بَابٌ (الْيَمِينُ تَحْقِيقُ مَا لَمْ يَجِبْ)
ش: قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: الْيَمِينُ فِي اللُّغَةِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْيَمِينِ الَّذِي هُوَ الْعُضْوُ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إذَا حَلَفُوا وَضَعَ أَحَدُهُمْ يَمِينَهُ فِي يَمِينِ صَاحِبِهِ فَسُمِّيَ الْحَلِفُ يَمِينًا.
وَقِيلَ: الْيَمِينُ الْقُوَّةُ وَيُسَمَّى الْعُضْوُ يَمِينًا لِوُفُورِ قُوَّتِهِ عَلَى الْيَسَارِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] أَيْ بِالْقُوَّةِ، وَلَمَّا كَانَ الْحَلِفُ يُقَوِّي الْخَبَرَ مِنْ الْوُجُودِ أَوْ الْعَدَمِ سُمِّيَ يَمِينًا، فَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ يَكُونُ الْتِزَامُ الطَّلَاقِ أَوْ الْعِتْقِ وَغَيْرِهِمَا عَلَى تَقْدِيرِ الْمُخَالَفَةِ يَمِينًا، بِخِلَافِ التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْقَسَمُ بِتَحْرِيكِ السِّينِ بِمَعْنَى الْيَمِينِ، وَأَقْسَمْت أَيْ حَلَفْت، قَالَ بَعْضُهُمْ: أَصْلُهُ مِنْ الْقَسَامَةِ، وَهِيَ الْأَيْمَانُ تُقْسَمُ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ، وَالْحَلِفُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَسُكُونِهَا بِمَعْنَاهُ، انْتَهَى.
وَفِي الصِّحَاحِ وقَوْله تَعَالَى: ﴿تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْ مِنْ قِبَلِ الدِّينِ فَتُزَيِّنُونَ لَنَا ضَلَالَتِنَا، كَأَنَّهُ أَرَادَ عَنْ الْمَأْتِيِّ السَّهْلِ الْأَصْمَعِيُّ فُلَانٌ عِنْدَنَا بِالْيَمِينِ أَيْ بِمَنْزِلَةٍ حَسَنَةٍ، وَيُقَالُ: قَدِمَ فُلَانٌ عَلَى أَيْمَنِ الْيَمِينِ أَيْ عَلَى الْيَمِينِ.
وَالْيَمِينُ الْقَسَمُ وَالْجَمْعُ أَيْمُنٌ وَأَيْمَانٌ، انْتَهَى. هَذَا مَعْنَى الْيَمِينِ لُغَةً، وَأَمَّا فِي الْعُرْفِ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَعْرِيفٍ بِرَسْمٍ وَلَا حَدٍّ لِاشْتِرَاكِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ فِي مَعْرِفَتِهِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قِيلَ: وَمَعْنَاهُ ضَرُورِيٌّ لَا يُعَرَّفُ، وَالْحَقُّ نَظَرِيٌّ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، الْأَكْثَرُ التَّعْلِيقُ مِنْهُ لِتَرْجَمَتِهَا كِتَابَ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ وَإِطْلَاقَاتِهَا وَغَيْرِهَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَقِيقَةً مَا لَزِمَ فِي الْأَيْمَانِ اللَّازِمَةِ دُونَ نِيَّةٍ، إذْ لَا يَلْزَمُ مَجَازٌ دُونَهَا، وَرَدُّهُ بِلُزُومِهِ دُونَهَا إذَا كَانَ رَاجِحًا عَلَى الْحَقِيقَةِ يُرَدُّ بِأَنَّهُ الْمَعْنَى مِنْ الْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ بَشِيرٍ مَجَازٌ، وَكُلُّ مُخْتَلَفٍ فِيهِ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ، فَالْيَمِينُ قَسَمٌ أَوْ الْتِزَامٌ مَنْدُوبٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ الْقُرْبَةُ، أَوْ مَا يَجِبُ بِإِنْشَاءٍ لَا يَفْتَقِرُ لِقَبُولٍ مُعَلَّقٍ بِأَمْرٍ مَقْصُودٍ عَدَمُهُ، فَيَخْرُجُ نَحْوُ إنْ فَعَلْت كَذَا فَلِلَّهِ عَلَيَّ طَلَاقُ فُلَانَةَ، أَوْ عَتَقَ عَبْدِي فُلَانٌ ابْنُ رُشْدٍ لَا يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ لِأَنَّهُ غَيْرُ قُرْبَةٍ (قُلْت) عَزَاهُ الشَّيْخُ لِكِتَابِ مُحَمَّدٍ وَالْعُتْبِيِّ لِسَمَاعِ عِيسَى ابْنِ الْقَاسِمِ ابْنُ رُشْدٍ وَيُلْزَمُ الْعِتْقُ وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا؛ لِأَنَّهُ نَذْرٌ وَلَا وَفَاءَ بِهِ إلَّا بِنِيَّةٍ، وَمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ غَيْرُ مَنْوِيٍّ لَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ.
[ ٣ / ٢٥٩ ]
الْيَمِينُ: رَبْطُ الْعَقْدِ بِالِامْتِنَاعِ وَالتَّرْكِ أَوْ بِالْإِقْدَامِ عَلَى فِعْلٍ بِمَعْنًى مُعَظَّمٍ حَقِيقَةً أَوْ اعْتِقَادًا، وَيَرِدُ بِتَكْرَارِ التَّرْكِ وَخُرُوجِ الْغَمُوسِ وَاللَّغْوِ وَالتَّعْلِيقِ، انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: بِتَكْرَارِ التَّرْكِ يَعْنِي أَنَّ قَوْلَهُ: وَالتَّرْكُ مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ: الِامْتِنَاعُ، وَاعْتَرَضَهُ الْقَرَافِيُّ أَيْضًا بِالْغَمُوسِ وَمَا أَشْبَهَهَا بِأَنَّ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ يُتَصَوَّرُ بِغَيْرِ لَفْظٍ، وَالْعَرَبُ لَا تُسَمِّي السَّاكِتَ حَالِفًا، وَبِأَنَّ الْيَمِينَ قَدْ تَكُونُ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ، فَلَا يَكُونُ هُنَاكَ إقْدَامٌ وَلَا إحْجَامٌ، قَالَ: وَالْحَقُّ أَنْ يُقَالَ: هُوَ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ وَضْعًا إنْشَائِيَّةٌ مَعْنًى مُتَعَلِّقَةٌ بِمَعْنًى مُعَظَّمٍ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ مُؤَكَّدَةٌ بِجُمْلَةٍ أُخْرَى مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا، فَقَوْلُنَا: خَبَرِيَّةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ صِيغَتُهَا وَقَوْلُنَا: إنْشَائِيَّةٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ وَقَوْلُنَا: مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا احْتِرَازٌ مِنْ تَكْرَارِ الْقَسَمِ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى حَلِفًا إلَّا إذَا ذُكِرَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ، وَبَقِيَّةُ الْقُيُودِ ظَاهِرَةٌ، وَقَدْ خَصَّصَ الشَّرْعُ هَذَا الْمَعْنَى بِبَعْضِ مَوَارِدِهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُعَظَّمُ ذَاتَ اللَّهِ أَوْ صِفَاتِهِ الْعُلَى كَمَا صَنَعَ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي اللُّبَابِ: الْيَمِينُ هُوَ الْحَلِفُ بِمُعَظَّمٍ تَأْكِيدًا لِدَعْوَاهُ أَوْ لِمَا عَزَمَ عَلَى فِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي اللُّبَابِ أَيْضًا: وَحُكْمُهَا الْجَوَازُ إنْ كَانَتْ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ فِي بَابِ أَحَبُّ الدِّينِ إلَى اللَّهِ أَدُومُهُ: فِيهِ جِوَازُ الْحَلِفِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ، وَقَدْ يُسْتَحَبُّ إذَا كَانَ فِيهِ تَفْخِيمُ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ أَوْ حَثٌّ عَلَيْهِ أَوْ تَنْفِيرٌ مِنْ مَحْذُورٍ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ فِي فَصْلِ الصِّيَامِ وَتَكْثِيرِ الْحَلِفِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ مِنْ الْبِدَعِ الْحَادِثَةِ بَعْدَ السَّلَفِ: - ﵃ - بَلْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَتَوَقَّى أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ إلَّا عَلَى سَبِيلِ الذِّكْرِ حَتَّى إذَا اُضْطُرُّوا فِي الدُّعَاءِ إلَى مَنْ أَحْسَنَ إلَيْهِمْ بِالْمُكَافَآتِ لَهُ يَقُولُونَ: جُزِيتَ خَيْرًا خُوَّفًا عَلَى اسْمِ اللَّهِ، انْتَهَى.
قَالَ فِي اللُّبَابِ: وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا الْحَثُّ عَلَى الْوَفَاءِ بِالْعَقْدِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّعْظِيمِ، انْتَهَى.
[تَنْبِيهٌ الْيَمِينُ تَحْقِيقُ مَا لَمْ يَجِبْ]
(تَنْبِيهٌ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ الْيَمِينُ تَحْقِيقُ مَا لَمْ يَجِبْ يَعْنِي أَنَّ الْيَمِينَ هُوَ أَنْ يُحَقِّقَ الْحَالِفُ شَيْئًا لَمْ يَجِبْ أَيْ لَمْ يَثْبُتْ، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ هِيَ نَصُّ الْحَاوِي لِلشَّافِعِيَّةِ قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِهِ فِي شَرْحِهَا: أَيْ تَحْقِيقُ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ ثُبُوتُهُ، وَهُوَ مَا يَحْتَمِلُ الْمُخَالَفَةَ وَالْمُوَافَقَةَ مَاضِيًا كَانَ أَوْ مُسْتَقْبَلًا مُمْكِنًا كَانَ أَوْ مُمْتَنِعًا، وَقَدْ دَخَلَ فِي قَوْلِهِ: مَا لَمْ يَجِبْ الْمُمْكِنُ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: وَاَللَّهِ لَأَدْخُلَنَّ الدَّارَ وَالْمُمْتَنِعُ نَحْوُ: وَاَللَّهِ لَأَقْتُلَنَّ فُلَانًا الْمَيِّتَ وَخَرَجَ مِنْهُ الْوَاجِبُ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَأَمُوتَنَّ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ يَمِينًا لِأَنَّ الْوَاجِبَ مُتَحَقِّقٌ فِي نَفْسِهِ، فَلَا مَعْنَى لِتَحَقُّقِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْحِنْثُ، بِخِلَافِ الْمُمْكِنِ وَالْمُمْتَنِعِ، وَلِذَلِكَ رُجِّحَ عَدَمُ انْعِقَادِ الْيَمِينِ فِيمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَصْعَدُ السَّمَاءَ وَانْعِقَادُهُ فِيمَا لَوْ حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ فُلَانًا وَهُوَ مَيِّتٌ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْحِنْثُ فَيُرَجَّحُ فِيهِ عَدَمُ الِانْعِقَادِ وَبَيْنَ مَا لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْبِرُّ فَيُرَجَّحُ فِيهِ الِانْعِقَادُ بِأَنَّ امْتِنَاعَ الْحِنْثِ لَا يُخِلُّ بِتَعْظِيمِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَامْتِنَاعُ الْبِرِّ يُخِلُّ وَيَهْتِكُ الْحُرْمَةَ فَيَخْرُجُ إلَى التَّكْفِيرِ، وَيَدْخُلُ أَيْضًا فِي تَحْقِيقِ مَا لَمْ يَجِبْ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلُ وَالنَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ، انْتَهَى كَلَامُهُ، وَقَالَ فِي الْإِرْشَادِ لِلشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا: الْيَمِينُ تَحْقِيقٌ غَيْرُ ثَابِتٍ قَالَ مُصَنِّفُهُ فِي التَّتِمَّةِ: إنَّ الْيَمِينَ الْمُوجِبَةَ لِلْكَفَّارَةِ هِيَ أَنْ يُقْصَدَ بِهَا تَحْقِيقُ شَيْءٍ غَيْرِ مَعْلُومِ الثُّبُوتِ مَاضِيًا كَانَ أَوْ مُسْتَقْبَلًا مَنْفِيًّا كَانَ أَوْ مُثْبَتًا مُمْكِنًا كَانَ أَوْ مُمْتَنِعًا، انْتَهَى. وَمَا ذَكَرَهُ شَارِحُ الْحَاوِي أَشَارَ الشَّيْخُ بَهْرَامُ فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ إلَى شَيْءٍ مِنْهُ، وَنَصُّهُ: قَوْلُهُ: الْيَمِينُ تَحْقِيقُ مَا لَمْ يَجِبْ أَيْ الْيَمِينُ الْمُوجِبَةُ لِلْكَفَّارَةِ تَحْقِيقُ مَا لَمْ يَجِبْ بِمَا ذُكِرَ، وَالْمُرَادُ بِتَحْقِيقِ مَا لَمْ يَجِبْ تَحْقِيقُ مَا لَمْ يَثْبُتْ أَيْ يَتَحَقَّقْ ثُبُوتُهُ، وَهُوَ مَا يَحْتَمِلُ الْمُوَافَقَةَ وَالْمُخَالَفَةَ أَعْنِي الْبِرَّ وَالْحِنْثَ، فَلَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَأَحْمِلَنَّ الْجَبَلَ وَوَاللَّهِ لَأَشْرَبَنَّ الْبَحْرَ كَانَ يَمِينًا؛ لِأَنَّ حَمْلَ الْجَبَلِ وَشُرْبَ الْبَحْرِ لَا يَتَحَقَّقُ ثُبُوتُهُ، وَلَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَحْمِلُ الْجَبَلَ وَوَاللَّهِ لَا أَشْرَبُ الْبَحْرَ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا؛ لِأَنَّ عَدَمَ حَمْلِهِ الْجَبَلَ وَشُرْبِهِ الْبَحْرَ مُتَحَقِّقُ الثُّبُوتِ، وَدَخَلَ فِي قَوْلِهَا
[ ٣ / ٢٦٠ ]
مَا لَمْ يَجِبْ الْمُمْكِنُ كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَأَدْخُلَنَّ الدَّارَ وَالْمُمْتَنِعُ كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَأَقْتُلَنَّ زَيْدًا الْمَيِّتَ أَوْ لَأَشْرَبَنَّ الْبَحْرَ أَوْ لَأَحْمِلَنَّ الْجَبَلَ، وَخَرَجَ بِهِ الْوَاجِبُ كَوَاللَّهِ لَأَمُوتَنَّ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ مُتَحَقِّقٌ فِي نَفْسِهِ، وَالْمُرَادُ أَيْضًا بِتَحَقُّقِ مَا لَمْ يَجِبْ الْمُسْتَقْبَلُ خَاصَّةً سَوَاءٌ كَانَ مُتَعَلِّقُ يَمِينِهِ مِنْ فِعْلِهِ أَوْ مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ كَانَتْ عَلَى نَفْيٍ، وَهِيَ صِيغَةُ الْبِرِّ، أَوْ إثْبَاتٍ، وَهِيَ صِيغَةُ الْحِنْثِ، انْتَهَى.
[مَسْأَلَةٌ الْيَمِينِ هَلْ تَنْعَقِدُ بِإِنْشَاءِ كَلَامِ النَّفْسِ وَحْدَهُ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ اللَّفْظِ]
ص (بِذَكَرِ اسْمِ اللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ)
ش: تَصَوُّرُهُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ ظَاهِرٌ.
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الثَّانِي مِنْ قَوَاعِدِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْخَامِسَةِ فِي الطَّلَاقِ بِالْقَلْبِ: وَقَعَ الْخِلَافُ فِي الْيَمِينِ هَلْ تَنْعَقِدُ بِإِنْشَاءِ كَلَامٍ النَّفْسِ وَحْدَهُ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ اللَّفْظِ، انْتَهَى.
قَالَ الْقُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْقَوَاعِدِ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ قَوَاعِدِ الْخَبَرِ إثْرَ هَذَا الْكَلَامِ مَا نَصُّهُ (قُلْت) أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ وَمَنْ قَالَ لَا يَلْزَمُهُ فَمَا ذَلِكَ إلَّا لِأَنَّهُ لَا إنْشَاءَ فِي النَّفْسِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْإِنْشَاءُ اللِّسَانِيُّ، إذْ لَوْ كَانَ لَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَثَرُهُ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ فَكَلَامُهُ ﷿ فِي الْقِدَمِ وَلَمْ يَتَرَتَّبْ حُكْمٌ مِنْ الْأَحْكَامِ إلَّا عَلَى الْقُرْآنِ مِنْ حَيْثُ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ النَّفْسِ فَلَا، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَيَلْزَمُ أَيْ الْحَلِفَ بِاللَّفْظِ النِّيَّةُ، وَفِي مُجَرِّدِهَا رِوَايَتَا الطَّلَاقِ بِهَا، وَفِي لُزُومِ عَكْسِهِ وَكَوْنِهِ لَغْوًا لَا كَفَّارَةَ فِيهِ قَوْلَانِ لَهَا مَعَ الْمَشْهُورِ وَإِسْمَاعِيلَ مَعَ الْأَبْهَرِيِّ وَاللَّخْمِيِّ وَالشَّيْخِ رَدَّ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ قَوْلَ عَائِشَةَ: اللَّغْوُ قَوْلُ الرَّجُلِ لَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ؛ لِقَوْلِ مَالِكٍ لِأَنَّهَا لَا تَعْنِي تَعَمُّدَ الْكَذِبِ، بَلْ الظَّنَّ، وَإِلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَشْهُورِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ هَذَا: لَا بِسَبْقِ لِسَانِهِ أَيْ: فَلَا يَدِينُ.
[فَرْعٌ لُزُومِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي لُزُومِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ مُرَادَةٌ بِلَفْظٍ مُبَايِنٍ لِلَفْظِهَا كَالصَّلَاةِ بِذَلِكَ نَظَرٌ، وَأَخَذَهُ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ نَقْلِهِ عَنْهَا: مَنْ قَالَ لَا مَرْحَبًا يُرِيدُ بِهِ الْإِيلَاءَ مُولٍ قَالَ: وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَاَللَّهِ لَا مَرْحَبًا بِكَ، إذْ لَا يُعَبَّرُ عَنْ اسْمِ اللَّهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ وَإِلَّا ظَهَرَ كَالْيَمِينِ بِالنِّيَّةِ، انْتَهَى. وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَقَدْ سُئِلْت عَمَّنْ حَلَفَ وَقَالَ: وَاللَّا وَلَمْ يَذْكُرْ الْهَاءَ فَأَجَبْت بِأَنَّهُ يَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا.
[فَرْعٌ حَلَفَ بِاَللَّهِ بِشَيْءٍ مِنْ اللُّغَاتِ وَحَنِثَ]
(فَرْعٌ): قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ وَمَنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ بِشَيْءٍ مِنْ اللُّغَاتِ وَحَنِثَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَمَنْ حَلَفَ بِوَجْهِ اللَّهِ وَحَنِثَ كَفَّرَ وَمَنْ حَلَفَ بِعَرْشِ اللَّهِ وَحَنِثَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، انْتَهَى.
ص (كَ بِاَللَّهِ)
ش: قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: الْأَلْفَاظُ الَّتِي يُحْلَفُ بِهَا قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا تَجْرِيدُ الِاسْمِ الْمَحْلُوفِ بِهِ كَقَوْلِكَ: اللَّهُ لَا فَعَلْت وَالْآخِرُ زِيَادَةٌ عَلَيْهِ، وَهِيَ ضَرْبَانِ مُتَّصِلَةٌ وَهِيَ الْحُرُوفُ نَحْوُ وَاَللَّهِ وَتَاللَّهِ وَبِاَللَّهِ وَأَيْمُ اللَّهِ وَلَعَمْرُ اللَّهِ، وَمُنْفَصِلَةٌ وَهِيَ الْكَلِمَاتُ نَحْوُ أَحْلِفُ وَأَشْهَدُ وَأُقْسِمُ، فَهَذِهِ إنْ قَرَنَهَا بِاَللَّهِ أَوْ بِصِفَاتِهِ نُطْقًا أَوْ نِيَّةً كَانَتْ أَيْمَانًا، وَإِنْ أَرَادَ بِهَا غَيْرَ ذَلِكَ أَوْ أَعْرَاهَا مِنْ نِيَّةٍ لَمْ تَكُنْ أَيْمَانًا يَلْزَمُ بِهَا حُكْمٌ، وَحُكْمُ مَاضِيهَا كَمُسْتَقْبَلِهَا، انْتَهَى.
ص (وَهَاللَّهِ)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَإِنْ قَالَ لَا هَا اللَّهِ هِيَ يَمِينٌ كَقَوْلِهِ: تَاللَّهِ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا هَاللَّهِ يَمِينٌ نَحْوُ بِاَللَّهِ، انْتَهَى. وَفِي الْفَرْقِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ وَالْمِائَةِ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَالَ اللَّخْمِيُّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ هَاللَّهِ يَمِينٌ تُوجِبُ كَفَّارَةً، مِثْلُ قَوْلِهِ: تَاللَّهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ حَذْفُ حَرْفِ الْقَسَمِ وَإِقَامَةُ هَاءِ التَّنْبِيهِ مَقَامَهُ، وَقَدْ نَصَّ النُّحَاةُ عَلَى ذَلِكَ، انْتَهَى.
ص (وَأَيْمُ اللَّهِ)
ش: قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَيُقَالُ: أَيْمُنُ اللَّهِ وَأَيْمُ اللَّهِ وَمِنْ اللَّهِ وَمِ اللَّهِ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ: وَأَيْمُنُ اللَّهِ اسْمٌ وُضِعَ لِلْقَسَمِ هَكَذَا بِضَمِّ الْمِيمِ وَالنُّونِ، وَأَلِفُهُ أَلِفُ وَصْلٍ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ وَلَمْ يَجِئْ فِي الْأَسْمَاءِ أَلِفُ وَصْلٍ مَفْتُوحَةٌ غَيْرُهَا، وَقِيلَ: أَلِفُ أَيْمُنٍ أَلِفُ قَطْعٍ، وَهُوَ جَمْعُ يَمِينٍ وَإِنَّمَا خُفِّفَتْ
[ ٣ / ٢٦١ ]
هَمْزَتُهَا وَطُرِحَتْ فِي الْوَصْلِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِمْ لَهَا، وَرُبَّمَا حَذَفُوا مِنْهُ النُّونَ فَقَالُوا أَيْمُ اللَّهِ وَإِيمُ اللَّهِ أَيْضًا بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَرُبَّمَا حَذَفُوا مِنْهُ الْيَاءَ قَالُوا ام اللَّهِ، وَرُبَّمَا أَبْقَوْا الْمِيمَ وَحْدَهَا مَضْمُومَةً قَالُوا مُ اللَّهِ، ثُمَّ يَكْسِرُونَهَا لِأَنَّهَا صَارَتْ حَرْفًا وَاحِدًا فَيُشَبِّهُونَهَا بِالْيَاءِ فَيَقُولُونَ مِ اللَّهِ، وَرُبَّمَا قَالُوا مُنُ اللَّهِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَالنُّونِ وَمَنْ اللَّهِ بِفَتْحِهِمَا وَمِنْ اللَّهِ بِكَسْرِهِمَا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَكَانُوا يَحْلِفُونَ بِالْيَمِينِ يَقُولُونَ: يَمِينُ اللَّهِ لَا أَفْعَلُ، انْتَهَى كَلَامُ الصِّحَاحِ.
ص (وَالْعَزِيزِ إلَى آخِرِهِ) ش قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: أَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى يَجُوزُ الْحَلِفُ بِهَا وَتُوجَبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى تَفْصِيلٍ يَأْتِي، ثُمَّ قَالَ: وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ مَا وَرَدَ السَّمْعُ بِهِ، وَلَا يُوهِمُ نَقْصًا نَحْوُ الْعَلِيمِ فَيَجُوزُ إطْلَاقُهُ إجْمَاعًا، وَمَا لَمْ يَرِدْ بِهِ السَّمْعُ وَهُوَ يُوهِمُ فَيَمْتَنِعُ إطْلَاقُهُ إجْمَاعًا، وَمَا لَمْ يَرِدْ بِهِ السَّمْعُ، وَهُوَ يُوهِمُ فَيَمْتَنِعُ إطْلَاقُهُ إجْمَاعًا نَحْوُ مُتَوَاضِعٍ، وَمَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ وَهُوَ مُوهِمٌ فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَحَلِّهِ نَحْوُ مَالِكٍ، وَمَا لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ وَهُوَ غَيْرُ مُوهِمٍ فَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ وَيَجُوزُ عِنْدَ الْقَاضِي نَحْوُ السَّيِّدِ، وَقِيلَ بِالْوَقْفِ قَالَ أَبُو طَاهِرٍ فَكُلُّ مَا جَازَ إطْلَاقُهُ صَارَ الْحَلِفُ بِهِ وَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ وَإِلَّا فَلَا، فَتَنْزِلُ الْأَقْسَامُ الْمُتَقَدِّمَةُ عَلَى هَذِهِ الْفُتْيَا، انْتَهَى. وَفِي الْجَوَاهِرِ: وَلَوْ قَالَ بِالشَّيْءِ أَوْ الْمَوْجُودِ وَأَرَادَ بِهِ الْإِلَهَ ﷾ كَانَ يَمِينًا، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَفِي الْبَيَانِ: إذَا قَالَ عَلِمَ اللَّهُ لَا فَعَلْت اُسْتُحِبَّ لَهُ الْكَفَّارَةُ احْتِيَاطًا تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ عِلْمِ اللَّهِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ إنْ أَرَادَ الْحَلِفَ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ حُرُوفَ الْقَسَمِ قَدْ تُحْذَفُ، انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْبَيَانِ هُوَ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ النُّذُورِ الْأَوَّلِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ فِي الْبَيَانِ بِلَفْظِ يَعْلُمُ اللَّهُ بِالْمُضَارِعِ ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ سَحْنُونٍ عَلِمَ اللَّهُ، وَفِي الذَّخِيرَةِ بَعْدَ هَذَا فِي الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَلْزَمُ بِهَا الْكَفَّارَةُ مِنْهَا يَعْلَمُ اللَّهُ وَانْظُرْ كَلَامَ التُّونُسِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَعَلَى عَهْدِ اللَّهِ إلَّا أَنْ يُرِدْ الْمَخْلُوقَ)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ قَالَ عَلَى عَهْدُ اللَّهِ أَنْ لَا أَفْعَلَ كَذَا فَهِيَ يَمِينٌ وَتَجِبُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْكَفَّارَةُ.
ص (إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْمَخْلُوقَ)
ش: رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ: وَكَعِزَّةِ اللَّهِ وَأَمَانَتِهِ وَعَهْدِهِ أَيْ الْعِزَّةِ الَّتِي خَلَقَهَا فِي عِبَادِهِ وَالْأَمَانَةِ الَّتِي خَلَقَهَا فِيهِمْ وَالْعَهْدِ الَّذِي جَعَلَهُ بَيْنَهُمْ.
