف الصداق مما قبضت من تركة أبيها أم لا؟ على قولين:
وقد قدمناهما لابن القاسم وابن نافع، اللهم إلا أن يكون على الميت دين، فإنها تحاصص الغرماء بجميع صداقها؛ لأنها من جملة غرمائه.
وإن كان الصداق كله مؤجلا، كان لها أن تقبض التركة وتتبع ذمة الأب بما بقي لها مهما ثبت له مال، ويكون للزوج الدخول، ولا شيء لها عليه؛ لأنها على ذمة الأب دخلت.
وإن كان مديانًا حاصصت الغرماء أيضًا، كما قدمناه آنفًا.
وإن كان [الصداق] (٣) بعضه معجلًا وبعضه مؤجلًا، مثل أن يكون
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ع، هـ: الطلاق.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٤٠ ]
الصداق مائة، وخمسون منها معجلة [وخمسون منها مؤجلة] (١) فلا يخلو من أن يكون عليه دين أو لا دين عليه:
فإن لم يكن على الميت دين: فإنها تقبض التركة أيضًا، فإن [كان] (٢) فيها ما بقي من المعجل: كان للزوج الدخول، وتتبع الأب بما بقي لها.
وإن لم يكن في التركة ما يفي بالمعجل كان الزوج مخيرًا إن شاء كمل لها المعجل ودخل، وإن شاء فارق.
وإن كان على الميت دين كان لها المحاصصة بجميع الصداق، ما حل منه وما لم يحل؛ لأن بموت الميت حلت [جميع] (٣) الديون التي عليه.
فإن نابها في المحاصصة خمسون: فإنها تقبض على المعجل والمؤجل، فيكون منها للمعجل خمسة وعشرون، ويخير الزوج بين أن يكمل المعجل فيدخل أو يفارق.
فإن كمله كان له أن يتبع ذمة الأب مهما ظهرت؛ لأنه فيها ودي، وتتبعه الزوجة بما بقي لها من المؤجل.
فإن اختار الفراق فلا شيء عليه.
واختلف في الخمسين التي أخذتها الزوجة في المحاصصة، هل يكون جميعها للزوجة أو تنقض المحاصة الأولى؟
على قولين:
أحدهما: أن المحاصة الأولى منتقضة، وأن الزوجة ترد مما قبضت
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٤١ ]
خمسة وعشرين، وتضرب فيها مع الغرماء بما بقي لها، وهي خمسة وعشرون؛ لأنها تبين بالآخرة أن جميع دينها خمسون.
والثاني: أنها لا ترد شيئًا من الخمسين التي قبضتها، وأن المحاصة الأولى صحيحة لا ترد.
والقولان قائمان من "المدونة":
وينبني الخلاف على الخلاف في المرأة بماذا تستوجب جميع الصداق، هل بالعقد أو بالدخول أو ما يقوم مقامه من طول مكث؟
فمن رأى أنها لا تملك جميع الصداق إلا بالدخول، قال: ترد خمسة وعشرين من الخمسين التي قبضت.
ومن رأى أنها بالعقد تملك جميع الصداق قال: لا ترد شيئًا.
فإن لم يترك الأب شيئًا:
فإن كان الصداق كله معجلا أو بعضه مؤجل [وبعضه معجل] (١): كان الزوج بالخيار بين الفراق والدخول.
وإن كان الصداق كله مؤجلا كان للزوج أن يدخل بها، وتتبع ذمة الأب حيثما ظهرت.
وهذا كله إذا كان ذلك بإذن الزوجة ورضاها.
فإن كان ذلك بغير إذنها ورضاها، فلها ذمة الزوج، ولا تنتقل إلى ذمة الأب إلا أن تشاء.
فإن كان الصداق معجلا كله أو بعضه: فلها أن تمنع نفسها من الزوج
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٤٢ ]
حتى تقبض جميع صداقها أو ما حل منه.
فإن كان جميعه مؤجلًا فليس لها أن تمنع نفسها من الزوج حتى يحل الأجل، وكره للزوج أيضًا أن يدخل حتى يقدم شيئًا، فإن لم يفعل فلا شيء عليه، وهي رواية أشهب عن مالك في "كتاب ابن الموَّاز".
فإن [عجل الزوج] (١) ربع دينار ليدخل بها، فأبت حتى تقبض الجميع، فإنها تجبر على الدخول إلا أن يتراخى ذلك إلى حلول أجله، فلها أن تأبى ذلك حتى تقبض جميعه أو ما حل منه، وهو قول أشهب.
فإن كان ذلك بعد العقد، مثل أن يتزوجها رجل بصداق معلوم، ثم يضمنه الأب بعد العقد، هل لها أن تستوفي ذلك، من مال أبيها أو يكون الحكم فيه كما لو كان في العقد أو ليس لها في مال أبيها شيء؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه لا شيء لها في ذمة الميت، وإنما ترجع على الزوج بصداقها، فكأنه لم يتحمل به أحد، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب النكاح الثاني".
[والثاني] (٢) أنها تأخذ صداقها من تركة أبيها إن ترك وفاء، وإن لم يترك شيئًا: كان الحكم فيه كالحكم [الأول] (٣) في [الوجه الأول] (٤) إذا كان الضمان في العقد، وقد قدمناه وهو ظاهر قوله في كتاب الحمالات في قوله: ما زاد لك قبل فلان، فأنا به كفيل، فمات [قائل] (٥) ذلك قبل أن
_________________
(١) في أ، جـ: بقي للزوج.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من ع، هـ.
(٤) في ع: الوجوه الأولى.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٤٣ ]
يأخذ من ذمته فإنه يؤخذ من تركته.
وهذا كله إذا كان في صحة الأب.
فإن كان ذلك في مرضه، مثل أن يزوج ابنته في مرضه، وضمن الصداق عن الزوج، هل يجوز هذا النكاح أو لا يجوز؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن النكاح جائز.
والثاني: أن النكاح لا يجوز، وهو الأظهر في النظر.
والقولان مخرجان في المذهب غير منصوص عليهما.
فوجه القول بالجواز: أنه نكاح سلمت أركانه من الغرر والحظر، وكون الصداق متردد بين ذمة الأب وذمة الزوج أمر يسير مغتفر.
ووجه القول بالمنع: أنه نكاح فيه غرر، وذلك أن الصداق لا يخلو من أن يكون في ذمة الأب أو ذمة الزوج.
فإن كان في ذمة الأب، فذلك موقوف على الثلث، والثلث لا يدري هل يحمل جميع الصداق أو بعضه؟
وهذا عين الغرر، وهذا حكم نكاح الموقوف الذي منعه مالك في أحد قوليه.
فإن كان في ذمة الزوج، فقد يكون معسرًا لا مال له إلا ما تجوزه من جهة الحامل للصداق، وقد يصح كله أو بعضه، وقد لا يصح منه شيء لطرآن الغرماء أو أمر طرأ على ماله، فيذهب به قبل النظر في الثلث، فهذا من وجه الغرر.
وعلى القول بأن النكاح جائز، وهل الصداق عطية للابنة أو عطية
[ ٣ / ٤٤٤ ]
للزوج؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها عطية للزوج من الثلث، وهو قول مالك.
والثاني: أنها عطية [للابنة] من الثلث، ولا شيء له منه، وهو قول أشهب وابن القاسم، قالا في "العتبية": ويقال للزوج: أد الصداق من مالك ويتم النكاح، وإن أبى فارق ولا شيء عليه.
وعلى القول بأنها عطية للزوج، فإن طلق قبل البناء، فهل يكون لها نصف تلك الهبة أم لا؟ وذلك على قولين:
أحدهما: أن لها نصفها من الثلث، ولا شيء للزوج في النصف الباقي، وهو قول مالك وابن الماجشون.
والثاني: أنها لا شيء لها؛ لأن الأب أعطى [على] (١) إن هي دخلت ثبت لها ما أعطى، وهو قول ابن دينار.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا زوج ابنه صغيرًا والبالغ السفيه، وذلك لا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك في الصحة.
والثاني: أن يكون في المرض.
فإن كان في الصحة، فلا يخلو الأب في أمر الصداق من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يشترطه على نفسه.
والثاني: أن يشترطه على ولده.
والثالث: أن يطلق العقد ولا يشترط.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٤٥ ]
فإن اشترط الأب الصداق على نفسه، لم يؤاخذه الابن موسرًا كان أو معسرًا، صغيرًا كان أو كبيرًا، لأن ذلك من الأب على وجه الحمل من غير التفات إلى لفظ الأب إن قال: أنا أحمله وأضمنه؛ لأن العادة في ضمانه لذلك أنه على وجه الحمل.
وإن اشترطه على الابن، فلا يخلو من أن يكون الابن موسرًا أو معسرًا.
فإن كان الابن موسرًا كان على الابن [اتفاقا ووفاقا] (١).
وإن كان معسرًا، هل يكون على الأب أو على الابن؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يكون على الأب، وهو قول مالك وابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه يكون على الابن كما شرطه الأب، بمنزلة ما لو اشترى له سلعة باسمه وكتب عليه الثمن، وهو قول أصبغ وابن الموَّاز، وهو ظاهر قول ابن زياد في "المدونة".
فإذا بلغ الابن وعلم قبل البناء كان له الخيار بين أن يلزمه نفسه أو يفارق، وإن بني قبل أن يعلم لزمه وسقط عنه ما جاوز صداق المثل.
فإن أطلقه الأب ولم يشترطه على نفسه ولا على الابن، فلا يخلو من أن يكونا موسرين أو معسرين أو أحدهما موسر والآخر معسر.
فإن كانا موسرين أو كان الابن موسرًا والأب معسرًا: فالصداق على الابن، عاش الأب أو مات.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٤٦ ]
فإن كانا معسرين، فالصداق على من أيسر منهما أولًا ما لم يبلغ الصبي.
فإن بلغ كان له الخيار، إن شاء أن يتقبل الصداق ويثبت النكاح، وإن شاء فارق.
فإن كان الابن معسرًا، والأب موسرًا فالصداق [من] (١) مال الأب حيًا أو ميتًا، وتأخذ ذلك من رأس ماله بعد مماته.
وهذا كله إذا كان الابن صغيرًا أو بالغًا سفيهًا.
فإن كان الابن بالغًا رشيدًا، فزوجه الأب برضاه، فلا يخلو الصداق أيضًا من ثلاثة أوجه:
إما أن يشترطه الأب على نفسه، أو على ولده، أو أبهم الأمر.
فإن اشترطه على نفسه: كان ذلك حمل، والتباعة على الأب لا على الابن.
فإن طلق الابن قبل البناء، فلا يخلو طلاقه من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك بمعنى الخلع.
والثاني: أن يكون على غير وجه الخلع.
فإن كان طلاقه على غير وجه الخلع رجع نصف الصداق إلى الأب.
فإن كان الطلاق على وجه الخلع، مثل أن يطلقها على أن ترد عليه جميع صداقها، هل يكون جميعه للابن أو يشطر بينهما؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن جميع الصداق للأب، ولا شيء فيه للابن، وهو قول ابن القاسم في "كتاب ابن حبيب".
[ ٣ / ٤٤٧ ]
والثاني: أن الصداق بينهما أنصافًا، فنصفه للأب ونصفه للابن، وهو قول ابن الماجشون، وهذا هو الأظهر في النظر، وذلك أن الزوجة ملكت نصف الصداق بالطلاق، فإذا خالعت بجميعه، فكأن النصف الذي لها عاوضت به الزوج، والله أعلم.
فإن اشترطه الأب على الابن: فلا صداق عليه موسرًا [كان] (١) أو معسرًا، ولا خلاف في هذا الوجه.
وإن أبهم الأمر، ولم يشترطه على نفسه ولا على ولده، وقال الأب: إنما أردت أن يكون الصداق على الابن.
وقال الابن: إنما ظننت أن ذلك على أبي، فلا أغرم شيئًا.
فلا يخلو من أن يعثر على ذلك قبل البناء أو بعده.
فإن عثر على ذلك قبل البناء، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن النكاح مفسوخ ولا شيء على واحد منهما، وهو قول مالك، قال محمَّد: بعد أن يحلف كل واحد منهما، فمن نكل منهما لزمه.
والثاني: أن النكاح ثابت ويغرم كل واحد منهما نصف الصداق، وهو اختيار اللخمي.
فإن عثر على ذلك بعد البناء، حلف الأب وبرئ، ثم ينظر في الصداق المسمى وصداق المثل.
فإن كان صداق مثلها مثل المسمى فأكثر: غرمه الزوج بغير يمين.
فإن كان المسمى أكثر حلف الزوج، وغرم صداق المثل.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٤٨ ]
فإن زوجه الأب في مرضه، وهو صغير وضمن عنه الصداق، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يعثر على ذلك في مرضه.
والثاني: أن يعثر عليه [في] (١) صحته.
فإن عثر على ذلك في مرض الأب فإن الضمان لا يجوز إلا بإجازة الورثة إما بعد الموت بالاتفاق، وإما قبل الموت على الخلاف في تسليم الشيء قبل وجوبه على ما يأتي بيانه في موضعه إن شاء الله.
واختلف قول مالك في جواز هذا النكاح، على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: أن النكاح لا يجوز، وهو معنى قوله في "الكتاب": لا يعجبني هذا النكاح، يريد ويفسخ.
والثاني: أن النكاح جائز، ويخبر الزوج إن كان كبيرًا بين أن يدفع الصداق أو يطلق.
وإن كان صغيرًا، فالنظر في ذلك إلى وليه.
فإن رأى أن ذلك صلاحًا وغبطة وسرورًا دفع الصداق من مال الولد، وإلا فسخ النكاح.
فإن لم ينظر في هذا النكاح حتى بلغ الصبي، فاختار أن يدفع الصداق من ماله، فجواز النكاح يتخرج على قولين قائمين من "المدونة".
فإن مات أحدهما قبل النظر فيه، فهل يتوارثان أم لا؟
_________________
(١) في أ: بعد.
[ ٣ / ٤٤٩ ]
قولين قائمين من "المدونة" أيضًا.
فإن عثر على ذلك بعد صحة الأب: فإن النكاح صحيح، والضمان ثابت لزوال العلة التي لأجلها منع، وذلك وصية لوارث.
وينبني الخلاف على الخلاف: في الخيار [الحكمي] (١) هل هو كالخيار الشرطي أم لا؟
وعلى هذا الأصل انبنى كثير من مسائل هذا الكتاب [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من جـ، هـ.
[ ٣ / ٤٥٠ ]
المسألة السادسة في الصداق
والكلام فيه في أربعة مواضع:
أحدها: الكلام في اشتقاقه.
والثاني: الكلام في حكمه.
والثالث: الكلام في حده.
والرابع: الكلام في جنسه.
الموضع الأول: [وهو] الكلام في اشتقاق الصداق.
والصداق بفتح الصاد وكسرها، ومعناه مشتق من الصدق والصحة، ومنه: فرس صدوق، وكلام صدق أي: صحيح متساوي الباطن والظاهر.
وكذلك النكاح الشرعي بشرط الصداق مستوى الظاهر والباطن، بخلاف السفاح.
ويقال للصداق أيضًا: فريضة ونحلة وأجرًا:
قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (١)، [وقال:] (٢) ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (٣)، وقال: ﴿اللَّاتِي آتَيْتَ أَجُورَهُنَّ﴾ (٤).
وقد سمى في الحديث أيضًا "عفوا"، وكذلك ذكره في "كتاب أمهات
_________________
(١) سورة النساء الآية (٤).
(٢) سقط من أ.
(٣) سورة البقرة الآية (٢٣٧).
(٤) سورة الأحزاب الآية (٥٠).
[ ٣ / ٤٥١ ]
الأولاد" من "المدونة".
وقد سمى أيضًا نفقة، قال الله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا﴾ (١).
وسمى أيضا: مهرًا.
وسمى أيضًا: بضعًا.
والموضع الثاني: الكلام في حكمه، ولا خلاف بين الأمة في أن الصداق شرط من شروط صحة النكاح، وأنه لا يجوز التراضي على تركه، لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (٢)، وقوله: ﴿[فَانكِحُوهُنَّ] بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ (٣).
والنكاح بغير صداق لا يخلو من أن يكون على صفة السفاح أو وجد فيه شرط من شروط النكاح.
فإن وقع على صفة السفاح، مثل أن يذكراه بلفظ النكاح من غير ولي ولا إشهاد، فذلك سفاح لا نكاح.
فإن وجد فيه بعض الشروط، مثل أن يكون فيه ولي وإشهاد وشرط إسقاط الصداق فذلك لا يجوز؛ لأن ذلك في معنى الهبة التي خص بها النبي - ﷺ -، قال الله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىّ [إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ]﴾ (٤) الآية.
_________________
(١) سورة الممتحنة الآية (١٠).
(٢) سورة النساء الآية (٥).
(٣) سورة النساء الآية (٢٥).
(٤) سورة الأحزاب الآية (٥٠).
[ ٣ / ٤٥٢ ]
وقد اختلف المذهب عندنا إذا تزوجها على ألا صداق [لها] (١) هل [يصححه] (٢) البناء؟ على قولين منصوصين عن مالك في كتاب النكاح [الثالث] (٣) من "المدونة".
والموضع الثالث: وهو الكلام في حده وقدره.
وقد أجمع العلماء قاطبة [على] (٤) أنه لا حد لأكثر الصداق، وهو على ما يتراضيان عليه، وقد أمهر النجاشي عن النبي - ﷺ - أربعة آلاف، وكل بنات عبد الله بن عمر وبنات أخيه يصدقهن ألف دينار، كل واحدة أو عشرة آلاف درهم.
