تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها تسع مسائل.
المسألة الأولى في أمد الخِيَارِ
اقتضى الدليل ألا يجوز بيع الخِيَار؛ لأنه غرر وخطر، وكل واحد من المتبايعين لا يدري هل ينعقد البيع ويتم له مراده؛ مع ما في ذلك من الضمان بالجعل إذا كان الخيار للمشتري.
إلا أن الشرع ورد بجوازه رفقًا بالعباد، ورخصة لهم دائمة إلى يوم التناد، ومشروع لأمرين، أو لأحدهما، على البدل؛ إما للاختيار، وإما للاستشار، وإما لهما معًا.
ولذلك اختلف أمره لأجل اختلاف المبيعات، على ما هو مسطور في الأمهات؛ وقد وقع في "الكتاب" في الدابة تشتري على خيار: أجوبة مضطربة، وأقوال مختلفة، ظاهرها اختلاف أقوال؛ فمن ذلك قوله في أول الكتاب: والدابة تركب اليومين وما أشبهه، وفي روية أخرى: تركب اليومين.
قال بعد ذلك: ولا بأس أن يسافر عليها البريد ونحوه.
وقال أشعب بعد هذا: أو البريدين، وما أشبههما فلا بأس به.
وقال هذا في آخر الكتاب: ولا بأس بشراء الثوب أو الدابة على خيار ثلاثة أيام.
فأما قول مالك وابن القاسم: فيمكن تلفيقهما بالتأويل حتى يرجعا إلى
[ ٦ / ٣٧٧ ]
قول واحد، ويكون اختلاف حال، وقد يحتمل قول مالك في آخر الكتاب في خيار ثلاثة أيام على أنه اشترط ذلك للاستشار لا للاختيار.
ويحمل ما قاله أول الكتاب على الاختيار.
وقوله: "والدابة تركب اليوم وما أشبهه" يريد في الحضر.
وقوله: "لا بأس أن يشترط إن سافر عليها البريد ونحوه" يريد خارج البلد؛ لأن المراد من الدابة في السفر غير المراد منها في الحضر كلونها تحتاج إلى أن يحسر سيرها وسبرها وسلامتها من الكبو والعثار وثبات الحمل على ظهرها واعتدال المشي واستدامتها على السير.
وقد يكون للدابة اندفاع في أول سيرها ثم تتبطأ بعد ذلك.
وقد يحتاج إلى النظر إلى قصمها واستيفائها لعلفها وذلك كله لا يتمكن إدراكه والوقوف على حقيقته في الحضر.
وعلى هذا التأويل يحمل قول ابن القاسم فيرجع إلى قول واحد وهو الصحيح إن شاء الله.
وإن كان بعض المتأخرين قد حمل ما في الكتاب على الاضطراب استخرج من المدونة في ركوب الدابة قولين:
أحدهما: أنه لا يجوز إلا بشرط أخذًا من قوله: "ولا بأس أن يشترط أن يسافر عليهما البريد ونحوه".
والثاني: أنه يجوز له الركوب بغير شرط أخذًا من قوله: "والدابة تركب اليوم ونحوه".
وظاهره من غير شرط وهو الصحيح؛ لأن الخيار يتضمن الأمرين كما
[ ٦ / ٣٧٨ ]
قدمناه في تأويل أبي بكر بن عبد الرحمن. والثاني تأويل أبي عمران الفاسي.
وأما قول أشهب فقد يلفق فيكون وفاقًا.
وقد يحمل على ظاهره فيكون خلافًا.
وقد قال ابن القاسم: "يسافر عليه البريد ونحوه".
والنحو والسنة إذا عطف بهما وعلى واحد فهو مثله فيكون له البريدين ركوبًا على قول ابن القاسم.
وقال أشهب: يركب البريد والبريدين وما أشبههما.
والذي أشبههما [مثلهما] (١) ثم يكون له أن يركبها أربعة برد على مذهب أشهب.
فمن سلك طريق التلقين فيقول: إنما تكلم ابن القاسم على الذهاب خاصة ولم يتكلم على الرجوع إذ لابد له منه؛ ولذلك اقتصر على ذكر البريدين في البداة وسكت عن بريدي الإياب.
وأشهب تكلم على طرفي الذهاب والإياب فلذلك ذكر أربعة برد فيكون ذلك وفاقًا. وهذا تأويل مؤيد.
وعلى مضمون ذلك يجوز للمشتري أن يركبها يومين في السفر ذهابًا ورجوعًا لأن الأربعة برد لا يقطعها في النهار إلا دابة قوية فارهة ولا يكاد صاحبها ينتفع بها بعد ذلك إلا بعد استراح واسترواح.
وأما الدابة فلا يقدر الإنسان أن يقطع بها هذه المسافة في نهار واحد أصلًا.
_________________
(١) في أ: مثلاهما.
[ ٦ / ٣٧٩ ]
ومن الأصحاب من حمل الكلام على ظاهره ويقول: إن ابن القاسم إنما تكلم في البداءة والرجوع، وأشهب كذلك فعل وجعل ذلك اختلاف قول وربك أعلم بمن هو أهدى سبيلًا وبه التوفيق.
[والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست في أ.
[ ٦ / ٣٨٠ ]
المسألة الثانية في الذي جعل أمر امرأته في يَدِّ أمها
فلا خلاف في أن ذلك بيد الأم ما دامت حية.
فإذا ماتت فلا يخلو حالها من ثلاثة أوجه:
[أحدها]: (١) أن توصي بذلك إلى أجنبي من الناس.
والثاني: أن توصي بأمرها ولم تذكر في الوصية أمر ابنتها.
والثالث: أن تموت بلا وصية -لا في حقها ولا في حق ابنتها.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا أوصت بما جعل في يدها إلى أجنبي. فهل يكون ذلك بيد من أوصت به إليه؟
فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: أن ذلك جائز لها وللموصي له مثل ما لها وهو قول مالك.
والثاني: أن ذلك لا يكون بيد أحد وأنه يسقط بموت الأم وهي رواية عليّ بن زياد في "المدونة".
وسبب الخلاف: هل يغلب في ذلك حق الزوج أو يغلب حق الزوجة؟
فمن غلب حق الزوج قال: إنما جعل ذلك بيد الأم إكراما لها ولما يعلم من قلة عجلتها بالفراق لو ذل وفعل ما يجب عليه بالحكم بمقتضى الشرط حتى ينظر هل يعاتب نفسه وقد تسامح له وتجاوز عن فعله بما رأته من المصلحة في مقام ابنتها في عصمته وتحت ولايته.
_________________
(١) في أ: إما.
[ ٦ / ٣٨١ ]
ومن غلب حق الزوجة فقال: لأنه شيء جعل في يد الأم حقًا لغيرها لتولي هي القضاء به عند وجود أسبابه فوجب أن يستند الإيصاء به إلى من يقوم مقامها وينوب عنها بعد مماتها أصل ذلك أيضًا الموصي إلى غيره.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا أوصت بأمر نفسها ولم تذكر في الوصية ما جعل بيدها. هل تكون وصيتها منطوية على ذلك ويكون إهمالها تركًا لشرطها وإسقاطًا لموجبه؟
فإنه يخرج على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن إهمالها دليل على الترك ثم لا قضاء للموصي له ولا للابنة في ذلك وهو نص "المدونة".