[مَسْأَلَةٌ إذَا قِيلَ لَهُ تَزَوَّجْ فُلَانَةَ فَقَالَ لَهَا الذِّمَامُ لَا أَتَزَوَّجُهَا]
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ
[ ٣ / ٢٦٢ ]
فِي مَسَائِلِ الطَّلَاقِ عَنْ الْمَسَائِلِ الْمَنْسُوبَةِ لِلرَّمَّاحِ إذَا قِيلَ لَهُ: تَزَوَّجْ فُلَانَةَ فَقَالَ لَهَا الذِّمَامُ لَا أَتَزَوَّجُهَا، فَلَا تُحَرَّمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، فَإِنْ أَرَادَ بِالذِّمَامِ ذِمَّةَ اللَّهِ فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفَّرُ عَنْهَا، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ ذِمَامَةَ النَّاسِ الَّتِي تَجْرِي عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِيَمِينٍ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ فِي آخِرِ رَسْمِ سِلْعَةٍ سَمَّاهَا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ النُّذُورِ الْأَوَّلِ: إنَّ الْعَهْدَ إذًا لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ الْيَمِينِ وَإِنَّمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْمُعَاقَدَةِ وَالْمُعَاهَدَةِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: لَكَ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ أَنْ أَنْصَحَكَ وَأَنْ لَا أَخُونَكَ وَأَنْ لَا أَفْعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَهَذَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِيهِ كَفَّارَةٌ فَيَلْزَمُ فِيهِ التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ وَيَتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ الْخَيْرِ قَالَ: وَقَالَهُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَالْوَاضِحَةِ، انْتَهَى.
(قُلْت) وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: لَا بَلْ لَكَ عَلَيَّ عَهْدٌ أَوْ أُعْطِيكَ عَهْدًا لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ إنَّمَا قَالَ لَكَ عَلَيَّ عَهْدٌ مِنْ غَيْرِ إضَافَةٍ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَشَرَحَهُ الشَّارِحُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَى مَا إذَا قَالَ: لَكَ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ أَنْ لَا أَفْعَلَ كَذَا، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْحُكْمَ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِي ذَلِكَ لِعِظَمِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[مَسْأَلَةٌ إبْرَارُ الْمُقْسِمِ وَالْمُقْسَمِ بِهِ فِيهِ مَعْنَيَانِ]
(مَسْأَلَةٌ) إذَا قَالَ: عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا إذَا لَمْ يَنْوِ بِهَا الْيَمِينَ وَادَّعَى أَنَّهُ أَرَادَ شَيْئًا آخَرَ صَدَقَ، انْتَهَى مِنْ الْبُرْزُلِيِّ.
ص (وَعَزَمْت عَلَيْكَ بِاَللَّهِ)
ش: قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ عُمْدَةِ الْأَحْكَامِ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ - ﷺ - وَإِبْرَارُ الْمُقْسِمِ وَالْمُقْسَمِ بِهِ فِيهِ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَالِفَ إذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ مَأْمُورٌ أَنْ يَبَرَّ فِي يَمِينِهِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِهِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْوَفَاءِ بِذَلِكَ، وَهُوَ الْكَفَّارَةُ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنْ تَبَرَّ يَمِينَ مَنْ حَلَفَ عَلَيْكَ، وَهَذَا عَلَى قِسْمَيْنِ: تَارَةً يَشُوبُهُ مَعْنَى السُّؤَالِ كَقَوْلِهِ: بِاَللَّهِ إلَّا مَا فَعَلْت كَذَا، وَتَارَةً لَا يَشُوبُهُ كَأَنْ يَقُولَ: وَاَللَّهِ لَتَفْعَلُنَّ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْإِثْبَاتُ وَالنَّفْيُ وَهُوَ مَنْدُوبٌ فِي الْوَجْهَيْنِ أَنْ يَبَرَّ قَسَمَهُ لَكِنَّهُ يَتَأَكَّدُ فِي الثَّانِي لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ دُونَ الْأَوَّلِ وَذَلِكَ إضْرَارٌ بِهِ، هَذَا كُلُّهُ مَعَ عَدَمِ الْمُعَارِضِ الشَّرْعِيِّ، فَإِنْ وُجِدَ مُعَارِضٌ عُمِلَ بِمُقْتَضَاهُ كَمَا ثَبَتَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - ﵁ - لَمَّا عَبَّرَ عَنْ الرُّؤْيَا بِحَضْرَتِهِ - ﷺ - فَقَالَ: أَصَبْت بَعْضًا وَأَخْطَأْت بَعْضًا، فَقَالَ: أَقْسَمْت عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُخْبِرنِي، فَقَالَ: لَا تُقْسِمُ وَلَمْ يُخْبِرْهُ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ فِي أَوَاخِرِ الْبَابِ الثَّانِي مَا نَصُّهُ:
[فَرْعٌ إذَا حَلَفَ عَلَى رَجُلٍ ليفعلن فَامْتَنَعَ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْكِتَابِ: إذَا حَلَفَ عَلَى رَجُلٍ لَيَفْعَلَنَّ فَامْتَنَعَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ إذَا أَقْسَمَ عَلَيْكَ لَتَفْعَلَنَّ فَيَحْنَثُ إذَا لَمْ تُجِبْهُ، انْتَهَى. وَيُشِيرُ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ قَالَ لِرَجُلٍ أَعْزِمُ عَلَيْهِ بِاَللَّهِ إلَّا فَعَلْت كَذَا فَيَأْبَى فَهُوَ كَقَوْلِهِ أَسْأَلُكَ بِاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ كَذَا وَكَذَا فَامْتَنَعَ، فَلَا شَيْءَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، انْتَهَى. قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَعَنْ ابْنِ حَبِيبٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يُجِيبَهُ مَا لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً، وَهُوَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] وَكَذَلِكَ أَنْ يُقَالَ بِاَللَّهِ وَبِالرَّحِمِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَقْسَمْت عَلَيْكَ بِاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ كَذَا فَهَذَا يُحْنِثُ الَّذِي أَقْسَمَ إنْ لَمْ يُجِبْهُ الْآخَرُ كَقَوْلِهِ: حَلَفْت عَلَيْكَ بِاَللَّهِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَقُلْ فِيهِمَا بِاَللَّهِ وَلَا نَوَاهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: إذَا قَالَ أَقْسَمْت عَلَيْكَ بِاَللَّهِ، فَلَا يَخْلُو أَمْرُهُ إمَّا أَنْ يَقْصِدَ الْيَمِينَ فَتَجِبُ أَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ فَلَا تَجِبُ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِتَعَلُّقِهَا بِاللَّفْظِ وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ فَيَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى الْيَمِينِ أَوْ لَا قَوْلَانِ، وَلَوْ قَالَ عَزَمْت عَلَيْك بِاَللَّهِ وَلَمْ يَقْصِدْ يَمِينًا فَالْأَصَحُّ لَيْسَتْ بِيَمِينٍ، وَكَذَا أَعْزِمُ عَلَيْكَ بِهِ وَأَسْأَلُكَ بِهِ، انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ: يُكْرَهُ مَنْعُ مَنْ سَأَلَ بِاَللَّهِ وَتَشَفَّعَ بِهِ، رُوِّينَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ بِأَسَانِيدِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -:
[ ٣ / ٢٦٣ ]
«مَنْ اسْتَعَاذَ بِاَللَّهِ فَأَعِيذُوهُ وَمَنْ سَأَلَ بِاَللَّهِ فَأَعْطُوهُ وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ وَمَنْ صَنَعَ إلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ بِهِ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ» انْتَهَى. وَمِنْهُ أَيْضًا يُكْرَهُ أَنْ يُسْأَلَ بِوَجْهِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ غَيْرُ الْجَنَّةِ رُوِّينَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ إلَّا الْجَنَّةُ» انْتَهَى.
وَفِي كِتَابِ الذَّكَاةِ مِنْ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ قَالَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَلْعُونٌ مَنْ سَأَلَ بِوَجْهِ اللَّهِ مَلْعُونٌ مَنْ سُئِلَ بِوَجْهِ اللَّهِ ثُمَّ مَنَعَ سَائِلَهُ مَا لَمْ يَسْأَلْ هُجْرًا» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ إلَّا شَيْخُهُ يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنُ صَالِحٍ وَهُوَ ثِقَةٌ، وَفِيهِ كَلَامٌ وَهُجْرًا بِضَمِّ الْهَاءِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ أَيْ مَا لَمْ يَسْأَلْ أَمْرًا قَبِيحًا لَا يَلِيقُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ مَا لَمْ يَسْأَلْ سُؤَالًا قَبِيحًا بِكَلَامٍ قَبِيحٍ، انْتَهَى
. ص (وَالنَّبِيِّ وَالْكَعْبَةِ)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْيَمِينُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَقِيلَ: حَرَامٌ أَيْ بِغَيْرِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَصِفَاتِهِ كَالْحَلِفِ بِالْكَعْبَةِ وَالنَّبِيِّ وَالْأَظْهَرُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ التَّحْرِيمُ لِحَدِيثِ الْمُوَطَّإِ وَالصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُمَرَ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» وَفِي الْمُوَطَّإِ وَمُسْلِمٍ: «فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» وَأَيْضًا يَدْخُلُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْيَمِينُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَقَدْ نَصُّوا عَلَى تَأْدِيبِ الْحَالِفِ بِهِمَا، وَلَا يَكُونُ الْأَدَبُ فِي الْمَكْرُوهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إطْلَاقُ الْأَيْمَانِ عَلَيْهِمَا مَجَازٌ أَلَا تَرَى إلَى حُرُوفِ الْقَسَمِ لَا تَدْخُلُ عَلَيْهِمَا، انْتَهَى.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ - ﷺ -: «إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» إنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ تَعْظِيمَ غَيْرِ اللَّهِ بِمِثْلِ مَا يُعَظَّمُ بِهِ اللَّهُ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ، وَهَذَا جَارٍ فِي كُلِّ مَحْلُوفٍ بِهِ غَيْرِهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْآبَاءَ لِأَنَّهُ السَّبَبُ الَّذِي أَثَارَ الْحَدِيثَ حِينَ سَمِعَ عُمَرَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ: مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ، فَظَاهِرُ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ فَيَتَحَقَّقُ فِيمَا إذَا حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَعْبُودَاتِ دُونَ اللَّهِ أَوْ مَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَحْلِفُ بِهِ كَالدِّمَاءِ وَالْأَنْصَابِ فَهَذَا لَا يُشَكُّ فِي تَحْرِيمِهِ، وَأَمَّا الْحَلِفُ بِالْآبَاءِ وَالْأَشْرَافِ وَرُءُوسِ السَّلَاطِينِ وَحَيَاتِهِمْ وَنِعْمَتِهِمْ وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ فَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ تَنَاوُلُهُمْ بِحُكْمِ عُمُومِهِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي تَحْرِيمِهِ، وَأَمَّا مَا كَانَ مُعَظَّمًا فِي الشَّرْعِ مِثْلَ النَّبِيِّ وَالْكَعْبَةِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَحُرْمَةِ الصَّالِحِينَ فَأَصْحَابُنَا يُطْلِقُونَ عَلَى الْحَلِفِ بِهَا الْكَرَاهَةَ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ النَّظَرِ فِي الْمَعْنَى يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّ الْأَظْهَرَ مِنْ الْقَوْلَيْنِ التَّحْرِيمُ، وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ ابْنُ نَاجِي: وَاخْتُلِفَ فِي الْيَمِينِ بِمَا هُوَ مَخْلُوقٌ فَقِيلَ: مَمْنُوعٌ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ حَرَامٌ، وَقِيلَ: مَكْرُوهٌ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَصَرَّحَ الْفَاكِهَانِيُّ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ الْكَرَاهَةُ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْحَالِفُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمُعَظَّمَةِ صَادِقًا، وَأَمَّا إنْ حَلَفَ بِهَا كَاذِبًا، فَلَا شَكَّ فِي التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّهُ كَذَبَ وَالْكَذِبُ مُحَرَّمٌ وَاسْتِهْزَاءٌ بِالْمَحْلُوفِ بِهِ الْمُعَظَّمِ فِي الشَّرْعِ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ كُفْرًا وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ إنْ كَانَ فِي حَقِّ النَّبِيِّ - ﷺ - وَنَحْوِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: قَاعِدَةُ تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّعْظِيمِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: وَاجِبٌ إجْمَاعًا كَتَوْحِيدِهِ بِالْعِبَادَةِ وَالْخَلْقِ وَالْأَرْزَاقِ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ لَا يُشْرِكَ مَعَهُ تَعَالَى غَيْرَهُ فِي ذَلِكَ، وَمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ إجْمَاعًا كَتَوْحِيدِهِ بِالْوُجُودِ وَالْعِلْمِ وَنَحْوِهِمَا فَيَجُوزُ أَنْ يَتَّصِفَ بِذَلِكَ غَيْرُهُ إجْمَاعًا وَيُخْتَلَفُ فِيهِ كَالْحَلِفِ بِهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ تَعْظِيمٌ لَهُ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُشْرَكَ فِيهِ مَعَهُ غَيْرُهُ أَمْ لَا، وَإِذَا قُلْنَا بِالْمَنْعِ فَهَلْ يَمْتَنِعُ أَنْ يُقْسَمَ عَلَى اللَّهِ بِبَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ فَإِنَّ الْقَسَمَ بِهَا تَعْظِيمٌ لَهَا نَحْوُ قَوْلِكَ: بِحَقِّ مُحَمَّدٍ اغْفِرْ لَنَا وَنَحْوِهِ، وَقَدْ حَصَلَ فِيهِ تَوَقُّفٌ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَرُجِّحَ عِنْدَهُ التَّسْوِيَةُ، انْتَهَى. وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمَحْذُورَ إنَّمَا هُوَ التَّعْظِيمُ بِالْحَلِفِ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ الْحَلِفِ بِذَلِكَ، وَأَمَّا التَّعْظِيمُ بِغَيْرِ الْحَلِفِ فَلَيْسَ بِمَحْذُورٍ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَمْنَعْنَا أَنْ نُعَظِّمَ بَعْضَ عِبَادِهِ بَلْ أَمَرَنَا
[ ٣ / ٢٦٤ ]
بِذَلِكَ وَأَوْجَبَهُ عَلَيْنَا فِي حَقِّ رُسُلِهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَأَصْحَابِ نَبِيِّهِ وَأَوْلِيَائِهِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي فَضْلِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ - ﵁ - عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - ﵁ - كَانَ إذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْكَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - ﷺ - فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا قَالَ فَيُسْقَوْنَ، انْتَهَى. وَفِعْلُ سَيِّدِنَا عُمَرَ لِذَلِكَ إنَّمَا كَانَ بِمَحْضَرِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ إثْرَ كَلَامِهِ السَّابِقِ، وَلَا يُشْكِلُ عَلَى الْقَوْلِ بِالْمَنْعِ قَسَمُهُ تَعَالَى بِبَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، وَالسَّمَاءِ، وَالشَّمْسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ تَقْدِيرُهُ: أُقْسِمُ بِرَبِّ الزَّيْتُونِ، وَقِيلَ: أَقْسَمَ بِهَا لِيُنَبِّهَ عِبَادَهُ عَلَى عَظَمَتِهَا عِنْدَهُ فَيُعَظِّمُونَهَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْحَجْرِ عَلَيْنَا الْحَجْرُ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ الْمَلِكُ الْمَالِكُ عَلَى الْإِطْلَاقِ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، انْتَهَى. وَقَالَ قَبْلَهُ سُؤَالٌ قَالَ - ﵇ - فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ لِلسَّائِلِ عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إنْ صَدَقَ، فَقَدْ حَلَفَ - ﵇ - بِمَخْلُوقٍ جَوَابُهُ أَنَّهُ مَنْعُ الصِّحَّةِ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ فِي الْمُوَطَّإِ وَأَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِالْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الِاسْتِذْكَارِ، وَأَمَّا بِأَنَّ هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ تَوْطِئَةِ الْكَلَامِ لَا الْحَلِفِ نَحْوُ قَوْلِهِمْ قَاتَلَهُ اللَّهُ مَا أَكْرَمَهُ، وَقَوْلِهِ - ﵇ - لِعَائِشَةَ - ﵂ - تَرِبَتْ يَدَاكِ خَرَجَ عَنْ الدُّعَاءِ إلَى تَوْطِئَةِ الْكَلَامِ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الصَّلَاةِ، وَفِي أَسْئِلَةِ عِزِّ الدِّينِ: هَلْ يُقْسَمُ عَلَى اللَّهِ فِي دُعَائِهِ بِمُعَظَّمٍ مِنْ خَلْقِهِ كَالنَّبِيِّ وَالْوَلِيِّ وَالْمَلِكِ أَوْ يُكْرَهُ.؟ فَأَجَابَ جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ - ﵇ - عَلَّمَ النَّاسَ الدُّعَاءَ فَقَالَ اللَّهُمَّ إنِّي أُقْسِمُ عَلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، فَإِنْ صَحَّ هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلَيْهِ - ﷺ -؛ لِأَنَّهُ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَلَا يُقْسَمُ عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ فَإِنَّهُمْ لَيْسُوا فِي دَرَجَتِهِ، وَيَكُونُ مِنْ خَصَائِصِهِ تَنْبِيهًا عَلَى دَرَجَتِهِ وَارْتِفَاعِ رُتْبَتِهِ (قُلْت) وَكَانَ شَيْخُنَا الْفَقِيهُ يَخْتَارُ الْجَوَازَ وَيَحْتَجُّ بِسُؤَالِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي خُطْبَةِ الِاسْتِسْقَاءِ بِقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ إنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّكَ الْعَبَّاسِ حِينَ أَخْرَجَهُ لِلِاسْتِسْقَاءِ وَكَانَ يَتَقَدَّمُ لَنَا لَعَلَّهُ مِنْ بَرَكَتِهِ - ﵇ -؛ لِأَنَّهُ مِنْ سَبَبِهِ وَبِإِضَافَتِهِ إلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ دَلِيلٌ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِتَضَرُّعِ الشَّيْخِ الصَّالِحِ الْمُؤَدِّبِ مُحْرِزِ بْنِ خَلَفٍ وَسُؤَالِهِ لِبُرْءِ ابْنَةِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَرَغْبَتِهِ إلَى اللَّهِ بِبَرَكَةِ أَبِيهَا، وَبِقَوْلِ الْعَبْدِ الَّذِي اسْتَسْقَى بِالْبَصْرَةِ بِحُبِّكَ لِي إلَّا مَا أَسْقَيْتَنَا السَّاعَةَ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحِكَايَاتِ الْعَدِيدَةِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّ مَظِنَّةَ إجَابَةِ الدُّعَاءِ كَمَا شُرِعَ الدُّعَاءُ فِي بِقَاعِ الصَّالِحِينَ وَعِنْدَ قُبُورِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَمَاكِنِهِمْ؛ لِأَنَّهُ مَنْ عَقَدَ نِيَّتَهُ فِي شَيْءٍ انْتَفَعَ بِهِ كَمَا وَرَدَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ، انْتَهَى.
(قُلْت) وَهَذَا كُلُّهُ تَوَسُّلٌ وَهُوَ غَيْرُ الْقَسَمِ، وَالْقَسَمُ أَنْ يَقُولَ: أَقْسَمْت عَلَيْك بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - أَوْ أُقْسِمُ عَلَيْكَ بِهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَمَّا التَّوَسُّلُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جَائِزٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
. ص (وَكَالْخَلْقِ وَالْأَمَانَةِ)
ش: وَلَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَ الْحَلِفِ بِهَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي قَوْلِهِ: فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ: لَا يُفْهَمُ مِنْهُ قَصْرُ الْيَمِينِ الْجَائِزَةِ عَلَى هَذَا الِاسْمِ، بَلْ حُكْمُ جَمِيعِ أَسْمَاءِ اللَّهِ حُكْمُ هَذَا الِاسْمِ كَالْعَزِيزِ وَالْعَلِيمِ وَالسَّمِيعِ وَالْبَصِيرِ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْحَلِفِ بِصِفَاتِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ: وَعِزَّةِ اللَّهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ مِمَّا تَتَمَحَّضُ فِيهِ لِلصِّفَةِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي هَذَا الْقَسَمِ أَنَّهُ كَالْأَوَّلِ، وَأَمَّا مَا يُضَافُ إلَى اللَّهِ وَلَيْسَ بِصِفَةٍ كَقَوْلِهِ: وَخَلْقِ اللَّهِ وَنِعْمَتِهِ وَرِزْقِهِ وَبَيْتِهِ فَهَذِهِ لَيْسَتْ بِأَيْمَانٍ جَائِزَةٍ؛ لِأَنَّهَا حَلِفٌ بِغَيْرِ اللَّهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَبَيْنَ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ قِسْمٌ آخَرُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَهُمَا فَاخْتُلِفَ فِيهِ لِتَرَدُّدِهِ كَقَوْلِهِ: وَعَهْدِ اللَّهِ وَأَمَانَتِهِ فَعِنْدَنَا أَنَّهَا أَيْمَانٌ مُلْحَقَةٌ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهَا صِفَاتٌ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَيْسَتْ بِأَيْمَانٍ، انْتَهَى. وَفِي الْجَوَاهِرِ لَا يَجُوزُ الْيَمِينُ بِصِفَاتِ الْفِعْلِ، وَلَا تَجِبُ فِيهَا الْكَفَّارَةُ كَقَوْلِهِ:
[ ٣ / ٢٦٥ ]
وَخَلْقِ اللَّهِ وَرِزْقِ اللَّهِ، انْتَهَى.
. ص (وَهُوَ يَهُودِيٌّ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَهُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ مَجُوسِيٌّ أَوْ كَافِرٌ بِاَللَّهِ أَوْ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ فَلَيْسَتْ هَذِهِ أَيْمَانًا وَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ مِمَّا قَالَ، وَقَوْلُهُ: لَعَمْرِي أَوْ هُوَ زَانٍ أَوْ سَارِقٌ أَوْ قَالَ: وَالصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالْحَجُّ أَوْ قَالَ هُوَ يَأْكُلُ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ وَيَشْرَبُ الدَّمَ أَوْ الْخَمْرَ أَوْ يَتْرُكُ الصَّلَاةَ أَوْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ أَوْ غَضَبُهُ أَوْ أَحْرَمَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ أَوْ أَدَخَلَهُ النَّارَ، وَكُلُّ مَا دَعَا بِهِ عَلَى نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا يَمِينًا، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَأَبِي وَأَبَاكَ وَحَيَاتِي وَحَيَاتَكَ وَعَيْشِي وَعَيْشِكَ، وَهَذَا مِنْ كَلَامِ النِّسَاءِ وَضُعَفَاءِ الرِّجَالِ وَأَكْرَهُ الْيَمِينَ بِهَذَا أَوْ بِغَيْرِ اللَّهِ، أَوْ رَغِمَ أَنْفِي لِلَّهِ وَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ، انْتَهَى. قَوْلُهُ: وَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ هَتْكَ حُرْمَةِ اللَّهِ عَلَى تَقْدِيرٍ مُمْكِنٍ، وَاللَّائِقُ بِالْعَبْدِ الِامْتِنَاعُ مِنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا وَوَافَقْنَا ابْنُ حَنْبَلٍ فِي الْإِثْمِ وَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ، وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ لَيْسَ بِآثِمٍ وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ.
ص (وَغَمُوسٌ)
ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ
[تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ لَا لَغْوَ وَلَا غَمُوسَ فِي مُسْتَقْبَلٍ]
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لَا لَغْوَ وَلَا غَمُوسَ فِي مُسْتَقْبَلٍ، وَتَعْلِيقُ ابْنِ الْحَاجِبِ اللَّغْوَ بِهِ لَا أَعْرِفُهُ وَقَبُولُهُ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ وَقَوْلُهُ يَتَأَتَّى فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَالْمَاضِي وَالْحَالِ، وَأَكْثَرُ كَلَامِ الشُّيُوخِ حَصَرَهَا فِيهِمَا يَرِدْ بِأَنَّ شَأْنَ الْعِلْمِ الْحَادِثِ تَعَلُّقُهُ بِمَا وَقَعَ لَا بِمُسْتَقْبَلٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْبٌ فَلَا يَلْزَمُ مَنْ تَرَكَ الْكَفَّارَةَ فِي حَلِفِهِ عَلَى مَا وَقَعَ تَرْكُهَا فِي حَلِفِهِ جَزْمًا عَلَى مَا لَمْ يَقَعْ لِعُذْرِ الْأَوَّلِ وَجَرَاءَةِ الثَّانِي التُّونُسِيُّ الْأَشْبَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مُمْتَنِعٌ كَوَاللَّهِ لَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ غَدًا أَنَّهُ غُمُوسٌ (قُلْت) هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهَا عَلَى تَعَمُّدِ الْكَذِبِ الصَّقَلِّيُّ مَنْ حَلَفَ مُهَدِّدًا بَعْضَ أَهْلِهِ مُجْمِعًا عَلَى الْكَفَّارَةِ وَعَدَمِ الْوَفَاءِ بِيَمِينِهِ لَمْ يَأْثَمْ (قُلْت) ظَاهِرُهُ لَوْ كَانَ غَيْرَ مُهَدِّدٍ أَثِمَ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا كَفَّارَةَ فِي لَغْوِ الْيَمِينِ، وَهِيَ الْيَمِينُ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ مَاضِيًا أَوْ مُسْتَقْبَلًا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: مِثَالُ الْمَاضِي وَاَللَّهِ مَا جَاءَ زَيْدٌ وَهُوَ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ، وَمِثَالُ الْمُسْتَقْبَلِ وَاَللَّهِ مَا يَأْتِي غَدًا وَهُوَ يَعْتَقِدُهُ، انْتَهَى. ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْغَمُوسِ: وَلَا كَفَّارَةَ فِي الْغَمُوسِ سَوَاءٌ تَعَلَّقَتْ بِالْمَاضِي أَوْ الْمُسْتَقْبَلِ، فَالْمَاضِي وَاضِحٌ وَالْمُسْتَقْبَلُ كَمَا لَوْ كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى مَا لَا يَصِحُّ وُجُودُهُ أَوْ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَأَقْتُلَنَّ فُلَانًا غَدًا، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ مَيِّتٌ أَوْ لَأَطْلَعَنَّ السَّمَاءَ الْيَوْمَ أَوْ لَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ غَدًا، وَلَمْ يَجْزِمْ التُّونُسِيُّ بِحُصُولِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، بَلْ قَالَ: وَالْأَشْبَهُ أَنَّهَا غَمُوسٌ وَمَثَّلَهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَكْثَرُ كَلَامِ الشُّيُوخِ يَقْتَضِي انْحِصَارَ اللَّاغِيَةِ فِي الْمَاضِي وَأَطَالَ وَأَنَّهَا لَا تَتَنَاوَلُ الْمُسْتَقْبَلَ، وَذَكَرَ بَعْضُ الشُّيُوخِ حَصْرَ الْيَمِينِ الْغَمُوسِ فِي الْمَاضِي خَاصَّةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ، انْتَهَى. وَنَصُّ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَلَمَّا كَانَ الْيَمِينُ اللَّاغِيَةُ فِي الْمَشْهُورِ عَلَى نَحْوِ مَا فَسَّرَ الْمُصَنِّفُ، وَكَانَ ذَلِكَ مُتَأَتِّيًا فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِثْلُ مَا يَتَأَتَّى فِي الْمَاضِي صَحَّ وُجُودُ اللَّاغِيَةِ بِالزَّمَنِ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ وَأَكْثَرُ كَلَامِ الشُّيُوخِ إلَى آخِرِهِ، ثُمَّ قَالَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْغَمُوسِ: اعْلَمْ أَنَّ مُتَعَلِّقَ الِاعْتِقَادِ قَدْ يَكُونُ مَاضِيًا، وَقَدْ يَكُونُ مُسْتَقْبَلًا كَمَنْ يَحْلِفُ عَلَى عَدَمِ طُلُوعِ الشَّمْسِ فِي غَدٍّ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذَا لِأَنَّ بَعْضَ الشُّيُوخِ حَصَرَ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ فِي الْمَاضِي خَاصَّةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ الْمَشْهُورُ أَنَّ مُتَعَلِّقَ الْغَمُوسِ وَاللَّغْوِ الْمَاضِي، وَأَمَّا الْمُسْتَقْبَلُ فَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ يَتَعَلَّقَانِ بِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ عَرَفَةَ
[الثَّانِي الْإِلْغَاءُ فِي الْيَمِينِ لِمَكْرٍ أَوْ قَطْعٍ حَقٍّ]
(الثَّانِي) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ الْإِلْغَاءَ فِي الْيَمِينِ لِمَكْرٍ أَوْ قَطْعٍ حَقٍّ يُصَيِّرُهَا غَمُوسًا وَمَا كَانَ لِعُذْرٍ أَوْ خَوْفِ سَخَطِ أَخِيكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، انْتَهَى.
