. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [منح الجليل] بِطَلَبِهِ عَلَى مِثْلِ حُجَّتِهَا لَا يَقْطَعُ حَقَّهَا طُولُ سُكُوتِهَا فِي مُوَرَّثِهَا مِنْ زَوْجِهَا الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ حَالَ الْوَرَثَةِ عِنْدِي فِي هَذَا مُخَالِفٌ لِغَيْرِهِمْ إلَّا أَنْ يَكُونُوا اقْتَسَمُوا بِعِلْمِهَا حَتَّى صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ بِنَصِيبِهِ مِنْ الْإِرْثِ، وَبِأَنَّ بِحَقِّهِ مِنْ أَثْمَانِ مَا بَاعُوا وَبِحَقِّهِ مِمَّا اقْتَسَمُوا مِنْ الرَّقِيقِ وَالْعُرُوضِ وَهِيَ سَاكِتَةٌ عَالِمَةٌ لَا تَدَّعِي شَيْئًا، فَهَذَا الَّذِي يَقْطَعُ حُجَّتَهَا وَيُبْطِلُ طَلَبَهَا. قُلْت فَإِنْ لَمْ يَقْتَسِمُوا بِبَيِّنَةٍ وَاقْتَطَعَ كُلُّ وَارِثٍ أَرْضًا يَزْرَعُهَا وَتُنْسَبُ إلَيْهِ أَوْ دَارًا يَسْكُنُهَا أَوْ رَقِيقًا يَخْتَدِمُهُ أَوْ بَقَرًا أَوْ غَنَمًا يَحْتَلِبُهَا أَوْ دَوَابَّ يَسْتَغِلُّهَا فَكُلُّ وَارِثٍ قَبَضَ مِمَّا نَصَصْت لَك شَيْئًا قَدْ بَانَ بِمَنْفَعَتِهِ دُونَ إشْرَاكِهِ فَإِلَيْهِ يُنْسَبُ وَلَهُ يُعْرَفُ، وَلَوْ كُلِّفُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى الِاقْتِسَامِ لَمْ يَجِدُوهَا لِطُولِ الزَّمَانِ، وَلَيْسَ فِي يَدِ الْمَرْأَةِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ فِي يَدِهَا شَيْءٌ يَسِيرٌ، أَتَرَى هَذَا إذَا طَالَ الزَّمَانُ يَقْطَعُ حَقَّهَا مِنْ الْمَوْرُوثِ؟ قَالَ أَرَى هَذَا يَمْنَعُهَا مِنْ أَخْذِ حَقِّهَا. ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا أَرَى أَنْ يَقْطَعَ حَقَّهَا سُكُوتُهَا مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ قَبْلَ هَذَا إنَّهُ لَا حِيَازَةَ بَيْنَ الْأَقَارِبِ، وَقَوْلِهِ أَوْ دَوَابَّ يَسْتَغِلُّهَا هَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الِانْتِفَاعِ بِالسُّكْنَى وَالِاسْتِخْدَامِ لَا تَقَعُ الْحِيَازَةُ بِهِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ أَوْ تَقَعُ بِهِ الْحِيَازَةُ بَيْنَهُمْ، وَأَظُنُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَوْ دَوَابَّ يَسْتَعْمِلُهَا وَهُوَ طَرْدٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ. اهـ. فَقَدْ ظَهَرَ لَك أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ سَوَّى بَيْنَ الْأُصُولِ وَغَيْرِهَا فِي الْأَجَانِبِ وَالْأَقَارِبِ، وَلَمْ أَرَ التَّفْصِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ أَنَّ التَّفْرِيقَ فِي الْأَجْنَبِيِّ فَقَطْ إلَّا أَنَّهُ رَجُلٌ حَافِظٌ، وَلَعَلَّهُ تَفَقُّهٌ لَهُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ. وَقَدْ جَرَى الْحَطّ عَلَى طَرِيقِ ابْنِ رُشْدٍ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ. وَأَمَّا عج فَقَالَ اعْتِرَاضُ ابْنِ مَرْزُوقٍ صَحِيحٌ، بَلْ رُبَّمَا يَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ لَهُ لِمُوَافَقَتِهِ لِمَا فِي النَّوَادِرِ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ. اهـ. كَلَامُ طفى وَقَدْ اخْتَصَرَهُ الْبُنَانِيُّ وَأَقَرَّهُ. أَقُولُ فِي قَوْلِهِ وَأَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ فَقَدْ سَوَّى بَيْنَ الْأُصُولِ وَغَيْرِهَا نَظَرٌ، فَإِنَّ نَصَّ الْمُدَوَّنَةِ لَا يُقَيِّدُ ذَلِكَ، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ التَّشْبِيهَ فِيهِ فِي التَّفْوِيتِ وَعَدَمِ سَمَاعِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مُدَّةُ الْحِيَازَةِ، بِدَلِيلِ ذِكْرِهِ وَطْءَ الْأَمَةِ الَّذِي لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ طُولُ الْمُدَّةِ، وَبِدَلِيلِ تَخْصِيصِ الرُّبَاعِ فِي قَوْلِهِ وَلَمْ يَحُدَّ لِي مَالِكٌ فِي الْحِيَازَةِ فِي الرُّبَاعِ إلَخْ، وَبِدَلِيلِ تَقْدِيمِ التَّشْبِيهِ عَلَى بَيَانِ الْمُدَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [بَاب فِي بَيَان أَحْكَام الدِّمَاء وَالْقِصَاص وَمَا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ] ١
[ ٨ / ٥٨٢ ]
بَاب
_________________
(١) [منح الجليل] بَابٌ) فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الدِّمَاءِ وَالْقِصَاصِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ الْبِسَاطِيُّ هَذَا بَابٌ مُتَّسَعٌ، فَيَنْبَغِي الِالْتِفَاتُ إلَيْهِ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ حِفْظَ النَّفْسِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ مِنْ الْخَمْسِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا فِي كُلِّ مِلَّةٍ. ابْنُ عَرَفَةَ نَقَلَ الْأُصُولِيُّونَ إجْمَاعَ الْمِلَلِ عَلَى وُجُوبِ حِفْظِ الْأَدْيَانِ وَالنُّفُوسِ وَالْعُقُولِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَمْوَالِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ الْأَنْسَابَ بَدَلَ الْأَمْوَالِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ قَتْلَ الْمُسْلِمِ عَمْدًا عُدْوَانًا كَبِيرَةٌ لَيْسَ بَعْدَ الْكُفْرِ أَعْظَمُ مِنْهَا، وَفِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ وَعَدَمِهِ خِلَافٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ. ابْنُ رُشْدٍ اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي قَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ عَمْدًا عُدْوَانًا وَإِنْفَاذُ الْوَعِيدِ عَلَيْهِ عَلَى قَوْلَيْنِ، فَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ لَا تَوْبَةَ لَهُ، وَأَنَّ الْوَعِيدَ لَا حِقٌ بِهِ لَا مَحَالَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ فِي الْمَشِيئَةِ، وَأَنَّ تَوْبَتَهُ مَقْبُولَةٌ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ إنَّهُ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ أَبَدًا، فَقَدْ أَخْطَأَ وَخَالَفَ السُّنَّةَ، لِأَنَّ قَتْلَهُ لَا يُحْبِطُ إيمَانَهُ، وَلَا صَالِحَ أَعْمَالِهِ، لِأَنَّ السَّيِّئَاتِ لَا تُبْطِلُ الْحَسَنَاتِ وَأُخِذَ الْأَوَّلُ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - ﵁ - " لَا تَجُوزُ إمَامَتُهُ، وَرَدَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ أَمْرٌ بَاطِنٌ، وَمُوجِبَ نَصْبِ الْإِمَامَةِ أَمْرٌ ظَاهِرٌ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ مَنْعِ إمَامَتِهِ الْجَزْمُ بِعَدَمِ قَبُولِ تَوْبَتِهِ، وَنَصُّهُ ابْنُ رُشْدٍ عَمْدُ قَتْلِ الْمُسْلِمِ عُدْوَانًا كَبِيرَةٌ لَيْسَ بَعْدَ الْكُفْرِ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَفِي قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنْهُ وَإِنْفَاذِ وَعِيدِهِ مَذْهَبَا الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَإِلَى الثَّانِي ذَهَبَ مَالِكٌ " - ﵁ - " لِقَوْلِهِ لَا تَجُوزُ إمَامَتُهُ. قُلْت لَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ قَبُولِ تَوْبَتِهِ لِعَدَمِ رَفْعِ سَابِقِ جُرْأَتِهِ وَقَبُولُ التَّوْبَةِ أَمْرٌ بَاطِنٌ، وَمُوجِبُ نَصْبِ الْإِمَامِ أَمْرٌ ظَاهِرٌ، وَأُخِذَ الْأَوَّلُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ " - ﵁ - " لِيَكْثُرَ الْعَمَلُ
[ ٩ / ٣ ]
إنْ أَتْلَفَ
_________________
(١) [منح الجليل] الصَّالِحُ وَالصَّدَقَةُ وَالْجِهَادُ وَالْحَجُّ فِي سَمَاعِ عِيسَى قَوْلَ مَالِكٍ " - ﵁ - " لِيَكْثُرَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ وَالصَّدَقَةُ وَالْجِهَادُ، وَيَلْزَمُ الثُّفُورُ مَنْ تَعَذَّرَ مِنْهُ الْقَوَدُ دَلِيلُ رَجَائِهِ قَبُولَ تَوْبَتِهِ خِلَافَ قَوْلِهِ لَا تَجُوزُ إمَامَتُهُ وَالْقَوْلُ بِتَخْلِيدِهِ خِلَافَ السُّنَّةِ، وَمِنْ تَوْبَتِهِ عَرْضُ نَفْسِهِ عَلَى وَلِيِّ الْمَقْتُولِ قَوَدًا أَوْ دِيَةً، وَإِنْ فَعَلَ الْقَاتِلُ عَمْدًا عُدْوَانًا قِصَاصًا فَقِيلَ قَتْلُهُ كَفَّارَةٌ لَهُ لِقَوْلِهِ - ﷺ - «الْحُدُودُ كَفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا»، وَقِيلَ لَيْسَ بِكَفَّارَةٍ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ لَا يَنْتَفِعُ بِقَتْلِ قَاتِلِهِ، وَإِنَّمَا مَنْفَعَتُهُ لِلْأَحْيَاءِ زَجْرًا وَتَشَفِّيًا، وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى الْمَحْضَةُ. (فَائِدَتَانِ) الْأُولَى: سُئِلَ عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، بِأَنَّ التَّشْبِيهَ فِي الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ بَيْنَ الْمُتَقَارِبَيْنِ جِدًّا وَقَتْلُ جَمِيعِ النَّاسِ بَعِيدٌ جِدًّا مِنْ قَتْلِ النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ وَكَذَلِكَ الْإِحْيَاءُ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْسِ إمَامٌ مُسْقِطٌ أَوْ حَاكِمٌ عَدْلٌ أَوْ وَلِيٌّ تُرْجَى بَرَكَتُهُ الْعَامَّةُ، أَوْ عَالِمٌ شَرْعِيٌّ يَنْفَعُ الْمُسْلِمِينَ بِعِلْمِهِ أَوْ نَبِيٌّ أَوْ رَسُولٌ فَلِعُمُومِ مَفْسَدَةِ قَتْلِهِ كَانَ قَتْلُهُ كَقَتْلِ كُلِّ مَنْ كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ وَهُمْ الْمُرَادُ بِالنَّاسِ جَمِيعًا. الثَّانِيَةُ: قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، قِيلَ الْخِطَابُ فِيهِ لِلْوَرَثَةِ لِأَنَّهُمْ إذَا اقْتَصُّوا فَقَدْ سَلَّمُوا وَحَيَّوْا بِدَفْعِ شَرِّ الْقَاتِلِ عَنْهُمْ الَّذِي صَارَ عَدُوُّهُمْ. وَقِيلَ لِلْقَاتِلِينَ لِأَنَّهُمْ إذَا اُقْتُصَّ مِنْهُمْ مُحِيَ الْإِثْمُ عَنْهُمْ فَيَحْيَوْنَ حَيَاةً مَعْنَوِيَّةً. وَقِيلَ لِلنَّاسِ وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ وَالْأَصْلُ وَلَكُمْ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْقِصَاصِ حَيَاةٌ لِأَنَّ الشَّخْصَ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ يَكُفُّ نَفْسَهُ عَنْ الْقَتْلِ فَيَحْيَا هُوَ وَمَنْ أَرَادَ قَتْلَهُ. وَقِيلَ لَا حَذْفَ وَالْقِصَاصُ نَفْسُهُ فِيهِ الْحِيَازَةُ لِلْجَانِي بِسَلَامَتِهِ مِنْ الْإِثْمِ وَلِغَيْرِهِ بِدَفْعِ شَرِّ الْجَانِي وَالْقِصَاصُ إمَّا مِنْ نَفْسٍ وَإِمَّا مِنْ طَرَفٍ. وَبَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِالْكَلَامِ عَلَى الْأَوَّلِ وَأَرْكَانُهُ ثَلَاثَةٌ الْقَاتِلُ، وَالْمَقْتُولُ وَالْقَتْلُ وَبَدَأَ بِالْكَلَامِ عَلَى الْقَاتِلِ فَقَالَ (إنْ أَتْلَفَ) وَلَمْ يَقُلْ قَتَلَ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ يَشْمَلُ الْمُبَاشَرَةَ وَالتَّسَبُّبَ وَالْقَتْلَ يَتَبَادَرُ مِنْهُ خُصُوصُ الْمُبَاشَرَةِ، وَالْمُرَادُ الْأَوَّلُ قَالَهُ الْحَطّ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ
[ ٩ / ٤ ]
مُكَلَّفٌ، وَإِنْ رُقَّ، غَيْرُ حَرْبِيٍّ، وَلَا زَائِدِ حُرِّيَّةٍ أَوْ إسْلَامٍ حِينَ الْقَتْلِ، إلَّا لِغِيلَةٍ.
_________________
(١) [منح الجليل] الْإِتْلَافِ الْمُبَاشَرَةُ أَيْضًا شَخْصٌ (مُكَلَّفٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْكَافِ وَاللَّامِ مُثَقَّلَةٌ، أَيْ مُلْزَمٌ بِمَا فِيهِ كُلْفَةٌ وَهُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ فَلَا يُقْتَصُّ مِنْ صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ وَعَمْدُهُمَا كَخَطَئِهِمَا، لِقَوْلِهِ - ﷺ - «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ النَّائِمُ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَالْغُلَامُ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَالْمَجْنُونُ حَتَّى يُفِيقَ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِرِوَايَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَالْمَرْفُوعُ إنَّمَا هُوَ الْوُجُوبُ الَّذِي هُوَ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ. وَأَمَّا الضَّمَانُ فَهُوَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ الْمُكَلَّفِ أَيْضًا إنْ كَانَ الْمُكَلَّفُ حُرًّا، بَلْ (وَإِنْ رُقَّ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَشَدِّ الْقَافِ، أَيْ كَانَ رَقِيقًا قِنًّا أَوْ ذَا شَائِبَةٍ فَيُقْتَلُ بِمِثْلِهِ وَبِالْحُرِّ إنْ شَاءَ الْوَلِيُّ (غَيْرُ حَرْبِيٍّ) بِأَنْ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا، فَإِنْ كَانَ حَرْبِيًّا فَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ وَلَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ جِنَايَتِهِ (وَ) غَيْرُ (زَائِدِ حُرِّيَّةٍ) عَلَى الْمَقْتُولِ بِأَنْ تَسَاوَيَا فِي الْحُرِّيَّةِ أَوْ الرِّقِّيَّةِ أَوْ زَادَ الْمَقْتُولُ عَلَى الْقَاتِلِ بِالْحُرِّيَّةِ فَيُقْتَلُ الرِّقُّ بِالْحُرِّ إنْ شَاءَ الْوَلِيُّ، فَإِنْ زَادَ الْقَاتِلُ عَلَى الْمَقْتُولِ بِالْحُرِّيَّةِ فَلَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالرِّقِّ. (أَوْ) غَيْرُ زَائِدٍ (إسْلَامٍ) بِأَنْ تَسَاوَيَا فِي الْإِسْلَامِ أَوْ الْكُفْرِ أَوْ زَادَ الْمَقْتُولُ بِالْإِسْلَامِ فَيُقْتَلُ الْكَافِرُ بِالْمُسْلِمِ وَلَوْ كَانَ الْكَافِرُ حُرًّا أَوْ الْمُسْلِمُ رَقِيقًا، فَإِنْ زَادَ الْقَاتِلُ عَلَى الْمَقْتُولِ بِالْإِسْلَامِ فَلَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ وَلَوْ كَانَ حُرًّا وَقَاتِلُهُ الْمُسْلِمُ رَقِيقًا وَيُعْتَبَرُ عَدَمُ زِيَادَةِ الْقَاتِلِ بِحُرِّيَّةٍ أَوْ إسْلَامٍ (حِينَ الْقَتْلِ) فَإِنْ قَتَلَ رَقِيقٌ رَقِيقًا أَوْ كَافِرٌ ذِمِّيٌّ مِثْلَهُ ثُمَّ تَحَرَّرَ الْقَاتِلُ أَوْ أَسْلَمَ فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ زَائِدٍ حِينَ الْقَتْلِ، وَلَا يُقْتَصُّ مِنْ الْقَاتِلِ الزَّائِدِ حِينَ الْقَتْلِ بِحُرِّيَّةٍ أَوْ إسْلَامٍ (إلَّا) الْقَاتِلَ (لِغِيلَةٍ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ أَخْذِ مَالٍ فَيُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ وَالْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ لَكِنْ لَيْسَ قِصَاصًا، بَلْ لِدَفْعِ فَسَادٍ كَقَتْلِ الْمُحَارِبِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ. وَلِذَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - ﵁ - لَا عَفْوَ فِيهِ وَلَوْ قَطَعَ يَدًا أَوْ رِجْلًا فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُحَارِبِ وَلَوْ صَالَحَ وَلِيُّ الدَّمِ بِالدِّيَةِ رُدَّ صُلْحُهُ وَحُكْمُهُ لِلْإِمَامِ فِي التَّوْضِيحِ حَقِيقَةُ الْغِيلَةِ خَدْعُهُ وَإِدْخَالُهُ مَوْضِعًا وَقَتْلُهُ لِأَخْذِ مَالِهِ.
[ ٩ / ٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [منح الجليل] ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيَّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَتْلُ الْغِيلَةِ حِرَابَةٌ وَهُوَ قَتْلُ الرَّجُلِ خُفْيَةً لِأَخْذِ مَالِهِ. ابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ أَهْلُ اللُّغَةِ قَتْلُ الْغِيلَةِ أَنْ يَخْدَعَهُ وَيَذْهَبَ بِهِ إلَى مَوْضِعٍ خُفْيَةً، فَإِذَا صَارَ فِيهِ قَتَلَهُ فَيُقْتَلُ بِهِ بِلَا عَفْوٍ. بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِشَرْطِ كَوْنِ قَتْلِهِ عَنْ مَالٍ لَا عَنْ ثَائِرَةٍ أَيْ عَدَاوَةٍ فَيَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْحِرَابَةِ. اهـ. وَنَقَلَ الْبَاجِيَّ مِثْلَهُ عَنْ الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ عِيَاضٌ أَيْ اغْتَالَهُ لِأَخْذِ مَالِهِ، وَلَوْ كَانَ لِثَائِرَةٍ فَفِيهِ الْقِصَاصُ وَالْعَفْوُ فِيهِ جَائِزٌ قَالَهُ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ وَهُوَ صَحِيحٌ جَارٍ عَلَى الْأُصُولِ لِأَنَّ هَذَا غَيْرُ مُحَارِبٍ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْمُحَارِبِ إذَا أَخَذَ الْمَالَ أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لِأَجْلِ أَخْذِ الْمَالِ، وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ. ابْنُ رُشْدٍ قَتْلُ الْغِيلَةِ هُوَ الْقَتْلُ عَلَى مَالٍ. اهـ. وَالْغِيلَةُ فِي الْأَطْرَافِ كَالْغِيلَةِ فِي النَّفْسِ فَلَا قِصَاصَ فِيهَا، وَالْحُكْمُ لِلْإِمَامِ، إلَّا أَنْ يَتُوبَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَفِيهِ الْقِصَاصُ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي الْغِيلَةِ قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ. (تَنْبِيهٌ) طفي قَوْلُهُ حِينَ الْقَتْلِ الصَّوَابُ إسْقَاطُهُ كَمَا فَعَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّهُ لَا تُشْتَرَطُ الْمُسَاوَاةُ إلَّا حِينَ الْقَتْلِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ مِنْ حِينِ الرَّمْيِ إلَى حُصُولِ الْقَتْلِ، إذْ الْمُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُسَاوَاةُ فِي الْحَالَيْنِ أَوْ يَقُولُ إلَى حِينِ الْقَتْلِ بِالْغَايَةِ كَمَا فَعَلَ فِيمَا بَعْدُ، وَقَوْلُ عج لَوْ رَمَاهُ فَجَرَحَهُ ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ جُرْحِهِ ثُمَّ نَزَّى الْجُرْحُ فَمَاتَ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ لِأَنَّهُ مُكَافِئٌ لَهُ حِينَ الْمَوْتِ وَحِينَ السَّبَبِ الَّذِي نَشَأَ عَنْهُ الْمَوْتُ وَهُوَ الْجُرْحُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُكَافِئٍ عِنْدَ الرَّمْيِ لِأَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ الْمُسَاوَاةُ عِنْدَهُ لِمَا عَلِمْت أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ السَّبَبُ الْقَرِيبُ لِلْمَوْتِ غَيْرُ ظَاهِرٍ. ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ ابْنُ سَحْنُونٍ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ أَسْلَمَ نَصْرَانِيٌّ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ فَمَاتَ فَفِيهِ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ فِي مَالِ الْجَانِي حَالَّةً أَشْهَبُ إنَّمَا عَلَيْهِ دِيَةُ نَصْرَانِيٍّ إنَّمَا النَّظَرُ لِوَقْتِ الضَّرْبِ لَا الْمَوْتِ. وَفِي الْجَوَاهِرِ ابْنُ سَحْنُونٍ أَصْحَابُنَا فِي مُسْلِمٍ قَطَعَ يَدَ نَصْرَانِيٍّ ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ أَنَّهُ لَا قَوَدَ عَلَى الْمُسْلِمِ، فَإِنْ شَاءَ أَوْلِيَاؤُهُ أَخَذُوا دِيَةَ يَدِ نَصْرَانِيٍّ، وَإِنْ أَحَبُّوا أَقْسَمُوا وَلَهُمْ دِيَةُ مُسْلِمٍ فِي مَالِ الْجَانِي حَالَّةً عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ. وَقَالَ أَشْهَبُ دِيَةُ نَصْرَانِيٍّ، وَقَوْلُهُ
[ ٩ / ٦ ]
مَعْصُومًا لِلتَّلَفِ وَالْإِصَابَةِ بِإِيمَانٍ أَوْ أَمَانٍ.
_________________
(١) [منح الجليل] لِأَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ الْمُسَاوَاةُ عِنْدَهُ إلَخْ، فِيهِ نَظَرٌ، وَكَادَ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ عَنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ اهـ كَلَامُ طفي. الْبُنَانِيُّ وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بَابَا. وَفِي ضَيْح عِنْدَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَأَمَّا الْقِصَاصُ فَبِالْحِينِ مَعًا، أَيْ فَيُشْتَرَطُ دَوَامُ التَّكَافُؤِ مِنْ حُصُولِ السَّبَبِ إلَى حُصُولِ الْمُسَبَّبِ اتِّفَاقًا. أَقُولُ إنَّمَا يُتَّجَهُ لَوْ عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِالْمَوْتِ بَدَلَ الْقَتْلِ أَمَّا الْقَتْلُ فَيَعُمُّ السَّبَبَ وَمُسَبَّبَهُ فَقَدْ أَفَادَتْ عِبَارَتُهُ اشْتِرَاطَهُمَا حَالَهُمَا مَعًا، إذْ الْجُرْحُ وَحْدَهُ لَا يُسَمَّى قَتْلًا وَكَذَا الْمَوْتُ وَحْدَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمَفْعُولُ أَتْلَفَ قَوْلُهُ شَخْصًا (مَعْصُومًا) أَيْ مُحَرَّمًا قَتْلُهُ وَهُوَ الرُّكْنُ الثَّانِي فَلَا يُقْتَصُّ مِمَّنْ قَتَلَ غَيْرَ مَعْصُومٍ كَحَرْبِيٍّ وَمُرْتَدٍّ وَقَاتِلٍ بِالنِّسْبَةِ لِوَلِيِّ الدَّمِ وَقَاطِعِ طَرِيقٍ وَزَانٍ مُحْصَنٍ، وَيُشْتَرَطُ دَوَامُ عِصْمَتِهِ مِنْ الْجُرْحِ (لِلتَّلَفِ) أَيْ الْمَوْتِ فِي الْقِصَاصِ لِلنَّفْسِ (وَ) مِنْ (ا) الرَّمْيِ لِ (لِإِصَابَةِ) فِي الْقِصَاصِ لِلْجُرْحِ، فَإِنْ جَرَحَ أَوْ رَمَى حُرٌّ مُسْلِمٌ مِثْلَهُ وَارْتَدَّ الْمَجْرُوحُ أَوْ الْمَرْمِيُّ قَبْلَ تَلَفِهِ أَوْ إصَابَتِهِ فَلَا يُقْتَصُّ مِنْ جَارِحِهِ أَوْ رَامِيهِ لِعَدَمِ اسْتِمْرَارِ عِصْمَتِهِ لِتَلَفِهِ وَإِصَابَتِهِ. طفي كَأَنَّهُ يَحُومُ عَلَى قَوْلِ الْجَوَاهِرِ فَصْلٌ فِي تَغَيُّرِ الْحَالِ بَيْنَ الرَّمْيِ وَالْجُرْحِ وَبَيْنَ الْجُرْحِ وَالْمَوْتِ. وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ فَلَوْ زَالَ بَيْنَ حُصُولِ الْمُوجِبِ وَوُصُولِ الْأَثَرِ كَعِتْقِ أَحَدِهِمَا أَوْ إسْلَامِهِ بَعْدَ الرَّمْيِ، وَقَبْلَ الْإِصَابَةِ أَوْ بَعْدَ الْجُرْحِ، وَقَبْلَ الْمَوْتِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْمُعْتَبَرُ فِي الضَّمَانِ حَالُ الْإِصَابَةِ وَحَالُ الْمَوْتِ. وَقَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ حَالَ الرَّمْيِ وَرَجَعَ سَحْنُونٌ فَقَوْلُهُ لِلتَّلَفِ، أَيْ لَا حِينَ الْجُرْحِ فَقَطْ. وَقَوْلُهُ وَالْإِصَابَةِ أَيْ لَا حِينَ الرَّمْيِ فَقَطْ، وَالْكَلَامُ كُلُّهُ فِي قَتْلِ النَّفْسِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْجُرْحِ فَلَا يَرِدُ قَوْلُ مَنْ قَالَ لِلتَّلَفِ فِي النَّفْسِ وَالْإِصَابَةِ فِي الْجُرْحِ، وَلَوْ أَسْقَطَ قَوْلَهُ " وَالْإِصَابَةِ " أَسْلَمُ مِنْ التَّكْرَارِ مَعَ قَوْلِهِ وَالْجُرْحُ كَالنَّفْسِ إلَخْ سَرَى لَهُ، هَذَا مِنْ عَدَمِ مَعْرِفَةِ مَطَارِحِ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ. الْبُنَانِيُّ وَنَحْوَهُ نَقَلَ بَعْضُ الشُّيُوخِ عَنْ تَقْرِيرِ الْمِسْنَاوِيِّ مُعْتَرِضًا بِهِ مَا قَرَّرَهُ " ز " تَبَعًا لِ لَغْ وَالْعِصْمَةُ. (بِإِيمَانٍ) أَيْ بِمَا يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى وَمَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى وَمَا يَجُوزُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى، وَبِمِثْلِ ذَلِكَ لِرُسُلِهِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَالْتِزَامُ دَعَائِمِ الْإِسْلَامِ (أَوْ) بِ (أَمَانٍ) أَيْ تَأْمِينٍ مِنْ السُّلْطَانِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ بِالْتِزَامِ الْجِزْيَةِ وَالدُّخُولِ فِي حِمَايَةِ الْإِسْلَامِ، وَسَكَتَ عَنْ
[ ٩ / ٧ ]
كَالْقَاتِلِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ، وَأُدِّبَ، كَمُرْتَدٍّ، وَزَانٍ أَحْصَنَ، وَيَدِ سَارِقٍ؛
_________________
(١) [منح الجليل] هَذَا لِعِلْمِهِ بِالْأُولَى مِنْ قَوْلِهِ أَوْ أَمَانٍ وَمَثَّلَ لِلْمَعْصُومِ فَقَالَ (كَ) الشَّخْصِ (الْقَاتِلِ) فَإِنَّهُ مَعْصُومٌ (مِنْ غَيْرِ) الشَّخْصِ (الْمُسْتَحِقِّ) لِقَتْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْصُومًا مِنْ الْمُسْتَحِقِّ، وَلَكِنَّهُ لَا يَقْتُلُهُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، فَإِنْ قَتَلَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ (أُدِّبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا الْمُسْتَحِقُّ لِافْتِيَاتِهِ عَلَى الْإِمَامِ. وَشَبَّهَ فِي التَّأْدِيبِ فَقَالَ (كَ) قَاتِلِ شَخْصٍ (مُرْتَدٍّ) طفي حَصَلَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ فِي قَتْلِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، وَنَصُّ الْأَوَّلِ وَدِيَةُ الْمُرْتَدِّ فِي قَتْلِهِ دِيَةُ مَجُوسِيٍّ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ فِي نَفْسِهِ، وَفِي جِرَاحِهِ رَجَعَ لِلْإِسْلَامِ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ. وَرَوَى سَحْنُونٌ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ عَقْلَهُ عَقْلُ الدَّيْنِ الَّذِي ارْتَدَّ إلَيْهِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا لَا شَيْءَ عَلَى قَاتِلِهِ لِأَنَّهُ مُبَاحُ الدَّمِ. وَاقْتَصَرَ ابْنُ شَاسٍ فِي أَوَّلِ الْجِرَاحِ عَلَى الثَّالِثِ فَقَالَ وَالْمُرْتَدُّ. قَالَ سَحْنُونٌ لَا قِصَاصَ وَلَا دِيَةَ عَلَى قَاتِلِهِ إلَّا الْأَدَبَ فِي افْتِيَاتِهِ عَلَى الْإِمَامِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الدِّيَاتِ عَلَى الدِّيَةِ كَالْمَجُوسِيِّ، لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَأَمَّا هُنَا فَسَكَتَ فَلَكَ أَنْ تُقَرِّرَهُ بِالْقَوْلِ الثَّالِثِ، لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ الْمُصَنِّفِ النَّسْجُ عَلَى مِنْوَالِ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَرْنُهُ بِالزَّانِي الْمُحْصَنِ وَيَدِ السَّارِقِ أَوْ تَقُولُ لَا قِصَاصَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ الدِّيَةِ، وَعَلَيْهِ قَرَّرَهُ الْحَطّ. الْبُنَانِيُّ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ فِيهِ دِيَةٌ فَذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَى أَنَّ فِيهِ دِيَةَ الْمَجُوسِيِّ ثُلُثَ خُمُسِ دِيَةِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ، وَعَلَى هَذَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الدِّيَاتِ. وَقِيلَ لَا شَيْءَ عَلَى قَاتِلِهِ إلَّا الْأَدَبَ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ شَاسٍ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا لِأَنَّهُ الْآتِي لَهُ فِي الدِّيَاتِ (وَ) كَقَاتِلٍ (زَانٍ أَحْصَنَ) بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ لَهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْصُومٍ، وَيُؤَدَّبُ قَاتِلُهُ لِتَعَدِّيهِ عَلَى الْإِمَامِ، وَمَفْهُومُ أَحْصَنَ أَنَّ قَاتِلَ الزَّانِي الْبِكْرِ يُقْتَلُ بِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ (وَ) كَ (قَاطِعِ يَدِ) شَخْصٍ سَارِقٍ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ وَيُؤَدَّبُ لِذَلِكَ. الْحَطّ وَكَذَا قَاتِلُ الْمُحَارِبِ وَالزِّنْدِيقِ. ابْنُ عَرَفَةَ مُحَمَّدٌ لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ قَتَلَ زِنْدِيقًا. اللَّخْمِيُّ وَكَذَا الزَّانِي الْمُحْصَنُ وَالْمُحَارِبُ، وَلَا دِيَةَ لَهُمْ إنْ قُتِلُوا خَطَأً. وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ
[ ٩ / ٨ ]
فَالْقَوَدُ عَيْنًا،
_________________
(١) [منح الجليل] مَنْ قَطَعَ يَدَ سَارِقٍ فَلَا دِيَةَ لَهُ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَهُ دِيَتُهَا فَعَلَيْهِ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي هَذَيْنِ إنْ قُتِلَا خَطَأً، وَإِنْ قُطِعَ لَهُمَا عُضْوٌ فَلَهُمَا الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ لِأَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا وَجَبَ فِي النَّفْسِ لَا فِي الْعُضْوِ. الشَّيْخُ عِيسَى مَنْ اغْتَاظَ مِنْ ذِمِّيٍّ شَتَمَ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَتَلَهُ، فَإِنْ كَانَ شَتْمًا يُوجِبُ قَتْلَهُ وَثَبَتَ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ وَضُرِبَ مِائَةً وَسُجِنَ عَامًا. وَفِي التَّوْضِيحِ نَصَّ عَلَى نَفْيِ الْقِصَاصِ عَنْ قَاتِلِ الْمُرْتَدِّ وَلَوْ نَصْرَانِيًّا. اهـ. وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ مَا هُنَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِي الدِّيَاتِ أَنَّ دِيَةَ الْمُرْتَدِّ كَدِيَةِ الْمَجُوسِيِّ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَفَى الْقِصَاصَ هُنَا، وَالْكَلَامُ هُنَاكَ فِي الدِّيَةِ، وَنَفْيُ أَحَدِهِمَا لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْآخَرِ، وَأَمَّا الزَّانِي الْمُحْصَنُ فَلَا دِيَةَ لَهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُرْتَدَّ تَجِبُ اسْتِتَابَتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، فَكَأَنَّ قَاتِلَهُ قَتَلَ كَافِرًا مُحَرَّمَ الْقَتْلِ بِخِلَافِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ اهـ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفَ مِقْدَارُ أَدَبِهِمْ، فَمَنْ طَلَبَ السِّتْرَ عَلَيْهِ كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ فَالْجُرْأَةُ عَلَى الْإِمَامِ بِقَتْلِهِ أَشَدُّ وَكُفْرُ الزَّنْدَقَةِ أَشَدُّ مِنْ كُفْرِ الِارْتِدَادِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّانِي: أَبُو الْحَسَنِ قَالُوا هَذَا إذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يُنْصِفُهُ وَيُمَكِّنُهُ مِنْ حَقِّهِ. أَبُو عِمْرَانَ الَّذِي قَتَلَ وَلِيِّهِ رَجُلٌ وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ أَخْذِ حَقِّهِ عِنْدَ السُّلْطَانِ فَيَقْتُلُ الْوَلِيُّ قَاتِلَ وَلِيِّهِ غِيلَةً أَوْ بِاحْتِيَالٍ، فَإِنَّهُ لَا أَدَبَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ سُلْطَانٌ يُنْصِفُهُ فَلَهُ أَخْذُ حَقِّهِ بِنَفْسِهِ. وَجَوَابُ إنْ أَتْلَفَ مُكَلَّفٌ مَعْصُومًا (فَالْقَوَدُ) أَيْ الْقِصَاصُ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقُودُونَ الْجَانِيَ إلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ تَبَرِّيًا مِنْ شَرِّهِ (عَيْنًا) أَيْ مُتَعَيِّنًا لِلْوَلِيِّ إنْ شَاءَ أَخَذَ حَقَّهُ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَعَفْوُهُ أَوْلَى وَأَكْمَلُ، وَرَوَى أَشْهَبُ تَخْيِيرُهُ إنْ شَاءَ أَخَذَ حَقَّهُ بَيْنَ الْقَوَدِ وَالْعَفْوِ عَلَى الدِّيَةِ وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ - ﷺ - «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إمَّا أَنْ يُؤَدِّيَ، وَإِمَّا أَنْ
[ ٩ / ٩ ]
وَلَوْ قَالَ: إنْ قَتَلْتنِي أَبْرَأْتُك
_________________
(١) [منح الجليل] يُقَادَ»، وَعَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ إنْ اخْتَارَ الْوَلِيُّ الدِّيَةَ فَإِنَّ الْقَاتِلَ يُجْبَرُ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مَلِيئًا. ابْنُ يُونُسَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَاتِلُ الْعَمْدِ يَطْلُبُ الْأَوْلِيَاءُ الدِّيَةَ مِنْهُ فَيَأْبَى إلَّا قَتْلَهُ فَلَيْسَ لَهُمْ إلَّا قَتْلَهُ أَوْ الْعَفْوَ عَنْهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، وَقَالَ أَشْهَبُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْبَى وَيُجْبَرَ عَلَى الدِّيَةِ إنْ كَانَ مَلِيئًا لِأَنَّهُ فِي قَتْلِ نَفْسِهِ لِيَتْرُكَ مَالَهُ لِغَيْرِهِ مَضَارٌّ. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - «أَنَّهُ جَعَلَ الْوَلِيَّ إنْ أَحَبَّ قَتَلَ وَإِنْ أَحَبَّ أَخَذَ الدِّيَةَ» وَقَالَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ جَمَاعَةٌ الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي النَّفْسِ، وَأَمَّا جُرْحُ الْعَمْدِ فَيُوَافِقُ أَشْهَبُ فِيهِ الْمَشْهُورَ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ التَّخْيِيرُ فِي جُرْحِ الْعَمْدِ كَالنَّفْسِ. (تَنْبِيهٌ) اسْتَثْنَى مِنْ هَذَا جُرْحَ عَبْدٍ أَوْ قَتْلَهُ مِثْلَهُ، فَإِنَّ لِسَيِّدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْقِصَاصَ أَوْ أَخْذَ الْجَانِي، فَإِنْ اقْتَصَّ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ أَخَذَ الْجَانِيَ خُيِّرَ سَيِّدُهُ فِي فِدَائِهِ بِقِيمَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَإِسْلَامِهِ. وَفِي الْجُرْحِ يُخَيَّرُ بَيْنَ إسْلَامِهِ وَفِدَائِهِ بِأَرْشِ الْجُرْحِ إنْ كَانَ لَهُ أَرْشٌ مُسَمًّى، وَإِلَّا فَإِنْ حَصَلَ بِهِ عَيْبٌ خُيِّرَ بَيْنَ إسْلَامِهِ وَفِدَائِهِ بِأَرْشِ الْعَيْبِ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ عَيْبٌ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا الْقِصَاصُ إنْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَبْدًا وَإِنْ كَانَ حُرًّا فَلَا شَيْءَ فِيهِ إلَّا الْأَدَبَ. وَإِنْ أَتْلَفَ مُكَلَّفٌ غَيْرَ حَرْبِيٍّ وَلَا زَائِدِ حُرِّيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ مَعْصُومًا تَعَيَّنَ الْقَوَدُ إنْ لَمْ يَقُلْ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لِلْجَانِي إنْ قَتَلْتنِي أَبْرَأْتُك، بَلْ (وَلَوْ قَالَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لِلْجَانِي (إنْ قَتَلْتنِي أَبْرَأْتُك) فَقَتَلَهُ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ لِعَفْوِهِ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَجِبْ لَهُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ لِأَوْلِيَائِهِ وَلَا يُشْبِهُ مَنْ أَنْفَذَ مَقْتَلِهِ وَأُدْرِكَ حَيًّا فَقَالَ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي عَفَوْت عَنْ قَاتِلِي. وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَالْأَظْهَرُ سُقُوطُ الْقَتْلِ وَلُزُومُ الدِّيَةِ فِي مَالِ الْقَاتِلِ لِشُبْهَةِ الْعَفْوِ. ابْنُ الْحَاجِبِ لَوْ قَالَ لِلْقَاتِلِ إنْ قَتَلْتنِي فَقَدْ وَهَبْت لَك دَمِي فَقَوْلَانِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَحْسَنُهُمَا أَنْ يَقْتُلَ بِخِلَافِ عَفْوِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ أَنَّهُ قَتَلَهُ، فَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي قَطْعِ يَدِهِ عُوقِبَ، وَلَا قِصَاصَ الْمُوَضِّحُ الَّذِي نَسَبَهُ الْمُصَنِّفُ لِابْنِ الْقَاسِمِ، ذَكَرَ فِي الْجَوَاهِرِ أَنَّ أَبَا زَيْدٍ رَوَاهُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ
[ ٩ / ١٠ ]
وَلَا دِيَةَ لِعَافٍ مُطْلِقٍ إلَّا أَنْ تَظْهَرَ إرَادَتُهَا. فَيَحْلِفُ، وَيَبْقَى عَلَى حَقِّهِ إنْ امْتَنَعَ.
_________________
(١) [منح الجليل] فِي الْعُتْبِيَّةِ لِسَحْنُونٍ، ثُمَّ قَالَ وَزَادَ فِي الْبَيَانِ ثَالِثًا بِنَفْيِ الْقِصَاصِ لِشُبْهَةِ الْعَفْوِ وَالدِّيَةُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ، قَالَ وَهُوَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ اهـ. ابْنُ عَرَفَةَ الصِّقِلِّيُّ رَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْهُ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ اُقْتُلْنِي وَلَك أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَتَلَهُ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَيُضْرَبُ مِائَةً وَيُحْبَسُ عَامًا، وَلَا جُعْلَ لَهُ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ لِلْأَوْلِيَاءِ قَتْلُهُ وَلَوْ قَالَ لَهُ اُقْتُلْ عَبْدِي وَلَك كَذَا أَوْ بِغَيْرِ شَيْءٍ فَقَتَلَهُ ضُرِبَ مِائَةً وَحُبِسَ، وَكَذَا السَّيِّدُ يُضْرَبُ وَيُحْبَسُ، وَاخْتُلِفَ هَلْ لَهُ عَلَى الْقَاتِلِ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَمْ لَا، وَالصَّوَابُ لَا قِيمَةَ لَهُ كَقَوْلِهِ أَحْرِقْ ثَوْبِي فَفَعَلَ فَلَا يَغْرَمُ. الشَّيْخُ رَوَى ابْنُ عَبْدُوسٍ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ اقْطَعْ يَدِي أَوْ يَدَ عَبْدِي عُوقِبَ الْمَأْمُورُ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ فِي الْحُرِّ وَالْعَبْدِ. ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ يَغْرَمُ قِيمَةَ الْعَبْدِ لِحُرْمَةِ الْقَتْلِ كَمَا تَلْزَمُهُ دِيَةُ الْحُرِّ إذَا قَتَلَهُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ اهـ وَإِنْ قَتَلَ مُكَلَّفٌ غَيْرَ حَرْبِيٍّ وَلَا زَائِدِ حُرِّيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ مَعْصُومًا فَعَفَا عَنْهُ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ وَأَطْلَقَ فِي عَفْوِهِ فَ (لَا دِيَةَ لِ) وَلِيٍّ (عَافٍ) عَنْ قَاتِلِ وَلِيِّهِ عَمْدًا عُدْوَانًا (مُطْلِقٍ) بِكَسْرِ اللَّامِ عَنْ تَقْيِيدِهِ بِالدِّيَةِ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ تَظْهَرَ) مِنْ حَالِ الْوَلِيِّ (إرَادَتُهَا) أَيْ الدِّيَةِ حِينَ الْعَفْوِ بِقَرِينَةٍ دَالَّةٍ عَلَى إرَادَتِهَا (فَيَحْلِفُ) الْوَلِيُّ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا عَفَا إلَّا لِإِرَادَةِ أَخْذِهَا مِنْ الْقَاتِلِ (وَيَبْقَى) الْوَلِيُّ (عَلَى حَقِّهِ) مِنْ الْقِصَاصِ (إنْ امْتَنَعَ) الْقَاتِلُ مِنْ إعْطَاءِ الدِّيَةِ. وَمَفْهُومُ مُطْلِقٍ أَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِعَفْوِهِ مَجَّانًا لَزِمَهُ، وَلَوْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ عَلَى الدِّيَةِ وَأَجَابَهُ الْقَاتِلُ لَزِمَتْهُ وَإِنْ لَمْ يُجِبْهُ فَالْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَقَوْلُهُ يَظْهَرُ مِثْلُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ، وَفِيهَا يَتَبَيَّنُ وَهُوَ أَقْوَى، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَتْبَعْ لَفْظَهَا وَإِنْ كَانَ أَقْوَى لِقَوْلِهِ فِي تَوْضِيحِهِ إنَّ فَاعِلَ قَالَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ هُوَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِنَّمَا نَسَبَهُ لَهُ لَا شَكًّا لَهُ لِأَنَّ الدِّيَةَ إذَا لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً لَهُ فِي الْأَصْلِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي إرَادَتِهَا قَالَهُ تت. طفي كَأَنَّهُ قَالَ لَمْ يَتْبَعْ لَفْظَهَا لِأَنَّ مَا عَبَّرَ بِهِ لِمَالِكٍ أَيْضًا، وَعِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَوْ عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ أَوْ مُطْلَقًا سَقَطَ الْقِصَاصُ وَالدِّيَةُ، قَالَ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ أَنَّهُ أَرَادَهَا فَيَحْلِفُ. اهـ.
[ ٩ / ١١ ]
كَعَفْوِهِ عَنْ الْعَبْدِ
_________________
(١) [منح الجليل] لَكِنْ إنَّمَا يَتِمُّ هَذَا الِاعْتِذَارُ لتت إذَا سَلَّمَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ الَّذِي أَتَى بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ هُوَ نَفْسُ لَفْظِ الْإِمَامِ وَهُوَ غَيْرُ مُسْلِمٍ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مُرَادُ ابْنِ الْحَاجِبِ يَظْهَرُ بِأَمَارَةٍ قَوِيَّةٍ، لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ لَا شَيْءَ لَك إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ أَنَّك أَرَدْتهَا فَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ كَلَامَ مَالِكٍ بِالْمَعْنَى، فَلَمْ يَتِمَّ اعْتِذَارُ تت. قَالَ وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ فِي الْحَضْرَةِ إنَّمَا عَفَوْت عَلَى الدِّيَةِ وَلَوْ سَكَتَ وَطَالَ ثُمَّ قَالَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ. طفي نَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَزَادَ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْوَاضِحَةِ وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ، وَأَصْلُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَحَيْثُ كَانَ لِلْوَلِيِّ الْقِيَامُ بِشَرْطِهِ الْمُتَقَدِّمِ فَزَادَ ابْنُ حَبِيبٍ شَرْطًا آخَرَ، وَهُوَ قُرْبُ الزَّمَانِ فَأَمَّا إنْ قَامَ بَعْدَ طُولٍ فَلَا شَيْءَ لَهُ رَوَاهُ مُطَرِّفٌ، وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ اهـ. وَفِي جَعْلِ مَا ذَكَرَهُ قَيْدًا لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْبَاجِيَّ وَغَيْرِهِ أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ " - ﵁ - " هَذَا مَعَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ، خِلَافٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ - ﵁ - " الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ. ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيَّ مَنْ قَالَ إنَّمَا عَفَوْت عَلَى الدِّيَةِ، فَرَوَى مُطَرِّفٌ إنْ كَانَ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ طَالَ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ، قَالَ مَالِكٌ " - ﵁ - " إنْ قَالَ مَا عَفَوْت إلَّا عَلَى أَخْذِ الدِّيَةِ حَلَفَ مَا أَرَادَ تَرْكَهَا وَأَخَذَ حَقَّهُ مِنْهَا ثُمَّ رَجَعَ مَالِكٌ " - ﵁ - " فَقَالَ لَا شَيْءَ لَهُ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ لِمَا قَالَهُ وَجْهٌ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي بَعْضِ مَجَالِسِهِ لَيْسَ عَفْوٌ عَنْ الدَّمِ عَفْوًا عَنْ الدِّيَةِ إلَّا أَنْ يُرَى لَهُ وَجْهٌ. اهـ. لَا يُقَالُ قَيْدُ الْحُضُورِ يُحْرِزُهُ قَيْدُ الظُّهُورِ، إذْ قَدْ تَظْهَرُ إرَادَتُهَا حِينَ الْعَفْوِ، ثُمَّ يَتَغَافَلُ عَنْ ذَلِكَ زَمَانًا طَوِيلًا إنْ ظَهَرَ عُذْرُ التَّرَاخِي. وَشَبَّهَ فِي أَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْوَلِيِّ الْمُطْلِقِ فِي عَفْوِهِ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ إرَادَتُهَا فَقَالَ (كَعَفْوِهِ) أَيْ الْوَلِيِّ (عَنْ الْعَبْدِ) الَّذِي تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ عَبْدًا أَوْ حُرًّا عَفْوًا مُطْلَقًا، وَقَالَ إنَّمَا عَفَوْت عَنْهُ لِأَخْذِهِ أَوْ أَخْذِ قِيمَتِهِ أَوْ قِيمَةِ الْمَقْتُولِ أَوْ دِيَةِ الْحُرِّ فَلَا شَيْءَ لَهُ إلَّا أَنْ تَظْهَرَ إرَادَةُ ذَلِكَ، فَيَحْلِفُ الْوَلِيُّ وَيَبْقَى عَلَى حَقِّهِ، وَيُخَيَّرُ سَيِّدُ الْعَبْدِ الْقَاتِلِ بَيْنَ إسْلَامِهِ وَفِدَائِهِ (وَ) إنْ قَتَلَ شَخْصٌ شَخْصًا عَمْدًا عُدْوَانًا وَقَتَلَ الْقَاتِلَ شَخْصٌ غَيْرُ الْمُسْتَحِقِّ عَمْدًا عُدْوَانًا أَيْضًا
[ ٩ / ١٢ ]
وَاسْتَحَقَّ وَلِيُّ دَمَ مَنْ قَتَلَ الْقَاتِلَ
أَوْ قَطَعَ يَدَ الْقَاطِعِ، كَدِيَةِ خَطَأٍ؛ فَإِنْ أَرْضَاهُ وَلِيُّ الثَّانِي: فَلَهُ
وَإِنْ فُقِئَتْ عَيْنُ الْقَاتِلِ، أَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ، وَلَوْ مِنْ الْوَلِيِّ
_________________
(١) [منح الجليل] اسْتَحَقَّ وَلِيٌّ) الْمَقْتُولِ الْأَوَّلِ (دَمَ مَنْ) أَيْ الشَّخْصِ الَّذِي (قَتَلَ الْقَاتِلَ) الْأَوَّلَ عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّ وَلِيَّ الْأَوَّلِ اسْتَحَقَّ دَمَ قَاتِلِهِ فَهُوَ مُسْتَحِقٌّ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ قِصَاصٍ أَوْ دِيَةٍ، وَلَوْ كَانَ دَمُ قَاتِلِ الْقَاتِلِ حَقًّا لِوَلِيِّ الْقَاتِلِ لَلَزِمَ ضَيَاعُ حَقِّ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ الْأَوَّلِ. ابْنُ الْحَاجِبِ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ مَعْصُومٌ مِنْ غَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ، فَإِنْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ عَمْدًا عُدْوَانًا قَدَّمَهُ لِأَوْلِيَاءِ الْأَوَّلِ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَإِنْ أَرْضَى أَوْلِيَاءُ الثَّانِي أَوْلِيَاءَ الْأَوَّلِ فَدَمُهُ لَهُمْ، قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَفِيهَا مَنْ قَتَلَ رَجُلًا عَمْدًا فَتَفَرَّسَ عَلَيْهِ أَجْنَبِيٌّ فَقَتَلَهُ عَمْدًا فَدَمُهُ لِأَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ، وَيُقَالُ لِأَوْلِيَاءِ الثَّانِي اُرْضُوَا أَوْلِيَاءَ الْأَوَّلِ وَشَأْنُكُمْ بِقَاتِلِ وَلِيِّكُمْ، وَإِنْ لَمْ تُرْضُوهُمْ فَلِأَوْلِيَاءِ الْأَوَّلِ قَتْلُهُ أَوْ الْعَفْوُ عَنْهُ، وَلَهُمْ أَنْ لَا يَرْضَوْا بِمَا بَذَلُوا لَهُمْ مِنْ دِيَةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا، وَعَزَاهُ الشَّيْخُ لِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ وَغَيْرِهِمَا . (أَوْ) قَطَعَ شَخْصٌ يَدَ شَخْصٍ عَمْدًا عُدْوَانًا وَقَطَعَ شَخْصٌ غَيْرُ الْمَقْطُوعِ يَدَ الْقَاطِعِ عَمْدًا عُدْوَانًا أَيْضًا اسْتَحَقَّ الْمَقْطُوعُ الْأَوَّلُ قَطْعَ يَدِ مَنْ (قَطَعَ يَدَ الْقَاطِعِ) الْأَوَّلِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَشَبَّهَ فِي اسْتِحْقَاقِ وَلِيِّ الْأَوَّلِ وَالْمَقْطُوعِ الْأَوَّلِ فَقَالَ (كَدِيَةِ) قَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ (خَطَأٍ) لِلْقَاتِلِ الْأَوَّلِ أَوْ لِلْقَاطِعِ الْأَوَّلِ. فَيَسْتَحِقُّهَا وَلِيُّ الْمَقْتُولِ الْأَوَّلِ أَوْ الْمَقْطُوعِ الْأَوَّلِ (فَإِنْ أَرْضَاهُ) أَيْ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ الْأَوَّلِ (وَلِيُّ) الْمَقْتُولِ الثَّانِي بِمَالٍ أَوْ شَفَاعَةٍ أَوْ حُسْنِ كَلَامٍ (فَلَهُ) أَيْ وَلِيِّ الثَّانِي دَمُ الْقَاتِلِ الثَّانِي، فَإِنْ شَاءَ اقْتَصَّ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ (وَإِنْ فُقِئَتْ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ، أَيْ قُلِعَتْ (عَيْنُ) الشَّخْصِ (الْقَاتِلِ) عَمْدًا عُدْوَانًا (أَوْ قُطِعَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (يَدُهُ) أَيْ الْقَاتِلِ عَمْدًا عُدْوَانًا مَثَلًا إنْ كَانَ الْفَقْءُ أَوْ الْقَطْعُ مِنْ غَيْرِ الْوَلِيِّ، بَلْ (وَلَوْ) كَانَ مِنْ (الْوَلِيِّ) لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَحَقَّ دَمَهُ، وَأَمَّا أَعْضَاؤُهُ فَهِيَ مَعْصُومَةٌ بِالنِّسْبَةِ لَهُ، فَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ فِيهَا فَلَهُ الْقَوَدُ مِنْهُ، وَأَشَارَ بِلَوْ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ
[ ٩ / ١٣ ]
بَعْدَ أَنْ أُسْلِمَ لَهُ: فَلَهُ الْقَوَدُ
وَقُتِلَ الْأَدْنَى بِالْأَعْلَى: كَحُرٍّ كِتَابِيٍّ بِعَبْدٍ مُسْلِمٍ،
_________________
(١) [منح الجليل] لَا يُقَادُ مِنْ الْوَلِيِّ وَيُعَاقِبُهُ الْإِمَامُ إنْ جَنَى عَلَيْهِ الْوَلِيُّ قَبْلَ إسْلَامِهِ لَهُ، بَلْ (وَلَوْ) جَنَى عَلَيْهِ الْوَلِيُّ (بَعْدَ أَنْ أُسْلِمَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ الْقَاتِلُ (لَهُ) أَيْ الْوَلِيِّ لِيَقْتُلَهُ بَعْدَ حُكْمِ الْقَاضِي بِقَتْلِهِ قِصَاصًا (فَلَهُ) أَيْ الْقَاتِلِ الَّذِي فُقِئَتْ عَيْنُهُ أَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ قَبْلَ إسْلَامِهِ أَوْ بَعْدَهُ (الْقَوَدُ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْوَاوِ مِمَّنْ جَنَى عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَلِيَّ أَوْ غَيْرَهُ، وَلِلْوَلِيِّ قَتْلُهُ بَعْدَ اقْتِصَاصِهِ مِنْهُ. ابْنُ الْحَاجِبِ إنْ فُقِئَتْ عَيْنُ الْقَاتِلِ أَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَلَهُ الْقَوَدُ أَوْ الْعَفْوُ أَوْ الدِّيَةُ أَوْ الْعَفْوُ وَلَا سُلْطَانَ لِوُلَاةِ الْمَقْتُولِ، فَلَوْ كَانَ الْوَلِيُّ هُوَ الْقَاطِعُ فَكَذَلِكَ أَيْضًا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَوْ كَانَ سُلِّمَ لَهُ وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ مَنْ قَتَلَ رَجُلًا عَمْدًا فَحُبِسَ لِقَتْلِهِ أَوْ حُكِمَ بِقَتْلِهِ فَسُلِّمَ إلَى أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ لِيَقْتُلُوهُ فَقَطَعَ رَجُلٌ يَدَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَلَهُ الْقِصَاصُ وَالْعَقْلُ وَالْعَفْوُ، وَلَا شَيْءَ لِوُلَاةِ الْقَتِيلِ فِي ذَلِكَ إنَّمَا لَهُمْ سُلْطَانٌ عَلَى مَنْ أَذْهَبَ نَفْسَهُ، وَمَنْ قَتَلَ وَلِيَّك عَمْدًا فَقَطَعْت يَدَهُ فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْك وَلَوْ قَطَعْتهَا خَطَأً حَمَلَتْ دِيَتَهَا عَاقِلَتُك وَيُسْتَقَادُ لَهُ مَا لَمْ يُقَدْ مِنْهُ وَتَحْمِلُ عَاقِلَتُهُ مَا أَصَابَ مِنْ الْخَطَإِ (وَقُتِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ يُقْتَلُ الشَّخْصُ (الْأَدْنَى) أَيْ الدَّنِيءِ بِرِقِّيَّةٍ أَوْ كُفْرٍ (بِ) سَبَبِ قَتْلِ الشَّخْصِ (الْأَعْلَى) أَيْ الْعَلِيِّ بِحُرِّيَّةٍ أَوْ إسْلَامٍ مَثَّلَ ذَلِكَ فَقَالَ (كَحُرٍّ كِتَابِيٍّ بِ) سَبَبِ قَتْلِ (عَبْدٍ مُسْلِمٍ) فَشَرَفُ الْإِسْلَامِ أَعْظَمُ مِنْ شَرَفِ الْحُرِّيَّةِ، فَالْحُرُّ الْكِتَابِيُّ دَنِيءٌ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّقِيقِ الْمُسْلِمِ فَلَا يُقْتَلُ الرَّقِيقُ الْمُسْلِمُ بِالْحُرِّ الْكِتَابِيِّ. الْحَطّ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْإِسْلَامَ أَعْظَمُ حُرْمَةٍ مِنْ الْحُرِّيَّةِ، كَأَنَّ مَنْ انْفَرَدَ بِهِ مِنْ قَاتِلٍ أَوْ الْمَقْتُولِ هُوَ الْأَعْلَى. وَلِمَا قَدَّمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ كَوْنَ الْقَاتِلِ زَائِدًا عَلَى الْمَقْتُولِ بِحُرِّيَّةٍ أَوْ إسْلَامٍ مَانِعٌ مِنْ قَتْلِهِ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ كَوْنَ الْقَاتِلِ أَدْنَى مِنْ الْمَقْتُولِ لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْأَدْنَى إذَا قَتَلَ الْأَعْلَى فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ، ثُمَّ مَثَّلَ ذَلِكَ بِفَرْعٍ يَتَرَدَّدُ فِيهِ النَّظَرُ وَهُوَ قَتْلُ الْحُرِّ الْكِتَابِيِّ عَبْدًا مُسْلِمًا، فَاخْتُلِفَ هَلْ يُقْتَلُ الْحُرُّ الْكِتَابِيُّ بِالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوْ لَا يُقْتَلُ بِهِ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِأَنَّهُ كَسِلْعَةٍ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ.
[ ٩ / ١٤ ]
وَالْكُفَّارُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ مِنْ كِتَابِيٍّ وَمَجُوسِيٍّ وَمُؤَمَّنٍ:
_________________
(١) [منح الجليل] ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي سَمَاعِ عِيسَى فِي نَصْرَانِيٍّ حُرٍّ قَتَلَ عَبْدًا مُسْلِمًا قَالَ أَرَى أَنْ يُقْتَلَ بِهِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ وَهُوَ كَسِلْعَةٍ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ أَرَى أَنْ يُقْتَلَ بِهِ مَعْنَاهُ إنْ أَرَادَ السَّيِّدُ أَنْ يَسْتَقِيدَ مِنْ الْكِتَابِيِّ وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ عَبْدِهِ وَلَا يَقْتُلَهُ بِهِ فَلَا اخْتِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ إذَا أَرَادَ قَتْلَهُ بِهِ فَقِيلَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ اتِّبَاعِ مَا فِي الْقُرْآنِ، وَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ لَهُ وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، ثُمَّ اسْتَظْهَرَ الْقَوْلَ الثَّانِيَ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَبِلَهُ وَهُوَ خِلَافُ مَا فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ يُقْتَلُ الْحُرُّ الذِّمِّيُّ بِالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ وَالْقِيمَةُ هُنَا كَالدِّيَةِ وَنَصُّهُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ وَالْقِيمَةُ هُنَا كَالدِّيَةِ إلَى أَنَّ سَيِّدَ الْعَبْدِ لَوْ أَرَادَ أَنْ يُلْزِمَ الذِّمِّيَّ قِيمَةَ الْعَبْدِ لَجَرَى عَلَى الْخِلَافِ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي الدِّيَةِ، فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ إلَّا قَتْلُ الذِّمِّيِّ أَوْ الْعَفْوُ عَنْهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَهُ قِيمَتَهُ وَعَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ لَهُ إلْزَامُهُ قِيمَتَهُ. وَتَبِعَ فِيهِ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ وَالظَّاهِرُ مَا لِابْنِ رُشْدٍ لِأَنَّهُ قَدْ صَرَّحَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِأَنَّهُ إذَا جَرَحَ عَبْدٌ عَبْدًا، أَوْ قَتَلَهُ فَسَيِّدُ الْمَجْرُوحِ أَوْ الْمَقْتُولِ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَسْتَقِيدَ أَوْ يَأْخُذَ الْأَرْشَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ قَالَ الذِّمِّيَّ بَدَلَ الْكِتَابِيِّ كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ لَكَانَ أَحْسَنَ، وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ جَعَلَ الْحُرَّ الْكِتَابِيَّ أَدْنَى مِنْ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ أَنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ لَا يُقْتَلُ بِالْحُرِّ الْكِتَابِيِّ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَحَكَى فِي الْبَيَانِ الِاتِّفَاقَ عَلَى ذَلِكَ. ابْنُ الْحَاجِبِ يُخَيَّرُ سَيِّدُ الْعَبْدِ فِي فَكِّهِ بِالدِّيَةِ وَإِسْلَامِهِ فَيُبَاعُ لِأَوْلِيَاءِ الْحُرِّ الْكِتَابِيِّ. الْمُوَضِّحُ يَعْنِي بِدِيَةِ الْحُرِّ الذِّمِّيِّ، وَيُبَاعُ لِأَوْلِيَاءِ الذِّمِّيِّ لِعَدَمِ جَوَازِ مِلْكِ الْكَافِرِ الْمُسْلِمَ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا بِيعَ يَدْفَعُ جَمِيعَ ثَمَنِهِ لِأَوْلِيَاءِ الذِّمِّيِّ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ دِيَتِهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - ﵁ - ". وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ إنْ فَضَلَ عَنْ دِيَتِهِ فَضْلٌ فَلِسَيِّدِهِ أَصْبَغَ وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ اهـ ضَيْح (وَ) يُقْتَلُ (الْكُفَّارُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ مِنْ كِتَابِيٍّ) يَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ (وَمَجُوسِيٍّ وَمُؤَمَّنٍ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَالْمِيمِ مُثَقَّلًا مِنْ أَحَدِ الْمُسْلِمِينَ فَيُقْتَلُ الْيَهُودِيُّ بِالنَّصْرَانِيِّ وَبِالْمَجُوسِيِّ وَعَكْسُهُ وَالْمُؤَمَّنُ بِالذِّمِّيِّ وَعَكْسُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهَهُ قَتْلُ الْيَهُودِيِّ بِالْمَجُوسِيِّ، وَنَقْصُ الدِّيَةِ لَغْوٌ
[ ٩ / ١٥ ]
كَذَوِي الرِّقِّ، وَذَكَرٍ، وَصَحِيحٍ، وَضِدِّهِمَا
وَإِنْ قَتَلَ عَبْدٌ عَمْدًا بِبَيِّنَةٍ أَوْ قَسَامَةٍ:
_________________
(١) [منح الجليل] كَالرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ. وَشَبَّهَ فِي قَتْلِ الْبَعْضِ بِالْبَعْضِ فَقَالَ (كَذَوِي) أَيْ أَصْحَابِ (الرِّقِّ) أَيْ الْأَشْخَاصِ الْأَرِقَّاءِ فَيُقْتَلُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَلَوْ كَانَ الْقَاتِلُ ذَا شَائِبَةِ حُرِّيَّةٍ وَالْمَقْتُولُ قِنًّا، فِيهَا الْقِصَاصُ لِلْمَمَالِيكِ بَيْنَهُمْ كَهَيْئَتِهِ فِي الْأَحْرَارِ نَفْسُ الْأَمَةِ بِنَفْسِ الْعَبْدِ وَجُرْحُهَا بِجُرْحِهِ يُخَيَّرُ سَيِّدُ الْمَجْرُوحِ إنْ شَاءَ اسْتَقَادَ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْعَقْلَ، إلَّا أَنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِ الْجَانِيَ سَيِّدُهُ، وَإِنْ جَرَحَ عَبْدٌ عَبْدًا فَقَالَ سَيِّدُ الْمَجْرُوحِ لَا أَقْتَصُّ وَآخُذُ الْعَبْدَ الْجَارِحَ إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ سَيِّدُهُ بِالْأَرْشِ وَقَالَ سَيِّدُ الْجَارِحِ إمَّا أَنْ تَقْتَصَّ أَوْ تَدَعَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ سَيِّدِ الْمَجْرُوحِ وَكَذَلِكَ فِي الْقَتْلِ. أَبُو الْحَسَنِ ابْنُ يُونُسَ لِأَنَّ نَفْسَ الْقَاتِلِ وَجَبَتْ لِسَيِّدِ الْمَقْتُولِ، فَإِنْ شَاءَ قَتَلَهُ أَوْ أَحْيَاهُ فَإِنْ أَحْيَاهُ صَارَ عَمْدًا كَالْخَطَأِ فَيَرْجِعُ الْخِيَارُ إلَى سَيِّدِهِ بَيْنَ إسْلَامِهِ وَفِدَائِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ يَقْتُلُ حُرًّا فَيَعْفُو عَنْهُ عَلَى الدِّيَةِ فَيَأْبَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْعَبْدَ سِلْعَةٌ تُمْلَكُ، فَلَمَّا جَازَ قَتْلُهُ وَإِتْلَافُهُ عَلَى سَيِّدِهِ جَازَ اسْتِرْقَاقُهُ وَخُرُوجُهُ عَنْ مِلْكِهِ وَالْحُرُّ لَا يُمْلَكُ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ مَالِهِ إلَّا بِطَوْعِهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يَقُولُ أُؤَدِّي قِصَاصِي وَأُبْقِي مَالِي لِوَرَثَتِي وَالْعَبْدُ لَا حُكْمَ لَهُ فِي نَفْسِهِ وَلَا حُجَّةَ لِسَيِّدِهِ لِأَنَّ قَتْلَهُ وَأَخْذَهُ سَوَاءٌ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ الْأَرْشَ فَلَا حُجَّةَ لِوَرَثَةِ الْمَقْتُولِ لِأَنَّهُمْ رَفَعُوا عَنْهُ الْقَوَدَ فَصَارَ فِعْلُهُ كَالْخَطَأِ وَلَا يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ فِي الْحُرِّ لِأَنَّهُ كَأَنْ تَكُونَ دِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَهِيَ لَا تَحْمِلُ شَيْئًا مِنْ عَمْدِهِ فَأَمْرُهُمَا مُفْتَرَقٌ. (وَ) كَ (ذَكَرٍ وَصَحِيحٍ وَضِدِّهِمَا) أَيْ أُنْثَى وَمَرِيضٍ فَيُقْتَلُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَيُقْتَلُ الذَّكَرُ بِالْأُنْثَى وَالصَّحِيحُ بِالْمَرِيضِ، وَلَا يُنْظَرُ لِنَقْصِ الْأَعْضَاءِ وَلَا لِلْعُيُوبِ وَلَا لِصِغَرٍ وَلَا لِكِبَرٍ لِأَنَّ الْقِصَاصَ فِي النُّفُوسِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] (وَإِنْ قَتَلَ عَبْدٌ) حُرًّا أَوْ عَبْدًا قَتْلًا (عَمْدًا) عُدْوَانًا وَثَبَتَ قَتْلُهُ (بِبَيِّنَةٍ) فِي قَتْلِ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ (أَوْ قَسَامَةٍ) فِي قَتْلِ الْحُرِّ فَقَطْ بِأَنْ قَالَ قَتَلَنِي فُلَانٌ الْعَبْدُ أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ عَدْلٌ بِهِ
[ ٩ / ١٦ ]
خُيِّرَ الْوَلِيُّ، فَإِنْ اسْتَحْيَاهُ: فَلِسَيِّدِهِ، إسْلَامُهُ، أَوْ فِدَاؤُهُ
إنْ قَصَدَ ضَرْبًا؛
_________________
(١) [منح الجليل] وَحَلَفَ أَوْلِيَاؤُهُ خَمْسِينَ يَمِينًا عَلَى أَنَّهُ قَتَلَهُ (خُيِّرَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا (الْوَلِيُّ) لِلْمَقْتُولِ الْحُرِّ أَوْ الْعَبْدِ أَوَّلًا بَيْنَ قَتْلِ الْعَبْدِ الْقَاتِلِ وَاسْتِحْيَائِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُفُؤًا لِلْحُرِّ. (فَإِنْ) قَتَلَهُ فَوَاضِحٌ وَإِنْ (اسْتَحْيَاهُ) أَيْ الْوَلِيُّ الْعَبْدَ (فَلِسَيِّدِهِ) أَيْ الْعَبْدِ الْقَاتِلِ الْخِيَارُ ثَانِيًا بَيْنَ أَحَدِ أَمْرَيْنِ (إسْلَامِهِ) أَيْ دَفْعِ الْعَبْدِ الْجَانِي لِلْوَلِيِّ فِي جِنَايَتِهِ بِمَالِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ (أَوْ فِدَاؤُهُ) أَيْ الْعَبْدِ الْجَانِي بِدِيَةِ الْحُرِّ أَوْ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ. طفي تَعْيِينُ الْمُصَنِّفِ الْبَيِّنَةَ أَوْ الْقَسَامَةَ احْتِرَازًا مِنْ إقْرَارِ الْعَبْدِ بِالْقَتْلِ، فَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ فِيهِ إلَّا الْقَتْلُ أَوْ الْعَفْوُ، وَلَيْسَ لَهُ اسْتِحْيَاؤُهُ لِأَخْذِهِ أَوْ أَخْذِ الدِّيَةِ. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ أَقَرَّ عَبْدٌ أَنَّهُ قَتَلَ حُرًّا عَمْدًا فَلِوَلِيِّهِ الْقِصَاصُ، فَإِنْ عَفَا عَلَى أَنْ يَسْتَحْيِيَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَلَهُ مُعَاوَدَةُ الْقَتْلِ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُظَنُّ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ. أَبُو عِمْرَانَ وَأَمَّا إنْ كَانَ عَالِمًا أَنَّهُ إنْ عَفَا عَنْ الْعَبْدِ يَبْطُلُ الدَّمُ فَلَا قَتْلَ لَهُ. وَفِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ مَا أَقَرَّ بِهِ الْعَبْدُ مِمَّا يَلْزَمُهُ فِي جَسَدِهِ مِنْ قَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يَقْبَلُ إقْرَارَهُ، وَفِي الرِّسَالَةِ إقْرَارُ الْعَبْدِ فِيمَا يَلْزَمُهُ فِي بَدَنِهِ مِنْ حَدٍّ أَوْ قَطْعٍ يَلْزَمُهُ وَمَا كَانَ فِي رَقَبَتِهِ فَلَا إقْرَارَ لَهُ، أَرَادَ إلَّا الْمَأْذُونَ لَهُ، فَإِنَّ إقْرَارَهُ فِي مَالِهِ لَازِمٌ. ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الرُّكْنِ الثَّالِثِ وَهِيَ الْجِنَايَةُ فَقَالَ (إنْ قَصَدَ) الْمُكَلَّفُ غَيْرُ الْحَرْبِيِّ الَّذِي لَمْ يَزِدْ بِحُرِّيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ (ضَرْبًا) لِلْمَقْتُولِ الَّذِي لَا يَجُوزُ لَهُ ضَرْبُهُ عَلَى وَجْهِ الْغَضَبِ، أَمَّا إنْ قَصَدَ ضَرْبَ مَنْ يَجُوزُ لَهُ ضَرْبُهُ كَحَرْبِيٍّ فَتَبَيَّنَ مُسْلِمًا فَهُوَ الْخَطَأُ فِيهِ الدِّيَةُ، وَقَدْ قَتَلَ الصَّحَابَةُ مُسْلِمًا يَظُنُّونَهُ حَرْبِيًّا فَوَدَاهُ - ﷺ - وَلَمْ يُهَدِّدْهُمْ، وَإِنْ قَصَدَهُ عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ فَقِيلَ إنَّهُ خَطَأٌ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَقِيلَ عَمْدٌ يُقْتَصُّ مِنْهُ، وَثَالِثُهَا إنْ تَلَاعَبَا فَخَطَأٌ وَإِنْ لَمْ يُلَاعِبْهُ فِيهِ الْقَوَدُ، وَلَوْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ زَيْدٌ فَإِذَا هُوَ عَمْرٌو أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ عَمْرُو بْنُ فُلَانٍ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ عَمْرُو بْنُ آخَرَ لِقَتْلِهِمْ قَاتِلَ خَارِجَةَ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا لِقَوْلِهِ أَرَدْت عَمْرًا وَأَرَادَ اللَّهُ خَارِجَةَ اهـ.
[ ٩ / ١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [منح الجليل] عب الْبُنَانِيُّ لُزُومُ الْقَوَدِ فِي هَذِهِ هُوَ الصَّحِيحُ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ عَرَفَةَ أَوَّلًا خِلَافُ مَا نَقَلَهُ بَعْدَهُ عَنْ مُقْتَضَى قَوْلِ الْبَاجِيَّ، وَوَقَعَ فِي الْحَطّ، وَتَبِعَهُ الْخَرَشِيُّ أَنَّهُ إذَا قَصَدَ ضَرْبَ شَخْصٍ فَأَصَابَتْ الضَّرْبَةُ غَيْرَهُ، فَإِنَّهُ عَمْدٌ فِيهِ الْقَوَدُ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَقَدْ نَصَّ ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ فَرْحُونٍ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْخَطَأِ لَا قَوَدَ فِيهِ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ إنْ قَصَدَ ضَرْبًا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَصْدُ قَتْلِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ إنْ قَصَدَ الضَّرْبَ وَلَمْ يَقْصِدْ الْقَتْلَ وَكَانَ الضَّرْبُ عَلَى وَجْهِ الْغَضَبِ فَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ الْمَعْرُوفُ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّهُ عَمْدٌ وَفِيهِ الْقِصَاصُ. الْبُنَانِيُّ عَنْ ابْنِ مَرْزُوقٍ عِبَارَتُهُمْ تَقْتَضِي أَنَّ الْقِصَاصَ فِي الْعَمْدِ الْعُدْوَانُ، فَنَبَّهَ
[ ٩ / ١٨ ]
وَإِنْ بِقَضِيبٍ كَخَنْقٍ وَمَنْعِ طَعَامٍ، وَمُثَقَّلٍ، وَلَا قَسَامَةَ إنْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ بِشَيْءٍ؛
_________________
(١) [منح الجليل] الْمُصَنِّفُ عَلَى الْعَمْدِ بِقَوْلِهِ إنْ قَصَدَ إلَخْ، وَأَمَّا الْعُدْوَانُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ وَإِلَّا أُدِّبَ اهـ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَتْلَ عَلَى أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ لَا يَقْصِدَ بِرَمْيِهِ شَيْئًا أَوْ يَقْصِدَ حَرْبِيًّا فَيُصِيبُ مُسْلِمًا وَهَذَا خَطَأٌ بِإِجْمَاعٍ فِيهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ. الثَّانِي: أَنْ يَقْصِدَ الضَّرْبَ عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ وَهُوَ خَطَأٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرِوَايَتُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ خِلَافًا لِمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَمِثْلُهُ قَصْدُ الْأَدَبِ الْجَائِزِ. وَأَمَّا إنْ كَانَ لِلنَّائِرَةِ وَالْغَضَبِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ عَمْدٌ يُقْتَصُّ بِهِ إلَّا فِي الْأَبِ وَنَحْوِهِ فَلَا قِصَاصَ فِيهِ وَتُغَلَّظُ فِيهِ الدِّيَةُ. الثَّالِثُ قَصْدُ الْقَتْلِ عَلَى وَجْهِ الْغِيلَةِ فَيَتَحَتَّمُ فِيهِ الْقَتْلُ فَلَا عَفْوَ عَنْهُ قَالَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَمِثْلُهُ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ. هَذَا إنْ ضَرَبَهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا كَسَيْفٍ وَرُمْحٍ وَسَهْمٍ، بَلْ (وَإِنْ) ضَرَبَهُ (بِقَضِيبٍ) أَيْ عُودٍ مَقْضُوبٍ مِنْ شَجَرَةٍ وَنَحْوَهُ مِمَّا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا فَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا. ابْنُ شَاسٍ فَأَمَّا إنْ لَطَمَهُ أَوْ وَكَزَهُ فَمَاتَ فَتَخَرَّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي نَفْيِ شِبْهِ الْعَمْدِ وَإِثْبَاتِهِ فَعَلَى رِوَايَةِ النَّفْيِ هُوَ عَمْدٌ يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْكِتَابِ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي إثْبَاتِهِ الْوَاجِبَ فِيهِ الدِّيَةُ. اهـ. وَشَبَّهُ فِي إيجَابِ الْقِصَاصِ فَقَالَ (كَخَنْقٍ) لِمَعْصُومٍ حَتَّى مَاتَ فَعَلَى خَانِقِهِ الْقِصَاصُ (وَ) كَ (مَنْعِ طَعَامٍ) أَوْ شَرَابٍ عَنْ مَعْصُومٍ حَتَّى مَاتَ فَعَلَى مَانِعِهِ الْقِصَاصُ. ابْنُ عَرَفَةَ مِنْ صُوَرِ الْعَمْدِ مَا ذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ إنْ مَنَعَ فَضْلَ مَائِهِ مُسَافِرًا عَالِمًا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ مَنْعُهُ، وَأَنَّهُ يَمُوتُ إنْ لَمْ يَسْقِهِ قُتِلَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَلِ قَتْلَهُ بِيَدِهِ اهـ. (وَ) كَضَرْبٍ بِشَيْءٍ (مُثَقَّلٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ مُثَقَّلَةً، أَيْ رَاضٍّ لِلْبَدَنِ بِلَا جُرْحٍ كَحَجَرٍ وَخَشَبَةٍ وَمَاتَ الْمَضْرُوبُ فَيُقْتَصُّ مِنْ ضَارِبِهِ بِهِ، فَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمَضْرُوبِ بِهِ لَهُ حَدٌّ يَجْرَحُ (وَلَا قَسَامَةَ) فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (إنْ أَنْفَذَ) الضَّرْبَ (مَقْتَلَهُ) بِأَنْ قَطَعَ وَدْجَهُ أَوْ ثَقَبَ مَصِيرَهُ أَوْ نَثَرَ دِمَاغَهُ أَوْ قَطَعَ نُخَاعَهُ (أَوْ) لَمْ يُنْفِذْ مَقْتَلَهُ
[ ٩ / ١٩ ]
أَوْ مَاتَ مَغْمُورًا
وَكَطَرْحِ غَيْرِ مُحْسِنٍ لِلْعَوْمِ، عَدَاوَةً، وَإِلَّا فَدِيَةٌ
_________________
(١) [منح الجليل] وَ(مَاتَ مَغْمُورًا) عَقْلُهُ لَا يَعِي شَيْئًا لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَلَا يَتَكَلَّمُ وَلَمْ يُفِقْ مِنْ غَمْرَتِهِ حَتَّى مَاتَ. وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُنْفِذْ مَقْتَلَهُ وَلَمْ يَغْمُرْ وَأَكَلَ وَشَرِبَ وَعَاشَ حَيَاةً تُعْرَفُ أَوْ غَمَرَ ثُمَّ أَفَاقَ كَذَلِكَ فَلَا يُقْتَصُّ مِنْ قَاتِلِهِ إلَّا بَعْدَ الْقَسَامَةِ. " غ " قَوْلُهُ إنْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ أَوْ مَاتَ مَغْمُورًا كَذَا سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي نَفْيِ الْقَسَامَةِ، فَقَالَ فِي الْأَوَّلِ وَأَمَّا إنْ شُقَّتْ حَشْوَتُهُ فَتَكَلَّمَ وَأَكَلَ وَعَاشَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَإِنَّهُ يُقْتَلُ قَاتِلُهُ بِغَيْرِ قَسَامَةٍ إذَا كَانَ قَدْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ، وَقَالَ فِي الثَّانِي وَمَنْ ضَرَبَ فَمَاتَ تَحْتَ الضَّرْبِ أَوْ بَقِيَ مَغْمُورًا لَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَمْ يُفِقْ حَتَّى مَاتَ فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ، كَذَا اخْتَصَرَهَا أَبُو سَعِيدٍ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْأُمَّهَاتِ فَتَأَمَّلْهُ مَعَ قَوْلِهِ فِي تَوْضِيحِهِ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ فِي الْمَغْمُورِ الْقَسَامَةَ اهـ. وَشَبَّهَ فِي إيجَابِ الْقِصَاصِ بِلَا قَسَامَةٍ فَقَالَ (كَطَرْحِ) شَخْصٍ (غَيْرِ مُحْسِنٍ لِلْعَوْمِ) فِي نَحْوِ بَحْرٍ (عَدَاوَةً) فَمَاتَ فَعَلَى طَارِحِهِ الْقِصَاصُ بِلَا قَسَامَةٍ، فَفِيهَا وَإِنْ طَرَحَ رَجُلًا فِي نَهْرٍ وَلَمْ يَدْرِ أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ الْعَوْمَ فَمَاتَ فَإِنْ كَانَ فِي الْعَدَاوَةِ وَالْقِتَالِ قُتِلَ بِهِ. ابْنُ نَاجِي ظَاهِرُهَا أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ يُحْسِنُ الْعَوْمَ لَا يُقْتَلُ وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْعَدَاوَةِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الطَّرْحُ لِغَيْرِ مُحْسِنِ الْعَوْمِ عَدَاوَةً بِأَنْ كَانَ لِمُحْسِنِهِ أَوْ لِغَيْرِ مُحْسِنِهِ لَعِبًا لَا عَدَاوَةَ فَلَا يُقْتَصُّ مِنْ طَارِحِهِ، وَإِذَا لَمْ يَقْتُلْ (فَ) فِيهِ (دِيَةٌ) بِلَا قَسَامَةٍ. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فَالدِّيَةُ بِقَسَامَةٍ لَا الْقَتْلِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَمْ يَذْكُرْ غَيْرُهُ الْقَسَامَةَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُوَضِّحِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ وُجُوبِ الدِّيَةِ بِقَسَامَةٍ لَمْ أَرَهُ وَلَا وَجْهَ لِلْقَسَامَةِ هُنَا. تت أَجْمَلَ فِي قَوْلِهِ دِيَةٌ، إذْ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا دِيَةُ خَطَأٍ مُخَمَّسَةٍ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا مُغَلَّظَةٌ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ، وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ إنْ خَرَجَ عَنْ الْمُعْتَادِ، وَاخْتُلِفَ أَيْضًا هَلْ عَلَى الْعَاقِلَةِ أَوْ لَا.
