تحصيل مُشكلات هذا الكتاب، وجملتُها تسع مسائل:
المسألة الأولى
فيمن أعتق عبدهُ عن غيرهِ، فينبغى أن نقدَّم الكلام على اشتقاق الولاء أولًا ثُمَّ نعقبه بالكلام على مقتضى الترجمة.
فنقول وبالله التوفيق: الولاء بفتح الواو: ممدود مِن الولاية بالنسب والعِتق، وأصلُهُ الولى، وهو: القريب.
وبكسر الواو مِن الإمارة والتقديم، وقيل إنَّهُ يُقال فيهما بالوجهين جميعًا.
والولاء في عُرف الاستعمال ينطلق بإيذاء معانٍ كثيرة تكون للمُعتَق والمُعتِق ولأبنائهما، وللناصر ولابن العم والقريب، والعاصب والخليفة [والقائم] (١)، وللقائم [بالمعروف] (٢) بالأمر وناظر [اليتيم] (٣)، والصاحب [و] (٤) المحب.
فإذا ثبت ذلك، فلنرجع إلى مقصود الترجمة، فنقول: عِتق الرجل عبدهُ عن غيرهِ، لا يخلو مِن وجهين:
أحدهما: أن يعتقهُ عن مُعيَّن.
والثاني: أن يعتقهُ عن غير مُعيَّن.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في هـ: الأيتام.
(٤) سقط من أ.
[ ٥ / ٣٨٥ ]
فإن أعتقه عن معين، فلا يخلو ذلك المعَّين مِن أن يكون مسلمًا أو نصرانيًا.
فإن أعتقهُ عن مسلم، فلا يخلو مِن ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يعتقهُ عن رجلٍ بعينهِ.
والثاني: أن يعتقهُ عن عبدٍ بعينه.
والثالث: أن يعتقهُ عن امرأةٍ بعينها.
فإن أعتقهُ عن رجلٍ بعينه، فلا يخلو مِن أن يعتقهُ [على] (١) جُعْلٍ [جعله] (٢) لهُ أو على غير جُعل:
فإن أعتقهُ على مالٍ جعلهُ لهُ:
فإن كان على تعجيل العِتق والمالُ حالُّ أو إلى أجل، فهذا جائزٌ مِن غير خلاف، والولاء للذى أعتق فإن كان العتق إلى أجل، والمال حال أو إلى أجل لم يُجز، لأنَّهُ غرر لاحتمال أن يموت العبد قبل حلول الأجل، فيذهب مالهُ [باطلًا.
فإن كان على غير مال، فالمذهب يتخرّج على ثلاثة أقوال] (٣):
أحدها: الجواز، حيًا كان المُعتق عنهُ أو ميتًا، وهو قول مالك في "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّهُ لا يجوز، فإن نزل مضى، وكان الولاء للمُعتق عنه.
والثالث: أن الولاء للذى أعتق.
_________________
(١) في أ: عن.
(٢) سقط من أ.
(٣) بياض في هـ.
[ ٥ / ٣٨٦ ]
وأمَّا إن أعتقهُ عن عبدٍ بعينه، فإنَّ ذلك جائز، فيكون الولاء لسيِّد العبد المُعتق عنهُ، ما دام هو في الرِّق.
فإذا أُعتق، فهل يرجع إليهِ الولاء أم لا؟ على قولين منصوصين في "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَّهُ لا يعود إليهِ الولاء، وإن أُعتق، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنَّهُ يعود إليه الولاء، وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف: في الولاء، هل ينتقل بعد ثبوتهِ أم لا؟
فإن أعتقهُ عن امرأةٍ بعينها: فلا يخلو مِن أن تكون زوجةً لهُ أو هى أجنبيَّة عنهُ:
فإن كانت أجنبيَّة عنهُ، فهو كمن أعتق عن رجلٍ بعينهِ على سواء.
فإن كانت زوجةً لهُ، فلا يخلو مِن وجهين:
إمَّا أن تشترط أن يعتقهُ عنها أو لم تشترط ذلك.
فإن اشترطت ذلك عليهِ، كان لها الولاء، وسواءٌ كان ذلك على مالٍ دفعتهُ إليهِ أو كان ذلك بسؤال.
واختلف هل يُفسخ نكاحها أم لا؟ على قولين منصوصين في "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَّ النكاح مفسوخ، وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أنَّهُ لا يُفسخ، وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف: هل يُعدَّ ذلك كملكِ الرقبة، فيُفسخ النكاح أو لا يُعدَّ كالملك، لأنَّهُ لم يخرج [من] (١) مِلك سيدهُ إلا إلى عتق؟
_________________
(١) في أ: عن.
[ ٥ / ٣٨٧ ]
فإن لم تشترط عليهِ أن يعتقهُ عنها، فالنكاح جائزٌ اتفاقًا، أعتقهُ على مالٍ مِن عندها أم لا.
فإن أعتقهُ عن نصراني، فلا يخلو العبد مِن أن يكون مُسلمًا أو نصرانيًا:
فإن كان مُسلمًا: فإنَّ ولاءهُ لجميع المسلمين، ما دام المُعتق عليه نصرانيًا.
فإن أسلم بعد ذلك، هل يرجع إليهِ ولاؤهُ؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ لا يرجع إليهِ الولاء، وإن أسلم، وهو قول مالك في "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّهُ لا يرجع إليه الولاء، وإن أسلم، وهو قول مالك في "المُدوّنة": أنَّهُ يرجع إليهِ الولاء وهو قولٌ قياسى، ويُستقرأ مِن قول ابن الموّاز: في مُسلمٍ لهُ عبدُ نصرانيٌ، وللعبدِ عبدٌ مُسلم، فأعتقهُ بغير علم سيِّدهُ، ولم يعلم حتى أعتق السيد المسلم عبدهُ النصراني، ثُمَّ مات العبد المُسلم عن ماله، فبقى ميراثهُ للمُسلم الأعلى.
فإذا صحَّ أن يُجبر العبد المُعتق النصرانى ولاء عبدهُ المُعتق المُسلم إلى السيِّد الأعلى دون سائر المسلمين، صحَّ أن يجبره إلى نفسه، ويرجع إليه إذا أسلم.
[فإن كان نصرانيًا] (١)، فولاؤهَ لهُ.
فإن أسلم العبد [المعتق] (٢) قبلهُ رجع إليهِ ولاؤُهُ إذا أسلم، كما يأتى
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) سقط من أ.
