ٌ ص (وَالْبَحْرِيُّ، وَإِنْ مَيِّتًا) ش: أَيْ، وَإِنْ وُجِدَ طَافِيًا مَيِّتًا بِنَفْسِهِ (فَرْعٌ): قَالَ فِي اللُّبَابِ: وَإِذَا وُجِدَ حُوتٌ فِي بَطْنِ حُوتٍ أُكِلَ، وَإِنْ وُجِدَ فِي بَطْنِ طَيْرٍ مَيِّتٍ فَقِيلَ لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ نَجِسًا، وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: الصَّوَابُ جَوَازُ أَكْلِهِ كَمَا لَوْ وَقَعَ حُوتٌ فِي نَجَاسَةٍ، فَإِنَّهُ يُغْسَلُ، وَيُؤْكَلُ انْتَهَى.
قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ: وَفَرَّقَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ بِأَنَّ وُقُوعَهَا فِي نَجَاسَةٍ أَخَفُّ بِخِلَافِ حُصُولِهِ فِي بَطْنِ الطَّيْرِ إذَا مَرَّ عَلَيْهِ زَمَانٌ تَسْرِي فِيهِ النَّجَاسَةُ بِالْحَرَارَةِ، فَأَشْبَهَ طَبْخَ اللَّحْمِ بِالْمَاءِ النَّجِسِ إلَّا أَنْ يُقَالَ النَّارُ فِي الْحَرَارَةِ أَشَدُّ، وَعَلَى هَذَا لَوْ حَصَلَتْ فِي بَطْنِ خِنْزِيرٍ، وَمَاتَ، فَإِنَّهُ يَجْرِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَلَا يُطَهَّرُ زَيْتٌ خُولِطَ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ مَلَّحَ حِيتَانًا، فَوَجَدَ فِيهَا ضَفَادِعَ مَيِّتَةً أُكِلَتْ قِيلَ الضَّمِيرُ لِلضَّفَادِعِ، وَقِيلَ لِلْحِيتَانِ وَالْجَمِيعُ يُؤْكَلُ وَفِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحُ ذِكْرُ غَمْسِهِ فِي النَّارِ حَيًّا أَوْ فِي الطِّينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَانْظُرْ الْبُرْزُلِيَّ، وَنَصُّ مَا فِي السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ.
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْحُوتِ يُوجَدُ حَيًّا أَيُقْطَعُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا ذَكَاةَ فِيهِ، وَأَنَّهُ لَوْ وُجِدَ مَيِّتًا أُكِلَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ أَنْ يُقْطَعَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ وَأَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ، وَهُوَ حَيٌّ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَدْ كَرِهَهُ فِي رَسْمِ الْجَنَائِزِ وَالصَّيْدِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ فِي مَوْضِعَيْنِ: كَرَاهِيَةً غَيْرَ شَدِيدَةٍ، وَظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْإِبَاحَةُ، وَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْحُوتَ لَمَّا كَانَ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَذْكِيَةٍ، وَكَانَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقْتُلَهُ بِأَيِّ نَوْعٍ شَاءَ مِنْ أَنْوَاعِ الْقَتْلِ فِي الْمَاءِ، وَأَنْ يَقْطَعَهُ فِيهِ إنْ شَاءَ كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الْمَاءِ، وَالْوَجْهُ فِي كَرَاهَةِ ذَلِكَ أَنَّ الْحُوتَ مُذَكًّى، فَالْحَيَاةُ الَّتِي تَبْقَى فِيهِ بَعْدَ صَيْدِهِ تُشَابِهُ الْحَيَاةَ الَّتِي تَبْقَى فِي الذَّبِيحَةِ بَعْدَ ذَبْحِهَا، فَيُكْرَهُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يُكْرَهُ فِي الْآخَرِ انْتَهَى. وَنَصُّ مَا فِي رَسْمِ الْجَنَائِزِ وَالصَّيْدِ فِي الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ.
وَسُئِلَ عَنْ الْحِيتَانِ تُصَادُ فَتُغْمَسُ رُءُوسُهَا فِي الطِّينِ لِتَمُوتَ فَكَرِهَهُ، وَلَمْ يَرَهُ شَدِيدًا، وَنَصُّ مَا فِي الْمَوْضِعِ الثَّانِي.
وَسَأَلْتُهُ عَنْ الْحُوتِ أَيُطْرَحُ فِي النَّارِ حَيًّا، قَالَ مَا أَكْرَهُهُ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً، وَهُوَ إنْ تَرَكَهُ قَلِيلًا مَاتَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إثْرَ الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ هَذَا نَحْوُ قَوْلِهِ بَعْدَ هَذَا فِي طَرْحِ الْحُوتِ فِي النَّارِ حَيًّا قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَهُوَ خِلَافُ مَا مَضَى فِي رَسْمِ سِلْعَةٍ سَمَّاهَا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَدْ مَضَى هُنَاكَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَطَيْرٌ وَلَوْ جَلَّالَةً)
ش: الْجَلَّالَةُ فِي اللُّغَةِ الْبَقَرَةُ الَّتِي تَتْبَعُ النَّجَاسَاتِ قَالَ فِي الصِّحَاحِ: الْجَلَّالَةُ الْبَقَرَةُ الَّتِي تَتْبَعُ النَّجَاسَاتِ، وَفِي الْحَدِيثِ «نَهْيٌ عَنْ لَبَنِ الْجَلَّالَةِ» انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَالْفُقَهَاءُ اسْتَعْمَلُوهَا فِي كُلِّ حَيَوَانٍ يَسْتَعْمِلُ النَّجَاسَةَ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ: الْجَلَّالَةُ مِنْ الْحَيَوَانِ الَّتِي تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ وَالْجِلَّةَ الْبَعْرَ فَوُضِعَ مَوْضِعَ الْعَذِرَةِ انْتَهَى. وَأَتَى الْمُصَنِّفُ بِلَوْ الْمُشْعِرَةِ بِالْخِلَافِ تَبَعًا لِلَّخْمِيِّ قَالَ عَنْهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ الذَّبَائِحِ وَفِي اللَّخْمِيِّ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ: اُخْتُلِفَ فِي الْحَيَوَانِ يُصِيبُ النَّجَاسَةَ هَلْ تَنْقُلُهُ عَنْ حُكْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا، فَقِيلَ هُوَ عَلَى حُكْمِهِ فِي الْأَصْلِ فِي أَسْآرِهَا وَأَعْرَاقِهَا وَلُحُومِهَا وَأَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، وَقِيلَ تَنْقُلُهُ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ نَجِسٌ انْتَهَى. وَلَمْ يَتْبَعْ فِي حِكَايَتِهِ الِاتِّفَاقَ عَلَى إبَاحَةِ الْجَلَّالَةِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: عَنْهُ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَكْلِ ذَوَاتِ الْحَوَاصِلِ مِنْ الْجَلَّالَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي ذَوَاتِ الْكِرْشِ فَكَرِهَ جَمَاعَةٌ أَكْلَ الْجَلَّالَةِ مِنْهَا وَشُرْبَ أَلْبَانِهَا لِمَا رُوِيَ عَنْهُ - ﵊ - أَنَّهُ «نَهَى عَنْ لُحُومِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا»، وَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ فِي أَنَّ أَكْلَ لَحْمِ الْمَاشِيَةِ وَالطَّيْرِ الَّذِي يَتَغَذَّى بِالنَّجَاسَةِ حَلَالٌ جَائِزٌ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْأَلْبَانِ وَالْأَبْوَالِ
[ ٣ / ٢٢٩ ]
وَالْأَعْرَاقِ انْتَهَى قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَكَلَامُ اللَّخْمِيِّ هُوَ الصَّحِيحُ انْتَهَى بِمَعْنَاهُ. انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ
. ص (وَنَعَمٌ) ش تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الذَّكَاةِ أَنَّ النَّعَمَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ اسْمٌ لِلْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ دُرَيْدٍ وَالْهَرَوِيُّ وَالْحَرِيرِيُّ فِي دُرَّةُ الْغَوَّاصِ وَقَالُوا إنَّهُ خَاصٌّ بِالْإِبِلِ، وَقِيلَ إنَّهُ اسْمٌ لِلْإِبِلِ وَالْبَقَرِ دُونَ الْغَنَمِ وَكَلَامُ الْمُحْكَمِ يَقْتَضِي أَنَّهُ اسْمٌ لِلْإِبِلِ وَالْغَنَمِ دُونَ الْبَقَرِ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ): قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ: اسْتَعْمَلَ الْمُصَنِّفُ الْأَنْعَامَ فِي الثَّمَانِيَةِ الْأَزْوَاجِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام: ١٤٢] وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ غَالِبَ مَا يُسْتَعْمَلُ هَذَا اللَّفْظُ فِي الْإِبِلِ خَاصَّةً، وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ جَاءَ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ انْتَهَى.
