تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها ست مسائل:
المسألة الأولى في حكم كراء المعين والمضمون
اعلم أن الكراء على وجهين: مضمون ومعين.
فالمضمون: أن يقول أكرني دابة، أو راحلة، وسواء كان ذلك ببيان، أو بغير بيان، فإن الكراء جائز بشرط تعجيل أحد الطرفين؛ إما الأجرة، وإما الاستيفاء خيفة الدَّين بالدَّين متى لم يحصل أحد الطرفين كالسلم الثابت في الذمة، إلا أن مالكًا قد سامح في الحج إذا وقع في الكراء قبل إبانة أن يتأخر الشروع إلى وقت الأرش، وإن لم يقبض المكرى جميع الكراء، ولكن يقدم له المكتري جميع الأجرة دينارًا أو دينارين؛ لأن الأكرياء قد قطعوا أموال الناس.
ولم يختلف قوله في الحج، وإنما اختلف في غير الحج؛ فقال مرة: لا يجوز أن يتأخر شيء من الأجرة، وهو التباس كالسلم، وجوزه تارة كالحج للضرورة العامة لأبناء الدنيا الكافة العامة الورى.
ولا ينفسخ الكراء بموت الدابة في المضمون، إلا أن المكري إذا قدم الدابة للمكتري يركبها، فليس له أن يزيلها من تحته إلا برضاه.
وإن فلس المكري: كان المكتري أحق بها من الغرماء إلى منتهى غايته إلا كان قبضها.
فإن كان ببدل لدواب من تحته، فهو أحق بما كان تحته يوم التفليس.
وإن كان قد نزل عنها، وأخرجت إلى الرعي: فليس ذلك بمانع من
[ ٧ / ٣٥٩ ]
أن يكون أحق به من الغرماء، وهو قول ابن القاسم في "العتبية" وغيرها، على ما سنوردها بيانًا فيما يلي في أثناء هذا الكتاب إن شاء الله.
فإن فلس المكري قبل أن يقبض المكتري الدابة كان أسوة الغرماء.
وأما المعين فإن شرع في الاستيفاء، فهل يجوز نقد الكراء أم لا؟
فإن تأخر الشروع إلى أجل قريب جاز، وإن نقد على خلاف في حد القرب؛ لأن مالكًا يرى العشرة الأيام في حيز القليل وأباه ابن القاسم.
وأما إلى أبعد من ذلك: فلا يجوز النقد فيه بوجه؛ لأن النقد مع الفوات سلفًا، ومع الحياة بيعًا.
واختلف في العقد العري عن النقد على قولين منصوصين في المذهب:
أحدهما: الجواز، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: المنع، وهو قول الغير، ووجهه: أنه لا فائدة في العقد إذا تراخى عنه المقصود الذي هو الشروع في الاستيفاء، إلا محض التخيير قياسًا على البيع.
ووجه القول بالجواز: أن اليسير معفو عنه في العقود، وتقدم العقد لا يمنع منه مخافة فوات المقصود، وإنما يقدح ذلك في النقد.
والفرق بين الكراء، والشراء من وجهين:
أحدهما: أن النافع المعقود عليها في الكراء غير متعينة، والأعيان المعقود عليها في الشراء متعينة.
ولعدم التعيين في إباحة التأخير في المبيع، ولوجود التعيين تأثير، ومنع التأخير في الشرع، والصافي ينافي المقتضى والوصفين، فمقتضى مطلق إطلاق العقد في الشراء تخير العوض؛ فتأخيره يؤثر في مقتضاه، وفي الكراء تأخير العوض، فتأخيره لا يتأثر به المقتضي، فتنافى المقتضي
[ ٧ / ٣٦٠ ]
والوصفين، اختلف جواز الصورتين.
وأما فسخ الإجارة بفوات المعين فعلى ضربين: عين مستأجر عليها، وعين مستأجر لها.
فأما العين المستأجر عليها: فإن الإجارة تنفسخ بفواتها، إجماعًا من أهل المذهب من غير خلاف -أعلمه في هذا الوقت- كالدابة المعينة، والراعي، والطير، وسائر الأعيان المعقود عليها.
ووجه هذا: أن العقد إنما ارتبط بعين مقصود تأثر بفواته؛ إذ الخلف لا يكاد يوازي التالف؛ وعليه يجوز الخلف إذا تراضيا، ويكون ذلك كراء مبتدأ.
فإن نقده: فلا يخلو موت الدابة من أن يكون في مستعتب أو في مسبعة.
فإن كان في مسبعة ومضيعة: فإن ذلك جائز للضرورة، وقال ابن حبيب: جائز للضرورة، وقال ابن حبيب: كما يجوز للمضطر أكل الميتة.
فإن كان في مستعتب، فهل يجوز ذلك أم لا؟ على قولين قائمين من "الكتاب":
أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو قول ابن القاسم؛ لأن ذلك فسخ دين في دين.
والثاني: أن ذلك جائز، وهو قول أشهب؛ لأنه إنما تحول إلى الانتفاع بشيء معين، فجعل قبضه إياه لاستيفاء المنافع منه قبضًا بجميع المنافع.
وأما المعين المستأجر لها إذا كان معينًا، هل تنفسخ الإجارة بتلفه أم لا؟ على أربعة أقوال:
[ ٧ / ٣٦١ ]
أحدها: أن الإجارة لا تنتقض؛ لأن تعيين المعين المستأجر على حملها إنما هو صفة لما يحمل، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" و"العتبية"، وبه قال ابن المواز، وهو مشهور المذهب.
والثاني: [أن] (١) الإجارة تنتقض بتلفه، وهو قول أصبغ، وروايته عن ابن القاسم، ويكون له من كرائه ما سار من الطريق.
والثالث: التفصيل بين أن يكون تلفه من قبل ما عليه استحمل، أو من أمر سماوي.
فإن كان تلفه من قبل ما عليه استحمل: انفسخ الكراء فيما بقى، وكان له من كرائه بقدر ما مضى من الطريق.
وإن كان تلفه بأمر سماوي: أتاه المكتري، ولم ينتقض الكراء بينهما، وهو قول مالك في "العتبية".