وكان ابن عمر يجعل [لهن] (٥) قريبًا من أربعمائة دينار حليًا، وتزوج ابن عباس [- ﵁ -] (٦) على عشرة آلاف، وتزوج القعقاع بن [شدر] بنت قبيصة بن هانئ على أربعين ألفا في [أيام] (٧) الإِمام علي - ﵁ -، إلا أن المباشرة في الصداق أفضل من المغالاة.
وكان صداق النبي - ﷺ - أزواجه: خمسمائة درهم، وذلك اثنا عشر أوقية ونش، والأوقية: أربعون درهما، والنش: عشرون درهما.
وتزوج عبد الرحمن على وزن نواة من ذهب، وهي خمسة دراهم ولم
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ، جـ: يصححها.
(٣) في ع، هـ: الثاني.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ، جـ.
(٦) زيادة من ع، هـ.
(٧) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٥٣ ]
يكن ذهبا، وكانوا يسمون الخمسة دراهم "نواة"، كذا ذكر الشيخ أبو محمَّد في "النوادر" فاستكثر النبي - ﷺ - لرجل مائتي درهم.
وزوج سعيد بن المسيب ابنته على [صداق] (١) ثلاثة دراهم على [سموه] (٢) وجلالة قدره.
وأما أقله، فقد اختلف العلماء فيه.
فمنهم من يقول: أنه محدود بربع دينار من الذهب أو ثلاثة دراهم من [الورق] (٣) أو ما يساويهما من سائر العروض، وهو مشهور مذهب مالك -﵀.
ومنهم من يقول: لا حد لأقله، وكل ما جاز أن يكون ثمنا أو قيمة [من المتمولات] (٤)، جاز أن يكون صداقًا، من قليل الأشياء وكثيرها، وهو مذهب الشافعي وغيره، وبه قال ابن وهب من أصحابنا.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الصداق، هل هو من [قبيل] (٥) العادات أو من قبيل العبادات؟
فمن رأى أنه من قليل العادات وأنه عوض من الأعواض قال: يجوز بما وقع عليه التراضي من قليل الأشياء أو جليلها.
ومن رأى أنها من قبيل العبادات، قال: أنه مؤقت بحد [لا يجوز
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ع، هـ: سمو أمره.
(٣) في ع، هـ: الفضة.
(٤) في أ: للمتمولات، وفي جـ: في المتمولات.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٥٤ ]
النقصان منه وربما يعضد هذا المذهب اتفاق الجميع على أنه لا يجوز التراضي على إسقاط الصداق] (١)، فثبت بهذا أنه ليس من قبيل المعاوضات.
وربما استدل من نفى التحديد بحديث سهل بن سعد الساعدي [المتفق على صحته] (٢) أن رسول الله - ﷺ - جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله، قد وهبت نفسي لك، فقامت قياما طويلًا، فقام رجل فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة، فقال رسول الله - ﷺ -: "هل معك من شيء تصدقها إياه؟ " فقال: ما عندي إلا إزاري، قال رسول الله - ﷺ -: "إن أعطيتها إياه بقيت ولا إزار لك، التمس شيئا"، فقال: ما أجد شيئًا، فقال ﵇: "التمس ولو خاتما من حديد" فالتمس فلم يجد شيئًا، فقال رسول الله - ﷺ -: "هل معك شيء من القرآن؟ " قال: نعم، سورة كذا، وسورة كذا، [لسور] (٣) سماها، فقال رسول الله - ﷺ -: "أنكحتكها بما معك من القرآن" (٤).
وقوله - ﷺ -: "ولو خاتمًا من حديد"، دليل على أنه لا حد لأقله، وإنما يجوز بأقل ما يقع عليه اسم الأقل، إذ لو كان لأقله حد محدود لبينه - ﷺ -، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
والانفصال عن هذا الاستدلال من وجوه:
منها معارضته القياس ومصادمته إياه؛ لأن الحديث آحاد والقياس
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) أخرجه البخاري (٤٧٤١)، (٤٧٤٢).
[ ٣ / ٤٥٥ ]
معارضة.
[ومنها: أن يقال أن قوله - ﷺ -: "التمس ولو خاتما من حديد" يحتمل أن يكون الخاتم المراد هي البيضة التي هي الخوذة، وقد قيل ذلك] (١).
ومنها: أن يقال: إن ذلك قضية في عين، لقوله - ﷺ -: "قد أنكحتكها بما معك من القرآن"، وذلك خلاف الأصول؛ لأن القرآن لا يتصور أن يكون حفظه صداقًا، وقضاء الأعيان لا يصح به الاستدلال في كل الأحوال.
وللخصوم عن هذا الانفصال أجوبة:
منها: أنه ورد في بعض طرق الحديث أنه قال: "قم فعلِّمها" بما ذكر أنه معه من القرآن، فقام فعلمها، فكان نكاحًا بإجارة.
ومنها: أن القياس الذي عورض به دليلهم انبنى على مقدمتين، وبعدهما كانت النتيجة إحدى المقدمتين [كون] (٢) الصداق عبادة، والثانية: كون العبادة مؤقتة، وفي كليهما نزاع للخصم، وذلك أنه قد [يلغي] (٣) في الشرع من العبادات ما ليست مؤقتة، بل الواجب فيها أقل ما ينطلق عليه الاسم، كالركوع عند من يرى الطمأنينة واجبة، وغير ذلك مما لا يحصى كثير.
والقياس لا يصح إلا بتسليم مقدمتيه.
وعند من يقول بمقدمتين من الجدليين من المنطقيين، [واستدل
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ، جـ: لأن.
(٣) في ع، هـ: يبقى.
[ ٣ / ٤٥٦ ]
القائلون] (١) بنفي التحديد أيضًا بما خرجه أبو عيسى الترمذي: [أن] امرأة تزوجت على نعلين، فقال لها رسول الله - ﷺ -: "ملكتيه نفسك ومالك بنعلين؟ " فقالت: نعم (٢) فجوَّز نكاحها وقال فيه: هذا [حديث] (٣) حسن صحيح، وهذا نص في محل النزاع.
فأما القائلون بالتحديد للصداق بربع دينار: فإنهم التمسوا أصلًا يقيسون عليه، فلم يجدوا شيئًا أشبه به من نصاب القطع وحددوا، وقالوا: عضو يستباح بمال فوجب أن يكون مقدرًا بربع دينار [فإنهم يلتمسون أصلًا يقيسون عليه فلم يجدوا شيئًا أشبه به من] (٤)، أصل القطع في السرقة.
واعترض بعض أئمتنا على هذا القياس، كالفقيه ابن النجار وغيره، وقالوا: هذا قياس ضعيف من قبل أن القطع غير الوطء، وإن جمعتهما لفظة الإباحة، فإن القطع استباحة على وجه العقوبة والمثلة، والنكاح استباحة على وجه اللذة والمودة.
ومن شأن قياس الشبه، على ضعفه أن يكون الذي تشابه به الفرع والأصل شيئًا واحدًا، لا باللفظ بل بالمعنى، وأن يكون الحكم إنما وجب في الفرع من جهة الشبه، وهذا كله معدوم في هذا القياس.
ومع هذا فإنه من الشبه الذي لم ينبه عليه اللفظ، وهذا النوع من القياس مردود عند المحققين من الأصوليين.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) أخرجه الترمذي (١١١٣)، وأحمد (١٥٧١٧) والطيالسي (١١٤٣) وأبو يعلى (٧١٩٤)، والبيهقي في "الكبرى" (١٣٥٦٧)، وابن الجعد (٢٢٦٥)، وضعفه الألباني والبيهقي.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٥٧ ]
وعلى القول بأن أقله مقدر بربع دينار، فإن وقع النكاح [بينهما] (١) [مقدرًا] (٢) بأقل من ربع دينار تزوجها بدرهمين ثم عثر على ذلك قبل البناء أو بعده، هل يفسخ النكاح أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن النكاح مفسوخ قبل البناء وبعده، ولها بعد البناء صداق المثل، وهو قول غير ابن القاسم في بعض روايات "المدونة"، وعليه اختصر ابن أبي زمنين وغيره.
والثاني: التفصيل بين أن يعثر على ذلك قبل البناء أو بعده.
فإن عثر على ذلك بعد البناء أجبر على أن يكمل لها ربع دينار، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
فإن عثر على ذلك [قبل] البناء خير الزوج بين أن يكمل لها ثلاثة دراهم، وإلا فرق بينهما.
وقيل: يكمل لها صداق المثل، وهو قول عبد الملك.
فإن اختار الفراق، هل يكون لها نصف الدرهمين أو لا شيء لها؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن لها نصف الدرهمين، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: لا شيء لها، وهو قول ابن حبيب.
وسبب الخلاف: في الفصل الأول ما كان فساده في صداقه، هل يصححه البناء أم لا؟
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ع، هـ.
[ ٣ / ٤٥٨ ]
وفي الثاني ما كان فساده أيضًا في صداقه، فإذا فسخ قبل البناء، وكان من مال الزوج أن يجيزه، هل يشطر فيه الصداق أم لا؟ والقولان قائمان من "المدونة".
فوجه القول الأول: بأنه إذا عثر على ذلك بعد البناء، ثبت النكاح، وكان لها ربع دينار، وذلك أنها كما رضيت بدرهمين، فقد وهبت مما هو حق لها وحق لله تعالى، [فردت هبتها فيما هو حق لله تعالى] (١) ومضت هبتها فيما هو حق لها.
والموضع الرابع: في جنسه وكل ما يجوز أن يتمول ويقع الاعتياض عنه في البيع والشراء من سائر الأعيان الممتلكات فإنه يجوز النكاح عليه، وهل من شرطه جريان الملك عليه واستدامته أو ليس من شرطه؟ مثل أن يتزوجها بمن يعتق بالملك إذا ملكته، على ما سنعقد عليه مسألة مفردة إن شاء الله تعالى.
واختلف في النكاح بما يتمول وليس بعين قائمة، كالنكاح على استيفاء المنافع منه أو من غيره، مثل أن يتزوجها على أن يبني لها دارًا أو يحفر لها بئرًا أو يرعى لها غنمًا مدة معلومة أو على أن تستخدم عبده أو دابته مدة معلومة، فهل يجوز هذا النكاح أو لا يجوز؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن النكاح جائز، فإن كان مع الإجارة ربع دينار أو ما يساويه: جاز له الدخول، وإن لم يقدم لها شيئًا كره له الدخول، وهو قول أصبغ في "العتبية".
والثاني: أن النكاح لا يجوز، وهو قول ابن القاسم في "العتبية" فيمن
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٥٩ ]
وقع له صبي في جُبِّ فقال لرجل: إن أخرجته فقد زوجتك ابنتي، أو أنا أزوجكها فأخرجه فقال: لا يجوز، ولا يكون النكاح جُعلا، وأرى له أجر مثله في إخراجه إياه، حيا أو ميتا.
والثالث: الكراهة، وهو قول مالك في "كتاب محمَّد"، وكذلك النكاح على الحج، أعني على أن يحججها، فالكلام فيه كالكلام في الإجارة سواء، كرهه مالك في الجميع، وقال: لأنه ليس من عمل الناس، فكرهه في الجميع، ولم يقل في شيء منه أنه يفسخ.
وابن القاسم اضطرب قوله في جميع ذلك؛ لأنه إذا طلق قبل البناء أتبعته بنصف الحج، ذكر عنه أصبغ معناه: نصف قيمة ذلك.
وسبب الخلاف: شرائع من قبلنا، هل هي لازمة لنا أم لا؟
فمن رأى أن شرائع من قبلنا لازمة لنا، قال بجواز النكاح اقتضاء بقصة موسى مع شعيب صلوات الله عليهما وعلى نبينا وعلى جميع النبيين والمرسلين.
ومن رأى أنها غير لازمة لنا، قال: لا يجوز النكاح، والقول بالكراهة تردد ومراعاة للخلاف [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من ع، هـ.
[ ٣ / ٤٦٠ ]
المسألة السابعة في هبة المرأة صداقها لزوجها أو لأجنبي
وهبة المرأة ذات الزوج صداقها لا يخلو من وجهين:
أحدهما: أنها تهب لزوجها.
والثاني: أنها تهب لأجنبى.
فإن وهبت لزوجها، فلا يخلو من أن [تكون] سفيهة أو رشيدة:
فإن كانت سفيهة: فالهبة مردودة.
وإن كانت رشيدة: فالهبة جائزة باتفاق المذهب، وإن كان جميع مالها؛ لأن هبة المرأة مالها لزوجها جائزة، وإن أتت على جميع مالها.
وإن وهبت ذلك لأجنبي، فلا يخلو ما وهبت من أن يكون مثل الثلث فأدنى أو [يكون] (١) أكثر من الثلث.
فإن كان مثل الثلث فأدنى: جاز اتفاقا [ووفاقا] (٢) في المذهب.
وإن كان أكثر من الثلث: فذلك موقوف على إجازة الزوج أو رده.
واختلف هل له الخيار في رد الجميع أو في رد ما زاد على الثلث خاصة؟ على قولين منصوصين في "المدونة" في كتاب "الكفالات":
أحدهما: أنه يرد الجميع، إلا أن يكون الزائد على الثلث أمر يسير، كالدينار ونحوه فيجوز الجميع، وهو قول ابن القاسم.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٦١ ]
والثاني: أنه يرد الزائد على الثلث خاصة، وهو قول المخزومي.
فإذا قلنا بجوازها إذا كان مثل الثلث فأقل، فلا يخلو الموهوب له من وجهين:
أحدهما: أن يكون قبض الهبة قبل الطلاق.
والثاني: أن يطلقها الزوج قبل أن يقبضها.
فإن قبضها قبل الطلاق ثم طلقها الزوج بعد ذلك قبل البناء بها، فلا يخلو من أن تكون الزوجة في حين [الطلاق] (١) موسرة أو معسرة.
فإن كانت موسرة: فإن الزوج يرجع بنصف الصداق عليها، وهل لها هي الرجوع على الموهوب له بقدر ما استرد منها الزوج أو لا رجوع لها عليه [فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا رجوع لها على الموهوب له بشيء مما أخذ منها الزوج وهو المشهور.
والثاني: أن لها الرجوع عليه] (٢)، وهو قوله في "كتاب محمَّد".
والقولان قائمان من "المدونة".
وهذا الخلاف يتخرَّج على الخلاف في [أصل] (٣) الصداق، هل تملك المرأة جميعه بالعقد أو أنها [لا] (٤) تملك [إلا] (٥) نصفه
_________________
(١) في ب: الهبة.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٦٢ ]
بالعقد ونصفه الآخر بالموت أو الدخول أو ما يقوم مقامه من طول المكث؟
فمن رأى أنها تملك جميعه بالعقد، قال: لا ترجع على الموهوب له بشيء؛ لأنها وهبت ما تملك، وتملك التصرف فيه كيف شاءت، وكون الزوج ملك الرجوع عليها بنصف الصداق، وإنما هو أمر طرأ بعد الهبة وقبضها.
ومن رأى أنها لا تملك بالعقد إلا النصف خاصة قال: لها الرجوع على الموهوب له بقدر ما أخذه الزوج منها، بمنزلة من وهبت شيئًا ثم جاء من يستحقه فإن للمستحق اتباع الواهب، وللواهب اتباع الموهوب له، على تفصيل وتحصيل في ذلك يأتي في "كتاب الغصب والاستحقاق" إن شاء الله تعالى.
فإن كانت الزوجة معسرة بنصف الصداق، فلا تخلو الهبة من أن تكون قائمة بيد الموهوب له أو تكون فائتة.
فإن كانت الهبة قائمة، فهل للزوج أخذها أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن للزوج الرجوع على الموهوب له، وأخذ عين شيئه من يده؛ لأن ذلك من باب الاستحقاق، وهذا يتخرج على القول بأنها لا تملك بالعقد إلا النصف خاصة.
والثاني: أن الزوج لا رجوع له على الموهوب له، وإنما تتبع الزوجة في اليسر والعسر [وهو قول ابن القاسم في الكتاب] (١).
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٦٣ ]
وهذا بناء منه على أنها تملك بالعقد جميع الصداق، وكون الزوج يملك الرجوع عليها بنصف الصداق، وليس ذلك بمعنى الاستحقاق، وإنما هو شيء أوجبته الأحكام [وهذا كله إذا جهل الزوج حال الزوجة ولم يعلم بالهبة، وأما إذا علم بحالها وعلم بالهبة فلا رجوع له على الموهوب له قولًا واحدًا؛ لأنها إن كانت موسرة وعلم الزوج بالهبة فالزوج مجبور على دفع الصداق إن كانت معسرة فقد جوز لها فعلها ورضي بإسقاط حقه فباتت الهبة بيد الموهوب له، فإن الزوج لا يرجع على الموهوب له بشيء جملة بلا تفصيل لأن [السقيط] جاء من قبله ولا يدخل فيه من الخلاف والتفصيل ما دخل مسألة الاستحقاق إذا وهبت شيئًا ثم استحقه رجل بعد فواته بيد الموهوب له فافهم ذلك] (١).
فإن طلقها الزوج قبل أن يقبض الموهوب له هبته، وكان الطلاق قبل البناء، فلا يخلو حالها من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون موسرة يوم الطلاق.
والثانى: أن تكون موسرة يوم الهبة.
والثالث: أن تكون معسرة في الزمانين.