(قُلْت) وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ بَعْضِهِمْ غَرِيبٌ إنَّمَا رَأَيْتُهُ فِي لَفْظِ النَّعَمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ): قَالَ فِي الْأَلْغَازِ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: يُمْنَعُ مِنْ ذَبْحِ الْفَتِيِّ مِنْ الْإِبِلِ مِمَّا فِيهِ الْحَمُولَةُ وَذَبْحِ الْفَتِيِّ مِنْ الْبَقَرِ مِمَّا هُوَ لِلْحَرْثِ وَذَبْحِ ذَوَاتِ الدَّرِّ مِنْ الْغَنَمِ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ لِلنَّاسِ فَتُمْنَعُ الْمَصْلَحَةُ الْخَاصَّةُ ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْغَصْبِ انْتَهَى. مِنْ الذَّبَائِحِ، وَانْظُرْ أَوَّلَ كِتَابِ الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ مِنْ الْبَيَانِ وَالْإِكْمَالِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ - ﷺ - نَكِّبْ عَنْ ذَوَاتِ الدَّرِّ ص
(وَقُنْفُذٌ)
ش: بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الْفَاءِ، وَقَدْ تُفْتَحُ وَآخِرَهُ ذَالٌ مُعْجَمَةٌ وَالْأُنْثَى قُنْفُذَةٌ، وَجَمْعُهُ قَنَافِذُ، وَيُقَالُ لِلذَّكَرِ: شَيْهَمٌ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْهَاءِ اُنْظُرْ الْقَامُوسَ وَالصِّحَاحَ فِي فَصْلِ الْقَافِ مِنْ بَابِ الذَّالِ وَفَصْلَ الشِّينِ مِنْ بَابِ الْمِيمِ وَضِيَاءُ الْحُلْقُومِ.
ص (وَحَيَّةٌ أُمِنَ سُمُّهَا وَخَشَاشُ أَرْضٍ)
ش: قَالَ: فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الذَّبَائِحِ، وَإِذَا ذُكِّيَتْ الْحَيَّاتُ فِي مَوْضِعِ ذَكَاتِهَا، فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهَا لِمَنْ احْتَاجَ إلَيْهَا، وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ خَشَاشِ الْأَرْضِ، وَهَوَامِّهَا وَذَكَاةُ ذَلِكَ كَذَكَاةِ الْجَرَادِ انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: مَوْضِعُ ذَكَاتِهَا يُرِيدُ حَلْقَهَا، وَهُوَ مَوْضِعُ الذَّكَاةِ مِنْ غَيْرِهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: صِفَةُ ذَكَاتِهَا مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ جِهَةِ ذَنَبِهَا مِقْدَارٌ خَاصٌّ فَإِنْ كَانَ اثْنَانِ وَضَعَ أَحَدُهُمَا الْمُوسَى عَلَى حَلْقِهَا وَالْآخَرُ عَلَى الْمِقْدَارِ الْخَاصِّ مِنْ جِهَةِ ذَنَبِهَا فَيَقْطَعَانِ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُذَكِّي وَاحِدًا جَمَعَ طَرَفَيْهَا، وَوَضَعَ الْمُوسَى عَلَى ذَلِكَ، وَقَطَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا تُؤْكَلُ بِالْعَقْرِ وَقَالَ أَشْهَبُ: وَتُؤْخَذُ بِرِفْقٍ وَمَهَلٍ، وَلَا يَغِيظُهَا لِئَلَّا يَسْرِيَ السُّمُّ فِيهَا، وَقَوْلُهُ لِمَنْ احْتَاجَ إلَيْهَا الشَّيْخُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ يَجُوزُ أَكْلُهَا لِمَنْ يَحْتَاجُ لَهَا، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُكْرَهُ أَكْلُهَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: فَائِدَةٌ ذَكَاةُ الْحَيَّةِ لَا يُحْكِمُهَا إلَّا طَبِيبٌ مَاهِرٌ وَصِفَتُهَا أَنْ يُمْسِكَ بِرَأْسِهَا وَذَنَبِهَا مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ وَتُثْنَى عَلَى مِسْمَارٍ مَضْرُوبٍ فِي لَوْحٍ، ثُمَّ تُضْرَبُ بِآلَةٍ حَادَّةٍ رَزِينَةٍ عَلَيْهَا، وَهِيَ مَمْدُودَةٌ عَلَى الْخَشَبَةِ فِي حَدِّ الرَّقِيقِ مِنْ رَقَبَتِهَا وَذَنَبِهَا مِنْ الْغَلِيظِ الَّذِي هُوَ وَسَطُهَا، وَيُقْطَعُ جَمِيعُ ذَلِكَ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ فِي ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ، فَمَتَى بَقِيَتْ جِلْدَةٌ يَسِيرَةٌ فَسَدَتْ، وَقَتَلَتْ بِوَاسِطَةِ جَرَيَانِ السُّمِّ مِنْ رَأْسِهَا فِي جِسْمِهَا بِسَبَبِ غَضَبِهَا أَوْ مَا هُوَ قَرِيبٌ مِنْ السُّمِّ مِنْ ذَنَبِهَا فِي جِسْمِهَا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي مَوْضِعِ ذَكَاتِهَا انْتَهَى.
مِنْ كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الصَّيْدِ: تَنْبِيهٌ: الْحَيَّةُ مَتَى أُكِلَتْ بِالْعَقْرِ قُتِلَ آكِلُهَا بَلْ لَا يُمْكِنُ أَكْلُهَا إلَّا بِذَكَاةٍ مَخْصُوصَةٍ تَقَدَّمَتْ فِي الْأَطْعِمَةِ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ بَشِيرٍ ذُو السُّمِّ إنْ خِيفَ مِنْهُ حَرَامٌ، وَإِلَّا حَلَّ الْبَاجِيُّ لَا تُؤْكَلُ حَيَّةٌ، وَلَا عَقْرَبٌ الْأَبْهَرِيُّ إنَّمَا كُرِهَتْ لِجَوَازِ كَوْنِهَا مِنْ السِّبَاعِ وَالْخَوْفِ مِنْ سُمِّهَا، وَلَمْ يَقُمْ عَلَى حُرْمَتِهَا دَلِيلٌ، وَلَا بَأْسَ بِهِ تَدَاوِيًا، وَلِذَا أُبِيحَ التِّرْيَاقُ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ كَرَاهَةَ الْعَقْرَبِ، وَذَكَاتُهَا قَطْعُ رَأْسِهَا، وَفِي ثَانِي حَجِّهَا لَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَ الْحَيَّةَ إذَا ذُكِّيَتْ، وَلَا أَحْفَظُ عَنْهُ فِي الْعَقْرَبِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ انْتَهَى.
وَصَرَّحَ فِي الطِّرَازِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ بِمَشْهُورِيَّةِ إبَاحَةِ الْعَقْرَبِ، وَنَصُّهُ وَاخْتُلِفَ فِي الْعَقْرَبِ وَالْمَشْهُورُ إبَاحَتُهَا، وَقِيلَ تُكْرَهُ انْتَهَى.
[ ٣ / ٢٣٠ ]
وَقَوْلُهُ وَخُشَاشُ أَرْضٍ أَشَارَ بِهِ لِقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ، وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ خَشَاشِ الْأَرْضِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: هُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً وَضَبَطَهُ عِيَاضٌ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَيُقَالُ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَحَكَى أَبُو عُبَيْدَةَ ضَمَّهَا انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَالْأَفْصَحُ فِي الْخَشَاشِ فَتْحُ الْخَاءِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيُؤْكَلُ خَشَاشُ الْأَرْضِ وَذَكَاتُهَا كَالْجَرَادِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: هُوَ كَقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ خَشَاشِ الْأَرْضِ، وَهَوَامِّهَا، وَذَكَاةُ ذَلِكَ كَذَكَاةِ الْجَرَادِ وَقَالَ الْبَاجِيُّ: أَكْلُ الْخَشَاشِ مَكْرُوهٌ.
