تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها ستة مسائل:
[المسألة الأولى] في معنى هذه الكلمة
ومعنى هذه الكلمة: حقّ البئر الذي يُمنع أن يحدث فيها أحدٌ ما يضرُّ بها.
وأصل الحرام: التحريم، والحُرمة: المنع.
والمحارم من النساء: الممنوع نكاحُهُنَّ من ذوات المحارم، والحرام: ما مُنع إتيانه.
فحريم البئر هو: ما يتصلُ بها من الأرض إلا من حقِّها ألا يحدث فيها ما يضرُّ بها، لا باطنًا من حفرِ بئر يشتف ماءها أو كنيف نجاسة يصلُ [إليها] (١) وسَخه، أو ظاهرًا كالبناء، والحرث، والغرس، والنزول الذي يضرُّ بالمُنتفعين، ويُضيق عليهم في ورودهم الماء، ومسارحهم، ومعاطن إبلهم، [ومرابض] (٢) مواشيهم.
وكذلك إن حفرها ليزرع عليها في موات الأرض، فحريمها: قدر ما يحتاج إلى حَافِرها مما يقوم به، وسقيه ماءه، ويعمره بالتقدير دون التحديد على مشهور مذهب مالك -﵀-، بيد أنّ أصحابهُ اختلفوا في تحديد حريم الآبار، والعيون على اختلاف أنواعها بين الماشية، وبين الزرع، والعادية، والبادية.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: ومرابط.
[ ٩ / ٣٠١ ]
قال ابن نافع في "البئر العادية -وهي القديمة: حريمها خمسون ذراعًا، والبادية وهي التي ابتدئ حفرها: خمسة وعشرون ذراعًا".
وكذلك جاء في الحديث.
وعن أبي مصعب الزهري عشرُ هذا في البادية والعادية، قالا في بئر الزرع: خمسمائة ذراع، وفي حريم الأنهار ألف ذراع.
ومعناه: أن هذا كلُهُ من جميع نواحيها.
وكذلك من اختطها في الموات يزرع عليها أو يغرس، ولا يضيق عليه في ذلك أحد، وهو أحق بذلك [القدر] (١) من غيره.
والصحيح ما أصَّلَهُ مالك -﵀- لعدم الأثر الصحيح يُعتمد عليه في ذلك، وإلا فالتفريق بين العارية، والبادية لا يُتلقى إلا من التوقيف، ولا مجال للقياس فيه [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) في أ: العدد.
(٢) زيادة من ب.
[ ٩ / ٣٠٢ ]
المسألة [الثانية] (١) في منع فضل الماء
ولا يخلو الممنوع منهُ [فضل الماء] (٢) من وجهين:
إما أن يكون مَارَّة أو زراعة.
فإن [كانوا] (٣) مارة، مرُّوا بأهل ماء فمنعوهم الورود، فلا يخلو [بئرُهُم] (٤) من أن يكون فيه فضل أو لا فضل فيه:
فإن كان فيه فضل، فلا يخلو من أن يكون ذلك الماء ممّا يُملك أو ممّا لا يُملك.
فإن كان مما يُملك ويحلُّ بيعهُ، فلا يخلو المسافرون من أن يكون معهم ثمن أو لا ثمن معهم.
فإن كان معهم ثمن، فهل يجوز لأهل الماء أنْ يمنعوهم الورود إلا بالثمن أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من المُدونة:
أحدهما: أن لهم منعهم إلا بالثمن، وهو قوله في أول [كتاب] (٥) حريم [الآبار] (٦).
والثاني: أن عليهم أن يُمكنوهم من الورود بغير ثمن، وهو قوله في الذي انهارت بئرهُ، وخاف على زرعهِ العطش، وحرمة النفوس أعظم من
_________________
(١) في أ: الثالثة.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: كان.
(٤) في ب: ماؤهم.
(٥) في أ: الكتاب.
(٦) في أ: البئر.
[ ٩ / ٣٠٣ ]
حُرمة الزرع.
فإن لم يكن معهم ثمن، فلا يخلو من: أن يكون [لهم] (١) أموال [في] (٢) بلادهم أم لا:
فإن كانت لهم أموال [في] (٣) بلادهم، هل يُتبعون بالثمن أم لا؟ فإنه يَتخرّج على قولين قائمين من المدوّنة:
أحدهما: [أنهم] (٤) يتبعون بالثمن؛ لأنهم أملياء، ولا يعتذرون بغيبة المال.
والثاني: أنه لا يُتبعون به؛ لأنهم أهل سبيل؛ يجوز لهم أخذُ الزكاة، ومواساتهم واجبة.
فإن لم يكن لهم أموال في بلادهم، أو كانت لهم أموال، والماء لا يُملك، فلا يجوز بيعُهُ، كفضل بئر الماشية، فلا خلاف أنّ على أهل الماء أن يسقوهم، ويُمكنوهم من الورود.
فإن منعوهم فهل يُقاتلهم المسافرون أم لا؟ فلا يخلو من أن يخافوا الهلاك على أنفسهم أم لا:
فإن لم يخافوا الهلاك على أنفسهم وَدَوَابِّهم، ولهم قوة على الوصول إلى ماء غيرهم، فإنّ قتالهم يُؤدي إلى سفك الدماء، فذلك مكروه.