[الثَّالِثُ الْحَلِفِ عَلَى الشَّكِّ وَالظَّنِّ]
(الثَّالِثُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ بَعْد ذِكْرِهِ
[ ٣ / ٢٦٦ ]
الْكَلَامَ فِي الْحَلِفِ عَلَى الشَّكِّ وَالظَّنِّ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا أَطْلَقَ الْيَمِينَ، وَأَمَّا إنْ قَيْدَهَا، فَقَالَ فِي ظَنِّي أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، انْتَهَى. وَانْظُرْ الْبِسَاطِيَّ
[الرَّابِعُ الْغَمُوسُ تَكُونُ فِي الطَّلَاقِ]
(الرَّابِعُ) الْغَمُوسُ تَكُونُ فِي الطَّلَاقِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَأْثَمُ فِي الْحَلِفِ بِهَا وَيَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ، قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ: وَيَأْثَمُ إذَا حَلَفَ عَلَى الْغَيْبِ أَوْ عَلَى الْكَذِبِ أَوْ عَلَى الشَّكِّ كَمَا يَأْثَمُ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ إذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، انْتَهَى.
[الْخَامِسُ لِمَاذَا سُمِّيَتْ الْيَمِين غَمُوسًا]
(الْخَامِسُ) سُمِّيَتْ غَمُوسًا؛ لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي النَّارِ وَقِيلَ: فِي الْإِثْمِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ حَاصِلٌ مَالِكٌ. وَهِيَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُكَفَّرَ، وَهِيَ مِنْ الْكَبَائِرِ، وَقَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَقَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ يَلْزَمُ التَّعْزِيرُ فِي مَسَائِلَ مِنْهَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
. ص (وَإِنْ قَصَدَ بِ كَالْعُزَّى التَّعْظِيمَ فَكُفْرٌ)
ش: أَيْ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ فَحَرَامٌ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ تَبَعًا لِابْنِ بَشِيرٍ، وَأَشَارَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ إلَى نَفْيِ عَدَمِ قَصْدِ التَّعْظِيمِ قَالَ: لِأَنَّ الْحَالِفَ بِشَيْءٍ مُعَظَّمٍ لَهُ انْتَهَى بِالْمَعْنَى مِنْ التَّوْضِيحِ.
(تَنْبِيهٌ) وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مَنْ قَالَ وَاَللَّاتِي فَلْيَقُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَمَنْ قَالَ تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ لَمَا نَشَأَ الْقَوْمُ عَلَى تَعْظِيمِ تِلْكَ الْأَصْنَامِ وَعَلَى الْحَلِفِ بِهَا وَأَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالْإِسْلَامِ بَقِيَتْ تِلْكَ الْأَلْفَاظُ تَجْرِي عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لِلْحَلِفِ فَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَنْ نَطَقَ بِذَلِكَ أَنْ يَقُولَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ تَكْفِيرًا لِتِلْكَ اللَّفْظَةِ وَتَذْكِيرًا مِنْ الْغَفْلَةِ وَإِتْمَامًا لِلنِّعْمَةِ، وَخَصَّ اللَّاتِي لِأَنَّهَا أَكْثَرُ مَا كَانَتْ تَجْرِي عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، وَحُكْمُ غَيْرِهَا مِنْ أَسْمَاءِ آلِهَتِهِمْ حُكْمُهَا، وَالْقَوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَ أُقَامِرْكَ كَالْقَوْلِ فِي اللَّاتِي لَمَا ذَمَّ النَّبِيُّ - ﷺ - الْمُقَامِرَ بَالَغَ فِي الزَّجْرِ عَنْهَا وَعَنْ ذِكْرِهَا حَتَّى إذَا ذَكَرَهَا الْإِنْسَانُ طَالِبًا لِلْمُقَامَرَةِ أَمَرَهُ بِصَدَقَةٍ، وَالظَّاهِرُ وُجُوبُهَا عَلَيْهِ لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ مَأْمُورٌ بِهَا وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ عَلَى مَنْ قَالَ: وَاَللَّاتِي ثُمَّ هَذِهِ الصَّدْقَةُ غَيْرُ مَحْدُودَةٌ، وَلَا مَقْدِرَةَ فَيَتَصَدَّقُ بِمَا تَيَسَّرَ انْتَهَى.
. ص (وَلَا لَغْوَ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ فَظَهَرَ نَفْيُهُ)
ش: قَالَ ابْنُ نَاجِي قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عِبَارَةُ الْمُؤَلَّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ هِيَ الْيَمِينُ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ خَيْرٌ مِنْ عِبَارَةِ مَنْ عَبَّرَ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى بِالْيَقِينِ أَوْ مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الظَّنِّ، فَقَالَ يَظُنُّهُ فِي يَقِينِهِ، فَإِنَّ الِاعْتِقَادَ قَدْ يَتَبَدَّلُ وَيَظْهَرُ خِلَافُهُ فَيَكُونُ جَهْلًا، وَأَمَّا الْيَقِينُ، فَلَا يَتَبَدَّلُ
. ص (وَلَمْ يُفِدْ فِي غَيْرِ اللَّهِ كَالِاسْتِثْنَاءِ بِإِنْ شَاءَ اللَّهُ)
ش: وَفِي حُكْمِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ النَّذْرُ الْمُبْهَمُ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا ثُنْيَا وَلَا لَغْوَ فِي طَلَاقٍ وَلَا مَشْيٍ
[ ٣ / ٢٦٧ ]
وَلَا صَدَقَةٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ إلَّا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ أَوْ نَذْرٍ لَا مَخْرَجَ لَهُ، انْتَهَى.
وَقَالَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهَا وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ، وَكَذَلِكَ مِنْ حَلَفَ بِالْمَشْيِ أَوْ بِالصَّدَقَةِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ قُرْبَةٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ فِيهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ ذَكَرَهُ فِي رَسْمِ بَاغٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ
[ ٣ / ٢٦٨ ]
النُّذُورِ، انْتَهَى. وَنَصُّهُ فِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ فِي النَّذْرِ الْأَوَّلِ: لَا اخْتِلَافَ أَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ فِي أَنَّ اللَّغْوَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ أَوْ أَسْمَائِهِ أَوْ فِي نَذْرٍ لَا يُسَمَّى لَهُ مَخْرَجٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَذْكُرْهُ إلَّا فِي الْيَمِينِ الَّتِي أَوْجَبَ فِيهَا الْكَفَّارَةَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] وَيَجِيءُ عَلَى مَنْ أَوْجَبَ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ فِي الْحَلِفِ بِالْمَشْيِ وَالصَّدْقَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ أَنْ يَكُونَ اللَّغْوُ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ الْأَيْمَانُ اللَّازِمَةُ لَا يَدْخُلُهَا اللَّغْوُ وَالِاسْتِثْنَاءُ وَذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْأَيْمَانِ تَخْرِيجًا فِي ذَلِكَ فَانْظُرْهُ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ جُزَيٍّ وَيَجْرِي مَجْرَى الِاسْتِثْنَاءِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ مَشِيئَةُ غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ: إنْ شَاءَ فُلَانٌ أَوْ إلَّا إنْ بَدَا لِي وَشِبْهُ ذَلِكَ، انْتَهَى
. ص (وَفِي النَّذْرِ الْمُبْهَمِ وَالْيَمِينِ لِلْكَفَّارَةِ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ يُوجِبُهَا يَعْنِي الْكَفَّارَةَ لِحِنْثٍ وَيَنْقَسِمُ إلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ لِثُبُوتِهِ بِنَقِيضِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَلَا يَخْلُو عَنْهَا، وَقَالَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَقَصَرَهُ اللَّخْمِيُّ عَلَى الْأَرْبَعَةِ غَيْرِ الْمُحَرَّمِ لِوُضُوحِهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ بَعْدَ الْمِائَةَ: إنَّ الْحَلِفَ مُبَاحٌ وَالْحِنْثَ مُبَاحٌ، انْتَهَى. وَفِي الْجَوَاهِرِ وَلَا يُحَرَّمُ الْحِنْثُ بِالْيَمِينِ لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَحْنَثَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْخَيْرُ فِي الْحِنْثِ، انْتَهَى. وَنَحْوُهُ فِي اللُّبَابِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ اخْتَلَفُوا فِي الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ هَلْ تُجْزِي أَمْ لَا بَعْدَ إجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْحِنْثَ قَبْلَ الْكَفَّارَةِ مُبَاحٌ حَسَنٌ، وَهُوَ عَنْدَهُمْ أَوْلَى، انْتَهَى. ثُمَّ قَالَ فِي تَوْجِيهِ الْقَوْلِ بِمَنْعِ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ: وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا هِيَ لِرَفْعِ الْإِثْمِ وَمَا لَمْ يَحْنَثْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَا يُرْفَعُ، وَلَا مَعْنَى لِفِعْلِهَا، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ فِي النَّذْرِ الْمُبْهَمِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ قَالَ عَلَيَّ نَذْرٌ أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ أَوْ حَلَفَ بِذَلِكَ فَحَنِثَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ الرَّسُولُ - ﵇ -: «مَنْ نَذْرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» انْتَهَى.
وَلِمَا فِي مُسْلِمٍ كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى نَذْرِ يَمِينٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَذْرَ طَاعَةٍ لَزِمَ أَنْ يَأْتِيَ بِالطَّاعَةِ الَّتِي نَذَرَ فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى مَا لَا مَخْرَجَ لَهُ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي سَمَاعِ عِيسَى مَنْ قَالَ عَلَيَّ نَذْرٌ لَا كَفَّارَةَ لَهُ إلَّا الْوَفَاءُ بِهِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَفِي النَّوَادِرِ وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا مَخْرَجَ لَهُ بِلَفْظٍ وَلَا نِيَّةٍ فَلْيُطْعِمْ عَشْرَةَ مَسَاكِينَ، وَإِنْ كَانَ فِي يَمِينٍ فَحَنِثَ فَلْيُكَفِّرْ كَفَّارَةَ يَمِينٍ
[ ٣ / ٢٦٩ ]
وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَقَوْلُهُ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ نَذْرٌ أَوْ فَعَلَيَّ النَّذْرُ أَوْ فَلِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ سَوَاءٌ وَفِيهِ الْكَفَّارَةُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا مِنْ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ، وَأَمَّا إنْ قَالَ: عَلَيَّ نَذْرٌ أَنْ أَفْعَلَ كَذَا أَوْ لَا أَفْعَلَنَّ كَذَا، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلْيَفِ بِالطَّاعَةِ وَيَكُفَّ عَنْ الْمَعْصِيَةِ، وَمَنْ قَالَ: عَلَيَّ نَذْرٌ لَا يُكَفِّرُهُ صَدَقَةٌ، وَلَا صِيَامٌ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: نَذْرٌ لَا كَفَّارَةَ لَهُ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي النَّذْرِ الْمُبْهَمِ كَعَلَيَّ نَذْرٌ، وَلَوْ قُيِّدَ بِلَا كَفَّارَةٍ لَهُ إلَّا الْوَفَاءُ بِهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، انْتَهَى
. ص (وَالْيَمِينِ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ قَالَ عَلَيَّ يَمِينٌ إنْ فَعَلْت كَذَا، وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ كَقَوْلِهِ: عَلِيَّ نَذْرٌ أَوْ عَهْدٌ، انْتَهَى.
ص (وَالْمُنْعَقِدَةُ عَلَى بِرٍّ بِإِنْ فَعَلْت أَوْ لَا فَعَلْت أَوْ حَنِثَ بِ لَأَفْعَلَنَّ أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْ إنْ لَمْ يُؤَجِّلْ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَيَمِينُ الْبِرِّ مَا مُتَعَلِّقُهَا نَفْيٌ أَوْ وُجُودُ مُؤَجَّلٍ، وَيَمِينُ الْحِنْثِ خِلَافُهَا اللَّخْمِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ يَمِينُهُ لَيُكَلِّمَنَّ زَيْدًا أَوْ لَيَضْرِبَنَّ هَذِهِ الدَّابَّةَ كَمُؤَجَّلَةٍ؛ لِأَنَّ حَيَاتَهُمَا كَأَجَلٍ، وَعَكَسَ ابْنُ كِنَانَةَ لِقَوْلِهِ: مَنْ حَلَفَ بِعِتْقِ جَارِيَتِهِ لَيُسَافِرَنَّ فَلَهُ وَطْؤُهَا وَلَيَذْبَحَنَّ بَعِيرَهُ لَا يَطَؤُهَا، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْبِرُّ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ بِأَثَرِ حَلِفِهِ مُوَافِقًا لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَالْحِنْثُ أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ بِحَلِفِهِ مُخَالِفًا لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، انْتَهَى.
(قُلْت) قَوْلُهُ: مُوَافِقًا لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَطْلُبُ فِي بِرِّ يَمِينِهِ بِفِعْلٍ يَفْعَلُهُ، بِخِلَافِ صِيغَةِ الْحِنْثِ فَإِنَّهُ يَطْلُبُ فِي بِرِّ يَمِينِهِ بِأَنْ يَأْتِيَ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ مُوَافِقًا لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْيَمِينِ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي الْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ، بِخِلَافِ حَالِهِ بَعْدَ الْيَمِينِ فَإِنَّهُ إنْ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ حَنِثَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ: بِإِنْ فَعَلْت قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَا إشْكَالَ أَنَّ إنْ فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ شَرْطِيَّةٌ كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ لَا أُقِيمُ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ، وَأَمَّا إنْ فِي صِيغَةِ الْبِرِّ فَنَصَّ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى أَنَّهَا حَرْفُ نَفْيٍ كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا وَمَعْنَاهُ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا؛ لِأَنَّ كَلَّمَ، وَإِنْ كَانَ مَاضِيًا فَمَعْنَاهُ الِاسْتِقْبَالُ، إذْ الْكَفَّارَةُ لَا تَتَعَلَّقُ إلَّا بِالْمُسْتَقْبَلِ، فَإِنْ قِيلَ: فَمَا صَرَفَ الْمَاضِي إلَى الِاسْتِقْبَالِ قِيلَ الْإِنْشَاءُ، إذْ الْحَلِفُ إنْشَاءٌ، وَقَدْ ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ مِنْ صَوَارِفِ الْمَاضِي إلَى الِاسْتِقْبَالِ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ إنْ فِي صِيغَةِ الْبِرِّ لِلنَّفْيِ إنْ أَرَادَ بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ جَزَاءٌ فَمُسَلَّمٌ وَإِلَّا فَهِيَ مَعَ الْجَزَاءِ شَرْطٌ كَقَوْلِكَ: وَاَللَّهِ إنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا لَأُعْطِيَنَّكَ مِائَةً أَوْ وَاَللَّهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَلَا كَلَّمْتُكَ وَنَحْوِ ذَلِكَ، انْتَهَى.
. ص (إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ لِكُلٍّ مُدٍّ)
ش: بَدَأَ بِالْإِطْعَامِ لِمُوَافَقَةِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا الْأَفْضَلُ مِنْ الثَّلَاثَةِ كَمَا فَعَلَ فِي الصِّيَامِ، وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ
[ ٣ / ٢٧٠ ]
فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] الْآيَةَ مَا نَصُّهُ: ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْخِصَالَ الثَّلَاثَةَ فَخَيَّرَ فِيهَا وَعَقَّبَ عِنْدَ عَدَمِهَا بِالصَّوْمِ، وَبَدَأَ بِالطَّعَامِ لِأَنَّهُ كَانَ الْأَفْضَلَ فِي بِلَادِ الْحِجَازِ لِغَلَبَةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَعَدَمِ
[ ٣ / ٢٧١ ]
شِبَعِهِمْ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ عَلَى التَّخْيِيرِ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهَا تَكُونُ بِحَسَبِ الْحَالِ، فَإِنْ عَلِمْت مُحْتَاجًا فَالطَّعَامُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّكَ إذَا أَعْتَقْتَ لَمْ تَرْفَعْ حَاجَتَهُمْ وَزِدْت مُحْتَاجًا حَادِيَ عَشَرَ إلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ الْكِسْوَةُ تَلِيهِ وَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ الْحَاجَةَ بَدَأَ بِالْمُقَدَّمِ وَالْمُهِمِّ، انْتَهَى.
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ اللَّخْمِيّ زَوْجُ الْمَرْأَةِ وَوَلَدُهَا الْفَقِيرَانِ كَأَجْنَبِيٍّ وَالطَّعَامُ مِنْ الْحَبِّ الْمُقْتَاتِ غَالِبًا، انْتَهَى.
(الثَّانِي) لَا تَجْزِي الْقِيمَةُ عَنْ الْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ.
(الثَّالِثُ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَائِلِ مَسَائِلِ الْأَيْمَانِ: وَسُئِلَ التُّونُسِيُّ عَمَّنْ قُوتُهُمْ التَّمْرُ وَرُبَّمَا كَانَ قُوتُهُمْ الرُّطَبَ فَهَلْ يُجْزِئُ إخْرَاجُهُ عَنْ الْفِطْرَةِ وَالْكَفَّارَةِ.؟ فَأَجَابَ الَّذِي عِنْدِي إنَّمَا يُجْزِئُ مِنْ التَّمْرِ الَّذِي قَدْ اسْتَحْكَمَ نِشَافُهُ وَأَمْكَنَ ادِّخَارُهُ لَا مِنْ الرُّطَبِ، وَإِنْ اُقْتِيتَ بِهِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ اقْتِيَاتُ التَّمْرِ، وَلِأَنَّ الرُّطَبَ يَنْقُصُ إذَا جَفَّ فَلَوْ أَخْرَجَ مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَمْدَادٍ نَقَصَتْ إذَا جَفَّتْ عَنْ أَرْبَعَةِ التَّمْرِ فَيَكُونُ مُخَالِفًا لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَنَهَى - ﵇ - عَنْ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ مُتَمَاثِلًا لِلْمُزَابَنَةِ، وَلَوْ أَخْرَجَ أَكْثَرَ مِنْ صَاعٍ مِنْ الرُّطَبِ لَخَالَفَ الْحَدِيثَ؛ لِأَنَّهُ مَحْدُودٌ، وَلَوْ أَخْرَجَ عِدْلَ الشِّبَعِ مِنْ الرُّطَبِ فِي الْأَيْمَانِ أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ، إذْ لَيْسَ فِيهِ تَوْقِيتٌ، وَإِذَا كَانَ يَأْكُلُ أَنْوَاعَ التَّمْرِ فِي السَّنَةِ فَلْيَنْظُرْ مُعْظَمَ أَكْلِهِ وَأَكْثَرَهُ وَأَقْرَبَهُ مِنْ وَقْتِ الْإِخْرَاجِ، وَلَوْ أَكَلَ أَكْثَرَ الْعَامِ نَوْعًا، فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ الْفِطْرَةِ وَالْكَفَّارَةِ أَكَلَ نَوْعًا آخَرَ وَجَبَ إخْرَاجُهُ مِنْ الْأَكْثَرِ إلَّا أَنْ يَطُولَ زَمَنُ انْتِقَالِهِ فَلْيُخْرِجْ مِنْهُ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ اعْتَبَرَ قُوتَ الْمُكَفِّرِ، وَمَنْ اعْتَبَرَ قُوتَ النَّاسِ نَظَرَ إلَى الْغَالِبِ مِنْ قُوتِهِمْ ذَلِكَ الْوَقْتَ فَيُخْرِجُ مِنْهُ (قُلْت:) مَا أَفْتَوْا بِهِ مِنْ الْوَسَطِ هُوَ جَارٍ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ لَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ حَيْثُمَا أَخْرَجَ مُدًّا بِمُدِّهِ - ﵇ - أَجْزَأَهُ، انْتَهَى.
وَمِنْ الْبُرْزُلِيِّ أَيْضًا: وَسُئِلَ التُّونُسِيُّ عَمَّا إذَا أَخْرَجَ عَشَرَةَ أَمْدَادٍ مِنْ التَّمْرِ فِي بَلَدٍ عَيْشُهُمْ ذَلِكَ؟ فَأَجَابَ إنَّمَا يُخْرِجُ وَسَطَ الشِّبَعِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْوَسَطَ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْقَمْحِ وَغَيْرُهُ لَا بُدَّ أَنْ يَزِيدَ، وَلَا يَخْفَى الْوَسَطُ، وَكَذَا أَجَابَ ابْنُ مُحْرِزٍ وَزَادَ: وَلَا يُجْزِئُ إلَّا غَدَاءُ وَعَشَاءُ الْوَسَطِ
(الرَّابِعُ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: وَسُئِلَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ
[ ٣ / ٢٧٢ ]
عَنْ الْمَحْجُورِ إذَا حَنِثَ بِالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى هَلْ يُكَفِّرُ بِأَحَدِ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَوْ لِحَاجِرِهِ مَنْعُهُ مِنْ الصَّوْمِ؟ فَأَجَابَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ وَمَنْ بَلَغَ مِنْ السُّفَهَاءِ فَالْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ وَمَنْ لَا مَالَ لَهُ صَامَ إلَّا أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُ وَلِيُّهُ. قَالَ الْبُرْزُلِيُّ تَتَخَرَّجُ الْمَسْأَلَةُ عِنْدِي عَلَى مَسْأَلَةِ الظِّهَارِ، انْتَهَى.
(الْخَامِسُ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ مَنْ الْتَزَمَ الْكَفَّارَةَ عَنْ غَيْرِهِ إذَا حَنِثَ فَحَنِثَ لَزِمَ الْمُلْتَزِمَ الْوَفَاءُ بِهَا وَعُهْدَتُهَا عَلَيْهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْحَالِفِ، انْتَهَى.
(السَّادِسُ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ مَنْ أَخْرَجَ مَالًا لِيُعْتِقَ رَقَبَةً فِي كَفَّارَةٍ فَتَلِفَ كَانَتْ الْكَفَّارَةُ بَاقِيَةً عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْمُخْرِجِ الْمَالَ فِي الزَّكَاةِ لِيَدْفَعَهُ إلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ لِيَشْتَرِيَ بِهِ رَقَبَةً فَتَلِفَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ لِامْتِثَالِ الْأَمْرِ، انْتَهَى.
ص (كَشِبَعِهِمْ)
ش: يُرِيدُ أَنْ يُجْزِئَهُ أَنْ يُشْبِعَهُمْ فِي الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ غَدَّى وَعَشَّى فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ أَجْزَأَهُ، وَلَا يُجْزِئُهُ غَدَاءٌ دُونَ عَشَاءٍ، وَلَا عَشَاءٌ دُونَ غَدَاءٍ وَيُطْعِمُ الْخُبْزَ مَأْدُومًا بِزَيْتٍ وَنَحْوِهِ، انْتَهَى.
وَفِي الشَّامِلِ: وَيُجْزِئُ الْغَدَاءُ وَالْعَشَاءُ عَلَى الْمَشْهُورِ إنْ أَشْبَعَهُمْ، وَلَوْ دُونَ الْأَمْدَادِ، انْتَهَى. فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ شِبَعَهُمْ يَكْفِي، وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ: وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَجْمَعَهُمْ عَلَى طَعَامٍ عِنْدَهُ يُغَدِّي الْعَشَرَةَ حَتَّى يُشْبِعَهُمْ وَيُعَشِّيهِمْ خُبْزًا وَأَدَمًا عَدَسًا أَوْ زَيْتًا، ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ فِي يَمِينٍ بِاَللَّهِ أَوْ بِعَهْدِ اللَّهِ أَوْ بِمِيثَاقِهِ أَوْ بِكَفَالَتِهِ أَوْ فِي نَذْرٍ لَمْ يُسَمَّ لَهُ مَخْرَجًا فَغَدَّى لِذَلِكَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ وَعَشَّى عَشَرَةَ مَسَاكِينَ غَيْرَهُمْ، فَلَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ عَنْ يَمِينِهِ حَتَّى يُعَشِّيَ الْعَشَرَةَ الَّذِينَ غَدَّى أَوْ يُغَدِّيَ الْعَشَرَةَ الَّذِينَ عَشَّى، انْتَهَى.