وَفِي ابْنِ بَشِيرٍ الْمُخَالِفُونَ يَحْكُونَ عَنْ الْمَذْهَبِ جَوَازَ أَكْلِ الْمُسْتَقْذَرَاتِ وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ وَقَالَ ابْنُ هَارُونَ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ كَمَا ذَكَرَ الْمُخَالِفُ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَتِهِ قَالَ مَالِكٌ: حَشَرَاتُ الْأَرْضِ مَكْرُوهَةٌ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: مُحَرَّمَةٌ، وَلَيْسَ لِعُلَمَائِنَا فِيهَا مُتَعَلَّقٌ، وَلَا لِلتَّوَقُّفِ عَنْ تَحْرِيمِهَا مَعْنًى، وَلَا فِي ذَلِكَ شَكٌّ، وَلَا لِأَحَدٍ عَنْ الْقَطْعِ بِتَحْرِيمِهَا عُذْرٌ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُ ابْنِ بَشِيرٍ حَكَى الْمُخَالِفُ عَنْ الْمَذْهَبِ جَوَازَ أَكْلِ الْمُسْتَقْذَرَاتِ وَكُلُّ الْمَذْهَبِ عَلَى خِلَافِهِ خِلَافُ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ مَنْ احْتَاجَ إلَى أَكْلِ شَيْءٍ مِنْ الْخَشَاشِ ذَكَّاهُ كَالْجَرَادِ وَالْعَقْرَبِ وَالْخُنْفُسَاءِ وَالْجُنْدُبِ وَالزُّنْبُورِ وَالْيَعْسُوبِ وَالذَّرِّ وَالنَّمْلِ وَالسُّوسِ وَالْحَلَمِ وَالدُّودِ وَالْبَعُوضِ وَالذُّبَابِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ عَنْ الْجَوَاهِرِ نَحْوَ مَا قَالَهُ ابْنُ بَشِيرٍ فِي الْمُسْتَقْذَرَاتِ مَا نَصُّهُ، وَالْعَجَبُ مِنْ نَقْلِ الْجَوَاهِرِ مَعَ قَوْلِهِ فِي الْكِتَابِ لَا بَأْسَ بِأَكْلِ خَشَاشِ الْأَرْضِ وَهَوَامِّهَا، ثُمَّ قَالَ وَأَيُّ شَيْءٍ بَقِيَ مِنْ الْخَبَائِثِ بَعْدَ الْحَشَرَاتِ وَالْهَوَامِّ وَالْحَيَّاتِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَسْكَرٍ فِي الْعُمْدَةِ: وَلَا يَجُوزُ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْ النَّجَاسَاتِ كُلِّهَا، وَلَا تُؤْكَلُ الْفَأْرَةُ وَالْمُسْتَقْذِرَات مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ كَالْوَزَغِ وَالْعَقَارِبِ، وَلَا مَا يُخَافُ ضَرَرُهُ كَالْحَيَّاتِ. وَالنَّبَاتَاتُ كُلُّهَا مُبَاحَةٌ إلَّا مَا فِيهِ ضَرَرٌ أَوْ يُغَطِّي عَلَى الْعَقْلِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ): مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَسْكَرٍ فِي الْوَزَغِ مِنْ أَنَّهُ مِنْ الْخَشَاشِ خِلَافُ مَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَخِلَافُ ظَاهِرِ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ قَالَ فِي الطِّرَازِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ: وَالْخُشَاشُ بِضَمِّ الْخَاءِ الْحَيَوَانُ الَّذِي لَا دَمَ لَهُ قَالَ قُطْرُبٌ الْخُشَاشُ بِالضَّمِّ خُشَاشُ الْأَرْضِ وَبِالْكَسْرِ الْعَظْمُ الَّذِي فِي أَنْفِ النَّاقَةِ وَبِالْفَتْحِ الرَّجُلُ الْخَفِيفُ الرَّأْسِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَخُشَاشُ الْأَرْضِ الزُّنْبُورُ وَالْعَقْرَبُ وَالصَّرَّارُ وَالْخُنْفُسَاءُ وَبَنَاتُ وَرْدَانَ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الْأَشْيَاءِ وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ النَّمْلُ وَالْجَرَادُ وَالْعَنْكَبُوتُ، وَلَيْسَ مِنْهُ الْوَزَغُ، وَلَا السَّحَالِي، وَلَا شَحْمَةُ الْأَرْضِ، وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: الْوَزَغُ مِنْ الْخُشَاشِ، وَهُوَ غَلَطٌ؛ لِأَنَّهَا ذَاتُ لَحْمٍ وَدَمٍ مِنْ جِنْسِ الْحَنَشِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ هُنَا الْكَافِي لَا يُؤْكَلُ الْوَزَغُ انْتَهَى. وَصَرَّحَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ بِأَنَّهُ مِمَّا لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ، فَقَالَ: فَمَيْتَةُ بَرِّيٍّ ذِي نَفْسٍ سَائِلَةٍ غَيْرِ إنْسَانٍ كَالْوَزَغِ نَجِسٌ وَنَقِيضُهَا طَاهِرٌ، وَفِي الْآدَمِيِّ قَوْلَانِ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَسْكَرٍ فِي الْفَأْرَةِ هُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فِيهَا وَالثَّانِي الْكَرَاهَةُ وَالثَّالِثُ الْإِبَاحَةُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ: وَرَأَيْت فِي مَجْهُولِ التَّهْذِيبِ أَنَّ الْمَشْهُورَ التَّحْرِيمُ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ أَوْصَى مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ: وَالْقَوْلُ بِالْمَنْعِ مِنْ أَكْلِهَا وَنَجَاسَةِ بَوْلِهَا أَظْهَرُ انْتَهَى.
(فَرْعٌ): قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَمِنْ الْوَاضِحَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: بَوْلُهَا أَيْ الْفَأْرَةِ وَبَوْلُ الْوَطْوَاطِ وَبَعْرُهُمَا نَجِسٌ وَفِي الْوَجِيزِ لِابْنِ غَلَّابٍ إلْحَاقُ الْوَطْوَاطِ بِالْفَأْرَةِ فِي الْبَوْلِ وَاللَّحْمِ وَلَعَلَّهُ مِنْ هُنَا أَخَذَهُ انْتَهَى.
الثَّانِي: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَدُودُ الطَّعَامِ ظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ كَغَيْرِهِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ لَا يَحْرُمُ أَكْلُ دُودِ الطَّعَامِ مَعَهُ وَقَبِلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ابْنُ هَارُونَ لَمْ أَجِدْهُ إلَّا قَوْلَ أَبِي عُمَرَ رَخَّصَ قَوْمٌ فِي أَكْلِ دُودِ التِّينِ وَسُوسِ الْفُولِ وَالطَّعَامِ وَفِرَاخِ النَّحْلِ لِعَدَمِ النَّجَاسَةِ فِيهِ وَكَرِهَهُ جَمَاعَةٌ وَمَنَعُوا أَكْلَهُ
[ ٣ / ٢٣١ ]
وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي الْمَذْهَبِ وَقَوْلُ التَّلْقِينِ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً كَالْعَقْرَبِ هُوَ كَدَوَابِّ الْبَحْرِ لَا يَنْجُسُ، وَلَا يُنَجِّسُ مَا مَاتَ فِيهِ، وَكَذَا ذُبَابُ الْعَسَلِ وَالْبَاقِلَاء وَدُودُ النَّخْلِ يَدُلُّ عَلَى مُسَاوَاتِهِ لِسَائِرِ الْخَشَاشِ انْتَهَى.
قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ ابْنِ عَرَفَةَ قُلْت: هَذَا جَرَى عَلَى حَمْلِهِ مَذْهَبَ الْبَغْدَادِيِّينَ عَلَى أَنَّ الْخَشَاشَ يَفْتَقِرُ لِذَكَاةٍ، وَاَلَّذِي تَلَقَّيْتُهُ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ شُيُوخِنَا عَنْ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّهُمْ يُبِيحُونَ أَكْلَ الْخَشَاشِ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدِي فِي دُودِ الطَّعَامِ لِمَا تَقَدَّمَ وَلِلْمَشَقَّةِ فِي الِاحْتِرَازِ عَنْهُ كَمَا أَفْتَانَا فِي رَوْثِ الْفَأْرِ إذَا كَثُرَ فِي الطَّعَامِ، فَإِنَّهُ مُغْتَفَرٌ لِلْخِلَافِ فِيهِ وَلِلْمَشَقَّةِ وَقَالَ قَبْلَ نَقْلِهِ كَلَامَ ابْنِ عَرَفَةَ.
: وَسُئِلَ اللَّخْمِيُّ عَمَّنْ أَكَلَ تَمْرَةً فَوَجَدَ فِيهَا دُودَةً حَيَّةً، فَهَلْ يَبْلَعُهَا أَوْ يُلْقِيهَا وَكَيْفَ لَوْ ابْتَلَعَهَا بَعْدَ الْعِلْمِ بِذَلِكَ هَلْ ابْتَلَعَ طَاهِرًا أَوْ نَجِسًا فَيَأْثَمُ وَمِثْلُهُ دُودُ الْخَلِّ وَشَبَهُهُ؟ فَأَجَابَ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَلَى دُودِ التَّمْرِ وَالْعَسَلِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ انْتَهَى
ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ عَرَفَةَ وَكَلَامُهُ الْمُتَقَدِّمُ وَقُبِلَ فِي التَّوْضِيحِ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَقَالَ: (فَإِنْ قُلْت) رَوَى أَبُو دَاوُد «أَنَّهُ - ﵇ - أُوتِيَ بِتَمْرٍ عَتِيقٍ، فَجَعَلَ يُفَتِّشُهُ يُخْرِجُ السُّوسَ»، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ أَوْ الْكَرَاهَةِ (فَالْجَوَابُ): أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِإِعَافَةِ نَفْسِهِ - ﷺ - كَمَا فَعَلَ فِي الضَّبِّ، فَإِنْ انْفَرَدَ عَنْ الطَّعَامِ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْخُشَاشِ انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَعَصِيرٌ وَفُقَّاعٌ وَسُوبْيَا وَعَقِيدٌ أُمِنَ سَكَرُهُ)
ش: الْعَصِيرُ هُوَ مَاءُ الْعِنَبِ أَوَّلَ عَصْرِهِ وَالْفُقَّاعُ شَرَابٌ يُتَّخَذُ مِنْ الْقَمْحِ وَالتَّمْرِ وَنَحْوِهِ وَالسُّوبْيَا قَرِيبَةٌ مِنْ الْفُقَّاعِ وَالْعَقِيدُ هُوَ الْعَصِيرُ إذَا عُقِدَ عَلَى النَّارِ قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: الْعَصِيرُ مَاءُ الْعِنَبِ أَوَّلَ عَصْرِهِ بِلَا زَائِدٍ وَالْفُقَّاعُ مَاءٌ جُعِلَ فِيهِ الزَّبِيبُ وَنَحْوُهُ حَتَّى انْحَلَّ إلَيْهِ دُونَ إسْكَارٍ وَفِي الْجَوَاهِرِ هِيَ حَلَالٌ مَا لَمْ تَدْخُلْهَا الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ وَالسُّوبْيَا فُقَّاعٌ يَمِيلُ إلَى الْحُمُوضَةِ وَالْعَقِيدُ هُوَ الْعَصِيرُ الْمَغْلِيُّ عَلَى النَّارِ حَتَّى يَنْعَقِدَ وَيَذْهَبَ مِنْهُ الْإِسْكَارُ، وَهُوَ الْمُسَمَّى عِنْدَنَا بِالرُّبِّ الصَّامِتِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ، وَكُنْتُ أَسْمَعُ أَنَّ الْمَطْبُوخَ إذَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ لَمْ يُكْرَهْ، وَلَا أَرَى ذَلِكَ وَلَكِنْ إذَا طُبِخَ حَتَّى لَا يُسْكِرَ كَثِيرُهُ حَلَّ، فَإِنْ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ حَرُمَ قَلِيلُهُ انْتَهَى.
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: لِأَنَّ الْعِنَبَ إذَا كَثُرَتْ مَائِيَّتُهُ احْتَاجَ إلَى طَبْخٍ كَثِيرٍ أَوْ قَلَّتْ فَطَبْخٌ قَلِيلٌ، وَذَلِكَ مُخْتَلِفٌ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَعَصِيرُ الْعِنَبِ وَنَقِيعُ الزَّبِيبِ وَجَمِيعُ الْأَنْبِذَةِ حَلَالٌ مَا لَمْ تُسْكِرْ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ بِزَمَانٍ، وَلَا هَيْئَةٍ انْتَهَى. بِالْمَعْنَى، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ أُمِنَ سَكَرُهُ رَاجِعٌ إلَى الثَّلَاثَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ أَيْضًا: وَأَمَّا مَا يُغَطِّي الْعَقْلَ فَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِ الْقَدْرِ الْمُغَطِّي مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَمَا لَا يُغَطِّي مِنْ الْمُسْكِرِ كَمَا يُغَطِّي لِقَوْلِهِ - ﵇ - «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ»، وَإِنَّمَا هِيَ أَرْبَعٌ الْخَمْرُ، وَهُوَ مَا فِيهِ طَرَبٌ وَشِدَّةٌ وَنَشْوَةٌ، وَيُغَيِّبُ الْعَقْلَ دُونَ الْحَوَاسِّ، وَالْبَنْجُ وَهِيَ الْحَشِيشَةُ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ هَلْ هِيَ مُسْكِرَةٌ أَوْ مُفْسِدَةٌ وَالْمُفْسِدُ مَا صَوَّرَ خَيَّالَاتٍ دُونَ تَغْيِيبِ حَوَاسَّ، وَلَا طَرَبٍ، وَلَا نَشْوَةٍ، وَلَا شِدَّةٍ، وَلَا خِلَافَ فِي
[ ٣ / ٢٣٢ ]
تَحْرِيمِ الْقَدْرِ الْمُفْسِدِ وَالْأَفْيُونُ، وَهُوَ لَبَنُ الْخَشْخَاشِ يُغَيِّبُ الْحَوَاسَّ، وَلَا يَذْهَبُ بِالْعَقْلِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَنْقِيطَ وَالدَّرِيقَةَ مِنْ الْمُفْسِدَاتِ، وَلَمْ أَقِفْ فِي ذَلِكَ عَلَى شَيْءٍ، فَانْظُرْهُ وَالْجَوْزَاءُ مِنْ الْمُخَدِّرَاتِ، وَأَفْتَى بَعْضُ شُيُوخِنَا الْفَاسِيِّينَ بِطَرْحِهَا فِي الْوَادِي، فَقَالَ غَيْرُهُ: لَوْ اُسْتُفْتِيتُ عَلَيْهِ لَغَرَّمْتُهُ إيَّاهَا فَانْظُرْ ذَلِكَ وَأَمَّا الطِّينُ فَكَرِهَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا يَفْعَلُهُ الْمِصْرِيُّونَ مَعَ الْحِمَّصِ مِنْ الطَّفْلِ، وَهَلْ مَا يَصْنَعُ بِهِ أَهْلُ الْمَغْرِبِ مِنْ الْمَغْرَةِ الْهَرِيسِ مِنْ ذَلِكَ أَوْ هِيَ كَالْمِلْحِ لَمْ أَقِفْ فِيهِ عَلَى نَصٍّ، وَلَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا، فَانْظُرْ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي أَوَّلِ الشَّرْحِ: وَحَكَى خَلِيلٌ عَنْ شُيُوخِهِ خِلَافًا فِي الْحَشِيشَةِ هَلْ هِيَ مُسْكِرَةٌ أَمْ لَا؟ وَقَالَ الْقَرَافِيُّ يَنُبْنِي عَلَيْهِ تَحْرِيمُ الْقَلِيلِ وَتَنْجِيسُ الْعَيْنِ وَلُزُومُ الْحَدِّ وَقَالَ الْمَغْرِبِيُّ: إنَّمَا ذَلِكَ بَعْدَ قَلْيِهَا وَتَكْيِيفِهَا لَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا طَاهِرَةٌ انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْمُخْتَصَرِ فِي فَصْلِ الطَّاهِرِ مَيِّتُ مَا لَا دَمَ لَهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إلَّا الْمُسْكِرَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ فَرَاجِعْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَائِدَةٌ أَسْمَاءُ الْأَنْبِذَةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ]
(فَائِدَةٌ): أَسْمَاءُ الْأَنْبِذَةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ (الْأَوَّلُ): الْفَضِيخُ: وَهُوَ بُسْرٌ يُرَضُّ، ثُمَّ يُلْقَى عَلَيْهِ الْمَاءُ وَيُقَالُ لَهُ الْفَضُوخُ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ وَلِذَا قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَ بِالْفَضِيخِ وَلَكِنَّهُ الْفَضُوخُ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يَفْضَخُ الرَّأْسَ وَالْبَدَنَ.