فإن كانت موسرة يوم الطلاق فالهبة ثابتة للموهوب له، وله مطالبة الزوج بها إن كانت الزوجة لم تقبض صداقها منه بعد، وسواء كان الصداق عينا أو عرضًا، ويرجع الزوج عليها بنصف ما أخذ منه من غير اعتبار بيوم الهبة، كانت فيه موسرة أو معسرة.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٦٤ ]
وهذا بناء منه على أنها ملكت جميع الصداق بالعقد.
وأما على القول بأنها [لا تملك] بالعقد إلا النصف خاصة فلا يكون للموهوب له إلا النصف الذي يصح لها خاصة؛ لأنه بمنزلة من وهب له شيء، فلم يقبضه حتى استحق أو تلف بسبب سماوي، فإنه لا شيء [له] (١).
فإن كانت يوم الهبة موسرة ويوم الطلاق معسرة، فهل تصح جميع الهبة للموهوب له أو للزوج في ذلك مقال؟
فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: أن للموهوب له قبض جميع الهبة، إما من الزوج إن لم تقبض الزوجة من غيره شيئًا، وإما من الزوجة إن كانت قد قبضت، ولا مقال للزوج في ذلك، وهو قول الغير في "المدونة".
والثاني: أن للزوج أن يتمسك [به بنصف الصداق، ويدفع النصف الآخر للموهوب له، وإن كانت قد قبضت جميع الصداق من الزوج، فإنها تدفع نصف الصداق للزوج] (٢) ونصفه الآخر للموهوب، وهو قول ابن القاسم في "كتاب [النكاح] الثاني" من "المدونة".
وسبب الخلاف: اختلافهم في الصداق، هل بالعقد تملك المرأة جميعه أو إنما تملك نصفه بالعقد؟
فمن رأى أنها تملك جميعه بالعقد قال: لا مقال للزوج؛ لأن نصف الصداق إنما ثبت له بعد الطلاق، وهو دين عليها من يومئذ، وقد كانت
_________________
(١) في أ، جـ: عليه.
(٢) سقط من هـ.
[ ٣ / ٤٦٥ ]
هبتها ولا دين عليها، والدين الطارئ بعد الهبة لا يؤثر في سقوطها، ومن وهب دينا فلم يقبضه الموهوب [له] (١) حتى طرأ على الواهب دين لم ترد هبته.
ومن رأى أنها لا تملك بالعقد إلا النصف خاصة قال: للزوج مقال؛ لأنها وهبت ما لا تملك، ومن وهب ما لا يملك وقد تقدم له فيها إباحة التصرف، ولم يكن عنده من المال ما يفي بذلك إن طرأ من يستحق ذلك الشيء فإن هبته مردودة بلا كلام.
والجاري على أصول المذهب [أن] (٢) للزوج مقال في عين شيئه وإن كانت موسرة؛ لأن الأغراض تتعلق بأعيان العروض، وما قاله في هذه المسألة مخالف لذلك اللهم إلا أن يقال: إن ذلك منه جنوح إلى القول بأن العروض مرادة لأغراضها لا لأعيانها كالعين.
ولهذا الخلاف مطلع آخر وهو حوز الغير ما وهب له من غير رضا الحائز، هل يكون حوزًا ينتفع به الموهوب [له] (٣) أم لا؟
وهذا مما اضطرب فيه قول ابن القاسم في "المدونة".
فمرة يقول: لا يكون ذلك حوزًا إلا برضا الحائز، وهو ظاهر قوله في "كتاب النكاح الثاني [في هذه المسألة] (٤) " وهو ظاهر قوله في "كتاب الرهون [أيضًا] (٥) "، فيمن رهن فضلة الرهن، حيث اشترط هناك أن يكون
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٦٦ ]
[ذلك] (١) برضا المرتهن الأول.
ومرة رأى أن ذلك حوز ينتفع به الموهوب له، وإن لم يرض بذلك الحائز ولا علم، وهو ظاهر قوله أيضًا في موضع آخر منه، وهو ظاهر قوله في ["كتاب الهبات"، على ما سنبينه هناك إن شاء الله تعالى، وهو ظاهر قول الغير في] (٢) "كتاب النكاح"، وذلك أن الغير اعتبر حالتها يوم الهبة.
فإذا كانت موسرة فالهبة جائزة، لأنها هبة [محوذة] (٣) في ذمة الزوج تجوز، وإن لم يعلم [بذلك] (٤) ولا رضي.
وما يطرأ بعد ذلك من الدين فقد طرأ على هبة محوزة، كمن وهب دينًا في ذمة غيره، فلا يتصور فيه قبض ولا حوز إلا قبض الوثيقة إن كان الدين بكتاب أو القبول إن كان الدَّين بغير كتاب.
وابن القاسم في أحد قوليه اعتبر حالتهما يوم الطلاق.
فإن كانت معسرة: فالهبة غير جائزة؛ لأنها هبة غير مقبوضة ولا محوزة حتى طرأ من الدين ما يفترقها، وذلك مما يبطل الهبة ويوهن العطية.
[وأما الوجه الثالث: إذا كانت المرأة معسرة في الزمانين فلا يخلو من أن تكون قبضت صداقها من الزوج قبل الطلاق أو لم تقبضه.
فإن قبضته واستهلكته فلا شيء للموهوب له قولًا واحدًا.
فإن لم تقبض حتى طلقها فلها النصف الذي تقبضه الزوجة من الزوج بعد الطلاق؛ لأنه قبضٌ ما وجب له، والحمد لله وحده] (٥).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من هـ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٦٧ ]
المسألة الثامنة في الزوجة بماذا تستوجب الصداق؟
ولا خلاف بين الأمة أن المرأة تستوجب جميع الصداق بالدخول والاستمتاع أو بالموت:
فأما وجوبه بالدخول فقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتم بِهِ مِنْهُن فآتوهنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (٢)، إلى قوله سبحانه: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ (٣).
وأما وجوبه بالموت: فليس فيه دليل مسموع من كتاب ولا سنة إلا انعقاد الإجماع.
واختلف المذهب عندنا في طول المكث، هل يقوم مقام الدخول؟ على قولين، وقد قدمنا الكلام في الاعتراض عليه فيما سلف من هذا "الكتاب".
واختلف [المذهب] (٤) عندنا [أيضًا] (٥) هل تملك بالعقد شيئًا من الصداق أم لا؟، على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنها بالعقد تستوجب جميع الصداق، وهو قول مالك في "كتاب الرهون"، حيث قال فيمن رهن لامرأته رهنا [قبل بنائه بها، فقال
_________________
(١) سورة النساء الآية (٢٤).
(٢) سورة النساء الآية (٢٠).
(٣) سورة النساء الآية (٢١).
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٦٨ ]
مالك: ذلك جائز؛ لأنها تملك بالعقد جميع الصداق، وهو قول [الغير] (١) في "كتاب النكاح الثاني" في باب هبة المرأة] (٢) صداقها لزوجها أو لأجنبي وفي [باب] (٣) غلات [الصداق] (٤).
والثاني: أنها لا تملك بالعقد شيئًا من الصداق، وهو ظاهر قول مالك في "المدونة" فيما يفسخ قبل البناء ويثبت بعده وكان فساده في عقده أو لشروط اقترنت به إذا طلق قبل الفسخ أن الصداق لا يشطر بينهما على مشهور المذهب.
والقول الثالث: أنها تملك بالعقد نصف الصداق، و[يستقر] (٥) لها النصف الآخر بالموت أو الدخول، وهو قول مالك في "كتاب النكاح الثاني" من "المدونة"، وفي "كتاب الزكاة الثاني" من "المدونة" إذا تزوجها على غنم بأعيانها، فحال الحول عليها، وهي في يدها أو في يد الزوج، ثم طلقها فجاء [المصدق] فقال: إن كان في [حظ] (٦) كل واحد منهما ما تجب فيه الزكاة، فإنهما يزكيان زكاة الخليطين؛ لأنه لم يزل في ذلك شريكا في النماء والنقصان.
فإذا وقع الطلاق فإن الصداق يشطر بينهما، لقوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتمُوهنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (٧)، وهو
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) في هـ: المغيرة.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من هـ.
(٥) في أ، جـ: يتقرر.
(٦) سقط من أ.
(٧) سورة البقرة الآية (٢٣٧).
[ ٣ / ٤٦٩ ]
ينقسم -أعنى الطلاق- قبل البناء إلى ما كان باختيار من أحد الزوجين، وإلى ما كان بغير اختيار منهما.
فأما ما كان بغير اختيارهما وإيثارهما، مما يوجب الفسخ قبل البناء، إذا طلق فيه قبل أن يحكم الحكم بفسخه، وكان موجب فسخه غير صداقه، هل يشطر فيه الصداق أم لا؟ على قولين.
وأما إذا كان باختيار من أحدهما، فلا يخلو [من أن يكون] (١) ذلك باختيار منهما أو باختيار منه.
فإن كان ذلك باختيار منها كقيامها بعيب يوجد فيه أو كانت أمة تحت عبد فعتقت، ثم اختارت نفسها أو ما كان في معناه مما لا سبب فيه للزوج، واختارت الزوجة الفراق، فلا شيء لها من الصداق، لا نصف ولا غيره؛ لأن الطلاق جاء من جهتها.
وأما ما جاء باختيار من الزوج، ولا سبب فيه للزوجة، فلا خلاف في المذهب أن لها نصف الصداق.
فإن اشتركا في السبب، مثل: أن يكون الطلاق لعدم الصداق أو لعجزٍ عن النفقة، فالمرأة تسببت في الطلاق بطلبها ما يؤدي إليه، والزوج تسبب فيه أيضًا لإظهاره العجز عما طلبته المرأة مع الإمكان أن يكون قد أخفى ماله، وأظهر الفقر، إلا أن سبب الزوجة في ذلك أظهر من سبب الزوج، فقد اختلف المذهب في ذلك على قولين:
أحدهما: أن لها نصف الصداق، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٧٠ ]
والثاني: أنها لا شيء لها من الصداق [كما للرجل] (١)، وهو قول ابن نافع، ولا فرق عنده بين قيامها بحدوث فقر أو حدوث عيب، وهذا هو الأظهر.
فإن كان الفراق بغير تسبب واحد من الزوجين، وكان ذلك من غيرهما، كمن تزوج كبيرة ومرضعتين، فأرضعتهما الكبيرة قبل البناء، فنكاح الكبيرة منفسخ على كل حال؛ لأنها من أمهات نسائه، ولا شيء لها من الصداق؛ لأن الفسخ جاء من قبلها، وله أن يختار إحدى المرضعتين.
واختلف في التي يفارقهما منهما، هل لها شيء من الصداق، أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها لا شيء لها من الصداق، لا نصف ولا غيره، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن لها ربع صداقها؛ لأنه لو فارقها قبل أن يختار كان النصف بينهما.
والثالث: أن لها نصف صداقها، كما لو طلقها طوعًا؛ لأنه طلاق لا سبب لها فيه، وهو قول ابن حبيب في "واضحته".
وسبب الخلاف: المخير بين شيئين هل يعد مختارًا [لما ترك] (٢) أم لا؟ وذلك أن الزوج قادر على أن يطلق التي أمسك، ويمسك التي طلق.
ومن رأى أنه لا يعد مختارًا [لما ترك] (٣) قال: لا شيء عليه؛ لأنه مغلوب على الفراق.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ، جـ: لأحدهما.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٧١ ]
وعلى القول بأن الزوج يغرم لها نصف الصداق، وهل يرجع الزوج بذلك على الكبيرة، أو هل ترجع عليها الصغيرة بنصف صداقها على القول بأنها لا شيء لها على الزوج؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن الزوج يرجع عليها بما غرم على المرضعة؛ لأنه بسببها غرم، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب القطع في السرقة": في الشاهدين إذا شهدا على رجلٍ أنه طلق زوجته قبل البناء، ثم رجعا عن شهادتهما بعد الحكم بها فقال ابن القاسم: يغرمان نصف الصداق، فظاهره أنهما يغرمانه للزوج على الخلاف في ذلك.
والثاني: أن الزوج لا يرجع على الكبيرة بشيء مما غرم [وهو قول أشهب] (١) في مسألة السرقة.
وسبب الخلاف: الغرور بالفعل، هل يلزم أو لا يلزم؟
فمن رأى أن الغرور بالفعل يلزم، قال: يرجع عليها؛ لأنها تسببت بفعلها إلى أن غرم الزوج نصف الصداق.
ومن رأى أن الغرور بالفعل لا يلزم قال: لا يرجع عليها بشيء.
وهكذا الخلاف في الصغيرة، وهل يرجع على الكبيرة [على القول] (٢) بأنها لا شيء لها على الزوج أم لا؟ على قولين.
وسبب الخلاف: ما قدمناه [آنفا] (٣).
ومن رأى أنها ترجع عليها بنصف صداقها، قال: لأنها فوتت عليها دينًا وجب لها على زوجها بفعلها.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ع، هـ: أيضًا.
[ ٣ / ٤٧٢ ]
ومن رأى أنها لا ترجع عليها بشيء، قال: لأنها لم تفوت عليها بفعلها شيئًا، لكون سلعتها معها؛ ولهذا أخذ العوض التام عنها مهما أحبت، على الوجه الذي يكون الصداق بينهما نصفين.
وإذا وقع الطلاق بينهما قبل [البناء] (١) باختيار من الزوج، فلا يخلو الصداق من أن يكون قائمًا بيدها أو فائتًا.
فإن كان قائمًا أخذ الزوج نصفه، واختلف هل يرجع الزوج بالغلة إن كان الصداق مما له علة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنها ترد نصف [الغلة وتحاسب فيها بما أنفقت ما لم تكن النفقة أكثر من الغلة، وهو قول ابن القاسم في "كتاب النكاح الثاني" من "المدونة".
والثاني: أنها لا ترد الغلة] (٢)؛ لأن الغلة بالضمان ولأن الصداق لو هلك كان الضمان منها، وكان للزوج أن يبني بها، وهو قول عبد الملك في "كتاب المذكور"، وهو قول الغير المذكور [فيه] (٣)، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" أيضًا.
وسبب الخلاف: اختلافهم في المرأة هل تملك جميع الصداق بالعقد أم لا تملك إلا نصفه خاصة؟
فإن كان الصداق فائتا فلا يخلو ذلك من أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون سببا للفوات من جهتها.
والثاني: أن يكون من قبل الله تعالى.
_________________
(١) في ع، هـ: الدخول.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٧٣ ]
والثالث: أن يكون من [قبل] (١) آدمي أجنبي.
والرابع: أن يكون ذلك [بسببها] (٢) من [قبل] (٣) الصداق نفسه.
فأما الوجه الأول: إذا كان سبب الفوات من جهة الزوجة، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن يكون تفويتا معنويا، مثل: أن تهب أو تعتق [أو يكون تفويتها تفويتا يرجع إلى أن تختص هي فيه من منافعها الخاصة أو في منافعهما جميعا وزوجها] (٤) أو تبيع.
فإن كان تفويتها تفويتا معنويا، مثل أن تهب الصداق أو تتصدق به أو تعتق إن كان عبدًا أو أمة فلا تخلو الزوجة من أن تكون موسرة أو معسرة:
فإن كانت موسرة يوم الطلاق فلا إشكال في نفوذ ما فعلت وتغرم للزوج نصف القيمة.
واختلف في القيمة متى تعتبر؟ على قولين:
أحدهما: أن عليها القيمة يوم الهبة أو العتق، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أن القيمة يوم القبض، وهو قول عبد الملك.
وإن كانت يوم الطلاق معسرة، فلا تخلو من أن تكون يوم الهبة موسرة
_________________
(١) في ع، هـ: سبب.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ، جـ: سبب.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٧٤ ]
[أو معسرة. فإن كانت معسرة فللزوج الرجوع في عين شيئه إن كان قائما واتباع ذمة زوجته إن كان فائتا، فإن كانت يوم الهبة موسرة] (١) ويوم العتق معسرة فقولان، وقد قدمناهما بشرحٍ كافٍ. [والحمد لله وحده] (٢).
فإن فوتته فواتا يرجع إلى منفعتها الخاصة بها، مثل أن تشتري بصداقها ما لا يصلح لجهازها، فلا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن تشتري ذلك من زوجها.
والثاني: أن تشتري من أجنبي.
فإن اشترت ذلك من زوجها مثل: أن تشتري [منه] (٣) عبدًا أو دارًا، ثم طلقها قبل البناء بها، فهل يرجع عليها بنصف ما اشترت أو بنصف ما أصدقها؟ على قولين:
أحدهما: أنه يرجع عليها بنصف ما اشترت، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه يرجع عليها بنصف ما أصدقها، كما لو اشترت ذلك من أجنبي، وهو الأظهر.
وما رأيت لقول ابن القاسم في "المدونة" وجهًا إلا شيئًا ذكره إسماعيل القاضي وذلك بأن قال: إنما جوز للزوج الرجوع عليها بنصف ما اشترت منه، لاحتمال أن يكون حابته في الشراء فإذا رجع عليها بنصف ما أصدقها: كان ذلك ظلما عليها، فوجب له الرجوع عليها بنصف ما اشترت
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من أ، ع.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٧٥ ]
[منه؛ لأن الزوج على ذلك دخل فكأنه الذي أصدقها، فإن اشترت ذلك من أجنبي فلا خلاف في المذهب أنه يرجع عليها بنصف ما اشترت به] (١)، الذي هو الصداق.
