ص (بَابٌ الرِّدَّةُ كُفْرُ الْمُسْلِمِ)
ش: نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعِصْمَةَ مِنْهَا وَمِنْ سَائِرِ الْكَبَائِرِ وَأَنْ يَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ. وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ: كُفْرُ الْمُسْلِمِ. مِمَّا إذَا انْتَقَلَ الْكَافِرُ مِنْ دِينِهِ إلَى دِينٍ آخَرَ فَإِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ لَا يُتَعَرَّضُ لَهُ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَقِيلَ: إنَّهُ يُقْتَلُ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ. قَالَهُ الشَّارِحُ وَأَظُنُّهُ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ اهـ (قُلْت) وَقَالَ فِي الشِّفَاءِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الَّذِي يَتَزَنْدَقُ فَقَالَ مَالِكٌ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ: لَا يُقْتَلُ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ كُفْرٍ إلَى كُفْرٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يُقْتَلُ لِأَنَّهُ دِينٌ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَلَا تُؤْخَذُ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ.
ص (وَسِحْرٌ)
ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ السِّحْرَ رِدَّةٌ وَأَنَّهُ يُسْتَتَابُ السَّاحِرُ إذَا أَظْهَرَ ذَلِكَ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ وَالْقَوْلُ الرَّاجِحُ فِيهِ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الزِّنْدِيقِ يُقْتَلُ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ إلَّا أَنْ يَجِيءَ
[ ٦ / ٢٧٩ ]
تَائِبًا بِنَفْسِهِ. اُنْظُرْ ابْنَ الْحَاجِبِ وَالتَّوْضِيحَ.
ص (وَقَوْلٌ بِقِدَمِ الْعَالَمِ أَوْ بِبَقَائِهِ)
ش: قَالَ فِي الشِّفَاءِ وَكَذَلِكَ يُقْطَعُ بِكُفْرِ مَنْ قَالَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ أَوْ بِبَقَائِهِ أَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ انْتَهَى.
فَقَوْلُ الشَّارِحِ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِ هَؤُلَاءِ وَلِمَالِكٍ وَغَيْرِهِ فِيهِمْ قَوْلَانِ يُوهِمُ أَنَّ فِي كُفْرِ مَنْ قَالَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ أَوْ بِبَقَائِهِ خِلَافًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ)
ش: تَقَدَّمَ النَّصُّ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ الشِّفَاءِ وَقَوْلُ الشَّارِحِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ يَعْنِي قَوْلَ الْمُصَنِّفِ بِصَرِيحٍ أَوْ لَفْظٍ يَقْتَضِيهِ أَوْ فِعْلٍ يَتَضَمَّنُهُ وَعَلَيْهِ فَالْحَدُّ الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ بِجَامِعٍ لِخُرُوجِ هَذَا النَّوْعِ مِنْهُ، غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّ التَّلَفُّظَ بِالشَّكِّ فِي ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي اللَّفْظِ الَّذِي يَقْتَضِي الْكُفْرَ وَأَمَّا الشَّكُّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِذَلِكَ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ كُفْرًا لَا شَكَّ فِيهِ لَكِنَّهُ لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِكُفْرِهِ ظَاهِرًا إلَّا بَعْدَ التَّلَفُّظِ بِذَلِكَ كَمَا أَنَّ اعْتِقَادَ الْكُفْرِ مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ بِهِ كُفْرٌ وَلَكِنْ لَا يُحْكَمُ عَلَى صَاحِبِهِ بِالْكُفْرِ إلَّا بَعْدَ التَّلَفُّظِ بِمَا يَقْتَضِيه فَتَأَمَّلْهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص.
(أَوْ بِتَنَاسُخِ الْأَرْوَاحِ)
ش: أَيْ انْتِقَالِهَا فِي الْأَشْخَاصِ الْآدَمِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَأَنَّ تَعْذِيبَهَا وَتَنْعِيمَهَا بِحَسَبِ زَكَاتِهَا وَخُبْثِهَا، فَإِذَا كَانَتْ النَّفْسُ شِرِّيرَةً أُخْرِجَتْ مِنْ قَالِبِهَا الَّتِي هِيَ فِيهِ وَأُلْبِسَتْ قَالِبًا يُنَاسِبُ شَرَّهَا مِنْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ سَبُعٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنْ أَخَذَتْ جَزَاءَ شَرِّهَا بَقِيَتْ فِي ذَلِكَ الْقَالِبِ تَنْتَقِلُ مِنْ فَرْدٍ إلَى فَرْدٍ وَإِنْ لَمْ تَأْخُذْ انْقَلَبَتْ إلَى قَالِبٍ أَشَرَّ مِنْهُ وَكَذَلِكَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ جَزَاءَ الشَّرِّ وَفِي الْخَيْرِ تَنْتَقِلُ إلَى أَعْلَى وَلِذَلِكَ يَعْتَقِدُونَ أَنْ لَا خَيْرَ وَلَا شَرَّ وَلَا جَنَّةَ وَلَا نَارَ - نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ. فَأَدَّى اعْتِقَادُ التَّنَاسُخِ إلَى إنْكَارِ مَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ ادَّعَى أَنَّهُ يَصْعَدُ إلَى السَّمَاءِ أَوْ يُعَانِقُ الْحُورَ)
ش:
[فَرْعٌ كَلَامُ الْمَلَائِكَةِ مَعَ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ]
(فَرْعٌ) قَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الْحَجِّ فِي شَرْحِ قَوْلِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ مَا نَصُّهُ كَلَامُ الْمَلَائِكَةِ مَعَ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ يَصِحُّ. وَكَانَ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَحْكِي عَنْ بَعْضِ الطُّلَّابِ مِنْ شُيُوخِ زَمَانِهِ أَنَّ مَنْ قَالَ: الْيَوْمُ كَلَّمَتْنِي الْمَلَائِكَةُ. يُسْتَتَابُ وَالْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِ وَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ حَالِ مَنْ زَعَمَهُ فَإِنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِالصَّلَاحِ تُجُوِّزَ عَنْهُ، وَإِلَّا زُجِرَ عَنْ قَوْلِ ذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا يَتَّفِقُ لِبَعْضِهِمْ أَنْ يَقُولَ: قِيلَ لِي وَخُوطِبْت وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ يُشَدِّدُ الْقَوْلَ فِيهِ وَفِي إنْكَارِهِ عَلَى مَنْ زَعَمَهُ اهـ.