[ ٩ / ٢٠ ]
وَكَحَفْرِ بِئْرٍ، وَإِنْ بِبَيْتِهِ
_________________
(١) [منح الجليل] طفي لَا إجْمَالَ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ عَيَّنَ فِيمَا يَأْتِي مَوَاضِعَ التَّغْلِيظِ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْهَا، فَيُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهَا دِيَةٌ خَطَأً مُخَمَّسَةً وَكَلَامُهُ يُبَيِّنُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَنَصَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمُغَلَّظَةَ هِيَ الَّتِي تَكُونُ فِي مَالِ الْجَانِي، وَمَا عَدَاهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ، فَكَلَامُهُ مُحَرَّرٌ لِمَنْ أَحَاطَ بِأَطْرَافِهِ قَوْلُهُ إنْ كَانَ أَيْ اللَّعِبُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ. اهـ. أَقُولُ الْإِخْفَاءُ فِي إجْمَالِ كَلَامِهِ هُنَا خُصُوصًا، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْخِلَافُ. الْبُنَانِيُّ يَتَحَصَّلُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ إنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ يُحْسِنُ الْعَوْمَ فَلَا قِصَاصَ أَلْقَاهُ لَعِبًا وَعَدَاوَةً، وَإِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ الْعَوْمَ فَالْقِصَاصُ مُطْلَقًا وَإِذَا جَهِلَ فَفِي الْعَدَاوَةِ الْقِصَاصُ، وَفِي اللَّعِبِ لَا قِصَاصَ فَالدِّيَةَ فَقَوْلُهُ غَيْرِ مُحْسِنٍ الْعَوْمَ، أَيْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَالْمُلْقَى جَاهِلٌ زَادَ بَعْضُهُمْ مَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُحْسِنُ الْعَوْمَ، لَكِنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَنْجُو لِشِدَّةِ بَرْدٍ أَوْ طُولِ مَسَافَةٍ وَشَبَّهَ فِي إيجَابِ الْقِصَاصِ بِلَا قَسَامَةٍ فَقَالَهُ (كَحَفْرِ بِئْرٍ) لِقَصْدِ إهْلَاكِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ وَلَوْ سَارِقًا فَهَلَكَ فِيهَا، فَعَلَى حَافِرِهَا الْقِصَاصُ لِتَسَبُّبِهِ فِي إهْلَاكِهِ إنْ حَفَرَهَا فِي الطَّرِيقِ، بَلْ (وَإِنْ) حَفَرَهَا (بِبَيْتِهِ) الْإِمَامُ مَالِكٌ " - ﵁ - " مَنْ حَفَرَ بِئْرًا لِلِّصِّ لِيَهْلَكَ فِيهَا فَهَلَكَ فِيهَا، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ إهْلَاكَ مُعَيَّنٍ فَلَا يُقْتَلُ وَتَلْزَمُهُ الدِّيَةُ، وَإِنْ هَلَكَ فِيهَا غَيْرُ الْمُعَيَّنِ فَفِي الْحُرِّ دِيَتُهُ وَفِي الْعَبْدِ قِيمَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ضَرَرَ أَحَدٍ وَحَفَرَهَا فِي مِلْكِهِ لِحَاجَتِهِ فَهَلَكَ فِيهَا إنْسَانٌ أَوْ حَيَوَانٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمِثْلُ الْبِئْرِ الْمِطْمَرُ. أَصْبَغُ سَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ رَجُلٍ لَهُ زَرْعٌ تَدْخُلُهُ دَوَابُّ النَّاسِ فَتُفْسِدُهُ فَحَفَرَ حَفِيرًا حَوْلَهُ لِمَنْعِ الدَّوَابِّ وَأَنْذَرَ أَصْحَابَهَا فَوَقَعَ فِيهِ بَعْضُ الدَّوَابِّ فَهَلَكَ أَتَرَى عَلَيْهِ ضَمَانُهُ، فَقَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَلَوْ لَمْ يُنْذِرْهُمْ، وَقَالَهُ أَصْبَغُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ " - ﵁ - " إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ مَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ مِنْ الْحَفْرِ فِي أَرْضِهِ وَحَقِّهِ تَحْصِينًا لِزَرْعِهِ لَا لِإِتْلَافِ دَوَابِّ النَّاسِ، وَلَوْ فَعَلَهُ لِإِتْلَافِ دَوَابِّهِمْ لَلَزِمَهُ الضَّمَانُ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الَّذِي يَصْنَعُ فِي دَارِهِ شَيْئًا لِإِتْلَافِ السَّارِقِ، فَيَتْلَفُ السَّارِقُ أَوْ غَيْرُهُ فِيهِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ اهـ. ابْنُ يُونُسَ مَالِكٌ " - ﵁ - " إنْ جَعَلَ فِي حَائِطِهِ حَفِيرًا لِلسِّبَاعِ أَوْ حِبَالَةً فَلَا يَضْمَنُ مَا
[ ٩ / ٢١ ]
أَوْ وَضْعِ مُزْلِقٍ؛ أَوْ رَبْطِ دَابَّةٍ بِطَرِيقٍ، أَوْ اتِّخَاذِ كَلْبٍ عَقُورٍ تَقَدَّمَ لِصَاحِبِهِ قَصْدُ الضَّرَرِ؛ وَهَلَكَ الْمَقْصُودُ، وَإِلَّا فَالدِّيَةُ
_________________
(١) [منح الجليل] عَطِبَ بِذَلِكَ مِنْ سَارِقٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِنْ جَعَلَ فِي بَابِ جِنَانِهِ قَصَبًا يَدْخُلُ فِي رِجْلِ مَنْ يَدْخُلُهُ أَوْ اتَّخَذَ تَحْتَ عَتَبَتِهِ مَسَامِيرَ لِمَنْ يَدْخُلُ أَوْ رَشَّ قَنَاةً يُرِيدُ زَلْقَ مَنْ يَدْخُلُهُ مِنْ دَابَّةٍ أَوْ إنْسَانٍ أَوْ اتَّخَذَ كَلْبًا عَقُورًا فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أُصِيبَ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ رَشَّ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يَضْمَنُ مَنْ عَطِبَ فِيهِ كَحَافِرِ الْبِئْرِ فِي دَارِهِ لِحَاجَتِهِ أَوْ لِإِرْصَادِ سَارِقٍ فَهُوَ مُفْتَرَقٌ اهـ. قَوْلُهُ فَهُوَ مُفْتَرَقٌ يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ يَحْفِرَهَا لِحَاجَتِهِ فَلَا يَضْمَنُ أَوْ يَرْصُدَ بِهَا السَّارِقَ فَيَضْمَنُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (أَوْ) كَ (وَضْعِ) شَيْءٍ (مُزْلِقٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الزَّاي وَكَسْرِ اللَّامِ بِطَرِيقٍ كَقِشْرِ بِطِّيخٍ وَرَشِّ فِنَاءٍ مُرِيدًا إزْلَاقَ مَنْ يَمُرُّ بِهِ مِنْ إنْسَانٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيَضْمَنُ مَا يَتْلَفُ بِهِ (أَوْ رَبْطِ دَابَّةٍ) تَعَضُّ أَوْ تَرْفُسُ مَنْ يَمُرُّ (بِطَرِيقٍ) فَيَضْمَنُ مَا يَهْلَكُ بِهَا، وَأَمَّا إنْ أَوْقَفَهَا لِحَاجَةٍ بِأَنْ نَزَلَ عَنْهَا لِقَضَاءِ حَاجَةٍ وَتَرَكَهَا فَأَتْلَفَتْ شَيْئًا فَلَا يَضْمَنُهُ (أَوْ اتِّخَاذِ كَلْبٍ عَقُورٍ) بِبَيْتِهِ أَوْ جِنَانِهِ لِإِهْلَاكِ سَارِقٍ وَنَحْوَهُ فَيَهْلَكُ فَالْقَوَدُ إنْ (تَقَدَّمَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا أَيْ سَبَقَ (لِصَاحِبِهِ) فِيهِ إنْذَارٌ فَيَضْمَنُ مَا هَلَكَ بِهِ فَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ إنْذَارٌ فَلَا يَضْمَنُهُ، وَمَحَلُّ ضَمَانِهِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا إذَا (قَصَدَ) فَاعِلُهَا (لِضَرَرٍ) لِمُعَيَّنٍ (وَهَلَكَ الْمَقْصُودُ) فَالْقَوَدُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَهْلَكْ الْمَقْصُودُ وَهَلَكَ غَيْرُهُ (فَالدِّيَةُ) لِلْهَالِكِ عَلَى الْفَاعِلِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَقْصِدْ ضَرَرًا وَفَعَلَهَا لِحَاجَتِهِ فِيمَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهَا فِيهِ فَلَا يَضْمَنُ كَمَا تَقَدَّمَ. طفي لَا حَاجَةَ لِذِكْرِ قَيْدِ تَقَدُّمِ الْإِنْذَارِ، لِأَنَّ الْكَلَامَ حَيْثُ قَصَدَ الضَّرَرَ وَهَلَكَ الْمَقْصُودُ وَهَذَا لَا قَيْدَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْقَيْدُ حَيْثُ اتَّخَذَهُ لِمَا يَجُوزُ لَهُ اتِّخَاذُهُ فِيهِ كَحِرَاسَةِ زَرْعٍ أَوْ ضَرْعٍ. فَفِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا اتَّخَذَهُ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ فَلَا يَضْمَنُ مَا أَصَابَ حَتَّى يَتَقَدَّمَ فِيهِ إلَيْهِ، وَإِنْ اتَّخَذَهُ بِمَوْضِعٍ لَا يَجُوزُ لَهُ اتِّخَاذُهُ فِيهِ كَالدَّارِ وَشَبَهِهَا وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ عَقُورٌ ضَمِنَ مَا أَصَابَ. وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ اتَّخَذَ كَلْبًا فِي دَارِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا
[ ٩ / ٢٢ ]
وَكَالْإِكْرَاهِ وَتَقْدِيمِ مَسْمُومٍ وَرَمْيِهِ عَلَيْهِ حَيَّةٍ
وَكَإِشَارَتِهِ
_________________
(١) [منح الجليل] أَصَابَ إنْ تَقَدَّمَ إلَيْهِ فِيهِ. اهـ. وَفِيهَا مَا أَحْدَثَهُ بِطَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّا لَا يَجُوزُ إحْدَاثُهُ مِنْ حَفْرِ بِئْرٍ أَوْ رَبْطِ دَابَّةٍ ضَمِنَ اهـ. عِيَاضٌ مَعْنَاهُ جَعَلَهُ لَهَا مَرْبِطًا دَائِمًا وَلَوْ كَانَ نَزَلَ عَنْهَا أَوْ أَوْقَفَهَا وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَيْهَا أَمَامَ حَانُوتٍ لِيَشْتَرِيَ مِنْهُ أَوْ يَحْمِلَ مِنْهُ أَوْ أَمَامَ بَابِ دَارِهِ أَوْ نَزَلَ لِلصَّلَاةِ بِمَسْجِدٍ أَوْ أَوْقَفَهَا بِبَابِ الْأَمِيرِ يَطْلُبُ الْإِذْنَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ عِنْدِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَعَطَفَ عَلَى الْمُشَبَّهِ فِي إيجَابِ الْقِصَاصِ مُشَبَّهًا آخَرَ فِيهِ فَقَالَ (وَالْإِكْرَاهِ) عَلَى قَتْلِ مَعْصُومٍ بِتَخْوِيفٍ بِقَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَتَلَهُ الْمُكْرَهُ فَيُقْتَلُ الْمُكْرِهُ بِالْكَسْرِ لِتَسَبُّبِهِ، وَالْمُكْرَهُ بِالْفَتْحِ لِمُبَاشَرَتِهِ إذَا لَمْ يُمْكِنْ الْمَأْمُورُ مُخَالَفَةَ الْآمِرِ وَإِلَّا اُقْتُصَّ مِنْ الْمَأْمُورِ وَأُدِّبَ الْآمِرُ كَمَا يَأْتِي (وَ) كَ (تَقْدِيمِ) شَيْءٍ (مَسْمُومٍ) سَوَاءٌ كَانَ طَعَامًا أَوْ شَرَابًا أَوْ لِبَاسًا أَوْ غَيْرَهَا فَيُقْتَصُّ مِنْ مُقَدِّمِهِ لِتَسَبُّبِهِ إذَا عَلِمَ بِأَنَّهُ مَسْمُومٌ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمُقَدَّمُ لَهُ بِالْفَتْحِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ الْمُقَدِّمُ أَوْ عَلِمَهُ الْمُقَدَّمُ لَهُ فَلَا قِصَاصَ وَلَا أَدَبَ عَلَى الْمُقَدِّمِ فِيمَا يَظْهَرُ قَالَهُ عج. وَقَالَ اللَّقَانِيُّ فِيهِ الْقِصَاصُ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا مَنْ قَتَلَ رَجُلًا بِسَقْيِ سُمٍّ قُتِلَ بِهِ (وَ) كَ (رَمْيِهِ حَيَّةً) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتِيَّةِ مُثَقَّلَةً، أَيْ ثُعْبَانًا كَبِيرًا حَيًّا (عَلَيْهِ) أَيْ الْمَعْصُومِ فَمَاتَ فَيُقْتَصُّ مِنْ رَامِيهَا وَلَوْ عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ، وَإِنْ لَمْ تَلْدَغْهُ خِلَافًا لِدَاوُدَ وتت فِي تَقْيِيدِهِمَا بِلَدْغِهَا، وَإِنْ رَمَاهَا عَلَيْهِ مَيِّتَةً أَوْ صَغِيرَةً لَا تَقْتُلُ عَادَةً عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ فَمَاتَ فَلَا قِصَاصَ فِيهِ وَعَلَى وَجْهِ الْعَدَاوَةِ فِيهِ الْقِصَاصُ. أَصْبَغُ مَنْ طَرَحَ عَلَى رَجُلٍ حَيَّةً مَسْمُومَةً مِثْلَ الْحُوَاةِ الْعَارِفِينَ بِالْحَيَّاتِ الْمَسْمُومَةِ فَمَاتَ قُتِلَ بِهِ، وَلَا يُصَدَّقُ أَنَّهُ عَلَى اللَّعِبِ، إنَّمَا اللَّعِبُ مِثْلُ بَعْضِ الشُّرَّاطِ يَطْرَحُ الْحَيَّةَ الصَّغِيرَةَ الَّتِي لَا تُعْرَفُ لِمِثْلِ هَذَا فَتَقْتُلُ، فَهَذَا خَطَأٌ، بِخِلَافِ طَرْحِهِ عَلَيْهِ حَيَّةً مَعْرُوفَةً أَنَّهَا تَقْتُلُ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لَمْ أُرِدْ قَتْلَهُ. ابْنُ عَرَفَةَ مُقْتَضَى قَوْلِهَا إنْ تَعَمَّدَهُ بِضَرْبِ اللَّطْمَةِ فَمَاتَ قُتِلَ بِهِ عَدَمُ شَرْطِ مَعْرِفَةِ أَنَّهَا قَاتِلَةٌ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ، وَقَوْلُ ابْنِ شَاسٍ مَا لَا يَقْتُلُ مِنْ الْحَيَّاتِ يُقْبَلُ قَوْلُ مُلْقِيهِ لَمْ أُرِدْ قَتْلَهُ لِتَقَرُّرِ الْعَادَةِ بِذَلِكَ صَوَابٌ، وَيَجْرِي فِيهِ أَقْوَالُ اللَّعِبِ (وَكَإِشَارَتِهِ) أَيْ الْمُكَلَّفِ غَيْرِ الْحَرْبِيِّ وَلَا الزَّائِدِ بِحُرِّيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ إلَى مَعْصُومٍ
[ ٩ / ٢٣ ]
بِسَيْفٍ فَهَرَبَ، وَطَلَبَهُ، وَبَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ؛ وَإِنْ سَقَطَ: فَبِقَسَامَةٍ وَإِشَارَتُهُ فَقَطْ خَطَأً
_________________
(١) [منح الجليل] بِسَيْفٍ) أَوْ رُمْحٍ أَوْ بُنْدُقِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ آلَاتِ الْقَتْلِ (فَهَرَبَ) الْمَعْصُومُ الْمُشَارُ إلَيْهِ (وَطَلَبَهُ) أَيْ تَبِعَ الْمُشِيرُ الْمُشَارَ إلَيْهِ حَتَّى مَاتَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِلَا سُقُوطٍ، سَوَاءٌ اسْتَنَدَ لِشَيْءٍ أَمْ لَا، فَيُقْتَصُّ مِنْ الْمُشِيرِ بِلَا قَسَامَةٍ لِتَسَبُّبِهِ فِي مَوْتِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، (وَبَيْنَهُمَا) أَيْ الْمُشِيرِ وَالْمُشَارِ إلَيْهِ (عَدَاوَةٌ) وَاوُهُ لِلْحَالِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ فَلَا قِصَاصَ وَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِأَنَّهُ خَطَأٌ. (وَإِنْ سَقَطَ) الْمُشَارُ إلَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ حَالَ هُرُوبِهِ وَطَلَبَهُ وَمَاتَ (فَ) يُقْتَصُّ مِنْ الْمُشِيرِ الطَّالِبِ (بِقَسَامَةٍ) خَمْسِينَ يَمِينًا أَنَّهُ مَاتَ مِنْ خَوْفِهِ مِنْ الْمُشِيرِ الطَّالِبِ لَا مِنْ السُّقُوطِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ (وَإِشَارَتُهُ) أَيْ الْمُكَلَّفِ إلَخْ، إلَى مَعْصُومٍ بِسَيْفٍ مَثَلًا (فَقَطْ) أَيْ بِدُونِ طَلَبٍ فَمَاتَ الْمُشَارُ إلَيْهِ مِنْ خَوْفِهِ وَبَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ (خَطَأً) فَلَا قِصَاصَ فِيهِ وَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ مُخَمَّسَةً قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ مُغَلَّظَةً عَلَى الْمُشِيرِ. ابْنُ شَاسٍ اُخْتُلِفَ فِي الْإِشَارَةِ بِالسَّيْفِ فَقَالَ مُحَمَّدٌ مَنْ أَشَارَ إلَى رَجُلٍ بِسَيْفٍ وَبَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ وَتَمَادَى بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ وَهُوَ يَهْرُبُ مِنْهُ وَطَلَبَهُ حَتَّى مَاتَ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ. ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ طَلَبَهُ بِهِ حَتَّى سَقَطَ فَمَاتَ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ بِقَسَامَةٍ أَنَّهُ مَاتَ خَوْفًا مِنْهُ. الْبَاجِيَّ لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ مِنْ السَّقْطَةِ وَلَوْ أَشَارَ لَهُ فَقَطْ فَمَاتَ فَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ. ابْنُ حَبِيبٍ عَلَيْهِ الْقَوَدُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَالْمُغِيرَةُ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ وَسَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ مَنْ طَلَبَ رَجُلًا بِسَيْفٍ فَعَثَرَ الْمَطْلُوبُ قَبْلَ ضَرْبِهِ فَمَاتَ قُتِلَ بِهِ وَقَالَهُ الْمُغِيرَةُ. ابْنُ رُشْدٍ مِثْلُهُ لِابْنِ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَلَا أَعْرِفُ فِيهِ نَصَّ خِلَافٍ وَيَدْخُلُهُ بِالْمَعْنَى لِأَنَّهُ مِنْ شِبْهِ الْعَمْدِ الْمُخْتَلَفِ فِي وُجُوبِ الْقَوَدِ فِيهِ. ابْنُ الْحَاجِبِ فِيمَنْ أَشَارَ بِسَيْفٍ فَهَرَبَ فَطَلَبَهُ حَتَّى مَاتَ وَبَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ أَرْبَعَةٌ: الْقَوَدُ وَالدِّيَةُ وَالْقَسَامَةُ وَإِلْحَاقُهُ بِشِبْهِ الْعَمْدِ، قُلْت الثَّانِي نَقْلُ ابْنِ شَاسٍ. وَقَالَ ابْنُ مُيَسِّرٍ لَا قِصَاصَ فِي هَذَا وَاسْتَحْسَنَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْقَرَوِيِّينَ لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ مِنْ الْخَوْفِ أَوْ الْجَرْيِ أَوْ مِنْهُمَا أَفَادَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
[ ٩ / ٢٤ ]
وَكَالْإِمْسَاكِ لِلْقَتْلِ
وَيُقْتَلُ الْجَمْعُ بِوَاحِدٍ،
_________________
(١) [منح الجليل] وَكَالْإِمْسَاكِ) مِنْ مُكَلَّفٍ غَيْرِ حَرْبِيٍّ إلَخْ لِمَعْصُومٍ (لِلْقَتْلِ) مِنْ شَخْصٍ آخَرَ فَقَتَلَهُ فَيُقْتَلُ الْمُمْسِكُ لِتَسَبُّبِهِ وَالْقَاتِلُ لِمُبَاشَرَتِهِ. ابْنُ شَاسٍ شَرَطَ الْقَاضِي ابْنُ هَارُونَ الْبَصْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْمُمْسِكِ شَرْطًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَوْلَا الْإِمْسَاكُ لَمْ يَقْدِرْ الْقَاتِلُ عَلَى قَتْلِهِ. اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَزَادَ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ إذَا حُمِلَ عَلَى ظَهْرِ آخَرَ شَيْئًا فِي الْحِرْزِ فَخَرَجَ بِهِ الْحَامِلُ فَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى إخْرَاجِهِ إلَّا بِحَمْلِ الْحَامِلِ عَلَيْهِ قُطِعَا مَعًا، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى حَمْلِهِ دُونَهُ قُطِعَ الْخَارِجُ فَقَطْ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ مُقَابِلٌ لِلْمَشْهُورِ، وَأَقَرَّهُ الْمُوَضِّحُ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إطْلَاقُ ابْنِ الْحَاجِبِ إيجَابَ الْإِمْسَاكِ الْقَوَدَ بِلَا قَيْدٍ مُتَعَقَّبٌ. اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْمُوَطَّإِ مَنْ أَمْسَكَ رَجُلًا لِيَضْرِبَهُ آخَرُ فَضَرَبَهُ فَمَاتَ فَإِنْ أَمْسَكَهُ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَهُ قُتِلَا مَعًا، وَإِنْ كَانَ رَأَى أَنَّهُ لَا يَقْتُلُهُ قُتِلَ الْقَاتِلُ فَقَطْ وَعُوقِبَ الْمُمْسِكُ أَشَدَّ عُقُوبَةٍ وَسُجِنَ سَنَةً. الْبَاجِيَّ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ دَلِيلُ حُبِّهِ لِلْقَتْلِ أَنْ يَرَى الْقَاتِلَ يَطْلُبُهُ وَبِيَدِهِ سَيْفٌ أَوْ رُمْحٌ وَإِنْ لَمْ يَرَ مَعَهُ ذَلِكَ فَلَا يُقْتَلُ الْحَابِسُ وَيُجْلَدُ بِقَدْرِ مَا يَرَى السُّلْطَانُ. وَقَالَ عِيسَى يُجْلَدُ مِائَةً فَقَطْ ابْنُ مُزَيْنٍ الْقَوْلُ مَا قَالَ ابْنُ نَافِعٍ. ابْنُ الْقَصَّارِ إنَّمَا يُقْتَلُ الْمُمْسِكُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ ظُلْمًا (وَيُقْتَلُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ (الْجَمْعُ) مِنْ الْمُكَلَّفِينَ غَيْرِ الْحَرْبِيِّينَ وَلَا الزَّائِدِينَ بِحُرِّيَّةٍ أَوْ إسْلَامٍ غَيْرِ الْمُتَمَاثِلِينَ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ، وَسَوَاءٌ قَصَدَ كُلَّ وَاحِدٍ ضَرْبَهُ فَقَطْ أَوْ قَتْلَهُ أَوْ اخْتَلَفُوا إذَا ضَرَبُوهُ جَمِيعًا وَاسْتَوَتْ ضَرَبَاتُهُمْ فِي تَرَتُّبِ الْمَوْتِ عَلَيْهَا أَوْ تَفَاوَتَتْ فِيهِ وَلَمْ يُعْلَمْ صَاحِبُ الضَّرْبَةِ الْقَاتِلَةِ، أَوْ لَمْ تَتَمَيَّزْ الضَّرَبَاتُ إذَا مَاتَ الْمَضْرُوبُ فِي مَكَانِهِ، أَوْ نَفَذَ مَقْتَلُهُ أَوْ غَمَرَ إلَى مَوْتِهِ وَإِلَّا فَلِأَوْلِيَائِهِ الْقَسَامَةُ عَلَى وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الْجَمَاعَةِ وَقَتْلُهُ وَحْدَهُ، وَيُعَاقَبُ بَاقِيهِمْ. وَإِنْ تَفَاوَتَتْ الضَّرَبَاتُ وَعُلِمَ صَاحِبُ الضَّرْبَةِ الْقَاتِلَةِ اُقْتُصَّ مِنْهُ وَعُوقِبَ الْبَاقِي. عج شَرْطُ قَتْلِ الْجَمْعِ بِالْوَاحِدِ أَنْ يَقْصِدُوا قَتْلَهُ، وَلَا يَجْرِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ
[ ٩ / ٢٥ ]
وَالْمُتَمَالِئُونَ، وَإِنْ بِسَوْطِ سَوْطٍ
_________________
(١) [منح الجليل] إنْ قَصَدَ الضَّرْبَ عَدَاوَةً يُوجِبُ الْقِصَاصَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ قَتْلِ الْجَمَاعَةِ وَقَتْلِ الْوَاحِدِ لِشِدَّةِ الْخَطَرِ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَحَمَلَ شَيْخُنَا مَا هُنَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَاعْتُرِضَ عَلَى الشَّارِحِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ شَرْطَ قَصْدِ الْقَتْلِ هُنَا هُوَ الَّذِي يُفِيدُهُ نَقْلُ الْمَوَّاقِ وَالشَّارِحِ وَغَيْرِهِمَا. طفي فِي كَلَامِ عج نَظَرٌ وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ شَيْخُهُ، وَلَيْسَ فِي " ق " مَا يُفِيدُ مَا قَالَ عج، بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى نَقْلِ قَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ الْمَذْهَبُ قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ، وَأَمَّا الشَّارِحُ فَنَقَلَ قَوْلُهَا، وَإِذَا اجْتَمَعَ نَفَرٌ عَلَى قَتْلِ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ صَبِيٍّ أَوْ صَبِيَّةٍ عَمْدًا قُتِلُوا بِذَلِكَ، وَقَوْلُ الْجَوَاهِرِ لَوْ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ عَلَى رَجُلٍ يَضْرِبُونَهُ فَقَطَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ وَفَقَأَ آخَرُ عَيْنَهُ وَجَدَعَ آخَرُ أَنْفَهُ وَقَتَلَهُ آخَرُ، وَقَدْ اجْتَمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ فَمَاتَ مَكَانَهُ قُتِلُوا كُلُّهُمْ بِهِ، وَلَا قِصَاصَ لَهُ فِي الْجُرْحِ مَا لَمْ يَتَعَمَّدُوا الْمُثْلَةَ، وَإِنْ لَمْ يُرِيدُوا قَتْلَهُ اُقْتُصَّ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ جُرْحِهِ وَقُتِلَ قَاتِلُهُ، وَكَلَامُهُمَا فِي التَّمَالُؤِ، وَلِذَا اعْتَرَضَهُ شَيْخٌ عج، وَتَفْرِيقُ عج بَيْنَ مَا هُنَا وَمَا تَقَدَّمَ لَا سَلَفَ لَهُ فِيهِ. ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيَّ إنْ اجْتَمَعَ نَفَرٌ عَلَى ضَرْبِ رَجُلٍ ثُمَّ انْكَشَفُوا وَقَدْ مَاتَ قُتِلُوا بِهِ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَعَلِيٌّ إنْ ضَرَبَهُ هَذَا بِسِلَاحٍ وَهَذَا بِعَصًا وَتَمَادَيَا حَتَّى مَاتَ قُتِلَا بِهِ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ ضَرْبَ أَحَدِهِمْ قَتَلَهُ اهـ. الْبُنَانِيُّ هَذَا قُصُورٌ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مَا نَصُّهُ مَسْأَلَةُ الْأَسْوَاطِ جَارِيَةٌ عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ، بِشَرْطِ أَنْ يَقْصِدُوا جَمِيعًا إلَى قَتْلِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. وَأَمَّا إنْ قَصَدَ الْأَوَّلُونَ إلَى إيخَافِهِ بِالضَّرْبِ فَلَيْسَ السَّوْطُ الْأَوَّلُ وَمَا بَعْدَهُ مِمَّا يَقْرَبُ مِنْهُ مِمَّا يَكُونُ عَنْهُ الْقَتْلُ غَالِبًا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْتَلَ بِهِ الْآخَرُ وَمَنْ قَصَدَ قَتْلَهُ مِمَّنْ تَقَدَّمَهُ اهـ. قَالَ شب بَحْثُ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ ضَعِيفٌ وَإِنْ ارْتَضَاهُ الْجَمَاعَةُ لِأَنَّ زَهُوقَ الرُّوحِ إنَّمَا تَمَّ بِفِعْلِ الْجَمِيعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَيُقْتَلُ) الْجَمَاعَةُ (الْمُتَمَالِئُونَ) بِكَسْرِ اللَّامِ، أَيْ الْمُتَوَافِقُونَ عَلَى قَتْلِ شَخْصٍ مَعْصُومٍ بِهِ إنْ تَمَالَئُوا بِضَرْبِهِ بِنَحْوِ سُيُوفٍ، بَلْ (وَإِنْ بِسَوْطٍ) مِنْ أَحَدِهِمْ وَ(سَوْطٍ) مِنْ آخَرَ، وَهَكَذَا حَتَّى مَاتَ فَيُقْتَلُونَ بِهِ لِمَا فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ عُمَرَ " - ﵁ - " لَوْ تَمَالَأَ أَهْلُ صَنْعَاءَ عَلَى قَتْلِ صَبِيٍّ
[ ٩ / ٢٦ ]
وَالْمُتَسَبِّبُ مَعَ الْمُبَاشِرِ، كَمُكْرِهٍ، وَمُكْرَهٍ،
_________________
(١) [منح الجليل] لَقَتَلْتهمْ بِهِ. شب يُشْتَرَطُ فِي الْقَتْلِ بِالْمُمَالَأَةِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ أَنْ يَقْصِدُوا قَتْلَهُ، فَإِنْ قَصَدُوا ضَرْبَهُ فَقَطْ جَرَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَأَنْ يَحْضُرُوا بِحَيْثُ يَكُونُ الَّذِي لَمْ يَضْرِبْ لَوْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ لِضَرْبٍ وَلَوْ لَمْ يَلِ الْقَتْلَ إلَّا وَاحِدٌ، وَاَلَّذِي يَحْرُسُ لَهُمْ كَهُمْ، وَأَنْ يَمُوتَ فَوْرًا أَوْ مَغْمُورًا، فَإِنْ عَاشَ وَأَكَلَ وَشَرِبَ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَسَامَةِ وَلَا يُقْسِمُ فِي الْعَمْدِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، وَأَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يُقْتَصُّ مِنْهُمْ لَهُ بِخِلَافِ قَتْلِ الْحِرَابَةِ وَتَمَالُؤٍ الْوَالِدِ مَعَهُمْ وَيُقْتَلُ الشَّخْصُ (الْمُتَسَبِّبُ) فِي الْقَتْلِ (مَعَ) الشَّخْصِ (الْمُبَاشِرِ) لَهُ كَحَافِرِ بِئْرٍ لِإِهْلَاكِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ وَمَوْقِعٍ لَهُ فَيُقْتَلَانِ بِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ هَارُونَ يُقْتَلُ الْمُوقِعُ فَقَطْ تَغْلِيبًا لِلْمُبَاشَرَةِ، فَلَوْ حَفَرَهَا لِلِانْتِفَاعِ بِهَا فِيمَا يَجُوزُ لَهُ حَفْرُهَا فَأَوْقَعَ غَيْرَهُ فِيهَا مَعْصُومًا فَلَا شَيْءَ عَلَى حَافِرِهَا، وَيُقْتَصُّ مِنْ الْمُوقِعِ، وَمَثَّلَ لَهُمَا بِقَوْلِهِ (كَمُكْرِهٍ) بِكَسْرِ الرَّاءِ عَلَى قَتْلِ مَعْصُومٍ (وَمُكْرَهٍ) بِفَتْحِهَا فَيُقْتَلَانِ بِهِ مَعًا الْأَوَّلُ لِتَسَبُّبِهِ، وَالثَّانِي لِمُبَاشَرَتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ الْمُكْرَهُ أَبَا الْمَقْتُولِ فَيُقْتَلُ مُكْرِهُهُ وَحْدَهُ. ابْنُ الْحَاجِبِ يُقْتَلُ مُكْرِهُ الْأَبِ دُونَهُ. ابْنُ عَرَفَةَ ذَكَرَ ابْنُ شَاسٍ شَرِكَةَ الْأَبِ فِي قَتْلِ ابْنِهِ قَالَ وَسَقَطَ الْقَوَدُ عَنْ الْأَبِ لِمَعْنًى فِيهِ لَا فِي الْقَتْلِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مُكْرِهَ الْأَبِ عَلَى قَتْلِ ابْنِهِ يُقْتَلُ لِأَنَّ فِعْلَهُ مَنْقُولٌ إلَيْهِ، وَعَبَّرَ عَنْهُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ وَلِذَا قُتِلَ مُكْرِهُ الْأَبِ دُونَهُ. قُلْت فِي النَّوَادِرِ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْهُ لَوْ أَكْرَهَ لِصٌّ رَجُلًا عَلَى قَتْلِ ابْنِهِ أَوْ أَخِيهِ وَلَا وَارِثَ لَهُ غَيْرَهُ بِوَعِيدٍ بِقَتْلٍ فَقَتَلَهُ فَإِنَّهُ لَا يَرِثُ مِنْ مَالِهِ وَلَا مِنْ دِيَتِهِ شَيْئًا لِأَنَّهُ غَيْرُ مُبَاحٍ لَهُ قَتْلُهُ، وَلَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ مِنْ الْقَوَدِ، ثُمَّ قَالَ لَوْ أَنَّ الْأَبَ أَكْرَهَ رَجُلًا عَلَى قَتْلِ ابْنِهِ وَهُوَ يَعْقِلُ فَقَتَلَهُ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْقَوَدُ عَلَى الْقَاتِلِ وَلَا قَوَدَ عَلَى الْأَبِ وَلَا يَرِثُ مِنْ ابْنِهِ شَيْئًا. ابْنُ الْقَصَّارِ فِي الْقَوَدِ بِالْإِكْرَاهِ وَبِشَهَادَةِ الزُّورِ رِوَايَتَانِ، وَاخْتَارَ الْأُولَى الْمَازِرِيُّ مَنْ أَكْرَهَ رَجُلًا عَلَى قَتْلِ رَجُلٍ ظُلْمًا قُتِلَ الْمُبَاشِرُ، إذْ لَا خِلَافَ أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يُبِيحُ لَهُ قَتْلَ مُسْلِمٍ ظُلْمًا، وَيُقْتَلُ الْمُكْرَهُ أَيْضًا لِأَنَّ الْقَاتِلَ كَآلَةٍ لَهُ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَيْرَ مُكَلَّفٍ فَلَا يُقْتَلُ وَنِصْفُ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
[ ٩ / ٢٧ ]
وَكَأَبٍ، أَوْ مُعَلِّمٍ أَمَرَ وَلَدًا صَغِيرًا، وَسَيِّدٍ أَمَرَ عَبْدًا مُطْلَقًا؛ فَإِنْ لَمْ يَخَفْ الْمَأْمُورُ: اُقْتُصَّ مِنْهُ فَقَطْ
_________________
(١) [منح الجليل] وَكَأَبٍ أَوْ مُعَلِّمٍ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا (أَمَرَ) الْأَبُ أَوْ الْمُعَلِّمُ (وَلَدًا صَغِيرًا) بِقَتْلِ مَعْصُومٍ (أَوْ سَيِّدٍ أَمَرَ عَبْدًا مُطْلَقًا) عَنْ تَقْيِيدِهِ بِالصِّغَرِ بِقَتْلِ مَعْصُومٍ فَقَتَلَ الصَّغِيرُ أَوْ الْعَبْدُ مَنْ أُمِرَ بِقَتْلِهِ فَيُقْتَلُ الْآمِرُ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثَةِ لِتَسَبُّبِهِ فِي قَتْلِهِ، وَعَلَى عَاقِلَةِ الصَّغِيرِ نِصْفُ دِيَةِ مَقْتُولِهِ، فَإِنْ تَعَدَّدَ الصِّبْيَانُ فَنِصْفُ الدِّيَةِ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ بِالسَّوِيَّةِ وَإِنْ خَصَّ كُلَّ عَاقِلَةٍ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ الدِّيَةِ قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ. وَمَفْهُومُ صَغِيرٍ أَنَّهُ إنْ أَمَرَ بِهِ كَبِيرًا فَقَتَلَ قُتِلَ الْوَلَدُ وَالْمُتَعَلِّمُ وَحْدَهُ، وَعُوقِبَ آمِرُهُ وَقُتِلَ الْعَبْدُ مَعَ سَيِّدِهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ رُشْدٍ لَوْ قَتَلَ الِابْنُ الْبَالِغُ بِأَمْرِ أَبِيهِ أَوْ بَالِغٍ مُتَعَلِّمِي الصَّانِعِ بِأَمْرِهِ أَوْ الْمُؤَدِّبِ بِأَمْرِهِ فَفِي قَتْلِ الْقَاتِلِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي عُقُوبَةِ الْآمِرِ وَقَتْلِهِمَا مَعًا قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَتَيْ يَحْيَى عَنْهُ وَسَحْنُونٍ، ثُمَّ قَالَ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ يُضْرَبُ الْآمِرُ مِائَةً وَيُسْجَنُ سَنَةً. وَيُضْرَبُ الْغُلَامُ الْمُرَاهِقُ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ بِقَدْرِ احْتِمَالِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَبُ أَوْ الْمُعَلِّمُ أَوْ الْمُؤَدِّبُ مُبَاشِرًا لِذَلِكَ مُشَدِّدًا عَلَيْهِ فَيَجِبُ حِينَئِذٍ قَتْلُهُ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فِي السِّنِّ فَلَا خِلَافَ فِي قَتْلِ الْآمِرِ وَعَلَى عَاقِلَةِ الصَّغِيرِ نِصْفُ الدِّيَةِ. (فَإِنْ لَمْ يَخَفْ الْمَأْمُورُ) بِقَتْلِ الْمَعْصُومِ ظُلْمًا مِنْ الْآمِرِ (اُقْتُصَّ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ (مِنْهُ) أَيْ الْمَأْمُورِ وَحْدَهُ وَضُرِبَ الْآمِرُ مِائَةً وَحُبِسَ سَنَةً. " ق " صَوَّرَ ابْنُ رُشْدٍ هُنَا سِتَّ صُوَرٍ الْأُولَى: أَنْ يَأْمُرَ رَجُلٌ رَجُلًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا لِغَيْرِهِ بِقَتْلِ مَعْصُومٍ فَيَقْتُلُهُ فَلَا خِلَافَ فِي قَتْلِ الْقَاتِلِ وَضَرْبِ الْآمِرِ مِائَةً وَحَبْسِهِ عَامًا. الثَّانِيَةُ: أَنْ يَأْمُرَ عَبْدَهُ الْبَالِغَ بِهِ فَيَقْتُلُهُ فَيُقْتَلَانِ مَعًا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي هَذَا كَانَ الْعَبْدُ فَصِيحًا أَوْ أَعْجَمِيًّا. وَقَالَهُ أَصْبَغُ. الثَّالِثَةُ: أَنْ يَأْمُرَ الْإِمَامُ بَعْضَ أَعْوَانِهِ بِقَتْلِ رَجُلٍ ظُلْمًا فَيَقْتُلُهُ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُمَا يُقْتَلَانِ مَعًا. الرَّابِعَةُ: أَنْ يَأْمُرَ الرَّجُلُ ابْنَهُ الْبَالِغَ الَّذِي فِي حِجْرِهِ أَوْ الْمُؤَدِّبُ مُؤَدَّبَهُ الْبَالِغَ بِقَتْلِ رَجُلٍ فَيَقْتُلُهُ فَاخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، فَفِي سَمَاعِ يَحْيَى بِقَتْلِ الْقَاتِلِ وَيُبَالِغُ فِي عُقُوبَةِ الْآمِرِ، وَرَوَى سَحْنُونٌ عَنْهُ قَتْلَهُمَا مَعًا. الْخَامِسَةُ: أَنْ يَكُونَ الِابْنُ مُرَاهِقًا وَمِثْلُهُ يَنْتَهِي عَمَّا يُنْهَى
[ ٩ / ٢٨ ]
وَعَلَى شَرِيكِ الصَّبِيِّ الْقِصَاصُ، إنْ تَمَالَآ عَلَى قَتْلِهِ
لَا شَرِيكِ مُخْطِئٍ مَجْنُونٍ
وَهَلْ يُقْتَصُّ مِنْ شَرِيكِ سَبُعٍ وَجَارِحِ نَفْسِهِ، وَحَرْبِيٍّ وَمَرَضٍ بَعْدَ الْجُرْحِ، أَوْ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ؟ قَوْلَانِ
_________________
(١) [منح الجليل] عَنْهُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُقْتَلُ الْآمِرُ وَعَلَى عَاقِلَةِ الصَّبِيِّ نِصْفُ الدِّيَةِ. السَّادِسَةُ: كَوْنُهُ دُونَ ذَلِكَ فِي السِّنِّ، فَلَا خِلَافَ فِي قَتْلِ الْآمِرِ وَغُرْمُ عَاقِلَةِ الصَّبِيِّ نِصْفُ الدِّيَةِ (وَ) إنْ اشْتَرَكَ مُكَلَّفٌ غَيْرُ حَرْبِيٍّ إلَى آخِرِهِ مَعَ صَبِيٍّ فِي قَتْلِ مَعْصُومٍ فَ (عَلَى) الْمُكَلَّفِ (شَرِيكِ الصَّبِيِّ) فِي قَتْلِ الْمَعْصُومِ (الْقِصَاصُ) وَعَلَى عَاقِلَةِ الصَّبِيِّ نِصْفُ الدِّيَةِ (إنْ تَمَالَآ) أَيْ اتَّفَقَ الْمُكَلَّفُ وَالصَّبِيُّ عَلَى قَتْلِهِ أَيْ الْمَعْصُومِ، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّهُمَا إنْ تَعَمَّدَا بِلَا تَمَالُؤٍ فَلَا يُقْتَلُ الْمُكَلَّفُ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ مَوْتِهِ مِنْ فِعْلِ الصَّبِيِّ، وَلَوْ أَخْطَآ مَعًا أَوْ الْمُكَلَّفُ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتَيْهِمَا، وَكَذَا إنْ تَعَمَّدَ الْمُكَلَّفُ وَأَخْطَأَ الصَّبِيُّ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لَكِنْ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي مَالِ الْمُكَلَّفِ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ عَمْدًا وَإِنْ شَارَكَ الْمُكَلَّفُ الْمُتَعَمِّدَ مُخْطِئًا أَوْ مَجْنُونًا فِي قَتْلِ مَعْصُومٍ فَ (لَا) قِصَاصَ عَلَى مُكَلَّفٍ مُتَعَمِّدٍ (شَرِيكِ) مُكَلَّفٍ (مُخْطِئٍ وَمَجْنُونٍ) فِي قَتْلِ مَعْصُومٍ وَعَلَى الْمُتَعَمِّدِ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ، وَيُضْرَبُ مِائَةً، وَيُحْبَسُ عَامًا، وَنِصْفُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الْمُخْطِئِ أَوْ الْمَجْنُونِ (وَهَلْ يُقْتَصُّ) بِضَمِّ الْيَاءِ (مِنْ) مُكَلَّفٍ مُتَعَمِّدٍ (شَرِيكِ سَبُعٍ) فِي قَتْلِ مَعْصُومٍ (وَ) شَرِيكِ (جَارِحِ نَفْسِهِ) لِشِدَّةِ مَرَضِهِ مَثَلًا (وَ) شَرِيكِ (حَرْبِيٍّ وَ) شَرِيكِ (مَرَضٍ) حَدَثَ (بَعْدَ الْجُرْحِ) لِمَعْصُومٍ يَمُوتُ مِنْهُ غَالِبًا كَطَاعُونٍ (أَوْ لَا) يُقْتَصُّ مِنْ الشَّرِيكِ فِي الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعَةِ (وَ) إنَّمَا (عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ) فِي مَالِهِ وَيُضْرَبُ مِائَةً وَيُسْجَنُ سَنَةً، فِي الْجَوَابِ (قَوْلَانِ) لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ، وَالْقِصَاصُ مَشْرُوطٌ بِالْقَسَامَةِ فِيهَا فَإِنْ تَقَدَّمَ الْمَرَضُ الْمَخُوفُ عَلَى الْجُرْحِ فَلَا قِصَاصَ اتِّفَاقًا لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ مَوْتَهُ مِنْ مَرَضِهِ وَالْجُرْحُ
[ ٩ / ٢٩ ]
وَإِنْ تَصَادَمَا، أَوْ تَجَاذَبَا مُطْلَقًا قَصْدًا فَمَاتَا أَوْ أَحَدُهُمَا فَالْقَوَدُ، وَحُمِلَا
_________________
(١) [منح الجليل] هَيَّجَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْمَرَضِ سَبَبُ الْمَوْتِ فَيَشْمَلُ السُّقُوطَ وَالضَّرْبَ أَيْضًا، وَحُصُولُهُ حِينَ الْجُرْحِ كَحُصُولِهِ بَعْدَهُ أَفَادَهُ الْخَرَشِيُّ وشب وعب. الْبُنَانِيُّ اُنْظُرْ مِنْ أَيْنَ أَتَى بِهِ وَالظَّاهِرُ مَا ذَكَرَهُ أَحْمَدُ، وَنَصُّهُ إذَا كَانَ الْمَرَضُ قَبْلَ الْجُرْحِ فَالظَّاهِرُ الْقِصَاصُ فَقَطْ بِمُنَابَةِ قَتْلِ مَرِيضٍ وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ وَذَكَرٍ وَصَحِيحٍ وَضِدِّهِمَا. أَقُولُ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّهُ قَتْلُ مَرِيضٍ وَفِيهِ الْقِصَاصُ اتِّفَاقًا كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. عج الَّذِي تَجِبُ الْفَتْوَى بِهِ فِي شَرِيكِ الْمَرَضِ الْقَسَامَةُ وَالْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَإِنْ تَصَادَمَا) أَيْ تَلَاطَمَ الْمُكَلَّفَانِ غَيْرَ الْحَرْبِيَّيْنِ الْمُتَكَافِئَانِ قَصْدًا فَمَاتَا مَعًا أَوْ أَحَدُهُمَا فَالْقَوَدُ، فَإِنْ مَاتَا مَعًا فَقَدْ فَاتَ مَحَلُّهُ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا اُقْتُصَّ مِنْ الْحَيِّ. وَإِنْ تَصَادَمَ حَرْبِيٌّ وَمَعْصُومٌ فَلَا قَوَدَ سَوَاءٌ مَاتَا مَعًا أَوْ أَحَدُهُمَا، وَإِنْ تَصَادَمَ مُكَلَّفٌ وَصَبِيٌّ قَصْدًا فَإِنْ مَاتَا فَلَا قَوَدَ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ، وَإِنْ مَاتَ الصَّبِيُّ اُقْتُصَّ مِنْ الْمُكَلَّفِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُكَلَّفُ فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الصَّبِيِّ، وَإِنْ تَصَادَمَ مُكَلَّفَانِ أَحَدُهُمَا حُرٌّ وَالْآخَرُ رِقٌّ، فَإِنْ مَاتَا فَلَا قَوَدَ، وَإِنْ مَاتَ الْحُرُّ فَدِيَتُهُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ، وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ فَقِيمَتُهُ عَلَى الْحُرِّ (أَوْ تَجَاذَبَا) أَيْ تَسَاحَبَ الشَّخْصَانِ بِأَيْدِيهِمَا أَوْ بِنَحْوِ حَبْلٍ تَصَادُمًا أَوْ تَجَاذُبًا (مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَا رَاجِلَيْنِ أَوْ رَاكِبَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ، وَسَوَاءٌ كَانَا بَصِيرَيْنِ أَوْ ضَرِيرَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ تَصَادُمً اأَوْ تَجَاذُبًا (قَصْدًا فَمَاتَا) أَيْ الْمُتَصَادِمَانِ أَوْ الْمُتَجَاذِبَانِ مَعًا (أَوْ) مَاتَ (أَحَدُهُمَا) أَيْ الْمُتَصَادِمَيْنِ أَوْ الْمُتَجَاذِبَيْنِ فَقَطْ وَسُلِّمَ الْآخَرُ (فَالْقَوَدُ) أَيْ أَحْكَامُ الْقِصَاصِ مُعْتَبَرَةٌ ثُبُوتًا أَوْ نَفْيًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، فَيَنْتَفِي فِي مَوْتِهِمَا لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ، وَيَثْبُتُ مِنْ الْحَيِّ فِي مَوْتِ أَحَدِهِمَا إنْ كَانَا مُكَلَّفَيْنِ مُتَكَافِئَيْنِ وَلَا يُقْتَصُّ مِنْ صَبِيٍّ وَلَا مِنْ حُرٍّ لِعَبْدٍ، إذْ لَمْ يَتَكَافَآ، وَدِيَةُ الْمُكَلَّفِ الْحُرِّ عَلَى عَاقِلَةِ الصَّبِيِّ وَفِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ وَقِيمَةُ الْعَبْدِ فِي مَالِ الْحُرِّ. (وَ) إنْ جَهِلَ حَالَ الْمُتَصَادِمَيْنِ أَوْ الْمُتَجَاذِبَيْنِ مِنْ جِهَةِ الْقَصْدِ وَعَدَمِهِ (حُمِلَا) بِضَمٍّ
[ ٩ / ٣٠ ]
عَلَيْهِ عَكْسُ السَّفِينَتَيْنِ، إلَّا لِعَجْزٍ حَقِيقِيٍّ:
_________________
(١) [منح الجليل] فَكَسْرٍ، أَيْ الْمُتَصَادِمَانِ أَوْ الْمُتَجَاذِبَانِ (عَلَيْهِ) أَيْ الْقَصْدِ حَتَّى يَثْبُتَ عَدَمُهُ (عَكْسُ) تَصَادُمِ (السَّفِينَتَيْنِ) إذَا تَلِفَتَا أَوْ إحْدَاهُمَا وَجَهِلَ قَصْدَ مَا فِيهِمَا وَعَدَمِهِ فَيُحْمَلُونَ عَلَى عَدَمِ الْقَصْدِ، فَلَا يَضْمَنُونَ مَالًا وَلَا دِيَةً لِعُذْرِهِمْ بِغَلَبَةِ الْبَحْرِ وَالرِّيحِ. الْحَطّ أَيْ فَإِنَّهُمْ يُحْمَلُونَ عَلَى عَدَمِ الْقَصْدِ إذَا جُهِلَ أَمْرُهُمْ، فَإِنْ تَحَقَّقَ تَعَمُّدُهُمْ لِإِتْلَافِهِمْ فَهُمْ ضَامِنُونَ فِيهَا لَوْ أَنَّ سَفِينَةً صَدَمَتْ أُخْرَى فَكَسَرَتْهَا فَغَرِقَ أَهْلُهَا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ رِيحٍ غَلَبَتْهُمْ أَوْ مِنْ شَيْءٍ لَمْ يَسْتَطِيعُوا مَعَهُ حَبْسَهَا عَنْ الْأُخْرَى فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى صَرْفِهَا وَلَمْ يَصْرِفُوهَا ضَمِنُوا. ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَقِيلَ الدِّيَاتُ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ. وَقَالَ اللَّخْمِيُّ الدِّيَاتُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْعَوَاقِلِ إلَّا أَنْ يَتَعَمَّدُوا ذَلِكَ وَيَعْلَمُوا أَنَّهُ مُهْلِكٌ فَالدِّيَاتُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ أَبُو الْحَسَنِ وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ أَهْلَ السَّفِينَةِ إذَا تَعَمَّدُوا إغْرَاقَ الْأُخْرَى فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ إلَّا الدِّيَةُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ طَرْحِ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْعَوْمَ بِمَنْزِلَةِ الْمُثَقَّلِ. أَبُو الْحَسَنِ مَسْأَلَتَا السَّفِينَةِ وَالْفَرَسِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الرِّيحِ فِي السَّفِينَةِ وَفِي الْفَرَسِ مِنْ غَيْرِ رَاكِبِهِ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ مِنْ سَبَبِ النَّوَاتِيَّةِ فِي السَّفِينَةِ وَالرَّاكِبِ فِي الْفَرَسِ فَلَا إشْكَالَ فِي ضَمَانِهِمْ، وَإِنْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ حُمِلَ فِي السَّفِينَةِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الرِّيحِ وَفِي الْفَرَسِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الرَّاكِبِ. وَاسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ حُمِلَا عَلَيْهِ اسْتِثْنَاءً مُنْقَطِعًا فَقَالَ (إلَّا لِعَجْزٍ حَقِيقِيٍّ) عَنْ صَرْفِ كُلِّ الْمُتَصَادِمِينَ فَرَسَهُ عَنْ الْآخَرِ فَلَا يَضْمَنَانِ شَيْئًا لَا مَالًا وَلَا دِيَةً إذَا عُلِمَ أَنَّ جُمُوحَهُمَا لَيْسَ مِنْ فِعْلِ الرَّاكِبِينَ، بَلْ مِمَّا مَرَّا بِهِ مَثَلًا. ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إذَا جَمَحَتْ فَرَسَاهُمَا بِهِمَا وَلَمْ يَقْدِرَا عَلَى صَرْفِهِمَا فَلَا يَضْمَنَانِ يُرَدُّ بِقَوْلِهَا إنْ جَمَحَتْ دَابَّةٌ بِرَاكِبِهَا فَوَطِئَتْ إنْسَانًا فَعَطِبَ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَيَقُولُهَا إنْ كَانَ فِي الْفَرَسِ اغْتِرَامٌ فَحَمَلَ بِصَاحِبِهِ فَصَدَمَ فَرَاكِبُهُ ضَامِنٌ لِأَنَّ سَبَبَ جَمْحِهِ مِنْ رَاكِبِهِ وَفِعْلِهِ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ إنَّمَا نَفَرَ مِنْ شَيْءٍ مَرَّ بِهِ فِي الطَّرِيقِ مِنْ غَيْرِ سَبَبِ رَاكِبِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ فَعَلَ بِهِ غَيْرُهُ مَا جَمَحَ بِهِ فَذَلِكَ عَلَى الْفَاعِلِ وَالسَّفِينَةُ الرِّيحُ هِيَ الْغَالِبَةُ، فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا.
[ ٩ / ٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [منح الجليل] قُلْت فَهَذَا كَالنَّصِّ عَلَى أَنَّ مَا تَلِفَ بِسَبَبِ الْجُمُوحِ ضَمَانُهُ مِنْ رَاكِبِهِ مُطْلَقًا إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِهِ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مَا تَلِفَ بِالْجُمُوحِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى صَرْفِهِ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ اهـ. الْحَطّ وَهُوَ ظَاهِرُ الْخَرَشِيِّ إلَّا لِعَجْزٍ حَقِيقِيٍّ رَاجِعٍ لِلْمُتَصَادَمَيْنِ، أَيْ لِقَوْلِهِ وَحُمِلَا عَلَيْهِ، أَيْ الْعَمْدِ عِنْدَ الْجَهْلِ إلَّا لِعَجْزٍ حَقِيقِيٍّ لَا يَسْتَطِيعُ أَصْحَابُهُمَا صَرْفَهُمَا عَنْهُ فَلَا ضَمَانَ حِينَئِذٍ، وَسَيَأْتِي إذَا تَحَقَّقَ الْخَطَأُ وَلَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ لِلسَّفِينَتَيْنِ لِفَسَادِ الْمَعْنَى لِأَنَّهُ يُصَيِّرُ الْمَعْنَى عَكْسَ السَّفِينَتَيْنِ، أَيْ فَإِنَّهُمَا يُحْمَلَانِ عَلَى الْعَجْزِ عِنْدَ الْجَهْلِ إلَّا لِعَجْزٍ حَقِيقِيٍّ، فَإِنَّهُمَا يُحْمَلَانِ عَلَى الْقَصْدِ وَهُوَ فَاسِدٌ وَنَحْوُهُ لعب. الْعَدَوِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ رَاجِعٌ لِصُورَتَيْ اصْطِدَامِ الْفَارِسَيْنِ وَالسَّفِينَتَيْنِ، وَأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ السَّابِقِ، أَيْ إنَّ تَصَادُمَ السَّفِينَتَيْنِ مُخَالِفٌ تَصَادُمَ غَيْرِهِمَا فِي الْحُكْمِ إلَّا إذَا تَحَقَّقَ الْعَجْزُ عَنْ الصَّرْفِ عَنْ التَّصَادُمِ فَإِنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِي أَنَّهُ لَا مَالَ وَلَا قَوَدَ فِي تَصَادُمِ السَّفِينَتَيْنِ وَلَا فِي تَصَادُمِ غَيْرِهِمَا. الْبُنَانِيُّ الَّذِي لِابْنِ عَاشِرٍ أَنَّهُ رَاجِعٌ لِلسَّفِينَتَيْنِ وَالْمُتَصَادَمِينَ، أَيْ فَيَرْجِعُ وَإِنْ تَصَادَمَا إلَخْ، وَيَكُونُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ جَارِيًا عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ الْحَطّ فِي السَّفِينَتَيْنِ مِنْ الْقَوَدِ عِنْدَ الْقَصْدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. تت إلَّا لِعَجْزٍ حَقِيقِيٍّ نَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ، وَتَبِعَهُ هُنَا مَعَ أَنَّهُ نَاقَشَهُ فِي تَوْضِيحِهِ فَقَالَ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَلَوْ اصْطَدَمَ سَفِينَتَانِ فَلَا ضَمَانَ بِشَرْطِ الْعَجْزِ عَنْ الصَّرْفِ، وَالْمُعْتَبَرُ الْعَجْزُ حَقِيقَةً يُنَاقِشُ الْمُصَنِّفُ فِي قَوْلِهِ بِشَرْطِ الْعَجْزِ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَحَقُّقُ الْعَجْزِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ فَلَا ضَمَانَ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ النَّوَاتَيْنِ قَادِرَتَيْنِ عَلَى صَرْفِهَا اهـ. طفي وَأَنْتَ إذَا تَأَمَّلْت عَلِمْت أَنَّ الْمُنَاقَشَةَ لَا تَرِدُ عَلَى الْمُصَنِّفِ، إذْ حَاصِلُهَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَحَقُّقُهُ، بَلْ كَذَلِكَ إذَا جُهِلَ الْأَمْرُ، وَهَذَا أُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ عَكْسُ السَّفِينَتَيْنِ فَالْمُصَنِّفُ لَمْ يَتَّبِعْ ابْنَ الْحَاجِبِ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ زَادَ هَذَا وَإِنْ كَانَ يُفْهِمُ سُقُوطَ الضَّمَانِ فِيهِ بِالْأَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ عَكْسُ السَّفِينَتَيْنِ لِإِخْرَاجِ الظُّلْمَةِ وَخَوْفِ الْغَرَقِ، وَأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي الْعَجْزِ مُطْلَقُ الْعُذْرِ، بَلْ الْعَجْزُ الْحَقِيقِيُّ وَهُوَ الَّذِي لَا قُدْرَةَ مَعَهُ أَصْلًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (لَا) يَنْتَفِي الضَّمَانُ عَنْ أَهْلِ السَّفِينَةِ إنْ قَدَرُوا عَلَى صَرْفِهَا عَنْ الْأُخْرَى وَلَمْ يَصْرِفُوهَا
[ ٩ / ٣٢ ]
لَا لِكَخَوْفِ غَرَقٍ، أَوْ ظُلْمَةٍ، وَإِلَّا فَدِيَةُ كُلٍّ عَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرِ، وَفَرَسُهُ فِي مَالِ الْآخَرِ كَثَمَنِ الْعَبْدِ
_________________
(١) [منح الجليل] عَنْهَا (لِكَخَوْفِ غَرَقٍ) أَوْ نَهْبٍ أَوْ أَسْرٍ أَوْ حَرْقٍ أَوْ كَسْرٍ إنْ صَرَفُوهَا حَتَّى تَلِفَتَا أَوْ إحْدَاهُمَا وَمَا فِيهِمَا مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ، فَيَضْمَنُونَ لِقُدْرَتِهِمْ عَلَى صَرْفِهَا، إذْ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُسَلِّمُوا أَنْفُسَهُمْ بِإِهْلَاكِ غَيْرِهِمْ (أَوْ) اصْطَدَمَتَا بِسَبَبِ (ظُلْمَةٍ) فَلَمْ يَشْعُرُوا حَتَّى اصْطَدَمَتَا فَيَضْمَنُونَ كَمُصْطَدِمَيْنِ فِي الْبَرِّ لِظُلْمَةٍ لِأَنَّ اصْطِدَامَهُمَا بِفِعْلِهِمْ وَعَدَمَ شُعُورِهِمْ لِلظُّلْمَةِ لَا يُخْرِجُهُمْ عَنْ الضَّمَانِ كَالْخَطَأِ. ابْنُ يُونُسَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - ﵁ - " فِي السَّفِينَتَيْنِ تَصْطَدِمَانِ فَتَغْرَقُ إحْدَاهُمَا بِمَا فِيهَا فَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَحَدٍ لِأَنَّ الرِّيحَ تَغْلِبُهُمْ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ النَّوَاتِيَّةِ لَوْ أَرَادُوا صَرْفَهُمَا قَدَرُوا عَلَى حَبْسِهِمَا إلَّا أَنَّ فِي ذَلِكَ هَلَاكَهُمْ وَغَرَقَهُمْ فَلَمْ يَفْعَلُوا فَلْتَضْمَنْ عَوَاقِلُهُمْ دِيَاتِهِمْ، وَيَضْمَنُوا هُمْ الْأَمْوَالَ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَطْلُبُوا نَجَاتَهُمْ بِغَرَقِ غَيْرِهِمْ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَرَوْهُمْ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَهُمْ لَوْ رَأَوْهُمْ لَقَدَرُوا عَلَى صَرْفِهَا فَهُمْ ضَامِنُونَ لِمَا فِي السَّفِينَةِ وَدِيَةُ مَنْ مَاتَ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ، وَلَكِنْ لَوْ غَلَبَتْهُمْ الرِّيحُ أَوْ غَفَلُوا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ. اهـ. " ق " اهـ بُنَانِيٌّ. (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ اصْطِدَامُ السَّفِينَتَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا أَوْ تَجَاذُبُ الْمُتَجَاذِبَيْنِ قَصْدًا بِأَنْ كَانَ خَطَأً وَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ (فَدِيَةُ كُلٍّ) مِنْ الْآدَمِيِّينَ (عَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرِ) لِأَنَّهَا عَنْ جِنَايَةٍ خَطَأً (وَفَرَسُهُ) قِيمَتُهَا (فِي مَالِ الْآخَرِ) وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْفَرَسِ، بَلْ كُلُّ مَا تَلِفَ بِسَبَبِ التَّصَادُمِ حُكْمُهُ كَالْفَرَسِ. وَشَبَّهَ فِي التَّعَلُّقِ بِمَالِ الْآخَرِ فَقَالَ (كَثَمَنِ) أَيْ قِيمَةِ (الْعَبْدِ) الْمُصَادِمِ لِحُرٍّ فَهِيَ فِي مَالِ الْحُرِّ وَدِيَةُ الْحُرِّ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ. ابْنُ يُونُسَ ابْنُ الْمَوَّازِ فَإِنْ فَضَلَتْ دِيَةُ الْحُرِّ عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْعَبْدِ مَالٌ فَتَكُونُ بَقِيَّةُ الدِّيَةِ فِيهِ. تت تَنْكِيتُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُتَصَادِمَيْنِ وَالسَّفِينَتَيْنِ هُوَ كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ لَيْسَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا غَيْرِهَا مِنْ الرِّوَايَاتِ مَا يَقْتَضِي الْقِصَاصَ فِي ذَلِكَ، وَسَاقَ كَلَامَ دِيَاتِهَا فِي ذَلِكَ فَانْظُرْهُ.
[ ٩ / ٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [منح الجليل] طفي بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ هُوَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مَرْزُوقٍ فَإِنَّهُ قَالَ فِي شَرْحِهِ لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ شَاسٍ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ، وَاعْتِرَاضُهُ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِمَا، إذْ لَمْ يَذْكُرَا فِي تَصَادُمِ السَّفِينَتَيْنِ قِصَاصًا، وَإِنَّمَا عَبَّرَا بِالضَّمَانِ، وَنَصُّ الْأَوَّلِ وَأَمَّا لَوْ اصْطَدَمَتْ سَفِينَتَانِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَصْحَابِهِمَا إلَّا أَنْ يَتَعَمَّدُوا ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ الْمَلَّاحُونَ قَادِرِينَ عَلَى صَرْفِهِمَا فَلَمْ يَصْرِفُوهُمَا ضَمِنُوا وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ مِنْ خَوْفِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْ الْغَرَقِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ مِنْ أَجْلِ الظُّلْمَةِ وَهُمْ لَوْ رَأَوْهُمْ قَدَرُوا عَلَى صَرْفِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَنَصُّ الثَّانِي تَقَدَّمَ وَتَبِعَهُمَا الْمُصَنِّفُ فَلَمْ يَنُصَّ عَلَى الْقِصَاصِ فَيُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى الضَّمَانِ كَكَلَامِهِمَا وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِ دِيَاتِهَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ رِيحٍ غَلَبَتْهُمْ أَوْ مِنْ شَيْءٍ لَا يَسْتَطِيعُونَ حَبْسَهَا مَعَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى صَرْفِهَا فَلَمْ يَفْعَلُوا ضَمِنُوا. ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَأَمَّا التَّصَادُمُ فَنَصُّ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى الْقِصَاصِ فِيهِ وَتَبِعَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَأَقَرَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ وَنُصُوصُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ تَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَا سِيَّمَا أَنَّ الْعَمْدَ الْمُوجِبَ لِلْقِصَاصِ عَلَى مَذْهَبِ الْكِتَابِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْعُدْوَانِ وَلَوْ كَانَ مِثْلُهُ لَا يَقْتُلُ كَلَطْمَةٍ فَالتَّصَادُمُ أَحْرَى، فَفِيهَا مَنْ تَعَمَّدَ ضَرْبَ رَجُلٍ بِلَطْمَةٍ أَوْ لَكْزَةٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ بُنْدُقَةٍ أَوْ قَضِيبٍ أَوْ عَصًا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَفِيهِ الْقَوَدُ، وَفِيهَا أَيْضًا فِي الْمُتَصَارِعِينَ إنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْقِتَالِ فَصَرَعَهُ فَمَاتَ أَوْ أَخَذَ بِرِجْلِهِ فَسَقَطَ فَمَاتَ فَفِيهِ الْقَوَدُ، وَأَمَّا قَوْلُ دِيَاتِهَا وَمِثْلُهُ فِي رَوَاحِلهَا إذَا اصْطَدَمَ الْفَارِسَانِ فَمَاتَ الْفَرَسَانِ وَالرَّاكِبَانِ فَدِيَةُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرِ، وَقِيمَةُ فَرَسِ كُلِّ وَاحِدٍ فِي مَالِ الْآخَرِ فَهُوَ فِي الْخَطَأِ بِدَلِيلِ ذِكْرِ الْعَاقِلَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلَهَا ابْنُ عَرَفَةَ، وَنَصُّهُ فَلَوْ اصْطَدَمَ فَارِسَانِ حُرَّانِ خَطَأً فَمَاتَا هُمَا وَفَرَسَاهُمَا فَفِي لُزُومِ دِيَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَاقِلَةُ الْآخَرِ، وَقِيمَةُ فَرَسِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي مَالِ الْآخَرِ أَوْ نِصْفَيْهِمَا فَقَطْ قَوْلَانِ لَهَا وَلِعُيُونِ مَسَائِلِ ابْنِ الْقَصَّارِ عَنْ أَشْهَبَ مَعَ تَخْرِيجِهِ اللَّخْمِيُّ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ فِي حَافِرَيْ بِئْرٍ انْهَارَتْ عَلَيْهِمَا عَلَى عَاقِلَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُ دِيَةِ الْآخَرِ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ فَعَلَى عَاقِلَةِ الْبَاقِي نِصْفُ دِيَتِهِ اهـ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِابْنِ مَرْزُوقٍ، فَقَدْ ظَهَرَ سُقُوطُ اعْتِرَاضِهِ لِمَنْ تَأَمَّلَ وَأَنْصَفَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
[ ٩ / ٣٤ ]
وَإِنْ تَعَدَّدَ الْمُبَاشِرُ، فَفِي الْمُمَالَأَةِ يُقْتَلُ الْجَمِيعُ، وَإِلَّا قُدِّمَ الْأَقْوَى
وَلَا يَسْقُطُ الْقَتْلُ عِنْدَ الْمُسَاوَاةِ بِزَوَالِهَا بِعِتْقٍ، أَوْ إسْلَامٍ وَضَمِنَ وَقْتَ الْإِصَابَةِ، وَالْمَوْتِ
_________________
(١) [منح الجليل] وَإِنْ تَعَدَّدَ الْمُبَاشِرُ) لِلضَّرْبِ أَوْ الْجُرْحِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ الَّذِي نَشَأَ عَنْهُ مَوْتُ مَعْصُومٍ مُكَافِئٍ لِلْمُبَاشِرِينَ غَيْرِ الْحَرْبِيِّينَ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ أَوْ أَزْمَانٍ مُتَوَالِيَةٍ (فَفِي الْمُمَالَأَةِ) عَلَى قَتْلِهِ (يُقْتَلُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ (الْجَمِيعُ) بِقَتْلِ وَاحِدٍ كَبِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى إنْ مَاتَ مَكَانَهُ أَوْ غُمِرَ حَتَّى مَاتَ وَإِلَّا فَلَا يُقْتَلُ إلَّا وَاحِدٌ بِقَسَامَةٍ. الْخَرَشِيُّ هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ وَالْمُتَمَالَئُونَ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَمَالَئُوا عَلَى قَتْلِهِ بِأَنْ قَصَدَ كُلُّ وَاحِدٍ قَتْلَهُ بِانْفِرَادِهِ بِدُونِ اتِّفَاقٍ مَعَ غَيْرِهِ عَلَيْهِ قَالَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ. وَقَالَ الشَّارِحُ تَبَعًا لِلْمُوَضِّحِ بِأَنْ قَصَدَ كُلُّ وَاحِدٍ ضَرْبَهُ لَا قَتْلَهُ وَمَاتَ مِنْ ضَرْبِهِمْ وَتَمَيَّزَتْ الضَّرَبَاتُ وَتَفَاوَتَتْ فِي إيجَابِ الْمَوْتِ (قُدِّمَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا فِي الْقِصَاصِ مِنْهُ (الْأَقْوَى) فِعْلًا، أَيْ مَنْ مَاتَ عَنْ فِعْلِهِ بِأَنْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ وَاقْتُصَّ مِمَّنْ جُرِحَ بِمِثْلِ جُرْحِهِ وَضُرِبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَاقِينَ وَسُجِنَ مِائَةَ سَنَةٍ وَإِنْ لَمْ تَتَمَيَّزْ أَوْ اسْتَوَتْ قُتِلَ الْجَمِيعُ كَمَا تَقَدَّمَ إنْ مَاتَ مَكَانَهُ أَوْ غُمِرَ وَإِلَّا عُيِّنَ وَاحِدٌ وَأُقْسِمَ عَلَيْهِ وَقُتِلَ وَضُرِبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَاقِينَ مِائَةً وَسُجِنَ سَنَةً (وَ) إنْ قَتَلَ رَقِيقٌ رَقِيقًا أَوْ كَافِرٌ كَافِرًا ثُمَّ تَحَرَّرَ الْقَاتِلُ أَوْ أَسْلَمَ فَ (لَا يَسْقُطُ الْقَتْلُ) قِصَاصًا بِسَبَبِ الْقَتْلِ (عِنْدَ الْمُسَاوَاةِ) بَيْنَ الْقَاتِلِ وَمَقْتُولِهِ فِي الرِّقِّيَّةِ أَوْ الْكُفْرِ فَلَا يَسْقُطُ (بِ) سَبَبِ (زَوَالِهَا) أَيْ الْمُسَاوَاةِ بَعْدَ الْقَتْلِ (بِ) سَبَبِ (عِتْقٍ) لِلْقَاتِلِ (أَوْ إسْلَامٍ) إذْ الْمُعْتَبَرُ الْمُكَافَأَةُ حَالَ الْقَتْلِ لَا حَالَ الْقِصَاصِ وَلِأَنَّ حُدُوثَ الْمَانِعِ بَعْدَ تَرَتُّبِ الْحُكْمِ لَا يُفِيدُ وَلَا يُتَعَقَّبُ هَذَا بِوَصِيَّةٍ لِغَيْرِ وَارِثٍ فَيَصِيرُ وَارِثًا لِأَنَّهَا مُنْحَلَّةٌ وَلِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ حَالُ الْمَوْتِ لَا حَالُ الْإِيصَاءِ (وَضَمِنَ) الْجَانِي عَلَى نَفْسٍ خَطَأً أَوْ طَرَفٍ خَطَأً أَوْ عَمْدًا لَا قِصَاصَ فِيهِ كَجَائِفَةِ الدِّيَةِ لِلْحُرِّ وَالْقِيمَةِ لِلرِّقِّ بِاعْتِبَارِ حَالِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (وَقْتَ الْإِصَابَةِ) بِالسَّهْمِ مَثَلًا فِي الْجُرْحِ (وَ) وَقْتَ (الْمَوْتِ) فِي النَّفْسِ. الْحَطّ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا زَالَ التَّكَافُؤُ بَيْنَ الْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بَيْنَ حُصُولِ الْمُوجِبِ، أَيْ
[ ٩ / ٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [منح الجليل] السَّبَبِ وَوُصُولِ الْأَثَرِ، أَيْ الْمُسَبَّبِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْمُعْتَبَرُ فِي الضَّمَانِ أَيْ ضَمَانِ دِيَةِ الْحُرِّ وَقِيمَةِ الرِّقِّ حَالُ الْإِصَابَةِ وَحَالُ الْمَوْتِ، أَيْ حُصُولُ الْمُسَبَّبِ هَذَا لَفْظُ التَّوْضِيحِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: حَالُ الْإِصَابَةِ وَالْمَوْتِ إلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، فَلَوْ زَالَ التَّكَافُؤُ بَيْنَ حُصُولِ الْمُوجِبِ وَوُصُولِ الْأَثَرِ كَعِتْقِ أَحَدِهِمَا أَوْ إسْلَامِهِ بَعْدَ رَمْيِهِ وَقَبْلَ إصَابَتِهِ وَبَعْدَ جُرْحِهِ وَقَبْلَ مَوْتِهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْمُعْتَبَرُ حَالُ الْإِصَابَةِ، وَحَالُ الْمَوْتِ كَمَنْ رَمَى صَيْدًا ثُمَّ أَحْرَمَ ثُمَّ أَصَابَهُ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ. وَقَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ حَالُ الرَّمْيِ ثُمَّ رَجَعَ سَحْنُونٌ. اهـ. فَفِي الْكَلَامِ لَفٌّ وَنَشْرٌ لِشَيْءٍ مُقَدَّرٍ، فَقَوْلُهُ حَالُ الْإِصَابَةِ أَيْ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا زَالَ التَّكَافُؤُ بَيْنَ الرَّمْيِ وَالْإِصَابَةِ، وَقَوْلُهُ وَالْمَوْتِ، أَيْ فِي مَسْأَلَةِ زَوَالِهِ بَيْنَ الْجُرْحِ وَالْمَوْتِ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِضَمَانِ الدِّيَةِ وَالْقِيمَةِ. وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْقِصَاصِ فَيُشْتَرَطُ دَوَامُ التَّكَافُؤِ مِنْ حُصُولِ السَّبَبِ إلَى حُصُولِ الْمُسَبَّبِ اتِّفَاقًا. ابْنُ الْحَاجِبِ أَثَرَ كَلَامَهُ الْمُتَقَدِّمَ فَأَمَّا الْقِصَاصُ فَبِالْحَالَيْنِ مَعًا. الْمُوَضِّحُ أَيْ فَيُشْتَرَطُ دَوَامُ التَّكَافُؤِ مِنْ حُصُولِ السَّبَبِ إلَى حُصُولِ مُسَبَّبِهِ اتِّفَاقًا. قُلْت يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْقِصَاصَ يُشْتَرَطُ فِيهِ حُصُولُ التَّكَافُؤِ فِي حَالِ السَّبَبِ، فَيُشْتَرَطُ فِي الْقِصَاصِ فِي الرَّمْيِ أَنْ يَكُونَ حُرًّا مِنْ حِينِ الرَّمْيِ إلَى حِينِ الْإِصَابَةِ فَلَوْ كَانَ عَبْدًا حِينَ الرَّمْيِ أَوْ كَافِرًا ثُمَّ عَتَقَ أَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، وَبِهَذَا صَرَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَهُوَ فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الدِّيَاتِ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا يُشِيرُ إلَى هَذَا. الْبُنَانِيُّ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْقِصَاصِ مِنْ اسْتِمْرَارِ التَّكَافُؤِ فِي الْحَالَاتِ الثَّلَاثَةِ الرَّمْيِ وَالْإِصَابَةِ وَالْمَوْتِ، فَمَتَى فُقِدَ التَّكَافُؤُ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا سَقَطَ الْقِصَاصُ، وَبَيَّنَ هُنَا أَنَّهُ إذَا سَقَطَ الْقِصَاصُ لِفَقْدِ التَّكَافُؤِ يَضْمَنُ الدِّيَةَ، وَأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي ضَمَانِهَا وَقْتُ الْإِصَابَةِ فِي الْجُرْحِ وَوَقْتُ الْمَوْتِ فِي النَّفْسِ، وَلَا يُرَاعَى فِيهِ وَقْتُ السَّبَبِ وَهُوَ الرَّمْيُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِلَيْهِ رَجَعَ سَحْنُونٌ خِلَافًا لِأَشْهَبَ، اُنْظُرْ الْحَطّ. طفي لَمَّا كَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَعْتَبِرُ فِي الْقِصَاصِ الْحَالَيْنِ عَبَّرَ فِيمَا تَقَدَّمَ بِالْغَايَةِ، فَقَالَ مَعْصُومًا لِلتَّلَفِ وَالْإِصَابَةِ، وَيَعْتَبِرُ فِي الضَّمَانِ وَقْتَ
[ ٩ / ٣٦ ]
وَالْجُرْحُ: كَالنَّفْسِ فِي الْفِعْلِ، وَالْفَاعِلِ، وَالْمَفْعُولِ، إلَّا نَاقِصًا جَرَحَ كَامِلًا
_________________
(١) [منح الجليل] الْإِصَابَةِ. وَالْمَوْتِ لَمْ يُعَبِّرْ بِهَا، وَالْكَلَامُ كُلُّهُ فِي النَّفْسِ، وَيَشْمَلُ الْعَمْدَ وَالْخَطَأَ، وَالْمَعْنَى إذَا سَقَطَ الْقِصَاصُ لِتَغَيُّرِ الْحَالِ بَيْنَ الرَّمْيِ وَالْإِصَابَةِ وَرَجَعَ الْحُكْمُ لِلضَّمَانِ فَالْمُعْتَبَرُ وَقْتُ الْإِصَابَةِ أَوْ بَيْنَ الْجُرْحِ وَالْمَوْتِ فَالْمُعْتَبَرُ فِي الضَّمَانِ وَقْتُ الْمَوْتِ وَاعْتَبَرَ سَحْنُونٌ حَالَ الرَّمْيِ وَالْجُرْحِ، فَلَوْ رَمَى مُرْتَدًّا فَأَسْلَمَ أَوْ حَرْبِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ أَصَابَهُ السَّهْمُ فَقَتَلَهُ فَلَا قِصَاصَ، وَعَلَيْهِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الدِّيَةُ حَالَّةً لِأَنَّهُ لَوْ جُرِحَ وَهُوَ مُرْتَدٌّ ثُمَّ نَزَّى فِي جُرْحِهِ فَمَاتَ بَعْدَ إسْلَامِهِ، فَإِنَّ أَوْلِيَاءَهُ يَقْسِمُونَ لَمَاتَ مِنْهُ وَدِيَتُهُ فِي مَالِهِ، وَلَوْ جَرَحَ نَصْرَانِيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ فَعَلَيْهِ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ فِي مَالِهِ بِاعْتِبَارِ حَالِ الْمَوْتِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ غَيْرُهُ دِيَةُ نَصْرَانِيٍّ اعْتِبَارًا بِحَالِ جُرْحِهِ، وَلِذَا لَوْ رَمَى نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ قَبْلَ وُصُولِ السَّهْمِ إلَيْهِ فَلَا قِصَاصَ فِيهِ لِمَا عَلِمْت أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْقِصَاصِ الْحَالَانِ وَفِيهِ دِيَةُ مُسْلِمٍ فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ (وَالْجُرْحُ) بِضَمِّ الْجِيمِ، أَيْ الْجِنَايَةُ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ بِإِبَانَةِ طَرَفٍ أَوْ كَسْرِ عُضْوٍ أَوْ إذْهَابِ مَنْفَعَةٍ أَوْ جُرْحٍ، وَعَبَّرَ عَنْهَا بِالْجُرْحِ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ. الْبُنَانِيُّ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَالرَّشَاقَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْجُرْحِ مَا دُونَ النَّفْسِ، فَيَشْمَلُ الْقَطْعَ وَالْكَسْرَ وَالْفَقْءَ وَإِتْلَافَ الْمَعَانِي مِنْ السَّمْعِ وَنَحْوِهِ، وَإِنْ خَالَفَتْهُ اللُّغَةُ وَالِاصْطِلَاحُ. ابْنُ عَرَفَةَ مُتَعَلِّقُ الْجِنَايَةِ غَيْرُ نَفْسٍ إنْ أَبَانَتْ بَعْضَ الْجِسْمِ فَقُطِعَ، وَإِلَّا فَإِنْ أَزَالَتْ اتِّصَالَ عَظْمٍ لَمْ يَبِنْ فَكَسْرٌ، وَإِلَّا فَإِنْ أَثَّرَتْ فِي الْجِسْمِ فَجُرْحٌ وَإِلَّا فَإِتْلَافُ مَنْفَعَةٍ أَيْ الْقِصَاصُ بِهِ (كَ) الْقِصَاصِ بِقَتْلِ (النَّفْسِ فِي) شَرْطِ (الْفِعْلِ) وَهُوَ كَوْنُهُ عَمْدًا عُدْوَانًا (وَ) شَرْطُ (الْفَاعِلِ) وَهُوَ كَوْنُهُ مُكَلَّفًا غَيْرَ حَرْبِيٍّ وَلَا زَائِدَ حُرِّيَّةٍ أَوْ إسْلَامٍ (وَ) شَرْطُ (الْمَفْعُولِ) وَهُوَ كَوْنُهُ مَعْصُومًا مِنْ الرَّمْيِ لِلْإِصَابَةِ. وَاسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ وَالْفَاعِلِ فَقَالَ (إلَّا) شَخْصًا (نَاقِصًا) بِرِقِّيَّةٍ أَوْ كُفْرٍ (جَرَحَ) إنْسَانًا (كَامِلًا) بِحُرِّيَّةٍ وَإِسْلَامٍ فَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ، لِأَنَّهُ كَالْأَشَلِّ وَالسَّلِيمِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ
[ ٩ / ٣٧ ]
وَإِنْ تَمَيَّزَتْ
_________________
(١) [منح الجليل] الْإِمَامِ مَالِكٌ " - ﵁ - "، وَبِهِ قَالَ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ - ﵃ - وَعَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يُخَيَّرُ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ. وَقِيلَ يَتَعَيَّنُ الْقِصَاصُ، وَصَحَّحَ الْحَطّ يَعْنِي أَنَّ النَّاقِصَ إذَا جَرَحَ الْكَامِلَ، فَإِنَّهُ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ كَجُرْحِ الْعَبْدِ الْحُرِّ وَالْكَافِرِ الْمُسْلِمِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ صَاحِبُ الرِّسَالَةِ، وَرَوَى ابْنُ الْقَصَّارِ عَنْ مَالِكٍ " - ﵁ - " وُجُوبَ الْقِصَاصِ. ابْنُ الْحَاجِبِ قِيلَ: إنَّهُ الصَّحِيحُ، وَرُوِيَ يَجْتَهِدُ السُّلْطَانُ، وَرُوِيَ أَنَّهُ يُوقَفُ، وَرُوِيَ أَنَّ الْمُسْلِمَ يُخَيَّرُ فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ وَخَرَّجُوهَا فِي الْعَبْدِ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ، فَإِنْ بَرِئَ الْمَجْرُوحُ عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْجَارِحِ إلَّا الْأَدَبَ إلَّا مَا لَهُ دِيَةٌ مُقَدَّرَةٌ كَالْجَائِفَةِ، وَإِنْ بَرِئَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ وَذِمَّةِ النَّصْرَانِيِّ. فِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ مَالِكٍ " - ﵁ - " لَيْسَ لِلْمُسْلِمِ إلَّا الدِّيَةُ فِي الْجِرَاحِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَافِرِ وَالْعَبْدِ، وَإِذَا جَرَحَ الذِّمِّيُّ أَوْ الْعَبْدُ مُسْلِمًا عَمْدًا فَبَرِئَ بِغَيْرِ شَيْنٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ الْأَدَبِ، وَإِنْ بَرِئَ عَلَى شَيْنٍ مِنْ جُرْحِ الْعَبْدِ فَهُوَ فِي رَقَبَتِهِ اهـ. يُرِيدُ إلَّا الْجِرَاحَ الْمُقَدَّرَةَ فَدِيَتُهَا فِي رَقَبَتِهِ. ابْنُ الْمَوَّازِ مَالِكٌ إنْ جَنَى حُرٌّ عَلَى عَبْدٍ فَيُنْظَرُ إلَى نَقْصِهِ يَوْمَ بُرْئِهِ أَنْ لَوْ كَانَ هَذَا يَوْمَ الْجِنَايَةِ لَا يَوْمَ الْبُرْءِ مَعَ الْأَدَبِ، يُرِيدُ فِي الْعَمْدِ، وَلَوْ بَرِئَ عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ فَلَا شَيْءَ غَيْرَ الْأَدَبِ فِي الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، إذْ لَا قِصَاصَ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ، وَإِنْ جَنَى عَبْدٌ عَلَى حُرٍّ نُظِرَ إلَى دِيَتِهِ بَعْدَ بُرْئِهِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، فَهُوَ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ إلَّا أَنْ يَفْدِيَ بِذَلِكَ وَفِي الْعَمْدِ الْأَدَبُ وَإِنْ بَرِئَ الْحُرُّ عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ فَلَا شَيْءَ فِيهِ إلَّا الْأَدَبُ وَإِنْ بَرِئَ عَلَى شَيْنٍ فَفِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ (وَإِنْ) جَنَى اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ عَلَى وَاحِدٍ بِجِرَاحَاتٍ و(تَمَيَّزَتْ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا
[ ٩ / ٣٨ ]
جِنَايَاتٌ بِلَا تَمَالُؤٍ، فَمِنْ كُلٍّ: كَفِعْلِهِ
وَاقْتُصَّ مِنْ مُوضِحَةٍ، أَوْضَحَتْ عَظْمَ الرَّأْسِ وَالْجَبْهَةِ، وَالْخَدَّيْنِ؛ وَإِنْ كَإِبْرَةٍ،
_________________
(١) [منح الجليل] جِنَايَاتٌ) مِنْهُمْ حَالَ كَوْنِهَا (بِلَا تَمَالُؤٍ) مِنْهُمْ عَلَيْهَا بِأَنْ قَطَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ الْيُمْنَى وَآخَرُ الْيُسْرَى وَآخَرُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَآخَرُ الْيُسْرَى وَفَقَأَ آخَرُ عَيْنَهُ الْيُمْنَى وَآخَرُ الْيُسْرَى (فِ) يُقْتَصُّ (مِنْ كُلٍّ) مِنْهُمْ (كَفِعْلِهِ) بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ. الْبُنَانِيُّ عَنْ بَعْضِ الشَّارِحِينَ قَوْلُهُ بِلَا تَمَالُؤٍ، وَكَذَا لَوْ تَمَيَّزَتْ بِتَمَالُؤٍ كَمَا ذَكَرَ الْإِبْيَانِيُّ أَنَّهُ الصَّحِيحُ فِيمَا إذَا تَمَالَأَ رَجُلَانِ عَلَى فَقْءِ عَيْنَيْ رَجُلٍ فَفَقَأَ كُلُّ وَاحِدٍ عَيْنًا فَإِنَّهُ يَفْقَأُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مُمَاثِلَ مَا فَقَأَ، وَقَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ إذَا تَمَالَأَ جَمَاعَةٌ عَلَى قَطْعِ يَدِ شَخْصٍ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ كُلُّ وَاحِدٍ لَا يُخَالِفُهُ، إذْ هُوَ إذَا تَمَالَئُوا عَلَى قَطْعِ عُضْوٍ وَاحِدٍ. الْعَدَوِيُّ لَا مَفْهُومَ لِذَلِكَ، بَلْ وَلَوْ تَمَيَّزَتْ مَعَ التَّمَالُؤِ فَإِذَا تَمَالَأَ رَجُلَانِ عَلَى فَقْءِ عَيْنَيْ رَجُلٍ فَفَقَأَ كُلُّ وَاحِدٍ عَيْنًا فَإِنَّهُ يَفْقَأُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مُمَاثَلَةَ مَا فَقَأَ. وَأَمَّا إذَا تَمَالَأَ عَلَى فَقْءِ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّهُ يَفْقَأُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ عَيْنَهُ، فَإِنْ لَمْ يَتَمَالَئُوا عَلَى ذَلِكَ فَهَلْ يُقْتَصُّ لَهُ مِنْ كُلٍّ أَوْ لَهُ عَلَيْهِمْ الدِّيَةُ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ. عب وَإِنْ لَمْ تَتَمَيَّزْ وَلَمْ يَتَمَالَئُوا فَقَالَ أَحْمَدُ اُنْظُرْ هَلْ يُقْتَصُّ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ الْجَمِيعِ أَوْ عَلَيْهِمْ الدِّيَةُ (وَاقْتُصَّ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ (مِنْ مُوضِحَةٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ (مَا) أَيْ جِنَايَةُ جِنْسٍ يَشْمَلُ غَيْرَهَا أَيْضًا (أَوْضَحَتْ) أَيْ أَظْهَرَتْ، وَهَذَا أَفْضَلُ مَخْرَجِ الدَّامِيَةِ وَالْحَارِصَةِ وَالسِّمْحَاقِ (عَظْمَ الرَّأْسِ) وَآخِرُهُ مُنْتَهَى الْجُمْجُمَةِ (وَ) عَظْمَ (الْجَبْهَةِ وَ) عَظْمَ (الْخَدَّيْنِ) وَهَذَا فَصْلُ مَخْرَجِ مَا عَدَاهَا مِنْ الْجِرَاحَاتِ إنْ اتَّسَعَ مَا أَظْهَرَتْهُ مِنْ الْعَظْمِ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (كَ) مَغْرَزِ رَأْسِ (إبْرَةٍ) الْبِسَاطِيُّ إنَّمَا يَظْهَرُ تَعْرِيفُ الْمُوضِحَةِ بِمَا ذَكَرَ بِاعْتِبَارِ الدِّيَةِ، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ الْقِصَاصِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ وَغَيْرِهَا مِنْ مُوضِحَةِ الْجَسَدِ فَمِنْ حَقِّهِ أَنْ لَا يَذْكُرَ هَذَا التَّفْسِيرَ هُنَا بَلْ يَقُولُ أَوْضَحَتْ الْعَظْمَ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ تَفْسِيرُهَا بِمَا ذَكَرَهُ فِي الدِّيَاتِ كَمَا فَعَلَ هُنَاكَ. عب جَوَابُهُ أَنَّ مَا أَوْضَحَ عَظْمَ غَيْرِ مَا ذَكَرَ هُنَا لَا يُسَمَّى مُوضِحَةً عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَتَفْسِيرُ الْمُصَنِّفِ هُنَا إنَّمَا هُوَ بَيَانٌ لِمَعْنَاهَا فِي الِاصْطِلَاحِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا الْقِصَاصُ مُطْلَقًا، وَيَدُلُّ لَهُ
[ ٩ / ٣٩ ]
وَسَابِقِهَا مِنْ دَامِيَةٍ، وَخَارِصَةٍ شَقَّتْ الْجِلْدَ؛ وَسِمْحَاقٍ كَشَطَتْهُ، وَبَاضِعَةٍ شَقَّتْ اللَّحْمَ، وَمُتَلَاحِمَةٍ غَاصَتْ فِيهِ بِتَعَدُّدٍ، وَمِلْطَأَةٍ قَرُبَتْ لِلْعَظْمِ:
_________________
(١) [منح الجليل] قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ حَدُّ الْمُوضِحَةِ مَا أَفْضَى إلَى الْعَظْمِ وَلَوْ بِقَدْرِ إبْرَةٍ وَعَظْمُ الرَّأْسِ مَحَلُّهَا، وَحَدُّ ذَلِكَ مُنْتَهَى الْجُمْجُمَةِ وَمُوضِحَةُ الْخَدِّ كَالْجَبْهَةِ اهـ. (وَ) اُقْتُصَّ مِنْ (سَابِقِهَا) بِقَافٍ، أَيْ جِرَاحٍ سَابِقٍ عَلَى الْمُوضِحَةِ فِي الْوُجُودِ وَهِيَ سِتَّةٌ ثَلَاثَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْجِلْدِ وَثَلَاثَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِاللَّحْمِ وَبَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ (مِنْ دَامِيَةٍ) بِإِهْمَالِ الدَّالِ وَكَسْرِ الْمِيمِ فَمُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ، وَتُسَمَّى دَامِعَةً بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ أَيْضًا وَهِيَ الَّتِي تُضْعِفُ الْجِلْدَ حَتَّى يَرْشَحَ مِنْهُ شَيْءٌ كَالدَّمِ مِنْ غَيْرِ انْشِقَاقِهِ (وَحَارِصَةٍ) بِإِهْمَالِ الْحَاءِ وَالصَّادِ وَتُحْذَفُ الْأَلِفُ أَيْضًا وَهِيَ الَّتِي (شَقَّتْ الْجِلْدَ) سَوَاءٌ وَصَلَتْ نِهَايَتَهُ أَمْ لَا، وَجَعَلَهَا فِي التَّنْبِيهَاتِ مُرَادِفَةً لِلدَّامِيَةِ قَالَهُ تت، وَبَحَثَ فِيهِ بِأَنَّ الَّتِي لَمْ تَصِلْ لِنِهَايَتِهِ لَمْ تَشُقَّهُ، وَإِنَّمَا شَقَّتْ بَعْضَهُ وَبِعِبَارَةِ شَقَّتْ الْجِلْدَ وَأَفَضْت إلَى اللَّحْمِ، وَهِيَ مُوَافِقَةٌ لِظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ، فَالْمُرَادُ عَلَى هَذَا بِالدَّامِيَةِ مَا شَقَّتْ بَعْضَ الْجِلْدِ (وَسِمْحَاقٍ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَإِهْمَالِ الْحَاءِ ثُمَّ قَافٍ وَهِيَ الَّتِي (كَشَطَتْهُ) أَيْ أَزَالَتْ الْجِلْدَ عَنْ اللَّحْمِ هَذَا مَعْنَاهَا فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ وَأَمَّا فِي اللُّغَةِ فَفِي الْمِصْبَاحِ السِّمْحَاقُ بِكَسْرِ السِّينِ الْقِشْرَةُ الرَّقِيقَةُ فَوْقَ عَظْمِ الرَّأْسِ إذَا بَلَغَتْهَا الشَّجَّةُ سُمِّيَتْ سِمْحَاقًا، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ هِيَ جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ فَوْقَ قِحْفِ الرَّأْسِ إذَا انْتَهَتْ الشَّجَّةُ إلَيْهَا سُمِّيَتْ سِمْحَاقًا، وَكُلُّ جَلْدَةٍ رَقِيقَةٍ تُشْبِهُهَا تُسَمَّى سِمْحَاقًا أَيْضًا (وَبَاضِعَةٍ) بِمُوَحَّدَةٍ وَضَادٍ. مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ وَهِيَ الَّتِي (شَقَّتْ اللَّحْمَ وَمُتَلَاحِمَةٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَهِيَ الَّتِي (غَاصَتْ فِيهِ) أَيْ اللَّحْمِ (بِتَعَدُّدٍ) أَيْ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَمْ تَقْرَبْ لِلْعَظْمِ فَإِنْ انْتَفَى التَّعَدُّدُ فَبَاضِعَةٌ قَالَهُ شب. ابْنُ شَاسٍ الْمُتَلَاحِمَةُ هِيَ الَّتِي تَغُوصُ فِي اللَّحْمِ عَرْضًا بَالِغًا وَتَقْطَعُهُ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ. عِيَاضٌ هِيَ الَّتِي أَخَذَتْ فِي اللَّحْمِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ (وَمِلْطَاةً) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَإِهْمَالِ الطَّاءِ فَهَمْزٍ فَهَاءٍ وَعَدَمِهِ وَالْمَدِّ وَعَدَمِهِ وَهِيَ الَّتِي (قَرُبَتْ لِلْعَظْمِ) وَبَقِيَ بَيْنَهُمَا سِتْرٌ رَقِيقٌ.
[ ٩ / ٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [منح الجليل] ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْجِرَاحِ مَا قَبْلَ الْهَاشِمَةِ الْقَوَدُ. عِيَاضٌ أَوَّلُهَا الْحَارِصَةُ بِحَاءٍ وَصَادٍ مُهْمَلَيْنِ هِيَ مَا حَرَصَ الْجِلْدَ أَيْ شَقَّهُ وَهِيَ الدَّامِيَةُ لِأَنَّهَا تُدْمِي، وَالدَّامِعَةُ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ لِأَنَّ الدَّمَ يَدْمَعُ مِنْهَا، وَقِيلَ الدَّامِيَةُ أَوَّلًا لِأَنَّهَا تَخْدِشُ فَتُدْمِي وَلَا تَشُقُّ الْجِلْدَ ثُمَّ الْحَارِصَةُ لِأَنَّهَا شَقَّتْ الْجِلْدَ وَقِيلَ هِيَ السِّمْحَاقُ لِأَنَّهَا جَعَلَتْ الْجِلْدَ كَسَمَاحِيقِ السَّحَابِ ثُمَّ الدَّامِعَةُ لِأَنَّ دَمَهَا كَالدَّمْعِ ثُمَّ الْبَاضِعَةُ وَهِيَ الَّتِي أَخَذَتْ فِي اللَّحْمِ وَبَضَعَتْهُ وَهِيَ الْمُتَلَاحِمَةُ. وَقِيلَ الْمُتَلَاحِمَةُ بَعْدَ الْبَاضِعَةِ لِأَنَّهَا أَخَذَتْ فِي اللَّحْمِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ ثُمَّ الْمَلَطَى بِالْقَصْرِ. وَيُقَالُ مِلْطَاةٌ بِالْهَاءِ وَهِيَ مَا قَرُبَ مِنْ الْعَظْمِ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَهُ قَلِيلٌ مِنْ اللَّحْمِ. وَقِيلَ هِيَ السِّمْحَاقُ ثُمَّ الْمُوضِحَةُ وَهِيَ مَا كَشَفَتْ عَنْ الْعَظْمِ، وَفِيهَا حَدُّ الْمُوضِحَةِ مَا أَفْضَى إلَى الْعَظْمِ وَلَوْ بِقَدْرِ إبْرَةٍ وَعَظْمُ الرَّأْسِ مَحَلُّهَا كُلُّ نَاحِيَةٍ مِنْهُ سَوَاءٌ، وَحَدُّ ذَلِكَ مُنْتَهَى الْجُمْجُمَةِ لَا مَا تَحْتَهَا لِأَنَّهُ مِنْ الْعُنُقِ، وَمُوضِحَةُ الْخَدِّ كَالْجَبْهَةِ وَلَيْسَ الْأَنْفُ وَاللَّحْيُ الْأَسْفَلُ مِنْ الرَّأْسِ فِي جِرَاحِهِمَا لِأَنَّهُمَا عَظْمَانِ مُنْفَرِدَانِ. عِيَاضٌ ثُمَّ الْهَاشِمَةُ مَا هَشَّمَتْ الْعَظْمَ، ثُمَّ الْمُنَقِّلَةُ مَا كَسَرَتْهُ فَيَفْتَقِرُ لِإِخْرَاجِ بَعْضِ عِظَامِهَا لِإِصْلَاحِهَا وَتَخْتَصُّ بِالرَّأْسِ، ثُمَّ الْمَأْمُومَةُ وَهِيَ الَّتِي أَفَضْت إلَى أُمِّ الدِّمَاغِ وَتَخْتَصُّ بِالْجَوْفِ الْجَائِفَةُ وَهِيَ مَا أَفْضَى إلَى الْجَوْفِ وَلَوْ بِمَدْخَلِ إبْرَةٍ وَفِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا قِصَاصَ فِي هَاشِمَةِ الرَّأْسِ لِأَنِّي لَا أَجِدُ هَاشِمَةً فِي الرَّأْسِ إلَّا كَانَتْ مُنَقِّلَةً. اللَّخْمِيُّ اُخْتُلِفَ فِي الْهَاشِمَةِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا قَوَدَ فِيهَا. وَقَالَ أَشْهَبُ يُقَادُ مِنْهُ مُوضِحَةً إنْ لَمْ يُنَقِّلْ. مُحَمَّدٌ الثَّانِي هُوَ الصَّوَابُ إنْ كَانَ بَدْءُ جُرْحِ الْأَوَّلِ مُوضِحَةً ثُمَّ تَهَشَّمَتْ، وَإِنْ كَانَتْ الضَّرْبَةُ هَشَّمَتْهَا فَلَا قَوَدَ يُرِيدُ إذَا رَضَّتْ اللَّحْمَ وَهَشَّمَتْ مَا تَحْتَهُ مِنْ الْعَظْمِ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ بِسَيْفٍ أَوْ سِكِّينٍ شَقَّتْ اللَّحْمَ وَبَلَغَتْ الْعَظْمَ، ثُمَّ هَشَّمَتْهُ فَلَهُ الْقَوَدُ مِنْ مُوضِحَةٍ لِأَنَّ الْجَارِحَ لَوْ وَقَفَ لَمَا بَلَغَ الْعَظْمَ كَانَتْ مُوضِحَةً وَإِنْ نُقِلَتْ بَعْدَ الْهَشِمِ فَفِيهَا دِيَةُ الْمُنَقِّلَةِ، وَاخْتُلِفَ إذَا أَحَبَّ أَنْ يَسْتَقِيدَ مِنْ مُوضِحَةٍ، فَقَالَ أَشْهَبُ ذَلِكَ لَهُ وَابْنُ الْقَاسِمِ لَا، وَفِيهَا لَا قَوَدَ فِي الْمُنَقِّلَةِ. اللَّخْمِيُّ رَوَى الْقَاضِي فِيهَا الْقَوَدُ. قُلْت وَحَكَاهَا ابْنُ الْجَلَّابِ وَفِيهَا مَعَ غَيْرِهَا لَا قَوَدَ فِي الْجَائِفَةِ وَالْمَأْمُومَةِ.
[ ٩ / ٤١ ]
كَضَرْبَةِ السَّوْطِ
وَجِرَاحِ الْجَسَدِ؛ وَإِنْ مُنَقِّلَةٌ بِالْمِسَاحَةِ
_________________
(١) [منح الجليل] وَشَبَّهَ فِي الْقِصَاصِ فَقَالَ (كَضَرْبَةِ) مُكَلَّفٍ مَعْصُومًا بِ (السَّوْطِ) فَفِيهَا الْقِصَاصُ، وَقِيلَ كَاللَّطْمَةِ فِي عَدَمِ الْقِصَاصِ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ يَعْسُرُ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، أَجَابَ عَنْهُ الْبِسَاطِيُّ بِأَنَّ ضَرْبَةَ السَّوْطِ تَجْرَحُ بِخِلَافِ اللَّطْمَةِ، بَعْضُهُمْ الْمَشْهُورُ أَنَّ ضَرْبَ الْعَصَا لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ أَفَادَهُ تت. طفي اُنْظُرْ نِسْبَةُ الْجَوَابِ لِلْبِسَاطِيِّ، مَعَ أَنَّ الشَّارِحَ ذَكَرَهُ وَنَظَرَ فِيهِ، وَنَصَّهُ بَعْدَ قَوْلِهِ يَعْسُرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، وَمَا قِيلَ أَنَّ ضَرْبَةَ السَّوْطِ تَسْتَلْزِمُ الْجُرْحَ فَتَدْخُلُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] فِيهِ نَظَرٌ. اهـ. وَفِي التَّوْضِيحِ الْخِلَافُ فِي السَّوْطِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْجُرْحَ غَالِبًا أَوْ لَا يَسْتَلْزِمُهُ وَالشَّارِحُ لَيْسَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَسِيرٌ، بَلْ سَبَقَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ، ثُمَّ قَالَ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ وَالْبَعْضِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ (وَ) يُقْتَصُّ مِنْ (جِرَاحِ الْجَسَدِ) أَيْ مَا عَدَا الرَّأْسِ إنْ لَمْ تَكُنْ مُنَقِّلَةً، بَلْ (وَإِنْ) كَانَتْ جِرَاحُ الْجَسَدِ (مُنَقِّلَةٌ) الْبُنَانِيُّ صَوَابُهُ وَإِنْ هَاشِمَةً فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - ﵁ - " الْأَمْرُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُنَقِّلَةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ. ابْنُ الْحَاجِبِ فِي جِرَاحِ الْجَسَدِ مِنْ الْهَاشِمَةِ وَغَيْرِهَا الْقَوَدُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَعْظُمَ الْخَطَرُ كَعِظَامِ الصَّدْرِ وَالْعُنُقِ وَالصُّلْبِ وَالْفَخْذِ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا لِمَالِكٍ " - ﵁ - " فِي عِظَامِ الْجَسَدِ الْقَوَدُ كَالْهَاشِمَةِ، وَفِي كَسْرِ الزَّنْدَيْنِ وَالذِّرَاعَيْنِ وَالْعَضُدَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ وَالْكَفَّيْنِ وَالتَّرْقُوَةِ. مُحَمَّدٌ وَفِي كَسْرِ الْأَنْفِ. وَيَكُونُ الْقِصَاصُ فِي الْجِرَاحِ (بِالْمِسَاحَةِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ الْقِيَاسِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ طُولًا وَعَرْضًا وَعُمْقًا، أَيْ انْخِفَاضًا وَغَوْصًا فِي الْبَدَنِ. وَإِنْ اخْتَلَفَتْ نِسْبَتُهُ لِعُضْوِ الْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِأَنْ كَانَ الْجُرْحُ قَدْرَ أُصْبُعٍ وَهُوَ رُبُعُ عُضْوِ الْجَانِي وَأَكْثَرُ مِنْ رُبُعِ عُضْوِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ أَقَلُّ. ابْنُ الْحَاجِبِ وَفِي اعْتِبَارِ الْقَدْرِ بِالْمِسَاحَةِ أَوْ بِالنِّسْبَةِ إلَى قَدْرِ الرَّأْسِ قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَعَلَيْهِمَا لَوْ كَانَتْ الشَّجَّةُ نِصْفَ رَأْسِ الْمَشْجُوجِ وَهِيَ ثُلُثَا رَأْسِ الشَّاجِّ، وَلَا تَكْمُلُ بِغَيْرِ الرَّأْسِ اتِّفَاقًا. ابْنُ حَارِثٍ اتَّفَقُوا فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ فِي الْجَسَدِ أَنَّ الْقِصَاصَ مِنْهَا عَلَى قَدْرِ الْجُرْحِ فِي طُولِهِ وَعَرْضِهِ وَعُمْقِهِ، فَإِنْ كَانَ مُوضِحَةً فِي الرَّأْسِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْقَوَدُ عَلَى قَدْرِ الْمُوضِحَةِ،
[ ٩ / ٤٢ ]
إنْ اتَّحَدَ الْمَحَلُّ: كَطَبِيبٍ زَادَ عَمْدًا؛
_________________
(١) [منح الجليل] وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ عَلَى قَدْرِ جُرْمِهَا مِنْ الرَّأْسِ. أَصْبَغُ وَإِلَيْهِ رَجَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ سَحْنُونٌ مَا زَعَمَ أَصْبَغُ أَنَّهُ رَجَعَ إلَيْهِ هُوَ قَوْلُهُ أَوَّلًا وَرَجَعَ إلَى الْقَوَدِ عَلَى قَدْرِ الْمُوضِحَةِ وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ فِي طَبِيبٍ اسْتَقَادَ مِنْ أُصْبُعِ الْمَقْطُوعِ وَقَطَعَ مِنْ الْقَاطِعِ قَدْرَ ذَلِكَ الْقِيَاسِ، فَنَقَصَ مِنْ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ أَكْثَرُ مِمَّا قَطَعَ لِقِصَرِ أَصَابِعِ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ عَنْ أَصَابِعِ الْمُسْتَقَادِ لَهُ أَخْطَأَ وَبِئْسَ مَا صَنَعَ، وَالصُّنْعُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقِيسَ إلَى الْمَقْطُوعِ بَعْضِهَا. فَإِنْ كَانَ الْمَقْطُوعُ ثُلُثًا أَوْ رُبُعًا قَطَعَ مِنْ أُنْمُلَةِ الْقَاطِعِ ثُلُثًا أَوْ رُبُعًا. ابْنُ رُشْدٍ لَا اخْتِلَافَ فِي هَذَا كَمَا تُقْطَعُ الْأُنْمُلَةُ كَانَتْ أَطْوَلَ أَوْ أَقْصَرَ، وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي الْجِرَاحِ فِي الرَّأْسِ أَوْ فِي عُضْوٍ كَالذِّرَاعِ أَوْ الْعَضُدِ وَنَحْوِهِ، فَذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَوْلَ أَشْهَبَ، قَالَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ أَشْهَبُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَدِيمًا إنَّهُ يُقَادُ بِقَدْرِ الْجُرْحِ الْأَوَّلِ وَإِنْ اسْتَوْعَبَ عُضْوَ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ يُرِيدُ وَلَوْ لَمْ يَفِ بِالْقِيَاسِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَكَذَا الْجَبْهَةُ وَالذِّرَاعُ يُرِيدُ مَا لَمْ يَضِقْ عَنْهُ الْعُضْوُ فَلَا يُزَادُ مِنْ غَيْرِهِ. وَالصَّحِيحُ عِنْدِي قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ الْقَدِيمُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] لِأَنَّ الْأَلَمَ فِي الْجُرْحِ إنَّمَا هُوَ بِقَدْرِ عَظْمِهِ وَقَوْلُهُ وَقِصَرِهِ لَا بِقَدْرِهِ مِنْ الرَّأْسِ. وَكَوْنُ الْقِصَاصِ بِالْمِسَاحَةِ (إنْ اتَّحَدَ الْمَحَلُّ) فَلَوْ زَادَتْ الْمِسَاحَةُ عَلَى عُضْوِ الْجَانِي لِقِصَرِهِ فَلَا يَنْتَقِلُ لِعُضْوٍ آخَرَ وَإِنْ كَانَ عُضْوُ الْجَانِي أَكْبَرَ فَلَا يُزَادُ عَلَى الْمِسَاحَةِ. وَشَبَّهَ فِي الْقِصَاصِ فَقَالَ (كَطَبِيبٍ زَادَ) فِي الْقِصَاصِ مِنْ الْجَانِي عَلَى الْمِسَاحَةِ (عَمْدًا) فَيُقْتَصُّ بِقَدْرِ مِسَاحَةِ الزِّيَادَةِ الشَّارِحُ كَذَا قَالَهُ الشُّيُوخُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ مُتَعَذِّرَةٌ هُنَا، لِأَنَّ زِيَادَةَ الطَّبِيبِ بَعْدَ قَطْعِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، فَإِذَا أُرِيدَ الْقِصَاصُ فَلَا يُتَوَصَّلُ لَهُ إلَّا بَعْدَ قَطْعٍ يَتَّصِلُ بِهِ الْبِسَاطِيُّ لَمْ يَظْهَرْ لِي صِحَّةُ هَذَا الْكَلَامِ لِأَنَّهُ إذَا قَطَعَ الطَّبِيبُ دَائِرَةً مَثَلًا، وَالْمَوْضِعُ الْمَأْذُونُ فِيهِ دَائِرَةٌ فِي ضِمْنِ هَذِهِ الدَّائِرَةِ فَمَا بَيْنَ مُحِيطَيْ الدَّائِرَتَيْنِ قَدْرُ مِسَاحَةِ كَذَا فَيُكْسَرُ وَيُقْتَصُّ دَائِرَةٌ بِقَدْرِهِ مَثَلًا، فَإِنْ قُلْتَ الدَّائِرَةُ الَّتِي اُقْتُصَّتْ مِنْهُ لَيْسَتْ عَلَى كَيْفِيَّةِ الدَّائِرَةِ الَّتِي تَعَدَّى عَلَيْهَا. قُلْتُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي الْقِصَاصِ قَدْرُ الْمِسَاحَةِ، وَأَمَّا كَوْنُهَا مُثَلَّثَةً أَوْ مُرَبَّعَةً إلَى غَيْرِ ذَلِكَ
[ ٩ / ٤٣ ]
وَإِلَّا فَالْعَقْلُ: كَيَدٍ شَلَّاءَ عَدِمَتْ النَّفْعَ بِصَحِيحَةٍ،
_________________
(١) [منح الجليل] فَقَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى الْمِسَاحَةِ. تت مَا أَوْرَدَهُ الشَّارِحُ نَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَجَوَابُ الْبِسَاطِيِّ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فِي الْعُمْقِ فَالْإِيرَادُ بَاقٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. طفي مِنْ تَنْظِيرِهِ فِي الْجَوَابِ نَظَرٌ، بَلْ كَذَلِكَ يَتَأَتَّى فِي الْعُمْقِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ، فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ إيرَادَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ هَذَا مِثْلُ مَا قَالَهُ فِي الِاجْتِمَاعِ عَلَى قَطْعِ يَدِ رَجُلٍ وَتَعَقَّبَهُ الْقِصَاصُ مِنْ الثَّانِي، وَتَقَدَّمَ جَوَابُهُ. اهـ. وَاَلَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الِاجْتِمَاعِ عَلَى قَطْعِ يَدِ رَجُلٍ هُوَ قَوْلُهُ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، أَمَّا لَوْ تَمَيَّزَتْ الْجِنَايَاتُ مِنْ غَيْرِ مُمَالَأَةٍ اُقْتُصَّ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ بِمِسَاحَةِ مَا جَرَحَ، هَذَا صَحِيحٌ إذَا بَانَتْ الْيَدُ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ حَدِّهِمَا لِلْقَطْعِ مِنْ غَيْرِ الْجِهَةِ الَّتِي ابْتَدَأَ الْآخَرُ مِنْهَا. وَأَمَّا لَوْ قَطَعَ أَحَدُهُمَا نِصْفَ الْيَدِ وَابْتَدَأَ الثَّانِي الْقَطْعَ مِنْ حَيْثُ انْتَهَى الْأَوَّلُ وَقَطَعَ بَاقِيهَا، فَإِنَّ السِّكِّينَ يُوضَعُ فِي الْقِصَاصِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي ابْتَدَأَ هُوَ بِهِ، فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا لَا يُنَافِي التَّمَاثُلَ لِأَنَّ الْجَانِيَ إنَّمَا ابْتَدَأَ الْقَطْعَ فِي طَرَفٍ وَكَوْنُهُ وَسَطًا طَرْدِيٌّ، وَفِي الْقِصَاصِ مِنْهُ إنَّمَا اُبْتُدِئَ الْقَطْعُ فِيهِ مِنْ طَرَفٍ. اهـ. فَهَذَا صَرِيحٌ فِي تَأَتِّي الْقِصَاصِ فِي الْعُمْقِ، وَقَدْ سَلَّمَ عج تَنْظِيرَ تت، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْضِرْ كَلَامَ ابْنِ عَرَفَةَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ الطَّبِيبُ الزِّيَادَةَ بِأَنْ زَادَ خَطَأً (فَالْعَقْلُ) أَيْ دِيَةُ الزَّائِدِ إنْ لَمْ تَبْلُغْ ثُلُثَ الدِّيَةِ لِلْجَانِي أَوْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي مَالِ الطَّبِيبِ، وَإِنْ بَلَغَتْهُ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا زَادَ الطَّبِيبُ فِي الْقَوَدِ خَطَأً فَعَلَى عَاقِلَتِهِ. قُلْت مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ زَادَ عَمْدًا فَالْقِصَاصُ وَهُوَ وَاضِحٌ مِنْ إطْلَاقَاتِ الرِّوَايَاتِ فِي النَّوَادِرِ، وَمِنْ الْوَاضِحَةِ إنْ تَعَمَّدَ الطَّبِيبُ وَالْخَاتِنُ وَالْمُعَلِّمُ قَتْلًا أَوْ قَطْعًا أَوْ جُرْحًا بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَا شُبْهَةَ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ. وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ الْقِصَاصِ وَتَرَتَّبَ الْعَقْلُ فَقَالَ (كَذِي) أَيْ صَاحِبِ (يَدٍ شَلَّاءَ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ اللَّامِ مَمْدُودًا (عَدِمَتْ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ، أَيْ فَقَدَتْ (النَّفْعَ) فَلَا يُقْتَصُّ مِنْهَا (بِ) سَبَبِ قَطْعِ صَاحِبِهَا الْيَدَ (صَحِيحَةٍ) مِنْ الشَّلَلِ عَمْدًا عُدْوَانًا، وَيَلْزَمُ الْقَاطِعُ عَقْلَ الصَّحِيحَةِ فِي مَالِهِ. تت ظَاهِرُهُ وَلَوْ رَضِيَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِقَطْعِ الشَّلَّاءِ وَهُوَ
[ ٩ / ٤٤ ]
وَبِالْعَكْسِ وَعَيْنِ أَعْمَى، وَلِسَانِ أَبْكَمَ
_________________
(١) [منح الجليل] كَذَلِكَ فِي الْجَوَاهِرِ وَمَفْهُومُ عَدِمَتْ النَّفْعَ أَنَّهَا لَوْ كَانَ بِهَا نَفْعٌ لَقُطِعَتْ بِالصَّحِيحَةِ إنْ رَضِيَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ. طفي نَحْوُهُ لِلشَّارِحِ وَهُوَ صَوَابٌ. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ إنْ كَانَ جُلُّ مَنْفَعَةِ عَيْنِ الْجَانِي أَوْ يَدِهِ بَاقِيًا فَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ فِي الْقَوَدِ وَالْعَقْلِ اتِّفَاقًا وَإِنْ ذَهَبَ كُلُّ مَنْفَعَتِهَا أَوْ جُلُّهَا فَفِي تَخْيِيرِهِ مُطْلَقًا، وَإِنْ بَقِيَتْ مَنْفَعَةٌ وَلَوْ قَلَّتْ ثَالِثُهَا مَا لَمْ يَذْهَبْ جُلُّ مَنْفَعَتِهَا. اهـ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْجَرْيُ عَلَى الثَّانِي (وَبِالْعَكْسِ) أَيْ لَا تُقْطَعُ الصَّحِيحَةُ بِالشَّلَّاءِ وَعَلَى الْقَاطِعِ الْأَرْشُ فِي مَالِهِ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ (وَلَا) يُقْتَصُّ (مِنْ عَيْنِ أَعْمَى) بِفَقْئِهِ عَيْنًا بَصِيرَةً عَمْدًا عُدْوَانًا وَعَلَيْهِ دِيَةُ الْبَصِيرَةِ فِي مَالِهِ وَلَا مِنْ عَيْنٍ بَصِيرَةٍ بِعَيْنٍ عَمْيَاءَ كَذَلِكَ، وَفِيهَا الْأَرْشُ بِالِاجْتِهَادِ فِي مَالِ الْجَانِي (وَ) لَا يُقْتَصُّ مِنْ (لِسَانِ) إنْسَانٍ (أَبْكَمَ) بِقَطْعِ لِسَانٍ نَاطِقٍ عَمْدًا عُدْوَانًا، وَعَلَى الْجَانِي دِيَةُ الصَّحِيحِ فِي مَالِهِ وَلَا مِنْ لِسَانِ نَاطِقٍ بِقَطْعِ لِسَانِ أَبْكَمَ، وَعَلَى الْجَانِي أَرْشُ الْأَبْكَمِ بِالِاجْتِهَادِ. ابْنُ عَرَفَةَ فِي دِيَاتِهَا إنْ قَطَعَ أَشَلُّ الْيَدِ الْيُمْنَى يُمْنَى رَجُلٍ فَلَهُ الْعَقْلُ وَلَا قَوَدَ لَهُ. الشَّيْخُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى بْنِ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ الْجَانِي أَشَلَّ الْيَدِ خُيِّرَ مَقْطُوعُ الْيَدِ السَّلِيمَةِ فِي الْقَوَدِ مِنْهَا وَالْعَقْلِ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ إنَّمَا لَهُ الْعَقْلُ وَمِثْلُهُ فِي الْأَسَدِيَّةِ. مُحَمَّدٌ وَقَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَابْنُ عَبْدُوسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَلِأَشْهَبَ فِي الْكِتَابَيْنِ إنْ كَانَ شَلَلًا يَابِسًا أَوْ كَثِيرًا أَذْهَبَ أَكْثَرَ مَنَافِعِ يَدِهِ. وَأَمَّا الْخَفِيفُ فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مَعَهُ، وَكَذَا عَيْنُ فَاقِئِ عَيْنٍ سَلِيمَةٍ إنْ كَانَتْ نَاقِصَةَ النَّظَرِ وَهُوَ يَنْظُرُ بِهَا أَوْ بِهَا بَيَاضٌ فَلَهُ الْقَوَدُ، وَإِنْ ذَهَبَ أَكْثَرُهَا فَلَا قَوَدَ. وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ أَصْحَابُ مَالِكٍ عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ الَّتِي ذَهَبَ بَصَرُهَا إنْ فُقِئَتْ، وَالْيَدُ الشَّلَّاءُ تُقْطَعُ إلَّا الِاجْتِهَادَ، وَكَذَا الْأَصَابِعُ إذَا تَمَّ شَلَلُهَا ثُمَّ قُطِعَتْ، وَكَذَا ذَكَرُ الْخَصِيِّ وَلِسَانُ الْأَبْكَمِ الْأَخْرَسِ. الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ذَكَرُ الْخَصِيِّ عَسِيبٌ قُطِعَتْ حَشَفَتُهُ، وَفِي جِرَاحَاتِهَا فِي شَلَلِ الْأَصَابِعِ دِيَتُهَا كَامِلَةٌ، ثُمَّ إنْ قُطِعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَفِيهَا حُكُومَةٌ لَا قَوَدٌ
[ ٩ / ٤٥ ]
وَمَا بَعْدَ الْمُوضِحَةِ، مِنْ مُنَقِّلَةٍ طَارَ فِرَاشُ الْعَظْمِ مِنْ الدَّوَاءِ وَآمَّةٍ أَفْضَتْ لِلدِّمَاغِ وَدَامِغَةٍ خَرَقَتْ خَرِيطَتَهُ وَلَطْمَةٍ وَشُفْرِ عَيْنٍ، وَحَاجِبٍ، وَلِحْيَةٍ، وَعَمْدُهُ كَالْخَطَإِ
_________________
(١) [منح الجليل] فِي عَمْدِهِ الْقَاضِي. ابْنُ الْقَصَّارِ فِي الْيَدِ الشَّلَّاءِ حُكُومَةٌ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ كَافَّةً (وَ) لَا يُقْتَصُّ مِ (مَا) أَيْ الْجِرَاحَاتِ الَّتِي (بَعْدَ الْمُوضِحَةِ) وَبَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ (مِنْ مُنَقِّلَةٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْقَافِ، وَحُكِيَ فَتْحُهَا مُثَقَّلَةً فِيهِمَا وَهِيَ الَّتِي (طَارَ) أَيْ زَالَ (فِرَاشُ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا، أَيْ رَقِيقُ (الْعَظْمِ) أَيْ يُزِيلُهُ الطَّبِيبُ (مِنْ الدَّوَاءِ) أَيْ لِأَجْلِ الْمُدَاوَاةِ وَالْتِئَامِ الْجُرْحِ (وَ) لَا يُقْتَصُّ مِنْ (آمَّةٍ) بِمَدِّ الْهَمْزِ وَشَدِّ الْمِيمِ، وَيُقَالُ لَهَا مَأْمُومَةٌ أَيْضًا وَهِيَ الَّتِي (أَفَضْت) أَيْ وَصَلَتْ (لِ) لَهُمْ ا (لِدِمَاغِ) أَيْ الْجِلْدَةِ السَّاتِرَةِ لِلْمُخِّ (وَ) لَا يُقْتَصُّ مِنْ (دَامِغَةٍ) بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَهِيَ الَّتِي (خَرَقَتْ خَرِيطَتَهُ) أَيْ الْجَلْدَةَ الرَّقِيقَةَ السَّاتِرَةَ لِلْمُخِّ، وَهِيَ آخِرُ الرَّأْسِ. ابْنُ شَاسٍ وَبِالْجُمْلَةِ لَا قِصَاصَ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَعْظُمُ خَطَرُهُ كَائِنًا مَا كَانَ. وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ الْقِصَاصِ فَقَالَ (كَلَطْمَةٍ) بِيَدٍ عَلَى وَجْهٍ فَلَا قِصَاصَ فِيهَا. أَبُو الْحَسَنِ لِأَنَّهَا لَا تَنْضَبِطُ كَضَرْبَةِ الْعَصَا بِخِلَافِ ضَرْبَةِ السَّوْطِ، فَفِيهَا الْقِصَاصُ لِانْضِبَاطِهَا، وَمَحَلُّ كَوْنِ اللَّطْمَةِ وَضَرْبَةِ الْعَصَا لَا قِصَاصَ فِيهِمَا إذَا لَمْ يَنْشَأْ عَنْهُمَا جُرْحٌ وَإِلَّا جَرَى فِيهِ التَّفْصِيلُ الْمُتَقَدِّمُ (وَ) لَا يُقْتَصُّ مِنْ (شُفْرَيْ) بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ مَثْنَى شُفْرٍ، كَذَلِكَ حُذِفَتْ نُونُهُ لِإِضَافَتِهِ أَصْلُ مَعْنَاهُ حَرْفُ الـ (عَيْنِ) وَالْمُرَادُ بِهِ الشَّعْرُ النَّابِتُ بِهِ لِعِلَاقَةِ الْمَحَلِّيَّةِ، أَيْ إزَالَتِهِ عَمْدًا عُدْوَانًا، وَفِيهِ حُكُومَةٌ فِي مَالِ الْجَانِي (وَ) لَا فِي شَعْرِ (حَاجِبٍ) أُزِيلَ عَمْدًا عُدْوَانًا وَفِيهِ حُكُومَةٌ فِي مَالِ الْجَانِي (وَ) لَا فِي شَعْرِ (لِحْيَةٍ) كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ إذَا لَمْ تَنْبُتْ الْمَذْكُورَاتُ عَلَى هَيْئَتِهَا وَفِيهِ الْحُكُومَةُ (وَعَمْدُهُ) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ شُفْرِ الْعَيْنِ وَشَعْرِ الْحَاجِبِ وَاللِّحْيَةِ (كَالْخَطَأِ) فِي إيجَابِ الْحُكُومَةِ، لَكِنْ فِي الْعَمْدِ فِي مَالِ الْجَانِي مُطْلَقًا، وَفِي الْخَطَإِ عَلَى الْعَاقِلَةِ إنْ بَلَغَتْ الثُّلُثَ وَإِلَّا فَفِي مَالِ
[ ٩ / ٤٦ ]
إلَّا فِي الْأَدَبِ، وَإِلَّا أَنْ يَعْظُمَ الْخَطَرُ فِي غَيْرِهَا: كَعَظْمِ الصَّدْرِ
_________________
(١) [منح الجليل] الْجَانِي (إلَّا فِي) إيجَابِ (الْأَدَبِ) أَيْ التَّأْدِيبِ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ فَيَثْبُتُ فِي الْعَمْدِ لَا فِي الْخَطَأِ. أَشْهَبُ الْحَاجِبَانِ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ سَوَاءٌ فِيهِمَا حُكُومَةٌ فِي جِرَاحَاتِهَا لَيْسَ فِي جُفُونِ الْعَيْنِ وَأَشْفَارِهَا إلَّا الِاجْتِهَادُ، وَفِي حَلْقِ الرَّأْسِ إذَا لَمْ يَنْبُتَا إلَّا الِاجْتِهَادُ، وَكَذَلِكَ اللِّحْيَةُ، وَلَيْسَ فِي عَمْدِ ذَلِكَ قِصَاصٌ، وَكَذَلِكَ الْحَاجِبَانِ إذَا لَمْ يَنْبُتَا لَثَبَتَ فِيهِمَا الِاجْتِهَادُ، وَفِي كُلِّ عَمْدٍ الْقِصَاصُ مَعَ الْأَدَبِ. أَبُو الْحَسَنِ أَبُو عِمْرَانَ إنْ اُقْتُصَّ مِنْهُ فَأَدَبُهُ دُونَ أَدَبِ مَنْ لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ. وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ سُئِلَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ الَّذِي اُقْتُصَّ مِنْهُ هَلْ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ قَالَ نَعَمْ. ابْنُ رُشْدٍ قَدْ قِيلَ لَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِ مَعَ الْقِصَاصِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، وَهُوَ الْأَظْهَرُ. وَوَجْهُ إيجَابِ الْأَدَبِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَعَ الْقِصَاصِ هُوَ الرَّدْعُ وَالزَّجْرُ لِيَتَنَاهَى النَّاسُ. اهـ. فَعُلِمَ أَنَّ إيجَابَ الْأَدَبِ مَعَ الْقِصَاصِ هُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَأَمَّا مَا حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ وَاسْتَظْهَرَهُ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ، وَكَلَامُهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَذْهَبِ، قَالَ فِيهَا وَيَجِبُ عَلَى الْجَارِحِ مَعَ الْقِصَاصِ الْأَدَبُ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِجُرْأَتِهِ. وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ ضَرْبُهُ وَلَا سَجْنُهُ وَإِنَّمَا هُوَ الْقِصَاصُ اهـ. (وَإِلَّا أَنْ يَعْظُمَ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَضَمٍّ، أَيْ يَكْثُرُ وَيَشْتَدُّ (الْخَطَرُ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ خَوْفُ الْمَوْتِ عَلَى الْجَانِي بِسَبَبِ الْقِصَاصِ مِنْهُ (فِي غَيْرِهَا) أَيْ الْجِرَاحَاتِ الَّتِي بَعْدَ الْمُوضِحَةِ، وَمَثَّلَ لِمَا يَعْظُمُ فِيهِ الْخَطَرُ فَقَالَ (كَ) كَسْرِ (عَظْمِ الصَّدْرِ) وَالرَّقَبَةِ وَالظَّهْرِ وَالْفَخْذِ عَمْدًا عُدْوَانًا فَلَا قِصَاصَ فِيهَا، وَفِيهَا حُكُومَةٌ فِي مَال الْجَانِي. ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا لَا قِصَاصَ فِي الْمَخُوفِ كَالْفَخْذِ وَشِبْهِهِ وَكَسْرِ الضِّلَعِ، فَعَظْمِ الصَّدْرِ إنْ كَانَ مَخُوفًا كَالْفَخْذِ فَلَا قَوَدَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَ الْيَدِ فَالْقَوَدُ. الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ عَبْدُوسٍ لَا قَوَدَ فِي عِظَامِ الصَّدْرِ وَقَالَهُ أَشْهَبُ، وَقَالَ مَعَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَا فِي عِظَامِ الْعَيْنِ، وَفِي الْقَوَدِ
[ ٩ / ٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [منح الجليل] مِنْ الظُّفْرِ رِوَايَتَانِ لَهَا وَلِغَيْرِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ كَالْعَظْمِ أَوْ كَالشَّعْرِ. مُحَمَّدٌ الْقَوَدُ أَحَبُّ إلَيَّ. ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ لَا قَوَدَ فِي كَسْرِ الصُّلْبِ. ابْنُ زَرْقُونٍ رَأَى رَبِيعَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْقَوَدَ فِي كُلِّ جُرْحٍ وَلَوْ مُتْلِفًا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْقَوَدُ فِي كُلِّ جُرْحٍ وَإِنْ كَانَ مُتْلِفًا إلَّا مَا خَصَّهُ الْحَدِيثُ الْمَأْمُومَةَ وَالْجَائِفَةَ، قُلْت يُقْتَصُّ مِنْ كُلِّ مَا لَيْسَ بِمُتْلِفٍ تَتَحَقَّقُ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ اتِّفَاقًا وَالْمَشْهُورُ لَا يُقْتَصُّ مِنْ مُتْلِفٍ، وَمَا لَيْسَ بِمُتْلِفٍ وَلَا تَتَحَقَّقُ الْمُمَاثَلَةُ فِيهِ ضَرْبَانِ لَا تَتَأَتَّى فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ لَا قِصَاصَ فِيهِ كَبَيَاضِ الْعَيْنِ، وَضَرْبٍ تَتَأَتَّى فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ، وَالْغَالِبُ نَفْيُهَا، كَكَسْرِ الْعِظَامِ حَكَى الْقَاضِي فِيهِ رِوَايَتَيْنِ. قُلْت وَلِلْبَاجِيِّ عَنْ أَشْهَبَ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنْ لَا قَوَدَ فِي الْمَخُوفِ. مُحَمَّدٌ وَأَجْمَعْنَا أَنْ لَا قَوَدَ فِي عِظَامِ الْعُنُقِ وَالْفَخْذِ وَالصُّلْبِ وَشَبَّهَ ذَلِكَ مِنْ الْمَتَالِفِ. عَبْدُ الْمَلِكِ لَا قَوَدَ فِي الْعَيْنِ يُصَابُ بَعْضُهَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ لِأَنَّهُ لَا يُوقَفُ عَلَى حَدِّهِ إلَّا أَنْ تُصَابَ كُلَّهَا. تت اُخْتُلِفَ فِي عَطْفِ إلَّا وَمَوْقِعِهَا مَعَ أَنَّهُ قَدَّمَ وَإِلَّا فَقَالَ الشَّارِحُ إنَّمَا كَرَّرَ أَدَاةَ الْحَصْرِ خَشْيَةَ أَنْ يُتَوَهَّمَ عَطْفَهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ إنْ عَظُمَ الْخَطَرُ فِي غَيْرِهَا أَوْ نَحْوِهِ لَكَانَ أَحْسَنَ. وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ فَإِنْ قُلْت فَمَا مَوْقِعُ إلَّا وَعَطْفُهَا مَعَ أَنَّهُ قَدَّمَ وَإِلَّا وَلَيْسَ الْحُكْمُ هُنَا مُخَالِفًا لِمَا بَعْدَ إلَّا الْأُولَى. قُلْت جَمِيعُ مَا قَدَّمَهُ لَهُ أَسْمَاءٌ مَخْصُوصَةٌ كَانَ فِي الرَّأْسِ أَوْ غَيْرِهَا، وَلَمَّا بَيَّنَ مَا فِيهِ الْقِصَاصُ مِنْ غَيْرِهِ مِنْهَا أَعْطَى قَانُونًا كُلِّيًّا فِي غَيْرِهَا، وَهُوَ أَنَّ مَا عَظُمَ الْخَطَرُ فِيهِ لَا قَوَدَ فِيهِ، وَالْآخَرُ يُقَادُ مِنْهُ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ لَك أَنْ تَبْحَثَ فِيهِ فَهُوَ أَنْسَبُ مِنْ غَيْرِهِ. " غ " الَّذِي رَأَيْنَاهُ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَإِلَّا أَنْ يَعْظُمَ الْخَطَرُ فِي غَيْرِهَا، وَلَعَلَّهُ إنَّمَا قَالَ وَكَأَنْ يَعْظُمَ بِكَافِ التَّشْبِيهِ فَالْتَبَسَتْ عَلَى النَّاسِخِ بِإِلَّا. وَأَمَّا جَعْلُهُ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ وَإِلَّا فَالْعَقْلُ فَهُجْنَتُهُ لَا تَلِيقُ بِالْمُصَنِّفِ لِأَنَّ إلَّا الثَّانِيَةَ اسْتِثْنَائِيَّةٌ، وَإِلَّا الْأُولَى مُرَكَّبَةٌ مِنْ أَنْ الشَّرْطِيَّةِ وَلَا النَّافِيَةِ. الْبُنَانِيُّ لَا وَجْهَ لِهَذَا الْعَطْفِ هُنَا، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَكَأَنْ يَعْظُمَ الْخَطَرُ بِلَفْظِ التَّشْبِيهِ مَعَ الْعَطْفِ، وَهَذِهِ النُّسْخَةُ هِيَ الصَّوَابُ. وَأَمَّا جَعْلُ الشَّارِحِ وَإِلَّا أَنْ يَعْظُمَ عَطْفًا عَلَى وَإِلَّا فَالْعَقْلُ فَغَيْرُ صَوَابٍ، لِأَنَّ هَذَا اسْتِثْنَاءٌ، وَقَوْلُهُ وَإِلَّا فَالْعَقْلُ شَرْطٌ.