(الثَّانِي): الْبِتْعُ، وَهُوَ شَرَابُ الْعَسَلِ.
(الثَّالِثُ): النَّزْرُ وَيُتَّخَذُ مِنْ الْبَزِّ وَالشَّعِيرِ عَادَةً.
(الرَّابِعُ): الْغُبَيْرَاءُ وَفِي الْحَدِيثِ «إيَّاكُمْ وَالْغُبَيْرَاءَ، فَإِنَّهَا خَمْرُ الْعَالِمِ»، وَهُوَ شَرَابُ الذُّرَةِ يَصْنَعُهُ الْحَبَشُ، وَهُوَ السُّكْرَكَةُ بِضَمِّ السِّينِ وَإِسْكَانِ الْكَافِ، وَقَدْ تُضَمُّ وَالْكَافُ الثَّانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ، وَهُوَ الِاسْمُ الْخَامِسُ.
(السَّادِسُ): الْمُغَيَّرُ، وَهُوَ مَا يُغَيَّرُ بِالنَّارِ أَوْ بِمَا يُلْقَى فِيهِ حَتَّى يَسْكُنَ غَلَيَانُهُ، وَيَنْحَرِفُ عَنْ حَالِهِ إلَى مَا هُوَ أَضَرُّ بِالْبَدَنِ.
(السَّابِعُ): الْجِعَةُ، وَهُوَ شَرَابُ الشَّعِيرِ.
(الثَّامِنُ وَالتَّاسِعُ وَالْعَاشِرُ وَالْحَادِيَ عَشَرَ): الْبَاذَقُ وَالطِّلَاءُ وَالنَّخْتَجُ وَالْجُمْهُورِيُّ هُوَ الْمَطْبُوخُ كُلُّهُ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى النِّصْفِ أَوْ الثُّلُثِ (الثَّانِيَ عَشَرَ): الْمُزَّاءُ هُوَ نَبِيذُ الْبُسْرِ وَقِيلَ هُوَ النَّبِيذُ فِي الْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ (الثَّالِثَ عَشَرَ) الْمُقْدَى بِفَتْحِ الدَّالِ شَرَابٌ يُنْسَبُ إلَى قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى دِمَشْقَ يُقَالُ لَهَا مَقْدِيَةُ قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ، وَهُوَ عِنْدِي بِتَشْدِيدِهَا قَالَ ابْنُ السَّيِّدِ الْبَطَلْيُوسِيُّ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْكِتَابِ يَجُوزُ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ وَتَخْفِيفِهَا فَمَنْ شَدَّدَ الدَّالَ جَعَلَهُ مَنْسُوبًا إلَى مَقَدَّ وَهِيَ قَرْيَةٌ بِالشَّامِ وَمَنْ خَفَّفَ الدَّالَ نَسَبَهُ إلَى مَقْدِيَةَ مُخَفَّفَةِ الدَّالِ وَهِيَ حِصْنٌ بِدِمَشْقَ مَعْرُوفٌ انْتَهَى.
وَضَبَطَهُ فِي الصِّحَاحِ بِتَخْفِيفِ الدَّالِ، وَنَسَبَهُ إلَى قَرْيَةٍ بِالشَّامِ، وَوَهَّمَهُ فِي ذَلِكَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ (الرَّابِعَ عَشَرَ): الْعَصْفُ، وَهُوَ أَنْ يُشْدَخَ الْعِنَبُ، ثُمَّ يُعْمَل فِي وِعَاءٍ حَتَّى يَغْلِيَ، وَقَدْ يُتَّخَذُ مِنْ الدِّبْسِ، وَهُوَ عَسَلُ التَّمْرِ وَكُلُّ مَطْعُومٍ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهُ نَبِيذٌ، وَقَدْ أَرَاحَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ فَقَالَ «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» .
ص (وَلِلضَّرُورَةِ مَا يَسُدُّ)
ش: قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: لَعَلَّهُ مَا يُشْبِعُ فَتَصَحَّفَ بِ يَسُدُّ.
[تَنْبِيهٌ حُكْم أَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْعَاصِيَّ بِسَفَرِهِ]
(تَنْبِيهٌ): قَالَ فِي الْقَوَانِينَ لِابْنِ جَزِّي: وَيَتَرَخَّصُ بِأَكْلِ الْمَيْتَةِ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: إنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَكْلُ، وَلَوْ كَانَ عَاصِيًا، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا إذَا خَافَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى نَفْسِهَا الْمَوْتَ مِنْ الْجُوعِ أَوْ الْعَطَشِ، فَلَمْ تَسْتَطِعْ ذَلِكَ إلَّا مِمَّنْ أَرَادَ وَطْأَهَا فَلَهَا أَنْ تُمَكِّنَ نَفْسَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إكْرَاهٌ وَلَيْسَتْ كَالرَّجُلِ يُكْرَهُ عَلَى الزِّنَا قَالَهُ فِي النَّوَادِرِ عَنْ سَحْنُونٍ فِي كِتَابِ ابْنِهِ وَذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي فَصْلِ أَرْكَانِ الطَّلَاقِ كَالْمَرْأَةِ لَا تَجِدُ مَنْ يَسُدُّ رَمَقَهَا إلَّا لِمَنْ يَزْنِي بِهَا، وَتَكَلَّمَ عَلَيْهَا ابْنُ غَازِيٍّ هُنَاكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ إذَا أُكِلَ الْخِنْزِيرُ يُسْتَحَبُّ لَهُ تَذْكِيَتُهُ]
ص (وَقُدِّمَ الْمَيِّتُ عَلَى خِنْزِيرٍ)
ش: (فَرْعٌ): قَالَ فِي الْقَوَانِينَ: إذَا أُكِلَ
[ ٣ / ٢٣٣ ]
الْخِنْزِيرُ يُسْتَحَبُّ لَهُ تَذْكِيَتُهُ.
ص (وَصَيْدٍ لِمُحْرِمٍ لَا لَحْمِهِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْمَيْتَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ قَالَ فِي الْجَلَّابِ: إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَيْتَةُ مُتَغَيِّرَةً يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ أَكْلِهَا انْتَهَى. وَكَذَلِكَ ذَكَرَ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ الْحَجِّ لَمَّا أَنْ ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ قَالَ: وَقُيِّدَ الْأَوَّلُ بِمَا إذَا لَمْ تَكُنْ مُتَغَيِّرَةً يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ مِنْهَا.
[فَرْعٌ وَلَوْ وَجَدَ حِمَارًا أَهْلِيًّا لَأَكَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ الصَّيْدَ]
(فَرْعٌ): قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ: وَلَوْ وَجَدَ حِمَارًا أَهْلِيًّا لَأَكَلَهُ، وَلَمْ يَأْكُلْ الصَّيْدَ لِلِاخْتِلَافِ فِي الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ انْتَهَى. مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ.
ص (وَطَعَامِ غَيْرٍ)
ش: قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: طَعَامٌ بِالْجَرِّ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لَا لَحْمِهِ قَالَ فِي الْقَوَانِينَ: وَإِذَا وَجَدَ مَيْتَةً وَطَعَامَ الْغَيْرِ أَكَلَ الطَّعَامَ إنْ أَمِنَ أَنْ يُعَدَّ سَارِقًا، وَضَمِنَهُ وَقِيلَ لَا يَضْمَنُ، وَلْيَقْتَصِرْ مِنْهُ عَلَى شِبَعِهِ، وَلَا يَتَزَوَّدُ مِنْهُ انْتَهَى.