فإن فوتته فواتا ترجع منفعته إليهما جميعًا مثل أن تشتري به ما يصلح لجهازها مما جرت به العادة لأمثالها: فلا خلاف في المذهب عندنا أيضًا أنه يرجع عليها بنصف ما اشترته، لأن الزوج على ذلك دخل.
والوجه الثاني: إذا كان الفوات من قبل الله تعالى فلا يخلو من أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون فواتًا للكل.
والثاني: أن يكون نقصانًا.
والثالث: أن يكون زيادة.
والرابع: أن يكون زيادة ونقصانًا.
فإذا فات فوات الكل، ولها على ذلك بينة، فالضمان [منهما] (٢) جميعًا، ولا يرجع عليها الزوج [بشيء] (٣)، سواء كان مما يغاب [عنه] (٤) أو مما لا يغاب [عنه] (٥).
فإن لم يقم لها على الفوات بينة فإن كان مما لا يغاب [عنه] (٦)
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: عليه.
(٥) في أ: عليه.
(٦) في أ: عليه.
[ ٣ / ٤٧٦ ]
كالحيوان والعبيد فالقول قولها ما لم يتبين كذبها.
وإن كان مما يغاب عليه فلا يقبل قولها في الفوات.
وإن كان نقصانًا فذلك بينهما ولا ضمان عليها فيما نقص.
فإن كان زيادة أو زيادة ونقصانًا: فذلك بينهما أيضًا إنصافا على ما هو عليه من نماء أو نقصان.
والوجه الثالث: إذا كان التفويت من سبب أجنبي مثل أن يكون الصداق عبدًا فجنى عليه أجنبي جناية، [فإنهما يتبعان به بما] (١) نقصته الجناية، ويكون بينهما نصفين، فمن عفا منهما سقط حقه وأتبعه الآخر بقدر حقه.
والوجه الرابع: إذا كان سبب الفوات من قبل الصداق نفسه مثل أن يكون عبدًا فيجني عليه جناية فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن [يسلمه] (٢) من هو في يديه منهما من الزوج أو الزوجة.
والثاني: [أن يفتديه بأرش تلك الجناية] (٣).
فإن أسلمه من هو في يديه منهما [على القول أن المرأة تملك نصف الصداق بالعقد خاصة] (٤) فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يحابي في الدفع.
_________________
(١) في ع، هـ: فإنما يتبعاه بقدر ما.
(٢) في أ، جـ: يفتديه.
(٣) في أ، جـ: أن يسلمه إلى المجني عليه.
(٤) سقط من أ، جـ.
[ ٣ / ٤٧٧ ]
والثاني: أن يسلم من المحاباة [فإن سلم من المحاباة فلا شيء للآخر علي العبد ولا له على صاحبته شيء وهو نص مالك في الكتاب في المرأة] (١).
فإن [حابت] (٢) في الدفع [من دفعه] (٣) منهما، فلا يخلو العبد من أن يكون قائمًا بيد المجني عليه أو فائتًا:
فإن كان قائمًا كان الخيار للآخر منهما بين أن يدفع نصف الجناية [ويسترجع] (٤) نصف العبد أو يرضى بفعل صاحبه [بالتسليم] (٥).
فإن كان العبد قائمًا، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون فواته فواتًا حسيًا.
أو يكون فواته فواتا معنويًا.
فإن كان فواته فواتا حسيًا مثل أن يموت عند، فلا يخلو موته من أن يموت حتف أنفه أو مات مقتولًا.
فإن مات حتف أنفه، هل يرجع الآخر على الذي حابى في الدفع بقدر نصيبه [في] (٦) المحاباة أم لا؟ على قولين في المذهب:
_________________
(١) سقط من أ، جـ.
(٢) في أ، جـ: حابى.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ، جـ: ويرجع.
(٥) في أ، جـ: في التسليم.
(٦) في أ، جـ: من.
[ ٣ / ٤٧٨ ]
أحدهما: أنه يرجع عليه بحقه من المحاباة، وهو قول محمَّد بن الموَّاز.
والثاني: أنه لا يرجع عليها بشيء إن كان الدفع من الزوجة؛ لأنها تقول: لم يكن عليَّ أن أفتديه وكرهت أن أدفع ثمنًا من عندي [وكرهت بقاءه عندي] (١) خوفًا أن يعود لمثل ذلك، إلي هذا أشار أبو الحسن اللخمي - ﵁ -.
فإن مات مقتولا فلا يخلو المجني عليه من أن يأخذ فيه أرشًا أم لا؟
فإن أخذ فيه أرشًا، فللذي لم يسلمه من الزوجين خيار بين أن يأخذ نصف المحاباة من صاحبه أو يدفع نصف الأرش للمجني عليه أو لا يشاركه فيما أخذ من قيمة العبد من الذي قتله، وإن لم يأخذ فيه، فالحكم فيه كالحكم أن لو مات حتف أنفه، وقد قدمناه.
فإن كان فواته فواتًا معنويًا، مثل أن يفوت بحوالة سوق فاعلا، فللذي لم يسلمه من أحد الزوجين الخيار أيضًا بين أن يرجع على صاحبه بنصف المحاباة أو يدفع للمجني عليه نصف الأرش، ويكون العبد بينهما نصفين [فإن فداه من هو في يديه منهما بأرش تلك الجناية فلا سبيل للآخر إلى أخذ نصفه حتى يدفع له نصف ما فداه] (٢) والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٧٩ ]
المسألة التاسعة إذا تزوجها على من يعتق عليها
ولا يخلو ذلك من أربعة أوجه:
إما أن يتجهلا جميعًا، أو يعلما جميعًا، أو يجهل الزوج وتعلم المرأة، أو تجهل الزوجة ويعلم الزوج.
فإن جهلا جميعًا الزوج والزوجة، ثم علما بعد ذلك، وقد [طلقها (١) أو لم يطلق فإنه يعتق عليها بالعقد، ويكون التراجع بين الزوجين إن طلق فليرجع عليها بنصف قيمته أو يرجع في نصف العبد ويكون معها شريكا.
وإن [لم] (٢) يطلَّق فلا ترجع عليه بقيمته؛ لأن العقد وقع على عوض مملوك تجوز المعاوضة به وعليه، واستمرار الملك بعد ثبوته أمرًا آخر.
فإن علما جميعًا الزوج والزوجة فإن العبد عتيق، ويكون ولاؤه لها، ولا رجوع لها على الزوج بشيء.
واختلف في الزوج إذا طلقها هل يرجع عليها بنصف قيمته أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن يتبعها بنصف قيمة العبد.
والثاني: أنه لا يرجع عليها بشيء.
_________________
(١) في أ، جـ: طلق.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٨٠ ]
والقولان لمالك -﵀ [ولا خلاف عندنا] (١) في المذهب، أنه لا سبيل له إلى رد العتق في العسر واليسر.
فإن جهل الزوج وعلمت المرأة فللزوج الرجوع عليها إن طلق في نصف العبد إن كانت معسرة أو بنصف قيمته إن كانت موسرة.
فإن جهلت الزوجة بأنه أبوها أو من يعتق عليها، ففي رجوع الزوج [عليها إن طلق] (٢) قولان وقد قدمناهما.
واختلف في رجوعها على الزوج على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن لها أن ترجع عليه بقيمة جميعه [إن أمسك] (٣) أو بقيمة نصفه إن طلِقَّ؛ لأن ذلك غرور [في القول] (٤) والفعل، وهو ظاهر "المدونة" في غير ما موضع، وهو نص قوله في "كتاب محمَّد" وفي "المبسوط".
والثاني: أنها لا ترجع [عليه] بشيء، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الفرائض" من "المدونة" في العامل إذا اشترى من يعتق على رب المال أو على العامل، وظاهره لا فرق بين أن يعلم البائع أو لا يعلم، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب العتق الثاني" من "المدونة" [والحمد لله وحده] (٥).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ، جـ: بالقول.
(٥) زيادة من ب.
[ ٣ / ٤٨١ ]
المسألة العاشرة في نكاح التفويض
ونكاح التفويض: هو أن يتزوج الرجل المرأة ولم يذكر الصداق لا إثباتا ولا إسقاطا.
ولا خلاف بين الأمة في جوازه لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (١) [معناه ولم تفرضوا لهن فريضة] (٢) فأباح الله تعالى الطلاق قبل البناء وقبل التسمية، فكان ذلك دليلًا على نكاح التفويض؛ لأن الطلاق لا يلزم إلا في نكاح صحيح، فدل ذلك على جوازه.
فإذا ثبت ذلك فالزوج بين خيارات ثلاث:
إما أن يطلق ولا يفرض، وإما أن يفرض صداق المثل، وإما أن يفرض ما يطلبه إليه من له الرد والقبول.
فإن طلَّق ولم يفرض لها فليس لها من الصداق شيء وإنما لها المتاع، وهذا هو المشهور عند العلماء [ومنهم] (٣) من ذهب إلى أنها إذا طلبت الفريضة لزم الزوج أن يفرض لها صداق المثل، ولا خيار له في ذلك.
فإن طلق الزوج قبل الفريضة لزم [على] (٤) ما قال هذا القائل أن
_________________
(١) سورة البقرة الآية (٢٣٦).
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: ومن العلماء.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٨٢ ]
يكون لها نصف الصداق، وذلك بعيدٍ جدًا، ومراغم لكتاب الله تعالى، لأن الله تعالى لم يثبت لها إذا طلقت قبل البناء إلا المتاع.
فإن فرض لها الزوج صداق المثل، فلا كلام لأحد في ذلك، لا لها ولا لأوليائها.
واختلف في المثلية المعتبرة، ما هي؟
فقال قائل: المثلية نساء عصبتها خاصة، وهو مذهب الشافعي.
وقائل يقول: يعتبر في ذلك نساء قرابتها من عصبتها وغيرهم، وهو مذهب أبي حنيفة.
وقائل يقول: تعتبر المثلية بذوات الأرحام خاصة، وهو مذهب ابن أبي ليلى.
وقائل يقول: تعتبر في المثلية الحال والمال [والجمال] (١) والشطاط، من غير التفات إلى نساء قومها ولا إلى قرابتها، وهو مذهب مالك - ﵁ -.
وسبب الخلاف: هل المماثلة في [المنصب] (٢) فقط أو [في المنصب] (٣) في المال [والجمال] (٤)؟ لقوله - ﷺ -: "تنكح المرأة لدينها وجمالها ومالها، فعليك بذات الدين تربت يداك" (٥).
فإن فرض ما طلبه به من له الرد والقبول، فلا يخلو من أن يطلب إليه
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ، جـ: الصنف.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ، جـ: والحال.
(٥) تقدم.
[ ٣ / ٤٨٣ ]
صداق المثل أو [فرضه هو ابتداء قبل أن يسأله فرضيت به أو رضي به الولي أو] (١) طلب إليه أقل من صداق المثل.
فإن طلب إليه أقل من صداق المثل: ففعل، فلا كلام لواحد منهما في ذلك.
فإن طلب إليه أقل من صداق المثل أو فرضه هو ابتداء قبل أن يسأله فرضيت به أو رضي به الولي، فلا يخلو حالها من ثلاثة أوجه:
إما أن تكون ذات أب، أو ذات وصي، أو مهملة.
فإن كانت ذات أب فلا تخلو من أن تكون مالكة أمر نفسها أو غير مالكة.
فإن كانت مالكة أمر نفسها فالرضا بالصداق إليها دون الأب.
فإن فرض أقل من صداق [المثل] فرضيت به جاز ذلك، ولا كلام في ذلك لأبيها.
وإن كانت غير مالكة أمر نفسها فالرضا في ذلك إلى الأب.
فإن فرض لها الزوج أقل من صداق مثلها، وكان ذلك قبل البناء أو بعده فرضي بذلك الأب، فهل يجوز ذلك على الابنة أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك جائز عليهما، وهو قول مالك في "كتاب النكاح الثاني".
والثاني: أن ذلك [غير] جائز، وهو قوله في "كتاب النكاح الأول"
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٨٤ ]
[من المدونة] (١).
وقد أتقنا هذه المسألة في "كتاب النكاح الأول" إتقانًا لا مزيد عليه.
فإن كانت ذات وصي فلا تخلو من أن تكون رشيدة أو سفيهة.
فإن كانت رشيدة: فالرضا إليها دون وصيها.
فإن فرض لها أقل من صداق مثلها فرضيت به جاز ذلك ولا كلام للوصي.
فإن رضي به الوصي دونها لم يجز.
فإن كانت سفيهة، فرضى لها الزوج صداق مثلها جاز ذلك ولا كلام لها ولا للوصي.
فإن فرض لها أقل من صداق مثلها، فرضيت بذلك دون الوصي لم يجز.
وإن رضي بذلك الوصي دونها، فقولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك جائز عليها ولازم لها؛ لأن النظر في المال إلى الوصي لا إليها، وهو ظاهر قوله في "كتاب ابن حبيب" وهو اختيار شيوخنا المتأخرين.
والثاني: أن ذلك لا يجوز إلا باجتماع منهما على الرضا، وهو ظاهر
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٨٥ ]
قول مالك في "باب نكاح التفويض" من "المدونة".
وفي المسأله قول ثالث: أن ذلك لا يجوز وإن تراضيا؛ لأن رضاها لا يعد رضا، لكونها محجورًا عليها، ومحاباة الوصي في مالها لا يجوز أيضًا، فلم يبق إلا المنع، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة".
فإن كانت مهملة وكانت ثيبًا: فالرضا بالصداق إليها دون وليها.
وإن كانت بكرًا ففرض لها الزوج أقل من صداق مثلها، فهل يجوز لها الرضا بما فرض لها أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن رضاها بذلك لا يجوز، هو ظاهر قول مالك في "المدونة".
والثاني: أن رضاها بأقل من صداق المثل جائز، وهو وقل الغير في بضع روايات "المدونة"، وعليها اختصر أكثر المختصرين، كأبي سعيد وغيره.
وسبب الخلاف: هل البلوغ علامة الرشد [حتى يظهر السفه؟ أو يحمل بعد البلوغ على السفه حتى يتبين الرشد؟ وإلى أن البلوغ دلالة على الرشد] (١) في الذكران والإناث.
ذهب زياد شبطون فيما رواه عن مالك، وهو ظاهر قول ابن القاسم في الذكران في "كتاب النكاح الأول" من "المدونة" في قوله: وإذا احتلم الغلام فله أن يذهب حيث شاء إلا أن يخاف عليه من ناحية السفه، فللأب أن يمنعه.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٨٦ ]
ومشهو [المذهب] (١): [أن] (٢) الاحتلام لا يكون دلالة على الرشد لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رشْدًا فَادْفَغوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴾ الآية (٣).
وقد ينبني فيه الخلاف على الخلاف في أفعال السفيه غير المحجور عليه، هل هي على الجواز حتى ترد أو على الرد حتى يجاز؟ ومشهور المذهب: أنها على الجواز حتى ترد وما أظن خالف في ذلك من أصحاب مالك إلا ابن القاسم [فإن مات أحدهما فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يموت قبل البناء وقبل التسمية.
والثاني: أن يموت قبل البناء وبعد التسمية.
والثالث: أن يموت بعد البناء] (٤).
فإن مات أحدهما قبل البناء وقبل الفريضة، فلا خلاف في مذهب مالك -﵀- أنها لا شيء لها من الصداق وأنهما يتوارثان بينهما.
وذهب أبو حنيفة إلى أن لها [صداق المثل] (٥)، وهو أحد قولي الشافعي.
وسبب الخلاف: معارضة القياس للأثر.
أما الأثر فما أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي عن ابن مسعود أنه
_________________
(١) في أ، جـ: المدونة.
(٢) سقط من أ.
(٣) سورة النساء الآية (٦).
(٤) سقط من أ.
(٥) في ع، هـ: الصداق.
[ ٣ / ٤٨٧ ]
سئل عن هذه المسألة، فقال: أقول فيها برأيي، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني، أرى لها صداق امرأة من نسائها لا وكس ولا شطط، وعليها العدة ولها الميراث، فقام معقل بن يسار الأشجعي، فقال: "أشهد لقضيت فيها بقضاء رسول الله - ﷺ - في بروع بنت واشق" (١).
فأما القياس [المعارض] لهذا الأثر: فهو أن الصداق عوض، فلما لم يقبض العوض لم يجب العوض قياسًا على البيع، ولا يعترض على هذا القياس بالمتوفى عنها [قبل البناء وقبل التسمية؛ لأن الأصل كان ألا شيء لها من الصداق أيضًا؛ لأنها خرجت بالإجماع وقال المزني من أصحاب الشافعي - ﵁ -] (٢): إن ثبت حديث بروع فلا حُجَّة لأحدٍ مع السنة والذي قاله هو الصواب. والله أعلم.
فإن مات أحدهما قبل البناء وبعد التسمية، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن تكون التسمية في المرض.
والثاني: أن تكون في الصحة.
فإن كانت التسمية في الصحة، فلم يدخل بها حتى مات أحدهما فلا خلاف أن لها جميع الصداق الذي فرض لها والميراث بينهما.
فإن كانت التسمية في المرض، فلا تخلو من أن تكون هي المريضة أو الزوج هو المريض.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢١١٦) والترمذي (١١٤٥)، والنسائي (٣٣٥٤)، وأحمد (٤٢٧٦)، وابن حبان (٤١٠٠)، وصححه الألبانى.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٨٨ ]
فإن كانت الزوجة هي المريضة، ففرض لها وهو صحيح، فلا تخلو من أن تموت من مرضها وهو صحيح أو تموت وهو مريض.