[ ٥ / ٣٨٨ ]
بيان ذلك كُلُّهُ في مسألة مُفردة إن شاء الله تعالى.
وأمَّا الوجه الثاني مِن أصل التقسيم: إذا أعتقة عن غير معين، كالسائبة التي تُعتق عن جميع المسلمين، فهل يجوز ذلك أو لا يجوز؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ ذلك لا يجوز ابتداءً، وهو قولُ مالك وابن القاسم في كتاب "ابن الموّاز".
والثاني: أنَّ ذلك جائز ابتداءً مِن غير كراهة، هو قول أصبغ وسحنون في "العُتبيَّة" وابن القاسم في "المُدوَّنة".
وعلى القولين جميعًا: إذا وقع ونزل، هل يكون الولاء للذى أعتق أو لجميع المُسلمين؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ الولاء لجميع المسلمين، وهو المشهور، وهو مذهب "المُدوَّنة".
والثاني: أنَّ الولاء لمن أعتق، وهو قول ابن نافع في "كتاب ابن حبيب".
وسبب الخلاف: اختلافهم في قولهِ - ﷺ -: "الولاء لمن أعتق".
فمن حمله على ظاهرهِ، قال: الولاء للذى أعتق.
ومن نظر إلى المعنى، قال: لجميع المسلمين، ويكون [معنى] (١) قول النبي - ﷺ -: "الولاء لمن أعتق" أي: الولاء لمن حصل له الثواب لأجل العتق، فيكون الولاء تابعًا للثواب، وهذا هو المفهوم مِن اللفظ، وهو الذي سبق إلى فهم سامعهِ.
_________________
(١) في أ: مغزى.
[ ٥ / ٣٨٩ ]
وأمَّا مَنْ كَرِهَ ذلك ابتداءً، فإنَّما كرههُ لما في ذلك مِن هبةِ الولاء، وقد نهى النبي - ﷺ - عن بيع الولاء وهبتهُ، وقيل: إنَّما كرِهَ ذلك، لتشبيهه بسوائب الجاهلية في الأنعام [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٥ / ٣٩٠ ]
المسألة الثانية
في النصراني إذا أعتق عبده [ثم] (١) أسلم السيد المُعتق، ولا يخلو العبد الذي أُعتق مِن وجهين:
أحدهما: أن يعتقهُ ثُمَّ يُسلم العبد المُعتق.
والثاني: أن يعتقهُ بعد أن أسلم العبد.
فإن أعتقهُ ثُمَّ أسلم العبد بعد العتق: فإنَّ ولاءَهُ لجميع المسلمين [إلا أن يكون للسيد الذي أعتقه قرابة مسلمون فإنهم يجدون ولاءه تره ثم إن أسلم بعد ذلك السيد فإنه يرجع ولاؤه إليه. فإن أعتقه بعدما أسلم فإن ولاءه لجميع المسلمين] (٢).
ثُمَّ إن أسلم السيد بعد ذلك، هل يرجع إليه ولاؤه أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ لا يرجع إليه، وإن أسلم بعد ذلك، وهو المشهور في النقل.
والثاني: أنَّهُ يرجع إليهِ إذا أسلم، وهو الأظهر في النظر والأثر.
أمَّا النظر: فكون العلة التي [لأجلها] (٣) منع الولاء قد زالت، فإذا زالت وجب أن يرجع إليه الولاء، لأنَّ المانع مِن أن يكون لهُ الولاء: كونُهُ كافرًا، ولا ولاية للكافر على المُسلم.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ٣٩١ ]
فإذا أسلم، وتساوى معهُ في الرتبة، كان لهُ الولاء، ويرجع إليهِ.
وأمَّا الأثر: فلعموم قوله - ﷺ -: "إنَّما الولاء لمن أعتق" [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٥ / ٣٩٢ ]
المسألة الثالثة
في المُسلم إذا أعتق عبدهُ النصراني، ثُمَّ مات [عن مال] (١) قبل أن يُسلم، فلا خلاف في المذهب أنَّ لهُ ولاءهُ، وأنَّهُ لا يرثهُ لاختلاف الدينين.
واختلف المذهب لمن يكون ميراثهُ: على خمسة أقوال:
أحدها: أنَّهُ لا يرثهُ أحد مِن ورثتهِ مِمن هو على دينهِ، وهي رواية أشهب عن مالك.
والثاني: أنَّهُ لا يرثهُ أحد مِن ورثتهِ إلا ولده الذي على دينه، وهو قول أشهب، قال: "ولا يرثهُ غيرهُ مِن الأُخوة أو غيرهم، ولو ورثتهم لورثت أهل دينهِ، وإنَّما ورثت ولدهُ، لأنَّهُ يجر ولاءهم إلى معتقهِ" انتهى [كلامه] (٢).
والثالث: أنَّهُ يرثهُ ولدهُ ووالدهُ خاصة، وهي رواية ابن القاسم عن مالك.
والرابع: أنَّهُ يرثهُ أخوهُ إن لم يكُن له ولد ولا والد، وهي رواية ابن القاسم عن مالك أيضًا.
والخامس: أنَّهُ يرثُهُ كُلِّ مَنْ يرث الرجل المُسلم مِن قرابتهِ، وهو قول أصبغ وابن القاسم وابن عبد الحكم.
واختلف إذا لم يكُن لهُ وارث مِن قرابتهِ، هل يُصر ميراثُهُ إلى بيت المال [أو إلى من طلبه من النصارى على قولين. أحدهما: أنه يصرف
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: قوله.
[ ٥ / ٣٩٣ ]
ميراثه إلى بيت المال] (١)، ولا يدفع لغير مَنْ ذكرنا؟ على الخلاف الذي قدَّمناهُ، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنَهُ يدفع لكلِّ مَنْ طلبهُ مِن النصارى، ولا يكلف البينة على أصل دينهم، وكيف توراثُهم عندهم، ولو كُلِّفوها لم [يأتوا] (٢) إلا بمثلهم، فمن أخذهُ منهم، وقال: هكذا موراثتنا أعطيه. فإن أسلموه ولم يطلبه منهم طالب أوقفناه في بيت المال معزولًا ولا يكون فيئًا حتى يرث الله [الأرض] (٣) أو يأتى له طالب وهو قول المخزومي في "العُتبية"، وبقية أقوال المسألة كُلّها في كتاب "ابن الموّاز" و"كتاب ابن سحنون" ﵄ [والحمد لله وحده] (٤).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: يأتوها.