والرابع: أنه إن كان تلفه من قبل ما عليه استحمل: انفسخ الكراء، ولم يكن فيما مضى كراء.
وإن كان تلفه بأمر سماوي: أتاه المكترى بمثله، ولم ينفسخ الكراء، وهو مذهب ابن القاسم في "المدونة" وروايته عن مالك.
وسبب الخلاف: اختلافهم في تعيين الحمل المستأجر على حملها، هل يتعين بالتعيين، أو تعيينه يعد كالصفة؟ وهو اختيار القاضي أبي محمَّد عبد الوهاب، والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٧ / ٣٦٢ ]
المسألة الثانية في التعدي في الكراء
ولا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يتعدى بالزيادة على الزمان.
والثاني: أن يتعدى بالزيادة على المكان.
والثالث: أن يتعدى بالزيادة على الحملان قدرًا، أو ضررًا.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا تعدى بالزيادة على الزمان؛ مثل أن يكتري دابة شهرًا، ثم حبسها بعد انقضاء الشهر: فلا يخلو صاحبها من أن يكون حاضرًا معه، أو غائبًا عنه.
فإن كان حاضرًا معه: فلا ضمان على المكتري المتعدي -سلمت أو هلكت، زادت أو نقصت، حبسها بعد المدة يسيرًا أو كثيرًا- وإنما عليه الكراء خاصة.
والعلة الموجبة لإسقاط الضمان عنه حضور صاحبها معه؛ فكأن تركه إياها في يد المكتري مع القدرة على أخذها رضًا بأمانته.
فإن كان عنه غائبًا ونائيًا غير ثاوٍ: فلا يخلو من أن يحبسها بعد مدة الكراء يسيرًا، أو كثيرًا.
فإن كان يسيرًا؛ كاليوم ونحوه، والدابة قائمة لم تتغير تغيرًا يوجب الضمان: لم يضمنه المكتري، وإنما يضمن الكراء مع النقصان إذا كان يسيرًا.
فإن فاتت فواتًا حسيًا أو معنويًا: فصاحبها مخير بين التضمين، أو
[ ٧ / ٣٦٣ ]
أخذ كراء المدة التي حبسها فيها مع الكراء الأول.
فإن حبسها عن زمن الكراء مدة كثيرة مما تتغير فيها الدابة كالشهر، أو مدة لا تتغير فيه: فالمكري بالخيار بين أن يضمن، أو يأخذ الكراء.
فإن اختار أخذ القيمة: فقيمتها يوم التعدي.
فإن اختار الكراء: فقد اختلف فيه في "الكتاب" على قولين:
أحدهما: أنه له كراءها عليها معطلة، وهو قول ابن القاسم، وكيفية معرفته أن يقال: ما كراءها معطلة شهرًا، محبوسة عن منافع ربها، فما قيل في ذلك حكم له به، وقيل غير هذا، وهو أصح.
والقول الثاني: التفصيل بين أن يكون رب الدابة ثاويًا معه، أو نائيًا عنه.
فإن ثوى معه: فله بحساب الكراء الأول، فإن نأى عنه: فله الأكثر من المسمى، أو كراء المثل، وهو قول غيره في "الكتاب".
والجواب عن الوجه الثاني: وهو التعدي بالزيادة على المكان؛ مثل أن يكتريها إلى مسافة معلومة فزاد عليها، ولا تخلو تلك الزيادة أن تكون مما يعطب في مثله أم لا.
فإن كان مما لا يعطب في مثله؛ كزيادة الميل ونحوه، فسلمت: فليس لربها إلا الكراء.
فإن عطبت: فلا يخلو من أن تعطب في مسافة التعدي، أو بعد أن رجعت إلى مسافة الإذن.
فإن عطبت في مسافة التعدي، هل يضمن أم لا؟
قولان قائمان من "المدونة":
[ ٧ / ٣٦٤ ]
أحدهما: وجوب الضمان عليه، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الرواحل والدواب".
والثاني: أنه لا ضمان عليه، وهو قول ابن القاسم، وابن وهب في "كتاب الجعل والإجارة" في مسألة استخدام العبد واليتيم.
فإن عطبت بعد أن رجعت إلى المسافة المأذون فيها، فهل يضمن أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: وجوب الضمان عليه، وهو ظاهر قوله في "كتاب الرواحل والدواب"؛ حيث قال: إذا زاد على المسافة فعطبت: ضمن، فظاهره ألَّا فرق بين أن تعطب في مسافة التعدي، أو بعد أن رجع بها إلى المسافة المأذون فيها، وهو قوله في "كتاب العارية" أيضًا، ورواه ابن القاسم عن مالك أيضًا.
والثاني: أنه لا ضمان عليه، وإنما عليه كراء الزيادة مع كراء الأول، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب الرواحل والدواب" أيضًا؛ حيث قال: ولو ردها بعد زيادة ميل أو أميال، أو بعد أن حبسها اليوم ونحوه: لم يضمن إلا الكراء -يريد: وإن هلكت.
ويحتمل أن يريد بذلك ردها إلى المسافة المأذون فيها.
والتأويل ظاهر -لقوله: أو بعد أن حبسها اليوم ونحوه، إلا أنه يستقرأ من "كتاب العارية" ما هو أظهر من هذا: إذا زاد على الحمولة ما لا يعطب في مثله فالمكري بالخيار بين أن يضمنه قيمته يوم التعدي، أو يأخذ كراء الزيادة.
وله في الوجهين كراء الأول -سلمت أو هلكت.
[ ٧ / ٣٦٥ ]
والجواب عن الوجه الثالث: وهو الزيادة على الحملان قدرًا أو ضررًا؛ مثل أن يكري لحملان الأردب، فحمل أكثر منه، أو أكثر الحمل المتاع، فحمل عليها وزنه حديدًا أو رصاصًا، أو ما ضرره أكثر من ضرر ما أكراها له، فإن كانت تلك الزيادة يسيرة لا تعطب في مثلها، أو يكون ما بين الضررين تفاوت يسير مما الأغلب من الجميع السلامة، فسلمت الدابة: فلا ضمان عليه، قولًا واحدًا في المذهب، وله كراء تلك الزيادة؛ يقال: كم يكرى لهذه الزيادة على مثل هذه الدابة المثقلة، فما قيل فيه، فله أخذه.