ص (وَالْمُحَرَّمُ النَّجِسُ)
ش: شَمِلَ قَوْلُهُ: وَالْمُحَرَّمُ النَّجِسُ الدَّمَ؛ لِأَنَّهُ قَدَّمَ فِي فَصْلِ الطَّاهِرِ مَيِّتُ مَا لَا دَمَ لَهُ أَنَّ الدَّمَ الْمَسْفُوحَ، وَلَوْ مِنْ سَمَكٍ وَذُبَابٍ نَجِسٌ وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَدَمُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ يَحْرُمُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ. وَلَيْسَ أَعْلَى رُتْبَةً مِنْ لَحْمِهِ وَدَمُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ قَبْلَ الذَّكَاةِ كَذَلِكَ وَبَعْدَهَا يَحْرُمُ الْمَسْفُوحُ، وَهُوَ الَّذِي يَجْرِي عِنْدَ الذَّبْحِ فَإِنْ اُسْتُعْمِلَتْ الشَّاةُ قَبْلَ تَقْطِيعِهَا وَظُهُورِ دَمِهَا كَالْمَشْوِيَّةِ جَازَ أَكْلُهَا اتِّفَاقًا، وَإِنْ قُطِّعَتْ فَظَهَرَ الدَّمُ، فَقَالَ مَرَّةً حَرَامٌ وَحَمَلَ الْإِبَاحَةَ عَلَى مَا لَمْ يَظْهَرْ نَفْيًا لِحَرَجِ التَّتَبُّعِ وَمَرَّةً قَالَ: حَلَالٌ لِظَاهِرِ الْآيَةِ فَلَوْ خَرَجَ الدَّمُ بَعْدَ ذَلِكَ جَازَ أَكْلُهُ مُنْفَرِدًا وَدَمُ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَكَاةٍ، وَهُوَ الْحُوتُ فَعَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهِ حَلَالٌ وَالْقَوْلُ بِنَجَاسَتِهِ وَعَدَمِ حِلِّهِ أَوْلَى، وَمَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ عَلَى الْقَوْلِ بِذَكَاتِهِ تَحْرُمُ رُطُوبَتُهُ قَبْلَ الذَّكَاةِ، وَيُخْتَلَفُ فِيمَا ظَهَرَ بَعْدَهَا، وَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِهَا، فَقَبْلَهَا وَبَعْدَهَا سَوَاءٌ يُخْتَلَفُ فِيهِ إذَا فَارَقَ.
[فَرْعٌ يُوجَدُ فِي وَسَطِ صُفَارِ الْبَيْضِ أَحْيَانًا نُقْطَةُ دَمٍ هَلْ هِيَ طَاهِرَة]
(فَرْعٌ): يُوجَدُ فِي وَسَطِ صُفَارِ الْبَيْضِ أَحْيَانًا نُقْطَةُ دَمٍ فَمُقْتَضَى مُرَاعَاةِ السَّفْحِ فِي نَجَاسَةِ الدَّمِ لَا تَكُونُ نَجِسَةً، وَقَدْ وَقَعَ الْبَحْثُ فِيهَا مَعَ جَمَاعَةٍ، وَلَمْ يَظْهَرْ غَيْرُهُ انْتَهَى. كَلَامُهُ مِنْ كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ وَشَمِلَ كَلَامُهُ أَيْضًا الْخَمْرَ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ لَا يَحْرُمُ أَسْكَرَ أَوْ لَمْ يُسْكِرْ وَالْمُتَّخَذُ مِنْ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ يَحْرُمُ مِنْهُ مَا أَسْكَرَ إلَّا الْقَلِيلَ قَالَهُ فِي الْقَوَانِينَ وَمَذْهَبُ صَاحِبَيْهِ، وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ إنَّ مَا أَسْكَرَ حَرَامٌ
[ ٣ / ٢٣٤ ]
كَانَ مِنْ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ أَوْ غَيْرِهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ إذَا وُجِدَتْ الْخَمْر عِنْد أَحَد مِنْ الْمُسْلِمِينَ]
(فَرْعٌ): قَالَ فِي الْجَلَّابِ: وَمَنْ وُجِدَ عِنْدَهُ خَمْرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أُرِيقَتْ عَلَيْهِ وَكُسِرَتْ ظُرُوفُهَا أَوْ شُقَّتْ تَأْدِيبًا لَهُ انْتَهَى. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فِي الْقَوْلَيْنِ وَاخْتُلِفَ فِي ظُرُوفِ الْخَمْرِ، فَقِيلَ تُكْسَرُ جَمِيعُهَا وَتُشَقُّ، وَقِيلَ يُكْسَرُ مِنْهَا وَيُشَقُّ مَا أَفْسَدَتْهُ الْخَمْرُ، وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ دُونَ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ إذَا زَالَتْ مِنْهُ الرَّائِحَةُ وَقِيلَ أَمَّا الزِّقَاقُ، فَلَا يُنْتَفَعُ بِهَا، وَأَمَّا الْقِلَالُ، فَيُطْبَخُ فِيهَا الْمَاءُ مَرَّتَيْنِ، وَيُنْتَفَعُ بِهَا انْتَهَى.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ إهْدَاءِ الرَّاوِيَةِ مِنْ الْخَمْرِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَوَانِي الْخَمْرِ إذَا لَمْ تَكُنْ مُضَرَّاةً بِالْخَمْرِ أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا فِي غَيْرِ الْخَمْرِ إذَا غُسِلَتْ انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَفَخَّارٌ بِغَوَّاصٍ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى.
ص (وَبَغْلٌ وَفَرَسٌ وَحِمَارٌ)
ش: أَمَّا الْخَيْلُ فَذَكَرُوا فِيهَا هُنَا ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: الْمَنْعَ، وَالْكَرَاهَةَ وَالْإِبَاحَةَ، وَلَمْ يَحْكُوا هُنَا فِي الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ إلَّا الْمَنْعَ وَالْكَرَاهَةَ، وَنَقَلَ الْمُصَنِّفُ الْإِبَاحَةَ فِي التَّوْضِيحِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ عَنْ الْجَوَاهِرِ، وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ، وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَالْبَقَرُ تُذْبَحُ فَإِنْ نُحِرَتْ أُكِلَتْ قَالَ الْبَاجِيُّ: وَالْخَيْلُ فِي الذَّكَاةِ كَالْبَقَرِ، وَكَذَلِكَ الْبِغَالُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ وَالْحَمِيرُ عَلَى الْقَوْلِ بِذَلِكَ أَوْ الْإِبَاحَةُ، وَالْقَوْلُ بِالْإِبَاحَةِ فِيهَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنْ مَالِكٍ، فَذَكَرَ عَنْهُ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ، وَلَا أَعْرِفُهُ لِغَيْرِهِ انْتَهَى.
(قُلْت): قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَالْأَوَانِي مِنْ جِلْدِ الْمُذَكَّى الْمَأْكُولِ مَا نَصُّهُ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ فِي بَابِ الذَّبَائِحِ: وَيُطَهَّرُ بِالذَّكَاةِ جَمِيعُ أَجْزَائِهِ مِنْ لَحْمِهِ وَجِلْدِهِ وَعَظْمِهِ وَسَوَاءٌ قُلْنَا يُؤْكَلُ أَوْ لَا يُؤْكَلُ كَالسِّبَاعِ وَالْكِلَابِ وَالْحَمِيرِ وَالْبِغَالِ إذَا ذُكِّيَتْ طَهُرَتْ عَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ فِي إبَاحَةِ أَكْلِهَا وَمَنْعِهَا وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا تُطَهَّرُ بِالذَّبْحِ بَلْ تَصِيرُ مَيْتَةً انْتَهَى كَلَامُ الْجَوَاهِرِ انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ. فَانْظُرْ قَوْلَهُ فِي إبَاحَةِ أَكْلِهَا الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ الْإِبَاحَةُ إلَّا إنَّ اقْتِصَارَهُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ يَقْتَضِي تَرْكَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ الْمَعْرُوفَتَيْنِ فِي الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ بِالْكَرَاهَةِ وَالتَّحْرِيمِ فَتَأَمَّلْهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَتَقَدَّمَ نَقْلُ الْكَرَاهَةِ فِيهَا فِي كَلَامِ التَّوْضِيحِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَنَحْرُ إبِلٍ.