[ ٩ / ٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [منح الجليل] الْحَطّ لَمَّا أَنْ أَخْرَجَ الْجِرَاحَ الَّتِي لَا قِصَاصَ فِيهَا لِأَنَّهَا مَتَالِفُ وَفُهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَا عَدَاهَا مِنْ الْجِرَاحِ فِيهِ الْقِصَاصُ، ذُكِرَ أَنَّ شَرْطَ الْقِصَاصِ فِيهَا أَنْ لَا يَعْظُمَ الْخَطَرُ فِي ذَلِكَ الْجُرْحِ أَوْ الْكَسْرِ كَعَظْمِ الصَّدْرِ، وَجَزَمَ هُنَا تَبَعًا لِمَنْ تَقَدَّمَهُ كَابْنِ الْحَاجِبِ. وَرَدَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ لِأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، وَكَذَلِكَ فِي الضِّلَعِ. قَالَ فِي كِتَابِ الْجِرَاحِ مِنْهَا وَالصُّلْبُ إذَا كُسِرَ خَطَأً وَبَرِئَ وَعَادَ لِهَيْئَتِهِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ كَسْرٍ يَعُودُ لِهَيْئَتِهِ لَا شَيْءَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَمْدًا يُسْتَطَاعُ فِيهِ الْقِصَاصُ، فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ عَظْمًا إلَّا فِي الْمَأْمُومَةِ وَالْجَائِفَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ وَمَا لَا يُسْتَطَاعُ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهُ فَلَيْسَ فِي عَمْدِهِ إلَّا الدِّيَةُ مَعَ الْأَدَبِ. مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَفِي عِظَامِ الْجَسَدِ الْقَوَدُ مِنْ الْهَاشِمَةِ وَغَيْرِهَا إلَّا مَا كَانَ مَخُوفًا مِثْلَ الْفَخْذِ وَشِبْهِهِ فَلَا قَوَدَ فِيهِ. ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِنْ كَانَتْ الْهَاشِمَةُ فِي الرَّأْسِ فَلَا قَوَدَ فِيهَا لِأَنِّي لَمْ أَجِدْ هَاشِمَةً فِي الرَّأْسِ إلَّا كَانَتْ مُنَقِّلَةً، وَلَا قِصَاصَ فِي الصُّلْبِ وَالْفَخْذِ وَعِظَامِ الْعُنُقِ وَفِي كَسْرِ أَحَدِ الزَّنْدَيْنِ وَهُمَا قَصَبَتَا الْيَدِ الْقِصَاصُ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَلَا شَيْءَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَبْرَأَ عَلَى عَثْمٍ فَفِيهِ الِاجْتِهَادُ. وَفِي كَسْرِ الذِّرَاعَيْنِ وَالْعَضُدَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ وَالْكَفَّيْنِ وَالْأَصَابِعِ الْقِصَاصُ، وَفِي كَسْرِ الضِّلَعِ الِاجْتِهَادُ إذَا بَرِئَ عَلَى عَثْمٍ، وَإِنْ بَرِئَ عَلَى غَيْرِ عَثْمٍ فَلَا شَيْءَ فِيهِ، وَإِنْ كُسِرَتْ عَمْدًا فَهِيَ كَعِظَامِ الصَّدْرِ إنْ كَانَ مَخُوفًا كَالْفَخْذِ فَلَا قَوَدَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَ الْيَدِ وَالسَّاقِ فَفِيهِ الْقِصَاصُ، وَفِي التَّرْقُوَةِ إذَا كُسِرَتْ عَمْدًا الْقِصَاصُ، لِأَنَّ أَمْرَهَا يَسِيرٌ لَا يُخَافُ مِنْهُ، وَإِنْ كُسِرَتْ خَطَأً فَفِيهِ الِاجْتِهَادُ إنْ بَرِئَ عَلَى عَثْمٍ وَإِنْ بَرِئَ عَلَى غَيْرِ عَثْمٍ فَلَا شَيْءَ فِيهَا اهـ. وَبَقِيَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَعُدَّ فِي الْجِرَاحِ الَّتِي لَا قِصَاصَ فِيهَا الْجَائِفَةَ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. أَبُو الْحَسَنِ شَكَّ فِي عِظَامِ الصَّدْرِ وَالضِّلَعِ فَرَدَّ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ. عِيَاضٌ الْعَثْمُ وَالْعَثَلُ بِالْمِيمِ وَاللَّامِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ مَفْتُوحَةً مَعَ اللَّامِ وَسَاكِنَةً مَعَ الْمِيمِ، وَكِلَاهُمَا بِمَعْنًى وَهُوَ الْأَثَرُ وَالشَّيْنُ. اهـ. وَالضِّلَعُ بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ
[ ٩ / ٤٩ ]
وَفِيهَا أَخَافُ فِي رَضِّ الْأُنْثَيَيْنِ أَنْ يَتْلَفَ
وَإِنْ ذَهَبَ: كَبَصَرٍ بِجُرْحٍ اُقْتُصَّ مِنْهُ، فَإِنْ حَصَلَ، أَوْ زَادَ، وَإِلَّا فَدِيَةٌ: مَا لَمْ يَذْهَبْ
_________________
(١) [منح الجليل] وَالتَّرْقُوَةُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْقَافِ بِلَا هَمْزَةٍ أَعْلَى الصَّدْرِ الْمُتَّصِلِ بِالْعُنُقِ وَالزَّنْدُ بِفَتْحِ الزَّاي وَبِالنُّونِ اهـ. وَإِنْ رَضَّ مُكَلَّفٌ غَيْرُ حَرْبِيٍّ (أُنْثَى رَجُلٍ، أَيْ دَقَّهُمَا بِنَحْوِ حَجَرٍ عَمْدًا عُدْوَانًا وَلَمْ يَمُتْ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ) إلَخْ فَ (فِيهَا) أَيْ الْمُدَوَّنَةِ (أَخَافُ) إذَا اُقْتُصَّ مِنْ الْجَانِي (فِي رَضِّ الْأُنْثَيَيْنِ أَنْ يَتْلَفَ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَاللَّامِ، أَيْ يَمُوتُ الْجَانِي فَيَلْزَمُ أَخْذُ نَفْسٍ بِعُضْوٍ وَنَصُّ التَّهْذِيبِ فِي الْأُنْثَيَيْنِ إذَا أَخْرَجَهُمَا أَوْ رَضَّهُمَا الدِّيَةُ كَامِلَةً. قِيلَ فَإِنْ أَخْرَجَهُمَا أَوْ رَضَّهُمَا عَمْدًا قَالَ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي إخْرَاجِ الْأُنْثَيَيْنِ الْقِصَاصُ، وَلَا أَدْرِي مَا قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الرَّضِّ إلَّا أَنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ رَضُّهُمَا مُتْلِفًا، فَإِنْ كَانَ مُتْلِفًا فَلَا قَوَدَ فِيهِمَا، وَكَذَا كُلُّ مُتْلِفٍ. أَشْهَبُ إنْ قُطِعَتَا أَوْ جُرِحَتَا فَفِيهِمَا الْقَوَدُ، وَلَا قَوَدَ فِي رَضِّهِمَا لِأَنَّهُ مُتْلِفٌ (وَإِنْ ذَهَبَ) مِنْ مَعْصُومٍ (كَبَصَرٍ) وَسَمْعٍ وَكَلَامٍ مِنْ صِفَاتِ الْمَعَانِي (بِ) سَبَبِ (جُرْحٍ) فِيهِ الْقِصَاصُ مِنْ مُكَلَّفٍ غَيْرِ حَرْبِيٍّ إلَخْ عَمْدًا عُدْوَانًا بِأَنْ أَوْضَحَهُ فَذَهَبَ مِنْهُ بَصَرُهُ مَثَلًا (اُقْتُصَّ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ (مِنْهُ) أَيْ الْجَانِي بِمِثْلِ جُرْحِهِ بَعْدَ بُرْءِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مِنْهُ. (وَإِنْ حَصَلَ) لِلْجَانِي مِثْلُ مَا حَصَلَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِأَنْ ذَهَبَ مِنْهُ مِثْلُ مَا ذَهَبَ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَقَطْ (أَوْ زَادَ) الْحَاصِلُ لِلْجَانِي عَلَى مَا حَصَلَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِأَنْ ذَهَبَ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بَصَرُهُ وَذَهَبَ مِنْ الْجَانِي بَصَرُهُ وَسَمْعُهُ مَثَلًا فَقَدْ اسْتَوْفَى الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ حَقَّهُ وَالزَّائِدُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَا دَخْلَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِيهِ وَلِأَنَّ الْجَانِيَ ظَالِمٌ، وَالظَّالِمُ أَحَقُّ بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لِلْجَانِي مِثْلُ مَا حَصَلَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِأَنْ لَمْ يَذْهَبْ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ الْمَعَانِي أَوْ ذَهَبَ مِنْهُ غَيْرُ مَا ذَهَبَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (فَدِيَةٌ) مِثْلُ (مَا) أَيْ مَعْنَى (لَمْ يَذْهَبْ) مِنْ الْجَانِي فِي مَالِهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ عِنْدَ أَشْهَبَ إنْ كَانَتْ ثُلُثًا فَأَكْثَرَ وَإِلَّا فَفِي
[ ٩ / ٥٠ ]
وَإِنْ ذَهَبَ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ، فَإِنْ اُسْتُطِيعَ كَذَلِكَ، وَإِلَّا فَالْعَقْلُ: كَأَنْ شُلَّتْ
_________________
(١) [منح الجليل] مَالِهِ فَكَلَامُهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، وَلَا يَصِحُّ إبْقَاءُ كَلَامِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ لِأَنَّ الَّذِي لَمْ يَذْهَبْ هُوَ بَصَرُ الْجَانِي مَثَلًا، وَقَدْ يَكُونُ امْرَأَةً وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ ذَكَرًا مَعَ أَنَّ الْجَانِيَ إنَّمَا يَلْزَمُهُ فِي هَذَا الْحَالِ دِيَةُ بَصَرِ الرَّجُلِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَا دِيَةُ بَصَرِ الْمَرْأَةِ الَّذِي لَمْ يَذْهَبْ، وَكَذَا إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا وَالْآخَرُ كَافِرًا، وَلَوْ قَالَ فَدِيَةُ مَا ذَهَبَ فِي مَالِهِ عَلَى الْأَصَحِّ لَسَلِمَ مِنْ التَّكَلُّفِ قَالَهُ عج وَتَلَامِذَتُهُ. الْبُنَانِيُّ فِي تَصْوِيبِهِ نَظَرٌ لِاقْتِضَائِهِ غُرْمَ دِيَةِ جَمِيعِ مَا ذَهَبَ، وَإِنْ حَصَلَ لِلْجَانِي بَعْضُ ذَلِكَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِيهَا إنْ أَوْضَحَهُ مُوضِحَةً عَمْدًا فَذَهَبَ بِهَا سَمْعُهُ وَعَقْلُهُ أُقِيدَ مِنْ الْمُوضِحَةِ بِعَمْدِ الْبُرْءِ، فَإِنْ بَرِئَ الْجَانِي وَلَمْ يَذْهَبْ سَمْعُهُ وَعَقْلُهُ بِذَلِكَ كَانَ فِي مَالِهِ دِيَتَانِ دِيَةُ سَمْعٍ وَدِيَةُ عَقْلٍ، وَقَدْ يَجْتَمِعُ فِي ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ قَوَدٌ وَعَقْلٌ، وَمَنْ ضَرَبَ يَدَ رَجُلٍ فَشُلَّتْ ضُرِبَ الضَّارِبُ كَمَا ضَرَبَ، فَإِنْ شُلَّتْ يَدُهُ وَإِلَّا فَعَقْلُهَا فِي مَالِهِ. أَشْهَبُ هَذَا إذَا كَانَتْ الضَّرْبَةُ بِجُرْحٍ فِيهِ الْقَوَدُ فَلَوْ ضَرَبَهُ عَلَى رَأْسِهِ بِعَصًا فَشُلَّتْ يَدُهُ فَلَا قَوَدَ وَعَلَيْهِ دِيَةُ الْيَدِ. ابْنُ عَرَفَةَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ تَقْيِيدُ ابْنِ الْحَاجِبِ، أَمَّا الْمَعَانِي فَكَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ، فَإِنْ ذَهَبَ شَيْءٌ مِنْهَا بِسِرَايَةِ مَا فِيهِ الْقِصَاصُ كَمُوضِحَةٍ اُقْتُصَّ مِنْهُ فِيهَا، فَإِنْ ذَهَبَ مِنْهُ اسْتَوْفَى وَإِلَّا فَعَلَيْهِ دِيَةُ مَا لَمْ يَذْهَبْ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي مَالِهِ (وَإِنْ) ضَرَبَهُ بِعَصًا أَوْ لَطَمَهُ عَمْدًا عُدْوَانًا فَ (ذَهَبَ) بَصَرُهُ (وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ) لَمْ تَنْخَسِفْ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (فَإِنْ اُسْتُطِيعَ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ أَنْ يُفْعَلَ بِالْجَانِي فُعِلَ (كَذَلِكَ) أَيْ فِعْلُ الْجَانِي فِي إذْهَابِ بَصَرِهِ مَعَ قِيَامِ عَيْنِهِ فُعِلَ بِهِ، فَقَدْ رُفِعَ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رَجُلٌ لَطَمَ رَجُلًا فَأَذْهَبَ بَصَرَهُ وَعَيْنُهُ قَائِمَةٌ فَحَكَمَ بِالْقِصَاصِ مِنْهُ فَأَعْيَا عَلَيْهِ وَعَلَى النَّاسِ حَتَّى أَتَى عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَأَمَرَ بِجَعْلِ كُرْسُفٍ عَلَى عَيْنِ الْمُصِيبِ وَاسْتِقْبَالِ الشَّمْسِ بِهَا فَذَهَبَ بَصَرُهُ وَعَيْنُهُ قَائِمَةٌ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُسْتَطَعْ فِعْلُ ذَلِكَ بِالْجَانِي (فَالْعَقْلُ) مُتَعَيِّنٌ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ. وَشَبَّهَ فِي الْفِعْلِ الْمُذْهِبِ لِلْمَعْنَى إنْ أَمْكَنَ وَلُزُومُ الْعَقْلِ إنْ لَمْ يُمْكِنْ فَقَالَ (كَأَنْ شُلَّتْ)
[ ٩ / ٥١ ]
يَدُهُ بِضَرْبَةٍ
_________________
(١) [منح الجليل] بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ بَطَلَتْ (يَدُهُ) أَيْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (بِ) سَبَبِ (ضَرْبَةٍ) لَا قِصَاصَ فِيهَا مِنْ الْجَانِي عَمْدًا عُدْوَانًا، فَإِنْ اُسْتُطِيعَ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ مَا يَشُلُّ يَدَهُ فَعَلَ وَإِلَّا فَالْعَقْلُ فِي مَالِهِ. طفي عج أَيْ ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهَا بِمَا لَا قِصَاصَ فِيهِ كَلَطْمَةٍ فَافْتَرَقَتْ هَذِهِ مِمَّا قَبْلَهَا. اهـ. وَفَرَّقَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بَيْنَهُمَا بِفَرْقٍ آخَرَ فَقَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَفِيهَا إذَا ذَهَبَ الْبَصَرُ بِضَرْبَةٍ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ فَإِنْ اُسْتُطِيعَ الْقَوَدُ مِنْ الْبَيَاضِ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ أُقِيدَ مَا نَصُّهُ أَتَى بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَنْسُوبَةً لِلْمُدَوَّنَةِ، لِأَنَّهَا تُوهِمُ خِلَافَ مَا قَدَّمَهُ فِي الْمُوضِحَةِ الَّتِي أَذْهَبَتْ الْبَصَرَ وَالسَّمْعَ، فَإِنَّ الْمَذْهَبَ هُنَاكَ مُتَّفِقٌ عَلَى عَدَمِ الْقِصَاصِ فِي السَّمْعِ وَالْبَصَرِ مُجَرَّدٌ، وَلَا مُنَاقَضَةَ عِنْدَ الشُّيُوخِ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ الضَّرْبَ هُنَاكَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْمَنْفَعَةِ وَالضَّرْبُ هُنَا فِي الْعَيْنِ نَفْسِهَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ فَقْءِ عَيْنِ الْجَانِي لِأَنَّهُ أَزْيَدُ مِمَّا فَعَلَهُ فِي الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ. اهـ. وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْفِعْلُ يُقْتَصُّ مِنْهُ أَمْ لَا، وَكَذَا أَطْلَقَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِهِمَا، وَفِي فَرْقِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الضَّرْبَ مَهْمَا كَانَ فِي مَحَلِّ الْمَنْفَعَةِ فَالْحُكْمُ مَا ذَكَرَ مَعَ أَنَّهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ ضَرَبَ يَدَ رَجُلٍ أَوْ رِجْلَهُ عَمْدًا فَشُلَّتْ، فَإِنَّ الضَّارِبَ يُضْرَبُ مِثْلَهَا قِصَاصًا، فَإِنْ شُلَّتْ يَدُهُ وَإِلَّا كَانَ الْعَقْلُ فِي مَالِهِ دُونَ الْعَاقِلَةِ. اهـ. فَلَمْ يَذْكُرْ الْقِصَاصَ مِنْ الشَّلَلِ إنْ أَمْكَنَ مَعَ أَنَّ الْجِنَايَةَ فِي مَحَلِّ الْمَنْفَعَةِ. الصِّقِلِّيُّ عَنْ أَشْهَبَ هَذَا إذَا كَانَتْ الضَّرْبَةُ بِجُرْحٍ فِيهِ الْقَوَدُ، وَلَوْ ضَرَبَهُ عَلَى رَأْسِهِ بِعَصًا فَشُلَّتْ يَدُهُ فَلَا قَوَدَ وَعَلَيْهِ دِيَةُ الْيَدِ. ابْنُ عَرَفَةَ فِي كَوْنِهِ تَقْيِيدًا أَوْ خِلَافًا نَظَرٌ وَالْأَظْهَرُ الْأَوَّلُ، وَهَذَا يَبْطُلُ فَرْقَ عج لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ الْمَنْفَعَةَ مَهْمَا ذَهَبَتْ بِمَا لَا قِصَاصَ فِيهِ فَالْحُكْمُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَقَدْ عَلِمْت خِلَافَهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِلْمُدَوَّنَةِ خَاصٌّ بِالْبَصَرِ لِمَا جَاءَ فِيهِ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، لِأَنَّ غَيْرَهُ مِنْ الْمَنَافِعِ لَا يُسْتَطَاعُ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ أَمْكَنَ لَقِيلَ فِيهِ كَذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ الضَّرْبُ يُقْتَصُّ مِنْهُ أَمْ لَا فِي مَحَلِّ الْمَنْفَعَةِ أَمْ لَا عَلَى مَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ فِي الشَّلَلِ هِيَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَأَنْ شُلَّتْ يَدُهُ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَّارِ، وَإِذَا
[ ٩ / ٥٢ ]
وَإِنْ قُطِعَتْ يَدُ قَاطِعٍ بِسَمَاوِيٍّ، أَوْ سَرِقَةٍ، أَوْ قِصَاصٍ لِغَيْرِهِ، فَلَا شَيْءَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ
وَإِنْ قَطَعَ أَقْطَعُ الْكَفِّ مِنْ الْمِرْفَقِ، فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، أَوْ الدِّيَةُ.
_________________
(١) [منح الجليل] ضُرِبَتْ الْعَيْنُ فَذَهَبَ بَصَرُهَا وَبَقِيَ جَمَالُهَا فَفِيهَا عَقْلُهَا خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ وَلَا قَوَدَ فِيهَا، وَإِنْ أَتَى ذَلِكَ مِنْهَا عَمْدًا لِأَنَّهُ لَا يُوصَلُ إلَى الْقَوَدِ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْيَدُ إذَا شُلَّتْ وَلَمْ تَبِنْ وَكَذَلِكَ اللِّسَانُ إذَا أُخْرِسَ وَلَمْ يُقْطَعْ هَذِهِ سَبِيلُ كُلِّ مَا ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ وَلَمْ يَبِنْ عَنْ جُثْمَانِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَبَقِيَ جَمَالُهُ، وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا فَفِيهِ عَقْلُهُ كَامِلًا وَلَا قَوَدَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ عَمْدًا، وَيُؤَدَّبُ الْجَانِي مَعَ أَخْذِ الْعَقْلِ مِنْهُ، وَإِذَا ضَرَبَ رَجُلٌ عَيْنَ رَجُلٍ فَأَدْمَعَهَا أَوْ ضَرَبَ سِنَّهُ فَحَرَّكَهَا أَوْ ضَرَبَ يَدَهُ فَأَوْهَنَهَا اُسْتُؤْنِيَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ سَنَةً فَمَا آلَ إلَيْهِ أَمْرُ الْعَيْنِ وَالسِّنِّ وَالْيَدِ بَعْدَ السَّنَةِ حُكِمَ بِهِ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ اهـ. (وَإِنْ قُطِعَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (يَدُ) إنْسَانٍ (قَاطِعِ) يَدِ آخَرَ عَمْدًا عُدْوَانًا أَوْ خَطَأً قَبْلَ الْقِصَاصِ أَوْ أَخْذِ الدِّيَةِ، وَصِلَةُ قُطِعَتْ (بِسَمَاوِيٍّ) مَنْسُوبٌ لِلسَّمَاءِ لِكَوْنِهِ لَا دَخْلَ لِمَخْلُوقٍ فِيهِ انْفَرَدَ بِهِ رَافِعُ السَّمَاءِ بِلَا عَمْدٍ كَجُذَامٍ وَصَاعِقَةٍ (أَوْ) قُطِعَتْ بِسَبَبِ (سَرِقَةٍ) لَرُبُع دِينَارٍ مَثَلًا (أَوْ) قُطِعَتْ بِ (قِصَاصٍ لِغَيْرِهِ) أَيْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ يُقْطَعُ بِأَنْ قَطَعَ يَدَ شَخْصٍ ثُمَّ قَطَعَ يَدَ آخَرَ فَاقْتَصَّ مِنْهُ. الثَّانِي قَبْلَ قِيَامِ الْأَوَّلِ (فَلَا شَيْءَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ) مِنْ قِصَاصٍ وَلَا دِيَةٍ كَمَوْتِ الْجَانِي قَبْلَ الْقِصَاصِ مِنْهُ. فِيهَا إنْ ذَهَبَتْ يُمْنَى مَنْ قَطَعَ يُمْنَى رَجُلٍ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ بِقَطْعِ سَرِقَةٍ أَوْ قِصَاصٍ فَلَا شَيْءَ لِلْمَقْطُوعَةِ يَمِينُهُ، وَلَوْ فَقَأَ أَعْيُنَ جَمَاعَةٍ الْيُمْنَى وَقْتًا بَعْدَ وَقْتٍ فَلْتُفْقَأْ عَيْنُهُ لِجَمِيعِهِمْ، وَكَذَا قَطْعُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ، وَمَنْ قَتَلَ رَجُلًا عَمْدًا ثُمَّ رَجُلًا آخَرَ قُتِلَ وَلَا شَيْءَ لَهُمْ عَلَيْهِ. (وَإِنْ قَطَعَ) شَخْصٌ (أَقْطَعُ) أَيْ مَقْطُوعُ (الْكَفِّ) الْيُمْنَى مِنْ الْكُوعِ يُمْنَى آخَرَ سَلِيمَةَ الْكَفِّ فَقَطَعَهَا أَقْطَعُ الْكَفِّ (مِنْ الْمِرْفَقِ فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ) بِقَطْعِ مَقْطُوعَةِ الْكَفِّ مِنْ مِرْفَقِهَا وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ لِأَنَّ خِيَارَهُ يَنْفِي ضَرَرَهُ (أَوْ الدِّيَةُ) لِيَدِهِ التَّامَّةِ لِأَنَّ يَدَ الْجَانِي نَاقِصَةُ الْكَفِّ، وَلَا يَجُوزُ الِانْتِقَالُ عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا، وَلَا يَتَعَيَّنُ الْقِصَاصُ لِأَنَّهُ
[ ٩ / ٥٣ ]
كَمَقْطُوعِ الْحَشَفَةِ
وَتُقْطَعُ الْيَدُ النَّاقِصَةُ أُصْبُعًا بِالْكَامِلَةِ بِلَا غُرْمٍ،
_________________
(١) [منح الجليل] أَقَلُّ مِنْ حَقِّهِ، وَلَا الدِّيَةُ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَمْدٌ. أَبُو عِمْرَانَ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَالْيَدِ الشَّلَّاءِ أَنَّ الشَّلَّاءَ كَالْمَيِّتَةِ بِخِلَافِ هَذِهِ، فَفِي سَاعِدِهَا مَنْفَعَةٌ. وَشَبَّهَ فِي التَّخْيِيرِ فَقَالَ (كَمَقْطُوعِ الْحَشَفَةِ) الَّذِي قَطَعَ ذَكَرًا بِحَشَفَةٍ عَمْدًا عُدْوَانًا فَيُخَيَّرُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَأَخْذِ الدِّيَةِ كَامِلَةً مِنْ مَالِ الْجَانِي. ابْنُ عَرَفَةَ إنْ قَطَعَ أَقْطَعُ الْيُمْنَى يُمْنَى رَجُلٍ صَحِيحَةً مِنْ الْمِرْفَقِ فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ أَوْ قَطْعُ الذِّرَاعِ النَّاقِصَةِ مِنْ الْمِرْفَقِ، وَمِثْلُهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ. وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ لَيْسَ لَهُ إلَّا الْعَقْلُ، وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ قَوْلَهَا فِي أَقْطَعِ الْكَفِّ أَثَرَ قَوْلِهِ. وَقِيلَ يُخَيَّرُ فِي قَطْعِ الشَّلَّاءِ، فَفَهِمَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ مُنَاقَضَتَهُ قَوْلَهَا فِي الشَّلَّاءِ بِقَوْلِهَا فِي أَقْطَعِ الْكَفِّ، وَفِي تَعْلِيقَةِ أَبِي عِمْرَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْيَدَ الشَّلَّاءَ كَمَيِّتٍ، وَالْمَيِّتُ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ، وَاَلَّذِي قُطِعَتْ كَفُّهُ أَوْ أَصَابِعُهُ بَقِيَ سَاعِدُهُ، وَهُوَ بَعْضُ حَقِّهِ ابْنُ الْحَاجِبِ الذَّكَرُ الْمَقْطُوعُ الْحَشَفَةُ كَأَقْطَعِ الْكَفِّ وَعَيْنِ الْأَعْمَى وَلِسَانِ الْأَبْكَمِ كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ. قُلْت لَمَّا قَدَّمَ قَوْلَهَا فِي أَقْطَعِ الْكَفِّ وَالْيَدِ الشَّلَّاءِ شَبَّهَ أَقْطَعَ الْحَشَفَةِ بِأَقْطَعِ الْكَفِّ، وَشَبَّهَ عَيْنَ الْأَعْمَى وَلِسَانَ الْأَبْكَمِ بِالْيَدِ الشَّلَّاءِ، وَهُوَ تَشْبِيهٌ وَاضِحٌ جَارٍ عَلَى تَفْرِيقِ أَبِي عِمْرَانَ الْمُتَقَدِّمِ، وَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّ الْجَمِيعَ سَوَاءٌ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ شَاسٍ الذَّكَرُ الْمَقْطُوعُ الْحَشَفَةُ وَالْحَدَقَةُ الْعَمْيَاءُ وَلِسَانُ الْأَبْكَمِ كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمَجْمُوعَةِ. ابْنُ مَرْزُوقٍ قَوْلُهُ كَمَقْطُوعِ الْحَشَفَةِ لَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا الْغَيْرِ. ابْنُ الْحَاجِبِ أَوَّلًا يَتَخَلَّصُ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ كَمَا اعْتَرَضَهُ شَيْخُنَا ابْنُ عَرَفَةَ وَأَمَّا كَلَامُ ابْنِ شَاسٍ فَسَالِمٌ مِنْ الْإِشْكَالِ عِنْدَ التَّأَمُّلِ اهـ. (وَتُقْطَعُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ يَدُ أَوْ رِجْلُ الْجَانِي عَمْدًا عُدْوَانًا (النَّاقِصَةُ أُصْبُعًا) خِلْقَةً أَوْ بِقَطْعٍ (بِ) يَدِ أَوْ رِجْلِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (الْكَامِلَةِ) أَصَابِعُهُمَا بِلَا خِيَارٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدِّيَةِ (بِلَا غُرْمٍ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ عَلَى الْجَانِي لِدِيَةِ الْأُصْبُعِ الَّتِي لَا نَظِيرَ لَهَا فِي يَدِهِ أَوْ رِجْلِهِ فِي أَحَدِ
[ ٩ / ٥٤ ]
وَخُيِّرَ إنْ نَقَصَتْ أَكْثَرَ فِيهِ، وَفِي الدِّيَةِ
وَإِنْ نَقَصَتْ يَدُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَالْقَوَدُ: وَلَوْ إبْهَامًا لَا أَكْثَرُ
_________________
(١) [منح الجليل] قَوْلَيْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (وَخُيِّرَ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ مُثَقَّلَةً الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (إنْ نَقَصَتْ) يَدُ الْجَانِي أَوْ رِجْلُهُ (أَكْثَرَ) مِنْ أُصْبُعٍ (فِيهِ) أَيْ الْقِصَاصِ (وَفِي) أَخْذِ (الدِّيَةِ) مِنْ مَالِ الْجَانِي، أَيْ دِيَةِ أَصَابِعِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الَّتِي لَيْسَ لِلْجَانِي مِثْلُهَا وَلَيْسَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتَصَّ وَيَأْخُذَ الدِّيَةَ. تت يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ أَكْثَرَ كَابْنِ الْحَاجِبِ وَالْبَيَانِ أَرْبَعُ أَصَابِعَ وَالْمَنْصُوصُ أُصْبُعَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ. اهـ. وَأَصْلُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَتَبِعَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّارِحُ. عب مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ أَحْرَى بِالتَّخْيِيرِ فَلَا يَحْتَاجُ لِنَصٍّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ التَّخْيِيرُ فِي مَقْطُوعِ الْكَفِّ إذَا قُطِعَ سَالِمُهُ مِنْ مِرْفَقِهِ، وَنَاهِيك بِصَاحِبِ الْبَيَانِ إنَّمَا الدُّنْيَا أَبُو دُلَفٍ قَالَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بَابَا وَهُوَ رَمْزٌ لِقَوْلِ شَاعِرِ بَنِي الْمُهَلَّبِ. إنَّمَا الدُّنْيَا أَبُو دُلَفٍ بَيْنَ بَادِيهِ وَمُحْتَضِرِهِ فَإِذَا وَلَّى أَبُو دُلَفٍ وَلَّتْ الدُّنْيَا عَلَى أَثَرِهِ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ لَفْظُ أَكْثَرَ فِي نَصِّ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ. ابْنُ رُشْدٍ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا فِي " ق " وَأَبُو دُلَفٍ كُنْيَةُ كَرِيمٍ مِنْ كُرَمَاءِ الْعَرَبِ اسْمُهُ الْقَاسِمُ بْنُ عِيسَى، حَكَى أَنَّ الْمَأْمُونَ الْخَلِيفَةَ أَحْضَرَهُ وَقَالَ لَهُ كَيْفَ تَجْعَلُ أَبَا دُلَفٍ الدُّنْيَا، فَقَالَ أَنْتُمْ أَهْلُ الْبَيْتِ فَلَا يَفْضُلُ عَلَيْكُمْ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ وَقَتَلَهُ. طفي اقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى لَفْظِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى تَعَقُّبِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بِحَالٍ. (وَإِنْ نَقَصَتْ يَدُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ) أَوْ رِجْلُهُ (أُصْبُعًا) أَوْ وَبَعْضَ آخَرَ خِلْقَةً أَوْ بِسَمَاوِيٍّ أَوْ بِجِنَايَةٍ سَابِقَةٍ (فَالْقَوَدُ) مِنْ يَدِ الْجَانِي الْكَامِلَةِ الْأَصَابِعِ إنْ كَانَ النَّاقِصُ غَيْرَ إبْهَامٍ، بَلْ (وَلَوْ) كَانَ (إبْهَامًا) وَلَا غَرَامَةَ عَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِلْجَانِي وَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ الْمُبَالَغَةِ عَلَى الْجَوَابِ (لَا) قَوَدَ عَلَى الْجَانِي إنْ نَقَصَتْ يَدُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (أَكْثَرَ) مِنْ أُصْبُعٍ بِأَنْ نَقَصَتْ أُصْبُعَيْنِ كَامِلَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، ثُمَّ إنْ كَانَ الْبَاقِي أَكْثَرَ مِنْ أُصْبُعٍ فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ دِيَتُهُ فِي مَالِ الْجَانِي، وَتَنْدَرِجُ فِيهَا الْكَفُّ، وَإِنْ أُصْبُعًا فَلَهُ دِيَتُهَا، وَفِي الْكَفِّ حُكُومَةٌ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَإِنْ كَانَ الْكَفُّ فَقَطْ فَحُكُومَةٌ.
[ ٩ / ٥٥ ]
وَلَا يَجُوزُ بِكُوعٍ لِذِي مِرْفَقٍ، وَإِنْ رَضِيَا
وَتُؤْخَذُ الْعَيْنُ السَّلِيمَةُ
_________________
(١) [منح الجليل] وَ) إنْ قَطَعَ مُكَلَّفٌ غَيْرُ حَرْبِيٍّ عَمْدًا عُدْوَانًا يَدَ مَعْصُومٍ مِنْ مِرْفَقِهَا فَ (لَا يَجُوزُ) الْقِصَاصُ مِنْ يَدِ الْجَانِي (بِكُوعٍ) أَيْ مِنْهُ (لِ) مَجْنِيٍّ عَلَيْهِ (ذِي) أَيْ صَاحِبِ قَطْعٍ مِنْ (مِرْفَقٍ) إنْ طَلَبَهُ أَحَدُهُمَا وَأَبَاهُ الْآخَرُ، بَلْ (وَإِنْ رَضِيَا) أَيْ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ وَالْجَانِي بِالْقِصَاصِ مِنْ الْكُوعِ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِيهِ إنْ أَمْكَنَتْ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ الْحَاجِبِ لَوْ قَطَعَ مِنْ الْمِرْفَقِ فَلَا يَجُوزُ مِنْ الْكُوعِ وَلَوْ رَضِيَا. قُلْت هَذَا فِي النَّوَادِرِ عَنْ الْوَاضِحَةِ مَعْزُوًّا لِلْأَخَوَيْنِ وَأَصْبَغَ، وَقَبْلَهُ الشَّيْخُ وَغَيْرُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا الدَّلِيلُ الْعَامُ وَهُوَ الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ ارْتِكَابِ أَخَفِّ ضَرَرٍ يَدْفَعُ مَا هُوَ أَضَرَّ مِنْهُ مِنْ نَوْعِهِ، وَضَرَرُ الْقَطْعِ مِنْ الْكُوعِ أَخَفُّ مِنْهُ مِنْ الْمِرْفَقِ ضَرُورَةً. ابْنُ رُشْدٍ إذَا لَزِمَ أَحَدُ ضَرَرَيْنِ وَجَبَ ارْتِكَابُ أَخَفَّهُمَا. وَالثَّانِي دَلِيلُ مَا فِي سَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ أَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَوْ أَشْهَبَ فِيمَنْ ذَهَبَ بَعْضُ كَفِّهِ بِرِيشَةٍ جَرَحَتْهُ وَخَافَ عَلَى مَا بَقِيَ بِيَدِهِ مِنْهَا فَقِيلَ لَهُ اقْطَعْ يَدَكَ مِنْ الْمَفْصِلِ، فَإِنْ لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ الْمَوْتُ مِنْ قَطْعِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ. ابْنُ رُشْدٍ إذَا لَمْ يُخَفْ إذَا لَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ مِنْ مَفْصِلِهَا إلَّا عَلَى مَا بَقِيَ مِنْهَا فَلَا يَجُوزُ قَطْعُهَا مِنْ مَفْصِلِهَا إنْ خِيفَ مَوْتُهُ مِنْهُ، وَإِنْ خَشِيَ إنْ لَمْ يَقْطَعْهَا مِنْ مَفْصِلِهَا أَنْ يَتَرَامَى أَمْرُ الرِّيشَةِ إلَى مَوْتِهِ مِنْهَا فَلَهُ قَطْعُهَا مِنْ مَفْصِلِهَا، وَإِنْ كَانَ مَخُوفًا إنْ كَانَ الْخَوْفُ عَلَيْهِ مِنْ الرِّيشَةِ أَكْثَرَ وَقَدْ أَجَازَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيهَا لِمَنْ أَحْرَقَ الْعَدُوُّ سَفِينَتَهُ أَنْ يَطْرَحَ نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ فِيهِ هَلَاكَهُ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَفِرَّ مِنْ أَمْرٍ يَخَافُ مِنْهُ الْمَوْتَ إلَى أَمْرٍ يَرْجُو فِيهِ النَّجَاةَ وَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ الْمَوْتَ مِنْهُ. ابْنُ غَازِيٍّ فِي هَذَا النَّظَرِ نَظَرٌ اهـ. قُلْت لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ تَحْدِيدَهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَ) إنْ جَنَى ذُو عَيْنٍ سَلِيمَةٍ عَلَى عَيْنٍ ضَعِيفَةٍ فَأَذْهَبَ إبْصَارَهَا فَ (تُؤْخَذُ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ الْهَمْزِ وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ تُفْقَأُ (الْعَيْنُ السَّلِيمَةُ) مِنْ الْجَانِي (بِ)
[ ٩ / ٥٦ ]
بِالضَّعِيفَةِ خِلْقَةً أَوْ لِكِبَرٍ، وَلِجُدَرِيٍّ أَوْ لِكَرَمْيَةٍ، فَالْقَوَدُ، إنْ تَعَمَّدَ، وَإِلَّا فَبِحِسَابِهِ
_________________
(١) [منح الجليل] الْعَيْنِ (الضَّعِيفَةِ) الْمَجْنِيِّ عَلَيْهَا، أَيْ سَوَاءٌ كَانَ ضَعْفُهَا (خِلْقَةً) أَيْ مِنْ أَصْلِ خِلْقَتِهَا (أَوْ ضَعِيفَةً مِنْ كِبَرٍ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ طُولِ عُمُرٍ (وَ) مِنْ (جُدَرِيٍّ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ طَرَأَ عَلَيْهَا (أَوْ لِكَرَمْيَةٍ فَالْقَوَدُ) عب رَاجِعٌ لِجُدَرِيِّ وَمَا بَعْدَهُ، بِدَلِيلِ ذِكْرِ جُدَرِيٍّ بِالْوَاوِ، وَصَرَّحَ بِهِ مَعَ اسْتِفَادَتِهِ مِنْ قَوْلِهِ تُؤْخَذُ، لِأَنَّ الشَّرْطَ الْآتِيَ خَاصٌّ بِهَا، وَسَوَاءٌ أَخَذَ بِسَبَبِ الرَّمْيَةِ عَقْلًا أَمْ لَا هَذَا (إنْ تَعَمَّدَهُ) أَيْ الرَّامِي الرَّمْيَ الْآنَ بَعْدَ ضَعْفِهَا بِالْجُدَرِيِّ أَوْ الرَّمْيَةِ السَّابِقَةِ، سَوَاءٌ أَخَذَ لَهَا عَقْلًا أَمْ لَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ الرَّمْيَ الْآنَ (فِ) يُؤْخَذُ مِنْ الدِّيَةِ (بِحِسَابِهِ) أَيْ بَاقِي إبْصَارِ الْعَيْنِ بَعْدَ ضَعْفِهَا بِجُدَرِيٍّ أَوْ رَمْيَةٍ، فَإِنْ كَانَ الْبَاقِي نِصْفَ إبْصَارِهَا فَعَلَى الْجَانِي الْمُخْطِئِ نِصْفُ دِيَتِهَا، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ إذَا كَانَ أَخَذَ لَهَا عَقْلًا وَإِلَّا فَعَلَيْهِ دِيَتُهَا كَامِلَةً كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ لَهَا عَقْلًا إلَخْ. الْبُنَانِيُّ لَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ فَالْقَوَدُ بَعْدَ قَوْلِهِ وَتُؤْخَذُ الْعَيْنُ إلَخْ، وَلَا لِقَوْلِهِ إنْ تَعَمَّدَهُ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْعَمْدِ، وَلَا لِقَوْلِهِ وَإِلَّا فَبِحِسَابِهِ مَعَ قَوْلِهِ الْآتِي، وَكَذَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهَا إنْ لَمْ يَأْخُذْ عَقْلًا إلَخْ، مَعَ إخْلَالِ مَا هُنَا بِالشَّرْطِ الْآتِي. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَوْ أُصِيبَتْ يَدُ رَجُلٍ أَوْ رِجْلِهِ أَوْ عَيْنُهُ خَطَأً فَضَعُفَتْ فَأَخَذَ لَهَا عَقْلًا إلَّا أَنَّهُ يَبْطِشُ وَيَعْمَلُ بِالْيَدِ وَالرِّجْلِ وَيَبْصُرُ بِالْعَيْنِ ثُمَّ أَصَابَهَا رَجُلٌ عَمْدًا فَفِيهَا الْقَوَدُ بِخِلَافِ الدِّيَةِ. الشَّيْخُ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِي عَيْنِ الْكَبِيرِ تَضْعُفُ ثُمَّ تُصَابُ عَمْدًا فَفِيهَا الْقَوَدُ، وَمَا نَقَصَهَا مِنْ جُدَرِيٍّ أَوْ كَوْكَبٍ أَوْ رَمْيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا لَا قَوَدَ فِيهَا، وَلَوْ لَمْ يَأْخُذْ لِنَقْصِهَا شَيْئًا. عَبْدُ الْمَلِكِ تَأْوِيلُهُ إنْ كَانَ نَقْصًا فَاحِشًا كَثِيرًا. ابْنُ رُشْدٍ بَعْضُ أَهْلِ النَّظَرِ تَلْخِيصُ قَوْلِ عِيسَى فِي
[ ٩ / ٥٧ ]
وَإِنْ فَقَأَ سَالِمٌ عَيْنَ أَعْوَرَ، فَلَهُ الْقَوَدُ، وَأَخْذُ الدِّيَةِ كَامِلَةً مِنْ مَالِهِ
وَإِنْ فَقَأَ أَعْوَرُ مِنْ سَالِمٍ مُمَاثِلَتَهُ، فَلَهُ الْقِصَاصُ أَوْ دِيَةُ مَا تَرَكَ
_________________
(١) [منح الجليل] الْعَيْنِ النَّاقِصَةِ تُصَابُ إنْ نَقَصَتْ بِسَمَاوِيٍّ وَلَوْ كَثُرَ، فَفِي إصَابَةِ بَاقِيهَا عَمْدًا الْقَوَدُ، وَإِنْ نَقَصَتْ بِجِنَايَةٍ فَكَذَلِكَ إنْ قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَالْعَقْلُ. ابْنُ رُشْدٍ لَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ إنْ نَقَصَتْ كَثِيرًا وَلَوْ بِسَمَاوِيٍّ فَالْعَقْلُ (وَإِنْ فَقَأَ) شَخْصٌ (سَالِمٌ) عَيْنَاهُ مَعًا مِنْ الْعَمَى أَوْ سَالِمٌ الْمُمَاثَلَةَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهَا فَفَقَأَ (عَيْنَ) شَخْصٍ (أَعْوَرَ) أَيْ مَنْ ذَهَبَ بَصَرُ إحْدَى عَيْنَيْهِ بِجِنَايَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (فَلَهُ) أَيْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (الْقَوَدُ) بِفَقْءِ نَظِيرِ عَيْنِهِ مِنْ الْجَانِي (أَوْ) أَخْذُ (الدِّيَةِ) حَالَ كَوْنِهَا (كَامِلَةً مِنْ مَالِهِ) أَيْ الْجَانِي لِأَنَّ عَيْنَ الْأَعْوَرِ بِمَنْزِلَةِ عَيْنَيْنِ. ابْنُ عَرَفَةَ فِي النَّوَادِرِ مِنْ الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ فِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ تُصَابُ عَمْدًا مِنْ صَحِيحٍ فَالْأَعْوَرُ مُخَيَّرٌ فِي الْقَوَدِ وَأَخْذُ دِيَةِ عَيْنِهِ أَلْفُ دِينَارٍ. مُحَمَّدٌ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَكُلُّ أَصْحَابِهِ " - ﵃ - "، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ سَحْنُونٌ. وَلِأَبِي بَكْرٍ الْأَبْهَرِيِّ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ أَنَّ مَالِكًا " - ﵁ - " اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فَقَالَ هَذَا، وَقَالَ لَيْسَ لَهُ إلَّا الْقَوَدُ. مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ كَأَنَّ الْجَانِيَ صَحِيحُ الْعَيْنَيْنِ أَوْ صَحِيحُ الَّتِي مِثْلُهَا لِلْأَعْوَرِ. (وَإِنْ فَقَأَ) شَخْصٌ (أَعْوَرُ مِنْ) شَخْصٍ (سَالِمٍ) أَيْ صَحِيحِ الْعَيْنَيْنِ عَيْنًا (مُمَاثِلَةً) لِلْعَيْنِ السَّالِمَةِ لَ (هـ) أَيْ الْأَعْوَرِ (فَلَهُ) أَيْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (الْقِصَاصُ) بِفَقْءِ عَيْنِ الْأَعْوَرِ السَّالِمَةِ فَيَصِيرُ أَعْمَى (أَوْ دِيَةُ مَا) أَيْ عَيْنِ الْأَعْوَرِ السَّالِمَةِ الَّتِي (تَرَكَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهَا فَقْأَهَا أَلْفَ دِينَارٍ مَثَلًا فَالْخِيَارُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَا لِلْجَانِي. ابْنُ عَرَفَةَ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " - ﵁ - " إنْ فَقَأَ الْأَعْوَرُ عَيْنَ الصَّحِيحِ الَّتِي مِثْلُهَا بَاقِيَةً لِلْأَعْوَرِ فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ، وَإِنْ أَحَبَّ فَلَهُ أَخْذُ دِيَةِ عَيْنِهِ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ إنْ أَحَبَّ اقْتَصَّ، وَإِنْ أَحَبَّ فَلَهُ دِيَةُ عَيْنِ الْأَعْوَرِ أَلْفُ دِينَارٍ، وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ. عِيَاضٌ خَرَّجَ بَعْضُهُمْ مِنْهَا قَوْلًا بِالتَّخْيِيرِ فِي أَخْذِ دِيَةِ جُرْحِ الْعَمْدِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ بِوُجُوبِ الْقَوَدِ أَوْ مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ، وَيَخْرُجُ
[ ٩ / ٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [منح الجليل] مِنْهَا جَبْرُ الْقَاتِلِ عَلَى الدِّيَةِ مِثْلَ قَوْلِ أَشْهَبَ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ رِوَايَتُهُ، وَتَرَجَّحَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا. وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ إنَّمَا قَالَهُ لِعَدَمِ تَسَاوِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ وَإِحْدَى عَيْنَيْ الصَّحِيحِ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ الْقِصَاصُ، إذْ هِيَ مِثْلُ عَيْنِهِ فِي الصُّورَةِ، فَإِنْ عَدَلَ عَنْ الْقِصَاصِ إلَى الدِّيَةِ فَلَيْسَ لِلْأَعْوَرِ أَنْ يَأْبَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ دَعْوَى الصَّوَابِ. عِيَاضٌ هَذَا غَيْرُ بَيِّنٍ، وَيَلْزَمُهُ فِيهِ الْجَبْرُ عَلَى الدِّيَةِ، وَخَرَّجَ مِنْهَا بَعْضُ شُيُوخِنَا أَنَّ لِلْوَلِيِّ إذَا كَثُرَ الْقَاتِلُونَ أَنْ يُلْزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِيَةً كَامِلَةً عَنْ نَفْسِهِ قَدْرَ دِيَتِهِ أَوْ مَنْ أَرَادَ اسْتِحْيَاءً مِنْهُمْ وَيَقْتُلُ مَنْ شَاءَ، وَكَذَا فِي قَطْعِ جَمَاعَةٍ يَدِ رَجُلٍ. عِيَاضٌ هَذَا لَازِمٌ لِأَبِي عِمْرَانَ عَلَى تَعْلِيلِهِ فِي زِيَادَةِ الْمِثْلِيَّةِ، لِأَنَّ جَمَاعَةَ أَنْفُسٍ زِيَادَةٌ عَلَى نَفْسٍ عَلَى كُلِّ حَالٍ. قِيلَ لِأَبِي عِمْرَانَ لَوْ تَعَدَّى رَجُلٌ عَلَى الْجَانِي فَفَقَأَ عَيْنَهُ فَقَالَ الْمَفْقُوءَةُ عَيْنُهُ أَوَّلًا لِلْجَانِي عَلَى مَنْ جَنَى عَلَيْهِ أَنْتَ أَتْلَفَتْ عَيْنًا كُنْت أَسْتَحِقُّ فَقْأَهَا أَوْ أَلْفَ دِينَارٍ عَنْهَا فَاغْرَمْ لِي قِيمَةَ مَا أَتْلَفْت عَلَيَّ لِأَنَّ دِيَتَهَا كَثَمَنٍ مُتَوَاطَأٍ عَلَيْهِ فِي سِلْعَةٍ اُسْتُهْلِكَتْ. قَالَ فِي هَذَا نَظَرٌ، وَأَشَارَ إلَى تَنْظِيرِهَا بِرَهْنٍ فِي أَلْفِ دِينَارٍ قِيمَتُهُ مِائَةُ دِينَارٍ اُسْتُهْلِكَ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ دُونَ مَا رَهَنَ فِيهِ. قِيلَ لَهُ الْأَعْوَرُ كَانَ مَجْبُورًا عَلَى افْتِكَاكِ عَيْنِهِ بِالْأَلْفِ، وَلَيْسَ الرَّاهِنُ كَذَلِكَ، إذْ لَيْسَ مَجْبُورًا عَلَى افْتِكَاكِهِ، إذْ لَهُ إسْلَامُهُ. قَالَ أَرَأَيْت لَوْ كَانَ الْجَانِي عَدِيمًا لَجُبِرَ عَلَى الْأَلْفِ فَتَرَجَّحَ فِيهَا، وَقَالَ اُنْظُرْ لَوْ قَالَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ كَانَ لِي أَنْ أَتَّبِعَ الْأَعْوَرَ بِالْأَلْفِ عَلَيْهِ، وَمَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ هِيَ سَمَاعُ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ. قَوْلُ مَالِكٍ يُخَيَّرُ الصَّحِيحُ فِي الْقَوَدِ وَأَخْذِ دِيَةِ عَيْنِهِ خَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ يُخَيَّرُ فِي الْقَوَدِ وَأَخْذِ دِيَةِ عَيْنِ الْأَعْوَرِ أَلْفِ دِينَارٍ. ابْنُ الْقَاسِمِ قَوْلُهُ الْآخَرُ أَحَبُّ إلَيَّ وَأَحْسَنُ مَا سَمِعْت أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا الْقَوَدُ مِنْ عَيْنِ الْأَعْوَرِ إلَّا أَنْ يَصْطَلِحَا عَلَى أَمْرٍ، فَإِنْ اصْطَلَحَا عَلَى الدِّيَةِ مُبْهَمَةً فَإِنَّمَا لَهُ عَقْلُ الَّتِي فُقِئَتْ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ ثُمَّ رَجَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَى تَخْيِيرِهِ فِي فَقْءِ عَيْنِ الْأَعْوَرِ أَوْ دِيَتِهَا أَلْفِ دِينَارٍ. ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُ مَالِكٍ الْأَوَّلُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ لِلْوَلِيِّ جَبْرَ الْقَاتِلِ عَلَى الدِّيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ، وَقَوْلُهُ الْأَخِيرُ الَّذِي قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ
[ ٩ / ٥٩ ]
وَغَيْرَهَا فَنِصْفُ دِيَةٍ فَقَطْ فِي مَالِهِ
وَإِنْ فَقَأَ عَيْنَيْ السَّالِمِ، فَالْقَوَدُ وَنِصْفُ الدِّيَةِ
_________________
(١) [منح الجليل] أَنَّهُ أَحْسَنُ مَا سَمِعْت قِيَاسًا عَلَى أَصْلِ مَذْهَبِهِ وَرِوَايَتِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ جَبْرُ الْقَاتِلِ. (وَإِنْ فَقَأَ) الْأَعْوَرُ مِنْ السَّالِمِ (غَيْرَهَا) أَيْ غَيْرَ مُمَاثِلَتِهِ بِأَنْ فَقَأَ مِنْهُ مِثْلَ الْعَوْرَاءِ عَمْدًا عُدْوَانًا (فَنِصْفُ دِيَةٍ فَقَطْ) يَلْزَمُ الْجَانِيَ (فِي مَالِهِ) وَلَيْسَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَفِيهَا إنْ فَقَأَ أَعْوَرُ الْيُمْنَى يُمْنَى صَحِيحٍ خَطَأً فَعَلَى عَاقِلَتِهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ فَقَأَهَا عَمْدًا فَعَلَيْهِ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ فِي مَالِهِ وَلَا يُقَادُ مِنْ يَدٍ أَوْ يَمِينٍ أَوْ سِنٍّ إلَّا بِمِثْلِهَا (وَإِنْ فَقَأَ) الْأَعْوَرُ (عَيْنَيْ) بِفَتْحِ النُّونِ مُثَنَّى عَيْنٍ حُذِفَتْ نُونُهُ لِإِضَافَتِهِ إلَى شَخْصِ (السَّالِمِ) الْعَيْنَيْنِ عَمْدًا عُدْوَانًا (فَالْقَوَدُ) بِفَقْءِ عَيْنِ الْأَعْوَرِ بِمُمَاثَلَتِهَا (وَنِصْفُ الدِّيَةِ) فِي مَالِ الْأَعْوَرِ الْجَانِي، وَسَوَاءٌ فَقَأَ الَّتِي لَيْسَ لَهُ مِثْلُهَا أَوَّلًا أَوْ ابْتَدَأَ بِفَقْءِ الَّتِي لَهُ مِثْلُهَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَمْ يُخَيَّرْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي فَقْءِ الْمُمَاثِلَةِ وَأَخْذِ دِيَتِهَا أَلْفُ دِينَارٍ لِئَلَّا يَلْزَمَ أَخْذُ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ وَنِصْفُهَا فِي الْعَيْنَيْنِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا قَرَّرَهُ الشَّارِعُ مِنْ أَنَّ فِيهِمَا دِيَةً كَامِلَةً فَقَطْ. ابْنُ الْحَاجِبِ لَوْ فَقَأَ الْأَعْوَرُ عَيْنَيْ الصَّحِيحِ فَالْقِصَاصُ وَنِصْفُ الدِّيَةِ. وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ فَقَأَهُمَا مَعًا فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ أَوْ بَدَأَ بِالْمَعْدُومَةِ فَكَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ بَدَأَ بِاَلَّتِي لَهُ مِثْلُهَا ثُمَّ ثَنَّى بِالْأُخْرَى فَأَلْفُ دِينَارٍ مَعَ الْقِصَاصِ الْمُوضِحِ لِأَنَّهُ لَمَّا فَقَأَ الَّتِي لَهُ مِثْلُهَا وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَصَارَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَعْوَرَ فَوَجَبَ فِي عَيْنِهِ أَلْفُ دِينَارٍ. ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي السَّمَاعِ وَقَالَ أَشْهَبُ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْأَخِيرِ الَّذِي أَخَذَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ فَقَأَ عَيْنَيْ الصَّحِيحِ مَعًا فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ خُيِّرَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فِي فَقْءِ عَيْنِهِ مَعَ أَخْذِ دِيَةِ عَيْنِهِ الْأُخْرَى خَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ وَتَرَكَ عَيْنَ الْجَانِي وَأَخَذَ عَقْلَهَا أَلْفًا مَعَ خَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ عَقْلِ الْأُخْرَى وَإِنْ فَقَأَهُمَا فِي مَجْلِسَيْنِ فَإِنْ بَدَأَ بِفَقْءِ مِثْلِ الَّتِي هِيَ بَاقِيَةٌ خُيِّرَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فِي فَقْءِ عَيْنِ الْجَانِي وَأَخْذِ عَقْلِهَا أَلْفَ دِينَارٍ، وَإِنْ بَدَأَ بِفَقْءِ مِثْلِ الذَّاهِبَةِ مِنْهُ فَإِنَّمَا لَهُ عَقْلُهَا خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ وَعَلَيْهِ فِي الْأُخْرَى الْقَوَدُ. وَالشَّيْخُ رَوَى عَلِيٌّ إنْ فَقَأَ أَعْوَرُ عَيْنَيْ صَحِيحٍ عَمْدًا فَلَهُ فَقْءُ عَيْنِ الْأَعْوَرِ وَأَخْذُ دِيَةِ عَيْنِهِ خَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ. أَشْهَبُ إنْ كَانَ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ وَإِنْ بَدَأَ
[ ٩ / ٦٠ ]
وَإِنْ قُلِعَتْ سِنٌّ فَنَبَتَتْ: فَالْقَوَدُ، وَفِي الْخَطَإِ: كَالْخَطَإِ؛
_________________
(١) [منح الجليل] بِمِثْلِ الَّتِي هِيَ عَيْنُهُ الْعَوْرَاءُ فَلَهُ فِيهَا نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي الْأُخْرَى الْقَوَدُ، وَإِنْ بَدَأَ بِمِثْلِ عَيْنِهِ الصَّحِيحَةِ فَلَهُ فِيهَا الْقَوَدُ، وَفِي الْأُخْرَى أَلْفُ دِينَارٍ وَقَالَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - (وَإِنْ قُلِعَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (سِنٌّ) عَمْدًا عُدْوَانًا مِنْ مَعْصُومٍ مُثْغِرٍ وَأُعِيدَتْ مَكَانَهَا أَوْ اضْطَرَبَتْ جِدًّا (فَثَبَتَتْ) أَوْ نَبَتَ مَكَانَهَا أُخْرَى (فَالْقَوَدُ) لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْقِصَاصِ يَوْمُ الْجِنَايَةِ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ إيلَامُ الْجَانِي لِرَدْعِهِ وَرَدْعِ أَمْثَالِهِ وَلِأَنَّهَا لَا تَعُودُ عَلَى أَصْلِ عُرُوقِهَا (وَفِي) قَلْعِ (الْخَطَأِ) وَثُبُوتِهَا بَعْدَهُ قَبْلَ أَخْذِ عَقْلِهَا فَلَا يَسْقُطُ بِثُبُوتِهَا حُكْمُهُ فَيُؤْخَذُ عَقْلُهَا وَهُوَ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ (كَ) دِيَةِ (الْخَطَأِ) فِي قَلْعِهَا وَلَمْ تَثْبُتْ، وَفِي غَيْرِهَا مِمَّا لَهُ عَقْلٌ مُسَمًّى كَمُوضِحَةٍ وَمُنَقَّلَةٍ يُؤْخَذُ عَقْلُهَا ثُمَّ تَعُودُ كَمَا كَانَتْ فَلَا يَسْقُطُ الْعَقْلُ اتِّفَاقًا حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ، وَإِنْ أَخَذَ الدِّيَةَ فَرُدَّتْ وَثَبَتَتْ فَلَا يَرُدُّ الْآخِذُ شَيْئًا مِنْهَا. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا مَنْ طُرِحَتْ سِنُّهُ عَمْدًا فَرَدَّهَا فَثَبَتَتْ فَلَهُ الْقَوَدُ فِيهَا، وَكَذَلِكَ الْإِذْنُ، وَلَوْ رَدَّ السِّنَّ فِي الْخَطَأِ فَثَبَتَتْ كَانَ لَهُ الْعَقْلُ وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مَنْ ضُرِبَ فَذَهَبَ عَقْلُهُ فَأَخَذَ الْعَقْلَ بَعْدَ السَّنَةِ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ عَقْلُهُ فَلَا يَرُدُّهُ وَهُوَ حُكْمٌ مَضَى. ابْنُ رُشْدٍ مَثَّلَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فِيمَنْ ضُرِبَتْ عَيْنُهُ فَنَزَلَ الْمَاءُ فِيهَا وَابْيَضَّتْ فَأَخَذَ دِيَتَهَا ثُمَّ زَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَرُدُّ شَيْئًا، وَاخْتَارَهُ مُحَمَّدٌ إنْ قَضَى بِهِ بَعْدَ الِاسْتِقْصَاءِ وَالْأَنَاةِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي بَيَاضِ الْعَيْنِ وَنُزُولِ الْمَاءِ فِيهَا يَرُدُّ مَا أَخَذَ فَقِيلَ لَهُ هُوَ خِلَافُ قَوْلِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْعَقْلِ وَلَا فَرْقَ. وَقِيلَ قَوْلُهُ فِي الْعَقْلِ لِأَشْهَبَ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَقْلَ ذَهَبَ حَقِيقَةً ثُمَّ عَادَ وَالْبَصَرُ سَتَرَهُ سَاتِرٌ دُونَ ذَهَابِهِ حَقِيقَةً فَانْكَشَفَ فَظَهَرَ بِرُجُوعِهِ خَطَأُ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِالدِّيَةِ فَتَحْصُلُ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالِ، ثَالِثُهَا يَرُدُّ فِي الْبَصَرِ لَا فِي الْعَقْلِ. وَلَوْ عَادَ الْبَصَرُ أَوْ الْعَقْلُ قَبْلَ الْحُكْمِ فَلَا يُقْضَى لَهُ بِشَيْءٍ اتِّفَاقًا، وَحُكْمُ السَّمْعِ حُكْمُ الْبَصَرِ وَسِنُّ الْكَبِيرِ يُقْضَى لَهُ بِعَقْلِهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا فَثَبَتَ فَلَا يَرُدُّ عَقْلَهَا اتِّفَاقًا، إذْ لَا تَرْجِعُ عَلَى قُوَّتِهَا، هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَرِوَايَتُهُ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ وَالْأُذُنُ كَالسِّنِّ إذَا رَدَّهَا بَعْدَ الْحُكْمِ فَثَبَتَتْ. وَاخْتُلِفَ إذَا رَدَّهُمَا فَثَبَتَتَا وَعَادَتَا لِهَيْئَتِهِمَا قَبْلَ الْحُكْمِ بِالْعَقْلِ ثَالِثُهَا فِي السِّنِّ لَا
[ ٩ / ٦١ ]
وَالِاسْتِيفَاءُ لِلْعَاصِبِ كَالْوَلَاءِ؛ إلَّا الْجَدَّ وَالْإِخْوَةَ فَسِيَّانِ
_________________
(١) [منح الجليل] الْأُذُنِ، ثُمَّ قَالَ وَلَا خِلَافَ فِي الْقَوَدِ فِيهِمَا لَوْ عَادَتَا لِهَيْئَتِهِمَا، فَإِنْ اقْتَصَّ بَعْدَ أَنْ عَادَتَا لِهَيْئَتِهِمَا فَعَادَتْ أُذُنُ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ كَذَلِكَ، فَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تَعُدْ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ عَادَتْ سِنُّ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ أَوْ أُذُنِهِ وَلَمْ تَعُدْ سِنُّ الْأَوَّلِ وَلَا أُذُنُهُ غَرِمَ الْعَقْلَ قَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ (وَالِاسْتِيفَاءُ) أَيْ طَلَبُ الْقِصَاصِ مِنْ الْجَانِي عَلَى النَّفْسِ (لِلْعَاصِبِ) لِلْمَقْتُولِ بِنَفْسِهِ نَسَبًا إنْ وُجِدَ وَإِلَّا فَعَاصِبُ الْوَلَاءِ إنْ وُجِدَ وَإِلَّا فَلِلْإِمَامِ، وَلَيْسَ لَهُ الْعَفْوُ قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِّ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ لَا يَنْبَغِي لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ وَخَرَجَ الْجَدُّ لِلْأُمِّ وَالْأَخُ لَهَا وَالزَّوْجُ وَإِنْ تَعَدَّدَ الْعَصَبَةُ، وَاخْتَلَفَتْ دَرَجَاتُهُمْ فَيُرَتَّبُونَ هُنَا (كَ) تَرَتُّبِهِمْ فِي الْإِرْثِ بِ (الْوَلَاءِ) فِي تَقْدِيمِ ابْنٍ وَابْنِهِ وَإِنْ سَفَلَ ثُمَّ الْأَبِ إلَخْ (إلَّا الْجَدَّ) الْأَقْرَبَ (وَالْإِخْوَةَ) الْأَشِقَّاءَ أَوْ لِأَبٍ (فَ) هُمَا (سِيَّانَ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ، أَيْ مُسْتَوِيَانِ فِي الِاسْتِيفَاءِ وَيَلِيهِمْ بَنُو الْإِخْوَةِ، وَلَمْ يَقُلْ كَالْإِرْثِ الْمُغْنِي عَنْ الِاسْتِثْنَاءِ لِأَنَّ الْجَدَّ الْمُسَاوِي لِلْإِخْوَةِ هُنَا هُوَ الْجَدُّ الْأَقْرَبُ وَالْمُسَاوِي لَهُمْ فِي الْإِرْثِ الْجَدُّ وَإِنْ عَلَا. الْبُنَانِيُّ أَحَالَ عَلَى مَرَاتِبِ الْوَلَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا هُنَاكَ، بَلْ أَحَالَهَا عَلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَلَمْ يُبَيِّنْهَا هُنَاكَ، بَلْ قَالَ ثُمَّ أَقْرَبُ الْعَصَبَةِ فَالْأَوْلَى الْإِحَالَةُ عَلَى النِّكَاحِ لِقَوْلِهِ فِيهِ وَقُدِّمَ ابْنٌ فَابْنُهُ فَجَدٌّ فَعَمٌّ فَابْنُهُ إلَخْ. ابْنُ عَرَفَةَ الْأَحَقُّ بِالدَّمِ حَصَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّهُ ذُو تَعْصِيبٍ ذُو بُنُوَّةٍ أَقْرَبُهُ يَحْجُبُ أَبْعَدَهُ، ثُمَّ ذُو الْأُبُوَّةِ أَقْرَبُهُ يَحْجُبُ أَبْعَدَهُ وَوَلَدُ الْأَقْرَبِ وَهُمْ الْإِخْوَةُ فِي الْأَبِ دَنِيَّةً وَالْأَعْمَامُ فِي غَيْرِهِ يَحْجُبُ الْأَبْعَدَ مِنْ أَبِيهِ كَالْأَحَقِّيَّةِ فِي وَلَايَةِ النِّكَاحِ وَالْجَنَائِزِ وَالْوَلَاءُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ الْجَدَّ كَالْإِخْوَةِ. قُلْت اللَّخْمِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَشْهَبَ الْإِخْوَةُ أَحَقُّ مِنْ الْجَدِّ كَالْوَلَاءِ وَوَافَقَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْوَلَاءِ. قُلْت فِي النَّوَادِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ فِي بَعْضِ مَجَالِسِهِ الْأَخُ أَوْلَى مِنْ الْجَدِّ. مُحَمَّدٌ أَظُنُّهُ غَلِطَ مِمَّنْ أَخْبَرَنِي بِهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَشْهَبَ. قُلْت عَزَاهُ ابْنُ حَارِثٍ لِسَحْنُونٍ فَقَطْ
[ ٩ / ٦٢ ]
وَيَحْلِفُ الثُّلُثَ وَهَلْ إلَّا فِي الْعَمْدِ، فَكَأَخٍ؟ تَأْوِيلَانِ
وَانْتُظِرَ غَائِبٌ لَمْ تَبْعُدْ غَيْبَتُهُ،
_________________
(١) [منح الجليل] الشَّيْخُ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا شَيْءَ لِلْأُمِّ فِي الدَّمِ اللَّخْمِيُّ فِي لَغْوِ التَّرْجِيحِ بِالشَّرِكَةِ فِي الْأُمِّ بَيْنَ الْإِخْوَةِ قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، قُلْت مُتَقَدِّمُ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي اسْتِحْقَاقِ الدَّمِ كَالْوَلَاءِ إلَّا فِي الْإِخْوَةِ مَعَ الْجَدِّ يَقْتَضِي أَنَّ الشَّقِيقَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَخِ لِلْأَبِ كَالْوَلَاءِ. اللَّخْمِيُّ إنْ لَمْ يَكُنْ ذُو نَسَبٍ فَالْمَوْلَى الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلُ لَغْوٌ. (وَ) إنْ كَانَ الِاسْتِيفَاءُ لِلْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ وَتَوَقَّفَ ثُبُوتُ الدَّمِ عَلَى قَسَامَةٍ فَ (يَحْلِفُ) الْجَدُّ (الثُّلُثَ) مِنْ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ إنْ كَانَ مَعَهُ أَخَوَانِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَخٌ يَحْلِفُ النِّصْفَ سَوَاءٌ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ (وَ) إنْ كَانَ مَعَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَخَوَيْنِ فَ (هَلْ) يَحْلِفُ الثُّلُثَ فِي الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ أَوْ (إلَّا فِي الْعَمْدِ) فَيَحْلِفُ (كَأَخٍ) فَيُقَدِّرُ أَخًا زَائِدًا عَلَى عَدَدِ الْإِخْوَةِ، وَتُقَسَّمُ الْخَمْسُونَ عَلَى عَدَدِهِمْ، وَيَحْلِفُ كُلٌّ مَا نَابَهُ، فَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً فَيَحْلِفُ رُبُعَهَا وَأَرْبَعَةٌ فَيَحْلِفُ خُمُسَهَا، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ فِي الْجَوَابِ (تَأْوِيلَانِ) لِقَوْلِهَا وَإِنْ كَانُوا عَشْرَةَ إخْوَةٍ وَجَدًّا حَلَفَ الْجَدُّ ثُلُثَ الْأَيْمَانِ وَالْإِخْوَةُ ثُلُثَيْنِ، فَحَمَلَهَا ابْنُ رُشْدٍ عَلَى ظَاهِرِهَا مِنْ عُمُومِهَا فِي الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ فَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ ابْنُ الْقَاسِمِ يَحْلِفُ الْجَدُّ ثُلُثَ الْأَيْمَانِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، فَأَمَّا الْخَطَأُ فَصَوَابٌ، وَأَمَّا الْعَمْدُ فَالْقِيَاسُ عَلَى مَذْهَبِهِ أَنْ تُقْسَمَ الْأَيْمَانُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِهِمْ، وَحَمَلَهَا بَعْضُ شُيُوخِ عَبْدِ الْحَقِّ عَلَى الْخَطَأِ. وَأَمَّا الْعَمْدُ فَكَمَا ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّهُ الْقِيَاسُ. اهـ. نَقَلَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ وَأَبُو الْحَسَنِ وَالْعَشَرَةُ مِثَالٌ، وَالْمَدَارُ عَلَى الزِّيَادَةِ عَلَى الِاثْنَيْنِ أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ (وَ) إنْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ عَمْدًا عُدْوَانًا عُصْبَةٌ بَعْضُهُمْ حَاضِرٌ وَبَعْضُهُمْ غَائِبٌ، وَأَرَادَ الْحَاضِرُ الْقِصَاصَ مِنْ الْقَاتِلِ (اُنْتُظِرَ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ عَاصِبٌ (غَائِبٌ) عَنْ بَلَدِ الْمَقْتُولِ مُسَاوٍ لِلْحَاضِرِ فِي الدَّرَجَةِ كَأَحَدِ بَنِينَ أَوْ إخْوَةٍ أَوْ أَعْمَامٍ عَسَى أَنْ يَعْفُوا فَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ إذَا (لَمْ تَبْعُدْ غَيْبَتُهُ) بِأَنْ كَانَ قَرِيبًا أَوْ مُتَوَسِّطًا بِحَيْثُ يَصِلُ إلَيْهِ الْخَبَرُ، فَإِنْ عَفَا الْحَاضِرُ فَلَا يَنْتَظِرُ الْغَائِبُ، وَسَقَطَ الْقَتْلُ، وَلِلْغَائِبِ نَصِيبُهُ مِنْ دِيَةِ عَمْدٍ. وَمَفْهُومُ لَمْ تَبْعُدْ
[ ٩ / ٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [منح الجليل] غَيْبَتُهُ عَدَمُ انْتِظَارِ بَعِيدِ الْغَيْبَةِ كَأَسِيرٍ بِأَرْضِ حَرْبٍ وَشِبْهِهِ وَكَمَفْقُودٍ عَجَزَ عَنْ خَبَرِهِ. الْحَطّ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا كَانَ لِلْمَقْتُولِ وَلِيَّانِ أَحَدُهُمَا غَائِبٌ وَالْآخَرُ حَاضِرٌ فَلَيْسَ لِلْحَاضِرِ أَنْ يَسْتَبِدَّ بِالْقَتْلِ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ رَأْيَ الْغَائِبِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْغَائِبُ بَعِيدَ الْغَيْبَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُنْتَظَرُ وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْغَائِبَ يُنْتَظَرُ، وَإِنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ فَفِي كِتَابِ دِيَاتِهَا، وَإِذَا كَانَ الْقَتْلُ بِغَيْرِ قَسَامَةٍ وَلِلْمَقْتُولِ وَلَدَانِ أَحَدُهُمَا حَاضِرٌ وَالْآخَرُ غَائِبٌ، فَإِنَّمَا لِلْحَاضِرِ أَنْ يَعْفُوَ فَيَجُوزُ الْعَفْوُ عَلَى الْغَائِبِ وَلَهُ حِصَّتُهُ مِنْ الدِّيَةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ، فَحَمَلَهَا ابْنُ رُشْدٍ عَلَى ظَاهِرِهَا كَمَا ذَكَرَهُ فِي سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الدِّيَاتِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ تَعْلِيقَةِ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ أَبِي زَيْدٍ أَنَّ ظَاهِرَهَا انْتِظَارُهُ وَإِنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ. وَقَيَّدَ ابْنُ يُونُسَ الْمُدَوَّنَةَ بِمَا إذَا لَمْ تَبْعُدْ غَيْبَتُهُ، قَالَ قَالَهُ سَحْنُونٌ فِيمَنْ بَعُدَ جِدًّا أَوْ أُيِسَ مِنْهُ كَالْأَسِيرِ وَنَحْوِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ الْمَجْمُوعَةِ ابْنُ الْقَاسِمِ يُنْتَظَرُ الْغَائِبُ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَعِيدَ الْغَيْبَةِ فَلِمَنْ حَضَرَ الْقَتْلُ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ سَحْنُونٍ. ابْنُ عَرَفَةَ فَحَذْفُ الصِّقِلِّيُّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ قُصُورٌ اهـ. فَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ لَمْ يُقَيِّدْ بِالْبُعْدِ جِدًّا، وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ كَلَامَ سَحْنُونٍ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، فَلِذَا لَمْ يُقَيِّدْ الْمُصَنِّفُ الْغَيْبَةَ بِبُعْدِهَا جِدًّا كَقَوْلِ سَحْنُونٍ، وَكَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَمْ يَرْتَضِ حَمْلَ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا، كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ. وَفِي الشَّامِلِ وَفِيهَا انْتِظَارُ الْغَائِبِ وَهَلْ إنْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ أَوْ مُطْلَقًا تَأْوِيلَانِ، وَيُكْتَبُ إلَيْهِ إنْ أَمْكَنَ، فَإِنْ أُيِسَ مِنْهُ فَلَا يُنْتَظَرُ كَأَسِيرٍ وَشِبْهِهِ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: إذَا قُلْنَا يُنْتَظَرُ الْغَائِبُ، فَإِنَّ الْقَاتِلَ يُحْبَسُ فَفِيهَا أَثَرُ مَا سَبَقَ عَنْهَا، وَيُحْبَسُ الْقَاتِلُ حَتَّى يَقْدَمَ الْغَائِبُ، وَلَا يَكْفُلَ، إذْ لَا كَفَالَةَ فِي النَّفْسِ وَلَا فِيمَا دُونَهَا مِنْ الْقِصَاصِ. الثَّانِي: ظَاهِرُ ابْنِ عَرَفَةَ وَالْبَرْزَلِيِّ أَنَّهُ يُقَيَّدُ بِالْحَدِيدِ فِي الْحَبْسِ. الثَّالِثُ: هَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَ لِلْقَاتِلِ مَالٌ يَأْكُلُ مِنْهُ أَوْ أُجْرِيَ لَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَا يَأْكُلُ
[ ٩ / ٦٤ ]
وَمُغْمًى، وَمُبَرْسَمٌ لَا مُطْبَقٌ
_________________
(١) [منح الجليل] مِنْهُ أَوْ الْتَزَمَهُ أَحَدٌ، وَإِلَّا فَانْظُرْ كَيْفَ يُعْمَلُ فِيهِ هَلْ يُطْلَقُ مِنْ السِّجْنِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، إذْ يَبْعُدُ أَنْ يَقُولَ أَحَدٌ بِأَنَّهُ يَخْلُدُ فِي السِّجْنِ حَتَّى يَمُوتَ جُوعًا. الرَّابِعُ: هَذَا الْخِلَافُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي انْتِظَارِ بَعِيدِ الْغَيْبَةِ حَيْثُ تَعَدَّدَ أَوْلِيَاءُ الدَّمِ وَغَابَ بَعْضُهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا وَلِيٌّ وَاحِدٌ غَائِبٌ أَوْ غَابَ جَمِيعُ الْأَوْلِيَاءِ فَالظَّاهِرُ انْتِظَارُهُمْ مُطْلَقًا وَلَوْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُمْ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ فَرْعُ الْوَقَارِ فِي الْقَوْلَةِ قَبْلَ هَذِهِ، لَكِنْ مَعَ نَفَقَةٍ مَوْجُودَةٍ لِلْقَاتِلِ، هَذَا الَّذِي ظَهَرَ لِي وَلَمْ أَرَ فِيهَا نَصًّا مَعَ الْبَحْثِ عَلَيْهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَبِي الْحَسَنِ وَالرَّجْرَاجِيِّ وَالنَّوَادِرِ وَالْبَيَانِ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالتَّوْضِيحِ وَالشَّامِلِ وَكَبِيرِ بَهْرَامَ وَالْمُقَدِّمَاتِ وَالذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَفَرْعُ الْوَقَارِ نَصُّهُ إذَا أَقَرَّ رَجُلٌ أَنَّهُ قَتَلَ عَمْدًا وَلَمْ يَعْرِفْ الْمَقْتُولَ وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ أَوْلِيَاءُ يَقُومُونَ بِدَمِهِ سَجَنَهُ الْحَاكِمُ وَلَا يَقْتُلُهُ فَلَعَلَّ لَهُ وَلِيٌّ يَعْفُو عَنْ دَمِهِ اهـ. (وَانْتُظِرَ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَلِيٌّ (مُغْمًى) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ، أَيْ غَابَ عَقْلُهُ لِشِدَّةِ مَرَضِهِ لِقُرْبِ إفَاقَتِهِ (وَ) اُنْتُظِرَ وَلِيٌّ (مُبَرْسَمٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ عَقِبَ رَاءٍ سَاكِنَةٍ، أَيْ بِرَأْسِهِ وَرَمٌ يُثْقِلُ الدِّمَاغَ لِقِصَرِ مُدَّتِهِ، إمَّا بِصِحَّةٍ مِنْهُ أَوْ مَوْتٍ بِهِ (لَا) يُنْتَظَرُ وَلِيٌّ (مُطْبَقٌ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ، أَيْ مُتَوَاصِلٌ جُنُونُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا إنْ كَانَ أَحَدُ الْوَلِيَّيْنِ مَجْنُونًا مُطْبَقًا فَلِلْآخَرِ أَنْ يَقْتُلَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّغِيرَ لَا يُنْتَظَرُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْأَوْلِيَاءِ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ مُبَرْسَمٌ اُنْتُظِرَ إفَاقَتُهُ لِأَنَّ هَذَا مَرَضٌ. ابْنُ رُشْدٍ الْقِيَاسُ قَوْلُ مَنْ قَالَ يُنْتَظَرُ، وَأَفْتَى فِيمَنْ لَهُ بَنُونَ صِغَارٌ وَعُصْبَةٌ كِبَارٌ بِانْتِظَارِ الصِّغَارِ قَائِلًا هُمْ أَحَقُّ بِالْقِيَامِ بِالدَّمِ فَسُئِلَ عَنْ فَتَيَاهُ، بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ الْمَأْثُورَةِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ خَفِيَ عَلَى السَّائِلِ مَعْنَى ذَلِكَ، فَظَنَّ أَنَّهُ لَا يَسُوغُ لِلْمُفْتِي الْعُدُولُ عَنْ الرِّوَايَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَا يَسُوغُ لَهُ تَقْلِيدُهَا إلَّا بَعْدَ عِلْمِهِ بِصِحَّتِهَا بَيْنَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، لَا خِلَافَ فِيهَا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُخَالِفَةٌ لِلْأُصُولِ. وَاسْتَدَلَّ عَلَى مُخَالَفَتِهَا بِمَا حَاصِلُهُ وُجُوبُ اعْتِبَارِ حَقِّ الصَّغِيرِ وَتَأْخِيرُهُ لِبُلُوغِهِ كَحَقٍّ لَهُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَبِأَنَّ لَهُ جَبْرَ
[ ٩ / ٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [منح الجليل] الْقَاتِلِ عَلَى الدِّيَةِ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَأَحَدِ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَةِ الْأَخَوَيْنِ. ابْنُ عَرَفَةَ لَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا، وَلَا يُغْتَرُّ بِهِ فِي زَمَانِنَا، إنَّمَا سَاغَ ذَلِكَ لَهُ لِعُلُوِّ طَبَقَتِهِ. وَقَالَ بَعْضُ مَنْ عَاصَرَهُ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا، إذْ هُوَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَفِي طُرَّةِ بَعْضِ نَوَازِلِهِ مَا نَصُّهُ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا، إذْ هُوَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِّ إنَّهُ أَفْتَى بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةٍ وَلَا حُجَّةٍ. فَإِنْ قُلْت مَا هِيَ الرِّوَايَةُ الْمَأْثُورَةُ فِي ذَلِكَ. قُلْت فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ فِي قَتِيلٍ لَهُ بَنُونَ صِغَارٌ وَعَصَبَةٌ فَلِلْعَصَبَةِ الْقَتْلُ، وَلَا يُنْتَظَرُ بُلُوغُ الصِّغَارِ، قَالَ عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ وَلَهُمْ الْعَفْوُ عَلَى الدِّيَةِ وَتَكُونُ بَيْنَهُمْ، قَالَ عَنْهُ أَشْهَبُ يَنْظُرُ لِلصِّغَارِ وَلِيُّهُمْ فِي الْقَوَدِ وَالْعَفْوِ عَلَى مَالٍ، وَلَهُ أَنْ يُقْسِمَ إنْ وُجِدَ مَعَهُ مِنْ الْعَصَبَةِ مَنْ يُقْسِمُ مَعَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قُرْبِهِ ثُمَّ يَكُونُ لِهَذَا الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّبِيِّ الْقَتْلُ أَوْ الْعَفْوُ عَلَى الدِّيَةِ، وَانْظُرْ عَزْوَهُ لِلْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ. وَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ عَمْدًا وَلَدٌ صَغِيرٌ وَعَصَبَةٌ فَلِلْعَصَبَةِ أَنْ يَقْتُلُوا أَوْ يَأْخُذُوا الدِّيَةَ وَيَعْفُوا، وَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الصَّغِيرِ، وَفِيهَا أَيْضًا إذَا كَانَ لِلْمَقْتُولِ أَوْلَادٌ صِغَارٌ وَالْقَتْلُ بِقَسَامَةٍ فَلِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ تَعْجِيلُ الْقَتْلِ، وَلَا يُنْتَظَرُ أَنْ يَكْبَرَ وَلَدُهُ فَيَبْطُلَ الدَّمُ، وَإِنْ عَفَوْا فَلَا يَجُوزُ عَفْوُهُمْ إلَّا عَلَى الدِّيَةِ لَا عَلَى أَقَلَّ مِنْهَا. وَإِنْ كَانَ أَوْلَادُ الْمَقْتُولِ صِغَارًا وَكِبَارًا، فَإِنْ كَانَ الْكِبَارُ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا فَلَهُمْ أَنْ يُقْسِمُوا وَيَقْتُلُوا وَلَا يُنْتَظَرُ بُلُوغَ الصِّغَارِ، وَإِنْ عَفَا بَعْضُهُمْ فَلِلْبَاقِي وَالْأَصَاغِرِ حَظُّهُمْ مِنْ الدِّيَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا وَلَدٌ كَبِيرٌ وَصَغِيرٌ فَإِنْ وَجَدَ الْكَبِيرُ رَجُلًا مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ حَلَفَ مَعَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ لَهُ الْعَفْوُ خَمْسِينَ يَمِينًا ثُمَّ لِلْكَبِيرِ أَنْ يَقْتُلَ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَحْلِفُ مَعَهُ حَلَفَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا وَاسْتُؤْنِيَ الصَّغِيرُ، فَإِذَا بَلَغَ حَلَفَ أَيْضًا خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا ثُمَّ اسْتَحَقَّ الدَّمَ، وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ بِغَيْرِ قَسَامَةٍ وَلِلْمَقْتُولِ وَلَدَانِ أَحَدُهُمَا حَاضِرٌ وَالْآخَرُ غَائِبٌ، فَإِنَّمَا لِلْحَاضِرِ أَنْ يَعْفُوَ، وَيَجُوزُ عَلَى الْغَائِبِ، وَيَكُونُ لَهُ حِصَّتُهُ مِنْ الدِّيَةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ
[ ٩ / ٦٦ ]
وَصَغِيرٌ لَمْ يَتَوَقَّفْ الثُّبُوتُ عَلَيْهِ
وَلِلنِّسَاءِ إنْ وَرِثْنَ وَلَمْ يُسَاوِهِنَّ عَاصِبٌ وَلِكُلٍّ الْقَتْلُ، وَلَا عَفْوَ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ:
_________________
(١) [منح الجليل] حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ وَيُحْبَسَ الْقَاتِلُ حَتَّى يَقْدَمَ الْغَائِبُ وَلَا يَكْفُلُ، إذْ لَا كَفَالَةَ فِي النَّفْسِ وَلَا فِيمَا دُونَهَا مِنْ الْقِصَاصِ. وَإِنْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ أَوْلِيَاءٌ صِغَارٌ وَكِبَارٌ فَلِلْكِبَارِ أَنْ يَقْتُلُوا وَلَا يَنْتَظِرُوا الصِّغَارَ، وَلَيْسَ الصَّغِيرُ كَالْغَائِبِ: الْغَائِبُ يُكْتَبُ لَهُ فَيَصْنَعُ فِي نَصِيبِهِ مَا يُحِبُّ، وَالصَّغِيرُ يَطُولُ انْتِظَارُهُ فَيَبْطُلُ الدَّمُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْوَلِيَّيْنِ مَجْنُونًا مُطْبَقًا فَلِلْآخَرِ أَنْ يَقْتُلَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّغِيرَ لَا يُنْتَظَرُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْأَوْلِيَاءِ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ مُبَرْسَمٌ فَإِنَّهُ يُنْتَظَرُ إفَاقَتُهُ لِأَنَّ هَذَا مَرَضٌ مِنْ الْأَمْرَاضِ اهـ. وَفِيهَا أَيْضًا مَا هُوَ أَصْرَحُ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَإِذَا كَانَ لِلْمَقْتُولِ عَمْدًا وَلَدٌ صَغِيرٌ وَعَصَبَةٌ فَلِلْعَصَبَةِ أَنْ يَقْتُلُوا أَوْ يَأْخُذُوا الدِّيَةَ وَيَعْفُوَ أَوْ يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الصَّغِيرِ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَعْفُوا عَلَى غَيْرِ مَالٍ اهـ. أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ يَبْطُلُ الدَّمُ، أَيْ إمَّا بِمَوْتِ الْقَاتِلِ حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ هُرُوبِهِ مِنْ السِّجْنِ اهـ. (وَ) لَا يُنْتَظَرُ وَلِيٌّ (صَغِيرٌ) وَاحِدٌ أَوْ مُتَعَدِّدٌ (لَمْ يَتَوَقَّفْ الثُّبُوتُ عَلَيْهِ) لِإِقْرَارِ الْجَانِي بِالْقَتْلِ أَوْ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ عَلَيْهِ بِهِ أَوْ وُجُودِ عَاصِبَيْنِ كَبِيرَيْنِ أَوْ كَبِيرٍ مُسَاوٍ لِلصَّغِيرِ فِي الدَّرَجَةِ وَعَاصِبٍ يَسْتَعِينُ بِهِ، فَإِنْ اقْتَصَّ الْبَالِغُ فَلَا شَيْءَ لِلصَّغِيرِ، وَإِنْ عَفَا مَضَى عَفْوُهُ عَلَى الصَّغِيرِ وَلَهُ نَصِيبُهُ مِنْ الدِّيَةِ، فَإِنْ تَوَقَّفَ الثُّبُوتُ عَلَى الصَّغِيرِ حَلَفَ الْكَبِيرُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا مَعَ حُضُورِ الصَّغِيرِ وَسُجِنَ الْقَاتِلُ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّغِيرُ وَيَحْلِفَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا وَاسْتَحَقَّ، فَإِنْ شَاءَ اقْتَصَّ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا (وَ) الِاسْتِيفَاءُ (لِلنِّسَاءِ إنْ وَرِثْنَ) الْمَقْتُولَ وَكُنَّ عَصَبَةً لَوْ رَجَّلْنَ فَلَا اسْتِيفَاءَ لِذَوَاتِ الْأَرْحَامِ كَالْخَالَةِ وَلَا لِلْأُخْتِ لِأُمٍّ (وَلَمْ يُسَاوِهِنَّ) أَيْ النِّسَاءَ (عَاصِبٌ) بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ عَاصِبٌ، أَوْ كَانَ أَنْزَلَ مِنْهُنَّ كَعَمٍّ مَعَ بَنَاتٍ فَلَا كَلَامَ لِلْبَنَاتِ مَعَ الْأَبْنَاءِ وَلَا لِلْأَخَوَاتِ مَعَ الْأَخِ وَلَا لِلْأُمِّ مَعَ الْأَبِ لِمُسَاوَاةِ الْعَاصِبِ. (وَ) إنْ كَانَ الِاسْتِيفَاءُ لِنِسَاءٍ وَعَصَبَةٍ نَازِلِينَ عَنْ النِّسَاءِ فَ (لِكُلٍّ) مِنْ النِّسَاءِ وَالْعَصَبَةِ (الْقَتْلُ) لِقَاتِلِ وَلِيِّهِمْ (وَلَا عَفْوَ) مِنْهُ (إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ) أَيْ النِّسَاءِ وَالْعَصَبَةِ عَلَى الْعَفْوِ عَنْهُ
[ ٩ / ٦٧ ]
كَأَنْ حُزْنَ الْمِيرَاثَ وَثَبَتَ بِقَسَامَةٍ
_________________
(١) [منح الجليل] حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَعَفْوِ بَعْضِ النِّسَاءِ وَبَعْضِ الْعَصَبَةِ عَنْهُ كَمَا يُفِيدُ هَذَا قَوْلُهُ الْآتِي. وَفِي رِجَالٍ وَنِسَاءٍ لَمْ يَسْقُطْ إلَّا بِهِمَا أَوْ بِبَعْضِهِمَا. الْعَدَوِيُّ الْحَاصِلُ أَنَّ النِّسَاءَ لَا يَكُونُ الْكَلَامُ لَهُنَّ اسْتِقْلَالًا إلَّا إذَا حُزْنَ الْمِيرَاثَ وَثَبَتَ الْقَتْلُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ. وَأَمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَيُشَارِكُهُنَّ فِي الْكَلَامِ الْعَصْبَةُ النَّازِلُونَ عَنْهُنَّ. ابْنُ عَرَفَةَ النِّسَاءُ فِيهِنَّ طُرُقٌ الْبَاجِيَّ الْقَاضِي فِي أَنَّ لَهُنَّ فِي الدَّمِ مَدْخَلًا رِوَايَتَانِ، وَعَلَى الْأُولَى فِي كَوْنِهِ فِي الْقَوَدِ لَا الْعَفْوِ وَالْعَكْسُ رِوَايَتَانِ. اللَّخْمِيُّ مَعْرُوفٌ قَوْلُ مَالِكٍ " - ﵁ - " أَنَّ لَهُنَّ حَقًّا فِي الدَّمِ، وَرَوَى ابْنُ الْقَصَّارِ لَا شَيْءَ لَهُنَّ فِيهِ. ابْنُ رُشْدٍ لَا حَقَّ فِيهِ لِمَنْ لَا إرْثَ لَهَا مِنْهُنَّ كَالْعَمَّاتِ وَبَنَاتِ الْإِخْوَةِ وَلِمَنْ يَرِثُ مِنْهُنَّ كَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْأُمَّهَاتِ حَقٌّ فِيهِ. اللَّخْمِيُّ اُخْتُلِفَ فِي الْأُمِّ فَقَالَ مَالِكٌ " - ﵁ - " وَابْنُ الْقَاسِمِ " - ﵀ - " لَهَا فِيهِ حَقٌّ أَشْهَبُ لَا حَقَّ لَهَا فِيهِ مَعَ الْعَصَبَةِ وَلَا مَعَ السُّلْطَانِ، وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ إنْ كَانَ الْأَوْلِيَاءُ بَنَاتٍ وَإِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ وَعَصَبَةً فِي كَوْنِ الْأَحَقِّ بِالْقَوَدِ مَنْ قَامَ بِهِ وَلَا عَفْوَ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ، وَلَوْ ثَبَتَ الدَّمُ بِقَسَامَةٍ أَوْ إنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ وَإِلَّا سَقَطَ النِّسَاءُ، ثَالِثُهَا إنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ فَالنِّسَاءُ أَحَقُّ بِالْقَوَدِ وَالْعَفْوِ لِقُرْبِهِنَّ، وَإِنْ ثَبَتَ بِقَسَامَةٍ فَالْأَوَّلُ. ابْنُ عَرَفَةَ يُرِيدُ بِاجْتِمَاعِهِمْ اجْتِمَاعَ بَعْضِ الصِّنْفَيْنِ لِقَوْلِهَا إنْ عَفَا بَعْضُ الْبَنَاتِ وَبَعْضُ الْعَصَبَةِ أَوْ بَعْضُ الْأَخَوَاتِ وَبَعْضُ الْعَصَبَةِ فَلَا سَبِيلَ لِلْقَتْلِ، وَيَقْضِي لِمَنْ بَقِيَ بِالدِّيَةِ. ابْنُ رُشْدٍ إنْ كَانَ مَعَ الْبَنَاتِ أَوْ الْأَخَوَاتِ عَصَبَةٌ وَثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ فَالْعَصَبَةُ لَغْوٌ، وَإِنْ ثَبَتَ بِقَسَامَةٍ فَفِي كَوْنِ مَنْ قَامَ بِالْقَوَدِ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَحَقَّ وَسُقُوطِ النِّسَاءِ قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا وَسَمَاعُهُ عِيسَى وَشَبَّهَ فِي تَوَقُّفِ الْعَفْوِ عَلَى الِاجْتِمَاعِ فَقَالَ (كَأَنْ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ النُّونِ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ صِلَتُهُ (حُزْنَ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ، أَيْ أَخَذَ النِّسَاءِ (الْمِيرَاثَ) كُلَّهُ كَبِنْتٍ وَأُخْتٍ وَأَعْمَامٍ (وَثَبَتَ) لِلْقَتْلِ (بِقَسَامَةٍ) مِنْ الْأَعْمَامِ فَلِكُلٍّ الْقَتْلُ وَمَنْ طَلَبَهُ فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَنْ عَفَا عَنْهُ وَلَا عَفْوَ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ، وَمَفْهُومُهُ إنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ وَالنِّسَاءُ
[ ٩ / ٦٨ ]
وَالْوَارِثُ كَمُوَرِّثِهِ
_________________
(١) [منح الجليل] حَائِزَاتٌ لِلْمِيرَاثِ فَلَا كَلَامَ لِلْعَصَبَةِ فِي قَتْلٍ وَلَا عَفْوَ اتِّفَاقًا. ابْنُ رُشْدٍ إنْ كَانَ مَعَ الْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ عَصَبَةٌ وَثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ فَالْعَصَبَةُ لَغْوٌ، وَإِنْ ثَبَتَ بِقَسَامَةٍ فَفِي كَوْنِ مَنْ قَامَ بِالْقَوَدِ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَحَقَّ وَسُقُوطِ النِّسَاءِ قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا وَسَمَاعُهُ عِيسَى. (وَ) إنْ مَاتَ بَعْضُ مَنْ لَهُ الِاسْتِيفَاءُ أَوْ جَمِيعُهُمْ وَلَهُ وَارِثٌ فَ (الْوَارِثُ) وَاحِدًا كَانَ أَوْ مُتَعَدِّدًا (كَمُوَرِّثِهِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ يَسْتَقِلُّ بِالْقَتْلِ وَالْعَفْوِ فَوَارِثُهُ كَذَلِكَ، وَإِنْ تَوَقَّفَ الْعَفْوُ عَلَى اجْتِمَاعِهِ عَلَيْهِ مَعَ غَيْرِهِ فَوَارِثُهُ كَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقٌّ فِي الْعَفْوِ كَبِنْتٍ مَعَ ابْنٍ فَوَارِثُهَا كَذَلِكَ. ابْنُ عَرَفَةَ وَارِثُ مُسْتَحِقِّ الدَّمِ مِثْلُهُ فِي الْقَتْلِ وَالْعَفْوِ. الْخَرَشِيُّ أَيْ يَنْتَقِلُ لِلْوَارِثِ الْكَلَامُ فِي الِاسْتِيفَاءِ وَعَدَمِهِ الَّذِي كَانَ لِمُوَرِّثِهِ وَيَرِثُونَهُ كَالْمَالِ لَا كَالِاسْتِيفَاءِ، فَإِذَا مَاتَ وَلِيُّ الدَّمِ نُزِّلَ وَرَثَتُهُ مَنْزِلَتَهُ مِنْ غَيْرِ خُصُوصِيَّةٍ لِلْعَصَبَةِ مِنْهُمْ عَنْ ذَوِي الْفُرُوضِ فَيَرِثُهُ الْبَنَاتُ وَالْأُمَّهَاتُ وَيَكُونُ لَهُنَّ الْعَفْوُ وَالْقِصَاصُ كَمَا لَوْ كَانُوا كُلُّهُمْ عَصَبَةً لِأَنَّهُمْ وَرِثُوهُ عَمَّنْ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، فَفِيهَا مَنْ قَتَلَ وَلَدًا لَهُ أُمٌّ وَعَصَبَةٌ فَمَاتَتْ الْأُمُّ فَوَرَثَتُهَا مَكَانَهَا إنْ أَحَبُّوا أَنْ يَقْتُلُوا قَتَلُوا وَلَا عَفْوَ لِلْعَصَبَةِ دُونَهُمْ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأُمُّ بَاقِيَةً. وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ ابْنًا وَبِنْتًا فَالْكَلَامُ لَهَا، وَإِنْ اسْتَوَتْ دَرَجَتُهُمَا فَإِنْ مَاتَ ابْنُ الْمَقْتُولِ عَنْ ابْنٍ وَبِنْتٍ فَلَهَا الْكَلَامُ مَعَ أَخِيهَا فَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْوَارِثِ الْأُنْثَى عَدَمُ مُسَاوَاةِ عَاصِبٍ لَهَا، وَلَوْ مَاتَتْ بِنْتُ الْمَقْتُولِ عَنْ بِنْتٍ فَلَهَا الْكَلَامُ مَعَ عَمِّهِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي كَلَامِهِ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ إنْ مَاتَ وَارِثُ الْمَقْتُولِ الَّذِي لَهُ الْقِيَامُ بِالدَّمِ فَوَرَثَتُهُ مَقَامُهُ فِي الْعَفْوِ وَالْقَتْلِ، وَإِنْ مَاتَ مِنْ وُلَاةِ الْمَقْتُولِ رَجُلٌ وَوَرَثَتُهُ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ فَلِلنِّسَاءِ مِنْ الْقَتْلِ أَوْ الْعَفْوِ مَا لِلذَّكَرِ لِأَنَّهُمْ وَرِثُوا الدَّمَ عَمَّنْ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ إنْ تَرَكَ الْقَتِيلُ عَمْدًا بِالْبَيِّنَةِ أُمًّا وَبِنْتًا وَعَصَبَةً فَمَاتَتْ الْأُمُّ أَوْ الْبِنْتُ أَوْ الْعَصَبَةُ فَوَرَثَتُهُ فِي مَنَابِهِ إلَّا الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ، فَإِنْ اخْتَلَفَ وَرَثَةُ هَذَا الْمَيِّتِ وَمَنْ بَقِيَ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ فَلَا عَفْوَ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ
[ ٩ / ٦٩ ]
وَلِلصَّغِيرِ إنْ عُفِيَ، نَصِيبُهُ مِنْ الدِّيَةِ، وَلِوَلِيِّهِ النَّظَرُ فِي الْقَتْلِ، وَالدِّيَةِ كَامِلَةً، كَقَطْعِ يَدِهِ إلَّا لِعُسْرٍ فَيَجُوزُ بِأَقَلَّ:
_________________
(١) [منح الجليل] وَ) إنْ كَانَ الِاسْتِيفَاءُ لِكَبِيرٍ وَصَغِيرٍ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ كَابْنَيْنِ وَعَفَا الْكَبِيرُ سَقَطَ الْقَوَدُ وَ(لِلصَّغِيرِ إنْ عُفِيَ) عَنْ الْقَتْلِ بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مِنْ أَخِيهِ الْكَبِيرِ فَلِلصَّغِيرِ (نَصِيبُهُ مِنْ الدِّيَةِ وَ) إنْ اسْتَحَقَّ صَغِيرٌ الِاسْتِيفَاءَ وَحْدَهُ فَ (لِوَلِيِّهِ) أَيْ الصَّغِيرِ مِنْ أَبٍ أَوْ وَصِيٍّ أَوْ مُقَدَّمٍ قَاضٍ (النَّظَرُ فِي الْقَتْلِ) لِلْقَاتِلِ (أَوْ) الْعَفْوِ عَلَى أَخْذِ (الدِّيَةِ) حَالَ كَوْنِهَا كَامِلَةً، فَإِنْ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي أَحَدِهِمَا تَعَيَّنَ، وَالْأَخِيرُ فِيهِمَا. وَشَبَّهَ فِي نَظَرِ الْوَلِيِّ لِلصَّغِيرِ فَقَالَ (كَقَطْعِ يَدِهِ) أَيْ الصَّغِيرِ عَمْدًا عُدْوَانًا فَيَنْظُرُ وَلِيُّهُ فِي قَطْعِ يَدِ الْجَانِي وَأَخْذِ دِيَةِ الْيَدِ كَامِلَةً (إلَّا لِعُسْرِ) الْجَانِي عَنْ الدِّيَةِ كَامِلَةً فِي النَّفْسِ، وَعَنْ نِصْفِهَا فِي الْيَدِ (فَيَجُوزُ) صُلْحُهُ (بِأَقَلَّ) مِنْ الدِّيَةِ فِي النَّفْسِ وَمِنْ نِصْفِهَا فِي الْيَدِ. ابْنُ عَرَفَةَ سَمِعَ أَبُو زَيْدٍ ابْنَ الْقَاسِمِ إنْ لَمْ يَتْرُكْ الْقَتِيلُ إلَّا وَلَدًا صَغِيرًا وَلَا وَلِيَّ لَهُ إلَّا السُّلْطَانُ أَقَامَ لَهُ وَلِيًّا يَنْظُرُ لَهُ بِالْقَتْلِ أَوْ الْعَفْوِ عَلَى الدِّيَةِ لَا عَلَى أَقَلَّ مِنْهَا إنْ كَانَ مَلِيئًا بِهَا، وَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا جَازَ عَلَى مَا يَرَى عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ، فَإِنْ صَالَحَ بِأَقَلَّ مِنْهَا وَالْقَاتِلُ مَلِيءٌ فَلَا يَجُوزُ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْقَاتِلِ وَلَا يَرْجِعُ الْقَاتِلُ عَلَى الْوَلِيِّ بِشَيْءٍ. ابْنُ رُشْدٍ أَجَازَ أَشْهَبُ صُلْحَهُ بِأَقَلَّ مِنْهَا عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ مَا لَمْ يَكُنْ بِيَسِيرٍ جِدًّا تَتَبَيَّنُ فِيهِ الْمُحَابَاةُ، وَقَوْلُهُ أَصَحُّ عَلَى الْمَعْلُومِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِعَدَمِ جَبْرِ الْقَاتِلِ عَلَى الدِّيَةِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَصَحُّ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ يَجْبُرُهُ عَلَيْهَا. قُلْت سَبَقَهُ سَحْنُونٌ بِهَذَا قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ نَقَضَ أَشْهَبُ أَصْلَهُ فِي هَذَا لِأَنَّهُ رَأَى لِلْوَلِيِّ الْجَبْرَ عَلَى الدِّيَةِ وَفِيهَا مَنْ وَجَبَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ دَمٌ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْعَفْوُ إلَّا عَلَى الدِّيَةِ لَا أَقَلَّ مِنْهَا، وَإِنْ عَفَا فِي الْخَطَأِ وَتَحَمَّلَ الدِّيَةَ فِي مَالِهِ جَازَ إنْ كَانَ مَلِيئًا يُعْرَفُ مَلَاؤُهُ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ عَفْوُهُ، وَكَذَا الْعَصَبَةُ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أَوْلِيَاءَ، وَإِنْ جُرِحَ الصَّبِيُّ عَمْدًا وَلَهُ وَصِيٌّ فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ لَهُ الشَّيْخُ. لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ لَوْ بَذَلَ الْجَارِحُ دِيَةَ الْجُرْحِ فَأَبَى الْوَصِيُّ إلَّا الْقَوَدَ، فَإِنْ كَانَ مِنْ النَّظَرِ أَخْذُ الْمَالِ أَكْرَهَهُ عَلَيْهِ.