فإن عطبت من ذلك، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا ضمان عليه، وهو نص "المدونة"، وهو المشهور في النقل.
والثاني: وجوب الضمان عليه، وهو مذهب سحنون في غير "المدونة" وهذا القول قائم من "المدونة" من مسألة الزيادة على مسافات ما لا يعطب في مثله، فعطبت الدابة؛ إذ لا فرق بين السؤالين إلا شيئًا ذكره بعض المتأخرين أضربتُ عن ذكره لضعفه.
فإن كانت تلك الزيادة مما يعطب في مثلها:
فللمكري أن يضمنه -سلمت أو هلكت- إلا في زيادة الحاج إذا زاد زيادة معروفة غير خارجة عن المألوف، فإنها تشد عن هذا التحصيل.
ويلتحق بهذا التقسيم وجه آخر؛ وهو أن يكتري إلى مسافة، فصرفها إلى مثلها في السهولة والوعورة، والخصب والجدب، أو يكتريها لركوبه، فركب عليها من يساويه في الثقل والخفة والسوق والأمانة: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب بعد الوقوع أنه لا يضمن.
[ ٧ / ٣٦٦ ]
وهل يجوز ذلك للمكتري ابتداءً؟
فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: الجواز جملة بلا تفصيل، وهو قوله في "الكتاب"؛ حيث قال: وأكثر قول مالك أن ذلك في الحياة.
والثاني: المنع جملة، وهو قول الغير في صرفها إلى مسافة أخرى، وقال: لأن ذلك فسخ دين في دين، والمسافة والراكب سواء.
والثالث: التفصيل بين الإذن، وعدمه؛ فإن أذن له في ذلك رب الدابة: جاز، وإلا لم يجز، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب" في المسافة أيضًا.
والرابع: التفصيل بين الراكب والمسافة؛ فيجوز في الراكب، ولا يجوز في المسافة، وإن أذن له رب الدابة.
وسبب الخلاف: اختلافهم في محل الاستيفاء، هل يتعين بالتعيين، أو لا يتعين؛ فعلى القول بأنه يتعين بالتعيين: فلا يجوز؛ لأن الأعيان تتعلق بها الأغراض بخصائص صفاتها، وقد يختار المكري مسافة على مسافة أخرى لغرض له، وإن اتفقت المسافتان في الغاية والوعورة والسهولة والجدوبة والخصوبة.
ويختار الشخص على شخص، وإن اتفقا في جميع الصفات لغرض ما.
وعلى القول بأنه لا يتعين فيجوز، إذ لا علة تبقى، وما عداها من الأقوال فإنها جارية على الاستحسان، والحمد لله وحده.
[ ٧ / ٣٦٧ ]
المسألة الثالثة في اختلاف المتكاريين
وهذه المسألة مشهورة في الطُّبُولِيَّات، معدودة من جملة المشكلات، وقد تعرض لشرحها أكثر الأشياخ، وأطنبوا في شرحها بالبيان والإيضاح، غير أن كلامهم على الجمليات، ولم يتعرضوا للجزئيات، ومن حق الفروعي الدرب بالمذهب والتشوف إلى الحقائق، والوقوف عليها، والتصدي لجزئيات دقائق الفقه.
ونحن الآن نلخص هذه المسألة تلخيصًا لم نسبق إليه، ونحصل الإشكال الواقع في الكتاب، وما احتوت عليه بواطن الأبواب، فنقول -وبالله التوفيق:
لا يخلو اختلافهما من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يختلفا في الكراء.
والثاني: أن يختلفا في نوعه وجنسه.
والثالث: أن يختلفا في عدده وصفته.
فإن اختلفا في نوعه وجنسه؛ مثل أن يقول أحدهما: وقع الكراء بدنانير، وقال الآخر: بدراهم، أو قال أحدهما: بطعام، وقال الآخر: بل بدنانير: فالحكم في هذا الوجه التحالف والتفاسخ من غير اعتبار بالأشباه، باتفاق المذهب قبل الركوب وبعد الركوب، ويكون له فيما ركب كراء المثل.
فإن اختلفا في عدده وصفته؛ مثل أن يقول أحدهما: وقع الكراء بعشرة، وقال الآخر: بل بخمسة، أو يدعي أحدهما أن الكراء بدنانير
[ ٧ / ٣٦٨ ]
هاشمية، والآخر يقول: بدنانير عتق: فلا يخلو من أن يختلفا قبل الركوب، أو بعد الركوب يكون عليه الرجوع ضرر.
فإن كان قبل الركوب، أو بعد ركوب يسير لا ضرر عليه في الرجوع: فقد اختلف فيه المذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: التحالف والتفاسخ من غير اعتبار بالأشباه، وهو نص "المدونة".
والثاني: مراعاة الشبه فيه؛ فيقبل قول من ادعى منهما، وهو ظاهر قوله في "كتاب السلم الثاني" من "المدونة" حيث قال: القول قول مدعي الحال منهما.
وعلى القول بأن الأشباه لا تراعى، فهل يعتبر النقد فيقبل قول من أجازه وجوزه؟
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة من "كتاب الرواحل والدواب"، و"كتاب تضمين الصناع".
أحدهما: أنه لا يعتبر النقد، ولابد من التحالف والتفاسخ مع وجوده، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه يعتبر، وأن القول قول المكري إذا انتقد، وهو قول غيره.
فإن اختلفا بعد ركوبه يكون عليه في الرجوع ضرر: فالقول قول المكتري إن أشبه ما قال -نقد أم لا- لأنه قد فوت بعض المنافع بالتمكين، على القول بأن فوات البعض كفوات الكل.
فإن لم يأت بما يشبه: فالقول قول المكري مع الشبه.
فإن ادعياه: فالقول قول المكتري.