فإن ماتت وهو صحيح فالصداق لورثتها، ميراثًا بينهم وبينه.
وإن ماتت وهو مريض، فلا يخلو من أن يموت من ذلك المرض أو يصح بعد موتها.
فإن مات من ذلك المرض، فلا صداق لها ولا لورثتها، لا في الثلث ولا في رأس مال؛ لأن ذلك من باب "لا وصية لوارث".
فإن صحَّ من مرضه، فهل يكون ما فرض لها ميراثًا بينهم وبينه أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا شيء [عليه] (١) مما فرض وهو مريض، وهو ظاهر قوله في كتاب النكاح [الثاني] (٢) من "المدونة" في "نكاح المريض".
والثاني: أن ذلك لازم له أو لورثته، وهو قول أصبغ، لأنه إذا صح تبين أن ذلك المرض مما لا يخشى عليه منه الموت.
فإن كان الزوج هو المريض، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يفرض ويدخل.
والثاني: أن يفرض ولم يدخل.
فإن فرض في المرض ودخل بها فيه كان لها الأقل من المسمَّى أو صداق المثل من رأس ماله؛ لأن العقد في الصحة، والدخول في المرض بوجهٍ جائز
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٨٩ ]
يفارق النكاح في المرض.
فإن مات بعد البناء وقبل التسمية، فلها صداق المثل من رأس المال، والله أعلم [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٣ / ٤٩٠ ]
المسألة الحادية عشرة في نكاح التحكيم
واختلف في نكاح التحكيم، هل هو مثل نكاح التفويض، وهو أن يتزوجها على حكمه أو على حكمها، أو على حكم فلان لوليها، أو على حكم أجنبي من الناس مستقل بذلك أو شارك أحد الزوجين فيه، أو نكاح التحكيم على خلاف نكاح التفويض؟ على أربعة أقوال:
أحدهما: أن نكاح التحكيم مثل نكاح التفويض في الجواز إطلاقا، وهو قول ابن حبيب.
والثاني: المنع مطلقا ما لم يفت بالدخول، وهو قول الغير في "المدونة".
والثالث: التفصيل بين تحكيم الزوج فيجوز، وبين تحكيم غيره فيمنع، زوجة كان [المحكم] (١) أو غيرها، وهو قول [ابن عبد الحكم] (٢) في "كتاب محمَّد".
والقول الرابع: بالتفصيل بين أن تحكم الزوجة فيمنع، وبين غيرها فيجوز، زوجا كان أو غيره، وهو قول عبد الملك [أيضا] (٣).
فعلى القول بجوازه مطلقا، هل الحكم فيه على الحكم في التفويض أو على عكسه؟ فالمذهب على خمسة أقوال:
_________________
(١) في أ: الحكم.
(٢) في ع، هـ: عبد الملك.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٩١ ]
أحدها: أن الحكم فيه على الحكم في نكاح التفويض، وأن الغرض في ذلك إلى الزوج، سواء كان الحكم إليه أو إليها أو إلى أجنبي، وهذا القول حكاه ابن حبيب عن ابن القاسم وابن عبد الحكم وأصبغ.
والثاني: أن الحكم فيه على عكس نكاح التفويض، وأن المحكم هنا كالزوج في التفويض، فإن فرض صداق المثل لزمها. وإن حكم بأقل من صداق المثل لزم الزوج، وكانت المرأة بالخيار، وإن فرض أكثر من صداق المثل لزم المرأة، والزوج بالخيار، ويجعل هذا معنى قوله في "الكتاب": إن رضي بما حكمت أو رضيت بما حكم فلان أجاز النكاح، وإلا فرق بينهما، فلم يكن عليه شيء بمنزلة التفويض، إذا لم يفرض لها صداق المثل، وهذا تأويل أبي الحسن القابسي على "المدونة".
والقول الثالث: أن الحكم لا يلزم إلا بتراضي الزوج والمحكم زوجة كانت أو غيرها.
فإن فرض الزوج صداق المثل فأكثر ولم ترض بذلك المحكم، زوجة كانت أو غيرها لم يلزم. وإن فرض الحكم صداق المثل فأقل برضاها لم يلزم الزوج إلا أن يشاء، وهو تأويل أبي محمَّد.
والرابع: أنه لا يلزم إلا بتراضي الزوجين، وهو قول عبد الملك في "كتاب محمَّد".
والخامس: أنه لا يلزم إلا بتراضي الزوجة، وهو قول عبد الملك.
وسبب الخلاف: [اختلافهم] (١) في الرخص هل يقاس عليها أو لا يجوز القياس عليها؟ وذلك أن نكاح التفويض رخصة من الله تعالى ورفقا بعباده. والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٩٢ ]
المسألة الثانية عشر في نكاح المريض والمريضة
ولا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن تكون المرأة هي المريضة.
والثاني: أن يكون الزوج هو المريض.
فإن كانت الزوجة هي المريضة، فتزوجها في مرضها، فلا يخلو من أن يعثر على ذلك قبل الصحة أو بعد الصحة.
فإن عثر على ذلك بعد أن صحَّت، هل يثبت النكاح أو يفسخ بينهما؟ فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: أنه يفسخ وإن صحَّت، وهو الذي رجع عنه مالك.
والثاني: أنها إن صحت ثبت النكاح بينهما، وهو الذي ذهب إليه مالك.
وعلى القول بأنه يفسخ وإن صحت، فلا يخلو من أن يعثر على ذلك قبل الدخول أو بعده.
فإن عثر عليه البناء، فلا صداق لها، لا نصف ولا غيره.
وإن عثر على ذلك بعد البناء، كان لها المسمى على أشهر المذهب، ولا ميراث بينهما.
وإن ماتت هي فلا يرثها، وإن كان أبوها هو الذي زوجها ولا وارث لها غيره، وهذا نص قول ابن القاسم في "كتاب محمَّد" [فإن عثر عليه في
[ ٣ / ٤٩٣ ]
المرض فهل يجوز أن يفسخ وهو المشهور؟ قولان] (١):
وإن كان الزوج هو المريض، فلا يخلو مرضه من أن يكون مرضًا مخوفًا منه أو غير مخوف منه.
فإن كان غير مخوف ويده مطلقة بالتصرف في ماله فحكمه حكم الصحيح في جميع أموره ولا إشكال في ذلك.
وإن كان مرضه مرضًا يخاف عليه منه حتى يمنع من التصرف في جميع ماله بالتعارف، فهل يجوز نكاحه أو لا يجوز؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن النكاح فاسد ويفسخ، متى عثر عليه ولا ميراث فيه، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أن النكاح جائز جملة بلا تفصيل، وهو قول مطرف.
والثالث: التفصيل بين أن [يكون] (٢) نكاحه للحاجة [والإصابة] والقيام بحقوق الزوجة فيجوز، أو يكون غير قادر على الإصابة وقصد الإضرار بالزوجة فلا يجوز، وهذا القول حكاه ابن المنذر عن مالك وابن القاسم.
وعلى القول بفساد النكاح، فإن صحَّ فهل يثبت النكاح أم لا؟ على قولين [منصوصين في المدونة.
وعلى القول بأنه يفسخ إن عثر عليه في المرض، هل يكون فسخه بطلاق أو بغير طلاق فالمذهب على قولين قائمين] (٣) من "المدونة":
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٩٤ ]
أحدهما: أنه يفسخ بطلاق، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه يفسخ بغير طلاق، وهو قول أشهب.
وهكذا اختلفوا أيضًا إذا مات من مرضه ذلك، هل عليها عدة الوفاة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنها تعتد عدة الوفاة، وهو أحد قولي ابن القاسم على ما حكاه عنه أبو محمَّد في "النوادر".
والثاني: أن عدتها ثلاثة قروء، وهو قول أشهب، وإليه رجع ابن القاسم.
وسبب الخلاف: في جميع ما قدمناه [اختلافهم] (١) في العلة التي لأجلها منع نكاح المريض، هل العلة فيه استدخال الوارث على الورثة [أو] العلة الغرر الحاصل في الصداق؟
فمن ذهب إلى أن العلة المؤثرة في نكاح المريض استدخال الوارث على الورثة؛ لأنه كما منع من استخراج الوارث كذلك يمنع من استدخاله، وإلى هذه العلة مال [جمهور] (٢) متفقهة الزمان.
واختلف على موجب هذه العلة إذا تزوج أمة أو نصرانية، هل يجوز نكاحه أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يجوز نكاحه أيضًا، وهو قول محمَّد بن الموَّاز.
والثاني: أن النكاح جائز، وهو قول أبي مصعب.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الطوارئ هل تراعى أو لا تراعى؟
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٩٥ ]
فمن اعتبر الطوارئ قال: لا يجوز لأن الأمة قد تعتق والكتابية قد تسلم.
ومن لم يعتبرها قال: بالجواز لأن الإِسلام [والعتق] (١) [يقل] (٢) وقوعه.
وهكذا [اختلفوا] (٣) أيضًا إذا تزوج حرة مسلمة بإذن ورثته، هل يجوز النكاح أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز لإمكان أن يموت الآذن ويصير الميراث لغيره، وهو قول محمَّد في كتابه.
والثاني: أنه جائز وهو اختيار بعض المتأخرين، وهذا مبني على الأصل الذي قدمناه.
ومنهم من ذهب إلى أن العلة المؤثرة في فساد النكاح الغرر الحاصل في الصداق، إذ لا يدري هل يصح من مرضه فيكون الصداق من رأس المال أو يموت فيكون من الثلث؟
فإذا صرف إلى الثلث لا يدري ما يحمل الثلث منه هل كله أو بعضه؟ وهذا غاية ما يكون من الغرر.
وهذه علة صحيحة يشهد [لها] (٤) الاطراد والانعكاس.
والعلة الأولى ضعيفة في نفسها لوجود الحكم [مع عدمها] (٥)، وهو
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ع: مما، وفي هـ: مما يندر.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: لصحتها.
(٥) في أ، جـ: بعدها.
[ ٣ / ٤٩٦ ]
عدم التأثير عند الأصوليين، وقد قال مالك في "كتاب الأيمان بالطلاق" فيمن طلق امرأته في مرضه قبل البناء بها ثم تزوجها قبل صحته انفسخ [نكاحه] (١) معها، إلا أن يدخل بها، فيكون كمن [تزوج] (٢) في المرض وبنى فيه.
فقد فسخ نكاح المريض في هذه المسألة مع عدم العلة التي هي استدخال الوارث؛ لأنها ترثه على كل حال إن مات من ذلك المرض، لأنها مطلقة، فثبت أن العلة التي يصح أن يعلل بها الحكم الغرر في الصداق، كما قدمناه.
فإذا ثبت أن العلة الغرر في الصداق، فإن وقع الدخول، هل يكون صداقها من الثلث أو من رأس المال؟ قولان:
أحدهما: أن الصداق يخرج من رأس المال، وهذا القول مروى عن المغيرة، وهو شاذٌ جدًا.
والثاني: أنه يخرج من الثلث، وهو المشهور، والذي عليه الجمهور.
وعلى القول بأنه يخرج من الثلث، هل يجعل في الثلث صداق المثل [أو الأقل؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال.
أحدها: أنه يجعل في الثلث صداق المثل] (٣) بالغ ما بلغ، هو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب النكاح الثاني" من "المدونة"، وعلى ما تأوله الشيخ أبو عمران الفاسي، وهو قول ابن حبيب في "واضحته". ولا فرق
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: نكح.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٩٧ ]
في ذلك بين أن يتزوجها [بتفويض] (١) أو على صداق سمى.
الثاني: أنه يجعل في الثلث الأقل من التسمية أو صداق المثل، وهو ظاهر [قول ابن القاسم أيضًا] (٢) في كتاب "الأيمان بالطلاق" من "المدونة"، وهو [ظاهر] (٣) قول سحنون في "كتاب النوادر"، وعزاه إلى عبد الرحمن ابن القاسم.
والقول الثالث: بالتفصيل بين أن يكون تفويض أو تسمية.
فإن كان تسمية فجميعه مصروف إلى الثلث.
وإن كان بتفويض فإن الزائد على صداق المثل ساقط، وهو قول محمَّد واختياره.
وعلى القول بأن صداق المثل مصروف إلى الثلث، هل يُبدا على المدبر في الصحة أو المدبر في الصحة يُبدا عليه؟
فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أن صداق المنكوحة في المرض مُبدا على جميع الوصايا وعلى المدبر فى الصحة، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب النكاح الثاني" من "المدونة"، وهو قول ابن القاسم في "النوادر" أيضًا.
والثاني: أن المدبر في الصحة مُبدا على صداق المنكوحة في المرض، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب الزكاة" و"كتاب الوصايا" من "المدونة".
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ، جـ: قوله.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٩٨ ]
والثالث: [أنه] (١) يُبَدَّا بقدر صداق المثل على الوصايا والزائد، ويحاصص [به] (٢) مع [أهل] (٣) الوصايا، وهو قول أصبغ.
والرابع: أن المدبر في الصحة وصداق المنكوحة في المرض يتحاصان.
فوجه قول من قال بتبدية الصداق على المدبر، أن الصداق قد يكون من الثلث إن مات من ذلك المرض، وقد يكون من رأس المال إن صح، والمدبر مصيره من الثلث على كل حال، فكان الصداق [أولى و] (٤) أقوى.
ووجه قول من قال بتبدية المدبر، عقدٌ عقده في الصحة والمنكوحة في المرض عقد عقده، وفعل الصحة أبدًا [مقدم] (٥) على فعل المرض.
ووجه قول من قال أنهما يتحاصان، لقوة أمرهما وعدم الترجيح لأحدهما، فلم يبق إلا التحاصص بينهما، [والحمد لله وحده] (٦).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من هـ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ع، هـ: مبدي.
(٦) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٣ / ٤٩٩ ]
المسألة الثالثة عشر في دعوى الأخوة بين الزوجين
ولا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يدعى ذلك الزوجان فيما بينهما.
والثاني: أن [يدعي ذلك] (١) الأبوان أو أحدهما.
والثالث: أن يدعى ذلك الأجنبيون.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا ادعى ذلك أحد الزوجين، فلا يخلو من أن يدعيه الزوج أو الزوجة.
فإن ادّعا الزوج أنها أخته من الرضاعة، فلا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن تصدقه.
والثاني: أن تكذبه.
فإن صدقته، فلا يخلو من أن يكون ذلك قبل العقد أو بعده.
فإن كان قبل العقد: فلا يجوز النكاح بينهما لتقاررهما على أنفسهما بالأخوة فيما بينهما.
وإن كان بعد العقد، فلا يخلو من أن تكون الزوجة مالكة أمر نفسها أو غير مالكة.
فإن كانت مالكة أمر نفسها، فالنكاح بينهما مفسوخ، ولا شيء لها من
_________________
(١) في أ: يدعيهما.
[ ٣ / ٥٠٠ ]
الصداق.
إن كانت غير مالكة أمر نفسها، فالصداق واجب لها على زوجها إن كان بعد البناء أو نصفه إن كان قبله، والنكاح بينهما مفسوخ كما تقدم.
فإن تكاذبا، مثل أن يدعي ذلك أحدهما ويكذبه الآخر، فلا يخلو من أن يكون الزوج هو المدعي ذلك أو الزوجة.
فإن كان الزوج هو مدعي [الأخوة] (١) وأنكرت المرأة ما ادعاه، فالقول قولها ويؤاخذ الزوج بمقتضى قوله، ويحكم عليه بطلاقها ويكون لها جميع الصداق إن كان بعد البناء أو نصفه إن كان قبل البناء.
فإن كانت هي المدعية لذلك والزوج منكر، فلا يحكم عليه بفراقها بمجرد دعواها، وينظر.
فإن كان ذلك بعد البناء، فإن شاء الزوج طلق أو ردت عليه جميع الصداق لأنها أغرته.
وإن شاء أمسك ولا شيء عليه من قولها؛ لأنها متهمة في إرادة الفراق.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا ادعى ذلك الأبوان أو أحدهما.
فإن ادعى ذلك الأبوان أو أحدهما أبو الزوج وأبو للمرأة، فلا يخلو الزوج من أن يكون ممن يلزمه عقد الأب أو لا يلزمه.
فإن كان ممن يلزمه عقد الأب في النكاح لصغره، فلا إشكال [أن إقرار] (٢) الأب في ذلك كإقراره إن كان بالغًا رشيدًا، وذلك أن عقدة النكاح
_________________
(١) في ع، هـ: لأخوة الرضاع.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٥٠١ ]
بيد الأب، كما أن عقدة النكاح بيد الابن.
فإن كان ذلك قبل العقد، فلا يجوز للأب الإقدام على العقد.
فإن كان بعد العقد، فلا يلزم الولد إقرار الأب؛ لأنه يتهم في حل ما عقده عليه من النكاح.
وإن كان الولد ممن لا يلزمه عقد الأب، مثل أن يكون الولد بالغًا رشيدًا، فلا يخلوا الأبوان من أن يكونا عدلين أو غير عدلين.
فإن كان عدلين أبو الزوج وأبو المرأة، فلا خلاف في قبول شهادتهما وثبوت [المحرمية] (١) بالرضاع بينهما.
وإن كانا غير عدلين أو أحدهما، فلا يخلو من أن تقارن شهادتهما الفشو والعرف أم لا.
فإن قارنها الفشو والعرف أوجبت شهادتهما [المحرمية] (٢) بينهما.