فإن قدروا أن يغلُبوهم بغير فساد، فذلك جائز، وهو قول أشهب ويؤخذ من "المدونة" من "كتاب الجهاد" من مسألة: السلابة إذا طلبوا الطعام أو الثوب أو الأمر الخفيف، حيث قال ابن القاسم: [يعطون، ولا
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: أنه.
[ ٩ / ٣٠٤ ]
يُقاتلون] (١)؛ لأنَّ مَنْ مَنَعَهُم فضل الماء الذي هو حقٌ للمساكين كأخذهم مال المسافرين.
وإن خافوا الهلاك على أنفسهم، فحلالٌ لهم جهادُهم؛ لأنهم منعوهم ما وجب لهم عليه من المواساة؛ إذ واجب على كلّ مُسلم خافَ على أخيهِ المُسلم أن يُجيبهُ بما يقدرُ عليه.
فإن جاهدوهم وقُتل أحدٌ من المارة، فالقصاصُ في ذلك واجبٌ، باتفاق المذهب.
فإن منعوهم حتى ماتوا عطشًا [و] (٢) لم تكن للمسافرين قوة على مُدافعتهم، هل يجب القصاص أم الدِّية؟ وذلك على تفصيل:
فإن قصدوا أهل الماء بمنعهم ألا يسقوهم حتى يموتوا بعد علمهم أنّ ذلك لا يحلُّ لهم، وعُلم أنهم متى لم يسقوهم ماتوا [عطشًا] (٣)، فهذا مما ينبغي أن يجب القصاصُ فيه.
وقد اختلف المذهب [عندنا] (٤) فيمن تعمّد الزور بشهادته حتى قُتل [بها] (٥) المشهودُ عليه، على قولين:
أحدهما: أنه يُقتل به.
والثاني: أنه لا يُقتل به، وهو قول في "المُدونة".
فإن لم يقصدوا ذلك، وإنما تأوّلوا أن لهم منع مائهم، وأنه أحقُّ به من غيرهم، فهذا أمرٌ خفي.
_________________
(١) في ب: يعطوا ولا يقاتلوهم.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: عطشانًا.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: به.
[ ٩ / ٣٠٥ ]
وديّات المسافرين على عواقل المانعين [فإن كانوا عشرة فعشرة ديات، وعلى عواقل المانعين] (١) عتق مائة رقبة، على كل واحد منهم عشرُ رقبات كفّارة مع وجيع الأدب؛ لأنه قاتل العشرة.
وكذلك الحُكم فيمن مات في سنة المجاعة بين أظهر القوم جوعًا، وهم قادرون على إحيائه بمواساتهم إياهُ، ذَكَرَ ذلك القاضي أبو بكر بن العربي، وغيرهُ، ويؤخذ من "المُدونة" من هذه المسألة.
ورأيتُ في بعض الضرر [أيضًا] (٢): أن المرأة إذا نَشَزَتْ على زوجها، ولهُ منها ولدٌ رضيع، فرمَتْ به، ولم يجد مَنْ يُرضِّعُهُ حتى مات، أن ديتهُ على عاقلة المرأة، وعليها هي الكفَّارة، واستقراء ذلك من مسألة المسافرين.
فإن كان ذلك الماء لا فضل فيه جَهدهُ ما يقُوم بأهلهِ إلى وقت نزول الغيث، كالحُبوب، والقدر، بحيثُ أن لو شاركوهم نَشّفُوهم عليه وتركوهم في مَضيعَة، ولم يكن يقرُبُهم غيثٌ يَرْجُونها، فإنَّ لهم منعهم، وإن أدى ذلك إلى قتالهم؛ إذ لابد من هلاك إحدى الطائفتين على ظاهر الحال، فأهل الماء أولى بما في أيديهم من غيرهم، وإنما تجب المواساة إذا كان هناك ما يحتملها، وأما إن كان زارعًا فلا يخلو من أن يزرع على ماء، أو يزرع على غير ماء.
فإن زرع على ماء، فانهارت بئره وله جار في مائه فضل وخاف العطش على زرعه ما بينه وبين أن يصلح بئره، فإنه يجوز له أن يسقي بفضل ماء جاره، وهل ذلك بثمن أو بغير ثمن؟ قولان قائمان من المدونة:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
[ ٩ / ٣٠٦ ]
أحدهما: [أنه] (١) بغير ثمن، وهو نص قوله في المدونة في "كتاب حريم الآبار".
والثاني: أنه لا يأخذه إلا بالثمن، وهو قوله في مسألة المسافرين، والقولان منصوصان عن مالك في المذهب.
فإن زرع على غير أصل ماء، فهل يحكم على الجار بصرف فضل مائة بثمن أو بغير ثمن؟ فإنه يتخرج على قولين:
أحدهما: أنه لا يقضي عليه بذلك لا بثمن، ولا بغير ثمن إلا أن يشاء، وهو قول مالك في المدونة.
