بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا ونبينا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.
الحمد لله الذي نور البصائر لإظهار الحق، وأعان وأغنى بقصده، وأيده على الإصرار على [أضعاف] (١) الإيمان الذي صلى به الفؤاد، فأنطق به اللسان، وجعل جياد جزمنا تتألق في صدر الباطل، فترى بحوله وقوته أعمال [السر] (٢) [الأذان] (٣) [يعلو] (٤) في يوم الطعان.
والصلاة على [سيدنا] (٥) محمَّد، نبيه الكريم المصطفى، ورسوله المقرب المجتبى، الآتي على فترة من الرسل، وإشعار بآخر الزمان، الآخذ بالحجز عن النار، يوم يكون أهل الإشراك في الأشراك، وأهل الإيمان في الأمان، المبعوث بالحق بشيرًا، ونذيرًا، وعلى آله وصحبه الذين جاهدوا في الله بشهادة الفرقان، فأوضح السبيل ودفع العلل بما تلقاه، ووعاه في ليلة الإسراء، وبعدها من البيان، وعلى آله وصحبه الذين جاهدوا في الله من بعده بأيْد وشدَّة وجدة تلوح على أثر حفدة الذين لم يكن بهم شرف، ولا نام [لهم] (٦) طرف، ولا غمد لهم سيف حتى توفرت الدواعي على إكمال الدين الذي جعل الله لهم أهم شأن، وبهذا خاصموا الأمة طول مددهم بألسنة الخرسان، ولم يعدموا في الضالين المضلين فتنة بكرًا تخطبها لهم كل حرب عوان.
_________________
(١) هكذا في ب.
(٢) بياض في أ.
(٣) في أ: اللذان.
(٤) سقط من أ.
(٥) زيادة من أ.
(٦) في أ: منهم.
[ ١ / ٣٥ ]
فالسعيد من حذا حذوهم، وجرى إلى غايتهم ملء العنان.
[وبعد] (١): فقد سألني بعض الطلبة المنتمون إلينا، المتعلقين بأذيالنا، الذين طالت صحبتهم [معنا] (٢) أن أجمع لهم بعض ما [تعلق] (٣) عليه اصطلاحنا في مجالس الدرس لمسائل المدونة من وضوح المشكلات، وتحصيل وجوه الاحتمالات، وبيان ما وقع فيه من [المجملات] (٤)، فصادف [لسانه] (٥) قلبًا منا قريحًا بائتلام حصن الإِسلام بموت فقهاء الأمة وسادات الأئمة، وانقطاع رفقة العلم بذهاب الدفاتر [وخراب] (٦) المحاضر في البوادي والحواضر، مع تبلد الخاطر لكثرة ما يرد عليه من الخواطر لسبب فتنة [المغرب] (٧) ودكاله، ومن انضاف [إليهما] (٨) من أهل البغي والرذالة حتى [أخربوا] (٩) المغرب الأقصى، وهلك فيه من الخلق ما لا يحصى.
وقد منَّ الله عليَّ بالخلاص؛ لطفًا منه وبرًا ونعمة لا أحيط بها شكرًا، ففررت لما رأيت نارًا لا أطيق لها [شررًا] (١٠) ونفسًا مني قد تركتها هذه
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) في أ: معي.
(٣) في ب: نقري.
(٤) في ب: المحتملات.
(٥) في ب: سؤاله.
(٦) في ب: وكتاب
(٧) في أ: العرب.
(٨) في ب: إليهم.
(٩) في ب: خرب.
(١٠) في أ: شرًا.
[ ١ / ٣٦ ]
[النوبة] (١) وما بها إلا الرمق نجت برأسها، وتركت أعزة الأهل في [أسرار الرفق] (٢) فألقيت إليه هذه المعاذير، فلم تزده إلا إلحاحًا، ولا نجحت فيه إلا إغراءً وإفصاحًا حتى بلغ الأمر مبلغًا أحسست منه [بالوقوع] (٣) في مظنة [الضنة] (٤) [عليه] (٥)، ونعوذ بالله من البخل، ولاسيما بالعلم مع الأهل، فابتدرت حنيئذ إلى إجابة الداعي، وتداعت مني إلى إسعاف بغيته الدّواعي، فانتدبت إلى وضع كتاب ترجمته بكتاب: ["مناهج] (٦) التحصيل، ونتائج لطائف التأويل"، لخصت فيه من فصول [الفوائد] (٧)، وحصلت فيه من أمهات [القواعد] (٨) ما لم يلق في كتب الأولين على هذا الضبط، ولم يصادف في مجالس البحث ما جرى للمتقدمين على ترتيب هذا النمط، وقد يختلف في بعضها، فحول المذهب ونظار المغرب، ولكل [واحد] (٩) منهم فيما اختاره رأي مصيب [والخطب هين] (١٠) في اختلاف الإيراد بعد اتفاق [المغزى] (١١) والمراد [قريب] (١٢).
هذا ولم أقصد الطعن في كلام المتقدمين وتصانيف المتأخرين؛ بل
_________________
(١) في ب: الغربة.
(٢) هكذا في ب.
(٣) في ب: الوقوع.
(٤) في أ: الظنة.
(٥) زيادة من أ.
(٦) في ب: منهاج.
(٧) في ب: القواعد.
(٨) في ب: المعاقد.
(٩) زيادة من ب.
(١٠) سقط من أ.
(١١) في ب: المعنى.
(١٢) سقط من ب.
[ ١ / ٣٧ ]
التمثيل صحيح للسلف الأول، وللخلف النظم.
والحامل على وضع هذا الكتاب: حمية على طوائف من المبتدئين تركوا شمس الضحى [و] (١) اصطلاح المشايخ، وحاولوا الاستضائة بالصبح أول ما يتنفس.
وقد كان للقدماء رحمة الله عليهم في تدريس المدونة اصطلاحان: [اصطلاح] (٢) عراقي، [واصطلاح] (٣) قروي.
فالاصطلاح العراقي: جعلوا مسائل المدونة كالأساس، وبنوا عليها فصول المذهب بالأدلة والقياس، ولم يعرجوا [على] (٤) [الكتاب] (٥) بتصحيح الروايات، [ومناقشة] (٦) الألفاظ، ودأبهم القصد إلى إفراد المسائل وتحرير الدلائل [برسم] (٧) الجدليين، وأهل النظر من الأصوليين.
وأما الاصطلاح القروي: فهو البحث عن ألفاظ الكتاب، والتحرز عما احتوت عليه بواطن الأبواب، وتصحيح الروايات، وبيان وجوه الاحتمالات، والتنبيه على ما في الكتاب من اضطراب الجوابات، واختلاف المقالات مع ما انضاف إلى ذلك من تتبع سياق الآثار، وترتيب أسانيد الأخبار، وضبط الحروف على حسب ما وقع من السماع -وافق ذلك عوامل الإعراب [أو] (٨) [خالفها] (٩).
_________________
(١) في ب: في.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من ب.
(٤) في ب: إلى.
(٥) في ب: المكتبة.
(٦) في ب: ومناسبة.
(٧) في ب: على رسم.
(٨) في ب: أم لا.
(٩) سقط من ب.
[ ١ / ٣٨ ]
فهذه سيرة القوم إلى أن [أدرجوا] (١) رضوان الله عليهم ثم نجم بعدهم [طوائف في أقصى المغرب] (٢) ضلوا عن جادة الطريق، وتنكبوا عن مسالك التحقيق، وهجموا على [أكبر يم] (٣) وركبوا [لجج] (٤) البحر دون سفين؛ [فوجدوا فلاة بغير دليل] (٥)، ولا اهتدوا بسلوك السبيل، فاقتحموا على [تدريس] (٦) المدونة بغير إجازة من شيخ، ولا تحقيق من شرح حتى أن من سلك منهم نذرًا حقيرًا، وقدرًا يسيرًا بفرض وانتصب، وتعب ونصب نفسه إلى معرفة أسرارها [واستخراج] (٧) مكنونها.
وسبب ذلك: أن أبواب الدواعي مفتوحة للخائض [مفتوحة وسياط التحسب عن متعاطيها] (٨) مطروحة، فلله در القائل:
لقد هزلت حتى بدا من هزالها كلاها ورخصت حتى رامها كل مفلس
فهؤلاء القوم انقسموا في تدريسها على طوائف:
فطائف أعرضت وفرطت وقصرت، وطائفة أوغلت وأسرفت، وأفرطت، وطائفة أعدلت [وقصدت] (٩) وتوسطت.
_________________
(١) في ب: درجوا.
(٢) في ب: أقصى المغرب طوائف.
(٣) سقط من ب.
(٤) في أ: شبح.
(٥) في ب: فلجوا فلاة الأرض بغير دليل.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ: واستخرج.
(٨) سقط من أ.
(٩) زيادة من ب.
[ ١ / ٣٩ ]
فأما الطائفة [المعرضة] (١) فقد أعرضت عن الكتاب، ولم تفهم [معنى] (٢) السؤال منه والجواب، بل اعتمدت على مطالعة كتب [المتأخرين] (٣) كتبصرة اللخمي، والجامع لابن يونس، وقدموا قراءة الشرح على المشروح، [فكفى] (٤) بهذا الوصف تبيانًا لفساد وضعهم في [السلوك] (٥) حتى أن [الجاهد] (٦) منهم، ومن يشار إليه [بالبنان] (٧) بالتبحر في الفقه، وفصاحة اللسان يساهر النجوم، ويساور الوجوم في مطالعة الأمهات يرتب وينسخ بعض كلامه على بعض، [ويذهب] (٨) ويزخرف ألفاظه، ويموه كلامه ويطول أنفاسه حتى [يذهب] (٩) عامة النهار في الدرس في الكلام الفارغ [منه] (١٠) ويسمع [النقل] (١١) من "العتبية" و"الموازية".
ولا ذكر هناك لمعاني المدونة، وهم في درسها -على زعمهم- فإذا خرج آخرهم من الدرس انحل الترتيب [وانحل] (١٢) واختل ذلك التمويه حتى لا يعقل منها على رواية، فهذه عادته طول العمر يقطع المدونة طالعًا ونازلًا، والإشكال فيها كما كان، ولا جرم تلاميذهم كوادن وهم حشو
_________________
(١) في ب: المفرطة.
(٢) في أ: عن.
(٣) في ب: الشارحين.
(٤) في أ: وكفى.
(٥) في ب: المسلوك.
(٦) في ب: المجاهد.
(٧) في ب: بالبيان.
(٨) سقط من ب.