[ ٩ / ٧٠ ]
بِخِلَافِ قَتْلِهِ فَلِعَاصِبِهِ، وَالْأَحَبُّ أَخْذُ الْمَالِ فِي عَبْدِهِ
وَيَقْتَصُّ مَنْ يَعْرِفُ يَأْجُرُهُ الْمُسْتَحِقُّ؛ وَلِلْحَاكِمِ رَدُّ الْقَتْلِ فَقَطْ لِلْوَلِيِّ؛
_________________
(١) [منح الجليل] بِخِلَافِ قَتْلِهِ) أَيْ الصَّغِيرِ عَمْدًا عُدْوَانًا (فَلِعَاصِبِهِ) أَيْ الصَّغِيرِ الْقَتْلُ وَالْعَفْوُ لَا لِوَصِيِّهِ وَمُقَدَّمِهِ لِانْقِطَاعِ وَلَايَتِهِ بِمَوْتِهِ فِيهَا، وَإِنْ قُتِلَ الصَّغِيرُ فَوُلَاتُهُ أَحَقُّ مِنْ وَصِيِّهِ (وَالْأَحَبُّ) أَيْ الْأَحْسَنُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لِوَلِيِّ الصَّغِيرِ الَّذِي قُتِلَ عَبْدُهُ عَمْدًا عُدْوَانًا، وَكَانَ قَاتِلُهُ رَقِيقًا أَوْ كَافِرًا (أَخْذُ الْمَالِ فِي قَتْلِ عَبْدِهِ) أَيْ الصَّغِيرِ، إذْ لَا يُنْتَفَعُ بِالْقَتْلِ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا إنْ قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدًا لِصَغِيرٍ عَمْدًا فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَخْتَارَ أَبُوهُ أَوْ وَصِيُّهُ أَخْذَ الْمَالِ، إذْ لَا نَفْعَ لَهُ فِي الْقَوَدِ. (وَيُقْتَصُّ) مِنْ الْجَانِي عَلَى عُضْوٍ مَعْصُومٍ (مَنْ يَعْرِفُ) ذَلِكَ مِنْ الْعُدُولِ كَالْأَطِبَّاءِ، قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُوَلِّيَ الْإِمَامُ عَلَى الْجِرَاحِ عَدْلَيْنِ يَنْظُرَانِ ذَلِكَ وَيَقِيسَانِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا وَاحِدًا فَأَرَاهُ مُجْزِئًا إنْ كَانَ عَدْلًا (يَأْجُرُهُ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الْجِيمِ، أَيْ يَسْتَأْجِرُهُ الشَّخْصُ (الْمُسْتَحِقُّ) لِلدَّمِ وَيَدْفَعُ لَهُ الْأُجْرَةَ مِنْ مَالِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْجَانِي مُجَرَّدُ التَّمْكِينِ مِنْ نَفْسِهِ. سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُقْتَصِّ لَهُ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا لَا يُمَكَّنُ ذُو الْقَوَدِ فِي الْجِرَاحِ مِنْ الْقِصَاصِ بِنَفْسِهِ، بَلْ يَقْتَصُّ لَهُ مَنْ يَعْرِفُ الْقِصَاصَ. الشَّيْخُ رَوَى مُحَمَّدٌ وَابْنُ عَبْدُوسٍ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُوَلِّيَ الْإِمَامُ عَلَى الْجِرَاحِ عَدْلَيْنِ بَصِيرَيْنِ بِذَلِكَ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَفْضَلَ مِنْ الْآخَرِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا وَاحِدًا أَجْزَأَ. وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ قِيلَ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَتَجْعَلُ الْمُوسَى بِيَدِ الْمَجْرُوحِ وَيُمْسِكُ الطَّبِيبُ عَلَى يَدِهِ حَتَّى يَبْلُغَ ذَلِكَ، قَالَ لَا أَعْرِفُهُ، وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْقِصَاصَ عَلَى الْمُقْتَصِّ لَهُ وَيَدَّعِي لَهُ أَرْفَقَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْبَصِيرَةِ فَيَقْتَصُّ بِأَرْفَقَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. ابْنُ رُشْدٍ وَقِيلَ عَلَى الْمُقْتَصِّ مِنْهُ وَهُوَ بَعِيدٌ. قُلْت كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ شَعْبَانَ وَعَزَاهُ الْمُتَيْطِيُّ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ. (وَلِلْحَاكِمِ رَدُّ الْقَتْلِ فَقَطْ) أَيْ دُونَ الْجُرْحِ (لِلْوَلِيِّ) الْمُسْتَحِقِّ لِلدَّمِ بِأَنْ يُسَلِّمَ الْقَاتِلَ لَهُ
[ ٩ / ٧١ ]
وَنَهَى عَنْ الْعَبَثِ
وَأُخِّرَ لِبَرْدٍ أَوْ حَرٍّ.
_________________
(١) [منح الجليل] لِيَقْتُلَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَائِبٍ عَنْهُ فَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ رَدُّ الْجُرْحِ لِلْمَجْرُوحِ وَلَا لِوَلِيِّهِ إنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ، بَلْ يَأْمُرُهُ عَدْلًا عَارِفًا بِتَوَلِّيهِ. وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِمَا عَدَمُ الرَّدِّ، فَوَرَدَ النَّصُّ بِأَنَّ «النَّبِيَّ - ﷺ - أَسْلَمَ الْقَاتِلَ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ، وَقَالَ لَهُ دُونَك صَاحِبَك فَاتَّبِعْ» وَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى أَصْلِهِ. ابْنُ مَرْزُوقٍ نُصُوصُ الْمُدَوَّنَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ تَدُلُّ عَلَى طَلَبِ دَفْعِ الْقَاتِلِ لِلْوَلِيِّ وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ تَقْتَضِي تَخْيِيرَ الْحَاكِمِ فِي ذَلِكَ، فَاللَّامُ بِمَعْنَى عَلَى. الْحَطّ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْقِصَاصَ فِي الْجِرَاحِ لَا يُطْلَبُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ بِمِثْلِ مَا جُرِحَ بِهِ، فَإِذَا شَجَّهُ مُوضِحَةً مَثَلًا بِحَجَرٍ أَوْ عَصًا فَيُقْتَصُّ مِنْهُ بِالْمُوسَى، وَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ بِحَجَرٍ أَوْ عَصًا (وَ) إنْ سَلَّمَ الْحَاكِمُ الْقَاتِلَ لِلْوَلِيِّ لِيَقْتُلَهُ (نَهَى) الْحَاكِمُ الْوَلِيَّ (عَنْ الْعَبَثِ) أَيْ التَّمْثِيلِ بِالْقَاتِلِ وَالتَّشْدِيدِ عَلَيْهِ فِي قَتْلِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا وَأَمَّا الْقَتْلُ فَيُدْفَعُ لِلْوَلِيِّ لِيَقْتُلَهُ وَيَنْهَى عَنْ الْعَبَثِ. وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ مِثْلُهُ. وَقَالَ أَشْهَبُ فِيهَا وَفِي الْمَجْمُوعَةِ لَا يُمَكَّنُ مِنْ قَتْلِهِ بِيَدِهِ خَوْفَ أَنْ يَتَعَدَّى (وَيُؤَخَّرُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْهَمْزِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مُثَقَّلًا الْقِصَاصُ مِمَّا دُونَ النَّفْسِ (لِ) زَوَالِ (بَرْدٍ أَوْ حَرٍّ) شَدِيدٍ يُخْشَى الْمَوْتُ مِنْ الْقِصَاصِ فِيهِ، فَيَلْزَمُ قَتْلُ نَفْسٍ فِيمَا دُونَهَا. ابْنُ شَاسٍ يُؤَخَّرُ الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ لِلْحَرِّ الْمُفْرِطِ وَالْبَرْدِ الْمُفْرِطِ وَمَرَضِ الْجَانِي، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمُحَارِبِ الَّذِي اُخْتِيرَ فِيهِ قَطْعُهُ مِنْ خِلَافٍ، فَلَا يُؤَخَّرُ لِبَرْدٍ وَلَا لِحَرٍّ، وَإِنْ خِيفَ مَوْتُهُ لِأَنَّ قَتْلَهُ أَحَدُ حُدُودِهِ. الصِّقِلِّيُّ مُحَمَّدٌ إنْ رَأَى الْإِمَامُ قَطْعَ الْمُحَارِبِ فِي بَرْدٍ شَدِيدٍ فَلَا يُؤَخَّرُ، بِخِلَافِ قَطْعِ السَّرِقَةِ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَوْ قَتَلَ هَذَا الْمُحَارِبَ جَازَ لَهُ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَيْسَ بِبَيِّنٍ لِأَنَّ قَطْعَ الْمُحَارِبِ إنَّمَا هُوَ بِالِاجْتِهَادِ فَمَنْ اسْتَحَقَّهُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ عَلَيْهِ لِلْقَتْلِ هَكَذَا يَنْبَغِي. ابْنُ عَرَفَةَ قُلْت الْقَطْعُ عَلَى قِسْمَيْنِ قَطْعٌ مَعَ قَيْدِ السَّلَامَةِ مِنْ خَوْفِ مَوْتِهِ وَقَطْعٌ مَعَ احْتِمَالِهِ وَالْمُحَارِبُ مَعْرُوضٌ لِلثَّانِي لِعَدَمِ عِصْمَةِ دَمِهِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ لَوْ قَتَلَهُ غَيْرُ الْإِمَامِ فَلَا يُقْتَلُ بِهِ، فَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ قَطْعَهُ مَعَ احْتِمَالِ مَوْتِهِ جَازَ، وَالرِّوَايَةُ إنَّمَا وَقَعَتْ فِيمَنْ رَأَى الْإِمَامَ قَطْعَهُ فِي بَرْدٍ شَدِيدٍ، أَمَّا لَوْ رَآهُ فِي غَيْرِ الْبَرْدِ وَتَأَخَّرَ إلَيْهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَأْنِفَ الْإِمَامُ النَّظَرَ فِيهِ اهـ.
[ ٩ / ٧٢ ]
كَالْبُرْءِ، كَدِيَتِهِ خَطَأً، وَلَوْ كَجَائِفَةٍ
_________________
(١) [منح الجليل] وَفِيهَا مَنْ سَرَقَ فِي شِدَّةِ الْبَرْدِ فَخِيفَ مَوْتُهُ مِنْ قَطْعِهِ فِيهِ أَخَّرَهُ الْإِمَامُ. ابْنُ الْقَاسِمِ الْحَرُّ إنْ عُلِمَ خَوْفُهُ كَالْبَرْدِ. الشَّيْخُ عَنْ أَشْهَبَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَأَمَّا فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَلْيَقْطَعْ، إذْ لَيْسَ بِمُتْلِفٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ بَعْضُ الْخَوْفِ وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ بَلَاغًا، وَقَالَ يُؤَخِّرُ إنْ خِيفَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ مَا يُخَافُ فِي شِدَّةِ الْبَرْدِ. وَشَبَّهَ فِي التَّأْخِيرِ فَقَالَ (كَالْبُرْءِ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ مِنْ مَرَضٍ خِيفَ مِنْ الْقَطْعِ مَعَهُ الْمَوْتُ. ابْنُ الْقَاسِمِ الْمَرِيضُ الْمَخُوفُ لَا يُقْطَعُ وَلَا يُجْلَدُ لَا لِحَدٍّ وَلَا لِنَكَالٍ. اللَّخْمِيُّ إذَا وَجَبَ الْحَدُّ عَلَى ضَعِيفِ الْجِسْمِ الَّذِي يُخَافُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ مِنْهُ يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْهُ وَيُعَاقَبُ وَيُسْجَنُ، وَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ عَنْ قِصَاصٍ رُجِعَ لِلدِّيَةِ، وَفِي كَوْنِهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ أَوْ فِي مَالِ الْجَانِي خِلَافٌ، وَحَدُّ الْجَلْدِ فِي الْقَذْفِ وَالزِّنَا وَالشُّرْبِ يُفَرَّقُ عَلَيْهِ بِقَدْرِ طَاقَتِهِ حَتَّى يَكْمُلَ. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ سَحْنُونٍ لِمَنْ خَافَ مِنْ الْخِتَانِ تَرْكُهُ أَلَا تَرَى مَنْ وَجَبَ قَطْعُ يَدِهِ يُتْرَكُ لِذَلِكَ. وَشَبَّهَ فِي التَّأْخِيرِ لِلْبُرْءِ فَقَالَ (كَدِيَتِهِ) أَيْ الْجُرْحِ حَالَ كَوْنِهِ (خَطَأً) فَإِنَّهَا تُؤَخَّرُ لِبُرْئِهِ خَوْفَ سَرَيَانِهِ لِلْمَوْتِ فَتَجِبُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَتَنْدَرِجُ فِيهَا دِيَةُ الْجُرْحِ أَوْ إلَى مَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ إنْ كَانَ الْجُرْحُ لَيْسَتْ لَهُ دِيَةٌ مُقَدَّرَةٌ، بَلْ (وَلَوْ كَانَ) لَهُ دِيَةٌ مُقَدَّرَةٌ (كَجَائِفَةٍ) وَآمَّةٍ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا يُؤَخَّرُ بِالْمَقْطُوعِ الْحَشَفَةِ حَتَّى يَبْرَأَ، لِأَنَّ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ لَا يُقَادُ مِنْ جُرْحِ الْعَمْدِ وَلَا يَعْقِلُ فِي الْخَطَأِ إلَّا بَعْدَ الْبُرْءِ، وَإِنْ طَلَبَ مَقْطُوعُ الْحَشَفَةِ تَعْجِيلَ فَرْضِ الدِّيَةِ، إذْ لَا بُدَّ مِنْهَا وَلَوْ عَاشَ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ لَعَلَّ أُنْثَيَيْهِ أَوْ غَيْرَهُمَا تَذْهَبُ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَا فِي الْمُوضِحَةِ وَالْمَأْمُومَةِ، وَتُؤَخَّرُ الْعَيْنُ سَنَةً. فَإِنْ مَضَتْ وَلَمْ تَبْرَأْ اُنْتُظِرَ بُرْؤُهَا، وَلَا يَكُونُ قَوَدٌ وَلَا دِيَةٌ إلَّا بَعْدَ الْبُرْءِ، وَإِنْ ضُرِبَتْ فَسَالَ دَمْعُهَا اُنْتُظِرَ بِهَا سَنَةً، فَإِنْ لَمْ يَرْقَأْ دَمْعُهَا فَفِيهَا حُكُومَةٌ وَمِثْلُهُ فِي الْمُوَطَّإِ لِأَنَّهُ قَدْ يَئُولُ إلَى النَّفْسِ فَيَعُودُ الْقَوَدُ ثَانِيًا وَهُوَ خُرُوجٌ عَنْ الْمُمَاثَلَةِ. قُلْت عَزَا هَذَا التَّعْلِيلَ الصِّقِلِّيُّ لِأَشْهَبَ، وَفِي سَمَاعِ أَصْبَغَ أَشْهَبَ يَسْتَأْنِي بِذَهَابِ الْعَقْلِ
[ ٩ / ٧٣ ]
وَالْحَامِلُ، وَإِنْ بِجُرْحٍ مُخِيفٍ: لَا بِدَعْوَاهَا، وَحُبِسَتْ كَالْحَدِّ؛ وَالْمُرْضِعُ لِوُجُودِ مُرْضِعٍ
_________________
(١) [منح الجليل] سَنَةً. ابْنُ رُشْدٍ الْوَجْهُ فِيهِ أَنْ تَمُرَّ عَلَيْهِ الْفُصُولُ الْأَرْبَعَةُ وَلَا خِلَافَ فِي انْتِظَارِهِ سَنَةً إنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي الْجِرَاحِ فَقِيلَ يُنْتَظَرُ بِهَا سَنَةً وَلَوْ بَرِئَتْ قَبْلَهَا، فَإِنْ مَضَتْ وَلَمْ تَبْرَأْ اُنْتُظِرَ بُرْؤُهَا، هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ بَرِئَتْ قَبْلَ السَّنَةِ فَلَا يُنْتَظَرُ تَمَامُهَا إلَّا أَنْ تَبْرَأَ عَلَى عَثَلٍ، فَإِنْ بَرِئَتْ عَلَيْهِ اُنْتُظِرَ تَمَامُهَا. وَلَا يُنْتَظَرُ بِهَا بَعْدَهَا وَيُحْكَمُ بِالْقَوَدِ عِنْدَ تَمَامِهَا، فَإِنْ تَرَامَى الْجُرْحُ لِذَهَابِ عُضْوٍ نُظِرَ فِيهِ كَمَا لَوْ حُكِمَ بِالْقَوَدِ بَعْدَ الْبُرْءِ (وَ) تُؤَخَّرُ الْمَرْأَةُ (الْحَامِلُ) فِي الْقِصَاصِ مِنْهَا إنْ قَتَلَتْ مُكَافِئًا لَهَا لِئَلَّا تُؤْخَذَ نَفْسَانِ فِي نَفْسٍ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ الْقِصَاصُ مِنْهَا (بِجُرْحٍ مُخِيفٍ) مِنْهُ الْمَوْتُ حَتَّى تَلِدَ وَتُوجَدَ مُرْضِعٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ تُؤَخَّرُ الْحَامِلُ فِي قَتْلِ النَّفْسِ عِنْدَ ظُهُورِ مُخَايِلِهِ، وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ دَعْوَاهَا وَفِي الْقِصَاصِ الشَّيْخُ يُرِيدُ فِي الْجِرَاحِ الْمَخُوفَةِ وَلَا تُؤَخَّرُ بَعْدَ الْوَضْعِ إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ تُرْضِعُهُ فَتُحْبَسُ الْحَامِلُ فِي الْحَدِّ وَالْقِصَاصِ، وَلَوْ بَادَرَ الْوَلِيُّ فَقَتَلَهَا فَلَا غُرَّةَ لِجَنِينِهَا إلَّا أَنْ يُزَايِلَهَا قَبْلَ مَوْتِهَا فَتَجِبُ فِيهِ الْغُرَّةُ إلَّا أَنْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا وَتَأْخِيرُهَا مَشْرُوطٌ بِظُهُورِ أَمَارَاتِهِ (لَا بِ) مُجَرَّدِ (دَعْوَاهَا) الْحَمْلَ فَلَا تُؤَخَّرُ (وَحُبِسَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْحَامِلُ مُدَّةَ تَأْخِيرِهَا لِأَجْلِ حَمْلِهَا. وَشَبَّهَ فِي التَّأْخِيرِ وَالْحَبْسِ فَقَالَ (كَالْحَدِّ) الْوَاجِبِ عَلَيْهَا لِزِنًا أَوْ قَذْفٍ أَوْ شُرْبٍ فَتُؤَخَّرُ وَتُحْبَسُ (وَتُؤَخَّرُ) الْمَرْأَةُ (الْمُرْضِعُ) فِي الْقِصَاصِ مِنْهَا (لِوُجُودِ مُرْضِعٍ) لِوَلَدِهَا وَقَبُولُهَا لِئَلَّا يُؤَدِّيَ لِهَلَاكِهِ فَيَلْزَمُ أَخْذُ نَفْسَيْنِ فِي نَفْسٍ لِخَبَرِ الْغَامِدِيَّةِ. ابْنُ الْحَاجِبِ تُؤَخَّرُ الْمُرْضِعُ إلَى أَنْ يُوجَدَ مَنْ تُرْضِعُ.
[ ٩ / ٧٤ ]
وَالْمُوَالَاةُ فِي الْأَطْرَافِ كَحَدَّيْنِ لِلَّهِ لَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِمَا، وَبُدِئَ بِأَشَدّ لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ
_________________
(١) [منح الجليل] وَ) تُتْرَكُ (الْمُوَالَاةُ) فِي قَطْعِ (الْأَطْرَافِ) إنْ خِيفَ مَوْتُ الْجَانِي بِهَا وَشَبَّهَ فِي تَرْكِ الْمُوَالَاةِ فَقَالَ (كَحَدَّيْنِ) وَجَبَا لِلَّهِ تَعَالَى (لَمْ يَقْدِرْ) الْجَانِي (عَلَيْهِمَا) بِأَنْ خِيفَ مَوْتُهُ مِنْ تَوَالِيهِمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَيُفَرَّقَانِ فِي وَقْتَيْنِ (وَبُدِئَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (بِ) إقَامَةِ حَدٍّ (أَشَدَّ) مِنْ حَدٍّ خَفِيفٍ (لَمْ يُخَفْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ عَلَيْهِ مِنْهُ الْمَوْتُ، وَمَفْهُومُهُ لَوْ خِيفَ مَوْتُهُ مِنْ الْأَشَدِّ بُدِئَ بِالْأَخَفِّ وَأُخِّرَ الْأَشَدُّ إلَى وَقْتِ إطَاقَتِهِ، وَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِ مِنْ تَوَالِيهِ فُرِّقَ بِقَدْرِ
[ ٩ / ٧٥ ]
لَا بِدُخُولِ الْحَرَمِ
_________________
(١) [منح الجليل] طَاقَتِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا مَنْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَحَدٌّ لِلْعِبَادِ بُدِئَ بِحَدِّ اللَّهِ تَعَالَى، إذْ لَا عَفْوَ فِيهِ مَتَى بَلَغَ الْإِمَامُ وَيَجْمَعُ إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَيْهِ الْمَوْتَ فَيُفَرَّقَ، وَلَوْ سَرَقَ وَقَطَعَ شِمَالَ رَجُلٍ قُطِعَتْ يَمِينُهُ لِلسَّرِقَةِ وَشِمَالُهُ لِلْقَوَدِ يَجْمَعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْإِمَامُ أَوْ يُفَرِّقُهُ بِقَدْرِ مَا يُطِيقُهُ اللَّخْمِيُّ إنْ خِيفَ عَلَيْهِ فِي إقَامَةِ مَا هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى دُونَ مَا هُوَ لِآدَمِيٍّ أُقِيمَ عَلَيْهِ مَا لِآدَمِيٍّ، وَإِنْ كَانَ الْحَقَّانِ لِآدَمِيٍّ كَقَطْعٍ وَقَذْفٍ اقْتَرَعَا أَيُّهُمَا يَبْدَأُ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ الْآكَدِ، وَإِنْ حَمَلَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ أُقِيمُ أَدْنَاهُمَا دُونَ قُرْعَةٍ (لَا) يُؤَخَّرُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ قِصَاصٌ أَوْ حَدٌّ (بِ) سَبَبِ (دُخُولِ الْحَرَمِ) الْمَكِّيِّ أَوْ الْمَدَنِيِّ، ظَاهِرُهُ وَلَوْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَلَا يُؤَخَّرُ لِتَمَامِهِ سَمِعَ الْقَرِينَانِ تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْحَرَمِ فَيُقْتَلُ قَاتِلُ النَّفْسِ فِي الْحَرَمِ. ابْنُ رُشْدٍ، سَمِعَ أَبُو زَيْدٍ ابْنَ الْقَاسِمِ مِثْلَهُ وَلَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵁ - مَنْ أَصَابَ الْحَدَّ فِي الْحَرَمِ أُقِيمَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَإِنْ أَصَابَهُ فِي غَيْرِهِ ثُمَّ لَجَأَ إلَيْهِ فَلَا يُكَلَّمُ وَلَا يُجَالَسُ وَلَا يُؤْوَى حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ فَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ. وَقِيلَ إذَا لَجَأَ إلَيْهِ أُخْرِجَ مِنْهُ فَأُقِيمَ عَلَيْهِ. ابْنُ عَرَفَةَ مَا عَزَاهُ لِفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ خِلَافٌ نَقَلَ ابْنُ الْقَصَّارِ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ وَغَيْرُهُمَا. ابْنُ الْقَصَّارِ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ قُتِلَ فِيهِ، وَإِنْ قَتَلَ فِي الْحِلِّ ثُمَّ لَجَأَ إلَى الْحَرَمِ فَلَا يُقْتَلُ وَلَا يُخْرَجُ مِنْهُ وَيُهْجَرُ وَلَا يُبَايَعُ وَلَا يُؤْوَى حَتَّى يَضْطَرَّ إلَى الْخُرُوجِ فَيُقْتَلُ وَوَافَقَنَا فِي الضَّرْبِ. عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ - ﷺ - «خَمْسُ فَوَاسِقَ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي الْحَرَمِ» مَا نَصُّهُ قَاسَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَلَى قَتْلِهَا فِي الْحَرَمِ إقَامَةَ الْحَدِّ فِيهِ، سَوَاءٌ حَصَلَ السَّبَبُ فِيهِ أَوْ خَارِجَهُ وَلَجَأَ إلَيْهِ. وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - يُقَامُ مِنْ الْحُدُودِ مَا دُونَ النَّفْسِ وَحَدُّ النَّفْسِ إذَا جَنَى عَلَيْهَا فِيهِ وَإِنْ قَتَلَهَا خَارِجَهُ فَلَا يُقَامُ فِيهِ وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ بِأَنْ لَا يُكَلَّمَ وَلَا يُجَالَسَ وَيُهْجَرَ وَلَا يُبَايَعَ وَلَا يُؤْوَى حَتَّى يَضْطَرَّ إلَى الْخُرُوجِ فَيُقْتَلُ خَارِجَهُ وَنَحْوُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَعَطَاءٍ إلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يُفَرِّقَا بَيْنَ نَفْسٍ وَغَيْرِهَا مُحْتَجِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وَالْحُجَّةُ بِهِ عَلَيْهِمْ، إذْ مَنْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ
[ ٩ / ٧٦ ]
وَسَقَطَ إنْ عَفَا رَجُلٌ، كَالْبَاقِي
_________________
(١) [منح الجليل] هَذَا التَّضْيِيقُ لَيْسَ بِآمِنٍ وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عِنْدَنَا عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَعَطْفُهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا مِنْ الْآيَاتِ، وَقِيلَ مِنْ النَّارِ، وَقِيلَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - لَا يُقَامُ عَلَيْهِ وَلَا يُضَيَّقُ عَلَيْهِ. وَقِيلَ الْآيَةُ فِي الْبَيْتِ لَا فِي الْحَرَمِ، وَقَدْ اُتُّفِقَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَامُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا فِي الْبَيْتِ، وَيَخْرُجُ مِنْهُمَا فَيُقَامُ عَلَيْهِ خَارِجَهُ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ يُنَزَّهُ عَنْ مِثْلِ هَذَا. وَذَكَرَ الْأَبِيُّ فِي حَدِيثِ «مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ» . . الْحَدِيثَ مَا نَصُّهُ، الْحَدِيثُ يَدُلُّ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ إيوَاءُ الْمُحْدِثِ، وَهَذَا مِمَّا يَنْفِي كَثِيرًا مِنْ هُرُوبِ الظَّلَمَةِ وَالْجُنَاةِ إلَى الزَّوَايَا. وَكَانَ ابْنُ عَرَفَةَ لَا يُحِلُّ إيوَاءَهُمْ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ يَتَجَاوَزُ فِيهِمْ مَا يَسْتَحِقُّونَ. سَيِّدِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْفَاسِيُّ مَا يَظْهَرُ مِنْ أُمُورٍ خَارِجَةٍ عَمَّا ذُكِرَ مِنْ ظُهُورِ بُرْهَانٍ لِمَنْ تَعَدَّى عَلَى زَاوِيَةٍ أَوْ رَوْضَةٍ أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ الْفَتْوَى، وَغَيْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَوْلِيَائِهِ لَا تُحَدُّ بِقِيَاسٍ وَلَا تُضْبَطُ بِمِيزَانٍ شَرْعِيٍّ وَلَا قَانُونٍ عَادِيٍّ، فَإِنَّ الْمَوَازِينَ الشَّرْعِيَّةَ كُلِّيَّاتٌ وَعُمُومَاتٌ، وَقَدْ يَكُونُ مُرَادُ الْحَقِّ ﵎ فِي خُصُوصِ نَازِلَةٍ خِلَافَ مَا تَقْتَضِيهِ الْعُمُومَاتُ، وَلِذَا احْتَاجَ الْخَوَاصُّ إلَى إذْنٍ خَاصٍّ فِي كُلِّ نَازِلَةٍ، وَاعْتُبِرَ بِتَكْرِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠]، فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ إبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَغَيْرِ ذَلِكَ (وَسَقَطَ) الْقِصَاصُ (إنْ عَفَا) عَنْ الْقَاتِلِ (رَجُلٌ) مِمَّنْ لَهُ الِاسْتِيفَاءُ (كَالْبَاقِي) فِي الدَّرَجَةِ، سَوَاءٌ كَانُوا بَنِينَ فَقَطْ، أَوْ بَنِيهِمْ فَقَطْ، أَوْ إخْوَةً فَقَطْ، أَوْ بَنِيهِمْ فَقَطْ أَوْ أَعْمَامًا فَقَطْ، أَوْ بَنِيهِمْ فَقَطْ أَوْ مَوَالِيَ. الْمُصَنِّفُ لَا خِلَافَ فِي الْأَوْلَادِ وَالْإِخْوَةِ. وَأَمَّا الْأَعْمَامُ وَنَحْوُهُمْ فَسُقُوطُ الْقِصَاصِ بِعَفْوِ أَحَدِهِمْ قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -. وَرَوَى أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْعَفْوِ. الْبِسَاطِيُّ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ كَالْبَاقِي فِي الرُّجُولِيَّةِ بِدَلِيلِ ذِكْرِهِ بَعْدَهُ مَا إذَا كَانَ الْبَاقِي نِسْوَةً، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ كَالْبَاقِي فِي الْعَفْوِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُمْ مِنْ الدِّيَةِ لِعَفْوِ
[ ٩ / ٧٧ ]
وَالْبِنْتُ أَوْلَى مِنْ الْأُخْتِ فِي عَفْوٍ، وَضِدِّهِ
_________________
(١) [منح الجليل] جَمِيعِهِمْ فَسَقَطَ الْقِصَاصُ وَالدِّيَةُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ كَالْبَاقِي فِي الْبُنُوَّةِ أَوْ الْأُخُوَّةِ أَوْ الْعُمُومَةِ الْبُنَانِيُّ كَوْنُ الْمُرَادِ فِي الدَّرَجَةِ وَالِاسْتِحْقَاقُ فِيهِ بُعْدٌ، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ غَازِيٍّ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا كَلَامَ لِلْأَبْعَدِ مَعَ الْأَقْرَبِ وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَاشِرٍ وَأَصْلُهُ لِابْنِ مَرْزُوقٍ أَنَّ الْمُرَادَ كَالْبَاقِي فِي كَوْنِهِ ذَكَرًا احْتِرَازًا مِنْ اجْتِمَاعِ ذُكُورٍ وَإِنَاثٍ (وَ) إنْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ عَمْدًا عُدْوَانًا بِنْتٌ وَأُخْتٌ شَقِيقَةٌ أَوْ لِأَبٍ فَ (الْبِنْتُ أَوْلَى مِنْ الْأُخْتِ فِي عَفْوٍ) عَنْ الْقَاتِلِ (وَ) فِي (ضِدِّهِ) أَيْ الْعَفْوِ وَهُوَ الْقَتْلُ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تُسَاوِيهِمَا فِي الْمِيرَاثِ تَسَاوِيهِمَا فِي الْعَفْوِ وَضِدُّهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَقَالَ أَشْهَبُ لَا عَفْوَ إلَّا بِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْبِنْتَ إذَا عَفَتْ فَلَا شَيْءَ مِنْ الدِّيَةِ لِلْأُخْتِ، وَكَذَا الْعَاصِبُ النَّازِلُ عَنْهَا، وَهَذَا إنْ ثَبَتَ الْقَتْلُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ. وَأَمَّا إنْ ثَبَتَ بِقَسَامَةٍ فَلَا عَفْوَ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ. فِيهَا إنْ لَمْ يَتْرُكْ إلَّا بِنْتَه وَأُخْتَه فَالْبِنْتُ أَوْلَى بِالْقَتْلِ وَبِالْعَفْوِ إذَا مَاتَ مَكَانَهُ، وَإِنْ عَاشَ وَأَكَلَ وَشَرِبَ ثُمَّ مَاتَ فَلَيْسَ لَهُمَا أَنْ يُقْسِمَا لِأَنَّ النِّسَاءَ لَا يُقْسِمْنَ فِي الْعَمْدِ وَلْيُقْسِمْ الْعَصَبَةُ، فَإِنْ أَقْسَمُوا وَأَرَادُوا الْقَتْلَ وَعَفَتْ الْبِنْتُ فَلَا عَفْوَ لَهَا، وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ لَا عَصَبَةَ لَهُ وَكَانَ قَتْلُهُ خَطَأً أَقْسَمَتْ بِنْتُهُ وَأُخْتُهُ وَأَخَذَتَا دِيَتَهُ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَلَا يَجِبُ الْقَتْلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ أَوْ قَسَامَةٍ بِلَطْخٍ. ابْنُ شَاسٍ إنْ عَفَا بَعْضُ الْوَرَثَةِ سَقَطَ الْقَوَدُ إنْ سَاوَى مَنْ بَقِيَ فِي الدَّرَجَةِ أَوْ كَانَ أَعْلَى مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ دُونَهُ فَلَا يَسْقُطُ بِعَفْوِهِ، فَإِنْ كَانَ الْبَنَاتُ مَعَ الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ فَلَا عَفْوَ إلَّا بِاجْتِمَاعِ الْجَمِيعِ، فَإِنْ انْفَرَدَ الْأَبَوَانِ فَلَا حَقَّ لِلْأُمِّ فِي عَفْوٍ وَلَا قَتْلٍ، وَكَذَا الْأَخُ وَالْأَخَوَاتُ مَعَهُ وَالْأُمُّ وَالْإِخْوَةُ لَا عَفْوَ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ مَعًا، فَإِنْ اتَّفَقَتْ الْأُمُّ وَالْعَصَبَةُ عَلَى الْعَفْوِ مَضَى عَلَى الْأَخَوَاتِ، وَإِنْ عَفَا الْعَصَبَةُ وَالْأَخَوَاتُ فَلَا يَمْضِي عَلَى الْأُمِّ وَلَوْ كَانَ بَدَلَ الْأَخَوَاتِ بَنَاتٌ مَضَى عَفْوُ الْعَصَبَةِ وَالْبَنَاتِ عَلَى الْأُمِّ، وَلَا يَمْضِي عَفْوُ الْعَصَبَةِ وَالْأُمِّ عَلَى الْبَنَاتِ، وَمَتَى اجْتَمَعَتْ الْبَنَاتُ وَالْأَخَوَاتُ فَلَا قَوْلَ لِلْعَصَبَةِ لِأَنَّهُنَّ يَحُزْنَ الْمِيرَاثَ دُونَهُمْ، وَلَا تَجْرِي الْجَدَّةُ مَجْرَى الْأُمِّ فِي عَفْوٍ وَلَا فِي قِيَامٍ. ابْنُ عَرَفَةَ مَا ذَكَرَهُ مُحَصِّلُ قَوْلِهَا مَعَ غَيْرِهَا مِنْ الْأُمَّهَاتِ
[ ٩ / ٧٨ ]
وَإِنْ عَفَتْ بِنْتٌ مِنْ بَنَاتٍ نَظَرَ الْحَاكِمُ
وَفِي رِجَالٍ وَنِسَاءٍ لَمْ يَسْقُطْ إلَّا بِهِمَا، أَوْ بِبَعْضِهِمَا، وَمَهْمَا أَسْقَطَ الْبَعْضُ، فَلِمَنْ بَقِيَ نَصِيبُهُ مِنْ الدِّيَةِ،
_________________
(١) [منح الجليل] وَإِنْ) قُتِلَ عَمْدًا عُدْوَانًا وَلَهُ بَنَاتٌ أَوْ أَخَوَاتٌ فَ (عَفَتْ بِنْتٌ مِنْ بَنَاتٍ) أَوْ أُخْتٌ مِنْ أَخَوَاتٍ وَطَلَبَ بَاقِيهِنَّ الْقَتْلَ (نَظَرَ الْحَاكِمُ) الْعَدْلُ فِي الْأَصْلَحِ بِاجْتِهَادِهِ، فَمَا رَآهُ أَصْلَحَ أَمْضَاهُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَاصِبِ لِإِرْثِهِ لِبَيْتِ الْمَالِ مَا بَقِيَ عَنْ الْبَنَاتِ أَوْ الْأَخَوَاتِ وَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ يَقُومُونَ مَقَامَ الْحَاكِمِ الْعَدْلِ عِنْدَ عَدَمِهِ. عج وَمَوْضُوعُ الْكَلَامِ أَنَّ الِاسْتِيفَاءَ لِلنِّسَاءِ فَقَطْ دُونَ أَحَدٍ مِنْ الْعَصَبَةِ. فِيهَا مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ رَجُلٌ لَا تُعْرَفُ عَصَبَتُهُ فَقُتِلَ عَمْدًا وَمَاتَ مَكَانَهُ وَتَرَكَ بَنَاتٍ فَلَهُنَّ أَنْ يَقْتُلْنَ، فَإِنْ عَفَا بَعْضُهُنَّ وَطَلَبَ بَعْضُهُنَّ الْقَتْلَ نَظَرَ السُّلْطَانُ بِالِاجْتِهَادِ فِي ذَلِكَ. فَإِنْ رَأَى الْعَفْوَ أَوْ الْقَتْلَ أَمْضَاهُ. أَبُو عِمْرَانَ لِأَنَّ الْإِمَامَ هُنَا بِمَنْزِلَةِ الْعَصَبَةِ، لِأَنَّهُ يَرِثُ لِبَيْتِ الْمَالِ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ فَهُوَ يَقُومُ مَقَامَ الْعَصَبَةِ الَّذِينَ يَرِثُونَ مَا فَضَلَ مِنْ مَالِهِ، وَلَوْ اتَّفَقَتْ الْبَنَاتُ عَلَى الْقَتْلِ وَأَرَادَ الْإِمَامُ الْعَفْوَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا كَلَامَ لَهُ، وَإِنَّمَا لَهُ النَّظَرُ إذَا اخْتَلَفَتْ الْبَنَاتُ قِيلَ لَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إمَامٌ عَدْلٌ كَوَقْتِنَا هَذَا قَالَ لَا قَتْلَ لَهُ، فَإِنْ كَانَ بِالْمَوْضِعِ جَمَاعَةٌ عُدُولٌ قَامُوا مَقَامَهُ. ابْنُ عَرَفَةَ اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَعْرُوفِ الْمَذْهَبِ مِنْ إمْضَاءِ أَحْكَامِ قُضَاةِ الْبُغَاةِ. (وَفِي) اجْتِمَاعِ (رِجَالٍ) مُسْتَحِقِّينَ الِاسْتِيفَاءَ (وَنِسَاءٍ) مُسْتَحِقَّاتٍ لَهُ أَعْلَى مِنْ الرِّجَالِ وَثَبَتَ الْقَتْلُ بِقَسَامَةِ الرِّجَالِ (لَمْ يَسْقُطْ) الْقَتْلُ (إلَّا بِ) اتِّفَاقِ (هِمَا) أَيْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ عَلَى الْعَفْوِ (أَوْ) بِاتِّفَاقِ (بَعْضِ) كُلٍّ مِنْ (هُمَا) عَلَيْهِ، وَأَحْرَى بِاتِّفَاقِ جَمِيعِ الرِّجَالِ مَعَ بَعْضِ النِّسَاءِ أَوْ جَمِيعِ النِّسَاءِ مَعَ بَعْضِ الرِّجَالِ (وَمَهْمَا أَسْقَطَ الْبَعْضُ) مِمَّنْ لَهُمْ الِاسْتِيفَاءُ الْقَوَدَ (فَلِمَنْ بَقِيَ) مِمَّنْ لَهُمْ ذَلِكَ مِنْ الْوَرَثَةِ وَلِغَيْرِهِمْ مِنْ الْوَرَثَةِ أَيْضًا (نَصِيبُهُ مِنْ دِيَةِ عَمْدٍ) فِي مَالِ الْقَاتِلِ. الْحَطّ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا أَسْقَطَ بَعْضُ مَنْ لَهُ الْعَفْوُ حَقَّهُ وَعَفَا عَنْ الْقَاتِلِ، فَإِنَّ الْقَوَدَ يَسْقُطُ وَيَتَعَيَّنُ لِلْبَاقِينَ نَصِيبُهُمْ مِنْ دِيَةِ عَمْدٍ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ عَفَا جَمِيعُ الْأَوْلِيَاءِ فَلَا شَيْءَ لِلْبَنَاتِ، قَالَ فِيهَا إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِالْقَتْلِ عَمْدًا وَلِلْمَقْتُولِ بَنُونَ
[ ٩ / ٧٩ ]
كَإِرْثِهِ، وَلَوْ قِسْطًا مِنْ نَفْسِهِ
_________________
(١) [منح الجليل] وَبَنَاتٌ فَعَفْوُ الْبَنِينَ جَائِزٌ عَلَى الْبَنَاتِ وَلَا أَمْرَ لَهُنَّ مَعَ الْبَنِينَ فِي عَفْوٍ وَلَا قِيَامٍ، فَإِنْ عَفَوْا عَلَى الدِّيَةِ دَخَلَ فِيهَا النِّسَاءُ وَقُسِّمَتْ بَيْنَ الْوَرَثَةِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقُضِيَ مِنْهَا دَيْنُهُ، وَإِنْ عَفَا وَاحِدٌ مِنْ الْبَنِينَ سَقَطَتْ حِصَّتُهُ مِنْ الدِّيَةِ وَقُسِّمَتْ بَقِيَّتُهَا بَيْنَ مَنْ بَقِيَ عَلَى الْفَرَائِضِ، وَتَدْخُلُ فِيهِ الزَّوْجَةُ وَغَيْرُهَا. وَكَذَلِكَ إذَا وَجَبَ الدَّمُ بِقَسَامَةٍ، وَلَوْ أَنَّهُ عَفَا عَلَى الدِّيَةِ كَانَتْ لَهُ وَلِسَائِرِ الْوَرَثَةِ عَلَى الْمَوَارِيثِ. وَإِذَا عَفَا جَمِيعُ الْبَنِينَ فَلَا شَيْءَ لِلنِّسَاءِ مِنْ الدِّيَةِ، وَإِنَّمَا لَهُمْ إذَا عَفَا بَعْضُ الْبَنِينَ وَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ إذَا اسْتَوَوْا فَهُمْ كَالْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ فِيمَا ذَكَرْنَا اهـ. قَالَ الْمُصَنِّفُ قَوْلُهُ إذَا عَفَا جَمِيعُ الْبَنِينَ فَلَا شَيْءَ لِلنِّسَاءِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ. وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَيْضًا إنْ عَفَا الذُّكُورُ كُلُّهُمْ فَحَقُّ أَخَوَاتِهِمْ فِي الدِّيَةِ بَاقٍ. ابْنُ الْمَوَّازِ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَالَ مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِعَفْوِهِمْ مَعًا فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ عَفَا بَعْضُهُمْ ثُمَّ عَفَا مَنْ بَقِيَ فَلَا يَسْقُطُ حَقُّ مَنْ مَعَهُمَا مِنْ أُخْتٍ وَزَوْجٍ وَزَوْجَةٍ لِأَنَّهُ مَالٌ ثَبَتَ لَهُمْ بِعَفْوِ الْأَوَّلِ قَالَهُ مُحَمَّدٌ. وَشَبَّهَ فِي سُقُوطِ الْقَوَدِ فَقَالَ (كَإِرْثِهِ) أَيْ الْقَاتِلِ جَمِيعَ دَمِهِ كَثَلَاثَةِ إخْوَةٍ قَتَلَ أَحَدُهُمْ أَحَدَ أَخَوَيْهِ ثُمَّ مَاتَ الثَّالِثُ وَوَرِثَهُ الْقَاتِلُ وَحْدَهُ فَقَدْ وَرِثَ جَمِيعَ دَمِ نَفْسِهِ فَسَقَطَ الْقَوَدُ عَنْهُ، بَلْ (وَلَوْ) وَرِثَ الْقَاتِلُ (قِسْطًا) بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ بَعْضًا مِنْ دَمِ نَفْسِهِ كَأَرْبَعَةِ إخْوَةٍ قَتَلَ أَحَدُهُمْ أَحَدَ إخْوَتِهِ الثَّلَاثَةِ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُ الِاثْنَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ وَوَرِثَهُ الْقَاتِلُ وَأَخُوهُ فَقَدْ سَقَطَ عَنْهُ الْقَوَدُ أَيْضًا، وَلِأَخِيهِ نَصِيبُهُ مِنْ دِيَةِ عَمْدٍ فِي مَالِهِ، هَذَا إذَا كَانَ الْمَيِّتُ يَسْتَقِلُّ كَمَا فِي الْمِثَالَيْنِ. فَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ بِأَنْ كَانَ الْمُسْتَحِقُّونَ رِجَالًا وَنِسَاءً فَلَا يَسْقُطُ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ أَوْ الْبَعْضِ مِنْ كُلٍّ عَلَى الْعَفْوِ قَالَهُ أَشْهَبُ، وَنَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ وَأَبُو الْحَسَنِ، كَقَتْلِ أَحَدِ أَرْبَعَةِ إخْوَةٍ أَشِقَّاءَ، أَحَدُهُمْ عَنْ بَنَاتٍ ثُمَّ مَاتَ أَخٌ آخَرُ مِنْهُمْ فَلَا يَسْقُطُ الْقَتْلُ عَنْ الْقَاتِلِ إلَّا بِاجْتِمَاعِ الْبَنَاتِ وَالْأَخَوَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ أَوْ الْبَعْضِ مِنْ كُلٍّ عَلَى الْعَفْوِ. ابْنُ عَرَفَةَ إرْثُ الْقَاتِلِ بَعْضَ دَمِهِ يُسْقِطُ قَوَدَهُ، وَفِيهَا إنْ وَرِثَ الْقَاتِلُ أَحَدَ وَرَثَةِ
[ ٩ / ٨٠ ]
وَإِرْثُهُ كَالْمَالِ
_________________
(١) [منح الجليل] الْقَتِيلِ بَطَلَ قَوَدُهُ لِأَنَّهُ مَلَكَ مِنْ دَمِهِ حِصَّةً. الصِّقِلِّيُّ أَشْهَبُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ الَّذِينَ مَنْ قَامَ مِنْهُمْ بِالدَّمِ فَهُوَ أَوْلَى، فَإِنَّ لِلْبَاقِينَ قَتْلَهُ بَعْضُ الْفَاسِيِّينَ هَذَا وِفَاقٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ. " غ " فِي دِيَاتِ الْمُدَوَّنَةِ مَنْ قَتَلَ رَجُلًا عَمْدًا وَلَمْ يُقْتَلْ حَتَّى مَاتَ أَحَدُ وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ وَكَانَ الْقَاتِلُ وَارِثَهُ بَطَلَ الْقِصَاصُ لِأَنَّهُ مَلَكَ مِنْ دَمِهِ حِصَّةً فَهُوَ كَالْعَفْوِ، وَلِبَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ عَلَيْهِ حَظُّهُمْ مِنْ الدِّيَةِ. ابْنُ يُونُسَ أَشْهَبُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَوْ عَفَا لَمْ يَلْزَمْ عَفْوُهُ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ فَلَا يَبْطُلُ الْقِصَاصُ. أَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحٌ هَذَا ظَاهِرُ الْجَوَابِ مِنْ قَوْلِهِ فَهُوَ كَالْعَفْوِ، وَمِنْ مِثْلِهِ الْبَنُونَ وَالْبَنَاتُ إذَا مَاتَتْ وَاحِدَةٌ مِنْ الْبَنَاتِ وَتَرَكَتْ بَنِينَ وَلِأَبِي مُحَمَّدٍ صَالِحٍ أَشَارَ ابْنُ عَرَفَةَ بِبَعْضِ الْفَاسِيِّينَ، فَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِالتَّشْبِيهِ أَنَّ إرْثَ الْقَاتِلِ دَمَ نَفْسِهِ كَالْعَفْوِ عَنْهُ وَهُوَ مِنْ بَابِ عَكْسِ التَّشْبِيهِ (وَإِرْثُهُ) أَيْ دَمِ الْقَاتِلِ (كَ) إرْثِ (الْمَالِ) " غ " أَيْ وَارِثُ الدَّمِ كَالْمَالِ لَا كَالِاسْتِيفَاءِ، فَإِذَا مَاتَ وَلِيُّ الدَّمِ تُنَزَّلُ وَرَثَتُهُ مَنْزِلَتَهُ مِنْ غَيْرِ خُصُوصِيَّةٍ لِلْعَصَبَةِ مِنْهُمْ مِنْ ذَوِي الْفَرْضِ، فَيَرِثُهُ الْبَنَاتُ وَالْأُمَّهَاتُ، وَيَكُونُ لَهُنَّ الْعَفْوُ وَالْقِصَاصُ كَمَا كَانَ لَوْ كَانُوا كُلُّهُمْ عَصَبَةً لِأَنَّهُمْ وَرِثُوهُ عَمَّنْ كَانَ ذَلِكَ لَهُ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي كِتَابِ الرَّجْمِ وَكِتَابِ الدِّيَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، فَفِي الرَّجْمِ مَنْ قُتِلَ وَلَهُ عَصَبَةٌ فَمَاتَتْ أُمُّهُ فَوَرَثَتُهَا مَكَانَهَا إنْ أَحَبُّوا أَنْ يَقْتُلُوا قَتَلُوا وَلَا عَفْوَ لِلْعَصَبَةِ دُونَهُمْ كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأُمُّ بَاقِيَةً. وَفِي الدِّيَاتِ إنْ مَاتَ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ رَجُلٌ وَرَثَتُهُ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ فَلِلنِّسَاءِ مِنْ الْقَتْلِ وَالْعَفْوِ مَا لِلرِّجَالِ لِأَنَّهُنَّ وَرِثْنَ الدَّمَ عَمَّنْ لَهُ ذَلِكَ. ابْنُ عَرَفَةَ فَهِمَ شَارِحَا ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ مُرَادَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِالنِّسَاءِ الْوَارِثَاتِ مَا يَشْمَلُ الزَّوْجَةَ، وَكَذَا الزَّوْجُ فِي الرِّجَالِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ لَا مَدْخَلَ لِلْأَزْوَاجِ فِي الدَّمِ. فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ إنْ تَرَكَ الْقَتِيلُ عَمْدًا بِالْبَيِّنَةِ أُمًّا وَبِنْتًا وَعَصَبَةً فَمَاتَتْ الْأُمُّ أَوْ الْبِنْتُ أَوْ الْعَصَبَةُ فَوَرَثَتُهُ فِي مَنَابِهِ إلَّا الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ، فَإِنْ اخْتَلَفَ وَرَثَةُ هَذَا الْمَيِّتِ وَمَنْ بَقِيَ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ فَلَا عَفْوَ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ. ابْنُ رُشْدٍ مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ هُوَ لِابْنِ الْقَاسِمِ فَوَجَبَ حَمْلُ لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ عَلَيْهِ
[ ٩ / ٨١ ]
وَجَازَ صُلْحُهُ فِي عَمْدٍ، بِأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَالْخَطَأِ كَبَيْعِ الدَّيْنِ، وَلَا يَمْضِي عَلَى عَاقِلَتِهِ، كَعَكْسِهِ فَإِنْ عَفَا فَوَصِيَّةٌ
_________________
(١) [منح الجليل] وَجَازَ صُلْحُهُ) أَيْ الْجَانِي (فِي) قَتْلِ (عَمْدٍ بِأَقَلَّ) مِنْ الدِّيَةِ (وَ) بِ (أَكْثَرَ) مِنْهَا إذْ لَيْسَ فِي الْعَمْدِ عَقْلٌ مُسَمًّى فَيَجُوزُ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا بِأَجَلِ دِيَةِ الْخَطَأِ وَأَبْعَدَ مِنْهُ وَأَقْرَبَ، وَبِذَهَبٍ مَعَ أَهْلِ الْوَرِقِ وَعَكْسُهُ، وَبِإِبِلٍ فِيهِمَا وَعَكْسُهُ (وَ) الْقَتْلُ (الْخَطَأُ) حُكْمُهُ فِي الصُّلْحِ (كَبَيْعِ الدَّيْنِ) فِي أَحْكَامِهِ لِتَقَرُّرِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالْجَانِي مُؤَجَّلَةً بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَمَا يُصَالِحُ بِهِ مَأْخُوذٌ عَنْهَا فَيُمْنَعُ بِمُؤَجَّلٍ، أَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ وَبِذَهَبٍ عَنْ وَرِقٍ وَلَوْ حَالًّا وَعَكْسُهُ لِأَنَّهُ صَرْفٌ مُؤَخَّرٌ وَيَجُوزُ بِعَرَضٍ مُعَجَّلٍ أَوْ بِإِبِلٍ مُعَجَّلَةٍ، وَلَا يَجُوزُ بِأَقَلَّ مُعَجَّلًا لِأَنَّهُ ضَعْ وَتَعَجَّلْ وَلَا بِأَكْثَرَ لِأَبْعَدَ لِأَنَّهُ سَلَفٌ بِزِيَادَةٍ فِيهَا مَنْ جَنَى خَطَأً وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْإِبِلِ فَصَالَحَ الْأَوْلِيَاءُ عَاقِلَتَهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ دِينَارٍ جَازَ إنْ عَجَّلُوهَا فَإِنْ تَأَخَّرَتْ فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ. وَفِي الْعَمْدِ جَائِزٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَمِثْلُهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ. وَلَوْ صَالَحُوا بِذَهَبٍ وَالْجَانِي مِنْ أَهْلِ الْوَرِقِ أَوْ الْإِبِلِ، وَإِنَّمَا يُتَّقَى مَا يَدْخُلُ فِي الدِّيَةِ فِي الْخَطَأِ لِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ. الصِّقِلِّيُّ إنْ قِيلَ كَيْفَ صَحَّ لَغْوُ اعْتِبَارِ الدِّيَةِ فِي الْعَمْدِ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ لَهُ الْعَفْوُ فِي مَرَضِهِ. قُلْت يُرَدُّ بِأَنَّ هَذَا بَعْضُ مَا اسْتَشْكَلَ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْأَصْلَ الدَّمُ وَالْمَالُ إنَّمَا هُوَ بِالْجَبْرِ، وَهُوَ لَمْ يَقَعْ وَعَدَمُ وُقُوعِ السَّبَبِ الْخَاصِّ مَلْزُومٌ لِعَدَمِ ثُبُوتِ مُسَبَّبِهِ، وَلَا سِيَّمَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَنْ مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَ يُعَدُّ مَالِكًا. (وَ) إنْ صَالَحَ الْجَانِي الْأَوْلِيَاءَ عَنْ دِيَةِ الْخَطَأِ فَ (لَا يَمْضِي) صِلَتُهُ (عَلَى عَاقِلَتِهِ) لَهُ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ تَدْفَعُ الدِّيَةَ مِنْ مَالِهَا وَلَا تَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْجَانِي فَهُوَ فُضُولِيٌّ فِي صُلْحِهِ عَمَّا يَلْزَمُهَا. وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ الْمُضِيِّ فَقَالَ (كَعَكْسِهِ) أَيْ إنْ صَالَحَتْ الْعَاقِلَةُ الْأَوْلِيَاءَ فَلَا يَمْضِي صُلْحُهَا عَلَى الْجَانِي لِذَلِكَ. ابْنُ عَرَفَةَ لَوْ صَالَحَ الْجَانِي عَنْ الْعَاقِلَةِ فِيمَا عَلَيْهَا فَأَبَتْ لَمْ يَلْزَمْهَا، وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَكَذَا الْعَكْسُ وَاضِحٌ، لِأَنَّهَا فِيمَا يَلْزَمُهُ دُونَهَا كَأَجْنَبِيٍّ. (فَإِنْ عَفَا) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَنْ الْجَانِي خَطَأً (فَ) عَفْوُهُ (وَصِيَّةٌ) أَيْ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ إيصَائِهِ بِالدِّيَةِ لِعَاقِلِهِ الْجَانِي فَهِيَ فِي ثُلُثِهِ، فَإِنْ حَمَلَهَا نَفَذَتْ وَصِيَّتُهُ وَإِنْ زَادَتْ عَلَيْهِ وَقَفَ الزَّائِدُ عَلَى
[ ٩ / ٨٢ ]
وَتَدْخُلُ الْوَصَايَا فِيهِ، وَإِنْ بَعْدَ سَبَبِهَا،
_________________
(١) [منح الجليل] إجَازَةِ الْوَرَثَةِ وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ غَيْرَ الدِّيَةِ ضُمَّ لَهَا وَنَفَذَتْ الْوَصِيَّةُ مِنْ ثُلُثِ الْمَجْمُوعِ. ابْنُ عَرَفَةَ الْعَفْوُ عَنْ جِنَايَةِ الْخَطَأِ تَرْكُ مَالٍ فِيهَا مَنْ عَفَا عَنْ عَبْدٍ قَتَلَهُ خَطَأً فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ قَدْرَ ثُلُثِهِ جَازَ عَفْوُهُ وَإِلَّا جَازَ مِنْهُ قَدْرُ الثُّلُثِ (وَ) إنْ أَوْصَى شَخْصٌ بِوَصَايَا وَقُتِلَ خَطَأً وَلَزِمَتْ دِيَتُهُ عَاقِلَةَ قَاتِلِهِ فَ (تَدْخُلُ الْوَصَايَا فِيهِ) أَيْ ثُلُثِ الدِّيَةِ إنْ كَانَ أَوْصَى بِهَا قَبْلَ سَبَبِ الدِّيَةِ، بَلْ (وَإِنْ) أَوْصَى بِهَا (بَعْدَ سَبَبِهَا) أَيْ الدِّيَةِ وَهُوَ الْجُرْحُ أَوْ إنْفَاذُ الْمَقْتَلِ، وَاخْتَلَفَ الشَّارِحَانِ فِي الْمُبَالَغَةِ فَقَالَ الشَّارِحُ تَدْخُلُ الْوَصَايَا بَعْدَ سَبَبِ الدِّيَةِ وَهُوَ الْجُرْحُ أَوْ إنْفَاذُ الْمَقْتَلِ، وَأَحْرَى إنْ كَانَتْ قَبْلَهُ، فَالْمُبَالَغَةُ حَسَنَةٌ. وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ إنْ أَوْصَى بَعْدَ سَبَبِهَا فَدُخُولُهَا فِيهَا ظَاهِرٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَا أَوْصَى بِهِ قَبْلَ سَبَبِهَا فَقَوْلُهُ، وَإِنْ بَعْدَ سَبَبِهَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ، وَلَا قَوْلَ الشَّارِحِ، وَأَحْرَى مَا قَبْلَ سَبَبِهَا إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَوْصَى لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَانِي عَلَى بَحْثٍ فِيهِ اهـ. وَمِثْلُهُ لغ قَالَ كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَلَى الْمُبَالَغَةِ الْمَعْكُوسَةِ، وَصَوَابُهُ وَإِنْ قَبْلَ سَبَبِهَا لِتَقْسِيمِ الْمُبَالَغَةِ، وَيَكُونُ الْمَجْرُورَانِ مَعْطُوفَيْنِ عَلَى الظَّرْفِ، فَالْكُلُّ فِي حَيِّزِ الْمُبَالَغَةِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَتَدْخُلُ الْوَصَايَا فِيهِ بَعْدَ سَبَبِهَا أَوْ بِثُلُثِهِ أَوْ بِشَيْءٍ قَبْلَهَا إذَا عَاشَ بَعْدَهَا إلَخْ كَلَفْظِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَأَصْلُهَا فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهِ وَإِذَا عَفَا الْمَقْتُولُ خَطَأً عَنْ دِيَتِهِ جَازَ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَأَوْصَى مَعَ ذَلِكَ بِوَصَايَا فَلْتُحَاصَصْ الْعَاقِلَةُ وَأَهْلُ الْوَصَايَا فِي ثُلُثِ دِيَتِهِ، وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثٍ لِرَجُلٍ بَعْدَ الضَّرْبِ دَخَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِي دِيَتِهِ لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ قَتْلَ الْخَطَأِ مَالٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ وَعَاشَ بَعْدَ الضَّرْبِ وَمَعَهُ مِنْ عَقْلِهِ مَا يُعْرَفُ فِيهِ مَا هُوَ فِيهِ فَلَمْ يُغَيِّرْ الْوَصِيَّةَ اهـ. الْبُنَانِيُّ الصَّوَابُ لَوْ قَالَ وَإِنْ قَبْلَ سَبَبِهَا كَمَا قَالَ " غ " الْعَدَوِيُّ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ قَبْلَ سَبَبِ الدِّيَةِ يُتَوَهَّمُ عَدَمُ دُخُولِهَا فِي الدِّيَةِ، لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ حِينَ الْإِيصَاءِ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ إنَّمَا تَكُونُ فِيمَا عَلِمَهُ حِينَ إيصَائِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُبَالَغَ عَلَيْهِ هُوَ الْمُتَوَهَّمُ، فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَدْخُلُ مَا أَوْصَى بِهِ قَبْلَ السَّبَبِ مَعَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ إنَّمَا تَدْخُلُ فِيمَا عَلِمَهُ حِينَ إيصَائِهِ. فَجَوَابُهُ أَنَّ
[ ٩ / ٨٣ ]
أَوْ بِثُلُثِهِ، أَوْ بِشَيْءٍ: إذَا عَاشَ بَعْدَهَا مَا يُمْكِنُهُ التَّغْيِيرُ فَلَمْ يُغَيِّرْ: بِخِلَافِ الْعَمْدِ: إلَّا أَنْ يَنْفُذَ مَقْتَلُهُ، وَيَقْبَلَ وَارِثُهُ الدِّيَةَ وَعَلِمَ
_________________
(١) [منح الجليل] الْمُوصِيَ لَمَّا عَاشَ بَعْدَ السَّبَبِ وَأَمْكَنَهُ التَّغْيِيرُ وَلَمْ يُغَيِّرْ نُزِّلَ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْإِيصَاءِ بَعْدَ السَّبَبِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْعِلْمِ حِينَ الْمَوْتِ وَلَوْ بَعْدَ الْإِيصَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (أَوْ) أَوْصَى لِشَخْصٍ (بِثُلُثِهِ) أَيْ الْمُوصِي قَبْلَ السَّبَبِ فَتَدْخُلُ الْوَصِيَّةُ فِي ثُلُثِ دِيَتِهِ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ عِلْمُهُ بِمَالِهِ حِينَ مَوْتِهِ وَهُوَ عِنْدَهُ عَالِمٌ بِالدِّيَةِ (أَوْ) أَوْصَى (بِشَيْءٍ) أَيْ مُعَيَّنٍ كَدَابَّةٍ أَوْ دَارٍ مُعَيَّنَةٍ قَبْلَ السَّبَبِ فَتَدْخُلُ الْوَصِيَّةُ فِي ثُلُثِ الدِّيَةِ (إذَا عَاشَ) الْمُوصِي بِالْكَسْرِ (بَعْدَهَا) أَيْ الْجِنَايَةِ خَطَأً (مَا) أَيْ زَمَنًا (يُمْكِنُهُ) أَيْ الْمُوصِي بِالْكَسْرِ فِيهِ (التَّغْيِيرُ) لِوَصِيَّتِهِ وَهُوَ ثَابِتُ الذِّهْنِ سَالِمُ الْعَقْلِ (فَلَمْ يُغَيِّرْ) هَا تَنْزِيلًا لِذَلِكَ مَنْزِلَةَ إيصَائِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالدِّيَةِ. الْعَدَوِيُّ أَوْ بِثُلُثِهِ مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ، أَيْ تَدْخُلُ الْوَصَايَا فِيهِ بِغَيْرِ ثُلُثِهِ وَبِغَيْرِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ أَوْ بِثُلُثِهِ إلَخْ. الْبُنَانِيُّ لَوْ حَذَفَ هَذَيْنِ الْمَعْطُوفَيْنِ لَكَانَ أَحْسَنَ. وَقَالَ ابْنُ عَاشِرٍ فِي قَوْلِهِ أَوْ بِثُلُثِهِ لَا مَعْنَى لِهَذَا الْعَطْفِ وَالصَّوَابُ إسْقَاطُهُ لِيَكُونَ قَوْلُهُ بِثُلُثِهِ أَوْ بِشَيْءٍ مُتَعَلِّقًا بِلَفْظِ الْوَصَايَا، وَيُسْتَغْنَى حِينَئِذٍ عَمَّا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ قَوْلِهِ قَبْلَهُ لِدُخُولِهِ فِي الْمُبَالَغَةِ، وَالتَّقْدِيرُ وَتَدْخُلُ الْوَصَايَا بِثُلُثِهِ أَوْ بِشَيْءٍ فِيهِ، أَيْ ثُلُثِ الدِّيَةِ الَّتِي وَجَبَتْ لَهُ وَإِنْ قَبْلَ سَبَبِهَا. (بِخِلَافِ) دِيَةِ (الْعَمْدِ) فَلَا تَدْخُلُ فِيهَا الْوَصَايَا وَإِنْ عَاشَ بَعْدَ ضَرْبِهِ لِعَدَمِ عِلْمِ الْمَيِّتِ بِهَا قَبْلَ مَوْتِهِ لِتَعَيُّنِ الْقَوَدِ فِي الْعَمْدِ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يُنْفِذَ مَقْتَلَهُ) أَيْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِالْجِنَايَةِ يَفْرِي وَدَجَهُ مَثَلًا (وَيَقْبَلَ وَارِثُهُ الدِّيَةَ) مِنْ الْجَانِي عَلَى وَجْهِ الصُّلْحِ (وَعَلِمَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ قَبُولَهُ الدِّيَةَ فَتَدْخُلُ وَصَايَاهُ فِيهَا لِعِلْمِهِ بِهَا قَبْلَ مَوْتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْإِيصَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ قَبْلَهُ وَعَاشَ بَعْدَهُ وَأَمْكَنَهُ التَّغْيِيرُ وَلَمْ يُغَيِّرْ فِي الشَّامِلِ وَلَا مَدْخَلَ لِوَصِيَّةٍ فِي دِيَةِ عَمْدٍ وَإِنْ وُرِثَتْ كَمَالِهِ وَغَرِمَ الدَّيْنَ مِنْهَا. وَلَوْ قَالَ إنْ قَبِلَ أَوْلَادِي الدِّيَةَ فَوَصِيَّتِي فِيهَا أَوْ أَوْصَيْت بِثُلُثِهَا وَلَا يَدْخُلُ مِنْهَا شَيْءٌ فِي ثُلُثِهِ لَا إذَا أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ وَقَبِلَ أَوْلَادَهُ الدِّيَةَ وَعَلِمَ بِهَا
[ ٩ / ٨٤ ]
وَإِنْ عَفَا عَنْ جُرْحِهِ، أَوْ صَالَحَ فَمَاتَ: فَلِأَوْلِيَائِهِ الْقَسَامَةُ، وَالْقَتْلُ، وَرَجَعَ الْجَانِي فِيمَا أُخِذَ مِنْهُ
وَلِلْقَاتِلِ الِاسْتِحْلَافُ عَلَى الْعَفْوِ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ وَاحِدَةً وَبَرِئَ
_________________
(١) [منح الجليل] وَإِنْ) جَرَحَ مُكَلَّفٌ غَيْرُ حَرْبِيٍّ مَعْصُومًا عَمْدًا عُدْوَانًا أَوْ خَطَأً وَ(عَفَا) الْمَجْرُوحُ (عَنْ جُرْحِهِ) بِلَا مَالٍ (أَوْ صَالَحَ) الْجَانِيَ عَنْهُ بِمَالٍ (فَ) نَزَّا الْجُرْحُ حَتَّى (مَاتَ) الْمَجْرُوحُ مِنْهُ (فَلِأَوْلِيَائِهِ) أَيْ الْمَيِّتِ (الْقَسَامَةُ وَالْقَتْلُ) فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ لِكَشْفِ الْغَيْبِ أَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى نَفْسٍ وَالْعَفْوُ أَوْ الصُّلْحُ إنَّمَا كَانَ جُرْحٌ فَلَهُمْ نَقْضُهُ وَلَهُمْ إمْضَاؤُهُ. (وَ) إنْ نَقَضُوهُ (رَجَعَ) الْجَانِي بِمَا دَفَعَهُ لِلْمَجْرُوحِ صُلْحًا إنْ كَانَ دَفَعَ لَهُ شَيْئًا وَإِنْ أَمْضَوْهُ فَلَيْسَ لِلْجَانِي أَنْ يَقُولَ لِلْأَوْلِيَاءِ رُدُّوا إلَيَّ الْمَالَ الَّذِي دَفَعْته لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَاقْتُلُونِي. الْحَطّ قَوْلُهُ وَإِنْ عَفَا عَنْ جُرْحِهِ أَوْ صَالَحَ فَمَاتَ إلَخْ نَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ فَعَفَا ثُمَّ مَاتَ. أَبُو الْحَسَنِ إنْ قَالَ عَفَوْت عَنْ الْيَدِ لَا غَيْرُ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ قَالَ عَنْ الْيَدِ وَمَا تَرَامَى إلَيْهِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ قَالَ عَفَوْت فَقَطْ حُمِلَ عَلَى مَا وَجَبَ لَهُ فِي الْحَالِ وَهُوَ قَطْعُ الْيَدِ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا بِمَا فِيهِ الْكَافِيَةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَ) إنْ ادَّعَى الْقَاتِلُ عَلَى الْوَلِيِّ أَنَّهُ عَفَا عَنْهُ وَأَنْكَرَ الْوَلِيُّ وَلَا بَيِّنَةَ عَلَيْهِ بِهِ فَ (لِلْقَاتِلِ الِاسْتِحْلَافُ) أَيْ طَلَبُ حَلِفِ الْوَلِيِّ (عَلَى) عَدَمِ (الْعَفْوِ) عَلَى الْمَشْهُورِ (فَإِنْ) حَلَفَ الْوَلِيُّ عَلَى عَدَمِهِ سَقَطَتْ دَعْوَى الْقَاتِلِ وَاسْتَمَرَّ الْوَلِيُّ عَلَى حَقِّهِ، فَإِنْ شَاءَ عَفَا، وَإِنْ شَاءَ اقْتَصَّ، وَإِنْ (نَكَلَ) الْوَلِيُّ عَنْ الْيَمِينِ عَلَى عَدَمِ عَفْوِهِ (رُدَّتْ) بِضَمِّ الرَّاءِ الْيَمِينُ عَلَى الْقَاتِلِ (وَحَلَفَ) الْقَاتِلُ يَمِينًا (وَاحِدَةً) عَلَى عَفْوِ الْوَلِيِّ عَنْهُ لِأَنَّ الْوَلِيَّ إنَّمَا كَانَ يَحْلِفُ وَاحِدَةً وَالْيَمِينُ تُرَدُّ عَلَى نَحْوِ مَا تَتَوَجَّهُ أَوَّلًا (وَ) إنْ حَلَفَ الْقَاتِلُ عَلَى الْعَفْوِ عَنْهُ (بَرِئَ) مِنْ الْقَتْلِ، وَإِنْ نَكَلَ قُتِلَ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا إنْ ادَّعَى الْجَانِي عَفْوَ وَلِيٍّ اسْتَحْلَفَهُ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْقَاتِلُ الصِّقِلِّيُّ إنَّمَا يَحْلِفُ الْقَاتِلُ يَمِينًا وَاحِدَةً لِأَنَّهَا الَّتِي كَانَتْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. عِيَاضٌ يَقُومُ مِنْهُ إلْزَامُ
[ ٩ / ٨٥ ]
وَتُلُوِّمَ لَهُ فِي بَيِّنَتِهِ الْغَائِبَةِ
_________________
(١) [منح الجليل] الْيَمِينِ فِي الدَّعْوَى الْمُجَرَّدَةِ، وَفِي دَعْوَى الْمَعْرُوفِ فِي هِبَةِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ وَالْكِرَاءِ وَالْإِقَالَةِ وَهُوَ أَصْلٌ مُتَنَازَعٌ فِيهِ، وَلِهَذَا لَمْ يَرَ أَشْهَبُ يَمِينًا فِي دَعْوَى الْعَفْوِ، وَاخْتَلَفَ شُيُوخُنَا فِي التَّنَازُعِ فِيهِ فَقِيلَ هُوَ اخْتِلَافُ قَوْلٍ، وَقِيلَ اخْتِلَافُ حَالٍ، فَلَا تَلْزَمُ الْيَمِينُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، وَتَلْزَمُ مَعَ وُجُودِ التُّهْمَةِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ لِأَشْهَبَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا يَمِينَ عَلَى الْوَلِيِّ لِأَنَّ الْحَلِفَ فِي الدَّمِ إنَّمَا هُوَ خَمْسُونَ يَمِينًا فَهَذَا أَرَادَ أَنْ يُوجِبَ عَلَيْهِ مَعَ الْبَيِّنَةِ قَسَامَةً أَوْ مَعَ الْقَسَامَةِ قَسَامَةً أُخْرَى، وَلَوْ رَضِيَ بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ، أَلَا تَرَى لَوْ اسْتَحْلَفَهُ فَلَمَّا قَامَ لِيَقْتُلَهُ قَالَ عَفَا عَنِّي. قُلْت هَذَا يَرُدُّ تَعْلِيلَ قَوْلِهِ بِعَدَمِ تَوَجُّهِ يَمِينٍ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الْمَعْرُوفِ. الْبُنَانِيُّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ نَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ مُشْكِلٌ مَعَ قَوْلِهِمْ كُلُّ دَعْوَى لَا تَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ فَلَا يَمِينَ بِمُجَرَّدِهَا، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِأَنَّ الْعَفْوَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ، وَلَمْ يُنَبِّهْ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى هَذَا الْبَحْثِ. ابْنُ عَاشِرٍ وَالْمِسْنَاوِيُّ قَوْلُهُ فَإِنْ نَكَلَ إلَخْ يَرُدُّ قَوْلَهُمْ أَنَّ الْعَفْوَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ هُنَا بِالنُّكُولِ وَالْيَمِينِ. وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ اخْتَلَفَ إذَا قَامَ لِلْقَاتِلِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ بِالْعَفْوِ فَفِي الشَّهَادَاتِ مِنْ مُخْتَصَرِ أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، وَنَحْوُهُ لِأَبِي عِمْرَانَ. وَقَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْقَرَوِيِّينَ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَاحْتَجَّ بِمَسْأَلَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي ادِّعَاءِ الْقَاتِلِ الْعَفْوَ. قُلْت كُلُّ هَذَا قُصُورٌ مِنْ قَوْلِ عِيَاضٍ يَقُومُ مِنْهُ إلْزَامُ الْيَمِينِ فِي الدَّعْوَى الْمُجَرَّدَةِ، وَهُوَ أَصْلٌ مُتَنَازَعٌ فِيهِ إلَخْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَ) إنْ ادَّعَى الْقَاتِلُ عَفْوَ الْوَلِيِّ عَنْهُ وَأَنْكَرَهُ الْوَلِيُّ وَطُلِبَتْ مِنْ الْقَاتِلِ بَيِّنَةٌ بِهِ بِالْعَفْوِ فَادَّعَى أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً بِهِ غَائِبَةً (تَلَوَّمَ) الْإِمَامُ (لَهُ) أَيْ الْقَاتِلِ وَأَمْهَلَهُ بِاجْتِهَادِهِ (فِي دَعْوَى) الْقَاتِلِ بَيِّنَةً غَائِبَةً شَاهِدَةً لَهُ بِعَفْوِ الْوَلِيِّ عَنْهُ لِإِحْضَارِ (بَيِّنَتِهِ) أَيْ الْقَاتِلِ (الْغَائِبَةِ) الشَّاهِدَةِ لَهُ بِالْعَفْوِ عَنْهُ قَرُبَتْ أَوْ بَعُدَتْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَحَمَلَهَا عَلَيْهِ الصِّقِلِّيُّ وَعِيَاضٌ، وَقَيَّدَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِالْقَرِيبَةِ وَتَبِعَهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ، وَالْقُرْبُ كَمَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ بِأَنْوَارِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَإِفْرِيقِيَّةَ وَالْبُعْدُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا إنْ ادَّعَى الْقَاتِلُ بَيِّنَةً غَائِبَةً تَلَوَّمَ لَهُ فِيهَا
[ ٩ / ٨٦ ]
وَقُتِلَ بِمَا قَتَلَ، وَلَوْ نَارًا إلَّا بِخَمْرٍ، أَوْ لِوَاطٍ، وَسِحْرٍ، وَمَا يُطَوِّلُ وَهَلْ وَالسُّمُّ، أَوْ يُجْتَهَدُ فِي قَدْرِهِ: تَأْوِيلَانِ،
_________________
(١) [منح الجليل] الْإِمَامُ فَلَمْ يُقَيِّدْهَا الصِّقِلِّيُّ وَلَا عِيَاضٌ، وَفِي رَجْمِهَا إنْ ادَّعَى الْقَاذِفُ أَنَّ مَقْذُوفَهُ عَبْدٌ وَزَعَمَ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً فَإِنْ قَرُبَتْ تَلَوَّمَ الْإِمَامُ، وَإِنْ بَعُدَتْ حُدَّ لَهُ، فَعَلَى تَقْيِيدِهَا بِهَا يَكُونُ وِفَاقًا، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْهِنْدِيِّ لَا يَتَلَوَّمُ لَهُ إلَّا بَعْدَ حَلِفِهِ فِي الْحُقُوقِ يَحْلِفُ هُنَا (وَقُتِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْقَاتِلُ الْمُكَلَّفُ غَيْرُ الْحَرْبِيِّ إلَخْ مَعْصُومًا عَمْدًا عُدْوَانًا (بِ) مِثْلِ (مَا) أَيْ الشَّيْءِ الَّذِي (قَتَلَ) الْقَاتِلُ الْمَقْتُولَ (بِهِ) إنْ لَمْ يَكُنْ نَارًا، بَلْ (وَ) لَوْ كَانَ (نَارًا) فَيُقْتَلُ بِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] وقَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وَاسْتَثْنَى مِمَّا قَتَلَ بِهِ فَقَالَ (إلَّا) قَتْلَهُ عَمْدًا عُدْوَانًا (بِ) إكْرَاهِهِ عَلَى شُرْبِ (خَمْرٍ) حَتَّى مَاتَ فَلَا يُقْتَلُ بِمِثْلِ ذَلِكَ (وَ) إلَّا قَتْلَهُ بِ (لِوَاطٍ) فَلَا يُقْتَلُ بِجَعْلِ نَحْوِ خَشَبَةٍ فِي دُبُرِهِ (وَ) إلَّا قَتْلَهُ بِ (سِحْرٍ) فَلَا يُجْبَرُ الْقَاتِلُ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ بِسِحْرٍ (وَ) إلَّا قَتْلَهُ بِ (مَا) أَيْ شَيْءٍ (يُطَوِّلُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْوَاوِ مُثَقَّلَةً، أَيْ تَطُولُ مَعَهُ الْحَيَاةُ وَلَا يُعَجَّلُ الْمَوْتُ كَنَخْسٍ بِإِبْرَةٍ فَلَا يُقْتَلُ بِمِثْلِهِ، بَلْ يُقْتَلُ بِضَرْبِ عُنُقِهِ بِالسَّيْفِ فِي الْأَرْبَعَةِ لِتَحْرِيمِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ وَتَعْذِيبِ الرَّابِعِ مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِ الْمُمَاثَلَةِ فِيهِ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِيهِ، فَرُبَّ شَخْصٍ يَمُوتُ بِهِ سَرِيعًا وَآخَرُ يَطُولُ. (وَهَلْ وَ) إلَّا قَتْلَهُ بِ (السُّمِّ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ فِي الْأَكْثَرِ وَضَمِّهَا لُغَةُ أَهْلِ الْعَالِيَةِ وَكَسْرِهَا لُغَةُ تَمِيمٍ، فَلَا يُقْتَلُ بِمِثْلِهِ، وَيَتَعَيَّنُ بِالسَّيْفِ، وَهَذَا تَأْوِيلُ أَبِي مُحَمَّدٍ قَوْلُهَا وَمَنْ سَقَى رَجُلًا سُمًّا فَقَتَلَهُ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِغَيْرِ السُّمِّ (أَوْ) يُقْتَلُ بِهِ (وَيُجْتَهَدُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْهَاءِ (فِي قَدْرِهِ) أَيْ السُّمِّ الَّذِي يَقْتُلُهُ لِاخْتِلَافِ الْأَمْزِجَةِ، وَعَلَى هَذَا حَمَلَهَا ابْنُ رُشْدٍ فِي الْجَوَابِ (تَأْوِيلَانِ) ابْنُ شَاسٍ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْقِصَاصِ مَرْعِيَّةٌ فِي قِصَاصِ النَّفْسِ. أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ مَنْ قَتَلَ بِشَيْءٍ قُتِلَ بِهِ إلَّا فِي وَجْهَيْنِ، وَفِي وَصْفَيْنِ الْأَوَّلُ الْمَعْصِيَةُ كَالْخَمْرِ وَاللِّوَاطِ. الثَّانِي النَّارُ وَالسُّمُّ، وَقِيلَ يُقْتَلُ بِالنَّارِ وَالسُّمِّ، سَمِعَ عَبْدُ الْمَلِكِ ابْنَ الْقَاسِمِ
[ ٩ / ٨٧ ]
فَيُغَرَّقُ، وَيُخْنَقُ، وَيُحَجَّرُ، وَيُضْرَبُ بِالْعَصَا لِلْمَوْتِ: كَذِي عَصَوَيْنِ، وَمُكِّنَ مُسْتَحِقٌّ مِنْ السَّيْفِ مُطْلَقًا،
_________________
(١) [منح الجليل] مَنْ قُتِلَ بِتَغْرِيقٍ أَوْ سُمٍّ قُتِلَ بِمِثْلِ ذَلِكَ. ابْنُ رُشْدٍ هُوَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ فِي السُّمِّ، وَتَأَوَّلَهَا الشَّيْخُ فَقَالَ يَعْنِي يُوجِبُ الْقَوَدَ بِغَيْرِ السُّمِّ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ كَتَأْوِيلِ أَصْبَغَ. قَوْلَ مَالِكٍ فِيهِ وَإِذَا قَيَّدَ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ بِالسُّمِّ فَأَحْرَى بِالنَّارِ خِلَافُ قَوْلِ أَصْبَغَ لِإِيقَادٍ بِالنَّارِ. الْبَاجِيَّ الْمَشْهُورُ قَتْلُهُ بِمَا قَتَلَ بِهِ مِنْ نَارٍ أَوْ غَيْرِهَا. (فَيُغَرَّقُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ مُثَقَّلًا الْقَاتِلُ بِالتَّغْرِيقِ (وَيُخْنَقُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ النُّونِ (وَيُحْجَرُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ مُثَقَّلًا. أَيْ يُضْرَبُ بِالْحَجَرِ الْقَاتِلِ بِهِ حَتَّى يَمُوتَ (وَضُرِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْقَاتِلُ (بِالْعَصَا لِلْمَوْتِ) وَشَبَّهَ فِي الضَّرْبِ بِالْعَصَا إلَى الْمَوْتِ فَقَالَ (كَذِي) أَيْ صَاحِبِ (عَصَوَيْنِ) مُثَنَّى عَصَا، أَيْ مَنْ ضَرَبَ مَعْصُومًا عَمْدًا عُدْوَانًا بِعَصَوَيْنِ فَمَاتَ فَيُضْرَبُ بِالْعَصَا حَتَّى يَمُوتَ، وَلَا يُشْتَرَطُ التَّسَاوِي فِي عَدَدِ الضَّرَبَاتِ. اللَّخْمِيُّ اُخْتُلِفَ إنْ ضُرِبَ بِالْعَصَا مِثْلَ الْعَدَدِ الْأَوَّلِ، فَلَمْ يَمُتْ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُضْرَبُ بِهَا حَتَّى يَمُوتَ. وَرَوَى مُحَمَّدٌ إنْ كَانَتْ الْعَصَا تُجْهِزُ فِي ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ قُتِلَ بِهَا، وَأَمَّا ضَرَبَاتٌ فَلَا وَلْيَقْتُلْهُ بِالسَّيْفِ. وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ رَأَى أَنَّهُ إنْ زِيدَ مِثْلُ الضَّرْبَتَيْنِ مَاتَ زَيْدٌ ذَلِكَ وَإِلَّا فَبِالسَّيْفِ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ مُحَمَّدٍ إنْ قُتِلَ الْأَوَّلُ بِالنَّبْلِ أَوْ بِرَمْيِ الْحِجَارَةِ أَوْ بِطَرْحٍ مِنْ جِدَارٍ أَوْ جَبَلٍ أَوْ عَلَى سَيْفٍ أَوْ رُمْحٍ أَوْ غَيْرِهِ فَالسَّيْفُ لِأَنَّ ذَلِكَ يُخْطِئُ فَيَصِيرُ تَفْوِيتًا، وَأَصْلُ قَوْلِ مَالِكٍ الْقَوَدُ بِمِثْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُخْطِئَ فَالظَّالِمُ أَحَقُّ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ. ابْنُ رُشْدٍ إنَّمَا يُقْتَلُ بِمِثْلِ مَا قَتَلَ مَنْ ثَبَتَ قَتْلُهُ بِذَلِكَ، وَأَمَّا مَنْ يُقْتَلُ بِالْقَسَامَةِ فَلَا يُقْتَلُ إلَّا بِالسَّيْفِ. (وَمُكِّنَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا شَخْصٌ (مُسْتَحِقٌّ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ لِلْقَتْلِ (مِنْ) قَتْلِ الْقَاتِلِ بِ (السَّيْفِ مُطْلَقًا) عَنْ تَقْيِيدِهِ بِكَوْنِهِ قَتَلَ بِهِ لِأَنَّهُ أَخَفُّ مِنْ غَيْرِهِ غَالِبًا وَلِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْقِصَاصِ. ابْنُ الْحَاجِبِ مَهْمَا عَدَلَ إلَى السَّيْفِ مُكِّنَ (وَ) إنْ جَنَى شَخْصٌ
[ ٩ / ٨٨ ]
وَانْدَرَجَ طَرَفٌ إنْ تَعَمَّدَهُ، وَإِنْ لِغَيْرِهِ لَمْ يَقْصِدْ مُثْلَةً: كَالْأَصَابِعِ فِي الْيَدِ
_________________
(١) [منح الجليل] غَيْرُ حَرْبِيٍّ إلَخْ عَلَى عُضْوٍ مَعْصُومٍ عَمْدًا عُدْوَانًا ثُمَّ قَتَلَهُ كَذَلِكَ (انْدَرَجَ) فِي قَتْلِ النَّفْسِ (طَرَفٌ) بِفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ يَلِيهَا فَاءٌ كَعَيْنٍ وَيَدٍ وَرِجْلٍ (إنْ تَعَمَّدَهُ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا، أَيْ الْجَانِي الطَّرَفَ إنْ كَانَ الطَّرَفُ لِلْمَقْتُولِ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (لِغَيْرِهِ) أَيْ الْمَقْتُولِ بِأَنْ قَطَعَ يَدَ شَخْصٍ عَمْدًا وَفَقَأَ عَيْنَ آخَرَ عَمْدًا وَقَتَلَ آخَرَ عَمْدًا فَيُقْتَلُ الْجَانِي فَقَطْ، وَلَا يُقْطَعُ شَيْءٌ مِنْ أَطْرَافِهِ وَلَا تُفْقَأُ عَيْنُهُ (إنْ لَمْ يَقْصِدْ) الْجَانِي بِجِنَايَتِهِ عَلَى الطَّرَفِ (مُثْلَةً) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، أَيْ تَمْثِيلًا وَتَشْوِيهًا، فَإِنْ قَصَدَهَا فَلَا يَنْدَرِجُ الطَّرَفُ فِي الْقَتْلِ فَيُقْتَصُّ مِنْ الطَّرَفِ ثُمَّ يُقْتَلُ. وَشَبَّهَ فِي الِانْدِرَاجِ فَقَالَ (كَالْأَصَابِعِ) الَّتِي قُطِعَتْ عَمْدًا عُدْوَانًا فَتَنْدَرِجُ (فِي) قَطْعِ (الْيَدِ) فَإِنْ قَطَعَ غَيْرُ الْحَرْبِيِّ الْمُكَلَّفِ إلَخْ أَصَابِعَ مَعْصُومٍ عَمْدًا عُدْوَانًا ثُمَّ قَطَعَ كَفَّهُ فَتُقْطَعُ يَدُ الْقَاطِعِ مِنْ كُوعِهَا، وَيَكْفِي قَطْعُهَا فِي الْقِصَاصِ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْأَصَابِعُ وَالْكَفُّ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ أَوْ لِشَخْصَيْنِ، فَإِنْ قَطَعَ أَصَابِعَ شَخْصٍ وَيَدَ آخَرَ مِنْ الْكُوعِ وَيَدَ آخَرَ مِنْ الْمِرْفَقِ فَيُقْطَعُ لَهُمْ مِنْ الْمِرْفَقِ فَقَطْ، وَتَنْدَرِجُ فِيهِ الْأَصَابِعُ وَالْكَفُّ إنْ لَمْ يَقْصِدْ بِقَطْعِ الْأَصَابِعِ أَوَّلًا التَّمْثِيلَ، فَإِنْ قَصَدَهُ قُطِعَتْ أَصَابِعُهُ ثُمَّ كَفُّهُ. وَمَفْهُومُ إنْ تَعَمَّدَهُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَتَعَمَّدْهُ فَلَا يَنْدَرِجُ، فَإِنْ قَطَعَ يَدَ شَخْصٍ خَطَأً ثُمَّ قَتَلَهُ عَمْدًا عُدْوَانًا فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ، وَدِيَةُ الْيَدِ عَلَى عَاقِلَتِهِ. فِيهَا إنْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ يُقْتَلُ وَلَا تُقْطَعُ يَدَاهُ وَلَا رِجْلَاهُ، وَكُلُّ قِصَاصِ الْقَتْلِ يَأْتِي عَلَيْهِ. ابْنُ يُونُسَ أَرَادَ إلَّا أَنْ يَفْعَلَهُ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْعَذَابِ. أَصْبَغُ إنْ لَمْ يُرِدْ الْقَاتِلُ بِقَطْعِ يَدِهِ الْعَبَثَ وَالْإِيلَامَ يُقْتَلُ، وَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ فُعِلَ بِهِ مِثْلُهُ وَقَالَهُ ابْنُ مُزَيْنٍ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ وَفَقَأَ عَيْنَ آخَرَ فَالْقَتْلُ يَأْتِي عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ. اللَّخْمِيُّ إنْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَتَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ وَلَمْ يُرِدْ قَتْلَهُ قُتِلَ وَلَا تُقْطَعُ أَطْرَافُهُ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ قَتْلَهُ فَفَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ قَتَلَهُ فَوْرًا قُتِلَ، وَلَا يُقْطَعُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ أَشْهَبُ يُقْطَعُ ثُمَّ يُقْتَلُ وَقَالَهُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنْ أَرَادَ بِهِ مُثْلَةً وَهُوَ أَحْسَنُ.
[ ٩ / ٨٩ ]
وَدِيَةُ الْخَطَإِ عَلَى الْبَادِي مُخَمَّسَةٌ: بِنْتُ مَخَاضٍ، وَوَلَدَا لَبُونٍ، وَحِقَّةٌ: وَجَذَعَةٌ
وَرُبِّعَتْ فِي عَمْدٍ بِحَذْفِ ابْنِ اللَّبُونِ
_________________
(١) [منح الجليل] اللَّخْمِيُّ لَوْ قَطَعَ أَصَابِعَهُ ثُمَّ يَدَهُ فَإِنْ قَطَعَ يَدَهُ بِنِيَّةٍ حَدَثَتْ كَفَى قَطْعُ يَدِهِ عَنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ بِنِيَّةِ قَطْعِ الْجَمِيعِ عَلَى وَجْهِ التَّعْذِيبِ، جَرَى عَلَى قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ. ابْنُ عَرَفَةَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ أَوَّلًا أَنَّ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالْقَتْلِ عَنْ الْقَطْعِ. ثَالِثُهَا إنْ لَمْ يُرِدْ الْمُثْلَةَ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَمَالِكٍ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي الْيَدِ قَصْرُ الْخِلَافِ عَلَى قَصْدِ الْمُثْلَةِ (وَدِيَةُ) الْقَتْلِ (الْخَطَأِ) ابْنُ عَرَفَةَ الدِّيَةُ مَالٌ يَجِبُ بِقَتْلِ آدَمِيٍّ حُرٍّ عَنْ دَمِهِ أَوْ بِجُرْحِهِ مُقَدَّرًا شَرْعًا لَا بِالِاجْتِهَادِ فَيَخْرُجُ مَا يَجِبُ بِقَتْلِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ مِنْ قِيمَةِ بَهِيمَةٍ، وَمَا يَجِبُ بِقَتْلِ رِقٍّ مِنْ قِيمَتِهِ وَالْحُكُومَةُ (عَلَى) عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ (الْبَادِي) أَيْ الْمَنْسُوبِ لِلْبَادِيَةِ لِسُكَّانِهَا لِلْحُرِّ الذَّكَرِ الْمُسْلِمِ إذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْإِبِلِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ إبِلٌ فَالظَّاهِرُ تَكْلِيفُهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَى أَهْلِ حَاضِرَتِهِمْ مِنْ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ (مُخَمَّسَةٌ) أَيْ تُؤْخَذُ مِنْ خَمْسَةِ أَصْنَافٍ مِنْ نَوْعِ الْإِبِلِ رِفْقًا بِمُؤَدِّيهَا عِشْرُونَ (بِنْتُ مَخَاضٍ) أَيْ أُمِّ حَامِلِ مَخْضِ الْجَنِينِ وَتَحَرَّكَ فِي بَطْنِهَا (وَ) أَرْبَعُونَ (وَلَدَا) بِفَتْحِ الدَّالِ مُثَنَّى وَلَدٍ (لَبُونٍ) بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ أُمٍّ ذَاتِ لَبَنٍ عِشْرُونَ إنَاثًا وَعِشْرُونَ ذُكُورًا (وَ) عِشْرُونَ (حِقَّةً وَ) عِشْرُونَ (جَذَعَةً) هَذَا مَذْهَبُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. (وَرُبِّعَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا أَيْ أُخِذَتْ الدِّيَةُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ مِنْ نَوْعِ الْإِبِلِ (فِي) قَتْلِ (عَمْدٍ) عُفِيَ عَنْهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَوْلِيَاءِ أَوْ بَعْضِهِمْ أَوْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى الدِّيَةِ مُبْهَمَةً لِأَنَّهَا فِي الْعَمْدِ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ وَلَا مَعْلُومَةٍ حَالَّةً فِي مَالِ الْجَانِي وَتَرْبِيعُهَا (بِحَذْفِ ابْنِ اللَّبُونِ) الذَّكَرِ مِنْ الْمُخَمَّسَةِ وَتُؤْخَذُ الْمِائَةُ مِنْ الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِيَةِ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ. قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِهَذَا مَضَتْ السُّنَّةُ. ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي الْعَمْدِ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ. ابْنُ نَافِعٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ إذَا قُبِلَتْ مُبْهَمَةً مُرَبَّعَةً يُطْرَحُ ابْنُ اللَّبُونِ. الْبَاجِيَّ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ إنْ اصْطَلَحُوا عَلَى شَيْءٍ عُمِلَ بِهِ، وَإِنْ اصْطَلَحُوا عَلَى دِيَةٍ مُبْهَمَةٍ أَوْ عَفَا بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ رَجَعَ الْأَمْرُ إلَى دِيَةٍ مِثْلِ دِيَةِ
[ ٩ / ٩٠ ]
وَثُلِّثَتْ فِي الْأَبِ وَلَوْ مَجُوسِيًّا فِي عَمْدٍ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ
: كَجُرْحِهِ
_________________
(١) [منح الجليل] الْخَطَأِ. وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ الْمُبْهَمَةُ فِي الْعَمْدِ مُرَبَّعَةٌ، وَفِيهَا دِيَةُ الْعَمْدِ إذَا قُبِلَتْ مُبْهَمَةً فَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْنَانٍ. ابْنُ يُونُسَ وَكَذَا إذَا عَفَا بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ فَجَازَ عَلَى مَنْ يَفِي قُضِيَ لَهُ مِنْ حِسَابِ الدِّيَةِ الْمُرَبَّعَةِ. ابْنُ شَاسٍ وَأَمَّا دِيَةُ الْعَمْدِ إذَا وَجَبَتْ فَمُرَبَّعَةٌ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ مِنْ كُلِّ سِنٍّ مِنْ الْإِنَاثِ بَعْدَ إسْقَاطِ ابْنِ اللَّبُونِ. (وَثُلِّثَتْ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ مُثَقَّلَةً، أَيْ أُخِذَتْ دِيَةُ الْعَمْدِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ (فِي) قَتْلِ (الْأَبِ) وَلَدَهُ عَمْدًا عُدْوَانًا إنْ كَانَ مُسْلِمًا وَكِتَابِيًّا، بَلْ (وَلَوْ) كَانَ (مَجُوسِيًّا فِي) قَتْلِ (عَمْدٍ لَمْ يُقْتَلْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ الْأَبُ (بِهِ) بِأَنْ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَهُ وَلَمْ يَفْعَلْ بِهِ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الْقَتْلِ كَإِضْجَاعِهِ وَذَبْحِهِ أَوْ يُقْتَلُ بِهِ وَعُفِيَ عَنْهُ عَلَى الدِّيَةِ كَفِعْلِ قَتَادَةَ الْمُدْلِجِيِّ بِابْنِهِ حَذَفَهُ بِسَيْفٍ فَأَصَابَ سَاقَهُ فَنَزَّى جُرْحُهُ فَمَاتَ فَقَدِمَ سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ عَرِيفُهُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ " - ﵁ - "، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ اُعْدُدْ لِي عَلَى مَاءِ قُدَيْدٍ عِشْرِينَ وَمِائَةَ بَعِيرٍ حَتَّى أَقْدَمَ عَلَيْك، فَلَمَّا قَدِمَ عُمَرُ أَخَذَ مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ ثَلَاثِينَ حِقَّةً وَثَلَاثِينَ جَذَعَةً وَأَرْبَعِينَ خِلْفَةً، ثُمَّ قَالَ أَيْنَ أَخُو الْمَقْتُولِ، قَالَ هَا أَنَا ذَا، قَالَ خُذْهَا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ «لَيْسَ لِلْقَاتِلِ شَيْءٌ»، كَذَا فِي الْمُوَطَّإِ وَفِي غَيْرِهِ ثُمَّ دَعَا بِأُمِّ الْمَقْتُولِ وَأَخِيهِ فَدَفَعَهَا لَهُمَا، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ " - ﵁ - " سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ «لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ شَيْئًا مِمَّنْ قَتَلَهُ»، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ عَمْدٍ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ عَنْ الْخَطَأِ وَالْعَمْدُ الَّذِي يُقْتَلُ بِهِ، فَفِي الْأَوَّلِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ مُخَمَّسَةٌ، وَفِي الثَّانِي الْقِصَاصُ، وَأَرَادَ بِالْأَبِ الْأَصْلَ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، فَشَمَلَ الْأُمَّ وَالْأَجْدَادَ دُونَ غَيْرِهِمْ قَالَهُ تت. طفي الْمُدْلِجِيُّ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ، أَيْ الْمَنْسُوبُ لِبَنِي مُدْلِجٍ وَسُرَاقَةَ بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَجُعْشُمٍ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَقُدَيْدٍ بِضَمِّ الْقَافِ وَدَالَيْنِ مُهْمَلَيْنِ وَخَصَّ سُرَاقَةَ لِأَنَّهُ سَيِّدُ الْقَوْمِ وَأَمَرَهُ بِإِحْضَارِ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ لِيَخْتَارَ اهـ. وَشَبَّهَ فِي التَّغْلِيظِ فَقَالَ (كَجُرْحِهِ) أَيْ الْأَبِ وَلَدَهُ عَمْدًا فَتُغَلَّظُ عَلَيْهِ دِيَتُهُ بِحَسَبِهِ كَمَا غُلِّظَتْ دِيَةُ النَّفْسِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَقَالَ طفي كَجُرْحِهِ أَيْ الْعَمْدِ الْمُوجِبِ
[ ٩ / ٩١ ]
بِثَلَاثِينَ حِقَّةً، وَثَلَاثِينَ جَذَعَةً وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً: بِلَا حَدِّ سِنٍّ
_________________
(١) [منح الجليل] لِلتَّرْبِيعِ أَوْ التَّثْلِيثِ فِي النَّفْسِ يُوجِبُهُ فِي الْجُرْحِ أَيْضًا. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ رُشْدٍ حُكْمُ تَغْلِيظِ الْجُرْحِ فِي الدِّيَتَيْنِ الْمُرَبَّعَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ حُكْمُ الدِّيَةِ كَامِلَةً. اهـ. فَلَيْسَ الضَّمِيرُ فِي جُرْحِهِ لِلْأَبِ لِقُصُورِهِ، وَلَوْلَا أَنَّهُ يَنْسِجُ عَلَى مِنْوَالِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْقَائِلِ وَتُغَلَّظُ أَيْضًا فِي الْجِرَاحِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَنَّهُ مَوْضُوعُ الْخِلَافِ لَأَمْكَنَ حَمْلُ قَوْلِهِ، كَجُرْحِهِ عَلَى مَعْنَى كَجُرْحِ مَا ذَكَرَ مِنْ مُوجِبِ التَّخْمِيسِ وَالتَّرْبِيعِ وَالتَّثْلِيثِ، إذْ الْجُرْحُ تَابِعٌ لِلدِّيَةِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، فَفِيهَا إنْ قَطَعَ رَجُلٌ أُصْبُعَ رَجُلٍ خَطَأً كَانَ فِي مَالِهِ ابْنَتَا مَخَاضٍ وَابْنَتَا لَبُونٍ وَحِقَّتَانِ وَجَذَعَتَانِ اهـ. وَفِي كِتَابِ ابْنِ مُزَيْنٍ قُلْت لِعِيسَى مَنْ أُصِيبَتْ أُنْمُلَتُهُ قَالَ يَأْتِي بِخَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ وَاحِدٍ مِنْ كُلِّ سِنٍّ، فَيَكُونُ شَرِيكًا فِيهَا لِلْمَجْرُوحِ ثُلُثَا كُلِّ بَعِيرٍ، وَلِلْجَارِحِ ثُلُثُ كُلِّ بَعِيرٍ مِنْهَا وَأُنْمُلَتَانِ يَأْتِي بِعَشْرٍ كَذَلِكَ يَكُونُ لِلْمَجْرُوحِ ثُلُثَا كُلِّ بَعِيرٍ، وَإِنْ قُطِعَتْ أُصْبُعٌ عَمْدًا وَصَالَحَ عَلَى دِيَةٍ مُبْهَمَةٍ يَأْتِي بِثَمَانِيَةِ أَبْعِرَةٍ مِنْ وَاجِبِ أَسْنَانِ الْعَمْدِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ كُلِّ سِنٍّ بَعِيرٌ أَنْ تَكُونَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَأْتِي بِأَرْبَعَةِ أَبْعِرَةٍ مِنْ كُلِّ سِنٍّ وَاحِدٌ فَيَكُونُ شَرِيكًا فِيهَا وَبِالنِّصْفِ. وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ بَعِيرًا كَمَا فِي مَسَائِلِ الْحُكُومَةِ فَفِي الْمُرَبَّعَةِ يَأْتِي بِأَرْبَعَةٍ مِنْ كُلِّ سِنٍّ وَاحِدَةٌ يَكُونُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الرُّبُعُ مِنْ كُلٍّ، وَفِي الْمُثَلَّثَةِ يَأْتِي بِثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ سِنٍّ مِنْ أَسْنَانِهَا وَاحِدَةٌ يَكُونُ لَهُ ثَلَاثَةُ أَعْشَارِ حِقَّةٍ وَثَلَاثَةُ أَعْشَارِ جَذَعَةٍ وَأَرْبَعَةُ أَعْشَارِ خِلْفَةٍ، وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ. وَيَكُونُ التَّثْلِيثُ (بِثَلَاثِينَ حِقَّةً وَثَلَاثِينَ جَذَعَةً وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ أَيْ حَوَامِلَ فِي أَوَّلِ الْحَمْلِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ (بِلَا حَدٍّ) أَيْ تَحْدِيدٍ (بِسِنٍّ) فِي الْخَلِفَاتِ عَلَى الْمَشْهُورِ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا مَعَ غَيْرِهَا مَنْعُ الْأُبُوَّةِ وَالْأُمُومَةِ إيجَابَ ضَرْبِ الْوَلَدِ فَمَاتَ مِنْهُ الْقِصَاصُ مِنْ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ، وَإِذَا قَتَلَ الْأَبُ ابْنَهُ بِحَدِيدَةٍ حَذَفَهُ بِهَا أَوْ بِغَيْرِهَا مِمَّا يُقَادُ مِنْ غَيْرِ الْوَالِدِ فِيهِ دُرِئَ عَنْهُ الْقَوَدُ، وَالْأُمُّ كَالْأَبِ، وَأَبُ الْأَبِ كَالْأَبِ، وَكَذَا قَطْعُ شَيْءٍ مِنْ أَعْضَائِهِ. وَفِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَيْسَ التَّغْلِيظُ فِي الْجِرَاحِ إلَّا فِي الْأَبِ. ابْنُ رُشْدٍ أَرَادَ وَالْأُمَّ، إذْ لَمْ يُفَرِّقْ أَحَدٌ بَيْنَهُمَا فِي هَذَا. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ لَا تُغَلَّظُ فِي جَدٍّ
[ ٩ / ٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [منح الجليل] وَلَا جَدَّةٍ، بِخِلَافِ قَوْلِهَا تُغَلَّظُ فِي الْجَدِّ، أَرَادَ وَالْجَدَّةَ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ فَلَا تُغَلَّظُ عَلَى قَوْلِهَا فِي الْجَدِّ لِلْأَبِ وَلَا فِي الْجَدَّةِ أُمِّ أَبِ الْأُمِّ وَلَا أُمِّ أَبِ الْأَبِ، وَهَذَا قَوْلُ أَشْهَبَ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ تُغَلَّظُ فِي الْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ كُلِّهِمْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ، وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ فِي نَوَازِلِهِ. وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ وَقَفَ فِي الْجَدِّ لِلْأُمِّ وَكُلَّمَا ثَبَتَ التَّغْلِيظُ انْتَفَى الْقِصَاصُ، وَكُلَّمَا انْتَفَى ثَبَتَ الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ الَّذِي يُشْبِهُ الْعَمْدَ، وَإِنْ لَمْ يَعْمِدْ الْقَتْلَ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُقْتَصُّ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيمَا هُوَ مِنْ شِبْهِ الْعَمْدِ، كَضَرْبِهِ بِعَصًا فَيَمُوتُ بِهِ، أَوْ بِسَوْطٍ فَيَفْقَأُ عَيْنَهُ وَشِبْهِ ذَلِكَ. وَفِيهَا أَضْجَعَ ابْنَهُ وَذَبَحَهُ أَوْ شَقَّ بَطْنَهُ أَوْ صَنَعَتْ ذَلِكَ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا فَفِيهِ الْقَوَدُ، وَأَكْثَرُ الْأَشْيَاخِ لَمْ يَذْكُرُوا فِي هَذَا الْقِصَاصَ خِلَافًا. وَقَالَ الْبَاجِيَّ لَوْ أَضْجَعَهُ فَذَبَحَهُ أَوْ شَقَّ بَطْنَهُ، وَهَذَا الَّذِي يُسَمِّيهِ الْفُقَهَاءُ قَتْلَ غِيلَةٍ، فَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يُقْتَلُ بِهِ. وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يُقْتَلُ بِهِ بِحَالٍ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَنَقَلَهُ ابْنُ الْقَصَّارِ كَذَا فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ لِعَبْدِ الْوَهَّابِ. وَقَالَ ابْنُ حَارِثٍ اتَّفَقُوا فِي الرَّجُلِ يَضْجَعُ ابْنَهُ فَيَذْبَحُهُ وَيَثْبُتُ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارِهِ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ، وَاخْتَلَفُوا إذَا قَالَ الِابْنُ أَضْجَعَنِي أَبِي وَذَبَحَنِي وَمَاتَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُقْتَلُ بِهِ بَعْدَ الْقَسَامَةِ سَمِعَهُ يَحْيَى، وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يُقْتَلُ بِهِ فِي مِثْلِ هَذَا. ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا يَجْرَحُ الْأَبُ وَلَدَهُ أَوْ يَقْطَعُ شَيْئًا مِنْ أَعْضَائِهِ بِحَالِ مَا صَنَعَ الْمُدْلِجِيُّ، فَإِنَّ الدِّيَةَ تُغَلَّظُ فِيهِ. الشَّيْخُ عَنْ الْمَجْمُوعَةِ تُغَلَّظُ فِي الْجُرْحِ عِنْدَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَإِنْ كَانَ ذَكَرَ عَنْهُ غَيْرَ ذَلِكَ فَالثَّابِتُ مِنْ قَوْلِهِ وَمَا عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ التَّغْلِيظُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَمْدًا لَا شَكَّ فِيهِ. ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ مِثْلُ أَنْ يُضْجِعَهُ وَيَذْبَحَهُ أَوْ يُدْخِلَ أُصْبُعَهُ فِي عَيْنِهِ تَعَمُّدًا لِفَقْئِهَا. ابْنُ شَاسٍ إذَا ثَبَتَ الْقِصَاصُ فَإِنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ الْقَائِمُ بِالدَّمِ غَيْرَ وَلَدِ الْأَبِ مِثْلَ الْعَصَبَةِ قَالَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ. ابْنُ الْحَاجِبِ شَرْطُ الْقِصَاصِ عَلَى الْأَجْدَادِ أَنْ يَكُونَ الْقَائِمُ بِالدَّمِ غَيْرَ وَلَدِ الْأَبِ. قُلْت عَبَّرَ عَنْهُ فِي آخِرِ فَصْلِ الْقِصَاصِ بِقَوْلِهِ يُكْرَهُ قِصَاصُ الِابْنِ مِنْ أَبِيهِ وَهُوَ نَصُّ دِيَاتِهَا
[ ٩ / ٩٣ ]
وَعَلَى الشَّامِيِّ، وَالْمِصْرِيِّ، وَالْمَغْرِبِيِّ: أَلْفُ دِينَارٍ، وَعَلَى الْعِرَاقِيِّ: اثْنَا عَشْرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، إلَّا فِي الْمُثَلَّثَةِ، فَيُزَادُ بِنِسْبَةِ مَا بَيْنَ الدِّيَتَيْنِ
_________________
(١) [منح الجليل] إنْ كَانَ وَلِيُّ الدَّمِ وَلَدَ الْقَاتِلِ فَقَدْ كَرِهَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْقِصَاصَ مِنْهُ، وَقَالَ يُكْرَهُ أَنْ يُحْلِفَهُ فِي الْحَقِّ، فَكَيْفَ يُقْتَصُّ مِنْهُ. وَفَسَّرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْكَرَاهَةَ بِالتَّحْرِيمِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِقَوْلِ قَذْفِهَا اسْتَثْقَلَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ يُحَدَّ لِوَلَدِهِ. ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ قَامَ بِحَقِّهِ حُدَّ لَهُ (وَ) عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ خَطَأً (الشَّامِيِّ وَالْمِصْرِيِّ وَالْمَغْرِبِيِّ أَلْفُ دِينَارٍ) شَرْعِيٌّ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ ذَهَبٍ (وَعَلَى) عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ خَطَأً (الْعِرَاقِيِّ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ) شَرْعِيٍّ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ وَرِقٍ. الْإِمَامُ مَالِكٌ " - ﵁ - " قَوَّمَ عُمَرُ " - ﵁ - " الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفِ دِرْهَمٍ حِينَ صَارَتْ أَمْوَالُهُمْ ذَهَبًا وَوَرِقًا وَتَرَكَ دِيَةَ الْإِبِلِ عَلَى أَهْلِهَا بِحَالِهَا ثُمَّ قَالَ لَا يُقْبَلُ مِنْ أَهْلِ صِنْفٍ مِنْ ذَلِكَ صِنْفٌ غَيْرُهُ وَلَا يُقْبَلُ فِي الدِّيَةِ بَقَرٌ وَلَا غَنَمٌ وَلَا عَرَضٌ. ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ فِيهَا كَأَهْلِ الشَّامِ الْجَلَّابُ وَالْمَغْرِبِ ابْنُ حَبِيبٍ وَالْأَنْدَلُسِ وَمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَعَلَى ذَوِي الْوَرِقِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فِيهَا كَأَهْلِ الْعِرَاقِ وَفَارِسَ وَخُرَاسَانَ، وَفِي سَمَاعِ أَصْبَغَ أَشْهَبَ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ أَهْلُ ذَهَبٍ أَصْبَغُ هُمْ الْيَوْمَ كَذَلِكَ. ابْنُ رُشْدٍ لِأَنَّ أَهْلَ الْإِبِلِ هُمْ الْبَوَادِي وَأَهْلُ الْعَمُودِ، وَأَمَّا أَهْلُ الْأَمْصَارِ وَالْمَدَنِ فَأَهْلُ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ، وَقَوْلُ أَصْبَغَ هُمْ الْيَوْمَ أَهْلُ ذَهَبٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَحْوَالَ أَهْلِ الْبِلَادِ تَنْتَقِلُ، وَأَهْلِ الْأَنْدَلُسِ الْيَوْمَ أَهْلُ ذَهَبٍ، وَقَدْ كَانُوا فِي الْقَدِيمِ أَهْلَ وَرِقٍ عَلَى مَا يُوجَدُ فِي وَثَائِقِهِمْ وَقَالَهُ الْمُؤَرِّخُونَ. قُلْت اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ. وَاسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ أَلْفَ دِينَارٍ وَاثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَقَالَ (إلَّا فِي) الدِّيَةِ (الْمُثَلَّثَةِ) عَلَى الْأَبِ فِي قَتْلِ وَلَدِهِ الَّذِي لَا يُقْتَلُ بِهِ (فَيُزَادُ) عَلَى الْأَلْفِ دِينَارٍ لِأَهْلِ الذَّهَبِ، وَعَلَى الِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ لِأَهْلِ الْوَرِقِ وَنَائِبُ فَاعِلِ يُزَادُ (نِسْبَةُ مَا) أَيْ الْقَدْرِ الَّذِي (بَيْنَ)
[ ٩ / ٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [منح الجليل] قِيمَتَيْ، (الدِّيَتَيْنِ) الْمُخَمَّسَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ لَقِيمَة الْمُخَمَّسَةِ، فَإِنْ كَانَتْ رُبُعًا زِيدَ عَلَى الْأَلْفِ أَوْ الِاثْنَيْ عَشَرَ رُبُعُهُ، وَإِنْ كَانَتْ ثُلُثًا زِيدَ ثُلُثُهُ وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ بِأَنْ يُقَالَ مَا قِيمَةُ الْمِائَةِ مِنْ الْإِبِلِ مُخَمَّسَةٌ مُؤَجَّلَةٌ بِثَلَاثِ سِنِينَ، فَإِذَا قِيلَ ثَمَانُونَ فَيُقَالُ وَمَا قِيمَتُهَا مُثَلَّثَةً حَالَّةً، فَإِذَا قِيلَ مِائَةٌ فَمَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ عِشْرُونَ وَنِسْبَتُهُ لِلثَّمَانِينَ قِيمَةُ الْمُخَمَّسَةِ رُبُعٌ، فَيُزَادُ عَلَى أَلْفٍ رُبُعُهُ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ، وَعَلَى اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا رُبُعُهَا ثَلَاثَةُ آلَافٍ، وَعُلِمَ مِنْ اقْتِصَارِ الْمُصَنِّفِ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْمُثَلَّثَةِ أَنَّ الْمُرَبَّعَةَ لَا تُغَلَّظُ فِي دِيَةِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ رُشْدٍ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَالَ هُوَ وَابْنُ نَافِعٍ لَا تُغَلَّظُ عَلَيْهَا بِفَضْلِ مَا بَيْنَ أَسْنَانِ دِيَةِ الْخَطَأِ وَدِيَةِ الْعَمْدِ، كَمَا فِي تَغْلِيظِ الدِّيَةِ الْمُثَلَّثَةِ وَهُوَ ظَاهِرُهَا وَلِيَحْيَى عَنْ أَشْهَبَ تُغَلَّظُ بِفَضْلِ مَا بَيْنَهُمَا، وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ بَعْدَ ذِكْرِ الْقَوْلَيْنِ وَقِيلَ قِيمَةُ الْإِبِلِ الْمُغَلَّظَةِ مَا لَمْ تَنْقُصْ هُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي كَيْفِيَّةِ تَغْلِيظِ الْمُثَلَّثَةِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي تَغْلِيظِهَا عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ قَوْلَانِ لِلْمَشْهُورِ وَاللَّخْمِيُّ عَنْ أَوَّلِ قَوْلَيْ مَالِكٍ " - ﵁ - " فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَفِيهَا تُغَلَّظُ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَيُحْمَلُ عَلَى دِيَةِ الْخَطَأِ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ جُزْؤُهَا الْمُسَمَّى لِلْخَارِجِ مِنْ تَسْمِيَةِ فَضْلِ قِيمَةِ الْإِبِلِ مُغَلَّظَةً عَلَى قِيمَتِهَا فِي الْخَطَأِ. عِيَاضٌ اخْتَلَفَ الْقَرَوِيُّونَ وَالصَّقَلِّيُّونَ هَلْ هَذَا التَّقْوِيمُ عَلَى أَنَّهَا حَالَّةٌ أَوْ مُنَجَّمَةٌ. ابْنُ رُشْدٍ فِي كَوْنِ التَّغْلِيظِ بِعِدْلِهَا أَوْ يُحْمَلُ الْفَضْلُ دُونَ تَسْمِيَةِ ثَالِثِهَا بِإِيجَابِ قِيمَةِ الْإِبِلِ مُغَلَّظَةً مَا لَمْ تَنْقُصْ عَنْ دِيَةِ الْخَطَأِ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَالثَّانِي أَظْهَرُ، وَفِي تَغْلِيظِ دِيَةِ الْعَمْدِ قَوْلَانِ وَفِيهَا الْأَبُ يَجْرَحُ وَلَدَهُ أَوْ يَقْطَعُ شَيْئًا مِنْ أَعْضَائِهِ كَصُنْعِ الْمُدْلِجِيِّ، فَإِنَّ الدِّيَةَ تُغَلَّظُ فِيهِ سَحْنُونٌ إلَّا الْجَائِفَةَ وَالْآمَّةَ وَالْمُنَقِّلَةَ، فَإِنَّ الْأَجْنَبِيَّ لَا يُقَادُ مِنْهُ فِيهَا. ابْنُ رُشْدٍ حُكْمُ تَغْلِيظِ الْجِرَاحِ فِي الدِّيَتَيْنِ الْمُرَبَّعَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ حُكْمُ الدِّيَةِ كَامِلَةً فِي الْخِلَافِ فِي التَّغْلِيظِ وَصِفَتُهُ إلَّا الْجَائِفَةَ وَالْآمَّةَ وَالْمُنَقِّلَةَ وَشَبَهَهَا مِنْ مَتَالِفِ الْجِرَاحِ لَا تَغْلِيظَ عَلَى الْأَبِ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِتَغْلِيظِ دِيَةِ الْعَمْدِ، وَالتَّغْلِيظُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَأَصْحَابِهِمَا فِيمَا صَغُرَ مِنْ الْجِرَاحِ أَوْ كَبُرَ، وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّمَا التَّغْلِيظُ فِيمَا بَلَغَ الثُّلُثَ.