والثاني: أنه يقضي عليه بذلك، وهل ذلك بثمن أو بغير ثمن؟ قولان.
وسبب الخلاف: اختلافهم في تأويل قوله - ﷺ -: "لا يمنع نقع بئر" (٢) وقال أيضًا: "لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ" (٣).
وفي رواية: "لا يمنع وهو يرو"، وفي رواية: "إنه لا يمنع [نقع] (٤) بئر بين بالماء" أما قوله - ﷺ -: "لا يمنع نقع بئر".
فقد اختلف العلماء في تأويله على أربعة أقوال:
أحدها: أن المراد بذلك الماء المجتمع فيه قبل السقي.
والثاني: أن المراد بذلك فضل مائه.
والثالث: أن المراد بذلك الموضع الذي يلقى فيه ماء ما ينكس منه،
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) أخرجه مالك (١٤٢٨)، والطبراني في الأوسط (٢٦٦)، والبيهقي في الكبرى (١١٦٢٦)، وهو صحيح.
(٣) أخرجه البخاري (٢٢٢٦)، ومسلم (١٥٦٦).
(٤) في أ: فضل.
[ ٩ / ٣٠٧ ]
يريد ما يستنقع منه من الماطرة.
والرابع: أن المراد به ما يخرج مسيل مائه، وهو الماء المجتمع [أيضًا] (١).
قال الله تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان: ٢٤].
واختلف في قوله - ﷺ -: "لا يمنع نقع بئر" (٢) هل يحمل على عمومه أم لا؟ [على] (٣) ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك على عمومه، وأنه لا يحل منع الماء ولا منع [فضله] (٤) بحال كان من بئر أو غدير أو عين في أرض متملكة [أو غير متملكة] (٥) غير أنه إن كان متملكًا كان أحق بها بمقدار حاجته منه، وهو ظاهر قول يحيى بن يحيى في "العتبية"، وقالوا: أربعًا لا يرى أن [يمنعوا] (٦) الماء، والنار، والحطب، والكلأ.
والثانى: أن ذلك في مثل البئر تكون بين الشريكين، فيسقى هذا يومًا، وهذا يومًا أو أقل أو أكثر، فيسقى أحدهما يومه [فيروي زرعه أو نخله في بعض يومه، فيستغني عن الماء بقية يومه] (٧) فليس له أن يمنع شريكه من السقي بقية ذلك اليوم؛ إذ لا منفعة له في منعه.
والثالث: أن المراد به الذي يزرع على مائة، فينهار بئره، ولجاره فضل ماء أنه ليس لجاره أن يمنعه فضل مائه إلى أن يصلح بئره.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) تقدم.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من ب.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ب: يمنعن.
(٧) سقط من أ.
[ ٩ / ٣٠٨ ]
فمن حمل الحديث على عمومه قال: يأخذ الجار بغير ثمن سواء زرع على أصل [ماء] (١) أو على غير ماء، ومن حمله على التأويل الثاني قال: لا يأخذه إلا بالثمن باختيار المالك، ومن حمله على التأويل الثالث قال بما قال به في الكتاب [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) زيادة من ب.
[ ٩ / ٣٠٩ ]
المسألة الثالثة في بيع الكلأ ومنعه
ولا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك في أرض العفي.
والثاني: أن يكون في أرض وقفها وبورها للكلأ.
فإن كان في أرض العفي، فلا خلاف في المذهب أن الناس [فيه] (١) شرعًا سواء، [وليس] (٢) لأحد بيعه.
والعفو من الأرض ما ليس له مالك معين، ولا صاحب مبين.
وإن كان في الأرض المملوكة له، فهل يجوز له منع الناس منه وبيعه إن شاء أم لا؟ فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أن له بيعه، ومنع غيره من رعيه احتاج إليه أم لا، وهو قول عبد الملك بن الماجشون، وسحنون، وهو ظاهر قول مالك في المدونة في كتاب "كراء الدور والأرضين".
والثاني: أنه لا يجوز [له] (٣) بيع خصب أرض أصلًا، وإنما يكون أحق به حتى يستغني، فيكون الناس في الفضل أسوة [سواء] (٤) وهو قول أشهب، وسواء فيما حظره وبوره للكلأ أو في غيره، وهذان القولان متقابلان.
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) في ب: ولا.
(٣) سقط من ب.
(٤) سقط من ب.
[ ٩ / ٣١٠ ]
والثالث: بالتفصيل بين ما كان في مروجه وحماه وبين غيره: فما في حماه مما بوره للكلأ، فله بيعه ومنع الناس منه، وما لم يحظر عليه ولا حماه من جميع أراضيه، فليس له بيعه، والناس أسوة في فضله، وهو قول ابن القاسم، وعبد الملك، ومطرف.
والرابع: التفصيل بين أن يحتاج إليه أو لا.
فإن احتاج إليه، فله بيعه إذا بلغ أن يرعى، وإن استغنى عنه، فلا يجوز له بيعه، وليخل بين الناس وبينه، وهو قول مالك في كتاب "حريم البئر" من المدونة.