والثاني: أن الوصية شاملة لذلك وللوصي القضاء بذلك كما لوصى حث الأم له بالإيصاء به وهو ظاهر قوله في "كتاب الوصايا".
وسبب الخلاف: الوصية الطلقة هل تقتضي العموم والشمول في جميع ما كان للأم أن تملك التصرف فيه أم هي على القصور حتى يدل دليل العموم؟
وظاهر قوله في "كتاب بيع الخيار": أنها على القصور حتى يتبين دليل العموم.
وظاهر قوله في "كتاب الوصايا": أنها على العموم حتى يتبين دليل الخصوص.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا ماتت الأم ولم توص بشيء أصلًا. هل تسقط ما جعل لها؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك بيد الابنة وهو قول مالك في "الكتاب".
والثاني: أن ذلك ساقط ولا يرجع إلى يد الابنة وهو قول علي بن زياد
[ ٦ / ٣٨٢ ]
في "الكتاب".
وسبب الخلاف: الأمر الذي بيد الأم هل هو حق لها أو حق للابنة؟ فمن رأى أن ذلك حق للأم قال: يسقط بموتها.
ومن رأي أن ذلك حق للابنة قال: إنه يرجع إليها بعد موت الأم فيعمل بمقتضاه.
[والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست في أ.
[ ٦ / ٣٨٣ ]
المسألة الثالثة في النظر والاستحسان وإذا تبايع رجلان سلعة على أن أحدهما بالخيار ثم مات من له الخيار منهما
فلا يخلو من أن يكون الخيار للمشتري أو للبائع.
فإن كان الخيار للمشتري ثم مات، فلا يخلو القائم بخيارهم من سبعة أوجه:
أحدها: أن يكون وارثًا.
والثاني: أن يكون ورثة.
والثالث: أن يكون أوصياء.
والرابع: أن يكون وصيِّا.
والخامس: أن يكون وصيِّا وورثًا.
والسادس: أن يكون وصيان ووارث.
والسابع: أن يكون غرماء. فهذه سبعة أوجه:
فالجواب على [الوجه] (١) الأول: إذا كان القائم بالخيار هو الوارث الواحد. فهذا الوجه ليس فيه نظر ولا استحسان وإنما يملك ما ملك الميت أن يختر البيع أو يرده خاصة.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان القائم بالخيار هم الورثة. فإن انفقوا على أمر واحد فهو ذلك.
وإن اختلفوا فقال بعضهم: ترد. وقال بعضهم: يختر.
فهذا الوجه الذي يتصور فيه النظر والاستحسان.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٦ / ٣٨٤ ]
واختلف هل الوارث مبدي على البائع في نصيب الراد والبائع مبدي؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن الوارث هو المقدم. فإذا اختار أحدهما الرد واختار الآخر الإجازة فالنظر أن يردا جميعًا أو يمسكا جميعًا كما كان الميت يفعل لو عاش.
والاستحسان أن يقال لمن اختار الرد ليتم الصفقة للبائع ويبلغه الغرض الذي يرتجيه في إمضاء البيع لأنه منعقد من جهته.
فإذا رضي الآخر بذلك والتزم أن يؤدي جميع الثمن فلا حجة للبائع لأن صفقته لم تتبعض عليه ولا دخل عليه ضرر بوجه.
فإن أبا أخذ مصابه والراد ورجع الخيار إلى البائع إن شاء قبل مصابه الراد ورضي بتبعيض صفقته.
وإن شاء كلف الآخر الرد مع صاحبه. وهذا القول هو الأظهر في النظر.
والقول الثاني: أن البائع مقدم على الوارث. فإذا رد بعضهم وتماسك بعضهم فالخيار للبائع.
فإن شاء جوز البيع للمتمسك بنصيبه وقبل نصيب الراد ولا كلام في ذلك للمتمسك بنصيبه لا في النظر ولا في الاستحسان.
فإن قال: لا أجيز ولا أرضى بتبعيض صفقتي فهاهنا يفترق النظر والاستحسان.
فالنظر أن يقال للمتمسك بنصيبه: رد كما رد شريكك وليس ذلك بتبعيض الصفقة على البائع كما ليس ذلك للميت.
فإن شاء الذي تماسك أن يرد صفقته كما رد صاحبه كان ذلك له.
[ ٦ / ٣٨٥ ]
والاستحسان إذا اختار المتمسك بنصيبه أن يأخذ مصابه الراد فيضم الجميع إلى ملكه ويغرم جميع الثمن ولا حجة في ذلك للبائع إذا وصل إليه جميع الثمن ويسلم من تبعيض الصفقة. وهذا القول الذي صوبه جميع المتأخرين. والقولان قائمان من "المدونة".
وسبب الخلاف: النظر إلى الترجيح بين جانب الوارث وبين جانب البائع.
فمن رجح جانب الوارث لكونه يقوم مقام المشتري تارة على الاستبداد وتارة مع الأعداد.
وعلى أي وجه هو أصيل وليس بدخيل لثبوت السبب الذي به يدلي جناة ومماتًا والبائع لا ضرر عليه إذا قبض ثمن جميع سلعته على حسب ما وقع به البيع قال: الوارث مقدم على البائع.
ومن رجح جانب البائع لكونه مالك للسلعة على الحقيقة وهي بعد في ضمانه.
ومن رد سهمه من الورثة فقد رده على أصل ملك البائع على أصل ما كان عليه أولًا ثم لا سلعة عليه للوارث المتمسك إلا برضا البائع أصل ذلك الأجنبي إذا أراد الأخذ بعد أن رده المشتري أو ورثته لأنه محل الاتفاق قال: إن البائع مقدم على الوارث.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا كان القائم بالخيار هو الوصي فاختار الرد والإجازة فإن السلطان ينظر في أمره ويتعقب فعله، فما كان صوابًا أمضاه وما كان فسادًا رده.
والجواب عن الوجه الرابع: إذا كان على الوارث بالخيار هم الأوصياء.
فإن اتفقوا في الرد والإجازة فهم كالوصي الواحد فإن اختلفوا نظر
[ ٦ / ٣٨٦ ]
السلطان في ذلك. فمن دعا منهما إلى سداد وصلاح رد إليه الآخر.
والجواب عن الوجه الخامس: إذا كان القائم وارثًا ووصيِّا فهم كالورثة في جميع ما تقدم في الورث تفصيلًا وتحصيلًا فلا نطيل بتكراره مرة أخرى.
والجواب عن الوجه السادس: إذا كان القائم بالخيار وارثًا ووصيين. فلا يخلو الوارث من أن ينفرد بأحد أمرين أو وافقه أحد الوصيين.
فإن انفرد بأحد الأمرين ردًا أو إجازة كان كالوارثين على سواء.
فإن وافقه أحد الوصيين فيما دعا إليه وانفرد الوصي الآخر فالأمر الذي دعا إليه من رد أو إجازة فإن السلطان ينظر فيما بين الوصيين.
ومن وعي منهما إلى السداد رد إليه من خالفه، فإن كان الذي مع الوارث على سداد رد إليهم الوصي المنفرد ثم لا نظر ولا استحسان.