[ ٩ / ٩٥ ]
وَالْكِتَابِيُّ، وَالْمُعَاهِدُ: نِصْفُ دِيَتِهِ، وَالْمَجُوسِيُّ وَالْمُرْتَدُّ: ثُلُثُ خُمُسٍ، وَأُنْثَى كُلٍّ كَنِصْفِهِ
_________________
(١) [منح الجليل] قُلْت ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْجَائِفَةَ وَالْآمَّةَ وَالْمُنَقِّلَةَ لَا تُغَلَّظُ فِيهَا ظَاهِرُ لَفْظِ الْبَاجِيَّ وَغَيْرِهِ أَنَّهَا كَغَيْرِهَا مِنْ الْجِرَاحِ. ابْنُ زَرْقُونٍ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا تَغْلِيطَ فِي الْجِرَاحِ. وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - ﵁ - " فِي الْمَدَنِيَّةِ وَالْمَبْسُوطِ تُغَلَّظُ فِي الْجِرَاحِ كُلِّهَا، أَوْ فَرَّقَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَسَحْنُونٌ بَيْنَ مَا يُقْتَصُّ مِنْهُ فِي الْعَمْدِ وَمَا لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ فِيهِ. الشَّيْخُ عَنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ إنْ رَضِيَ الْكِتَابِيُّونَ بِحُكْمِنَا حَكَمْنَا بَيْنَهُمْ بِالتَّغْلِيظِ فِي النَّفْسِ وَالْجِرَاحِ وَالْمَجُوسُ لَا تُغَلَّظُ عَلَيْهِمْ قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَالْمُغِيرَةُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ. - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَأَنْكَرَ سَحْنُونٌ قَوْلَ عَبْدِ الْمَلِكِ تُغَلَّظُ فِي الْمَجُوسِ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا يَرَوْنَ أَنْ لَا تَغْلِيظَ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ أَرَ قَوْلَهُ فِي سَمَاعٍ. (وَلِلْكِتَابِيِّ) الذِّمِّيِّ الْمَقْتُولِ خَطَأً الْحُرُّ يَهُودِيًّا كَانَ أَوْ نَصْرَانِيًّا (وَ) الْكِتَابِيِّ (الْمُعَاهَدِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْهَاءِ أَيْ الْحَرْبِيُّ الْمُصَالِحُ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ مُدَّةً (نِصْفُ دِيَتِهِ) أَيْ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ، فَعَلَى عَاقِلَةِ الْبَادِي خَمْسُونَ مِنْ الْإِبِلِ مُخَمَّسَةً، وَعَلَى عَاقِلَةِ الشَّامِيِّ وَمَنْ بَعْدَهُ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ، وَعَلَى عَاقِلَةِ الْعِرَاقِيِّ وَمَنْ مَعَهُ سِتَّةُ آلَافِ دِرْهَمٍ (وَلِلْمَجُوسِيِّ) الذِّمِّيِّ أَوْ الْمُعَاهَدِ الْحُرِّ الْمَقْتُولِ خَطَأً (وَالْمُرْتَدُّ) عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ تَقَرُّرِهِ لَهُ (ثُلُثُ خُمُسٍ) مِنْ دِيَةِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ وَهُوَ مِنْ الْإِبِلِ سِتَّةٌ وَثُلُثَانِ، وَمِنْ الذَّهَبِ سِتَّةٌ وَسِتُّونَ دِينَارًا وَثُلُثَا دِينَارٍ، وَمِنْ الْوَرِقِ ثَمَانُمِائَةِ دِرْهَمٍ. (وَ) دِيَةُ (أُنْثَى كُلٍّ) مِنْ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ وَالْحُرِّ الْكِتَابِيِّ وَالْحُرِّ الْمَجُوسِيِّ وَالْمُرْتَدِّ (نِصْفُهُ) أَيْ نِصْفُ دِيَتِهِ فَدِيَةُ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ مِنْ الْإِبِلِ خَمْسُونَ مُخَمَّسَةً، وَمِنْ الدَّنَانِيرِ خَمْسُمِائَةٍ، وَمِنْ الدَّرَاهِمِ سِتَّةُ آلَافٍ وَدِيَةُ الْحُرَّةِ الْكِتَابِيَّةِ مِنْ الْإِبِلِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ، وَمِنْ الدَّنَانِيرِ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ، وَمِنْ الدَّرَاهِمِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَدِيَةُ الْحُرَّةِ الْمَجُوسِيَّةِ وَالْمُرْتَدَّةِ مِنْ الْإِبِلِ ثَلَاثَةٌ وَثُلُثٌ، وَمِنْ الدَّنَانِيرِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ. وَمِنْ الدَّرَاهِمِ أَرْبَعُمِائَةٍ فِيهَا دِيَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ وَدِيَةُ نِسَائِهِمْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ رِجَالِهِمْ وَدِيَةُ الْمَجُوسِيِّ ثَمَانُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَالْمَجُوسِيَّةُ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ. ابْنُ شَاسٍ وَالْمُعَاهَدُ كَالذِّمِّيِّ. ابْنُ عَرَفَةَ وَالْمُرْتَدُّ إنْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ
[ ٩ / ٩٦ ]
وَفِي الرَّقِيقِ قِيمَتُهُ وَإِنْ زَادَتْ، فِي الْجَنِينِ، وَإِنْ عَلَقَةً:
_________________
(١) [منح الجليل] قَبْلَ اسْتِتَابَتِهِ فَلَا يُقْتَلُ بِهِ. الْبَاجِيَّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَأَصْبَغَ دِيَتُهُ دِيَةُ مَجُوسِيٍّ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ فِي نَفْسِهِ وَجُرْحِهِ رَجَعَ لِلْإِسْلَامِ، أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ. وَلِسَحْنُونٍ عَنْ أَشْهَبَ دِيَتُهُ دِيَةُ أَهْلِ الدِّينِ الَّذِي ارْتَدَّ إلَيْهِ وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ قِيلَ لَا دِيَةَ لَهُ عَلَى قَاتِلِهِ، وَفِي الْبَيَانِ قَالَهُ سَحْنُونٌ وَرُوِيَ عَنْ أَشْهَبَ. وَفِي تَعْلِيقَةِ الطُّرْطُوشِيِّ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ بِحَالٍ كَمَنْ فِي جَزِيرَةٍ إنْ قَتَلَ قَالَ أَصْحَابُنَا لَا يَضْمَنُ. وَمِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - ﵁ - " إنْ أَقَامَ مُسْلِمٌ بِدَارِ الْحَرْبِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْخُرُوجِ فَلَا دِيَةَ لَهُ، وَفِيهَا مَعَ غَيْرِهَا دِيَةُ نِسَاءِ كُلِّ نَوْعٍ نِصْفُ دِيَةِ رِجَالِهِ وَدِيَةُ جِرَاحِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ دِيَاتِهِمْ كَدِيَةِ جِرَاحِ الْمُسْلِمِ مِنْ دِيَتِهِ (وَفِي) قَتْلِ (الرَّقِيقِ) خَطَأً مُطْلَقًا أَوْ عَمْدًا مِنْ حُرٍّ مُسْلِمٍ (قِيمَتُهُ) أَيْ الرَّقِيقِ فِي مَالِ قَاتِلِهِ إنْ كَانَ حُرًّا وَرَقَبَتُهُ إنْ كَانَ رَقِيقًا إنْ لَمْ تَزِدْ عَنْ دِيَةِ الْحُرِّ، بَلْ (وَإِنْ زَادَتْ) قِيمَتُهُ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ لِأَنَّهُ مَالٌ وَمَنْ أَتْلَفَ مَالًا مُقَوَّمًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ اتِّفَاقًا، وَيُقَوَّمُ قِنًّا وَلَوْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ مُبَعَّضًا أَوْ مُعْتَقًا لِأَجَلٍ أَوْ مُكَاتَبًا، وَتُؤُوِّلَتْ عَلَى اعْتِبَارِ قِيمَتِهِ مُكَاتَبًا. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا مَعَ غَيْرِهَا فِي كُلِّ ذِي رِقٍّ قِيمَتُهُ وَلَوْ زَادَتْ عَلَى أَكْبَرِ دِيَةٍ (وَ) فِي التَّسَبُّبِ فِي إلْقَاءِ (الْجَنِينِ) لِمَرْأَةٍ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَقَةً، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (عَلَقَةً) أَيْ دَمًا مُجْتَمِعًا إذَا صُبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ حَارٌّ لَا يَذُوبُ سُمِّيَ بِهِ لِاتِّصَالِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ. الْبُنَانِيُّ هَذَا الْحَمْلُ صَحِيحٌ مُوَافِقٌ لِلُّغَةِ، فَفِي الصِّحَاحِ الْعَلَقُ الدَّمُ الْغَلِيظُ وَالْقِطْعَةُ مِنْهُ عَلَقَةٌ وَهُوَ ظَاهِرُ التَّهْذِيبِ، وَبِهِ يَجْرِي الْمُصَنِّفُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الدَّمَ الْمُجْتَمِعَ حَمْلٌ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأُمَّهَاتِ وَاللَّخْمِيِّ وَالْمُتَيْطِيِّ وَابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ الدَّمَ الْمُجْتَمِعَ لَيْسَ عَلَقَةً وَنَصُّ التَّهْذِيبِ وَإِنْ ضُرِبَتْ امْرَأَةٌ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَأَلْقَتْ جَنِينَهَا، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ حَمْلٌ وَإِنْ كَانَ مُضْغَةً أَوْ عَلَقَةً أَوْ مُصَوَّرًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى فَفِيهِ غُرَّةٌ بِغَيْرِ قَسَامَةٍ فِي مَالِ الْجَانِي وَلَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ وَلَا شَيْءَ فِيهِ حَتَّى يُزَايِلَ بَطْنَهَا وَنَصُّ الْأُمَّهَاتِ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - ﵁ - إذَا أَلْقَتْهُ وَعُلِمَ أَنَّهُ حَمْلٌ، فَإِنْ كَانَ مُضْغَةً أَوْ دَمًا فَفِيهِ الْغُرَّةُ، وَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ وَتَكُونُ الْأَمَةُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ. اهـ. وَمِثْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَجْمُوعَةِ.
[ ٩ / ٩٧ ]
عُشْرُ أُمِّهِ، وَلَوْ أَمَةً نَقْدًا، أَوْ غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ تُسَاوِيهِ،
_________________
(١) [منح الجليل] وَقَالَ اللَّخْمِيُّ إذَا كَانَ دَمًا مُتَجَمِّعًا فَنَقَلَ عَنْ مَالِكٍ مَا لَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ أَشْهَبُ لَا شَيْءَ فِيهِ إذَا كَانَ دَمًا بِخِلَافِ كَوْنِهِ عَلَقَةً. ابْنُ مَرْزُوقٍ اُنْظُرْ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَلَقَةِ وَالدَّمِ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ لَفْظِ الْأُمِّ أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا، وَلَعَلَّ صَاحِبَ التَّهْذِيبِ رَآهُمَا شَيْئًا وَاحِدًا فَاقْتَصَرَ عَلَى لَفْظِ الْعَلَقَةِ وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ فَلَا عُهْدَةَ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَجْرَى الْمُتَيْطِيُّ، وَنَصُّهُ وَالْغُرَّةُ تَجِبُ فِي الْجَنِينِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى طُرِحَ عَلَقَةً أَوْ مُضْغَةً أَوْ تَامَّ الْخَلْقِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَسْتَهِلَّ، فَأَمَّا إنْ كَانَ دَمًا مُجْتَمِعًا فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْغُرَّةِ. وَقَالَ أَشْهَبُ لَا شَيْءَ فِيهِ إذَا كَانَ دَمًا، بِخِلَافِ كَوْنِهِ عَلَقَةً. (عُشْرُ) وَاجِبِ (قَتْلِ أُمِّهِ) أَيْ الْجَنِينِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، عَمْدًا كَانَ أَوْ خَطَأً بِضَرْبٍ أَوْ تَخْوِيفٍ أَوْ تَشْمِيمٍ، وَشَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا مِنْ مُنْذُ خُوِّفَتْ أَوْ شُمِّمَتْ لَزِمَتْ الْفِرَاشَ إلَى أَنْ أَسْقَطَتْ جَنِينَهَا وَتَشْهَدُ عَلَى الْإِسْقَاطِ إنْ كَانَتْ حُرَّةً، بَلْ (وَلَوْ) كَانَتْ (أَمَةً) وَأَشَارَ بِلَوْ لِقَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ مَا نَقَصَهَا لِأَنَّهَا مَالٌ فَهِيَ كَسَائِرِ الْحَيَوَانِ حَالَ كَوْنِ الْعُشْرِ (نَقْدًا) أَيْ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ حَالَّةً فِي مَالِ الْجَانِي الْحُرِّ وَرَقَبَةِ الْعَبْدِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْ الْإِبِلِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَقَالَ أَشْهَبُ يُؤْخَذُ مِنْهَا إلَّا أَنْ تَبْلُغَ ثُلُثَ دِيَةِ الْجَانِي، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ لِقَوْلِهَا إنْ ضَرَبَ مَجُوسِيٌّ بَطْنَ مُسْلِمَةٍ خَطَأً فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا حَمَلَتْهُ عَاقِلَةُ الضَّارِبِ، وَفِي ثَالِثِ حَجِّهَا لَوْ ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ خَطَأً فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا ثُمَّ مَاتَتْ بَعْدَهُ، فَفِي الْجَنِينِ عُشْرُ أُمِّهِ، وَفِيهَا دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَتَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ ذَلِكَ كُلَّهُ. أَبُو الْحَسَنِ لِأَنَّهَا ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِنْ كَانَتْ الْغُرَّةُ لَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ لَكِنَّهَا لَمَّا انْضَمَّتْ إلَى الدِّيَةِ كَانَ لَهَا حُكْمُهَا. (أَوْ) فِي الْجَنِينِ (غُرَّةٌ) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ الرَّاءِ، وَبَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ (عَبْدٌ) يُسَاوِي عُشْرَ وَاجِبِ أُمِّهِ (أَوْ وَلِيدَةٌ) أَيْ أَمَةٌ (تُسَاوِيهِ) أَيْ قِيمَةُ الْوَلِيدَةِ عُشْرُ وَاجِبِ الْأُمِّ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ بِسِنٍّ وَلَا بَيَاضٍ، وَلَا بِكَوْنِهَا مِنْ الْخِيَارِ، وَالْأَحْسَنِ أَوْ الْحُمْرِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْخِيَارَ لِلْجَانِي بَيْنَ النَّقْدِ وَالرَّقَبَةِ. اللَّخْمِيُّ وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَمَرَّ عَلَيْهِ هُنَا مَعَ قَوْلِهِ فِي تَوْضِيحِهِ أَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُهُ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ
[ ٩ / ٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [منح الجليل] الَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا بَذَلَ الْجَانِي عَبْدًا أَوْ وَلِيدَةً أُجْبِرُوا عَلَى أَخْذِهِ إنْ سَاوَى خَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ سِتَّمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَإِنْ سَاوَى أَقَلَّ مِنْهَا فَلَا يُجْبَرُونَ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَانْظُرْ كَلَامَهَا كَيْفَ هُوَ بَعِيدٌ عَنْ التَّخْيِيرِ. خَلِيلٌ لَمْ يَنُصَّ عَلَى الْجَبْرِ إلَّا فِي الْعَبْدِ أَوْ الْوَلِيدَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ الْغُرَّةُ دِيَةُ الْجَنِينِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ يُلْقَى غَيْرَ مُسْتَهِلٍّ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ، ثُمَّ قَالَ وَفِيهَا الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ. الْبَاجِيَّ إنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا، وَفِيهَا سَوَاءٌ ضُرِبَتْ أُمُّهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً. وَفِي كَوْنِهَا فِي الْجَانِي أَوْ عَلَى عَاقِلَتِهِ رِوَايَتَانِ لَهَا وَلِلَّخْمِيِّ عَنْ أَبِي الْفَرَجِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَمْ أَرَى لِأَصْحَابِنَا فِي سِنِّ الْغُرَّةِ حَدًّا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - ﵁ - أَقَلُّهُ سَبْعُ سِنِينَ. ابْنُ عَرَفَةَ أَبُو عُمَرَ بَعْضُهُمْ أَقَلُّ سِنِّ الْغُرَّةِ سَبْعُ سِنِينَ لِأَنَّهُ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أُمِّهَا دُونَ هَذَا السِّنِّ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ - ﵁ -، قِيلَ لِلرَّقَبَةِ غُرَّةٌ لِأَنَّهَا غُرَّةُ أَمْوَالِهِمْ أَيْ أَفْضَلُهَا. عِيَاضٌ الْغُرَّةُ لُغَةً النَّسَمَةُ عَبْدًا كَانَتْ أَوْ وَلِيدَةً مِنْ غُرَّةِ الْوَجْهِ، كَمَا تُسَمَّى نَاصِيَةً وَرَأْسًا وَقَدْ تَكُونُ مِنْ الْحَسَنِ، وَعِنْدَ الْعَرَبِ الْغُرَّةُ أَحْسَنُ مَا يُمْلَكُ. أَبُو عِمْرَانَ هِيَ الْأَبْيَضُ وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ غُرَّةً فَلَا يُقْبَلُ فِيهَا الْأَسْوَدُ وَالتَّخْيِيرُ فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ، وَأَمَّا جَنِينُ الْأَمَةِ فَيَتَعَيَّنُ فِيهِ النَّقْدُ إلَّا إذَا كَانَ مِنْ سَيِّدِهَا الْحُرِّ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ كَابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ التَّخْيِيرَ لِلْجَانِي لَا لِمُسْتَحِقِّهَا، وَهُوَ أَرْفَقُ لِقَوْلِ اللَّخْمِيِّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّ الْجَانِيَ مُخَيَّرٌ فِي غُرْمِ الْغُرَّةِ أَوْ عُشْرِ دِيَةِ الْأُمِّ مِنْ كَسْبِهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الدَّنَانِيرِ فَخَمْسُونَ دِينَارًا وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَرِقِ فَسِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَإِذَا دَفَعَ الْعَبْدَ أَوْ الْوَلِيدَةَ جُبِرَ الْوَرَثَةُ عَلَى قَبُولِهِ، وَإِذَا دَفَعَ النَّقْدَ فَكَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ يَحْتَمِلُ جَبْرَهُمْ عَلَى قَبُولِهِ وَعَدَمِهِ، وَالْغُرَّةُ تَجِبُ حَتَّى عَلَى الْأَبِ وَالْأُمِّ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ ضَرْبِ الْجَنِينِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُسْقِطُهُ كَشَمِّ رَائِحَةٍ، فَإِذَا شَمَّتْ الْمَرْأَةُ رَائِحَةَ طَعَامِ الْجِيرَانِ فَطَلَبَتْ مِنْهُ قَدْرًا يَسِيرًا لِتَأْكُلَهُ فَمَنَعُوهَا ذَلِكَ فَأَسْقَطَتْ جَنِينَهَا ضَمِنُوا غُرَّتَهُ فِي مَالِهِمْ، وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ ثُلُثُ الدِّيَةِ فَعَلَى عَاقِلَتِهِمْ، وَكَذَا إذَا عَلِمُوا حَالَهَا وَلَمْ تَطْلُبْ لِأَنَّ الْحَيَاءَ يَمْنَعُهَا مِنْ الطَّلَبِ وَكَذَا لَوْ دَخَلَ أَعْوَانُ الظَّلَمَةِ عَلَى حَامِلٍ فَفَزِعَتْ مِنْهُمْ وَأَسْقَطَتْ جَنِينَهَا وَثَبَتَ الْفَزَعُ وَمُشَاهَدَةُ
[ ٩ / ٩٩ ]
وَالْأَمَةُ مِنْ سَيِّدِهَا، وَالنَّصْرَانِيَّةُ مِنْ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ: كَالْحُرَّةِ إنْ زَايَلَهَا
_________________
(١) [منح الجليل] الْمَرْأَةِ ذَلِكَ وَاتِّصَالُ مَرَضِهَا مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَى إسْقَاطِهَا، وَشَهِدَ امْرَأَتَانِ بِإِسْقَاطِهَا زَادَ سَحْنُونٌ وَرَبِيعَةُ وَرَجُلٌ بِرُؤْيَةِ الْجَنِينِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُشْرُ الدِّيَةِ إنَّمَا يَكُونُ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا وَيَكُونُ حَالًّا وَلَا يَكُونُ مِنْ الْإِبِلِ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِهَا خِلَافًا لِأَشْهَبَ. ابْنُ الْحَاجِبِ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا تُؤْخَذُ الْإِبِلُ، وَقَالَ أَشْهَبُ يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِهَا خَمْسُ فَرَائِضَ. ضَيْح فِي الْمُدَوَّنَةِ لِأَنَّهُ قَدْ قَضَى النَّبِيُّ - ﷺ - بِالْغُرَّةِ وَالنَّاسُ يَوْمَئِذٍ أَهْلُ إبِلٍ، وَإِنَّمَا تَقْوِيمُهَا بِالنَّقْدَيْنِ أَمْرٌ مُسْتَحْسَنٌ وَاخْتَارَ مُحَمَّدٌ وَغَيْرُهُ قَوْلَ أَشْهَبَ. الثَّانِي: الْعُشْرُ أَوْ الْغُرَّةُ مِنْ مَالِ الْجَانِي فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ ثُلُثَ دِيَةِ الْجَانِي كَمِثَالِ الْمُدَوَّنَةِ، أَوْ ثُلُثَ دِيَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهَا، كَمَا إذَا تَعَدَّدَ الْجَنِينُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ مُنَجَّمًا. (وَالْأَمَةُ) جَنِينُهَا (مِنْ سَيِّدِهَا) الْحُرِّ الْمُسْلِمِ أَوْ الْكِتَابِيِّ أَوْ الْمَجُوسِيِّ كَجَنِينِ الْحُرَّةِ فِي أَنَّ فِيهِ عُشْرَ دِيَةِ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ إنْ كَانَ السَّيِّدُ مُسْلِمًا، وَالْكِتَابِيَّةُ إنْ كَانَ كِتَابِيًّا، وَالْمَجُوسِيَّةُ إنْ كَانَ مَجُوسِيًّا، أَوْ غُرَّةَ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ تُسَاوِيهِ لِأَنَّهُ حُرٌّ، وَمَفْهُومُ مِنْ سَيِّدِهَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ زَوْجٍ أَوْ زِنًا لَكَانَ فِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ لَا غَيْرُ لِأَنَّهُ رَقِيقٌ لِسَيِّدِ أُمِّهِ (وَالنَّصْرَانِيَّةُ) أَوْ الْيَهُودِيَّةُ الْحُرَّةُ جَنِينُهَا (مِنْ) زَوْجِهَا (الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ كَ) جَنِينِ (الْحُرَّةِ) الْمُسْلِمَةِ فِي أَنَّ فِيهِ عُشْرَ دِيَةِ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ أَوْ غُرَّةَ عَبْدٍ أَوْ وَلِيَدٍ تُسَاوِيهِ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ تَبَعًا لِأَبِيهِ حُرٌّ تَبَعًا لِأُمِّهِ، وَمَفْهُومُ الْمُسْلِمِ أَنَّ جَنِينَهَا مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا فِيهِ عُشْرُ دِيَتِهَا لِأَنَّهُ حُرٌّ تَبَعًا لَهَا وَأَبَوَاهُ كَافِرَانِ، فَهُوَ مَحْكُومٌ بِكُفْرِهِ تَبَعًا لَهُمَا. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا فِي جَنِينِ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ سَيِّدِهَا مَا فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ وَكَذَا جَنِينُ النَّصْرَانِيَّةِ مِنْ زَوْجِهَا الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ. اللَّخْمِيُّ وَلِأَشْهَبَ فِيهِ عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ وَلَوْ كَانَ زَوْجُ النَّصْرَانِيَّةِ مَجُوسِيًّا فَفِيهِ قَوْلَانِ هَلْ فِيهِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا عَلَى حُكْمِ الْأَبِ، أَوْ عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ. وَبَيَّنَ شَرْطَ كَوْنِ الْجَنِينِ فِيهِ عُشْرَ وَاجِبِ أُمِّهِ أَوْ غُرَّةً بِقَوْلِهِ (إنْ زَايَلَهَا) أَيْ انْفَصَلَ
[ ٩ / ١٠٠ ]
كُلُّهُ حَيَّةً، إلَّا أَنْ يَحْيَا: فَالدِّيَةُ إنْ أَقْسَمُوا وَلَوْ مَاتَ عَاجِلًا
، وَإِنْ تَعَمَّدَهُ بِضَرْبِ بَطْنٍ، أَوْ ظَهْرٍ أَوْ رَأْسٍ: فَفِي الْقِصَاصِ خِلَافٌ
_________________
(١) [منح الجليل] الْجَنِينُ كُلُّهُ عَنْ أُمِّهِ حَالَ كَوْنِهَا (حَيَّةً) فَلَوْ مَاتَتْ قَبْلَ خُرُوجِهِ أَوْ بَعْدَ خُرُوجِ بَعْضِهِ وَقَبْلَ خُرُوجِ بَاقِيهِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَاسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ وَفِي الْجَنِينِ عُشْرُ أُمِّهِ فَقَالَ (إلَّا أَنْ يَحْيَى) أَيْ يَخْرُجَ الْجَنِينُ مِنْ أُمِّهِ حَيًّا حَيَاةً مُحَقَّقَةً بِأَنْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا مَثَلًا ثُمَّ يَمُوتَ (فَ) فِيهِ (الدِّيَةُ) الْكَامِلَةُ لَهُ (إنْ أَقْسَمُوا) أَيْ أَوْلِيَاؤُهُ أَنَّ مَوْتَهُ مِنْ فِعْلِ الْجَانِي إنْ تَرَاخَى مَوْتُهُ عَنْ خُرُوجِهِ، بَلْ (وَلَوْ مَاتَ عَاجِلًا) عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَأَشَارَ بِلَوْ لِقَوْلِ أَشْهَبَ لَا يُقْسِمُونَ إنْ مَاتَ عَاجِلًا وَاسْتَحْسَنَهُ اللَّخْمِيُّ، وَحُجَّةُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مَوْتَهُ فَوْرًا لَا يُعَيِّنُ كَوْنَهُ مِنْ الْجِنَايَةِ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ بِسَبَبٍ آخَرَ طَرَأَ لِأَنَّهُ لِشِدَّةِ ضَعْفِهِ يَتَأَثَّرُ بِأَدْنَى الْأَسْبَابِ (وَإِنْ تَعَمَّدَهُ) أَيْ الضَّارِبُ الْجَنِينَ (بِضَرْبِ ظَهْرٍ أَوْ بَطْنٍ أَوْ رَأْسٍ) لِأُمِّهِ فَأَلْقَتْهُ حَيًّا وَهِيَ حَيَّةٌ حَيَاةً مُحَقَّقَةً بِأَنْ اسْتَهَلَّ صَارِخًا ثُمَّ مَاتَ (فَفِي الْقِصَاصِ) مِنْ الضَّارِبِ وَعَدَمِهِ الْبَاجِيَّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ (خِلَافٌ) أَيْ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ. الْبُنَانِيُّ يَعْنِي أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الدِّيَةِ مَحَلُّهُ إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ خَطَأً، وَأَمَّا إنْ تَعَمَّدَهَا فَإِنْ كَانَتْ بِضَرْبِ كَظَهْرٍ أَوْ بَطْنٍ فَقَالَ أَشْهَبُ لَا قَوَدَ فِيهِ، بَلْ فِيهِ الدِّيَةُ فِي مَالِ الْجَانِي. ابْنُ الْحَاجِبِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ. ضَيْح صَرَّحَ الْبَاجِيَّ بِأَنَّهُ الْمَشْهُورُ كَالْمُصَنِّفِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَسَامَةٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَجْمُوعَةِ، وَأَلْحَقَ ابْنُ شَاسٍ ضَرْبَ الرَّأْسِ بِالظَّهْرِ بِخِلَافِ ضَرْبِهِ الرِّجْلَ وَشِبْهَهَا. وَنَصَّ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي مُخْتَصَرِهِ عَلَى أَنَّ الرَّأْسَ كَالرِّجْلِ فِي نَفْيِ الْقِصَاصِ وَوُجُوبِ الدِّيَةِ فِي مَالِ الْجَانِي. ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ هَذَا إذَا تَعَمَّدَ ضَرْبَ الْبَطْنِ أَوْ الظَّهْرِ أَوْ مَوْضِعًا يَرَى أَنَّهُ أُصِيبَ بِهِ، أَمَّا لَوْ ضَرَبَ رَأْسَهَا أَوْ يَدَهَا أَوْ رِجْلَهَا، فَفِيهِ الدِّيَةُ قُلْت قَوْلُهُ أَوْ رَأْسَهَا يَرُدُّهُ مَا نَقَلَهُ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ ابْنِ مَنَاسٍ أَنَّهُ قَالَ ضَرْبُهَا فِي الرَّأْسِ كَضَرْبِهَا. فِي الْبَطْنِ. اهـ. وَقَالَ بَعْضٌ الرَّاجِحُ الْقِصَاصُ بِقَسَامَةٍ فِي ضَرْبِ الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ وَالرَّاجِحُ عَدَمُهُ، بَلْ الدِّيَةُ بِقَسَامَةٍ فِي ضَرْبِ الرَّأْسِ
[ ٩ / ١٠١ ]
وَتَعَدَّدَ الْوَاجِبُ فِي الْجَنِينِ بِتَعَدُّدِهِ وَتَعَدَّدَ الْوَاجِبُ بِتَعَدُّدِهِ وَوُرِّثَ عَلَى الْفَرَائِضِ:
_________________
(١) [منح الجليل] (وَتَعَدَّدَ الْوَاجِبُ) فِي الْجَنِينِ عُشْرًا أَوْ دِيَةً أَوْ قِيمَةً أَوْ غُرَّةً إنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ، وَالدِّيَةُ إنْ اسْتَهَلَّ (بِتَعَدُّدِهِ) أَيْ الْجَنِينِ. ابْنُ عَرَفَةَ سَمِعَ الْقَرِينَانِ إنْ ضُرِبَتْ فَطَرَحَتْ جَنِينَيْنِ لَمْ يَسْتَهِلَّا فَفِيهِمَا غُرَّتَانِ، وَلَوْ اسْتَهَلَّا فَفِيهِمَا دِيَتَانِ. الْبَاجِيَّ وَرَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ. (وَوَرِثَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ، أَيْ الْمَأْخُوذِ عَنْ الْجَنِينِ بَيْنَ وَرَثَتِهِ (عَلَى) حَسَبِ (الْفَرَائِضِ) أَرَادَ بِهَا مَا يَشْمَلُ التَّعْصِيبَ، إلَى هَذَا رَجَعَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - ﵁ -. وَقَالَ أَوَّلًا لِلْأَبِ ثُلُثَاهُ وَلِلْأُمِّ ثُلُثُهُ وَأَيُّهُمَا انْفَرَدَ أَخَذَهُ مُطْلَقًا، وَعَلَى مَا رَجَعَ إلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إخْوَةٌ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ طفي الْقَوْلُ الَّذِي رَجَعَ عَنْهُ الْإِمَامُ قَوْلُ ابْنِ هُرْمُزَ. الْمُصَنِّفُ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ انْفِرَادُ الْأَبِ، وَشَرْطُ الْعُشْرِ وَالْغُرَّةِ انْفِصَالُهُ عَنْهُمَا حَيَّةً. عَبْدُ الْحَمِيدِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ إذَا خَرَجَ مَيِّتًا بَعْدَ مَوْتِهَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ فِيهِ الْغُرَّةَ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْكِتَابِ فَلَا، وَأَجَابَ الْبِسَاطِيُّ بِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ فِي جَنِينِ النَّصْرَانِيَّةِ مِنْ زَوْجِهَا الْمُسْلِمِ الَّذِي تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَجَنِينِ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ، وَفِي جَنِينِ الْأَمَةِ مِنْ سَيِّدِهَا. قُلْت جَوَابُ الْبِسَاطِيِّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الِانْفِرَادُ بِغَيْرِ مَوْتِ أَحَدِهِمَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَفِي تَبْصِرَةِ اللَّخْمِيِّ وَشَرْحِ الْجَلَّابِ لِابْنِ التِّلِمْسَانِيِّ وَاللَّفْظُ لَهُ مَا نَصُّهُ اُخْتُلِفَ فِي مِيرَاثِهِ فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ شِهَابٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - إنَّهَا تُوَرَّثُ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ، وَلِأَبِيهِ الثُّلُثَانِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي لِأَبِيهِ، وَقَالَ رَبِيعَةُ هِيَ لِلْأُمِّ خَاصَّةً لِأَنَّهُ ثَمَنُ عُضْوٍ مِنْهَا، وَقَالَ ابْنُ هُرْمُزَ لِأَبَوَيْهِ عَلَى الثُّلُثِ لِلْأُمِّ وَالثُّلُثَيْنِ لِلْأَبِ، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا كَانَتْ لِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمَا أَبًا كَانَ أَوْ أُمًّا. ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي كُتُبِ ابْنِ حَبِيبٍ قَالَ مَالِكٌ - ﵁ - مُدَّةً بِقَوْلِ ابْنِ هُرْمُزَ وَقَالَ بِهِ أُبَيٌّ وَالْمُغِيرَةُ، ثُمَّ رَجَعَ مَالِكٌ - ﵁ - إلَى قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهَا مَوْرُوثَةٌ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى. اهـ. فَظَهَرَ بِقَوْلِهِ فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَنَّ الِانْفِرَادَ بِالْمَوَاتِ وَحِينَئِذٍ فَلَا إشْكَالَ، إذْ مَبْنَاهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْكِتَابِ فِي اشْتِرَاطِ أَنْ يُزَايِلَهَا حَيَّةً، وَهَذَا الْقَوْلُ خِلَافُهُ، وَلَا يَسْتَشْكِلُ قَوْلٌ بِمَا قِيلَ بِخِلَافِهِ كَمَا أَشَارَ لَهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٩ / ١٠٢ ]
فَفِي الْجِرَاحِ حُكُومَةٌ، بِنِسْبَةِ نُقْصَانِ الْجِنَايَةِ، إذَا بَرِئَ مِنْ قِيمَتِهِ عَبْدًا فَرْضًا مِنْ الدِّيَةِ.
_________________
(١) [منح الجليل] وَفِي الْجِرَاحِ) الَّتِي لَيْسَ لَهَا دِيَةٌ مُقَدَّرَةٌ مِنْ الشَّارِعِ إذَا بَرِئَتْ عَلَى شَيْنٍ وَنَقْصٍ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ فِيهَا إلَّا الْأَدَبَ فِي الْعَمْدِ الَّذِي لَا قِصَاصَ فِيهِ لِخَشْيَةِ إتْلَافِهِ، فَإِنْ لَمْ تُقَدَّرْ لَهَا دِيَةٌ وَبَرِئَتْ عَلَى شَيْنٍ فَفِيهَا (حُكُومَةٌ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَالْكَافِ أَيْ مَالٌ مَحْكُومٌ بِهِ يُتَوَصَّلُ إلَى مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ (بِنِسْبَةِ نُقْصَانِ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، أَيْ مَا نَقَصَتْهُ قِيمَتُهُ مَعِيبًا بِسَبَبِ (الْجِنَايَةِ) عَلَيْهِ لِقِيمَتِهِ سَلِيمًا فَيُقَوَّمُ عَلَى فَرْضِ رِقِّيَّتِهِ سَالِمًا وَمَعِيبًا، وَيُنْسَبُ مَا نَقَصَتْهُ قِيمَتُهُ مَعِيبًا لِقِيمَتِهِ سَلِيمًا، وَيُحْكَمُ بِمِثْلِ تِلْكَ النِّسْبَةِ مِنْ الدِّيَةِ، فَإِذَا قُوِّمَ سَلِيمًا بِمِائَةٍ وَمَعِيبًا بِثَمَانِينَ فَالنُّقْصَانُ عِشْرُونَ، وَنِسْبَتُهُ لِلْمِائَةِ خُمُسٌ فَيُحْكَمُ بِخُمُسِ الدِّيَةِ. وَتَكُونُ الْحُكُومَةُ (إذَا بَرِئَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مِنْ الْجُرْحِ وَلَا يُسْتَعْجَلُ بِهَا قَبْلَ بُرْئِهِ لِاحْتِمَالِ سَيْلَانِ الْجُرْحِ إلَى الْمَوْتِ فَتَجِبُ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَصِلَةُ نُقْصَانِ (مِنْ قِيمَتِهِ) أَيْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ حَالَ كَوْنِهِ (عَبْدًا فَرْضًا) سَلِيمًا وَيُحْكَمُ عَلَى الْجَانِي بِمِثْلِ تِلْكَ النِّسْبَةِ (مِنْ الدِّيَةِ) لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ. " غ " الْعَامِلُ فِي مَنْ قِيمَتُهُ نُقْصَانٌ، وَفِي مَنْ الدِّيَةُ نِسْبَةٌ طفي هَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ عَاشِرٍ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِحَالٍ، وَبَيَانُهُ أَنَّ نُقْصَانَ الْجِنَايَةِ مِنْ الْقِيمَةِ إنَّمَا يُنْسَبُ مِنْ الْقِيمَةِ لَا مِنْ الدِّيَةِ، وَمِثْلُ تِلْكَ النِّسْبَةِ هُوَ الْوَاجِبُ مِنْ الدِّيَةِ فَالصَّوَابُ أَنَّ مِنْ الْقِيمَةِ يَتَنَازَعُهُ نِسْبَةٌ وَنُقْصَانٌ وَمِنْ الدِّيَةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حَالٍ مِنْ مِثْلِ مُقَدَّرًا قَبْلَ نِسْبَةِ أَيْ كَائِنًا ذَلِكَ الْمِثْلِ مِنْ الدِّيَةِ، وَيَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ وَيُؤْخَذُ مِثْلُ تِلْكَ النِّسْبَةِ مِنْ الدِّيَةِ، وَمَعْنَى فَرْضًا تَقْدِيرًا لَا حَقِيقَةً. ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ عَنْ الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ رَوَى أَصْحَابُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - لَيْسَ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ فِي الْخَطَأِ عَقْلٌ مُسَمًّى. ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ إلَّا أَنْ يَبْرَأَ عَلَى شَيْنٍ فَفِيهِ حُكُومَةٌ وَلِمَالِكٍ - ﵁ - فِي الْمُخْتَصَرِ لَوْ جَرَى أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى عَقْلٍ مُسَمًّى فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ رَأَيْت أَنْ يُبْطِلَهُ الْإِمَامُ وَلَا يَحْكُمُ بِهِ، وَرَوَى عَلِيٌّ مَنْ ضَرَبَ رَجُلًا فَوَقَعَتْ مَصَارِينُهُ فِي أُنْثَيَيْهِ فَإِنَّمَا فِيهِ حُكُومَةٌ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ أَشْهَبَ الْحُكُومَةُ أَنْ يُقَوِّمَ
[ ٩ / ١٠٣ ]
كَجَنِينِ الْبَهِيمَةِ، إلَّا الْجَائِفَةَ وَالْآمَّةَ فَثُلُثٌ؛ وَالْمُوضِحَةَ فَنِصْفُ عُشْرٍ،
_________________
(١) [منح الجليل] ذَلِكَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِقَدْرِ شَيْنِهِ وَضَرَرِهِ، وَرَوَى غَيْرُهُ الْحُكُومَةُ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْرُوحُ عَلَى أَنَّهُ عَبْدٌ صَحِيحٌ، وَيُقَوَّمَ بِذَلِكَ الشَّيْنُ فَمَا نَقَصَهُ نَقَصَ مِثْلُهُ مِنْ دِيَتِهِ وَهُوَ نَصُّ الْجَلَّابِ بِجَعْلِ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ جُزْءًا مِنْ دِيَتِهِ، وَمِثْلُهُ فِي كِتَابِ الْأَبْهَرِيِّ. وَفِي تَعْلِيقَةِ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّ تَفْسِيرَ الْحُكُومَةِ أَنْ يُقَوَّمَ عَبْدًا صَحِيحًا وَعَبْدًا بِجِرَاحَةٍ، وَيُنْظَرُ مَا نَقَصَ فَيَكُونُ عَلَيْهِ مِنْ الدِّيَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ إدْرِيسَ، وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا الْبَغْدَادِيُّونَ وَاَلَّذِي فِي تَفْسِيرِ ابْنِ مُزَيْنٍ الْحُكُومَةُ أَنْ يَنْظُرَ الْإِمَامُ عَلَى قَدْرِ اجْتِهَادِهِ مِنْ يُحْضِرُهُ. قُلْت وَأَلْفَاظُ الْمُدَوَّنَةِ أَتَى فِيهَا مَرَّةً لَفْظُ الْحُكُومَةِ، وَمَرَّةً لَفْظُ الِاجْتِهَادِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا مُتَرَادِفَيْنِ أَوْ مُتَبَايِنَيْنِ اهـ. ابْنُ عَاشِرٍ اتَّفَقَتْ أَنْقَالُ ابْنِ عَرَفَةَ الَّتِي حَكَاهَا فِي تَفْسِيرِ الْحُكُومَةِ أَنَّهَا اسْمٌ لِإِعْمَالِ النَّظَرِ الْمُؤَدِّي إلَى مَعْرِفَةِ الْوَاجِبِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ فِي كَيْفِيَّةِ النَّظَرِ الْمُؤَدِّي إلَيْهَا، وَعَلَى هَذَا فَالْكَلَامُ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ، أَيْ مُؤَدِّي حُكُومَةٍ. تت مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْحُكُومَةِ هُوَ الْمَعْرُوفُ، وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ مُزَيْنٍ أَنَّ الْحُكُومَةَ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ، وَمَنْ حَضَرَهُ عِيَاضٌ وَظَاهِرُهَا عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوَّلِ، وَإِلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ أَشَارَ أَبُو عِمْرَانَ، وَقَالَ هُوَ الَّذِي كُنَّا نَقُولُ بِهِ قَبْلَ أَنْ نَرَى الْقَوْلَ الْآخَرَ. وَشَبَّهَ فِي التَّقْوِيمِ فَقَالَ (كَجَنِينِ الْبَهِيمَةِ) إنْ نَزَلَ مَيِّتًا فَلَا غُرَّةَ فِيهِ، وَتُقَوَّمُ أُمُّهُ حَامِلًا بِهِ فَرْضًا وَمُسْقِطَةً لَهُ، وَعَلَى الْجَانِي مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ النَّعَمِ أَوْ الْخَيْلِ أَوْ الْحَمِيرِ، وَإِنْ نَزَلَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ مَعَ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ أُمِّهِ بِسَبَبِ طَرْحِهِ، وَاسْتَثْنَى مِنْ الْجِرَاحِ فَقَالَ (إلَّا الْجَائِفَةَ) أَيْ الْجُرْحَ الَّذِي أَفْضَى إلَى الْجَوْفِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ عَمْدًا عُدْوَانًا فَلَا قِصَاصَ فِيهِ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَتَالِفِ (وَ) إلَّا (الْآمَّةَ) بِمَدِّ الْهَمْزِ وَشَدِّ الْمِيمِ، أَيْ الْجُرْحَ الَّذِي وَصَلَ إلَى أُمِّ الدِّمَاغِ (فَ) فِي كُلٍّ مِنْهُمَا (ثُلُثٌ) مِنْ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ لِلْمَجْرُوحِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُخَمَّسٌ كَالدِّيَةِ الْكَامِلَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي فَلَا فَرْقَ فِيهِمَا بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ (وَ) إلَّا (الْمُوضِحَةَ) الَّتِي أَظْهَرَتْ الْعَظْمَ خَطَأً (فَ) دِيَتُهَا (نِصْفُ عُشْرٍ) مِنْ دِيَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ،
[ ٩ / ١٠٤ ]
وَالْمُنَقِّلَةَ وَالْهَاشِمَةَ؛ فَعُشْرٌ وَنِصْفُهُ، وَإِنْ بِشَيْنٍ فِيهِنَّ،
_________________
(١) [منح الجليل] وَيُقْتَصُّ مِنْ عَمْدِهَا كَمَا تَقَدَّمَ (وَ) إلَّا (الْمُنَقِّلَةَ) الَّتِي يُنْقَلُ مِنْهَا الْعَظْمُ لِلدَّوَاءِ (وَالْهَاشِمَةَ) الَّتِي هَشَّمَتْ الْعَظْمَ (فَ) دِيَتُهَا (عُشْرٌ) مِنْ دِيَتِهِ بِضَمِّ الْعَيْنِ (وَنِصْفُهُ) أَيْ الْعُشْرِ وَلَوْ عَمْدًا. وَفِي كَلَامِ ابْنِ مَرْزُوقٍ مَا يُشْعِرُ بِتَرْجِيحِ مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، فَإِنَّهُ قَالَ حَقُّهُ أَنْ لَا يَذْكُرَ الْهَاشِمَةَ هُنَا كَمَا فَعَلَ فِي الْقِصَاصِ لِأَنَّهَا هِيَ الْمُنَقِّلَةُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، سِيَّمَا مَعَ اتِّحَادِ دِيَتِهِمَا أَفَادَهُ الْخَرَشِيُّ. الْعَدَوِيُّ قَوْلُهُ مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، أَيْ مِنْ أَنَّ الْمُنَقِّلَةَ هِيَ الْهَاشِمَةُ وَأَنَّ دِيَتَهَا وَاحِدَةٌ وَهُوَ الْعُشْرُ وَنِصْفُهُ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ فِيهَا مَا فِي الْمُوضِحَةِ وَحُكُومَةٌ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ فِيهَا عُشْرًا. وَقَالَ الْبَاجِيَّ فِيهَا مَا فِي الْمُوضِحَةِ، فَإِنْ صَارَتْ مُنَقِّلَةً فَخَمْسَةَ عَشَرَ، فَإِنْ صَارَتْ مَأْمُومَةً فَثُلُثُ الدِّيَةِ. الْبُنَانِيُّ قَوْلُ ابْنِ مَرْزُوقٍ حَقُّهُ أَنْ لَا يَذْكُرَ الْهَاشِمَةَ إلَخْ، فِيهِ نَظَرٌ مَعَ قَوْلِ الْمُتَيْطِيِّ، اُخْتُلِفَ فِي الْهَاشِمَةِ وَهِيَ الَّتِي هَشَّمَتْ الْعَظْمَ إذَا كَانَتْ خَطَأً فَقَالَ مُحَمَّدٌ لَيْسَ فِيهَا إلَّا دِيَةُ الْمُوضِحَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ مِنْ رَأْيِهِ فِيهَا دِيَةُ مُوضِحَةٍ وَحُكُومَةٌ. وَقَالَ شَيْخُهُ أَبُو بَكْرٍ فِيهَا مَا فِي الْمُنَقِّلَةِ. وَفِي الْكَافِي أَنَّ فِي الْهَاشِمَةِ عُشْرَ الدِّيَةِ مِائَةَ دِينَارٍ. وَفِي الْجَوَاهِرِ لَا دِيَةَ فِيهَا، بَلْ فِيهَا حُكُومَةٌ، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ الْمُنَقِّلَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهَا مَعَهَا. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ أَمَّا الْهَاشِمَةُ فَلَمْ يَعْرِفْهَا الْإِمَامُ مَالِكٌ - ﵁ -، وَقَالَ مَا أَرَى هَاشِمَةً فِي الرَّأْسِ إلَّا كَانَتْ مُنَقِّلَةً وَدِيَتُهَا عِنْدَ مَنْ عَرَفَهَا مِنْ الْعُلَمَاءِ وَهُمْ الْجُمْهُورُ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ اللَّخْمِيُّ فِي كَوْنِ عَقْلِهَا كَمُوضِحَةٍ أَوْ مَعَ حُكُومَةٍ ثَالِثُهَا كَالْمُنَقِّلَةِ لِمُحَمَّدٍ وَابْنِ الْقَصَّارِ وَالْأَبْهَرِيِّ وَلَا يُزَادُ عَلَى الدِّيَاتِ الْمَذْكُورَةِ الْمُقَدَّرَةِ لِلْجِرَاحَاتِ الْمُسْتَثْنَاةِ الْمَذْكُورَةِ إنْ بَرِئَتْ عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ، بَلْ (وَإِنْ) بَرِئَتْ (بِشَيْنٍ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ، أَيْ عَيْبٍ وَنَقْصٍ (فِيهِنَّ) أَيْ الْجَائِفَةِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا، لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بَيَّنَ هَذِهِ الدِّيَاتِ لِهَذِهِ الْجِرَاحَاتِ فِي كِتَابِهِ لِعُمَرَ بْنِ حَزْمٍ حِينَ وَجَّهَهُ إلَى نَجْرَانَ وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِبُرْئِهَا عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ. الْخَرَشِيُّ اسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِهِ الْمُوضِحَةَ فَإِنَّهَا إذَا بَرِئَتْ بِشَيْنٍ وَهِيَ فِي الْوَجْهِ أَوْ الرَّأْسِ فَفِيهَا دِيَتُهَا وَأَرْشُ الشَّيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْعَدَوِيُّ، وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يُزَادُ عَلَيْهَا
[ ٩ / ١٠٥ ]
إنْ كُنَّ بِرَأْسٍ أَوْ لَحْيٍ أَعْلَى
وَالْقِيمَةُ لِلْعَبْدِ كَالدِّيَةِ، وَإِلَّا فَلَا تَقْدِيرَ
_________________
(١) [منح الجليل] مُطْلَقًا، وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ يُزَادُ عَلَيْهَا الْأَرْشُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْنُ يَسِيرًا. طفي قَوْلُهُ وَإِنْ بِشَيْنٍ مَا عَدَا الْمُوضِحَةِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ شَيْنُهَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَصَرَّحَ " ح " بِإِخْرَاجِهَا فَقَالَ الضَّمِيرُ لِلْجَائِفَةِ وَالْآمَّةِ وَالْمُنَقِّلَةِ وَالْهَاشِمَةِ وَالْمُوضِحَةِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا حَصَلَ بِسَبَبِ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْجِرَاحَاتِ شَيْنٌ غَيْرَ الْمُوضِحَةِ، وَاخْتُلِفَ فِي انْدِرَاجِ شَيْنِ الْمُوضِحَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، الْأَوَّلُ: يَنْدَرِجُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ هُنَا، وَعَزَاهُ فِي التَّوْضِيحِ لِأَشْهَبَ وَهُوَ ظَاهِرُ إلْحَاقِهَا بِبَقِيَّةِ أَخَوَاتِهَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُزَادُ لِأَجْلِ الشَّيْنِ، سَوَاءٌ كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، وَعَزَاهُ فِي التَّوْضِيحِ لِابْنِ زَرْقُونٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، قَالَ فِيهَا وَمُوضِحَةُ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ إذَا بَرِئَتْ عَلَى شَيْنٍ زِيدَ فِي عَقْلِهَا بِقَدْرِ الشَّيْنِ. وَالثَّالِثُ: رَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ إنْ كَانَ أَمْرًا مُنْكَرًا زِيدَ لَهُ وَإِلَّا فَلَا. اهـ. مِنْ التَّوْضِيحِ زَرُّوقٌ فِي الْمُوضِحَةِ إذَا بَرِئَتْ بِشَيْنٍ ثَلَاثَةٌ مَشْهُورُهَا لِمَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ يُزَادُ عَلَى دِيَتِهَا بِقَدْرِ شَيْنِهَا، وَبَيَّنَ شَرْطَ كَوْنِ الدِّيَاتِ الْمَذْكُورَةِ لِلْجِرَاحَاتِ الْمَذْكُورَةِ فَقَالَ: (إنْ كُنَّ) أَيْ مَا بَعْدَ الْجَائِفَةِ (بِرَأْسٍ أَوْ لَحْيٍ أَعْلَى) وَلَمْ يَذْكُرْ مَحَلَّ الْجَائِفَةِ لِوُضُوحِهِ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا فِي الْبَطْنِ أَوْ الظَّهْرِ أَوْ أَحَدِ الْجَنْبَيْنِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْجِرَاحَاتُ الْمَذْكُورَةُ بِرَأْسٍ إلَخْ بِأَنْ كَانَتْ بِغَيْرِهَا (فَلَا تَقْدِيرَ) لِدِيَتِهَا وَفِيهَا الْحُكُومَةُ (وَالْقِيمَةُ لِلْعَبْدِ) الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِجُرْحٍ (كَالدِّيَةِ) لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (الْحُرِّ) فِي أَخْذِ دِيَةِ الْجُرْحِ مِنْهَا، فَفِي جَائِفَتِهِ وَآمَّتِهِ ثُلُثُ قِيمَتِهِ، وَفِي مُوضِحَتِهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ، وَفِي مُنَقِّلَتِهِ وَهَاشِمَتِهِ عُشْرٌ وَنِصْفُهُ مِنْ قِيمَتِهِ، وَمَا عَدَا الْجِرَاحَاتِ الْأَرْبَعَةِ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ وَذُو الرِّقِّ جِرَاحَتُهُ مُعْتَبَرَةٌ بِقِيمَتِهِ بَعْدَ بُرْئِهِ كَإِفْسَادِ سِلْعَةٍ، وَفِي غَصْبِهَا وَدِيَاتِهَا مَنْ تَعَدَّى عَلَى عَبْدِ غَيْرِهِ فَفَقَأَ عَيْنَيْهِ أَوْ قَطَعَ لَهُ جَارِحَةً أَوْ جَارِحَتَيْنِ فَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ فَسَادًا فَاحِشًا لَمْ يَبْقَ فِيهِ كَبِيرُ مَنْفَعَةٍ ضَمِنَ قِيمَتَهُ وَعَتَقَ عَلَيْهِ، وَكَذَا الْأَمَةُ زَادَ فِي دِيَاتِهَا فَإِنْ لَمْ يُبْطِلْهُ مِثْلُ أَنْ يَفْقَأَ عَيْنًا وَاحِدَةً أَوْ يَجْدَعَ أَنْفَهُ فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَتْ، وَقَدْ سَمِعْت
[ ٩ / ١٠٦ ]
وَتَعَدَّدَ الْوَاجِبُ بِجَائِفَةٍ نَفَذَتْ كَتَعَدُّدِ الْمُوضِحَةِ؛ وَالْمُنَقِّلَةِ، وَالْآمَّةِ إنْ لَمْ تَتَّصِلْ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ بِفَوْرٍ فِي ضَرَبَاتٍ
_________________
(١) [منح الجليل] أَنَّهُ يُسَلَّمُ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ رَأْيِي إذَا أَبْطَلَهُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَفِي دِيَاتِهَا وَعَلَى قَاتِلِ عَبِيدِ أَهْلِ الذِّمَّةِ قِيمَتُهُمْ مَا بَلَغَتْ كَعَبِيدِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَضْعَافَ الدِّيَةِ وَأَنَّ مَأْمُومَةَ الْعَبْدِ وَجَائِفَتَهُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُ قِيمَتِهِ، وَفِي مُنَقِّلَتِهِ عُشْرُ قِيمَتِهِ وَنِصْفُهُ، وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ جِرَاحِهِ مَا نَقَصَتْ بَعْدَ بُرْئِهِ. (وَتَعَدَّدَ) الثُّلُثُ (الْوَاجِبُ) فِي الْجَائِفَةِ (بِ) سَبَبِ (جَائِفَةٍ) نَفَذَتْ مِنْ ظَهْرٍ لِبَطْنٍ أَوْ مِنْ أَحَدِ الْجَنْبَيْنِ لِلْآخَرِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ لَا يَتَعَدَّدُ بِنُفُوذِهَا وَهُمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا إنْ نَفَذَتْ الْجَائِفَةُ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهَا قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - ﵁ - وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَكُونَ فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَنْ الْمَجْمُوعَةِ مُحَمَّدٌ وَبِهِ أَخَذَ أَشْهَبُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ وَقَضَى بِهِ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - اللَّخْمِيُّ الصَّوَابُ أَنَّهَا جَائِفَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَعَلَ فِيهَا ثُلُثَ الدِّيَةِ لِغَرَرِهَا وَإِنَّهَا تُصَادِفُ مَقْتَلَ الْقَلْبِ أَوْ الْكَبِدِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا إنَّمَا يُخْشَى حِينَ الضَّرْبِ مِنْ خَارِجٍ وَنُفُوذِهَا مِنْ دَاخِلٍ إلَى خَارِجِ لَا غَرَرَ فِيهِ. وَشَبَّهُ فِي تَعَدُّدِ الْوَاجِبِ فَقَالَ (كَتَعَدُّدِ الْمُوضِحَةِ) فَيُوجِبُ تَعَدُّدَ نِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ (وَ) تَعَدُّدَ (الْمُنَقِّلَةِ) فَيُوجِبُ تَعَدُّدَ عُشْرِهَا وَنِصْفِهِ (وَ) تَعَدُّدُ (الْآمَّةِ) فَيُوجِبُ تَعَدُّدَ ثُلُثِهَا (إنْ لَمْ تَتَّصِلْ) الْمُوضِحَةُ بِمِثْلِهَا وَالْمُنَقِّلَةُ بِمِثْلِهَا وَالْآمَّةُ بِمِثْلِهَا بِأَنْ كَانَ بَيْنَ الْمُوضِحَتَيْنِ مَا لَمْ يَبْلُغْ الْعَظْمَ، وَبَيْنَ الْمُنَقِّلَتَيْنِ مَا لَمْ يُهَشِّمْ الْعَظْمَ، وَبَيْنَ الْآمَّتَيْنِ مَا لَمْ يَبْلُغْ أُمَّ الدِّمَاغِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ اتَّصَلَتْ الْمُوضِحَةُ بِمِثْلِهَا وَالْمُنَقِّلَةُ بِمِثْلِهَا وَالْآمَّةُ بِمِثْلِهَا (فَلَا) يَتَعَدَّدُ الْوَاجِبُ فِيهَا لِأَنَّهَا مُوضِحَةٌ وَاحِدَةٌ وَكَذَا الْبَاقِي. وَصَرَّحَ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، إنْ كَانَتْ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَتْ (بِفَوْرٍ) وَاحِدٍ (فِي ضَرَبَاتٍ) وَمَفْهُومُ فِي فَوْرٍ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ بِضَرَبَاتٍ فِي أَوْقَاتٍ مُتَبَاعِدَةٍ وَاتَّصَلَتْ تَعَدَّدَ وَاجِبُهَا بِتَعَدُّدِهَا. ابْنُ شَاسٍ لَوْ انْخَرَقَ مَا بَيْنَ الْجَائِفَتَيْنِ لَكَانَ فِيهِمَا دِيَةُ جَائِفَةٍ وَاحِدَةٍ كَالْمُوضِحَةِ لِعَظْمٍ فَيُكْشَفُ مِنْ قَرْنِهِ إلَى قَرْنِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ جِرَاحَاتٍ
[ ٩ / ١٠٧ ]
وَالدِّيَةُ فِي الْعَقْلِ، أَوْ السَّمْعِ، أَوْ الْبَصَرِ، أَوْ النُّطْقِ أَوْ الصَّوْتِ،
_________________
(١) [منح الجليل] فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ، وَكَذَلِكَ الْمَأْمُومَةُ وَالْمُنَقِّلَةُ. وَأَمَّا إنْ لَمْ يَنْخَرِقْ الْجِلْدُ حَتَّى يَتَّصِلَ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَتْ ضَرْبَةً وَاحِدَةً حَتَّى صَارَتْ تِلْكَ الضَّرْبَةُ مَوَاضِحَ بِأَنْ كَانَ مَا بَيْنَهُنَّ وَرَمًا أَوْ جُرْحًا لَمْ يَبْلُغْ الْعَظْمَ أَوْ صَارَتْ الضَّرْبَةُ مَنَاقِلَ وَمَا بَيْنَهَا مِثْلُ ذَلِكَ وَلَمْ يَنْخَرِقْ ذَلِكَ فَلَهُ دِيَاتُ تِلْكَ الْمَوَاضِحِ، وَالْمَنَاقِلِ وَالْأَوْرَامِ مَوَّاقٌ (وَالدِّيَةُ) الْكَامِلَةُ (فِي) إزَالَةِ (الْعَقْلِ) كُلِّهِ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَإِنْ زَالَ بَعْضُهُ فَبِقَدْرِهِ مِنْهَا (أَوْ) إذْهَابِ (السَّمْعِ) كُلِّهِ (أَوْ) إتْلَافِ (الْبَصَرِ) كُلِّهِ كَذَلِكَ (أَوْ) مَنْعِ (النُّطْقِ) كُلِّهِ وَلَوْ بَقِيَ فِي اللِّسَانِ الذَّوْقُ وَمَعُونَةُ الْمَضْغِ. ابْنُ شَاسٍ النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ الْجِنَايَاتِ مَا يُفَوِّتُ الْمَنَافِعَ وَالنَّظَرُ فِي عَشْرِ مَنَافِعَ الْأُولَى الْعَقْلُ إذَا أَزَالَهُ بِضَرْبَةٍ فَدِيَةٌ وَاحِدَةٌ. ابْنُ رُشْدٍ إنْ أَزَالَ بَعْضَهُ فَفِيهِ بِحَسَبِ ذَلِكَ، وَفِي الْمُوَطَّإِ أَبْلَغَنِي أَنَّ فِي الْأُذُنَيْنِ إذَا ذَهَبَ سَمْعُهُمَا الدِّيَةَ كَامِلَةً اُصْطُلِمَتَا. ابْنُ شَاسٍ فِي إبْطَالِ الْبَصَرِ مِنْ الْعَيْنَيْنِ مَعَ بَقَاءِ الْحَدَقَتَيْنِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ (أَوْ) تَعْطِيلِ (الصَّوْتِ) فَفِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ كَانَ بِحَرْفٍ أَوْ لَا، فَالنُّطْقُ أَخَصُّ مِنْهُ، فَإِنْ ضَرَبَهُ فَأَذْهَبَ نَطْقَهُ وَبَقِيَ صَوْتُهُ ثُمَّ ضَرَبَهُ فَأَذْهَبَ صَوْتَهُ لَزِمَهُ دِيَتَانِ. فِيهَا إذَا قُطِعَ اللِّسَانُ مِنْ أَصْلِهِ فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَكَذَا إنْ قُطِعَ مِنْهُ مَا مَنَعَهُ الْكَلَامَ وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْئًا مِنْ الْكَلَامِ فَفِيهِ الِاجْتِهَادُ بِقَدْرِ شَيْنِهِ إنْ شَانَهُ، وَإِنَّمَا الدِّيَةُ فِي الْكَلَامِ لَا فِي اللِّسَانِ كَالْأُذُنَيْنِ إنَّمَا الدِّيَةُ فِي السَّمْعِ لَا فِيهِمَا. ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْأَنْفِ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَأَمَّا الشَّمُّ فَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ فِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَرُوِيَ فِيهِ حُكُومَةٌ وَإِنْ قُطِعَ مِنْ لِسَانِهِ مَا نَقَصَ مِنْ حُرُوفِهِ فَعَلَيْهِ مِنْ الدِّيَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ وَلَا يُحْسَبُ نَقْصُ الْكَلَامِ عَلَى عَدَدِ الْحُرُوفِ رُبَّ حَرْفٍ أَثْقَلُ مِنْ حَرْفٍ فِي النُّطْقِ، وَلَكِنْ بِالِاجْتِهَادِ فِي قَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْ كَلَامِهِ، وَقِيلَ بِقَدْرِ مَا لَمْ يَنْطِقْ بِهِ مِنْ عَدَدِ الْحُرُوفِ وَهُوَ بَعِيدٌ لِاخْتِلَافِهَا، وَقَالَ أَصْبَغُ عَدَدُ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ حَرْفًا فَمَا نَقَصَ مِنْهَا فَبِحِسَابِهِ، وَقَالَهُ لِي جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَرَدَّهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ بَعْضَ الْحُرُوفِ الثَّمَانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ لَا حَظَّ لِلِّسَانِ فِيهِ كَحُرُوفِ الشَّفَةِ وَبِأَنَّ الْحُرُوفَ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ.
[ ٩ / ١٠٨ ]
أَوْ الذَّوْقِ
أَوْ قُوَّةِ الْجِمَاعِ، أَوْ نَسْلِهِ، أَوْ تَجْذِيمِهِ، أَوْ تَبْرِيصِهِ، أَوْ تَسْوِيدِهِ،
_________________
(١) [منح الجليل] وَأُجِيبُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ مُوجِبَ الدِّيَةِ إنَّمَا هُوَ ذَهَابُ الْكَلَامِ لَا ذَهَابُ اللِّسَانِ، وَبِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الثَّمَانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ فِي زَعْمِ مُثْبِتِهِ رَدَّهُ غَيْرُهُ إلَيْهَا كَمَا ذَكَرَ فِي فَنِّهِ، وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ مَنْ قَطَعَ مِنْ لِسَانِ رَجُلٍ مَا مَنَعَهُ الْكَلَامَ شَهْرَيْنِ ثُمَّ تَكَلَّمَ فَنَقَصَ مِنْ كَلَامِهِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يُقَادَ مِنْهُ وَأَنْ يَعْقِلَ أَرَادَ بِقَدْرِ مَا ذَهَبَ مِنْ كَلَامِهِ بَعْدَ أَنْ يُجَرِّبَ صِدْقَهُ فِيمَا ادَّعَى ذَهَابَهُ وَيَحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يُنْظَرَ فِي ذَلِكَ إلَى عَدَدِ الْحُرُوفِ، وَفِي سَمَاعِ يَحْيَى ابْنَ الْقَاسِمِ إنْ شَكَا أَهْلٌ ذَهَبَ مِنْ كَلَامِهِ أَوْ عَقْلِهِ ثُلُثُهُ أَوْ رُبُعُهُ أُعْطِيَ الثُّلُثَ، وَالظَّالِمُ أَحَقُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ، وَسَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الشَّمِّ وَفِيهِ الدِّيَةُ سَوَاءٌ قُطِعَ الْأَنْفُ أَوْ لَا، وَكَذَا الشَّفَتَانِ وَعَظْمُ الصَّدْرِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَعَنْ الدَّامِغَةِ وَفِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ أَفَادَهُ شب وَالْخَرَشِيُّ. (أَوْ الذَّوْقِ) اللَّخْمِيُّ فِي الذَّوْقِ الدِّيَةُ قِيَاسًا عَلَى الشَّمِّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ زَرْقُونٍ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ. ابْنُ عَرَفَةَ هُوَ عَلَى أُصُولِهِمْ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فِيهِ الدِّيَةُ، وَلَمْ أَعْلَمْ فِيهِ نَصًّا لِأَصْحَابِنَا. ابْنُ زَرْقُونٍ وَنَحْوُ أَبِي الْفَرَجِ إلَى أَنَّ فِيهِ حُكُومَةً، قُلْت أَخَذَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ قَوْلِهَا فِي لِسَانِ الْأَخْرَسِ حُكُومَةٌ، وَعَنْ اللَّمْسِ بَعْضُ الشَّارِحِينَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ فِيهِ حُكُومَةً (أَوْ) إبْطَالِ (قُوَّةِ الْجِمَاعِ) بِأَنْ أَبْطَلَ إنْعَاظَهُ فَفِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا وَإِذْهَابُ الْجِمَاعِ فِيهِ الدِّيَةُ. ابْنُ زَرْقُونٍ عَنْ الْمَذْهَبِ وَابْنِ رُشْدٍ وَاللَّخْمِيِّ مُعَبِّرًا عَنْهُ بِإِفْسَادِ الْإِنْعَاظِ، وَلَمَّا امْتَنَعَ فِيهِ الِاخْتِيَارُ وَجَبَتْ الْيَمِينُ كَقَوْلِهَا فِي مُدَّعِي ذَهَابِ بَصَرِهِ وَتَعَذُّرِ اخْتِبَارِهِ (أَوْ) قَطْعِ (نَسْلِهِ) فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ وَإِنْ لَمْ يُبْطِلْ إنْعَاظَهُ وَإِنْ أَمْنَى مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى. ابْنُ عَرَفَةَ وَإِذْهَابُ النَّسْلِ. اللَّخْمِيُّ فِيهِ الدِّيَةُ، وَدَلِيلُ عَدِّ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ زَرْقُونٍ مَا فِيهِ الدِّيَةُ وَعَدَمُ ذِكْرِهِمَا إيَّاهُ أَنَّهُ لَا دِيَةَ فِيهِ، وَقَوْلُ ابْنِ شَاسٍ إنْ رَجَعَتْ إلَيْهِ هَذِهِ الْقُوَّةُ رَدَّ الدِّيَةَ قَرُبَ رُجُوعُهَا أَوْ بَعُدَ صَوَابٌ كَقَوْلِهِمْ فِي رُجُوعِ الْبَصَرِ. (أَوْ تَجْذِيمِهِ) فِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً وَإِنْ لَمْ يَعُمَّ وَكَذَا التَّبْرِيصُ (أَوْ تَسْوِيدِهِ) وَلَوْ لِلْبَعْضِ
[ ٩ / ١٠٩ ]
أَوْ قِيَامِهِ وَجُلُوسِهِ
_________________
(١) [منح الجليل] فِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً. اللَّخْمِيُّ تَجِبُ الدِّيَةُ إذَا جَذَمَهُ أَوْ أَبْرَصَهُ أَوْ سَقَاهُ مَا سَوَّدَ جِسْمَهُ (أَوْ تَبْرِيصِهِ أَوْ) إبْطَالِ (قِيَامِهِ وَجُلُوسِهِ) الشَّارِحَانِ أَتَى بِالْوَاوِ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ فِي مَجْمُوعِهِمَا الدِّيَةُ الشَّارِحُ وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تَجِبُ فِي أَحَدِهِمَا بِانْفِرَادِهِ، وَالْمَعْنَى عَلَى مَا قَالَاهُ أَنَّهُ صَارَ مُسْتَلْقِيًا وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى أَوْ، وَأَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا النَّقْلَ فِيهِ الْكَبِيرَ قَالَهُ تت. طفي الْمُعْتَمَدُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الدِّيَةَ فِي إبْطَالِ الْقِيَامِ فَقَطْ لَا فِي إبْطَالِ الْجُلُوسِ فَقَطْ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ، فَجَعْلُهُ الْوَاوَ بِمَعْنَى أَوْ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَالنَّقْلُ الَّذِي فِي كَبِيرِهِ هُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ خِلَافُ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَلِذَا جَعَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ الدِّيَةَ فِي إبْطَالِ الْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ أَوْ إبْطَالِ الْقِيَامِ فَقَطْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ابْنُ شَاسٍ لَوْ ضَرَبَ صُلْبَهُ فَأَبْطَلَ قِيَامَهُ وَجُلُوسَهُ وَجَبَ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَإِنْ بَطَلَ قِيَامُهُ فَقَطْ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ أَنَّ فِيهِ كَمَالَ الدِّيَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - ﵁ - فِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ. ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ أَقْعَدَهُ عَنْ الْقِيَامِ فَإِنْ مَشَى وَبَرِئَ عَلَى عَثَلٍ أَوْ حُدْبٍ فَفِيهِ الِاجْتِهَادُ، وَاقْتَصَرَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَانْظُرْ حَاشِيَتِي عَلَى شَرْحِ الْمَجْمُوعِ لِلْمُصَنِّفِ.
[ ٩ / ١١٠ ]
أَوْ الْأُذُنَيْنِ
_________________
(١) [منح الجليل] أَوْ) إزَالَةِ (الْأُذُنَيْنِ) فَفِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ ظَاهِرُهُ، وَلَوْ بَقِيَ سَمْعُهُمَا، وَقِيلَ كَمَالُ الدِّيَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَهَابِ سَمْعِهِمَا وَهُمَا فِيهَا قَالَهُ تت. طفي تَبِعَ الْمُصَنِّفُ تَصْحِيحَ ابْنِ الْحَاجِبِ وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَدَمُ الدِّيَةِ يَعْنِي فِي إزَالَةِ الْأُذُنَيْنِ مَعَ بَقَاءِ سَمْعِهِمَا، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ مُخِلٌّ بِالْمَشْهُورِ، وَقَوْلُ تت هُمَا فِيهَا غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا عَدَمُ الدِّيَةِ وَالصَّوَابُ قَوْلُهُ فِي كَبِيرِهِ وَهُمَا لِمَالِكٍ، وَمِثْلُهُ لِلشَّارِحِ. اهـ. وَانْظُرْ الْحَاشِيَةَ.
[ ٩ / ١١١ ]
أَوْ الشَّوَى أَوْ الْعَيْنَيْنِ، أَوْ عَيْنِ الْأَعْوَرِ لِلسُّنَّةِ؛ بِخِلَافِ كُلِّ زَوْجٍ، فَإِنَّ فِي أَحَدِهِمَا نِصْفَهُ، وَفِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ،
_________________
(١) [منح الجليل] أَوْ) إزَالَةِ (الشَّوَى) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مَقْصُورًا جَمْعُ شَوَاةٍ، أَيْ جِلْدِ الرَّأْسِ فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَأَلِ الدَّاخِلَةُ عَلَيْهِ جِنْسِيَّةٌ فَأَذْهَبَتْ مِنْهُ الْجَمْعِيَّةَ. (وَ) فِي إتْلَافِ (الْعَيْنَيْنِ) مُعَادِيَةٌ كَامِلَةٌ سَوَاءٌ طُمِسَتَا أَوْ بَرَزَتَا أَوْ ذَهَبَ نُورُهُمَا وَبَقِيَ جَمَالُهُمَا، وَفِي إذْهَابِ جَمَالِهِمَا بَعْدُ حُكُومَةٍ (أَوْ) إتْلَافِ (عَيْنِ الْأَعْوَرِ) دِيَةٌ كَامِلَةٌ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ - ﵁ - (لِلسُّنَّةِ) بِضَمِّ السِّينِ وَشَدِّ النُّونِ فَقَدْ قَضَى بِهَا فِيهَا عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَقَالَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ. ابْنُ شِهَابٍ بِذَلِكَ مَضَتْ السُّنَّةُ فَلَا يُلْتَفَتْ لِقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، ظَاهِرُ السُّنَّةِ مَعَ الْمُخَالِفِ لِمَا فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِي الْعَيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ لِعُمُومِهِ عَيْنَ صَحِيحِ الْعَيْنَيْنِ وَعَيْنَ الْأَعْوَرِ، إذْ عَمَلُ الْخُلَفَاءِ دَلَّ عَلَى تَخْصِيصِ الْحَدِيثِ بِعَيْنِ صَحِيحِ الْعَيْنَيْنِ، وَنَاهِيكَ بِقَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ بِذَلِكَ مَضَتْ السُّنَّةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (بِخِلَافِ كُلِّ زَوْجٍ) غَيْرِ الْعَيْنَيْنِ (فَإِنَّ فِي) إتْلَافِ (أَحَدِهِمَا) حَالَ عَدَمِ الْآخَرِ (نِصْفُ) مَا يَجِبُ لَ (هـ) أَيْ فَفِي يَدِ الْأَقْطَعِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَكَذَا رِجْلُ الْأَعْرَجِ (وَ) الدِّيَةُ الْكَامِلَةُ (فِي) إتْلَافِ (الْيَدَيْنِ) بِقَطْعِهِمَا مِنْ الْمَنْكِبِ أَوْ الْمِرْفَقِ أَوْ الْكُوعِ أَوْ الْأَصَابِعِ أَوْ بِإِزَالَةِ مَنْفَعَتِهِمَا مَعَ بَقَائِهِمَا (وَ) فِي إتْلَافِ (الرِّجْلَيْنِ) دِيَةٌ كَامِلَةٌ بِقَطْعِهِمَا مِنْ الْوَرِكِ أَوْ الرُّكْبَةِ أَوْ الْكَعْبِ أَوْ الْأَصَابِعِ أَوْ بِإِزَالَةِ مَنْفَعَتِهِمَا مَعَ بَقَائِهِمَا. ابْنُ شَاسٍ فِي الْيَدَيْنِ مَعَ الْكَفَّيْنِ كَمَالِ الدِّيَةِ وَالرِّجْلَانِ كَالْيَدَيْنِ. ابْنُ عَرَفَةَ الْيَدَانِ فِيهِمَا الدِّيَةُ وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُهَا
[ ٩ / ١١٢ ]
وَمَارِنُ الْأَنْفِ، وَالْحَشَفَةِ، وَفِي بَعْضِهِمَا بِحِسَابِهَا مِنْهُمَا، لَا مِنْ أَصْلِهِ،
_________________
(١) [منح الجليل] إنْ قُطِعَتْ مِنْ أَصْلِ أَصَابِعِهَا أَوْ مَنْكِبِهَا، فَقَدْ تَمَّ عَقْلُهَا وَشَلَلُ الْأَصَابِعِ فِيهِ دِيَتُهَا كَامِلَةً ثُمَّ فِي قَطْعِهَا عَمْدًا أَوْ خَطَأً حُكُومَةٌ، وَانْظُرْ الْحَاشِيَةَ. (وَ) فِي إزَالَةِ (مَارِنٍ) بِكَسْرِ الرَّاءِ فَنُونٍ أَيْ مَا لَانَ مِنْ (الْأَنْفِ) دُونَ عَظْمِهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ وَيُسَمَّى أَرْنَبَةً وَرَوْثَةً أَيْضًا. فِيهَا فِي الْأَنْفِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ سَوَاءٌ قُطِعَ مِنْ الْمَارِنِ أَوْ مِنْ أَصْلِهِ، وَمَا قُطِعَ مِنْ الْمَارِنِ يُقَاسُ مِنْ الْمَارِنِ لَا مِنْ أَصْلِهِ (وَ) فِي قَطْعِ (الْحَشَفَةِ) أَيْ رَأْسِ الذَّكَرِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ كَقَطْعِهِ مِنْ أَصْلِهِ فِيهَا قَطْعُ الْحَشَفَةِ فِيهِ الدِّيَةُ كَمَا فِي اسْتِئْصَالِ الذَّكَرِ، وَإِذَا قُطِعَ بَعْضُ الْحَشَفَةِ فَمِنْهَا يُقَاسُ لَا مِنْ أَصْلِ الذَّكَرِ فَمَا نَقَصَ مِنْهَا فَفِيهِ بِحِسَابِهِ مِنْ الدِّيَةِ (وَفِي) قَطْعِ (بَعْضِهِمَا) أَيْ الْمَارِنِ وَالْحَشَفَةِ (بِحِسَابِهَا) أَيْ الدِّيَةِ (مِنْهُمَا) أَيْ الْمَارِنِ وَالْحَشَفَةِ (لَا مِنْ أَصْلِهِ) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ الْمَارِنِ وَالْحَشَفَةِ وَهُوَ الْأَنْفُ وَالذَّكَرُ لِأَنَّ بَعْضَ مَا فِيهِ الدِّيَةُ إنَّمَا يُنْسَبُ إلَيْهِ.
[ ٩ / ١١٣ ]
وَفِي الْأُنْثَيَيْنِ مُطْلَقًا؟
وَفِي ذَكَرِ الْعِنِّينِ: قَوْلَانِ
_________________
(١) [منح الجليل] وَفِي) إتْلَافِ (الْأُنْثَيَيْنِ) دِيَةٌ كَامِلَةٌ (مُطْلَقًا) عَنْ التَّقْيِيدِ بِسَلْتِهِمَا أَوْ قَطْعِهِمَا أَوْ رَضِّهِمَا وَعَنْ كَوْنِهِ قَبْلَ الذَّكَرِ أَوْ بَعْدَهُ وَعَنْ كَوْنِهِ لَهُ ذَكَرٌ أَوْ لَا، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ وَهُمَا سَوَاءٌ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَإِنْ قُطِعَتَا مَعَ الذَّكَرِ فَدِيَتَانِ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا مَعَ غَيْرِهَا الذَّكَرُ فِيهِ الدِّيَةُ بِاعْتِبَارِ الْحَشَفَةِ وَالْأُنْثَيَانِ فِيهِمَا الدِّيَةُ، وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُمَا، فِيهَا الْيُسْرَى وَالْيُمْنَى سَوَاءٌ وَإِنْ قُطِعَتَا مَعَ الذَّكَرِ فَدِيَتَانِ، وَإِنْ قُطِعَتَا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ، وَكَذَا الذَّكَرُ قَبْلَهُمَا أَوْ بَعْدَهُمَا ثُمَّ قَالَ وَفِيهَا مَنْ قُطِعَتْ حَشَفَتُهُ فَأَخَذَ الدِّيَةَ ثُمَّ قُطِعَ عَسِيبُهُ فَفِيهِ الِاجْتِهَادُ وَإِنْ قُطِعَ بَعْضُهَا فَمِنْهَا يُقَاسُ لَا مِنْ أَصْلِ الذَّكَرِ، وَانْظُرْ الْحَاشِيَةَ. (وَفِي) إتْلَافِ (ذَكَرِ الْعِنِّينِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ مُثَقَّلَةً، أَيْ الَّذِي لَهُ ذَكَرٌ لَا يَتَأَتَّى بِهِ جِمَاعٌ لِصِغَرِهِ أَوْ غِلَظِهِ أَوْ لِعِلَّةٍ وَهُوَ الْمُعْتَرِضُ وَالْحَصُورُ (قَوْلَانِ) لُزُومُ الدِّيَةِ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَثَانِيهِمَا حُكُومَةٌ، وَهُمَا فِي الْمُعْتَرِضِ عَنْ جَمِيعِ النِّسَاءِ، فَإِنْ كَانَ مُعْتَرِضًا عَنْ بَعْضِهِنَّ فَفِيهِ الدِّيَةُ اتِّفَاقًا اُنْظُرْ الْحَاشِيَةَ.
[ ٩ / ١١٤ ]
وَفِي شُفْرَيْ الْمَرْأَةِ، إنْ بَدَا الْعَظْمُ
، وَفِي ثَدْيَيْهَا، أَوْ حَلَمَتِهَا إنْ بَطَلَ اللَّبَنُ،
_________________
(١) [منح الجليل] (وَفِي) إزَالَةِ (شُفْرَيْ) بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ مُثَنَّى شُفْرٍ كَذَلِكَ حُذِفَتْ نُونُهُ لِإِضَافَتِهِ، أَيْ اللَّحْمَيْنِ الْمُحِيطَيْنِ بِفَرْجِ (الْمَرْأَةِ) دِيَةٌ كَامِلَةٌ (إنْ بَدَا) أَيْ ظَهَرَ (الْعَظْمُ) قَضَى بِهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ، فَإِنْ لَمْ يَبْدُ فَفِيهِ حُكُومَةٌ. ابْنُ عَرَفَةَ شُفْرُ الْمَرْأَةِ قَالَ الْأَخَوَانِ إنْ سُلَّتَا حَتَّى بَدَا الْعَظْمُ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ لِأَنَّ ذَهَابَهُمَا أَعْظَمُ عَلَيْهَا مِنْ ذَهَابِ ثَدْيَيْهَا اُنْظُرْ الْحَاشِيَةَ (وَفِي ثَدْيَيْهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ الدِّيَةُ كَامِلَةً إذَا اُسْتُؤْصِلَا بِالْقَطْعِ وَفِي ثَدْيَيْ الرَّجُلِ حُكُومَةٌ (وَ) فِي (حَلَمَتَيْهِمَا) أَيْ ثَدْيَيْ الْمَرْأَةِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ (إنْ بَطَلَ اللَّبَنُ) وَإِلَّا فَحُكُومَةٌ. ابْنُ عَرَفَةَ وَثَدْيَا الْمَرْأَةِ فِيهَا مَعَ غَيْرِهَا فِيهِمَا الدِّيَةُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهَا، وَفِيهَا إنْ قَطَعَ حَلَمَتَيْهَا فَإِنْ أَبْطَلَ مَخْرَجَ اللَّبَنِ، فَفِيهِ الدِّيَةُ. ابْنُ الْمَاجِشُونِ حَدُّ وُجُوبِ دِيَتِهِمَا ذَهَابُ حَلَمَتَيْهِمَا. أَشْهَبُ إنْ ذَهَبَ مَا هُوَ سَدَادٌ لِصَدْرِهَا فَفِيهِمَا الدِّيَةُ وَإِلَّا فَبِقَدْرِ شَيْنِهِمَا. اللَّخْمِيُّ إنْ أَفْسَدَ مَخْرَجَ اللَّبَنِ وَلَمْ يَقْطَعَ شَيْئًا مِنْهُمَا وَلَا أَذْهَبَ مِنْ جَمَالِهِمَا شَيْئًا وَجَبَتْ دِيَتُهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ
[ ٩ / ١١٥ ]
وَاسْتُؤْنِيَ بِالصَّغِيرَةِ
وَسِنِّ الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يُثْغِرْ لِلْإِيَاسِ كَالْقَوَدِ، وَإِلَّا اُنْتُظِرَ سَنَةً، وَسَقَطَا، وَإِنْ عَادَتْ
_________________
(١) [منح الجليل] - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَذَهَابِ النَّسْلِ، وَلَوْ بَقِيَ الِاسْتِمْتَاعُ. وَفِي اللَّبَنِ وَالْجَمَالِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ وَالصَّغِيرَةُ كَالْكَبِيرَةِ وَلَوْ فَسَدَ مَخْرَجُ اللَّبَنِ ثُمَّ عَادَ رُدَّتْ إلَيْهِ. قُلْت ظَاهِرُ أَقْوَالِهِمْ فَسَادُ مَخْرَجِهِ مِنْ الْعَجُوزِ كَغَيْرِهَا وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ كَيَدٍ شَلَّاءَ فِي الْحُكُومَةِ. وَفِيهَا لَيْسَ فِي ثَدْيَيْ الرَّجُلِ إلَّا الِاجْتِهَادُ (وَ) إنْ قَطَعَ حَلَمَتَيْ صَغِيرَةٍ وَشَكَّ فِي إبْطَالِهِ لَبَنَهَا (اُسْتُؤْنِيَ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ (بِ) الْمَرْأَةِ (الصَّغِيرَةِ) الَّتِي قُطِعَتْ حَلَمَتَاهَا، فَإِنْ تَبَيَّنَ إبْطَالُهُ لَبَنَهَا فَالدِّيَةُ، وَإِنْ لَمْ يُبْطِلْ فَالْحُكُومَةُ. فِيهَا إنْ قَطَعَ ثَدْيَيْ الصَّغِيرَةِ، فَإِنْ اسْتُوقِنَ أَنَّهُ أَبْطَلَهُمَا فَلَا يَعُودَانِ أَبَدًا فَفِيهِمَا الدِّيَةُ، وَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ وُضِعَتْ الدِّيَةُ وَاسْتُؤْنِيَ بِهَا كَسِنِّ الصَّبِيِّ، فَإِنْ نَبَتَا فَلَا عَقْلَ لَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَنْبُتَا أَوْ شُرِطَتَا فَيَبِسَتَا أَوْ مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ يُعْلَمَ ذَلِكَ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ. (وَ) إنْ قَلَعَ سِنَّ صَغِيرٍ غَيْرِ مُثْغِرٍ اُسْتُؤْنِيَ بِ (سِنِّ الصَّغِيرِ) الَّذِي (لَمْ يُثْغِرْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ لَمْ يَسْقُطْ أَسْنَانُهُ الَّتِي نَبَتَتْ لَهُ وَهُوَ رَضِيعٌ بِأَخْذِ عَقْلِهَا فِي الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ (لِلْإِيَاسِ) مِنْ نَبَاتِهَا، وَشَبَّهَ فِي الِاسْتِينَاءُ فَقَالَ (كَالْقَوَدِ) فِي الْعَمْدِ وَيُوقَفُ الْعَقْلُ بِيَدِ عَدْلٍ، فَإِنْ نَبَتَتْ بِهَيْئَتِهَا فَلَا عَقْلَ وَلَا قَوَدَ فِيهَا. وَإِنْ عَادَتْ أَصْغَرَ مِمَّا كَانَتْ أُعْطِيَ أَرْشَ نَقْصِهَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَنْبُتْ فِي الْوَقْفِ الَّذِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِنَبَاتِهَا فِيهِ وَلَمْ تَمْضِ سَنَةٌ مِنْ يَوْمِ قَلْعِهَا (اُنْتُظِرَ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ (سَنَةً) أَيْ تَمَامُهَا مِنْهُ وَإِنْ تَمَّتْ السَّنَةُ قَبْلَ وَقْتِ الْإِيَاسِ اُنْتُظِرَ وَقْتُ الْإِيَاسِ فَيُنْتَظَرُ أَبْعَدُ الْأَمْرَيْنِ (وَسَقَطَا) أَيْ الْعَقْلُ فِي الْخَطَأِ وَالْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ (إنْ عَادَتْ) سِنُّهُ كَهَيْئَتِهَا وَاسْتَشْكَلَ سُقُوطُ الْقَوَدِ بِأَنَّهُ إنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ إيلَامُ الْجَانِي بِمِثْلِ فِعْلِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْ الْجُرْحِ غَيْرِ الْخَطَرِ وَإِنْ بَرِئَ بِلَا شَيْنٍ، وَأَنَّهُ إنْ رَدَّتْ السِّنُّ الْمَقْلُوعَةُ فَنَبَتَتْ فَلَا يَسْقُطُ قَوَدُهَا. وَأُجِيبُ بِأَنَّ سِنَّ الصَّبِيِّ لَا تُمَاثِلُ سِنَّ الْكَبِيرِ لِنَبَاتِ سِنِّ الصَّغِيرِ دُونَ سِنِّ الْكَبِيرِ، فَإِنْ لَمْ تَنْبُتْ مِنْ الصَّغِيرِ فَقَدْ سَاوَتْ سِنَّ الْكَبِيرِ فَوَجَبَ قَوَدُهَا.
[ ٩ / ١١٦ ]
وَوُرِثَا، إنْ مَاتَ، وَفِي عَوْدِ السِّنِّ أَصْغَرَ بِحِسَابِهَا
_________________
(١) [منح الجليل] (وَوُرِثَا) بِضَمِّ الْوَاوِ أَيْ الْعَقْلُ فِي الْخَطَأِ وَالْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ (إنْ مَاتَ) الصَّغِيرُ قَبْلَ عَوْدِهَا لِوُجُودِ سَبَبِهِمَا (وَفِي عَوْدِ السِّنِّ أَصْغَرَ) مِنْ الْمَقْلُوعَةِ يُؤْخَذُ مِنْ الدِّيَةِ الْمَوْقُوفَةِ (بِحِسَابِ) نَقْصِ (هَا) فَإِنْ نَقَصَتْ الرُّبُعَ أُخِذَ رُبُعُ الدِّيَةِ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا مَعَ سَمَاعِ عِيسَى طَرْحُ سِنِّ الصَّغِيرِ يُوجِبُ وَقْفَ عَقْلِهَا، فَإِنْ نَبَتَتْ رَدَّ وَإِلَّا أُقَيِّدُ فِي الْعَمْدِ وَإِنْ لَمْ تَنْبُتْ وَمَاتَ قَبْلَ نَبَاتِهَا فَلِوَارِثِهِ الْعَقْلُ فِي الْخَطَأِ وَالْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ، وَإِنْ نَبَتَتْ أَصْغَرَ فَفِي قَدْرِ نَقْصِهَا قَدْرُهُ مِنْ دِيَتِهَا. الشَّيْخُ زَادَ سَحْنُونٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ إنْ مَاتَ الطِّفْلُ وَلَمْ تَنْبُتْ السِّنُّ سَقَطَ الْقَوَدُ، قَالَ وَلَا يُوقَفُ كُلُّ الْعَقْلِ لِأَنَّ السِّنَّ يَكُونُ فِيهَا النَّقْصُ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ الْعَقْلِ، بَلْ يُوقَفُ مِنْهُ مَا إذَا نَقَصَتْ السِّنُّ إلَيْهِ فَلَا يُقْتَصُّ لَهُ، قِيلَ كَمْ ذَلِكَ قَالَ هُوَ مَعْرُوفٌ كَالْعَيْنِ يَذْهَبُ بَصَرُهَا وَالْيَدُ يَدْخُلُهَا النَّقْصُ الْيَسِيرُ. أَشْهَبُ إنْ قُلِعَتْ سِنُّ صَبِيٍّ وَقَدْ أَثْغَرَ وَنَبَتَتْ أَسْنَانُهُ فَلَهُ تَعْجِيلُ الْعَقْلِ فِي الْخَطَأِ وَالْقَوَدِ فِي الْعَمْدِ، وَلَوْ أَخَذَ الْمُثْغِرُ الْأَرْشَ فِي الْخَطَأِ ثُمَّ رَدَّهَا فَنَبَتَتْ فَلَا يَرُدُّ شَيْئًا وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. مُحَمَّدٌ لِأَنَّ السِّنَّ مُحْدَثَةٌ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا لِأَنَّهُ يَرَى فِيهَا دِيَتَهَا، وَإِنْ نَبَتَتْ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأُذُنِ وَالسِّنِّ أَنَّ الْأُذُنَ تَسْتَمْسِكُ وَتَعُودُ لِهَيْئَتِهَا، وَيَجْرِي الدَّمُ فِيهَا، بِخِلَافِ السِّنِّ، وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كُلُّ جِرَاحِ الْخَطَأِ يُسْتَأْنَى بِهَا خَوْفَ أَنْ يَأْتِيَ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ الثُّلُثِ كَالْأُصْبُعِ مِنْ الْيَدِ مَا كَانَ مِنْهَا دُونَ الثُّلُثِ يُوقَفُ عَقْلُهُ إنْ بَرِئَ رُدَّ إلَيْهِ، وَإِنْ زَادَ لِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ رُدَّ إلَيْهِ، وَحَمَلَتْهُ الْعَاقِلَةُ، وَمَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ لَا يُوقَفُ عَقْلُهُ. لِأَنَّهَا مَأْمُونَةٌ، وَالرَّجُلُ قَدْ يَذْهَبُ مَالُهُ اُنْظُرْ الْحَاشِيَةَ.