وسبب الخلاف: اختلافهم في تأويل قوله - ﷺ -: "لا يمنع فضل [الماء] " يريد به الكلأ، وفي قوله - ﷺ -: "لا يمنع] (١) الكلأ والناس فيه شركاء"، هل هو عموم أريد به العموم أو عموم أريد به الخصوص، فمن حمله على ظاهره، وأنه عموم أريد به العموم، قال بقول أشهب. ومن حمله على [أنه] (٢) عموم أريد به الخصوص، قال بقول عبد الملك، وهو أصل قول مالك؛ لأنه قال في الكتاب: "لا أحسبه إلا في الصحاري وأما في القرى التي ملكها أهلها، فله أن يمنع الكلأ"، واعتبار الحاجة والحمى ضرب من الاستحسان.
وأما قوله - ﷺ -: "لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ" (٣) فللعلماء فيه تأويلان:
أحدهما: أنه إذا منع أرباب المواشي من ورود بئر ماء منعوا أن يأتوا، فيرعوا ما بقربه من الكلأ، فيصير منع الماء سببًا لمنع رعي الحشيش.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) تقدم.
[ ٩ / ٣١١ ]
والثاني: أن معناه إذا مُنعت من الماء مُنعت من الكلأ، ولا تقدر [ترعى] (١) فيؤدي [ذلك] (٢) إلى هلاك الماشية وموتها [والله أعلم] (٣).
وأما صيد [ما] (٤) في البحائر والغُدر والبرك تكون في ملك رجل، فلا خلاف أنه لا يجوز بيعها لمن [يصيد] (٥) ما فيها [من الحيتان؛ لأنه يقل، ويكثر، وذلك عين الغرر، والذي نهى عنه النبي - ﷺ -، ويجوز له أن يصيد فيها] (٦)، وهل له أن يمنع من يحاول الصيد فيها أم لا؟ ولا يخلو من أن يكون هو الذي طرح فيها السمك، وتناسل فيها أو كان جاء مع الماء، فإن كان صاحبها هو الذي طرحه فيها، وتوالد فله منع من يريد الصيد فيها، ولا ينبغي أن يختلف في هذا الوجه.
وإن كان جاء مع الماء، ولا سبب له فيه، فالمذهب فيه على قولين:
أحدهما: أنه لا يمنع أحدًا والناس فيه شرعًا سواء، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن لهم منع من حاول ذلك من غيرهم، وهو قول مطرف، وابن الماجشون، وهو الأظهر في النظر [والحمد لله وحده] (٧).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) زيادة من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: يصطاد.
(٦) سقط من أ.
(٧) زيادة من ب.
[ ٩ / ٣١٢ ]
المسألة الرابعة في [السدود] (١) وَكَنس الآبار وإصلاحها
والكلام في هذه المسألة على فصلين:
أحدهما: كنس الآبار وإصلاحها.
والثانى: في سدِّ العُيون والقنوات.
فالجواب عن الفصل الأول: في كَنْسِ الآبار، آبار الأراضين، وإصلاحها، فلا يخلو ما عليها من الأرض من أن يكون مقسومًا أو مشاعًا.
فإن كان مقسومًا: فدعا بعضهم إلى الكنس والإصلاح، وأَبَا بعضهم، فهل يُجبر الآبى منهم أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يُجبر، وأنّ مَنْ أراد العلم يَعْمل، ويكونُ أحقَّ بما زاد [من] (٢) الماء، حتى يدفع له الآبى مقدار ما يلزمه وينُوبُه من النفقة، وهو قوله في "المدونة".
والثاني: أنّ الآبى يُجبر على العمل أو يبيع سهمَهُ مِمن يعمل، وإن كان مقسومًا، وهو قول ابن نافع، وسحنون.
[نظراه] (٣) في العلوي والسفلي إذا انهدم السفلي، وهو مُنفرد من العُلوي، فإنه يُقال لصاحبه: ابنِ أو بيع ممن بني، وما قالاه ليس بصحيح، وذلك أن السُفلى، وإن كان نائيًا عن العلوي بالقِسمة، فصاحب
_________________
(١) في أ: السدد.
(٢) سقط من أ.
(٣) هكذا رسمها في أ، ب.
[ ٩ / ٣١٣ ]
العُلُوي يَدخل عليه الضرر بهدم السفلي أو لا يُتوصل إلى الانتفاع به إلا بعد [بناء] (١) السُفلي ولا يجوز أنْ يُقال له: ابنِ السُفلي، وتكونُ أحقَّ به من [صاحبه] (٢) حتى يدفع قيمة عملك، بخلاف البئر؛ لأن رقبتها [مشتركة] (٣) بينهم، وإنْ قُسِّمت الأرض.
وإن كان مشاعًا فإنهُ يُقال للآبى: إمّا أن تعمل، أو تبيع ممِن يعمل، وهذا إذا كانت الأرضَ مزروعة، والنخلُ [فيها ثمر؛ إذ لا يقدران على القسم والضرر لاحق بمريد العمل، فصار كصاحب السفلي والعلوي، وإن كانت الأرض غير مزروعة والنخل] (٤) لا ثمَرَ فيها، فهاهُنا يُخيّر الآبى بين ثلاثة أشياء:
إمّا أن يعمل، أو يُقسّم، أو يبيع ممِن يعمل.