(٩) في ب: تذهب.
(١٠) زيادة من ب.
(١١) هكذا في أ.
(١٢) زيادة من ب.
[ ١ / ٤٠ ]
المدارس، ولا حسنة تزداد [ولا] (١) سيئة تمحى، فالعياذ بالله من الخذلان.
فإذا كانت سيرة الفحول من هذه الطائفة على هذا النعت، فكيف حال الخصيان المتشبهين بالإناث ومن [بضاعته] (٢) في هذا الفن مزجاة فتعجب من ضلالة المسكين بعول على النقل من الأمهات والدرس للروايات، ولم يميز [منها] (٣) بين الضعيف والمتين، ولا [يفرق] (٤) بين الغيث والسمين، ويدعي أنه اقتفى [أثر] (٥) المشايخ المتقدمين، وهذه تصانيف [المحققين] (٦) [الموافقين تحقيق] (٧) ما أطلقه القدماء، وخصوص ما عممه العلماء [ككتاب الوجيز] (٨) لأبي القاسم بن محرز، [وكتاب] (٩) "التنبيه" لأبي الفضل [العياضي، وكتاب] (١٠) "الكشف عن أسرار المدونة" [لأبي محمد] (١١) عبد الحميد السوسي، [وكتاب "الشرح" لابن لبابة" (١٢) الصغير، [وأكثر تصانيف] (١٣) أبي عمران الفاسي قدَّسَ الله أرواحهم في الخوض على تصانيف المدونة، واستقراء الأحكام منها
_________________
(١) في ب: لا.
(٢) في أ: بطاعته.
(٣) سقط من ب.
(٤) في ب: فرق.
(٥) في ب: آثار.
(٦) في ب: التحقيق.
(٧) في ب: الواقفين على تقييد.
(٨) في ب: كالوجيز.
(٩) سقط من ب.
(١٠) سقط من ب.
(١١) سقط من ب.
(١٢) في ب: وشرح ابن لبابة.
(١٣) في ب: وتصنيف.
[ ١ / ٤١ ]
ينادي على المعول على مجرد النقل بالويل والثبور، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور.
وأما الطائفة المفرطة: فقد راغموا الدليل، وسدوا باب التأويل، واتبعوا ظواهر الكتاب، واقتنعوا بالقشور عن اللباب، وركنوا إلى الدعة والراحة، ولم يتعبوا الذهن والقريحة، وهم ظاهرية المذهب.
وهذه الطائفة أبخس من الأولى، وأقل منها توفيقًا وأكثرها ماءً، وأقل دقيقًا؛ لأنهم خلطوا المذهب، وأفسدوا أذهان المتعلمين، وجمعوا بين مفترق وفرقوا بين [مجتمعين] (١) تحكما بغير بيان، وتعسفًا عريًا عن البرهان، وتخرصًا على صاحب الكتاب بأن ذلك مرامه بالخطاب، فباؤوا بإثم عظيم، واستحقوا بذلك العذاب الأليم، إلا أن يعفو الجواد الكريم، وأما الطائفة المتوسطة المعتدلة: فهي الطائفة الموفقة إلى ما ضلت عنه الطائفتان، [وعميت] (٢) عنه بصائر الفريقين، وهي أقوم قيلًا، وأهدى إلى الحق سبيلًا وأهلها على ما كان عليه قدماء الأصحاب من مغاربة المذهب، [فبصاعهم] (٣) كالوا، وعلى [منوالهم] (٤) نسجوا في استعمال ظواهر الكتاب وبواطنه، واستنباط الفوائد الكامنة في فرائد ألفاظه واستنزال الدر النفيس من أهدابه، واستنزال المعنى الرائق من مخزن أوعاره، وهذه الطائفة في المغرب الأقصى أقل وجودًا في هذا الزمان [من الغراب] (٥) الأعصم.
_________________
(١) في ب: مجتمع.
(٢) في ب: وعمت.
(٣) في ب: فبضاعتهم.
(٤) في ب: منادلهم.
(٥) سقط من أ.
[ ١ / ٤٢ ]
فصل
[فنحن] (١) بحمد الله في كتابنا [هذا] (٢) على سنن هذه الطائفة [أجرينا] (٣)، وفي ميدانها ركضنا، ومن مأخذهم [أخذنا] (٤)، وعلى أصولهم بنينا، ونزيد [عليهم] (٥) من حسن السياق، والترتيب وجوه التحرير والتهذيب في تحصيل المسائل، وتمهيد الدلائل، ونستنبط التأويل المقصود بالدليل المؤدي إلى أوضح السبيل على ما احتمل أن يكون اختلاف السؤال، أو يكون اختلاف الأقوال، أو اختلاف الأحوال، وفي هذه الثلاثة الأوجه يخطر الاحتمال إنما وقع في المدونة، أو الإجمال وتلفيق ما يمكن تلفيقه من الأقوال، وإزالة ما عسى أن يقع في بعض المسائل من الإشكال، وفتح [ق/ ٢أ] ما تغمم على بعض الأبواب من الأقفال، ويسفر الغطاء عما ظهر لنا من الأسرار من إظهار المحجوب من مفهومها من وراء السجوف والأستار بما لم تسبق إليه أقلام العلماء، ولا وطئت ساحته أقدام القدماء، ولا ولجت فيه أفهام الحكماء، ولا يلق في كتبه في تعاليق الفقهاء، ولاسيما ما حصل في أيدي الناس في هذا الزمان من الكتب المترجمة بشرح المدونة، وليست بشرح لها على الحقيقة، وإنما هو النقل من الأمهات، والإطناب في التعريفات، وتعطيل الأوراق بما هو مدون في الدواوين، وقد حكى عن أبي محمَّد عبد الله بن أبي زيد، قال: في المدونة آبار لا يعرفها إلا مؤلفها، فليت شعري كيف غفلوا، ولم يكشفوا الغطاء عن تلكم الآبار؟ هل للعجز والقصور عن إدراك حقائقها، والحلول
_________________
(١) في ب: ونحن.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: جرينا.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: عنهم.
[ ١ / ٤٣ ]
بساحة أوعارها، وكلال الفطنة عن استنباط فرات مياهها، أو لعوارض عائقة، وأعذار مانعة صدته عن بلوغ الغاية، واستيفاء النهاية، والظن بهم ﵃ أن الوقوف عن ذلك لعائق الأقدار، ومانع الأعذار، ولم يصل إلى هذا المغرب الأقصى في هذا الزمان كتاب في شرح المدونة يشفي العليل علته، ويروي الغليل غلته، إلا "كتاب التنبيه" لأبي الفضل العياضي، غير أنه تناهبته أيدي الطلبة، وقعدوا عليه حتى لا يقدر فيه على النسخة الصحيحة؛ بل تسلطت عليه أقلام من لا يعرف كيف يمسكها، فمسخوه وهو يتوهمون أنهم نسخوه حتى لا يوجد منه شيء يعول عليه إلا من له فطنة ذكية، ورواية زكية، فالبعسار يظفر منه بالمقصود إذا أمعن النظر في المدونة مع توفيق يعضده، والتوفيق بيد الله يؤتيه من يشاء، فها أنا أهذب المقصود وأقرب المطلوب في هذا الكتاب بتلخيص مسائل المدونة، وبيان محل الخلاف فيها، وتحصيل الأقوال المستقرأة من المدونة، وتنزيلها، وبيان مشكلاتها ومحتملاتها بدليل يشهد بصحتها، أو نصوص تقع في المذهب على وفقها، وكل استقراء خرج من موافقة الدليل، أو لم يكن في نص المذهب ما يوافقه، ويؤيده فهو استقراء ساقط عند أهل التحصيل والتأويل، وإنما اعتمد حذاق المذهب العمل بالاستقراء من المدونة، وقدموه على نص يخالفه في المذهب لصحة المدونة، وقوة إسنادها، وكثرة الاعتناء بها؛ [ولذلك] (١) قدمت على ما عداها. وقيدت منها مع ذلك المشكلات الشوارد، وعقلت فيها المعضلات الأوابد حتى غادرتها يسقى منها بالأكف، والسواعد بعد أن كانت شاغرة [المسالك] (٢) والموارد، ونشرف أثناء ذلك من لطائف الفوائد، وطرائف الفرائد ما لم يقع في
_________________
(١) في أ: وبدليل.
(٢) في ب: المباه.
[ ١ / ٤٤ ]
الشروحات له ذكر، ولا انكشف له في التعاليق ستر حتى [يستغني] (١) به الطالب عن جملة المصنفات، ويصول به على أصحاب الروايات، وأرباب الدرايات، ويكتفي به عن مطالعة الأمهات، إلا من أراد الاستغزار في الروايات عند تزاحم الأسئلة بالجوابات، أو من تصدى للقضاء والمحاكمات.
ولعلنا لا نعدم غمرًا جاهلًا، أو حقودًا عن منهج [الحق] (٢) مائلًا يشحذ إلينا [حربة] (٣) الطعن، ويفرق نحونا [سهام] (٤) سوء الظن، ويدعي ألا تصنيف إلا ما صنفه القدماء، وأن كتب الماضيين بالاقتداء أولى، وما حدث من التصانيف بدعة، وما [ترك] (٥) الأوائل للأواخر شيئًا، وقد كان فلان وفلان مع [قوة] (٦) باعهم في العلم ما مدوا أفهامهم إلى التصنيف، ولا بروا أقلامهم على التأليف، [ويسرد] (٧) من هذا الهذيان كثير، أو يحجج على خطابه بحجج، ويكثر الكلام بغير فائدة، فهذا المسكين المجهول قد ضيق واسعًا، وتعرض لاكتساب الآثام طائعًا، ولم يدر أن باب التصنيف مفتوح، وهو لمن ساعده التوفيق من الله [مبذول] (٨) وممنوح، وللحق لسان صادع، وحسام قاطع، وقضاء لا يرد وباب لا يسد؛ فاعرف الحق تعرف أهله، ولا تعرف الحق بالرجال، فتتحير في متاهات الضلال.
_________________
(١) في أ: استغنى.
(٢) في ب: الرشد.
(٣) سقط من ب.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: خلف.
(٦) في ب: امتداد.
(٧) في ب: ويورد.
(٨) سقط من ب.
[ ١ / ٤٥ ]
جعلنا الله وإياكم ممن اتضح له الحق فاقتفاه، وظهر له الباطل فنفاه، وإلى الله أرغب في الثواب الجزيل، وهو حسبي ونعم الوكيل، وبه اعتصمت عصمة [تقمع] (١) شهوات النفس ودواعيها، وتوفيقًا يرشد إلى مناهج الطاعات ومساعيها.