[ ٩ / ١١٧ ]
وَجُرِّبَ الْعَقْلُ بِالْخَلَوَاتِ،
_________________
(١) [منح الجليل] ابْنُ عَرَفَةَ لَا نَصَّ فِيهَا عَلَى أَمَدِ الْوَاقِفِ، وَنَقَلَ الشَّيْخُ رِوَايَةَ الْمَجْمُوعَةِ إنْ آيَسَ مِنْ نَبَاتِهَا أَخَذَ الصَّبِيُّ الْعَقْلَ يَقْتَضِي أَنَّهُ زَمَنٌ مُعْتَادٌ نَبَاتُهَا وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ الْأَكْثَرُ مِنْ مُعْتَادِهِ أَوْ سَنَةٍ، اُنْظُرْ الْحَاشِيَةَ. (وَ) إنْ جَنَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ فَادَّعَى أَوْلِيَاءُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ذَهَابَ عَقْلِهِ بِالْجِنَايَةِ وَأَشْكَلَ أَمْرُهُ (جُرِّبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا (الْعَقْلُ) الْمُدَّعَى زَوَالُهُ (بِالْخَلَوَاتِ) بِأَنْ يُجْعَلَ فِي مَحَلٍّ وَحْدَهُ وَيُتَطَلَّعَ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ، وَيَنْظُرُ هَلْ يَفْعَلُ أَفْعَالَ الْعُقَلَاءِ أَوْ الْمَجَانِينِ، وَيُكَرَّرُ التَّطَلُّعُ عَلَيْهِ وَالنَّظَرُ فِي أَوْقَاتٍ حَتَّى يُعْلَمَ أَمْرُهُ أَوْ بِأَنْ يُجْعَلَ كَذَلِكَ، وَيَجْلِسَ إلَيْهِ إنْسَانٌ يَتَحَدَّثُ مَعَهُ مِرَارًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ أَمْرُهُ، وَإِنْ شَكَّ فِي ذَهَابِ عَقْلِهِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ حُمِلَ عَلَى ذَهَابِ جَمِيعِهِ لِأَنَّ الظَّالِمَ أَحَقُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ. " غ " أَشَارَ الْمُصَنِّفُ لِقَوْلِ الْغَزَالِيِّ إذَا شَكَكْنَا فِي زَوَالِ الْعَقْلِ رَاقَبْنَاهُ وَلَا نُحَلِّفُهُ لِئَلَّا يَتَجَانَّ فِي الْخَلَوَاتِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ شَاسٍ وَلَا ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا ابْنُ عَرَفَةَ وَلَا الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ رُشْدٍ إنْ نَقَصَ بَعْضُ عَقْلِهِ فَفِيهِ بِحِسَابِهِ. اللَّخْمِيُّ تَجِبُ بِكَوْنِهِ
[ ٩ / ١١٨ ]
وَالسَّمْعُ بِأَنْ يُصَاحَ مِنْ أَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ، مَعَ سَدِّ الصَّحِيحَةِ، وَنُسِبَ لِسَمْعِهِ الْآخَرِ، وَإِلَّا:
_________________
(١) [منح الجليل] مُطْبَقًا لَا يُفِيقُ، وَإِنْ ذَهَبَ عَقْلُهُ وَقْتًا فَفِيهِ مِنْ دِيَتِهِ بِقَدْرِهِ، فَإِنْ ذَهَبَ يَوْمًا وَلَيْلَةً مِنْ الشَّهْرِ فَلَهُ عُشْرُ ثُلُثِهَا، وَإِنْ ذَهَبَ مِنْهُ لَيْلَةً دُونَ نَهَارِهَا أَوْ عَكْسُهُ فَلَهُ نِصْفُ عُشْرِ ثُلُثِهَا، وَإِنْ ذَهَبَ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ فَلَهُ نِصْفُهَا، وَإِنْ كَانَ يَذْهَبُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ لَيْلَهُ دُونَ نَهَارِهِ أَوْ عَكْسُهُ فَلَهُ رُبُعُهَا، وَإِنْ لَازَمَ وَلَمْ يَذْهَبْ جُمْلَةً وَمَعَهُ شَيْءٌ مِنْ تَمْيِيزٍ فَلَهُ بِقَدْرِ مَا ذَهَبَ فَيُقَوِّمُ عَبْدًا سَلِيمَ الْعَقْلِ، فَإِنْ قُوِّمَ بِمِائَةٍ فَيُقَوِّمُ عَبْدًا لَا تَمْيِيزَ عِنْدَهُ، فَإِنْ قُوِّمَ بِعِشْرِينَ كَانَتْ قِيمَةُ عَقْلِهِ ثَمَانِينَ، ثُمَّ يُقَوَّمُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْ الْعَقْلِ، فَإِنْ قُوِّمَ بِأَرْبَعِينَ فَعَلَى الْجَانِي ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ دِيَتِهِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ هَارُونَ عَادَتُهُمَا كَلَامُ اللَّخْمِيِّ، وَلَمْ يَنْقُلَاهُ هُنَا فَلَعَلَّهُ لِصُعُوبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ وَالْجَارِي عَلَى أُصُولِ الْمَذْهَبِ تَقْوِيمُهُ سَلِيمًا ثُمَّ يُقَوَّمُ بِحَالَتِهِ وَبِقَدْرِ مَا بَيْنَهُمَا عَلَى الْجَانِي مِنْ دِيَتِهِ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ سَلِيمًا مِائَةً وَعَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ أَرْبَعِينَ كَانَ عَلَى الْجَانِي ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ دِيَتِهِ. (وَ) يُجَرَّبُ (السَّمْعُ) الْمُدَّعَى زَوَالُهُ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ مِنْ إحْدَى الْأُذُنَيْنِ (بِأَنْ يُصَاحَ) عَلَيْهِ مِنْ مَكَان بَعِيدٍ وَوَجْهُ الصَّائِحِ لِوَجْهِهِ فِي وَقْتِ سُكُونِ الرِّيحِ، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ فَيَتَقَرَّبُ الصَّائِحُ مِنْهُ وَيَصِيحُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ فَيَتَقَرَّبُ وَيَصِيحُ، وَهَكَذَا يَفْعَلُ حَتَّى يَسْمَعَ فَيُعَلَّمُ مَكَانُ وُقُوفِ الصَّائِحِ بِعَلَامَةٍ، ثُمَّ يُجْعَلُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ وَجْهُهُ لِجِهَةِ خَلْفِهِ وَيَصِيحُ الصَّائِحُ لَهُ ذَلِكَ، وَيُعَلَّمُ مَوْضِعُهُ ثُمَّ يُجْعَلُ وَجْهُهُ لِجِهَةِ يَمِينِهِ، وَيَصِيحُ عَلَيْهِ، وَيُعَلَّمُ كَذَلِكَ ثُمَّ يَجْعَلُهُ شِمَالَهُ وَيُصَاحُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ، ثُمَّ يُقَاسُ مَا بَيْنَ الْعَلَامَاتِ وَمَوْضِعِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ. فَإِنْ اسْتَوَتْ (مِنْ أَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ) فِي الْجِهَاتِ الْأَمَامِ وَالْخَلْفِ وَالْيَمِينِ وَالشِّمَالِ (مَعَ سَدِّ) الْأُذُنِ (الصَّحِيحَةِ) سَدًّا مُحْكَمًا ثُمَّ سُدَّتْ الْأُذُنُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهَا وَفُتِحَتْ الصَّحِيحَةُ وَيُصَاحُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ مِنْ أَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ (وَنُسِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ سَمْعُهُ بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهَا (لِسَمْعِهِ الْآخَرَ) بِالصَّحِيحَةِ وَحُكِمَ عَلَى الْجَانِي بِمِثْلِ تِلْكَ النِّسْبَةِ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَمْعٌ آخَرُ بِأَنْ ادَّعَى الْجِنَايَةَ عَلَى سَمْعِ أُذُنَيْهِ مَعًا أَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا لَا سَمْعَ لَهَا أَصَالَةً
[ ٩ / ١١٩ ]
فَسَمْعٌ وَسَطٌ، وَلَهُ نِسْبَتُهُ، إنْ حَلَفَ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ، وَإِلَّا فَهَدَرٌ وَالْبَصَرُ بِإِغْلَاقِ الصَّحِيحَةِ كَذَلِكَ وَالشَّمُّ بِرَائِحَةٍ حَادَّةٍ،
_________________
(١) [منح الجليل] فَسَمْعٌ وَسَطٌ) أَيْ لَيْسَ فِي غَايَةِ الْحِدَّةِ وَلَا فِي غَايَةِ الثِّقَلِ لِشَخْصٍ مِثْلَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ سِنًّا وَمِزَاجًا. (وَلَهُ) أَيْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (نِسْبَتُهُ) مِنْ دِيَةِ الْأُذُنِ أَوْ الْأُذُنَيْنِ (إنْ حَلَفَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ غَايَةَ سَمْعِهِ (وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ) أَيْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي الْجِهَاتِ اخْتِلَافًا بَيِّنًا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيهَا اخْتِلَافًا بَيِّنًا (فَهَدَرٌ) أَيْ لَا شَيْءَ عَلَى الْجَانِي مِنْ الدِّيَةِ لِتَبَيُّنِ كَذِبِهِ فِي دَعْوَاهُ ذَهَابَ سَمْعِ الْأُذُنَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا (وَ) يُجَرَّبُ (الْبَصَرُ) الْمُدَّعَى ذَهَابُهُ مِنْ إحْدَى الْعَيْنَيْنِ (بِإِغْلَاقِ) الْعَيْنِ (الصَّحِيحَةِ) وَإِرَاءَتِهِ شَيْئًا نَحْوَ بَيْضَةٍ مِنْ مَكَان بَعِيدٍ وَالتَّقَرُّبُ إلَيْهِ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى يُبْصِرَهَا (كَذَلِكَ) أَيْ الْفِعْلُ فِي تَجْرِبَةِ السَّمْعِ ثُمَّ تُغْلَقُ الْمُصَابَةُ وَتُفْتَحُ الصَّحِيحَةُ، وَيُفْعَلُ بِهَا كَذَلِكَ، وَلَهُ نِسْبَتُهُ إنْ حَلَفَ. " غ "، فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا أُصِيبَتْ الْعَيْنُ فَنَقَصَ بَصَرُهَا أُغْلِقَتْ الصَّحِيحَةُ ثُمَّ جُعِلَ لَهُ بَيْضَةٌ أَوْ شَيْءٌ فِي مَكَان يُخْتَبَرُ بِهِ مُنْتَهَى بَصَرِهِ بِالسَّقِيمَةِ، فَإِذَا رَآهَا حُوِّلَتْ لَهُ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، فَإِنْ تَسَاوَتْ الْأَمَاكِنُ أَوْ تَقَارَبَتْ قِيسَتْ الصَّحِيحَةُ ثُمَّ أُعْطِيَ بِقَدْرِ مَا نَقَصَتْ الْمُصَابَةُ مِنْ الصَّحِيحَةِ وَالسَّمْعُ مِثْلُهُ يُخْتَبَرُ بِالْأَمْكِنَةِ أَيْضًا حَتَّى يُعْرَفَ صِدْقُهُ مِنْ كَذِبِهِ، وَإِنْ ادَّعَى الْمَضْرُوبُ أَنَّ جَمِيعَ سَمْعِهِ أَوْ بَصَرِهِ ذَهَبَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ وَالظَّالِمُ أَحَقُّ بِالْحَمْلِ عَلَيْهِ، وَيُخْتَبَرُ إنْ قُدِرَ عَلَى اخْتِبَارِهِ بِمَا وَصَفْنَا. ابْنُ يُونُسَ أَشْهَبُ لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ نَقَصَ بَصَرُ عَيْنَيْهِ جَمِيعًا أَوْ أُذُنَيْهِ فَإِنَّهُ يُقَاسُ بِالْبَيْضَةِ فِي الْبَصَرِ وَالصَّوْتِ فِي السَّمْعِ كَمَا وَصَفْنَا، فَإِذَا اتَّفَقَتْ أَقْوَالُهُ أَوْ تَقَارَبَتْ قِيسَ بِبَصَرِ رَجُلٍ وَسَطٍ مِثْلُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ فِي الَّذِي ادَّعَى ذَهَابَ جَمِيعِ سَمْعِهِ أَوْ بَصَرِهِ يُخْتَبَرُ بِالْإِشَارَةِ فِي الْبَصَرِ وَالصَّوْتِ فِي السَّمْعِ، وَيُفْعَلُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَفَسَّرَ أَبُو الْحَسَنِ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ بِأَنَّهُ يُخْتَبَرُ مِنْ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ فِي السَّمْعِ وَالْبَصَرِ. (وَ) يُجَرَّبُ (الشَّمُّ) الْمُدَّعَى ذَهَابُهُ بِالْجِنَايَةِ (بِرَائِحَةٍ حَادَّةٍ) بِإِهْمَالِ الْحَاءِ وَالدَّالِ
[ ٩ / ١٢٠ ]
وَالنُّطْقُ بِالْكَلَامِ اجْتِهَادًا؛ وَالذَّوْقُ بِالْمُقِرِّ، وَصُدِّقَ مُدَّعٍ ذَهَابَ الْجَمِيعِ بِيَمِينٍ
وَالضَّعِيفُ مِنْ عَيْنٍ، وَرِجْلٍ، وَنَحْوِهِمَا خِلْقَةً: كَغَيْرِهِ؛ وَكَذَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهَا إنْ لَمْ يَأْخُذْ لَهَا عَقْلًا؛
_________________
(١) [منح الجليل] مُثَقَّلًا، أَيْ قَوِيَّةً مُنَفِّرَةً لِلطَّبْعِ لَا يَصْبِرُ مَنْ يَشُمُّهَا عَادَةً وَلَا سِيَّمَا مَعَ طُولِ الزَّمَنِ وَيُعْلَمُ شَمُّهُ بِالْعُطَاسِ وَنَحْوِهِ. أَبُو حَامِدٍ فِي وَجِيزِهِ يُمْتَحَنُ الشَّمُّ بِالرَّوَائِحِ الْحَادَّةِ وَعِنْدَ النُّقْصَانِ يَحْلِفُ لِعُسْرِ الِامْتِحَانِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ شَاسٍ وَلَا ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا ابْنُ عَرَفَةَ وَلَا الْمُوَضِّحُ (وَ) يُجَرَّبُ (النُّطْقُ) الْمُدَّعَى نَقْصَهُ بِجِنَايَةٍ (بِالْكَلَامِ اجْتِهَادًا) مِنْ الْعَارِفِينَ لَا بِقَدْرِ نَقْصِ الْحُرُوفِ لِاخْتِلَافِهَا بِالْخِفَّةِ وَالثِّقَلِ عَلَى اللِّسَانِ، فَإِنْ شُكَّ فِي نَقْصِ الرُّبُعِ وَالثُّلُثِ مَثَلًا حُمِلَ عَلَى الْأَكْثَرِ لِأَنَّ الظَّالِمَ أَحَقُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ. (وَ) يُجَرَّبُ (الذَّوْقُ) الْمُدَّعَى ذَهَابُهُ بِجِنَايَةٍ (بِالْمُقِرِّ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْقَافِ شَدِيدُ الْمَرَارَةِ كَالصَّبْرِ أَوْ الْحَرَارَةِ كَالْفُلْفُلِ الْأَحْمَرِ. " غ " أَبُو حَامِدٍ يُجَرَّبُ الذَّوْقُ بِالْأَشْيَاءِ الْمُرَّةِ الْمَقِرَةِ وَتَبِعَهُ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ الْجَوْهَرِيُّ مَقِرَ الشَّيْءُ بِالْكَسْرِ يَمْقُرُ مَقْرًا، أَيْ صَارَ مُرًّا فَهُوَ شَيْءٌ مَقِرٌ وَالْمَقِرُ أَيْضًا الصَّبْرُ، وَبِهَذَا فُسِّرَ فِي التَّوْضِيحِ كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُنَفِّرُ أَيْ الَّذِي لَا يُمْكِنُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ. (وَصُدِّقَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا (مُدَّعِي ذَهَابَ الْجَمِيعِ) بِجِنَايَةٍ فِي جَمِيعِ مَا سَبَقَ، أَيْ مَعَ الِاخْتِبَارِ بِمَا سَبَقَ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ (وَ) الْعُضْوُ الضَّعِيفُ (مِنْ عَيْنٍ وَرِجْلٍ وَنَحْوِهِمَا) كَيَدٍ وَأُذُنٍ وَلِسَانٍ وَذَكَرٍ (خِلْقَةً) مِنْ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ الْإِبْصَارِ بِالْعَيْنِ وَالْمَشْيِ بِالرِّجْلِ وَالْعَمَلِ بِالْيَدِ وَالسَّمَاعِ بِالْأُذُنِ وَالنُّطْقِ بِاللِّسَانِ وَالْوَطْءِ بِالذَّكَرِ (كَغَيْرِهِ) أَيْ الضَّعِيفِ وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الدِّيَةِ وَالْقَوَدِ. تت أَطْلَقَ هُنَا وَفِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ تَقْيِيدُهُ بِأَنْ لَا يَأْتِيَ عَلَى الْأَكْثَرِ فَإِنْ أَتَى عَلَى الْأَكْثَرِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا بِحِسَابِ مَا بَقِيَ مِنْ عَقْلِهِ. وَشَبَّهَ بِالضَّعِيفِ خِلْقَةً فِي كَوْنِهِ كَالصَّحِيحِ فَقَالَ (وَكَذَا) أَيْ الْمَذْكُورُ مِنْ الْعَيْنِ وَالرِّجْلِ وَنَحْوِهِمَا، الضَّعِيفُ خِلْقَةً فِي كَوْنِهِ كَالسَّلِيمِ الْأَعْضَاءِ (الْمَجْنِيِّ عَلَيْهَا) فَضَعُفَتْ مِنْ الْجِنَايَةِ (إنْ لَمْ يَأْخُذْ لَهَا) أَيْ الْجِنَايَةِ (عَقْلًا) فَإِنْ كَانَ أَخَذَ لَهَا عَقْلًا ثُمَّ جَنَى عَلَيْهِ ثَانِيًا فَإِنَّمَا لَهُ مِنْ الْعَقْلِ بِحِسَابِ مَا بَقِيَ قَالَهُ
[ ٩ / ١٢١ ]
وَفِي لِسَانِ النَّاطِقِ، وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ النُّطْقَ مَا قَطَعَهُ، فَحُكُومَةٌ: كَلِسَانِ الْأَخْرَسِ، وَالْيَدِ الشَّلَّاءِ، وَالسَّاعِدِ،
_________________
(١) [منح الجليل] الْإِمَامُ مَالِكٌ - ﵁ - ". وَعَنْهُ أَيْضًا فِيهِ الْعَقْلُ الْكَامِلُ. (وَفِي) قَطْعِ (لِسَانِ) الْإِنْسَانِ (النَّاطِقِ وَلَمْ يَمْنَعْ) مَا قَطَعَ مِنْهُ (النُّطْقَ حُكُومَةٌ) فِيهَا فِي اللِّسَانِ الْقَوَدُ إنْ اُسْتُطِيعَ الْقَوَدُ مِنْهُ وَلَمْ يَكُنْ مُتْلِفًا مِثْلَ الْفَخْذِ وَالْمَأْمُومَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ، فَإِنْ كَانَ مُتْلِفًا فَلَا يُقَادُ مِنْهُ. ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُقَادُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُعْقَلُ حَتَّى يَبْرَأَ أَيْ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْبُتُ وَيَعُودُ كُلَّمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، فِيهَا وَقَدْ سَمِعْت أَهْلَ الْأَنْدَلُسِ سَأَلُوا مَالِكًا - ﵁ - عَنْ اللِّسَانِ إذَا قُطِعَ فَزَعَمُوا أَنَّهُ يَنْبُتُ فَرَأَيْت مَالِكًا يُصْغِي أَنَّهُ لَا يُعَجَّلُ بِهِ حَتَّى يَنْظُرَ إلَى مَا يَصِيرُ إلَيْهِ إنْ كَانَ الْقَطْعُ قَدْ مَنَعَ الْكَلَامَ، قُلْت فِي الدِّيَةِ أَوْ فِي الْقَوَدِ قَالَ فِي الدِّيَةِ قَالَ عِيَاضٌ الظَّاهِرُ تَعْجِيلُ الْقَوَدِ كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ إنْ كَانَ كَمَا قَالَ يُسْتَطَاعُ الْقَوَدُ مِنْهُ وَلَا يُنْتَظَرُ نَبَاتُهُ كَمَا يُقَادُ فِي سَائِرِ الْجَوَارِحِ، وَإِنْ نَبَتَ لَحْمًا وَصَارَ إلَى أَحْسَنِ حَالٍ، وَإِنَّمَا الِانْتِظَارُ فِي الدِّيَةِ، إذْ قَدْ يُفْضِي قَطْعُهُ إلَى النَّفْسِ أَوْ يَنْبُتُ كَمَا ذُكِرَ لَهُ فَلَا يَكُونُ فِيهِ دِيَةٌ، أَوْ يَنْبُتُ بَعْضُهُ فَيَكُونُ فِيهِ بِحِسَابِ ذَلِكَ. وَفِي الذَّخِيرَةِ قِيلَ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - ﵁ - اللِّسَانُ يَعُودُ وَيَنْبُتُ، قَالَ يُنْتَظَرُ إلَى مَا يَصِيرُ إلَيْهِ إنْ مَنَعَ الْقَطْعُ الْكَلَامَ فَالدِّيَةُ، وَلَا يُنْتَظَرُ الْقَوَدُ اهـ. هَكَذَا بِالْقَافِ لَا بِالْعَيْنِ خِلَافًا لتت لِأَنَّهُ يُنَاقِضُ مَا قَبْلَهُ مِنْ الِانْتِظَارِ فَعُلِمَ أَنَّ عَدَمَ الِانْتِظَارِ فِي الْقَوَدِ، وَأَنَّ الصَّوَابَ مَا قُلْنَا قَالَهُ طفي وَتَبِعَهُ الْبُنَانِيُّ. وَشَبَّهَ فِي الْحُكُومَةِ فَقَالَ (كَ) قَطْعِ (لِسَانِ الْأَخْرَسِ) فَفِيهِ حُكُومَةٌ (وَفِي) قَطْعِ (الْيَدِ الشَّلَّاءِ) حُكُومَةٌ (وَ) كَقَطْعِ (السَّاعِدِ) أَيْ الذِّرَاعِ الَّذِي لَا أُصْبُعَ لَهُ خِلْقَةً، أَوْ بِقَطْعِ سَابِقٍ فِيهِ حُكُومَةٌ. فِيهَا إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكَفِّ أُصْبُعٌ فَفِي قَطْعِهَا أَوْ بَعْضِهَا حُكُومَةٌ اهـ. فَدِيَةُ الْيَدِ إنَّمَا هِيَ لِلْأَصَابِعِ. فِيهَا فِي الْأُصْبُعَيْنِ بِمَا يَلِيهِمَا مِنْ الْكَفِّ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ وَلَا حُكُومَةَ مَعَ ذَلِكَ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ إنْ قُطِعَتْ كَفٌّ ذِي أُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ فَلَهُ دِيَةُ الْأُصْبُعِ، وَأَحَبُّ إلَيَّ فِي بَاقِي الْكَفِّ حُكُومَةٌ، وَلَمْ أَسْمَعْهُ
[ ٩ / ١٢٢ ]
وَأَلْيَتَيْ الْمَرْأَةِ، وَسِنٍّ مُضْطَرِبَةٍ جِدًّا، وَعَسِيبِ ذَكَرٍ بَعْدَ الْحَشَفَةِ، وَحَاجِبٍ، أَوْ هُدْبٍ وَظُفْرٍ، وَفِيهِ الْقِصَاصُ
وَإِفْضَاءٌ،
_________________
(١) [منح الجليل] وَقَالَهُ أَشْهَبُ، وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا شَيْءَ لَهُ فِي بَقِيَّةِ الْكَفِّ. شب فَإِنْ وُجِدَ لِلْجَانِي مِثْلُ الْيَدِ الشَّلَّاءِ أَوْ السَّاعِدِ فَالْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ. (وَ) فِي (أَلْيَتَيْ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ مُثَنَّى أَلْيَةٍ كَذَلِكَ لَحْمُ الْمَقْعَدَةِ حُذِفَتْ نُونُهُ لِإِضَافَتِهِ (الْمَرْأَةِ) حُكُومَةٌ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَمْ يَرِدْ فِيهِمَا نَصٌّ عَنْ الْإِمَامِ قِيَاسًا عَلَى أَلْيَتَيْ الرَّجُلِ. أَشْهَبُ فِي أَلْيَتَيْهَا الدِّيَةُ. ابْنُ عَرَفَةَ وَالْأَلْيَتَانِ فِيهَا فِيهِمَا مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ حُكُومَةٌ الْبَاجِيَّ قَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ، وَقَالَ أَشْهَبُ فِيهِمَا مِنْ الْمَرْأَةِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَهَذَا فِي الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ فِيهِ الْقِصَاصُ وَلَمْ يَفْصِلُوا بَيْنَ بُدُوِّ الْعَظْمِ وَعَدَمِهِ. (وَ) فِي قَلْعِ (سِنٍّ مُضْطَرِبَةٍ جِدًّا) بِحَيْثُ لَا يُرْجَى ثُبُوتُهَا حُكُومَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ مُضْطَرِبَةً لَا جِدًّا فَفِيهَا الْعَقْلُ فِي الْخَطَأِ وَالْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ. (وَ) فِي قَطْعِ (عَسِيبِ) أَيْ قَصَبَةِ (ذَكَرٍ بَعْدَ) قَطْعِ (الْحَشَفَةِ) مِنْهُ حُكُومَةٌ. الْبِسَاطِيُّ فِي إطْلَاقِ الْعَسِيبِ عَلَى الْبَاقِي بَعْدَ الْحَشَفَةِ تَجُوزُ فَالدِّيَةُ إنَّمَا هِيَ لِلْحَشَفَةِ وَنَحْوُ مَا فِي الْمَتْنِ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَفِي التَّوْضِيحِ الظَّاهِرُ لُزُومُ الدِّيَةِ فِي الْعَسِيبِ لِأَنَّهُ يُجَامِعُ بِهِ وَتَحْصُلُ بِهِ اللَّذَّةُ، وَسَوَاءٌ قُطِعَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْجَانِي مِثْلُهُ وَإِلَّا فَالدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ وَالْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ كَمَا فِي الْخَرَشِيِّ وشب (وَ) فِي إزَالَةِ (حَاجِبٍ) وَاحِدٍ أَوْ اثْنَيْنِ حُكُومَةٌ. الشَّارِحُ الْمُرَادُ شَعْرُهُ بِدَلِيلِ قَرْنِهِ بِهُدْبِ الْعَيْنِ وَهُوَ شَعْرُهَا، ثُمَّ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ اللَّحْمُ الَّذِي فِيهِ الشَّعْرُ، وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ أَيْ شَعْرِهِ وَلَحْمِهِ (وَ) فِي (هُدْبٍ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ لِعَيْنٍ إنْ لَمْ يَنْبُتْ حُكُومَةٌ، فَإِنْ نَبَتَ فَلَا شَيْءَ فِيهِ إلَّا الْأَدَبُ فِي الْعَمْدِ (وَ) فِي قَطْعِ (ظُفْرٍ) خَطَأً حُكُومَةٌ (وَ) عَمْدًا (فِيهِ الْقِصَاصُ) تت ظَاهِرُهُ الْحُكُومَةُ فِي الْخَطَأِ وَلَوْ عَادَ لِهَيْئَتِهِ، وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الظُّفْرِ الْقِصَاصُ إلَّا أَنْ يُقْلَعَ خَطَأً فَلَا شَيْءَ فِيهِ إذَا بَرِئَ وَعَادَ لِهَيْئَتِهِ فَإِنْ بَرِئَ عَلَى غَيْرِ هَيْئَتِهِ فَفِيهِ الِاجْتِهَادُ (وَفِي إفْضَاءٍ) أَيْ إزَالَةِ مَا بَيْنَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ وَمَحَلِّ الْجِمَاعِ حُكُومَةٌ. ابْنُ الْحَاجِبِ فِي
[ ٩ / ١٢٣ ]
وَلَا يَنْدَرِجُ تَحْتَ مَهْرٍ،
_________________
(١) [منح الجليل] الْإِفْضَاءِ قَوْلَانِ حُكُومَةٌ وَدِيَةٌ. التَّوْضِيحِ الْحُكُومَةُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَالدِّيَةُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْأَقْرَبُ، وَعَلَّلَهُ ابْنُ شَعْبَانَ بِأَنَّهُ مَنَعَهَا اللَّذَّةَ وَإِمْسَاكَ الْوَلَدِ وَالْبَوْلَ إلَى الْخَلَاءِ، وَبِأَنَّ مُصِيبَتَهَا بِهِ أَعْظَمُ مِنْ الشُّفْرَيْنِ، وَقَدْ نَصُّوا عَلَى وُجُوبِ الدِّيَةِ فِيهِمَا. ابْنُ عَرَفَةَ الْإِفْضَاءُ إزَالَةُ الْحَاجِزِ بَيْنَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ وَمَحَلِّ الْجِمَاعِ فِيهَا مَعَ غَيْرِهَا فِيهِ مَا شَانَهَا بِالِاجْتِهَادِ. الْبَاجِيَّ إنْ فَعَلَهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ فِي مَالِهِ، وَإِنْ جَاوَزَتْ الثُّلُثَ مَعَ صَدَاقِ مِثْلِهَا. وَلَوْ فَعَلَهُ بِزَوْجَتِهِ فَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ بَلَغَ الثُّلُثَ فَعَلَى الْعَاقِلَةِ وَإِلَّا فَفِي مَالِهِ. ابْنُ هَارُونَ وَالْقَوْلُ بِلُزُومِ الدِّيَةِ فِي الْأَجْنَبِيِّ حَكَاهُ ابْنُ شَاسٍ وَهُوَ بَعِيدٌ، إذْ لَيْسَ مُسَاوِيًا لِمَا سَنَّ الشَّارِعُ فِيهِ الدِّيَةَ، وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، بَلْ قَالَ أَكْثَرُ نُصُوصِهِمْ وُجُوبُ الْحُكُومَةِ وَوُجُوبُ الدِّيَةِ قَوِيٌّ لِأَنَّ مُصِيبَتَهَا بِهِ أَقْوَى مِنْ إزَالَةِ التَّفْرِيقِ، وَمُصِيبَتُهُ كَمُصِيبَةِ ذَهَابِ جِمَاعِ الرَّجُلِ. قُلْت وَجَدْت لِلَّخْمِيِّ فِي كِتَابِ الرَّجْمِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا إذَا بَلَغَ بِهَا حَيْثُ لَا يَنْتَفِعُ بِهَا فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَفِيهَا إنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ فَأَفْضَاهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ أَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا وَإِنْ اغْتَصَبَهَا فَلَهَا الصَّدَاقُ مَعَ مَا شَانَهَا. قُلْت ظَاهِرُهُ مَا انْدِرَاجُ الْبَكَارَةِ فِي الْمَهْرِ بِخِلَافِ الشَّيْنِ لِأَنَّ زَوَالَ الْبَكَارَةِ مِنْ لَوَازِمِ الْوَطْءِ بِخِلَافِ الْإِفْضَاءِ. اللَّخْمِيُّ مَا كَانَ بِطَوْعِهَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ كَالزَّوْجَةِ تَمُوتُ مِنْ جِمَاعِهِ فَحَيْثُ تَسْقُطُ الدِّيَةُ فِي الزَّوْجَةِ يَسْقُطُ مَا شَانَهَا، وَحَيْثُ تَثْبُتُ يَثْبُتُ، وَقَالَ أَشْهَبُ فِي مُدَوَّنَتِهِ إنْ زَنَى بِهَا فَأَفْضَاهَا فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ وَهُوَ أَحْسَنُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الزَّوْجِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ بِطَوْعِهَا، وَفِيهَا مَنْ بَنَى بِزَوْجَتِهِ فَأَفْضَاهَا وَمَاتَتْ مِنْ جِمَاعِهِ فَدِيَتُهَا عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَمُتْ فَعَلَيْهِ مَا شَانَهَا، فَإِنْ بَلَغَ ثُلُثَ الدِّيَةِ فَعَلَى الْعَاقِلَةِ، اُنْظُرْ الْحَاشِيَةَ (وَلَا يَنْدَرِجُ) أَرْشُ الْإِفْضَاءِ (تَحْتَ الْمَهْرِ) بِحَيْثُ لَا يَجِبُ فِيهِ
[ ٩ / ١٢٤ ]
بِخِلَافِ الْبَكَارَةِ، إلَّا بِأُصْبُعِهِ
_________________
(١) [منح الجليل] زِيَادَةٌ عَلَيْهِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَرْشُهُ زِيَادَةً عَلَى الْمَهْرِ، رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ بَلَغَ ثُلُثَ الدِّيَةِ فَعَلَى الْعَاقِلَةِ وَإِلَّا فَفِي مَالِهِ (بِخِلَافِ) أَرْشِ (الْبَكَارَةِ) فَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ إذْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ وَطْئِهَا إلَّا بِإِزَالَتِهَا وَسَوَاءٌ حَصَلَ الْإِفْضَاءُ مِنْ زَوْجٍ أَوْ زَانٍ بِغَيْرِ عَالِمَةٍ أَوْ غَاصِبٍ لِأَنَّ الصَّدَاقَ لِلْوَطْءِ فِي مَحَلِّهِ وَالْإِفْضَاءُ جِنَايَةٌ عَلَى عُضْوٍ آخَرَ وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَدْخُولٍ عَلَيْهِ. الْبَاجِيَّ إنْ فَعَلَهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ فِي مَالِهِ، وَإِنْ جَاوَزَتْ الثُّلُثَ مَعَ صَدَاقِ مِثْلِهَا وَالْحَدُّ، وَلَوْ فَعَلَهُ بِزَوْجَتِهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ بَلَغَ الثُّلُثَ فَعَلَى الْعَاقِلَةِ، وَإِلَّا فَفِي مَالِهِ، فَإِنْ فَعَلَهُ أَجْنَبِيٌّ بِطَائِعَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا فِيهَا. ابْنُ يُونُسَ الْفَرْقُ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَالْأَجْنَبِيَّةِ أَنَّ طَوْعَ الزَّوْجَةِ وَاجِبٌ فَلَا تَقْدِرُ عَلَى مَنْعِهِ، وَالْأَجْنَبِيَّةُ يَجِبُ عَلَيْهَا مَنْعُهُ فَطَوْعُهَا كَإِذْنِهَا أَنَّهُ يُوضِحُهَا. وَاسْتَثْنَى مِنْ انْدِرَاجِ الْبَكَارَةِ فِي الْمَهْرِ فَقَالَ (إلَّا) إزَالَتَهَا (بِأُصْبُعِهِ) فَلَا يَنْدَرِجُ أَرْشُهَا تَحْتَ الْمَهْرِ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَى الزَّوْجِ إنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ وَطْئِهَا وَإِلَّا انْدَرَجَ فِيهِ. ابْنُ عَرَفَةَ سَمِعَ
[ ٩ / ١٢٥ ]
وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ: عُشْرٌ، وَالْأُنْمُلَةِ ثُلُثُهُ، إلَّا فِي الْإِبْهَامِ، فَنِصْفُهُ
وَفِي الْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ الْقَوِيَّةِ: عُشْرٌ، إنْ انْفَرَدَتْ
_________________
(١) [منح الجليل] ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ دَفَعَ امْرَأَتَهُ فَسَقَطَتْ عُذْرَتُهَا فَعَلَيْهِ مَا شَانَهَا، وَكَذَا فِعْلُ ذَلِكَ بِأُصْبُعِهِ فَعَلَهُ غُلَامٌ أَوْ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ. ابْنُ رُشْدٍ يُرِيدُ مَعَ الْأَدَبِ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَالْأَدَبُ فِي الْأُصْبُعِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي الدَّفْعَةِ، وَمَعْنَى مَا شَانَهَا مَا نَقَصَ مِنْ صَدَاقِهَا عِنْدَ الْأَزْوَاجِ. وَاخْتُلِفَ إنْ فَعَلَهُ الزَّوْجُ بِامْرَأَتِهِ بِأُصْبُعِهِ فَقِيلَ عَلَيْهِ صَدَاقُهَا، وَقِيلَ مَا شَانَهَا عِنْدَ غَيْرِهِ إنْ طَلَّقَهَا رِوَايَتَانِ لِسَحْنُونٍ وَأَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَهَا فِي دَفْعِهِ إيَّاهَا لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا مَا شَانَهَا إنْ فَارَقَهَا. ابْنُ شَاسٍ إنْ أَزَالَهَا بِأُصْبُعِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا فَعَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا شَانَهَا مَعَ نِصْفِ صَدَاقِهَا، وَيَنْظُرُ إلَى مَا شَانَهَا عِنْدَ الْأَزْوَاجِ فِي حَالِهَا وَجَمَالِهَا. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَيْهِ الْمَهْرُ كَامِلًا. (وَفِي) إتْلَافِ (كُلِّ أُصْبُعٍ) مِنْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ خِنْصَرٍ أَوْ إبْهَامٍ أَوْ غَيْرِهِمَا خَطَأً (عُشْرٌ) بِضَمِّ الْعَيْنِ مِنْ دِيَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كِتَابِيًّا أَوْ مَجُوسِيًّا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى مِنْ إبِلٍ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ، وَقَوْلُهُ الْآتِي وَالْأُنْثَى إلَخْ فِي قُوَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ هَذَا (وَفِي) إتْلَافِهِ (الْأُنْمُلَةِ) مِنْ كُلِّ أُصْبُعٍ (ثُلُثُهُ) أَيْ الْعُشْرِ (إلَّا) الْأُنْمُلَةَ (مِنْ الْإِبْهَامِ فَ) فِي إتْلَافِهَا (نِصْفُهُ) أَيْ الْعُشْرِ، إذْ لَيْسَ فِيهِ إلَّا أُنْمُلَتَانِ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ - ﵁ - وَعَنْهُ أَيْضًا ثَلَاثُ أَنَامِلَ فِي الْإِبْهَامِ، فَفِي أُنْمُلَتِهِ ثُلُثُ عُشْرٍ عَلَى هَذَا كَأُنْمُلَةِ غَيْرِهَا وَالْقَوْلَانِ فِي إبْهَامِ الْيَدِ، وَأَمَّا إبْهَامُ الرِّجْلِ فَأُنْمُلَتَانِ اتِّفَاقًا، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَهَذِهِ إحْدَى الْمُسْتَحْسَنَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ. ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا مَعَ غَيْرِهَا فِي كُلِّ أُنْمُلَةٍ ثُلُثُ الْعُشْرِ، وَأَنَامِلُ غَيْرِ الْإِبْهَامِ ثَلَاثَةٌ، وَفِي كَوْنِهَا ذَا أُنْمُلَتَيْنِ فَقَطْ أَوْ ثَلَاثٍ قَوْلُهَا مَعَ الْبَاجِيَّ عَنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ، وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ رَجَعَ مَالِكٌ - ﵁ - إلَى أَنَّهَا ثَلَاثٌ، وَلَمْ يَحْكِهِ الْبَاجِيَّ إلَّا عَنْ سَحْنُونٍ عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ كِنَانَةَ، قَالَ وَإِلَيْهِ رَجَعَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ - ﵃ - عَنْهُمْ عَنْ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ (وَفِي) إتْلَافِ (الْأُصْبُعِ الزَّائِدَةُ) عَلَى الْخَمْسِ فِي يَدٍ أَوْ رِجْلٍ (الْقَوِيَّةِ) عَلَى التَّصَرُّفِ قُوَّةِ الْأُصْبُعِ الْأَصْلِيَّةِ (عُشْرٌ) بِضَمِّ الْعَيْنِ مِنْ دِيَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (إنْ أُفْرِدَتْ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بِالْإِتْلَافِ عَنْ الْأَصَابِعِ الْأَصْلِيَّةِ، وَمَفْهُومُ الْقَوِيَّةِ أَنَّ الضَّعِيفَةَ لَا عُشْرَ فِيهَا وَهُوَ
[ ٩ / ١٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [منح الجليل] كَذَلِكَ، وَفِيهَا حُكُومَةٌ، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّهَا إنْ قُطِعَتْ مَعَ الْأَصَابِعِ الْأَصْلِيَّةِ فَلَا شَيْءَ فِيهَا وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ إعْطَاءً لِلنَّادِرِ حُكْمَ الْغَالِبِ. الشَّارِحُ قَوْلُهُ إنْ انْفَرَدَتْ يَقْتَضِي أَنَّهَا إنْ قُطِعَتْ مَعَ أُصْبُعٍ أَصْلِيٍّ لَا شَيْءَ فِيهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَحَادَ الْبِسَاطِيُّ عَنْ ظَاهِرِ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ فَقَالَ مَعْنَى انْفَرَدَتْ لَمْ تُقْطَعْ فِي ضِمْنِ قَطْعِ الْيَدِ وَهُوَ ظَاهِرٌ قَالَهُ تت. أَقُولُ لَوْ صَحَّ كَلَامُهُ لَسَهُلَ جَوَابُهُ بِأَنَّهُ تَفْصِيلٌ فِي الْمَفْهُومِ وَلِكُلٍّ قَالَ طفي اُنْظُرْ مَا نَسَبَهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ، فَإِنَّ الْمَنْسُوبَ لَهُ فِي ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَالتَّوْضِيحِ وَالشَّارِحِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ السَّادِسَةَ الْقَوِيَّةَ فِيهَا عُشْرٌ قُطِعَتْ عَمْدًا، إذْ لَا قِصَاصَ فِيهَا لِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ، وَإِنْ قُطِعَ جَمِيعُ الْكَفِّ كَانَ فِيهَا سِتُّونَ، وَقَالَ سَحْنُونٌ إذَا قُطِعَتْ الْيَدُ الَّتِي فِيهَا سِتُّ أَصَابِعَ خَطَأً كَانَ فِيهَا خَمْسُمِائَةٍ، وَلَمَّا ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ وَهُوَ أَبْيَنُ، وَقَدْ اعْتَرَضَ الشَّارِحُ عَلَى الْمُصَنِّفِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ قَائِلًا وَإِلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَشَارَ بِمَا ذَكَرَ، غَيْرَ أَنَّ قَوْلَهُ إنْ انْفَرَدَتْ يَقْتَضِي أَنَّ تَرَتُّبَ الْعُشْرِ فِيهَا مَشْرُوطٌ بِقَطْعِهَا وَحْدَهَا. وَأَمَّا إنْ قُطِعَتْ مَعَ غَيْرِهَا فَلَا عُشْرَ فِيهَا وَالْأَمْرُ كَمَا عَلِمْت مِنْ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ فِيهَا الْعُشْرَ مُطْلَقًا قُطِعَتْ مَعَ غَيْرِهَا أَوْ وَحْدَهَا بِشَرْطِ كَوْنِهَا قَوِيَّةً. وَقَالَ " ق " لَوْ قَالَ عُشْرٌ مُطْلَقًا وَإِلَّا فَحُكُومَةٌ إنْ انْفَرَدَتْ لِتَنْزِلَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ إنْ كَانَتْ السَّادِسَةُ قَوِيَّةً فَفِيهَا عُشْرٌ، وَلَوْ قُطِعَتْ عَمْدًا، إذْ لَا قِصَاصَ فِيهَا. وَفِي كُلِّ يَدٍ مِنْهَا سِتُّونَ، وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً فَفِيهَا حُكُومَةٌ إنْ انْفَرَدَتْ وَمَعَ الْيَدِ لَا يُزَادُ لَهَا شَيْءٌ وَإِنْ قُطِعَتْ يَدُهُ عَمْدًا فَفِيهَا الْقِصَاصُ وَيَأْخُذُ دِيَةَ السَّادِسَةِ إنْ كَانَتْ قَوِيَّةً لَكِنَّهُ اسْتَشْكَلَهُ مَعَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ السَّابِقِ، وَتُقْطَعُ الْيَدُ النَّاقِصَةُ أُصْبُعًا بِالْكَامِلَةِ بِلَا غُرْمٍ. الْبُنَانِيُّ وَهُوَ بَحْثٌ حَسَنٌ، وَتَبِعَهُمَا " ح " فِي الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْمُؤَلِّفِ، وَمِثْلُ إصْلَاحِ " ق " لَغْ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ الْعُتْبِيَّةِ، فَهَذَا كُلُّهُ دَلَّ عَلَى بُطْلَانِ عَزْوِ تت وَلَمْ يَكُنْ فِي كَبِيرِهِ وَقَوْلُهُ تَعَقَّبَ الشَّارِحُ قَوْلَهُ إنْ انْفَرَدَتْ إلَخْ قَدْ ذَكَرْنَا لَك تَعَقُّبَهُ بِلَفْظِهِ، وَذَكَرَهُ تت بِالْمَعْنَى، وَقَوْلُهُ وَلِذَا عَدَلَ الْبِسَاطِيُّ إلَخْ، قَدْ عَلِمْت أَنَّ اعْتِرَاضَ الشَّارِحِ لَيْسَ مُقَيَّدًا بِقَطْعِهَا مَعَ أُصْبُعٍ
[ ٩ / ١٢٧ ]
وَفِي كُلِّ سِنٍّ: خَمْسٌ، وَإِنْ سَوْدَاءَ بِقَلْعٍ، أَوْ اسْوِدَادٍ، أَوْ بِهِمَا، أَوْ بِحُمْرَةٍ أَوْ بِصُفْرَةٍ، إنْ كَانَا عُرْفًا: كَالسَّوَادِ،
_________________
(١) [منح الجليل] أَوْ أُصْبُعَيْنِ، بَلْ كَذَلِكَ إذَا قُطِعَتْ فِي ضِمْنِ قَطْعِ الْيَدِ، فَاعْتِذَارُ الْبِسَاطِيِّ غَيْرُ صَوَابٍ. وَقَوْلُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَلَمْ يَقُلْ هَذَا فِي كَبِيرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَفِي) إتْلَافِ (كُلِّ سِنٍّ) ثَنِيَّةً كَانَتْ أَوْ نَابًا أَوْ رُبَاعِيَّةً أَوْ ضِرْسًا (خَمْسٌ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ الْإِبِلِ إنْ لَمْ تَكُنْ سَوْدَاءَ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَتْ (سَوْدَاءَ) خِلْقَةً أَوْ بِجِنَايَةٍ وَجَنَى عَلَيْهَا ثَانِيًا (بِقَلْعٍ) مِنْ أَصْلِهَا أَوْ عِنْدَ اللَّحْمِ بَعْدَ حِينٍ مِنْ الْجِنَايَةِ الْأُولَى (أَوْ) بِ (اسْوِدَادٍ) فَقَطْ بَعْدَ بَيَاضِهَا بِجِنَايَةٍ عَلَيْهَا مَعَ بَقَائِهَا وَثُبُوتِهَا لِأَنَّهُ أَذْهَبَ جَمَالَهَا (أَوْ بِهِمَا) أَيْ الْقَلْعِ وَالتَّسْوِيدِ بِأَنْ سَوَّدَهَا ثُمَّ قَلَعَهَا بِالْقُرْبِ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَيْ بِقَلْعِ بَعْضِهَا وَتَسْوِيدِ بَاقِيهَا (أَوْ) بِ (حُمْرَةٍ) لَهَا بَعْدَ بَيَاضِهَا (أَوْ) بِ (صُفْرَةٍ) لَهَا بَعْدَ بَيَاضِهَا (إنْ كَانَا) الْمَذْكُورُ مِنْ الْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ (عُرْفًا كَالسَّوَادِ) فِي إذْهَابِ الْجَمَالِ وَإِلَّا فَبِحِسَابِ مَا نَقَصَ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا قِيلَ إنْ ضَرَبَهُ فَاسْوَدَّتْ سِنُّهُ أَوْ احْمَرَّتْ أَوْ اصْفَرَّتْ أَوْ اخْضَرَّتْ، قَالَ إنْ اسْوَدَّتْ ثُمَّ عَقَلَهَا وَالْخُضْرَةُ وَالْحُمْرَةُ وَالصُّفْرَةُ إنْ كَانَتْ كَالسَّوَادِ ثُمَّ عَقَلَهَا وَإِلَّا فَعَلَى حِسَابِ مَا نَقَصَ. وَفِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ اصْفَرَّتْ السِّنُّ فَفِيهَا بِقَدْرِ شَيْنِهَا لَا يَكْمُلُ عَقْلُهَا حَتَّى تَسْوَدَّ لَا بِتَغَيُّرِهَا. ابْنُ رُشْدٍ هَذَا يُبَيِّنُ مَذْهَبَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، إذْ لَمْ يُجِبْ فِيهَا جَوَابًا بَيِّنًا، وَمِثْلُهُ قَوْلُ أَصْبَغَ فِي اخْضِرَارِهَا أَكْثَرُ مِمَّا فِي احْمِرَارِهَا، وَفِي احْمِرَارِهَا أَكْثَرُ مِمَّا فِي اصْفِرَارِهَا، وَعَزَا اللَّخْمِيُّ هَذَا لِأَشْهَبَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، قَالَ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ تَغَيُّرُهَا مِثْلَ اسْوِدَادِهَا فَقَدْ تَمَّ عَقْلُهَا، وَإِلَّا فَعَلَى حِسَابِ مَا نَقَصَ، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ إلَّا فِي الْخُضْرَةِ. قُلْت فَحُمِلَ كَلَامُهُمَا عَلَى الِاخْتِلَافِ وَبِهِ يَتَقَرَّرُ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ إثْرَ نَقْلِهِ قَوْلَهَا وَالْمَشْهُورُ خِلَافُهُ، وَحَمَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ عَلَى الْوِفَاقِ كَابْنِ شَاسٍ، ثُمَّ قَالَ لِابْنِ عَرَفَةَ سُئِلَ الْقَرَوِيُّونَ عَمَّنْ أَطْعَمَتْ زَوْجَهَا مَا اسْوَدَّ بِهِ لَوْنُهُ فَوَقَفُوا. أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ هِيَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَأَوْجَبَ الدِّيَةَ عَلَيْهَا مِنْ قَوْلِهَا فِي تَسْوِيدِ السِّنِّ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بِلُزُومِ الْبَيَاضِ لِلسِّنِّ وَبَعْضُ أَفْرَادِ
[ ٩ / ١٢٨ ]
أَوْ بِاضْطِرَابِهَا جِدًّا
وَإِنْ ثَبَتَتْ لِكَبِيرٍ قَبْلَ أَخْذِ عَقْلِهَا: أَخَذَهُ
_________________
(١) [منح الجليل] الْآدَمِيِّينَ أَسْوَدُ ابْنُ شَعْبَانَ فِي السِّنِّ الزَّائِدَةِ الِاجْتِهَادُ. قُلْت فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ أَرْشَ الْحُكُومَةِ وَالِاجْتِهَادِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي النَّقْصِ، وَرُبَّمَا كَانَ قَلْعُ الزَّائِدِ لَا يُوجِبُهُ أَوْ يُوجِبُ زِيَادَةً فَيَكُونُ كَخِصَاءِ الْعَبْدِ يُزِيدُ فِي قِيمَتِهِ، وَقَدْ يَجْرِي عَلَى الْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ وَجَمِيعُ مَا فِي الْفَمِ مِنْ الْأَسْنَانِ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ سِنًّا. وَقِيلَ مَنْ وُلِدَ لِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ لَهُ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ سِنًّا فَقَطْ. ابْنُ عَرَفَةَ فِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، الْأَسْنَانُ وَالْأَضْرَاسُ سَوَاءٌ. ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ سَعِيدٍ قَضَى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْأَضْرَاسِ بِبَعِيرِ بَعِيرٍ وَمُعَاوِيَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِخَمْسَةِ أَبْعِرَةٍ وَلَوْ كُنْت أَنَا لَجَعَلْت فِيهَا بَعِيرَيْنِ بَعِيرَيْنِ، فَتِلْكَ الدِّيَةُ سَوَاءٌ لِأَنَّ الْأَسْنَانَ اثْنَا عَشَرَ سِنًّا أَرْبَعُ ثَنَايَا وَأَرْبَعُ رَبَاعِيَاتٍ وَأَرْبَعُ أَنْيَابٍ لَهَا سِتُّونَ بَعِيرًا خَمْسَةٌ لِكُلٍّ مِنْهَا وَالْأَضْرَاسُ أَرْبَعُ ضَوَاحِكَ، وَهِيَ الَّتِي تَلِي الْأَنْيَابَ، وَاثْنَا عَشَرَ رَحًى ثَلَاثٌ فِي كُلِّ شَدْقٍ وَأَرْبَعُ نَوَاجِذَ، وَهِيَ أَقْصَاهَا، فَجَمِيعُ دِيَاتِهَا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ مِائَةٌ وَسِتُّونَ بَعِيرًا، زَادَ اللَّخْمِيُّ وَالنَّوَاجِذُ سِنُّ الْحُلُمِ الَّتِي يَخْرُجُ أَقْصَاهَا بَعْدَ الْكِبَرِ. وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ لِلرَّجُلِ الْأَلْحَى اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ سِنًّا، وَلِلْكَوْسَجِ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ سِنًّا، يُرِيدُ أَنَّهُ لَا نَوَاجِذَ لَهُ. عَبْدُ الْحَقِّ لِابْنِ مُزِيدٍ مَنْ وُلِدَ لِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ فَلَهُ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ سِنًّا، وَمَنْ وُلِدَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ فَلَهُ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ سِنًّا. الشَّيْخُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لِأَشْهَبَ إنْ طُرِحَتْ السِّنُّ مِنْ سِنْخِهَا فَفِيهَا دِيَتُهَا كَامِلَةً، وَكَذَا كَسْرُهَا مِنْ أَصْلِ مَا أَشْرَفَ مِنْهَا وَلَا يُحَطُّ لِمَا بَقِيَ مِنْ الْكَسْرِ مِنْ مَوْضِعِ سِنْخِهَا شَيْءٌ كَبَقِيَّةِ الذَّكَرِ بَعْدَ الْحَشَفَةِ. (وَ) الدِّيَةُ (بِاضْطِرَابِهَا) أَيْ السِّنِّ (جِدًّا) بِحَيْثُ لَا يُرْجَى نُبُوَّتُهَا، وَفِي الْخَفِيفِ الْعَقْلِ بِقَدْرِهِ. (وَإِنْ) قُلِعَتْ السِّنُّ ثُمَّ رُدَّتْ وَ(ثَبَتَتْ) بِالْمُثَلَّثَةِ مِنْ الثُّبُوتِ (لِ) شَخْصٍ (كَبِيرٍ) أَيْ مُثْغِرٍ (قَبْلَ أَخْذِ عَقْلِهَا أَخَذَهُ) أَيْ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَقْلَهَا وَلَا يَرُدُّهُ إنْ كَانَ أَخَذَهُ، سَوَاءٌ قُضِيَ لَهُ بِهِ ثُمَّ رَدَّهَا فَثَبَتَتْ، أَوْ رَدَّهَا قَبْلَ الْحُكْمِ لَهُ بِأَخْذِهِ أَفَادَهُ تت. طفي قَوْلُهُ أَوْ بَعْدَ اضْطِرَابِهَا جِدًّا فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُضْطَرِبَةَ جِدًّا إذَا ثَبَتَتْ لَا عَقْلَ لَهَا، كَيْفَ وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالسِّنُّ الشَّدِيدَةُ الِاضْطِرَابِ يُنْظَرُ بِهَا سَنَةً. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَاشْتِدَادُ اضْطِرَابِهَا
[ ٩ / ١٢٩ ]
كَالْجِرَاحَاتِ الْأَرْبَعِ
وَرُدَّ فِي عَوْدِ الْبَصَرِ
_________________
(١) [منح الجليل] فِيمَنْ لَا يُرْجَى كَقَلْعِهَا. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَيْ لَا يُرْجَى ثَبَاتُهَا. ابْنُ الْقَاسِمِ وَيُسْتَأْنَى بِهِ سَنَةً، وَقَدْ خَصَّ الْحَطّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِالْمَقْلُوعَةِ قَائِلًا وَأَمَّا الْمُضْطَرِبَةُ جِدًّا إذَا ثَبَتَتْ فَلَا شَيْءَ فِيهَا، وَاسْتَدَلَّ بِكَلَامِ التَّوْضِيحِ الْمُتَقَدِّمِ وَتَبِعَهُ عج. اللَّخْمِيُّ إنْ رَدَّ السِّنَّ أَوْ الْأُذُنَ فَثَبَتَتْ أَوْ نَبَتَتْ فِي مَكَانِ السِّنِّ أُخْرَى فَفِي الْعَمْدِ لَهُ الْقَوَدُ اتِّفَاقًا، وَالْخَطَأُ فِي السِّنِّ وَشِبْهِهَا مِمَّا فِيهِ دِيَةٌ مُسَمَّاةٌ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي السِّنِّ دِيَتُهَا. مُحَمَّدٌ لَيْسَتْ السِّنُّ عِنْدَهُ كَغَيْرِهَا لِأَنَّهُ يَرَى فِيهَا دِيَتَهَا، وَاخْتُلِفَ فِي إشْرَافِ الْأُذُنَيْنِ إذَا رَدَّهُمَا فِي قَطْعِ الْخَطَأِ، فَعَلَى أَنَّ فِيهِمَا حُكُومَةً لَا شَيْءَ لَهُ، وَعَلَى أَنَّ فِيهِمَا الدِّيَةَ فَلَهُ الدِّيَةُ كَالسِّنِّ. ثُمَّ أَيَّدَ أَخْذَ عَقْلِ السِّنِّ الَّتِي ثَبَتَتْ بَعْدَ قَلْعِهَا بِتَشْبِيهِهِ بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ فَقَالَ (كَالْجِرَاحَاتِ الْأَرْبَعَةِ) أَيْ الْجَائِفَةِ وَالْمُوضِحَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ وَالْآمَّةِ، فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَخْذِ عَقْلِهَا وَإِنْ عَادَتْ لِهَيْئَتِهَا، وَكَذَا الْهَاشِمَةُ وَالدَّامِغَةُ وَتُؤْخَذُ دِيَةُ الْأَصَابِعِ وَالْجِرَاحَاتِ وَالْأَسْنَانِ مُخَمَّسَةً مِنْ الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ بَنَاتِ الْمَخَاضِ وَبَنَاتِ اللَّبُونِ وَالْحِقَاقِ وَالْجَذَعَاتِ قَالَهُ فِي دِيَةِ النَّوَادِرِ، وَنَقَلَهُ الْحَطّ (وَ) إنْ جَنَى عَلَيْهِ فَذَهَبَ بَصَرُهُ وَأَخَذَ مِنْهُ دِيَتَهُ ثُمَّ عَادَ لَهُ بَصَرُهُ (رَدَّ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الدِّيَةَ الَّتِي أَخَذَهَا لِلْجَانِي (فِي عَوْدِ الْبَصَرِ) وَسَوَاءٌ أَخَذَهَا بِحُكْمٍ أَمْ لَا لِأَنَّ عَوْدَهُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ ذَهَابِهِ، وَأَنَّهُ تَعَطَّلَ بِعِلَّةٍ ذَهَبَتْ، إذْ لَوْ ذَهَبَ لَا يَعُودُ وَلَوْ عَادَ بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْلَ الْأَخْذِ فَلَا تُؤْخَذُ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَا يَرُدُّ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِهِ. تت سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ حُكْمِ الرَّدِّ فِي عَوْدِ الْكَلَامِ وَالْعَقْلِ وَالسَّمْعِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّهُ إذَا عَادَ بَعْدَ زَوَالِهِ فَإِنَّهُ يَرُدُّ مَا أَخَذَهُ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - ﵄ -. وَأَمَّا الثَّانِي فَقِيلَ الَّذِي يَجْرِي عَلَى مَذْهَبِهِ فِي الْبَصَرِ الرَّدُّ. وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يَرُدُّ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَصَرِ وَالْعَقْلِ أَنَّ الْبَصَرَ إذَا عَادَ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ حَقِيقَةً، بِخِلَافِ الْعَقْلِ، وَنُظِرَ فِيهِ بِأَنَّ الْعَقْلَ إذَا زَالَ لَا يَعُودُ، وَإِنَّمَا حَصَلَ لَهُ سَاتِرٌ ثُمَّ انْكَشَفَ. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَفِي الْبَيَانِ حُكْمُهُ، إذَا عَادَ قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ بَعْدَهُ كَالْبَصَرِ. طفي الَّتِي يَجْرِي عَلَى مَذْهَبِهِ
[ ٩ / ١٣٠ ]
وَقُوَّةِ الْجِمَاعِ وَمَنْفَعَةِ اللَّبَنِ، وَفِي الْأُذُنِ إنْ ثَبَتَ: تَأْوِيلَانِ
وَتَعَدَّدَتْ الدِّيَةُ بِتَعَدُّدِهَا، إلَّا الْمَنْفَعَةَ بِمَحَلِّهَا
وَسَاوَتْ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ
_________________
(١) [منح الجليل] فِي الْبَصَرِ الرَّدُّ زَادَ فِي التَّوْضِيحِ، وَقِيلَ لَا يَرُدُّ كَقَوْلِ أَشْهَبَ وَنَحْوِهِ فِي الشَّارِحِ، وَعَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ الْفَرْقُ الَّذِي ذَكَرَهُ، فَفِي كَلَامِهِ حَذْفٌ. (وَ) إنْ أَبْطَلَ قُوَّةَ جِمَاعِهِ وَأَخَذَ مِنْهُ دِيَتَهَا ثُمَّ عَادَتْ رَدَّ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لِلْجَانِي مَا أَخَذَهُ مِنْهُ فِي عَوْدِ (قُوَّةِ الْجِمَاعِ) لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (وَ) إنْ أَذْهَبَ لَبَنَ امْرَأَةٍ وَأَخَذَتْ مِنْهُ دِيَتَهُ ثُمَّ عَادَ لَهَا لَبَنُهَا فَإِنَّهَا تَرُدُّ الدِّيَةَ الَّتِي أَخَذَتْهَا مِنْ الْجَانِي (فِي) عَوْدِ (مَنْفَعَةِ اللَّبَنِ) إضَافَتُهُ لِلْبَيَانِ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ آدَمِيَّةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا بَعْدَ أَخْذِ أَرْشِهَا مِنْ الْجَانِي فَيَرُدُّ لَهُ، وَكَذَا عَوْدُ السَّمْعِ، ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، وَكَذَا عَوْدُ الْكَلَامِ وَالْعَقْلِ، وَيَنْبَغِي الرَّدُّ فِي عَوْدِ الشَّمِّ وَالذَّوْقِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَوْدَ اللَّمْسِ كَذَلِكَ، فَلَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى الْبَصَرِ عَمْدًا وَاقْتُصَّ مِنْ الْجَانِي ثُمَّ عَادَ بَصَرُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ بَلْ الْمُتَعَيِّنُ أَنَّهُ هَدَرٌ، وَكَذَا يُقَالُ فِي قُوَّةِ الْجِمَاعِ أَفَادَهُ شب. (وَ) إنْ قَلَعَ أُذُنَهُ مِنْ مَحَلِّهَا وَرَدَّهَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ إلَيْهِ فَثَبَتَتْ فَ (فِي) أَخْذِ عَقْلِ (الْأُذُنِ) وَعَدَمِ رَدِّهِ إنْ كَانَ أَخَذَهُ (إنْ ثَبَتَتْ) الْأُذُنُ فِي مَحَلِّهَا بَعْدَ قَلْعِهَا وَرَدِّهَا إلَيْهِ فِي الْبَيَانِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَعَدَمِ لُزُومِهِ لِلْجَانِي وَإِنْ كَانَ أُخِذَ مِنْهُ رُدَّ لَهُ وَهُوَ رَأْيُ عَبْدِ الْحَقِّ أَنَّهُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ (تَأْوِيلَانِ) الْأَوَّلُ لِابْنِ رُشْدٍ وَالثَّانِي لِعَبْدِ الْحَقِّ (وَتَعَدَّدَ) الْعَقْلُ أَيْ تَتَعَدَّدُ الدِّيَةُ عَلَى الْجَانِي فِي الْعَمْدِ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ فِي الْخَطَأِ (بِتَعَدُّدِهَا) أَيْ الْمَنْفَعَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهَا، فَإِنْ قَطَعَ يَدَيْهِ فَجُنَّ فَدِيَتَانِ (إلَّا الْمَنْفَعَةَ) الذَّاهِبَةَ (بِ) الْجِنَايَةِ عَلَى (مَحَلِّهَا) أَيْ الْمَنْفَعَةِ فَإِنْ قَطَعَ أُذُنَهُ فَذَهَبَ سَمْعُهُ فَدِيَةٌ وَاحِدَةٌ. ابْنُ الْحَاجِبِ فِي الشَّمِّ دِيَةٌ، وَيَنْدَرِجُ فِي الْأَنْفِ كَالْبَصَرِ مَعَ الْعَيْنِ وَالسَّمْعِ مَعَ الْأُذُنِ. اللَّخْمِيُّ إنْ ذَهَبَ الْأَنْفُ وَالشَّمُّ مَعًا فَفِيهِمَا دِيَةٌ. ابْنُ الْجَلَّابِ الْقِيَاسُ دِيَتَانِ وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ، وَذَكَرَهُ فِي ذَهَابِ السَّمْعِ مَعَ الْأُذُنِ (وَسَاوَتْ الْمَرْأَةُ) مُسْلِمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً أَوْ مَجُوسِيَّةً (الرَّجُلَ) مِنْ أَهْلِ دِينِهَا فِي دِيَةِ
[ ٩ / ١٣١ ]
لِثُلُثِ دِيَتِهِ، فَتَرْجِعُ لِدِيَتِهَا
وَضُمَّ مُتَّحِدٍ
_________________
(١) [منح الجليل] جِرَاحَاتِهَا لِبُلُوغِ دِيَتِهَا (لِثُلُثِ دِيَتِهِ) أَيْ الرَّجُلِ (فَتَرْجِعُ) الْمَرْأَةُ فِي دِيَةِ جِرَاحَاتِهَا (لِدِيَتِهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ يَعْنِي أَنَّ دِيَةَ مُوضِحَةِ الْمَرْأَةِ وَمُنَقِّلَتِهَا وَأَصَابِعِهَا وَأَسْنَانِهَا وَنَحْوَهَا مِمَّا يُوجِبُ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ دِيَةِ الرَّجُلِ فَدِيَةُ الْمَرْأَةِ فِيهِ مُسَاوِيَةٌ لِدِيَةِ الرَّجُلِ، فَفِي مُوضِحَتِهَا نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ الرَّجُلِ، وَفِي مُنَقِّلَتِهَا عُشْرُهَا وَنِصْفُهُ، وَفِي أُصْبُعِهَا عُشْرُ دِيَتِهِ، وَفِي أُصْبُعَيْهَا عُشْرَا دِيَتِهِ، وَفِي ثَلَاثَةِ أَصَابِعِهَا ثَلَاثَةُ أَعْشَارِ دِيَتِهِ، وَإِنْ أَوْجَبَ جُرْحَهَا ثُلُثَ دِيَةٍ كَالْجَائِفَةِ وَالْآمَّةِ فَإِنَّهَا تُرَدُّ لِدِيَتِهَا فَلَهَا ثُلُثُ دِيَتِهَا لَا ثُلُثُ دِيَةِ الرَّجُلِ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا الْمَرْأَةُ تُعَاقِلُ الرَّجُلَ فِي الْجِرَاحِ إلَى ثُلُثِ دِيَتِهِ وَلَا تَسْتَكْمِلُهُ، فَإِذَا بَلَغَتْ ذَلِكَ رَجَعَتْ إلَى عَقْلِ نَفْسِهَا، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ، أَنَّ لَهَا فِي ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ وَنِصْفٍ أُنْمُلَةً إحْدَى وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا وَثُلُثَيْ بَعِيرٍ فَهِيَ وَالرَّجُلُ فِي هَذَا سَوَاءٌ، وَإِنْ أُصِيبَ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَصَابِعَ وَأُنْمُلَةٌ رَجَعَتْ إلَى عَقْلِهَا فَلَهَا سِتَّةَ عَشَرَ بَعِيرًا وَثُلُثَا بَعِيرٍ وَنَحْوُهُ فِي الْمُوَطَّإِ. أَبُو عُمَرَ رَبِيعَةُ قُلْت لِابْنِ الْمُسَيِّبِ كَمْ فِي أُصْبُعٍ مِنْ أَصَابِعِ الْمَرْأَةِ قَالَ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ، قُلْت كَمْ فِي أُصْبُعَيْنِ قَالَ عِشْرُونَ، قُلْت كَمْ فِي ثَلَاثٍ قَالَ ثَلَاثُونَ، قُلْت كَمْ فِي أَرْبَعٍ قَالَ عِشْرُونَ، قُلْت لِمَا عَظُمَ جُرْحُهَا وَاشْتَدَّتْ بِلَبَّتِهَا نَقَصَ عَقْلُهَا قَالَ أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ قُلْت بَلْ عَالِمٌ مُتَثَبِّتٌ أَوْ جَاهِلٌ مُتَعَلِّمٌ قَالَ هِيَ السُّنَّةُ. أَبُو عُمَرَ هَذَا مَذْهَبُ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَاللَّيْثِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعَطَاءٍ وَغَيْرِهِمْ - ﵃ - وَرُوِيَ عَنْهُ - ﷺ - مِنْ مُرْسَلِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَقَوْلِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ هِيَ السُّنَّةُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرْسَلَهُ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - وَقَالَ الْإِمَامَانِ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ - ﵄ - تُعَاقِلُهُ لِلنِّصْفِ، وَقَوْلُهُ وَسَاوَتْ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ لِثُلُثِ دِيَتِهِ فِي قُوَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ قَوْلِهِ وَفِي الْأُصْبُعِ عُشْرُ الدِّيَةِ وَفِي السِّنِّ نِصْفُهُ. طفي أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ إنَّمَا قَالَ لَهُ هَذَا لِمُعَارَضَتِهِ لِقَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِهِ، وَذَلِكَ عَادَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ فِي مُخَالَفَتِهِمْ لِمَذْهَبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَا زَالَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ يُنْكِرُونَ مَذْهَبَ أَهْلِ الْعِرَاقِ لِمُخَالَفَتِهِمْ لِسُنَّةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ بِأَنْوَارِ سَاكِنِهَا - ﷺ - (وَضُمَّ) بِضَمِّ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ الْمِيمِ (مُتَّحِدٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ
[ ٩ / ١٣٢ ]
الْفِعْلِ، أَوْ فِي حُكْمِهِ، أَوْ الْمَحَلِّ
_________________
(١) [منح الجليل] الْمُهْمَلَةِ مُضَافٌ إلَى (الْفِعْلِ) إضَافَةَ مَا كَانَ صِفَةً إلَى مَا كَانَ مَوْصُوفًا أَيْ الْجِرَاحَاتِ النَّاشِئَةِ عَنْ الْفِعْلِ الْوَاحِدِ كَضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ فِي يَدٍ أَوْ فِي رِجْلٍ أَوْ فِي يَدَيْنِ أَوْ فِي رِجْلَيْنِ أَوْ فِي يَدٍ وَرِجْلٍ قَطَعَتْ أُصْبُعَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ عُشْرٌ، وَلَوْ قَطَعَتْ أَرْبَعًا فَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ خُمُسٌ (أَوْ) مَا فِي (حُكْمِهِ) أَيْ الْمُتَّحِدِ كَضَرَبَاتٍ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ أَيْ آثَارِ الْأَفْعَالِ الْمُتَوَالِيَةِ وَسَوَاءٌ الْأَصَابِعُ وَالْأَسْنَانُ وَالْمَوَاضِحُ وَالْمَنَاقِلُ، وَسَوَاءٌ اتَّحَدَ الْمَحَلُّ أَوْ تَعَدَّدَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْأَثَرُ النَّاشِئُ عَنْ الثَّانِي مِثْلَ أَثَرِ الْأَوَّلِ أَمْ لَا، كَضَرْبِهَا عَلَى رَأْسِهَا وَيَدِهَا عَلَيْهِ فَقَطَعَ لَهَا أُصْبُعًا وَشَجَّهُ مُنَقِّلَةً فَتَرْجِعُ فِيهِمَا لِعَقْلِهَا. فِي التَّوْضِيحِ ضَابِطُهُ اتِّحَادُ الْمَحَلِّ أَوْ الضَّرْبِ، وَفَائِدَتُهُ رَدُّهَا لِدِيَتِهَا إذَا بَلَغَتْ ثُلُثَ دِيَةِ الرَّجُلِ (أَوْ) مُتَّحَدِ (الْمَحَلِّ) كَضَرَبَاتٍ فِي يَدٍ أَوْ رِجْلٍ قَطَعَتْ أَصَابِعَهَا، فَإِنْ كَانَتْ ثَلَاثًا فَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ عُشْرٌ، وَإِنْ كَانَتْ أَرْبَعًا فَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ خُمُسٌ، وَتُعْتَبَرُ أَصَابِعُ كُلِّ يَدٍ وَحْدَهَا، وَكَذَا أَصَابِعُ الرِّجْلَيْنِ لِأَنَّ كُلَّ يَدٍ مَحَلٌّ وَكُلَّ رِجْلٍ مَحَلٌّ. ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا وُجُوبُ ضَمِّ قَطْعِ أَصَابِعِهَا بَعْضِهَا لِبَعْضٍ بِاتِّحَادِ يَدِهَا أَوْ فَوْرِ ضَرْبِهَا وَإِلَّا فَلَا، وَحَيْثُ يَجِبُ مِمَّا بَلَغَ بِهِ عَقْلُهَا ثُلُثَ عَقْلِ الرِّجْلِ رَجَعَتْ لِعَقْلِهَا، وَمَا لَا يَبْلُغُهُ فَلَهَا فِيهِ عَقْلُهُ وَمَا يُضَمُّ اُعْتُبِرَ كَأَنَّهُ أَوَّلُ. ابْنُ زَرْقُونٍ فِي ضَمِّهَا بِذَلِكَ وَقَصْرِهِ عَلَى فَوْرٍ وَاحِدٍ مَا لَمْ تَكُنْ رَجَعَتْ لِعَقْلِهَا، ثَالِثُهَا وَلَوْ رَجَعَتْ لَهَا وَلِعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ سَلَمَةَ مَعَ رِوَايَةِ الْمُغِيرَةِ وَابْنِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَعَ الصِّقِلِّيِّ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ، وَعَزَاهُ اللَّخْمِيُّ لِابْنِ نَافِعٍ بَدَلَ ابْنِ وَهْبٍ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَحَيْثُ اتَّحَدَ الْفِعْلُ أَوْ كَانَ فِي حُكْمِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ اتِّحَادُ الْمَحَلِّ كَضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ تُبِينُ أَصَابِعَ مِنْ يَدَيْنِ فَحُكْمُهُمَا حُكْمُ الْيَدِ، فَلَوْ قُطِعَ لَهَا بَعْدَهُ أُصْبُعٌ فَلَا يُضَمُّ، بَلْ تَأْخُذُ لَهُ عُشْرًا إنْ كَانَ ثَانِيًا أَوْ ثَالِثًا، وَخُمُسًا إنْ كَانَ رَابِعًا أَوْ خَامِسًا كَمَا لَوْ كَانَ فِي كُلِّ يَدٍ عَلَى حِيَالِهَا لَهَا فَقَبِلَهُ ابْنُ هَارُونَ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ مَدْلُولَ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ لَكِنْ هَذَا الْمَعْنَى لَا يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ لَوْ قُطِعَ لَهَا بَعْدَهُ أُصْبُعٌ فَلَا يُضَمُّ، بَلْ تَأْخُذُ لَهُ عُشْرًا إنْ كَانَ ثَانِيًا أَوْ
[ ٩ / ١٣٣ ]
فِي الْأَصَابِعِ لَا الْأَسْنَانِ،
_________________
(١) [منح الجليل] ثَالِثًا، وَخُمُسًا إنْ كَانَ رَابِعًا أَوْ خَامِسًا كَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدٍ، فَإِنَّ عَدَمَ الضَّمِّ مُنَافٍ لِوُجُوبِ خُمُسٍ فِي الْأُصْبُعِ الرَّابِعَةِ أَوْ الْخَامِسَةِ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ لَا يُضَمُّ إلَى مَا بَانَ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ مَعًا، وَقَوْلُهُ خُمُسًا إنْ كَانَ رَابِعًا أَوْ خَامِسًا لَيْسَ مُسَبَّبًا عَنْ عَدَمِ الضَّمِّ، بَلْ عَنْ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ، وَلِذَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ كَمَا لَوْ كَانَ فِي كُلِّ يَدٍ عَلَى حِيَالِهَا. وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَقِيلَ لَا يُضَمُّ شَيْءٌ إلَى مَا قَبْلَهُ فِيهِمَا قِيلَ ضَمِيرُ فِيهِمَا عَائِدٌ عَلَى الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ، وَقِيلَ إلَى اتِّحَادِ الْفِعْلِ، وَحُكْمُهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي ضَمِّ الْأَصَابِعِ بِاتِّحَادِ الضَّرْبَةِ كَوْنُ ضَمِّهَا لِمِثْلِهَا، بَلْ لَوْ كَانَ لِغَيْرِ مِثْلِهَا فَكَذَلِكَ لِنَقْلِ الشَّيْخِ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ لَوْ ضُرِبَتْ وَيَدُهَا عَلَى رَأْسِهَا فَقُطِعَ لَهَا أُصْبُعَانِ وَشُجَّتْ مُنَقِّلَةً رَجَعَتْ فِي ذَلِكَ لِعَقْلِهَا، وَفِيهَا كَذَا رِجْلَاهَا عَلَى مَا فَسَّرْنَا فِي الْيَدَيْنِ. (فِي الْأَصَابِعِ) كَمَا تَقَدَّمَ (لَا) فِي (الْأَسْنَانِ) فَلَا يُضَمُّ بَعْضُهَا الْبَعْضُ بَلْ فِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ كَانَ ذَلِكَ فِي ضَرْبَةٍ أَوْ ضَرَبَاتٍ عَلَى الْمَشْهُورِ لِاتِّحَادِ الْمَحَلِّ، هَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَهُ تت. طفي قَوْلُهُ فِي ضَرْبَةٍ أَوْ ضَرَبَاتٍ فِيهِ نَظَرٌ، إذْ مَا فِي ضَرْبَةٍ أَوْ حُكْمِهَا يُضَمُّ مُطْلَقًا اتَّحَدَ الْمَحَلُّ أَمْ لَا، مَاثِلَةً أَمْ لَا كَمَا لَوْ ضُرِبَتْ وَيَدُهَا عَلَى رَأْسِهَا فَقُطِعَ لَهَا أُصْبُعَانِ وَشُجَّتْ مُنَقِّلَةً رَجَعَتْ فِيهِ لِعَقْلِهَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ. وَقَدْ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ ضَابِطُ هَذَا أَنَّك تَضُمُّ إذَا اتَّحَدَ الْمَحَلُّ، وَإِنْ تَعَدَّدَ الضَّرْبُ، وَكَذَا تَضُمُّ إذَا اتَّحَدَ الضَّرْبُ، وَإِنْ تَعَدَّدَ الْمَحَلُّ وَهُوَ نَفْسُ كَلَامِهِ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَلَا سَلَفَ لتت فِيمَا قَالَهُ فِيمَا عَلِمْت، وَقَرَّرَهُ عج وَغَيْرُهُ عَلَى الصَّوَابِ. ابْنُ يُونُسَ ابْنُ الْمَوَّازِ اخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْأَسْنَانِ فَجَعَلَهَا مَرَّةً كَالْأَصَابِعِ تُحَاسَبُ بِمَا تَقَدَّمَ إلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ. أَصْبَغُ وَقَوْلُهُ الْأَوَّلُ فِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ وَلَا تُحَاسَبُ بِمَا تَقَدَّمَ وَإِنْ أَتَى عَلَى جَمِيعِ الْأَسْنَانِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ، بِخِلَافِ الْأَصَابِعِ، وَإِلَى هَذَا رَجَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ. مُحَمَّدٌ الْأَسْنَانُ عِنْدَهُ كَالرَّأْسِ يُصَابُ بِمَوَاضِعَ أَوْ بِمَنَاقِلَ فَلَا يُجْمَعُ عَلَيْهَا إلَّا مَا كَانَ فِي ضَرْبَةٍ. ابْنُ يُونُسَ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ. ابْنُ عَرَفَةَ مُحَمَّدٌ
[ ٩ / ١٣٤ ]
وَالْمَوَاضِحِ؛ وَالْمَنَاقِلِ، وَعَمْدٍ لِخَطَأٍ، وَإِنْ عَفَتْ
_________________
(١) [منح الجليل] تُضَمُّ الْأَسْنَانُ بِاتِّحَادِ الضَّرْبَةِ، وَفِي ضَمِّهَا بِاتِّحَادِ مَحَلِّهَا قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ. أَصْبَغُ وَعَدَمُ الضَّمِّ أَحَبُّ إلَيَّ، وَاخْتَارَهُ مُحَمَّدٌ. الشَّيْخُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَا تُضَمُّ الْمَوَاضِحُ وَالْمَنَاقِلُ إلَّا لِكَوْنِهَا فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ وَلَوْ كَانَتْ الْمُنَقِّلَةُ الثَّانِيَةُ فِي مَوْضِعِ الْأُولَى بَعْدَ بُرْئِهَا، قُلْت هُوَ قَوْلُهَا أَيْضًا الشَّيْخُ عَنْ أَشْهَبَ الْفَوْرُ الْوَاحِدُ يَضُمُّهَا كَالسَّارِقِ يَنْقُلُ مِنْ الْحِرْزِ قَلِيلًا قَلِيلًا فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ لِضَعْفِهِ أَوْ لِئَلَّا يُقْطَعَ هِيَ سَرِقَةٌ وَاحِدَةٌ اهـ. (وَ) لَا تُضَمُّ (الْمَوَاضِحُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ جَمْعُ مُوضِحَةٍ الَّتِي فِي الرَّأْسِ أَوْ الْجَسَدِ إلَّا بِفِعْلٍ وَاحِدٍ أَوْ أَفْعَالٍ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ (وَ) لَا تُضَمُّ (الْمَنَاقِلُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ جَمْعُ مُنَقِّلَةٍ إلَّا بِفِعْلٍ وَاحِدٍ أَوْ أَفْعَالٍ فِي فَوْرٍ، فَلَوْ أَوْضَحَتْ مُوضِحَتَيْنِ خَطَأً وَأَخَذَتْ عَقْلَهُمَا ثُمَّ أَوْضَحَتْ مَوَاضِحَ أُخَرَ فَلَهَا عَقْلُهَا كَالرِّجْلِ مَا لَمْ تَبْلُغْ فِي الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ ثُلُثَ دِيَتِهِ. وَحَاصِلُ مَا مَرَّ أَنَّ أَثَرَ الْفِعْلِ الْمُتَّحِدِ وَالْأَفْعَالِ الَّتِي فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ يُضَمُّ فِي الْأَصَابِعِ وَالْأَسْنَانِ وَالْمَوَاضِحِ وَالْمَنَاقِلِ، وَأَمَّا آثَارُ الْأَفْعَالِ الْمُتَرَاخِيَةِ فَتُضَمُّ فِي الْأَصَابِعِ إنْ اتَّحَدَ مَحَلُّهَا، وَلَا تُضَمُّ فِي الْأَسْنَانِ وَالْمَوَاضِحِ وَالْمَنَاقِلِ، فَقَوْلُهُ فِي الْأَصَابِعِ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ أَوْ الْمَحَلِّ وَلَوْ قَالَ كَالْمَحَلِّ لَكَانَ أَحْسَنَ لِيُعْلَمَ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْأَصَابِعِ لَا الْأَسْنَانِ، وَالْمَوَاضِحِ وَالْمَنَاقِلِ رَاجِعٌ لِمَا بَعْدَ الْكَافِ كَمَا هِيَ قَاعِدَتُهُ الْأَكْثَرِيَّةُ. (وَ) لَا يُضَمُّ (عَمْدٌ لِخَطَأٍ) كَمَا لَوْ قُطِعَتْ لَهَا ثَلَاثٌ عَمْدًا ثُمَّ ثَلَاثٌ خَطَأً فَلَهَا فِي كُلِّ أُصْبُعٍ عُشْرٌ إنْ اقْتَضَتْ مِنْ الْعَمْدِ، بَلْ (وَإِنْ عَفَتْ) عَنْ الْعَمْدِ وَسَوَاءٌ اتَّحَدَ الْمَحَلُّ أَوْ تَعَدَّدَ وَلَوْ كَانَ الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا لَا يُضَمُّ الْخَطَأُ إلَى عَمْدٍ اقْتَصَّتْ أَوْ عَفَتْ. ابْنُ الْقَاسِمِ لَوْ قُطِعَ لَهَا أُصْبُعَانِ عَمْدًا فَاقْتَصَّتْ أَوْ عَفَتْ ثُمَّ قُطِعَ مِنْ تِلْكَ الْكَفِّ أُصْبُعَانِ أَيْضًا خَطَأً فَلَهَا فِيهِمَا عِشْرُونَ بَعِيرًا: وَإِنَّمَا يُضَافُ بَعْضُ الْأَصَابِعِ إلَى بَعْضٍ فِي الْخَطَأِ. ابْنُ رُشْدٍ هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ، وَعَنْ أَشْهَبَ يُحْسَبُ عَلَيْهَا مِنْ أَصَابِعِهَا مَا أُصِيبَتْ بِهِ عَمْدًا، وَقَالَهُ سَحْنُونٌ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْقِيُّ.
[ ٩ / ١٣٥ ]
وَنُجِّمَتْ دِيَةُ الْحُرِّ الْخَطَإِ، بِلَا اعْتِرَافٍ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالْجَانِي،
_________________
(١) [منح الجليل] اللَّخْمِيُّ إنْ صَالَحَتْ عَنْ كُلِّ أُصْبُعٍ بِأَقَلَّ مِنْ خَمْسٍ فَلَا يُضَمُّ، وَإِنْ صَالَحَتْ عَنْ كُلِّ أُصْبُعٍ بِخَمْسٍ إلَى عَشْرٍ عَادَ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ نَافِعٍ وَعَبْدِ الْمَلِكِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. (وَنُجِّمَتْ) بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الْجِيمِ مُثَقَّلَةً أَيْ أُجِّلَتْ بِالنُّجُومِ أَيْ الْأَهِلَّةِ (دِيَةُ) الشَّخْصِ (الْحُرِّ) الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ أَوْ الْمَجُوسِيِّ الذَّكَرِ أَوْ الْأُنْثَى فِي قَتْلِ (الْخَطَأِ) فَلَا تُنَجَّمُ قِيمَةُ الرِّقِّ فَهِيَ حَالَّةٌ عَلَى قَاتِلِهِ، وَكَذَا دِيَةُ الْعَمْدِ الْمُصَالَحِ عَلَيْهَا إذَا ثَبَتَ قَتْلُ الْخَطَأِ (بِلَا اعْتِرَافٍ) أَيْ إقْرَارٍ مِنْ الْقَاتِلِ بِأَنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ قَسَامَةٍ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَا ثَبَتَ بِاعْتِرَافٍ لَا يُنَجَّمُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ لِاتِّهَامِهِ بِالْكَذِبِ لِإِغْنَاءِ وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ فَتُنَجَّمُ (عَلَى الْعَاقِلَةِ) لِلْجَانِي الْحُرِّ سُمِّيَتْ عَاقِلَةً لِعَقْلِهَا لِسَانَ الطَّالِبِ عَنْ الْجَانِي (وَ) عَلَى (الْجَانِي) ابْنُ عَرَفَةَ وَدِيَةُ الْخَطَأِ الثَّابِتِ لَا بِاعْتِرَافٍ تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ. الشَّيْخُ حَمْلُ الْعَاقِلَةِ الدِّيَةَ أَمْرٌ قَدِيمٌ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فِيهَا أَنْ قَتْلَ مُسْلِمٍ ذِمِّيًّا خَطَأً حَمَلَتْ عَاقِلَتُهُ دِيَتَهُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَالدِّيَاتُ كُلُّهَا دِيَةُ الْمُسْلِمِ وَالْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيِّ وَالذِّمِّيَّةِ وَالْمَجُوسِيِّ وَالْمَجُوسِيَّةِ إذَا وَقَعَتْ تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ. الْبَاجِيَّ مَالِكٌ - ﵁ - يُؤَدِّي الْجَانِي مَعَ الْعَاقِلَةِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ هَذَا اسْتِحْسَانٌ وَلَيْسَ بِقِيَاسٍ. ابْنُ عَرَفَةَ مُقْتَضَى عَزْوِهِ عَدَمُ دُخُولِهِ لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَحْفَظُهُ رِوَايَةُ خِلَافِ قَوْلِ ابْنِ شَاسٍ فِي دُخُولِ الْجَانِي فِي التَّحَمُّلِ رِوَايَتَانِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَقَبِلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ هَارُونَ، وَنَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ مُعَبِّرًا عَنْهُ بِقَوْلِهِ وَقِيلَ لَا يَدْخُلُ، وَعَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ سَقَطَتْ الْجِنَايَةُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ إنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُعِينُهُ فِيهَا عَادَتْ عَلَيْهِ، وَقِيلَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَوْ عَسُرَ تَنَاوُلُهَا مِنْهُ كَانَتْ عَلَيْهِ. أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَلَوْ صَبِيًّا. ابْنُ مَرْزُوقٍ الْمَجْنُونُ وَالْمَرْأَةُ كَالصَّبِيِّ فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي لَا يُخَالِفُ هَذَا قَوْلَهُ الْآتِي وَلَا يَعْقِلُونَ لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَعْقِلُونَ عَنْ غَيْرِهِمْ، وَأَمَّا عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَيَعْقِلُونَ كَمَا هُنَا. الْبُنَانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ، إذْ كَلَامُ الْأَئِمَّةِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ مُطْلَقًا جِنَايَاتِهِمْ وَلَا جِنَايَاتِ
[ ٩ / ١٣٦ ]
إنْ بَلَغَ ثُلُثُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ الْجَانِي
_________________
(١) [منح الجليل] غَيْرِهِمْ، وَانْظُرْهُ مَعَ ظَاهِرِ نَقْلِ الْبَاجِيَّ، وَنَقْلِ أَبِي الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَلَوْ صَبِيًّا، وَقَوْلُ ابْنِ مَرْزُوقٍ الْمَرْأَةُ وَالْمَجْنُونُ كَالصَّبِيِّ. الْحَطّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ دُخُولِ الْجَانِي هُوَ الْمَشْهُورُ، ثُمَّ قَالَ فَرْعٌ لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ جِنَايَةَ الْعَبْدِ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ لِأَنَّهُ إنْ جَنَى عَمْدًا اُقْتُصَّ مِنْهُ، وَإِنْ جَنَى خَطَأً فَفِي رَقَبَتِهِ. اهـ. وَكَذَا لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ، وَكَذَلِكَ الصُّلْحُ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَمَّا يَلْزَمُ الْعَاقِلَةَ مِنْ دِيَةِ الْخَطَأِ فَمِنْ حَقِّ الْعَاقِلَةِ أَنْ تَرُدَّهُ إنْ شَاءَتْ، وَإِنْ كَانَ عَنْ عَمْدٍ فَلَا يَلْزَمُهَا الْأَصْلُ وَلَا الْفَرْعُ. الشَّارِحُ فِي دِيَةِ الْجِنَايَةِ الثَّابِتَةِ بِإِقْرَارِ الْجَانِي أَقْوَالٌ فِي الْمَذْهَبِ، فَقِيلَ فِي مَالِهِ وَحْدَهُ، وَقِيلَ عَلَى عَاقِلَتِهِ بِقَسَامَةٍ مَاتَ الْمَقْتُولُ فِي الْحَالِ أَمْ لَا، وَقِيلَ تَبْطُلُ الدِّيَةُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ عَلَى الْعَاقِلَةِ إنْ لَمْ يُتَّهَمْ الْقَاتِلُ بِإِغْنَاءِ وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ. وَقِيلَ عَلَيْهِمْ إذَا كَانَ عَدْلًا. وَقِيلَ تُفَضُّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ فَمَا نَابَهُ يَلْزَمُهُ وَسَقَطَ مَا عَلَيْهِمْ وَكُلُّهَا مُسْتَقْرَأَةٌ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ. وَفِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْجَلَّابِ أَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ إنْ لَمْ يُتَّهَمْ بِإِغْنَاءِ وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ. بَنَانِيُّ وَشَرْطُ التَّنْجِيمِ عَلَى الْعَاقِلَةِ (إنْ بَلَغَ) الْوَاجِبَ بِجِنَايَةِ الْخَطَأِ (ثُلُثُ دِيَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ) ثُلُثُ دِيَةِ (الْجَانِي) ابْنُ عَرَفَةَ شَرْطُ الْحَمْلِ بُلُوغُ الْمَحْمُولِ ثُلُثَ الدِّيَةِ. فِيهَا إنْ جَنَى مُسْلِمٌ عَلَى مَجُوسِيَّةٍ خَطَأً مَا يَبْلُغُ ثُلُثَ دِيَتِهَا أَوْ ثُلُثَ دِيَتِهِ حَمَلَتْهُ عَاقِلَتُهُ، وَكَذَا جِنَايَةُ مَجُوسِيٍّ عَلَى مُسْلِمَةٍ مَا يَبْلُغُ ثُلُثَ دِيَتِهَا حَمَلَتْهُ عَاقِلَتُهُ، مِثْلَ أَنْ يَقْطَعَ لَهَا أُصْبُعَيْنِ فَتَحْمِلُ ذَلِكَ عَاقِلَتُهُ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِ دِيَتِهَا. وَلَوْ جَنَتْ امْرَأَةٌ عَلَى رَجُلٍ مَا يَبْلُغُ ثُلُثَ دِيَتِهَا حَمَلَتْهُ عَاقِلَتُهَا، وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الْجِنَايَةَ إنْ بَلَغَتْ ثُلُثَ دِيَةِ الْجَانِي أَوْ ثُلُثَ دِيَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ حَمَلَتْهُ الْعَاقِلَةُ. الْبَاجِيَّ هَلْ يُعْتَبَرُ ثُلُثُ دِيَةِ الْجَانِي أَوْ دِيَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَذَكَرَ عَنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ مِثْلَ قَوْلِهَا. أَشْهَبُ ابْنُ كِنَانَةَ لِمَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - الَّذِي كَانَ يُعْرَفُ مِنْ قَوْلِك أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِدِيَةِ الْمَجْرُوحِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَرَوَاهُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ. زَادَ
[ ٩ / ١٣٧ ]
وَمَا لَمْ يَبْلُغْ: فَحَالٌّ عَلَيْهِ: كَعَمْدٍ، وَدِيَةٍ غُلِّظَتْ، وَسَاقِطٍ لِعَدَمِهِ
_________________
(١) [منح الجليل] الشَّيْخُ فِي نَوَادِرِهِ لِمُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ إلَّا ثُلُثَ دِيَةِ الرَّجُلِ. قِيلَ كَالْمَرْأَةِ يُقْطَعُ كَفُّهَا وَفِيهِ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثِ دِيَةِ الرَّجُلِ، فَقَالَ إنَّمَا ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ بَلَغَتْ ثُلُثَ دِيَةِ الرَّجُلِ ثُمَّ رَجَعَتْ فَذَلِكَ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَلِمُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ إلَّا ثُلُثَ دِيَةِ الرَّجُلِ يَكُونُ الْجَانِي مَنْ كَانَ وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مَنْ كَانَ، وَلَفْظُ الْعُتْبِيَّةِ فِي جَوَابِ مَالِكٍ لِابْنِ كِنَانَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لَقَدْ كَذَبَ مَنْ قَالَ هَذَا، وَلَقَدْ حُمِلَ قَوْلِي عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ. ابْنُ رُشْدٍ أَنْكَرَهُ وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا، وَرَجَّحَ قَصْرَ الِاعْتِبَارِ بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ لِلَّخْمِيِّ. قُلْت فَفِي قَصْرِ الِاعْتِبَارِ عَلَى ثُلُثِ دِيَةِ أَحَدِهِمَا أَوْ ثُلُثِ دِيَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، ثَالِثُهَا الْمُعْتَبَرُ ثُلُثُ دِيَةِ الرَّجُلِ كَانَ الْجَانِي أَوْ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مَنْ كَانَ (وَمَا) أَيْ الْوَاجِبُ بِالْجِنَايَةِ الَّذِي (لَمْ يَبْلُغْ) ثُلُثَ دِيَةِ الْجَانِي وَلَا ثُلُثَ دِيَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (فَحَالٌّ عَلَيْهِ) أَيْ الْجَانِي وَحْدَهُ. ابْنُ شَاسٍ مَا دُونَ الثُّلُثِ فِي مَالِ الْجَانِي حَالًّا وَهُوَ نَصُّهَا وَشَبَّهَ فِي كَوْنِ الدِّيَةِ عَلَى الْجَانِي حَالَّةً فَقَالَ (كَ) دِيَةِ (عَمْدٍ) عُفِيَ عَنْ الْجَانِي عَلَيْهَا فَهِيَ عَلَيْهِ حَالَّةً. شب شَمَلَ جِرَاحَ الْعَمْدِ الَّتِي لَا قِصَاصَ فِيهَا وَقَتْلَ الْعَمْدِ الَّذِي لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ لِزِيَادَةِ الْجَانِي بِزِيَادَةِ إسْلَامٍ مُطْلَقًا، أَوْ بِحُرِّيَّةٍ مَعَ تَسَاوِي الدَّيْنِ فِي الرِّسَالَةِ لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَلَا اعْتِرَافًا. ابْنُ رُشْدٍ: الدِّيَةُ فِي الْعَمْدِ وَمَا لَمْ يَبْلُغْ الثُّلُثَ عَلَى الْجَانِي حَالَّةً (وَ) كَ (دِيَةٍ غُلِّظَتْ) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ مُثَقَّلَةً عَلَى الْجَانِي بِتَرْبِيعٍ أَوْ تَثْلِيثٍ فَهِيَ عَلَيْهِ حَالَّةٌ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ الدِّيَةُ الْمُغَلَّظَةُ تَكُونُ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ وَهُوَ ضَرْبُ الزَّوْجِ وَالْمُؤَدِّبِ وَالْأَبِ وَالْأُمِّ وَالْأَجْدَادِ وَفِعْلُ الطَّبِيبِ وَالْخَائِنِ وَسَائِرِ مَنْ جَازَ فِعْلُهُ شَرْعًا، وَاللَّطْمَةُ وَالْوَكْزَةُ وَالرَّمْيَةُ بِالْحَجَرِ وَالضَّرْبُ بِعَصَاةٍ مُتَعَمِّدًا، فَهَذَا شِبْهُ الْعَمْدِ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ، وَفِيهِ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ نَقَلَهُ الْحَطّ. (وَ) كَدِيَةِ عُضْوٍ (سَاقِطٍ) الْقِصَاصُ فِيهِ (لِعَدَمِ) مِثْلِ (هـ) فِي الْجَانِي كَقَطْعِهِ يُمْنَى وَلَا يُمْنَى لَهُ فَدِيَتُهَا عَلَيْهِ حَالَّةً وَإِنْ كَانَ مُعْدَمًا اُنْتُظِرَ يُسْرُهُ. فِيهَا إذَا فَقَأَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى
[ ٩ / ١٣٨ ]
إلَّا مَا يُقْتَصُّ مِنْهُ مِنْ الْجُرْحِ لِإِتْلَافِهِ، فَعَلَيْهَا
وَهِيَ الْعَصَبَةُ، وَبُدِئَ بِالدِّيوَانِ؛
_________________
(١) [منح الجليل] يُمْنَى رَجُلٍ صَحِيحَةً عَمْدًا فَعَلَيْهِ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ فِي مَالِهِ، وَهُوَ كَأَقْطَعِ الْيَدِ الْيُمْنَى يَقْطَعُ يُمْنَى رَجُلٍ فَدِيَتُهَا فِي مَالِهِ، وَلَا يُقْتَصُّ مِنْ الْيُسْرَى بِالْيُمْنَى. وَاسْتَثْنَى مِنْ الْعَمْدِ فَقَالَ (إلَّا مَا) أَيْ جُرْحًا عَمْدًا (لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ لِ) خَوْفِ (إتْلَافِهِ) كَجَائِفَةٍ وَآمَّةٍ وَكَسْرِ فَخْذٍ (فَ) دِيَتُهُ (عَلَيْهَا) أَيْ عَاقِلَةِ الْجَانِي، فِيهَا عَقْلُ الْمَأْمُومَةِ وَالْجَائِفَةِ عَمْدًا عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَلَوْ كَانَ لِلْجَانِي مَالٌ وَعَلَيْهِ ثَبَتَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - ﵁ -، وَبِهِ أَقُولُ، وَقَالَ أَوَّلًا إنَّهَا فِي مَالِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَدِيمًا فَعَلَى عَاقِلَتِهِ. ابْنُ زَرْقُونٍ وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ أَنَّهَا فِي مَالِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ عَزَاهُ ابْنُ هَارُونَ لِظَاهِرِ دِيَاتِهَا، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمُغَلَّطَةَ فِي مَالِ الْجَانِي عَلَى الْمَشْهُورِ. الشَّيْخُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَغَيْرَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ - ﵃ - عَنْهُمْ قَالُوا الْعَاقِلَةُ لَا تَحْمِلُ عَمْدًا وَلَا عَبْدًا وَلَا صُلْحًا وَلَا اعْتِرَافًا وَبِهِ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - ﵁ - إلَّا أَنَّهُ فِي الِاعْتِرَافِ رُبَّمَا جَعَلَهُ كَشَاهِدٍ عَلَى الْعَاقِلَةِ يُوجِبُ الْقَسَامَةَ. الشَّيْخُ رَوَى ابْنُ عَبْدُوسٍ لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ مَا جَنَى الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ عَمْدٍ وَخَطَأٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢]، وَلَمْ يَذْكُرْ قَتْلَهُ نَفْسَهُ (وَهِيَ) أَيْ الْعَاقِلَةُ (الْعَصَبَةُ) بِنَفْسِهِ فِي الْجَلَّابِ قَرُبُوا أَوْ بَعُدُوا وَيُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ عَلَى مَا يَأْتِي. (وَبُدِئَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ عَلَى الْعَصَبَةِ (الْحُدَّثِ) مَثُلْنَا ا (الدِّيوَانِ) بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِهَا، أَيْ الْكِتَابِ الَّذِي دُوِّنَ، وَكُتِبَ بِهِ أَسْمَاءُ الْجُنْدِ وَعَطَاؤُهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَأَهْلُهُ هُمْ الْمَكْتُوبُ أَسْمَاؤُهُمْ وَعَطَاؤُهُمْ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ وَلَهُ عَصَبَةٌ لَيْسُوا مِنْهُمْ قُدِّمَ أَهْلُ دِيوَانِهِ فِي غُرْمِ دِيَةِ قَتِيلِهِ عَلَى عَصَبَتِهِ. طفي نَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ تَبَعًا لِابْنِ شَاسٍ، وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - ﵁ - إنَّمَا الْعَقْلُ عَلَى الْقَبَائِلِ كَانُوا أَهْلَ دِيوَانٍ أَمْ لَا. قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَقَدْ نَقَلَ فِي تَوْضِيحِهِ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ. وَقَالَ قَالَ اللَّخْمِيُّ الْقَوْلُ بِأَنَّهَا تَكُونُ عَلَى أَهْلِ الدِّيوَانِ ضَعِيفٌ إنَّمَا يُرَاعَى قُبَيْلَ الْقَاتِلِ فَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ الْجَرْيُ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، فَإِنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - ﵁ - فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ، وَقَدْ تَوَرَّكَ ابْنُ مَرْزُوقٍ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِظَاهِرِهَا.
[ ٩ / ١٣٩ ]
إنْ أُعْطُوا ثُمَّ
_________________
(١) [منح الجليل] قَالَ عج لَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الدِّيوَانِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يَحْمِلُ أَنَّهُمْ تُعِينُهُمَا عَصَبَتُهُمْ بَلْ رُبَّمَا يُوهِمُ كَلَامُهُ أَنَّ عَصَبَتَهُمْ لَا تَتَعَلَّقُ بِهَا الدِّيَةُ بِحَالٍ، وَإِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِهِمْ وَبِعَصَبَةِ الْجَانِي وَمَوَالِيهِ الْأَعْلَوْنَ وَالْأَسْفَلُونَ إلَخْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ. قُلْت مَا زَعَمَهُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ هُوَ كَذَلِكَ وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ، فَإِنَّهُ لَمَّا نَقَلَ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ وَيَبْدَأُ؛ بِأَهْلِ الدِّيوَانِ، فَإِنْ اُضْطُرُّوا إلَى مَعُونَةٍ أَعَانَهُمْ عَصَبَتُهُمْ قَالَ بِأَثَرِهِ كَذَا وَجَدْته فِي غَيْرِ نُسْخَةٍ بِلَفْظِ عَصَبَتِهِمْ، بِضَمِيرِ الْجَمْعِ الْمُضَافِ إلَيْهِ عَصَبَةٌ، وَكَذَا فِي كِتَابِ ابْنِ شَاسٍ، وَكَذَا هُوَ فِي نُسْخَةِ شَرْحِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ هَارُونَ وَفَسَّرَاهُ بِأَنَّ أَهْلَ الدِّيوَانِ يَسْتَعِينُونَ بِعَصَبَةِ الْجَانِي وَهُوَ خِلَافُ مَدْلُولِ جَمْعِ الضَّمِيرِ، لَكِنْ مَا فَسَّرَاهُ بِهِ هُوَ الْمَنْقُولُ فِي الْمَذْهَبِ اهـ. وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ عَنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ أَفَتَرَى أَنْ يُعِينَهُمْ قَوْمُ الْجَارِحِ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَشَرْطُ حَمْلِ أَهْلِ الدِّيوَانِ (إنْ أُعْطُوا) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ أَهْلِ الدِّيوَانِ مَا كُتِبَ لَهُمْ فِيهِ مِنْ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. ابْنُ شَاسٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إعْطَاءٌ فَإِنَّمَا يَحْمِلُ عَنْهُ قَوْمُهُ اهـ. فَهُوَ شَرْطٌ فِي أَدَاءِ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ كَمَا قَرَّرَ بِهِ الشَّارِحُ وَابْنُ مَرْزُوقٍ وَكَلَامُ التَّوْضِيحِ صَرِيحٌ فِيهِ. الْمِسْنَاوِيُّ وَهُوَ الظَّاهِرُ (ثُمَّ) إنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُ دِيوَانٍ أَوْ لَمْ يُعْطُوا
[ ٩ / ١٤٠ ]
بِهَا الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ،
_________________
(١) [منح الجليل] بُدِئَ (بِهَا) أَيْ الْعَصَبَةِ وَيُقَدَّمُ مِنْهَا (الْأَقْرَبُ) لِلْجَانِي كَالْأَبْنَاءِ (فَالْأَقْرَبُ) مِمَّنْ بَعْدَهُ كَأَبْنَاءِ الْأَبْنَاءِ ثُمَّ الْأَبُ ثُمَّ الْإِخْوَةُ ثُمَّ بَنُوهُمْ ثُمَّ الْجَدُّ ثُمَّ الْأَعْمَامُ ثُمَّ بَنُوهُمْ ثُمَّ أَبُو الْجَدِّ، وَهَكَذَا يُقَدَّمُ الْأَصْلُ عَلَى فَرْعِهِ وَالْفَرْعُ عَلَى أَصْلِ أَصْلِهِ. ذَكَرَ شَارِحُ اللُّمَعِ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِعَصَبَتِهِ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ فَيَبْدَأُ بِالْفَخْذِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَقِلَّ الْفَخْذُ ضُمَّ إلَيْهِ الْبَطْنُ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَقِلَّ ضُمَّتْ إلَيْهِ الْعِمَارَةُ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَقِلَّ ضُمَّتْ إلَيْهَا الْفَصِيلَةُ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَقِلُّوا ضُمَّتْ إلَيْهِمْ الْقَبِيلَةُ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَقِلُّوا لِفَقْرِهِمْ وَقِلَّةِ جِدَتِهِمْ اسْتَعَانُوا بِأَقْرَبِ الْقَبَائِلِ إلَيْهِمْ. وَفِي الذَّخِيرَةِ فَخُزَيْمَةُ شِعْبٌ وَكِنَانَةُ قَبِيلَةٌ وَقُرَيْشٌ عِمَارَةٌ وَقُصَيٌّ بَطْنٌ وَهَاشِمٌ فَخِذٌ وَالْعَبَّاسُ فَصِيلَةٌ وَالْعَشِيرَةُ الْإِخْوَةُ أَفَادَهُ شب. الْبُنَانِيُّ يَبْدَأُ بِالْفَخِذِ ثُمَّ الْبَطْنِ ثُمَّ الْعِمَارَةِ ثُمَّ الْفَصِيلَةِ ثُمَّ الْقَبِيلَةِ ثُمَّ أَقْرَبِ الْقَبَائِلِ قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ. وَقِيلَ الْفَصِيلَةُ أَقْرَبُ مِنْ الْفَخِذِ فَهِيَ أَقْرَبُ مَا يَلِي الْإِنْسَانَ وَهُوَ الَّذِي فِي الْقَامُوسِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ هُوَ مُرَادُ. الْمُصَنِّفِ، فَقَوْلُ عب عَلَى تَرْتِيبِ النِّكَاحِ مِنْ قَوْلِهِ وَقُدِّمَ ابْنٌ فَابْنُهُ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ اهـ. ابْنُ عَرَفَةَ عَقِبَ عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَسْمَاءِ دَرَجَاتِ الْعَصَبَةِ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي فَصْلِ دَرَجَاتِ الْأَوْلِيَاءِ فِي النِّكَاحِ، وَلَا فَائِدَةَ فِيهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إلَّا مَعْرِفَةَ مَدْلُولِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ بِاعْتِبَارِ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ اهـ. وَبِهِ يَنْدَفِعُ تَنْظِيرُ الْبُنَانِيِّ فِي تَقْرِيرِ عب. (فَائِدَةٌ) أَسْمَاءُ طَبَقَاتِ قَبَائِلِ الْعَرَبِ سِتَّةٌ، الشَّعْبُ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فَمُوَحَّدَةٍ، ثُمَّ الْقَبِيلَةُ، ثُمَّ الْعِمَارَةُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَقَدْ تُكْسَرُ، الْبَطْنُ، ثُمَّ الْفَخِذُ، ثُمَّ الْفَصِيلَةُ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ الْعَشِيرَةَ وَانْظُرْ الْحَاشِيَةَ.