ص (وَالْمَكْرُوهُ سَبُعٌ وَضَبُعٌ وَثَعْلَبٌ وَذِئْبٌ)
ش: مَنَاطُ الْكَرَاهَةِ فِي هَذِهِ كُلِّهَا الِافْتِرَاسُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَأَصْلُ الِافْتِرَاسِ فِي اللُّغَةِ دَقُّ الْعُنُقِ، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي كُلّ قَتْلٍ انْتَهَى قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَكُرِهَ مُفْتَرِسٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَثَالِثُهَا إنْ لَمْ يَعْدُ كَثَعْلَبٍ وَضَبُعٍ وَهِرٍّ مُطْلَقًا وَإِلَّا حَرُمَ كَسَبُعٍ وَفَهْدٍ وَنَمِرٍ وَذِئْبٍ وَكَلْبٍ، وَقِيلَ لَا خِلَافَ فِي كَرَاهَةِ مَا لَا يَعْدُو انْتَهَى.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ. أَوَّلًا
[ ٣ / ٢٣٥ ]
الِافْتِرَاسُ وَالْعَدْوُ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الِافْتِرَاسُ لَا يَخْتَصُّ بِالْآدَمِيِّ، فَالْهِرُّ مُفْتَرِسٌ بِاعْتِبَارِ الْفَأْرِ وَالْعَدَاءُ خَاصٌّ بِالْآدَمِيِّ، فَالْعَدَاءُ أَخَصُّ مِنْ الِافْتِرَاسِ انْتَهَى. وَاعْلَمْ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الشَّامِلِ طَرِيقَتَيْنِ فِي الْمُفْتَرِسِ الطَّرِيقَةُ الْأُولَى، وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ وَعَزَاهَا ابْنُ عَرَفَةَ لِلْبَاجِيِّ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْأَصَحُّ: الْكَرَاهَةُ مُطْلَقًا، وَمُقَابِلُهُ الْمَنْعُ مُطْلَقًا، وَالثَّالِثُ التَّفْصِيلُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيُّ: فِي كَرَاهَةِ أَكْلِ السِّبَاعِ وَمَنْعِ أَكْلِهَا. ثَالِثُهَا: حُرْمَةُ عَادِيهَا الْأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَالذِّئْبِ وَالْكَلْبِ وَكَرَاهَةُ غَيْرِهِ كَالدُّبِّ وَالثَّعْلَبِ وَالضَّبُعِ وَالْهِرِّ مُطْلَقًا لِرِوَايَةِ الْعِرَاقِيِّينَ مَعَهَا وَابْنِ كِنَانَةَ مَعَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ حَبِيبٍ عَنْ الْمَدَنِيِّينَ انْتَهَى.
وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ تَحْكِي الِاتِّفَاقَ عَلَى الْكَرَاهَةِ فِيمَا لَا يَعْدُو وَتَحْكِي الْخِلَافَ بِالْمَنْعِ وَالْكَرَاهَةِ فِيمَا يَعْدُو، وَهِيَ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ، وَقِيلَ لَا خِلَافَ فِي كَرَاهَةِ مَا لَا يَعْدُو، فَيَتَحَصَّلُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْكَلْبَ فِيهِ قَوْلَانِ بِالتَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ، وَاَلَّذِي يَأْتِي عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ الْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ، وَصَحَّحَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ التَّحْرِيمَ قَالَ ابْنُ عَسْكَرٍ فِي الْعُمْدَةِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الصَّحِيحُ تَحْرِيمُ الْكِلَابِ وَالسِّبَاعِ الْعَادِيَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُوَطَّإِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْجَلَّابِ، وَلَا تُؤْكَلُ الْكِلَابُ انْتَهَى. وَلَمْ أَرَ فِي الْمَذْهَبِ مَنْ نَقَلَ إبَاحَةَ أَكْلِ الْكَلْبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَسَيَأْتِي فِي الْقَوْلَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ حُكْمُ قَتْلِهَا.
ص (وَهِرٌّ)
ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ (فَرْعٌ): قَالَ الْبُرْزُلِيُّ نَزَلَتْ مَسْأَلَةٌ وَهِيَ أَنَّ قِطًّا عَمِيَ وَفَرَغَتْ مَنْفَعَتُهُ فَاسْتُفْتِيَ فِيهِ شَيْخُنَا الْإِمَامُ بِوُجُوبِ إطْعَامِهِ، وَإِلَّا يُقْتَلُ وَكَذَا مَا يُئِسَ مِنْ مَنْفَعَتِهِ لِكِبَرٍ أَوْ عَيْبٍ، وَهُوَ نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا ذَبْحُ الْقِطَطِ الصِّغَارِ وَالْحَيَوَانِ الصَّغِيرِ لِقِلَّةِ غِذَاءِ أُمَّهَاتِهِمْ أَوْ إرَاحَتِهَا مِنْ ضَعْفِهَا وَالصَّوَابُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عِنْدِي الْجَوَازُ لِارْتِكَابِ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ لِقَوْلِهِ - ﵇ - «إذَا الْتَقَى ضَرَرَانِ نُفِيَ الْأَكْبَرُ لِلْأَصْغَرِ» وَيُشِيرُ بِقَوْلِهِ، وَهَذَا نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ لِقَوْلِهِ وَسُئِلَ عِزُّ الدِّينِ عَنْ قَتْلِ الْهِرِّ الْمُؤْذِي هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ إذَا خَرَجَتْ إذَايَتُهُ عَنْ عَادَةِ الْقِطَطِ وَتَكَرَّرَتْ إذَايَتُهُ جَازَ قَتْلُهُ وَاحْتَرَزْنَا بِالْأَوَّلِ عَمَّا فِي طَبْعِهِ مِثْلُ أَكْلِ اللَّحْمِ إذَا كَانَ خَالِيًا أَوْ عَلَيْهِ شَيْءٌ يُمْكِنُ رَفْعُهُ لِلْهِرِّ، فَإِذَا رَفَعَهُ، وَأَكَلَ فَلَا يُقْتَلُ هَذَا، وَلَوْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ طَبْعُهُ، وَاحْتَرَزَ بِالثَّانِي مِمَّا إذَا وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ فَلْتَةً، فَلَا يُوجِبُ قَتْلَهُ فَلَا يَكُونُ كَالْمَيْئُوسِ مِنْ اسْتِصْلَاحِهِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَالْبَهَائِمِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا آذَتْ الْهِرَّةُ وَقُصِدَ قَتْلُهَا فَلَا تُعَذَّبُ، وَلَا تُخْنَقُ بَلْ تُذْبَحُ بِمُوسَى حَادٍّ لِقَوْلِهِ - ﵇ - «إذَا ذَبَحْتُمْ فَاحْسِنُوا الذِّبْحَةَ» انْتَهَى الْحَدِيثُ. وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى إذَا يُئِسَ مِنْ حَيَاةِ مَا لَا يُؤْكَلُ فَيُذْبَحُ لِإِرَاحَتِهِ مِنْ أَلَمِ الْوَجَعِ، وَاَلَّذِي رَأَيْتُ: الْمَنْعُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الْحَيَوَانِ الَّذِي يُذَكَّى لِأَخْذِ جِلْدِهِ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْآدَمِيِّ، وَإِنْ اشْتَدَّتْ آلَامُهُمْ لِشَرَفِ الْآدَمِيِّ عَنْ الذَّبْحِ (قُلْت): الَّذِي رَأَيْتُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا وَقَعَتْ فِي بِلَادِ بُونَةَ فَأُفْتِيَ فِيهَا بِالْإِجْهَازِ عَلَيْهَا لِإِرَاحَتِهَا وَنَقَلَهَا فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَمِنْ هَذَا إذَا رُمِيَتْ السَّفِينَةُ بِالنَّارِ، فَفِي الْمُدَوَّنَةِ لَا بَأْسَ أَنْ يَطْرَحُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الْبَحْرِ؛ لِأَنَّهُمْ فَرُّوا مِنْ مَوْتٍ إلَى مَوْتٍ، وَلَمْ يَرَهُ رَبِيعَةُ إلَّا لِمَنْ طَمِعَ بِنَجَاةٍ أَوْ أَمْنٍ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ هَلَكَ فِيهِ، وَعَنْ رَبِيعَةَ إنْ صَبَرَ فَهُوَ أَكْرَمُ، وَإِنْ اقْتَحَمُوا فَقَدْ غَرِقُوا، وَلَا بَأْسَ بِهِ (قُلْت): فَظَاهِرُ هَذَا الْجَوَازُ لِاسْتِعْجَالِهِ الْمَوْتَ لِلْإِرَاحَةِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الْآدَمِيِّ فَأَحْرَى فِي الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يُؤْكَلُ إذَا كَانَ لِإِرَاحَتِهِ، وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْجِهَادِ أَنَّهُ يَجُوزُ الِانْتِقَالُ مِنْ مَوْتٍ لِآخَرَ