وكان ابتدائي في تصنيف هذا الكتاب: شهر ذي الحجة [سنة] (٢) ثلاث وثلاثين وستمائة، بجبل الكستة، بجبال جزولة يحرسها الله.
[فصل] (٣)
يتضمن مقدمة [نخلتها] (٤) من كتب المشايخ، تصلح لاستفتاح المدونة عند ابتدائها على سياق عجيب، ورستاق غريب؛ يستملحها السامع عند سماعها، وتهتز بها أعطاف المستملي عند إيرادها؛ ليكون هذا الكتاب -مع صغر حجمه- ولطافة جرمه مفيدًا للطالب [حاويًا لجميع المطالب] (٥) بحمد الله وعونه.
_________________
(١) في أ: تغني.
(٢) في أ: عام.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: تخللتها.
(٥) سقط من أ.
[ ١ / ٤٦ ]
[باب] (١): في فضل العلم
وهذه الترجمة تحتوي على فضل العلم والتعلم [والتعليم] (٢).
[وأما] (٣) فضيلة العلم: فالأصل فيه الكتاب، والسنة، والآثار.
فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ [وَأُولُو الْعِلْمِ] (٤) قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٥).
فانظر كيف بدأ الله تعالى بنفسه، وثنَّا [بالملائكة] (٦)، وثلَّث بالعلماء؛ فناهيك بذلك شرفًا وفضلًا وجلالًا و[نفلًا] (٧).
وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٨)، قال ابن عباس: للعلماء [درجات] (٩) فوق المؤمنين بسبعمائة درجة، بين كل درجة ودرجة مسيرة خمسمائة عام.
وقال تعالى: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾ (١٠)، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١١)، وقال
_________________
(١) في ب: فصل.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: فأما.
(٤) سقط من أ.
(٥) سورة آل عمران الآية (١٨).
(٦) في ب: بملائكته.
(٧) سقط من أ.
(٨) سورة المجادلة الآية (١١).
(٩) في أ: درجة.
(١٠) سورة العنكبوت الآية (١٣).
(١١) سورة فاطر الآية (٢٨).
[ ١ / ٤٧ ]
سبحانه: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١)، وقال جلَّ من قائل: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ [الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ] (٢)﴾ (٣)، [فرد] (٤) حكمه في الوقائع إلى استنباطهم، وألحق رتبتهم برتبة الأنبياء [في كشف حكم الله تعالى] (٥)، وقيل في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ (٦): يعني: العلم، و"ريشًا": يعني: اليقين، و"لباس التقوى": يعني الحياء.
وأما الأخبار: فمنها ما رُوي أن رسول الله - ﷺ - قال: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، ويلهمه رشده" (٧)، وقال أيضًا: "العلماء ورثة الأنبياء" (٨)، ومعلوم أنه لا رتبة فوق رتبة النبوة، ولا شرف فوق شرف
_________________
(١) سورة الزمر الآية (٩).
(٢) سقط من أ.
(٣) سورة النساء الآية (٨٣).
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من ب.
(٦) سورة الأعراف الآية (٢٦).
(٧) أخرجه الطبراني في الكبير (١٩/ ٣٤٠) حديث (٧٨٦) من حديث معاوية مرفوعًا. وأخرجه ابن أبي عاصم في "كتاب الزهد" (١٦١)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٠٧) من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعًا. والحديث أصله عند البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧) من حديث معاوية من غير هذه الزيادة التي في آخره، فإنها زيادة ضعيفة. قال الشيخ الألباني: ضعيف بهذه الزيادة. الضعيفة (٢١٢٩).
(٨) أخرجه أبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢)، وابن ماجة (٢٢٣)، وأحمد (٢١٢٠٨)، والدارمي (٣٤٢). قال الترمذي: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث عاصم بن رجاء بن حيوة، وليس هو عندي بمتصل. قلت: صححه العلامة الألباني في صحيح الجامع (٦٢٩٧).
[ ١ / ٤٨ ]
[الوراثة] (١) لتلك [الرتبة] (٢).
وقال أيضًا: "يستغفر للعالم أربعة أشياء؛ الملائكة في السماء، والطير في الهواء، والدواب في القِفَار، والحيتان في البحار" (٣)، وأيُّ منصب [يزيد على] (٤) من تشتغل [ملائكة السماء] (٥) بالاستغفار له، وهو بنفسه مشتغل.
وقال أيضًا: "العلم يزيد الشريف شريفًا، ويرفع المملوك حتى يدرك مدارك الملوك" (٦).
وقال أيضًا: "أفضل الناس المؤمن العالم الذي إن أُحتِيج إليه نفع، وإن استُغني عنه أغنى نفسه" (٧).
وقال أيضًا: "الإيمان عريان، ولباسه التقوى، وزينته الحياء، وثمرته العلم" (٨).
وقال أيضًا: "موت قبيلة أيسر من موت عالم" (٩).
_________________
(١) في ب: الوارث.
(٢) في أ: المرتبة.
(٣) لم أقف عليه بهذه الصياغة.
(٤) في ب: فوق.
(٥) في ب: الملائكة.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٣/ ٥١٠) والبيهقي في المدخل (٣٩٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦/ ١٣٦/ أ)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ٣١) من حديث ابن عباس موقوفًا.
(٧) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس (٧٦٤٢) من حديث علي مرفوعًا.
(٨) أخرجه ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (١٠٣)، والديلمي في مسند الفردوس (٣٨٠) من حديث ابن مسعود موقوفًا.
(٩) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١٦٩٩)، والرافعي في التدوين (٣/ ٤٦٢) من حديث أبي الدرداء مرفوعًا. =
[ ١ / ٤٩ ]
وقال أيضًا: "الناس معادن؛ فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" (١).
[وقال أيضًا] (٢): "يوزن يوم القيامة مداد العلماء بدم الشهداء" (٣).
وقال أيضًا: "أوحى الله إلى إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه يا إبراهيم: إني عليم أحب كل عليم".
وقال أيضًا: "صنفان إذا صلحوا صلح الناس، وإذا فسدوا فسد الناس؛ الأمراء والفقهاء".
وقال أيضًا: "إذا أتى عليَّ يوم لا أزداد فيه علمًا يقربني إلى الله؛ لا بورك لي [في] (٤) طلوع شمس ذلك اليوم" (٥).
وقال ﵇: "فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي" (٦).
_________________
(١) = قال العلامة الألباني: ضعيف جدًا. الضعيفة (٤٨٣٨)، وضعيف الترغيب والترهيب (٧٣).
(٢) أخرجه البخاري (٣٢٠٣)، ومسلم (٢٥٢٦) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.
(٣) في ب: وقال - ﷺ -.
(٤) أخرجه أبو سعيد السمعاني في أدب الإملاء والاستملاء (١٦٢)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٨٣)، وقال: هذا حديث لا يصح. ونقل ابن الجوزي عن الخطيب أنه اتهم به محمَّد بن الحسن العسكري أحد رواته، وقال: نراه أنه مما صنعت يداه.
(٥) سقط من أ.
(٦) أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده (١١٢٨)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٨٨)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٢٩٤)، والطبراني في الأوسط (٦٦٣٦)، والخطيب في التاريخ (٦/ ١٠٠) من حديث عائشة مرفوعًا. قال المحدث الألباني: موضوع. الضعيفة (٣٧٩)، وضعيف الجامع (٢٨٥).
(٧) تقدم.
[ ١ / ٥٠ ]
وقال أيضًا: "ما عُبد الله بشيء أفضل من العلم" (١).
وقال أيضًا: "يبعث الله العباد يوم القيامة، ثم يبعث العلماء، ثم يقول: يا معشر العلماء: إني لم أضع علمي فيكم إلا لعلمي بكم، ولم أضع علمي فيكم لأعذبكم؛ اذهبوا فقد غفرت لكم" (٢).
[وأما الآثار فمنها ما] (٣) قال عليّ بن أبي طالب ﵁ لكميل ابن زياد: "العلم خير من المال [العلم] (٤) يحرسك، وأنت تحرس المال، والعلم حاكم والمال محكوم فيه، والمال تُنقصه النفقة، والعلم
يزكو مع الإنفاق".
وقال أيضًا: العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد؛ فإذا مات العالم ثُلم [في] (٥) الإسلام ثُلْمة لا يسدها إلا خلف منه، وقال ﵁ [شعرًا] (٦):
ما الفضل إلا لأهل العلم إنهمُ على الهدى لمن استهدى أدلَّاء
ووزن كل امرئ ما كان يُحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء
وقال [﵁ نثرًا] (٧): قيمة كل امرئ ما كان [يحسنه] (٨)؛
_________________
(١) قال العلامة الألباني: موضوع. الضعيفة (٥١٥٩)، وضعيف الترغيب والترهيب (٦٧)، وضعيف الجامع (٥١٠٤).
(٢) أخرجه ابن عدي في الكامل (٤/ ١١١)، والبيهقي في المدخل (٥٦٧). قال العلامة الألباني: ضعيف جدًا. الضعيفة (٨٦٨).
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من ب.
(٦) سقط من ب.
(٧) في ب: أيضًا.
(٨) في أ: يحسن.
[ ١ / ٥١ ]
فنظمه بعض الشعراء [شعرًا] (١).
وقال علي بن أبي طالب ﵁ وهو الإمام العادل المتقن: "كل امرئ قيمته عندنا، وعند أهل الأرض ما يحسنه".
وقال الآخر (٢):
[كبيب] (٣) مريض القلب يخفي أنينه ويضحي كئيب البال عندي حزينه
يلوم عليَّ إن رحت [للعلم طالبًا] (٤) لأجمع من عند الرواة فنونه
[وأعرف] (٥) أبكار [العلوم] (٦) وعونه وأحفظ مما أستفيد عيونه
ويزعم أن العلم لا يجلب الغنا ويحسن بالجهل الذميم ظنونه
فيا لائمي دعني أُغالي بقيمتي فقيمة كل الناس ما يحسنونه
[ق/ ٣ أ] وقال [أبو] (٧) الأسود: ليس شيء أعز من العلم، الملوك
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) الشاعر هو ابن طباطبا العلوي.
(٣) في الديوان: حسود.
(٤) في الديوان: في العلم راغبًا.
(٥) في الديوان: وأملك.
(٦) في الديوان: الكلام.
(٧) سقط من أ.
