ص (بَابٌ الْمُحَارِبُ قَاطِعُ الطَّرِيقِ لِمَنْعِ سُلُوكٍ أَوْ أَخْذِ مَالِ مُسْلِمٍ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْغَوْثُ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْحِرَابَةُ الْخُرُوجُ لِإِخَافَةِ سَبِيلٍ بِأَخْذِ مَالٍ مُحْتَرَمٍ بِمُكَابَرَةِ قِتَالٍ أَوْ خَوْفِهِ أَوْ ذَهَابِ عَقْلٍ أَوْ قَتْلٍ خُفْيَةً أَوْ لِمُجَرَّدِ قَطْعِ الطَّرِيقِ، لَا لِإِمْرَةٍ وَلَا لِنَائِرَةٍ وَلَا عَدَاوَةٍ، فَيَدْخُلُ قَوْلُهَا وَالْخَنَّاقُونَ وَاَلَّذِينَ يَسْقُونَ النَّاسَ السَّيْكَرَانِ لِيَأْخُذُوا أَمْوَالَهُمْ مُحَارِبُونَ انْتَهَى. وَمَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُحَارِبَ هُوَ مَنْ قَطَعَ الطَّرِيقَ عَلَى النَّاسِ وَمَنَعَهُمْ مِنْ السُّلُوكِ فِيهَا وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ أَخْذِ الْمَالِ عَلَى وَجْهٍ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْغَوْثُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْرَأَ قَوْلَهُ أَوْ آخِذُ الْمَالِ بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْخَاءِ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ وَأَمَّا إذَا قُرِئَ بِسُكُونٍ مِنْ غَيْرِ مَدٍّ بِصِيغَةِ الْمَصْدَرِ فَلَا يَكُونُ جَامِعًا لِأَنَّهُ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ لِمَنْعِ سُلُوكٍ فَيَقْتَضِي أَنَّ الْمُحَارِبَ هُوَ مَنْ قَطَعَ الطَّرِيقَ لِمَنْعِ السُّلُوكِ أَوْ مَنْ قَطَعَهَا لِأَخْذِ الْمَالِ وَيَخْرُجُ مِنْهُ مَنْ قَاتَلَ لِأَخْذِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ قَطْعِ الطَّرِيقِ وَيَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ مَنْ دَخَلَ دَارًا أَوْ زُقَاقًا أَوْ قَاتَلَ لِيَأْخُذَ الْمَالَ وَمُسْقِي السَّيْكَرَانِ وَمُخَادِعُ الصَّبِيِّ أَوْ غَيْرِهِ لِيَأْخُذَ مَا مَعَهُ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْحِرَابَةُ كُلُّ فِعْلٍ يُقْصَدُ بِهِ أَخْذُ الْمَالِ عَلَى وَجْهٍ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الِاسْتِغَاثَةُ عَادَةً مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ أَوْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ مُسْتَأْمِنٍ. إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ عَلَى وَجْهٍ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْغَوْثُ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ تَتَعَذَّرُ مَعَهُ الِاسْتِغَاثَةُ.