فانظر: كيف جعل ابن القاسم الذي عمل جميع ما زاد بالإصلاح في البناء، ولم يكُن للذي لم يَبنِ بقدر [جزئه] (٥) في البئر من الماء.
وقد اختلف المذهب في الرَّحَى إذا كانت بين النَفَر، فتُهدم، فيدعوا بعضهم إلى عَمَلِهَا، وأَبَا بعضهم، فلم ينظر حتى عَمِل وطَحَنتْ، واغْتُل منها غلة كثيرة على أربعة أقوال:
أحدها: [أنّ الغلّة] (٦) كلّها للعامل دون مَنْ لم يعمل حتى يُعطِي قيمة ما عَمِل، كالنهر يفُورُ ماؤُهُ، فيعمل أحدهم، ويأْبَى الباقونَ العمل.
_________________
(١) في أ: بنيان.
(٢) في أ: صاحبك.
(٣) في أ: مشترك.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: جريه.
(٦) سقط من ب.
[ ٩ / ٣١٤ ]
والثاني: أَنّهُ يَستوفي من الغلّة ما أنفق إن لم يقُم عليه، حتى استوفى ذلك، ثم يكونُ بينهما، والقولان لابن القاسم.
والثالث: أنه يكون للعامل منها، بقدْر ما أنفق، وما كان له من سهمه قبل أن يُنفق، ويكون للذي لم يعمل ما بقى لهُ، [من] (١) قاعتها وبقيّة سدّها، وحجارتها، وهو قول ابن دينار.
والرابع: أن تكون الغلّة كلّها للعامل، ويكون عليه كراء [نصيب] (٢) صاحبِه من قاعة الرحى، وما كان باقيًا فيها من العمل: فإن أراد الدخول معهُ دفع إليه قيمة العمل اليوم في هذا القدْر الذي ينوبُهُ، ليس يوم عمله، ولا ما أنفق إلا أن يكون ذلك بحداثة ما عمل، وهو اختيار عيسى، وصوّب بعض المتأخرين قول عيسى، وضعّف قول ابن القاسم.
والجواب عن الفصل الثاني: في سدِّ القنوات، والعيون، وترتيبهِ إذا انسدَّ من أولها أو آخرها، وعليها أرضٌ كثيرة لناسٍ شتَّى بعضُها فوق بعض، فوقع في "المستخرجة" أن الأولين يكنسون ولا كنس على مَنْ بعدهم. وإذا [انسدت] (٣) في آخر القناة كنس الأولون مع الآخرين؛ لأن عناء الأولين سدّ الآخرين.
قال أبو إسحاق التونسي: "وهذا ليس بالظاهر في القياس إلا أن يكون أراد معنىً آخر لم يُفسِّرهُ السائل".
وما قالهُ صحيح، وذلك أن القناة إذا انسدّت من أول مجراها احتبست عن الأولين والآخرين، فزوال السدِّ يقع لجميعهم، فيجبُ أن يكون عليهم أجمعين.
_________________
(١) في أ: بقدر.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٩ / ٣١٥ ]
وإذا انسدّ في آخرها لم يضُر الأولين شيء؛ لأنهم يقولون: نحنُ نُطلق ماءنا من أصل العين، قبل وصوله إليكم فلا يضرُّنا ما عندكم من السدّ، ولا يمنعنا من [وصول] (١) الماء إلى ضياعنا.
وما في "العتبية": إنما يصحّ في القنوات التي تكون بالأتفال والنجاسات؛ لأن القناة إذا انسدّت من الأولين لم يَلزم مَنْ بعدهم أنْ [يكنسوا] (٢) معهم؛ لأنهم يقولون: نحنُ نُجري مياهَنا في قنواتنا -لا تقف لنا- ولا يلزمُنا الكنس معكم أيها الأولون؛ إذ لا انتفاع لنا في ذلك.
وإذا انسدّت القناة في الآخر: وجب على الأولين أن يكنسوا مع الآخرين؛ لأنَّ الأوّلين يقفُ ماؤهم إذا انسدّت في الآخر، ووقُوفُه يَضرُّ بهم، فيجبُ عليهم مشاركة من بعدهم في الكنس.
وترتيب هذا أن يبتدئ من هو أول القناة، فيكنس وحدهُ، فإذا وصل إلى غيرهِ شاركهُ في الكنس، فإذا وصل إلى الثالث شاركهما في الكنس، فإذا وصل إلى الرابع شاركهم في الكنسِ، هكذا أبدًا، وعلى هذا السؤال يصحُّ ما في "المستخرجة" دون سؤال العيون.
_________________
(١) في أ: أصول.
(٢) في أ: يكنس.
[ ٩ / ٣١٦ ]
المسألة الخامسة في إحياء الموات
وموات الأرض لم يُعمر منها. وإحياؤها: عمارتها.