وَفِي الشِّفَاءِ وَكَذَلِكَ مَنْ ادَّعَى مُجَالَسَةَ اللَّهِ وَالْعُرُوجَ إلَيْهِ وَمُكَالَمَتَهُ يَعْنِي أَنَّهُ كَافِرٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الشَّافِعِيُّ فِي أَمَالِيهِ
[ ٦ / ٢٨٠ ]
إذَا قَالَ وَلِيٌّ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَا اللَّهُ عُزِّرَ التَّعْزِيرَ الشَّرْعِيَّ وَهَذَا لَا يُنَافِي الْوِلَايَةَ إذْ الْأَوْلِيَاءُ غَيْرُ مَعْصُومِينَ انْتَهَى.
(قُلْت) وَانْظُرْ مَا مُرَادُهُ بِالتَّعْزِيرِ الشَّرْعِيِّ هَلْ هُوَ الِاسْتِتَابَةُ أَوْ غَيْرُهَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الِاسْتِتَابَةُ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ فِيهِ دَعْوَى الْأُلُوهِيَّةِ أَوْ حُلُولُ الْبَارِي ﷾ فِيهِ فَتَأَمَّلْهُ.
ص (وَاسْتُتِيبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ)
ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ تَأْخِيرَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَاجِبٌ هَكَذَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ التَّوَسُّطِ فِي أُصُولِ الدِّينِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ اسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ لَهُ الْإِمْهَالَ؟، لَعَلَّهُ إنَّمَا ارْتَدَّ لِرَيْبٍ فَيُتَرَبَّصُ بِهِ مُدَّةً لَعَلَّهُ أَنْ يُرَاجِعَ الشَّكَّ بِالْيَقِينِ وَالْجَهْلَ بِالْعِلْمِ وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ أَوَّلًا اهـ. وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَعَرْضُ التَّوْبَةِ وَاجِبٌ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ الْمَذْهَبِ إلَّا أَنَّهُ إنْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ قَبْلَ اسْتِتَابَتِهِ فَبِئْسَ مَا صَنَعَ وَلَا يَكُونُ فِيهِ قَوَدٌ وَلَا دِيَةٌ انْتَهَى. وَانْظُرْ نَوَازِلَ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الدِّيَاتِ.
ص (فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ)
ش: فَإِنْ تَابَ فَلَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَصَاحِبُ اللُّبَابِ وَالذَّخِيرَةِ وَأَصْلُهُ فِي الْبَيَانِ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْمُحَارِبِينَ وَالْمُرْتَدِّينَ وَفِي أَوَاخِرِ
[ ٦ / ٢٨١ ]
الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِنْ تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ (مَسْأَلَةٌ) وَفِي عُيُونِ الْمَجَالِسِ لِلْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ إذَا ارْتَدَّ ثُمَّ تَابَ ثُمَّ اتَدَّ ثُمَّ تَابَ لَمْ يُعَزَّرْ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَيَجُوزُ أَنْ يُعَزَّرَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ إذَا رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ. وَلَسْت أَعْرِفُهُ مَنْصُوصًا وَلَكِنْ يَجُوزُ عِنْدِي وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأُولَى وَغَيْرِهَا أَنَّهُ فِي الْأُولَى يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَصَلَتْ لَهُ شُبْهَةٌ فَارْتَدَّ ثُمَّ رَجَعَ بِسَبَبِ زَوَالِهَا فَإِذَا عَاوَدَ الرِّدَّةَ بَعْدَ زَوَالِ الشُّبْهَةِ ثُمَّ تَابَ ضُرِبَ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ شُبْهَةٌ وَلَا يُزَادُ عَلَى التَّعْزِيرِ وَلَا يُحْبَسُ وَلَا يُقْتَلُ انْتَهَى
[تَنْبِيه مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ]
(تَنْبِيهٌ) صَرَّحَ فِي الشِّفَاءِ بِأَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ - ﷺ - إذَا قُلْنَا أَنَّ ذَلِكَ رِدَّةٌ وَأَنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنَّهُ إنْ تَابَ نُكِّلَ. وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَتْ رِدَّتُهُ بِسَبَبِ كَلَامٍ سَاقِطٍ فِي حَقِّ الْبَارِي أَوْ سَبٍّ لَهُ فَإِنَّهُ يُؤَدَّبُ وَقَالَهُ فِي الشِّفَاءِ أَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَمَالُهُ لِوَارِثِهِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَالَ الْمُرْتَدِّ لِوَارِثِهِ وَهَذَا إذَا تَابَ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتُبْ فَلَا قَالَهُ ابْنُ بُكَيْرٍ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَانْظُرْ أَوَاخِرَ الشِّفَاءِ وَابْنَ عَرَفَةَ.
ص (وَأَسْقَطَتْ صَلَاةً وَصِيَامًا إلَى قَوْلِهِ وَإِحْصَانًا) ش أَيْ وَأَسْقَطَتْ الرِّدَّةُ عَنْ الْمُرْتَدِّ صَلَاةً وَصِيَامًا وَزَكَاةً أَيْ أَبْطَلَتْ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالزَّكَاةَ الَّتِي تَعَلَّقَتْ بِالْمُرْتَدِّ مِنْ حِينِ تَعَلَّقَ ذَلِكَ بِهِ إلَى حِينِ رُجُوعِهِ إلَى الْإِسْلَامِ سَوَاءٌ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَإِنْ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ فَالْإِسْقَاطُ بِمَعْنَى إبْطَالِ ثَوَابِهِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَمْ
[ ٦ / ٢٨٢ ]
يَفْعَلْ ذَلِكَ فَالْإِسْقَاطُ بِمَعْنَى إبْطَالِ تَعَلُّقِهِ بِذِمَّتِهِ. وَسَوَاءٌ وَجَبَ ذَلِكَ قَبْلَ الرِّدَّةِ أَوْ أَدْرَكَهُ وَقْتَ وُجُوبِهِ وَهُوَ فِي حَالِ الرِّدَّةِ (فَرْعٌ) فَلَوْ صَلَّى صَلَاةً ثُمَّ ارْتَدَّ فِي وَقْتِهَا ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ وَوَقْتُهَا بَاقٍ بِحَيْثُ يُدْرِكُ مِنْهَا رَكْعَةً لَزِمَتْهُ. نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ الثَّالِثِ.