فإن كان الوصي المنفرد هو المصيب رد إليه الوصي الذي مع الوارث ويكون الحكم في ذلك بين الوارثين وقد قدمناه.
والجواب عن الوجه السابع: إذا كان القائم بالخيار هم الغرماء. كمثل أن يشتري سلعة على خيارهم ثم مات المشتري قبل أن يختار وعليه دين يحبط بماله فلا تخلو إجازة الشراء من أن تكون ردًا على التركة أو ردًا لها.
فإن كان الآخذ رد على التركة كان الأخذ للغرماء جائز وليس بلازم لأن أخذ العين أحظى لهم من إجازة البيع وأخذ العوض لكونهم تعرضوا لتقليد العهد ولهم ألا يرضوا بذلك.
فإن اختاروا الأخذ كان ذلك جائز لهم بشرط أن يكون ما فيها من الربح للميت ويوضع عنه من الدين بقدره وما كان فيها من وضيعة فعلى الغرماء لأن الثمن كان الآن ماله في ذمته.
[ ٦ / ٣٨٧ ]
وهذا كله في الخيار الحكمي كاطلاع الورثة على العيب فيما اشتراه فاختلفا في الرد والرضا بالعيب فدعا بعضهم إلى الرد ودعا بعضهم إلى الرضا هل هما من مسائل النظر والاستحسان أم لا؟ فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: أنهما من مسائل النظر والاستحسان وهو قول أشهب في بيع الخيار.
والثاني: أنه لا نظر فيهما ولا استحسان وكل واحد من الورثة أو الشريكين يسعف بمراده.
فمن أراد الرد كان له، ومن أراد الإمساك كان ذلك له، ولا حجة للبائع في التبعيض إذ على ذلك دخل لأنه دخل على اتباع ذمة كل واحد منهما بما عليه في الشركة.
وسبب الخلاف: في الخيار الحكم هل هو كالشرطي أم لا؟
والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا كان الخيار للبائع ثم مات فاختلف ورثته في الإمضاء والرد هل يدخل فيها النظر والاستحسان كما دخل فيما حين ورثه المشتري؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه لا نظر فيها ولا استحسان فليس لمن أراد الرد والإمساك أخذ نصيب الآخر.
وإنما الخيار في ذلك للمشتري إن شاء قبل نصيب الذي رضي البيع ويفسخ البيع في حق الآخر إذا رضي بتبعيض صفقته وإن شاء فسخ البيع بنفسه.
وإنما قلت: أنه لا يدخل فيه الاستحسان؛ لأن الذي اختار الإجارة لا يقال له: خذ مصابة الرد؛ لأن الراد قد أبطل البيع عن نفسه فليس لمن
[ ٦ / ٣٨٨ ]
أجازه أن يلزمه البيع كرهًا ويكلفه عهدة قد فر منها.
وإنما قلنا: أنه لا يدخل فيه النظر والاستحسان للضرر الداخل على المشتري في تبعيض صفقته. وهذا ظاهر.
والثاني: أن النظر والاستحسان يدخل فيه كما يدخل في موت المشتري.
وبيان دخول النظر أن يقال للذي اختار الإجارة يلزمك أن تختار الرد كما اختاره صاحبك فليس لك أن تحسر البيع في حصتك ويلزم ذلك للمشتري؛ لأنك بعضت عليه صفقته وليس لك أن تأخذ نصيب الراد ويلزمه فيه البيع ليتم الصفقة للمشتري لأنه لا يلتزمه.
وبيان الاستحسان أن الذي اختار الإجازة إن شاء رد كما رد صاحبه، وإن شاء أخذ نصيب الراد ويلزمه فيه البيع بغير اختيار الصفقة للمشتري، وهو ظاهر "المدونة" حيث قال: إلا أن يجيز الباقي من البائع أو المشتري.
والقول الثالث: أن النظر والاستحسان يدخلان فيه.
وبيان دخولهما على عكس ما وصف في الثاني، ويكون للذي يريد الرد من ورثة البائع مثل الذي يريد الإمضاء من ورثة المشتري ويكون للذي أراد الرد من ورثة البائع أن يأخذ نصيب من أراد إمضاء البيع؛ لأن الذي أراد الإجارة من ورثة البائع قد رضي بإخراج نصيبه من يده وأخر الثمن فيه.
فإذا قال له الذي أراد إبطال البيع: أنا آخذ مصابك وأعطيك الثمن الذي أردت، كان ذلك له.
وهذا القول ظاهر في المعنى بعيد في اللفظ.
[والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست في أ.
[ ٦ / ٣٨٩ ]
المسألة الرابعة في البيع على الرضا والمشورة. وإذا باع البائع على خيار فلان أو رضاه أو اشترى على ذلك هل يجوز البيع ابتداءً أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: الجواز، وهو نص "الكتاب".
والثاني: المنع، وهو رواية سحنون عن ابن القاسم في غير "المدونة" وهو ظاهر "الكتاب" لأن ذلك غرر وخطر.
وسبب الخلاف: الرخصة هل تتعدى أم لا تتعدى؟
فعلى القول بالجواز فلهم في ذلك ثلاثة ألفاظ: المشورة والرضا والخيار.
فأما البيع على مشورة فلان فلا خلاف في المذهب أن لمشترطها المخالفة وأن له البيع دون مشورة الذي اشترط مشورته إلا متأولًا على ما في "كتاب محمَّد" وما تأول عن ابن نافع.
وأما البيع على الرضا والخيار فقد اختلف فيه المذهب على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن من سبق إلى الرضا أو الرد من الذي اشترطه ذلك أو الذي اشترط رضاه أو خياره كان الحكم حكمه سواء كان الذي اشترطه بائعًا أو مشتريًا. وهو قوله في "الكتاب" في البائع في أول الباب ومثله في "كتاب ابن حبيب".
والثاني: أن القضاء ما قضى به المشترط له الرضا أو الخيار ويلزم البائع
[ ٦ / ٣٩٠ ]
أو المشتري ما قضى به ولا كلام للمشترط معه ولا له مخالفته وهو قوله في الكتاب في المشتري ولا فرق بينه وبين البائع.
والقول الثالث: أن للمشترط مخالفة من اشترط له فيما قضي به وهو ظاهر قوله في البائع في أول الباب.
فإن رضي البائع أو رضي فلان البيع معناه: ولم يخالفه البائع فيما رضي واختار، وهو تأويل الشيخ أبي محمَّد بن أبي زيد على المسألة.
والمشتري في ذلك كالبائع وهو أحد القولين اللذين حكاهما القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب في المذهب.
والقول الرابع: التفصيل بين البائع والمشتري.
فالبائع له أن يسبق إلى الحكم وله المخالفة إن سبق المشتري ليس له المسابقة إلى الحكم ولا له المخالفة إن سبق، وهو ظاهر الكتاب إن حملنا الكلام على ظاهره. وهو تأويل ابن أبي زيد وغيره من القرويين.
قال القاضي أبو الفضل عياض: وهذا مذهب الحذاق وعليه يصح بناء المسألة.