وكُلما بعُد عن العُمران ممّا تقلُّ فيه الرغبة والتنافس، فمن أحياهُ فهو له، ولا يحتاج فيه إلى إذن الإِمام، مِن أي أرضٍ كانت، عُنوةٌ أو صُلحًا أو أرضٌ أسلم عليها أهلها، لقوله ﵇: "مَنْ أحيا أرضًا مواتًا فهي له" (١).
وإحياؤها يكونُ بعشرة أشياء: سبعةٌ مُتفقٌ عليها في المذهب، وثلاثةٌ مُختلَفٌ فيها.
[فالمُتفق عليها] (٢): تفجير الماء فيها بحفر بئر، أو شقِّ نهر، أو شقِّ عين.
والثاني: إخراج الماء عن غامرها.
والثالث: البناء.
[و] (٣) الرابع: الغرس.
[و] (٤) الخامس: الحرث، وتحريك الأرض [بالحفر] (٥) ونحوهِ.
[و] (٦) السادس: قطع غياضها وشعاريها.
_________________
(١) تقدم.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: بالحرث.
(٦) سقط من أ.
[ ٩ / ٣١٧ ]
[و] (١) السابع: كسر أحجارها، وتسوية [بزوغها] (٢)، وتعديل أراضيها.
فأمّا الثلاثة المُختلف فيها:
أولها: التحجير عليها، وهو: ضربُ حدود حول ما يُريد إحياؤهُ منها، ولم يحجبه بعد.
والثاني: رعى كلائها.
والثالث: حفرٌ بئر ماشية فيها.
فهذه الثلاثة [التي] (٣) اختُلف فيها على قولين:
أحدهما: أنها لا تحيا بذلك، وهو قول "ابن القاسم" في "المدونة" وغيرها.
والثاني: أنها تحيا بذلك، وهو قول أشهب.
واختلف عن أشهب في التحجير: فَرُوِيَ عنه أنه ينتظر ثلاث سنين كما جاء عن عمر - ﵁ -، فإن أحياها، وإلا كان لغيره إحياؤها.
وَرُوِيَ عنه أنَّهُ إنما يكون الحجرُ إحياء، إذا عُرف أنه حجرها ليعملها عن [قريب] (٤) ويُقدر ما يُمكن عملُهُ فيها.
وعلى هذا يكون قولُهُ وفاقًا لقول ابن القاسم، وعلى الرواية [الثانية] (٥) يكون خلافًا.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: حروفها.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: قرب.
(٥) سقط من أ.
[ ٩ / ٣١٨ ]
فإذا أحياها وتركها حتى دُثرت وعادت إلى ما كانت عليه أولًا، فأحياها غيرَهُ، هل يكون أحقُّ بها أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من المُدونة:
أحدهما: أنّ الثاني أحق بها من الأول، وهو نصُّ قول ابن القاسم في "كتاب حريم الآبار".
والثاني: أنّ الأولّ بها أحقُّ أبدًا، ولا يُخرجها من ملكه تركُها حتى دثرت، وهو قولُ مالك في الخطة [فإن كانت الخطة] (١) لا تزول عن [ملكه] (٢) [باندراس] (٣) الأرض ورجوعها إلى ما كانت عليه، فكذلك في الإحياء، والموات فلا فرق بينهما.
وأمّا ما قرُب من العمران، وتشاحح الناس فيه، واستوت فيه الرغبة والتنافس، فلا يخلو من أن يكون ذلك بإذن الإِمام أو بغير إذنهِ:
فإن أحياهُ بإذن الإِمام، فذلك جائز، ويصير ملكًا لهُ.
فإن أحياهُ بغير إذنه، فعلى ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهُ لِمَن أحياهُ، ولا يتعقَّبهُ نظر الإِمام، وهو ظاهر المُدّونة لقوله في أول الباب: "مَنْ أحيا أرضًا ميتةً بغير إذن الإِمام، فهي له"، ولم يُفصِّل بين ما قَرُب وما بعُد.
والثاني: أن الإمام ينظر في ذلك، فإن رأى إبقاءه لِمن أحياهُ فَعَل، وإلا أعطاهُ قيمتَهُ منقوضًا.
والثالث: أنّ ذلك جائزٌ ابتداءً: أنْ تُحيي الأرض بغير إذن الإِمام،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: مالك.
(٣) في ب: بدروس.
[ ٩ / ٣١٩ ]
كما قال أصبغ وغيرُهُ فيمن أراد أن يأخُذ من شارع المسلمين أو فنائهم ما لا ضرر [فيه] (١) عليهم، ويَردُّهُ إلى داره بالبنيان: أن ذلك جائزٌ لهُ، إنْ كان الطريقُ واسعًا.
وحدُّ القُربِ: ما هو مرتفق لأهل البلد في سرْحِ مواشيهم، واحتطابهم واحتشاشهم، وما وراء ذلك، فهو الذي يجوز فيه الإحياء بغير إذن الإِمام قولًا واحدًا في المذهب، والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٩ / ٣٢٠ ]
المسألة السادسة في نفى الضرر فيما يُحدثُهُ الرجلُ في ملكه، مما يضرُّ بجارهِ، مِن بناء أو حفر أو كُوَّة أو غير ذلك
فإذا حفر بئرًا في دارهِ، وهي بعيدة عن بئرِ جارهِ، فلا يخلو من أن يعلم أن أحدَ الأرضينِ أُحْييت قبل الأخرى أو جهل.