وَأَسْقَطَتْ الرِّدَّةُ حَجًّا تَقَدَّمَ مِنْ الْمُرْتَدِّ فِي حَالِ إسْلَامِهِ وَالْإِسْقَاطُ هُنَا بِمَعْنَى إبْطَالِ ثَوَابِهِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الْحَجِّ عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّ وَقْتَهُ مُتَّسِعٌ إلَى آخِرِ الْعُمْرِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ بِخِطَابِ مُبْتَدَأٍ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالزَّكَاةُ لِلْأَوْقَاتِ الْمُسْتَقْبَلَةِ قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ وَقِيلَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الْحَجِّ.
[فَرْعٌ ارْتَدَّ وَهُوَ مُحْرِمٌ]
(فَرْعٌ) فَلَوْ ارْتَدَّ وَهُوَ مُحْرِمٌ بَطَلَ إحْرَامُهُ قَالَهُ فِي النَّوَادِرِ فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فَرْضًا أَوْ قَدْ كَانَ حَجَّ الْفَرْضَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ اسْتِئْنَافِ حَجِّ الْفَرِيضَةِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا أَفْسَدَهُ مِنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ قَبْلَ رِدَّتِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ بَطَلَ وَسَقَطَ مِنْ ذِمَّتِهِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَسْقَطَتْ الرِّدَّةُ عَنْ الْمُرْتَدِّ نَذْرًا نَذَرَهُ فِي حَالِ إسْلَامِهِ أَوْ فِي حَالِ رِدَّتِهِ وَأَسْقَطَتْ الرِّدَّةُ عَنْ الْمُرْتَدِّ أَيْمَانًا بِاَللَّهِ حَلَفَهَا فِي حَالِ إسْلَامِهِ أَوْ فِي حَالِ رِدَّتِهِ أَوْ يَمِينًا بِعِتْقٍ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ سَوَاءٌ كَانَتْ الْيَمِينُ بِعِتْقِ مُعَيَّنٍ أَوْ بِعِتْقِ غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَهَذَا ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ ابْنُ الْكَاتِبِ وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَأَمَّا الْمُعَيَّنُ فَيَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ إنْسَانٍ مُعَيَّنٍ قَبْلَ رِدَّتِهِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ كَمَا يَلْزَمُهُ تَدْبِيرُهُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ يَظْهَرُ لِي أَنَّ تَدْبِيرَهُ كَعِتْقِهِ وَطَلَاقِهِ وَذَلِكَ بِخِلَافِ أَيْمَانِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّصْرَانِيَّ يَلْزَمُهُ تَدْبِيرُهُ إذَا أَسْلَمَ وَلَا يَلْزَمُهُ يَمِينُهُ وَكَذَلِكَ الْمُرْتَدُّ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فَكَانَ ابْنُ يُونُسَ يَقُولُ سَوَاءٌ كَانَتْ يَمِينُهُ بِعِتْقِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ أَنَّهَا تَسْقُطُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ انْتَهَى يُشِيرُ إلَى مَا نَقَلَهُ عِيَاضٌ وَنَصُّهُ: اخْتَلَفُوا فِي يَمِينِهِ بِالْعِتْقِ الَّتِي أَسْقَطَهَا هَلْ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ؟ وَأَمَّا الْمُعَيَّنُ فَيَلْزَمُ كَالْمُدَبَّرِ وَقِيلَ الْمُعَيَّنُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ اهـ. أَوْ يَمِينًا بِظِهَارٍ وَكَذَا الظِّهَارُ الْمُجَرَّدُ عَنْ الْيَمِينِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ يَتَحَصَّلُ فِي الظِّهَارِ الْمُجَرَّدِ وَالْيَمِينِ بِالظِّهَارِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهُمَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَسْقُطُ فِيهِمَا وَهُوَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فِي الْيَمِين بِالظِّهَارِ فَأَحْرَى فِي الْمُجَرَّدِ وَالثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ يَسْقُطُ فِيهِمَا وَهُوَ الَّذِي حَكَى عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ وَالثَّالِثُ يَلْزَمُ فِي الْمُجَرَّدِ وَلَا يَلْزَمُ فِي الْيَمِينِ وَهُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَإِذَا حَنِثَ فِي الظِّهَارِ الْمُجَرَّدِ بِالْوَطْءِ وَتَخَلَّدَتْ الْكَفَّارَةُ فِي ذِمَّتِهِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُعَلَّقِ بِصِفَةٍ أَيْ فَيَسْقُطُ وَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي الظِّهَارِ هَلْ النَّظَرُ إلَى مَا فِيهِ مِنْ التَّحْرِيمِ فَيُشْبِهُ الطَّلَاقَ أَوْ إلَى مَا فِيهِ مِنْ الْكَفَّارَةِ فَلَا يَلْحَقُ بِالطَّلَاقِ اهـ. وَقَالَ اللَّخْمِيُّ وَلَيْسَ الظِّهَارُ كَالطَّلَاقِ لِأَنَّ الْخِطَابَ فِي الطَّلَاقِ مُوَجَّهٌ إلَى الزَّوْجَيْنِ وَفِي الظِّهَارِ يَتَوَجَّهُ إلَى الزَّوْجِ خَاصَّةً اهـ فَتَأَمَّلْهُ
وَظَاهِرُ الْأُمِّ أَنَّ الظِّهَارَ الْمُجَرَّدَ يَسْقُطُ بِالرِّدَّةِ وَنَصُّهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْمُرْتَدُّ إذَا ارْتَدَّ وَعَلَيْهِ أَيْمَانٌ بِالْعِتْقِ وَعَلَيْهِ ظِهَارٌ وَعَلَيْهِ أَيْمَانٌ بِاَللَّهِ قَدْ حَلَفَ بِهَا أَنَّ الرِّدَّةَ تُسْقِطُ ذَلِكَ عَنْهُ اهـ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا أَيْمَانُهُ بِالطَّلَاقِ فَلَمْ يَنُصَّ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَيْهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ لَكِنَّ كَلَامَهُ يَقْتَضِي أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا السُّقُوطُ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهَا وَإِذَا ارْتَدَّ وَعَلَيْهِ أَيْمَانٌ بِاَللَّهِ أَوْ بِعِتْقٍ أَوْ ظِهَارٍ فَالرِّدَّةُ تُسْقِطُ ذَلِكَ عَنْهُ وَقَالَ غَيْرُهُ لَا تَطْرَحُ رِدَّتُهُ إحْصَانَهُ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا أَيْمَانَهُ بِالطَّلَاقِ انْتَهَى.