وسبب الخلاف بين القولين المتقدمين: اختلافهم في اشتراط الرضا للأجنبي هل طريقه طريق الوكالة أو طريق التفويض؟
فإن سلكنا به مسلك الوكالة كان للبائع أو للمشتري السبق بالرضا أو الرد كما للآمر أن يبيع ما وكل الوكيل على بيعه وينفذ فعله إذا سبق بيعه بيع المأمور ويكون ذلك له عزلًا.
فإن سلكنا مسلك التفويض فلا قضاء للبائع ولا للمشتري معه لتعلق حق الغير بالتفويض؛ إذ لا يختص ذلك الحق بالشرط وحده
[ ٦ / ٣٩١ ]
ولا بالذي اشترط ذلك بائعًا كان أو مشتريًا -شاركه في ذلك من عاقده.
وسبب الخلاف بين القولين الآخرين: هل ذلك حق للبائع والمشتري جميعًا أو حق لمشترطه خاصة.
فإن قلنا: إن ذلك حق لهما جميعًا فلا مخالفة في ذلك للمشترط والقضاء لمن جعل ذلك إليه.
فإن قلنا: إن ذلك حق للمشترط وحده ولا حظ فيه لمن بايعه في الصفقة كانت له المخالفة كالمشورة والقول بالتفصيل بين البائع والمشتري استحسان وما ذلك إلا لقوة ملك البائع لأنه في السلعة أصل، والمشتري فيه دخيل والأصل أبدًا أقوى من الدخيل والأقوال كلها متأولة على "المدونة". على ما لا يخفى علي من طالع أمهات الشرح.
[والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست في الأصل.
[ ٦ / ٣٩٢ ]
المسألة الخامسة فيما يعد من المشتري بالخيار الرضا بالبيع
أما العتق والتدبير والوطء وتزويج الأمة والتصرف في الحيوانات بما يرجع إلى إصلاح أدواتها كتوديجها وتغرسها فلا خلاف أعلمه في المذهب أن ذلك يعد رضًا بالبيع ويزيد الخيار.
واختلف فيما سوى ذلك هل يعد دليلًا على الرضا إذا فعله المشتري؟ على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن ذلك دليل على الرضا مثل أن يبيع أو يساوم أو يجني عمدًا أو يرهن أو يؤاجر وغير ذلك من أنواع التصرف التي تدخل على المالك. وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أن ذلك كله على الرضا إلا ستة أشياء: الإجارة والرهن والسوم وجناية العمد وتزويج العبد وإسلامه إلى الصناعة.
فإن ذلك لا يكون دليلًا على الرضا بعد أن يخلفه قبل السنة كلها. وهو قوله في "الموَّازية".
وقيل: "على الثلاثة منها خاصة. وهو الرهن والإجارة وتزويج العبد" وهو نص قول أشهب في "الكتاب".
والقول الثالث: أن ذلك كله دليل على الرضا إلا البيع وهو قول علي ابن زياد في "الكتاب" فإنه قال: "يرجع الخيار في ذلك للبائع".
وظاهر كلامه في الكتاب أن لا فرق بين بيعها بربح أو بوضيعة.
ولمحمد بن المواز قول آخر في المسألة بالتفصيل بين أن يبيعها بربح فيرد
[ ٦ / ٣٩٣ ]
بيعه؛ لأنه من باب ربح ما لا يضمن أو يبيعها بغير ربح فيجوز بيعه وينفذ ويكون فوتًا.
وفيها قولًا آخر: أنه إن باع بربح كان الربح للبائع وإن زعم أنه اختار قبل البيع كان القول قوله مع يمينه.
فيتخرج في البيع على هذا التنزيل أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن البيع دليل الرضا جملة بلا تفصيل، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن يرجع إلى البائع الأول سواء باعها بربح أو وضيعة وهو قول علي بن زياد في "الكتاب" فيرد البيع لأنه من باب ربح ما لم يضمن أو يبيعها بوضيعة أو بمثل رأس المال فينفذ بيعه ويعد ذلك منه رضا، وهو قول ابن الموَّاز.
وقد تأول علي بن زياد مثل قول ابن الموَّاز.
والرابع: التفصيل بين أن يدعي المشتري أنه باع بعد الرضا فيقبل قوله مع يمينه أو لا يدعي فيكون الربح للبائع إن باع وهو قول ابن القاسم في إحدى روايات "المدونة" في "كتاب بيع الخيار".
وظاهر هذا القول: أنه إذا لم يدع الرضا قبل البيع ولم يبع بربح أن ذلك يعد رضي منه.
[والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٦ / ٣٩٤ ]
المسألة السادسة في الجارية المشتراه إذا ولدت في أيام الخيار
والكلام في هذه المسألة على أربعة أسئلة:
فمنها: حكم بيعها وهي حامل.
ومنها: ما وهب لها من الأموال في أيام الخيار.
ومنها: حكم أرش ما جنى عليها.
ومنها: حكم ما ولدت في أيام الخيار.
فالجواب عن السؤال الأول: في حكم بيعها وهي حامل.
فلا يخلو من أن تكون في أقل من ستة أشهر أو جاوزتها.
فإن كانت في أقل من ستة أشهر فلا خلاف أعلمه في المذهب في جواز بيعها وأن حكمها حكم الصحيح في جواز بيعها في ذلك وإطلاق يدها في التصرفات إن كانت حرة إيماءً على الإطلاق أو كانت ذات زوج فيجوز تصرفها على الإطلاق في المعاوضات.
وفي المعروف مقصور على الثلث.
وأما إذا جاوزت ستة أشهر فحكمها حكم المريض المدين الذي يحجب عن التصرف بغير عوض في ماله إلا عن الثلث فلا يجوز بيعها على هذا الوجه؛ لأن بيعها حينئذ غرر وخطر وقد اختلف المتأخرون في وجه الاعتذار عما وقع لابن القاسم في "الكتاب" فمنهم من قال: إنما تكلم على حكمها بعد الوضع والفوات فلو سئل عن بيعها على تلك الحالة ابتداءً لمنعه.
ومنهم من قال: يحتمل أن يكون المتبايعان جهلا حال حملها حين البيع
[ ٦ / ٣٩٥ ]
إما منهما جميعًا على الاتفاق أو من أحدهما على الخلاف إذا علم أحد المتبايعين بفساد البيع.
ومنهم من قال: يحتمل أن يكون بيعها في آخر شهر من شهور السنة حيث يكون حكمها حكم الصحيح إطلاقًا وامتد أمد الخيار فيها إلى أن دخلت في الشهر السابع ولاسيما على القول بأن أمد الخيار في العبيد شهر.
وهو ظاهر قوله في "الموَّازية" حيث قال: "ولا أفسخه إن وقع الخيار إلى شهر".
وعلى هذا التأويل يكون البيع جائز ابتداءً.
والجواب عن السؤال الثاني: في حكم ما وهب [لها] (١) من المال في أيام الخيار هل يكون للبائع أو للمشتري؟ فالمذهب فيه يتخرج على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه للبائع إطلاقًا وهو قوله في "الكتاب" قياسًا على الولد.
والثاني: أنه للمشتري إطلاقًا.
والثالث: بالتفصيل بين أن يستثنى المشتري ما لها فيكون له ما وهب لها من المال أو لا يستثنيه فيكون المال للبائع.