فَإِنَّ الْمَسْلُوبَ يَسْتَغِيثُ وَجَدَ مُغِيثًا أَمْ لَا فَهُوَ لَا تَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الِاسْتِغَاثَةُ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) يَنْبَغِي أَنْ يُؤْتَى فِي حَدِّ الْحِرَابَةِ بِمَا يُشْعِرُ بِخُرُوجِ قَطْعِ الطَّرِيقِ عَلَى الْحَرْبِيِّ وَأَخْذِ مَالِهِ. فَيُقَالُ مَثَلًا: الْمُحَارِبُ قَاطَعَ الطَّرِيقَ لِمَنْعِ سُلُوكِ غَيْرِ حَرْبِيٍّ أَوْ أَخْذِ مَالٍ مُحْتَرَمٍ أَوْ مَعْصُومٍ كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَكَأَنَّهُمْ سَكَتُوا عَنْ ذَلِكَ لِوُضُوحِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الثَّانِي) اُنْظُرْ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْمُحَارِبِ التَّكْلِيفُ؟ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الصَّبِيُّ إنْ حَارَبَ وَلَمْ يَحْتَلِمْ وَلَا أَنْبَتَ عُوقِبَ وَلَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ حَدُّ الْحِرَابَةِ. قَالَ وَالْمَجْنُونُ يُعَاقَبُ لِيَنْزَجِرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي بِهِ الْأَمْرُ الْخَفِيفُ فَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ انْتَهَى وَذَكَرَ مَسْأَلَةَ الصِّبْيَانِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّهَا: وَأَمَّا الصِّبْيَانِ فَلَا يَكُونُونَ مُحَارِبِينَ حَتَّى يَحْتَلِمُوا. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ حَتَّى يَبْلُغُوا ثُمَّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَقِبَ كَلَامِهِ السَّابِقِ وَإِنْ قَطَعُوا الطَّرِيقَ إلَى مَدِينَتِهِمْ الَّتِي خَرَجُوا مِنْهَا فَهُمْ مُحَارِبُونَ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ هَذَا رَاجِعٌ إلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا إلَى الصِّبْيَانِ انْتَهَى.
ص (فَيُقَاتَلُ بَعْدَ الْمُنَاشَدَةِ)
ش: أَيْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ نَذَرَ مِنْ سَمَاعِ
[ ٦ / ٣١٤ ]
عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْمُحَارِبِينَ وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ أَنْ يُدْعَوْا إلَى التَّقْوَى وَالْكَفِّ فَإِنْ أَبَوْا قُوتِلُوا وَإِنْ عَاجَلُوا قُوتِلُوا، وَأَنْ يُعْطَوْا الشَّيْءَ الْيَسِيرَ إنْ طَلَبُوهُ كَالثَّوْبِ وَالطَّعَامِ وَمَا خَفَّ وَلَمْ يُقَاتِلُوا. وَلَمْ يَرَ سَحْنُونٌ أَنْ يُعْطَوْا شَيْئًا وَلَوْ قَلَّ وَلَا أَنْ يُدْعَوْا وَقَالَ هَذَا وَهْنٌ، يُدْخَلُ عَلَيْهِمْ وَلْيُظْهَرْ لَهُمْ الصَّبْرُ وَالْجَلَدُ وَالْقِتَالُ بِالسَّيْفِ فَهُوَ أَكْسَرُ لَهُمْ وَأَقْطَعُ لِطَمَعِهِمْ. ذَهَبَ فِي ذَلِكَ مَذْهَبَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَقَوْلُ مَالِكٍ أَحْسَنُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (ثُمَّ يُصْلَبُ)
ش: هَذَا خَاصٌّ بِالرَّجُلِ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَحَدُّهَا صِنْفَانِ: الْقَطْعُ مِنْ خِلَافٍ، وَالْقَتْلُ. وَيَسْقُطُ عَنْهَا ثَالِثٌ وَهُوَ الصَّلْبُ وَيُخْتَلَفُ فِي رَابِعٍ وَهُوَ النَّفْيُ اُنْظُرْ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ وَنَقَلَهُ فِي الشَّامِلِ وَغَيْرِهِ.