. وَأَسْقَطَتْ الرِّدَّةُ إحْصَانًا تَقَدَّمَ مِنْ الزَّوْجَيْنِ فِي حَالِ إسْلَامِهِمَا فَمَنْ ارْتَدَّ مِنْهُمَا زَالَ إحْصَانُهُ وَلَا يَزُولُ إحْصَانُ الْآخَرِ الَّذِي لَمْ يَرْتَدَّ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ. قَالَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ الثَّالِثِ: وَالرِّدَّةُ تُزِيلُ إحْصَانَ الْمُرْتَدِّ مِنْ الرَّجُلِ أَوْ الْمَرْأَةِ وَبِانْتِفَاءِ الْإِحْصَانِ إذَا أُحْصِنَا وَمَنْ زَنَى مِنْهُمَا بَعْدَ رُجُوعِهِ إلَى الْإِسْلَامِ وَقَبْلَ تَزَوُّجِهِ لَمْ يُرْجَمْ اهـ.
(فَرْعٌ) قَالَ الْمَشَذَّالِيّ فِي حَاشِيَتِهِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لَوْ ارْتَدَّ قَاصِدًا لِإِزَالَةِ الْإِحْصَانِ ثُمَّ أَسْلَمَ فَزَنَى فَإِنَّهُ يُرْجَمُ مُعَامَلَةً لَهُ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ انْتَهَى. وَانْظُرْ هَلْ يُحْكَمُ لَهُ بِالْإِحْصَانِ الْآنَ أَوْ لَا يَكُونُ مُحْصَنًا وَلَكِنْ يُعَامَلُ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ
[ ٦ / ٢٨٣ ]
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ؟ وَقَدْ ذَكَرَ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّ مَنْ ارْتَدَّ لِيَسْقُطَ عَنْهُ حَدُّ الزِّنَا أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ وَنَصَّهُ سَحْنُونٌ وَلَا تُسْقِطُ الرِّدَّةُ حَدَّ الزِّنَا لِأَنَّهُ لَا يَشَاءُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ أَنْ يَسْقُطَ بِالرِّدَّةِ إلَّا أَسْقَطَهُ بِالرِّدَّةِ ابْنُ يُونُسَ وَظَاهِرُ هَذَا خِلَافُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ إنْ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إنَّمَا ارْتَدَّ لِيَسْقُطَ الْحَدُّ قَاصِدًا لِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ ذَلِكَ عَنْهُ وَإِنْ ارْتَدَّ بِغَيْرِ ذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُ انْتَهَى.
ص (وَوَصِيَّةٌ)
ش: أَيْ وَأَسْقَطَتْ الرِّدَّةُ وَصِيَّةً صَدَرَتْ مِنْ الْمُرْتَدِّ فِي حَالِ رِدَّتِهِ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ بِخِلَافِ تَدْبِيرِهِ فَإِنَّهُ لَا يُبْطِلُهُ سَوَاءٌ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ أَمْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ بَلْ يُخْرَجُ مِنْ ثُلُثِهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ فَتَخْرُجُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَمَا أَعْتَقَهُ أَوْ أَعْطَاهُ لِغَيْرِهِ قَبْلَ رِدَّتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ وَانْظُرْ مَا حُكْمُ وَقْفِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ قِيَاسًا عَلَى الْعِتْقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (لَا طَلَاقًا)
ش: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ (صَلَاةً) وَيُرِيدُ إذَا أَوْقَعَ ذَلِكَ قَبْلَ الرِّدَّةِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الرِّدَّةَ لَا تُسْقِطُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الطَّلَاقِ قَالَهُ فِي النَّوَادِرِ وَقَالَ مَالِكٌ وَمَا طَلَّقَ فِي ارْتِدَادِهِ أَوْ أَعْتَقَ فَلَا يَلْزَمُهُ وَمَا طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ قَبْلَ الرِّدَّةِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ انْتَهَى. فَلَوْ طَلَّقَ ثَلَاثًا ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ تَحِلَّ لَهُ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ نَعَمْ لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ ارْتَدَّا جَمِيعًا عَنْ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَسْلَمَا فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُمَا الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ اللَّخْمِيُّ وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الشَّامِلِ.
ص (إلَّا الْمُرَاهِقَ وَالْمَتْرُوكَ لَهَا)
[ ٦ / ٢٨٤ ]
ش: اُنْظُرْ النِّكَاحَ الثَّالِثَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ.