فإن عُلم أن أحد الأرضين أُحييت قبل الأخرى، فيُنظر إلى الأُولى [منهما] (١) فإن كانت الأُولى [هي التي حفر فيها] (٢) أولًا، مُنعَ الثاني من إحداث بئر في أرضِهِ، فإن حفرها فيها رُدمت عليه.
فإن كانت الأولى في الإحياء هي التي أُحفر فيها أخرى، هل يُمنع إذا أضرَّ ببئر جارهِ أم لا؟ فإنهُ يتخرج على قولين قائمين من المُدونة:
أحدهما: أنهُ لا يُمنع؛ لأن النظر [إلى] (٣) مَنْ سبق [إلى] (٤) الإحياء، لا إلى مَنْ سبق إلى الحفر، وهو قولهُ في "المدونة" حيث قال: " [فإن] (٥) كان إحياؤهُ قبل ذلك".
والثاني: أنه يُمنع، وأنَّ الاعتبار بالسبق [إلى الحفر] (٦) لا بالإحياء.
وسبب الخلاف: مَنْ مَلَكَ ظاهر الأرض، هل يملك باطنها [أم لا] (٧)؟.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: من.
(٥) في أ: و.
(٦) في أ: بالحفر.
(٧) سقط من أ.
[ ٩ / ٣٢١ ]
فمن رأى أنهُ يملك باطنها، قال: الاعتبار بسابقة [الإحياء ومن رأى أنه لا يملك باطنها قال: الاعتبار بسابقة] (١) الحفر.
فإن جهل الإحياء، ولم يعلم مَنْ سبق منهما، فهل تُردم على المحُدث بئرها أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها تُردم عليه، وهو نصُّ قول ابن القاسم في "المُدونّة".
والثاني: أنها لا تُردم عليه، إنْ كان به ضرورة حافزة إلى ذلك، ولم يجد عنهُ مندُوحة.
وإن أضرّ بجاره؛ لأنه يُضرُّ به؛ مَنَعَهُ كما أضرّ بجاره، حفرُهُ فهو أولى أن يمنع جاره أن يضرَّ به، في منعه له من الحفر في حقه؛ لأنه مالهُ، وهو قول أشهب وروايتهُ عن مالك.
وأمَّا [ما أحدثه] (٢) في عرصته ممَّا يضرُّ بجاره من بناء حمام أو فُرن للحديد، أو تسبيك الذهب، والفضة [وكير لعمل الحديد] (٣) أو رحىً تضر بالجيران، فلهم منعُهُ، وهو [قول] (٤) "مالك" في آخر "كتاب القسمة" من "المُدونة"، واستخفّ اتخاذ التنور.
واختلف المتأخرون في الضرر المعتبر في نصبِ الأَرحية، هل الضرر اللاحق [بالجيران] (٥) من دورانها وجعجعتها؟ وبه أفتى بعض المتأخرين، واستدل بقولهِ في "الكتاب": "فما أضرّ بجارهِ أو الضرر اللاحق بالجار
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: آخر قول.
(٥) سقط من أ.
[ ٩ / ٣٢٢ ]
من زلزلتها واضطرابها"، وهو أسعد بظاهر الكتاب، واحتجّ قائله بقول مالك في الحدّاد: أنه لا يُمنع من عملِ ضرب الحديد في دارهِ، وإن أضرّ ذلك بجاره في مسامعهِ ورأسهِ.
وأمّا ما فَتَحَ عليه من الأبواب، والكوات يُشرف منها على جارِه، فإنهُ يُمنع مما فيه ضرر، وقضى عمر - ﵁ -: أن يُوضع وراءَ الكُوات سرير، ويُوقف عليه رجل، فإنْ نظر إلى ما في دار جارهِ، مُنع منهُ، وما كان من ذلك لا يضرُ به لم يُمنع.
ومعنى ذلك: أن يكون السريرُ عليه الفُرُش، فإن نظر الواقفُ عليه إلى وجه مَنْ هو في دار جاره، سُدَّ ذلك عَليه، وإلا فلا:
فإن حُكِمَ عليه: بسدّ تلك الكوّة، فطلب أن يسدّها من خلف بابها مما يوالي داخل داره، فقال "سحنون" في كتاب ابنه: "ليس ذلك لهُ، وليُقلع، ويسدُّ ذلك كلَّهُ، وترك الباب يُوجب له حيازه بعد اليوم يشهدون لهُ أنَّهُم يعرفون هذا الباب، منذ سنين كثيرة، فيصيرُ حيازة، ولابد أن يقلع.
وأمّا ما رفع من البناء، فمَنَعَ جارهُ من الشمس، وَمَهَبِّ الريح، هل يُمنع من ذلك أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يُمنع من ذلك، ولا حُجَّة [له] (١) في [كونه] (٢) يُظلِمْ عليه دارَهُ، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وبه قال أشهب، وابن نافع، وظاهرُ قولهم أنه لا فرق بين أن تكون له منفعةٌ أم لا.