فإن اختلفا: فلا يخلو موضع الاختلاف من أن يكتري: فالتحالف
[ ٧ / ٣٦٩ ]
والتفاسخ بينهما في الحال، ومن نكل منهما: قُبل عليه قول الحالف.
وإن نكلا جميعًا هل يكون النكول كالتحالف أم لا؟
على قولين؛ وقد قدمناهما في "كتاب السلم الثاني".
فإن كان في مسبعة ومضيعة، هل يقع التحالف بينهما في الحال، أو يكون له في المستوفي كراء المثل، أو لابد أن يبلغه رأس كراء المسافة، أو يجد مستغنيًا دونه؟
قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنه لابد من التحالف والتفاسخ في الحال دون امتداد، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الرواحل والدواب".
والثاني: أنه لابد من المد إلى رأس المسافة، أو يجد محطًا دونه، وهو ظاهر قول الغير في "كتاب كراء الأرض" من "المدونة" في باب الدعوى في الكراء، ويكون له في الجميع كراء المثل.
ولا فرق عند ابن القاسم بين المعين والمضمون وغيره في المدونة فرق بين الراحلة المعينة والمضمونة.
وقد اختلف المتأخرون في تأويل قوله؛ فمنهم من حمل قول الغير على مسألة التفليس؛ لوقوع كلامه عقيب التفليس، فيكون المكتري أولى بالمعين من الغرماء، وهو في المضمون أسوة، وهو ظاهر كلام حمديس، وعليه تأوله القاضي ابن سهل الأندلسي من شيوخ المذهب، وهو قول ابن المواز.
ومنهم من تأوله على مسألة المسافة -وهو الأصح- بيد أنهم اختلفوا في هذا الوجه من التأويل أيضًا في ماذا يقع التحالف على قولين:
أحدهما: أن التحالف والتفاسخ في بقية المسافة في الراحلة كالدور؛ لأن الدور محل الاتفاق؛ إذ لا ضرر عليها في الفسخ، بخلاف الراحلة
[ ٧ / ٣٧٠ ]
المضمونة، فإنها في الذمة، وهو تأويل ابن أبي زمنين على "المدونة".
والثاني: أن التفاسخ بعد التحالف في المضمون دون المعين؛ لأن المضمون في الذمة غير مقبوض، والتحالف يكون فيما لم يقبض، وأما المعين فيبلغه إلى رأس المسافة.
والجواب عن السؤال الثاني: إذا اختلفا في المسافة؛ مثل أن يقول المكري إلى برقة بمائة، ويقول المكتري: إلى أفريقية بمائة.
فلا يخلو من أن يكون قبل الركوب، أو بعد الركوب الكثير.
فإن كان قبل الركوب، أو بعد الركوب اليسير: فالكلام فيه كالكلام في فصل اختلافهما في مقدار الكراء صرفيًا، وقد بيناه.
وإن كان بعد الركوب الكثير، وقد بلغا الغاية أم لا.
فلا يخلو من أن يكون قبل النقد أو بعده.
فإن كان قبل النقد، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يتفقا في الشبه، أو ينفرد به المكتري.
والثاني: أن يتفقا على مخالفة الشبه.
والثالث: أن ينفرد به المكتري دون المكترى.
فإن اتفقا على مصادقة الشبه، وانفرد به المكتري.
فإنهما يتحالفان، ويفسخ الكراء بينهما في الغاية المختلف فيها، ويقبل فيها قول المكري أنه لم يناوله العقد، من غير اكتراث بالأشباه، ويقبض الكراء على المسافتين، فما ناب المسافة المتفق عليها كان للمكري، ويستوفي المكتري بقيمتها قبل التناهي إلى نهايتها.
وما ناب المسافة المختلف فيها يسقط عن المكتري بفسخ الكراء فيها.
[ ٧ / ٣٧١ ]
ومن نكل منهما كان القول قول الحالف؛ لأن النكول كالإقرار على مشهور المذهب.
وإن اتفقا على مخالفة الشبه: فالتحالف والتفاسخ في المسافتين جميعًا باتفاق المذهب، ويكون له في المستوفي كراء المثل إن بلغ الغاية المتفق عليها.
فإن اختلفا قبل بلوغها: فإنه يتخرج على التفصيل الذي قدمناه إذا كانت في متعتب أو في مسبعة، فلا معنى لإعادته مرة أخرى.
والناكل منهما كالمقر كما تقدم، والحالف مصدق لنكول صاحبه، وإن أخطأ الشبه.
فإن انفرد المكري بالشبه دون المكتري: فالقول قوله مع يمينه، فإن نكل: كان القول قول المكتري، ويركب إلى حيث ادعى، وإن أخطأ الشبه؛ لأن المكري قد مكنه بنكوله.
فإن كان اختلافهما بعد النقد: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يتفقا في الشبه، أو يتفرد به المكري.
والثاني: أن يتفقا على خطأ الشبه.
والثالث: أن يتفرد به المكتري.
فإن اتفقا في الشبه، أو تفرد به المكري: كان القول قول المكتري مع يمينه، ويكون له جميع ما انتقد إلى الغاية المتفق عليها، فإن نكل: حلف المكتري وركب إلى الغاية التي ادعاها بما نقد.
فإن اتفقا على عدم الشبه: فإنهما يتحالفان ويتفاسخان في المسافة المختلف فيها [وللمكتري] (١) المسافة المتفق عليها بكراء المثل إن استوفاها،
_________________
(١) في أ: وللمكري.
[ ٧ / ٣٧٢ ]
وله الركوب إلى غايتها: إن اختلفا قبل بلوغها على التفصيل الذي قدمناه، وكراء المثل في ذلك بالغ ما بلغ، كان أكثر مما انتقد أو أقل -ومن له الدرك على صاحبه فليرجع عليه به.
فإن انفرد المكتري بالشبه: فإنهما يتحالفان ويقبض الكراء المنقود على المسافتين؛ فما ناب المسافة المتفق عليها كان للمكري، وما ناب المختلف فيها سقط عن المكتري.