ص (وَإِنْ سَبَّ نَبِيًّا إلَى قَوْلِهِ وَلَمْ يُسْتَتَبْ حُدَّ)
ش: قَالَ فِي الشِّفَاءِ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ سَوَاءٌ ظَهَرَ عَلَيْهِ أَوْ جَاءَ تَائِبًا وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ حُرًّا يَعْنِي بِهِ أَنَّ السَّبَّ لَيْسَ بِرِدَّةٍ قَالَ فِي الشِّفَاءِ وَهَذَا إنَّمَا هُوَ مَعَ إنْكَارِهِ لِمَا شُهِدَ عَلَيْهِ بِهِ أَوْ مَعَ إظْهَارِهِ التَّوْبَةَ وَالْإِقْلَاعَ عَنْهُ. قَالَ: وَأَمَّا مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ سَبَّهُ مُسْتَحِلًّا لَهُ فَلَا شَكَّ فِي كُفْرِهِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ سَبُّهُ فِي نَفْسِهِ كُفْرًا كَتَكْذِيبِهِ أَوْ تَكْفِيرِهِ وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يُظْهِرْ التَّوْبَةَ وَاعْتَرَفَ بِمَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ وَصَمَّمَ فَهَذَا كَافِرٌ بِقَوْلِهِ. وَبِاسْتِحْلَالِهِ هَتْكَ حُرْمَةِ اللَّهِ وَحُرْمَةِ نَبِيِّهِ قُتِلَ كُفْرًا بِلَا خِلَافٍ. انْتَهَى. ثُمَّ قَالَ لَمَّا قُرِّرَ أَنَّ مِيرَاثَ السَّابِّ لِوَرَثَتِهِ أَنَّ ذَلِكَ فِيمَنْ أَنْكَرَ مَا شُهِدَ عَلَيْهِ بِهِ أَوْ اعْتَرَفَ بِهِ وَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ قَالَ وَأَمَّا لَوْ أَقَرَّ بِهِ وَتَمَادَى عَلَى السَّبِّ كَانَ كَافِرًا وَمِيرَاثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُكَفَّنُ وَتُسْتَرُ عَوْرَتُهُ وَيُوَارَى كَمَا يُفْعَلُ بِالْكُفَّارِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ الْمَشَذَّالِيّ فِي آخِرِ النِّكَاحِ الثَّالِثِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَإِذَا ارْتَدَّ ثُمَّ رَاجَعَ الْإِسْلَامَ وُضِعَ عَنْهُ كُلُّ حَقٍّ (سُئِلَ) ابْنُ عَرَفَةَ عَمَّنْ وَقَعَ فِي الْجَنَابِ الْعَلِيِّ بِمَا يُوجِبُ قَتْلَهُ فَلَمْ يُقْتَلْ حَتَّى ارْتَدَّ ثُمَّ رَاجَعَ الْإِسْلَامَ هَلْ يَسْقُطُ قَتْلُهُ؟ فَقَالَ: الَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ يَسْقُطُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ إلَّا الْقَذْفَ وَلَوْ كَانَ ثَمَّ غَيْرُهُ لَذَكَرَهُ. قَالَ الْمَشَذَّالِيّ (قُلْتُ) قَالَ عِيَاضٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمُحَمَّدٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قُتِلَ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ الْكَافِرُ فَظَاهِرُ تَخْصِيصِهِ بِالْكَافِرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَسْقُطُ وَذَكَرَ بَعْدَهُ هَلْ الْحَقُّ لِلَّهِ أَوْ لِلْآدَمِيِّ؟ فَهَذَا مَنَاطُ الْحُكْمِ انْتَهَى.
[مَسْأَلَة سَبَّ عَائِشَةَ ﵂]
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ احْتِرَامِ الصَّحَابَةِ وَتَحْرِيمِ سَبِّهِمْ وَلَا يُخْتَلَفُ فِي أَنَّ مَنْ قَالَ كَانُوا عَلَى
[ ٦ / ٢٨٥ ]
كُفْرٍ وَضَلَالٍ كَافِرٌ يُقْتَلُ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ مَعْلُومًا مِنْ الشَّرْعِ فَقَدْ كَذَّبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَنْ كَفَّرَ أَحَدَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ أَوْ ضَلَّلَهُمْ.
وَهَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ فَيُسْتَتَابُ؟ أَوْ الزِّنْدِيقِ فَلَا يُسْتَتَابُ وَيُقْتَلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ؟ هَذَا مِمَّا يُخْتَلَفُ فِيهِ فَأَمَّا مَنْ سَبَّهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ سَبًّا يُوجِبُ حَدًّا كَالْقَذْفِ حُدَّ حَدَّهُ ثُمَّ يُنَكَّلُ التَّنْكِيلَ الشَّدِيدَ مِنْ الْحَبْسِ وَالتَّخْلِيدِ فِيهِ وَالْإِهَانَةِ مَا خَلَا عَائِشَةَ فَإِنَّ قَاذِفَهَا يُقْتَلُ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ بَرَاءَتِهَا. قَالَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ وَاخْتُلِفَ فِي غَيْرِهَا مِنْ أَزْوَاجِهِ - ﷺ - فَقِيلَ يُقْتَلُ قَاذِفُهَا لِأَنَّ ذَلِكَ أَذًى لِلنَّبِيِّ - ﷺ - وَقِيلَ يُحَدُّ وَيُنَكَّلُ عَلَى قَوْلَيْنِ وَأَمَّا مَنْ سَبَّهُمْ بِغَيْرِ الْقَذْفِ فَإِنَّهُ يُجْلَدُ الْجَلْدَ الْمُوجِعَ وَيُنَكَّلُ التَّنْكِيلَ الشَّدِيدَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَيُخَلَّدُ فِي السِّجْنِ إلَى أَنْ يَمُوتَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ سَبَّ عَائِشَةَ أَنَّهُ يُقْتَلُ مُطْلَقًا وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى السَّبِّ بِالْقَذْفِ انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ وَأَمَّا الْيَوْمُ فَمَنْ قَالَ ذَلِكَ فِي عَائِشَةَ قُتِلَ لِتَكْذِيبِ الْقُرْآنِ وَكُفْرِهِ بِذَلِكَ وَأَمَّا غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِهِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُحَدُّ لِمَا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ وَيُعَاقَبُ لِغَيْرِهِ وَحَكَى ابْنُ شَعْبَانَ قَوْلًا آخَرَ أَنَّهُ يُقْتَلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَكَأَنَّ هَذَا الْتَفَتَ إلَى أَذَى النَّبِيِّ - ﷺ - حَيًّا وَمَيِّتًا انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ أَيْضًا: وَسَبُّ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَتَنَقُّصُهُمْ أَوْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ الْكَبَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ.