وسبب الخلاف: بيع الخيار هل هو منعقد من حينه ووقته أو هو منعقد من مبدئه ومنشئه.
والجواب عن السؤال الثالث: في حكم أرش ما جنى عليها في أيام الخيار. ولا تخلو الجناية من أربعة أوجه:
_________________
(١) في أ: له.
[ ٦ / ٣٩٦ ]
إما أن تكون من البائع، أو من المشتري أو من أجنبي، أو من غير فعل آدمي.
فإن كانت من البائع، فلا تخلو الجناية من أن تكون عمدًا أو خطأ.
فإن كانت عمدًا، فلا تخلو من أن تكون على النفس له أو على ما دون النفس.
فإن كانت على النفس فلا يخلو من أن تكون القيمة مثل الثمن أو أكثر.
فإن كانت القيمة مثل الثمن فلا شيء للمشتري على البائع ويكون ذلك قصاصًا.
فإن كانت القيمة أكثر من الثمن كان الفضل للمشتري إن أجاز البيع؛ لأن البائع بقي عليه حق التوفية فليس له أن يتعمد إلى فعل شيء يمنع من ذلك.
فإن فعل كان للمشتري أن يأخذ بحكم التعدي.
فإن كانت الجناية فيما دون النفس كالجراح فإن المشتري بالخيار إن شاء أخذها معيبة وقيمة العيب ويدفع الثمن وإن شاء ردها بعينها.
فإن كانت الجناية خطأ فلا يخلو من أن تكون على النفس أو على الجراح.
فإن كانت في النفس مثل أن يقتلها البائع خطأ انفسخ البيع بينهما ولا شيء للمشتري وإن كانت القيمة أكثر.
وإن كانت الجناية في الجراح كان المشتري بالخيار بين أن يأخذها معيبة ثم لا شيء له من قيمة العيب أو يرد البيع.
[ ٦ / ٣٩٧ ]
فإن كانت الجناية من المشتري، فلا تخلو من أن تكون عمدًا أو خطأ.
فإن كانت عمدًا فلا تخلو من أن تكون في النفس أو في الجراح.
فإن كانت في النفس مثل أن يقتلها المشتري عمدًا فهل يعد ذلك منه رضًا أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
وسبب الخلاف: هل الجناية على النفس مثل الجناية على الجراح أم لا؟
فمن جعل القتل كالجرح قال: ذلك منه رضًا لأمة ويغرم الثمن.
ومن رأى أن الجناية على النفس تخالف الجراح قال: إن المشتري ضامن ويغرم الثمن.
واختلف ما الذي يغرم للبائع على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه يغرم الثمن الذي به اشترى.
والثاني: أنه يغرم القيمة وهو قول سحنون.
والثالث: أنه يغرم الأقل من الثمن أو القيمة؛ لأنه إن كانت القيمة أقل غرمها لكونه لم يذكر الشراء.
وإن كان الثمن أقل غرمه لأن البائع رضي به أولًا.
وسبب الخلاف: اختلافهم فيمن استهلك لرجل سلعة قد وقفت قيمتها على الثمن هل يغرم قيمتها أو إنما يغرم الثمن الذي وقفت عليه؟
وإن كانت الجناية على الأطراف أو كانت جراحًا فلا تخلو من أن تكون مفسدة للأمة أو غير مفسدة.
فإن كانت مفسدة وذهبت منافع الأمة فإن المشتري يغرم. جميع الثمن للبائع ويعتق عليه.
[ ٦ / ٣٩٨ ]
وإن كانت الجناية يسيرة ليس بمفسدة للأمة فإن ذلك يتخرج على الخلاف الذي قدمناه في مثل ذلك هل يعد منه رضًا أم لا؟
وعلى القول بأن ذلك يعد منه رضا فإنه يغرم الثمن.
وعلى القول بأن ذلك لا يكون رضا فإن المشتري يبقى على رأس أمره إن شاء أجاز البيع ويغرم الثمن، وإن شاء ردها وما نقصت الجناية.
فإن كانت الجناية خطأ فعلى التقسيم الذي قدمناه في النفس والجراح.
فإن كانت الجناية على النفس مثل أن [يقتلها] (١) المشتري خطأ فإنه يتخرج على الأقوال الثلاثة التي قدمناها إما الثمن وإما القيمة في الأقل من الثمن أو القيمة.
فإن كانت الجناية جراحًا [جرحها] (٢) المشتري خطأ فإن ذلك لا يعد منه رضًا بالاتفاق.
وهل يغرم ما تقتضيه الجناية أم لا؟ فلا يخلو من أن يختار إمضاء البيع أو رده.
فإن اختار الرد فلا إشكال أنه يغرم رأس الجناية للبائع.
وإن اختار الإمضاء هل يغرم الأرش أم لا؟
فإنه يتخرج على قولين.
وينبني الخلاف على الخلاف في أرش ما جني على الأمة المشتراة على خيار في أيام الخيار هل هو للبائع أو للمشتري.
وهذا الخلاف ينبني على الخلاف في بيع الخيار إذا انعقد هل هو منعقد
_________________
(١) في أ: يقتله.
(٢) في أ: جرحه.
[ ٦ / ٣٩٩ ]
من حينه ووقته أو لم يزل منعقدًا من ميدانه ومنشئه.
وأما إن جنى عليه الأجنبي فإن الخطأ والعمد فيه سواء.
فإن قتله كانت القيمة للبائع قلت أو كثرت وينفسخ البيع.
وإن كانت الجناية دون النفس كان الأرش للبائع ويخير المشتري بين أن يقبل الأمة معيبة ولا شيء له في الأرش أو يرد البيع.
وقيل: إن الأرش للمشتري إن اختار البيع وهو قول ابن حبيب.
وسبب الخلاف: ما قدمناه في بيع الخيار إذا انعقد هل يعد كأنه لم يزل منعقدًا؟
فإن كانت الجناية من سبب سماوي كان المشتري بالخيار بين أن يأخذها معيبة أو يرد البيع ولا خلاف في ذلك.
والجواب عن السؤال الرابع: في حكم ما ولدت في أيام الخيار هل يكون للبائع أو للمشتري؟ على قولين:
أحدهما: أنه للبائع وهو قول أشهب.
والثاني: أنه للمشتري إن اختار الشراء وهو قول ابن القاسم.
وسبب الخلاف: الأصل الذي قدمناه.
فعلى القول بأنه للمشتري فلا تفريع.
وعلى القول بأنه للبائع هل يفسخ البيع بينهما أو يمضي؟ فالمذهب على قولين:
وسبب الخلاف: ما يوجبه الحكم هل هو مثل ما يوجبه الشرط أم لا؟
فعلى القول بأن البيع يمضي بينهما بشرط الجمع بينهما أعني بين الولد والأم هل يجمع بينهما في حوز أو ملك؟ قولان متأولان على "المدونة".
[ ٦ / ٤٠٠ ]
فعلى تأويل أبي محمَّد بن أبي زيد أنهما يجمع بينهما في حوز وعلى تأويل غيره يجمع بينهما في ملك. والكلام على هذا المعنى يستوفى في "كتاب التجارة إلى أرض الحرب" إن شاء الله.
[والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٦ / ٤٠١ ]
المسألة السابعة في الخيار والاختيار
فإذا اشترى سلعتين على أن يختار أحدهما ويرد الأخرى ثم ادعى الضياع فيهما أو في إحداهما.
فإن ادعى الضياع فيهما جميعًا فلا يخلو أخذ المشتري للسلعتين من ثلاثة أوجه:
إما أن يأخذهما على الخيار المجرد أو الاختيار المجرد أو على معنى الخيار والاختيار.
فإن أخذهما على معنى الخيار المجرد فادعى الضياع هل يضمن أو لا يضمن؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن المشتري ضامن كان الخيار له أو للبائع وهو قول ابن القاسم في "المدونة" وهو مشهور المذهب.
والثاني: أن الضمان في ذلك ممن اشترط الخيار -بائعًا كان أو مشتريًا- وهو قول ابن كنانة عن مالك.
فإن قبضهما علي الاختيار المجرد ثم ادعى ضياع الجميع فإنه ضامن لإحداهما، وهو في الأخرى أمين -ضاعا ببينة أو بغير بينة.
فإن قبضهما على معنى الخيار والاختيار فادعى ضياعهما فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه ضامن بقيمة إحداهما وفي الأخرى مؤتمن.
وهل يضمن مع قيام البينة على التلف أم لا؟
[ ٦ / ٤٠٢ ]
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه ضامن قامت البينة على التلف أم لا وهو ظاهر "المدونة".
والثاني: أنه لا يضمن مع قيام البينة.
وسبب الخلاف: هل ضمانه ضمان تهمة أو ضمان أصل؟
والثاني: أنه يضمن فيه الثوبين جميعًا إذ له الخيار في كل واحد منهما، وقد ينتقل من اختيار إحداهما إلى الأخرى ويكون كأنه أخذها على خيار دون اختيار، وهو قول ابن حبيب عن جميع أصحاب مالك على زعمه.
والقول الثالث: أنه يغرم قيمة أحدهما ويغرم في الآخر الأقل من الثمن أو القيمة، وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف: هل يغلب حكم الخيار على حكم الاختيار أم يغلب حكم الاختيار على حكم الخيار.
فمن غلب حكم الخيار على حكم الاختيار أعطى الحكم للخيار كما لو انفرد.
ومن غلب حكم الاختيار كان الحكم له أيضًا. وقول أشهب متردد بين القولين.
وأما إن ادعى ضياع أحدهما فلا يخلو ضياعه من ثلاثة أوجه:
إما أن يختار الذي ضاع أو الذي بقي أو أبهم الأمر.
فإن كان الذي ضاع هو الذي اختار المشتري فإنه يرد الباقي وقيمة التالف. فإن الباقي هو الذي اختار فإنه يغرم ثمنه ولا ضمان عليه للتالف لأنه فيه أمين.
فإن أبهم الأمر فادعى أن الباقي هو الذي اختار هل يصدق أم لا؟
[ ٦ / ٤٠٣ ]
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يصدق وهو مذهب "المدونة".
والثاني: أنه يصدق ويحلف وهو قوله في "الموَّازنة".
وعلى القول بأنه لا يصدق فإنه يغرم ثمن نصف التالف.
وهل له أن يأخذ الثوب الباقي أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يأخذه وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه يأخذ نصف الثوب ويغرم نصف الثالث وهو قول ابن الموَّاز.
واحتج وقال: فلو جاز أن يأخذ ثوبًا ونصف ثوب وما اشتري إلا ثوبًا واحدًا.
وسبب الخلاف: هل ضمانه ضمان تهمة أو ضمان أصل.
فأما الذي يسأل رجلًا دينارًا فيعطيه ثلاثة دنانير ليختار منها دينارًا فيضيع منها ديناران. فلا يخلو قبضه من ثلاثة أوجه:
إما أن يكون قبضها كلها على معنى الأمانة أو قبضها على معنى الوثيقة أو قبض بعضها على القضاء وبعضها على الأمانة.
فإن قبضها كلها على الأمانة مثل أن يقبضها على أن يزنها فإن أعجبه أخذ منها ديناره وإلا ردها ثم ضاع منها ديناران قبل التقليب فلا ضمان عليه لأنه أمين.
فإن قبضها على معنى الوثيقة مثل أن يقبض منه ثلاثة دنانير لتكون عنده على معنى الرهن حتى يقبض حقه ثم ضاعت كلها أو بعضها فهو ضامن لجميعًا.
[ ٦ / ٤٠٤ ]
وعلى هذا الوجه يحمل قول سحنون في "الكتاب" حيث قال: ومعنى ذلك أن الضياع لا يعلم إلا بقوله.
وحكم هذا الوجه حكم الرهن من طرف إلى طرف.
فإن قبض بعضها على معنى القضاء وبعضها على معنى الأمانة فهذا سؤال الكتاب فإنهما يشتركان فيما ضاع؛ لأن دينار القضاء غير متعين في هذه الثلاثة.
[والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٦ / ٤٠٥ ]
المسألة الثامنة في بيعتين في بيعة
والأصل في ذلك نهيه - ﷺ - عن بيعتين في بيعة (١).
وذلك ينحصر في ثلاث صور:
إحداها: أن يكون مثمونًا واحدًا بثمنين.
والثاني: أن يكون مثمونين بثمن واحد.
والثالث: أن يكون مثمونين بثمنين مختلفين.
ثم لا يخلو الحكم في هذه الصور الثلاث من وجهين:
أحدهما: أن يكون الثمنان أو المثمونان أو أحدهما طعامًا ربويًا.
والثاني: أن يكون عروضًا وحيوانًا.
فإن كان الثمنان والمثمونان أو أحدهما طعامًا ربويًا فلا يجوز البيع على الإيجاب اتفاقًا كيف ما قدر وصور لوجود الربا إما تفاضلًا وإما نساءً مع ما في الجميع من بيع الطعام قبل قبضه.
فإن كان ذلك عروضًا أو حيوانًا أو عينًا فلا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك مما لا يجوز أن يسلم بعضه في بعض فيما بين الثمنين أو فيما بين المثمونين.
والثاني: أن يكون مما يجوز سلم بعضه في بعض.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٤٦١) والترمذي (١٢٣١) والنسائي (٤٦٣٢) وأحمد (٩٥٨٢) من حديث أبي هريرة، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى.
[ ٦ / ٤٠٦ ]
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان مما لا يجوز أن يسلم بعضه في بعض فلا يخلو من أن تكون التهمة قائمة أو منتفية.
فإن كانت التهمية قائمة: حرم البيع ومنع، ومثاله في المثمون الواحد بثمنين مختلفين هذا الثوب بدينار نقدًا أو بدينارين إلى أجل قد وجب البيع بأخذ الثمنين أو بعشرة دراهم نقدًا أو بدينارين إلى أجل قد وجب بأحد الثمنين إما بعشرة نقدًا أو بدينارين إلى أجل لأنه يتهم أن يختار أحد الثمنين أولًا ثم ينتقل إلى الآخر فيأخذ بذلك وذلك حرام لا يحل؛ لأنها فضة بفضة متافضلة مع ما فيها من التأخير وفيما بين الذهب والفضة مستأخر وذلك بناءً على أن من خير بين شيئين هل يعد مختارًا لما ترك أو لا؟
فإن انتفت التهمة جاز البيع بلا إشكال كبيعه هذا الثوب بدينار نقدًا أو بنصف دينار نقدًا أو بعشرة دراهم نقدًا أو بخمسة نقدًا فهذا لا يتهم لما يعلم بالشاهدة أنه لا يختار إلا الثمن القليل إن كان الخيار للمشتري.