(٣) سقط من أ.
(٤) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٥ / ٣٩٤ ]
المسألة الرابعة
فيمن شهد بِعتق عبدِه، فرُدَّت شهادتهُ فيهِ، ثُمَّ اشتراهُ، ثُمَّ اعترف أن البائع أعتقهُ، وجحد لهُ العتق، فلا يخلو مِن أن يموت العبد، والسيد حىّ، أو يُتلف السيِّد أولًا ثُمَّ مات العبدُ بعدهُ.
فإن مات العبد أولًا، والسيد حيٌ وترك مالًا، كان للمشترى الأقل ممَّا ترك أو الثمن.
فإن كان ما ترك هو أقلُّ لم يكُن لهُ سواهُ، لأنَّه لو مات، ولم يترك شيئًا، لكان لا شىء لهُ.
وإن كان الثمن أقل: أخذهُ المُشترى، ويوقف الفضل.
فإن رجع البائع إلى إقرار المشتري وتصديقه في العتق، كان لهُ الفضل، وإلا تصدَّق بهِ، لأنَّهُ اعترف أنَّهُ لا شىء له فيهِ، والمشتري كذلك.
فإذا تصدَّق بهِ كان أجرهُ لمن هو [له] (١) في علم الله تعالى.
فإن مات السيِّد أولًا، ثُمَّ مات العبدُ بعدهُ، فلا يخلو السيد مِن أن يترك مالًا أو لم يترك شيئًا.
فإن ترك مالًا، فلا يخلو ورثتهُ مِن وجهين:
أحدهما: أن يكونوا رجالًا ونساءً.
والثاني: أن [يكونوا] (٢) نساءً.
فإن كانوا رجالًا ونساءً، فلا يخلو مِن وجهين:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: يكون.
[ ٥ / ٣٩٥ ]
أحدهما: أن يكونوا بنين وبنات أو يكونوا بنات وعصبة، فإن كانوا رجالًا عصبة أو بنين وبنات، هل يأخذ المشتري جميع الثمن أو إنَّما يكون لهُ الأقل؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: إنهُ يأخذ جميع الثمن، لأنَّهم مُقرُّون أن الذي أخذ الأب ديْنٌ عليهِ، ولا ميراث إلا بعد قضاء الدَّيْن، وهذا القول حكاهُ اللخمى في "المذهب".
والثانى: أنَّ له الأقل مِن ثلاثة أشياء، ما خلفهُ العبد أو ما خلفهُ السيِّد أو الثمن.
فإن كان الذي خلفهُ المولى أقل، قال ورثة السيِّد لحر على ما مات عليهِ أبونا: أنَّهُ لم يعتق.
فإن كان الثمن أقل، قالوا: نحنُ نُصدِّقُك، وخذ ثمنك.
وإن كان الذي خلَّفهُ السيِّد أقل، كان لهم تصديقهُ أيضًا، ويقولون لهُ إنَّ دينك في ذمة أبينا، وليس لهُ إلا مالهُ:
فإن كان الورثة إناثًا وعصبة، فلا يخلو الإناث مِن أن يستوعبن الميراث أو لا يستوعبنهُ:
فإن استوِعبن الميراث، كالبنات والأخوات للأب أو شقيقة: فلا شىء للمشتري في هذا الوجه، لا في تركة السيد، ولا في تركة العبد.
لأنَّ حقَّهما إنَّما يجب في مال السيد على دعواهُ، والإناث لم يصدقنهُ، ولا يرثن مِن ولاء ما أعتق الأب.
ولذلك لم يأخذ مِن متروك الأب شيئًا، وإنَّما لم يأخذ مِن تركة العبد.
[ ٥ / ٣٩٦ ]
لأنَّ العصبة الذين يرثون [الولاء] (١)، يقولون لهُ: إنَّما وجب حقك في ذمة السيد، لا في متروك العبد الذي هو لنا، ونحنُ لا نأخذ مِن مالِ السيد شيئًا، فلذلك منع مِن أن يأخذ مِن مال السيد، ومِن مال العبد.
وإن مات السيِّد، ولم يترك شيئًا: فلا شىء للمشترى في مال العبد، سواءٌ كان ورثتهُ عصبة أو بنين.
والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٥ / ٣٩٧ ]
المسألة الخامسة
في ميراث الحملاء والمتحملين:
ومعنى الحملاء: المسببين مِن أرض الحرب [ومعنى المتحملين: المنتقلين من أرض الحرب] (١)، وهاجروا إلى دار الإسلام، وقد أسلموا، ولا تخلو دعواهم المناسبة مِن ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يدّعى بعضهم بُنوَّة بعض.
والثانى: أن يدعى بعضهم أبوَّة بعض.
والثالث: أن يدعى بعضهم أخوة [بعض] (٢).
والجواب عن الوجه الأول: إذا ادّعى بعضهم بُنوَّة بعض، مثل: أن يدَّعى بعضهم أنَّ هذا ابنهُ، هل يُصدَّق أو يُكلَّف البيِّنة؟
قولان قائمان مِن "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّه يُصدَّق، لأنَّهُ مِن باب استلحاق الولد، وقال ابن القاسم في كتاب "أمهات الأولاد": فيمن استلحق مجمولًا مِن بلاد الشرك، وقد عُرف أنَّهُ دخل تلك البلاد: أنَّه يُصدَّق ويلحق به، فهذا الذي قد حمل معةُ مِن بلدٍ [واحد] (٣) أولى أن يُصدَّق [ويلحق] (٤) به"، وهذا ظاهر.
والثاني: أنَّهُ لا يُصدَّق إلا ببيَّنة، كغيرهِ مِن القرابة، وهو ظاهر
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٥ / ٣٩٨ ]
"المُدوّنة" في كتاب "أمهات الأولاد"، وكتاب الولاء، وهو قول القاضى أبى محمد عبد الوهاب، وأبى الحسن بن القصار.
وينبني الخلاف على الخلاف: في الأمر المُبهم الذي لم يتبيَّن فيهِ صدق المُدَّعى ولا كذبهُ، [هل يحمل فيه على الصدق، حتى يتبيَّن كذبهُ أم لا؟ وفي ذلك قولان قائمان في المدونة، وقد نبَّهنا على مفهومهما في كتاب "أمهات الأولاد": إذا لم يتبين كذبهُ ولا صدقهُ] (١) في الاستلحاق.