وَقَدْ [لَعَنَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَاعِلَ ذَلِكَ] وَذَكَرَ أَنَّ مَنْ آذَاهُ وَآذَى اللَّهَ تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فَعَبْدُ الْمَلِكِ.
وَمَشْهُورُ مَذْهَبِهِ إنَّمَا فِيهِ الِاجْتِهَادُ بِقَدْرِ قَوْلِهِ وَالْمَقُولُ فِيهِ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْفَيْءِ حَقٌّ وَأَمَّا مَنْ قَالَ فِيهِمْ إنَّهُمْ كَانُوا عَلَى ضَلَالَةٍ وَكُفْرٍ فَيُقْتَلُ وَحُكِيَ عَنْ سَحْنُونٍ مِثْلُ هَذَا فِيمَنْ قَالَهُ فِي الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ قَالَ وَيُنَكَّلُ فِي غَيْرِهِمْ وَحُكِيَ عَنْهُ يُقْتَلُ فِي الْجَمِيعِ كَقَوْلِ مَالِكٍ انْتَهَى. فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ قَالَ فِي أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَنَّهُ عَلَى ضَلَالَةٍ وَكُفْرٍ أَنَّهُ يُقْتَلُ وَانْظُرْ الشِّفَاءَ وَقَدْ حُكِيَ فِيهِ الْخِلَافُ حَتَّى فِيمَنْ كَفَّرَ عَلِيًّا وَعُثْمَانَ وَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الشَّافِعِيُّ فِي أَمَالِيهِ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِذَلِكَ.
[مَسْأَلَة رَجُلٍ قَالَ إنَّ أَبَا النَّبِيّ فِي النَّارِ]
مَسْأَلَةٌ. قَالَ الشَّيْخُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيّ فِي مَسَالِكِ الْحُنَفَا فِي وَالِدَيْ الْمُصْطَفَى قَالَ نَقَلْت مِنْ مَجْمُوعٍ بِخَطِّ الشَّيْخِ كَمَالِ الدِّينِ الشِّيمِيِّ وَالِدِ شَيْخِنَا الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ مَا نَصُّهُ سُئِلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ رَجُلٍ قَالَ إنَّ أَبَا النَّبِيِّ - ﷺ - فِي النَّارِ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ مَلْعُونٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧] قَالَ وَلَا أَذَى أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُقَالَ فِي أَبِيهِ أَنَّهُ فِي النَّارِ انْتَهَى بِلَفْظِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(غَرِيبَةٌ) ذَكَرَهَا صَاحِبُ كَنْزِ الرَّاغِبِينَ الْعُفَاةِ فِي الرَّمْزِ إلَى الْمَوْلِدِ وَالْوَفَاةِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الْمُصَنِّفِ قَالَ: ذَكَرَ صَاحِبُنَا الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ الْمُلَقَّبُ بِالرَّائِقِ خَطِيبُ مَدِينَةِ بَيْرُوتَ وَإِمَامُهَا عَنْ السَّيِّدِ عُمَرَ الْحَضْرَمِيِّ مِنْ أَهْلِ بَيْرُوتَ أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِرَافِضٍ مِنْ أَهْلِ جَبَلِ عَامِلَةَ فَقَالَ لَهُ الرَّافِضِيُّ: نَحْنُ نَبْغَضُ أَبَا بَكْرٍ لِتَقَدُّمِهِ فِي الْخِلَافَةِ عَلَى عَلِيٍّ وَنَبْغَضُ جِبْرِيلَ لِأَنَّهُ نَزَلَ بِالرِّسَالَةِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَلَمْ يَنْزِلْ عَلَى عَلِيٍّ وَنَبْغَضُ مُحَمَّدًا - ﷺ - لِأَنَّهُ قَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ فِي النِّيَابَةِ عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يُقَدِّمْ عَلِيًّا وَنَبْغَضُ عَلِيًّا لِسُكُوتِهِ عَنْ طَلَبِ حَقِّهِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، وَنَبْغَضُ اللَّهَ لِأَنَّهُ أَرْسَلَ مُحَمَّدًا وَلَمْ يُرْسِلْ عَلِيًّا.
وَهَذَا أَقْبَحُ مَا يَكُونُ مِنْ الْكُفْرِ الَّذِي مَا سُمِعَ بِمِثْلِهِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ. قَالَ: وَذَكَرَ ابْنُ بَشْكُوَالٍ بِسَنَدِهِ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ يُونُسَ قَالَ كُنْتُ بِصَنْعَاءَ فَرَأَيْت رَجُلًا وَالنَّاسُ حَوْلَهُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ فَقُلْت مَا هَذَا قَالُوا هَذَا رَجُلٌ كَانَ يَؤُمُّ بِنَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ فَلَمَّا بَلَغَ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] قَالَ إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى عَلِيِّ النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
[ ٦ / ٢٨٦ ]
صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا. فَخَرِصَ وَجَذِمَ وَبَرِصَ وَعَمِيَ وَأُقْعِدَ مَكَانَهُ انْتَهَى.
ص (إلَّا أَنْ يُسْلِمَ الْكَافِرُ)
ش: اُنْظُرْ مَا نَقَلَهُ الْأَبِيُّ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ وَأَظُنُّهُ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ.
(وَاسْتُتِيبَ فِي هُزِمَ)
ش: وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِم: وَمَنْ قَالَ أَنَّهُ فَرَّ أَوْ هُزِمَ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ لِأَنَّهُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَالَ أَنَّهُ كَانَ أَسْوَدَ أَوْ ضَخْمًا فَأَنْكَرَ مَا عَلِمَ مِنْ وَصْفِهِ وَذَلِكَ كُفْرٌ لِأَنَّهُ قَدْ أَضَافَ إلَيْهِ نَقْصًا وَعَيْبًا وَقِيلَ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ انْتَهَى.