فإن كان الخيار للبائع فإنه لا يختار إلا الثمن الكثير. وهذا الحكم إن باع أحدهما بدينارين نقدًا، أو بدينارين إلى أجل. فذلك جائز لما علم أنه يختار أيسر الأمرين إذا كان الخيار للمشتري.
فإن كان الخيار للبائع فإنه يختار أكثر الثمنين.
وكذلك إن باعها بدينار نقدًا أو بدينارين نقدًا أو باعها بدينار نقدًا أو بدينارين إلى شهر فذلك جائز سواء اختار الأقل أو الأكثر؛ لأن الزائد كالهبة للبائع من المبتاع إن كان الخيار للمشتري؛ لأنه قد ملك السلعة بالأقل ثم إن شاء نقد الأكثر وإن شاء دفع الأقل.
فإن اختار دفع الأكثر كان الدينار الزائد هبة منه للبائع، وكذلك إن كان الخيار للبائع فإن المشتري قد التزم أخذ السلعة مثلًا ثم إن أخذها
[ ٦ / ٤٠٧ ]
بالأقل على ما اختاره البائع فكأنه تفضل على المشتري بوضع الدينار الزائد. وهذا كلام ظاهر لا غبار عليه.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان الثمن أو المثمون مما يجوز سلم بعضه في بعض فلا يخلو ذلك من أربعة أوجه:
أحدها: أن يختلفا جنسًا وصفة.
والثاني: أن يتفقا جنسًا ويختلفا صفة اختلافًا يوجب سلم أحدهما في الآخر.
والثالث: أن يتفقا جنسًا ويختلفا صفة اختلافًا لا يوجب سلم أحدهما في الآخر.
والرابع: أن يتفقا جنسًا وصفة اتفاقًا موازيًا.
فأما الوجه الأول: إذا اختلفا جنسًا وصفة فإن ذلك لا يجوز.
مثاله من الصور المتقدمة مثمونان بثمن واحد أو بثمنين مختلفين كبيعه هذا الثوب بدينار أو هذه الشاة بدينار أو بدينارين.
ومثال في الثمنين: هذا العبد بثوب أو شاة على الإلزام فذلك كله ممنوع لأجل الغرر والخطر لأنه إن كان الخيار للبائع فإن المشتري لا يدري ما اشترى.
وإن كان الخيار للمشتري فإن البائع لا يدرى ما باع من تلك الأعيان وذلك غرر وحظر لاختلاف الأغراض في الأعيان المتباينة.
وهكذا الجواب في الوجه الثاني إذا اتفقا جنسًا واختلف صفة اختلافًا يوجب سلم أحدهما في الآمر لاختلاف الأغراض في الثمن أو المثمون لاختلاف صفاتهما وهذا هو مشهور المذهب.
[ ٦ / ٤٠٨ ]
وذهب عبد الملك وأشهب إلى الجواز، وذلك منهما جنوح إلى مذهب عبد العزيز بن أبي سلمة.
وسبب الخلاف: النهي عن بيعتين في بيعة هل إنما يتناول الثمنين في مثمون واحد خاصة من غير أن يتناول الثمنين أو يتناول المثمونين كما يتناول الثمنين.
فالجمهور على أنه يتناول الجميع. وأشهب وعبد العزيز لا يتناول عندهما إلا الثمنين في مثمون واحد.
فأما الوجه الثالث: إذا اتفقا جنسًا واختلفا صفة لا يوجب سلم أحدهما في الآخر كبيعه هذا الثوب بدينار وهذا الثوب بدينار أيهما شاء البائع أو المشتري على الإلزام بعد أن تكون كلها مروية أو هروية أو أنهما اختلفا في الجودة أو الدناءة هل يجوز البيع أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: الجواز وهو قوله في "كتاب بيع الخيار".
والثاني: المنع وهو قول ابن حبيب. وهذا إذا اختلفت الصفة واتفقت الأثمان.
وأما إن اختلفت الصفة والأثمان كقوله في الكتاب في الجاريتين إحداهما بخمس مائة والأخرى بألف فالمذهب على قولين أيضًا:
أحدهما: المنع، وهو مذهب "الكتاب".
والثاني: الجواز، وهو قول ابن حبيب.
وسبب الخلاف: ما قدمناه من عموم النهي.
[ ٦ / ٤٠٩ ]
وأما الوجه الرابع: إذا اتفقا جنسًا وصفة اتفاقًا متوازيًا فإنه يجوز باتفاق المذهب إذا اتفق الثمن في الجنسية.
فإن اختلف الثمن في الجودة والدناءة فإنه يخرج على الخلاف في الوجه الثالث الذي قدمناه.
وأما عبد العزيز بن أبي سلمة فقد جوز بيع مثمونين بثمنين مختلفين كبيعه هذا الثوب بسبعة دراهم أو هذا الثوب بخمسة إذا كانت السكة واحدة.
وقال في "الكتاب" في تفسير حلال ذلك: إنه كأنه أخذ الثوب الذي بسبعة ثم رده وأخذ الذي بخمسة ووضع درهمين من السبعة على تفسير فكأنه اشترى درهمين من السبعة التي كانت عليه والثوب الذي بخمسة بالثوب الذي كان أخذه بسبعة ثم رده وبقيت عليه خمسة وصار الثوب الذي بخمسة له فليس هذا دراهم بدارهم: انتهى كلامه.
فهذا تفسير ابن أبي سلمة لكلامه وهو تفسير يحتاج إلى تفسير.
وخلاصة كلامه مع تطويله كأنه ترتب في ذمته.
سبعة دراهم ثمن الثوب الذي أخذ ثم باعه بسبعة دراهم وبقي على البائع الأول درهمان يقاصص بهما المشتري الأول من السبعة التي عليه وبقيت عليه خمسة دراهم فسلم من الربا.
[والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٦ / ٤١٠ ]
المسألة التاسعة في استثناء البائع من المبيع
وفي هذه المسألة سؤالان:
الأول: استثناء البائع من المبيع.
والثاني: استثناء المشتري مثل أن يشتري على أن يختار.
فالجواب عن السؤال الأول: إذا استثنى البائع من المبيع فلا يخلو من أن يستثني جزءًا أو عددًا.
فإن استثنى جزءًا جاز البيع والاستثناء كان المستثني أقل أو أكثر مثل أن يبيع دارًا إلا ربعها فيكون البيع إنما وقع في الثلاثة الأرباع ولا إشكال في جوازه لغة وشرعًا أو يبيع دارًا ويستثنى ثلثها فيكون البيع إنما وقع في الثلث فهذا جائز أيضًا في عرف اللغة غير أنه مستشنع في عرف الاستعمال ويستهجن في عرف بعض الأصولين ويكون شريكًا للمشتري بذلك الجزء.
فإن استثنى عددًا فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يشتري الخيار.