[ ١ / ٥٢ ]
حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك.
وقال ابن عباس ﵄: خُيِّر سليمان بين العلم، والمال، والملك، فاختار العلم؛ فأعطى المال، والملك، والحكمة.
وسُئل ابن المبارك [ق/ ٢ ب] عن خبر الناس؛ قال: العلماء، فقيل له: ومن الملوك؟ فقال: الزهاد، فقيل له: ومن السّفَلَة؟ فقال: الذي يأكل بدينه، ولم يجعل غير العالم من الناس؛ لأن الخاصية التي تميز الناس عن سائر البهائم هو العلم، والإنسان إنسان لما هو شريف لأجله، وليس ذلك لقوة شخصه، فإن الجمل أقوى منه، [ولا] (١) لعظمته، فإن الليل أعظم منه، ولا بشجاعته، فإن الأسد أشجع؛ بل لم يخلق إلا للعلم.
وقال بعض الحكماء: ليت شعري! أي شيء أدْرَكَ من فاته العلم، وأي شيء فات من أَدْرَكَ العلم.
وقال فتح الموصلي ﵁: أليس المريض إذا مُنع الطعام، والشراب ثلاثة أيام يموت؟ قالوا: نعم، قال: [و] (٢) كذلك القلب؛ إذا مُنع العلم، والحكمة ثلاثة أيام يموت.
ولقد صدق؛ فإن غذاء القلوب العلم والحكمة، وبه حياته كما أن غذاء الجسم الطعام والشراب، ومن فقد العلم فقلبه مريض وموته لازم لا يشعر به؛ لانهماكه في الدنيا وبحبه إياها؛ بل بطل إحساسه كما أن غلبة الخوف قد يبطل إحساس ألم [الجراح] (٣) في الحال، وإن كان واقعًا، فإذا حَطَّ الموت عنه إعياء الدنيا أحس بهلاكه، وتحسر تحسرًا لا ينفعه كما أن الخائف والمغشى عليه إذا استفاق من غشيته أو من خوفه [أحس] (٤) بألم ما وقع
_________________
(١) في أ: لا.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: الجرح.
(٤) في أ: فحسن.
[ ١ / ٥٣ ]
فيه من الجراح، فنعوذ بالله من [الفضيحة يومًا يكشف فيه الغطاء] (١). ولذلك قيل: الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا.
وقال عبد الله بن مسعود: عليكم بالعلم قبل أن يُرفع، ورفعه: أن يُرفع روَاته؛ فوالذي نفسي بيده: ليودَّن رجال قُتلوا في سبيل الله [شهداء] (٢) أن يبعثهم الله علماء لما يرون من كرامتهم، وإن أحدًا لم يولد عالمًا، وإنما العلم بالتعلم.
وقال الأحنف بن قيس: كاد العلماء أن يكونوا أربابًا، وكل عِز لم يؤكد بالعلم [: فالذل] (٣) مصيره.
وقال سالم بن [أبي] الجعد: اشتراني مولاي بثلاثمائة درهم، و[أعتقني] (٤)، فقلت: بأي حرفة أحترف؟ فاحترفت [بالعلم، فما تمت عليَّ سنة إلا جاء [أمير المؤمنين] (٥) يزورني فلم آذن له.
وقال الزبير بن [أبي المبارك] (٦): كتب إلى أبي بالعراق: عليك بالعلم؛ فإن افتقرت: كان لك مالًا، وإن استغنيت: كان لك جمالًا.
_________________
(١) في أ: كشف الغطاء.
(٢) سقط من ب.
(٣) في أ: على الذل.
(٤) في ب: فأعتقني.
(٥) في ب: أمير المدينة.
(٦) في ب: المبارك.
[ ١ / ٥٤ ]
باب: في فضل [التعلم] (١)
وأما فضيلة التعلم فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ الآية (٢).
وقوله جلَّ وعلا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣).
وأما الأخبار؛ فقوله - ﷺ -: "من سلك طريقًا يطلب فيه العلم: سلك الله به طريقًا إلى الجنة" (٤)، وقال - ﷺ -: "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع" (٥).
وقال أيضًا: "لأن تغدوا، فتتعلم بابًا من العلم: خير من أن تصلي مائة ركعة" (٦).
وقال أيضًا: "باب من العلم يتعلمه الرجل خير [له] (٧) من الدنيا وما فيها" (٨).
وقال: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" (٩).
وقال أيضًا: "العلم خزائن، ومفاتحه السؤال، فاسألوا فإنه يؤجر فيه
_________________
(١) في ب: العلم.
(٢) سورة التوبة الآية (١٢٢).
(٣) سورة النحل الآية (٤٣).
(٤) أخرجه مسلم (٢٦٩٩).
(٥) تقدم.
(٦) قال العجلوني: رواه ابن عبد البر في "فضل العلم"، كشف الخفا (٢/ ٥٠٧). وقال الشيخ الألباني: ضعيف. ضعيف الترغيب والترهيب (٥٤).
(٧) سقط من ب.
(٨) أخرجه الدارمي (٣٨٥) عن الحسن قوله.
(٩) أخرجه ابن ماجة (٢٢٤)، وصححه العلامة الألباني في صحيح ابن ماجة (٢٢٤).
[ ١ / ٥٥ ]
أربعة، السائل، والعالم، والمستمع لهم، والمستجيب لهم" (١).
وفي حديث أبي ذر: "حضور مجلس العلم خير من صلاة ألف ركعة، ومن عيادة ألف مريض، وشهود ألف جنازة"، فقيل: يا رسول الله: [ومن] (٢) قراءه القرآن؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "هل [ينفع القرآن] (٣) إلا بالعلم".
وقال - ﷺ -: "ومن جاءه الموت، وهو يطلب العلم: جاء يوم القيامة، وبينه وبين الأنبياء درجة واحدة" (٤).
وأما الآثار؛ فقال ابن عباس ﵄: "ذللت طالبًا [فعززت] (٥) مطلوبًا" ولذك قال ابن أبي مليكة: "ما رأيت مثل ابن عباس؛ إذا رأيته: رأيت خير الناس وجهًا، فإذا تكلم: كان أعذب الناس لسانًا، فإذا أفتى: كان أكثر الناس علمًا".
وقال ابن المبارك أيضًا: "عجبت لمن يطلب العلم كيف تدعوه نفسه [إلى مكرهة] (٦) ".
وقال أبو الدرداء: "لأن أتعلم مسألة أحب إليّ من قيام [ليلة] (٧) ".
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣/ ١٩٢)، والرافعي في التدوين (٣/ ٤)، (٣/ ٤٢٨) من حديث علي مرفوعًا. قال أبو نعيم: هذا حديث غريب من هذا الوجه، لم نكتبه إلا بهذا الإسناد. وقال الشيخ الألباني: موضوع. الضعيفة (٢٧٨)، وضعيف الجامع (٣٨٧٣).
(٢) في ب: وما.
(٣) في ب: تنفع قراءة القرآن.
(٤) أخرجه الدارمي (٣٥٤) عن الحسن مرسلًا.
(٥) في ب: وعززت.
(٦) في ب: مكرمة.
(٧) سقط من الأصول.
[ ١ / ٥٦ ]
وقال أيضًا: "العالم والمتعلم شريكان، وسائر الناس همج [رعاع] (١) لا خير فيهم".
وقال عطاء: "مجلس [خير] (٢) يكفر سبعين [مجلسًا من] (٣) مجالس اللهو".
وأما فضيلة التعليم، فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (٤)، والمراد به: الإرشاد والتعليم.
وقال جلّ ثناؤه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ [وَلَا تَكْتُمُونَهُ] (٥)﴾ (٦).
ومن الأخبار: قوله - ﷺ - لما بعث معاذًا إلى اليمن: "لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من الدنيا وما فيها" (٧).
وقال - ﷺ -: "من تعلم بابًا من العلم [ليعلمه] (٨) الناس أعطى ثواب سبعين صديقًا" (٩).
وقال [عيسى ﵇] (١٠) من عَلِمَ، وعمل وعلَّم، فذلك
_________________
(١) في أ: رعاء.
(٢) في ب: ذكر.
(٣) سقط من ب.
(٤) سورة التوبة الآية (١٢٢).
(٥) سقط من ب.
(٦) سورة آل عمران الآية (١٨٧).
(٧) أخرجه البخاري (٢٧٨٣)، ومسلم (٢٤٠٦).
(٨) في أ: ليعلم.
(٩) قال المنذري: رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس، وفيه نكارة. الترغيب والترهيب (١/ ٥٤). وقال العلامة الألباني: موضوع. ضعيف الترغيب والترهيب (٥٥).
(١٠) في ب: - ﷺ -.
[ ١ / ٥٧ ]
[يُدعى عظيمًا يوم القيامة في ملكوت السماوَات] (١).
وقال - ﷺ -: " [إن الله] (٢) لا ينزع العلم انتزاعًا من الناس بعد أن يؤتهم إياه، ولكن يذهب بذهاب العلماء؛ فكلما ذهب عالم ذهب بما معه من العلم [حتى إذا لم يبق عالم] (٣) اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا؛ إن سُئلوا أفتوا بغير علم، فيضلون ويضلون" (٤).
وقال - ﷺ -: "من سُئل عن علم علمه فكتمه: أُلجم يوم القيامة بلجام من نار" (٥).
وخرج رسول الله - ﷺ - ذات يوم فرأى مجلسين؛ أحدهما يدعون [إلى] (٦) الله، [ويرجونه] (٧) ويرغبون إليه، والثاني: يعلمون الناس، فقال: "أما هؤلاء فيسألون الله تعالى، فإن شاء أعطاهم، وإن شاء منعهم، وأما هؤلاء فيعلمون الناس، وإنما بعثت معلمًا، ثم عدل إليهم فجلس معهم" (٨).
وقال النبي - ﷺ -: "مثل ما بعثني الله به من العلم، والهدى كمثل الغيث الكثير، أصابت أرضًا، فكانت [منها] (٩) بقعة قبلت الماء، فأنبتت
_________________
(١) في ب: فذلك عظيم في ملكوت السماوات.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من أ.
(٤) أخرجه البخاري (١٠٠)، ومسلم (٢٦٧٣).
(٥) أخرجه أبو داود (٣٦٥٨)، والترمذي (٢٦٤٩)، وابن ماجة (٢٦٤)، وأحمد (٧٨٨٣) من حديث أبي هريرة، وهذا حديث متواتر.
(٦) زيادة من ب.