والثاني: أنهُ يُمنع من ذلك إنْ لم يكن فيه منفعة؛ لأن على الجارِ فيه
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
[ ٩ / ٣٢٣ ]
مَضرَّة، وهو قول ابن كنانة، والدليل على قوله قولهُ ﵇: "لا ضرر ولا ضرار" (١) ومعنى قوله: "لا ضرر"، وهو ما لَكَ فيه منفعةٌ [و] (٢) على غيرِك فيه مَضرَّة، فأنت المقدّم عليه، ومعنى قوله: "ولا ضرار" هو ما ليس لك فيه منفعة، وعلى جارك فيه مضرّة، فهو المقدّم عليك، وهذا قولُ بعض [شيوخ] (٣) الحديث.
فرع
قال مطرف وابن الماجشون في رجلٍ يكون له أرض لاصقة بأندر رجل، فأراد أن يبني فيها بناء، وذلك يقطع الريح [عن] (٤) الأندر، ويبطلُ نفعهُ، فقال: "لا يُمنع من ذلك؛ لأن [الأندر] (٥) نفعُهُ ينصرف إلى غير ذلك، ولو مَنعَت صاحب الأرض من هذا كُنت مُضرًا به"، وروى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في "العُتبية": أنه يُمنع مما يضرُّ بجاره في قطع مرافق الأندر، الذي قد تقادم نفع صاحبهِ.
فإنْ أراد [أن يحدث] (٦) أندرًا قُرب دار رجلٍ أو قُرب جنانه أو مبقلتهِ، فإنهُ يُمنع من ذلك لِمَا يُدخل على رب الدار والجنان، لوقوع التبن عليهم في ذلك كمنْ أحدث فُرْنًا أو حمامًا، وهو قول مُطرف، وابن الماجشون في كتاب "ابن حبيب"، وبه قال سحنون.
ولو أن أندر الرجل في جوار أندر الآخر، ويجمع زرعهُ ويُخزِّنهُ فيه،
_________________
(١) تقدم.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: شراح.
(٤) في أ: على.
(٥) في أ: الإنذار.
(٦) سقط من أ.
[ ٩ / ٣٢٤ ]
فاشتكى جارهُ أن [. .] (١) تمنعُهُ "الريح" (٢)، وطلب أن يُزيلها". قال سحنون: "ليس لهُ ذلك".
وأمّا الدبّاغ: يُؤذي جيرانَهُ بريح دِباغهِ ونتنهِ، فإنه يُمنع كالفُرن والحمام.
وأمّا الغسّال والضرّاب: يُؤذي جارَهُ، وَقْع ضربهما فلا يُمنعان كالحداد [حولك] (٣)، وهو قول مطرف، وابن الماجشون في "الواضحة".
ومن له قطعة من أرض [في] (٤) فحصَ، فأراد أنْ يبنى في عرصته، وقال الذي حولهُ: لا تبنى فيها، فإنك تضرُّ بزرعنا.
قال ابن كنانة في "المجموعة": "لا يُمنع أن يبني ما شاء إذا كان له مخرج إلى الطريقِ في أرضهِ".
وقال عبد الملك بن الماجشون، ومطرف فيمن باع دَارَهُ، وقد أحدث عليه جارُهُ فيها كُوة أو مجرى ماءٍ أو غير ذلك من وجوهِ الضرر الذي كان لهُ في القيام، فلم يقُم عليه حتى باعها، فليس للمشتري أن يقومَ في ذلك، ولو كان البائع قد قام في ذلك وخاصم، ولم يتم له الحكم حتى باعها، فلِلمُشتري أنْ يحلّ محلّهُ، ويقومُ مقامهُ، وبه قال "أصبغ".
قال سحنون فيمن بني مسجدًا على سطح حَوانيتِ، وجعلَ له سطحُهُ، فكُل مَنْ صار في السطح، يرى ما في دار رجلٍ إلى جانبه، فقام
_________________
(١) كلمة بالأصل لم أتبينها.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من ب.
(٤) سقط من أ.
[ ٩ / ٣٢٥ ]
عليه بذلك، فقال: يُجبر باني المسجد [على أن يستر] (١) على سقف المسجد، وتُمنع الناسُ من الصلاة في المسجد حتى يسدُّ هذا على جارهِ.
وقال أيضًا: فيمن له دار عن يمين الطريق، ودارٌ عن يسارِها مُتقابلين، فأرادَ أن يبني على جداري داره سطحًا يتخذ عليه غُرفة، أو مجلسًا: أنَّ [له] (٢) ذلك، ولا يُمنع من هذا أحد.
قال: وإنّما يمنعُ مَن يُضيِّف السكّة، فأمّا ما لا ضرر فيه على السكَّة، ولا على أحد مِن الناس، فلا يُمنع. تم الكتاب، والحمد لله [وصلى الله على محمَّد وآله وصحبه وسلم تسليمًا] (٣).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) زيادة من ب.
[ ٩ / ٣٢٦ ]
كتاب الحبس
[ ٩ / ٣٢٧ ]