وإن لم يقارنها أوجبت التنزه، فهل يوجب التحريم أم لا؟ قولان:
فإن ادعى ذلك أحد الأبوين، فلا يخلوا من أن يكون الذي ادعى ذلك أو الزوج أو أبو المرأة.
فإن ادعى ذلك أبو الزوج، فعلى التفصيل الذي قدمناه إن ادعاه الأبوان.
فإن ادعى ذلك أبو الزوجة: فالحكم فيه كالحكم في دعوى الأجانب، ونحن نذكره أيضًا إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) في ع، هـ: الحرمة.
(٢) في ع، هـ: الحرمة.
[ ٣ / ٥٠٢ ]
واختلف في الأم [هل هي كالأب] (١) فيما تدعيه، أعني أم الزوج أو أم الزوجة، على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن الأم كالأجنبي، وهو ظاهر قوله في "المدونة" في "كتاب الرضاع"، وهو المشهور.
والثاني: أن الأم كالأب، وهو قوله في "كتاب محمَّد" و"كتاب ابن حبيب" وهو ظاهر "المدونة" على إحدى الروايتين في كتاب [الرضاع] إذا قالت امرأة مكان أم المرأة.
وقال بعض المتأخرين: لعل معنى ذلك إذا كانت الأم وصية على عقد النكاح، فكانت كالأب.
وقال بعضهم: لا فرق بين الوصية وغيرها، بخلاف الأب، وهو الصحيح، والله أعلم.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا ادعى ذلك الأجنبيون فلا يخلو من أن يكون ذلك لشهادة قاطعة أم لا.
فإن ثبت بشهادة قاطعة، فلا إشكال في العمل بمقتضاها.
وإن كان ذلك بغير شهادة قاطعة، مثل أن يسمع ذلك بشهادة النساء، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك بشهادة امرأتين.
والثاني: أن يكون بشهادة امرأة واحدة.
فإن سمع ذلك بشهادة امرأتين، فإن كانتا [غير] (٢) عادلتين أوجبت
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من هـ.
[ ٣ / ٥٠٣ ]
شهادتهما التنزه عنها ولا توجب التحريم.
وإن كانتا عادلتين، فإن [قارنها] (١) الفشو [أوجبت التحريم، وإن لم يقارنها الفشو] (٢)، فهل يوجب التحريم أو التنزه دون التحريم؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها توجب التحريم [وإن لم يقارنها الفشو] (٣)، وهو قول مطرف وابن الماجشون وابن وهب وابن نافع وأصبغ في "كتاب ابن حبيب".
والثاني: أنها توجب التنزه دون التحريم، وهو ظاهر "المدونة" في "كتاب النكاح الثاني"، و"كتاب الرضاع" من "المدونة"، وهو قول مالك وابن القاسم.
فإن سمع ذلك بشهادة امرأة واحدة [وإن لم يقارنها الفشو فهل تفيد التنزه أم لا؟ قولان:] (٤) فإن قارنها الفشو: فلا خلاف أنها توجب التنزه، وهل توجب [المحرمية] (٥) أم لا؟
قولان قائمان في "المدونة" منصوصان في المذهب:
أحدهما: أنها توجب التنزه دون التحريم، وهو المشهور.
والثاني: أنها توجب التحريم، وهو ظاهر قوله في كتاب "النكاح الثاني" من "المدونة" في قوله: شهادة المرأة [الواحدة] (٦) في الرضاع لا
_________________
(١) في جـ: قارئهما.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ع، هـ: التحريم.
(٦) سقط من أ.
[ ٣ / ٥٠٤ ]
يقطع بها شيء، إلا أن يكون أمرًا قد فشا وعرف.
وهو نص قوله في كتاب ابن الموَّاز.
وسبب الخلاف: اختلافهم في [تأويل الأثر] (١) المعارض للإجماع، وذلك أن الإجماع انعقد على أنه لا يقبل من الرجال أقل من اثنين، ثم لا يخلو حال النساء من أحد وجهين:
إما أن تكون أضعف حالًا من الرجال.
وإما أن تكون أحوالهن في ذلك متساوية للرجال.
والإجماع منعقد على أنه لا يقضي بشهادة، [امرأة واحدة]، والأثر الوارد في ذلك حديث عقبة بن الحارث أنه قال: يا رسول الله إني تزوجت امرأة، فأتت امرأة فقالت: إني أرضعتكما، فقال له رسول الله - ﷺ -: "كيف وقد قيل دعها عنك" (٢).
فذهب بعضهم إلى أن معنى قوله - ﷺ -: "دعها عنك" أنه على الندب جمعًا بينه وبين الأصول.
ومنهم من يحمل ذلك على الوجوب.
والقولان عن مالك - ﵀، [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) في أ، جـ: التأويل.
(٢) أخرجه البخاري (٢٥١٦، ٢٥١٧، ٤٨١٦).
(٣) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٣ / ٥٠٥ ]
المسألة الرابعة عشرة في الأخوين إذا تزوجا أختين، وأدخل على كل أخ زوجة أخيه
فالحكم في ذلك أن ترد كل واحدة منهما إلى زوجها، ولا يطأها إلا بعد الاستبراء.
والحد في ذلك على من علم منهما من رجل أو امرأة.
واختلف في ذلك في موضعين:
أحدهما: في نفقتها في مدة الاستبراء، على من تكون؟
والثاني: في الصداق هل يرجع به على الذي وطئها أم لا؟
وأما الموضع الأول: في نفقتها أمد الاستبراء، هل هي على نفسها أو على واطئها؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن نفقتها في مدة الاستبراء على الوطء؛ لأنها احتبست من أجله.
والثاني: أن نفقتها على نفسها، فإن ظهر منها حمل رجعت على الواطئ بما أنفقت.
وإن خرجت من الاستبراء، لم يكن [لها] (١) عليه شيء؛ لأنه وطء بوجه شبهة، وإلى هذا المذهب ذهب الشيخ أبو عمران الفاسي، واتفقوا أنها: لا نفقة لها على زوجها في مدة الاستبراء؛ لأن النفقة إنما تجب على
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٥٠٦ ]
الزوج بالادعاء و[التمكن أو] (١) بالتمكين على الانفراد على ظاهر "الكتاب".
وأما الموضع الثاني: في الصداق، هل يثبت لها على الذي وطئها أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن لكل واحدة منهما صداقها على الذي وطئها، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
[والثاني]: أنه لا صداق [لها] (٢) عليه ولا تعمر ذمته بشيء، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب تضمين الصناع" فيمن اشترى ثوبا [فغلط] (٣) البائع [فدفع إليه] (٤) غيره فقطعه: فلا شيء عليه في القطع.
وسبب الخلاف: [اختلافهم في] (٥) المخطئ في مال نفسه هل هو كالمخطئ في مال غيره أم لا؟
فمن رأى أنه كالمخطئ في مال غيره، قال يكون لها الصداق على الواطئ، وهو قوله في "كتاب محمد" في البائع الذي أخطأ، فدفع للمشتري غير الثوب الذي اشترى منه.
ومن رأى أنه كالمخطيء في مال غيره، قال: لا صداق على الواطئ.
لأنها جنت على نفسها باستعجالها في الدخول ومبادرتها قبل التثبت
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ع، هـ: فأخطأ.
(٤) في ع، هـ: فأعطاه.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٥٠٧ ]
بزوجها وبمن تحل لها الخلوة معه، فكان الغرر من [جهتها ووبال الغرر عليها، وعلى القول بأن لها الصداق على الواطئ فهل يكون لكل واحدة منهما] (١) صداق المثل [أو المسمى] (٢)، فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: لكل واحدة منهما صداق مثلها على [الواطئ] (٣)، وهكذا ذكره أبو القاسم بن محرز أنه وجده لابن القاسم، وظاهر هذا القول ألا فرق بين أن يتساوى الصداقان أو يختلفا.
والثاني: أن لكل واحدة منهما ما سُمي لها مع الزوج الأول، وهو قول سحنون، وظاهره ألا فرق بين المساواة وعدمها.
والقول الثالث: التفصيل بين أن يتفق الصداقان، فيكون [كما قال سحنون الصداقان فيكون] (٤) كما قال ابن القاسم، وهو قول ابن لبابة [أيضًا] (٥).
فوجه القول الأول: لأن كل واحدة مهما دخلت على ذلك، وبه سلمت بضعها.
ووجه القول الثاني: أن الواطئ وطئ بوجه شبهة، فيكون الرجوع فيه إلى صداق المثل من غير اعتبار بالتسمية، ولا يتساوى الصداقان لأن للزوج مقالا [في] (٦) أن يقول: إنما بذلت هذا الصداق لزوجتي لجمالها أو
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: واطئها.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٣ / ٥٠٨ ]
لدينها، وأما هذه فما كنت أبذلت لها، ولا أرضى أن تكون من نسائي، فضلا من أن أبذل لها ما بذلت لغيرها، وصداق كل واحدة منهما ثابت [لها] (١) على زوجها، وهل يحط عنه شيء لما كان استمتع بها غيره وأخذت منه العوض أم لا؟ فلا يخلو من أن تكون بكرًا أو ثيبًا.
فإن كانت بكرًا، هل يحط عنه شيء لمكان البكارة أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يحط عنه مما سمي من الصداق قدر ما يزاد فيه لأجل البكارة؛ لأنها أخطأت فيما باعته [من الأول] (٢) بثمن، فأهلكته بتسليمها لغير المشتري.
والثاني: أنه لا يحط عنه شىء لأجل البكارة؛ لأنها فعلت ما يجب عليها من التسليم جبرًا كما لو غصبت.
فإن كانت ثيبًا، فلا يوضع عنه من المسمى شيء لأن وطء الواطئ لم ينقص منها شىء.
[والقولان [مخرجان غير] (٣) [منصوص عليهما] (٤) والحمد لله وحده] (٥).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ع: منصوصين.
(٥) سقط من جـ.
[ ٣ / ٥٠٩ ]
المسألة الخامسة عشرة في ملك أحد الزوجين صاحبه
وإذا ملك أحد الزوجين صاحبه، فالنكاح مفسوخ بينهما بالاتفاق، للإجماع على أنه لا يجوز للسيد أن يتزوج أمته.
فإن فعل، فلا يجوز النكاح، ويكون له أن يطأها بملك اليمين.
ويفسخ [النكاح] (١) إن هي اشترت زوجها للإجماع أيضًا على أنه لا يحل للمرأة أن تتزوج عبدها، [لما] (٢) في ذلك من تعارض الحقوق، ولا فرق في ذلك بين أن يملك أحدهما جميع صاحبه أو بعضه.
واختلف في المكاتب إذا اشترته زوجته أو اشتراها الزوج وهي مكاتبة، فهل يفسخ النكاح بينهما من الآن أو لا يفسخ إلا بعد العجز؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن النكاح مفسوخ لأن ذلك ملك الرقبة.
والثاني: أنه لا يفسخ إلا بعد العجز؛ لأن الشراء الآن إنما وقع على الكتابة.
وسبب الخلاف: اعتبار الحال والمآل.
فإذا قلنا باعتبار المآل يفسخ النكاح بينهما من الآن، فهل يكون الفسخ بطلاق أو بغير طلاق؟ فلا يخلو ملك أحدهما لصاحبه من أن يكون بإيثار واختيار أو يكون باضطرار:
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٥١٠ ]
فإن كان باختيار [وإيثار] (١) كالشراء والهبة، وما كان في معناهما مما يرجع قبوله إلى خيرة المشترى، هل يكون فسخًا بطلاق أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه فسخ بغير طلاق، وهو مذهب المدونة.
والثاني: أنه فسخ بطلاق، وهي رواية ابن وهب عن الليث.
فوجه القول بأنه يفسخ بطلاق: أنه لما كان الملك باختيار المالك منهما، فكأنه أراد الطلاق واختاره، وهذا يتجه إذا كان الزوج هو المالك.
وأما إن كان هو المملوك فلا؛ لأن الطلاق بيد الزوج لا بيدها، وإن اختارت الملك.
ووجه قول من قال أنه فسخ بغير طلاق: أن الملك الطارئ على النكاح بوهن قواعده ويهدم أمره، فبنفس عقد الشراء انفسخ النكاح، لاستحالة اجتماعهما.
وعلى هذا الخلاف يتركب الخلاف في نصف الصداق:
فمن رأى أنه فسخ بطلاق قال: لها نصف الصداق.
ومن رأى أنه فسخ بغير طلاق قال: لا شيء لها من الصداق.
فإن كان ذلك على معنى الاضطرار مثل: أن يرث أحدهما صاحبه، فهذا لا خلاف فيه أنه فسخ بغير طلاق.
فرع: في عبد زوجه سيده، وضمن عنه الصداق، ثم دفع السيد العبد إلى زوجته فيما ضمن من صداقها برضاها قبل أن يدخل بها، فلا يخلو
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٥١١ ]
[السيد] (١) من أحد وجهين:
إما أن [يغترى] (٢) بذلك فسخ النكاح أم لا:
فإن [اغترى] (٣) السيد بذلك فسخ النكاح، ليفرغ بذلك عبده، فالنكاح ثابت بينهما، لقيام التهمة بينهما.
فإن لم يغير السيد بذلك فسخ النكاح بينهما، فالنكاح بينهما مفسوخ.
واختلف في العبد، هل يرجع إلى السيد أو يكون الخيار للزوجة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن العبد يرجع إلى السيد، ولا خيار للزوجة في ذلك، ولا شيء لها من الصداق؛ لأنه فسخ بغير طلاق، وهو [قول] (٤) ابن القاسم [في المدونة] (٥).
والقول الثاني: أن الخيار في ذلك للزوجة إن أحبت أن تدفع الصداق للسيد ويكون لها العبد كان ذلك لها، ويعد ذلك منها شراء للعبد.
وإن كرهت، رجع العبد إلى السيد ويفسخ النكاح، وذلك أنه بنفس قبولها للعبد انفسخ النكاح، وإذا انفسخ النكاح بينهما رجع العبد إلى مولاه؛ لأن الفراق من سببها لقبولها العبد ورضاها به [والحمد لله وحده والصلاة على محمَّد النبي الكريم] (٦).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في جـ. يعتري.
(٣) في جـ. اعترى.
(٤) في أ: مذهب.
(٥) سقط من أ.
(٦) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٣ / ٥١٢ ]
المسألة السادسة عشرة في نفقة الزوجات
والأصل في وجوب نفقة [الزوجات] (١) وثبوتها على الجملة الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَولودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢).
وأما السنة: فقوله - ﷺ -[: "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (٣)] (٤)، ومنها ما خرجه البخاري ومسلم من حديث هند حين جاءت إلى رسول الله - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل مسيك لا يعطيني أنا وولدي من النفقة ما يكفيني، فقال لها رسول الله - ﷺ -: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (٥).
وأما الإجماع: فمعلوم من دين الأمة ضرورة أن الزوجة [إذا] (٦) [مكنت] (٧) نفسها من زوجها [و] (٨) ارتفعت الموانع من جهتها، وجبت
_________________
(١) في أ: الأزواج.
(٢) سورة البقرة الآية (٢٣٣).
(٣) أخرجه مسلم (١٢١٨).
(٤) سقط من أ.
(٥) تقدم.
(٦) سقط من جـ.
(٧) في أ: ملكت وفي جـ: أمكنت.
(٨) سقط من أ.
[ ٣ / ٥١٣ ]
لها النفقة على زوجها، [إن] (١) كان مثله يطأ.
فإذا ثبت ذلك، فلا يخلو الزوج من أن يكون حرًا أو عبدًا:
فإن كان حرًا، فلا تخلو زوجته من أن تكون حرة أو أمة:
فإن كانت حرة، فلا يخلو الزوج من أن يكون بالغًا أو غير بالغ:
فإن كان غير بالغ إلا أنه قادر على الوطء، هل تجب عليه النفقة أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا تجب عليه النفقة ولا الصداق حتى يحتلم، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: [أنه] (٢) إذا بلغ [حد] (٣) الوطء وقوى عليه، فالنفقة والصداق عليه، وإن لم يحتلم، وهو قوله في "مختصر ما ليس في المختصر".
وسبب الخلاف: ما قارب الشيء، هل يعطى [له] (٤) حكمه أم لا؟
فإن كان الزوج بالغًا [واحتلم] (٥)، فلا تخلو الزوجة من أن تكون متمكنة للاستمتاع أو غير متمكنة.
فإن كانت متكنة للاستمتاع، فإن النفقة تجب على الزوج بالادعاء والتمكين أو بالتمكين على الانفراد، على اضطراب من قول مالك
_________________
(١) في جـ: إذا.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٥١٤ ]
في "الكتاب".
ففي "كتاب الزكاة الثاني" ما ظاهره: أنها تجب عليه بالتمكين خاصة، وهو قول سحنون في غير "المدونة".
وظاهر قوله في "كتاب النكاح الثاني": أنها لا تجب إلا بالأمرين.
فإن كانت الزوجة غير متمكنة [من] (١) الاستمتاع، فلا يخلو من أن يكون ذلك بسببها أو بغير سببها.
فإن كان ذلك بسببها [كالنشوز] (٢)، فهل لها النفقة أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها لا نفقة لها، وهو المشهور، وهو الذي عليه الجمهور، وهو المذهب المنصور عند النظار من أصحابنا العراقيين، وهذا القول قائم من "المدونة" من كتاب "العدة وطلاق السنة" في المطلقة التي غلبت زوجها وسكنت في موضع غير بيتها الذي طلقها فيه أنها لا كرى لها على الزوج.