(٧) زيادة من ب.
(٨) أخرجه ابن ماجة (٢٢٩)، والدارمي (٣٤٩) من حديث ابن عمرو مرفوعًا. وضعفه المحدث الألباني في مشكاة المصابيح (٢٥٧).
(٩) زيادة من ب.
[ ١ / ٥٨ ]
الكلأ، والعشب الكثير، وكانت منها بقعة أمسكت [الماء] (١) فنفع الله به الناس؛ فشربوا [منها] (٢) وسقوا وزرعوا، وكانت [منها] (٣) طائفة قيعان لا تمسك ماءً، ولا تنبت كلأ" (٤).
فالأول ذكره مثلًا للمنتفع بعلمه، والثاني: مثلًا للنافع، والثالث: للمحروم [منه] (٥).
وقال أيضًا: "لا حسد إلا في اثنتين؛ رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها" (٦).
وقال - ﷺ -: ["رحمة الله على خلفائي"]، (٧): قيل: من خلفاؤك؟ قال: "الذي يُحيون سنتي، ويعلمونها عباد الله سبحانه" (٨).
ومن الآثار: [ما قال] عمر (٩): من حدث بحديث فعُمل به، فله أجر ذلك العامل.
وقال ابن عباس ﵁: مُعلم الناس الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) زيادة من ب.
(٤) أخرجه البخاري (٧٩)، ومسلم (٢٢٨٢) من حديث أبي موسى.
(٥) في أ: منهم.
(٦) أخرجه البخاري (٧٣)، ومسلم (٨١٦).
(٧) سقط من أ.
(٨) ورد هذا الحديث هكذا مبتورًا في الأصل، وبلفظ الخلفاء، ولم أقف عليه بهذه الصياغة. والذي وقفت عليه بلفظ: "إن هذه الدين بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء، فقيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: "الذين يحيون سنتي، ويعلمونها عباد الله" أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (١٠٥٢)، والبيهقي في كتاب الزهد الكبير (٢٠٥).
(٩) في أ: قال.
[ ١ / ٥٩ ]
وقد روى أن سفيان الثوري قدم عسقلان، فمكث فيها ثلاثة أيام لا يسأله [الناس] (١) فقال: [اكتروا] (٢) لي [لأخرج] (٣) من هذا البلد؛ هذا بلد يموت فيه العلم" (٤).
وإنما قال ذلك حرصًا على فضيلة التعليم، واستبقاء للعلم به.
وقال عطاء: دخلت على سعيد بن المسيب -وهو يبكي- فقلت [له] (٥): وما يبكيك؟ فقال: ليس أحد يسألني عن شيء.
وقال [بعضهم] (٦): العلماء سراج الأزمنة، وكل واحد منهم سراج أهل زمانه؛ يستضىء [به أهل زمانه] (٧).
وقال الحسن ﵁: لولا العلماء صار الناس مثل البهائم، أي: [فالتعليم يخرجه من حد البهيمية] (٨) إلى حد الإنسانية.
وقال عكرمة: إن لهذا العلم ثمن، [قيل] (٩): وما هو؟ قال: أن تضعوه فيمن يحسن حمله، ولا يضيعه.
وقال يحيى بن معاذ: العلماء أرحم بأمة محمد من آبائهم وأمهاتهم، قيل: كيف ذلك؟ قال: لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا، [والعلماء] (١٠) يحفظونهم من نار الآخرة.
_________________
(١) في أ: إنسان.
(٢) في ب: أكروا.
(٣) في ب: أخرج.
(٤) انظر: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢/ ٢٧٩).
(٥) زيادة من ب.
(٦) سقط من ب.
(٧) سقط من ب.
(٨) في ب: بالتعليم خرجوا من حد البهائم.
(٩) في ب: قال.
(١٠) في أ: وهم.
[ ١ / ٦٠ ]
وقيل: أول العلم الصمت، ثم الاستماع، ثم الحفظ، ثم العلم، ثم نشره.
وقال معاذ بن جبل [﵁] (١) في التعليم والتعلم -[وهو أيضًا مرفوع إلى النبي - ﷺ -] (٢): تعلموا العلم؛ فإن تعلمه [لله] (٣) خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلم صدقة، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس في الوحدة، والصاحب في الخلوة، والدليل [في] (٤) السراء والضراء، والوزير عند الأخلاء، [والقريب] (٥) عند [الغرباء] (٦) [ومنازل المحبة] (٧) يرفع الله [بها] (٨) أقوامًا فيجعلهم في الخير قادة سادة يقتدى بهم؛ لأنهم أدلة في الخير، تقص آثارهم، وتُرمق أفعالهم، وترغب الملائكة في خلتهم، [وبأجنحتها] (٩) تمسحهم، كل رطب ويابس [لهم يستغفر] (١٠) حتى الحيتان في البحر وهوامه، وسباع البر [وأنعامه] (١١) والسماء ونجومها؛ لأن العلم حياة القلوب من [العدم] (١٢) ونور الأبصار من الظلام، وقوة
_________________
(١) زيادة من ب.
(٢) سقط من ب.
(٣) في أ: للناس.
(٤) في ب: على.
(٥) في أ: والقربى.
(٦) في جـ: الغربة.
(٧) في ب: ومنازل سبيل الجنة.
(٨) في ب: به.
(٩) في ب: وبأجنحتهم.
(١٠) في ب: يستغفر لهم.
(١١) زيادة من ب.
(١٢) في جـ: العمى.
[ ١ / ٦١ ]
الأبدان من الضعف [يبلغ العبد المنازل] (١) والدرجات العلا، والتفكر فيه يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، به يُطاع الله سبحانه، وبه يُعبد [به] (٢) ويُوحد، وبه يُتورع، وبه [توصل] (٣) الأرحام، وهو [الإمام] (٤) والعمل تابعه، يُلهَمه السعداء، ويُحرمه الأشقياء.
فإذا ثبت ذلك، فطلب العلم [والتفقه في الدين] (٥) من فروض الكفاية؛ فمن قام به سقط [الفرض] (٦) عن الباقين، إلا ما لا يسع المكلف جهله من صفة وضوئه وصلاته وصيامه، وزكاته -إن كان ممن تجب عليه الزكاة- فإن ذلك واجب عليه تعلمه، ولا يُسقط فرضه فيه علمُ غيره.
وقد سُئل مالك ﵁ عن طلب العلم أَوَاجب؟ قال: أما على كل الناس فلا.
وروى عنه ابن وهب أنه كان جالسًا معه، فحضرت الصلاة فقام إليها، فقال: ما الذي قمت إليه بأوجب [من] (٧) الذي قمت عنه. وهذا الكلام فيه نظر؛ كيف يكون طلب العلم على أحد أوجب من الصلاة؟ فإن صحت الرواية فلا يعني بذلك [ق/ ٤ أ] أنه كان في أول الوقت، والصلاة أول الوقت إنما تجب وجوبًا موسعًا؛ فيكون الاشتغال بتقييد ما يُخشى فواته
_________________
(١) في ب: يبلغ العبد منازل الأبرار.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: يتوصل إلى.
(٤) في أ: إمام.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من ب.
(٧) في ب: مما.
[ ١ / ٦٢ ]
من العلم آكد عليه من البدار ["إلى الصلاة في أول وقتها" (١)] (٢).
[فصل] (٣)
ولا يحصل العلم إلا [بالعناء] (٤) والتعب، والملازمة، والمباحثة، والنصب، والصبر على الطلب؛ كما حكى الله تعالى عن موسى ﵇ أنه قال للخضر: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ الآية (٥)، وأنه قال لفتاه: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ (٦) أي: تعبًا.
وقال ابن المسيب ﵀: كنت أرحل في طلب العلم والحديث الواحد مسيرة الأيام، والليالي؛ ولهذا كان سيد أهل عصره، وكان [يسمى] (٧) سيد التابعين.
وقال مالك ﵀: أقمت خمس عشرة سنة أغدو من منزلي إلى منزل ابن هرمز، وأقيم عنده إلى صلاة الظهر مع ملازمتي لغيره؛ ولذلك فاق أهل عصره، ويسمى إمام دار الهجرة، وأقام ابن القاسم متغربًا عن بلده في رحلته إلى مالك عشرين سنة حتى مات مالك ﵀.
ورحل سحنون إلى ابن القاسم، فكان مما قرأ عليه مسائل "المدونة" و"المختلطة" فدونها، فجعلت أصل علم المالكيين، ومقدمة على غيرها من الدواوين بعد "موطأ مالك" ﵀.
ويُروى أنه ما بعد كتاب الله أصح من "موطأ مالك" في الفقه، ولا
_________________
(١) بياض في أ.
(٢) في ب: تقديم وتأخير.
(٣) زيادة من ب.
(٤) في ب: بالعناية.
(٥) سورة الكهف الآية (٦٩).
(٦) سورة الكهف الآية (٦٢).
(٧) سقط من أ.
[ ١ / ٦٣ ]
بعد "موطأ مالك" [دواوين] (١) في الفقه أفيد من "المدونة"، وهي عند أهل العلم ككتاب سيبويه عند أهل الإعراب، وككتاب إقليدس عند أهل الحساب، وموضعها من الفقه: موضع أم القرآن من الصلاة، وتجزئ عن غيرها، ولا يجزئ عنها غيرها، وكان مؤلفه على مذهب أهل العراق [فسلخ] (٢) أسد بن الفرات منها [الأسئلة] (٣) وقدم بها على مالك ﵀ المدينة يسأله عنها، ويسيرها على مذهبه، فألفاه قد توفي، فأتى أشهب يسأله عنها فسمعه يقول: أخطأ مالك في مسألة كذا، وأخطأ في مسألة كذا، فاستنقصه لذلك وعابه، ولم يرض قوله فيها، وقال: ما أشبه هذا إليّ إلا [كرجل] (٤) بال في جانب البحر، فقال: هذا بحر آخر.
فدُل على ابن القاسم فأتاه يرغب إليه في ذلك، فأبى عليه، فلم يزل كذلك حتى شرح الله صدره لما سأله، فجعل يسأله عنها مسألة مسألة؛ فما كان عنده [من سماع] (٥) مالك، قال: نعم سمعت مالكًا يقول فيه كذا وكذا، وما لم يكن عنده سماع عن مالك إلا بلاغ قال: لم أسمع من مالك فيه شيئًا، وبلغني عنه أنه قال فيه كذا وكذا، وما لم يكن عنده فيه سماع، ولا بلاغ، قال: لم أسمع من مالك فيه شيئًا، والذي أرى فيه كذا وكذا حتى أتمها.