والجواب عن الوجه الثاني والثالث: إذا ادّعى بعضهم أُبوة بعض أو أخوتهُ أو ادعى ما عدا ذلك مِن القرابة، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن تكون الدعوى والموت بفور دخولهم إلينا.
والثاني: أن يكون ذلك بعد طول، فإن كان بفوْر دُخولهم بلاد الإسلام، فمات بعضهم، فوقع التداعى في النسب، حراسةً على حوز الميراث الذي هو أعلى المكاسب وأنفس المطالب، فالنسب لا يثبت في [هذين الوجهين] (٢) إلا بالشهادة اتفاقًا.
ثُمَّ لا تخلو الشهادة مِن أن تكون منهم أو مِن غيرهم:
فإن كانت مِن غيرهم، مِمن كان معهم، وعرفهم في بلادهم مِن المسلمين، فلا يخلو [هؤلاء المسلمون الذين هم معهم] (٣) مِن أن يكونوا أسارى أو تُجارًا أو مَنْ دخلها لمصالح المسلمين:
فإن كان أسارى: فشهادتهم جائزة، مع وجود العدالة اتفاقًا.
وإن كانوا تُجارًا، فلا يخلو دُخولهم بلاد الشرك مِن أن يكونوا على
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) في هـ: هذا الوجه.
(٣) في أ، هـ: المسلم الذي هو معهم.
[ ٥ / ٣٩٩ ]
معنى الغلبة والاضطرار، أو ذلك على معنى الترفُّه والاختيار.
فإن كان دخولهم غلبة اضطرارًا، كالريح رمتهم إلى بلاد الشرك مِن غير قصد فشهادتهم جائزة اتفاقًا أيضًا.
فإن كان دُخولهم ترفهًا واختيارًا، فلا يخلو مِن أن يُحدثوا توبة وخيرًا وصلاحًا، أو لم يُحدثوا شيئًا:
فإن أحدثوا توبة بعد الإياب، وأخذوا على أنفسهم بالعقاب: فشهادتهم جائزة اتفاقًا أيضًا.
وإن تمادوا على الحالة الأُولى، ولم تستشعر أنفسهم الندم على ما زلَّت بهم القدم، فهل يكون ذلك جُرحةً في شهادتهم أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَّ ذلك جرحهَ، تُبطل الشهادة، وهو مذهب سحنون، وهو ظاهر قول مالك في كتاب "التجارة إلى أرض الحرب".
والثاني: أنَّ ذلك ليس بجرحة، ولا تبطل به الشهادة، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب أمهات الأولاد"، حيثُ جوَّز شهادتهم إطلاقًا، وهو ظاهر قوله في "كتاب الجهاد" أيضًا:
فمن مات عندنا مِن أهل الحرب أو قُتل، حيث قال: "تُدفع ديتهُ إن قتل، ومالهُ إلى ورثتهِ في [بلادهم] (١) "، وظاهر قوله: أنَّ المال يُحمل لهم إلى بلادهم، فقد أباح الدُخول إلى بلادهم، لمعنى ليس بواجب، إذا كان الإمام غير قادر على أن يكتب إليهم، ليقدموا حتى يقبضوا مالهم.
فأمَّا إن كان دخولهم بلاد العدو، لمصالح المسلمين، كمفاداة الأسارى
_________________
(١) في أ: بلاده.
[ ٥ / ٤٠٠ ]
أو بعثهم الإمام لأمرٍ بين المسلمين والمُشركين، كعقد الهُدنة: فلا خلاف أيضًا أنَّ ذلك لا يُؤثر في شهادتهم.
فإن كانت الشهادة مِن المتحملين، فلا يخلو مِن وجهين:
إمَّا أن يكونوا في عددٍ يسير أو في عددٍ كثير.
فإن كانوا في العدد الكثير والجمِّ الغفير الذي لا يُحصيهِ عدد ولا يحويهِ [مكان] (١): فلا خلاف أنَّ قولهم مقبول، وتصديق بعضهم بعضًا فيما يدَّعيه مِن المُناسبة معقول ومبذول مِن غير اعتبار العدالة، وهذا [من] (٢) التواترَ الذي يُفيد العلم الضرورى، بل لا يعتبر فيه الإسلام أيضًا عند أئمة الأصوليين وأمَّا إن كان عددًا يسيرًا [وثلة ذليلة] (٣) وشرذمةً قليلة، كالعشرين على ما نصَّ عليهِ ابن القاسم في العُتبيَّة، أو فوق ذلك [على] (٤) ما ذهب إليهِ سحنون، فلا تخلوا شهادتهم مِن وجهين:
أحدهما: إمَّا أن يدخل فيه أشهد لي وأشهد لك، مِثل: أن يشهد هؤلاء لهؤلاء، وهؤلاء لهؤلاء: فلا خلاف في هذا الوجه أنَّ الشهادة باطلة مردودة.
وإن شهد منهم شاهدان على غيرهم، مِن غير أن يشهد لهُ مَنْ شهد هو لهُ، فهل تجوز شهادتهم أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدونّة":
أحدهما: أن شهادتهما مردودة لا تجوز، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
_________________
(١) في هـ: تعد.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٥ / ٤٠١ ]
والثانى: أنَّ شهادتهم جائزة مقبولة [وهو قوله] (١) في مسألة [المسلوبين] (٢) في كتاب المحاربين.
وسبب الخلاف: اعتبار الظنة ولحوق التُّهمة.
فمن رأى أنَّ التَّهمة تلحقهم، والظنة تُدركهم بدخول حمية البلدية، وقوة دواعى العصبية التي [تبطل] (٣) بها شهادة [العادل الأعدل] (٤)، وإن كان أورع مِن أحمد بن حنبل، مِثل شهادة الأب لابنهِ، والابن لأبيهِ، قال: ببطلان الشهادة، ومرة رأى ما بهم مِن الضرر الناجز والحرج الحافز إلى كمال النعمة وتمام المنَّة بجمع الشمل وضم الفرع للأصل، حتى يتباشروا ببركة الإسلام لجمع شتاتهم وقيل مُرادهم على الكمال والتمام، قال: بجواز الشهادة وقبولها.
ولا خلاف في اعتبار العدالة.
وهذا كُلهُ إذا كانت الدعوى بفوْر الدُخول.