ص (أَوْ يَنْفِي الْحُرَّ)
ش: لَمْ يَذْكُرْ هُنَا مَعَ النَّفْي ضَرْبًا وَذَكَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ. ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مَعَ النَّفْيِ مِنْ الضَّرْبِ. وَنَصُّهُ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلِغَيْرِهِمَا: وَلِمَنْ وَقَعَتْ مِنْهُ فَلْتَةٌ وَيَضْرِبُهُمَا إنْ شَاءَ. قَوْلُهُ (إنْ شَاءَ) ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ضَرْبِهِ؛ لِقَوْلِهِ: وَاَلَّذِي يُؤْخَذُ بِحَضْرَةِ الْخُرُوجِ وَلَمْ يُخِفْ السَّبِيلَ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ فَهَذَا يُؤَاخَذُ فِيهِ بِأَيْسَرِ الْحُكْمِ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا. وَذَلِكَ الضَّرْبُ وَالنَّفْيُ مَا ذَكَرَهُ أَنْسَبُ بِمَذْهَبِ أَشْهَبَ فَإِنَّهُ قَالَ: إنَّ جَلْدَهُ مَعَ النَّفْيِ لَضَعِيفٌ. وَإِنَّمَا اُسْتُحْسِنَ لِمَا خُفِّفَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِهِ وَلَوْ قَالَهُ قَائِلٌ لَمْ أَعِبْهُ. وَقَوْلُهُ: وَإِنَّمَا اُسْتُحْسِنَ. أَيْ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ. انْتَهَى وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي لُزُومِ الضَّرْبِ وَالنَّفْيِ ثُمَّ قَالَ اللَّخْمِيُّ ضَرْبُهُ قَبْلَ النَّفْيِ اسْتِحْسَانٌ كَمَا قَالَ أَشْهَبُ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ ثُمَّ قَالَ فِي الرَّجْمِ مِنْهَا وَلَا يُنْفَى الرَّجُلُ وَمِنْهَا لَا يُنْفَى الرَّجُلُ الْحُرُّ إلَّا فِي الزِّنَى وَفِي حِرَابَةٍ فَيُسْجَنَانِ جَمِيعًا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُنْفَى إلَيْهِ يُسْجَنُ الزَّانِي سَنَةً وَالْمُحَارِبُ حَتَّى تُعْرَفَ تَوْبَتُهُ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فَظَاهِرُهُ عَدَمُ الضَّرْبِ وَفِي كِتَابِ الْمُحَارِبِينَ وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْمُحَارِبِينَ وَلَكِنْ يَجْتَهِدُ فِي نَفْيِهِ وَضَرْبِهِ فَظَاهِرُهُ أَوْ نَصُّهُ ثُبُوتُ الضَّرْبِ انْتَهَى.
[تَنْبِيهٌ قَدْرُ ضَرْبِ الْمُحَارَب]
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَدْرُ الضَّرْبِ مَوْكُولٌ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ كَمَا فِي نَصِّ الْمُدَوَّنَةِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: وَلَكِنْ يَجْتَهِدُ الْإِمَامُ فِي ضَرْبِهِ وَنَفْيِهِ أَمَّا فِي ضَرْبِهِ فَعَلَى قَدْرِ جُرْمِهِ وَكَثْرَةِ مُقَامِهِ فِي فَسَادِهِ وَأَمَّا فِي نَفْيِهِ فَإِنْ كَانَ كَثِيرَ الْفَسَادِ نَفَاهُ إلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ وَإِنْ كَانَ قَلِيلَ الْفَسَادِ فَإِلَى بَلَدٍ قَرِيبٍ وَأَقَلُّهُ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَهُوَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ انْتَهَى. وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَلَيْسَ لِجَلْدِهِ حَدٌّ إلَّا الِاجْتِهَادُ مِنْ الْإِمَامِ انْتَهَى.
(الثَّانِي) نُصُوصُ الْمَذْهَبِ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الْمُحَارِبَ إذَا نُفِيَ سُجِنَ فِي الْبَلَدِ الَّذِي يَنْتَفِي إلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ يُخْشَى هُرُوبُهُ أَمْ لَا. وَمَا حَكَاهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الثَّعَالِبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى آيَةِ الْمَائِدَةِ مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ مَنْ يُخَافُ هُرُوبُهُ أَوْ لَا يَخَافُ هُرُوبَهُ خِلَافُ الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) وَهَلْ يُجْعَلُ فِي عُنُقِهِ الْحَدِيدُ؟ اُنْظُرْ تَبْصِرَةَ ابْنِ فَرْحُونٍ.