فرجع بها إلى بلاده فطلبها منه سحنون، وكان معه في القيروان، فأبى
_________________
(١) في ب: ديوان.
(٢) في ب: فنسخ.
(٣) في ب: الأسدية.
(٤) في ب: برجل.
(٥) في أ: بسماع.
[ ١ / ٦٤ ]
عليه، فتحيّل [عليه] (١) سحنون حتى [صارت النسخة] (٢) عنده فنسخها ثم [رحل] (٣) بها إلى ابن القاسم، فقرأها عليه فرجع فيها عن مسائل، وكتب إلى أسد أن يصلح كتابه على ما في كتاب سحنون؛ فأَنِف أسد من ذلك وأباه، فبلغ ذلك ابن القاسم، فدعا عليه ألا يبارك [له] (٤) فيها -وكان مستجاب الدعوة- فأجيبت دعوته، ولم يشتغل بكتابه، فما زال الناس في قراءة "المدونة" ونفع الله بها.
[ومن أفضل] (٥) ما يستعان به على الطلب: تقوى الله العظيم؛ فإنه قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ (٦)، ويجب على طالب العلم أن يخلص نيته لله في طلبه؛ فإنه لا ينفع علم لا نية لطالبه؛ لقوله ﵇: "إنما الأعمال بالنيات" (٧)، وقال ﵇: "نية المؤمن أبلغ من عمله" (٨)، وقال أيضًا: "من كانت هجرته إلى الله ورسوله" (٩) الحديث.
ويجب عليه أيضًا ألا يريد بعلمه الرياء، والسمعة، ولا غرضًا من أغراض الدنيا؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: صار الكتاب.
(٣) في ب: رجع.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: وأفضل.
(٦) سورة البقرة الآية (٢٨٢).
(٧) أخرجه البخاري (١).
(٨) أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (١٤٦)، (١٤٧)، والبيهقي في الشعب (٦٨٥٩). قال العجلوني: رواه العسكري في الأمثال، والبيهقي عن أنس مرفوعًا، قال ابن دحية: لا يصح، والبيهقي: إسناده ضعيف. كشف الخفا (٢/ ٤٣٠).
(٩) تقدم.
[ ١ / ٦٥ ]
حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾، الآية (١)، وقال عزّ من قائل: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ (٢).
وروى أن رهطًا من أهل العراق مرُّوا بأبي ذر، فسألوه فحدثهم، فقال: [لهم] (٣) أتعلمون أن هذه الأحاديث التي يُبتغى بها وجه الله إن تعلمها أحد يريد [بها] (٤) غرض الدنيا، لا يجد عرف الجنة [وعرفها: ريحها] (٥).
وروى عن [شفي] (٦) الأصبحي أنه دخل المدينة، فإذا هو برجل قد اجتمع الناس إليه، فقال: من هذا؟ فقيل: أبو هريرة، قال: فدنوت منه حتى قعدت بين يديه -وهو يحدث الناس- فلما سكت [الرجل] (٧) قلت له: فبحق الله عليك إلا ما حدثتني بحديث سمعته من رسول الله - ﷺ -، عقلتَه وعلمتَه، فقال أبو هريرة: أفعل، لأحدثك حديثًا حدثنيه رسول الله - ﷺ -[أنا] (٨) وهو في هذا البيت -عقلتهُ وعلمتهُ ما معنا أحد غيري، وغيره- ثم نشغ (٩) نشغة، ثم سكت ثم أفاق، فقال: أفعل، لأحدثنك حديثًا سمعته من رسول الله - ﷺحتى فعل ذلك ثلاث مرات- فقال: حدثني رسول الله - ﷺ -: "أن الله تعالى إذا كان يوم القيامة نزل إلى العباد ليقضي بينهما، وكل أمة جاثية؛ فأول من يدعى به رجل جمع القرآن،
_________________
(١) سورة الشورى الآية (٢٠).
(٢) سورة الإسراء الآية (١٨).
(٣) زيادة من ب.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من ب.
(٦) في أ، ب: شقيق.
(٧) زيادة من ب.
(٨) سقط من أ.
(٩) أي: شهق حتى يكاد أن يغمى عليه.
[ ١ / ٦٦ ]
ورجل قُتل في سبيل الله، ورجل كثير المال والصدقة، [فيقول] (١) للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: [ماذا عملت] (٢)؟ فيقول: كنت أقوم به آناء الليل، وأطراف النهار؛ فيقول الله [تعالى له] (٣): كذبت، ثم يقول الله تعالى: أما أردت أن يُقال فلان قارئ [وقد] (٤) قيل ذلك.
[ثم يؤتى] (٥) بصاحب المال [والصدقة] (٦)، فيقول الله له: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك أن تحتاج إلى أحد؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: ماذا عملت فيما أعطيتك؟ فيقول: كنت أصل [الرحم] (٧) وأتصدق، فيقول الله تعالى: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، فيقول الله له: أردت أن يُقال: فلان جواد، وقد قيل ذلك.
[ثم] (٨) يؤتى بالرجل [الذي قُتل] (٩) في سبيل الله، فيقول الله له: فيم قُتلت؟ [فقال] (١٠) أُمرت بالجهاد في سبيلك، فقاتلت حتى قُتلت، فيقول الله له: كذبت، أردت أن يُقال فلان جرىء، فقد قيل ذلك"، ثم ضرب رسول الله - ﷺ - ركبتيه، فيقول: "يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول
_________________
(١) في ب: فقال.
(٢) في ب: ما عملت بما علمتك.
(٣) زيادة من أ.
(٤) في ب: فقد.
(٥) في أ: فيؤتى.
(٦) سقط من أ.
(٧) في ب: الأرحام.
(٨) في أ: و.
(٩) في ب: قاتل.
(١٠) في ب: فيقول.
[ ١ / ٦٧ ]
خلق الله تُسعَّر لهم النار يوم القيامة" (١).
ثم قال شقي: وحدثت معاوية بهذا الحديث، فقال: قد فُعل بهؤلاء هذا، فكيف بمن بقى من الناس، فبكى حتى ظننا أنه هالك، ثم أفاق فمسح الدموع عن وجهه [وقال] (٢): صدق الله ورسوله، ثم تلى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ .. إلى قوله: ﴿مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣).
وروى عن مجاهد أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ (٤): أنه الرياء، وهذا الوعيد -والله أعلم- فيمن كان أصل عمله الرياء، والسمعة، فأمَّا من كان أصل عمله لله، فلا يضره ذلك إن شاء الله كالخطرات التي في القلب [ولا يملك دفعها] (٥).
ولقد سُئل مالك وربيعة [﵄] (٦) عن رجل يحب أن يلقى في طريق المسجد، ولا يجب أن يلقى في طريق السوق: فأما ربيعة: فكره ذلك، وأما مالك فقال: إذا كان أول ذلك لله، فلا بأس به إن شاء الله.
قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ (٧).
قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (٨).
قال عمر بن الخطاب ﵁ لابنه: لأن تكون قلتها أحبَّ إليَّ
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٩٠٥)، والترمذي (٢٣٨٢)، واللفظ له.
(٢) في ب: فقال.
(٣) سورة هود الآيتان (١٥، ١٦).
(٤) سورة فاطر الآية (١٠).
(٥) في أ: علمه.
(٦) زيادة من ب.
(٧) سورة طه الآية (٣٩).
(٨) سورة الشعراء الآية (٨٤).
[ ١ / ٦٨ ]
من أن يكون لي كذا وكذا. إذا كان [أخبره] (١) بما كان في نفسه من الشجرة التي مثَّلها رسول الله - ﷺ - بالرجل المؤمن، وسأل أصحابه عنها؛ فوقعوا في شجر البوادي، فقال عبد الله بن عمر: [فوقع] (٢) في نفسي أنها النخلة، ثم قال ﵇: "أنها النخلة" (٣).
فقال مالك: أي شيء إلا مراء، وإنما هو أمر يكون في القلب لا يملك؛ فهذا إنما يكون من الشيطان ليمنعه، فمن وجد ذلك فلا يكسله عن التمادي في الخير، ولا ييئسه من الأجر، وليدفع الشيطان عن نفسه ما استطاع [ويجدد] (٤) النية لله تعالى.
وقد روى عن بعض المتقدمين أنه قال: طلبنا العلم لغير الله، فردَّنا العلم إلى الله.
[وفي خبر] (٥) عن معاذ بن جبل أنه قال لرسول الله - ﷺ -: ليس من بني سلمة إلا مقاتل؛ فمنهم مَنْ القتال طبيعته، ومنهم مَنْ يقاتل رياء، ومنهم مَنْ يقاتل احتسابًا، فأيّ هؤلاء من الشهداء من أهل الجنة؟ [فقال لمعاذ بن جبل] (٦): "مَنْ قاتل على شيء من هذه الخصال، وأصل أمره أن تكون كلمة الله العليا، فقُتل: فهو شهيد من أهل الجنة" (٧).
وروى أن رجلًا قال: يا رسول الله من يعمل العمل فيخفيه، فيطَّلع
_________________
(١) في أ: يخبره.
(٢) في ب: ووقع.
(٣) أخرجه البخاري (١٣١)، ومسلم (٢٨١١).
(٤) في ب: ويجرد.
(٥) في أ: روى.
(٦) في ب: فقال له معاذ بن جبل.
(٧) أخرجه البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤) من حديث أبي موسى، ولم أقف عليه من حديث معاذ.
[ ١ / ٦٩ ]
عليه الناس فيسره، [فقال] (١): "له أجر السر وأجر العلانية" (٢)، ويجب على من تعلم العلم: أن يعمل [به] (٣) لله؛ فإنه إن لم يعمل به كان عليه حجة يوم القيامة، وحسرة، وندامة.
وروى عن النبي - ﷺ - أنه قال: "ما منكم من أحد إلا ويخلو به ربه يوم القيامة كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر، ثم يقول: يا بن آدم: ما غرك [بي، يا ابن آدم] (٤): ماذا عملت فيما علمت؟ بماذا أجبت المرسلين؟ " (٥).
وروى عن أبي الدرداء [أنه قال] (٦): من أشر الناس منزلة يوم القيامة عالم لا ينتفع بعلمه.