. ص (وَالْمَرْأَةُ دِرْعٌ وَخِمَارٌ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَيُجْزِئُ لِلْقَصِيرَةِ مَا لَا يُجْزِئُ لِلطَّوِيلَةِ، انْتَهَى. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ كَسَا فِي الْكَفَّارَةِ لَمْ يُجْزِئْهُ إلَّا مَا تَحِلُّ فِيهِ الصَّلَاةُ ثَوْبٌ لِلرَّجُلِ وَلَا تُجْزِئُ عِمَامَةٌ وَحْدُهَا وَلِلْمَرْأَةِ دِرْعٌ وَخِمَارٌ، انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحٌ يَظْهَرُ أَنَّ الْخِمَارَ أَكْبَرُ مِنْ الْكَنْبُوشِ وَأَبْيَنُ مِنْهُ فِي الرِّسَالَةِ وَخِمَارٌ تَتَقَنَّعُ بِهِ، انْتَهَى. وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الرِّسَالَةِ هُوَ فِي بَابِ طَهَارَةِ الْمَاءِ وَالثَّوْبِ قَالَ فِيهِ: فَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ الْمَرْأَةَ مِنْ اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ الدِّرْعُ الْخَصِيفُ السَّابِغُ الَّذِي يَسْتُرُ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا وَخِمَارٌ تَتَقَنَّعُ بِهِ، قَالَ الْجُزُولِيُّ الْخِمَارُ يَسْتُرُ رَأْسَهَا وَعُنُقَهَا، انْتَهَى. وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِهِ لَهُ: الْخِمَارُ مَا يَسْتُرُ الرَّأْسَ وَالصُّدْغَيْنِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ يُعْطَى لِلرَّجُلِ ثَوْبٌ سَاتِرٌ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا تَجْزِيءُ الْعِمَامَةُ وَحْدُهَا، وَفِي مَعْنَى الثَّوْبِ الْإِزَارُ الَّذِي يُمْكِنُ الِاشْتِمَالُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ وَتُعْطَى الْمَرْأَةُ دِرْعًا وَخِمَارًا وَهُمَا أَقَلُّ مَا يُجْزِئُ فِي الصَّلَاةِ، وَالْخِمَارُ بِكَسْرِ الْخَاءِ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُخَمِّرُ الرَّأْسَ أَيْ يُغَطِّيهِ، انْتَهَى.
. ص (وَالرَّضِيعُ كَالْكَبِيرِ فِيهِمَا)
ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يُعْطَى لِلصَّغِيرِ، وَلَوْ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْبَاجِيِّ عَلَى مَا نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْهُ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَكَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ لَا يُعْطَى، وَأَمَّا إنْ أَكَلَ الطَّعَامَ، فَإِنْ اسْتَغْنَى بِالطَّعَامِ أُعْطِيَ بِلَا كَلَامٍ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْنِ فَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ الْإِعْطَاءُ كَذَا نَقَلَ الْمُصَنِّفُ، وَأَمَّا فِي الْكِسْوَةِ فَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كَرَاهِيَةِ ذَلِكَ خِلَافًا وَنَصُّهُ: وَفِي كَرَاهَةِ كِسْوَةِ الصَّغِيرِ ثَالِثُهَا الرَّضِيعُ وَرَابِعُهَا مِنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِالصَّلَاةِ لِلْبَاجِيِّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَمَاعُهُ عِيسَى وَالصَّقَلِّيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ وَابْنِ حَبِيبٍ، انْتَهَى.
. ص (ثُمَّ صَوْمُ ثَلَاثَةٍ)
ش: يَعْنِي إذَا عَجَزَ عَنْ أَحَدِ
[ ٣ / ٢٧٣ ]
الثَّلَاثَةِ صَامَ وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْعَجْزِ يَوْمُ إخْرَاجِ الْكَفَّارَةِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيُّ الْمُعْتَبَرُ حَالُهُ حِينَ تَكْفِيرِهِ لَا يَوْمَ يَمِينِهِ وَلَا حِنْثِهِ، انْتَهَى.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ كَفَّرَ بِالصِّيَامِ مُعْسِرٌ قَبْلَ حِنْثِهِ، ثُمَّ حَنِثَ بَعْدَ يُسْرِهِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) لَا يَنْتَقِلُ لِلصَّوْمِ إذَا كَانَ وَاجِدًا لِلرَّقَبَةِ فِي بَلَدِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي صَوْمِ الْمُتَمَتِّعِ عَنْ الْهَدْيِ.
. ص (وَلَا تُجْزِئُ مُلَفَّقَةٌ)
ش: قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَا تَصِحُّ مُلَفَّقَةٌ مِنْ عِتْقٍ وَغَيْرِهِ اتِّفَاقًا كَإِطْعَامٍ وَكِسْوَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ فَلَوْ فَعَلَ الثَّلَاثَ عَنْ ثَلَاثٍ نَاوِيًا كُلَّ نَوْعٍ مِنْ وَاحِدَةٍ أَجْزَأَ إلَّا مِنْ عِتْقٍ إنْ تَرَكَ كَغَيْرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَبُنِيَ عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنْ الْإِطْعَامِ كَالْكِسْوَةِ، ثُمَّ يُطْعِمُ سَبْعَةً وَيَكْسُو مِثْلَهَا وَيُكَفِّرُ عَنْ الثَّلَاثَةِ وَصَحَّ بِنَاؤُهُ عَلَى تِسْعَةٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: إذَا كَفَّرَ عَنْ ثَلَاثِ كَفَّارَاتٍ بِعِتْقٍ وَكِسْوَةٍ وَإِطْعَامٍ، فَلَا خِلَافَ فِي الْإِجْزَاءِ، سَوَاءٌ عَيَّنَ كُلَّ كَفَّارَةٍ لِيَمِينٍ أَوْ لَا، انْتَهَى. وَقَوْلُهُ فِي الشَّامِلِ وَصَحَّ بِنَاؤُهُ عَلَى تِسْعَةٍ هَذَا اخْتِيَارُ اللَّخْمِيِّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ يُبْنَى عَلَى تِسْعَةٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ اللَّخْمِيِّ هُوَ قَوْلُ جَمِيعِ الشُّيُوخِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فَضْلُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ وَالتُّونُسِيُّ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْكَبِيرِ: وَمَا ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هُوَ مَذْهَبُ جَمِيعِ الشُّيُوخِ لَا أَعْلَمُ مِنْهُمْ فِيهِ خِلَافًا وَنَصَّ عَلَى مِثْلِهِ فَضْلٌ وَالتُّونُسِيُّ، انْتَهَى.
وَمَا صَدَرَ بِهِ فِي الشَّامِلِ هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَبِلَهُ الشَّيْخُ وَالصَّقَلِّيُّ، وَقَالَ التُّونُسِيُّ الصَّوَابُ عَلَى تِسْعَةٍ وَتَبِعَهُ اللَّخْمِيُّ قَائِلًا: قَوْلُ مُحَمَّدٍ غَلَطٌ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَلْ وَجْهُهُ انْصِرَافُ كُلِّ نَوْعٍ لِيَمِينٍ حُكْمًا، فَيَبْطُلُ مَا أُضِيفَ مِنْهُ لِغَيْرِهَا بِالتَّشْرِيكِ، وَيَصِحُّ فِيمَا بَقِيَ مِنْ قَابِلِي التَّفْرِيقِ لَا الْعِتْقِ لِامْتِنَاعِهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَكَانَ شَيْخُنَا يُوَجِّهُ قَوْلَ ابْنِ الْمَوَّازِ بِمَا مَعْنَاهُ: إنَّ مِنْ قَاعِدَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ لَا يَبْتَدِي كَفَّارَةً مِنْ نَوْعِ الْأُولَى قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ الْأُولَى، انْتَهَى. ثُمَّ قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَعَلَى الشَّاذِّ يُبْنَى عَلَى تِسْعَةٍ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا وَيَبْطُلُ الثُّلُثُ مِنْ كُلٍّ كَأَنْ شُرِكَ فِي كُلِّ مِسْكِينٍ إلَّا أَنْ يَزِيدَ لِمَنْ وَجَدَهُ ثُلُثَيْ مُدٍّ فَيُعْتَدُّ بِهِ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: لَوْ قَصَدَ التَّشْرِيكَ فِي كُلِّ مِسْكِينٍ لَمْ يَصِحَّ لَهُ شَيْءٌ اتِّفَاقًا إلَّا أَنْ يُعْلِمَ أَعْيَانَ الْمَسَاكِينَ فَيُزِيدُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثَيْ مُدٍّ، انْتَهَى. وَنَقَلَهُ فِي الْكَبِيرِ هُوَ فِي ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ
[تَنْبِيهٌ الْجَمْعُ بَيْنَ الْخِصَالِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْكَفَّارَةِ الْوَاحِدَةِ]
(تَنْبِيهٌ) وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الْخِصَالِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْكَفَّارَةِ الْوَاحِدَةِ فَيُسْتَحَبُّ قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي التَّنْقِيحِ فِي الْفَصْلِ السَّادِسِ مِنْ الْبَابِ الرَّابِعِ: الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ الْأَشْيَاءُ الْمَأْمُورُ بِهَا عَلَى التَّرْتِيبِ أَوْ عَلَى الْبَدَلِ قَدْ يُحَرَّمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَذَكَرَ أَمْثِلَةَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ يُسْتَحَبُّ كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ فِي الظِّهَارِ مِنْ الْمَرْتَبَاتِ وَخِصَالِ كَفَّارَةِ الْحِنْثِ مِمَّا شُرِعَ عَلَى الْبَدَلِ، انْتَهَى.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّنْقِيحِ إثْرَ هَذَا الْكَلَامِ: وَكَفَّارَةُ الظِّهَارِ مَرْتَبَةٌ وَكَفَّارَةُ حِنْثِ الْيَمِينِ مُخَيَّرٌ فِيهَا عَلَى الْبَدَلِ، وَالْكُلُّ يُسْتَحَبُّ الْجَمْعُ بَيْنَ خِصَالِهَا مِنْ الْعِتْقِ وَالْكِسْوَةِ وَالْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ؛ لِأَنَّهَا مَصَالِحُ وَقِرْبَاتٌ تَكْثُرُ وَتَجْتَمِعُ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا إذَا انْفَرَدَ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْمَرْتَبَاتِ، انْتَهَى.
ص (وَهَلْ إنْ بَقِيَ تَأْوِيلَانِ)
ش: هُمَا قَوْلَانِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ
[ ٣ / ٢٧٤ ]
وَفِي شَرْطِ الْبِنَاءِ عَلَيْهِ بِقِيَامِهِ قَوْلَانِ لِأَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ زَاعِمًا أَنَّهُ ظَاهِرُهَا وَعِيَاضٍ مَعَ الْأَكْثَرِ وَأَنَّ قَوْلَ أَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ بِظَاهِرِهَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قُلْت بِنَصِّهَا إجْزَاءُ الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ، انْتَهَى.
(قُلْت) فِي كَلَامِ عِيَاضٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا رَدَّ عَلَيْهِ بِمَسْأَلَةِ الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ خِلَافُ مَا يُعْطِيهِ كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ هُوَ الْمُرَادُ بِهِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
. ص (وَأَجْزَأَتْ قَبْلَ حِنْثِهِ)
ش: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ لَكِنَّهُ اسْتَحَبَّ كَوْنَهَا بَعْدَهُ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
ص (وَوَجَبَتْ بِهِ إنْ لَمْ يُكْرَهْ)
ش:
[ ٣ / ٢٧٥ ]
مَفْهُومُ قَوْلِهِ يُكْرَهُ أَنَّ عَدَمَ الْإِكْرَاهِ يَحْنَثُ فِيهِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا مَعَ الْإِكْرَاهِ فَلَا يَحْنَثُ بِالْبِرِّ وَيَحْنَثُ إنْ كَانَ عَلَى حِنْثٍ قَالَ فِي مُخْتَصَرِ قَوَاعِدِ الْقَرَافِيِّ فِي الْقَاعِدَةِ السَّادِسَةِ مِنْ قَوَاعِدِ الْأَيْمَانِ: تَنْبِيهٌ إذَا قُلْنَا بِأَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْحِنْثِ يَمْنَعُ مِنْ لُزُومِ مُوجَبِ الْيَمِينِ فَأُكْرِهَ عَلَى أَوَّلِ مَرَّةٍ مِنْ الْفِعْلِ، ثُمَّ فَعَلَهُ مُخْتَارًا يَحْنَثُ قَالَهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ، وَهُوَ مُقْتَضَى الْفِقْهِ بِسَبَبِ أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَمْ يَنْدَرِجْ فِي الْيَمِينِ فَالْوَاقِعُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالِاخْتِيَارِ هُوَ أَوَّلُ مَرَّةٍ صَدَرَتْ مِنْ مُخَالِفَةِ الْيَمِينِ وَالْأُولَى لَا عِبْرَةَ بِهَا، وَمِثْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذَا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَا يُكَلِّمُ زَيْدًا فَخَالَعَ امْرَأَتَهُ وَكَلَّمَ زَيْدًا لَمْ يَلْزَمْهُ بِهَذَا الْكَلَامِ طَلَاقٌ، فَلَوْ رَدَّ امْرَأَتَهُ وَكَلَّمَهُ حَنِثَ عِنْدَ مَالِكٍ - ﵀ -، انْتَهَى.
[فَرْعٌ إذَا حَلَفَ عَلَى غَيْرِهِ ليفعلن فَأَكْرَهَهُ عَلَى الْفِعْلِ]
(فَرْعٌ) إذَا حَلَفَ عَلَى غَيْرِهِ لَيَفْعَلَنَّ فَأَكْرَهَهُ عَلَى الْفِعْلِ فَقَالَ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَبَرُّ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ ذَلِكَ يَعْنِي أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ الْفِعْلَ طَائِعًا أَوْ مُكْرَهًا، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ فَيَمِينُهُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الطَّوَاعِيَةِ، وَإِنَّمَا يَصْدُقُ فِي نِيَّتِهِ إذَا جَاءَ مُسْتَفْتِيًا، وَهَلْ لَهُ أَنْ يُكْرِهَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ عَلَى الْفِعْلِ؟ إنْ كَانَ مِلِكًا لَهُ فَلَهُ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُكْرِهَهُ وَلَوْ زَوْجَةً، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فَإِنْ أَكْرَهَ زَوْجَتَهُ عَصَى وَبَرَأَ نَظَرُهُ فِيهِ، وَأَمَّا إذَا حَلَفَ عَلَى غَيْرِهِ لَا يَفْعَلُ فَأَكْرَهَ الْغَيْرَ عَلَى الْفِعْلِ فَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ فِيهِ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ قَوْلَيْنِ فَانْظُرْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
. ص (وَعِتْقِهِ)
ش:، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ شَيْءٌ، فَقَالَ الْبَاجِيُّ يَلْزَمُهُ عِتْقُ رَقَبَةٍ، وَقَالَ ابْنُ زَرْقُونٍ هَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وَقَبِلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ زَرْقُونٍ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فِيهِ نَظَرٌ لِقَوْلِهِ فِي الْجَوَاهِرِ عَنْ الطُّرْطُوشِيِّ إنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَقِيقٌ فَعَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: بَتَّ مَنْ يَمْلِكُهُ حِينَ حَلِفِهِ مِنْ زَوْجَةٍ وَمَمْلُوكٍ وَصَدَقَةٍ بِثُلُثِهِ وَمَشَى فِي نُسُكٍ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْبَاجِيُّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ امْرَأَةٌ أَوْ مَمْلُوكٌ لَمْ يَلْزَمْهُ فِيمَنْ يَتَزَوَّجُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَا مَنْ يَشْتَرِيهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَعَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ لَا أَكْثَرُ، انْتَهَى
ص (وَزِيدَ فِي الْأَيْمَانِ تَلْزَمُنِي صَوْمُ سَنَةٍ)
ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ، وَنَقَلَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْأَيْمَانِ عَنْ ابْنِ الْحَاجِّ فِيمَنْ حَلَفَ بِأَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ تَلْزَمُهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُ فِي الْأَيْمَانِ اللَّازِمَةِ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ قُلْت أَمَّا إلْزَامُهُ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِّ فِي أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ مَا يَلْزَمُ فِي الْأَيْمَانِ اللَّازِمَةِ، فَقَدْ رَأَيْت لِابْنِ عَلْوَانَ أَحَدَ الْمُفْتِينَ بِتُونُسَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ فِيهَا إلَّا ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ؛ لِأَنَّ أَيْمَانَ الْمُسْلِمِينَ الْجَارِيَةَ الْجَائِزَةَ هِيَ الْأَيْمَانُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا، انْتَهَى. ص (إنْ اُعْتِيدَ حَلِفٌ بِهِ)
ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ
[مَسْأَلَةٌ قَالَ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ لَا فَعَلْت وَلَا يُرِيدُ بِهَا الْيَمِينَ]
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَسُئِلَ السُّيُورِيُّ عَمَّنْ يَقُولُ: الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ لَا فَعَلْت، وَلَا يُرِيدُ بِهَا الْيَمِينَ فَهَلْ عَلَيْهِ يَمِينٌ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ إذَا قَصَدَ مَا وَصَفْت وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الْمَشْيِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ (قُلْت) إنْ لَمْ تَتَقَرَّرْ عَادَةً أَوْ نَوَى عَدَمَ الْيَمِينِ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا إنْ تَقَرَّرَتْ عَادَةً بِاللُّزُومِ، وَهُوَ قَصْدُ الْحَالِفِينَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ، وَكَذَا كَانَ شَيْخُنَا
[ ٣ / ٢٧٦ ]
يَقُولُ فِيمَنْ قَالَ: الصَّوْمُ يَلْزَمُهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ سَنَةً إلَّا أَنْ يَنْوِيَ غَيْرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَادَةَ الْحَالِفِينَ جَرَّتْ بِذَلِكَ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ يَلْزَمُنِي أَوْ صَوْمُ الْعَامِ يَلْزَمُنِي وَنَوَى فَرِيضَةَ الْحَجِّ وَصَوْمَ رَمَضَانَ، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَهُوَ تَوْرِيكٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ اسْتَحْلَفَهُ أَحَدٌ وَقُلْنَا الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ فَيَلْزَمُهُ، وَفِيهِ خِلَافٌ كَثِيرٌ مَشْهُورٌ.
ص (وَالْأَمَةِ)
ش: يُرِيدُ إذَا نَوَى بِذَلِكَ الْعِتْقَ قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَا يُحَرَّمُ غَيْرُهَا يَعْنِي الزَّوْجَةَ، وَلَوْ أَمَةً إلَّا أَنْ يَنْوِيَ عِتْقَهَا.
ص (وَتَكَرَّرَتْ إنْ قَصَدَ تَكَرُّرَ الْحِنْثِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ فِعْلًا فَفَعَلَهُ فَإِنَّمَا يَحْنَثُ بِفِعْلِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَصَدَ تَكَرُّرَ الْحِنْثِ كُلَّمَا فَعَلَهُ فَيَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ الْحِنْثُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَحِنْثُ الْيَمِينِ يُسْقِطُهَا، وَلِذَا لَا يَتَعَدَّدُ مَا يُوجِبُهُ الْحِنْثُ بِتَكَرُّرِ مُوجِبِهِ إلَّا بِلَفْظٍ أَوْ نِيَّةٍ أَوْ عُرْفٍ، انْتَهَى. فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَيْسَتْ مِنْ تَكَرُّرِ الْيَمِينِ، بِخِلَافِ مَا يَأْتِي.
(تَنْبِيهٌ) فُهِمَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ حِنْثُ الْيَمِينِ يُسْقِطُهَا أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَحْنَثُ كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ وَقُلْنَا لَا يَحْنَثُ ثُمَّ فَعَلَهُ مَرَّةً ثَانِيَةً فَإِنَّهُ يَحْنَثُ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْقَرَافِيِّ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَوَجَبَتْ بِهِ إنْ لَمْ يُكْرَهْ بِبِرٍّ.
ص (أَوْ كَانَ الْعُرْفُ كَعَدَمِ تَرْكِ الْوَتْرِ)
ش: ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ وَلَمْ يَرْتَضِ ابْنُ عَرَفَةَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
. ص (أَوْ نَوَى كَفَّارَاتٍ)
[ ٣ / ٢٧٧ ]
ش: يَعْنِي أَنَّهُ كَرَّرَ الْيَمِينَ وَنَوَى أَنْ يُكَرِّرَ الْكَفَّارَاتِ فَإِنَّهَا تُكَرَّرُ عَلَيْهِ.
ص (أَوْ دَلَّ لَفْظُهُ بِجَمْعٍ)
ش: لَعَلَّهُ يُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى مَنْ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ أَرْبَعَةُ أَيْمَانٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ أَوْ عَلَيَّ عَشْرُ كَفَّارَاتٍ أَوْ عُهُودٍ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَوَاللَّهِ ثُمَّ وَاَللَّهِ وَإِنْ قَصَدَهُ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْحَالِفَ بِاَللَّهِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ أَسْمَائِهِ أَوْ صِفَاتِهِ إذَا كَرَّرَ الْيَمِينَ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَتَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ بِتَكْرِيرِ الْيَمِينِ عَلَى وَاحِدٍ بِالشَّخْصِ بِنِيَّةِ تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ وَتَتَّحِدُ بِنِيَّةِ التَّأْكِيدِ، وَإِلَّا فَطَرِيقَانِ ابْنُ رُشْدٍ لَا تَتَعَدَّدُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ بِاَللَّهِ فِي وَاَللَّهِ ثُمَّ وَاَللَّهِ ثُمَّ وَاَللَّهِ اللَّخْمِيُّ، وَلَوْ فِي مَجَالِسَ، وَقَالَهُ مُحَمَّدٌ وَأَرَى تَعَدُّدَهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ تَتَعَدَّدُ فِي وَاَللَّهِ وَوَاللَّهِ وَتَتَّحِدُ فِي وَاَللَّهِ وَاَللَّهِ، ثُمَّ قَالَ وَتَكْرِيرُ الْمُقْسَمِ بِهِ دُونَ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ وَتَكْرِيرُهُمَا مَعًا سَوَاءٌ وَتَتَعَدَّدُ فِي تَكْرِيرِ النَّذْرِ الْمُبْهَمِ عَطْفًا وَغَيْرَهُ، وَلَوْ مُعَلَّقًا عَلَى مُعَيَّنٍ، وَلَوْ قَبْلَ ذِكْرِهِ كَعَلَيَّ نَذْرٌ وَنَذْرٌ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا مَا لَمْ يَنْوِ الِاتِّحَادَ، ثُمَّ قَالَ وَفِي تَعَدُّدِهَا بِتَكْرِيرِ الصِّفَةِ الْمُخْتَلِفَةِ اللَّفْظِ ثَالِثُهَا إنْ تَغَايَرَتْ، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنَّفُ فِي التَّوْضِيحِ: وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ التَّكَرُّرِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي تَكْرِيرِ الْحَلِفِ بِاَللَّهِ مَوْصُوفًا بِصِفَاتٍ مُتَغَايِرَةٍ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ قَالَ: وَتَتَعَدَّدُ فِي ذِكْرِ الصِّفَةِ مَعَ الذَّاتِ كَ وَاَللَّهِ وَعِزَّتِهِ، وَفِي الْيَمِينِ مَعَ النَّذْرِ كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ: وَاَللَّهِ لَا فُعِلْت كَذَا أَوْ عَلَيَّ نَذْرٌ كَفَّارَاتٌ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَمَّا إذَا كَانَ اللَّفْظُ مِنْ الْأَسْمَاءِ وَاللَّفْظُ الثَّانِي مِنْ الصِّفَاتِ فَالْحُكْمُ تَعَدُّدُ الْكَفَّارَةِ اهـ. وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَزِمَهُ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ فِي الْقُرْآنِ وَالْمُصْحَفِ وَالْكِتَابِ وَكَفَّارَتَانِ فِي وَالْعَزِيزِ وَعِزَّةِ اللَّهِ، انْتَهَى.
ص (وَلَا أُكَلِّمُهُ غَدًا وَبَعْدَهُ ثُمَّ غَدًا) ش قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَيَتَعَدَّدُ مُوجِبُ الْحِنْثَ كَفَّارَةٌ أَوْ غَيْرُهَا بِتَعَدُّدِ الْيَمِينِ مَعَ تَغَايُرِ مُتَعَلِّقِهَا، وَلَوْ بِكَوْنِهِ جُزْءًا مِنْ الْأَجْزَاءِ، وَلَازِمًا مُسَاوِيًا عَلَى رَأْيٍ انْتَهَى. .
. ص (وَخَصَّصَتْ
[ ٣ / ٢٧٨ ]
نِيَّةُ الْحَالِفِ وَقَيَّدَتْ إنْ نَافَتْ وَسَاوَتْ)
ش: لَمَا فَرَغَ - ﵀ - مِنْ الْكَلَامِ عَلَى حَدِّ الْيَمِينِ وَصِيغَتِهَا وَالْيَمِينِ الْمُوجِبِ لِلْكَفَّارَةِ وَأَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ وَتَكْرِيرِهَا وَاتِّحَادِهَا أَتْبَعَهُ بِالْكَلَامِ عَلَى مُقْتَضَيَاتِ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ، فَذَكَرَ مِنْ ذَلِكَ خَمْسَةَ أُمُورٍ: الْأَوَّلُ النِّيَّةُ الثَّانِي الْبِسَاطُ الثَّالِثُ الْعُرْفُ الْقَوْلِيُّ الرَّابِعُ الْمَقْصِدُ اللُّغَوِيُّ الْخَامِسُ الْمَقْصِدُ الشَّرْعِيُّ، وَبَدَأَ بِالْكَلَامِ عَلَى النِّيَّةِ فَقَالَ: وَخَصَّصَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ إلَخْ يَعْنِي أَنَّ النِّيَّةَ تُخَصِّصُ الْعَامَّ وَتُقَيِّدُ الْمُطْلَقَ إذَا صَلُحَ اللَّفْظُ لَهَا قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: النِّيَّةُ تُقَيِّدُ الْمُطْلَقَاتِ وَتُخَصِّصُ الْعُمُومَاتِ إذَا صَلُحَ لَهَا اللَّفْظُ نَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ، وَمَعْنَى كَوْنِ اللَّفْظِ صَالِحًا لَهَا كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنْ لَا يَكُونَ اللَّفْظُ صَرِيحًا فِيمَا نَوَاهُ الْحَالِفُ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا افْتَرَقَ الْحُكْمُ فِيهِ بَيْنَ مَا يَكُونُ الْحَالِفُ فِيهِ عَلَى نِيَّةٍ وَبَيْنَ مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِمَا نَوَاهُ وَلِغَيْرِهِ، انْتَهَى.
قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ وَالْمِائَةِ: اعْلَمْ أَنَّ الْأَلْفَاظَ نُصُوصٌ وَظَوَاهِرُ فَالنُّصُوصُ لَا تَقْبَلُ الْمَجَازَ وَلَا التَّخْصِيصَ، وَالظَّوَاهِرُ هِيَ الَّتِي تَقْبَلُهَا، وَالنُّصُوصُ قِسْمَانِ: الْأَوَّلُ أَسْمَاءُ الْأَعْدَادِ كَالْخَمْسَةِ وَالْعَشَرَةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُطْلِقَ الْعَشَرَةَ وَتُرِيدَ بِهَا التِّسْعَةَ وَلَا غَيْرَهَا مِنْ مَرَاتِبِ الْأَعْدَادِ فَهَذَا هُوَ الْمَجَازُ، وَأَمَّا التَّخْصِيصُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ: رَأَيْتَ عَشَرَةً، ثُمَّ تُبَيِّنَ بَعْدَ ذَلِكَ مُرَادَكَ بِهَا وَتَقُولُ: أَرَدْت خَمْسَةً فَإِنَّ التَّخْصِيصَ مَجَازٌ أَيْضًا لَكِنَّهُ يَخْتَصُّ بِبَقَاءِ بَعْضِ الْمُسَمَّى، وَالْمَجَازُ قَدْ لَا يَبْقَى مَعَهُ مِنْ الْمُسَمَّى شَيْءٌ كَمَا تَقُولُ رَأَيْتَ إخْوَتَكَ، ثُمَّ تَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ أَرَدْت بِإِخْوَتِكَ نِصْفَهُمْ فَهَذَا تَخْصِيصٌ، وَالْمَجَازُ الَّذِي لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ أَنْ تَقُولَ أَرَدْت بِإِخْوَتِكَ مَسَاكِنَهُمْ فَلَيْسَ الْمَسَاكِنُ بَعْضَ الْإِخْوَةِ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْ الْمُسَمَّى شَيْءٌ، فَالْمَجَازُ أَعَمُّ مِنْ التَّخْصِيصِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ النُّصُوصِ الْأَلْفَاظُ الَّتِي هِيَ مُخْتَصَّةٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى نَحْوُ لَفْظِ الْجَلَالَةِ وَلَفْظِ الرَّحْمَنِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُمَا فِي غَيْرِ اللَّهِ أَلْبَتَّةَ إجْمَاعًا، فَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ وَالرَّحْمَنِ لَا فَعَلْت كَذَا، وَقَالَ أَرَدْت: بِلَفْظِ الْجَلَالَةِ وَالرَّحْمَنِ غَيْرَ اللَّهِ ﷿، وَعَبَّرْت بِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ بَابِ إطْلَاقِ الْفَاعِلِ عَلَى أَثَرِهِ، وَالْحَلِفُ بِالْمَخْلُوقِ لَا يَلْزَمُ بِهِ كَفَّارَةٌ هَلْ تَسْقُطُ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ (قُلْت) ظَاهِرُ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ إذَا حَنِثَ وَأَنَّ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُمَا فِي غَيْرِ اللَّهِ وَمَا امْتَنَعَ شَرْعًا فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ حِسًّا فَهَذَا الِامْتِنَاعُ شَرْعِيٌّ وَالِامْتِنَاعُ فِي الْأَعْدَادِ لَغَوِيٌّ، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: إنْ نَافَتْ أَصْلَهُ نَافَيَت فَتَحَرَّكَتْ الْيَاءُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا فَقُلِبَتْ أَلِفًا، ثُمَّ حُذِفَتْ الْأَلِفُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ كَمَا فِي سَاوَتْ وَمَعْنَاهُ أَنَّ مِنْ شَرْطِ النِّيَّةِ الْمُخَصِّصَةِ أَنْ تَكُونَ مُنَافِيَةً أَيْ مُخَالِفَةً لِمُقْتَضَى اللَّفْظِ بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الْحَالِفِ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْحُكْمِ لِصُوَرٍ، وَالنِّيَّةُ الْمُخَصِّصَةُ تَنْفِي ذَلِكَ الْحُكْمَ عَنْ تِلْكَ الصُّوَرِ قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ: مِنْ شَرْطِ الْمُخَصِّصِ أَنْ يَكُونَ مُنَافِيًا لِلْمُخَصَّصِ وَمَتَى لَمْ تَكُنْ النِّيَّةُ مُنَافِيَةً لَمْ تَكُنْ مُخَصِّصَةً، وَكَذَلِكَ الْمُخَصِّصَاتُ اللَّفْظِيَّةُ إذَا لَمْ تَكُنْ مُعَارِضَةً لَا تَكُونُ مُنَافِيَةً، انْتَهَى.
وَهَذَا إنَّمَا هُوَ فِي الْمُخَصِّصَةِ لَا فِي الْمُقَيِّدَةِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: تَنْبِيهٌ سُئِلَ الْحَالِفُ بِاللَّفْظِ الْعَامِ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت بَعْضَ أَنْوَاعِهِ لَا يُلْتَفَتُ لِنِيَّتِهِ وَيُعْتَبَرُ عُمُومُ لَفْظِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ النِّيَّةَ مُؤَكِّدَةٌ لِلَّفْظِ فِي ذَلِكَ النَّوْعِ غَيْرُ صَارِفَةٍ لَهُ عَنْ بَقِيَّةِ الْأَنْوَاعِ، وَمِنْ شَرْطِ الْمُخَصِّصَةِ أَنْ تَكُونَ صَارِفَةً، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت إخْرَاجَ مَا عَدَا هَذَا النَّوْعَ حُمِلَتْ يَمِينُهُ عَلَى مَا بَقِيَ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ، وَمِنْ شَرْطِ النِّيَّةِ الْمُخَصِّصَةِ أَنْ تَكُونَ مُنَافِيَةً لِمُقْتَضَى اللَّفْظِ، بِخِلَافِ الْمُقَيِّدَةِ، وَقَالَهُ الْأَئِمَّةُ، وَهَذَا مَقَامٌ لَا يُحَقِّقُهُ أَكْثَرُ مُفْتِي الْعَصْرِ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْمُقْرِي فِي قَوَاعِدِهِ إثْرَ نَقْلِهِ لِهَذَا الْكَلَامِ قُلْت شَرْطُ التَّخْصِيصِ مُنَافَاةُ حُكْمِ الْخَاصِّ لِلْعَامِّ وَإِلَّا فَهُوَ تَقْيِيدٌ، فَإِذَا قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] فَإِنْ قُلْنَا بِعُمُومِهِ يَتَنَاوَلُ الْمَسْفُوحَ وَغَيْرَهُ، وَلَا يَخْتَصُّ بِقَوْلِهِ: دَمًا مَسْفُوحًا لِمُوَافَقَتِهِ لَهُ خِلَافًا لِأَبِي ثَوْرٍ، وَإِنْ قُلْنَا بِإِطْلَاقِهِ: تَقَيَّدَ فَمِنْ ثَمَّ جَاءَ الْقَوْلَانِ فِي تَحْرِيمِ الدَّمِ غَيْرِ الْمَسْفُوحِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي لُبَابِ اللُّبَابِ الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ: الْفَرْقُ بَيْنَ النِّيَّةِ الْمُؤَكِّدَةِ وَالْمُخَصِّصَةِ فَالْمُؤَكِّدَةُ هِيَ الْمُوَافِقَةُ لِمَدْلُولِ اللَّفْظِ
[ ٣ / ٢٧٩ ]
وَالْمُخَصِّصَةُ مُنَافِيَةٌ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: وَاَللَّهِ لَا لَبِسْت ثَوْبًا وَنَوَى كَتَّانًا قَالَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الْفُقَهَاءُ يُفْتُونَ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِالْكَتَّانِ، وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ يَحْنَثُ فِي الْكَتَّانِ بِاللَّفْظِ وَالنِّيَّةِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ هُنَا مُؤَكِّدَةٌ، وَيَحْنَثُ فِي غَيْرِهِ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وَإِنْ اسْتَحْضَرَ غَيْرَ الْكَتَّانِ فِي نِيَّتِهِ وَنَوَى إخْرَاجَهُ عَنْ عُمُومِ اللَّفْظِ لَمْ يَحْنَثْ بِهِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ حِينَئِذٍ مُخَصِّصَةٌ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْمُخَصِّصِ أَنْ يَكُونَ مُنَافِيًا، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْمَالِكِيُّ: تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ الظَّاهِرِ لِأَنَّ الْمُقَيَّدَ يَسْتَلْزِمُ الْمُطْلَقَ، بِخِلَافِ تَخْصِيصِ الْعَامِّ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ اللَّفْظِيَّ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْحُكْمِ لِصُورَةٍ أَوْ صُوَرٍ، وَالنِّيَّةُ الْمُخَصِّصَةُ تَنْفِي ذَلِكَ الْحُكْمَ عَنْ تِلْكَ الصُّوَرِ، انْتَهَى.
فَتَبَيَّنَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الْمُنَافَاةَ إنَّمَا هِيَ شَرْطٌ فِي الْمُخَصِّصَةِ لَا فِي الْمُقَيِّدَةِ وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: إنْ نَافَتْ أَنَّهَا إنْ لَمْ تُنَافِ تُخَصِّصُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَهُوَ النِّيَّةُ الْمُؤَكِّدَةُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَلَا خَفَاءَ أَنَّ النِّيَّةَ إنْ كَانَتْ مُوَافِقَةً لِظَاهِرِ اللَّفْظِ أَنَّهَا مَقْبُولَةٌ فِي الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا انْتَهَى. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ وَالنِّيَّةُ إنْ وَافَقَتْ ظَاهِرَ اللَّفْظِ اُعْتُبِرَتْ اتِّفَاقًا، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: وَسَاوَتْ يَعْنِي إذَا قُلْنَا مِنْ شَرْطِ النِّيَّةِ الْمُخَصِّصَةِ أَنْ تَكُونَ مُنَافِيَةً فَمِنْ شَرْطِهَا أَيْضًا أَنْ تَكُونَ مُنَافَاتُهَا وَعَدَمُ مُنَافَاتِهَا عَلَى حَدِّ السَّوَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُنَافِيَةَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ أَنْ تُخَالِفَ النِّيَّةُ ظَاهِرَ اللَّفْظِ بِأَشَدَّ مِنْ مَدْلُولِهِ كَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ زَيْتًا فَيَقُولُ: أَرَدْت سَائِرَ الْأَدْهَانِ. الثَّانِي أَنْ تُخَالِفَ ظَاهِرَ اللَّفْظِ وَيَكُونَ قَصْدُ مُخَالَفَتِهَا لِلَّفْظِ وَقَصْدُ عَدَمِ مُخَالَفَتِهَا لَهُ سَوَاءٌ، أَيْ يُمْكِنُ أَنْ يَقْصِدَ بِاللَّفْظِ الصَّادِرِ عَنْهُ مَا ادَّعَى أَنَّهُ أَرَادَهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ لَا يَقْصِدَ عَلَى حَدِّ السَّوَاءِ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ غَازِيٍّ. الثَّالِثُ أَنْ تُخَالِفَ ظَاهِرَ اللَّفْظِ وَتُوَافِقَ الِاحْتِمَالَ الْمَرْجُوحَ الْقَرِيبَ مِنْ التَّسَاوِي. الرَّابِعُ أَنْ تُخَالِفَ ظَاهِرَ اللَّفْظِ وَتُوَافِقَ الِاحْتِمَالَ الْمَرْجُوحَ الْبَعِيدَ جِدًّا، فَقَالَ الْمُصَنِّفُ مِنْ شَرْطِ النِّيَّةِ الْمُخَصِّصَةِ أَنْ تَكُونَ مُنَافِيَةً كَمَا تَقَدَّمَ، وَمِنْ شَرْطِهَا أَنْ تَكُونَ مُنَافَاتُهَا وَعَدَمُ مُنَافَاتِهَا عَلَى السَّوَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ فَتَكُونُ مُخَصِّصَةً وَتُقْبَلُ فِي الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا وَهَذَا يُفْهَمُ مِنْ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَتَقْيِيدِهِ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ أَعْنِي الثَّانِيَ فِي كَلَامِهِ بِقَوْلِهِ: إلَّا لِمُوَافَقَةٍ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: لَكِنْ يَسْتَظْهِرُ عَلَيْهِ بِيَمِينٍ أَنَّهُ أَرَادَ مَا ادَّعَاهُ إنْ نَوَاهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هُوَ مِمَّا تَرَدَّدَ فِيهِ الْأَشْيَاخُ، وَهُوَ مِنْ أَيْمَانِ التُّهَمِ وَالْأَقْرَبُ هُنَا تَوَجُّهُهَا احْتِيَاطًا لِحَقِّ اللَّهِ، انْتَهَى. وَهَذَا لَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَذُكِرَ فِي الْبَيَانِ فِي رَسْمِ الْعِتْقِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ أَنَّ النِّيَّةَ إنْ كَانَتْ مُحْتَمَلَةً وَلَمْ يَشْهَدْ لَهَا ظَاهِرُ الْحَالِ، وَلَا دَلِيلُ عُرْفٍ، وَلَا مَقْصِدٌ، وَلَمْ تَكُنْ مُخَالِفَةً لِظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَكَانَتْ مِمَّا يُحْكَمُ بِهِ وَلَمْ يَأْتِ مُسْتَفْتِيًا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْيَمِينُ قَالَ: وَأَمَّا إنْ شَهِدَ لِلنِّيَّةِ ظَاهِرُ الْحَالِ أَوْ دَلِيلٌ مِنْ الْعُرْفِ فَإِنَّ الْيَمِينَ تَسْقُطُ، وَإِنْ كَانَتْ مُخَالِفَةً لِظَاهِرِ اللَّفْظِ فَلَا يُصَدَّقُ فِيهَا بِيَمِينٍ، وَلَا بِغَيْرِ يَمِينٍ، هَذَا إذَا لَمْ يَأْتِ مُسْتَفْتِيًا، وَأَمَّا إذَا أَتَى مُسْتَفْتِيًا أَوْ كَانَتْ يَمِينُهُ مِمَّا لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهَا فَيَنْوِي فِيمَا نَوَاهُ دُونَ يَمِينٍ، وَإِنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ الَّتِي نَوَى خِلَافَ ظَاهِرِ لَفْظِهَا، انْتَهَى.
وَدَخَلَ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنْ الْأَرْبَعَةِ فِي كَلَامِ الْمُؤَلَّفِ بِالْأَحْرَوِيَّةِ أَعْنِي قَوْلَهُ يُقْبَلُ فِي الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا
(الثَّانِي) قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي التَّنْقِيحِ: الْعَامُّ هُوَ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِمَعْنًى كُلِّيٍّ بِقَيْدٍ يَتْبَعُهُ فِي مُحَالِهِ نَحْوُ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، وَقَالَ فِي الشَّرْحِ: أَيْ يَتْبَعُهُ بِحُكْمِهِ فِي مُحَالِهِ إمَّا وُجُوبًا أَوْ تَحْرِيمًا أَوْ إبَاحَةً، وَبِهَذَا يَخْرُجُ الْمُطْلَقُ، فَإِنَّ الْمُطْلَقَ لَا يَتْبَعُ بَلْ يَقْتَصِرُ بِهِ عَلَى فَرْدٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ: الْعَامُّ لَفْظٌ يَسْتَغْرِقُ الصَّالِحَ لَهُ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ فَقَوْلُهُ: يَسْتَغْرِقُ الصَّالِحَ لَهُ يَعْنِي أَنْ يَتَنَاوَلَ جَمِيعَ مَا يَصْلُحُ لَهُ دَفْعَةً، وَبِهَذَا يَخْرُجُ الْمُطْلَقُ وَقَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ لِيُخْرِجَ بِهِ اسْمَ الْعَدَدِ مِنْ حَيْثُ الْآحَادُ فَإِنَّهُ يَسْتَغْرِقُهَا بِحَصْرٍ كَعَشَرَةٍ، ثُمَّ قَالَ الْقَرَافِيُّ وَالْمُطْلَقُ هُوَ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِمَعْنًى كُلِّيٍّ نَحْوُ رَجُلٍ، وَالْمُقَيَّدُ هُوَ الَّذِي أُضِيفَ إلَى مُسَمَّاهُ مَعْنًى زَائِدٌ عَلَيْهِ نَحْوُ رَجُلٌ صَالِحٌ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ: الْمُطْلَقُ الدَّالُّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدٍ، انْتَهَى. فَعِنْدَ الْقَرَافِيِّ أَنَّ النَّكِرَةَ وَالْمُطْلَقَ سَوَاءٌ، وَهَكَذَا قَالَ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَعِنْدَ السُّبْكِيّ أَنَّ اللَّفْظَ فِي الْمُطْلَقِ
[ ٣ / ٢٨٠ ]
وَالنَّكِرَةِ وَاحِدٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِالِاعْتِبَارِ، فَإِنْ اُعْتُبِرَتْ فِي اللَّفْظِ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدٍ سُمِّيَ مُطْلَقًا وَاسْمَ جِنْسٍ، وَإِنْ اُعْتُبِرَتْ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمَاهِيَّةِ مَعَ قَيْدِ الْوَحْدَةِ الشَّائِعَةِ سُمِّيَ نَكِرَةً قَالَ السُّبْكِيُّ وَعَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أُسْلُوبُ الْمَنْطِقِيِّينَ وَالْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ حَيْثُ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ كَانَ حَمْلُكِ ذَكَرًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَكَانَ ذَكَرَيْنِ فَقِيلَ لَا تَطْلُقُ نَظَرًا لِلتَّنْكِيرِ الْمُشْعِرِ بِالتَّوْحِيدِ، وَقِيلَ: تَطْلُقُ حَمْلًا عَلَى الْجِنْسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ قِيلَ قَدْ ذَكَرْتُ عَنْ الْقَرَافِيِّ وَابْنِ رَاشِدٍ أَنَّ الْحَالِفَ لَا أَلْبَسُ ثَوْبًا وَنَوَى كَتَّانًا أَنَّهُ يَحْنَثُ بِالْكَتَّانِ بِاللَّفْظِ وَالنِّيَّةِ وَيَحْنَثُ فِي غَيْرِهِ بِعُمُومِ اللَّفْظِ فَلَمْ يَجْعَلُوا هَذِهِ النِّيَّةَ مُقَيِّدَةً وَالْمُصَنِّفُ قَدْ قَالَ: إنَّ النِّيَّةَ تُقَيِّدُ فَالْجَوَابُ أَنَّ لَفْظَ الثَّوْبِ هُنَا لَيْسَ مُطْلَقًا، بَلْ هُوَ عَامٌّ لَكِنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تُفِيدُ الْعُمُومَ فَالنِّيَّةُ هُنَا إنَّمَا هِيَ مُخَصِّصَةٌ لَا مُقَيِّدَةٌ، وَمِنْ شَرْطِ الْمُخَصِّصِ أَنْ يَكُونَ مُنَافِيًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
. ص (فِي اللَّهِ وَغَيْرِهَا كَطَلَاقٍ)
ش: أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْيَمِينِ الَّتِي خُصِّصَتْ بِمَا تَقَدَّمَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِاَللَّهِ أَوْ بِالصِّيَامِ أَوْ بِالصَّدَقَةِ وَلِأَجْلِ الْخِلَافِ الَّذِي فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ هَلْ يُسَمَّيَانِ يَمِينًا حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا أَتَى بِقَوْلِهِ: كَطَلَاقٍ فَهُوَ تَمْثِيلٌ لِقَوْلِهِ: وَغَيْرِهَا، وَمِثْلُ الطَّلَاقِ الْعِتْقُ، ثُمَّ مَثَّلَ لِلنِّيَةِ الْمُنَافِيَةِ الْمُتَسَاوِيَةِ الِاحْتِمَالِ بِفَرْعٍ مِنْ فُرُوعِهَا، وَأَدْخَلَ عَلَيْهِ كَافَ التَّشْبِيهِ لِيَعُمَّ بَقِيَّةَ الْفُرُوعِ فَقَالَ:
ص (كَكَوْنِهَا مَعَهُ فِي لَا يَتَزَوَّجُ حَيَاتَهَا)
ش: وَيُشِيرُ بِهِ إلَى مَا قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَنَصُّهُ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَأَمَّا مَا يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُهُ فِي الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا مِثْلُ أَنْ يَحْلِفَ لِزَوْجَتِهِ بِطَلَاقِ مَنْ يَتَزَوَّجُ فِي حَيَاتِهَا أَوْ يَكُونَ ذَلِكَ شَرْطًا فِي نِكَاحِهَا فَتَبِينَ مِنْهُ ثُمَّ يَتَزَوَّجُ، وَيَقُولُ: نَوَيْت مَا كَانَتْ تَحْتِي فَيُصَدَّقُ وَمِثْلُ الَّذِي يُعَاتِبُهَا زَوْجُهَا فِي دُخُولِ بَعْضِ قَرَابَتِهَا إلَيْهَا فَتَحْلِفُ بِالْحُرِّيَّةِ لَا دَخَلَ عَلَيَّ أَحَدٌ مِنْ أَعْلَى فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ نَوَيْت مَا كَانَ حَيًّا فَذَلِكَ لَهَا فِي الْقَضَاءِ وَإِنْ قَامَتْ عَلَيْهَا بَيِّنَةٌ ابْنُ يُونُسَ.
وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْعَاشِرِ وَاَلَّذِي يَعْجَبُ مِنْ عَمَلِ عَبْدِهِ فَيَقُولُ مَا أَنْتَ إلَّا حُرٌّ، وَذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ، انْتَهَى. قَالَ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ يَعْجَبُ مِنْ عَمَلِ عَبْدِهِ أَوْ مِنْ شَيْءٍ رَآهُ مِنْهُ فَقَالَ: مَا أَنْتَ إلَّا حُرٌّ أَوْ قَالَ لَهُ: تَعَالَ يَا حُرُّ وَلَمْ يُرِدْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْحُرِّيَّةَ وَإِنَّمَا أَرَادَ تَعْصِينِي فَأَنْتَ فِي مَعْصِيَتِكَ إيَّايَ كَالْحُرِّ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْقَضَاءِ وَلَا فِي الْفُتْيَا، وَقَالَ مَالِكٌ فِي عَبْدٍ طَبَخَ لِسَيِّدِهِ طَبِيخًا فَأَعْجَبَهُ صُنْعُهُ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ حُرٌّ وَقَامَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: أَنْتَ حُرٌّ الْفِعْلُ، وَلَوْ مَرَّ عَلَى عَاشِرٍ، فَقَالَ: هُوَ حُرٌّ وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ الْحُرِّيَّةَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَإِنْ قَامَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ لَمْ يَعْتِقْ أَيْضًا إذَا عُلِمَ أَنَّ السَّيِّدَ دَفَعَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ ظُلْمًا، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْبَيَانِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَالِفَةِ لَا دَخَلَ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهَا فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رَسْمِ سِلْعَةٍ سَمَّاهَا مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ: إنَّ طَلَاقَهَا مِنْهُ بِمَنْزِلَةٍ مَوْتِهِ عَنْهَا، ثُمَّ قَالَ فِي أَثْنَاءِ الْمَسْأَلَةِ قِيلَ لِمَالِكٍ أَرَأَيْتَ إنْ لَمْ تَحْضُرْهَا نِيَّةٌ؟ قَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ تَأْخُذَ فِي ذَلِكَ بِالِاحْتِيَاطِ وَأَنْ لَا يُدْخِلَهُمْ عَلَيْهَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهَا نِيَّةٌ فَالْوَاجِبُ أَنْ تَنْظُرَ إلَى مَا جَرَّ يَمِينُهَا مِنْ عِتَابِ زَوْجِهَا إيَّاهَا، فَإِنْ كَانَ إنَّمَا عَاتَبَهَا لِعِصْيَانِهَا إيَّاهُ فِي أَنْ تُدْخِلَهُمْ بَيْتَهَا، وَهُوَ يَكْرَهَهُمْ وَيُشَاوِرَهُمْ، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهَا فِي إدْخَالِهَا إيَّاهُمْ عَلَيْهَا بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ طَلَاقِهِ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا عَاتَبَهَا لِمَا كَرِهَ لَهَا مِنْ مُخَالَطَتِهَا إيَّاهُمْ فَهِيَ حَانِثَةٌ إنْ أَدْخَلَتْهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ طَلَاقِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ كَانَ الِاسْتِحْبَابُ أَنْ تَأْخُذَ بِالِاحْتِيَاطِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) يَتَعَلَّقُ بِمَسْأَلَةِ الْحَالِفِ لِزَوْجَتِهِ بِطَلَاقِ مَنْ يَتَزَوَّجُ فِي حَيَاتِهَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمٍ كُتِبَ عَلَيْهِ ذِكْرُ حَقٍّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَحْلُوفُ بِهَا زَوْجَةً لَهُ فَقَالَ: إنْ تَزَوَّجْت مَا عَاشَتْ فُلَانَةُ فَكُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ قَبْلَ أَنْ تَمُوتَ وَقَالَ: أَرَدْت مَا عَاشَتْ وَكَانَتْ زَوْجَةً لِفُلَانٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لَمْ يَنْوِ فِي ذَلِكَ مَعَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَا عَاشَتْ إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَنَتَ انْتَهَى.
. ثُمَّ لَمَّا فَرَغَ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْوَجْهِ الثَّانِي أَتْبَعَهُ بِالْكَلَامِ عَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ، وَإِنْ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْكَافَ فَقَالَ:
ص (كَإِنْ خَالَفَتْ ظَاهِرَ
[ ٣ / ٢٨١ ]
لَفْظِهِ)
ش: لِيُفِيدَ أَنَّهُ كَالثَّانِي فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ فِي كَوْنِهِ يُقْبَلُ فِي الْفُتْيَا وَغَيْرِهَا فِي الْيَمِينِ بِغَيْرِ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ، وَفِي الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ إذَا لَمْ تَكُنْ مُرَافَعَةٌ وَلَا إقْرَارٌ، هَذَا الْوَجْهِ هُوَ الَّذِي تُخَالِفُ النِّيَّةُ فِيهِ ظَاهِرَ اللَّفْظِ وَتُوَافِقُ الِاحْتِمَالَ الْمَرْجُوحَ الْقَرِيبَ مِنْ التَّسَاوِي، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ أَمْثِلَةً أَشَارَ إلَى الْأَوَّلِ مِنْهَا بِقَوْلِهِ:
ص (كَسَمْنِ ضَأْنٍ فِي لَا آكُلُ سَمْنًا)
ش: وَيُرِيدُ بِذَلِكَ مَا قَالَ ابْنُ يُونُسَ، وَلَوْ حَلِفَ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا، وَقَالَ: نَوَيْت سَمْنَ ضَأْنٍ، أَوْ حَلَفَ لِزَوْجَتِهِ فِي جَارِيَةٍ لَهُ إنْ كَانَ وَطِئَهَا، وَهُوَ يُرِيدُ بِقَدَمِهِ فَلَهُ نِيَّتُهُ فِي هَذَا فِي الْفُتْيَا دُونَ الْقَضَاءِ، انْتَهَى. وَأَشَارَ إلَى الْمِثَالِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ:
ص (أَوْ لَا أُكَلِّمُهُ)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ حَلِفَ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا ثُمَّ كَلَّمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَالَ: نَوَيْت شَهْرًا فَلَهُ نِيَّتُهُ فِي الْفُتْيَا دُونَ الْقَضَاءِ، وَيُشِيرُ بِهِ إلَى مَا قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَنَصُّهُ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَأَمَّا مَا يُقْبَلُ مِنْهُ فِي الْفُتْيَا دُونَ الْقَضَاءِ فَهُوَ كُلُّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا وَلَمْ يَذْكُرْ تَأْبِيدًا، ثُمَّ قَالَ نَوَيْت شَهْرًا أَوْ حَتَّى يَقْدَمَ فُلَانٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَظْهَرَ يَمِينًا تَدُلُّ عَلَى التَّأْبِيدِ وَادَّعَى مَا يَقْطَعُ التَّأْبِيدَ فَيُصَدَّقُ فِي الْفُتْيَا وَلَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ، انْتَهَى. وَمِثْلُهُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ حَلِفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ ثَوْبًا فَاشْتَرَاهُ وَشَيْئًا أَوْ صِنْفًا سِوَاهُ وَقَالَ: نَوَيْت ذَلِكَ الصِّنْفَ أَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ هَذِهِ الدَّارَ، ثُمَّ دَخَلَهَا بَعْدَ شَهْرٍ، وَقَالَ أَرَدْت شَهْرًا فَلَهُ نِيَّتُهُ فِي الْفُتْيَا لَا فِي الْقَضَاءِ إنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، انْتَهَى.