والجواب عن الوجه الثالث: وهو اختلافهما في الأمرين؛ المسافة والكراء؛ مثل أن يقول المكري: اكتريت منك إلى المدينة بمائتين، ويقول المكتري: إلى مكة بمائة:
فالتحالف والتفاسخ في المسافة المختلف فيها من غير اعتبار بالنقد، ولا بالشبه؛ لأن المكري مدعى عليه بيع ما لم يقر ببيعه، كاختلافهما في مبتدأ الأمر قبل الركوب، سواء إذا نكل المكري عن اليمين: كان القول قول المكتري من غير اعتبار بالنقد، ولا بالقيمة؛ لأن المكري قد مكنه بنكوله.
وأما المسافة المتفق عليها: فلا يخلو الأمر فيها من أن يكون ذلك قبل الركوب، أو بعد الركوب.
فإن كان ذلك قبل الركوب: فالتحالف والتفاسخ اتفاقًا من غير مراعاة الشبه، ولا النقد.
فإن كان بعد الركوب الكثير، وقد بلغ الغاية المتفق عليها أم لا: فلا يخلو من أن يكون قبل النقد أو بعد النقد.
فإن كان قبل النقد، فإن اتفقا في الشبه، وانفرد به المكتري: فالقول قوله مع يمينه، ويقبض ما أقرَّ به من الكراء على المسافتين؛ فما ناب مسافة المدينة كان للمكري، وما ناب مسافة مكة سقط عن المكتري، ويكون له
[ ٧ / ٣٧٣ ]
الركوب إلى المدينة إن اختلفا قبل بلوغها.
فإن اتفقا في عدم الشبه: فإنهما يتحالفان، ويكون للمكري كراء المثل في المسافة المتفق عليها بالغ ما بلغ، فمن نكل منهما: قبل عليه قول صاحبه مع يمينه، كما سبق.
فإن انفرد المكري بالشبه دون المكتري: كان القول قوله مع يمينه، ويكون له جميع ما ادعاه.
فإن كان اختلافهما بعد النقد: فإن اتفقا في الشبه، أو انفرد به المكري: كان القول قوله فيما انتقد مع يمينه -كان ما انتقد كل الذي ادعى أو بعضه- ويحلف له المكتري فيما لم ينقده.
فإن اتفقا على عدم الشبه: فالتحالف والتفاسخ، ويكون المكري في المسافة المتفق عليها كراء المثل.
فإن انفرد المكتري بالشبه: فالقول قوله مع يمينه، وتقبض المائة على المسافتين؛ فما ناب المسافة المتفق عليها: كان المكري، وما ناب المسافة المختلف فيها: رده المكري على المكتري.
فإن نكل عن اليمين: كان القول قول المكري، ويأخذ ما ادعى؛ لأن المكتري مكنه بنكوله، والحمد لله حده.
[ ٧ / ٣٧٤ ]
المسألة الرابعة في الحمل التالف قبل بلوغ الغاية
ولا يخلو تلفه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون بسبب حامله.
والثاني: أن يكون بسبب سماوي.
والثالث: أن يجهل السبب.
فأما الوجه الأول: فلا يخلو من أن يكون ذلك على معنى الغلبة والاضطرار؛ كالعثار غير المعتاد، وانقطاع الحبال المشدود بها المتاع، ولم يفر منها، وانفلات الدابة والسفينة بما عليها حتى تكسر أو تبدد، هل الكراء بينهما قائم، أو يفسخ؟ قولان:
أحدهما: أن الكراء يفسخ بينهما، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب"، ولا فرق عنده بين السفينة والدابة والحامل على رقبته.
والثاني: أن الكراء قائم بينهما، وهو قول الغير في "الكتاب" فيما عدا السفينة.
وسبب الخلاف: اختلافهم في العمل المستأجر على حمله، هل يتعين أو لا يتعين؛ فمن قال يتعين: قال بفسخ الكراء، ومن رأى أنه لا يتعين قال: الكراء بينهما قائم، ويكلف المكتري الإتيان بمثل الحمل الأول يحمل إلى الغاية التي وقع الكراء إليها.
وعلى القول بأن الإجارة تنفسخ، هل للمكري من الكراء بحساب المستوفي من المسافة أم لا؟
[ ٧ / ٣٧٥ ]
على قولين منصوصين في "الكتاب":
أحدهما: أنه لا شيء له، ولا عليه جملة، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أن له حساب المستوفي في السفينة دون غيرها، وهو قول ابن نافع في "الكتاب".
وسبب الخلاف: اختلافهم في ذلك، هل ذلك إجارة، أو جعالة؛ فمن رأى أن طريقه طريق الجعالة قال: لأنه ولاه عليه ولا يطلب، ولا يطالب بدليل العرف؛ لأن الناس على البلاغ يدخلوا في مثل ذلك، والمتعارف كالمتشارط لا جرم علق الاستحقاق بالفراغ به الذي هو تمام النفع، إلا أن يشترط التوزيع فيحكم به؛ لأن ذلك من خاصية الإجارة.
ومن رأى أنها من طريق الإجارة قال: يوزعها على المسافة؛ لأنه على الإجارة عقد فنحا نحوه، على ما قدرنا في ملاحظة الفرق من حيث اللفظ في "كتاب الجعل والإجارة" قال: فإنه يكون له بحساب ما مضى من المسافة.
فإن كان ذلك على معنى الترفه والاختيار؛ كالحمل على الدابة المتمرنة على الكبو والعثور، أو الشد على الحبال المتمزقة هما للعدول، فهناك يفترق العروض من الطعام في الكراء، ويتفقان في الضمان؛ ففي العروض يكون له كراء المستوفي من المسافة ويضمنها، وينفسخ ما بينهما أيضًا.
واختلف في وقت الضمان على قولين منصوصين في المدونة:
أحدهما: أنه ضامن في موضع التلف، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه ضامن من وقت التعدي إن أراد المكتري، وهو قول غيره
[ ٧ / ٣٧٦ ]
في "الكتاب".