وقال ﵇: "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن، ويعمل به مثل الأترجة؛ طعمها طيب، وريحها طيب، والفاجر الذي لا يقرأ القرآن ولا يعمل به: مثل [الحنظل] (٧) طعمها مر وريحها مر، ومثل الذي يقرأ القرآن
_________________
(١) في ب: فقال رسول الله - ﷺ -.
(٢) أخرجه الترمذي (٢٣٨٤)، وابن ماجة (٤٢٢٦)، وابن حبان في صحيحه (٣٧٥)، والطبراني في الأوسط (٤٧٠٢)، والبيهقي في الشعب (٧٠٠٣)، وهناد في الزهد (٨٨٠)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٣٦٣) من حديث أبي هريرة مرفوعًا. قال الشيخ الألباني: ضعيف. الضعيفة (٤٣٤٤)، ضعيف ابن ماجة (٤٢٢٦)، وضعيف الجامع (٤٧٨٧). قلت: فيه أبو سنان الشيباني صدوق له أوهام عن حبيب بن أبي ثابت -ثقة كثير الإرسال والتدليس- وقد عنعنه.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من ب.
(٥) أخرجه الطبراني في الكبير (٨٨٩٩)، وابن أبي عاصم في كتاب الزهد (١٦٤)، وابن المبارك في الزهد (٣٨)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٣١) من حديث ابن مسعود موقوفًا. قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير موقوفًا، وروي بعضه مرفوعًا في الأوسط. مجمع الزوائد. (١٠/ ٣٤٧).
(٦) سقط من ب.
(٧) في ب: الحنطة.
[ ١ / ٧٠ ]
ولا يعمل به مثل الريحانة؛ ريحها طيب وطعمُها مُر، ومثل الذي [ق/ ٥ أ] لا يقرأ القرآن ويعمل به: مثل التمرة؛ طعمها طيب، ولا ريح لها" (١).
[وكان] (٢) العلم في الصدر الأول والثاني في صدور الرجال، ثم انتقل إلى جلود الضأن، وصارت مفاتيحه في صدور الرجال؛ فلابد لطالب العلم من مُعَلِّم يتقى الله [ويَفْتَحُ] عليه ويطرق له، ويتخذه قدوة في دينه، ويرتضيه بأن يكون حاجزًا بينه، وبين النار.
وقد قال النبي ﵇: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفونا [عنه] (٣) تحريف الجاهلين، وتأويل الغالين، وانتحال المبطلين" (٤).
وقد قال النبي - ﷺ -: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذونه عنه" (٥).
وأحق من أُخذ العلم عنه، واقتُبس منه، واتخذ فيه إمامًا متبعًا، وقدوة مطاعًا، من كان معروفًا بالعلم والديانة، موصوفًا بالثقة والأمانة، مشهورًا بحسن الاتباع، وتجنب الابتداع، عارفًا بطرق الأخبار، وعلل الآثار، عالمًا بتصحيح الروايات من سقيمها، بصيرًا بذوي الثقة، والضعف من رواتها، صحيح النقل والرواية، مكين المعرفة والدراية،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٧٣٢)، ومسلم (٧٩٧).
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من ب.
(٤) أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٥٩٩)، وابن عبد البر في التمهيد (١/ ٥٩)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٢/ ١٧)، وابن حبان في الثقات (٤/ ١٠)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٧٩)، والعقيلي في الضعفاء (١/ ٩، ١٠) والخطيب في الجامع (١٣٥). قلت: صححه العلامة الألباني في مشكاة المصابيح (٢٤٨).
(٥) أخرجه ابن عدي في الكامل (١/ ١٤٨)، والسهمي في تاريخ جرجان (٤٣٠). قال المحدث الألباني: ضعيف جدًا. الضعيفة (٢٤٨١).
[ ١ / ٧١ ]
حافظًا لدينه بالتِّقى والورع، صائنًا لعلمه بالتّنزه عن الطمع، مؤديًا لما يلزمه له من حق غير هائب فيه سطوة ذي ولاية، قد زانه أحسن الأعمال، ولم يَشِنْه بالإهمال والإغفال؛ كأبي عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المديني ﵁، فقيه مصره، وشيخ علماء عصره، والمجتمع على فضله ونبله، والمتأول سادات العلماء فيه أنه العالم الذي بَشَّرَ به رسول الله - ﷺ -، وأعلمَ أنه أعلم أهل زمانه، والبائن بهذه الفضيلة دون كافة شركائه، وأقرانه، مع طرائقه المرضية الحميدة، وسيرته في العلم القويمة السعيدة، وتفضيل الأئمة له بما تغني شهرته عن الإطالة باقتصاصه.
فإن قال قائل: لسنا ننازعكم في فضله ونُبله، وعلو قدره، ومنزلته، ولكن لم صرتم إلى مذهبه دون مذهب غيره [ق/٣ ب]، وتدينتم بقوله، وأمرتم المبتدئ بالتفقه بدرسه، واعتقاده مع قولكم بصحة النظر ووجوبه، وبطلان التقليد وفساده.
وإن كونه من حيازته الفضائل، والمراتب، وكثرة الشمائل، والمناقب بحيث وصفتم غير كاف فيما ادعيتم؛ لأن هذه الأمور قد [شاركه] (١) فيها من لم تصيروا إلى مذهبه، ولم تحكموا بتصويب طريقته؟
فالجواب عن ذلك من وجهين [اثنين] (٢): أحدهما: من طريق الأثر، والثاني: من طريق النظر.
فأما من طريق الأثر: فما رواه سفيان بن عيينة عن [أبي] (٣) جريج عن أبي الزبير عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:
_________________
(١) في أ: شاركوه.
(٢) زيادة من ب.
(٣) في أ، ب: أبو، والمثبت هو الصواب.
[ ١ / ٧٢ ]
"يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل [في طلب العلم] (١) فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة" (٢).
قال سفيان بن عيينة: وكانوا يرونه مالك بن أنس.
وروى عبد الله بن عمر عن سعيد بن أبي هند عن أبي موسى الأشعرى
قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يخرج طالب العلم من المشرق [والمغرب] (٣) فلا يجد عالمًا أعلم من عالم المدينة".
ومعلوم أن هذا القول منه - ﷺ - إخبار بأن عالم المدينة أعلم من تُشَد إليه الرِّحَال، وتُطوى لديه المراحل، وتُضْرب إليه أكباد الإبل.
وقد علمنا أنه لم يرد بذلك عصره [ولا عصر الصحابة من بعده] (٤) إنما أراد بذلك [الأعصار] (٥) بعده، وليس أحدا بعد عصره وعصر الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين ثبت له إطلاق هذا الاسم، وضربت إليه أكباد الإبل إلا مالك ﵁؛ فوجب بذلك ما قلناه من تقديمه على غيره؛ لأنه هو الذي انتهى إليه علم السلف الصالح من أهل المدينة، وضُربت إليه أكباد الإبل من الفجاج العميقة، والأقطار البعيدة.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) أخرجه الترمذي (٢٦٨٠)، وأحمد (٧٩٢٠)، والحاكم (٣٠٧)، وابن حبان (٣٧٣٦)، والنسائي في الكبرى (٤٢٩١)، والبيهقي في الكبرى (١٦٨١)، والخطيب في التاريخ (٦/ ٣٧٦)، والرحلة في طلب الحديث (٩٠) بسنده هنا سواء. قال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال الشيخ الألباني: ضعيف. الضعيفة (٤٨٣٣)، ضعيف الجامع (٦٤٤٨)، ومشكاة المصابيح (٢٤٦).
(٣) في أ: إلى المغرب.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: إلا عصرًا.
[ ١ / ٧٣ ]
وسُمِّي فقيه المدينة، وعالم المدينة، وإمام دار الهجرة، كما سُمِّي غيره عالم العراق والشام، حتى أن مخالفيه يسمونه، وينسبونه إليه، ويقولون: قال مالك -فقيه المدينة، وعالم المدينة، وقال [ابن] (١) المدني- فيكتفون بذلك في تعريفه.
[وقد] (٢) روى عن ابن جريج، وسفيان بن عيينة، وعبد الرحمن بن مهدي أنهم كانوا يرونه مالك بن أنس.
ومما حكى عن سفيان [إن يكن] (٣) مَنْ هذه صفته: فأبو عبد الرحمن -يعني المقري- فقد رجع عن ذلك، فقال: العالم من يخشى.
وأما من طريق النظر: فلأن المدينة لما كانت مستقر التنزيل، ومعدن التأويل، ودار الهجرة، ومستقر النبوة، وعرصة الوحي، وكان النبي ﵇ بين [ظهراني] (٤) أهلها قاطنًا مطمئنًا قد اتخذها مسكنًا، ووطنًا، يشرِّع ويَسن ويوضح، ويبين؛ كان أهلها أعلم من غيرهم؛ فمن تابعهم لما ثبت لهم من مزية الشهادة، وفضل القرب والمعاينة، وقد شاهدوا الأحكام [ق/ ١ جـ]، ومعرفة تفاصيل الحلال والحرام على حسب ما نزل به الروح الأمين على النبي - ﷺ -.
وبهذا الاعتبار رجع مخالفوهم [إلى قولهم] (٥) في الأحباس، والأوقاف، والمُد، والصَّاع، وغير ذلك.
[وبهذه الطريقة] (٦) رجح أصحابنا إجماع أهل المدينة من طريق
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) في ب: فمن يكون.
(٤) في ب: أظهر.
(٥) زيادة من ب.
(٦) وبهذا الطريق.
[ ١ / ٧٤ ]
الاجتهاد؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم قد شاهدوا الوحي، والتنزيل، [وشاهدوا] (١) الأحكام التي [نزل] (٢) بها الأمين جبريل، وعرفوا الأغراض، والمقاصد، وميزوا بين المصادر، والموارد؛ فكان استخراجهم واستنباطهم أقرب إلى الحق والصواب، وكان مالك [﵃] (٣) [هو] (٤) الآخر منهم، والوارث لعلومهم، وإليه انتهت علومهم، وعليه اجتمعت فضائلهم، وعلى أصولهم بني وأسس [وَوَلَّد وفَرَّع] (٥) ومنها استنبط، واستخرج، وقاس، واعتبر، ووجب بذلك تقديمه على غيره، وكون مذهبه أولى [بأن] (٦) يصار إليه، ويؤخذ به.
هذا على أنا لم نذكر شيئًا من فضائله المشهورة.