وَأَشَارَ إلَى الْمِثَالِ الثَّالِثِ. بِقَوْلِهِ:
ص (وَكَتَوْكِيلِهِ فِي لَا يَبِيعُهُ، وَلَا يَضْرِبُهُ) ش يَعْنِي أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ عَبْدَهُ فَأَمَرَ غَيْرَهُ، وَقَالَ: نَوَيْت بِنَفْسِي أَوْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ عَبْدَهُ فَأَمَرَ غَيْرَهُ فَضَرَبَهُ وَقَالَ: نَوَيْت بِنَفْسِي فَلَهُ نِيَّتُهُ فِي الْفُتْيَا دُونَ الْقَضَاءِ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ الْآتِيَيْنِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِي كِتَابِ النُّذُورِ مِنْهَا: وَإِنْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ عَبْدَهُ فَأَمَرَ غَيْرَهُ فَضَرَبَهُ حَنِثَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ فَأَمَرَ غَيْرَهُ فَضَرَبَهُ بَرَّ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَبِيعَ سِلْعَةً فَأَمَرَ غَيْرَهُ فَبَاعَهُ لَهُ حَنِثَ وَلَا يَدِينُ، وَقَالَ قَبْلَهُ وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ عَبْدًا فَأَمَرَ غَيْرَهُ فَاشْتَرَاهُ لَهُ حَنِثَ، انْتَهَى. نَصُّهَا: قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إذَا كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ فِي الشِّرَاءِ أَوْ الْبَيْعِ أَنْ لَا يَلِيَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ غَبَنَ غَيْرَ مَرَّةٍ فَلَهُ نِيَّتُهُ، وَأَمَّا إنْ كَرِهَ شِرَاءَهُ أَصْلًا فَقَدْ حَنِثَ، وَقَالَهُ أَشْهَبُ وَلَمْ يَنْوِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ، انْتَهَى.
وَفِي التَّبْصِرَةِ قَالَ فِيمَنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ فَأَمَرَ مَنْ ضَرَبَهُ بَرَّ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُهُ فَأَمَرَ مَنْ ضَرَبَهُ حَنِثَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنْ لَا يَضْرِبَهُ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَبِيعَهُ فَأَمَرَ مَنْ بَاعَهُ حَنِثَ وَلَمْ يَنْوِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَنْوِي فَنَوَاهُ فِي الضَّرْبِ إذَا أَمَرَ مَنْ ضَرَبَهُ؛ لِأَنَّ مِنْ السَّادَاتِ مَنْ يُطَمْئِنُ عَبْدَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ لِئَلَّا يَهْرَبَ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعُذْرِ وَأَرَى أَنْ يَنْوِيَ فِي الْبَيْعِ إنْ قَالَ: خِفْت ذَهَابَهُ فَأَمِنْتُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَلَوْ حَلَفَ فِي سِلْعَةٍ لَا بَاعَهَا لَمْ يَنْوِ إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ بِالطَّلَاقِ أَوْ بِمَا يُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ لِذَلِكَ وَجْهًا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَإِلَى هَذَا أَشَارَ التُّونُسِيُّ وَتَأَوَّلَ مَسْأَلَةَ الْبَيْعِ عَلَى أَنَّ يَمِينَهُ كَانَتْ بِمَا يُقْضَى عَلَيْهِ فِيهِ بِالْحِنْثِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ فَأَمَرَ غَيْرَهُ فَضَرَبَهُ بَرَّ؛ لِأَنَّ النَّاسَ إنَّمَا يَقْصِدُونَ بِهَذَا إيلَامَ الْعَبْدِ لَا أَنَّهُ يَضْرِبُهُ بِيَدِهِ، وَإِنْ حَلَفَ لَا ضَرَبْتُهُ فَأَمَرَ غَيْرَهُ فَضَرَبَهُ حَنِثَ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْإِيلَامُ وَقَدْ وُجِدَ، وَإِنْ حَلَفَ لَا بَاعَ وَلَا اشْتَرَى فَأَمَرَ غَيْرَهُ فَفَعَلَ، فَقَالَ: يَحْنَثُ وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ إذَا كَانَتْ يَمِينُهُ بِالطَّلَاقِ وَعَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافَهُ، انْتَهَى. وَحُكِيَ فِي التَّنْبِيهَاتِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ جَعَلَ مَا قَالَهُ فِي الْبَيْعِ مُخَالِفًا لِمَا قَالَهُ فِي الضَّرْبِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ، وَهَذَانِ التَّأْوِيلَانِ الْمُشَارُ إلَيْهِمَا أَوَّلًا.
[فُرُوعٌ قَالَ وَاَللَّه لَأَعْتِقَن عَبِيدِي وَقَالَ أَرَدْت بَعْضَهُمْ عَلَى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ]
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) إذَا قَالَ: وَاَللَّهِ لَأَعْتِقَنَّ عَبِيدِي، وَقَالَ: أَرَدْت بَعْضَهُمْ عَلَى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ، أَوْ أَرَدْت بِعَبِيدِي دَوَابِّي، أَوْ أَرَدْت بِالْعِتْقِ بَيْعَهَا أَفَادَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَ الْعَبِيدَ مَجَازًا فِي الدَّوَابِّ وَالْعَلَاقَةُ الْمِلْكُ فِي الْجَمِيعِ، وَاسْتَعْمَلَ الْعِتْقَ مَجَازًا فِي الْبَيْعِ وَالْعَلَاقَةُ بُطْلَانُ الْمِلْكِ، فَهَذَا تُفِيدُهُ فِيهِ النِّيَّةُ وَالْمَجَازُ.
(الثَّانِي) إذَا قَالَ: وَاَللَّهِ لَأَعْتِقَنَّ ثَلَاثَةَ عَبِيدٍ وَنَوَى أَنَّهُ يَبِيعُ ثَلَاثَةَ
[ ٣ / ٢٨٢ ]
دَوَابَّ مِنْ دَوَابِّهِ لَصَحَّ
[قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَقَالَ أَرَدْت مِنْ الْوِلَادَةِ]
(الثَّالِثُ) إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَقَالَ: أَرَدْت أَنَّكِ طَلُقْت ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ الْوِلَادَةِ أَفَادَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَلْزَمْهُ طَلَاقٌ فِي الْفُتْيَا، وَلَا فِي الْقَضَاءِ، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ لَكِنْ هُنَاكَ مِنْ الْقَرَائِنِ مَا يُعَضِّدُهُ وَإِلَّا لَزِمَهُ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ فِي الْقَضَاءِ دُونَ الْفُتْيَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ وَالْمِائَةِ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ أَيْضًا إذَا قَالَ: نِسَائِي طَوَالِقُ وَلَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، وَقَالَ: أَرَدْت فُلَانَةَ وَفُلَانَةَ وَلَمْ أُرِدْ الرَّابِعَةَ فَنَصَّ ابْنُ بَشِيرٍ فِي مَسَائِلِ الْحَبْسِ مِنْ نَوَازِلِهِ عَلَى أَنْ يُصَدَّقَ إذَا جَاءَ مُسْتَفْتِيًا، وَأَمَّا إذَا قَالَ: جَمِيعُ نِسَائِي، فَلَا يَنْوِي إلَّا أَنْ يَقُولَ: قَدْ اسْتَثْنَيْت فَقُلْتُ: إلَّا فُلَانَةَ أَوْ نَوَيْت إلَّا فُلَانَةَ عَلَى الْخِلَافِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ بِالنِّيَّةِ، وَقَدْ ذَكَرْت كَلَامَهُ فِي بَابِ الطَّلَاقِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يُفِيدُ إلَّا بِحَرَكَةِ اللِّسَانِ إلَّا أَنْ يَعْزِلَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْمُحَاشَاةِ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ أَيْضًا مَا نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ وَنَصُّهُ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إذَا قَالَ: لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ إنْ رَاجَعْتُكِ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ، وَقَدْ خَرَجَتْ مِنْ الْعِدَّةِ، وَقَالَ: إنَّمَا نَوَيْت مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى يَمِينِهِ بَيِّنَةٌ لَمْ أُدِنْهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ دَيَّنْتُهُ، وَقَالَ: وَقِيلَ: إنَّمَا مَعْنَى هَذَا إذَا جَاءَ مُسْتَفْتِيًا بِلَا مُخَاصَمَةٍ، وَلَا مُرَافَعَةٍ، وَأَمَّا إذَا جَاءَتْ الْمُرَافَعَةُ فَسَوَاءٌ كَانَ عَلَى أَصْلِ يَمِينِهِ بَيِّنَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ وَالْإِقْرَارُ كَالْبَيِّنَةِ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ حَلِيمَةُ طَالِقٌ وَلَهُ زَوْجَةٌ وَجَارِيَةٌ يُسَمِّيَانِ بِذَلِكَ، وَقَالَ نَوَيْت جَارِيَتِي فَلَهُ نِيَّتُهُ فِي الْفُتْيَا، وَأَمَّا فِي الْقَضَاءِ، فَإِنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَوْ حَلِفَ بِهِ عَلَى وَثِيقَةِ حَقٍّ، فَلَا تَنْفَعُهُ نِيَّتُهُ وَأَكْثَرُ هَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ الْمَوَّازِ، انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ.
ص (إلَّا لِمُرَافَعَةٍ أَوْ بَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ فِي طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ فَقَطْ)
ش: هَذَا مُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ: إنْ خَالَفَتْ ظَاهِرَ لَفْظِهِ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ النِّيَّةَ الْمُخَالِفَةَ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ الْقَرِيبَةِ مِنْ التَّسَاوِي لَا تُفِيدُ إلَّا إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ بِغَيْرِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ الْمُعَيَّنِ أَوْ بِهِمَا وَجَاءَ مُسْتَفْتِيًا، وَأَمَّا إنْ حَصَلَ مُرَافَعَةٌ مَعَ بَيِّنَةٍ أَوْ مَعَ إقْرَارٍ، فَلَا تُفِيدُ قَالُوا: وَفِي قَوْلِهِ: وَبَيِّنَةٌ بِمَعْنَى مَعَ.
ص (وَاسْتُحْلِفَ مُطْلَقًا فِي وَثِيقَةِ حَقٍّ)
ش: هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى مَا اسْتَثْنَاهُ يَعْنِي: وَكَذَلِكَ لَا تَنْفَعُهُ نِيَّتُهُ إذَا كَانَ مُسْتَحْلَفًا فِي وَثِيقَةِ حَقٍّ وَسَوَاءٌ كَانَ الْحَلِفُ بِاَللَّهِ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَهَذَا مُرَادُهُ بِالْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ لَهُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: مِثَالُ الْيَمِينِ الَّذِي عَلَى وَثِيقَةِ حَقٍّ كَمَا لَوْ اُسْتُحْلِفَ مَنْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ وَأَنْكَرَهَا وَحَلَفَ مَا لَهُ عِنْدِي وَدِيعَةٌ وَنَوَى حَاضِرَةً مَعَهُ، وَكَمَا لَوْ عَقَدَ النِّكَاحَ عَلَى أَنَّهُ إنْ تَسَرَّى عَلَى زَوْجَتِهِ فَعَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِثُلُثِ مَالِهِ، ثُمَّ تَسَرَّى عَلَيْهَا حَبَشِيَّةً، وَقَالَ نَوَيْت مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْحَبَشِ، فَلَا تُفِيدُهُ تِلْكَ النِّيَّةُ، وَنَحْوُهُ الْبَيْعُ وَالْإِجَارَةُ وَسَائِرُ الْعُقُودِ، وَكَذَا مَنْ لَهُ دَيْنٌ عَلَى غَرِيمٍ فَطَالَبَهُ فَطَلَبَ الْغَرِيمُ التَّأْخِيرَ وَحَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ إلَى أَجَلٍ فَالْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الطَّالِبِ لَا عَلَى نِيَّةِ الْغَرِيمِ، وَحَكَى صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ وَابْنُ زَرْقُونٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ لَا تَنْفَعُ إذَا اُقْتُطِعَ بِهَا حَقُّ الْغَيْرِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ قَالُوا: وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ، وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ، وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» انْتَهَى بِاخْتِصَارِ بَعْضِهِ بِاللَّفْظِ وَبَعْضُهُ بِالْمَعْنَى، وَمَا حَكَاهُ عَنْ ابْنِ زَرْقُونٍ مِنْ الْإِجْمَاعِ خِلَافَ مَا حَكَاهُ الشَّيْخُ بَهْرَامُ فِي الْوَسَطِ عَنْهُ فَإِنَّهُ حَكَى عَنْهُ قَوْلَيْنِ فَتَأَمَّلْهُ وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: وَثِيقَةُ حَقٍّ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ وَثِيقَةَ حَقٍّ تَنْفَعُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ إنْ كَانَ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ، وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ اللَّهِ فَثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ نَقَلَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: (الْأَوَّلُ) أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى نِيَّةِ الْمَحْلُوفِ لَهُ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَسَحْنُونٌ وَأَصْبَغُ وَعِيسَى.
(وَالثَّانِي) أَنَّهَا عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(وَالثَّالِثُ) التَّفْصِيلُ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٍ إنْ كَانَ مُسْتَحْلَفًا فَعَلَى نِيَّةِ الْمَحْلُوفِ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مُتَطَوِّعًا، فَعَلَى
[ ٣ / ٢٨٣ ]
نِيَّةِ الْحَالِفِ، انْتَهَى.
(قُلْت) ذُكِرَ فِي الْبَيَانِ فِي رَسْمِ الرُّهُونِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ النُّذُورِ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهَا عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ إذَا كَانَ مُتَطَوِّعًا بِهَا لِمَالِكٍ، وَقَالَ إنَّ عَلَيْهِ الْأَكْثَرَ، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ مُيَسَّرٍ أَنَّهُ رَجَّحَهُ، وَقَالَ أَنَّهُ الْأَجْوَدُ وَانْظُرْ الْمَسْأَلَةَ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ أَشْهَبَ فِي الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ، وَفِي رَسْمِ شَكٍّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ النُّذُورِ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهَا عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ بِاَللَّهِ أَوْ بِغَيْرِ اللَّهِ إذَا لَمْ تَكُنْ فِي وَثِيقَةِ حَقٍّ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ كَانَ حَقُّ الْمُصَنِّفِ أَنْ يُقَدِّمَ هَذَا الْفَرْعَ عَلَى قَوْلِهِ: وَخَصَّصَتْ؛ لِأَنَّهُ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا تُخَصِّصُ وَتُقَيِّدُ وَتُقْبَلُ فِي الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا، وَلَا تُقْبَلُ الْيَمِينُ إذَا كَانَتْ عَلَى نِيَّتِهِ كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
. ص (لَا إرَادَةِ مَيِّتَةٍ وَكَذَبَ فِي طَالِقٍ وَحُرَّةٍ أَوْ حَرَامٍ، وَإِنْ بِفَتْوَى) ش هَذَا هُوَ الْوَجْهُ الرَّابِعُ، وَهُوَ أَنْ تُخَالِفَ النِّيَّةُ ظَاهِرَ اللَّفْظِ وَتُوَافِقَ
[ ٣ / ٢٨٤ ]
الِاحْتِمَالَ الْمَرْجُوحَ الْبَعِيدَ مِنْ التَّسَاوِي، فَلَا تَنْفَعُهُ نِيَّتُهُ لَا فِي الْقَضَاءِ، وَلَا فِي الْفُتْيَا مِثَالُهُ أَنْ يَقُولَ: امْرَأَتِي طَالِقٌ أَوْ جَارِيَتِي حُرَّةٌ، وَقَالَ: أَرَدْت زَوْجَتِي الَّتِي مَاتَتْ أَوْ أَمَتِي الَّتِي مَاتَتْ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُرِيدَ الْإِنْشَاءَ أَوْ الْخَبَرَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَصِحُّ إرَادَتُهُ فِي الْمَيِّتَةِ، أَمَّا الْإِنْشَاءُ فَلِأَنَّهُ يَسْتَدْعِي وُجُودَ مَحِلٍّ يَلْزَمُ فِيهِ الطَّلَاقُ وَالْحُرِّيَّةُ وَاَلَّتِي مَاتَتْ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ مَحِلًّا لِلطَّلَاقِ، وَلَا لِلْحُرِّيَّةِ، وَأَمَّا الْإِخْبَارُ فَلِأَنَّهُ إخْبَارٌ بِمَا لَا يُفِيدُ فَوَجَبَ صَرْفُهُ لِمَنْ هِيَ تَحْتَهُ الْآنَ أَوْ لِمَنْ هِيَ فِي مِلْكِهِ الْآنَ، انْتَهَى بِالْمَعْنَى. وَكَذَلِكَ لَا يُصَدَّقُ فِي إرَادَةِ الْكَذِبِ فِيمَا إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ حَرَامٌ، وَقَالَ أَرَدْت الْكَذِبَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ ظَاهِرٌ فِي الْإِنْشَاءِ بَيْنَ الظُّهُورِ، وَلَا يَحْتَمِلُ الْخَبَرَ إلَّا عَلَى بُعْدٍ، وَإِنْ كَانَتْ صِيغَةُ الْخَبَرِ وَالْإِنْشَاءِ فِي هَذَا سَوَاءً؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ فِي الزَّوْجَةِ إنَّمَا هُوَ الْإِنْشَاءُ لَمَّا كَانَ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ مِنْ عَوَارِضِ الْخَبَرِ وَجَبَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ أَنَّهُ أَرَادَ الْكَذِبَ وَيُحْمَلَ عَلَى الْإِنْشَاءِ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي طَالِقٍ وَحُرَّةٍ رَاجِعٌ إلَى مَسْأَلَةِ الْمَيِّتَةِ وَقَوْلُهُ: أَوْ حَرَامٌ رَاجِعٌ إلَى مَسْأَلَةِ دَعْوَى الْكَذِبِ، وَمَا قَالَهُ فِي هَذَا الْوَجْهِ نَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا فِي كِتَابِ التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ، وَلَوْ حَلَفَ لِلسُّلْطَانِ طَائِعًا بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ فِي أَمْرٍ كَذِبٍ، فَقَالَ: نَوَيْت امْرَأَتِي الْمَيِّتَةَ، فَلَا يَنْوِي فِي قَضَاءٍ وَلَا فُتْيَا؛ لِأَنَّهُ قَالَ: امْرَأَتِي وَتَطْلُقُ امْرَأَتُهُ، وَفِيهِ أَيْضًا، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ حَرَامٌ، ثُمَّ قَالَ: لَمْ أُرِدْ بِذَلِكَ الطَّلَاقَ وَإِنَّمَا أَرَدْت الْكَذِبَ فَالتَّحْرِيمُ يَلْزَمُهُ، وَلَا يَنْوِي، وَفِي كِتَابِ الْعِتْقِ مِنْهَا، وَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ، أَوْ امْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَقَالَ نَوَيْت بِذَلِكَ الْكَذِبَ لَزِمَهُ الْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ وَلَا يَنْوِي قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّا يُشْبِهُ هَذَا فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ نِيَّةً فَانْظُرْ أَوَّلَ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ فِي مَسْأَلَةِ قَوْلِهِ: أَنْتِ حَرَامٌ فَإِنَّ فِيهِ مَا يُشْبِهُهَا، وَذَكَرَ أَنَّهُ يَنْوِي فِيهَا فَتَأَمَّلْهُ، وَمَا ذَكَرْتُهُ فِي حَلِّ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَحَمْلِ قَوْلِهِ: نَافَتْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ عِبَارَتِهِ فِي هَذَا الْمَحِلِّ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ غَازِيٍّ وَقَالَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا مِنْ التَّكَلُّفِ إلَّا اسْتِعْمَالُ الْمُنَافَاةِ الَّتِي هِيَ الْمُضَادَّةُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى لَكَانَ كَافِيًا فِي قُبْحِهِ وَحَمْلِ الْكَلَامِ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ.
(قُلْت) أَمَّا اسْتِعْمَالُ الْمُنَافَاةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى، فَلَا قُبْحَ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاسْتِعْمَالُهُ فِي عِبَارَةِ الْقَرَافِيِّ وَابْنِ رَاشِدٍ وَغَيْرِهِمَا فِي هَذَا الْمَحِلِّ، نَعَمْ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ - ﵀ - يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ يَأْتِي فِي الْمُقَيِّدَةِ وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ فِيهَا، بَلْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُقَيِّدَةِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهَا هَذَا التَّفْصِيلُ، بَلْ يُقَالُ: هُوَ عَائِدٌ عَلَى الْمُخَصِّصَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَمَا حَمَلْنَا عَلَيْهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ هُوَ أَوْضَحُ مِمَّا حَمَلَهُ عَلَيْهِ ابْنُ غَازِيٍّ وَبَقِيَ هُنَا احْتِمَالٌ آخَرَ وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفُ - ﵀ - أَرَادَهُ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: إنْ نَافَتْ عَائِدًا إلَى قَوْلِهِ: خَصَّصَتْ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَوْلُهُ: سَاوَتْ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ: وَقَيَّدَتْ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَتُتَصَوَّرُ الْمُسَاوَاةُ فِي تَقْيِيدِ
[ ٣ / ٢٨٥ ]
الْمُطْلَقِ وَتَعْيِينِ أَحَدِ مَحَامِلِ الْمُشْتَرَكِ ابْنُ رَاشِدٍ مِثَالُ الْأَوَّلِ أَنْ يَقُولَ: أَحَدُ عَبِيدِي حُرٌّ وَيَقُولَ: أَرَدْت فُلَانًا. وَمِثَالُ الثَّانِي أَنْ يَقُولَ: عَائِشَةُ طَالِقٌ وَلَهُ زَوْجَتَانِ اسْمُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَائِشَةُ، انْتَهَى. وَلَيْسَ مِنْهُ أَيْ مِنْ الْمُسَاوَاةِ مَا إذَا قَالَ: حِكْمَةُ طَالِقٌ وَلَهُ زَوْجَةٌ وَأَمَةٌ اسْمُ كُلٍّ مِنْهُمَا حِكْمَةُ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا خَالَفَ فِيهِ اللَّفْظُ ظَاهِرَ النِّيَّةِ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ فِي الْقَضَاءِ، وَإِنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَوْ أَقَرَّ، كَذَا قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَجَعَلَهُ الشَّيْخُ بَهْرَامُ فِي شُرُوحِهِ الثَّلَاثَةِ، وَفِي شَامِلِهِ مِنْ فُرُوعِ الْمُسَاوَاةِ بِهَذَا الْمَعْنَى الثَّانِي، وَقَالَ: إنَّهَا مَقْبُولَةٌ فِي الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ إنَّمَا تُقْبَلُ نِيَّتُهُ فِي الْفُتْيَا لَا فِي الْقَضَاءِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلْنَرْجِعْ إلَى بَقِيَّةِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَظَهَرَ مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَخَصَّصَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ وَقَيَّدَتْ إنْ نَافَتْ وَسَاوَتْ أَيْ، فَإِذَا كَانَتْ مُخَصِّصَةً وَمُقَيِّدَةً قُبِلَتْ فِي الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا وَهَذَا مَفْهُومٌ مِنْ إطْلَاقِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَتَى بِقَوْلِهِ: كَكَوْنِهَا مَعَهُ لِيُفِيدَ أَنَّ التَّخْصِيصَ إنَّمَا هُوَ إذَا تَسَاوَى الِاحْتِمَالَانِ كَمَا نَبَّهَ بِقَوْلِهِ: لَا إرَادَةِ مَيِّتَةٍ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ الْبَعِيدِ جِدًّا، وَبَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مِنْهَا مَا يُقْبَلُ فِي الْفُتْيَا دُونَ الْقَضَاءِ، وَهُوَ مَا خَالَفَتْ النِّيَّةُ فِيهَا ظَاهِرَ اللَّفْظِ، وَمِنْهَا مَا يُقْبَلُ فِي الْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ وَهُوَ مَا إذَا تَسَاوَيَا، وَمِنْهَا مَا لَا يُقْبَلُ فِي الْفُتْيَا وَلَا فِي الْقَضَاءِ، وَهُوَ مَا إذَا قَالَ: امْرَأَتِي طَالِقٌ وَأَمَتِي حُرَّةٌ وَيُرِيدُ الْمَيِّتَةَ، انْتَهَى.