[ ٩ / ١٤١ ]
ثُمَّ الْمَوَالِي الْأَعْلَوْنَ،
_________________
(١) [منح الجليل] (ثُمَّ) يَلِي عَصَبَةَ النَّسَبِ (الْمَوْلَى) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ (الْأَعْلَى) أَيْ الْمُعْتِقِ بِكَسْرِ التَّاءِ
[ ٩ / ١٤٢ ]
ثُمَّ الْأَسْفَلُونَ، ثُمَّ بَيْتُ الْمَالِ إنْ كَانَ الْجَانِي مُسْلِمًا،
_________________
(١) [منح الجليل] ثُمَّ) الْمَوْلَى (الْأَسْفَلُ) أَيْ الْمُعْتَقُ بِفَتْحِهَا وَلَا تَدْخُلُ فِيهِمْ الْمَرْأَةُ الْمُعْتَقَةُ بِالْفَتْحِ. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ الْمَوَّازِ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْمَوَالِيَ مِنْ الْأَسْفَلِ لَا يَعْقِلُونَ عَمَّنْ أَعْتَقَهُمْ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ. ابْنُ رُشْدٍ وَقَالَهُ سَحْنُونٌ وَلَيْسَ قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ بِصَحِيحٍ، بَلْ يَعْقِلُونَ مَعَهُمْ عَلَى سَمَاعِ أَصْبَغَ. ابْنَ الْقَاسِمِ هَذَا وَمِثْلُهُ لِابْنِ كِنَانَةَ فِي الْمَدَنِيَّةِ. وَفِي كِتَابِ الدِّيَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْمُبْتَلِّ فِي الْمَرَضِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهِ أَمْوَالٌ مَأْمُونَةٌ أَنَّ جِنَايَتَهُ جِنَايَةُ عَبْدٍ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ جَرِيرَةَ أَحَدٍ حَتَّى يَحْمِلَ هُوَ مَعَ الْعَاقِلَةِ مَا لَزِمَ الْعَاقِلَةَ مِنْ الْجَرَائِرِ. قُلْت فِي أَخْذِهِ مِنْ هَذَا نَظَرٌ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرِيدَ بِالْعَاقِلَةِ قَوْمَهُ وَعَشِيرَتَهُ لَا عَاقِلَةَ مُعْتِقِهِ. وَهَذَا الْأَخْذُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ سَبَقَهُ بِهِ. ابْنُ حَارِثٍ. قَالَ: وَاعْتِلَالُ سَحْنُونٍ فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ لَا يَصِحُّ، إذْ لَيْسَ الْعَقْلُ مُرْتَبِطًا بِالْمِيرَاثِ لِأَنَّ الرَّجُلَ يَعْقِلُ عَمَّنْ لَا يَرِثُهُ مِنْ قَبِيلَةِ مَوْلَاهُ وَسَائِرِ قَبِيلَتِهِ وَالْعَقْلُ فِي هَذَا، بِخِلَافِ الْقِيَامِ بِالدَّمِ لَا حَقَّ لِلْمَوْلَى الْأَسْفَلِ فِي الْقِيَامِ بِهِ. (ثُمَّ بَيْتُ الْمَالِ إنْ كَانَ الْجَانِي مُسْلِمًا) ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ رَوَى مُحَمَّدٌ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا قَوْمَ لَهُ فَالْمُسْلِمُونَ يَعْقِلُونَ عَنْهُ. اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَتْ لَهُ عَاقِلَةٌ قَلِيلَةٌ لَيْسَ فِيهَا مَنْ يَحْمِلُ الدِّيَةَ لِقِلَّتِهِمْ حَمَلَ عَلَيْهِمْ مَا يَحْمِلُونَهُ وَمَا بَقِيَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَفِي وَلَائِهَا وَلَدُ الْمُلَاعَنَةِ يُنْسَبُ إلَى مَوَالِي أُمِّهِ فَهُمْ يَرِثُونَهُ وَيَعْقِلُونَ عَنْهُ. وَفِي دِيَاتِهَا إنْ قَالَ وَلَدُ الْمُلَاعَنَةِ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ، فَإِنْ كَانَتْ
[ ٩ / ١٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [منح الجليل] أُمُّهُ مُعْتَقَةً فَلَمُّوا إلَيْهَا أَنْ يُقْسِمُوا وَيَسْتَحِقُّوا الدَّمَ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةَ فِي الْخَطَأِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْعَرَبِ أَقْسَمَتْ فِي الْخَطَأِ أُمُّهُ وَإِخْوَتُهُ لَهَا وَأَخَذُوا حَظَّهُمْ مِنْ الدِّيَةِ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ وَهُوَ كَمَنْ لَا عَصَبَةَ لَهُ فَلَا يُقْتَلُ قَاتِلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. قُلْت وَكَذَا وَلَدُ الزِّنَا، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الرِّوَايَاتُ وَاضِحَةٌ فِي كِتَابِ الْوَلَاءِ وَالنِّكَاحُ بِتَأَخُّرِ دَرَجَةِ الْمَوْلَى الْأَعْلَى عَنْ الْعَصَبَةِ ثُمَّ الْمَوْلَى الْأَسْفَلِ ثُمَّ بَيْتِ الْمَالِ إنْ كَانَ الْجَانِي مُسْلِمًا قَالَهُ فِي الْوَلَاءِ مِنْهَا وَغَيْرِهَا. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ لَا يَعْقِلُ بَيْتُ الْمَالِ عَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ قَدْ يَرِثُ الْكَافِرَ إذَا أُعْتِقَ وَلَا وَرَثَةَ لَهُ. قُلْت ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ لَا يَعْقِلُ عَنْهُ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِقَوْلِهَا فِي الْوَلَاءِ إنْ كَانَ عَبْدٌ نَصْرَانِيٌّ بَيْنَ نَصْرَانِيٍّ وَمُسْلِمٍ فَأَعْتَقَاهُ ثُمَّ جَنَى جِنَايَةً فَنِصْفُهَا عَلَى بَيْتِ الْمَالِ لَا عَلَى مُسْلِمٍ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُهُ وَنِصْفُهَا عَلَى أَهْلِ خَرَاجِ الدَّيْنِ الَّذِينَ يُؤَدُّونَ مَعَهُ. تت وَهَذَا الشَّرْطُ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَقَطْ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ مِنْ الْمَرَاتِبِ يَشْتَرِكُ فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ. طفي ظَاهِرُهُ أَنْ يُرَاعَى فِي عَاقِلَتِهِ الْعَصَبَةُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، ثُمَّ الْمَوْلَى الْأَعْلَى، ثُمَّ الْأَسْفَلُ، وَأَنَّ قَوْلَهُ وَإِلَّا فَالذِّمِّيُّ ذُو دِينِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَا تَقَدَّمَ، وَعِبَارَتُهُ تَبِعَ فِيهَا التَّوْضِيحَ وَابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ، وَبِهَا قَرَّرَ ابْنُ مَرْزُوقٍ إذْ قَالَ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ كَافِرًا وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَا عَاقِلَةَ لَهُ وَلَا مَوَالِيَ عَقَلَ عَنْهُ أَهْلُ دِينِهِ. اهـ. وَذَلِكَ كُلُّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ، إذْ لَا يُرَاعَى ذَلِكَ فِي الْكَافِرِ، بَلْ عَاقِلَتُهُ أَهْلُ دِينِهِ الَّذِينَ مَعَهُ فِي الْجِزْيَةِ. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِذَا جَنَى نَصْرَانِيٌّ جِنَايَةً عَقَلَ ذَلِكَ أَهْلُ جِزْيَتِهِمْ وَهُمْ أَهْلُ كُورَتِهِ الَّذِينَ خَرَاجُهُمْ مَعَهُ. وَفِيهَا لَوْ جَنَى مَجُوسِيٌّ أَوْ مَجُوسِيَّةٌ عَلَى مُسْلِمٍ مَا بَلَغَ ثُلُثَ دِيَةِ الْجَانِي حَمَلَ ذَلِكَ أَهْلُ مُعَاقَلَتِهِمْ الرِّجَالُ مِنْهُمْ دُونَ النِّسَاءِ، وَهُمْ الَّذِينَ يُؤَدُّونَ مَعَهُمْ الْخَرَاجَ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ رَوَى مُحَمَّدٌ عَاقِلَةُ النَّصْرَانِيِّ أَيْ الْيَهُودِيِّ وَالْمَجُوسِيِّ أَهْلُ إقْلِيمِهِ الَّذِينَ يَجْتَمِعُونَ مَعَهُ فِي أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ عَجَزُوا ضُمَّ إلَيْهِمْ أَقْرَبُ الْقُرَى مِنْهُمْ مِنْ كُورِهِمْ كُلِّهَا، وَقَالَ أَيْضًا الشَّيْخُ عَنْ الْمَجْمُوعَةِ الْمُغِيرَةُ إنْ كَانُوا أَهْلَ صُلْحٍ فَعَلَيْهِمْ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ قَبَائِلُهُمْ. اللَّخْمِيُّ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الصُّلْحِ فَالْعَقْلُ عَلَى أَهْلِ ذَلِكَ الصُّلْحِ فَهَذِهِ
[ ٩ / ١٤٤ ]
وَإِلَّا فَالذِّمِّيُّ: ذَوُو دِينِهِ، وَضُمَّ كَكُوَرِ مِصْرَ وَالصُّلْحِيُّ: أَهْلُ صُلْحِهِ
وَضُرِبَ عَلَى كُلِّ مَا لَا يَضُرُّ
_________________
(١) [منح الجليل] النُّقُولُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّوَابَ مَا قُلْنَاهُ إنْ تَأَمَّلْتهَا بِإِنْصَافٍ. الْبُنَانِيُّ الْحَقُّ أَنَّهُ شَرْطٌ فِي الْمَرَاتِبِ قَبْلَهُ كُلَّهَا لَا فِي بَيْتِ الْمَالِ فَقَطْ كَمَا قَالَهُ " ز " تَبَعًا لِابْنِ مَرْزُوقٍ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وضيح، لِأَنَّ الَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ الَّذِي يَعْقِلُ عَنْ الْكَافِرِ أَهْلُ دِينِهِ وَلَيْسَ فِي النَّصِّ اعْتِبَارُ عَصَبَتِهِ وَلَا دِيوَانِهِ، هَذَا الَّذِي قَرَّرَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بَابَا وطفي. (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْجَانِي مُسْلِمًا (فَ) الْكَافِرُ (الذِّمِّيُّ) يَعْقِلُ عَنْهُ (ذَوُو دِينِهِ) الَّذِينَ يُؤَدُّونَ مَعَهُ الْجِزْيَةَ فَلَا يَعْقِلُ يَهُودِيٌّ عَنْ نَصْرَانِيٍّ وَعَكْسُهُ (وَ) إنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُ كُورَتِهِ (ضُمَّ) بِضَمِّ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ مُثَقَّلَةً إلَى أَهْلِ كُورِ دِيَتِهِ وَجِزْيَتِهِ (كَكُوَرِ) بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِ الْوَاوِ جَمْعُ كُورَةٍ بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الْوَاوِ، أَيْ بَلْدَةٍ، أَيْ قُرَى رِيفِ (مِصْرَ) حَتَّى يَكْمُلَ عَدَدُ الْعَاقِلَةِ (وَ) الْكَافِرُ (الصُّلْحِيُّ) يَعْقِلُ عَنْهُ (أَهْلُ صُلْحِهِ) الشَّارِحُ اُخْتُلِفَ فِي الْحَرْبِيِّ الَّذِي دَخَلَ بِلَادَنَا بِأَمَانٍ وَقَتَلَ مُسْلِمًا خَطَأً، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ دِيَتُهُ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ الْحَرْبِيِّينَ. اهـ. وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ الْحَرْبِيِّينَ مُطْلَقًا، فَفِي ابْنِ عَرَفَةَ وَلَوْ قَتَلَ حَرْبِيٌّ دَخَلَ بِأَمَانٍ مُسْلِمًا خَطَأً، فَفِي كَوْنِ دِيَتِهِ عَلَى أَهْلِ كُورَتِهِ فَإِنْ أَبَوْا فَعَلَيْهِ مَا لَزِمَهُ مَعَهُمْ أَوْ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ رِوَايَتَا الْبَرْقِيِّ وَسَحْنُونٍ عَنْ أَشْهَبَ، وَعَزَا أَبُو زَيْدٍ الْأَوَّلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ (وَضُرِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ، أَيْ جُعِلَ (عَلَى كُلٍّ) مِنْ الْعَاقِلَةِ وَالْجَانِي وَنَائِبُ فَاعِلِ ضُرِبَ (مَا) أَيْ قَدْرٌ مِنْ الْمَالِ (لَا يَضُرُّ بِحَالِهِ) أَيْ لَا يُجْحِفُ بِمَالِهِ فَلَا يُسَاوِي مَا يُجْعَلُ عَلَى قَلِيلِ الْمَالِ مَا يُجْعَلُ عَلَى كَثِيرِهِ، فِيهَا يَحْمِلُ الْغَنِيُّ مِنْ الْعَقْلِ بِقَدْرِهِ وَمِنْ دُونِهِ بِقَدْرِهِ وَذَلِكَ عَلَى قَدْرِ طَاقَةِ النَّاسِ فِي يُسْرِهِمْ. الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ إنَّمَا تُوَظَّفُ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ وَالسَّعَةِ وَلَمْ يَحُدَّ الْإِمَامُ مَالِكٌ - ﵁ - فِي ذَلِكَ حَدًّا، وَقَدْ كَانَ يَحْمِلُ عَلَى النَّاسِ فِي إعْطَائِهِمْ مِنْ كُلِّ مِائَةِ دِرْهَمٍ دِرْهَمًا وَنِصْفًا، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَنْ أَشْهَبَ، وَفِي النَّوَادِرِ وَظَاهِرُهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ أَكْرَهُ أَنْ يَبْعَثَ السُّلْطَانُ فِيمَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ مَنْ يَأْخُذُهُ فَيَدْخُلُهُ فَسَادٌ كَبِيرٌ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا يَحْمِلُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْ الْعَاقِلَةِ رُبُعَ دِينَارٍ
[ ٩ / ١٤٥ ]
وَعُقِلَ عَنْ صَبِيٍّ، وَمَجْنُونٍ، وَامْرَأَةٍ، وَفَقِيرٍ، وَغَارِمٍ وَلَا يَعْقِلُونَ،
_________________
(١) [منح الجليل] وَعُقِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (عَنْ) جَانٍ (صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَامْرَأَةٍ وَفَقِيرٍ) لَا يَمْلِكُ شَيْئًا (وَغَارِمٍ) أَيْ مَدِينٍ عَاجِزٍ عَنْ وَفَاءِ دَيْنِهِ. اللَّخْمِيُّ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِ مَا فِي يَدِهِ أَوْ يَفْضُلُ لَهُ مَا لَا يَكْفِيهِ لِعَامِهِ. الْبِسَاطِيُّ الَّذِي عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ مَا فِي يَدِهِ (وَلَا يَعْقِلُونَ) أَيْ الصَّبِيُّ وَمَنْ عُطِفَ عَلَيْهِ، ظَاهِرُهُ لَا عَنْ غَيْرِهِ وَلَا عَنْ نَفْسِهِ. عج كُلٌّ مِنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْمَرْأَةِ لَا يَعْقِلُونَ إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مِنْهُمْ فَكُلٌّ مِنْهُمْ يَكُونُ كَوَاحِدٍ مِنْ الْعَاقِلَةِ، وَأَمَّا الْفَقِيرُ وَالْغَارِمُ فَلَا تُضْرَبُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مِنْهُمَا. وَقَالَ الزَّرْقَانِيُّ لَا يَعْقِلُونَ عَنْ غَيْرِهِمْ وَيَعْقِلُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ لِأَنَّهُمْ مُبَاشِرُونَ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُمْ حَتَّى الْفَقِيرَ وَالْغَارِمَ يَعْقِلُونَ الْجِنَايَةَ الصَّادِرَةَ مِنْهُمْ. ذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ مَا يُقَيِّدُهُ، وَذَكَرَهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ عِنْدَ قَوْلِهِ وَشَرِيكُ الصَّبِيِّ، وَذَكَرَهُ شَيْخُنَا وَبَعْضُ مَنْ حَشَاهُ، فَقَوْلُ السُّودَانِيِّ إنَّ الصَّبِيَّ لَا يَعْقِلُ وَلَوْ كَانَ هُوَ الْجَانِي غَيْرُ ظَاهِرٍ اهـ كَلَامُ عج، وَلَا مُسْتَنَدَ لَهُ وَلَا لِلزَّرْقَانِيِّ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّفْصِيلِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ مُطْلَقًا جِنَايَتَهُمْ وَجِنَايَةَ غَيْرِهِمْ. قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ يُشْتَرَطُ فِيمَنْ تُضْرَبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ التَّكْلِيفُ وَالذُّكُورَةُ وَالْمُوَافَقَةُ فِي الدِّينِ وَالْيَسَارِ. وَفِي الْجَلَّابِ وَلَا يَحْمِلُ النِّسَاءُ وَلَا الصِّبْيَانُ شَيْئًا مِنْ الْعَقْلِ. وَفِي الْمُوَطَّإِ قَالَ مَالِكٌ - ﵁ - الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ عَقْلٌ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْقِلُوهُ مَعَ الْعَاقِلَةِ فِيمَا تَعْقِلُهُ الْعَاقِلَةُ مِنْ الدِّيَاتِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْعَقْلُ عَلَى مَنْ بَلَغَ الْحُلُمَ مِنْ الرِّجَالِ. اهـ. وَتَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ إذَا جَنَى مَجُوسِيٌّ أَوْ مَجُوسِيَّةٌ إلَخْ فَهُوَ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الْمَرْأَةِ الْجَانِيَةِ، وَفِيهَا مَا لَزِمَ الْعَاقِلَةَ مِنْ الدِّيَةِ فَهِيَ عَلَى الرِّجَالِ خَاصَّةً دُونَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ، وَفِيهَا إنْ قَتَلَ رَجُلٌ وَصَبِيٌّ رَجُلًا عَمْدًا قُتِلَ الرَّجُلُ وَعَلَى عَاقِلَةِ الصَّبِيِّ نِصْفُ الدِّيَةِ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ خَمْسَةٌ يُعْقَلُ عَنْهُمْ وَلَا يَعْقِلُونَ وَهُمْ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ الْمُصَنِّفُ، فَإِطْلَاقُ الْأَئِمَّةِ وَظَوَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ، وَإِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةُ لَا يَعْقِلُونَ جِنَايَةَ
[ ٩ / ١٤٦ ]
وَالْمُعْتَبَرُ: وَقْتُ الضَّرْبِ لَا إنْ قَدِمَ غَائِبٌ
_________________
(١) [منح الجليل] غَيْرِهِمْ فَأَحْرَى جِنَايَتُهُمْ، وَإِنَّمَا قُلْنَا أَحْرَى لِأَنَّ دُخُولَ الْجَانِي مَعَ الْعَاقِلَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ اهـ كَلَامُ طفي، وَتَبِعَهُ الْبُنَانِيُّ وَالْعَدَوِيُّ. الْمُتَيْطِيُّ يَحْمِلُ الْعَقْلَ الرِّجَالُ الْبَالِغُونَ الْأَحْرَارُ الْعُقَلَاءُ وَالرُّشَدَاءُ وَالسُّفَهَاءُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَخَمْسَةٌ يُعْقَلُ عَنْهُمْ وَلَا يَعْقِلُونَ وَهُمْ الصِّبْيَانُ، وَالْمَجَانِينُ وَالنِّسَاءُ وَالْفُقَرَاءُ وَالْغَارِمُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِ مَا فِي يَدِهِ أَوْ يَفْضُلُ بَعْدَ الْقَضَاءِ مَا يَكُونُ بِهِ مِنْ الْفُقَرَاءِ وَإِنْ كَانَ لَا شَيْءَ فِي يَدِهِ فَهُوَ فَقِيرٌ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَا تَكُونُ النِّسَاءُ عَوَاقِلَ وَلَا يَعْقِلُ صَبِيٌّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، فَإِذَا بَلَغَ فُرِضَ عَلَيْهِ مَا يُفْرَضُ عَلَى الْكَبِيرِ. ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ رَوَى مُحَمَّدٌ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّهَا عَلَى أَحْرَارِ الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ، وَفِيهَا زِيَادَةُ الْمُسْلِمِينَ، وَفِيمَا يَأْتِي زِيَادَةُ حُضُورِهِ الْقَسْمَ يُرِيدُونَ فِي بَعِيدِ الْغَيْبَةِ لِجَهْلِ حَالِهِ. (وَالْمُعْتَبَرُ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ مِنْ حَالِ مَنْ تُضْرَبُ عَلَيْهِ مِنْ الْعَاقِلَةِ مِنْ بُلُوغٍ وَعَقْلٍ وَإِسْلَامٍ وَحُرِّيَّةٍ وَحُضُورٍ وَغِنًى وَعَدَمِ غُرْمٍ حَالُهُ (وَقْتُ الضَّرْبِ) أَيْ تَفْرِيقُ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ لَا حَالُهُ وَقْتَ الْجِنَايَةِ وَلَا وَقْتَ الْأَدَاءِ، فَمَنْ كَانَ مُسْتَكْمِلًا لَهَا وَقْتَ الضَّرْبِ ضُرِبَتْ عَلَيْهِ، وَمَنْ كَانَ وَقْتُهُ نَاقِصًا شَرْطًا مِنْهَا، فَلَا تُضْرَبُ عَلَيْهِ وَلَوْ اسْتَكْمَلَهَا بَعْدَهُ. ابْنُ حَارِثٍ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْظَرُ لِلْعَاقِلَةِ يَوْمَ الْمَوْتِ بَلْ يَوْمَ الْفَرْضِ، وَأَنَّهَا إنْ فُرِضَتْ ثُمَّ كَبِرَ الصَّبِيُّ وَأَيْسَرَ الْمُعْدَمُ وَأَفَاقَ الْمَجْنُونُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ بِشَيْءٍ. عَبْدُ الْمَلِكِ لَا يُؤْتَنَفُ فِيهَا بَعْدَ قَسَمِهَا حُكْمٌ لِعَدَمٍ يَحْدُثُ بَعْدَ مَلَاءٍ أَوْ يَسَارٍ بَعْدَ عَدَمٍ أَوْ قُدُومِ غَائِبٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ احْتِلَامٍ (لَا) تُضْرَبُ (إنْ قَدِمَ غَائِبٌ) وَقْتَ الضَّرْبِ أَوْ بَلَغَ صَبِيٌّ أَوْ أَفَاقَ مَجْنُونٌ أَوْ أَيْسَرَ مُعْدَمٌ أَوْ أَعْتَقَ رَقِيقٌ، وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ الْغَائِبَ فَشَمَلَ قَرِيبَ الْغَيْبَةِ وَبَعِيدَهَا وَمَنْ غَابَ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ وَمَنْ غَابَ بِنِيَّةِ عَدَمِهِ وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ لَا يَدْخُلُ مَعَ الْعَاقِلَةِ مُنْقَطِعُ الْغَيْبَةِ، وَأَمَّا مَنْ غَابَ لِحَجٍّ أَوْ غَيْرِهِ لِيَعُودَ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَفَادَهُ تت. ابْنُ عَرَفَةَ سَمِعَ يَحْيَى ابْنَ الْقَاسِمِ مَنْ ارْتَحَلَ مِنْ الْبَلْدَةِ الَّتِي وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِيهَا قَبْلَ فَرْضِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْهَا لَا خِلَافَ أَحْفَظُهُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَرْتَحِلَ
[ ٩ / ١٤٧ ]
وَلَا يَسْقُطُ لِعُسْرِهِ أَوْ مَوْتِهِ، وَلَا دُخُولَ، لِبَدَوِيٍّ مَعَ حَضَرِيٍّ، وَلَا شَامِيٍّ مَعَ مِصْرِيٍّ مُطْلَقًا
: الْكَامِلَةُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ: تَحِلُّ بِأَوَاخِرِهَا
_________________
(١) [منح الجليل] فِرَارًا مِنْهَا فَيَلْحَقُهُ حُكْمُهَا حَيْثُمَا كَانَ قَالَهُ الْقَاسِمُ وَغَيْرُهُ، وَمَنْ أَدْرَكَهُ قَسْمُ بَلَدٍ انْتَقَلَ إلَيْهِ قَبْلَ الْقَسْمِ دَخَلَ فِيهِ مُطْلَقًا. وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ إلَى تَخْرِيجِ شَرْطِ تَقَدُّمِ انْتِقَالِهِ عَلَى الْقَسْمِ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ عَلَى مَسْأَلَةِ حَبْسٍ عَلَى جَذْمِي بَلَدٍ قَدِمَ عَلَيْهِمْ مِثْلُهُمْ قَبْلَ الْقَسْمِ لِلْحَبْسِ. الْخَرَشِيُّ لَا يُضْرَبُ عَلَى مَنْ غَابَ وَقْتَ الضَّرْبِ غَيْبَةً بَعِيدَةً. الْعَدَوِيُّ إذَا لَمْ يُعْلَمْ حَالُهُ فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَعُودُ فَلَا يُضْرَبُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، وَإِنْ عُلِمَ رُجُوعُهُ يُضْرَبُ عَلَيْهِ وَلَوْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ أَفَادَهُ عج، وَلَمْ يُبَيِّنْ حَدًّا لِبُعْدٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَإِفْرِيقِيَّةَ مِنْ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَى سَاكِنِهَا وَسَلَّمَ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْجَانِي، وَأَمَّا هُوَ فَيُضْرَبُ عَلَيْهِ وَلَوْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ (وَلَا تَسْقُطُ) الدِّيَةُ عَمَّنْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِ (بِ) حُدُوثِ (عُسْرِهِ) بَعْدَ ضَرْبِهَا عَلَيْهِ مَلِيئًا (أَوْ مَوْتِهِ) بَعْدَ ضَرْبِهَا عَلَيْهِ حَيًّا أَوْ جُنُونِهِ بَعْدَ ضَرْبِهَا عَلَيْهِ عَاقِلًا أَوْ غَيْبَتِهِ بَعِيدًا بِنِيَّةِ عَدَمِ عَوْدِهِ بَعْدَ ضَرْبِهَا عَلَيْهِ حَاضِرًا. ابْنُ شَاسٍ مَنْ مَاتَ مِمَّنْ جُعِلَ عَلَيْهِ بِقَدْرِهِ فَلَا يَزُولُ عَنْهُ مَا جُعِلَ عَلَيْهِ وَكَذَا لَوْ أَعْدَمَ، وَلَا يُزَادُ عَلَى مَنْ أَيْسَرَ مِنْهُمْ. (وَلَا دُخُولَ لِبَدَوِيٍّ) أَيْ مَنْسُوبٍ لِبَادِيَةٍ لِسُكْنَاهَا (مَعَ حَضَرِيٍّ) أَيْ مَنْسُوبٍ لِحَاضِرَةٍ لِسُكْنَاهَا فِي الدِّيَةِ وَلَا عَكْسُهُ، إذْ لَا يَكُونُ فِي دِيَةٍ وَاحِدَةٍ إبِلٌ وَدَنَانِيرُ أَوْ دَرَاهِمُ (وَلَا) دُخُولَ لِ (شَامِيٍّ) أَيْ مَنْسُوبٍ لِلشَّامِ لِسُكْنَاهُ (مَعَ مِصْرِيٍّ) أَيْ مَنْسُوبٌ لِمِصْرِ لِسُكْنَاهَا فِي الدِّيَةِ وَلَا عَكْسُهُ (مُطْلَقًا) الشَّارِحُ يَحْتَمِلُ عَنْ التَّقْيِيدِ بِالْبُعْدِ، وَيَحْتَمِلُ عَنْ التَّقْيِيدِ بِاخْتِلَافِ الْمَأْخُوذِ فِي الدِّيَةِ. الْبِسَاطِيُّ عَنْ التَّقْيِيدِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا وَتُنَجَّمُ الدِّيَةُ (الْكَامِلَةُ) سَوَاءٌ كَانَتْ لِنَفْسٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَتْ لِمُسْلِمٍ أَوْ كِتَابِيٍّ أَوْ مَجُوسِيٍّ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ لِذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، وَسَوَاءٌ كَانَتْ إبِلًا أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ (فِي ثَلَاثِ سِنِينَ) كُلُّ ثُلُثٍ فِي سَنَةٍ (تَحِلُّ) إلَّا ثَلَاثَ (بِأَوَاخِرِهَا) أَيْ السِّنِينَ فَيَحِلُّ بِآخِرِ
[ ٩ / ١٤٨ ]
مِنْ يَوْمِ الْحُكْمِ وَالثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ بِالنِّسْبَةِ، وَنُجِّمَ فِي النِّصْفِ وَالثَّلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ بِالتَّثْلِيثِ ثُمَّ لِلزَّائِدِ سَنَةٌ
_________________
(١) [منح الجليل] السَّنَةِ الْأُولَى ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَبِآخِرِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ ثُلُثُهَا الثَّانِي، وَبِآخِرِ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ ثُلُثُهَا الثَّالِثُ. وَابْتِدَاءُ السَّنَةِ الْأُولَى (مِنْ يَوْمِ الْحُكْمِ) بِتَنْجِيمِهَا وَهُوَ يَوْمُ ضَرْبِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ مِنْ يَوْمِ الْجِنَايَةِ. ابْنُ شَاسٍ أَمَّا الْأَجَلُ فَهُوَ فِي الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ ثَلَاثُ سِنِينَ يُؤْخَذُ ثُلُثُهَا فِي آخِرِ كُلِّ سَنَةٍ، زَادَ ابْنُ الْحَاجِبِ مِنْ يَوْمِ الْحُكْمِ ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا مَعَ قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي مُوَطَّئِهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَّ الدِّيَةَ تُقْطَعُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ أَوْ أَرْبَعِ سِنِينَ، قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَالثَّلَاثُ أَحَبُّ إلَيَّ. الْبَاجِيَّ هَذَا حُكْمُ كُلِّ دِيَةٍ. (وَ) يُنَجَّمُ (الثُّلُثُ) إنْ وَجَبَ فِي نَحْوِ جَائِفَةٍ (وَ) يُنَجَّمُ (الثُّلُثَانِ) الْوَاجِبَانِ فِي نَحْوِ جَائِفَتَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ (بِالنِّسْبَةِ) لِتَأْجِيلِ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ فَيُؤَجَّلُ الثُّلُثُ بِسَنَةٍ وَالثُّلُثَانِ بِسَنَتَيْنِ وَالشَّاذُّ حُلُولُ غَيْرِ الْكَامِلَةِ، وَهُمَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْهُ (وَنُجِّمَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا، أَيْ أُجِّلَ كَذَلِكَ (فِي النِّصْفِ) مِنْ الدِّيَةِ الْوَاجِبِ فِي نَحْوِ قَطْعِ يَدٍ بِالتَّثْلِيثِ لِلْكَامِلَةِ، فَيُؤَجَّلُ ثُلُثُ الْكَامِلَةِ مِنْ النِّصْفِ بِسَنَةٍ وَالسُّدُسُ مِنْهَا تَمَامُ النِّصْفِ بِسَنَةٍ. (وَ) نُجِّمَ فِي (الثَّلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ) مِنْ الدِّيَةِ الْوَاجِبَةِ فِي قَلْعِ خَمْسَ عَشَرَ سِنًّا أَوْ سَبْعِ أَصَابِعَ وَأُنْمُلَةِ إبْهَامٍ فَتُنَجَّمُ (بِالتَّثْلِيثِ) أَيْ يُجْعَلُ كُلُّ ثُلُثٍ مِنْ الْكَامِلَةِ فِي سَنَةٍ (ثُمَّ) يُجْعَلُ (لِلزَّائِدِ) عَلَى الثُّلُثَيْنِ وَهُوَ نِصْفُ سُدُسِ الدِّيَةِ (سَنَةٌ) تت تَبِعَ هُنَا تَشْهِيرَ ابْنِ الْحَاجِبِ مَعَ قَوْلِهِ فِي تَوْضِيحِهِ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ فَضْلًا عَنْ عَدَمِ رُؤْيَةِ تَشْهِيرِهِ، وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأَرْبَاعَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ. شب مَا ذَكَرَهُ تَبِعَ فِيهِ ابْنَ الْحَاجِبِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّ النِّصْفَ وَالثَّلَاثَةَ الْأَرْبَاعَ يُنَجَّمُ كُلُّ رُبْعٍ مِنْهَا بِسَنَةٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ، وَلَيْسَ فِيهَا أَنَّ التَّنْجِيمَ بِالتَّثْلِيثِ وَلِلزَّائِدِ سَنَةٌ، وَإِنَّمَا فِيهَا الثَّلَاثَةُ الْأَرْبَاعُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَتَبِعَهُ
[ ٩ / ١٤٩ ]
وَحُكْمُ مَا وَجَبَ عَلَى عَوَاقِلَ بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ: كَحُكْمِ الْوَاحِدَةِ
_________________
(١) [منح الجليل] الْعَدَوِيُّ طفي سَلَّمَ ابْنُ رُشْدٍ مَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ قَوْلُ أَشْهَبَ. " غ " تَبِعَ فِي هَذَا قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْمَشْهُورُ التَّنْجِيمُ بِالْأَثْلَاثِ، وَلِلزَّائِدِ سَنَةٌ فَالنِّصْفُ وَالرُّبُعُ فِي ثَلَاثٍ، أَيْ فَالثَّلَاثَةُ الْأَرْبَاعُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، فَأَمَّا ابْنُ رَاشِدٍ الْقَفْصِيُّ فَزَعَمَ أَنَّ هَذَا الَّذِي شَهَرَهُ هُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ. وَأَمَّا الْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ فَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ مَنْقُولًا فَضْلًا أَنْ يَكُونَ مَشْهُورًا، قَالَ وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأَرْبَاعَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَأَمَّا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَصَحَّحَ النُّسَخَ الَّتِي فِيهَا وَلِلزَّائِدِ نِسْبَتُهُ، قَالَ وَلَيْسَ يُجِيدُ لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَصِيرُ هُوَ الْقَوْلُ بِأَنَّ فِي غَيْرِ الْكَامِلَةِ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَالْفَرْضُ أَنَّ التَّفْرِيعَ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يُقَابِلُهُ وَهُوَ اعْتِبَارُ النِّسْبَةِ، وَنَاقَشَهُ فِي التَّوْضِيحِ بِأَنَّ الَّذِي قَالَ فِي غَيْرِ الْكَامِلَةِ ثَلَاثُ سِنِينَ عَلَى السَّوَاءِ. وَأَمَّا عَلَى هَذَا فَالثُّلُثَانِ فِي سَنَتَيْنِ، وَلِلزَّائِدِ سَنَةٌ، ثُمَّ قَوْلُهُ إثْرَ هَذَا فَالنِّصْفُ وَالرُّبُعُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ يُعَيِّنُ النُّسْخَةَ الَّتِي فِيهَا سَنَةٌ. وَأَمَّا ابْنُ عَرَفَةَ فَأَعْرَضَ عَنْ لَفْظِ ابْنِ الْحَاجِبِ صَفْحًا تت. فَائِدَةٌ عِيَاضٌ مَنْ تَبِعَ غَيْرَهُ فِي أَمْرٍ مُتَعَقِّبٍ فَهُوَ فِي مَنْجَاةٍ مِنْهُ، وَالتَّعَقُّبُ خَاصٌّ بِالْأَوَّلِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي لَيْسَ بِالْبَيِّنِ، فَكُلُّ مَنْ رَضِيَ قَوْلًا تَوَجَّهَ عَلَيْهِ كُلُّ مَا يُعْتَرَضُ بِهِ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ، وَإِنْ سَبَقَهُ إلَيْهِ كَثِيرُونَ، وَكُلُّ مَنْ رَضِيَ عَنْ قَوْمٍ كَانَ مِنْهُمْ وَلِأَنَّ التَّخْطِئَةَ وَالتَّصْوِيبَ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْقَوْلِ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَصَوَّبَ ابْنُ عَرَفَةَ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ نَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي طَالِعَةِ شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ (وَحُكْمُ مَا) أَيْ الْقَدْرِ الَّذِي (وَجَبَ) مِنْ الدِّيَةِ (عَلَى) كُلِّ عَاقِلَةٍ مِنْ (عَوَاقِلَ) لِلْقَاتِلِينَ خَطَأً كُلُّ قَاتِلٍ مِنْ عَاقِلَةِ غَيْرِ عَاقِلَةِ غَيْرِهِ بِفِعْلٍ وَاحِدٍ، كَحَمْلِ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ مَثَلًا صَخْرَةً فَسَقَطَتْ مِنْهُمْ عَلَى رَجُلٍ فَمَاتَ فَقُسِّمَتْ دِيَتُهُ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ فَخَصَّ كُلَّ عَاقِلَةٍ رُبُعُ الدِّيَةِ فَحُكْمُ هَذَا الرُّبُعِ (كَحُكْمِ) الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ الْمُنَجَّمَةِ (عَلَى) الْعَاقِلَةِ (الْوَاحِدَةِ) فِي التَّأْجِيلِ
[ ٩ / ١٥٠ ]
كَتَعَدُّدِ الْجِنَايَاتِ عَلَيْهَا، وَهَلْ حَدُّهَا سَبْعُمِائَةٍ أَوْ الزَّائِدُ عَلَى أَلْفٍ؟ قَوْلَانِ
_________________
(١) [منح الجليل] بِثَلَاثِ سِنِينَ، فَيُؤَجَّلُ كُلُّ رُبُعٍ مِنْهَا بِثَلَاثِ سِنِينَ تَحِلُّ أَثْلَاثُهُ بِأَوَاخِرِهَا، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ دِيَاتُهُمْ بِأَنْ كَانَ بَعْضُهَا إبِلًا وَبَعْضُهَا دَنَانِيرَ وَبَعْضُهَا دَرَاهِمَ، وَهَذَا يُخَصِّصُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ، وَأَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ إلَّا مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا مَعَ غَيْرِهَا إجْزَاءُ الدِّيَةِ الْمُوَزَّعَةِ لِتَعَدُّدِ جُنَاتِهَا الْأَجْزَاءُ لَا تُحْمَلُ تُحْمَلُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَكَذَا فِي اتِّحَادِ جَانٍ لَهُ عَوَاقِلُ لِكَوْنِهِ مُعْتَقًا لِمَنْ هُمْ مِنْهَا. الْبَاجِيَّ لِابْنِ سَحْنُونٍ عَنْهُ إنْ لَزِمَتْ الدِّيَةُ عَشْرَ عَوَاقِلَ لَزِمَ كُلُّ قَبِيلَةٍ عُشْرُهَا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَلَوْ كَانَتْ دِيَةَ مَجُوسِيَّةٍ. وَشَبَّهَ فِي أَنَّ حُكْمَ مَا وَجَبَ عَلَى عَوَاقِلَ كَحُكْمِ مَا وَجَبَ عَلَى عَاقِلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي التَّنْجِيمِ بِثَلَاثِ سِنِينَ فَقَالَ (كَتَعَدُّدِ) دِيَاتِ (الْجِنَايَاتِ) مِنْ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ (عَلَيْهَا) أَيْ الْعَاقِلَةِ الْوَاحِدَةِ كَقَتْلِ رَجُلٍ رَجُلَيْنِ أَوْ رِجَالًا خَطَأً، فَتُنَجَّمُ الدِّيَتَانِ أَوْ الدِّيَاتُ عَلَى عَاقِلَتِهِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَنَبَّهَ عَلَى هَذَا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الدِّيَةَ الثَّانِيَةَ إنَّمَا تُنَجَّمُ عَلَى عَاقِلَتِهِ بَعْدَ وَفَاءِ الْأُولَى. وَفِيهَا مَنْ شَجَّ رَجُلًا مُوضِحَةً فَذَهَبَ بِهَا عَقْلُهُ وَسَمْعُهُ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتَانِ وَدِيَةُ الْمُوضِحَةِ لِأَنَّهَا ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ. (وَهَلْ حَدُّهَا) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الدَّالِ كَذَلِكَ، أَيْ أَقَلُّ الْعَاقِلَةِ الَّذِي لَا يُضَمُّ إلَيْهِ أَحَدٌ مِمَّنْ بَعْدَهُ فِي التَّرْتِيبِ السَّابِقِ (سَبْعُمِائَةٍ) بِتَقْدِيمِ السِّنِّ عَلَى الْمُوَحَّدَةِ، فَإِذَا وَجَدَ هَذَا الْعَدَدَ مِنْ الْأَبْنَاءِ فَلَا يُضَمُّ إلَيْهِمْ أَبْنَاءُ الْأَبْنَاءِ وَإِنْ نَقَصُوا عَنْهُ ضُمُّوا إلَيْهِمْ، فَإِنْ تَمَّمُوهُ فَلَا يُضَافُ إلَيْهِمْ الْأَبُ وَإِلَّا أُضِيفَ إلَيْهِمْ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهَا لَا تُضْرَبُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ تُضْرَبُ عَلَيْهِمْ وَإِنْ كَانُوا سَبْعَةَ آلَافٍ مَثَلًا (أَوْ) حَدُّهَا (الزَّائِدُ عَلَى أَلْفٍ) زِيَادَةً لَهَا بَالٌ كَعِشْرِينَ فَالْأَلْفُ يُضَمُّ إلَيْهِ غَيْرُهُ فِي الْجَوَابِ (قَوْلَانِ) لِسَحْنُونٍ. الْبُنَانِيُّ سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْقَوْلِ بِأَنَّهَا لَا حَدَّ لَهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ،
[ ٩ / ١٥١ ]
وَعَلَى الْقَاتِلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ صَبِيًّا، أَوْ مَجْنُونًا،
_________________
(١) [منح الجليل] إذْ صَدَّرَ بِهِ ثُمَّ حَكَى قَوْلَ سَحْنُونٍ، وَنَصُّهُ رَوَى الْبَاجِيَّ لَا حَدَّ لِعَدَدِ مَنْ تُقَسَّمُ عَلَيْهِمْ الدِّيَةُ مِنْ الْعَاقِلَةِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِالِاجْتِهَادِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ أَقَلُّهَا سَبْعُمِائَةِ رَجُلٍ. ابْنُ عَاتٍ الْمَشْهُورُ عَنْ سَحْنُونٍ إنْ كَانَتْ الْعَاقِلَةُ أَلْفًا فَهُمْ قَلِيلٌ، فَيُضَمُّ إلَيْهِمْ أَقْرَبُ الْقَبَائِلِ إلَيْهِمْ. الْخَرَشِيُّ أَيْ هَلْ حَدُّ الْعَاقِلَةِ الَّذِي لَا تَنْقُصُ عَنْهُ سَبْعُمِائَةٍ أَوْ الزَّائِدُ عَلَى أَلْفٍ، أَيْ زِيَادَةً لَهَا بَالٌ كَعِشْرِينَ فَفَوْقَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ إنْ وُجِدَ أَقَلُّ مِنْ سَبْعِمِائَةٍ وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ كِفَايَةٌ كَمَّلَ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَعَلَى الثَّانِي لَوْ وَجَدَ أَقَلَّ مِنْ الزَّائِدِ عَلَى أَلْفٍ كَمَّلَ حَتَّى يَبْلُغَ ذَلِكَ، وَبِعِبَارَةٍ وَهَلْ حَدُّ الْعَاقِلَةِ الَّذِي لَا يُضَمُّ إلَيْهِ مَنْ بَعْدُهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ، فَإِذَا وُجِدَ هَذَا الْعَدَدُ مِنْ الْفَصِيلَةِ مَثَلًا فَلَا يُضَمُّ إلَيْهِ الْفَخِذُ. وَإِذَا كَمَّلَ مِنْ الْفَصِيلَةِ وَالْفَخِذِ فَلَا يُضَمُّ إلَيْهِمَا الْبَطْنُ، وَهَكَذَا إلَّا أَنَّ هَذَا حَدٌّ لِمَنْ تُضْرَبُ عَلَيْهِ بِحَيْثُ إذَا قَصُرُوا عَنْهُ لَا يُضْرَبُ عَلَيْهِمْ لِفَسَادِهِ فَإِنَّهَا تُضْرَبُ عَلَى كُلِّ مَنْ لَهُ قُوَّةُ الضَّرْبِ وَإِنْ قَلَّ بِقَدْرِ مَا لَا يَضُرُّ بِهِ ثُمَّ يُكْمِلُ مِنْ غَيْرِهِ (وَ) يَجِبُ (عَلَى الْقَائِلِ الْحُرِّ) لَا الْعَبْدِ (الْمُسْلِمِ) لَا الْكَافِرِ إنْ كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا مُنْفَرِدًا بِالْقَتْلِ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا) لِأَنَّهُ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ، وَلِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ النَّفْسِ كَعِوَضِ الْمُتْلَفِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ جَعَلُوهُ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ النَّفْسِ فَأَشْبَهَتْ عِوَضَ الْمُتْلَفِ، فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ مِنْ إجْمَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ فَحَسَنٌ وَإِلَّا فَمُقْتَضَى النَّظَرِ سُقُوطُهَا عَنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَرَدُّهَا إلَى خِطَابِ التَّكْلِيفِ. وَقَدْ جَعَلَ الشَّارِعُ عِوَضًا عَنْ الرَّقَبَةِ الصِّيَامُ الَّذِي هُوَ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ، وَنَقَلَهُ الْمُوَضِّحُ وَالشَّارِحُ وَأَقَرَّاهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ وُجُوبُ الشَّيْءِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَتَعَلَّقَ الْخِطَابُ بِإِخْرَاجِهِ بِالْوَلِيِّ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ كَالزَّكَاةِ، وَكَيْفَ يُقَالُ فِيمَا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْوُجُوبِ أَنَّهُ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ مَعَ أَنَّ الْوُجُوبَ مِنْ أَقْسَامِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ. وَقَوْلُهُ فَأَشْبَهَتْ عِوَضَ الْمُتْلَفِ فِيهِ أَنَّ الْإِتْلَافَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ سَبَبًا لِلضَّمَانِ، وَبِاعْتِبَارِ وُجُوبِهِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ كَمَا فِي الْكَفَّارَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْكَلَامَ هُنَا مِنْ هَذَا الِاعْتِبَارِ، وَقَدْ نَصَّ الْقَرَافِيُّ فِي شَرْحِ التَّنْقِيحِ عَلَى أَنَّ
[ ٩ / ١٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [منح الجليل] خِطَابَ التَّكْلِيفِ وَخِطَابَ الْوَضْعِ قَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَيَفْتَرِقَانِ بِالِاعْتِبَارِ كَمَا قُلْنَا، وَهَذَا ظَاهِرٌ. نَعَمْ لَوْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَحْتَاجُ إلَى نَصٍّ عَلَى وُجُودِهَا فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَقَدْ أَشَارَ ابْنُ عَرَفَةَ لِمَا قُلْنَاهُ مُعَرِّضًا بِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بِقَوْلِهِ وَقَوْلُ ابْنِ شَاسٍ تَجِبُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَاضِحٌ كَالزَّكَاةِ، وَلَمْ أَجِدْهُ لِغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ نَصًّا، بَلْ فِي وَجِيزِ الْغَزَالِيِّ. الْبُنَانِيُّ بَحْثُ طفي فِي كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ لِأَنَّهُ فَهِمَ مِنْهُ الْمُنَافَاةَ بَيْنَ خِطَابِ الْوَضْعِ وَخِطَابِ التَّكْلِيفِ، وَأَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ فَاعْتَرَضَهُ بِنَصِّ الْقَرَافِيِّ عَلَى أَنَّهُمَا قَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَبِأَنَّهُمَا قَدْ اجْتَمَعَا فِي الْكَفَّارَةِ لِأَنَّهَا خِطَابُ تَكْلِيفٍ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ إخْرَاجُهَا مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَخِطَابُ وَضْعٍ بِاعْتِبَارِ كَوْنِ الْقَتْلِ سَبَبًا فِي وُجُوبِهَا، وَكَذَا يَجْتَمِعَانِ فِي ضَمَانِ الْمُتْلَفِ، هَذَا مُحَصَّلُهُ، وَجَوَابُهُ أَنَّ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لَا يُنَافِي اجْتِمَاعَهُمَا، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ مَبْنِيٌّ عَلَى اعْتِبَارِ خِطَابِ الْوَضْعِ فِيهَا، مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ جَعْلِ الشَّارِعِ الصَّوْمَ بَدَلَ الرَّقَبَةِ فِيهَا أَنْ لَا يُعْتَبَرَ إلَّا خِطَابُ التَّكْلِيفِ، لِاشْتِرَاطِ التَّكْلِيفِ فِي الصَّوْمِ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. أَقُولُ بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ فِي كُلٍّ مِنْ تَنْظِيرِ مُصْطَفَى فِي كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ. وَرَدُّ الْبُنَانِيِّ عَلَيْهِ نَظَرٌ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ اعْتَرَضَ عَلَى مَنْ جَعَلَهَا مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ، وَمَالَ إلَى أَنَّهَا مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ مُسْتَدِلًّا بِجَعْلِ الشَّارِعِ الصَّوْمَ عِوَضًا عَنْ الرَّقَبَةِ فِيهِ، وَرَغْمَ أَنَّ جَعْلَهَا مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ يَسْتَلْزِمُ سُقُوطَهَا عَنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، فَحَقُّ التَّنْظِيرِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ بِمَنْعِ هَذَا الِاسْتِلْزَامِ، وَسَنَدُهُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي مَالِهِ وَعِوَضِ الْمُتْلَفِ. وَأَمَّا قَوْلُ طفي يُقَالُ فِيمَا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْوُجُوبِ إلَخْ، فَهَذَا يُؤَيِّدُ اعْتِرَاضَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى مَنْ جَعَلَهَا مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ، وَقَوْلُ طفي نَعَمْ لَوْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَحْتَاجُ إلَى نَصٍّ عَلَى وُجُوبِهَا فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ عَقَلَهُ عَنْ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إنْ كَانَ هُنَاكَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ مِنْ إجْمَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ فَحَسَنٌ، وَأَمَّا وَجْهُ النَّظَرِ فِي رَدِّ الْبُنَانِيِّ
[ ٩ / ١٥٣ ]
أَوْ شَرِيكًا إذَا قَتَلَ مِثْلَهُ مَعْصُومًا خَطَأً: عِتْقُ رَقَبَةٍ، وَلِعَجْزِهَا شَهْرَانِ: كَالظِّهَارِ، لَا: صَائِلًا، وَقَاتِلِ نَفْسِهِ: كَدِيَتِهِ
_________________
(١) [منح الجليل] عَلَى طفي فَإِنَّ كَلَامَ طفي لَا يُفْهِمُ أَنَّهُ فَهِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ التَّنَافِي بَيْنَ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَخِطَابِ الْوَضْعِ، وَرَدَّهُ بِنَصِّ الْقَرَافِيِّ عَلَى اجْتِمَاعِهِمَا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (أَوْ) كَانَ الْقَاتِلُ (شَرِيكًا) فِي الْقَتْلِ لِصَبِيٍّ أَوْ بَالِغٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ كَفَّارَةٍ تَامَّةٍ لِأَنَّهَا لَا تَتَبَعَّضُ وَلَا يَشْتَرِكُ فِيهَا (إذَا قَتَلَ) الْحُرُّ الْمُسْلِمُ شَخْصًا (مِثْلَهُ) فِي الْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ فَلَا تَجِبُ فِي قَتْلِ كَافِرٍ وَلَا عَبْدٍ حَالَ كَوْنِهِ (مَعْصُومًا) فَلَا تَجِبُ فِي قَتْلِ غَيْرِ مَعْصُومٍ كَزَانٍ مُحْصَنٍ وَمُحَارِبٍ قُتِلَا (خَطَأً) فَلَا تَجِبُ الْقَاتِلُ عَمْدًا وَمُبْتَدَأً عَلَى الْقَاتِلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ (عِتْقُ رَقَبَةٍ) أَيْ شَخْصٍ رَقِيقٍ مُؤْمِنٍ سَلِيمٍ مِنْ الْعُيُوبِ مُحْرِزٍ لِخُصُوصِ الْكَفَّارَةِ (وَلِ) لِ (عَجْزٍ) عَنْ (هَا) أَيْ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى عِتْقِ الرَّقَبَةِ (شَهْرَانِ) يَصُومُهُمَا (كَ) رَقَبَةٍ وَشَهْرَيْ (الظِّهَارِ) فِي شَرْطِ إيمَانِ الرَّقَبَةِ وَسَلَامَتِهَا مِنْ الْعُيُوبِ وَتَحْرِيرِهَا لَهُ، وَتَتَابُعِ الشَّهْرَيْنِ وَنِيَّةِ الْكَفَّارَةِ بِهِمَا وَالتَّتَابُعِ (لَا) تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى مَنْ قَتَلَ شَخْصًا حُرًّا مُسْلِمًا (صَائِلًا) عَلَيْهِ لَيْسَ مَعْصُومًا وَلِأَنَّ قَتْلَهُ عَمْدٌ (وَ) لَا كَفَّارَةَ عَلَى (قَاتِلِ نَفْسِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ شَاسٍ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي قَتْلِ الصَّائِلِ وَلَا عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ. قُلْت هُوَ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ غَيْرُ خَطَأٍ، وَلَمْ أَجِدْهُ نَصًّا إلَّا لِلْغَزَالِيِّ فِي وَجِيزِهِ قَالَ فِيهِ وَفِي وُجُوبِهَا عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ وَجْهَانِ قُلْت قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢]، مَخْرَجُ قَاتِلِ نَفْسِهِ لِامْتِنَاعِ تَصَوُّرِ هَذَا الْجُزْءِ مِنْ الْكَفَّارَةِ فِيهِ، وَإِذَا بَطَلَ الْجُزْءُ بَطَلَ الْكُلُّ. فَإِنْ قُلْت الصَّوْمُ لَيْسَ جُزْءًا مِنْ الْكَفَّارَةِ، بَلْ هُوَ نَوْعٌ مِنْهَا. قُلْت الْمُرَادُ مِنْ الْكَفَّارَةِ الَّتِي الصَّوْمُ جُزْؤُهَا الْكَفَّارَةُ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِهَا وَهِيَ الْكَفَّارَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْآيَةِ، وَالْكَفَّارَةُ الَّتِي هُوَ نَوْعٌ هِيَ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهَا مَفْعُولَةً، فَإِنْ اُنْتُقِضَ بِكَفَّارَةِ الْعَبْدِ فِي الظِّهَارِ لِتَعَذُّرِ الْعِتْقِ فِيهَا. قُلْت التَّعَذُّرُ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ عَقْلِيٌّ، وَفِي الظِّهَارِ شَرْعِيٌّ. وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ الْخِطَابِ فَقَالَ (كَدِيَتِهِ) أَيْ قَاتِلِ نَفْسِهِ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ وَلَا عَاقِلَتِهِ
[ ٩ / ١٥٤ ]
وَنُدِبَتْ فِي جَنِينٍ، وَرَقِيقٍ؛ وَعَمْدٍ، وَعَبْدٍ وَعَلَيْهِ مُطْلَقًا: جَلْدُ مِائَةٍ، وَحَبْسُ سَنَةٍ،
_________________
(١) [منح الجليل] الْجَلَّابُ لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ خَطَأً وَلَا عَمْدًا (وَنُدِبَتْ) الْكَفَّارَةُ (فِي) إلْقَاءِ (جَنِينٍ) ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا فِيمَنْ ضَرَبَ امْرَأَةً خَطَأً فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا كَفَّارَةٌ، قَالَ قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنَّمَا الْكَفَّارَةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَتْلِ الْحُرِّ الْخَطَأِ وَاسْتَحْسَنَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْكَفَّارَةَ فِي الْجَنِينِ. الشَّيْخُ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُكَفِّرَ. مُحَمَّدٌ رَوَى أَشْهَبُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَاخْتَصَرَهَا أَبُو سَعِيدٍ سُؤَالًا وَجَوَابًا لِإِشْكَالِ الْجَوَابِ لِعَدَمِ انْحِصَارِ طُرُقِ الْأَحْكَامِ فِي نُصُوصِ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ (وَ) نُدِبَتْ فِي قَتْلِ (رَقِيقٍ) خَطَأً مِنْ حُرٍّ مُسْلِمٍ وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ لِمَالِكِهِ (وَ) نُدِبَتْ فِي قَتْلِ (عَبْدٍ) لِقَاتِلِهِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ فَلَا تَكْرَارَ قَالَهُ الْبِسَاطِيُّ. وَقَالَ الشَّارِحُ اُنْظُرْ قَوْلَهُ " وَعَبْدٍ " هَلْ تَكْرَارٌ أَوْ يُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى الْخَطَأِ وَالثَّانِي عَلَى الْعَمْدِ أَوْ الْأَوَّلُ عَلَى أَنَّ الرَّقِيقَ مَقْتُولٌ، وَالثَّانِي عَلَى أَنَّهُ قَاتِلٌ (وَ) نُدِبَتْ فِي قَتْلِ (عَمْدٍ) لَا يُقْتَلُ بِهِ لِزِيَادَةِ الْقَاتِلِ عَلَى مَقْتُولِهِ بِحُرِّيَّةٍ أَوْ إسْلَامٍ أَوْ لِلْعَفْوِ عَنْهُ. الْبُنَانِيُّ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ فِي الْخَطَأِ دُونَ الْعَمْدِ مَعَ أَنَّ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ الْعَكْسُ لِخَطَرِ الدِّمَاءِ وَلِأَنَّ مَعَ الْمُخْطِئِ تَفْرِيطًا، إذْ لَوْ تَحَرَّزَ وَاحْتَاطَ لَتَرَكَ الْفِعْلَ الَّذِي تَسَبَّبَ عَنْهُ الْقَتْلُ مِنْ أَصْلِهِ وَلِأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ الْعَامِدَ لَا تَكْفِيهِ الْكَفَّارَةُ لِجِنَايَتِهِ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُكَفَّرَ كَقَوْلِهِمْ فِي الْغَمُوسِ، وَأَيْضًا فَقَدْ أَوْجَبُوا عَلَيْهِ ضَرْبَهُ مِائَةً وَحَبْسَهُ سَنَةً. (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْقَاتِلِ عَمْدًا (مُطْلَقًا) عَنْ التَّقْيِيدِ بِذُكُورِيَّةٍ أَوْ حُرِّيَّةٍ أَوْ إسْلَامٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَحُرٍّ وَرَقِيقٍ وَمُسْلِمٍ وَكَافِرٍ، وَسَوَاءٌ ثَبَتَ قَتْلُهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ أَوْ لَوْثٍ وَقَسَامَةٍ (جَلْدُ مِائَةٍ ثُمَّ حَبْسُ سَنَةٍ) ابْنُ عَرَفَةَ وَالْقَاتِلُ عَمْدًا يَرْتَفِعُ عَنْهُ الْقِصَاصُ أَوْ يَمْتَنِعُ بِضَرْبِ مِائَةٍ وَيُسْجَنُ عَامًا، ثُمَّ قَالَ وَفِيهَا مَعَ غَيْرِهَا مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَتَلَ رَجُلًا عَمْدًا بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِقْرَارٍ أَوْ بِقَسَامَةٍ فَعُفِيَ عَنْهُ أَوْ سَقَطَ قَتْلُهُ لِأَنَّ الدَّمَ يَتَكَافَأُ، فَإِنَّهُ يُضْرَبُ مِائَةً وَيُسْجَنُ عَامًا كَانَ الْقَاتِلُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا حُرًّا أَوْ عَبْدًا لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ وَالْمَقْتُولُ مُسْلِمٌ
[ ٩ / ١٥٥ ]
وَإِنْ بِقَتْلِ مَجُوسِيٍّ، أَوْ عَبْدِهِ،
_________________
(١) [منح الجليل] أَوْ ذِمِّيٌّ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا خَرَّجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ عَبْدَهُ مُتَعَمِّدًا فَجَلَدَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - مِائَةَ جَلْدَةٍ وَنَفَاهُ سَنَةً، وَمَحَا سَهْمَهُ مِنْ الْمُقَاسِمِينَ وَلَمْ يُعَذِّبْهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتِقَ رَقَبَةً»، اُنْظُرْ الْحَاشِيَةَ وَعَلَيْهِ جَلْدُ مِائَةٍ ثُمَّ حَبْسُ سَنَةٍ بِقَتْلِ
[ ٩ / ١٥٦ ]
أَوْ نُكُولِ الْمُدَّعِي عَلَى ذِي اللَّوْثِ وَحَلِفِهِ
وَالْقَسَامَةُ:
_________________
(١) [منح الجليل] مُسْلِمٍ أَوْ كِتَابِيٍّ، بَلْ (وَإِنْ بِقَتْلِ مَجُوسِيٍّ) ذِمِّيٍّ أَوْ مُعَاهَدٍ (أَوْ) قَتْلِ (عَبْدِهِ) أَيْ الْقَاتِلِ. الْبَاجِيَّ مَالِكٌ - ﵁ - سَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ عَبْدًا لِلْقَاتِلِ أَوْ لِغَيْرِهِ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَيُجْلَدُ الْقَاتِلُ وَيُسْجَنُ. الْبَاجِيَّ وَجْهُ هَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ سَفَكَ دَمَ مَعْصُومٍ. (أَوْ) بِ (نُكُولِ الْمُدَّعِي) بِالْقَتْلِ عَنْ الْقَسَامَةِ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ مَعَ اللَّوْثِ (عَلَى) الْمُتَّهَمِ بِالْقَتْلِ (ذِي اللَّوْثِ) أَمْ اللَّطْخُ وَالْقَرِينَةُ الدَّالَّةُ عَلَى قَتْلِهِ كَقَوْلِ الْمَقْتُولِ قَتَلَنِي فُلَانٌ وَكَرُؤْيَتِهِ بِقُرْبِهِ وَبِيَدِهِ آلَةُ قَتْلِهِ وَالْمَقْتُولُ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ (وَحَلِفِهِ) أَيْ ذِي اللَّوْثِ أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ وَبَرَاءَتِهِ مِنْ الْقَتْلِ بِذَلِكَ فَيُجْلَدُ مِائَةً وَيُحْبَسُ سَنَةً نَظَرًا لِلَّوْثِ وَأَوْلَى لَوْ نَكَلَ كَمَا نَكَلَ الْمَوْلَى، وَيُحْبَسُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يَحْلِفَ الْقَسَامَةَ كَمَا يَأْتِي. الْبَاجِيَّ لَوْ نَكَلَ وُلَاةُ الدَّمِ عَنْ الْقَسَامَةِ وَقَدْ وَجَبَتْ لَهُمْ فَحَلَفَهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبَرِئَ، فَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْجَلْدُ وَالسَّجْنُ بِلَا خِلَافٍ فِي هَذَا بَيْنَ أَصْحَابِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - ﵁ - إلَّا ابْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْعُقُوبَةَ قَدْ ثَبَتَتْ بِمَا أَوْجَبَ الْقَسَامَةَ (وَالْقَسَامَةُ) ابْنُ عَرَفَةَ هِيَ حَلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا أَوْ جُزْئِهَا عَلَى إثْبَاتِ الدَّمِ. رَوَى مُسْلِمٌ بِسَنَدِهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ فَأَتَى مُحَيِّصَةُ فَأَخْبَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قُتِلَ وَطُرِحَ فِي عَيْنٍ أَوْ بِئْرٍ فَأَتَى يَهُودَ خَيْبَرَ وَقَالَ أَنْتُمْ وَاَللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ، قَالُوا وَاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ ثُمَّ قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمْ ثُمَّ أَقْبَلَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَسَلَّمَ فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ يَتَكَلَّمُ وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - كَبِّرْ كَبِّرْ يُرِيدُ السِّنَّ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ وَإِمَّا أَنْ يُؤْذَنُوا بِحَرْبٍ، فَكَتَبَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي ذَلِكَ فَكَتَبُوا إنَّا وَاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ قَالُوا لَا، قَالَ أَفَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ خَيْبَرَ قَالُوا لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ عِنْدِهِ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِائَةَ نَاقَةٍ حَتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمْ الدَّارَ قَالَ سَهْلٌ، فَلَقَدْ رَكَضَتْنِي نَاقَةٌ مِنْهَا حَمْرَاءُ وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ فَقَالُوا أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ فَكَيْفَ نَحْلِفُ
[ ٩ / ١٥٧ ]
سَبَبُهَا: قَتْلُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ فِي مَحَلِّ اللَّوْثِ:
_________________
(١) [منح الجليل] عَلَيْهِ، قَالَ فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ خَيْبَرَ؛ بِإِيمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ» . وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رِجَالٍ مِنْ الْأَنْصَارِ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لِيَهُودِ خَيْبَرَ وَبَدَأَ بِهِمْ يَحْلِفُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا فَأَبَوْا، فَقَالَ لِلْأَنْصَارِ احْلِفُوا وَاسْتَحِقُّوا، فَقَالُوا أَنَحْلِفُ عَلَى الْغَيْبِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَجَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - دِيَةً عَلَى يَهُودِ خَيْبَرَ»، لِأَنَّهُ وُجِدَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ. وَخَرَّجَ مَالِكٌ - ﵁ - الْحَدِيثَ فِي مُوَطَّئِهِ أَبُو عُمَرَ لَمْ يَحْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِيهَا بِشَيْءٍ لِإِبَايَةِ الْمُدَّعِي مِنْ الْأَيْمَانِ وَمِنْ قَبُولِ أَيْمَانِ الْيَهُودِ وَتَبَرُّعٍ بِجَعْلِ الدِّيَةِ مِنْ مَالِ اللَّهِ تَعَالَى لِئَلَّا يَبْطُلَ دَمُ مُسْلِمٍ، وَمَا عَلِمْت فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُدَوَّنَةِ عَنْهُ - ﷺ - مِنْ الِاضْطِرَابِ وَالتَّضَادِّ وَالتَّدَافُعِ مَا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَهِيَ قِصَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ كَثِيرًا فِي الْقَسَامَةِ وَمَا يُوجِبُهَا، وَالْأَيْمَانُ فِيهَا وَمَنْ يَبْدَأُ بِهَا، وَهَلْ يَجِبُ الْقَوَدُ بِهَا أَوْ لَا يُسْتَحَقُّ غَيْرُ الدِّيَةِ. الرَّصَّاعُ مَعْنَى أَوْ جُزْئِهَا، أَيْ حَلَفَ جُزْءٌ خَمْسِينَ يَمِينًا لِيَدْخُلَ بِهِ حَلِفُ وَرَثَةِ الدَّمِ فِي دِيَةِ الْخَطَأِ، فَإِنَّهُ عَلَى قَدْرِ الْمَوَارِيثِ وَالْقَسَامَةُ (سَبَبُهَا) أَيْ الْقَسَامَةُ الَّتِي لَا تَصِحُّ بِدُونِهِ (قَتْلُ) لَا جَرْحُ (الْحُرِّ) لَا قَتْلُ الرِّقِّ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِمَفْعُولِهِ (الْمُسْلِمِ) لَا قَتْلُ الْحُرِّ الْكَافِرِ سَوَاءٌ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ أَوْ كَافِرٌ (فِي مَحَلِّ اللَّوْثِ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْوَاوِ فَمُثَلَّثَةٍ أَيْ التُّهْمَةِ، وَفَسَّرَهُ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّهُ أَمْرٌ يَنْشَأُ عَنْهُ غَلَبَةُ ظَنِّ صِدْقِ الْمُدَّعِي، وَتَعَقَّبَ بِشُمُولِهِ الْبَيِّنَةَ وَالْإِضَافَةَ لِلْبَيَانِ، وَفِي بِمَعْنَى مَعَ فَلَا قَسَامَةَ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ " - ﵀ - " لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْجِرَاحِ قَسَامَةٌ، وَلَكِنْ مَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَدْلًا عَلَى جُرْحٍ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَلِيَحْلِفْ مَعَهُ يَمِينًا وَاحِدَةً، وَيَقْتَصَّ فِي الْعَمْدِ، وَيَأْخُذْ الدِّيَةَ فِي الْخَطَأِ، وَإِنَّمَا خَمْسُونَ يَمِينًا فِي النَّفْسِ. الْجَلَّابُ لَا قَسَامَةَ فِي عَبْدٍ وَلَا أَمَةٍ وَلَا ذِمِّيٍّ وَلَا ذِمِّيَّةٍ، وَفِيهَا مَنْ أَقَامَ شَاهِدًا أَنَّ فُلَانًا قَتَلَ عَبْدَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً حَلَفَ يَمِينًا وَاحِدَةً مَعَ شَاهِدِهِ لِأَنَّهُ مَالٌ وَغَرِمَ لَهُ الْقَاتِلُ قِيمَتَهُ، فَإِنْ كَانَ عَبْدًا خُيِّرَ سَيِّدُهُ بَيْنَ أَنْ يَغْرَمَ قِيمَةَ
[ ٩ / ١٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [منح الجليل] الْمَقْتُولِ أَوْ يُسَلِّمَ عَبْدَهُ، فَإِنْ أَسْلَمَهُ فَلَا يُقْتَلُ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ وَلِأَنَّهُ لَا قَسَامَةَ فِي الْعَبْدِ فِي عَمْدٍ وَلَا خَطَأٍ. وَفِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - ﵁ - فِي نَصْرَانِيٍّ قَامَ عَلَى قَتْلِهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ مُسْلِمٌ أَنَّ وُلَاتَهُ يَحْلِفُونَ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيَسْتَحِقُّونَ دِيَتَهُ مِمَّنْ قَتَلَهُ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَمِثْلُهُ فِي الْمُوَطَّإِ. الْبَاجِيَّ قَوْلُهُ لَيْسَ فِي الْعَبْدِ قَسَامَةٌ هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - ﵁ - وَرَوَى مُحَمَّدٌ إنْ قَالَ عَبْدٌ ذِمِّيٌّ عِنْدَ فُلَانٍ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا وَبَرِئَ. أَشْهَبُ يُضْرَبُ مِائَةً وَيُسْجَنُ سَنَةً، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ سَيِّدُهُ يَمِينًا وَاحِدَةً وَلَا قِيمَةَ عَلَيْهِ وَلَا سِجْنَ فَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ الْقِيمَةَ وَضُرِبَ وَسُجِنَ. ابْنُ الْمَاجِشُونِ إنَّمَا السِّجْنُ اسْتِبْرَاءٌ وَكَشْفٌ عَنْ أَمْرِهِ وَيُضْرَبُ أَدَبًا. ابْنُ زَرْقُونٍ اخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فَمَرَّةً قَالَ هَذَا، وَقَالَ مَرَّةً يُسْجَنُ عَامًا فِي قَتْلِ الْمُسْلِمِ وَلَوْ عَبْدًا، وَانْظُرْ الْحَاشِيَةَ.
[ ٩ / ١٥٩ ]
كَأَنْ يَقُولَ بَالِغٌ، حُرٌّ، مُسْلِمٌ: قَتَلَنِي فُلَانٌ، وَلَوْ خَطَأً أَوْ مَسْخُوطًا عَلَى وَرَعٍ،
_________________
(١) [منح الجليل] وَمَثَّلَ لِلَّوْثِ بِخَمْسَةِ أَمْثِلَةٍ فَقَالَ (كَأَنْ يَقُولَ بَالِغٌ) لَا صَبِيٌّ وَلَوْ مُرَاهِقًا عَلَى الْمَشْهُورِ (حُرٌّ) لَا رِقَّ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ كَالصَّبِيِّ وَالْكَافِرِ، بِخِلَافِ الْمَسْخُوطِ وَالْمَرْأَةِ فَهُمَا مِنْ أَهْلِهَا فِي الْجُمْلَةِ (مُسْلِمٌ) لَا كَافِرٌ، وَلَا بُدَّ أَيْضًا أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَ الْقَاتِلِ وَالْمَقُولِ عَلَيْهِ عَدَاوَةٌ كَمَا فِي تَبْصِرَةِ اللَّخْمِيِّ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ أَفَادَهُ شب. الْعَدَوِيُّ وَلَوْ عَدُوًّا عَلَى عَدُوِّهِ فِي الذَّخِيرَةِ الْعَدَاوَةُ تُؤَكِّدُ صِدْقَ الْمُدَّعِي لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ الْقَتْلِ، بِخِلَافِ سَائِرِ الدَّعَاوَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ابْنُ عَرَفَةَ وَاخْتُلِفَ إذَا قَالَ ذَلِكَ عَلَى عَدُوِّهِ، وَفِيهِ شُبْهَةٌ، فَيَصِحُّ أَنْ يُقْبَلَ لِأَنَّ عَدُوَّ الْإِنْسَانِ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِعَدُوِّهِ، وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لَا يُقْبَلُ لِتُهْمَتِهِ إذَا أَنْزَلَ ذَلِكَ بِهِ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَسْتَشْفِيَ مِنْ عَدُوِّهِ (قَتَلَنِي فُلَانٌ) عَمْدًا، بَلْ (وَلَوْ) قَالَ (خَطَأً) عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ فُلَانٍ حُرًّا أَوْ عَبْدًا مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى. فِي الْمُقَدِّمَاتِ إنْ قَالَ قَتَلَنِي خَطَأً فَفِي ذَلِكَ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - ﵁ - رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا قَبُولُ قَوْلِهِ وَيُقْسِمُونَ وَلَايَتَهُمْ، وَالثَّانِيَةُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ أَنْ يَكُونَ كَذَبَ لِإِغْنَاءِ وَلَدِهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَازِمٍ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ اسْتِحْقَاقُ دَمٍ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَحِقَّ بِهِ دَمَ الْعَمْدِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي دَمِ الْخَطَأِ مَالٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ فَأَشْبَهَ قَوْلَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لِي عِنْدَ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا دِينَارًا، وَهُوَ الظَّاهِرُ فِي الْقِيَاسِ. وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى أَشْهَرُ إنْ كَانَ الْقَائِلُ عَدْلًا، بَلْ (وَلَوْ) كَانَ (مَسْخُوطًا) أَيْ غَيْرَ عَدْلٍ وَادَّعَى قَتْلَهُ (عَلَى) شَخْصٍ (وَرِعٍ) وَلَوْ كَانَ أَوْرَعَ أَهْلِ زَمَانِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ. الْبُنَانِيُّ هَذِهِ هِيَ التَّدْمِيَةُ. الْمُوَضِّحُ لَمْ يُوَافِقْ الْمَالِكِيَّةُ عَلَيْهَا إلَّا اللَّيْثَ، وَرَأَى الْجُمْهُورُ أَنَّهَا
[ ٩ / ١٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [منح الجليل] قَبُولُ الدَّعْوَى بِلَا بَيِّنَةٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الدَّمَ أَعْظَمُ مِنْ الْمَالِ، وَلَوْ قَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ لِي عِنْدَ فُلَانٍ كَذَا فَلَا يُقْبَلُ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - عَنْهُ - ﷺ - «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» وَرَأَى عُلَمَاؤُنَا - ﵃ - أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى لَا تُشْبِهُ دَعْوَى الْمَالِ وَلَا غَيْرَهُ لِأَنَّ هَذَا أَصْلٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وَعِظَمُ الدَّمِ يُؤَيِّدُ قَبُولَ قَوْلِ الْمَقْتُولِ، إذْ يُقَالُ لَعَلَّ الشَّارِعَ جَعَلَ الْقَوْلَ فِيهَا لِلْمُدَّعِي لِعِظَمِهَا وَانْتِظَارُ الْبَيِّنَةِ يُؤَدِّي لِتَضْيِيعِهَا، إذْ أَكْثَرُ مَا تَكُونُ الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ خَفِيَّةً وَمَنْ تَحَقَّقَ مَصِيرُهُ إلَى الْآخِرَةِ وَأَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ فَلَا يُتَّهَمُ بِإِرَاقَةِ دَمِ مُسْلِمٍ ظُلْمًا وَغَلَبَةُ الظَّنِّ فِي هَذَا تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ غَلَبَةِ الظَّنِّ فِي الشَّاهِدِ، وَكَيْفَ وَالْغَالِبُ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ عِنْدَ الْمَوْتِ التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ وَالنَّدَمُ عَلَى التَّفْرِيطِ وَرَدُّ الْمَظَالِمِ، فَكَيْفَ يَتَزَوَّدُ مِنْ دُنْيَاهُ قَتْلَ النَّفْسِ، هَذَا خِلَافُ الظَّاهِرِ وَالْمُعْتَادُ مَعَ التَّشْدِيدِ بِكَوْنِهَا خَمْسِينَ يَمِينًا مُغَلَّظَةً احْتِيَاطًا فِي صِيَانَةِ الدَّمِ، وَمَدَارُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا مَعَ غَيْرِهَا قَوْلُ الْمَيِّتِ بَالِغًا عَاقِلًا مُسْلِمًا حُرًّا، وَلَوْ كَانَ امْرَأَةً، قَتَلَنِي فُلَانٌ وَلَوْ صَبِيًّا أَوْ عَبْدًا أَوْ امْرَأَةً أَوْ ذِمِّيًّا عَمْدًا لَوْثٌ، وَإِنْ قَالَ الْمَقْتُولُ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ فَذَكَرَ رَجُلًا أَوْرَعَ أَهْلِ بَلَدِهِ أَقْسَمَ مَعَ قَوْلِهِ. ابْنُ حَارِثٍ إنْ رَمَى بِدَمِهِ مُتَّهَمًا مُسْتَتِرًا أَقْسَمَ بِقَوْلِهِ اتِّفَاقًا وَقُتِلَ الْمَرْمِيُّ وَإِنْ رَمَى بِذَلِكَ أَصْلَحَ أَهْلِ بَلَدِهِ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ بِهِ، فَأَكْثَرُ أَصْحَابِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - عَلَى قَبُولِ قَوْلِهِ فَيُقْسِمُ وَرَثَتُهُ وَيَقْتُلُونَهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا أَقُولُ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَا أَرَى قَبُولَ قَوْلِهِ. قَالَ ابْنُ سَهْلٍ تَرَكَ يَحْيَى بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَمَلَ بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ فِي هَذَا، وَصَارَ إلَى قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ. وَقَالَ اللَّخْمِيُّ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ صَوَابٌ، وَتَوَقَّفَ ابْنُ بَقِيٍّ بْنِ مَخْلَدٍ عَنْ الْقَوْلِ فِي التَّدْمِيَاتِ. قُلْت فَفِي إعْمَالِ قَوْلِ الْمَيِّتِ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ مُطْلَقًا وَلَغْوُهُ، ثَالِثُهُمَا مَا لَمْ يَدَعْهُ عَلَى مَنْ لَا يَلِيقُ بِهِ لِفَضْلِهِ وَصَلَاحِهِ لِمَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَقِيٍّ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ مَعَ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الزَّوْجَةَ فِي تَدْمِيَتِهَا عَلَى زَوْجِهَا كَالْأَجْنَبِيَّةِ وَلِابْنِ هِشَامٍ وَابْنِ عَاتٍ
[ ٩ / ١٦١ ]
أَوْ وَلَدٍ عَلَى وَالِدِهِ أَنَّهُ ذَبَحَهُ.
_________________
(١) [منح الجليل] عَنْ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ عَنْ ابْنِ مُزَيْنٍ إذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ قَوَدٌ لِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ فِي ضَرْبِهَا، وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» . ابْنُ مُزَيْنٍ هَذَا الَّذِي تَعَلَّمْنَاهُ مِنْ شُيُوخِنَا. تت فَائِدَةٌ فِي الذَّخِيرَةِ خُولِفَتْ قَاعِدَةُ الدَّعْوَى بِقَبُولِ قَوْلِ الْمُدَّعِي بِلَا بَيِّنَةٍ فِي خَمْسِ مَسَائِلَ الْأُمَنَاءِ وَاللِّعَانِ وَالْقَسَامَةِ وَالْغَصْبِ وَالْحَاكِمِ فِي التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ وَغَيْرِهِمَا. طفي قَوْلُهُ فِي خَمْسِ مَسَائِلَ فِيهِ نَظَرٌ، إذْ هِيَ كَثِيرَةٌ جِدًّا لِمَنْ تَصَفَّحَ مَسَائِلَ الْمَذْهَبِ، وَقَدْ عَقَدَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ بَابًا لِمَا يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ الْمُدَّعِي، وَذَكَرَ فِيهِ مَسَائِلَ جَمَّةً كَتَصْدِيقِ الزَّوْجِ فِي دَعْوَى الْإِنْفَاقِ عَلَى زَوْجَتِهِ إنْ كَانَ حَاضِرًا مَعَهَا، وَالْوَصِيُّ فِي دَعْوَاهُ أَنَّهُ قَبَضَ مِنْ غُرَمَاءِ مَحْجُورِهِ مَا عَلَيْهِمْ لَهُ، وَضَاعَ وَالْمُعْتَرَضُ أَنَّهُ وَطِئَ زَوْجَتَهُ وَالزَّوْجَةِ فِي إصَابَتِهَا فِي خَلْوَةِ الِاهْتِدَاءِ وَالزَّائِرِ مِنْهُمَا وَالْوَصِيِّ فِي نَفَقَتِهِ عَلَى الْيَتِيمِ وَعِمَارَةِ رَبْعِهِ، وَالْمَسْبِيَّةِ فِي أَنَّ مَا مَعَهَا وَلَدُهَا وَالْبَائِعِ أَنَّهُ بَاعَ بِنَقْدٍ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي بِسِلْعَةٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَبِالْجُمْلَةِ فَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ، وَذَكَرَهُ الْحَاكِمُ فِي التَّجْرِيحِ وَالتَّعْدِيلِ فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَفْرَادِ الدَّعْوَى، وَلَيْسَ الْحَاكِمُ بِمُدَّعٍ، وَإِنَّمَا هُوَ شَاهِدٌ، وَكَذَا تَفْسِيرُ غَيْرِهِمَا بِالشَّهْوَةِ بِذَلِكَ وَإِقْرَارُ الْخَصْمِ، إذْ لَيْسَ فِيهِ دَعْوَى، وَلَا قَالَ الْحَاكِمُ شَيْئًا فَصُدِّقَ فِيهِ، وَإِنَّمَا اعْتَمَدَ عَلَى الشُّهْرَةِ وَإِقْرَارِ الْخَصْمِ بِالْعَدَالَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِغَيْرِهِمَا اعْتِمَادُ الْحَاكِمِ عَلَى عِلْمِهِ فِي غَيْرِ التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا، إذْ يُغْتَفَرُ ذَلِكَ لِجَمْعِ النَّظَائِرِ. (أَوْ) يَدَّعِي (وَلَدٌ عَلَى وَالِدِهِ أَنَّهُ) أَيْ وَالِدَهُ أَضْجَعَهُ وَ(ذَبَحَهُ) أَوْ بَقَرَ بَطْنَهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُقْسِمُ أَوْلِيَاءُ الْوَلَدِ وَيَقْتُلُونَ وَالِدَهُ فِيهِ. وَأَمَّا لَوْ قَالَ رَمَانِي بِحَدِيدَةٍ وَنَحْوَهَا مِمَّا لَا يُقْتَلُ الْأَبُ بِهِ، أَوْ قَالَ قَتَلَنِي وَلَمْ يَزِدْ، أَوْ قَتَلَنِي خَطَأً فَالْقَسَامَةُ وَدِيَةُ الْخَطَأِ فِي الْخَطَأِ، وَالْمُغَلَّظَةُ فِي دَعْوَى الْعَمْدِ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى مَا يُقْتَلُ فِيهِ الْأَبُ، لِأَنَّهُ إذَا قُبِلَتْ الْقَسَامَةُ فِيهِ فَأَوْلَى أَنْ تُقْبَلَ الْمُوجِبَةُ لِلدِّيَةِ الْمُغَلَّظَةِ، سَمِعَ يَحْيَى ابْنَ الْقَاسِمِ مَنْ قَالَ دَمِي عِنْدَ أَبِي أَقْسَمَ عَلَى قَوْلِهِ وَلَا يُقَادُ مِنْ أَبِيهِ، وَغُلِّظَتْ الدِّيَةُ فِي مَالِ أَبِيهِ، وَلَوْ قَالَ أَضْجَعَنِي
[ ٩ / ١٦٢ ]
أَوْ زَوْجَةٌ عَلَى زَوْجِهَا إنْ كَانَ جُرْحٌ
_________________
(١) [منح الجليل] وَذَبَحَنِي أَوْ بَقَرَ بَطْنِي أَقْسَمَ بِقَوْلِهِ وَقُتِلَ أَبُوهُ إنْ شَاءَ الْأَوْلِيَاءُ. وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ وَلَا وَالِدَةٌ بِقَسَامَةٍ، وَأَرَى ذَلِكَ مَالًا، وَقَدْ رَأَى أَهْلُ الْعِلْمِ قَتْلَ عَشْرَةٍ بِوَاحِدٍ وَلَمْ يَرَوْا أَنْ يَقْتُلُوا بِالْقَسَامَةِ إلَّا وَاحِدًا. (أَوْ) تَدَّعِي (زَوْجَةٌ) عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ قَتَلَهَا فَالْقَسَامَةُ مِنْ أَوْلِيَائِهَا وَيَقْتُلُونَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ لَا يُقْتَلُ بِهَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَذِنَ لَهُ فِي ضَرْبِهَا، وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» . وَشَرْطُ الْقَسَامَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ (إنْ كَانَ) فِي الْمُدْمِي (جُرْحٌ) هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ. الْمُتَيْطِيُّ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَبِهِ الْحُكْمُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ بِالْمُدْمِي أَثَرُ جُرْحٍ أَوْ ضَرْبٍ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى فُلَانٍ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ. ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي شَرْطِ إعْمَالِ قَوْلِهِ قَتَلَنِي فُلَانٌ بِظُهُورِ أَثَرِ الضَّرْبِ اضْطِرَابٌ. اللَّخْمِيُّ اُخْتُلِفَ إنْ قَالَ قَتَلَنِي عَمْدًا وَلَا جِرَاحَ بِهِ، وَأَبْيَنُ ذَلِكَ أَنْ لَا يُقْسِمَ مَعَ قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمَا قِتَالٌ وَيَلْزَمُ الْفِرَاشَ عَقِبَ ذَلِكَ، أَوْ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَ مُتَشَكٍّ عَلَيْهِ دَلِيلُ الْمَرَضِ، وَتَمَادَى بِهِ حَتَّى مَاتَ. قُلْت فِي آخِرِ سَمَاعِ عِيسَى، سُئِلَ ابْنُ كِنَانَةَ عَمَّنْ قَالَ اشْهَدُوا أَنَّ فُلَانًا سَقَاهُ سُمًّا وَهُوَ فِي جَوْفِهِ إنْ مِتُّ فَدَمِي عِنْدَهُ، قَالَ لَا قَسَامَةَ فِي مِثْلِ هَذَا إلَّا فِي الضَّرْبِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَوْ الْآثَارِ الْبَيِّنَةِ مِنْ الْجِرَاحِ وَالضَّرْبِ. ابْنُ رُشْدٍ هَذَا خِلَافُ نَصِّ سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ ابْنَ الْقَاسِمِ، وَدَلِيلُ قَوْلِهِ فِي رَسْمِ أَوَّلِ عَبْدٍ ابْتَاعَهُ مِنْ سَمَاعِ سَحْنُونٍ. وَقَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ إلَّا فِي الضَّرْبِ الْمَشْهُودِ بِهِ، يُرِيدُ الَّذِي تَثْبُتُ بِهِ الشَّهَادَةُ، فَلَوْ شَهِدَ عَلَى قَوْلِهِ وَاحِدٌ أَنَّهُ ضَرَبَهُ فَمَاتَ مِنْ ضَرْبَةٍ وَلَمْ يَظْهَرْ بِهِ أَثَرٌ مِنْهُ أَوْ أَنَّهُ سَقَاهُ سُمًّا فَمَاتَ مِنْهُ وَلَمْ يَظْهَرْ لِذَلِكَ أَثَرٌ فِيمَا أَصَابَهُ مِنْهُ فَلَا تَجِبُ لَهُ قَسَامَةٌ كَمَا لَا يَجِبُ ذَلِكَ مَعَ قَوْلِ الْمَقْتُولِ، فَاحْتَاجَ أَصْبَغُ لَأَنْ يَلْزَمَ ابْنَ كِنَانَةَ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ مَنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ، فَتَتَحَصَّلُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: لَا تَجِبُ إنْ لَمْ يَكُنْ بِالْمَقْتُولِ أَثَرٌ لَا بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَلَا بِقَوْلِ الْمَقْتُولِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ. وَالثَّانِي: ثُبُوتُهَا فِيهِمَا مَعًا وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ. وَالثَّالِثُ: مَعَ الشَّاهِدِ لَا مَعَ قَوْلِ الْمَقْتُولِ.
[ ٩ / ١٦٣ ]
أَوْ أَطْلَقَ وَبَيَّنُوا،
_________________
(١) [منح الجليل] وَإِذَا أُعْمِلَتْ التَّدْمِيَةُ دُونَ أَثَرٍ، فَإِنَّمَا تُعْمَلُ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي إيجَابِ قَتْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْقَسَامَةِ. وَأَمَّا فِي حَيَاتِهِ فَلَا يُسْجَنُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ سَجْنَهُ بِدَعْوَاهُ، وَقَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لِلِاخْتِلَافِ فِي أَصْلِ الْقَسَامَةِ، إذْ لَمْ يُتَابِعْ مَالِكًا عَلَى قَوْلِهِ بِإِيجَابِ الْقَوَدِ إلَّا أَصْحَابَهُ. قُلْت فِي قَوْلِهِ هَذَا خِلَافُ نَصِّ سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ نَظَرٌ لِأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي التَّدْمِيَةِ الَّتِي لَمْ يُعْلَمْ فِيهَا سَبَبٌ حِسِّيٌّ يَسْتَنِدُ إلَيْهِ قَوْلُ الْمُدْمَى، وَلِذَا قِيلَ فِيهَا تَدْمِيَةٌ بَيْضَاءُ وَسَمَاعُ أَبِي زَيْدٍ هُوَ قَوْلُهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ رَكَضَ رَجُلًا بِرِجْلِهِ فِي بَطْنِهِ فَمَكَثَ أَيَّامًا، فَزَعَمَ أَنَّهُ يَجِدُهُ مِنْ الرَّكْضَةِ عَلَى فُؤَادِهِ أَمْرًا شَدِيدًا، قَالَ يُخَوَّفُ وَيُذَكَّرُ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ أَصَرَّ وَقَالَ وَاَللَّهِ مَا زِلْت مِنْ يَوْمِ رَكَضَنِي بِشَرٍّ وَلَا قَتَلَنِي إلَّا رَكْضُهُ أَقْسَمُوا مَعَهُ وَاسْتَحَقُّوا دَمَهُ إنْ كَانَ مُضْطَجِعًا مِنْ يَوْمِ رَكَضَهُ حَتَّى مَاتَ، وَإِنْ لَمْ يَضْطَجِعْ فَإِذَا رُئِيَ بِهِ أَثَرُ ذَلِكَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ اضْطِجَاعِهِ. قُلْت فَهَذَا كَالنَّصِّ فِي أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ ثَبَتَ رَكْضُ الرَّجُلِ إيَّاهُ، وَهَذَا سَبِيلٌ حِسِّيٌّ يَصِحُّ اسْتِنَادُ قَوْلِ الْمُدْمَى إلَيْهِ، فَفِي إعْمَالِ التَّدْمِيَةِ الْبَيْضَاءِ وَلَغْوِهَا قَوْلَانِ لِابْنِ رُشْدٍ مَعَ أَصْبَغَ مَعَ دَلِيلِ سَمَاعِ يَحْيَى، وَنَقَلَ ابْنُ سَهْلٍ عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ مُزَيْنٍ وَأَخْذِهِ ذَلِكَ مِنْ إطْلَاقِ الرِّوَايَاتِ، وَعَنْ أَصْبَغَ لِقَوْلِهِ مَنْ قَالَ سَقَانِي فُلَانٌ سُمًّا وَمِنْهُ أَمُوتُ، وَقَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ مَعَ اخْتِيَارِ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ وَبِهِ الْعَمَلُ. (أَوْ) قَالَ الْمَقْتُولُ قَتَلَنِي فُلَانٌ وَ(أَطْلَقَ) الْمَقْتُولُ قَوْلَهُ عَنْ التَّقْيِيدِ بِعَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ (وَبَيَّنُوا) أَيْ أَوْلِيَاؤُهُ كَوْنَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً مُعْتَمَدِينَ عَلَى الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ عَمْدٌ وَخَطَأٌ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُقْسِمُونِ وَيَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي الْخَطَأِ وَالْقَوَدَ فِي الْعَمْدِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ. ابْنُ عَرَفَةَ إنْ قَالَ قَتَلَنِي فُلَانٌ وَلَمْ يَقُلْ عَمْدًا وَلَا خَطَأً فَمَا ادَّعَاهُ وُلَاةُ الدَّمِ مِنْ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ أَقْسَمُوا عَلَيْهِ وَاسْتَحَقُّوهُ. ابْنُ حَارِثٍ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجَالِسِ: أَحْسَنُ مِنْ هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ بَاطِلٌ. اللَّخْمِيُّ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا، قَالَ
[ ٩ / ١٦٤ ]
لَا خَالَفُوا، وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُمْ
وَلَا إنْ قَالَ بَعْضٌ: عَمْدًا، وَبَعْضٌ لَا نَعْلَمُ
_________________
(١) [منح الجليل] وَلِمُحَمَّدٍ عَنْهُ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ إنْ اجْتَمَعَ مَلَؤُهُمْ عَلَى الْعَمْدِ فَوَقَفَ فِيهِ وَقَالَ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يُقْسِمُوا إلَّا عَلَى الْخَطَأِ، وَقَالَ فِي الدِّيوَانِ يُكْشَفُ عَنْ حَالِ الْمَقْتُولِ وَجِرَاحِهِ وَمَوْضِعِهِ وَحَالَةِ الْقَتْلِ، وَهَلْ كَانَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ فَيُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ حَتَّى يَظْهَرَ أَمْرُهُ فَيُقْسِمُ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ عَمْدٌ وَلَا خَطَأٌ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وَهَذَا أَحْسَنُ وَتَعَدُّدُ الضَّرَبَاتِ يَدُلُّ عَلَى الْعَمْدِ (لَا) يُقْسِمُونَ إنْ (خَالَفُوا) أَيْ الْأَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولَ بِأَنْ قَالَ خَطَأً وَقَالُوا عَمْدًا وَعَكْسُهُ، وَإِنْ رَجَعُوا لِقَوْلِهِ فَ (لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُمْ) لَهُ بَعْدَ مُخَالَفَتِهِ عَلَى الصَّحِيحِ. أَشْهَبُ لِأَنَّهُمْ أَكَذَبُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَعَلَّقَ لِخَصْمِهِمْ حَقٌّ بِقَوْلِهِمْ أَوَّلًا. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا إنْ قَالَ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَلِأَوْلِيَائِهِ أَنْ يُقْسِمُوا وَيَقْتُلُوا فِي الْعَمْدِ وَيَأْخُذُوا الدِّيَةَ فِي الْخَطَأِ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُقْسِمُوا عَلَى خِلَافِ قَوْلِ الشَّيْخِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إنْ ادَّعَى الْوَرَثَةُ خِلَافَ قَوْلِ الْمَيِّتِ فَلَا قَسَامَةَ لَهُمْ وَلَا دِيَةَ وَلَا دَمَ، وَلَا لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا إلَى قَوْلِهِ هَذَا قَوْلُ أَشْهَبَ فِي الْمَجْمُوعَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهَا إنْ ادَّعَوْا خِلَافَهُ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُقْسِمُوا إلَّا عَلَى قَوْلِهِ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (وَلَا) يُقْسِمُونَ (إنْ) أَطْلَقَ قَوْلَهُ قَتَلَنِي فُلَانٌ وَ(قَالَ بَعْضٌ) مِنْ أَوْلِيَائِهِ قَتَلَهُ (عَمْدًا وَ) قَالَ (بَعْضٌ) آخَرُ مِنْهُمْ (لَا نَعْلَمُ) عَمْدًا وَلَا خَطَأً، وَبَطَلَ الدَّمُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى أَنَّهُ قُتِلَ عَمْدًا فَيَسْتَحِقُّوا الْقَوَدَ وَلَا عَلَى أَنَّهُ قُتِلَ خَطَأً فَيَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ وَكَذَا إنْ بَيَّنَ. ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا إنْ قَالَ بَعْضُهُمْ عَمْدًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا عِلْمَ لَنَا بِمَنْ قَتَلَهُ وَلَا نَحْلِفُ فَإِنَّ دَمَهُ يَبْطُلُ. اللَّخْمِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَوْ قَالَ اثْنَانِ عَمْدًا وَقَالَ غَيْرُهُمْ لَا عِلْمَ لَنَا أَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ عَمْدًا وَنَكَلَ بَعْضُهُمْ فَلِمَنْ قَالَ عَمْدًا أَنْ يَحْلِفَ وَيَسْتَحِقَّ حَظَّهُ مِنْ الدِّيَةِ، قَالَ وَنُكُولُهُمْ عَنْ الْقَسَامَةِ قَبْلَ أَنْ يَجِبَ الدَّمُ كَعَفْوِهِمْ عَنْهُ بَعْدَ أَوْ وَجَبَ فَإِنْ حَلَفَ حَظُّهُ مِنْ الدِّيَةِ، وَيَسْقُطُ الْقَتْلُ، وَهَذَا أَحْسَنُ، وَلَا يَسْقُطُ قَوْلُ مُدَّعِي الْعَمْدِ بِخِلَافِ مَنْ قَالَ
[ ٩ / ١٦٥ ]
أَوْ نَكَلُوا؛ بِخِلَافِ ذِي الْخَطَإِ، فَلَهُ الْحَلِفُ، وَأَخْذُ نَصِيبِهِ
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِيهِمَا: وَاسْتَوَوْا: حَلَفَ كُلٌّ، وَلِلْجَمِيعِ: دِيَةُ خَطَإٍ،
_________________
(١) [منح الجليل] لَا عِلْمَ لَنَا، وَمَتَى سَقَطَ اسْتِحْقَاقٌ بِنُكُولٍ أَوْ اخْتِلَافٍ فَإِنَّ الْأَيْمَانَ تُرَدُّ وَيَحْلِفُهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقَتْلُ. (أَوْ) قَالُوا كُلُّهُمْ عَمْدًا وَ(نَكَلُوا) عَنْ الْقَسَامَةِ فَيَبْطُلُ الدَّمُ (بِخِلَافِهِ ذِي) أَيْ صَاحِبِ أَيْ مُدَّعِي قَتْلَ (الْخَطَأِ) وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ لَا نَعْلَمُ (فَلَهُ) أَيْ ذِي الْخَطَأِ (الْحَلِفُ) لِجَمِيعِ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ (وَأَخْذُ نَصِيبِهِ) مِنْ الدِّيَةِ لِأَنَّهُ مَالٌ أَمْكَنَ تَوْزِيعُهُ، بِخِلَافِ الْعَمْدِ وَكَذَا إنْ اتَّفَقُوا عَلَى الْخَطَأِ وَنَكَلَ بَعْضُهُمْ فَلِمَنْ حَلَفَ تَكْمِيلُ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ وَأَخْذُ نَصِيبِهِ مِنْهَا. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا إنْ قَالَ بَعْضُهُمْ خَطَأً، وَقَالَ الْبَاقُونَ لَا عِلْمَ لَنَا أَوْ نَكَلُوا عَنْ الْأَيْمَانِ حَلَفَ مُدَّعُو الْخَطَأِ وَأَخَذُوا حَظَّهُمْ مِنْ الدِّيَةِ وَلَا شَيْءَ لِلْآخَرِينَ، ثُمَّ إنْ أَرَادَ الْآخَرُونَ أَنْ يَحْلِفُوا وَيَأْخُذُوا حَظَّهُمْ مِنْ الدِّيَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَلِكَ، وَلَفْظُهَا فِي الْجَلَّابِ حَلَفَ مُدَّعُو الْخَطَأِ خَمْسِينَ يَمِينًا وَاسْتَحَقُّوا حَظَّهُمْ مِنْ الدِّيَةِ ابْنُ شَاسٍ أَبُو بَكْرٍ الْقِيَاسُ أَنْ يَقْتَسِمُوا. أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهَا لَا عِلْمَ لَنَا يَحْتَمِلُ لَا عِلْمَ لَنَا بِعَيْنِ قَاتِلِهِ أَوْ صِفَةِ قَتْلِهِ مِنْ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ، وَقَوْلُهَا وَنَكَلُوا يَحْتَمِلُ مَعْنَاهُ ادَّعَى جَمِيعُهُمْ الْخَطَأَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ عَلَى الصُّورَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَهِيَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ عَمْدًا وَبَعْضِهِمْ خَطَأً وَالْحُكْمُ سَوَاءٌ. (وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ فَرِيقَا الْوَرَثَةِ (فِيهِمَا) أَيْ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ بِأَنْ قَالَ بَعْضٌ عَمْدًا وَبَعْضٌ خَطَأً (وَاسْتَوَوْا) أَيْ الْمُخْتَلِفُونَ فِي الدَّرَجَةِ كَبَنِينَ (حَلَفَ كُلٌّ) عَلَى مَا ادَّعَاهُ (وَلِلْجَمِيعِ دِيَةُ الْخَطَأِ) وَبَطَلَ الْقَوَدُ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَوُوا كَبِنْتٍ وَعَصَبَةٍ، فَإِنْ ادَّعَى الْعَصَبَةُ الْعَمْدَ وَالْبِنْتُ الْخَطَأَ فَهَدَرٌ لَا قَسَامَةَ وَلَا قَوَدَ وَلَا دِيَةَ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَمْدًا فَذَلِكَ لِلْعَصَبَةِ، وَلَمْ يُثْبِتْ الْمَيِّتُ لَهُمْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَالدِّيَةُ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ خَطَأٌ وَيَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا مَا قَتَلَهُ عَمْدًا وَيُحْرِزُ دَمَهُ كَمَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَإِنْ ادَّعَى الْعَصَبَةُ الْخَطَأَ وَالْبِنْتُ الْعَمْدَ يَحْلِفُ الْعَصَبَةُ وَيَأْخُذُونَ نَصِيبَهُمْ مِنْ الدِّيَةِ، وَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُ الْبِنْتِ لِأَنَّهُ لَا يَحْلِفُ فِي
[ ٩ / ١٦٦ ]
وَبَطَلَ حَقُّ ذِي الْعَمْدِ بِنُكُولِ غَيْرِهِمْ
وَكَشَاهِدَيْنِ بِجُرْحٍ، أَوْ ضَرْبٍ مُطْلَقًا،
_________________
(١) [منح الجليل] الْعَمْدِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ عَصَبَةً وَتَثْنِيَتُهُ الضَّمِيرَ أَوَّلًا وَجَمْعُهُ ثَانِيًا تَفَنُّنٌ قَالَهُ الْخَرَشِيُّ، فَإِنْ حَلَفَ الْجَمِيعُ فَلَهُمْ دِيَةُ خَطَأٍ تُقْسَمُ بَيْنَهُمْ. وَإِنْ نَكَلَ مُدَّعُو الْخَطَأِ (بَطَلَ حَقُّ ذِي الْعَمْدِ بِ) سَبَبِ (نُكُولِ غَيْرِهِمْ) وَهُمْ مُدَّعُو الْخَطَأِ فَلَا قَسَامَةَ وَلَا دِيَةَ لِذِي الْعَمْدِ لِأَنَّ الدِّيَةَ إنَّمَا تَجِبُ لَهُمْ تَبَعًا لَحَلَفَ مُدَّعِي الْخَطَأِ، لِأَنَّ الْعَمْدَ لَا دِيَةَ لَهُ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا إنْ قَالَ بَعْضُهُمْ عَمْدًا وَبَعْضُهُمْ خَطَأً، فَإِنْ حَلَفُوا كُلُّهُمْ اسْتَحَقُّوا دِيَةَ الْخَطَأِ بَيْنَهُمْ وَبَطَلَ الْقَوَدُ، وَإِنْ نَكَلَ مُدَّعِي الْخَطَأِ فَلَيْسَ لِمُدَّعِي الْعَمْدِ أَنْ يُقْسِمُوا وَلَا دَمَ لَهُمْ وَلَا دِيَةَ. اللَّخْمِيُّ لِأَشْهَبَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إنْ حَلَفَ جَمِيعُهُمْ فَلِمَنْ أَقْسَمَ عَلَى الْخَطَأِ حَظُّهُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَلِمَنْ أَقْسَمَ عَلَى الْعَمْدِ حَظُّهُ مِنْ مَالِ الْقَاتِلِ. اللَّخْمِيُّ وَهَذَا أَحْسَنُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَظُّهُمْ مِنْ الْأَقَلِّ مِنْ الْأَرْبَاعِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ. وَلِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ يُقْسِمُ مُدَّعُو الْخَطَأِ خَمْسِينَ يَمِينًا وَلَهُمْ حَظُّهُمْ مِنْ الدِّيَةِ كَمَا لَوْ قَالَ جَمِيعُهُمْ خَطَأً وَنَكَلَ بَعْضُهُمْ، فَإِنْ رَجَعَ الَّذِينَ قَالُوا عَمْدًا إلَى دِيَةِ الْخَطَأِ فَذَلِكَ لَهُمْ وَأَبَاهُ أَشْهَبُ وَهُوَ أَحْسَنُ، وَكُلُّ هَذَا إنْ اسْتَوَتْ مَنَازِلُهُمْ، وَاخْتُلِفَ إنْ اخْتَلَفَتْ، فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ إنْ تَرَكَ ابْنَةً وَعَصَبَةً فَقَالَ الْعَصَبَةُ عَمْدًا وَالِابْنَةُ خَطَأً سَقَطَ دَمُهُ وَلَا قَسَامَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَمْدًا فَإِنَّمَا ذَلِكَ لِلْعَصَبَةِ، وَلَمْ يُثْبِتْ لَهُمْ ذَلِكَ الْمَيِّتُ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَإِنَّمَا فِيهِ الدِّيَةُ وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ كَانَ خَطَأً وَيُقْسِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَا قَتَلَهُ عَمْدًا وَيُحْرِزُ دَمَهُ. مُحَمَّدٌ إنْ ادَّعَى الْعَصَبَةُ كُلُّهُمْ الْعَمْدَ فَلَا يُنْظَرُ إلَى قَوْلِ وَرَثَتِهِ مِنْ النِّسَاءِ إذْ لَا عَفْوَ لَهُنَّ مَعَ الرِّجَالِ، وَإِنْ قَالَ الْعَصَبَةُ كُلُّهُمْ خَطَأً وَقَالَ النِّسَاءُ عَمْدًا أَقْسَمَ الْعَصَبَةُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَثَبَتَ حَظُّهُمْ مِنْ الدِّيَةِ. الْخَرَشِيُّ وَإِنْ نَكَلَ بَعْضُ مُدَّعِي الْخَطَأِ فَلِمُدَّعِي الْعَمْدِ الدُّخُولُ فِي حِصَّةِ مَنْ حَلَفَ. عب وَبِهِ جَزَمَ الْفِيشِيُّ مِنْ غَيْرِ عَزْوٍ، وَتَبِعَهُ بَعْضُهُمْ، وَرُبَّمَا يَقْتَضِيهِ التَّعْلِيلُ بِالتَّبَعِيَّةِ لِحَلِفِ ذِي الْخَطَأِ وَذَكَرَ مِثَالًا آخَرَ لِلَوْثٍ فَقَالَ (وَكَ) شَهَادَةِ (شَاهِدَيْنِ) عَلَى شَخْصٍ غَيْرِ حَرْبِيٍّ (بِمُعَايَنَةِ جُرْحٍ أَوْ ضَرْبٍ) لِمُسْلِمٍ حُرٍّ جُرْحًا أَوْ ضَرْبًا (مُطْلَقًا) عَنْ تَقْيِيدِهِ بِعَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ
[ ٩ / ١٦٧ ]
أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَقْتُولِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً ثُمَّ يَتَأَخَّرُ الْمَوْتُ يُقْسِمُ: لِمَنْ ضَرَبَهُ مَاتَ
أَوْ بِشَاهِدٍ بِذَلِكَ مُطْلَقًا، إنْ ثَبَتَ الْمَوْتُ
_________________
(١) [منح الجليل] أَوْ) شَهَادَتِهِمَا بِ (إقْرَارِ) الشَّخْصِ (الْمَقْتُولِ) بِأَنَّ فُلَانًا جَرَحَهُ أَوْ ضَرَبَهُ (عَمْدًا أَوْ خَطَأً) وَبِهِ أَثَرُ الْجُرْحِ أَوْ الضَّرْبِ (ثُمَّ يَتَأَخَّرُ الْمَوْتُ) عَنْ مُعَايَنَةِ الْجُرْحِ أَوْ الْقَتْلِ أَوْ عَنْ إقْرَارِهِ بِهِ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ وَلَوْ أَكَلَ وَشَرِبَ فَ (يُقْسِمُ) أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ (لِمَنْ جَرَحَهُ) أَوْ ضَرَبَهُ (مَاتَ) وَهَذَا فِي الشَّهَادَةِ بِمُعَايَنَةِ الضَّرْبِ وَالْقَتْلِ، وَأَمَّا فِي الشَّهَادَةِ بِالْإِقْرَارِ بِأَحَدِهِمَا فَيُقْسِمُونَ لَقَدْ جَرَحَهُ أَوْ ضَرَبَهُ وَلِمَنْ جَرَحَهُ أَوْ ضَرَبَهُ مَاتَ، وَيَقْتَصُّونَ فِي الْعَمْدِ وَيَأْخُذُونَ فِي الْخَطَأِ، فَإِنْ لَمْ يَتَأَخَّرْ مَوْتُهُ فَفِي مُعَايَنَةِ الْجُرْحِ أَوْ الضَّرْبِ لَا قَسَامَةَ، وَلَهُمْ الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةِ فِي الْخَطَأِ. وَفِي الْإِقْرَارِ يُقْسِمُونَ وَيَقْتَصُّونَ فِي الْعَمْدِ وَيَأْخُذُونَ فِي الْخَطَأِ الدِّيَةَ، فَفِي الْمَفْهُومِ تَفْصِيلٌ. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ حَارِثٍ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ فُلَانًا جَرَحَ فُلَانًا أَوْ ضَرَبَهُ وَعَاشَ الْمَجْرُوحُ أَوْ الْمَضْرُوبُ وَأَكَلَ وَشَرِبَ ثُمَّ مَاتَ أَنَّ لِوَرَثَتِهِ أَنْ يُقْسِمُوا وَيَسْتَحِقُّوا دَمَهُ مَا لَمْ يُنْفِذْ الْجُرْحُ مَقْتَلَهُ، فَإِنْ أَنْفَذَهُ فَلَا قَسَامَةَ وَذَكَرَ مِثَالًا آخَرَ لِلَّوْثِ شَامِلًا لِصُوَرٍ فَقَالَ (أَوْ) شَهَادَةِ (شَاهِدٍ بِ) مُعَايَنَةِ (ذَلِكَ) أَيْ الْجُرْحِ أَوْ الضَّرْبِ لِمُسْلِمٍ حُرٍّ (مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَعَاشَ بَعْدَهُ وَلَوْ أَكَلَ وَشَرِبَ وَتَكَلَّمَ هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ وَإِنْ لَمْ يُنْفِذْ مَقْتَلَهُ وَشَهِدَ وَاحِدٌ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ لِوَارِثِهِ الْقَسَامَةُ، وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا قَسَامَةَ فِيهِ. سَحْنُونٌ هَذَا أَصْلٌ تَنَازَعَهُ الرُّوَاةُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُقْسَمُ بِهِ وَأَنْ يُقْسَمَ بِهِ أَحَقُّ. قُلْت مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ هُوَ سَمَاعُ يَحْيَى ابْنَ الْقَاسِمِ. ابْنُ رُشْدٍ هَذَا خِلَافُ نَصِّ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ (إنْ ثَبَتَ الْمَوْتُ) شَرْطٌ فِي الْقَسَامَةِ فِي هَذِهِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا قَسَامَةَ قَبْلَ ثُبُوتِهِ فِيهِمَا لِاحْتِمَالِ حَيَاتِهِ وَلَا قَسَامَةَ فِي حَيٍّ، وَنُسْخَةُ الْبِسَاطِيِّ اللَّوْثُ بَدَلَ الْمَوْتِ، فَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ الْقَسَامَةِ أَفَادَهُ تت. طفي لَا خُصُوصِيَّةَ لِلَّتِي قَبْلَهَا، بَلْ يُرْجَعُ لِجَمِيعِ صُوَرِ اللَّوْثِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ، ثُمَّ إنَّ هَذَا الشَّرْطَ غَيْرُ ضَرُورِيِّ الذِّكْرِ، إذْ مَعْلُومٌ أَنَّ الْقَسَامَةَ لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ
[ ٩ / ١٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [منح الجليل] الْمَوْتِ، فَلِذَا جَعَلْنَاهُ عَامًّا فِي جَمِيعِ صُوَرِ اللَّوْثِ، وَخَصَّهُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِهَذِهِ وَبِقَوْلِهِ بَعْدَ وَكَالْعَدْلِ فَقَطْ فِي مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ، فَلَوْ جَمَعَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَذَكَرَ الشُّرُوطَ كَقَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَفِي الْعَدْلِ بِالْجُرْحِ أَوْ الضَّرْبِ أَوْ بِمُعَايَنَةِ الْقَتْلِ دُونَ ثُبُوتِ الْمَوْتِ لِلْقَتِيلِ قَوْلَانِ، وَيَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ فَقَطْ فَيَقُولُ وَكَالْعَدْلِ فَقَطْ فِي مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ إنْ ثَبَتَ الْمَوْتُ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، لِأَنَّهُ هُوَ الْمُخْتَلِفُ فِيهِ، فَفِي الْجَوَاهِرِ حَيْثُ شَهِدَ شَاهِدٌ عَدْلٌ عَلَى رُؤْيَةِ الْقَتْلِ وَقُلْنَا يُقْسِمُ مَعَهُ فَقَالَ مُحَمَّدٌ إنَّمَا يُقْسِمُ مَعَ شَهَادَتِهِ إذَا ثَبَتَ مُعَايَنَةٌ لِقَتِيلٍ فَشَهِدَ بِمَوْتِهِ وَجَهِلَ قَاتِلُهُ كَقِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لِأَنَّ الْمَوْتَ يُفَوِّتُ وَالْجَسَدَ لَا يُفَوِّتُ. وَقَالَ أَصْبَغُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُعَجِّلَ السُّلْطَانُ الْقَسَامَةَ فِيهِ حَتَّى يَكْشِفَ، فَلَعَلَّ أَثْبَتَ مِنْ هَذَا، فَإِذَا بَلَغَ أَقْصَى الِاسْتِينَاءُ قَضَى بِالْقَسَامَةِ مَعَ الشَّاهِدِ وَبِمَوْتِهِ، وَهَكَذَا ذَكَرَ اللَّخْمِيُّ الْخِلَافَ قَائِلًا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إنَّمَا يُقْسِمُ مَعَ شَهَادَةِ الْوَاحِدِ عَلَى مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ بَعْدَ أَنْ تَثْبُتَ مُعَايَنَةُ جَسَدِ الْقَتِيلِ فَيَشْهَدُوا لَهُ عَلَى مَوْتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ مَوْتُهُ فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ إلَّا أَنَّهُ يَحْبِسُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ، وَلَا يُعَجِّلُ بِتَحْلِيفِهِ، فَعَسَى أَنْ يَأْتِيَ بِشَاهِدٍ آخَرَ فَيَثْبُتُ مَوْتُ الْمَيِّتِ. اهـ. فَهَا هُنَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ الشَّرْطِ، وَيَفْتَرِقُ الْحُكْمُ مَعَ الشَّاهِدَيْنِ وَالشَّاهِدِ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ يَثْبُتُ بِهِمَا الْمَوْتُ فَلَا يَحْتَاجُ لِشَرْطِ ثُبُوتِهِ بِخِلَافِ الشَّاهِدِ. وَأَمَّا فِي الْجُرْحِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّاهِدِ وَالشَّاهِدَيْنِ، وَلِذَا اعْتَرَضَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ قَائِلًا كَلَامُهُ يُشْعِرُ أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ بِالضَّرْبِ أَوْ الْجُرْحِ، وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ عَلَى صِحَّةِ مَوْتِ الْمَجْرُوحِ أَوْ الْمَضْرُوبِ لَاتُّفِقَ عَلَى صِحَّةِ الْقَسَامَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّاهِدِ وَالشَّاهِدَيْنِ فِي ذَلِكَ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الشُّيُوخِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ وَفَاةُ الْمَجْرُوحِ فَتَمْكِينُ الْأَوْلِيَاءِ حِينَئِذٍ مِنْ الْقَسَامَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِقَتْلِ الْجَانِي وَتَزْوِيجُ امْرَأَةِ الْمَقْتُولِ وَقَسْمُ مَالِهِ بِشَاهِدٍ أَوْ بِشَاهِدَيْنِ بِجُرْحِهِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، إذْ يُحْتَمَلُ بَقَاءُ الْمَجْرُوحِ حَيًّا. وَأَمَّا الْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ فَأَقَرَّ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَنَقَلَ الْخِلَافَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ بَيْنَ ابْنِ الْمَوَّازِ وَأَصْبَغَ عَلَى الْإِجْمَالِ، وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى اعْتِرَاضِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَمْ يَتَنَبَّهْ إلَى أَنَّ
[ ٩ / ١٦٩ ]
أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَقْتُولِ عَمْدًا:
_________________
(١) [منح الجليل] الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ إنَّمَا هُوَ فِي الْقَتْلِ وَإِنَّهُ فِيهِ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ الشَّاهِدِ وَالشَّاهِدَيْنِ، وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ فِي مُخْتَصَرِهِ تَقْلِيدًا لِابْنِ الْحَاجِبِ، وَلِأَجْلِ مَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ جَعَلَ تت الشَّرْطَ رَاجِعًا لِهَذِهِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا وَلَمْ يَدْرِ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. وَأَمَّا نُسْخَةُ الْبِسَاطِيِّ إنْ ثَبَتَ اللَّوْثُ فَهِيَ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ، إذْ بِهَا يَسْلَمُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ مِنْ التَّعَقُّبِ وَهِيَ إشَارَةٌ لِقَوْلِهِ فِي تَوْضِيحِهِ لَا بُدَّ فِي الْمَشْهُورِ أَنْ يَحْلِفُوا يَمِينًا وَاحِدَةً لِيَثْبُتَ الضَّرْبُ وَيُقْسِمُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا لَكِنْ هَلْ تُفْرَدُ الْيَمِينُ أَوْ لَا أَوْ تُجْمَعُ مَعَ كُلِّ يَمِينٍ مِنْ الْخَمْسِينَ تَجْرِي عَلَى الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، هَلْ يُجْمَعُ بَيْنَ تَصْحِيحِ شَهَادَةِ الشُّهَّادِ وَفَصْلِ الِاسْتِحْقَاقِ أَوْ يَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ يَمِينًا مُسْتَقِلَّةً. اهـ. وَتَبِعَ فِي ذَلِكَ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَثَرِهِ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَوْ نَصِّهِ أَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى الْجُرْحِ وَالْمَوْتِ مِنْهُ فِي كُلِّ يَمِينٍ مِنْ الْخَمْسِينَ. اهـ. وَلَمَّا خَفِيَ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي فَسَّرْنَا بِهِ اللَّوْثَ عَلَى تت قَالَ هُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ الْقَسَامَةِ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّ مَسَائِلَ الْقَسَامَةِ هِيَ اللَّوْثُ فَيَلْزَمُ شَرْطُ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ (أَوْ) شَهَادَةُ شَاهِدٍ وَاحِدٍ (بِإِقْرَارِ الْمَقْتُولِ) بِأَنَّ فُلَانًا جَرَحَهُ أَوْ ضَرَبَهُ (عَمْدًا) لِأَنَّ الدَّمَ يُعْمَلُ فِيهِ بِاللَّوْثِ وَالْعَمْدُ لَوْثٌ مَحْضٌ، بِخِلَافِ الْخَطَأِ فَإِنَّهُ جَارٍ مَجْرَى الشَّهَادَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ بِالدِّيَةِ، وَلَا يُنْقَلُ عَنْ الشَّاهِدِ إلَّا اثْنَانِ قَالَهُ أَشْهَبُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَفَادَهُ تت. الْخَرَشِيُّ أَيْ وَكَذَلِكَ تَكُونُ شَهَادَةُ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ عَلَى إقْرَارِ الْمَقْتُولِ أَنَّ فُلَانًا جَرَحَهُ أَوْ ضَرَبَهُ عَمْدًا لَوْثًا بَعْدَ حَلِفِ الْوُلَاةِ يَمِينًا وَاحِدَةً، وَيَسْتَحِقُّونَ الْقَوَدَ، وَيَفْتَرِقُ هَذَا الْمِثَالُ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ بِأَنَّهُ لَا يُكْتَفَى فِي هَذَا بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ عَلَى إقْرَارِ الْمَقْتُولِ بِجَرَحَنِي فُلَانٌ خَطَأً، وَلَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ فِي الْخَطَأِ، ثُمَّ قَالَ وَالْفَرْقُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْخَطَأِ جَارٍ مَجْرَى الشَّهَادَةِ لِأَنَّهُ شَاهِدٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالشَّاهِدُ لَا يَنْقُلُ عَنْهُ إلَّا اثْنَانِ، بِخِلَافِ الْعَمْدِ، فَإِنَّ الْمَنْقُولَ عَنْهُ إنَّمَا طَلَبَ حَقًّا لِنَفْسِهِ وَهُوَ الْقِصَاصُ. وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى قَوْلِهِ قَتَلَنِي فُلَانٌ فَنَصُّ الرِّوَايَةِ فِيهَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ
[ ٩ / ١٧٠ ]
كَإِقْرَارِهِ مَعَ شَاهِدٍ مُطْلَقًا
_________________
(١) [منح الجليل] وَابْنِ عَرَفَةَ. الْعَدَوِيُّ قَوْلُهُ وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى قَوْلِهِ قَتَلَنِي مَفْهُومُ قَوْلِهِ فِي الْحِلِّ جَرَحَهُ أَوْ ضَرَبَهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْقَتْلَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ أَمَّا الْجُرْحُ فَيَثْبُتُ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ - ﵁ - بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي الْعَمْدِ، وَهِيَ إحْدَى الْمُسْتَحْسَنَاتِ، وَفِي الْخَطَأِ يَئُولُ إلَى الْمَالِ. وَشَبَّهَ فِي اللَّوْثِ الْمُوجِبِ لِلْقَسَامَةِ فَقَالَ (كَ) شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ بِ (إقْرَارِهِ) أَيْ الْمَفْتُونِ بِأَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً (مَعَ) شَهَادَةِ (شَاهِدٍ) بِمُعَايَنَةٍ قَتَلَهُ فُلَانٌ قَتْلًا (مُطْلَقًا) عَنْ التَّقْيِيدِ بِعَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ فَيُقْسِمُ الْأَوْلِيَاءُ وَيَقْتَصُّونَ فِي الْعَمْدِ وَيَأْخُذُونَ الدِّيَةَ فِي الْخَطَأِ. تت هَذَا كَقَوْلِهَا وَلَوْ قَالَ الْمَقْتُولُ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ وَشَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّهُ قَتَلَهُ لَمْ يُجْتَزَ بِذَلِكَ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْقَسَامَةِ. " ق " هَذَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِقَوْلِهِ بَعْدُ وَوَجَبَتْ وَإِنْ تَعَدَّدَ اللَّوْثُ، وَلَكِنْ أَتَى بِهِ لِاعْتِنَائِهِ بِنَقْلِ النُّصُوصِ. الْخَرَشِيُّ الْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ لَوْثٌ، فِيمَا سَيَأْتِي أَنَّ تَعَدُّدَهُ لَا يُغْنِي عَنْ الْقَسَامَةِ فَلَا تَكْرَارَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَرَضُ بِإِغْنَاءِ الْمُتَأَخِّرِ عَنْ الْمُتَقَدِّمِ الْبُنَانِيُّ أَنْوَاعُ اللَّوْثِ خَمْسَةٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، أَحَدُهَا إقْرَارُ الْمَقْتُولِ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ، وَاخْتُلِفَ هَلْ لَا بُدَّ فِي ثُبُوتِهِ مِنْ شَاهِدَيْنِ مُطْلَقًا فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، أَوْ يَكْفِي فِيهِ شَاهِدٌ مُطْلَقًا، أَكْثَرُ الْأَنْقَالِ عَلَى الْأَوَّلِ. الثَّانِي: إقْرَارُ الْمَقْتُولِ أَنَّ فُلَانًا جَرَحَهُ أَوْ ضَرَبَهُ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ إنْ ثَبَتَ بِالشَّاهِدَيْنِ فَهُوَ لَوْثٌ مُطْلَقًا، وَإِنْ ثَبَتَ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ فَهُوَ لَوْثٌ فِي الْعَمْدِ لَا فِي الْخَطَأِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ هَذِهِ التَّفْرِقَةَ لَمْ يَقُلْ بِهَا أَحَدٌ، إنَّمَا فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ التَّوَقُّفُ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ مُطْلَقًا وَالِاكْتِفَاءُ بِالشَّاهِدِ مُطْلَقًا، كَمَا فِي الْأَوَّلِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا يُقَالُ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِقْرَارِ بِأَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ حَيْثُ قَالُوا لَا يَكْفِي فِيهِ إلَّا الشَّاهِدَانِ، وَبَيْنَ الْإِقْرَارِ بِأَنَّهُ جَرَحَهُ فَيَكْفِي فِيهِ الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ فِي الْعَمْدِ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ. وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ مَنْ قَالَ فِي الْإِقْرَارِ بِالْجُرْحِ يَكْفِي الشَّاهِدُ قَالَ بِهِ فِي الْإِقْرَارِ بِالْقَتْلِ، وَمَنْ قَالَ لَا يَكْفِي الشَّاهِدُ فِي الْإِقْرَارِ بِالْقَتْلِ قَالَهُ فِي الْأَوَّلِ، فَلَا مَحَلَّ لِطَلَبِ الْفَرْقِ ذَكَرَهُ الْمِسْنَاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. النَّوْعُ الثَّالِثُ: ثُبُوتُ الْجُرْحِ بِشَاهِدَيْنِ أَوْ شَاهِدٍ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ
[ ٩ / ١٧١ ]
أَوْ إقْرَارِ الْقَاتِلِ فِي الْخَطَإِ فَقَطْ بِشَاهِدٍ
وَإِنْ اخْتَلَفَ شَاهِدَاهُ: بَطَلَ
وَكَالْعَدْلِ فَقَطْ فِي مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ
_________________
(١) [منح الجليل] وَكَشَاهِدَيْنِ بِجُرْحٍ أَوْ ضَرْبٍ مَعَ قَوْلِهِ أَوْ شَاهِدٍ بِذَلِكَ. الرَّابِعُ: ثُبُوتُ إقْرَارِ الْقَاتِلِ فِي الْعَمْدِ بِشَاهِدٍ، وَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَإِقْرَارُ الْقَاتِلِ فِي الْعَمْدِ بِشَاهِدٍ. الْخَامِسُ: ثُبُوتُ الْقَتْلِ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ وَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَكَالْعَبْدِ إلَخْ (أَوْ) شَهَادَةٍ بِ (إقْرَارِ الْقَاتِلِ)؛ بِالْقَتْلِ فَهُوَ لَوْثٌ (فِي الْخَطَأِ فَقَطْ) أَيْ لَا فِي الْعَمْدِ (بِشَاهِدٍ) فَيُقْسِمُ الْأَوْلِيَاءُ مَعَهُ، وَيَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ فِي مَالِ الْمُقِرِّ. " غ " فِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي الْعَمْدِ بَدَلَ فِي الْخَطَأِ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَأَمَّا النُّسْخَةُ الَّتِي فِيهَا فِي الْخَطَأِ فَخَطَأٌ صُرَاحٌ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا هُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ فَقَدْ بَيَّنَ الْمَسْأَلَةَ فِي رَسْمِ الْمُكَاتَبِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى، ثُمَّ حَصَلَ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا إيجَابُ الْقَسَامَةِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ عَلَى إقْرَارِ الْقَاتِلِ بِالْقَتْلِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا قَسَامَةَ فِيهِ لَا فِي الْعَمْدِ وَلَا فِي الْخَطَأِ، وَالثَّالِثُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، وَعَلَى هَذَا اقْتَصَرَ سَحْنُونٌ وَعَلَيْهِ أَصْلَحَ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، إذْ قِيلَ إنَّ إقْرَارَ الْقَاتِلِ بِالْقَتْلِ خَطَأٌ لَيْسَ بِلَوْثٍ يُوجِبُ الْقَسَامَةَ، فَكَيْفَ إذَا لَمْ يَثْبُتْ قَوْلُهُ، وَإِنَّمَا شَهِدَ بِهِ شَاهِدٌ. ابْنُ عَرَفَةَ وَأَمَّا الْقَسَامَةُ مَعَ الشَّاهِدِ عَلَى الْقَتْلِ أَوْ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الْجِرَاحِ أَوْ عَلَى قَوْلِ الْمَقْتُولِ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ فَثَابِتَةٌ فِي الْمَذْهَبِ اتِّفَاقًا (وَإِنْ اخْتَلَفَ شَاهِدَاهُ) أَيْ الْقَتْلِ بِأَنْ قَالَ أَحَدُهُمَا ذَبَحَهُ وَقَالَ الْآخَرُ حَرَقَهُ بِالنَّارِ أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا قَتَلَهُ بِسَيْفٍ وَقَالَ الْآخَرُ بِحَجَرٍ (بَطَلَ) الدَّمُ الْمَشْهُودُ بِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ فِي آخِرِ دِيَاتِهَا إنْ شَهِدَ رَجُلٌ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَ فُلَانًا بِالسَّيْفِ وَآخَرُ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِحَجَرٍ فَذَلِكَ بَاطِلٌ وَلَا يُقْسِمُ الصِّقِلِّيُّ عَنْ سَحْنُونٍ هَذَا إنْ قَامَ الْوَلِيُّ بِشَهَادَتِهِمَا مَعًا، وَإِنْ قَامَ بِشَهَادَةِ أَحَدِهِمَا فَفِيهِ الْقَسَامَةُ مَعَ ذَلِكَ الشَّاهِدِ قُلْت يَتَخَرَّجُ الْخِلَافُ فِي قِيَامِهِ بِهِمَا مِنْ الشَّاذِّ بِضَمِّ الشَّهَادَتَيْنِ الْمُخْتَلِفَتَيْنِ فِي الْفِعْلِ وَتَقَدَّمَ تَحْصِيلُهَا وَذَكَرَ مِثَالًا آخَرَ لِلَّوْثِ فَقَالَ (كَ) شَهَادَةِ (الْعَدْلِ فَقَطْ) أَيْ لَا غَيْرِ الْعَدْلِ (فِي مُعَايَنَةِ
[ ٩ / ١٧٢ ]
أَوْ رَآهُ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ، وَالْمُتَّهَمُ قُرْبَهُ بِهِ وَعَلَيْهِ آثَارُهُ
_________________
(١) [منح الجليل] الْقَتْلِ) لِلْحُرِّ الْمُسْلِمِ فَإِنَّهُ لَوْثٌ فَيُقْسِمُ الْأَوْلِيَاءُ مَعَهُ وَيَسْتَحِقُّونَ الدَّمَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ. وَأَمَّا شَهَادَةُ غَيْرِ الْعَدْلِ كَالْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ وَالْكَافِرِ فَلَيْسَتْ لَوْثًا عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ - ﵁ - بِلَا خِلَافٍ أَفَادَهُ تت. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ حَارِثٍ الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ الْعَدْلُ لَوْثٌ اتِّفَاقًا، وَاَلَّذِي لَيْسَ بِعَدْلٍ ابْنِ الْقَاسِمِ لَيْسَ بِلَوْثٍ، وَسَمِعَ أَشْهَبُ أَنَّهُ لَوْثٌ. ابْنُ رُشْدٍ مَعْنَاهُ فِي مَجْهُولِ الْحَالِ الَّذِي لَا يُتَوَهَّمُ جَرْحُهُ وَلَا عَدَالَتُهُ، إذْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ يَحْمِلُ الرَّجُلَ عَلَى الْعَدَالَةِ حَتَّى تُعْلَمَ جَرْحَتُهُ. أَمَّا الَّذِي تُتَوَهَّمُ فِيهِ الْجَرْحَةُ فَلَيْسَ بِلَوْثٍ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي هَذَا السَّمَاعِ، لِقَوْلِهِ بَعْدَ هَذَا لَيْسَ الْعَبْدُ لَوْثًا يُرِيدُ، وَلَوْ كَانَ عَدْلًا وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ عَلَى هَذَا السَّمَاعِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ أَبُو عُمَرَ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْوَاحِدَ لَوْثٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا ضَعِيفٌ لَا يُعْمَلُ بِهِ وَلَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ. طفي قَوْلُ تت لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ هَذَا فِي الصَّبِيِّ وَالذِّمِّيِّ فَقَطْ. ابْنُ الْمَوَّازِ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابُهُ فِي الصَّبِيِّ وَالذِّمِّيِّ أَنَّهُ لَيْسَ بِلَوْثٍ. وَنَقَلَ عَبْدُ الْوَهَّابِ أَنَّ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ - ﵁ - مَنْ جَعَلَ شَهَادَةَ الْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ لَوْثًا، وَأَمَّا غَيْرُ الْعَدْلِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ. ابْنُ الْحَاجِبِ قِيلَ وَالْوَاحِدُ غَيْرُ الْعَدْلِ. (أَوْ رَآهُ) أَيْ الْعَدْلُ الْمَقْتُولَ (يَتَشَحَّطُ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَالْفَوْقِيَّةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مُشَدَّدَةً فَطَاءٍ مُهْمَلَةٍ أَيْ يَتَحَرَّك (فِي دَمِهِ وَ) الشَّخْصُ (الْمُتَّهَمُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ مُثَقَّلَةً وَالْهَاءُ يَقْتُلُهُ (بِقُرْبِهِ) أَيْ الْمَقْتُولِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْمُتَّهَمِ (آثَارُهُ) أَيْ الْقَتْلِ كَسَيْفٍ مُلَطَّخٍ بِدَمٍ بِيَدِهِ. طفي الْفَاعِلُ بِرَأْيِ الْعَدْلُ وَلَا خُصُوصِيَّةَ لَهُ، بَلْ كَذَلِكَ عَدْلَانِ أَوْ أَكْثَرُ، إذْ لَيْسَ مُوجِبُ الْقَسَامَةِ انْفِرَادُ الْعَدْلِ كَمَا تُوهِمُهُ عِبَارَتُهُ، بَلْ قُوَّةُ التُّهْمَةِ وَعَدَمُ التَّحَقُّقِ. ابْنُ عَرَفَةَ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ اللَّوْثُ الشَّهَادَةُ غَيْرُ الْقَاطِعَةِ مِنْ شَهَادَةِ النِّسَاءِ وَشِبْهِهَا، وَمِثْلَ أَنْ يُرَى الْمُتَّهَمُ بِحِذَاءِ الْمَقْتُولِ أَوْ قُرْبَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا رَأَوْهُ حِينَ أَصَابَهُ. قُلْت نَقَلَهُ الْجَلَّابُ بِلَفْظِ إنْ وُجِدَ قَتِيلٌ وَبِقُرْبِهِ رَجُلٌ مَعَهُ سَيْفٌ أَوْ بِيَدِهِ شَيْءٌ مِنْ آلَةِ الْقَتْلِ أَوْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ دَمِ الْمَقْتُولِ أَوْ عَلَيْهِ أَثَرُ الْقَتْلِ فَهُوَ لَوْثٌ يَجِبُ الْقَسَامَةُ. اهـ. كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ، وَتَبِعَ
[ ٩ / ١٧٣ ]
وَوَجَبَتْ، وَإِنْ تَعَدَّدَ اللَّوْثُ
وَلَيْسَ مِنْهُ وُجُودُهُ بِقَرْيَةِ قَوْمٍ، أَوْ دَارِهِمْ
وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ قَتَلَ وَدَخَلَ فِي جَمَاعَةٍ: اُسْتُحْلِفَ كُلٌّ خَمْسِينَ،
_________________
(١) [منح الجليل] الْمُصَنِّفُ ابْنَ شَاسٍ وَابْنَ الْحَاجِبِ فِي فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْعَدْلِ. (وَوَجَبَتْ) قَسَامَةُ الْأَوْلِيَاءِ فِي مَسَائِلِ اللَّوْثِ إنْ اتَّحَدَ، بَلْ (وَإِنْ تَعَدَّدَ اللَّوْثُ) كَشَاهِدَةِ شَاهِدَيْنِ عَلَى قَوْلِ الْمَقْتُولِ قَتَلَنِي فُلَانٌ وَشَهَادَةِ شَاهِدٍ آخَرَ أَنَّهُ رَآهُ يَقْتُلُهُ وَأَفَادَ بِالْمُبَالَغَةِ أَنَّ تَعَدُّدَ اللَّوْثِ لَا يُغْنِي عَنْ الْقَسَامَةِ. طفي مَثَّلَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَبِهِ قَرَّرَ الشَّارِحُ بِأَنَّهُ شَهِدَ شَاهِدٌ بِالْقَتْلِ وَقَالَ الْمَقْتُولُ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ وَهُوَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَإِقْرَارِهِ مَعَ شَاهِدٍ وَهُوَ نَصُّهَا، وَمَثَّلَ تت بِقَوْلِهِ كَشَاهِدٍ عَلَى الْقَتْلِ مَعَ شَاهِدٍ آخَرَ أَنَّهُ رَآهُ يَقْتُلُهُ وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا، وَمَعْنَى قَوْلِهِ شَاهِدٌ عَلَى الْقَتْلِ، أَيْ عَلَى إقْرَارِ الْقَاتِلِ وَهُوَ جَارٍ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ عَدَمِ تَلْفِيقِ الشَّهَادَةِ بِالْفِعْلِ لِلشَّهَادَةِ بِالْقَوْلِ فَفِيهَا لَوْ شَهِدَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَ فُلَانًا خَطَأً وَشَهِدَ آخَرُ عَلَى إقْرَارِ الْقَاتِلِ بِذَلِكَ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ بِذَلِكَ شَيْءٌ إلَّا فِي الْقَسَامَةِ. اللَّخْمِيُّ لَا تُضَمُّ الشَّهَادَتَانِ (وَلَيْسَ مِنْهُ) أَيْ اللَّوْثِ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ - ﵁ - وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ - ﵃ - (وُجُودُهُ) أَيْ الْمَقْتُولِ مَرْمِيًّا (بِقَرْيَةِ قَوْمٍ أَوْ دَارِهِمْ) لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ مَنْ قَتَلَهُ لَا يَتْرُكُهُ بِمَوْضِعٍ يُوجِبُ وُجُودُهُ بِهِ اتِّهَامَهُ بِقَتْلِهِ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ عِرَاقِيُّونَ إلَى أَنَّهُ لَوْثٌ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا إنْ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي قَرْيَةِ قَوْمٍ أَوْ دَارِهِمْ وَلَا يَدْرُونَ مَنْ قَتَلَهُ فَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ أَحَدٌ، وَتَبْطُلُ دِيَتُهُ، وَلَا يَكُونُ فِي بَيْتِ مَالٍ وَلَا غَيْرِهِ فِي الْمَجْمُوعَةِ لِأَنَّهُ لَوْ أُخِذَ بِذَلِكَ لَمْ يُرِدْ أَحَدٌ أَنْ يُلَطِّخَ قَوْمًا بِذَلِكَ إلَّا فَعَلَهُ. الصِّقِلِّيُّ يُرِيدُ إنْ لَمْ يُوجَدْ مَعَهُ أَحَدٌ وَلَوْ وُجِدَ فِي دَارٍ وَمَعَهُ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ أَثَرُ قَتْلِهِ قُتِلَ بِهِ مَعَ الْقَسَامَةِ. ابْنُ رُشْدٍ لَوْ وَقَعَ مِثْلُ قَضِيَّةِ حُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ فِي زَمَانِنَا لَوَجَبَ الْحُكْمُ وَلَمْ يَصِحَّ أَنْ يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ. (وَلَوْ شُهِدَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ عَلَى شَخْصٍ (أَنَّهُ قَتَلَ) حُرًّا مُسْلِمًا عَمْدًا (وَدَخَلَ) الْقَاتِلُ (فِي جَمَاعَةٍ) وَلَمْ يُعْرَفْ (اُسْتُحْلِفَ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ (كُلٌّ) مِنْهُمْ (خَمْسِينَ)
[ ٩ / ١٧٤ ]
وَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ أَوْ عَلَى مَنْ نَكَلَ بِلَا قَسَامَةٍ
وَإِنْ انْفَصَلَتْ بُغَاةٌ
_________________
(١) [منح الجليل] يَمِينًا لِأَنَّ أَيْمَانَ الدَّمِ لَا تَكُونُ إلَّا خَمْسِينَ وَالْقَاتِلُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَيَحْتَمِلُ كُلُّ وَاحِدٍ أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلَ (وَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ) فِي أَمْوَالِهِمْ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ بِلَا قَسَامَةٍ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ شَهِدَتْ بِالْقَتْلِ، وَكَانَ الْغُرْمُ عَلَى جَمِيعِهِمْ لِلْقَطْعِ بِكَذِبِ أَحَدِهِمْ وَهُوَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ. (أَوْ) حَلَفَ بَعْضُهُمْ وَنَكَلَ بَاقِيهِمْ فَالدِّيَةُ (عَلَى مَنْ نَكَلَ) مِنْهُمْ (بِلَا قَسَامَةٍ) وَلَا شَيْءَ عَلَى مَنْ حَلَفَ وَلَمْ يُحْتَجْ هُنَا لِيَمِينِ الْمُدَّعِي مَعَ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا هِيَ الْقَاعِدَةُ لِثُبُوتِ الْقَتْلِ بِالْبَيِّنَةِ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ الْأَيْمَانُ لِرَفْعِ الِاحْتِمَالِ، وَلَا يُقْتَلُ النَّاكِلُ لِعَدَمِ الْقَطْعِ بِصِدْقِ الْحَالِفِ سَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ مَنْ قَتَلَ إنْسَانًا وَسَطَ النَّاسِ فَاتَّبَعُوهُ وَهُوَ هَارِبٌ فَاقْتَحَمَ بَيْتًا فَدَخَلُوا الْبَيْتَ بِإِثْرِهِ، فَإِذَا فِيهِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ لَا يُدْرَى أَيُّهُمْ هُوَ إنْ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا مَا قَتَلَهُ فَالْعَقْلُ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمْ فَالْعَقْلُ عَلَيْهِ. قِيلَ الدِّيَةُ عَلَيْهِمْ بِقَسَامَةٍ أَوْ دُونَهَا، وَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمْ أَيُقْسِمُ عَلَيْهِ أَمْ لَا قَالَ بَلْ الدِّيَةُ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ قَسَامَةٍ. ابْنُ رُشْدٍ حَلَفُوا كُلُّهُمْ أَوْ نَكَلُوا كُلُّهُمْ فَالدِّيَةُ عَلَى جَمِيعِهِمْ، وَإِنْ نَكَلَ بَعْضُهُمْ فَهِيَ عَلَى مَنْ نَكَلَ وَاحِدًا كَانَ أَوْ أَكْثَرَ، وَلَا يَمِينَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ وَإِيجَابُ الْقَسَامَةِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ هُوَ عَلَى أَنَّ الْمُتَّهَمَ بِالدَّمِ يُسْتَحْلَفُ خَمْسِينَ يَمِينًا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُتَّهَمٌ بِهِ، هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ وَشَهَادَةُ الْبَيِّنَةِ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ دَخَلَ فِيهِمْ وَلَا يَعْرِفُونَهُ بِعَيْنِهِ بَاطِلَةٌ. الْخَرَشِيُّ وشب هَذَا فِي الْعَمْدِ وَفِي الْخَطَأِ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ مَنْ نَكَلَ عَلَى الظَّاهِرِ، وَإِنْ شَهِدَ عَدْلٌ عَلَى قَتْلِ مَنْ دَخَلَ فِي مَحْصُورِينَ حَلَفَ الْأَوْلِيَاءُ خَمْسِينَ يَمِينًا أَنَّ وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ قَتَلَهُ وَاسْتَحَقُّوا الدِّيَةَ مِنْ جَمِيعِهِمْ إنْ حَلَفُوا أَوْ نَكَلُوا وَإِنْ نَكَلَ بَعْضُهُمْ فَمِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَإِنْ) اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِغَارَةٍ أَوْ عَدَاوَةٍ بَيْنَهُمْ (وَانْفَصَلَتْ بُغَاةٌ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَإِعْجَامِ الْغَيْنِ جَمْعُ بَاغٍ، أَيْ مُتَعَدٍّ عَلَى غَيْرِهِ خَارِجٌ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ الْعَدْلِ أَوْ لَا
[ ٩ / ١٧٥ ]
عَنْ قَتْلَى، وَلَمْ يُعْلَمْ الْقَاتِلُ؛ فَهَلْ لَا قَسَامَةَ وَلَا قَوَدَ مُطْلَقًا؟ أَوْ إنْ تَجَرَّدَ عَنْ تَدْمِيَةٍ وَشَاهِدٍ؟ أَوْ عَنْ الشَّاهِدِ فَقَطْ؟ تَأْوِيلَاتٌ.