وتفصيل أئمة العلم، وإخبارهم بصواب رأيه، ووفور علمه، وعقله، ودينه، وفضله، وزهده، وورعه، وتوقيره للعلم، وإعظامه محله، وما رؤى له من المبشرات، والرؤى الصالحات، وما مضى له [مع] (٧) أصحاب الولايات من كثرة المراجعات والمقالات، [في] (٨) الذَّب عن الدِّين، والمنع عن [إعطاء الدنية] (٩) والرضا فيه من التبعية، وما أصابه في ذلك من المِحَن التي لم يزده الصبر عليها، والتجريع لغُصصها إلا رتبة، ونبلًا، ومحلًا، وفضلًا.
_________________
(١) في ب: وعاينوا.
(٢) في ب: ينزل.
(٣) في ب: ﵀.
(٤) زيادة من ب.
(٥) سقط من ب.
(٦) في ب: ما.
(٧) في أ: من.
(٨) في أ: و.
(٩) في ب: الإعطاء بالدنية.
[ ١ / ٧٥ ]
ولا ذكرنا شيئًا من فضائل أصحابه [المتأدبين] (١) بآدابه المتمسكين بمذهبه كعبد الرحمن بن القاسم الذي هو شيخ مذهبه، والقائم به، والموثوق بروايته، وقياسه، والمعول على استنباطه، واستخراجه مع [محله] (٢)، وفضله، ودينه، وكسحنون، واسمه: عبد السلام بن سعيد الذي هو أمين المذهب، وحامل رايته، وناشره في مشارق الأرض ومغاربها، الذي اشتهرت [إمامته] (٣) وظهرت [مفاخره] (٤)، وثبتت فضائله في كل ناد، وثبتت عند كل حاضر، وباد ﵃.
[فصل في بيان أحكام الشريعة] (٥)
[وأقسام] (٦) الشريعة [تنقسم] (٧) على خمسة أقسام؛ واجب ومستحب، ومباح، وحرام، ومكروه.
فالواجب: ما حرم تركه، وله خمسة أسماء؛ واجب وحتم، ومفروض، ولازم، ومكتوب، وكلها قائمة من القرآن.
[وهو ينقسم] (٨) على ثلاثة أقسام؛ واجب بالقرآن، وواجب بالسنة، وواجب بالإجماع، [وهي] (٩) كلها سواء في لحوق الإثم.
والمندوب: ما كان في فعله ثواب، ولم يكن في تركه عقاب؛
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: علمه.
(٣) في ب: أمانته.
(٤) في أ: علانيته.
(٥) زيادة من ب.
(٦) في ب: وأحكام.
(٧) سقط من أ.
(٨) في ب: وهي تنقسم.
(٩) سقط من ب.
[ ١ / ٧٦ ]
كالعتق [المبتدأ] (١) والكتابة.
والمباح: ما استوى طرفاه.
والمحظور: ضد الواجب في لحوق الإثم بالمتلبس به.
والمكروه: ضد المستحب في كونه [ثواب] (٢) على الترك.
فإذا ثبت ذلك؛ فالمندوب ينقسم إلى ثلاثة أقسام؛ سنن، ورغائب، ونوافل.
والسنن: ما أمر النبي - ﷺ - بفعله، وقرن بأمره ما يدل [على] (٣) أن المراد به [غير] (٤) الندب، ولم تقترن به قرينة على مذهب من [يرى] (٥) الأوامر على الندب ما لم تقترن به قرينة (٦)، أو ما داوم النبي - ﷺ - على فعله بغير صفة النوافل.
والرغائب: ما داوم النبي - ﷺ - على فعله، ورغب؛ فيقول من فعل كذا وكذا فله كذا.
والنوافل: ما قَدَّرَ الشرع [أن] (٧) في فعله ثوابًا من غير أن يأمر النبي
_________________
(١) في ب: والتدبير.
(٢) في ب: ثياب.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: رأى.
(٦) قالت المعتزلة: يقتضي الأمر الندب، ولا يحمل على الوجوب إلا بدليل. وقالت الأشاعرة: إذا ثبت كون الصيغة للاستدعاء وجب التوقف فيها، ولا تحمل على الوجوب ولا على غيره إلا بدليل. ومذهب الجمهور: إذا تجردت صيغة الأمر اقتضت الوجوب. انظر: التبصرة في أصول الفقه (٢٦: ٣٥).
(٧) سقط من ب.
[ ١ / ٧٧ ]
- ﷺ - بفعله، أو يرغب فيه، أو يداوم على فعله.
والعبادات التي لها هذه الأحكام تنقسم على ثلاثة أقسام: [قسم] (١) [منها] (٢) يتوجه إلى القلوب، وقسم [منها] (٣) يتوجه إلى الأبدان، وقسم [منها] (٤) يشترك فيه القلوب والأبدان.
فأما القسم الذي يتوجه منها إلى القلوب: خمسة أجناس؛ نظر، واعتقاد، وعلم، وظن، وإرادة.
وأما [القسم] (٥) الذي يتوجه إلى الأبدان، وهو ما لا يفتقر فيه إلى النية كإزالة النجاسة عن الثوب، والبدن.
وأما القسم الثالث: وهو ما يشترك فيه القلوب والأبدان كالطهارة؛ وهي في أصل اللغة (٦): النزاهة عما تستقذره الطباع، وتنافره [الأخلاق الرفاع] (٧).
ومنه يقال: فلان طاهر الذيل ذي الأخلاق النفيسة [المنزهة عن النقائض الخسيسة] (٨)، قال الله تعالى: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٩)، وقال: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ (١٠).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من ب.
(٤) سقط من ب.
(٥) زيادة من ب.
(٦) انظر: مختار الصحاح (١٦٧).
(٧) في ب: أخلاق الوراع.
(٨) في ب: غير الخسيسة.
(٩) سورة الأحزاب الآية (٣٣).
(١٠) سورة المائدة الآية (٦).
[ ١ / ٧٨ ]
ومنه قول الشاعر:
خليلي هل لي قطرة بعد توبة أداوي بها قلبي على فجور
إلى رجح الأكفال غيد من الظبا عذاب الثنايا ريقهن طهوري
أي: بقى طاهر نقي غير مستقذر الفضلات، كما قال الآخر (١):
ثياب بني عوف طهاري نقية وأوجههم عند المشاهد غراف
[وهي] (٢) في الشرع على ما هي عليه [ق/٦ أ] في الموضع غير أن للشرع فيها تصرفات، وزيادات، وصفات.
واختلف العلماء؛ هل هي معقولة المعنى، ومفهومة المغزى فمن نظر إلى اختصاص المجمل يؤذن [أن] (٣) الغرض منها تنظيف الأعضاء المبتذلة في التصرف، والامتهان لما يتعلق بها من الأدران؛ ولاسيما: غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، والرجلين إلى الكعبين؛ إذ هما مسارح الأبصار، معرضة غالبًا لملاقاة الغبار، ومصادمة الأوطار، والأقذار.
والطاهر منها في الأكثر هذا المقدار، والرأس مستور بالعمائم والقلانس، وقد يبدو منه بعضه أو كله للاسترواح، ولابد من هبوب الرياح، فشرع له فيه المسح الذي هو أدنى مزيل لأقل مُزال.
والإنسان منكمش على المعاش، ويأوي إلى الفراش، عاريًا من الرياش، ولابد من عرق، وغبار متعلق، ووظف غسل الجنابة على الجسد عمومًا. والاعتراض على هذا يخرج التيمم [عن] (٤) التنظيف
_________________
(١) الشاعر هو امرؤ القيس.
(٢) في ب: أو هي.
(٣) سقط من أ
(٤) سقط من أ.
[ ١ / ٧٩ ]
والتحسين؛ إذ الظاهر منها التلويث والتغيير؛ إذ التيمم [أحد] (١) الطهارتين، فالعبرة بالعبر، والمعاني، لا بالصور [والمباني] (٢)، قال الله تعالى: ﴿لَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٣)، فجعل القصاص الذي هو عين الإتلاف: حياة، وإلى هذا ذهب [متأخرو] (٤) الشافعية، أو ليست بمعقولة المعنى نظرًا إلى أسرار الربوبية، واختصاص الألوهية غسل المَحَالّ الظاهرة النقية بالأوامر الواردة الشرعية لخروج خارج من محل مخصوص، وربما اقتصر المكلف على تطهير ذلك المحل أو بمزيل العين خاصة كالاستجمار، وأي معنى في كون الأذى يخرج من محله، ويوجب الغسل في محل آخر.
وهل هو في المثال إلا كما يقول الأول: حكمة على ذنبه، [وهو النابغة الذبياني الشاعر] (٥):
[فَحَمَّلَتْنِي] (٦) ذنب امرئ وتركته كذي العر يُكوى غيره وهو راتع
ولكن الله تعالى يتصرف في عباده، وفي خلقه كما يشاء، ويأمر عباده كيف شاء، لا يُعترض على فعله، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٧)، وهذا هو مذهب مالك ﵁، وهو أصح من مذهب الأول.
وهي تنقسم -أعني الطهارة- إلى قسمين: طهارة لإزالة الخبث، وطهارة لرفع حدث.
_________________
(١) في أ: إحدى.
(٢) في الأصل: المغابي.
(٣) سورة البقرة الآية (١٧٩).
(٤) في الأصل: متأخر.
(٥) ساقطة من ب.
(٦) في الديوان: لكلفتني.
(٧) سورة الأنبياء الآية (٢٣).
[ ١ / ٨٠ ]
فأما الطهارة لإزالة الخبث، وهي من العبادات المتوجهة إلى الأبدان، فلا يفتقر إلى النية باتفاق المذهب، وإنما اختلف في حكم إزالتها؛ هل هو واجب أو مستحب، أو واجب مع الذِّكْر ساقط مع النسيان؟ على ما اقتضته رسوم المذهب.
وأما الطهارة لرفع الحدث: فهي من العبادات المتوجهة إلى القلوب والأبدان، فهل يفتقر فعلها إلى نية أم لا؟
فالخلاف فيها بين فقهاء الأمصار؛ بل بين أرباب المذهب عندنا.
وقد حكى أبو عبد الله المازري في "المُعلم" رواية في المذهب: أن الطهارة لا تفتقر إلى النية كمذهب المخالف، إلا أنها مهجورة (١) في المذهب، والمشهور خلافها على ما لا خفاء له على من [شد] (٢) [طرفًا] (٣) في الأدلة، والحمد لله وحده.
_________________
(١) أي: رواية المازري.
(٢) هكذا في أ. وفي ب: شهد.
(٣) في أ: نظره.
[ ١ / ٨١ ]
كتاب الطهارة
[ ١ / ٨٣ ]