ص (وَبِالْقَتْلِ يَجِبُ قَتْلُهُ)
ش: يُرِيدُ أَوْ الصَّلْبِ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَأَمَّا إنْ قَتَلَ فَلَا بُدَّ مِنْ قَتْلِهِ وَلَا تَخْيِيرَ لِلْإِمَامِ فِي قَطْعِهِ وَلَا فِي نَفْيِهِ وَإِنَّمَا لَهُ التَّخْيِيرُ فِي قَتْلِهِ أَوْ صَلْبِهِ أَوْ قَطْعِهِ مِنْ خِلَافٍ. اهـ اُنْظُرْ آخِرَ كَلَامِهِ فَإِنَّهُ يُنَاقِضُ أَوَّلَهُ وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ وَلَهُ نَحْوُ ذَلِكَ فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْمُحَارِبِينَ وَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِ الْمُحَارِبِينَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَإِذَا أَخَذَهُ الْإِمَامُ وَقَدْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ وَأَخَافَ السَّبِيلَ فَلْيَقْتُلْهُ وَلَا يَقْطَعْ يَدَهُ وَرِجْلَهُ وَالْقَتْلُ يَأْتِي عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ فَأَمَّا الصَّلْبُ مَعَ الْقَتْلِ فَذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ بِأَشْنَعِ مَا يَرَاهُ انْتَهَى. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ: وَلَا يَقْطَعُ يَدَهُ وَرِجْلَهُ خِلَافًا لِأَبِي مُصْعَبٍ وَالْقَتْلُ يَأْتِي عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ كَمَا إذَا كَانَ حَدَّانِ أَحَدُهُمَا الْقَتْلُ فَيَكُونُ الْآخَرُ دَاخِلًا فِي الْقَتْلِ فَلَعَلَّهُ أَشَارَ إلَى أَبِي حَنِيفَة فِي قَوْلِهِ إنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ فَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ قَتَلَهُ وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ صَلَبَهُ
[ ٦ / ٣١٥ ]
وَإِنْ شَاءَ قَتَلَهُ مِنْ غَيْرِ صَلْبٍ وَلَا قَطْعٍ انْتَهَى. وَوَقَعَ فِي عِبَارَةِ الرَّجْرَاجِيِّ نَحْوُ مَا وَقَعَ فِي عِبَارَةِ ابْنِ رُشْدٍ فَقَالَ: إنْ قَتَلَ فَلَا بُدَّ مِنْ قَتْلِهِ وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ فِي ذَلِكَ تَخْيِيرٌ لَا فِي قَطْعِهِ وَلَا فِي نَفْيِهِ وَإِنَّمَا التَّخْيِيرُ فِي قَتْلِهِ أَوْ صَلْبِهِ أَوْ نَفْيِهِ انْتَهَى. فَأَوَّلُ كَلَامِهِ يُنَاقِضُ آخِرَهُ فَتَأَمَّلْهُ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ سَهْوٌ وَتَصْحِيفٌ وَأَمَّا كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ فَإِنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِي قَتْلِهِ وَفِي قَطْعِ يَدِهِ وَرِجْلِهِ مِنْ خِلَافٍ مِنْ غَيْرِ قَتْلٍ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ سَهْوٌ لِأَنَّهُ قَدْ نَفَى ذَلِكَ وَإِنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ قَتْلِهِ مِنْ غَيْرِ صَلْبٍ وَلَا قَطْعٍ وَبَيْنَ صَلْبِهِ مَعَ قَتْلِهِ وَبَيْنَ قَطْعِ يَدِهِ وَرِجْلِهِ ثُمَّ قَتْلِهِ فَهُوَ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يُقَالُ قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يَقْطَعُ يَدَهُ وَرِجْلَهُ يَعْنِي بِهِ مِنْ غَيْرِ قَتْلٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ بَعْدُ: وَالْقَتْلُ. يَأْتِي عَلَى ذَلِكَ يُرَدُّ بِهِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فَأَمَّا الصَّلْبُ مَعَ الْقَتْلِ إلَخْ وَكَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَنَّهُ لَا يَقْطَعُ يَدَهُ وَرِجْلَهُ مَعَ قَتْلِهِ وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ بِمَا هُوَ كَالصَّرِيحِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَا تُقْطَعُ يَدُهُ وَلَا رِجْلُهُ. فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ لَا يَجْمَعُ مَعَ الْقَتْلِ قَطْعَ يَدٍ وَلَا رِجْلٍ إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّ قَطْعَ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ أَوْ الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ حَدٌّ لِلْمُحَارِبِ فَتَأَمَّلْهُ.