والثاني: أن لا يشترطه.
فإن لم يشتري اختيار ذلك العدد جاز ويكون اشتراط الجزء فيما قل أو كثر.
فإن اشترط أن يختار ذلك العدد، فإن كان يسيرًا كالثلث فدون الجواز اتفاقًا.
وإن كان كثيرًا أكثر من النصف منع على مذهب "المدونة".
[ ٦ / ٤١١ ]
وفي النصف قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنه في حيز اليسير وهو ظاهر قوله في "كتاب بيع الخيار" حيث قال: إن استثنى جل ذلك منع لأن الجل والأكثر أكثر من النصف يكون لأن الأكثر أكثر من كثير.
والثاني: أنه في حيز الكثير لأنه جعل النصف في حيز الكثير في غير ما موضع من "المدونة".
فانظر فقد منع البائع من استثناء الكثير وجوزه للمشتري فما الفرق بينهما؟
فإن قيل: الفرق بينهما أن البائع إذا استثنى أكثر الصفقة دخل الضرر على المشتري في المبيع؛ لأنه لا يدري ما يبقى له بعد الاستثناء، فهذا بعينه موجود في استثناء المشتري؛ لأن البائع لا يدري ما يبقى له بعد اختيار المشتري.
فإن اعتبر ذلك منع في اختيار البائع والمشتري وهو النظر.
ثم لا يخلو المال الذي يختار منه البائع من أن يكون مالًا ربويًا أو غير ربوي.
فإن كان مالًا ربويًا مثل أن يبيع حائطًا واستثنى منه عشر نخلات يختارها، ويبيع صبرًا واستثنى منها صبرة أو أصواعًا معلومة فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: الجواز وهو نصه في "الكتاب".
والثاني: المنع وهو ظاهر قوله في فصل المشتري.
وسبب الخلاف: المستثنى هل هو مشتري أو مبقي. فإن كان المستثنى ما ليس ربويًا فإنه يجوز للبائع الاختيار اتفاقًا من غير اعتبار بأن يكون المستثنى
[ ٦ / ٤١٢ ]
مشترًا أو مبقًا.
والجواب عن السؤال الثاني: إذا كان الخيار للمشتري.
فلا يخلو اختياره من أن يكون في الطعام أو في العروض.
فإن كان في العروض فهل يجوز في اليسير والكثير أو إنما يجوز في اليسير دون الكثير؟ فذلك يتخرج على قولين:
والخلاف فيه مبني على الخلاف الذي قدمناه في فصل البائع.
فإن كان اختياره في المال الربوي فلا يخلو من أن يكون مما يجري فيه ربا التفاضل أم لا.
فإن كان مما يجري فيه ربا التفاضل كالمقتات المدخر من الطعام مثل أن يشتري من هذا الحائط ثمن عشر نخلات يختارها فالمذهب في الجواز على قولين:
أحدهما: المنع، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: الجواز، ويؤخذ من مسألة البائع.
والعلة في المنع ربا التفاضل وربا النساء مع ما في ذلك من بيع الطعام قبل قبضه لاحتمال أن يسبق اختياره إلى أول ما فتحت عليه عينه من ثمر ذلك الحائط أولًا ظنًا منه أن ذلك أجود ما في الحائط ثم وقعت عينه لما جال في الحائط على ما هو أفضل مما اختاره أولًا فصرح باختياره.
وسبب الخلاف: من خير بين شيئين هل يعد مختارًا لما ترك أم لا؟
فإن كان مما يجوز فيه ربا التفاضل ويمنع فيه ربا النساء كالطعام غير المقتات فهل يجوز فيه البيع على الاختيار أم لا؟ على قولين:
المشهور الجواز لسلامة العقد من جمهور الفساد الذي هو بيع الطعام قبل
[ ٦ / ٤١٣ ]
قبضه على القول بأن النهي إنما ورد في الطعام المدخر وسلم من ربا التفاضل أيضًا ولم يبق إلا التأخير اليسير قدر ما بين الاختيارين مع الغرر اليسير لكون البيع وقع بينهما والبائع لا يدري العين الذي أوقع عليها البيع في الحال. والخطب في ذلك يسير.
والذي يتحصل من مجموع السؤالين ومقتضى الفصلين: إذا اشترى المشتري ثمر عشر نخلات يختارها أو استثنى البائع ثمر عشر نخلات يختارها. ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: الجواز عمومًا في البائع والمشتري، وهو نص قول مالك في "المدونة" في البائع بعد أن توقف فيها نحوًا من أربعين ليلة.
والثاني: المنع عمومًا في البائع والمشتري، وهو نص قول ابن القاسم في المشتري، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
وسبب الخلاف: ما قدمناه في المخير بين شيئين هل يعد مختارًا لما ترك أم لا؟
ووجه قول من فرق بين البائع والمشتري أن المشترى في الحائط دخيل جاهل بأجناس الحائط وأنواعه واختلاف نواحيه. فهذا عند الاختيار مخير فربما رأى أصولًا موفورة بثمار مذللة فيختارها في نفسه ظنًا أن ذلك أفضل ما في الحائط ثم يجول فيها ويرى ما هو أفضل مما اختار أولًا ثم يصرح بالتخيير ساعتئذ والبائع بخلاف ذلك لأنه في الحائط أصيل وقد عرف أرجاءه وأركانه ونواحيه وما فيه من الأنواع وما يكثر حمله ويقل، وما يحمل في زمان ويتعطل في زمان فإنه بنفس ما استثنى وقعت رغبته في أصول معروفة قد كانت عينه عليها قبل البيع أو في حين البيع ثم لا يتهم في التردد والانتقال.
[ ٦ / ٤١٤ ]
وهذا الفرق مع ضعفه إنما يصح على القول بأن المستثنى مبقي.
وأما على القول بأنه مشترًا فلا. وذلك من المشتري بيع الطعام قبل قبضه.
[والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٦ / ٤١٥ ]
مناهج التحصيل
ونتائج لطائف التأويل
في
شرح المدونة وحل مشكلاتها
تأليف
أبي الحسن علي بن سعيد الرجراجي
تقديم
فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور علي علي لُقَم
اعتنى به
أبو الفضل الدمياطي
أحمد بن علي
الجُزءُ السَّابع
مركز التراث الثقافي المغربي
دار ابن حزم
[ ٧ / ١ ]
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٨هـ - ٢٠٠٧م
ISBN ٩٩٥٣ - ٨١ - ٤٣١ - ٧
الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها
مركز التراث الثقافي المغربي
الدار البيضاء - ٥٢ شارع القسطلاني - الأحباس
هاتف:٤٤٢٩٣١ - ٠٢٢/ فاكس: ٤٤٢٩٣٥ - ٠٢٢
المملكة المغربية
دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع
بيروت - لبنان - ص. ب: ٦٣٦٦/ ١٤
هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)
بريد إلكتروني: ibnhazim@cyberia.net.Ib
[ ٧ / ٢ ]
مناهج التحصيل
ونتائج لطائف التأويل
في
شرح المدونة وحل مشكلاتها
(٧)
[ ٧ / ٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ٧ / ٤ ]
كتاب المرابحة
[ ٧ / ٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
صلي الله على سيدنا محمَّد وآله وصحبه