وإن طال عليهم الأمد، ومرت عليهم السنون في توطين البلد، والولد في أثناء ذلك يُكنى بالولد والتناسب مستفيض بينهم بالأبوة والبُنوَّة مِن غير نكير، مِمن يرد عليهم مِن المعارف والجيران مِن أهل بلادهم، ومَنْ جاء صُحبتهم حتى حازوا أنسابهم، وقرَّروا أصولهم: فهذا لا خلاف فيهِ، أنَّ مَن مات منهم يرثُهُ [من كان ينسب إليه] (٥) ويُناسبهُ مِن غير أن يُكلف ثبوت النسب، ولا أثبت مِن اشتهارهم مِن إضافة بعضهم إلى بعض،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: المسلمين.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: العدل.
(٥) سقط من أ.
[ ٥ / ٤٠٢ ]
وهو مذهب "المُدوَّنة" في "كتاب القذف": في العربى إذا قدم بلدًا مِن البُلدان، فسكنها وطال مكثهُ فيها، وهو يكتب شهادته فلان ابن فلان [الفلانى] (١)، حتى حاز نسبه.
فمن نفاهُ بعد ذلك [عن] (٢) نسبه حد للقذف، لأنَّهُ قَطَعَ نسبهُ، ومِن طريق المعنى.
فإن كان الحيازة عاملة في الأموال لاتفاق المذهب، على اختلافهم أنواعها، فبأن تكون عاملة في الأنساب أولى وأحق.
والحمد لله وحده.
_________________
(١) زيادة من جـ، ع، هـ.
(٢) في أ: من.
[ ٥ / ٤٠٣ ]
المسألة السادسة
في الرجل إذا مات، وترك ولدين مسلمًا ونصرانيًا، كُل [واحدٍ منهما] (١) يدَّعى أن الأب [مات] (٢) على دينه، فلا يخلو من [ثلاثة أوجه] (٣):
أحدهما: أن يتفقا أنَّهُ كان مُسلمًا.
والثانى: أن يتفقا أنَّ أصلهُ كان كافرًا.
والثالث: أن يُجهل أمره.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا اتَّفقا أنَّ أصلهُ كان مُسلمًا وشهدت البيِّنة بذلك، ثُمَّ اختلفا فيما مات عليهِ بعد ذلك، واحدٌ يقول: "مات على ما عليهِ عاش"، والآخر يقول: "مات وهو كافر"، فلا يخلو من أن تقوم عليهما بيِّنة أو لا بيِّنة لهما.
فإن قامت لكلِّ واحدٍ منهما بينةٍ على ما يدَّعيه، وتكافآ في العدالة: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ ذلك تهاتر ويقضى بأعدل البينتين.
فإن تساوتا سقطتا، ويُحكم لهُ بما كان يُعرف مِن الإسلام، والأصل استصحاب الحال.
والثاني: أنَّهُ يُقضى عليه بالبينةِ الزائدة التي زادت، لأنَّها نقلتهُ عمَّا كان العرف، ثمَّ يكون مالهُ لجميع المسلمين، لأنَّهُ مرتد.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ، هـ: وجهين.
[ ٥ / ٤٠٤ ]
والجواب عن الوجه الثاني: إذا قامت البيِّنة، أنَّهُم لم يزالوا يعرفونهُ أنَّه [كافر] (١)، فشهدت عليهِ البيِّنة أنَّهُ مات على ما عليه عاش، وشهدت أخرى أنَّهُ مات مسلمًا، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ ذلك تكاذب، ويقضى بأعدل البينتين، وإن تكافأتا في العدالة سقطتا، وبقى على ما كان بهِ يُعرف مِن النصرانية.
والثاني: أنَّهُ يقضى بالبينة الزائدة، لأنَّها نقلتهُ عن الحالة الأولى.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا جُهل أصلهُ، وما كان عليهِ عاش، فادّعى كُلُّ واحدٍ منهما أنَّهُ مات على دينهِ، فلا يخلو مِن أن يكون لهما بينة أو لا بيِّنة لهما:
فإن لم تكن لهما بيِّنة، فلا يخلو أحدهما مِن أن يكون تولَّى كَفَنهُ ودفنهُ بمحضر مِن صاحبهِ أم لا:
فإن تولَّى المُسلم كَفَنُهُ ودفنهُ والصلاة عليه، بمحضر النصراني، من غير نكير ولا نهر ولا سطوة للمسلم على النصراني فهل يكون ذلك دليلًا على أنَّهُ مات مُسلمًا، ويُقبل قول المسلم؟ على قولين:
أحدهما: أنَّ الصلاة لا تكون شهادة، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
والثاني: أنَّ الصلاة شهادة.
فإن تولَّى النصرانى مواراته بمحضر المُسلم مِن غير نكير، كان دليلًا على أنَّه مات كافرًا، وهو أبين مِن صلاة المسلم عليهِ بمحضر النصراني، ثُم يُسأل النصراني عن أصل [أبيه] (٢):
فإن قال: كان كافرًا، [حتى] (٣) مات على ما عليهِ عاش، كان
_________________
(١) في أ: مات كافرًا والصواب ما أثبتناه من ب.
(٢) في أ: دينه.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ٤٠٥ ]
المال [له مع] (١) ما قام لهُ [من] (٢) دليلُ الحال.
فإن قال: أصلُهُ مُسلم، ثُمَّ مات كافرًا، كان المال للمُسلم، لأنَّهُ مُرتد على ما يدعيهِ: فالذي يجب أن يكون المال لجميع المسلمين بزعمه، إلا أنَّ دعواهُ لغيرهِ لا يقبل منهُ.
فإن أقام كُلُّ واحدٍ منهما بيَّنة على دعواهُ، فإنَّهُ يقضى بأعدلهما.
فإن تكافآ، هل يُقسم المال بينهما أو يكون للمسلم؟
فالمذهب على قولين منصوصين في "المدوَّنة" في "كتاب الولاء" و"كتاب الشهادات":
أحدهما: أنَّ المال بينهما نصفان، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنَّ المال للمسلم، لأنَّ بينتهُ قد زادت حين زعم أنَّهُ مُسلم، وهو قول غيرهِ.
واختلف إذا كان معهما أخٌ صغير، ما الذي يأخذ كُلُّ واحدٍ منهما؟ على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يأخذ مِن كُلِّ واحدٍ نصف ما بيده، ويصير لهُ النصف وحدهُ، ويُجبر على الإسلام، ويكون لهما النصف بعد إيمانهما، وهو قول أصبغ.