فقال بعض المتأخرين: هذا من أدل الدلائل على أن الناشزة لا نفقة لها، وخالفه غيره من المتأخرين في [هذا] (٣) الاستقراء.
والقول الثاني: أن الناشزة لها النفقة، وهو قوله في "كتاب ابن الموَّاز"، ونصه: وإذا غلبت امرأة زوجها، وخرجت من منزله، وأبت أن ترجع إليه، وأبى أن ينفق عليها حتى ترجع، فأنفقت من عندها، فقال مالك: فلها اتباعه بذلك.
وفي "كتاب ابن سحنون":
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ع، هـ: فهو النشوز.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٥١٥ ]
سأل ابن حبيب سحنون: عن المرأة تهرب من زوجها إلى تونس وتنشز عن زوجها الأيام، ثم طلبت النفقة فقال: إن نشزت عنه؛ لأنها تدعي أنه طلقها، فلا نفقة لها، وإن قالت: إنها فعلت ذلك بغضة فيه، فلها النفقة كالعبد الآبق نفقته على سيده.
وسبب الخلاف: النفقة هل هي بإزاء العوض أو ليست؟
فمن رأى أنها بإزاء عوض قال: لا نفقة [للناشزة لأنها غصبت المنافع التي عنها يعوض الزوج ولهذا يكون للحائض والمريضة] (١) لأن المنع ليس من سببها.
وأما من رأى أنها ليست لأجل العوض قال: لها النفقة.
وإن كان المانع من غير سببها، فلا يخلو من أحد وجهين:
إما أن يكون له غاية ينتهي إليها.
أو لا غاية له.
فإن كان لهذا المانع غاية ينتهي إليها كالصغر، فإنه يزول بالبلوغ فلا نفقة لها حتى تبلغ حدًا يتأتى الزوج الاستمتاع بها.
فإن لم يكن له غاية معلومة، ولا حد معلوم في مستقر العادة، فلا يخلو من أن يكون لها قدرة على زواله ورفعه كالرتق أو لا قدرة لها على رفعه كالمرض.
فإن كان مما لها قدرة على رفعه كالرتق وغيره من موانع الوطيء، فهي مخيرة بين أن تداوي نفسها حتى يتمكن الزوج [من] (٢) الوصول إلى
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٥١٦ ]
الاستمتاع فيلزم ذلك الزوج.
أو تأبى وتمنع من المعالجة، فليخير الزوج بين أن يدفع الصداق ويعقد معها على [ذلك] (١) أو يطلق ولا شيء لها من الصداق.
فإن كان المانع مما لا قدرة لها على رفعه وزواله كالمرض، فلا يخلو ذلك المرض من أن يكون يقدر الزوج على الجماع معه أم لا.
فإن كان مما يقدر معه على الجماع فلها النفقة على الزوج.
وإن كان مما لا يقدر الزوج معه على الجماع ودعا إلى البناء، فلا يخلو من أن تبلغ حد السياق أو لا تبلغ.
فإن بلغت حد السياق: فلا خلاف أعلمه في المذهب أنه لا تلزمه [النفقة] (٢)؛ لأن التمكين غير موجود.
وإن لم تبلغ حد السياق، فهل تجب [عليه] (٣) النفقة عليه أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه لا نفقة عليه، وهو قوله في "المدونة"، وهو قول سحنون في "السليمانية".
والثاني: أن النفقة تلزمه ما لم تقع في السياق، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
وسبب الخلاف: اختلافهم في المانع المعتبر، هل هو المانع من الاستمتاع [التام أو المانع من الاستمتاع] (٤) على الجملة؟
_________________
(١) في ع، هـ: بتلك الحالة.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ٥١٧ ]
فمن اعتبر الاستمتاع التام قال: لا نفقة لها؛ لأن المرض معلوم أنه لا يستمتع معه كل الاستمتاع.
ومن اعتبر الاستمتاع على الجملة قال: لها النفقة؛ لأن الاستمتاع متأت له على الجملة.
وإذا تمكن له الدخول ولم يفعل، هل تجب [عليه] (١) النفقة بنفس التمكين أو لا تجب إلا بعد الحكم؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها تجب بنفس التمكين من غير حكم حاكم، وهو قول مالك، وهو ظاهر "المدونة".
والثاني: أنها لا تجب لها النفقة إلا بعد الحكم والفرض من الحاكم، وهو قول أشهب في "كتاب محمَّد".
وأما إذا كانت زوجته أمة والزوج حرا أو عبدًا، هل لها النفقة على الزوج أم لا؟ فلا يخلو من [وجهين] (٢):
أحدهما: أن يشترط السيد على الزوج النفقة أو اشترط الزوج على السيد أن تكون عنده.
والثاني: ألا يشترط واحد منهما على الآخر شيئًا.
فإن اشترط أحدهما على الآخر شرطا، مثل: أن يشترط السيد النفقة [على الزوج] (٣) أو اشترط الزوج التبوء معها على السيد، فالنفقة على الزوج في هذا الوجه اتفاقا [ووفاقا] (٤).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: ثلاثة أوجه.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ٥١٨ ]
وإن لم يشترط واحد منهما على الآخر شيئًا، هل تكون النفقة على الزوج أم لا؟ فالمذهب على خمسة أقوال:
أحدها: أن لها النفقة [على الزوج] (١) لأنها من الزوجات، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أنها لا نفقة لها وإن كانت تأتي زوجها، وهو قوله في "كتاب محمَّد".
والثالث: التفصيل بين أن يأتيها أو تأتيه هي:
فإن كان يأتيها فلا نفقة لها.
وإن كانت هي التي تأتيه فلها النفقة، وهو قول مالك أيضًا.
والقول الرابع: أن لها النفقة في الوقت الذي تكون عنده، وهو قول ابن الماجشون.
والخامس: أن نفقتها وكسوتها على سيدها وعليه أن يرسلها في كل أربع ليال ليلة، وعلى الزوج نفقة تلك الليلة [ويومها] (٢) وإن ردها في صحبها ولا كسوة لها في تلك الليلة، وهو قول ابن حبيب.
وسبب الخلاف: معارضة العموم للقياس، وذلك أن العموم يقتضي أن لها النفقة؛ لأنها داخلة في عموم الآية، والقياس يقتضي ألا نفقة لها إلا على سيدها الذي يستخدمها، وتكون النفقة بين السيد والزوج على قدر انتفاعها؛ لأن كل واحد منهما ينتفع ضربا من الانتفاع.
وإلى هذا أشار من قال: عليه نفقة اليوم الذي تأتيه.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ، جـ: وقوتها.
[ ٣ / ٥١٩ ]
فإن كان الزوج عبدًا والزوجة حرة، هل تجب لها على الزوج النفقة أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن عليه النفقة وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أنها لا نفقة لها [عليه] (١) وهو قول أبي مصعب، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب محمَّد": وأحب إليَّ إذا نكح أن تشترط عليه النفقة بإذن سيده، وقد حكى في ذلك ابن المنذر ومحمد بن الموَّاز إجماعا: أنها لا نفقة لها.
والخلاف موجود في المذهب كما ترى، فكيف عنك في [المذاهب] (٢).
وسبب الخلاف: الإذن في النكاح، هل هو إذن في توابعه أم لا؟
فمن رأى أن الإذن في النكاح إذن في النفقة قال: لها النفقة.
ومن رأى أن الإذن في النكاح لا يكون إذنًا في النفقة، قال: لا نفقة لها؛ لأن العبد محجورٌ عليه، والمحجور عليه الإذن في حقه مقصور على عين ما أذن له فيه، خاصة والزائد عليه بقى على أصل التحجير، والله أعلم.
فإذا طلبت الزوجة [النفقة] (٣) وقام لها دليل على صحة الطلب، فلا يخلو الزوج من أن يكون حاضرًا أو غائبًا.
فإن كان حاضرًا، فلا يخلوا من أن يكون موسرًا أو معسرًا.
فإن كان موسرًا، فطلبت الزوجة الفريضة، فإن السلطان يفرض لها ما
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في هـ: غير المذهب.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٥٢٠ ]
تستحقه من النفقة والكسوة والغطاء والوطاء وما تميط به الأذى وتزيل الشعث وتطيب النكهة، وذلك على قدر ماله وحاله، وذلك يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، وليس في ذلك قدر معلوم ولا شرع محتوم، وإنما ذلك على قدر اجتهاد الحاكم.
والكلام في هذا الفصل في موضعين:
أحدهما: في مقدار ما يفرض لها.
والثاني: في مقدار المدة التي يفرض لها فيها.
فأما الموضع الأول: وهو معرفة مقدار ما يفرض لها، فقد اختلف المذهب فيه على قولين:
أحدهما: أنه يفرض لها مد هشام للغداء والعشاء، وهو مدان إلا ثلث بمد النبي - ﷺ - على مذهب "المدونة"، وهو قول مالك في "كتاب محمَّد" من قمح أو شعير أو ذرة أو تمر مما هو عيش أهل ذلك البلد أو جلّهُ.
والثاني: [أنه] (١) يفرض [لها] (٢) في الشهر [وَيْبَتَيْنِ] (٣) ونصف مكفأ، وهو قول ابن القاسم في "كتاب ابن الموَّاز".
قال ابن حبيب في الويبة: اثنا وعشرون مدا بمد النبي - ﷺ -، وما قاله ابن القاسم قريب من قول مالك - ﵁ - إلا أن يعجز عن ذلك، فينظر الإِمام في ذلك بما هو الصلاح لهما، وليضم لها إلى ذلك دراهم لطحين [وخبيز] (٤)
_________________
(١) في أ: أنها، وفي ع: أن.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: ويبتان.
(٤) في أ، جـ: وخبز.
[ ٣ / ٥٢١ ]
[وحطب] (١) وماء وزيت، والطبخة بعد الطبخة من اللحم، وإن وجد سعة زيد عليه بقدر سعته وبقدر ما هي وفي "كتاب ابن حبيب": ومن اللحم على الملي بدرهم في الجمعة ودرهمين أو ثلاثة في صرفها في ماء وغسل ثوب وطحين وخبيز وغيره، ولا يفرض لها فاكهة ولا عسل ولا الجبن ولا يتقلل من هذا لفقره، ولا يزاد عليه لغنائه، وهذا في تشاححهما انتهى قوله.
ومن "كتاب محمَّد": ولا يفرض العسل ولا السمن ولا الجالوم ولكن الخل والزيت وما لا غنى عنه على قدر الرجل والمرأة، وبمشط رأسها ودهنه، وهذا للموسر والمعسر، إلا أن الموسر يزاد [عليه] (٢) بقدرها من قدره.
فإن كانت ترضع فرض لها ما يقوم بها في رضاعها.
واختلف فيما يجب لها عليه من قمح وغيره، هل يجوز فيه في دفع القيمة أو لا يجوز؟ على قولين:
أحدهما: الجواز، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب النكاح الثاني" من "المدونة"، حيث جوز [المقاصة] (٣) للزوجين: إذا كان لها عليه دين وكانت موسرة، فأراد أن يقاصها بالذي لها عليه من النفقة فيما له عليها من دين، وهو قول أبي محمَّد في "النوادر".
والثاني: أنه لا يجوز ذلك؛ لأنه يؤدي إلى بيع الطعام قبل قبضه؛ لأن الواجب لها عليه طعام وثمن توابعه، وهذا هو المشهور.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: عليها.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٥٢٢ ]
وقد اختلف في المقاصة، هل يجبر عليها من أباها [أم لا] (١)؟
[على قولين:
أحدهما: أنه يجبر عليها من أباها وهو قول مالك في "كتاب المكاتب" من "المدونة".
والثاني: أنه لا يجبر عليها من أباها] (٢) وهو قوله في "كتاب الصرف" في الذي صارف من عند الصراف عشرين درهما بدينار، فأراد الصراف أن يقاصصه في دينار الصرف بدينار كان له عليه على اختلاف [بين] المتأخرين في تأويل ما وقع [في كتاب الصرف] على ما سنبينه هناك إن شاء الله.
وأما ما وقع في "كتاب النكاح الثاني" فقد اضطرب فيه قوله، وفصل فيه بين أن تكون الزوجة موسرة أو معسرة:
فإن كانت موسرة قال: تجوز المقاصة.
وإن كانت معسرة قال: لا تجوز المقاصة إلا برضاها، وهذا كما تراه، فإن جاز أن يجبر على المقاصة من أباها كيف يعتبر رضاها مع العسر؟
وأما الموضع الثاني: في مقدار المدة التي يفرض لها فيه، وذلك يختلف باختلاف حالات الزوج في عُسره ويُسره.
فإن كان الزوج موسرًا، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يجوز أن يفرض لها سنة، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه لا يفرض لها سنة؛ لأن الأسواق تحول، وهو قول سحنون.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٥٢٣ ]
والذي قاله سحنون - ﵁ - أقرب، والصحيح أن ذلك يختلف باختلاف حالات الزوج.
فإن كان الزوج موسرًا وسع في المدة إذا لم يؤد إلى ضرورة؛ لأن الشأن الفرض بين الزوجين عند المقابحة وقلة الإنصاف ولدد الزوج وفي تقليل المدة عليها ضرر في تكرير الطلب عند لدده وقصده لإتعابها.
فإن كان الزوج موسرًا، فالثلاثة الأشهر والأربعة.
وإن كان متوسطًا، فالشهر والشهران.
وإن كان ذا صنعة، فالشهر.
فإن لم يقدر فعلى ما يرى أنه يستطيع أن يغرمه.
وهذا الذي ذكرناه رأيته لبعض المتأخرين.
وأما الكسوة، فإنها يفرض لها الغطاء والوطاء والكسوة، فيفرض لها مرتين في الصيف والشتاء، فيفرض لها في اللباس: القميص والوقاية والقناع، وهي في الجودة والدناءة [والزيادة] (١) على قدرهما وإيسار الزوج.
وقال ابن القاسم في "كتاب محمَّد": ولا يفرض لها الخز ولا حرير، وإن كان متسعا.
وقال القاضي أبو الحسن بن القصار: إنما قال مالك لا يفرض لها الخز والحرير والعسل؛ لأن مدينة رسول الله - ﷺ - فيها القناعة، فأما سائر
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٥٢٤ ]
الأمصار فعلى حسب [أحوالهم] (١) في النفقة.
واختلف في ثياب [خروجها] (٢) كالثياب التي جرت العادة أن تخرج بها كالملحفة والعمامة وغيرها، على قولين:
أحدهما: لا شيء لها وهو ظاهر المذهب.
والثاني: أنه يفرض على الغني [ثياب] (٣) [مخرجها] (٤)، وهو قول مالك في "المبسوط".
ويزاد لها في كسوة الشتاء ما تقى به البرد، مثل: القبطية وغيرها.
وأما الغطاء والوطاء، ففراش [ووساد] (٥) ولحاف.
قال ابن القاسم: والسرير في الوقت الذي يحتاج إليه [لخوف] (٦) العقارب وشبهها.
قال ابن حبيب: أو براغيث أو فأر، وإلا فلا.
قال محمَّد: وما تزيل به الشعث كالمشط والمكحلة والنضوح ودهن وحناء رأسها.
وقال ابن وهب في "العتبية": الطيب والزعفران وخضاب اليدين والرجلين ليس ذلك على الأزواج.
وقال محمَّد في الصبغ: وينفق الزوج على خادم واحد من خدمها
_________________
(١) في ع، هـ: اختلافهم.
(٢) في أ، جـ: فخرجها.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ع، هـ: خروجها.
(٥) في ع، هـ: ووسائد.
(٦) في أ: لتخويف، وفي هـ: لتخوف.
[ ٣ / ٥٢٥ ]
لا أكثر.
واختلف إذا كانت ممن لا يصلحها إلا أكثر من واحد على قولين:
أحدهما: أنه ينفق على أكثر من واحد، ويزكي عنهما زكاة الفطر، وهو قول مالك في "المبسوط".
والثاني: أنه لا ينفق على أكثر من واحد، وهو ظاهر "المدونة".
وهل عليها من [خدمة بيتها] (١) شيء أم لا؟
فلا تخلو من أن تكون الزوجة من ذوات الشرف واليسار أو دون ذلك:
فإن كانت من ذوات الشرف، فالخدمة الظاهرة والباطنة على الزوج، وليس عليها [شيء] (٢) من الخدمة قليل ولا كثير، إلا الأمر والنهي في الخدمة الباطنة خاصة، من غير التفات إلى الزوج كان من ذوي الشرف أم لا، وإذا كان الزوج موسرًا.
وإن لم تكن الزوجة من ذوات الشرف، فلا تخلو من أن يكون في صداقها ما تشتري به خادمًا [يخدمها فتشتري من يخدمها وإن لم يكن في صداقها ما تشتري به خادما] (٣): فعليها الخدمة الباطنة كالعجين والطبيخ والكنس والفرش والرش واستقاء الماء، يريد: إذا كان داخلًا، وهو قول عبد الملك بن الماجشون وأصبغ قال: وكذلك إن كان الزوج مليًا، إلا أنه كان في الحال مثلها أو أيسر منها ولم يكن من أشراف الرجال الذين لا يمتهنون نساءهم في الخدمة.
_________________
(١) في أ: خدمتها.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٥٢٦ ]
واختلف إذا كان الزوج معسرًا والمرأة من ذوات الشرف ولم يكن في صداقها ما تشتري به الخادم، هل عليها من [خدمة بيتها] (١) شيء أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنها لا شيء عليها من خدمة بيتها، وهو ظاهر قول مالك في "المدونة".
والثاني: أن عليها الخدمة الباطنة كما هي على الدنية، وهو قول عبد الملك وأصبغ.