ص (وَأُدِّبَ اجْتِهَادًا فِي أَدِّ وَاشْتَكِ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -)
ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ (مَسَائِلُ) مِنْ
[ ٦ / ٢٨٧ ]
فَتَاوَى الشَّيْخِ سِرَاجِ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ وَالشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الشَّافِعِيِّ تَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مِنْ مَعْنَى هَذَا الْبَابِ سُئِلَ الْبُلْقِينِيُّ عَنْ رَجُلٍ أَمْسَكَ غَرِيمًا لَهُ وَقَالَ: لَوْ وَقَفَ عِزْرَائِيلُ قَابِضُ الْأَرْوَاحِ مَا سَيَّبْته إلَّا بِحُكْمِ الشَّرْعِ فَأَجَابَ إذَا
[ ٦ / ٢٨٨ ]
كَانَ مُرَادُهُ لَوْ وَقَفَ لِقَبْضِ رُوحِي مَا سَيَّبْته فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا صَدَرَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ وَمَعْنَى لَا أُسَيِّبُهُ وَلَوْ فِي ذَلِكَ ذَهَابُ الرُّوحِ وَهَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَلَكِ - ﷺ - (قُلْت) وَأَمَّا لَوْ قَصَدَ الِاسْتِخْفَافَ بِذَلِكَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُؤَدَّبُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الشِّفَاءِ وَأَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: لَوْ سَبَّنِي مَلَكٌ لَسَبَبْتُهُ.
وَسُئِلَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الشَّافِعِيِّ مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَالَ فِي مَلَأٍ مِنْ النَّاسِ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي حَقِيقَةِ الْفَقِيرِ. فَقَالَ الْفَقِيرُ الَّذِي لَا حَاجَةَ لَهُ إلَى اللَّهِ فَهَلْ فِي إطْلَاقِ هَذَا الْقَوْلِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ وَهَلْ إذَا ذَكَرَ لِذَلِكَ تَأْوِيلًا مُحْتَمَلًا وَلَوْ عَلَى بُعْدٍ أَيُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ لَا؟ فَأَجَابَ يُعَزَّرُ عَلَى ذَلِكَ تَعْزِيرًا بَلِيغًا رَادِعًا، وَيُجَدِّدُ إسْلَامَهُ وَلَا يُقْبَلُ تَأْوِيلُهُ فِي هَذَا الْقَوْلِ لِمَا فِيهِ مِنْ سُوءِ الْأَدَبِ وَالرَّدِّ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥] وَهَذَا الْقَوْلُ إنْ لَمْ يَكُنْ كُفْرًا فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْكُفْرِ. فَلَا أَكْثَرَ اللَّهُ مِنْ هَذِهِ الشَّيَاطِينِ الْمُضِلِّينَ وَيَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يُبَالِغَ فِي رَدْعِ هَذَا الْخَبِيثِ الْمُجْتَرِئِ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ اهـ.
(قُلْت) لَعَلَّهُ تَرَدَّدَ فِي كَوْنِ هَذَا اللَّفْظِ كُفْرًا لِكَوْنِ قَائِلِهِ ذَكَرَ لَهُ تَأْوِيلًا وَأَمَّا مَنْ اعْتَقَدَ مَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ مُكَذِّبٌ لِلْقُرْآنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ الْبُلْقِينِيُّ عَنْ رَجُلٍ ظَلَمَهُ مُكَّاسٌ ظُلْمًا كَثِيرًا فَقَالَ الرَّجُلُ: الَّذِي يَكْتُبُهُ فُلَانٌ الْمُكَّاسُ مَا يَمْحِيهِ رَبُّنَا. مَا يَلْزَمُهُ؟ فَأَجَابَ إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ عَدَمَ تَعَلُّقِ قُدْرَةِ الرَّبِّ فَإِنَّهُ لَا يَكْفُرُ سَوَاءٌ قَصَدَ أَنَّ الْمُكَّاسَ شَدِيدُ الْبَأْسِ يُصَمِّمُ عَلَى مَا يَكْتُبُ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ فَإِنْ قَصَدَ أَنَّ رَبَّنَا لَا يَقْدِرُ عَلَى مَحْوِهِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ وَيُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ.
وَسُئِلَ عَنْ مُسْلِمٍ قَالَ لِذِمِّيٍّ فِي عِيدٍ مِنْ أَعْيَادِهِمْ: عِيدٌ مُبَارَكٌ عَلَيْك. هَلْ يَكْفُرُ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ إنْ قَالَهُ الْمُسْلِمُ لِلذِّمِّيِّ عَلَى قَصْدِ تَعْظِيمِ دِينِهِمْ وَعِيدِهِمْ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا جَرَى ذَلِكَ عَلَى لِسَانِهِ فَلَا يَكْفُرُ لِمَا قَالَهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ.
وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يَدَّعِي أَنَّهُ إذَا غَضِبَ عَلَى أَحَدٍ أُصِيبَ فِي بَدَنِهِ أَوْ مَنْصِبِهِ لِأَجْلِ غَضَبِهِ. فَقَالَ لَهُ: رَجُلٌ لَوْ سَمِعَ اللَّهُ مِنْك لَأَخْرَبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ يَعْنِي لَوْ قَبِلَ دُعَاءَك. فَهَلْ يَجِبُ عَلَى قَائِلِ هَذَا الْكَلَامِ شَيْءٌ؟ وَمَاذَا يَجِبُ عَلَى مَنْ قَالَ لَهُ كَفَرْت بِهَذَا الْكَلَامِ؟ فَأَجَابَ لَا يَجِبُ عَلَى قَائِلِ ذَلِكَ شَيْءٌ وَمَنْ رَمَاهُ بِكُفْرٍ أَوْ غَيْرِهِ بِالتَّأْوِيلِ زُجِرَ عَنْ ذَلِكَ. وَيَعْرِفُ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [المؤمنون: ٧١] وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ عَمَّا صَدَرَ مِنْهُ.
وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يُصْبِحُ كُلَّ يَوْمٍ يَشْتَغِلُ بِالنَّاسِ وَيَجْعَلُهُمْ فِي غَيْرِ الْإِسْلَامِ. وَيَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا أَكَلَتْ الْعُلَمَاءُ الرِّشَا أَكَلَتْ النَّاسُ الْحَرَامَ وَإِذَا أَكَلَتْ الْعُلَمَاءُ الْحَرَامَ كَفَرَتْ النَّاسُ. وَيَذْكُرُ أَنَّهُ وَقْتُنَا هَذَا. فَعُوتِبَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: مَا قُلْتُهُ مِنْ عِنْدِي قَالَهُ الْفَقِيهُ حُسَيْنٌ الْمَغْرِبِيُّ فَأَجَابَ قَدْ ارْتَكَبَ الْمَذْكُورُ كَبَائِرَ بِجَعْلِ الْمُسْلِمِينَ فِي غَيْرِ الْإِسْلَامِ. وَبِمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْعُلَمَاءِ وَعَنْ كُفْرِ النَّاسِ وَبِذِكْرِهِ أَنَّهُ وَقْتُنَا وَقَدْ كُذِّبَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَافْتَرَى. فَدِينُ الْإِسْلَامِ بِحَمْدِ اللَّهِ قَائِمٌ وَالْأُمَّةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ قَائِمَةٌ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْعَثُ لِلْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ عَامٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا أَمْرَ دِينِهَا وَيَجِبُ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ التَّعْزِيرُ الْبَلِيغُ الزَّاجِرُ لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْبَاطِلَةِ وَيُبَادِرُ إلَى التَّوْبَةِ فَإِذَا ظَهَرَ مِنْ حُسَيْنٍ الْمَغْرِبِيِّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ انْتَهَى.
(قُلْت) وَمَا ذَكَرَهُ كَلَامٌ لَا مَعْنَى لَهُ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الرِّشَا أَخَفُّ مِنْ الْحَرَامِ. وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّ الرِّشَا أَخْبَثُ مِنْ الْحَرَامِ وَإِنَّهَا السُّحْتُ
. وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ قَالَ فِي مِيعَادِهِ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: «إنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُوَافِقُهُ إلَّا الْفَقْرُ وَلَوْ أَغْنَيْته لَفَسَدَ» الْحَدِيثَ وَفِي آخِرِهِ وَمُرَادُ الْحَقِّ مِنْ الْخَلْقِ مَا هُمْ عَلَيْهِ. فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ رَجُلٌ صِحَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ فَهَلْ الْحَدِيثُ مَرْوِيٌّ؟ وَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ وَمُرَادُ الْحَقِّ مِنْ الْخَلْقِ مَا هُمْ عَلَيْهِ؟ فَأَجَابَ هَذَا أَثَرٌ مَرْوِيٌّ وَمَعْنَاهُ صَحِيحٌ وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَى قَائِلِهِ شَيْءٌ وَمَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ مَا يَفْعَلُهُ الْخَلْقُ وَمَا اشْتَمَلُوا عَلَيْهِ مِنْ هُدًى وَغَيٍّ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ وَإِرَادَتِهِ. وَهَذَا اعْتِقَادُ أَهْلِ السُّنَّةِ
وَسُئِلَ الشَّيْخُ
[ ٦ / ٢٨٩ ]
عِزُّ الدِّينِ عَنْ الرَّجُل يَذْكُرُ فَيَقُولُ: اللَّهُ اللَّهُ وَيَقْتَصِرُ عَلَى ذَلِكَ هَلْ هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِمَثَابَتِهِ فَهَلْ هُوَ بِدْعَةٌ لَمْ تُنْقَلْ عَنْ السَّلَفِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ هَذِهِ بِدْعَةٌ لَمْ تُنْقَلْ عَنْ الرَّسُولِ - ﷺ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ الْجَهَلَةُ، وَالذِّكْرُ الْمَشْرُوعُ كُلُّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً أَوْ اسْمِيَّةً وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَذْكَارِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي اتِّبَاعِ الرَّسُولِ وَاتِّبَاعِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ دُونَ الْأَغْبِيَاءِ مِنْ الْجَاهِلِينَ انْتَهَى.
وَسُئِلَ الْبُلْقِينِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ يَذْكُرُونَ وَفِي أَثْنَاءِ ذِكْرِهِمْ يَقُولُونَ: مُحَمَّدٌ مُحَمَّدٌ وَيُكَرِّرُونَ الِاسْمَ الشَّرِيفَ وَيَقُولُونَ آخِرَ ذَلِكَ: مُحَمَّدٌ مُكَرَّمٌ مُعَظَّمٌ. هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ ذِكْرًا يُؤْجَرُونَ عَلَيْهِ؟ وَهَلْ فِيهِ إسَاءَةٌ؟ وَهَلْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ؟ فَأَجَابَ لَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ آيَةٌ وَلَا خَبَرٌ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - وَلَا أَثَرٌ عَنْ الصَّحَابَةِ وَلَا عَنْ التَّابِعِينَ وَلَا عَنْ الْفُقَهَاءِ بَعْدَهُمْ وَلَا ذَلِكَ مِنْ الْأَذْكَارِ الْمَشْرُوعَةِ وَلَا يُؤْجَرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَهُمْ مُبْتَدِعُونَ شَيْئًا قَدْ يَقَعُونَ بِهِ فِي إسَاءَةِ الْأَدَبِ وَأَمَّا قَوْلُهُ مُحَمَّدٌ مُحَمَّدٌ مُكَرَّمٌ مُعَظَّمٌ. فَهَذَا لَيْسَ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَهُوَ إخْبَارٌ بِالْوَاقِعِ وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ مَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا، وَالْقِيَاسُ عَلَى مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢] وَمَا طُلِبَ مِنْ الْأَدَبِ مِنْهُمْ فِي حَقِّ النَّبِيِّ - ﷺ - يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ انْتَهَى.
(قُلْت) قَوْلُهُ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ مُحَمَّدٌ مُحَمَّدٌ مُكَرَّمٌ مُعَظَّمٌ يَعْنِي مِنْ غَيْرِ تَكْرِيرٍ لِلِاسْمِ الشَّرِيفِ وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الْعَامَّةِ صَلُّوا عَلَى مُحَمَّدٍ.