وَأَمَّا قَتْلُ الْكِلَابِ إذَا آذَتْ فَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ: قُلْت الْحَاصِلُ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ قَتْلَ الْكِلَابِ غَيْرِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ مَأْمُورٌ بِهِ إذَا أَضَرَّتْ بِالْمُسْلِمِينَ فَإِنْ كَثُرَ ضَرَرُهَا، وَغَلَبَ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى الْوُجُوبِ، وَإِنْ قَلَّ وَنَدَرَ، فَأَيُّ كَلْبٍ أَضَرَّ وَجَبَ قَتْلُهُ وَمَا عَدَاهُ جَائِزٌ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّهُ سَبُعٌ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ وَأَقَلُّ
[ ٣ / ٢٣٦ ]
دَرَجَاتِهِ تَوَقُّعُ التَّرْوِيعِ، وَأَنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ مُقْتَنِيهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ، فَأَمَّا الْمُرَوِّعُ مِنْهُنَّ غَيْرُ الْمُؤْذِي، فَقَتْلُهُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ أَمَّا الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ ذُو النُّقْطَتَيْنِ، فَلَا بُدَّ مِنْ قَتْلِهِ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، وَقَلَّمَا يُنْتَفَعُ بِمِثْلِ تِلْكَ الصِّفَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي رَسْمِ مَسَاجِدِ الْقَبَائِلِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ السُّلْطَانِ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ قَتْلِ الْكِلَابِ أَتَرَى أَنْ تُقْتَلَ قَالَ: نَعَمْ أَرَى أَنْ يُؤْمَرَ بِقَتْلِ مَا يُؤْذِي مِنْهَا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فِيهَا قُلْت لَهُ فِي مِثْلِ قَيْرَوَانَ وَالْفُسْطَاطِ قَالَ: نَعَمْ وَأَمَّا كِلَابُ الْمَاشِيَةِ فَلَا أَرَى ذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ ذَهَبَ مَالِكٌ - ﵀ - فِي قَتْلِ الْكِلَابِ إلَى مَا رَوَاهُ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ» وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَهُ، وَعِنْدَ مَنْ سِوَاهُ مِمَّنْ أَخَذَ بِالْحَدِيثِ فِي الْكِلَابِ الْمَنْهِيِّ عَنْ اتِّخَاذِهَا، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي الْأَحَادِيثِ فَلَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُ كِلَابِ الْمَاشِيَةِ وَالصَّيْدِ وَالزَّرْعِ
وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ مِنْ الْكِلَابِ إلَّا الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ لَأَمَرْت بِقَتْلِهَا فَاقْتُلُوا مِنْهَا الْأَسْوَدَ» وَقَالَ مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا الْمَذْهَبِ: الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ مِنْ الْكِلَابِ أَكْثَرُ أَذًى وَأَبْعَدُهَا مِنْ تَعَلُّمِ مَا يَنْفَعُ وَرَوَى أَيْضًا أَنَّهُ شَيْطَانٌ أَيْ بَعِيدٌ مِنْ الْخَيْرِ وَالْمَنَافِعِ قَرِيبُ الْأَذَى، وَهَذَا شَأْنُ الشَّيْطَانِ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَقَدْ كَرِهَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ قَصْدَ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ مِنْ الْكِلَابِ أَسْوَدُ، وَلَا غَيْرُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَقُورًا مُؤْذِيًا، وَقَالُوا: الْأَمْرُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ - ﵊ - «لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا» فَعَمَّ، وَلَمْ يَخُصَّ كَلْبًا مِنْ غَيْرِهِ وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي «الْكَلْبِ الَّذِي كَانَ يَلْهَثُ عَطَشًا، فَسَقَاهُ الرَّجُلُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ وَغَفَرَ لَهُ وَقَالَ: فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» قَالُوا فَإِذَا كَانَ الْأَجْرُ فِي الْإِحْسَانِ إلَيْهِ فَالْوِزْرُ فِي الْإِسَاءَةِ إلَيْهِ وَلَا إسَاءَةَ إلَيْهِ أَعْظَمُ مِنْ قَتْلِهِ، وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ - ﵊ - «الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ شَيْطَانٌ» مَا يَدُلُّ عَلَى قَتْلِهِ؛ لِأَنَّ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ كَثِيرٌ، وَلَا يَجِبُ قَتْلُهُمْ، وَقَدْ «رَأَى - ﷺ - رَجُلًا يَتْبَعُ حَمَامَةً، فَقَالَ: شَيْطَانٌ يَتْبَعُ شَيْطَانَةً» وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِقَتْلِهَا قَدْ جَاءَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فُرُوعٌ فِي شَرَابُ خَلِيطَيْنِ]
ص (وَشَرَابُ خَلِيطَيْنِ)
ش: (فُرُوعٌ الْأَوَّلُ): خَلْطُ اللَّبَنِ بِالْعَسَلِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فِي
[ ٣ / ٢٣٧ ]
الْعُتْبِيَّةِ لَا بَأْسَ بِهِ، فَلَمْ يَرَهُ انْتِبَاذًا بَلْ خَلْطَ مَشْرُوبَيْنِ كَشَرَابِ الْوَرْدِ وَالنَّيْلُوفَرِ.
(الثَّانِي): خَلْطُ الشَّرَابَيْنِ لِلْمَرِيضِ حَكَى اللَّخْمِيّ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ مَنْعَهُ نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ زَرْقُونٍ وَحَكَى ابْنُ يُونُسَ عَنْ بَعْضِهِمْ إجَازَتَهُ
(الثَّالِثُ): فِي جَوَازِ خَلْطِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَكَرَاهَتِهِ قَوْلَانِ لِسَمَاعِ أَشْهَبَ وَرِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ.
(الرَّابِعُ): فِي كَرَاهَةِ النُّضُوخِ مِنْ الْخَلِيطَيْنِ لِرَأْسِ الْمَرْأَةِ رِوَايَتَانِ ابْنُ رُشْدٍ لَا خِلَافَ فِي كَرَاهَتِهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ طَعَامًا انْتَهَى جَمِيعُ ذَلِكَ مِنْ شَرْحِ الرِّسَالَةِ لِلْقَلَشَانِيِّ عِنْدَ قَوْلِهَا وَنُهِيَ عَنْ الْخَلِيطَيْنِ.
ص (وَفِي كُرْهِ الطِّينِ وَالْقِرْدِ وَمَنْعِهِمَا قَوْلَانِ)
ش: الْقَوْلُ بِمَنْعِ الطِّينِ نَقَلَ تَشْهِيرَهُ فِي الْمَدْخَلِ فِي بَابِ أَكْلِ النِّسَاءِ لِلتَّسْمِينِ وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ التَّحْرِيمَ وَلَمْ يَحْكِ غَيْرَهُ وَنَقَلَ الْبُرْزُلِيُّ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ تَشْهِيرَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْلُ التُّرَابِ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةٍ فِي رَسْمِ الْجَامِعِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ الْبُيُوعِ: إنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لَحْمَ الْقُرُودِ لَا يُؤْكَلُ، وَنَقَلَ الْجُزُولِيُّ عَنْ ابْنِ يُونُسَ ثَمَنُ الْقِرْدِ حَرَامٌ كَاقْتِنَائِهِ وَقَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ فِي بَابِ الْبُيُوعِ: مَا لَا يَصِحُّ مِلْكُهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ بِإِجْمَاعٍ كَالْحُرِّ وَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْقِرْدِ وَالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.