[فَرْعٌ أَتَى الْمُحَارِبُ تَائِبًا قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ]
(فَرْعٌ) مَنْ اعْتَرَفَ أَنَّهُ قَتَلَ غِيلَةً ثُمَّ رَجَعَ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ اُنْظُرْ ابْنَ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ وَكَذَلِكَ إذَا اعْتَرَفَ بِالْحِرَابَةِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
ص (وَلَوْ جَاءَ تَائِبًا وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ الْعَفْوُ) ش ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا جَاءَ تَائِبًا يَتَعَيَّنُ قَتْلُهُ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّهِ الْعَفْوُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِذَا أَتَى الْمُحَارِبُ تَائِبًا قَبْلَ أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ سَقَطَ عَنْهُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ حُدُودِ الْحِرَابَةِ وَثَبَتَ لِلنَّاسِ مَا عَلَيْهِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ جُرْحٍ أَوْ مَالٍ ثُمَّ لِلْأَوْلِيَاءِ الْعَفْوُ فِيمَنْ قَتَلَ وَكَذَلِكَ الْمَجْرُوحُ فِي الْقِصَاصِ وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً قَتَلُوا رَجُلًا؛ وَلِيَ أَحَدُهُمْ قَتْلَهُ وَبَاقِيهِمْ عَوْنٌ لَهُ فَيُؤْخَذُونَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ قُتِلُوا كُلُّهُمْ وَإِنْ تَابُوا قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذُوا دُفِعُوا إلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فَيَقْتُلُونَ مَنْ شَاءُوا مِنْهُمْ وَيَعْفُونَ عَمَّنْ شَاءُوا وَأَخَذُوا الدِّيَةَ مِمَّنْ شَاءُوا انْتَهَى. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمَا.
ص (وَغَرِمَ كُلٌّ عَنْ الْجَمِيعِ مُطْلَقًا) ش قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ اسْتَأْذَنَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَاب الْغَصْبِ: إذَا اجْتَمَعَ الْقَوْمُ فِي الْغَصْبِ أَوْ السَّرِقَةِ أَوْ الْحِرَابَةِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ
[ ٦ / ٣١٦ ]
ضَامِنٌ لِجَمِيعِ مَا أَخَذُوهُ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ قَوِيَ بِبَعْضٍ كَالْقَوْمِ يَجْتَمِعُونَ عَلَى قَتْلِ رَجُلٍ فَيُقْتَلُ جَمِيعُهُمْ بِهِ وَإِنْ وَلِيَ الْقَتْلَ أَحَدُهُمْ. وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - ﵁ - لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لِقَتْلَتِهِمْ بِهِ جَمِيعًا انْتَهَى.
قَالَ الدَّمَامِينِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْبُخَارِيِّ فِي قَوْلِهِ لَتَجَشَّمْت لِقَاءَهُ وَحُكْمُ الرَّدِّ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِ الْإِسْلَامِ حُكْمُ الْمُقَاتِلِ وَكَذَلِكَ رَدُّ الْمُحَارِبِينَ عِنْدَ مَالِكٍ وَالْكُوفِيِّينَ.
ص (وَسَقَطَ حَدُّهَا بِإِتْيَانِ الْإِمَامِ طَائِعًا)
ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ.
وَإِذَا سَقَطَ حَدُّ الْحِرَابَةِ بِالتَّوْبَةِ لَمْ يَسْقُطْ حَدُّ الْآدَمِيِّينَ مِنْ قَتْلٍ أَوْ جُرْحٍ أَوْ مَالٍ عَلَى الْمَعْرُوفِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.