[مَسْأَلَةٌ فِيمَنْ سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ عَلِيَّ فِيهِ يَمِينٌ وَهُوَ كَاذِبٌ]
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ مِنْ النَّوَادِرِ: وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ: عَلَيَّ فِيهِ يَمِينٌ، وَهُوَ كَاذِبٌ وَإِنَّمَا هُوَ اعْتِذَارٌ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَإِنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ قَالَ عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ، وَإِذَا جَاءَ مُسْتَفْتِيًا، وَلَا بَيِّنَةَ عَلَيْهِ دِينَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْفُتْيَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ وَلَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَشْهَدَ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ أَيْ إنَّمَا أَقُولُ ذَلِكَ مُعْتَذِرًا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَمَنْ وَجَدَ امْرَأَتَهُ قَدْ خَرَجَتْ، فَقَالَ لَهَا لَمْ خَرَجْت، وَقَدْ كُنْتُ حَلَفْت بِطَلَاقِكِ إنْ خَرَجْت، ثُمَّ قَالَ مَا حَلَفْت وَمَا قُلْت مَا قُلْت إلَّا تَغْلِيظًا عَلَيْهَا قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْفُتْيَا، وَأَمَّا فِي الْحُكْمِ فَيَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ، انْتَهَى. وَفِي رَسْمِ سِلْعَةٍ سَمَّاهَا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ النُّذُورِ، وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُسْأَلُ عَنْ الْأَمْرِ فَيَقُولُ: فَفِيهِ عَلَيَّ صَدَقَةٌ أَوْ مَشْيٌ، وَهُوَ كَاذِبٌ إنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ يَمْنَعَهُ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ يَعْنِي إذَا قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هُوَ كَمَا قَالَ إنَّ مَا لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهِ فَهُوَ مَوْكُولٌ إلَى أَمَانَتِهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ، انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ لَهُ مَاءً لِمَنْ امْتَنَّ عَلَيْهِ بِمَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ]
ثُمَّ لَمَّا فَرَغَ - ﵀ - مِنْ الْمُقْتَضَى الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ النِّيَّةُ تَكَلَّمَ عَلَى الْمُقْتَضَى الثَّانِي الَّذِي هُوَ الْبِسَاطُ فَقَالَ:
ص (ثُمَّ بِسَاطُ يَمِينِهِ)
ش: يَعْنِي: فَإِنْ فُقِدَتْ النِّيَّةُ وَلَمْ يَضْبِطْهَا الْحَالِفُ وَكَانَتْ الْيَمِينُ مِمَّا يَنْوِي فِيهَا فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ إلَى الْبِسَاطِ، وَهُوَ السَّبَبُ الْحَامِلُ عَلَى الْيَمِينِ وَلَيْسَ بِانْتِقَالٍ عَنْ النِّيَّةِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ لَمَّا كَانَ مَظِنَّةَ النِّيَّةِ عَدَلَ إلَيْهِ تَحْوِيمًا عَلَى النِّيَّةِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَالْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ تَقْدِيمُ الْبِسَاطِ عَلَى غَيْرِهِ.
(فَرْعٌ) وَلِأَجْلِ تَقْدِيمِ الْبِسَاطِ قُلْنَا فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ لَهُ مَاءً لِمَنْ امْتَنَّ عَلَيْهِ بِمَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ أَنَّهُ يَحْنَثُ، وَلَوْ بِخَيْطٍ يَخِيطُ بِهِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ فِي الْكِتَابِ لَوْ مَنَّ عَلَيْهِ بِهِبَةِ شَاةٍ فَحَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَبَنَهَا وَلَا لَحْمَهَا حَنِثَ بِمَا اشْتَرَى مِنْ ثَمَنِهَا أَكْلًا أَوْ لِبَاسًا بِخِلَافِ غَيْرِ ثَمَنِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى أَنْ لَا يَنْتَفِعَ مِنْهُ بِشَيْءٍ، انْتَهَى.
ثُمَّ لَمَّا فَرَغَ مِنْ الثَّانِي تَكَلَّمَ عَلَى الثَّالِثِ الَّذِي هُوَ الْعُرْفُ الْقَوْلِيُّ فَقَالَ:
ص
[ ٣ / ٢٨٦ ]
(ثُمَّ عُرْفٌ قَوْلِيٌّ)
ش: وَعَطَفَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ بِثُمَّ لِيُفِيدَ أَنَّهَا عَلَى التَّرْتِيبِ وَمَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا فُقِدَتْ النِّيَّةُ وَالْبِسَاطُ تَوَصَّلَ إلَى مُرَادِ الْحَالِفِ مِنْ لَفْظِهِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْعُرْفِ الْقَوْلِيِّ أَوَّلًا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لِأَنَّهُ غَالِبُ قَصْدِ الْحَالِفِ، وَلِأَنَّ كُلَّ مُتَكَلِّمٍ بِلُغَةٍ يَجِبُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي يَسْتَعْمِلُ أَهْلُ تِلْكَ اللُّغَةِ فِيهِ ذَلِكَ اللَّفْظَ وَقَوْلُهُ قَوْلِيٌّ احْتِرَازًا مِنْ الْفِعْلِيِّ تَبَعًا مِنْهُ - ﵀ - لِلْقَرَافِيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَعْتَبِرْ الْفِعْلِيَّ. قَالَ الْقَرَافِيُّ الْعُرْفُ قِسْمَانِ فِعْلِيٌّ وَقَوْلِيٌّ، وَالْقَوْلِيُّ قِسْمَانِ فِي الْمُفْرَدَاتِ وَالْمُرَكَّبَاتِ، وَعُرْفُ الْمُفْرَدَاتِ قِسْمَانِ فِي بَعْضِ أَفْرَادِ الْحَقِيقَةِ وَأَجْنَبِيٌّ مِنْهَا، فَالْفِعْلِيُّ هُوَ غَلَبَةُ مُلَابَسَةِ بَعْضِ أَنْوَاعِ مُسَمَّى اللَّفْظِ، وَهُوَ غَيْرُ مُقَدَّمٍ عَلَى اللُّغَةِ، وَلَا مُعَارِضٍ لِلْوَضْعِ، انْتَهَى. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: مِثَالُ الْفِعْلِيِّ أَنْ يَحْلِفَ لَا آكُلُ خُبْزًا وَعَادَتُهُ أَكْلُ خُبْزِ الْبُرِّ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِخُبْزٍ لِشَعِيرٍ وَالذُّرَةِ وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْهُ أَبَدًا، انْتَهَى. ثُمَّ قَالَ الْقَرَافِيُّ وَالْقَوْلِيُّ فِي بَعْضِ أَفْرَادِ الْحَقِيقَةِ كَلَفْظِ الدَّابَّةِ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْحِمَارِ، انْتَهَى. هَذَا بِمِصْرَ وَبِالْعِرَاقِ فِي الْفُرْسِ، وَفِي قَفِصَةِ الْأُنْثَى مِنْ الْحَمِيرِ قَالَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ. قَالَ الْقَرَافِيُّ وَالْأَجْنَبِيُّ مِنْ الْحَقِيقَةِ نَحْوُ لَفْظِ الْغَائِطِ فَإِنَّهُ الْمَكَانُ الْمُطْمَئِنُّ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْفَضْلَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ الْإِنْسَانِ، وَهِيَ لَيْسَتْ بَعْضَ الْمَوَاضِعِ الْمُطَمْئِنَةِ، وَعُرْفُ الْمُرَكَّبَاتِ كَغَلَبَةِ اسْتِعْمَالِ مُرَكَّبٍ مَخْصُوصٍ وَمَعْنَى مَخْصُوصٍ فِي سِيَاقٍ مَخْصُوصٍ حَتَّى يَصِيرَ أَشْهُرُ فِيهِ مِمَّا لَا يَقْتَضِيهِ لُغَةً، كَقَوْلِ الْقَائِلِ لِغَرِيمِهِ: لَأَقْضِيَنَّكَ حَقَّكَ فِي رَأْسِ الشَّهْرِ فِي قَصْدِ عَدَمِ التَّأْخِيرِ عَنْ هَذِهِ الْغَايَةِ دُونَ التَّأْخِيرِ إلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الْقَسَمُ غَيْرُ بِسَاطِ الْيَمِينِ، فَإِنَّ الْبِسَاطَ حَالَةٌ تَتَقَدَّمُ الْحَلِفَ، وَهَذَا الْعُرْفُ يُفْهَمُ مِنْ نَفْسِ اللَّفْظِ الْمُرَكَّبِ مَعَ الْجَهْلِ بِالْحَالَةِ كَيْفَ كَانَتْ فَالْعُرْفُ الْقَوْلِيُّ كُلُّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى اللُّغَةِ؛ لِأَنَّهُ غَلَبَةُ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ الْمُسَمَّى اللُّغَوِيِّ فَهُوَ نَاسِخٌ لِلُّغَةِ وَالنَّاسِخُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَنْسُوخِ، بِخِلَافِ الْفِعْلِيِّ لَيْسَ مُعَارِضًا لِلُّغَةِ، انْتَهَى. وَسَتَأْتِي فُرُوعٌ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ أَمْثِلَةً.
ثُمَّ لَمَّا فَرَغَ مِنْهُ أَشَارَ إلَى الرَّابِعِ.
ص (ثُمَّ مَقْصِدٌ لُغَوِيٌّ)
ش: يَعْنِي إنْ فُقِدَتْ النِّيَّةُ وَالْبِسَاطُ وَالْعُرْفُ الْقَوْلِيُّ حُمِلَ اللَّفْظُ عَلَى مُقْتَضَاهُ لُغَةً. قَالَ الْقَرَافِيُّ قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ وَهَذَا فِي الْمَظْنُونِ، وَأَمَّا الْمَعْلُومُ مِثْلُ قَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَأُرِيَنَّهُ النُّجُومَ فِي النَّهَارِ، فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يُحَمَّلُ عَلَى مَا عَلِمَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ الْمُبَالَغَةِ دُونَ الْحَقِيقَةِ، انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ لَمَّا فَرَغَ مِنْ الرَّابِعِ أَشَارَ إلَى الْخَامِسِ بِقَوْلِهِ:
ص (ثُمَّ شَرْعِيٌّ)
ش: يَعْنِي إذَا فُقِدَتْ الْأَرْبَعَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ حُمِلَ اللَّفْظُ عَلَى مُقْتَضَاهُ فِي الشَّرْعِ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ الْمُتَكَلِّمُ صَاحِبَ الشَّرْعِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْحَلِفُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الشَّرْعِيَّاتِ مِثْلُ أَنْ تَقُولَ: وَاَللَّهِ لَأُصَلِّيَنَّ أَوْ لَا أُصَلِّي فَهَذَا يُحْمَلُ عَلَى الصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ الْعُرْفِيَّ يَتَنَاوَلُهَا أَيْضًا، وَلَوْ حَلَفَ لَيَتَوَضَّأَنَّ فَالْعُرْفُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي تُسْتَبَاحُ بِهِ الصَّلَاةُ وَالْوُضُوءُ اللُّغَوِيُّ قَدْ يُطَلَّقُ عَلَى غَسْلِ الْيَدَيْنِ فَقَطْ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ: قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ رَجُلَ بَنِي فُلَانٍ يَحْنَثُ إذَا كَلَّمَ صِبْيَانَهُمْ، انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَحَنِثَ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَلَا بِسَاطٌ بِفَوْتِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ
[ ٣ / ٢٨٧ ]
وَلَوْ لِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ أَوْ سَرِقَةٍ لَا بِ كَمَوْتِ حَمَامٍ فِي لَيَذْبَحَنَّهُ)
ش: لَمَّا ذَكَرَ - ﵀ - مُقْتَضَيَاتِ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ مِنْ النِّيَّةِ وَمَا بَعْدَهَا أَخَذَ يَذْكُرُ فُرُوعًا تَنْبَنِي عَلَى تِلْكَ الْأُصُولِ، وَهِيَ فِي نَفْسِهَا أَيْضًا أُصُولٌ، فَمِنْ ذَلِكَ إذَا تَعَذَّرَ الْفِعْلُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ، وَقَاعِدَةُ الْمُصَنِّفِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ إذَا قَالَ وَبِكَذَا فَيُشِيرُ إلَى مَا يَقَعُ فِيهِ الْحِنْثُ، وَإِذَا قَالَ لَا كَذَا فَيُشِيرُ إلَى مَا لَا يَحْنَثُ فِيهِ إلَّا أَنَّهُ - ﵀ - أَجْمَلَ فِي كَلَامِهِ بَعْضَ الْإِجْمَالِ لِأَجْلِ الِاخْتِصَارِ، وَالْمَسْأَلَةُ فِيهَا تَفْصِيلٌ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ اعْلَمْ أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ شَيْئًا فَتَعَذَّرَ فِعْلُهُ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مُؤَقَّتًا أَمْ لَا ابْنُ بَشِيرٍ، فَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ بِأَجَلٍ، فَإِنْ كَانَ فَرَّطَ حَتَّى تَعَذَّرَ الْفِعْلُ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ حَانِثٌ، فَإِنْ بَادَرَ فَلَمْ يُمْكِنْهُ الْفِعْلُ فَكَمَا لَوْ كَانَ مُؤَقَّتًا، انْتَهَى. وَالْمُؤَقَّتُ يَنْقَسِمُ تَعَذُّرُهُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ عَقْلًا أَوْ شَرْعًا أَوْ عَادَةً، فَالْعَقْلِيُّ كَتَعَذُّرِ ذَبْحِ الْحَمَامِ الْمَحْلُوفِ بِذَبْحِهَا لِمَوْتِهَا، إذْ الذَّبْحُ فِي الْمَيِّتِ مُتَعَذِّرٌ، فَلَا خِلَافَ مَنْصُوصٌ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَخَرَّجَ اللَّخْمِيُّ قَوْلًا بِالْحِنْثِ مِنْ التَّعَذُّرِ شَرْعًا، وَأَمَّا الْعَادِيُّ فَكَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَذْبَحَنَّ الْحَمَامَاتِ غَدًا فَعَطِبَتْ أَوْ سُرِقَتْ أَوْ اُسْتُحِقَّتْ فَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ قَوْلَيْنِ وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ الْحِنْثُ، وَأَمَّا الشَّرْعِيُّ فَكَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَطَأَنَّهَا اللَّيْلَةَ فَوَجَدَهَا حَائِضًا أَوْ لَيَبِيعَنَّ الْأَمَةَ فَوَجَدَهَا حَامِلًا، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ قَوْلَيْنِ وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ الْحِنْثُ، وَنَصَّ سَحْنُونٌ فِي مَسْأَلَةِ الْبُيُوعِ عَلَى عَدَمِ الْحِنْثِ، وَوَقَعَ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ دِينَارٍ فِيمَنْ حَلَفَ لَيَطَأَنَّ امْرَأَتَهُ اللَّيْلَةَ فَقَامَ فَوَجَدَهَا حَائِضًا إنْ فَرَّطَ قَدْرَ مَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ حَنِثَ وَإِلَّا فَلَا.
وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ يُونُسَ، وَإِنَّمَا فَرَّقَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَيْنَ
[ ٣ / ٢٨٨ ]
الْمَوْتِ وَالسَّرِقَةِ وَالْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ فِي الْمَيِّتِ لَا يُمْكِنُهُ أَلْبَتَّةَ، بِخِلَافِ السَّرِقَةِ وَالْبَيْعِ فَإِنَّ الْفِعْلَ يُمْكِنُهُ إذَا أُمْكِنَ مِنْ ذَلِكَ، وَمَنْعُ الشَّرْعِ مِنْهُ أَوْ الْعَادَةِ لَا يَمْنَعُ بَعْضَ الْحَالِفِينَ مِنْ قَصْدِهِ، فَلَا يُعْذَرُ بِفِعْلِ السَّارِقِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْحَالِفَ لَيَفْعَلَنَّ لَا يُعْذَرُ بِالْإِكْرَاهِ وَالْغَلَبَةِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ ذَلِكَ ابْنُ بَشِيرٍ وَهَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ إذَا أَطْلَقَ الْيَمِينَ، وَأَمَّا لَوْ خَصَّ وَقَالَ: قَدَرْت عَلَى الْفِعْلِ أَمْ لَا، فَلَا يُخْتَلَفُ فِي حِنْثِهِ، وَلَوْ قَالَ: إنْ أَمْكَنَنِي فَلَمْ أَفْعَلْ، فَلَا يُخْتَلَفُ فِي نَفْيِ حِنْثِهِ. فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَحَنِثَ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَلَا بِسَاطٌ يُشِيرُ بِهِ إلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ بَشِيرٍ يَعْنِي، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ أَوْ بِسَاطٌ فَلَا حِنْثَ، وَأَمَّا إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، وَلَا بِسَاطٌ حَنِثَ بِفَوْتِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ الْمَانِعُ مِنْ الْفِعْلِ أَمْرًا شَرْعِيًّا كَالْحَيْضِ الْمَانِعِ مِنْ وَطْءِ الزَّوْجَةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهَا، أَوْ كَانَ الْمَانِعُ أَمْرًا عَادِيًّا كَسَرِقَةِ الشَّيْءِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْفِعْلُ مُؤَقَّتًا أَوْ غَيْرَ مُؤَقَّتٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَأَشَارَ بِلَوْ إلَى الْخِلَافِ، وَذَكَرَ فِي الْإِرْشَادِ أَنَّ الْفَوْتَ يَكُونُ بِفَوْتِ الزَّمَانِ وَنَصُّهُ: وَيَتَحَقَّقُ الْحِنْثُ بِفَوْتِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: لَأَدْخُلَنَّ الْيَوْمَ فَغَرَبَتْ الشَّمْسُ وَلَمْ يَدْخُلْ، انْتَهَى. ثُمَّ أَشَارَ إلَى مَا إذَا كَانَ الْمَانِعُ مِنْ فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ أَمْرًا عَقْلِيًّا بِقَوْلِهِ: لَا بِكَمَوْتِ حَمَامٍ فِي لَيَذْبَحَنَّهُ هَذَا إذَا كَانَ الْفِعْلُ مُؤَقَّتًا أَوْ غَيْرَ مُؤَقَّتٍ وَبَادَرَ وَلَمْ يُفَرِّطْ، وَأَمَّا إنْ كَانَ غَيْرَ مُؤَقَّتٍ وَفَرَّطَ فَإِنَّهُ حَانِثٌ كَمَا تَقَدَّمَ فَيَحْتَاجُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ إلَى تَقْيِيدِهِ بِإِخْرَاجِ هَذِهِ الصُّورَةِ، وَانْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ وَانْظُرْ رَسْمَ الْعَرِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ النُّذُورِ، وَفِي مَسْأَلَةِ مَنْ حَلَفَ عَلَى ابْنَتِهِ لَا تَضَعُ صَدَاقَهَا، وَانْظُرْ رَسْمَ أَوْصَى مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ فِيمَنْ حَلَفَ لَيُقَتِّرُ عَلَى امْرَأَتِهِ اللَّيْلَةَ، وَرَسْمَ أَوْصَى مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ، وَانْظُرْ رَسْمَ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ فِيمَنْ حَلَفَ لِرَبِيبَتِهِ وَرَسْمَ الْجَنَائِزِ وَالذَّبَائِحِ مِنْ سَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ مِنْ النُّذُورِ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْحَالِفَةِ لِزَوْجِ ابْنَتِهَا، وَانْظُرْ رَسْمَ الطَّلَاقِ مِنْ سَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ مِنْ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ فِي الْحَالِفِ لَيَطَأَنَّ امْرَأَتَهُ اللَّيْلَةَ، وَرَسْمَ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ مِنْهُ فِي الْحَالِفِ لِرَجُلٍ لَأُخَاصِمَنَّكَ عِنْدَ فُلَانٍ فَيَمُوتُ.
(فَرْعٌ) إذَا حَلَفَ بِعِتْقِ عَبْدِهِ فَبَاعَهُ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ فِي دَيْنٍ، فَمَتَى عَادَ إلَيْهِ عَادَتْ الْيَمِينُ إلَّا أَنْ يَعُودَ إلَيْهِ بِمِيرَاثٍ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَهُ الْقَرَافِيُّ، وَذَكَرَ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا فَانْظُرْهُ وَانْظُرْ الْقَاعِدَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ قَوَاعِدِ الْأَيْمَانِ مِنْ مُخْتَصَرِ الْقَوَاعِدِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
[مَسْأَلَةٌ الْحَالِفُ ليفعلن فِعْلًا هُوَ عَلَى حِنْثٍ حَتَّى يَفْعَلَهُ]
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْحَالِفُ لَيَفْعَلَنَّ فِعْلًا هُوَ عَلَى حِنْثٍ حَتَّى يَفْعَلَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ حَتَّى مَاتَ وَقَعَ عَلَيْهِ الْحِنْثُ بَعْدَ الْمَوْتِ بِالطَّلَاقِ أَوْ بِالْعِتْقِ فَوَجَبَ أَنْ تَرِثَهُ الْمَرْأَةُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا يَصِحُّ وَأَنْ يَعْتِقَ الْغُلَامُ فِي الثُّلُثِ عَلَى حُكْمِ الْعِتْقِ بَعْدَ الْمَوْتِ، انْتَهَى مِنْ رَسْمِ الْعُرْيَةِ مِنْ سَمَاع عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ. وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ الْمَسْأَلَةَ فِي آخِرِ كِتَابِ الطَّلَاقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ إذَا حَلَفَ ليشترين دَارَ زَيْدٍ]
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ إذَا حَلَفَ لَيَشْتَرِيَنَّ دَارَ زَيْدٍ فَلْيَشْتَرِهَا بِثَمَنِ مِثْلِهَا فِي الْوَقْتِ، فَإِنْ طَلَبُوا مِنْهُ ثَمَنًا فَاحِشًا، فَلَا تَلْزَمُهُ يَمِينٌ، وَإِنْ حَلَفَ إنْ وَجَدَ مَنْ يَشْتَرِي دَارِهِ لَيَبِيعَهَا فَأَعْطَى فِيهَا رَجُلٌ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا إنْ لَمْ تُبَعْ بِمَا أَعْطَى وَإِلَّا حَنِثَ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ تَقَدَّمَ لِلتُّونُسِيِّ خِلَافُهُ وَأَنَّهُ لَا يَبِيعُهَا حَتَّى تَبْلُغَ الْقِيمَةَ، وَلَا يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ حَتَّى يَصِلُ لِقِيمَتِهَا، وَلَا فَرْقَ فِي التَّحْقِيقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الَّتِي قَبْلَهَا، انْتَهَى. وَمِنْهُ أَيْضًا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لِزَوْجَتِهِ خُبْزًا فَأَكَلَ مَا خَبَزَتْهُ قَبْلَ الْيَمِينِ، فَإِنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِلَّا حَنِثَ، وَمِثْلُهُ مَا يَقَعُ إذَا حَلَفَ لَا يَلْبَسُ مَا غَزَلَتْهُ زَوْجَتُهُ وَأَرَادَ أَنْ يَلْبَسَ مَا كَانَتْ غَزَلَتْهُ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ نَسَجَتْهُ، انْتَهَى.
[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ فُلَانًا فِي الْمَوْسِمِ]
(مَسْأَلَةٌ) مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ فُلَانًا فِي الْمَوْسِمِ حَنِثَ إنْ كَلَّمَهُ فِي الْحَجِّ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى سُوقًا مِنْ الْأَسْوَاقِ وَأَتَى مُسْتَفْتِيًا؛ لِأَنَّ الْمَوْسِمَ قَدْ تُعَرَّفَ فِي الْحَجِّ ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الشَّجَرَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ.
[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ لَا أَدَخَلَ الدَّارَ وَلَا أَكَلَ الطَّعَامَ فِي هَذَا الْعِيدِ]
(مَسْأَلَةٌ)
[ ٣ / ٢٨٩ ]
قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَسُئِلَ السُّيُورِيُّ عَمَّنْ حَلَفَ لَا دَخَلَ الدَّارَ، وَلَا أَكَلَ الطَّعَامَ فِي هَذَا الْعِيدِ فَمَا قَدْرُ الْعِيدِ.؟ فَأَجَابَ الْعِيدُ عَلَى قَدْرِ مَا يَعْرِفُهُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ (قُلْت) أَفْتَى أَشْيَاخُنَا بِتُونُسَ أَنَّ آخِرَهُ فَتْحُ الرُّبْعِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ الْفَتْحُ الْمُعْتَادُ، وَلَا يُنْظَرُ لِتَقَدُّمِهِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ كَخُرُوجِ الْجَيْشِ، وَلَا تَأَخُّرِهِ كَحَصَادِ الزَّرْعِ، انْتَهَى.
وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ مَسْأَلَةُ مَنْ حَلَفَ لَا يُعَيِّدُ مَعَ أَهْلِهِ فَيَخْرُجُ مِنْ بَلَدِهِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ، وَلَوْ قَرُبَتْ مَسَافَتُهُ، وَلَا يَرْجِعُ إلَّا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي إنْ كَانَ عِيدُ الْفِطْرِ، وَإِنْ كَانَ عِيدُ الْأَضْحَى فَلَا يُجْزِئُ إلَّا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ الْبُرْزُلِيُّ هَذِهِ سِيرَةُ الْبِلَادِ غَيْرِ تُونُسَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ حَدَّ عِيدِ تُونُسَ فَتْحُ الرُّبْعِ لَا قَبْلَ ذَلِكَ فَيُرْجَعُ إلَى سِيرَةِ كُلِّ بَلَدٍ فِي حَقِّ الْعِيدِ عِنْدَهُمْ، انْتَهَى.
وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهَا لِلْمُتَقَدِّمِينَ، وَهِيَ فِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ وَنَصُّهَا: وَسُئِلَ أَصْبَغُ عَمَّنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا يَطَأَ امْرَأَتَهُ حَتَّى إلَى الْعِيدِ فَوَطِئَهَا لَيْلَةَ الْعِيدِ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَ الْفَجْرِ قَالَ: لَا يَطَؤُهَا حَتَّى الْعِيدِ وَبَعْدَ مَا يَنْصَرِفُ الْإِمَامُ، وَإِنْ وَطِئَهَا قَبْلَ ذَلِكَ حَنِثَ، وَالْعِيدُ عِنْدِي انْصِرَافُ الْإِمَامِ قِيلَ لَهُ فَرَجُلٌ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ كَلَامٌ فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا يَدْخُلَ بَيْتَهُ يَوْمَ الْعِيدِ.؟ قَالَ لَا يَدْخُلُ يَوْمَ الْعِيدِ، وَلَا يَوْمَيْنِ بَعْدَهُ، وَذَلِكَ فِي الْفِطْرِ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ جَوَابُهُ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى الْمَقْصِدِ الَّذِي يَرَى أَنَّهُ الْحَالِفُ أَرَادَ وَتَرَكَ الِاعْتِبَارَ بِمَا يَقْتَضِيهِ مُجَرَّدُ اللَّفْظِ، فَقَالَ فِي الَّذِي يَحْلِفُ أَنْ لَا يَطَأَ امْرَأَتَهُ حَتَّى إلَى الْعِيدِ أَنَّهُ لَا يَطَؤُهَا حَتَّى يَنْصَرِفَ النَّاسُ مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْوَقْتُ الَّذِي يَتَرَفَّهُ النَّاسُ فِيهِ بِعِيدِهِمْ وَيَسْتَرِيحُونَ فِيهِ مِنْ نَصَبِهِمْ، فَمَنْ حَمَلَ يَمِينَ الْحَالِفِ عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى مَا يَقْتَضِيهِ لَفْظُ يَمِينِهِ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ إنْ وَطِئَهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ قَالَ فِي الَّذِي يَحْلِفُ أَنْ لَا يَدْخُلَ بَيْتَهُ يَوْمَ الْعِيدِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ يَوْمَ الْعِيدِ، وَلَا يَوْمَيْنِ بَعْدَهُ فِي الْفِطْرِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ هِيَ الَّتِي جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ بِالسُّكُونِ إلَى أَهْلِهِمْ فِيهَا مِنْ أَجْلِ عِيدِهِمْ وَتَرْكِ التَّصَرُّفِ فِي وُجُوهِ مَعَاشِهِمْ فَحَمَلَ يَمِينَهُ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ مُعَاقَبَةَ أَهْلِهِ فِي أَنْ يَحْرِمَهَا مِنْ نَفْسِهِ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ فِيهِ مِنْ النَّاسِ بِمِثْلِهِ، وَهُوَ بَيِّنٌ وَعَلَى مَا يَقْتَضِيهِ لَفْظُ يَمِينِهِ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ دُخُولِ بَيْتِهِ إلَّا يَوْمَ الْفِطْرِ وَحْدَهُ، وَقَدْ حَكَى ذَلِكَ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ، انْتَهَى.