فإن قبضت الزوجة نفقتها ونفقة ولدها، فلا تخلوا من أن تدعى ضياع ذلك قبل المدة أو ادعت فراغه.
فإن ادعت ضياع ذلك قبل المدة، فلا تخلوا من أن يقوم لها بينة أم لا.
فإن لم تقم لها على ذلك بينة، فلا يقبل لها قول لا في نفقة نفسها ولا في نفقة ولدها.
فإن قامت [لها] (٢) بينة على ذلك: أما نفقة الولد فلا ضمان عليها فيها؛ لأنها [عندها] (٣) في معنى الرهن [والعارية] (٤) لا في معنى الوديعة، إذ ليس قبضها بمحض الأمانة.
وأما نفقة نفسها إذا قامت لها بينة على تلفها، هل تضمن أم لا تضمن؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنها ضامنة لها، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة"،
_________________
(١) في أ: خدمتها.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ٥٢٧ ]
وهو نص في "كتاب محمَّد بن الموَّاز".
[والثاني: أنها لا ضمان عليها] (١)، وهو ظاهر قول مالك [في المدونة] (٢) في "كتاب النكاح الثاني" في الصداق إذا قبضته ثم طلقها قبل البناء وادَّعت ضياعه، وكان الصداق مما يغاب [عنه] (٣)، حيث [قال:] (٤) لا ضمان عليها؛ لأن الذي هلك من النفقة قبل تمام المدة التي فرضت لها لم تستحقه بعد، فكان الواجب أن يكون الضمان من الزوج كما لو ماتت.
وقد قال في "كتاب القذف" من "المدونة": أن الزوج يسترد النفقة والكسوة على تفصيل ابن القاسم هناك في قرب المدة وبعدها.
وسبب الخلاف: اختلافهم فيما قبضته المرأة من ذلك، هل قبضته على معنى الملك أو قبضته نفقة لحقها.
فإن ادعت فراغ الذي فرض لها ونفاده قبل تمام المدة، فلا يخلو من أن يثبت ذلك ببينة أو مجرد دعواها.
فإن كان ذلك بمجرد دعواها: فلا يقبل قولها، ولا لها على زوجها شيء حتى تنقضي المدة.
إن ثبت ما تدعيه بما ثبت به أمثاله، فهل لها الرجوع بنفقة المدة على الزوج أم لا؟ فإنه يتخرج في المذهب قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنها لا ترجع عليه بنفقة باقي المدة؛ لأنه قد تبين خطأ الحاكم
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ، جـ: عليه.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ٥٢٨ ]
في التقدير؛ لأن الثياب قد بليت والنفقة قد [فرغت] (١) قبل حلول الوقت الذي قدر لها.
الثاني: أنها لا ترجع عليه بشيء حتى تنقضي تلك المدة، لأن ذلك حكم قد مضى، وهو ظاهر قول مالك في كتاب "الزكاة الثاني" من "المدونة" في الخارص إذا أخطأ في التقدير.
وسبب الخلاف: اختلافهم في المجتهد، هل يعذر باجتهاده أم لا؟
فمن رأى أنه يعذر باجتهاده، قال: لا شيء لها على زوجها.
ومن رأى أنه لا يعذر باجتهاده، قال: لها الرجوع على زوجها بما بقي من المدة.
وأما إذا كان الزوج معسرًا، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن تكون الزوجة عالمة بحاله، ودخلت على ذلك.
والثاني: أن تكون جاهلة بحاله، أو طرأ العسر عليه بعد اليسر.
فإن كانت الزوجة عالمة بحاله ودخلت على فقره، فلا يخلو من أن يكون من أهل الصفة أو كان فقيرًا ممن يسأل ويبذل وجهة في السؤال.
فإن كان من أهل الصفة وممن لا يسأل أحدًا، وإنما قعد على بساط الفتوح فلا مقال لزوجته، ولا حجة إذا طلبت النفقة أو الفراق لعدمه؛ لأنها عرفت ما عليه دخلت.
وإن [كان] (٢) من عادته السؤال [فإن تمادى على صنعته وحرفته في
_________________
(١) في أ: فنيت.
(٢) في أ، جـ: كانت.
[ ٣ / ٥٢٩ ]
السؤال] (١) فلا حجة لها [أيضًا] (٢) أعطى أو خاب؛ لأنها على ذلك دخلت.
وإن ترك السؤال الذي هو حرفته كان [لها] (٣) القيام بالفراق.
وعلى هذا التنزيل يتنزل ما في "كتاب محمَّد" وما في "المبسوط" إن شاء الله تعالى.
فإن كانت الزوجة غير عالمة بحاله أو كان غنيًا وقت العقد ثم طرأ عليه العسر بعد ذلك: فلا خلاف في المذهب في هذا الوجه أن لها القيام على الزوج في طلب الرزق، إما أن ينفق أو يطلق، فهل يطلق عليه الحاكم بنفس الرفع أو لابد له من التلوم؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لابد من التلوم، وهو المشهور.
والثاني: أنه يحكم عليه بالطلاق بنفس الرفع، وهو ظاهر قول مالك في كتاب "ابن الموَّاز"، حيث قال: قال مالك: إذا لم يجد النفقة يطلق عليه.
ووجه القول الأول: أنه لابد من التلوم؛ لأنه مما يفتقر إلى الاجتهاد مخافة أن يخبئ ماله، فيجب على الحاكم البحث عنه وعن حاله.
ووجه القول الثاني: أن التلوم والبحث ضرر على المرأة؛ لأنها ما استعدت وما فضحت نقسها بالرفع إلى الإِمام إلا بعد [ما] (٤) بلغها الجهد بزيادة التلوم بعد الرفع عليها.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ٥٣٠ ]
وعلى القول: بأنه لابد من التلوم، فما مقدار مدتها؟ فالمذهب على خمسة أقوال:
أحدها: أنه يتلوم له شهر ونحوه مما يضر به الجوع، وهو قول مالك في "المبسوط".
والثاني: أنه يتلوم له الأجل الأيام، وهو قول مالك في كتاب "محمَّد".
والثالث: أنه يتلوم له الشهر ونحوه، وهو قول أصحاب مالك على ما حكاه ابن الموَّاز.
والرابع: أنه يتلوم له الشهر والشهران.
والخامس: أنه إن لم يطمع له بمال فإنه يتلوم له [الشهر] (١) إذا لم تجد هي ما تنفق، وهو قول أصبغ.
وفي المسأله قول سادس: أنه يؤخر الشهر إذا كانت فقيرة، والشهرين إذا كانت موسرة، وهو قول قياسي.
فإذا حل أجل التلوم، فإن قدر على النفقة والكسوة، وإلا فُرِّق بينهما.
فإذا ثبت ذلك، فما المقدار الذي إذا قدر على إيصاله إليها لم يقض عليه بفراقها؟
فإن وجد القوام من خبز الشعير والإدام والوسط من الكسوة مما لا يستهجن في حق الشريفة، والزوج لا يقدر على غير ذلك فلا يطلق عليه.
فإن لم يجد إلا غليظ الطعام والخشن من الثياب، وكان ذلك مما يستر عورتها ويسد خلتها.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٥٣١ ]
فإن كانت من غير ذوات الشرف واليسار فلا مقال لها إذا استمر ذلك بها، وإنما كلامها إذا قطع ذلك عنها.
فإن كانت من ذوات الشرف ولم تجد إلا الخشين من الثياب مما يستهجن لها ولأمثالها لباسه، وتلحقها في لباسه معرة، والغليظ من الطعام الذي [تأنفه] (١) ولا يساغ لها، وإن جاعت هل تطلق عليه مع القدرة علي ذلك أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه [لا] (٢) يحكم [عليه] (٣) بالطلاق مع القدرة على ذلك، وهو قول مالك في "كتاب محمَّد".
والثاني: إنما يحكم عليه بالطلاق إذا لم يقدر [إلا على ذلك] (٤)، وهو قول مالك في "الكتاب المذكور" أيضًا.
وعلى القول بأنها تطلق بالعجز عن النفقة: فإنها تطلق عليه طلاقا [رجعيًا] (٥)، ولا خلاف عندنا في المذهب [في ذلك.
واختلف في المذهب] (٦)، هل يكون لها نصف الصداق إذا كان الطلاق قبل البناء؟ على قولين وقد قدمناهما.
فإذا قلنا: [إن طلاقها] (٧) طلاق رجعي، هل تصح للزوج الرجعة كما
_________________
(١) في ع، هـ: لم تألفه.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من هـ.
(٦) سقط من هـ.
(٧) سقط من أ.
[ ٣ / ٥٣٢ ]
تصح له في غير هذا الوجه أم لا؟
فالذي عليه المذهب عندنا أن رجعته موقوفة على وجود النفقة في العدة.
فإذا قدر على النفقة في العدة صحت له المرجع التي ارتجعها.
فإن لم يقدر حتى انقضت العدة فليست رجعته برجعة.
وكذلك رجعت المولى متوقفة على وجود الوطء في العدة؛ ولذلك قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب: الرجعة تهدم العدة إلا في مسألتين.
والذي قاله صحيح لا خلاف فيه في المذهب.
واختلف في القدر الذي إذا قدر عليه تصح له الرجعة، على قولين:
أحدهما: أن لا رجعة إلا إذا وجد النفقة شهرًا، وأما العشرة أيام والخمسة عشر يومًا فليس ذلك له، لأن عليها في ذلك ضرر ثم ترتجع ثم تطلق عليه إلى أيام، وهو قول مالك، رواه عيسى عن ابن القاسم.
والثاني: أنه ينظر إلى من كان فرضه الشهر.
فإذا أيسر لنفقة الشهر صحت له الرجعة.
وإن كان ممن فرضه يوم بيوم أو بالأيام فله الرجعة بوجودها لوجوده أولًا، ثم تطلق عليه وهو قول ابن الماجشون، وبه قال ابن حبيب.
وأما الوجه الثاني: إذا كان الزوج غائبا، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون قيامها بعد الغيبة.
والثاني: أن يكون عند [عقد] (١) سفره.
_________________
(١) سقط من هـ.
[ ٣ / ٥٣٣ ]
فإن كان قيامها بعد الغيبة، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يترك لها النفقة.
والثاني: أن يتركها بلا نفقة.
فإن ترك لها النفقة واعترفت بذلك، فلا كلام لها.
وإن تركها بلا نفقة على زعمها، فلا يخلو من أن ترفع أمرها إلى الإِمام في غيبة الزوج أو لم ترفع.
فإن رفعت، فإن السلطان يكلف لها ثبوت الزوجية وثبوت الغيبة [وثبوت المال] (١).
فإن أثبتت الجميع، فإن الإِمام يُحلِّفها أنه ما ترك لها نفقة ولا بعث بها إليها ولا وضعتها عنه ثم يفرض لها، ولا خلاف عندنا في المذهب في هذا الوجه أن الغائب يباع عليه ماله وتكسر عليه عروضه فيما وجب عليه من النفقة.
واختلفوا في الحاضر إذا فرض عليه، هل يباع ماله وتكسر عروضه كما يفعل بالغائب أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يباع عليه ماله كما يباع على الغائب، وهو ظاهر "المدونة"؛ لأنه قال: تكسر عليه عروضه، أي: تباع، ولم يفصل بين الحاضر والغائب.
[والثاني: أنه لا يباع عليه ماله، وإنما يخير إذا فرض عليه بين أن ينفق أو يطلق، وهو قول ابن القاسم في "كتاب يحيى بن إسحاق".
_________________
(١) سقط من هـ.
[ ٣ / ٥٣٤ ]
والفرق بين الحاضر والغائب] (١): أن الغائب الضرر فيه متحقق عليها لعدم النفقة، فإذا وجد [للزوج] (٢) مال، فإنه يفرض لها فيه لغيبة عينه، لأنا لا ندري ما يختار [الزوج] (٣) لو حضر، هل يختار الطلاق أو الإمساك؟
- والحاضر أمره بيد نفسه: إما أن يجري النفقة عليها وإلا طلقها، فلا وجه لبيع عروضه عليه، وربك أعلم.
فإذا لم يوجد للغائب مال حاضر، فلا يخلو من [ثلاثة أوجه]:
[أحدها]: أن يعرف ملاؤه.
والثاني: أن يعرف عدمه.
والثالث: أن يجهل حاله.
فإن عرف ملاؤه في غيبته ورفعت أمرها إلى الإِمام، ففرض لها بقدره، فلها اتباعه بذلك إذا قدم.
فإن قدم وادعى أنه خلف لها النفقة، وأنه بعث إليها بالنفقة ووصلت إليها، فالقول قوله مع يمينه، وهو قول مالك في "كتاب ابن الموَّاز".
فإن نكل عن اليمين غرم لها ما أنفقت.
فإن مات في غيبته، وقد علم جيرانها أنها تنفق سلفا أو من خالص مالها، فقال مالك: هذه أمور إنما يقضى فيها على نحو ما تنزل، واجتهاد الإِمام في ذلك.
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٥٣٥ ]
وهذا كله إذا لم ترفع أمرها إلى الإِمام ولا استعدت.
فأما إذا استعدت وفرض لها القاضي نفقتها على قدره، ثم قدم وادعى أنه ترك لها النفقة أو أنه كان يبعث لها النفقة، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يقبل قوله؛ لأن رفعها إلى الإِمام وإظهار الشكوى تقوم مقام البينة، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: [أن القول] (١) قوله مع يمينه أنه خلف أو بعث سرًا استعدت أم لا، وهو قول مالك أيضًا.
وسبب الخلاف: اختلافهم في دليل الحال، هل يقوم مقام الشاهدين أم لا؟ وذلك أن العادة الجارية في أغلب الأحوال أن المرأة لا ترضى لنفسها بغشيان أندية الحكام، والتعرض للدفاع والخصام إلا لضرورة [حافزة] (٢) وحاجة ناجزة، فإذا ظهر منها الشكوى، وكان منها استعداد: كان ذلك دليلا على صدقها.
وأما إن علم [عدمه] (٣) في سفره، فلا يفرض عليه، ثم هي مخيرة بين أن تصبر [عليه] (٤) بلا نفقة.
وإن طلبته أن يفرق بينهما، هل تمكن من طلبها أو لا تمكن؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يحكم عليه، بالطلاق كما يحكم على الحاضر، وهو قول ابن القاسم على ما حكاه ابن أبي زيد، وبه قال هو وغيره.
_________________
(١) في أ: يقبل.
(٢) في هـ: وافرة.
(٣) في أ: عدمها.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ٥٣٦ ]
والثاني: أنه لا يحكم عليه بالطلاق أصلًا، وهو مذهب أبي الحسن القابسي، وقال بعض الأندلسيين: لم يوجد للطلاق على الغائب في الكتاب ذكر، ولا جاء فيه أثر [إلا] (١) عن ابن ميسر.
وأما إن جهل حاله في سفره، فهل ينظر إلى حاله التي خرج عليها أو إلى الحالة التي [قدم] (٢) عليها [فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه ينظر إلى الحالة التى سافر عليها] (٣).
فإن خرج موسرًا، فعليه البينة أنه [عديم] (٤) في سائر سفره.
فإن خرج معسرًا، فالقول قوله أنه كذلك في سائر سفره.
وإن أشكل أمره يوم خروجه: فعليه البينة أنه معدم في [سائر سفره و] (٥) غيبته، وهو قول ابن الماجشون، وبه قال ابن حبيب.
والثاني: أن النظر يوم قدومه، فإن قدم موسرًا، وقال: ما زلت كذلك في سائر سفري، فالقول قوله، وهو قول ابن القاسم في "كتاب محمَّد".
وسبب الخلاف: هل يستصحب عليه [حكم] الحالة التي خرج عليها أو حكم الحالة التي قدم عليها؟
[تم كتاب النكاح الثاني بحمد الله وعونه ويتلوه كتاب النكاح الثالث] (٦).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: سافر، والمثبت من باقي النسخ وهو الصواب.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من هـ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ، جـ: تم الكتاب والحمد لله وحده.
[ ٣ / ٥٣٧ ]
منَاهِجُ التَّحْصِيلِ
وَنَتائجُ لَطائِفِ التَّأْوِيلِ
في
شَرح المدَّونَةِ وَحَلِّ مُشكِلاتهَا
تَأليف
أبي الحسَنَ عَليّ بنْ سَعيد الرجْراجي
تَقديم
فَضيلَة الشيخ الأستاذ الدكتور عَلي عَلي لُقَم
اعتنَى بهِ
أبو الفَضْل الدّميَاطي
أحمَد بن علىّ
الجُزءُ الرَّابع
مركز التراث الثقافي المغربي
دار ابن حزم
[ ٤ / ١ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
حُقُوقُ الطَّبع مَحْفُوَظَةٌ
الطَبْعَة الأولى
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧م
٧ - ٤٣١ - ٨١ - ٩٩٥٣ ISBN
الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها
مركز التراث الثقافي المغربي
الدار البيضاء - ٥٢ شارع القسطلاني - الأحباس
هاتف:٤٤٢٩٣١ - ٠٢٢/ فا كس: ٤٤٢٩٣٥ - ٠٢٢
المملكة المغربية
دار ابن حزم للطباعة والنشر والتَوزيع
بيروت - لبنان - ص. ب: ٦٣٦٦/ ١٤
هاتف وفاكس:٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)
بريد إلكتروني: ibnhazim @cyberia.net.lb
[ ٤ / ٢ ]
كتاب النكاح الثالث
[ ٤ / ٣ ]