ووجه قول ابن القاسم: أن المكري لم يتحقق تعديه إلا وقت التلف لجواز السلامة، وإنما يتحقق وصفه بالتعدي؛ لأن وقع الأمر المحذور، ويوجب ضمانه حينئذ لا قبله.
ووجه قول غيره: أن الكري غار، ووبال الغرور على الغار؛ لأن المعرض كالمصرح في بعض المحال، وهذا الغار قد عرضه للتلف حين حمله على النعت المذكور، فصار كالتلف حينئذ، وإن شاء ضمنه وقت التلف لكمال العدوان ساعتئذ قطعًا؛ لأنه من يوم العقد والرفع صار متعديًا، والعداء مصطحب عليه إلى أن يتحقق التلف، فيكون مخيرًا عليه، بخلاف الغاصب؛ لأن ضمانه تفويت يد، وتفويت يد كتفويت عين؛ فلم يتخير في الغاصب لكمال العدوان بوضع اليد المبطلة بإزاء اليد المحقة.
وقد ذهب بعض المتأخرين إلى التعليق والتأليف بين قول ابن القاسم والغير؛ وهو أن قول ابن القاسم لم ينف التخيير الذي صار إليه الغير، وإنما قال قيمته في موضع التلف؛ لأنه ذكر في صدر المسألة أن قيمته بالعريش أضعاف قيمته بالفسطاط، والإنسان عادة وعرفًا يختار الأكثر، وعليه خرج جوابه.
وهذا تأويل ينتج منه تلفيق الأقوال.
ومسألة "الكتاب" صورها في الزيت والطعام إذا جهلت مكيلته ووزنه: فحكمه حكم العروض في القيمة، وأما الطعام: فإن الحمال يضمن مثله في البلد الذي اشترط الوصول، ويكون له جميع الكراء.
وإنما كان ذلك كذلك؛ لأنَّا لو لم نقل به لأدى ذلك إلى خرم أحد الأصلين من المتماثلين؛ إما ألا يضمن أصلًا ورأسًا مع تحقق العدوان،
[ ٧ / ٣٧٧ ]
وذلك ما لا سبيل إليه؛ لأنه إهدار في محل الإحرام والإكرام.
أو يضمن في موضع التلف، وذلك أيضًا إبطال لما أصلناه، وإهدام لما أسسناه من المصير إلى الفسخ مهما كان الفوات بسبب صدر من المكري الحامل؛ لأن مثل ماله مثل كعينه في نظر الشرع ومقتضى السمع، ولهذا لا يفوت في العقود المردودة، فكان الحكم بغرم المثل في موضع التلف داعية إلى الانعقاد في مظنة الانفساخ.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان التلف بسبب سماوي، أو بسرقة أو يغصب: فهذا لا ينفسخ الكراء بينهما، والكراء للجمال كاملًا، ويأتي المكتري بالحلف إن شاء؛ وإنما قلنا ذلك؛ لأن نفي الفسخ بتلف الحمل هو الأصل، كما أسلفناه، وإنما خرج عنه الفسخ بالإتلاف لما تقدم بيانه.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا جهل سبب التلف، فإنه يضمن الطعام في بلد الشرط، ويكون له جميع الكراء، وقد قدمنا ذلك.
وأما أصل الضمان، فقد تكلمنا عليه فيما مضى من "الكتاب"، ويصدق في العروض.
واختلف في الكراء هل ينفسخ بينهما أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا ينفسخ، وعليه أن يأتي بالخلف، وهو المشهور.
والثاني: أنه ينفسخ، وله كراء ما استوفى من المسافة؛ كالغار، وبه قال ابن حبيب، والحمد لله وحده.
[ ٧ / ٣٧٨ ]
المسألة الخامسة في هروب أحد المتكاريين
ولا يخلو الهارب من أن يكون مكريًا، أو مكتريًا.
فإن كان مكتريًا: فالكراء قائم بينهما، ويكري السلطان الإبل عليه، ويستوفي للجمال أجرته من ذلك كأن لم يقبضها، ويتبعه بالباقي إن كان هناك، قال في "الكتاب": فكذلك لو استأجره يحمل له متاعًا من عند وكيله في بلد من البلدان، ثم لم يصادف الجمال الوكيل.
فإن الإبل تكرى للمكتري بعد التلوم إن لم يجد الجمال الوكيل، أو وجده وقد تلف المتاع الذي عنده: فلا يخلو من أن يكون الكراء موجود، أو غير موجود.
فإن كان الكراء غير موجود في البلد الذي فيه الوكيل: فللجمال الرجوع دون أن يرفع أمره إلى السلطان، إلا أنه يلزمه أن يطلب وينشده في إنشاء الطريق، فإن وجده كان ذلك ما يجب للمكتري ورزقه، وإلا فلا شيء عليه، ويكون له جميع الكراء، ولا يكلف الرجوع ثانية.
فإن كان الكراء موجودًا: فلا يخلو من أن يرجع فارغًا، أو أكرى إبله.
فإن رجع فارغًا: فهل ينفسخ الكراء بينهما، أو يكلف الرجوع ثانية؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الكراء ينفسخ بينهما، ولا شيء للجمال، ولا عليه؛ لأن تكليف الرجوع عليه ضرب وظلم به.
وهذا القول مروي عن مالك، وهو ظاهر رواية ابن وهب عنه في
[ ٧ / ٣٧٩ ]
"الكتاب"؛ لأنه قال: إذا انصرف ولم يدخل على الإمام، ولم يكن والكراء موجود: فلا شيء له، ولم يقل: يكلف الرجوع ثانية.
والثاني: أن الكراء قائم بينهما، وأنه يكلف الرجوع ثانية؛ لأنه باع منافعًا فيجب عليه الوفاء بتحصيلها، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
وقد قال بعض حذاق المتأخرين: إنه إذا لم يجد الكراء في البلد، وكان السلطان، ولم يرفع أمره إليه، ولا دخل عليه أن الكراء بينهما قائم، فيكون الدخول عليه كحكمه بفسخ الكراء على الغائب، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "الكتاب"، فكيف إذا كان الكراء موجودًا، خلاف ما نص عليه ابن وهب في "الكتاب".