والثاني: أنَّهُ يكون بينهم المال أثلاثًا، فإن خلَّف الميت ستين دينارًا، كان لكلِّ واحدٍ مِن الأولاد عشرون دينارًا، لأنَّ المسلم يقول: الميراث بيني وبين أخي الصغير نصفان والنصراني غاصب، والغصب علَّى، وعليهِ
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٥ / ٤٠٦ ]
[على] (١) قدر أنصبائنا في المال مما حصل لنا منه كُنَّا فيهِ شركاء، والنصراني يقول مِثل ذلك، وتساوت دعاويهم [في المال] (٢): فيُقسَّم بينهما أثلاثًا، وبه قال بعض المتأخرين، فهل يُعجَّل ذلك المال للصبى أو يُوقَّف إلى بُلُوغهِ؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن يُعجَّل لهُ في الحال، وهو قول أصبغ.
والثاني: أنَّهُ يوقف ما صح لهُ من المال، حتى يبلغ الصبى، فيدعى مثل دعوى أحدهما، فيأخذ ما وقف لهُ مِن سهمهِ [ويرد إلى الآخر ما وُقِّف مِن سهمهِ] (٣)، وهو قولهُ في كتاب محمد.
فإن مات قبل بلوغهِ، ولهُ ورثة يُعرفون، هل يكون ذلك المال لورثتهِ أو يُرد إلى الإخوة؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ إذا مات اقتسموا مالهُ، وهو قول سحنون.
والثاني: أنَّهُ يكون لورثتهِ إذا كان لهُ ورثة معروفون، وهو قولهُ في كتاب محمد.
والحمدُ لله وحدهُ.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من هـ.
[ ٥ / ٤٠٧ ]
المسألة السابعة
في ميراث ولد المُلاعنة وولد الزنا:
قال مالك ﵁: "ولد الزنا لاحقٌ بأُمِّهِ، فإذا مات ورثت منهُ الثلث، وما بقى فهو إليها إن كانت معتقة، وإن كانت عربية فَلِبيت مال المسلمين".
وكذلك "المُلاعنة": إلا أنْ يكون لهُ أُخوة مِن أُمَّهِ، فيأخذون الثُلُث، ويردُّون للأُم السُدُس، ثُمَّ يكون ما بقى لمن ذكرنا.
ولا خلاف في: توأمى المسيبة والمغتصبة والمُتحملة والزانية: أنَّهما يتوارثان بالأب والأُم، لأنَّ أُمهما لم يتقدمَّ عليها الرِّق لأحد، ويُحملان على أنَّها لأبٍ حتى يتحقق خلاف ذلك.
ولا خلاف عندنا في: توأمى الزانية: أنَّهما لا يتوارثان مِن قِبَلِ الأب إلا خلافًا شاذًا رُوى عن الداودى في "كتاب الأموال": "أنَّ ولد الزنا يُلحق نسبهُ إلى الزانى، إنْ عُلم أنَّهُ منهُ".
قال: "وقد أجمع أهل العلم على أنَّ ولد الزنا يرث أُمَّهُ وترثُهُ".
قال: "لا فرق بين الأُم والأب، وإنَّما منع ميراث العاهر، لأنَّهُ لا نعلم حقيقة ذلك، هل هو منهُ أو مِن غيره".
وما قالهُ باطلٌ قطعًا، لأنَّهُ خلاف الظاهر.
فأمَّا توأم المُغتصَبة والمُسيبة الملاعنة، هل يتوارثان بأنَّهما أخوة أشقاء أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهما يتوارثان بالأب والأُم، وهو قول ابن القاسم في
[ ٥ / ٤٠٨ ]
"المُدوَّنة" في المسيبة [وقول سحنون في المسيبة] (١) والمُلاعنة، وهو قول مالك في المُغتصَبة في "مختصر ما ليس في المختصر".
والثاني: أنَّهما يتوارثان بالأُم خاصة، وهو قول مالك في "المُدوَّنة"، في توأم المُلاعنة، وهو قول المُغيرة في المُسيبة، وهو قول سحنون في المُغتصبة.
والحمدُ لله وحدهُ.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٥ / ٤٠٩ ]
المسألة الثامنة
في ميراث اللقيط والمنبوذ:
واختلف في ميراث اللقيط والمنبوذ، هل هما عبارتان عن معبَّرٍ واحد أو هما عبارتان عن مُسميين مختلفين:
فقيل: "إنهما اسمان لمسمى واحد، [فإن اللقيط هو الملتقط حيث وجد أعنى] (١) أي صفة وجد في صغرهِ، لأنَّهُ فاعل بمعنى مفعول، كقولهِ تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ أى: مدفوق.
والمنبوذ: الذي وُجد منبوذًا مِن أول ما وُلد".
وقيل: "إنَّ اللقيط: هو ما التُقط في الصغر مِن الشدائد [والجلادة] (٢)، ولا يُعلم لهُ أب".
وقال مالك: "ما يُعلم منبوذا إلا ولد الزنا".
وفائدة الخلاف [وثمرته] (٣): إذا استلحقهُ أحد، هل يُلحق بهِ أم لا وفيمن قذفهُ، هل يُحدُّ أم لا؟
فإذا ثبت ذلك: فلا يخلو مِن وجهين:
أحدهما: أن يلتقطهُ مُسلم.
والثاني: أن يلتقطهُ نصراني.
فإن التقطهُ مُسلم، فلا يخلو مِن أن يلتقطهُ مِن قُرى
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ٤١٠ ]
الإسلام أو مِن قُرى أهل الشرك:
فإن التقطهُ مِن قُرى أهل الإسلام، فإنَّهُ يكون حُرًا، وولاؤهُ لجميع المسلمين، وعليهم نفقتهُ كما قال عمر بن الخطاب ﵁.
ومن ادّعى أنَّهُ ولدهُ فاستلحقهُ، هل يُلحق بهِ أم لا؟
فلا يخلو الذي استلحقهُ مِن أن يكون رجلًا أو امرأة.
فإن كان رجلًا، وقامت لهُ عليهِ بيِّنة، فإنَّهُ يُلحق به ويثبت نسبهُ منهُ.
وإن لم تكُن لهُ بيِّنة، فلا يخلو مِن أن يقوم لهُ دليل الحال أم لا.