_________________
(١) [منح الجليل] عَنْ قَتْلَى) بِفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ وَسُكُونِ التَّاءِ، جَمْعُ قَتِيلٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا (وَلَمْ يُعْلَمْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ اللَّامِ (الْقَاتِلُ) مِنْ الْفَرِيقَيْنِ (فَهَلْ لَا قَسَامَةَ) فِيهِمْ (وَلَا قَوَدَ) أَيْ قِصَاصَ وَفِيهِمْ الدِّيَةُ عَلَى الْفِئَةِ الْمُنَازِعَةِ وَإِنْ كَانُوا مِنْ الْفَرِيقَيْنِ فَدِيَتُهُمْ عَلَيْهِمَا، هَذَا هُوَ الَّذِي حَمَلَ عَلَيْهِ عِيَاضٌ وَالْأَبِيُّ قَوْلَهَا لَا قَسَامَةَ وَلَا قَوَدَ، وَهَذَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَأَبْقَاهُ بَعْضُهُمْ عَلَى ظَاهِرِهِ (مُطْلَقًا) عَنْ تَقْيِيدِهِ بِعَدَمِ قَوْلِ الْقَتْلَى دَمُنَا عِنْدَ فُلَانٍ، وَعَدَمُ قِيَامِ شَاهِدٍ بِالْقَتْلِ عَلَى مُعَيَّنٍ. (أَوْ) لَا قَسَامَةَ وَلَا قَوَدَ (إنْ تَجَرَّدَ) الْقَتْلُ (عَنْ تَدْمِيَةٍ) مِنْ الْقَتْلَى، أَيْ قَوْلِهِمْ دَمُنَا عِنْدَ فُلَانٍ أَوْ قَتَلَنَا فُلَانٌ (وَ) تَجَرَّدَ أَيْضًا (عَنْ شَاهِدٍ) عَلَى مُعَيَّنٍ بِالْقَتْلِ، فَإِنْ وُجِدَتْ تَدْمِيَةٌ أَوْ شَاهِدٌ بِالْقَتْلِ فَالْقَسَامَةُ وَالْقِصَاصُ، وَبِهَذَا فَسَّرَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَوْلَ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَقَيَّدَ فِي الْبَيَانِ الشَّاهِدَ بِكَوْنِهِ مِنْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا مِنْهُمَا فَلَوْثٌ بِلَا خِلَافٍ، كَذَا فِي ابْنِ عَرَفَةَ وَالتَّوْضِيحِ، وَالْخِلَافُ مُقَيَّدٌ أَيْضًا بِاتِّحَادِ الشَّاهِدِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، فَإِنْ شَهِدَ عَدْلَانِ فَالْقَوَدُ بِلَا خِلَافٍ. (أَوْ) لَا قَسَامَةَ وَلَا قَوَدَ إنْ تَجَرَّدَ الْقَتْلُ (عَنْ الشَّاهِدِ فَقَطْ) أَيْ لَا يُشْتَرَطُ تَجَرُّدُهُ عَنْ التَّدْمِيَةِ فَيُهْدَرُ دَمُهُ، لَوْ قَالَ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ لِأَنَّهُ كَانَ عَازِمًا عَلَى قَتْلِهِ فَلَا يُسْتَنْكَرُ كَذِبُهُ عَلَيْهِ لِيُقْتَلَ بَعْدَهُ، وَتَأَوَّلَهَا بَعْضُهُمْ بِهَذَا فِي الْجَوَابِ (تَأْوِيلَاتٌ) وَمَفْهُومُ وَلَمْ يُعْلَمْ الْقَاتِلُ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَهُوَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَصَدَّرَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِمَا فِي الْمُوَطَّإِ مِنْ أَنَّ الْعَقْلَ عَلَى كُلِّ فِرْقَةٍ لِقَتْلَى الْأُخْرَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمَا فَعَقْلُهُ عَلَيْهِمَا فِي أَمْوَالِهِمَا. الْمُصَنِّفُ وَهُوَ أَظْهَرُ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ قَتْلَى كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ مُقَابِلَتِهَا وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمَا فَيُحْتَمَلُ أَنَّ قَتْلَهُ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ
[ ٩ / ١٧٦ ]
وَإِنْ تَأَوَّلُوا: فَهَدَرٌ:
_________________
(١) [منح الجليل] مَعًا وَيُحْتَمَلُ مِنْ إحْدَاهُمَا بِلَا مُرَجِّحٍ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ الْقَاتِلُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ وَإِلَّا فَيُقْتَصُّ مِنْهُ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا لَيْسَ فِيمَنْ قُتِلَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ قَسَامَةٌ. الْجَلَّابُ إنْ اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ ثُمَّ افْتَرَقَتَا عَنْ قَتِيلٍ فَفِيهَا رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا لَا قَوَدَ فِيهِ وَدِيَتُهُ عَلَى الْفِئَةِ الَّتِي نَازَعَتْهُ إنْ كَانَ مِنْ الْفِئَةِ الْأُخْرَى، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمَا فَدِيَتُهُ عَلَيْهِمَا مَعًا، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى أَنَّ وُجُودَهُ بَيْنَهُمَا لَوْثٌ يُوجِبُ الْقَسَامَةَ لِوُلَاتِهِ فَيُقْسِمُونَ عَلَى مَنْ ادَّعَوْا قَتْلَهُ عَلَيْهِ، وَيَقْتُلُونَهُ بِهِ. وَلِابْنِ رُشْدٍ قِيلَ لَا قَسَامَةَ فِيمَنْ قُتِلَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ أَنَّهُ لَا قَسَامَةَ فِيهِ بِحَالٍ لَا بِقَوْلِ الْمَقْتُولِ وَلَا بِشَاهِدٍ عَلَى الْقَتْلِ، وَهِيَ رِوَايَةُ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا قَسَامَةَ بَيْنَهُمْ بِدَعْوَى أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ عَلَى الطَّائِفَةِ الَّتِي نَازَعَتْهُ وَلَوْ دَمَى الْقَتِيلُ عَلَى أَحَدٍ أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ وَجَبَتْ بِذَلِكَ الْقَسَامَةُ، وَهُوَ سَمَاعُ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ، وَقَوْلُ الْأَخَوَيْنِ وَأَصْبَغَ وَقَوْلُ أَشْهَبَ لِأَنَّ كَوْنَهُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ لَمْ يَزِدْ دَعْوَاهُ إلَّا قُوَّةً. ابْنُ الْمَوَّازِ وَإِلَيْهِ رَجَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَعْدَ قَوْلِهِ لَا قَسَامَةَ فِيمَنْ قُتِلَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ بِدَعْوَى الْمَقْتُولِ وَلَا بِشَاهِدٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ وَلَا بِشَاهِدٍ إذَا كَانَ الشَّاهِدُ مِنْ طَائِفَةِ الْمُدَّعِي لِأَنَّهُ لَا يُجِيزُ شَهَادَةَ أَحَدٍ مِنْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْأُخْرَى، ثُمَّ قَالَ وَأَمَّا مَعَ شَاهِدٍ مِنْ طَائِفَةِ الْقَاتِلِ فَيَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ فِي الْقَسَامَةِ بِشَاهِدٍ غَيْرِ عَدْلٍ، وَأَمَّا مَعَ شَاهِدٍ مِنْ طَائِفَةِ الْمَقْتُولِ فَلَا إشْكَالَ فِي عَدَمِ الْقَسَامَةِ مَعَهُ، وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا قَسَامَةَ فِيمَنْ قُتِلَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ بِقَوْلِ الْمَقْتُولِ وَلَا بِشَاهِدٍ عَلَى الْقَتْلِ خَطَأً لِحَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ مِنْ غَيْرِ الطَّائِفَتَيْنِ، وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ أَوْلَى مِنْ تَخْطِئَتِهِ. الْبَاجِيَّ إنْ كَانَ الْقَتِيلُ مِنْ غَيْرِ الطَّائِفَتَيْنِ أَوْ لَمْ يُعْرَفْ مِنْ أَيِّهِمَا هُوَ فَعَقْلُهُ فِي أَمْوَالِهِمَا وَرَوَاهُ مُحَمَّدٌ (وَإِنْ تَأَوَّلُوا) أَيْ الْمُتَقَاتِلُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي الْقُدُومِ عَلَى تَقَاتُلِهِمْ تَأْوِيلًا يَقْتَضِي جَوَازَ تَقَاتُلِهِمْ بِزَعْمِهِمْ (فَ) الْقَتْلَى وَالْجَرْحَى (هَدَرٌ) أَيْ لَا قِصَاصَ فِيهِمْ وَلَا دِيَةَ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ تَأَوَّلُوا أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا بَاغِيَةً وَالْأُخْرَى مُتَأَوِّلَةً لَكَانَ دَمُ الْبَاغِيَةِ هَدَرًا وَالْمُتَأَوِّلَةِ قِصَاصًا وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ. ابْنُ عَرَفَةَ مِنْ رَسْمِ الْجَوَابِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى قِيلَ لَهُ،
[ ٩ / ١٧٧ ]
كَزَاحِفَةٍ عَلَى دَافِعَةٍ
وَهِيَ خَمْسُونَ يَمِينًا
_________________
(١) [منح الجليل] فَإِنْ كَانَ الْقَتِيلُ الَّذِي وُجِدَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ إنَّمَا كَانُوا قَوْمًا يُقَاتِلُونَ عَلَى تَأْوِيلٍ، قَالَ فَلَيْسَ عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوهُ قَتْلٌ وَإِنْ عَرَفُوا وَلَا دِيَةَ وَلَيْسَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ كَغَيْرِهِمْ. ابْنُ رُشْدٍ مِثْلُهُ فِي الْأَثَرِ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ، وَمِثْلُهُ رَوَى الْأَخَوَانِ، وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ رَأَى أَنَّهُ يُقَادُ مِنْهُ وَيُقْتَصُّ مِنْهُ وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ وَعَطَاءٍ، وَالْخِلَافُ فِي الْقِصَاصِ مِنْهُ سَوَاءٌ تَابَ أَوْ أُخِذَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ وَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ الْحِرَابَةِ وَإِنْ أُخِذَ قَبْلَ أَنْ يَتُوبَ وَلَا يُؤْخَذُ عَنْهُ مَا أُخِذَ مِنْ مَالٍ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا إلَّا أَنْ يُوجَدَ شَيْءٌ بِعَيْنِهِ بِيَدِهِ فَيُرَدُّ إلَى رَبِّهِ. وَشَبَّهَ فِي الْهَدَرِ فَقَالَ (كَ) قَتْلَى طَائِفَةٍ (زَاحِفَةٍ) أَيْ مُتَعَدِّيَةٍ وَمَاشِيَةٍ لِقِتَالِ غَيْرِهَا بَغْيًا بِلَا تَأْوِيلٍ (عَلَى) طَائِفَةٍ (دَافِعَةٍ) عَنْ أَنْفُسِهَا وَحَرِيمِهَا وَأَمْوَالِهَا فَقَتْلَى الزَّاحِفَةِ هَدَرٌ إنْ لَمْ يُمْكِنْ دَفْعُهَا بِغَيْرِ الْقَتْلِ كَالْمُنَاشَدَةِ وَالرَّفْعِ لِلْحَاكِمِ وَإِلَّا فَفِيهَا الْقِصَاصُ وَقَتْلَى الدَّافِعَةِ فِيهَا الْقِصَاصُ، وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ مِنْ طَائِفَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَتَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ غَلَطًا فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ لِأَنَّهُ خَطَأٌ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ. ابْنُ عَرَفَةَ لَوْ مَشَتْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إلَى الْأُخْرَى بِالسِّلَاحِ إلَى مَنَازِلِهِمْ فَقَاتَلُوهُمْ ضَمِنَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ مَا أَصَابَتْ مِنْ الْأُخْرَى رَوَاهُ مُحَمَّدٌ وَابْنُ عَبْدُوسٍ، قَالَ وَلَا تَبْطُلُ دِمَاءُ الزَّاحِفَةِ لِأَنَّ الْمَزْحُوفَ عَلَيْهِمْ لَوْ شَاءُوا لَمْ يَقْتُلُوهُمْ وَاسْتَرَدُّوا لِلسُّلْطَانِ. قَالَ غَيْرُهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ هَذَا إنْ أَمْكَنَ السُّلْطَانُ أَنْ يَحْجِزَ بَيْنَهُمْ، فَإِنْ عَاجَلُوهُمْ نَاشَدُوهُمْ اللَّهَ تَعَالَى، فَإِنْ أَبَوْا فَالسَّيْفُ وَنَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ (خَمْسُونَ يَمِينًا) فَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا، وَلَوْ كَانَ الْأَوْلِيَاءُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ فَيَحْلِفُ خَمْسُونَ مِنْهُمْ بِالْقُرْعَةِ، وَإِنَّمَا يَحْلِفُهَا بَالِغٌ عَاقِلٌ وَيَنْتَظِرُ بُلُوغَ الصَّبِيِّ، وَيُطْلَبُ الْحَلِفُ مِنْ الْعَاقِلَةِ لِاحْتِمَالِ نُكْرَانِهَا فَتَغْرَمُ الدِّيَةَ عَلَى الظَّاهِرِ، وَيُفِيدُهُ قَوْلُهُ فَيَحْلِفُ الْكَبِيرُ حِصَّتَهُ وَالصَّغِيرُ مَعَهُ أَفَادَهُ شب. الْحَطّ فِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ فِي كَيْفِيَّةِ قَسَامَةٍ قَامَ بِهَا أَبُو الْمَقْتُولِ وَأَخُوهُ بِأَنْ يُقْسِمَا خَمْسِينَ يَمِينًا تُرَدَّدُ عَلَيْهِمَا يَمِينًا يَمِينًا أَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ يَقُولُ الْأَبُ فِي يَمِينِهِ بِمُنْقَطِعِ الْحَقِّ قَائِمًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ إثْرَ صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى مَا مَضَى عَلَيْهِ عَمَلُ الْقُضَاةِ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ لَقَدْ قَتَلَ هَذَا، وَيُشِيرُ إلَى
[ ٩ / ١٧٨ ]
مُتَوَالِيَةً بَتًّا
وَإِنْ أَعْمَى، أَوْ غَائِبًا
يَحْلِفُهَا فِي الْخَطَإِ مَنْ يَرِثُ الْمَقْتُولَ، وَإِنْ وَاحِدًا، أَوْ امْرَأَةً
وَجُبِرَتْ الْيَمِينُ عَلَى أَكْثَرِ كَسْرِهَا،
_________________
(١) [منح الجليل] الْقَاتِلِ ابْنَيْ فُلَانٍ، فَالْجُرْحُ الَّذِي أَصَابَهُ بِهِ وَمَاتَ مِنْهُ عَلَى سَبِيلِ الْعَمْدِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَكَذَلِكَ يُقْسِمُ الْأَخُ إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ لَقَدْ قُتِلَ أَخِي فَإِنْ اسْتَكْمَلَا خَمْسِينَ يَمِينًا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ أُسْلِمَ الْقَاتِلُ بِرُمَّتِهِ إلَيْهِمَا فَاسْتَقَادَا مِنْهُ بِالسَّيْفِ قَتْلًا مُجْهِزًا عَلَى مَا أَحْكَمَهُ الشَّرْعُ فِي الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ (مُتَوَالِيَةً) لِأَنَّهُ أَرْهَبُ وَأَوْقَعُ فِي النَّفْسِ. ابْنُ مَرْزُوقٍ لَمْ أَقِفْ عَلَى قَيْدِ التَّوَالِي لِغَيْرِ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَالْمُصَنِّفِ (بَتًّا) أَيْ قَطْعًا الْحَطّ. وَيَعْتَمِدُونَ عَلَى الظَّنِّ الْقَوِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ إنْ كَانَ الْحَالِفُ بَصِيرًا حَاضِرًا، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (أَعْمَى أَوْ غَائِبًا) حِينَ الْقَتْلِ ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا يَمِينُ الْقَسَامَةِ عَلَى أَلْبَتِّ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ أَعْمَى أَوْ غَائِبًا حِينَ الْقَتْلِ، وَمِثْلُهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا. سَحْنُونٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ لِأَنَّ الْعِلْمَ يَحْصُلُ بِالْخَبَرِ وَالسَّمَاعِ كَمَا يَحْصُلُ بِالْمُعَايَنَةِ، وَلِأَنَّهُ - ﷺ - عَرْضَهَا عَلَى مَنْ لَمْ يَحْضُرْ الْقَتْلَ (يَحْلِفُهَا) أَيْ الْخَمْسِينَ يَمِينًا (فِي) دَعْوَى قَتْلِ (الْخَطَأِ مَنْ يَرِثُ) الْمَقْتُولَ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ مَنْ يَرِثُ أَنَّهَا تُوَزَّعُ عَلَى قَدْرِ الْمِيرَاثِ وَهُوَ كَذَلِكَ اتِّفَاقًا إنْ كَانَ مَنْ يَرِثُ مُتَعَدِّدًا، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (وَاحِدًا) وَسَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا (أَوْ امْرَأَةً) فِيهَا إنَّمَا يَحْلِفُ وُلَاةُ الدَّمِ فِي الْخَطَأِ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ مِنْ الْمَيِّتِ. اللَّخْمِيُّ وَيَحْلِفُهَا الْوَاحِدُ إنْ كَانَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلدِّيَةِ كَأَخٍ أَوْ ابْنٍ أَوْ ابْنِ عَمٍّ. ابْنُ الْحَاجِبِ يَحْلِفُ الْوَارِثُونَ الْمُكَلَّفُونَ فِي الْخَطَأِ وَاحِدًا كَانَ أَوْ جَمَاعَةً ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَفِيهَا إنْ لَمْ يَدَعْ الْمَيِّتُ إلَّا ابْنَهُ بِغَيْرِ عَصَبَةٍ حَلَفَتْ خَمْسِينَ يَمِينًا وَأَخَذَتْ نِصْفَ الدِّيَةِ. (وَ) إنْ تَعَدَّدَ مَنْ يَرِثُ وَقُسِّمَتْ الْخَمْسُونَ يَمِينًا عَلَى الْوَرَثَةِ بِحَسَبِ أَنْصِبَائِهِمْ وَانْكَسَرَتْ يَمِينٌ مِنْهَا (جُبِرَتْ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ كُمِّلَتْ الْيَمِينُ الْمُنْكَسِرَةُ (عَلَى أَكْبَرِ كَسْرِهَا) أَيْ الْيَمِينِ وَلَوْ كَانَ صَاحِبُ الْكَسْرِ الْكَبِيرِ أَقَلَّ عَدَدًا مِنْ الْأَيْمَانِ الصَّحِيحَةِ كَابْنٍ وَبِنْتٍ، فَإِذَا قُسِّمَتْ الْخَمْسُونَ عَلَى ثَلَاثَةٍ عَدَدِ الرُّءُوسِ خَصَّ الِابْنَ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ يَمِينًا وَثُلُثُ
[ ٩ / ١٧٩ ]
وَإِلَّا فَعَلَى الْجَمِيعِ
وَلَا يَأْخُذُ أَحَدٌ إلَّا بَعْدَهَا، ثُمَّ حَلَّفَ مَنْ حَضَرَ حِصَّتَهُ
_________________
(١) [منح الجليل] يَمِينٍ، وَالْبِنْتَ سِتَّ عَشْرَةَ يَمِينًا وَثُلُثَا يَمِينٍ، فَتُجْبَرُ عَلَى الثُّلُثَيْنِ فَتَحْلِفُ الْبِنْتُ سَبْعَ عَشْرَةَ يَمِينًا وَالِابْنُ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الثُّلُثُ، وَهَذَا عِنْدَ الْمُشَاحَّةِ فِي التَّكْمِيلِ. وَأَمَّا عِنْدَ التَّرَاضِي فَمَنْ شَاءَ التَّكْمِيلَ كَمَّلَ وَلَوْ قَلَّ كَسْرُهُ، هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ. وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ يُكْمِلُهَا أَكْثَرُهُمْ نَصِيبًا فَيُكْمِلُهَا الِابْنُ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ، وَقِيلَ تَكْمُلُ عَلَى كُلِّ كَسْرٍ فَيُكْمِلُهَا الِابْنُ وَالْبِنْتُ فِيهِ. ابْنُ عَرَفَةَ فَإِنْ انْكَسَرَتْ عَلَيْهِمْ يَمِينٌ بِأَجْزَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ فَفِي جَبْرِهَا عَلَى ذِي الْأَكْثَرِ مِنْهَا أَوْ مِنْ الْأَيْمَانِ، ثَالِثُهَا عَلَى كُلِّ ذِي كَسْرٍ لَهَا وَلِنَقْلِ ابْنِ رُشْدٍ غَيْرِ مَعْزُوٍّ وَمَعَ غَيْرِهِ عَنْ الْمُوَطَّإِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى خِلَافُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ بُكَيْر، وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ مَعَ كَافِي أَبِي عُمَرَ، وَقَوْلِ ابْنِ حَارِثٍ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا لَا تُجْبَرُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَتَصِيرُ الْأَيْمَانُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ يَقْتَضِي نَفْيَ الثَّالِثِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَكْبَرَ بِأَنْ اسْتَوَتْ الْكُسُورُ كَثَلَاثَةِ بَنِينَ (فَ) تُجْبَرُ (عَلَى) الْكُسُورِ (الْجَمِيعِ) فَيَحْلِفُ كُلُّ ابْنٍ سَبْعَ عَشَرَ يَمِينًا وَيَصِيرُ الْمَجْمُوعُ إحْدَى وَخَمْسِينَ يَمِينًا، فَقَوْلُهُمْ خَمْسِينَ أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ انْكِسَارُهُ وَإِلَّا فَقَدْ تَزِيدُ عَلَيْهَا يُجْبَرُ الْكُسُورُ، فَلَوْ كَانُوا ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ ابْنًا حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ يَمِينَيْنِ وَصَارَتْ سِتِّينَ فِي الْأَوَّلِ وَثَمَانِينَ فِي الثَّانِي (وَلَا يَأْخُذُ أَحَدٌ) مِنْ الْوَرَثَةِ شَيْئًا مِنْ الدِّيَةِ (إلَّا بَعْدَ) حَلِفِ جَمِيعِ (هَا) أَيْ الْخَمْسِينَ يَمِينًا إذْ لَا يَلْزَمُ الْعَاقِلَةَ شَيْءٌ مِنْ الدِّيَةِ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الدَّمِ، وَهُوَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِحَلِفِ جَمِيعِهَا، فَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ غَائِبًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا حَلَفَ الْحَاضِرُ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَأَخَذَ نَصِيبَهُ مِنْ الدِّيَةِ (ثُمَّ حَلَفَ مَنْ حَضَرَ) مِنْ غَيْبَتِهِ أَوْ بَلَغَ أَوْ عَقَلَ (حِصَّتَهُ) مِنْ الْخَمْسِينَ وَأَخَذَ نَصِيبَهُ مِنْ الدِّيَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ لَا تُسْتَحَقُّ الدِّيَةُ إلَّا بِحَلِفِ خَمْسِينَ يَمِينًا، فَلَوْ تَعَذَّرَ حَلَفَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ بِغَيْبَةٍ أَوْ صِغَرٍ فَلَا يَسْتَحِقُّ مَنْ حَضَرَ حَظَّهُ إلَّا بِحَلِفِ الْخَمْسِينَ وَمَنْ بَعْدَهُ بِقَدْرِ حَظِّهِ، وَفِيهَا إنْ لَمْ يَدَعْ الْمَيِّتُ إلَّا ابْنَةً بِغَيْرِ عَصَبَةٍ حَلَفَتْ خَمْسِينَ يَمِينًا وَأَخَذَتْ نِصْفَ الدِّيَةِ، وَإِنْ جَاءَتْ مَعَ الْعَصَبَةِ حَلَفَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا وَالْعَصَبَةُ مِثْلُهَا،
[ ٩ / ١٨٠ ]
وَإِنْ نَكَلُوا أَوْ بَعْضٌ: حَلَفَتْ الْعَاقِلَةُ فَمَنْ نَكَلَ: فَحِصَّتُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ
_________________
(١) [منح الجليل] وَإِنْ كَانَتْ بِنْتٌ وَابْنٌ غَائِبٌ فَلَا تَأْخُذُ الْبِنْتُ ثُلُثَ الدِّيَةِ حَتَّى تَحْلِفَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَإِذَا قَدِمَ الِابْنُ الْغَائِبُ حَلَفَ ثُلُثَيْ الْأَيْمَانِ وَأَخَذَ ثُلُثَيْ الدِّيَةِ، وَلَوْ رَجَعَتْ الْبِنْتُ عَنْ دَعْوَاهَا وَرَدَّتْ مَا أَخَذَتْ مِنْ الدِّيَةِ لِأَنَّ أَيْمَانَهَا الْأُولَى حُكْمٌ مَضَى، فَفِي سَمَاعِ عِيسَى مَنْ أَقْسَمَتْ خَمْسِينَ يَمِينًا وَأَخَذَتْ حَظَّهَا مِنْ الدِّيَةِ ثُمَّ نَزَعَتْ وَرَدَّتْ مَا أَخَذَتْ ثُمَّ أَتَتْ أُخْتُهَا فَتَحْلِفُ بِقَدْرِ حَظِّهَا لِأَنَّ يَمِينَ الْأُولَى حُكْمٌ مَضَى (وَإِنْ نَكَلُوا) أَيْ الْوَرَثَةُ كُلُّهُمْ عَنْ الْقَسَامَةِ (أَوْ) نَكَلَ (بَعْضٌ) مِنْهُمْ وَحَلَفَ بَعْضٌ آخَرُ رُدَّتْ الْقَسَامَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ وَ(حَلَفَتْ الْعَاقِلَةُ) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَحْلِفُ يَمِينًا وَلَوْ كَانَتْ عَشْرَةَ آلَافٍ وَالْقَاتِلُ كَأَحَدِهِمْ (فَمَنْ) حَلَفَ مِنْ الْعَاقِلَةِ سَقَطَ حَظُّهُ مِنْ الدِّيَةِ، وَمَنْ (نَكَلَ) عَنْ الْيَمِينِ (فَحِصَّتُهُ) أَيْ النَّاكِلِ الَّتِي عَلَيْهِ مِنْ الدِّيَةِ يَغْرَمُهَا لِلنَّاكِلِ مِنْ الْوَرَثَةِ (عَلَى الْأَظْهَرِ) عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ مِنْ خَمْسَةِ أَقْوَالٍ حَكَاهَا فِي الْبَيَانِ وَالْمُقَدِّمَاتِ، قَالَ وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَبْيَنُ الْأَقْوَالِ وَأَصَحُّهَا فِي النَّظَرِ. ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَالْبَيَانِ إنْ نَكَلُوا عَنْ الْأَيْمَانِ أَوْ بَعْضُهُمْ فَفِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ، الْأَوَّلُ رَدُّ الْأَيْمَانِ عَلَى الْعَاقِلَةِ يَحْلِفُونَ كُلُّهُمْ وَلَوْ كَانُوا عَشْرَةَ آلَافٍ وَالْقَاتِلُ كَأَحَدِهِمْ، فَمَنْ حَلَفَ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ نَكَلَ غَرِمَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهُوَ أَصَحُّهَا. الثَّانِي: يَحْلِفُ مِنْ الْعَاقِلَةِ خَمْسُونَ رَجُلًا يَمِينًا يَمِينًا، فَإِنْ حَلَفُوا بَرِئَتْ الْعَاقِلَةُ مِنْ الدِّيَةِ كُلِّهَا، وَإِنْ حَلَفَ بَعْضُهُمْ بَرِئَ وَلَزِمَ بَقِيَّةَ الْعَاقِلَةِ كُلِّهَا حَتَّى يُتِمُّوا خَمْسِينَ يَمِينًا، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ الثَّانِي. الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ إنْ نَكَلُوا فَلَا حَقَّ لَهُمْ، أَوْ نَكَلَ بَعْضُهُمْ فَلَا حَقَّ لَهُ وَلَا يَمِينَ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِأَنَّ الدِّيَةَ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ بَعْدُ إنَّمَا تَجِبُ بِالْفَرْضِ قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْيَمِينَ تَرْجِعُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَحْدَهُ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ، وَإِنْ نَكَلَ
[ ٩ / ١٨١ ]
وَلَا يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ: أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ عَصَبَةً، وَإِلَّا فَمَوَالِي
_________________
(١) [منح الجليل] فَلَا يَلْزَمُ الْعَاقِلَةَ شَيْءٌ بِنُكُولِهِ لِأَنَّهَا لَا تَحْمِلُ الْإِقْرَارَ وَالنُّكُولَةُ كَالْإِقْرَارِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِنُكُولِهِ شَاهِدٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ، رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ. وَالْخَامِسُ: رَدُّ الْأَيْمَانِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، فَإِنْ حَلَفَتْ بَرِئَتْ، وَإِنْ نَكَلَتْ غَرِمَتْ نِصْفَ الدِّيَةِ قَالَهُ رَبِيعَةُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي قَضَائِهِ عَلَى السَّعْدِيِّينَ. (وَلَا يَحْلِفُ) الْقَسَامَةَ (فِي) دَعْوَى قَتْلِ (الْعَمْدِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ عَصَبَةً) لِلْمَقْتُولِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ وَلَاءٍ لَهُ أَوْ لِعَاصِبِهِ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي، سَوَاءٌ وَرِثَاهُ أَمْ لَا، أَوْ وَرِثَهُ أَحَدُهَا دُونَ الْآخَرِ. الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هُوَ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا إنْ ادَّعَى الْعَمْدَ فَلَا يُقْتَلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَّا بِقَسَامَةِ رَجُلَيْنِ فَصَاعِدًا، فَإِنْ حَلَفَ مَعَهُ آخَرُ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلَهُ فِي التَّعَدُّدِ قُتِلَ وَإِلَّا رُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا بَرِئَ، وَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ. وَفِي الْمُوَطَّإِ لَا يُقْسِمُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ مِنْ الْمُدَّعِيَيْنِ إلَّا اثْنَانِ فَصَاعِدًا تُرَدَّدُ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمَا حَتَّى يَحْلِفَا خَمْسِينَ يَمِينًا قَدْ اسْتَحَقَّا، وَذَلِكَ الْأَمْرُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، وَفِيهِ الرَّجُلُ يُقْتَلُ عَمْدًا أَنَّهُ إذَا قَامَ عَصَبَةُ الْمَقْتُولِ أَوْ مَوَالِيهِ فَقَالُوا نَحْلِفُ وَنَسْتَحِقُّ دَمَ صَاحِبِنَا فَذَلِكَ لَهُمْ. ابْنُ رُشْدٍ الْأَصْلُ فِي أَنْ لَا يُقْسِمَ فِي الْعَمْدِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ عَصَبَةً قَوْلُهُ - ﷺ - «أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ» فَجَمَعَهُمْ فِي الْأَيْمَانِ وَلَمْ يُفْرَدْ الْأَخُ بِهَا دُونَ بَنِي عَمِّهِ، قُلْت قَالَ أَبُو عُمَرَ مَثَّلَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى لَمَّا كَانَ لَا يُقْتَلُ بِأَقَلَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ لَمْ يَسْتَحِقَّ دَمَهُ إلَّا بِقَسَامَةِ رَجُلَيْنِ. الْبَاجِيَّ وَغَيْرُهُ إنَّمَا يُقْسِمُ فِي الْعَمْدِ الرِّجَالُ الْأَوْلِيَاءُ وَمَنْ لَهُ تَعْصِيبٌ. (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَقْتُولِ عَصَبَةٌ مِنْ النَّسَبِ (فَ) يُقْسِمُ (مَوَالِي) أَعْلَوْنَ لِأَنَّهُمْ عَصَبَةٌ بِالْوَلَاءِ لَا أَسْفَلُونَ، لِأَنَّهُمْ غَيْرُ عَصَبَةٍ، سَمِعَ يَحْيَى ابْنَ الْقَاسِمِ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْقَتِيلِ عَمْدًا عَصَبَةٌ وَلَا وَارِثَ تُقْسِمُ الْقَبِيلَةُ الَّتِي هُوَ مِنْهَا وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالِانْتِمَاءِ إلَيْهَا يَعْقِلُ مَعَهَا وَتَعْقِلُ مَعَهُ، قَالَ لَا قَسَامَةَ لَهُمْ وَلَا لِأَحَدٍ إلَّا بِوَارِثَةٍ لِنَسَبٍ ثَابِتٍ أَوْ لِوَلَاءٍ، وَلَا يُقْسِمُ الْمَوَالِي الْأَسْفَلُونَ. ابْنُ رُشْدٍ لَمْ أَحْفَظْ اخْتِلَافًا فِي هَذَا، وَفِيهَا مَنْ لَا عِصَابَةَ لَهُ لَا قَسَامَةَ فِيهِ وَلَا
[ ٩ / ١٨٢ ]
وَلِلْوَلِيِّ: الِاسْتِعَانَةُ بِعَاصِبِهِ وَلِلْوَلِيِّ فَقَطْ حَلِفُ الْأَكْثَرِ، إنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى نِصْفِهَا
_________________
(١) [منح الجليل] يُقْتَلُ فِيهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ الصِّقِلِّيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَدَمُ مَنْ يَحْلِفُ كَنُكُولِ الْأَوْلِيَاءِ فِي رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْقَاتِلِ (وَلِ) جِنْسِ (الْوَلِيِّ) الصَّادِقِ بِوَاحِدٍ فَأَكْثَرَ (الِاسْتِعَانَةُ) عَلَى الْقَسَامَةِ (بِعَاصِبِهِ) أَيْ الْوَلِيِّ وَلَوْ أَجْنَبِيًّا مِنْ الْمَقْتُولِ، كَمَا إذَا قُتِلَتْ مُتَزَوِّجَةٌ بِأَجْنَبِيٍّ مِنْهَا عَنْ ابْنِهَا فَلَهُ الِاسْتِعَانَةُ بِأَبِيهِ وَعَمِّهِ وَأَخِيهِ مِنْ أَبِيهِ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْوَاحِدِ وَجَائِزَةٌ لِلْأَكْثَرِ وَعَاصِبُهُ يَعُمُّ الْوَاحِدَ وَالْأَكْثَرَ بِإِضَافَتِهِ لِلضَّمِيرِ ابْنُ شَاسٍ إنْ كَانَ الْوَلِيُّ وَاحِدًا اسْتَعَانَ بِبَعْضِ عَصَبَتِهِ وَيَجْتَزِئُ فِي الْإِعَانَةِ بِوَاحِدٍ. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ رُشْدٍ إنْ كَانَ الْوَلِيُّ الَّذِي لَهُ الْعَفْوُ رَجُلًا وَاحِدًا فَلَا يَسْتَحِقُّهُ بِقَسَامَةٍ إلَّا أَنْ يَجِدَ مِنْ عَصَبَتِهِ أَوْ عَشِيرَتِهِ مَنْ يُقْسِمُ مَعَهُ مِمَّنْ يَلْقَاهُ إلَى أَبٍ مَعْرُوفٍ، فَإِنْ وَجَدَ رَجُلًا وَاحِدًا حَلَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَمِينًا، وَإِنْ وَجَدَ أَكْثَرَ مِنْ رَجُلٍ قُسِّمَتْ الْأَيْمَانُ عَلَى عَدَدِهِمْ. (وَلِلْوَلِيِّ فَقَطْ) أَيْ لَا لِعَاصِبِهِ الْمُعَيَّنِ لَهُ (حَلِفُ الْأَكْثَرِ) مِنْ الْأَيْمَانِ الَّتِي خَصَّتْهُ مِنْ قِسْمَةِ الْخَمْسِينَ يَمِينًا عَلَيْهِ وَعَلَى مُعِينِيهِ (إنْ لَمْ تَزِدْ) الْأَكْثَرُ الَّذِي أَرَادَ الْوَلِيُّ حَلِفَهُ (عَلَى نِصْفِهَا) أَيْ الْقَسَامَةِ وَهُوَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ يَمِينًا. ابْنُ رُشْدٍ فَإِنْ رَضُوا، أَيْ الْمُعِينُونَ بِحَمْلِ أَكْثَرِ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فَلَا يَجُوزُ، وَإِنْ رَضِيَ هُوَ أَيْ الْمُسْتَعِينُ بِحَمْلِ أَكْثَرِ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ يَمِينًا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ رُشْدٍ إنْ كَانَ أَوْلِيَاءُ الدَّمِ رَجُلَيْنِ فَلَهُمَا أَنْ يَسْتَعِينَا بِغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَوْلِيَاءِ الَّذِينَ هُمْ دُونَهُمْ فِي الْمَرْتَبَةِ، وَتُقَسَّمُ الْأَيْمَانُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِهِمْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْمِلَ الْمُسْتَعَانُ بِهِمْ أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ رَضِيَ الْوَلِيَّانِ أَنْ يَحْلِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ جَازَ، وَجَازَ أَنْ يَحْلِفَ بَعْضُ الْمُسْتَعَانِ بِهِمْ أَكْثَرَ مِنْ بَعْضِ، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَمِينًا ثُمَّ وَجَدَ صَاحِبُهُ مُعِينًا فَالْأَيْمَانُ الَّتِي حَلَفَهَا الْمُسْتَعَانُ بِهِ لَا تُحْسَبُ لِلْمُسْتَعِينِ وَحْدَهُ، بَلْ تُقَسَّمُ عَلَى الْوَلِيَّيْنِ، فَإِنْ لَمْ تُقَسَّمْ بَيْنَهُمَا وَحُسِبَتْ كُلُّهَا لِلْمُسْتَعِينِ فَيَحْلِفُ مَا بَقِيَ مِنْ الْخَمْسَةِ وَالْعِشْرِينَ
[ ٩ / ١٨٣ ]
وَوُزِّعَتْ، وَاجْتُزِئَ بِاثْنَيْنِ طَاعَا مِنْ أَكْثَرَ
وَنُكُولُ الْمُعِينِ: غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَلَوْ بَعُدُوا:
_________________
(١) [منح الجليل] يَمِينًا يُزَادُ عَلَيْهِ حَتَّى يُكْمِلَ نِصْفَ مَا بَقِيَ مِنْ الْخَمْسِينَ يَمِينًا بَعْدَ الْأَيْمَانِ الَّتِي حَلَفَهَا الْمُسْتَعِينُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ حَلَفَ مَا هُوَ لِمَنْ يُعِينُهُ وَرَأَى أَنْ يَحْلِفَ بِغَيْرِ مُعِينٍ فَلَا يُزَادُ شَيْءٌ مِنْ الْأَيْمَانِ عَلَى الْمُسْتَعِينِ، وَتَكُونُ الْأَيْمَانُ الَّتِي حَلَفَهَا الْمُسْتَعَانُ بِهِ مَحْسُوبَةً لَهُ لَا تُقَسَّمُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ قَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ. (وَوُزِّعَتْ) بِضَمِّ الْوَاوِ وَكَسْرِ الزَّاي، أَيْ قُسِّمَتْ الْقَسَامَةُ فِي الْعَمْدِ عَلَى مُسْتَحَقِّي الدَّمِ إنْ كَانُوا خَمْسِينَ أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا، وَإِنْ زَادُوا عَلَى خَمْسِينَ مِنْهُمْ اُجْتُزِيَ بِحَلِفِ خَمْسِينَ وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ خِلَافُ سُنَّةِ الْقَسَامَةِ (وَاجْتُزِئَ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الزَّاي أَيْ اُكْتُفِيَ (بِ) حَلِفِ (اثْنَيْنِ طَاعَا) أَيْ تَطَوُّعًا وَرَضِيَا بِحَلِفِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا حَالَ كَوْنِهِمَا (مِنْ) مُسْتَحَقِّينَ (أَكْثَرَ) مِنْ اثْنَيْنِ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ مَا عِنْدَ غَيْرِهِمَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَا يُعَدُّ مَنْ لَمْ يَحْلِفْ نَاكِلًا حَتَّى يُصَرِّحَ بِأَنَّهُ نَاكِلٌ، وَيَسْتَحِقُّ الْبَقِيَّةَ مَا يَسْتَحِقُّونَ. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ رُشْدٍ إنْ كَانَ الْأَوْلِيَاءُ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ إلَى خَمْسِينَ رَجُلًا وَهُمْ فِي الْعَقْدِ سَوَاءٌ وَتَشَاحُّوا فِي حَمْلِهَا قُسِّمَتْ عَلَى عَدَدِهِمْ، فَإِنْ وَقَعَ فِيهَا كَسْرٌ كَكَوْنِهِمْ عِشْرِينَ فَيَبْقَى مِنْ الْأَيْمَانِ عَشْرٌ يُقَالُ لَهُمْ لَا سَبِيلَ لَكُمْ إلَى الدَّمِ حَتَّى تَأْتُوا بِعَشْرَةٍ يَحْلِفُونَ مَا بَقِيَ، فَإِنْ أَبَوْا بَطَلَ الدَّمُ كَنُكُولِهِمْ، وَإِنْ زَادَ عَدَدُهُمْ عَلَى خَمْسِينَ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إنْ حَلَفَ خَمْسُونَ مِنْهُمْ أَجْزَأَهُمْ، وَرَأَيْت لِابْنِ الْمَاجِشُونِ لَا بُدَّ أَنْ يَحْلِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَمِينًا يَمِينًا وَإِلَّا فَلَا يَسْتَحِقُّونَ الدَّمَ فِي كِتَابٍ مَجْهُولٍ. (وَنُكُولُ) الْعَاصِبِ (الْمُعِينِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ لِلْوَلِيِّ عَلَى الْقَسَامَةِ عَنْهَا (غَيْرُ مُعْتَبَرٍ) فِي إسْقَاطِ الدَّمِ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ وَلِأَنَّهُ قَدْ يُرْشِي وَلِلْوَلِيِّ الِاسْتِعَانَةُ بِعَاصِبٍ آخَرَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَطَلَ الدَّمُ (بِخِلَافِ) نُكُولِ (غَيْرِهِ) أَيْ الْمُعِينِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ فَيَبْطُلُ الدَّمُ إنْ لَمْ يَبْعُدْ، بَلْ (وَإِنْ بَعُدُوا) أَيْ النَّاكِلُونَ كَأَبْنَاءِ الْأَبْنَاءِ وَالْأَعْمَامِ مَعَهُمْ فَيَسْقُطُ الدَّمُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَصَرَّحَ بِهِ الْبَاجِيَّ قَالَهُ تت. طفي تَبِعَ فِيهِ قَوْلَ الشَّارِحِ لَا خِلَافَ فِي هَذَا إذَا كَانَ
[ ٩ / ١٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [منح الجليل] الْأَوْلِيَاءُ فِي الْقُعْدُدِ سَوَاءٌ أَوْلَادٌ كُلُّهُمْ أَوْ إخْوَةٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَاخْتُلِفَ فِي غَيْرِهِمْ كَالْأَعْمَامِ مَعَ بَنِيهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَالْمَشْهُورُ سُقُوطُ الْقَوَدِ أَيْضًا نَصَّ عَلَيْهِ الْبَاجِيَّ، وَقِيلَ لَا يَسْقُطُ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ. اهـ. فَجُعِلَ الْخِلَافُ الْمُشَارُ لَهُ بِلَوْ إذَا اخْتَلَفُوا فِي الْقُعْدُدِ وَهُوَ وَهْمٌ مِنْهُ، بَلْ الْمَسْأَلَةُ كُلُّهَا مَفْرُوضَةٌ فِيمَا إذَا اسْتَوَوْا فِي الْقُعْدُدِ، وَمَا قَبْلَ الْمُبَالَغَةِ إذَا قَرُبُوا كَبَنِينَ فَقَطْ أَوْ إخْوَةٍ وَمَا بَعْدَهَا إذَا بَعُدُوا كَأَعْمَامٍ فَقَطْ، هَكَذَا الْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ كَاللَّخْمِيِّ وَابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ، وَالْعَجَبُ مِنْ الشَّارِحِ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُحَرَّرَةٌ فِي ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ مِنْ مَحْفُوظَاتِهِ، وَالْعُذْرُ لَهُ أَنَّهُ وَقَعَ خَلَلٌ فِي عِبَارَةِ التَّوْضِيحِ فَسَرَى لَهُ الْوَهْمُ مِنْهُ، وَنَصُّهُ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَأَمَّا نُكُولُ غَيْرِ الْمُعِينِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الْوَلَدِ أَوْ الْإِخْوَةِ سَقَطَ الْقَوَدُ، وَكَذَا غَيْرُهُمْ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَأَمَّا نُكُولُ غَيْرِ الْأَوْلِيَاءِ الَّذِينَ هُمْ فِي الْقُعْدُدِ سَوَاءٌ، فَإِنْ كَانَ أَوْلَادًا أَوْ إخْوَةً سَقَطَ الْقَوَدُ بِالِاتِّفَاقِ، وَاخْتُلِفَ فِي غَيْرِهِمْ كَالْأَعْمَامِ وَبَنِيهِمْ وَمَنْ هُوَ أَبْعَدُ وَالْمَشْهُورُ سُقُوطُ الْقَوَدِ أَيْضًا. اهـ. كَذَا فِي غَيْرِ وَاحِدَةٍ مِنْ نُسَخِ التَّوْضِيحِ الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا وَالصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ وَأَمَّا نُكُولُ غَيْرِهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ الَّذِينَ هُمْ فِي الْقُعْدُدِ سَوَاءٌ، وَلَعَلَّ التَّصْحِيفَ مِنْ النَّاسِخِ وَنَصَّ اللَّخْمِيُّ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - إذَا كَانَ الْأَوْلِيَاءُ بَنِينَ أَوْ بَنِي بَنِينَ أَوْ إخْوَةً فَنَكَلَ أَحَدُهُمْ رُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَى الْقَاتِلِ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ إذَا كَانَتْ الْأَوْلِيَاءُ عُمُومَةً أَوْ بَنِي عُمُومَةٍ أَوْ أَبْعَدَ مِنْهُمْ مِنْ الْعَصَبَةِ فَنَكَلَ بَعْضُهُمْ مَرَّةً الْجَوَابُ فِيهِمْ كَالْبَنِينَ، وَقَالَ أَيْضًا لِمَنْ لَمْ يَنْكُلْ عَنْ الْأَيْمَانِ إذَا كَانُوا اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا أَنْ يَحْلِفُوا أَوْ يَقْتُلُوا لِأَنَّهُمْ عِنْدَهُ لَا عَفْوَ لَهُمْ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ بِخِلَافِ الْبَنِينَ. اهـ. وَأَشَارَ بِتَعْلِيلِهِ لِقَوْلِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إذَا أَقْسَمَ وُلَاةُ الدَّمِ وَوَجَبَ الْقَوَدُ فَعَفَا بَعْضُهُمْ بَعْدَ الْقَسَامَةِ وَهُمْ بَنُونَ أَوْ بَنُو بَنِينَ أَوْ إخْوَةٌ صَحَّ عَفْوُهُمْ وَسَقَطَ الْقِصَاصُ. وَاخْتُلِفَ إذَا كَانُوا عُمُومَةً أَوْ بَنِي عُمُومَةٍ، فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - يَصِحُّ عَفْوُهُمْ، وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا
[ ٩ / ١٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [منح الجليل] يَصِحُّ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ. اهـ. وَلَمَّا نَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَهُ الْمُتَقَدِّمَ قَالَ فِي فَهْمِ تَعْلِيلِهِ إشْكَالٌ، وَأَنْتَ إذَا تَأَمَّلْت عَلِمْت أَنَّهُ لَا إشْكَالَ فِيهِ، وَأَنَّهُ وَاضِحٌ، فَمَا أَدْرِي مَا خَفِيَ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ مِنْهُ فَقَدْ ظَهَرَ لَك تَحْرِيرُ الْمَسْأَلَةِ، وَأَنَّ تَقْرِيرَ الشَّارِحِ وَمَنْ تَبِعَهُ قَوْلُهُ وَنُكُولُ الْمُعِينِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَاسْتَرْسَلَ تت فِي تَقْرِيرِهِ حَتَّى قَالَ فِي كَبِيرِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ سَوَاءٌ كَانَتْ رُتْبَتُهُمْ وَاحِدَةً كَأَوْلَادٍ أَوْ إخْوَةٍ أَوْ أَعْمَامٍ أَوْ اخْتَلَفَتْ كَابْنٍ وَعَمٍّ الْبُنَانِيُّ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: الَّذِي رَأَيْته فِي نُسَخٍ عَدِيدَةٍ مِنْ التَّوْضِيحِ وَأَمَّا نُكُولُ بَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ الَّذِينَ هُمْ فِي الْقُعْدُدِ سَوَاءٌ إلَخْ، وَلَمْ أَرَ النُّسْخَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا طفي، وَحِينَئِذٍ فَلَا اخْتِلَالَ فِي عِبَارَتِهِ بِحَالٍ. الثَّانِي: لَمَّا نَقَلَ طفي قَوْلَ ابْنِ عَرَفَةَ الْمُتَقَدِّمَ عَقِبَ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ فِي فَهْمِ تَعْلِيلِهِ إشْكَالٌ، قَالَ مَا نَصُّهُ إذَا تَأَمَّلْت عَلِمْت أَنَّهُ لَا إشْكَالَ فِيهِ، وَأَنَّهُ وَاضِحٌ، فَمَا أَدْرِي مَا خَفِيَ عَلَى ابْنِ عَرَفَةَ مِنْهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّخْمِيَّ أَشَارَ بِتَعْلِيلِهِ إلَى قَوْلِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إذَا أَقْسَمَ وُلَاةُ الدَّمِ وَوَجَبَ الْقَوَدُ فَعَفَا بَعْضُهُمْ بَعْدَ الْقَسَامَةِ وَهُمْ بَنُونَ أَوْ بَنُو بَنِينَ أَوْ إخْوَةٌ صَحَّ عَفْوُهُمْ وَسَقَطَ الْقِصَاصُ. وَاخْتُلِفَ إذَا كَانُوا عُمُومَةً أَوْ بَنِي عُمُومَةٍ فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ يَصِحُّ عَفْوُهُمْ. وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ اهـ. قُلْت تَعْلِيلُهُ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُمْ عِنْدَهُ لَا عَفْوَ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَهُ فِي الْعَفْوِ مِنْ غَيْرِ خِلَافِهِ عَنْهُ، وَمَا نَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ عَنْهُ، فَالْإِشْكَالُ بَاقٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّالِثُ: نَقَلَ " ق " الْقَوْلَ الْمَرْدُودَ بِلَوْ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ وَنَصُّهُ أَوْلِيَاءُ الدَّمِ إنْ كَانُوا أَعْمَامًا أَوْ أَبْعَدَ مِنْهُمْ، فَجَعَلَهُمْ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرَّةً كَالْبَنِينَ، وَمَرَّةً قَالَ إنْ رَضِيَ اثْنَانِ كَانَ لَهُمَا أَنْ يَحْلِفَا وَيَسْتَحِقَّا حَقَّهُمَا مِنْ الدِّيَةِ. اهـ. وَاَلَّذِي فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ عَرَفَةَ وضيح وَغَيْرِهِمْ هُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ إذَا رَضِيَ اثْنَانِ كَانَ لَهُمَا أَنْ يَحْلِفَا وَيَقْتُلَا وَلَمْ يَذْكُرُوا مَا ذَكَرَهُ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الدِّيَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٩ / ١٨٦ ]
فَتُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، فَيَحْلِفُ كُلٌّ خَمْسِينَ، وَمَنْ نَكَلَ: حُبِسَ، حَتَّى يَحْلِفَ وَلَا اسْتِعَانَةَ،
_________________
(١) [منح الجليل] وَإِذَا نَكَلَ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ وَسَقَطَ الدَّمُ (فَتُرَدُّ) بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْقَسَامَةُ (عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ) الْقَتْلُ (فَيَحْلِفُ كُلٌّ) مِنْهُمْ (خَمْسِينَ يَمِينًا) إنْ تَعَدَّدُوا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُتَّهَمٌ بِهِ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا حَلَفَهَا وَحْدَهُ (وَمَنْ نَكَلَ) عَنْهَا مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ (حُبِسَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (حَتَّى يَحْلِفَ) خَمْسِينَ يَمِينًا أَوْ يَمُوتَ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ طُلِبَ مِنْهُ أَمْرٌ سُجِنَ بِسَبَبِهِ فَلَا يَخْرُجُ إلَّا بَعْدَ حُصُولِ ذَلِكَ الْمَطْلُوبِ. وَقِيلَ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يَطُولَ. ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ رَوَى مُحَمَّدٌ إنْ اُتُّهِمَ بِالدَّمِ جَمَاعَةٌ يَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا وَلَوْ كَثُرُوا، قَالَ مَعَ عَبْدِ الْمَلِكِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ بِحَلِفِهِ، إذْ لَعَلَّهُ الَّذِي كَانَ يُقْسِمُ عَلَيْهِ، فَمَنْ حَلَفَ بَرِئَ إلَّا مِنْ ضُرِبَ مِائَةً وَسُجِنَ سَنَةً، وَمَنْ نَكَلَ سُجِنَ حَتَّى يَحْلِفَ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لِكُلٍّ مِنْهُمْ أَنْ يَسْتَعِينَ بِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عَصَبَتِهِ مُحَمَّدٌ وَقَالَهُ رَبِيعَةُ وَمَالِكٌ. عَبْدُ الْمَلِكِ إنْ كَانُوا كُلُّهُمْ مِنْ بَطْنٍ وَاحِدٍ فَذَلِكَ لَهُمْ وَلَا يَنْقُصُ رَجُلٌ مِنْهُمْ عَنْ خَمْسِينَ يَمِينًا وَلَوْ كَثُرُوا، وَلَوْ كَانُوا مِنْ فَخِذٍ وَاحِدٍ اسْتَعَانَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِتِسْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ مِنْهُمْ فَحَلَفُوا مَعَهُ فَلِمَنْ يَحْلِفُ بَعْدَهُ مِنْ الْمُتَّهَمِينَ أَنْ يَسْتَعِينَ بِهِمْ أَنْفُسِهِمْ، وَبِالْمُتَّهَمِ نَفْسِهِ الَّذِي حَلَفَ هُوَ عَنْهُ وَكَذَا مَعَ الثَّالِثِ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَجْمَعُوهُمْ فِي وَاحِدٍ فَيَقُولُونَ مَا قَتَلَهُ فُلَانٌ وَلَا فُلَانٌ وَلَا فُلَانٌ وَلَا يَحْلِفُونَ الثَّلَاثَةَ الْأَيْمَانَ وَلَا بُدَّ مِنْ تَكْرِيرِهِمْ الْأَيْمَانَ (وَلَا اسْتِعَانَةَ) لِمَنْ رُدَّتْ عَلَيْهِ الْقَسَامَةُ بِغَيْرِهِ مِنْ عَصَبَتِهِ، هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، بِخِلَافِ وَلِيِّ الدَّمِ. وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ أَيْمَانَ الْوَلِيِّ مُوجِبَةٌ، وَقَدْ يَحْلِفُهَا مَنْ يُوجِبُ لِغَيْرِهِ، وَأَيْمَانُ الْمُتَّهَمِ دَافِعَةٌ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْفَعَ بِيَمِينِهِ مَا تَعَلَّقَ بِغَيْرِهِ قَالَهُ تت وَتَبِعَهُ عب وَالْخَرَشِيُّ. الْبُنَانِيُّ عَدَمُ الِاسْتِعَانَةِ هُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ، وَاسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَعَزَاهُ لِظَاهِرِ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - نَقَلَهُ الْحَطّ، وَبِهِ يَسْقُطُ اعْتِرَاضُ " ق " وَابْنُ مَرْزُوقٍ عَلَى الْمُصَنِّفِ، وَقَوْلُ " ز "، وَفُرِّقَ بِأَنَّ أَيْمَانَ
[ ٩ / ١٨٧ ]
وَإِنْ أَكْذَبَ بَعْضٌ نَفْسَهُ: بَطَلَ، بِخِلَافِ عَفْوِهِ، فَلِلْبَاقِي نَصِيبُهُ مِنْ الدِّيَةِ؛
_________________
(١) [منح الجليل] الْوَلِيِّ مُوجِبَةٌ إلَخْ، نَحْوُهُ فِي الْخَرَشِيِّ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُصَادَرَةٌ. (فَإِنْ أَكْذَبَ بَعْضٌ) مِنْ الْأَوْلِيَاءِ الْحَالِفِينَ الْقَسَامَةَ (نَفْسَهُ) بِأَنْ قَالَ إنَّهُ كَذَبَ فِي دَعْوَاهُ (بَطَلَ الْقَوَدُ) وَالدِّيَةُ لِأَنَّهُ كَالشَّاهِدِ بِالظُّلْمِ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانُوا قَبَضُوا الدِّيَةَ رَدُّوهَا. طفي حُكْمُ التَّكْذِيبِ بَعْدَ الْقَسَامَةِ حُكْمُ النُّكُولِ، فَلَوْ جَمَعَهُ مَعَهُ فَقَالَ بِخِلَافِ غَيْرِهِ أَوْ تَكْذِيبِهِ نَفْسَهُ وَرَتَّبَ عَلَيْهِمَا قَوْلَهُ وَلَوْ بَعُدُوا، وَقَوْلُهُ فَتَرُدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ أَوْ شَبَّهَهُ بِهِ فَقَالَ كَتَكْذِيبِهِ نَفْسَهُ، وَعِبَارَتُهُ لَا يُعْلَمُ مِنْهَا إلَّا بُطْلَانُ الْقَوَدِ، وَالْكَلَامُ كُلُّهُ فِي الْعَمْدِ، وَتَبِعَهُ الْبُنَانِيُّ، وَزَادُوا الْعَفْوَ قَبْلَ الْقَسَامَةِ مِثْلَ النُّكُولِ وَالتَّكْذِيبِ فِي ذَلِكَ. (بِخِلَافِ عَفْوِهِ) أَيْ بَعْضِ الْمُسْتَحَقِّينَ عَنْ الْقَوَدِ مِنْ الْقَاتِلِ عَمْدًا بَعْدَ ثُبُوتِهِ بِالْبَيِّنَةِ فَيَبْطُلُ الْقَوَدُ وَحِصَّةُ الْعَافِي مِنْ الدِّيَةِ فَقَطْ (وَلِلْبَاقِي) مِنْ الْمُسْتَحَقِّينَ الَّذِي لَمْ يَعْفُ (نَصِيبُهُ مِنْ الدِّيَةِ) أَفَادَهُ تت. طفي الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ بِالْقَسَامَةِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ أَوْ التَّعْمِيمَ، إذْ الْحُكْمُ سَوَاءٌ فِيهِمَا. وَأَمَّا عَفْوُهُ قَبْلَ ثُبُوتِهِ بِالْقَسَامَةِ فَيُبْطِلُ الْقَوَدَ وَالدِّيَةَ هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ رُشْدٍ إنْ نَكَلَ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ عَنْ الْقَسَامَةِ وَهُمْ فِي الْقُعْدُدِ سَوَاءٌ أَوْ عَفَا عَنْ الدَّمِ قَبْلَهَا فَفِي سُقُوطِ الدَّمِ وَالدِّيَةِ أَوْ الدَّمِ فَقَطْ، وَيَحْلِفُ مَنْ بَقِيَ لِأَخْذِ حَقِّهِ، ثَالِثُهَا هَذَا إنْ نَكَلَ عَلَى وَجْهِ الْعَفْوِ عَنْ حَقِّهِ، وَإِنْ نَكَلَ تَحَرُّجًا وَتَوَرُّعًا حَلَفَ مَنْ بَقِيَ لِابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَشْهَبَ وَابْنِ نَافِعٍ.
[ ٩ / ١٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [منح الجليل] اللَّخْمِيُّ إنْ نَكَلَ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ أَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ أَوْ عَفَا وَهُمْ بَنُونَ أَوْ إخْوَةٌ فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - تُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَى الْقَاتِلِ، وَلَيْسَ لِمَنْ لَمْ يَنْكُلْ أَنْ يَحْلِفَ وَلِمَالِكٍ أَيْضًا وَإِنْ بَقِيَ اثْنَانِ كَانَ لَهُمَا أَنْ يَحْلِفَا وَيَسْتَحِقَّا حَقَّهُمَا مِنْ الدِّيَةِ. اللَّخْمِيُّ يَنْبَغِي أَنَّ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَنْكُلْ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا يَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا لِأَنَّ الْأَمْرَ آلَ إلَى الدِّيَةِ. وَاخْتُلِفَ فِيهِ إنْ كَانَ الْأَوْلِيَاءُ أَعْمَامًا أَوْ بَنِي أَعْمَامٍ أَوْ أَبْعَدَ مِنْهُمْ مِنْ الْعَصَبَةِ فَنَكَلَ بَعْضُهُمْ، فَجُعِلَ الْجَوَابُ فِيهِمْ مَرَّةً كَالْبَنِينَ. وَقَالَ أَيْضًا لِمَنْ لَمْ يَنْكُلْ إنْ كَانَا اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا أَنْ يَحْلِفَا وَيَقْتُلَا لِأَنَّهُ لَا عَفْوَ لَهُمْ إلَّا بِاجْتِمَاعٍ، بِخِلَافِ الْبَنِينَ وَالْأَوَّلُ أَبْيَنُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ إذَا اسْتَوَوْا فِي الْقُعْدُدِ. قُلْت فِي فَهْمِ تَعْلِيلِهِ إشْكَالٌ وَالرِّوَايَتَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ الْجَلَّابِ، قَالَ وَعَلَى رِوَايَةِ سُقُوطِ الْقَوَدِ هَلْ لِلْبَاقِينَ أَنْ يَحْلِفُوا وَيَسْتَحِقُّوا حَظَّهُمْ مِنْ الدِّيَةِ يَتَخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا لَهُمْ ذَلِكَ، وَالْأُخْرَى لَا قَوَدَ لَهُمْ وَلَا دِيَةَ وَتُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، اُنْظُرْ الْحَاشِيَةَ.
[ ٩ / ١٨٩ ]
وَلَا يُنْتَظَرُ صَغِيرٌ، بِخِلَافِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَالْمُبَرْسَمِ
_________________
(١) [منح الجليل] وَلَا يُنْتَظَرُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ بِبَعْضِ الْقَسَامَةِ وَلِيٌّ (صَغِيرٌ) إذَا كَانَ هُنَاكَ وَلِيَّانِ كَبِيرَانِ فَيَحْلِفَانِ جَمِيعَ الْأَيْمَانِ وَلَهُمَا الْقَوَدُ (بِخِلَافِ) الْوَلِيِّ (الْمُغْمَى) بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ، أَيْ مَنْ سَتَرَ الْمَرَضُ عَقْلَهُ (وَ) الْوَلِيُّ (الْمُبَرْسَمُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ مَنْ بِهِ دَاءٌ فِي رَأْسِهِ أَثْقَلَ دِمَاغَهُ وَسَتَرَ عَقْلَهُ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُنْتَظَرُ لِقُرْبِ إفَاقَتِهِ. الْبُنَانِيُّ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ يُنْتَظَرَانِ لِبَعْضِ الْأَيْمَانِ، وَلَوْ وُجِدَ مَنْ يَحْلِفُ غَيْرُهُمَا، وَهَذَا غَيْرُ مُرَادٍ، إذْ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ وَحَمَلَهُ " ق " وعج عَلَى انْتِظَارِهِمَا لِلْقَتْلِ إذَا أَرَادَهُ غَيْرُهُمَا وَهُوَ صَوَابٌ، إلَّا أَنَّهُ تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ سَابِقًا وَانْتُظِرَ غَائِبٌ لَمْ تَبْعُدْ غَيْبَتُهُ وَمُغْمًى وَمُبَرْسَمٌ وَبَعِيدٌ مِنْ غَرَضِهِ هُنَا وَسَبَقَهُ إلَى هَذَا طفي، وَنَصُّهُ إنْ كَانَ مُرَادُهُ يُنْتَظَرُ بِبَعْضِ الْأَيْمَانِ كَمَا هُوَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ، وَلَوْ وُجِدَ مَنْ يَحْلِفُ غَيْرُهُمَا فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ مَنْصُوصًا وَلَا مَعْنًى لِانْتِظَارِهِمَا إذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَحْلِفُ، وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا ابْنُ عَرَفَةَ وَلَا صَاحِبُ الْمُدَوَّنَةِ وَلَا غَيْرُهُمْ مِمَّنْ وَقَفْت عَلَيْهِ. وَقَالَ " ح " إنَّهُ مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ قَبْلُ وَانْتُظِرَ غَائِبٌ لَمْ تَبْعُدْ غَيْبَتُهُ وَمُغْمًى وَمُبَرْسَمٌ وَكَوْنُهُ مُكَرَّرًا، إذَا حُمِلَ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ انْتِظَارُهُمَا لِلْقَتْلِ إذَا أَرَادَهُ غَيْرُهُمَا مَعَ كَمَالِ الْقَسَامَةِ كَمَا هُوَ الْمَنْقُولُ وَهُوَ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ، وَلَيْسَ هُوَ الْغَرَضُ هُنَا، وَكَأَنَّهُ أَلْجَأَهُ إلَى ذَلِكَ عَدَمُ وُجُودِ نَقْلٍ يُوَافِقُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ، هُنَا فَحَمْلُهُ عَلَى التَّكْرَارِ أَحْسَنُ مِنْ مُخَالَفَةِ الْمَنْقُولِ وَقَرَّرَهُ
[ ٩ / ١٩٠ ]
إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ غَيْرُهُ، فَيَحْلِفُ الْكَبِيرُ حِصَّتَهُ، وَالصَّغِيرُ مَعَهُ
وَوَجَبَ بِهَا الدِّيَةُ فِي الْخَطَإِ، وَالْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ مِنْ وَاحِدٍ تَعَيَّنَ لَهَا
_________________
(١) [منح الجليل] ق " أَيْضًا بِمَا يُوجِبُ التَّكْرَارَ فَقَرَّرَهُ بِقَوْلِهَا إنْ كَانَ فِي الْأَوْلِيَاءِ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ مُبَرْسَمٌ فَإِنَّهُ تُنْتَظَرُ إفَاقَتُهُ لِأَنَّ هَذَا مَرَضٌ مِنْ الْأَمْرَاضِ. اهـ. وَكَلَامُهَا فِيمَا إذَا أَرَادَ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ الْقَتْلَ لَا فِي انْتِظَارِهِ لِلْحَلِفِ لِأَنَّ قَبْلَ هَذَا وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْوَلِيَّيْنِ مَجْنُونًا مُطْبَقًا فَلِلْآخَرِ أَنْ يَقْتُلَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّغِيرَ لَا يُنْتَظَرُ، فَإِنْ كَانَ فِي الْأَوْلِيَاءِ مُغْمًى عَلَيْهِ إلَخْ. وَاسْتَثْنَى مِنْ أَحْوَالِ عَدَمِ انْتِظَارِ الصَّغِيرِ فَقَالَ (إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ غَيْرُهُ) أَيْ الصَّغِيرِ مِنْ الْمُسْتَحَقِّينَ مَعَ الْكَبِيرِ وَلَا مِنْ عَصَبَتِهِ الَّذِينَ يَسْتَعِينُ بِهِمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ ضَمِيرَ غَيْرِهِ رَاجِعٌ لِلْكَبِيرِ الَّذِي مَعَ الصَّغِيرِ (فَيَحْلِفُ) الْوَلِيُّ (الْكَبِيرُ حِصَّتَهُ) مِنْ الْقَسَامَةِ وَلَا يُؤَخِّرُ الْكَبِيرُ الْحَلِفَ إلَى بُلُوغِ الصَّغِيرِ لِئَلَّا يَمُوتَ أَوْ يَغِيبَ قَبْلَ بُلُوغِ الصَّغِيرِ فَيَبْطُلُ الدَّمُ (وَالصَّغِيرُ مَعَهُ) أَيْ الْكَبِيرِ حَالَ حَلِفِهِ لِأَنَّهُ أَرْهَبُ، وَإِذَا حَلَفَ الْكَبِيرُ اُنْتُظِرَ بُلُوغُ الصَّغِيرِ لِيَحْلِفَ حِصَّتَهُ مِنْ الْقَسَامَةِ وَيَقْتُلَ الْجَانِيَ أَوْ يَعْفُوَ عَنْهُ، وَإِنْ عَفَا الْكَبِيرُ سَقَطَ الْقَوَدُ وَالصَّغِيرُ نَصِيبُهُ مِنْ دِيَةِ عَمْدٍ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ يُحْبَسُ الْقَاتِلُ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّغِيرُ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ حَلِفِهِ وَلَمْ يَجِدْ الْكَبِيرُ مَنْ يَحْلِفُ بَطَلَ الدَّمُ فِيهَا إنْ كَانَ أَوْلَادُ الْمَقْتُولِ صِغَارًا وَكِبَارًا، فَإِنْ كَانَ الْكِبَارُ اثْنَيْنِ فَلَهُمْ الْقَسَامَةُ وَالْقَتْلُ وَلَا يَنْتَظِرَانِ بُلُوغَ الصَّغِيرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا وَلَدٌ كَبِيرٌ وَصَغِيرٌ، فَإِنْ وَجَدَ الْكَبِيرُ رَجُلًا مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ يَحْلِفُ مَعَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ لَهُ الْعَفْوُ حَلَفَا جَمِيعًا خَمْسِينَ يَمِينًا وَكَانَ لِلْكَبِيرِ أَنْ يَقْتُلَ. ابْنُ الْحَاجِبِ إنْ كَانَ وَاحِدًا اسْتَعَانَ بِوَاحِدٍ مِنْ عَصَبَتِهِ، وَلَا يُنْتَظَرُ الصَّغِيرُ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ نِصْفَهَا وَالصَّغِيرُ مَعَهُ فَيُنْتَظَرُ، فَإِنْ عَفَا فَلِلصَّغِيرِ حِصَّتُهُ مِنْ الدِّيَةِ لَا أَقَلُّ. (وَوَجَبَ بِهَا) أَيْ الْقَسَامَةِ (الدِّيَةُ) عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ (فِي) قَتْلِ (الْخَطَأِ وَالْقَوَدُ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْوَاوِ أَيْ الْقِصَاصُ مِنْ الْقَتْلِ (فِي) قَتْلِ (الْعَمْدِ) لِلنَّصِّ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ حُوَيِّصَةَ وَقِيسَتْ الدِّيَةُ عَلَيْهِ فِي الْخَطَأِ بِالْأَوْلَى وَيُقَادُ بِهَا (مِنْ وَاحِدٍ تَعَيَّنَ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مُثَقَّلًا
[ ٩ / ١٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [منح الجليل] مِنْ الْأَوْلِيَاءِ (لَهَا) أَيْ الْقَسَامَةِ إنْ كَانَتْ التَّدْمِيَةُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ فَلَا يُقْتَلُ بِهَا أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ عَلَى الْمَشْهُورِ لِضَعْفِهَا عَنْ الْإِقْرَارِ وَالْبَيِّنَةِ فَيُقْسِمُونَ عَلَى الْمُعَيَّنِ، وَيَقُولُونَ لِمَنْ فَعَلَهُ مَاتَ، وَهَذَا إذَا اُحْتُمِلَ مَوْتُهُ مِنْ فِعْلِ أَحَدِهِمْ وَإِلَّا كَرَمْيِ جَمَاعَةٍ صَخْرَةً لَا يُطِيقُ حَمْلَهَا أَحَدُهُمْ فَيُقْسِمُونَ عَلَى جَمِيعِهِمْ، وَيَقُولُونَ لِمَنْ فَعَلَهُمْ مَاتَ وَيَقْتُلُونَ أَيَّ وَاحِدٍ شَاءُوا قَتْلَهُ مِنْهُمْ، وَيُجْلَدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَاقِينَ مِائَةً وَيُحْبَسُ سَنَةً، وَإِذَا أَقْسَمُوا عَلَى مُعَيَّنٍ ثُمَّ أَقَرَّ غَيْرُهُ بِالْقَتْلِ خُيِّرَ الْوَلِيُّ فِي قَتْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَيُجْلَدُ الْآخَرُ مِائَةً وَيُحْبَسُ سَنَةً أَفَادَهُ شب. ابْنُ عَرَفَةَ وَمُوجِبُهَا الْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ، فَإِنْ انْفَرَدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَوَاضِحٌ، وَإِنْ تَعَدَّدَ وَالْمُوجِبُ قَتْلٌ، فَقَالَ ابْنُ حَارِثٍ وَغَيْرُهُ قَالَ فِي الْمُوَطَّإِ لَا يُقْسِمُ إلَّا عَلَى رَجُلٍ وَلَا يُقْتَلُ غَيْرُهُ، وَلَمْ نَعْلَمْ قَسَامَةً قَطُّ كَانَتْ إلَّا عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ وَلِابْنِ عَبْدُوسٍ أَنَّ الْمُغِيرَةَ قَالَ تُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْقَسَامَةِ، وَكَذَا كَانَ فِي زَمَانِ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -. الْبَاجِيَّ وَالصَّقَلِّيُّ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَا يُقْسَمُ إلَّا عَلَى وَاحِدٍ بِكُلِّ حَالٍ، وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ شَاءُوا أَقْسَمُوا عَلَى وَاحِدٍ أَوْ عَلَى اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ ثُمَّ لَا يَقْتُلُونَ إلَّا وَاحِدًا مِمَّنْ أَدْخَلُوهُ فِي قَسَامَتِهِمْ. قُلْت وَلِسَحْنُونٍ قَوْلٌ ثَالِثٌ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ حَارِثٍ، قَالَ اخْتَلَفُوا فِي ثَلَاثَةٍ حَمَلُوا صَخْرَةً رَمَوْهَا عَلَى رَجُلٍ قَتَلُوهُ بِهَا وَقَامَ بِهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُقْسَمُ إلَّا عَلَى وَاحِدٍ. وَقَالَ سَحْنُونٌ يُقْسَمُ عَلَى جَمِيعِهِمْ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْعَمْدِ الَّذِي لَا يُقْتَلُ فِيهِ بِالْقَسَامَةِ إلَّا وَاحِدٌ لِأَنَّ ذَلِكَ إنْ ضُرِبَ وَاحِدٌ عَلَى الرَّأْسِ وَآخَرُ عَلَى الْبَطْنِ وَآخَرُ عَلَى الظَّهْرِ هَذَا لَا يُقْسَمُ فِيهِ إلَّا عَلَى وَاحِدٍ. الْبَاجِيَّ عَلَى الْأَوَّلِ يُقْسِمُونَ لِمَنْ ضَرَبَهُ لَا مَنْ ضَرَبَهُمْ قَالَهُ مُحَمَّدٌ وَابْنُ عَبْدُوسٍ وَابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَسَمِعَ يَحْيَى ابْنَ الْقَاسِمِ مَنْ قَدِمَ لِلْقَتْلِ بِقَسَامَةٍ فَقَالَ رَجُلٌ أَنَا قَتَلْته، قَالَ رَبِيعَةُ يُقْتَلُ هَذَا بِالْقَسَامَةِ وَالْآخَرُ بِإِقْرَارِهِ وَلَا آخُذُ بِهِ وَلَا يُقْتَلُ اثْنَانِ بَلْ وَاحِدٌ فَيَقْتُلُونَ أَحَدَهُمَا وَيَتْرُكُونَ الْآخَرَ. ابْنُ رُشْدٍ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - مِثْلُ قَوْلِ رَبِيعَةَ حَكَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْهُمْ، وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلُ
[ ٩ / ١٩٢ ]
وَمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى جُرْحٍ، أَوْ قَتْلِ كَافِرٍ، أَوْ عَبْدٍ؛ أَوْ جَنِينٍ حَلَفَ وَاحِدَةً، وَأَخَذَ الدِّيَةَ، وَإِنْ نَكَلَ بَرِئَ الْجَارِحُ، إنْ حَلَفَ؛ وَإِلَّا حُبِسَ
_________________
(١) [منح الجليل] قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي السَّمَاعِ، وَإِذَا قُتِلَ الْمُقِرُّ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَرَّةً بِقَسَامَةٍ وَمَرَّةً بِغَيْرِهَا وَأَنْكَرَ أَصْبَغُ الْأَوَّلَ، وَقِيلَ لَيْسَ بِاخْتِلَافٍ، وَالْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لِلْمَقْتُولِ حَيَاةٌ، وَالثَّانِي عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ. (وَمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا) وَاحِدًا عَدْلًا (عَلَى جُرْحٍ) لِحُرٍّ مُسْلِمٍ (أَوْ) أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى (قَتْلِ) شَخْصٍ (كَافِرٍ) كِتَابِيٍّ أَوْ مَجُوسِيٍّ (أَوْ) أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى قَتْلِ (عَبْدٍ) عَمْدًا أَوْ خَطَأً (أَوْ) أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى التَّسَبُّبِ فِي إسْقَاطِ (جَنِينٍ) مِنْ مَرْأَةٍ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ (حَلَفَ) مُقِيمُ الشَّاهِدِ عَلَى مَا ذَكَرَ يَمِينًا (وَاحِدَةً) فِي كُلٍّ مِنْ الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ (وَأَخَذَ) الْحَالِفُ (الدِّيَةَ) أَيْ الْمَالَ الْمُؤَدَّى فَشَمَلَتْ قِيمَةَ الْعَبْدِ وَغُرَّةَ الْجَنِينِ وَعُشْرَ قِيمَةِ الْأَمَةِ وَلَهُ الْقِصَاصُ فِي جُرْحِ الْعَمْدِ. قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ لِمَ قَالَ ذَلِكَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - ﵁ - وَلَيْسَ بِمَالٍ، فَقَالَ كَلَّمْتُهُ فِيهِ فَقَالَ إنَّهُ لِشَيْءٍ اسْتَحْسَنْته وَمَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا. (وَإِنْ نَكَلَ) مُقِيمُ الشَّاهِدِ عَنْ الْيَمِينِ رُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (وَبَرِئَ) الشَّخْصُ (الْجَارِحُ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِجُرْحِ الْعَمْدِ، وَكَذَا قَاتِلُ الْكَافِرِ وَالْعَبْدِ وَمُسْقِطُ الْجَنِينِ (إنْ حَلَفَ) يَمِينًا عَلَى بَرَاءَتِهِ مِمَّا اُتُّهِمَ هُوَ بِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ بِأَنْ نَكَلَ فِي كُلِّ صُورَةٍ مِنْ الْأَرْبَعِ (حُبِسَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ حَتَّى يَحْلِفَ وَلَوْ طَالَ وَلِابْنِ الْقَاسِمِ إنْ طَالَ عُوقِبَ وَأَطْلَقَ إلَّا الْمُتَمَرِّدَ فَيُخَلَّدُ فِي الْحَبْسِ. شب الْحَاصِلُ أَنَّ مُقِيمَ الشَّاهِدِ إنْ حَلَفَ اسْتَحَقَّ مَا ادَّعَاهُ فِي جَمِيعِهَا، وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبَرِئَ فِي الْجَمِيعِ، فَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ الْجَمِيعَ إلَّا فِي جُرْحِ الْعَمْدِ فَيُحْبَسُ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يَطُولَ سِجْنُهُ فَيُعَاقَبُ وَيُخَلَّى سَبِيلُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا لَا قَسَامَةَ فِي الْجِرَاحِ، وَلَكِنْ مَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَدْلًا عَلَى جُرْحٍ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ فَلْيَحْلِفْ مَعَهُ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيُقْتَصُّ فِي الْعَمْدِ، وَيَأْخُذُ الْعَقْلَ فِي الْخَطَأِ، قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ لِمَ قَالَ مَالِكٌ - ﵁ - ذَلِكَ فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ وَلَيْسَ
[ ٩ / ١٩٣ ]
فَلَوْ قَالَتْ: دَمِي وَجَنِينِي عِنْدَ فُلَانٍ، فَفِيهَا الْقَسَامَةُ، وَلَا شَيْءَ فِي الْجَنِينِ، وَلَوْ اسْتَهَلَّ.
_________________
(١) [منح الجليل] بِمَالٍ، قَالَ كَلَّمْتُهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّهُ لِشَيْءٍ اسْتَحْسَنْته وَمَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ فِي ذَلِكَ، وَعَلَى الْحَلِفِ مَعَهُ إنْ نَكَلَ مَنْ قَامَ بِهِ حَلَفَ الْجَارِحُ، فَإِنْ نَكَلَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ الشَّيْخُ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَقِيلَ يُقْطَعُ وَتَقَدَّمَ نَقْلُ الْجَلَّابِ إنْ طَالَ الْحَبْسُ أُطْلِقَ. وَفِيهَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - ﵁ - فِي نَصْرَانِيٍّ قَامَ عَلَى قَتْلِهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ مُسْلِمٌ عَدْلٌ يَحْلِفُ وَلِأَنَّهُ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ عَلَى قَاتِلِهِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَمِثْلُهُ فِي رَسْمِ أَوْصَى مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ الْجِنَايَاتِ وَسَمَاعِ أَشْهَبَ فِي الدِّيَاتِ. ابْنُ رُشْدٍ وَقِيلَ لَا يُسْتَحَقُّ دَمُ النَّصْرَانِيِّ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَظَاهِرُ سَمَاعِ يَحْيَى فِي الدِّيَاتِ وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ هُوَ أَنْ يَحْلِفَ أَوْلِيَاؤُهُ مَعَ شَاهِدِهِمْ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَسْتَحِقُّونَ دِيَتَهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُغِيرَةِ، وَلِمَالِكٍ - ﵁ - فِي الْمَدَنِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى السَّبَائِيِّ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ. (فَلَوْ قَالَتْ) امْرَأَةٌ حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ مُسْقِطَةً جَنِينَهَا بِهَا أَثَرُ جُرْحٍ أَوْ ضَرْبٍ (دَمِي وَ) إسْقَاطُ (جَنِينِي عِنْدَ فُلَانٍ) وَمَاتَتْ (فَفِيهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ (الْقَسَامَةُ) لِأَنَّ قَوْلَهَا لَوْثٌ (وَلَا شَيْءَ فِي الْجَنِينِ) لِأَنَّهُ كَالْجُرْحِ لَا يَثْبُتُ بِاللَّوْثِ إنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ، بَلْ (وَلَوْ اسْتَهَلَّ) أَيْ نَزَلَ صَارِخًا ثُمَّ مَاتَ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا إنْ ضَرَبَ رَجُلٌ امْرَأَةً فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا وَقَالَتْ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ، فَفِي الْمَرْأَةِ الْقَسَامَةُ، وَلَا شَيْءَ فِي الْجَنِينِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَثْبُتُ، لِأَنَّهُ كَجُرْحٍ مِنْ جِرَاحِهَا وَلَا قَسَامَةَ فِي الْجُرْحِ وَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ شَاهِدٍ عَدْلٍ فَيَحْلِفُ وُلَاتُهُ مَعَهُ يَمِينًا وَاحِدَةً، وَيَسْتَحِقُّونَ دِيَتَهُ. الصِّقِلِّيُّ يُرِيدُ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِمَّنْ يَرِثُ الْغُرَّةَ يَمِينًا أَنَّهُ قَتَلَهُ. وَفِيهَا إنْ قَالَتْ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ فَخَرَجَ جَنِينُهَا حَيًّا فَاسْتَهَلَّ صَارِخًا ثُمَّ مَاتَ فَفِي الْأُمِّ الْقَسَامَةُ وَلَا قَسَامَةَ فِي الْوَلَدِ لِأَنَّهَا لَوْ قَالَتْ قَتَلَنِي وَقَتَلَ فُلَانًا مَعِي فَلَا يَكُونُ فِي فُلَانٍ قَسَامَةٌ. الصِّقِلِّيُّ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إذْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهَا لِنَفْسِهَا وَلَا لِزَوْجِهَا إنْ كَانَ أَبَاهُ وَلَا لِإِخْوَانِهِ إنْ كَانُوا أَوْلَادَهَا، وَفِي الْقَسَامَةِ فِي فُلَانٍ بِقَوْلِهَا وَقَتَلَ فُلَانًا مَعِي قَوْلَا أَشْهَبَ وَابْنِ الْقَاسِمِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْمَرْأَةِ لَوْثٌ أَمْ لَا، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
[ ٩ / ١٩٤ ]