فإن أكرى إبله فلا يخلو من أن يكريها لنفسه، أو للمكتري.
فإن أكراها لنفسه، هل يكلف الرجوع ثانية، أو يخير عليه المكتري؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يكون له الكراء، ويكلف الرجوع ثانية في حق المكتري، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب"؛ لأن الكراء غير معين، بل هو في الذمة، فينفذ فيه بيعه؛ لأنه باع ما ضمانه منه.
والثاني: أن المكتري مخير عليه؛ إن شاء سلم له ما أخذ في الكراء، ويكلف له الرجوع ثانية، وإن شاء أخذ الكراء إن كان ما به اكترى أولا أو أقل، فإن كان في الثمن فضل فهو للمكري إن انتقد الكراء الأول من المكتري؛ لأنه إن أخذه المكتري، فقد أخذ أكثر مما دفع؛ فصار سلفًا بزيادة.
وهو قول ابن حبيب في الواضحة.
فإن اكترى للمكتري: فلا يخلو أن يكون الجمال هو المتولي للكراء،
[ ٧ / ٣٨٠ ]
أو السلطان هو المتولي له.
فإن كان الجمال هو المتولي للكراء، فلا يلزم ذلك المكتري؛ لأن الكراء عليه بيع، فلا يتولاه إلا السلطان، أو من أقيم مقامه، وعليه الرجوع ثانية على أصل ابن القاسم.
وإن رضي المكتري بصنعه، وأخذ ذلك الكراء: فإن ذلك له -قلَّ أو كثر- إن كان لم ينقده.
وإن نقده: لم يجز له أخذ ما زاد على الأول؛ خيفة أن يأخذ أكثر مما أعطى، كما تقدم.
فإن كان السلطان هو المتولي للكراء، فذلك لازم للمكتري -قلَّ أو كثر- ويكون عليه الكراء الأول، وإن لم ينقده؛ لعدم التهمة في فعل السلطان؛ لأن ذلك من باب دفع الضرر على معنى النظر.
فأما الوجه الثاني: إذا كان الهارب مكريًا: فلا يخلو من أن يهرب بإبله، أو يتركها في يد المكتري.
فإن تركها في يد المكتري: استعملها، ويرجع على الجمال بما أنفق عليها، وبما أكرى به من يترحلها، وغير ذلك مما كان اشترطه على الجمال.
فإن هرب بإبله، فذلك على وجهين:
إما أن يكون الكراء مضمونًا، أو معينًا.
فإن كان مضمونًا: فلا يخلو من أن يكون له مال أم لا.
فإن كان له مال: فإن السلطان يكرى عليه للمكتري، ويرجع عليه بذلك.
فإن لم يكن له مال، هل يكري عليه أم لا؟ على قولين:
[ ٧ / ٣٨١ ]
أحدهما: أنه لا يكري عليه، وهو قول في "كتاب ابن المواز".
والثاني: أنه يكرى عليه إذا طلب ذلك المكتري لأجل الضرورة، وهو ظاهر "المدونة".
فإن كان الكراء معينًا: لم يكر عليه، وإنما مقال المكتري في الفسخ، وهو على ثلاثة أقسام:
مفتقر إلى حكم حاكم، أو غير مفتقر إليه، ومختلف فيه.
أما المفتقر إليه: فهو إذا لم يتعين الزمن، ولا فات المقصود، فإنه إن رفع إلى السلطان نظر في ذلك، فيفسخه عنه إن كان في الصبر مضرة، ولا يتعجل في الفسخ إن لم يكن فيه مضرة.
وأما غير المفتقر إليه فهو الكراء الذي يتقدر بزمن معين، فإنه يفوت بفواته، وإن لم يحكم حاكم.
وأما المختلف فيه: فهو ماله إبان يفوت بفواته؛ كالحج، أو يريد الخروج إلى البلدان المتباينة مع القوافل المتعاظمة، فجاءه الجمال بالإبل بعد أن فات له المأمول: فلا يخلو من أن يحكم الإمام بفسخه، هل ينفسخ بعد فوات ذلك كالمعين أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدهما: ينفسخ بفوات الإبان، أو ما هو مثل الإبان كفوات القوافل.
والثاني: أنه لا ينفسخ؛ لأنه العقد لازم من طرفيه.
والثالث: أنه يفسخ في الحج دون غيره، وهو قول مالك في "الكتاب"، والحمد لله وحده.
[ ٧ / ٣٨٢ ]
المسألة السادسة في إقالة أحد المتكاريين في الدواب لزيادة
وهذه الترجمة كثيرة الفصول، متشعبة الفروع، طافحة الينبوع، ولنقتصر فيها على اللطيف إيثارًا للتخفيف، فنقول وبالله التوفيق.
ما نورده في إقالة أحد المتكاريين لا يخلو من وجهين:
إما أن يكون من قبل المكري، وإما أن يكون من قبل المكتري.
فإن كانت الإقالة من قبل المكري: فلا يخلو الكراء من أن يكون على التعجيل، أو على التأجيل، مثل أن يتأخر بشرط، أو عرف، أو حكم.
فإن كان على التأجيل والزيادة من المكري: فالإقالة جائزة إذا عجلت الزيادة -عرضًا كانت أو ذهبًا.
ولا يجوز إذا تأجلت ما كانت سلعته فيه أن المكتري فسخ الركوب فيما
لا يتعجله، وذلك فسخ دين في دين، وإذا عجلها فقد فسخ منقودًا [. .] (١) فلا مكروه.
ثم هكذا الجواب إذا كان الكراء على التعجيل، إلا أنه لم ينتقد، أو انتقد ولم يغب عليه، فلا نطول بذكر التعجيل.
وأما إن كانت الزيادة بعد أن غاب على النقد: فلا يجوز إن كانت مؤجلة ما كانت الزيادة؛ لأنه فسخ دين في دين؛ لأنه فسخ الركوب فيما لا يتعجله.
واختلف إذا كانت معجلة من أي نوع كانت على ثلاثة أقوال، كلها
_________________
(١) طمس بالأصل.