فإن قام لهُ دليل الحال، كرجلٍ لا يعيش لهُ ولد، ويسمعُ قول الناس "إذا طُرح عاش"، هل يُلحق به أم لا؟
على قولين قائمين مِن "المُدوَّنة منصوصين:
أحدهما: أنَّهُ يُلحق بهِ ويصدق، وهو قول ابن القاسم في "المُدوَّنة".
والثاني: أنَّهُ لا يُصدَّق إلا ببِّينة، وهو قول غيره في "المُدوَّنة"، حيث قال: "إذا ثبت أنَّهُ لقيط، فلا يُقبل فيه دعوى أحد إلا ببِّينة".
وعلى القول بأنَّهُ يُصدَّق، هل ذلك بيمين أو بغير يمين؟ قولان قائمان مِن "المُدوَّنة":
وسببُ الخلاف: دليلُ الحال، هل يقوم [مقام الشاهدين أو] (١) مقام الشاهد الواحد؟
وإنَّما قُلنا على [مذهب] (٢) ابن القاسم: إنَّهُ يُلحق بهِ، لأنَّ العُرف
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) في ع، هـ: قول.
[ ٥ / ٤١١ ]
أمرٌ يُقضى بهِ، وإن كان [أمرًا] (١) [فاسدًا] (٢).
فإن [ادعتهُ] (٣) المرأة، واستلحقتهُ بها، هل يُلحق بها أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّهُ لا يُلحق بها، وهو قول ابن القاسم [في المدونة] (٤)، لأنَّها إنَّما استلحقتهُ بغيرها.
والثاني: أنَّهُ يُلحق بها، وإن قالت: هو مِن الزنا، وهو قول أشهب في "الموازية".
والثالث: أنَّهُ يُلحق بها، وتُصدَّق إن ادعت أنَّهُ مِن زنا، ولا يُلحق بها إن ادّعت أنَّهُ مِن زوج إلا أن يدعيه الزوج إن كان حيًا، وهو قول محمد.
وعلى القول بأنَّهُ يلتحق [به] (٥) في قيام البيَّنة على الوفاق أو مع دليل الحال، على الخلاف: هل يرجع عليهِ المُلتقط بما أنفق أم لا؟
فلا يخلو الأب في حال النفقة مِن أن يكون مُوسرًا أو معسرًا.
فإن كان معسرًا: فلا شىء لهُ بالاتفاق، لأنَّ نفقة الأولاد ساقطة عن الأب بالعُسر.
فإن كان مُوسرًا، فلا يخلو مِن أن يتعمد طرحهُ أو لا يتعمد.
فإن تعمَّد الطرح، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يُتبع بالنفقة، وهو قول ابن القاسم في المُدونة.
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: ادعت.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٥ / ٤١٢ ]
والثانى: أنَّهُ لا يُتبع بشىءٍ، لأنَّ نفقتهُ عليهِ احتسابًا، كالنفقة على اليتيم، ويكون بمنزلة مَن أنفق على يتيمٍ، يرى أنَّهُ لا مال لهُ، ثُمَّ ظهر لهُ مالٌ، فإنَّهُ لا يرجع عليهِ بشىءٍ، وهو قول أشهب في ["المُدوَّنة"] (١).
فإن كان الأب لم يتعمَّد طرحةُ: فلا إشكال أنَّهُ لا شىء عليهِ، وهو نصُّ قول ابن القاسم في "المُدوَّنة".
فإن التقطهُ من قُرى أهل الشرك، التي هى في أرض الإسلام وحُكمهم، فما حُكمُهُ؟ على قولين:
أحدهما: أنَّهُ مشرك، وهو قولهُ في كتاب "محمد".
والثاني: أنَّهُ يكون مسلمًا، وإن التقطهُ مِن كنيسة، وهو قول أشهب في "الموَّازية"، قال: "كما أجعلهُ حُرًا، كذلك يكون مُسلمًا".
فإن التقطهُ نصراني:
فإن كان مِن قُرى [الإسلام] (٢)، فالتقطهُ، فإنَّهُ يكون مُسلمًا.
وإن التقطهُ مِن قُرى أهل الشرك، فإنَّهُ يكون مُشركًا.
فإن التقطهُ مِن قرية فيها [مسلمون ونصارى] (٣)، فقولان:
أحدهما: أنَّهُ يكون مُشركًا، إن التقطهُ الكافر، وإن التقطهُ المُسلم يكون مُسلمًا، وهو قولهُ في "الموَّازية".
والثاني: أنَّهُ لا يكون إلا مُسلمًا، وإن كان فيها مِن المسلمين الاثنان والثلاثة، وهو قول أشهب في "الكتاب المذكور".
والحمدُ للهِ وحدهُ.
_________________
(١) في هـ: الموازية.
(٢) في هـ: المسلمين.
(٣) في أ: مشركون.
[ ٥ / ٤١٣ ]
المسألة التاسعة
في اختلاف ورثة الكافر في ميراثهِ، وكيف إن أسلموا؟
ولا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكونوا جميعهم على الكُفر.
والثانى: أن يُسلم بعضهم قبل القسمة.
والثالث: أن يُسلموا جميعًا.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كانوا كُلُّهم على الكُفر، فاختلفوا في الميراث، أيرتفعون إلى حُكم المسلمين، فإنَّهُ بالخيار بين الحكم والترك.
فإن حكم بينهم حكمًا بما ثبت عندهُ مِن مواريثهم، بعد كشفهِ عن ذلك، وبحثهِ عن كتابة توارثهم.
والجواب [عن الوجه الثاني] (١): إذا أسلم بعضهم قبل القسمة، فإنَّهُ يحكم بينهم، ولا يرد إلى حُكم النصارى، ولا خيار لهُ في هذا الوجه، لأنَّهُ حكمٌ بين مسلم ونصراني، ولا ينقلهم عن مواريثهم، وإنَّما يمنعون مِن أن يُردُّوا إلى حكم النصارى، لما في ذلك مِن إذلال المُسلم، ولأنَّهم لا يُؤمنون مِن الحَيْفِ والميل عليهِ، وقد وقع في روايات مختلفة، كُلُّها راجعة إلى معنى واحد.
قال في بعضها: "وإن كان الورثة مُسلمين ونصارى: حكم بينهم بحُكمِ الإسلام، ولم أنقلهم عن مواريثهم، ولا أردُّهم إلى أهل دينهم"، وهي رواية ابن عتاب.
_________________
(١) سقط من هـ.