[ ٧ / ٣٨٣ ]
قائمة من المدونة.
أحدها: أن [. .] (١) حوز؛ لأنه سلف بزيادة؛ لأن المكري غاب على النقد، ثم يرده بعد الغيبة بزيادة، إلا أنه سار من الطريق ما يرفع التهمة عن الضرورة التي تلحق، إما أن يدبر إبله، أو بسوء عشرة صاحبه، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
بخلاف الدار؛ إذ لا مضرة عليه إن كان لها جيران سوء، فهو عيب إن لم يعلم به.
والثاني: أن ذلك لا يجوز بزيادة المكري بوجه؛ لأنه سلف بزيادة [. .] (٢) سلف ما استوفى، فهو نفع والمردود سلف.
ويجوز إذا غيبت الإقالة عن الزيادة للضرورة التي ذكرناها في حد الدار أيضًا.
وهو قول الغير في "الكتاب".
والثالث: أن الإقالة لا تجوز متى انتقد واستوفى المكترى شيئًا من المنافع، بيع وسلف، وهو قول سحنون، وهذا القول قائم من المدونة من مسألة الدار.
فإن كانت الزيادة من قبل المكتري، فلا يخلو الكراء من أن يكون على التعجيل، أو على التأجيل.
فإن كان الكراء على التعجيل وقبل النقد: فلا يخلو من أن تكون الزيادة مؤجلة، أو معجلة.
فإن كانت مؤجلة: لم يجز على كل وجه، من أي نوع كانت؛ لأنه
_________________
(١) طمس بالأصل.
(٢) طمس بالأصل.
[ ٧ / ٣٨٤ ]
فسخ دين في دين.
فإن كانت معجلة: جاز، وإن كانت عرضًا أو ذهبًا، والكراء بذهب لا مانع، وإن كانت دراهم والكراء بذهب: فهو بيع وصرف؛ لأنه ذهب بفضة مع أحدهما سلعة وهي الركوب: فلا يجوز إلا على مذهب ابن القاسم، ويجوز على مذهب أشهب، وهذا إذا كان أكثر من صرف دينار.
فإن كان أقل منه: فيجوز باتفاق بين ابن القاسم وأشهب.
فإن كانت الزيادة بعد الانتقاد، وكانت ذهبًا والكراء ذهب: فقد قال في "المدونة": يجوز إن كانت مقاصة؛ لأن المكري يأخذ أقل مما يدفع.
وإن لم تكن مقاصة لم يجز؛ لأنه ذهب بذهب مع أحدهما سلعة -وهي الركوب- لأن المكتري دفع الزيادة من الذهب مع الركوب الذي وجب له، وأخذ ذهبًا، ولهذا اعتبار في هذا الوجه بغيبة الكراء على النقد بعد القبض، وإنما يعتبر ذلك في زيادة المكري، وقد قدمناه.
فإن كانت عرضًا: فجائز معجلة ومؤجلة؛ لأن المكتري باع عرضًا معجلًا أو مؤجلًا مع الركوب الذي وجب له أن يسترجعه من الذهب.
فإن كان الكراء على التعجيل والمسألة على حالها.
فإن كانت الزيادة عرضًا: جاز إن كان معجلًا، ولا يجوز إن كان مؤجلًا؛ لأنه فسخ دين في دين.
فإن كانت بفضة على وجه: فإنه صرف مستأجر؛ لأن الذمة مشغولة إلى ذلك الأجل.
فإن كانت ذهبًا: لم يجز إلا إلى محل الأجل على معنى المقاصة إما نقدًا أو إلى دون ذلك الأجل: فلا يجوز؛ لأنه ضع وتعجل، ولا إلى أبعد من الأجل؛ لأنه بيع وسلف.
[ ٧ / ٣٨٥ ]
ولا فرق فيما وصفناه بين الكراء المضمون، والمعين؛ لأن المنافع كالدين على أحد قولي المذهب.
وعلى القول الآخر: يجوز في المعين زيادة المكري بعد أن غاب عن النقد؛ كالبائع المستقيل في السلعة المعينة بزيادة بعد أن غاب على النقد.
وإنما لا تجوز الإقالة إذا انعقدت بمجردها على ما لا يجوز، وذلك في المواضع التي عللنا فيها في الكراء المضمون بفسخ الدين في الدين.
وأما الدور: فهي كالدابة المعينة في جميع ما وصفنا، إلا في زيادة المكري للدابة بعد أن غاب على النقد، وقد سار من الطريق ما يرفع التهمة على أصل من رأى ذلك فيها، بخلاف الدار، فلا تجوز الإقالة فيها بزيادة على وجه إن كان ذلك بعد استيفاء البعض؛ سدًا للذريعة؛ أي: جواز البيع والسلف.
فإن كانت بغير زيادة فقولان: الجواز، والمنع، والقولان لابن القاسم.
فوجه الجواز: قياسًا على السلع المعينة.
ووجه المنع: تشبيهًا بما في الذمة.
وإلى هذا أشار الشيخ أبو إسحاق، وهذا إذا انتقد الكراء.
فإن لم ينتقد: جاز؛ لعدم العلة التي هي البيع والسلف.
وحكم الإقالة في كراء الأرض كحكم الإقالة في كراء الدار، إلا أن تكون غير مصونة.
فإن تقابلا فيها، والزيادة من المكري، والموضع الذي تصح فيه الإقالة على الزيادة منه: لم يجز أن ينتقد الزيادة، وتكون موقوفة عينًا كانت أو عرضًا، إلا أن تكون الأرض مأمونة؛ لأن المكري رجع بإقالة مكتريه.
[ ٧ / ٣٨٦ ]
فإن لم تروي الأرض انفسخ الكراء الأول، ولم تصح الزيادة، وقال بعضهم: كذلك يجب في زيادة المكتري، والأرض غير مأمونة ألا تجوز، وإن أوقفها؛ لأن المكري فسخ كراؤه فيما لا يتعجله، والحمد لله وحده.
[ ٧ / ٣٨٧ ]
كتاب كراء الدور والأرضين
[ ٧ / ٣٨٩ ]