[ ٥ / ٤١٤ ]
وفي رواية يحيى بن عمر: "فحكم بينهم بحكم دينهم"، وهذا كُلُّهُ أمرٌ مُتقارب.
ومعنى قول: "حُكم بينهم بحكم دينهم" أي: فيهم وإن بقوا على مواريثهم في الكفر، وهو قول عمر بن عبد العزيز ﵁ في مسلمين ونصارى حاما إليهِ في ميراث، فقال: "تُقسَّم بينهم على فرائض الإِسلام، فإن أبوّا، فردُّوهم إلى أهل دينهم"، كذا في رواية عيسى عن ابن المرابط، وعند ابن عتاب: "إلى أمر دينهم"، وهذه أصحُّ، أي: "أُقسم بينهم على ورثة الكفر"، ومعناهُ: "أنَّ بعضهم أسلم بعد الموت، فيُقسَّم ميراثهُ على ورثة الكفر".
ومعنى قولهُ: "إلى أهل دينهم" أي: إلى أمر دينهم، كما قال في الرواية الأولى.
فإذا حُمل على هذا التأويل: يكون وفاقًا للمذهب [ويحتمل أنه أراد أن يحكم أولًا أنه لا ميراث للمسلمين معهم ثم يرد الباقون من النصارى إلى أهل دينهم لكونهم أسلموا قبل موت أبيهم ويكون قوله وفاقًا للمذهب] (١) أيضًا.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا أسلموا جميعًا قبل قسمة التركة، هل تُقسَّمُ بينهم على قسمة الإِسلام أو على قسمة النصارى؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّهُ يُقسَّم بينهم على قسمة المسلمين، وهي رواية أشهب عن مالك، وهو قول ابن نافع في "المُدوَّنة"، وهو قول مُطرف وابن الماجشون في "كتاب ابن حبيب".
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٥ / ٤١٥ ]
والثاني: أنَّهُ يُقسَّم بينهم على قسمة أهل الشرك جُملةً، كانوا أهل كتاب أو غيرهم، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "العُتبيَّة": في المجوس إن كانوا أهل ذمَّة، وأسلم [أولادهُ] (١) قبل أن يُقسَّم الميراث، حيثُ قال: "فإنَّهُ يُقسَّم على قسم الشرك".
والثالث: التفصيل بين أهل الكتاب وغيرهم، فأهل الكتاب يُقسَّمون على قسم النصارى إذا أسلموا، والمجوس يُقسمون على قسم الإِسلام إذا أسلموا، وهو قول مالك في المُدوَّنة وبهِ أخذ ابن القاسم.
وسبب الخلاف: اختلافهم في تأويل قوله - ﷺ -: "أيُّما دار قسِّمت في الجاهلية، فهي على قسم الجاهلية وأيما دارٍ أدركها الإِسلام لم تُقسَّم، فهي على قسم الإِسلام".
فقال معناه: "في غير الكتابيين، وذلك مِن باب تخصيص العموم بالقياس، لأنَّ أهل الكتاب [عندهم] (٢) شريعة يتبعونها، فوجب أن تُقسم مواريثهم على ما وجبت عليهِ عندهم يوم مات الميت، وذلك لا يُسقطهُ إسلامهم، والمجوس لا كتاب لهم، ولا شريعة عندهم فيرجعُون إليها ويُحملون على مُقتضاها: فكان مِن ضرورتهم الرجوع إلى قسم الإِسلام، والعمل بمقتضاهُ.
ومن حَمَلَ الخبر على عمومهِ، قال لا فرق بين أهل الكتاب ولا غيرهم، لقولهِ - ﷺ -: "فهي على قسم الإِسلام"، فهي منهُ جنوح إلى أن العموم لا يُخصَّص بالقياس.
ومَنْ رأى أنَّهم يُقسِّمون على قسم أهل الشرك، كانوا أهل كتاب أو
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) سقط من أ.
[ ٥ / ٤١٦ ]
غيرهم، يقول: "معنى الخبر: "أن يكون على قسمة الإِسلام"، معناهُ: أن يتولاهُ المسلم مِن غير أن ينقلهم عن قسمة أهل الشرك، وقد قال النبي - ﷺ -: "سنَّوا بهم سُنَّة أهل الكتاب"، فكان ينبغى مساواتهم في الجميع.
والحمدُ للهِ وحدهُ.
وصلى الله على نبينا محمَّد خيرة خلقهِ، وعلى آله وأزواجهِ وذريتهِ، وسلِّم تسليمًا كثيرًا وصلاةً دائمة.
تمَّ الكتاب بحمد اللهِ وعونه في سابع عشرى ذى الحجة مِن سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة.
كتبهُ بخطِّهِ لنفسهِ عبد الله بن عمرو بن يُوسف الزواوى المالكى.
ثُمَّ لمِن شاء الله بعدهُ، والمسؤل مِن إحسان مَنْ نظر في هذا الكتاب أن يدعو لكاتبهِ بالمغفرة.
وهذا آخر المجلد الأول.
ويتلوهُ في أول المجلد الثاني "كتاب الصرف".
[ ٥ / ٤١٧ ]
مناهج التحصيل
ونتائج لطائف التأويل
في
شرح المدونة وحلِّ مشكلاتها
تأليف
أبي الحسن علي بن سعيد الرجراجي
تقديم
فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور علي علي لُقَم
اعتنى به
أبو الفضل الدّمياطي
أحمد بن علي
الجُزءُ السَّادس
مركز التراث الثقافي المغربي
دار ابن حزم
[ ٦ / ١ ]
حُقُوقُ الطبع محفوظةٌ
الطبعة الأولى
١٤٢٨هـ - ٢٠٠٧م
ISBN ٩٩٥٣ - ٨١ - ٤٣١ - ٧
الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها
مركز التراث الثقافي المغربي
الدار البيضاء - ٥٢ شارع القسطلاني - الأحباس
هاتف:٤٤٢٩٣١ - ٠٢٢/ فاكس: ٤٤٢٩٣٥ - ٠٢٢
المملكة المغربية
دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع
بيروت - لبنان - ص. ب:٦٣٦٦/ ١٤
هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)
بريد إلكتروني: ibnhazim@cyberia.net.Ib
[ ٦ / ٢ ]
مناهج التحصيل
ونتائج لطائف التأويل
في
شرح المدونة وحل مشكلاتها
(٦)
[ ٦ / ٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ٦ / ٤ ]
كتاب الصرف
[ ٦ / ٥ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.