. ص (وَبِعَزْمِهِ عَلَى ضِدِّهِ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ النُّذُورِ، وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةٌ إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْكِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَلْقَةً، ثُمَّ يَرْتَجِعْهَا فَتَزُولُ يَمِينُهُ، وَلَوْ ضَرَبَ أَجَلًا كَانَ عَلَى بِرٍّ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحْنِثَ نَفْسَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَإِنَّمَا يَحْنَثُ إذَا مَضَى الْأَجَلُ وَلَمْ يَفْعَلْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْقَرَافِيُّ فِي كِفَايَةِ اللَّبِيبِ فِي كَشْفِ غَوَامِضِ التَّهْذِيبِ قَوْلُهُ: ثُمَّ أَرَادَ إلَى آخِرِهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مُشْكِلَاتِ الْمُدَوَّنَةِ وَإِنَّ الطَّلَاقَ إنَّمَا يَلْزَمُ بِعَدَمِ التَّزْوِيجِ، فَالطَّلَاقُ الْمُعَجَّلُ لَا يُحِلُّ الْيَمِينَ وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ عَزَمَ عَلَى عَدَمِ الزَّوَاجِ فَعَزْمُهُ هَذَا هُوَ حِنْثُهُ فَتَلْزَمُهُ طَلْقَةٌ لِحِنْثِهِ لَا أَنَّهُ يُنْشِئُهَا وَالْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْفِعْلِ كَتَرْكِ الْفِعْلِ، فَفِي الْجَوَاهِرِ إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْكِ فَأَنْتِ عَلِيَّ كَظَهْرِ أُمِّي يَكُونُ مُظَاهِرًا عِنْدَ الْيَأْسِ أَوْ الْعَزْمِ عَلَى تَرْكِ التَّزْوِيجِ، فَجُعِلَ لِعَزْمٍ يَقُومُ مَقَامَ تَعَذُّرِ الْفِعْلِ، فَقَوْلُ الْكِتَابِ طَلَّقَهَا أَيْ تَسَبَّبَ فِي طَلَاقِهَا بِعَزْمِهِ وَقَبْلَ الْأَجَلِ إذَا
[ ٣ / ٢٩٠ ]
ضَرَبَ أَجَلًا هُوَ عَلَى بِرٍّ، فَلَا يَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ الْعَزْمِ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْبِرِّ، وَإِذَا كَانَ عَلَى حِنْثٍ وَعَزَمَ عَلَى الْحِنْثِ قَوِيَ الْعَزْمُ بِمَا كَانَ حَاصِلًا قَبْلَهُ وَهُوَ الْحِنْثُ وَتَظَاهَرَ عَلَيْهِ فَوَقَعَ الْحُكْمُ وَهَا هُنَا تَعَارَضَا فَالْبِرُّ عَكْسُ الْحِنْثِ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ فِي مَدَارِكِ الْحِنْثِ وَالْبِرِّ: السَّادِسُ الْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْفِعْلِ، وَهُوَ عَلَى حِنْثٍ، ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ وَبِهِ يُقَيَّدُ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ يَحْنَثُ بِالْعَزْمِ عَلَى ضِدِّ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى بِرٍّ أَوْ حِنْثٍ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي الْعَزْمِ فِي الْبِرِّ مَا سَيَأْتِي فِيمَنْ حَلَفَ لَا كَلَّمَ فُلَانًا أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِالْكِتَابَةِ إلَيْهِ إذَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ الْكِتَابُ، وَكَمَا إذَا كَلَّمَ شَخْصًا يَظُنُّهُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فَتَبَيَّنَّ أَنَّهُ غَيْرُهُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَحْنَثُ بِالْعَزْمِ عَلَى ضِدِّ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فِي الْبِرِّ لَمَّا تَصَوَّرَ إخْرَاجَ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) مَا ذَكَرَهُ ابْنُ غَازِيٍّ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ إذَا كَانَتْ عَلَى بِرٍّ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِالْعَزْمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ فِي الْأُمِّ فِيمَنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَأَضْرِبَنَّ فُلَانًا وَلَمْ يُوَقِّتْ فِي ذَلِكَ أَجَلًا أَوْ وَقَّتَ فِي ذَلِكَ أَجَلًا قَالَ: إذَا لَمْ يُوَقِّتْ فَلِيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَا يَضْرِبُ فُلَانًا، وَإِنْ وَقَّتَ فِي ذَلِكَ أَجَلًا فَلَا يُكَفِّرُ حَتَّى يَمْضِيَ الْأَجَلُ؛ لِأَنِّي سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْكِ إلَى آخِرِ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ، وَلَيْسَ هُوَ أَيْضًا مُرَادُ ابْنِ رُشْدٍ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى بِرٍّ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِيهَا تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ جَائِزٌ عَلَى الْمَشْهُورِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
. ص (وَبِالنِّسْيَانِ أَنْ أُطَلِّقَ)
ش: وَكَذَا الْجَهْلُ وَالْخَطَأُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إثْرَ مَسْأَلَةِ النِّسْيَانِ: وَأَصْلُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْجَهْلَ وَالْخَطَأَ فِي مُوجِبِ الْحِنْثِ كَالْعِلْمِ وَالْعَمْدِ، سَمِعَ يَحْيَى ابْنَ الْقَاسِمِ مَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ الْحَقَّ رَبَّهُ يَوْمَ الْفِطْرِ فَكَانَ بِمَوْضِعِهِ يَوْمَ السَّبْتِ فَقَضَاهُ فِيهِ، ثُمَّ جَاءَ الثَّبْتُ مِنْ الْحَاضِرَةِ أَنَّهُ الْجُمُعَةُ حَنِثَ الشَّيْخُ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ. مَنْ حَلَفَ لَا وَطِئَ امْرَأَتَهُ حَنِثَ بِوَطْئِهِ إيَّاهَا نَائِمًا لَا يَشْعُرُ كَالنَّاسِي ابْنُ عَرَفَةَ النَّاسِي مُفَرِّطٌ عَاقِلٌ وَالنَّائِمُ غَيْرُ عَاقِلٍ الْعُتْبِيُّ عَنْ أَصْبَغَ لَا يَحْنَثُ فِي لَا آخُذُ مِنْ فُلَانٍ دِرْهَمًا فَأَخَذَ مِنْهُ ثَوْبًا فِيهِ دِرْهَمٌ فَرَدَّهُ حِينَ عِلْمِهِ ابْنُ رُشْدٍ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَبْسُوطِ يَحْنَثُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ كَقَوْلِهِ فِيمَنْ لَا مَالَ لَهُ وَلَهُ مَالٌ وَرِثَهُ لَمْ يَعْلَمْهُ وَلِابْنِ كِنَانَةَ كَأَصْبَغَ فِيمَا لَا يَسْتَرْفِعُ فِيهِ الدَّرَاهِمَ، وَعَلَى قَوْلِ سَرِقَتِهَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَا يَسْتَرْفِعُ فِيهِ وَمَا لَا، فَالْأَقْوَالُ ثَلَاثَةٌ: عَدَمُ الْحِنْثِ لِرَعْيِ الْقَصْدِ، وَالْحِنْثُ لِرَعْيِ اللَّفْظِ دُونَهُ، وَالثَّالِثُ اسْتِحْسَانٌ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْيَمِينُ إنْ قُيِّدَتْ كَمَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ الدَّارَ عَمْدًا، أَوْ لَا أَدْخُلُهَا إلَّا أَنْ أَنْسَى، فَالِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي النِّسْيَانِ، وَإِنْ أُطْلِقَتْ فَالْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ الْحِنْثُ بِالنِّسْيَانِ، وَذَهَبَ السُّيُورِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي جَمْعٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ إلَى عَدَمِ الْحِنْثِ، وَخُرِّجَ أَيْضًا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي الْحَالِفِ بِالطَّلَاقِ لَيَصُومَنَّ يَوْمًا مُعَيَّنًا، فَأَصْبَحَ فِيهِ صَائِمًا، ثُمَّ أَفْطَرَ فِيهِ نَاسِيًا أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ فَهِمَ جَمَاعَةٌ وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ: وَخُرِّجَ الْفَرْقُ أَيْ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ وَرُدَّ لَعَلَّهُ يُرِيدُ لَا قَضَاءَ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ، انْتَهَى. وَقَدْ فَهِمَ ابْنُ رُشْدٍ الْمَسْأَلَةَ عَلَى عَدَمِ الْحِنْثِ وَجَعَلَهَا جَارِيَةً عَلَى الْأُصُولِ وَنَصُّهُ فِي رَسْمِ سَلَفَ دِينَارًا مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ: إنَّمَا قَالَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ نَاسِيًا لَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ صَائِمًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا نَاسِيًا، وَقَدْ قَالَ ابْنُ دَحُونٍ إنَّهَا مَسْأَلَةٌ حَائِلَةٌ وَالْحِنْثُ يَلْزَمُهُمْ عَلَى أُصُولِهِمْ فِيمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا فَفَعَلَهُ نَاسِيًا وَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يُوجِبُونَ الْقَضَاءَ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ مِنْ السَّمَاعِ نَفْسِهِ مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ إنَّمَا قَالَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ نَاسِيًا أَيْ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا نَاسِيًا لِيَمِينِهِ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى
[ ٣ / ٢٩١ ]
مَنْ أَفْطَرَ فِي التَّطَوُّعِ مُتَعَمِّدًا وَفِي رَمَضَانَ نَاسِيًا لِمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الرَّسْمِ نَفْسِهِ مِنْ كِتَابِ النُّذُورِ: وَتَكَرَّرَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَرَأَيْتَ لِابْنِ دَحُونٍ فِيهَا أَنَّهَا مَسْأَلَةٌ حَائِلَةٌ وَالْحِنْثُ يَلْزَمُهُ فِيهَا عَلَى أُصُولِهِمْ فِيمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا أَوْ حَلَفَ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا فَنَسِيَ فِعْلَهُ حَتَّى مَاتَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَ، بَلْ هِيَ مَسْأَلَةٌ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ نَاسِيًا لَا يُخْرِجُ الْحَالِفَ عَنْ أَنْ يَكُونَ صَائِمًا، وَلَا يَبْطُلُ بِهِ أَجْرُ صِيَامِهِ، وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَى مَنْ أَكَلَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، انْتَهَى.
[فَرْعٌ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَلَا يَقُوم حَتَّى يَنْتَهِي مِنْ وُضُوئِهِ فلما انْتَهَى تَذْكُر نِسْيَانه التَّمَضْمُض]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي سَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ فِي رَجُلٍ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ لَهُ: قُمْ مَعِي فَقَالَ لَهُ: امْرَأَتُهُ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ إنْ قُمْت مَعَكَ حَتَّى أَفْرُغَ مِنْ وُضُوئِي، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ ذَهَبَ مَعَهُ فَذَكَرَ أَنَّهُ نَسِيَ التَّمَضْمُضَ أَوْ مَسْحَ الْأُذُنَيْنِ أَوْ الرَّأْسِ هَلْ تَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا قَالَ هُوَ حَانِثٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ الْوُضُوءَ الَّذِي يَتَوَضَّأُ النَّاسُ وَلَمْ يُرِدْ الْمَفْرُوضَ مِنْ الْمَسْنُونِ ابْنُ رُشْدٍ وَهَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّ الْوُضُوءَ إذَا أُطْلِقَ فِي الشَّرْعِ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى جُمْلَةِ الْوُضُوءِ، وَهُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ فَتُحْمَلُ يَمِينُهُ عَلَى جَمِيعِهِ إلَّا أَنْ يَخُصَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِنِيَّةٍ أَوْ اسْتِثْنَاءٍ كَمَا يُحْمَلُ أَيْضًا عَلَى الْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ لِدُخُولِهِمَا تَحْتَ عُمُومِ لَفْظِهِ، إلَّا أَنْ يَخُصَّ النِّسْيَانَ مِنْ ذَلِكَ بِنِيَّةٍ أَوْ اسْتِثْنَاءٍ فَتَكُونُ لَهُ نِيَّتُهُ، وَإِنْ جَاءَ مُسْتَفْتِيًا، انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ حَلَفَ بِالْحَلَالِ عَلَيْهِ حَرَامٌ إنْ أَكَلَ شَيْئًا مِمَّا يَشْتَرِيهِ أَبُوهُ]
(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ ابْنِ الْحَاجِّ فِيمَنْ مَنَّ عَلَيْهِ أَبُوهُ بِمَا يَشْتَرِيهِ فَحَلَفَ بِالْحَلَالِ عَلَيْهِ حَرَامٌ إنْ أَكَلَ شَيْئًا مِمَّا يَشْتَرِيهِ أَبُوهُ، ثُمَّ تَبَدَّلَ خُبْزُهُ فِي الْفُرْنِ بِخُبْزِ أَبِيهِ فَأَكَلَهُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ قُلْت لِأَنَّهُ أَكَلَهُ عَلَى مَعْنَى الْعِوَضِ، فَلَا مِنَّةَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ قَصَدَ عَيْنَ الطَّعَامِ كَمَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَوْ اشْتَرَى مِنْهُ شَيْئًا كَمَا يَشْتَرِي مِنْ النَّاسِ، وَلَهَا نَظَائِرُ كَخَلْطِ الرُّءُوسِ عِنْدَ الشِّوَاءِ وَخَلْطِ الْمُقَارِضِ طَعَامَهُ مَعَ غَيْرِهِ وَخَلْطِ الْأَزْوَادِ، انْتَهَى مِنْ أَوَائِلِ الْأَيْمَانِ.
[فَرْعٌ إذَا أَتَى بِلَفْظِ كُلٍّ فِي الْيَمِين هَلْ يحنث]
. ص " وَبِالْبَعْضِ عَكْسُ الْبِرِّ "
ش: (فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: اخْتَلَفَ الشُّيُوخُ هَلْ يُرْفَعُ الْخِلَافُ إذَا أَتَى بِلَفْظِ كُلٍّ، وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ بَشِيرٍ أَوْ هُوَ بَاقٍ وَإِلَيْهَا ذَهَبَ الْأَكْثَرُ، وَهِيَ الصَّحِيحَةُ فَإِنَّ مَالِكًا نَصَّ عَلَى الْحِنْثِ فِيمَنْ حَلَفَ لَا آكُلُ هَذَا الْقُرْصَ كُلَّهُ وَلِلْحِنْثِ بِالْبَعْضِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْحِنْثُ فِيمَنْ قَالَ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ إنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَنَّهُ إنْ صَلَّى رَكْعَةً أَوْ أَحْرَمَ، ثُمَّ قَطَعَ، وَكَذَلِكَ يَمِينُهُ لَا صَامَ، ثُمَّ بَيَّتَ الصِّيَامَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَقَدْ حَنِثَ وَإِنْ أَفْطَرَ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَصْبَغُ فِي الْحَالِفِ لَا لَبِسَ لِامْرَأَتِهِ ثَوْبًا فَلَمَّا أَدْخَلَ طَوْقَهُ فِي عُنُقِهِ عَرَفَهُ فَنَزَعَهُ، أَوْ حَلَفَ لَا رَكِبَ دَابَّةَ فُلَانٍ فَأَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ وَاسْتَقَلَّ عَنْ الْأَرْضِ وَهَمَّ أَنْ يَقْعُدَ عَلَى السَّرْجِ ثُمَّ ذُكِّرَ فَنَزَلَ. فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّهُ حَانِثٌ، وَلَوْ ذُكِّرَ حِينَ اسْتَقَلَّ مِنْ الْأَرْضِ وَلَمْ يَسْتَوِ عَلَيْهَا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فِي الْحَالِفِ لَيَقْرَأَنَّ الْقُرْآنَ الْيَوْمَ أَوْ سُورَةً فَقَرَأَ ذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ أَسْقَطَ حَرْفًا، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ يُسْقِطُ مِثْلَ ذَلِكَ حَلَفَ عَلَيْهِ وَلَهُ مَا نَوَى، وَإِنْ جَاءَ بِمَا لَا يَعْرِفُ مِنْ الْخَطَأِ الْكَثِيرِ أَوْ تَرَكَ سُورَةً فَهُوَ حَانِثٌ، وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ حَلَفَ لَيَتَزَوَّجَنَّ عَلَى امْرَأَتِهِ امْرَأَةً يَمْسِكُهَا سَنَةً فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً أَمْسَكَهَا أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ مَاتَتْ. قَالَ: يَتَزَوَّجُ غَيْرَهَا وَيَبْتَدِئُ السَّنَةَ، وَقَالَ سَحْنُونٌ يُجْزِئُهُ أَنْ يَمْسِكَهَا بَقِيَّةَ السَّنَةِ، انْتَهَى.
وَفِي الذَّخِيرَةِ الْحَالِفُ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ إنْ وَضَعَتْ مَا فِي بَطْنِهَا فَوَضَعَتْ وَلَدًا وَبَقِيَ آخَرُ يَحْنَثُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: لَا يَحْنَثُ، وَإِنْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى الْوَطْءِ حَنِثَ بِمَغِيبِ الْحَشَفَةِ، وَقِيلَ: بِالْإِنْزَالِ، وَإِنْ أَلْحَقَ بِالْيَمِينِ غَيْرَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ قَصْدًا لِلْإِلْحَاقِ لَزِمَهُ الْيَمِينُ وَإِلَّا فَلَا، انْتَهَى. ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ: الْحَالِفُ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ يَحْنَثُ بِالْعَقْدِ دُونَ الدُّخُولِ، انْتَهَى
. ص (وَبِسَوِيقٍ أَوْ لَبَنٍ فِي لَا آكُلُ لَا مَاءَ)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ هَكَذَا قَالَ
[ ٣ / ٢٩٢ ]
ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ شَاسٍ فَعَلَّلَاهُ بِأَنَّ الْقَصْدَ الْعُرْفِيَّ التَّضْيِيقُ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى لَا يَدْخُلَ بَطْنَهُ طَعَامٌ، وَاللَّبَنُ وَالسَّوِيقُ مِنْ الطَّعَامِ قَالَا: وَلَوْ كَانَ قَصْدُهُ الْأَكْلَ دُونَ الشُّرْبِ لَمْ يَحْنَثْ عَلَيْهِ، وَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْحَالِفِ لَا يَتَعَشَّى لَا يَحْنَثُ فِي التَّسَحُّرِ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي هَذَا الْفَرْعِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ الْجَوَابَ فِيهِمَا عَلَى اعْتِبَارِ الْبِسَاطِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ عَدَمُهُمَا، انْتَهَى. وَفِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ كِتَابِ النُّذُورِ مَنْ حَلَفَ لَا يَتَعَشَّى فَشَرِبَ مَاءً أَوْ نَبِيذًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيَحْنَثُ بِالسَّوِيقِ، وَلَا يَحْنَثُ بِالسَّحُورِ، انْتَهَى ابْنُ رُشْدٍ لِأَنَّ النَّبِيذَ شَرَابٌ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الطَّعَامِ وَالسَّوِيقُ طَعَامٌ لَيْسَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّرَابِ وَإِنْ شَرِبَ، وَالْعَشَاءُ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى الطَّعَامِ لَا عَلَى الشَّرَابِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَحْنَثْ بِالسَّحُورِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَشَاءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ بَدَلٌ مِنْ الْغِذَاءِ، وَقَدْ سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - غِذَاءً فَيُرْوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِلْمِقْدَادِ: عَلَيْكَ بِهَذَا السَّحُورِ فَإِنَّمَا هُوَ الْغِذَاءُ الْمُبَارَكُ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَحْنَثَ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَعَشَّى إذَا تَسَحَّرَ كَمَا لَا يَحْنَثُ إذَا تَغَذَّى، انْتَهَى وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
[فَرْعٌ حَلَفَ الْحَالِفُ أَنْ يَشْرَبَ مَاءً صِرْفًا فَشَرِبَ مَاءً مِنْ آبَارِ الصَّحَارِي الْمُتَغَيِّرِ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ فِي مَسَائِلِ الطَّهَارَةِ لَوْ حَلَفَ الْحَالِفُ أَنْ يَشْرَبَ مَاءً صِرْفًا فَشَرِبَ مَاءً مِنْ آبَارِ الصَّحَارِي الْمُتَغَيِّرِ مِنْ الْخَشَبِ الَّذِي يُطْوَى بِهِ لَبَرَّ فِي يَمِينِهِ، كَمَا لَوْ شَرِبَ مَاءً مُتَغَيِّرًا مِنْ الْحَمْأَةِ أَوْ الطُّحْلُبِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً صِرْفًا أَوْ لَيَشْرَبَنَّهُ فَشَرِبَ مَاءَ الْوَرْدِ أَوْ مَاءً مَشُوبًا بِعَسَلٍ أَوْ بِرُبٍّ أَوْ بِشَرَابٍ مِنْ الْأَشْرِبَةِ، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ فِي الْأُولَى، وَلَا يَبَرُّ فِي الثَّانِيَةِ، انْتَهَى بِالْمَعْنَى.
[فَرْعٌ عَاتَبَتْهُ امْرَأَتُهُ فَقَالَتْ تَأْكُلُ مِنْ غَزْلِي فَحَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِهَا ثُمَّ أَكُلّ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ عَاتَبَتْهُ امْرَأَتُهُ، فَقَالَتْ: تَأْكُلُ مِنْ غَزْلِي فَحَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِهَا شَيْئًا، ثُمَّ دَخَلَ يَوْمًا فَدَعَا بِشَرْبَةِ جَذِيذَةٍ مِنْ مَالِهِ وَدَعَا بِعَسَلٍ كَانَ لَهُ فِي التَّابُوتِ فَأَخْطَأَتْ الْمَرْأَةُ فَجَاءَتْ بِزَيْتٍ كَانَ لَهَا مِنْ عَمَلِ يَدَيْهَا أَوْ دُهْنٍ اشْتَرَتْهُ لَرَأْسِهَا فَصَبَّتْهُ فِيهِ فَشَرِبَهُ قَالَ إنْ كَانَ زَيْتًا فَهُوَ حَانِثٌ، وَإِنْ كَانَ دُهْنًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ إنَّمَا لَمْ يُحَنِّثْهُ فِي الدُّهْنِ؛ لِأَنَّ الدُّهْنَ لَمَّا كَانَ مِمَّا لَمْ يُتَّخَذْ لِلْأَكْلِ حُمِلَ يَمِينُهُ عَلَى مَا يُتَّخَذُ لِلْأَكْلِ إذَا رَأَى مَقْصِدَهُ فِيهِ، وَيَحْنَثُ عَلَى الْقَوْلِ أَنَّهُ لَا يُرَاعِي الْمَقْصِدَ الْمَظْنُونَ وَتُحْمَلُ يَمِينُهُ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ، وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ فِي سَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَفِي مَوَاضِعَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى، انْتَهَى. وَالْجَذِيذَةُ بِجِيمٍ وَذَالَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ بَيْنَهُمَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ قَالَ فِي النِّهَايَةِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ كُلَّ جَذِيذَةٍ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ فِي حَاجَتِهِ أَرَادَ شَرْبَةً مِنْ سَوِيقٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ سُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهَا تُجَذُّ أَيْ تُدَقُّ وَتُطْحَنُ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْكَبِيرِ فِي فَصْلِ الْقِيَامِ عَنْ صَاحِبِ الطِّرَازِ: وَلَوْ حَلَفَ لَا يَقُومُ فَقَامَ مُتَوَكِّئًا حَنِثَ، وَلَوْ حَلَفَ لَيَقُومَنَّ فَقَامَ مُتَوَكِّئًا بَرَّ، انْتَهَى.
. ص (وَبِوُجُودِ أَكْثَرَ فِي لَيْسَ مَعِي غَيْرُهُ لِمُتَسَلِّفٍ لَا أَقَلَّ)
ش: يَعْنِي إذَا حَلَفَ لِمَنْ طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُسَلِّفَهُ دَرَاهِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إلَّا عَشَرَةُ دَرَاهِمَ مَثَلًا، ثُمَّ وَجَدَ مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ، وَأَمَّا إنْ وَجَدَ مَعَهُ أَقَلَّ، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ.
(تَنْبِيهٌ) هَذَا إذَا كَانَتْ يَمِينُهُ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَدْخُلُهُ اللَّغْوُ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي أَلْغَازِهِ: مَنْ حَلَفَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ مَالٌ فَظَهَرَ أَنَّهُ عِنْدَهُ مَالٌ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ حَلَفَ بِاَللَّهِ فَقَدْ بَرَّ فِي يَمِينِهِ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ، وَإِنْ كَانَ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَيْمَانِ فَقَدْ حَنِثَ، انْتَهَى. وَهَذَا ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
. ص (وَبِدَوَامِ رُكُوبِهِ أَوْ لُبْسِهِ فِي لَا أَرْكَبُ وَأَلْبَسُ)
ش: قَالَ فِي الْقَوَانِينَ: مَنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ دَارًا وَهُوَ سَاكِنٌ، أَوْ أَنْ لَا يَلْبَسَ ثَوْبًا وَهُوَ
[ ٣ / ٢٩٣ ]
عَلَيْهِ، أَوْ أَنْ لَا يَرْكَبَ دَابَّةً وَهُوَ عَلَيْهَا لَزِمَهُ النُّزُوعُ أَوَّلَ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ، فَإِنْ تَرَاخَى مَعَ الْإِمْكَانِ حَنِثَ، وَفِي الْوَاضِحَةِ لَا يَحْنَثُ، انْتَهَى. وَانْظُرْ رَسْمَ يُوصَى مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَمِثَالُهُ فِي الْبِرِّ لَوْ قَالَ: لَأَلْبِسَنَّ الثَّوْبَ أَوْ لَأَرْكَبَنَّ الدَّابَّةَ فَإِنَّهُ يَبَرُّ بِالدَّوَامِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ الدَّوَامُ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ، بَلْ بِحَسَبِ الْعُرْفِ فَلِذَلِكَ لَا يَحْنَثُ فِي النُّزُولِ لَيْلًا، وَلَا فِي أَوْقَاتِ الضَّرُورَاتِ، وَلَا بِنَزْعِ الثَّوْبِ لَيْلًا، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) إذَا قَالَ: إنْ حَمَلَتْ امْرَأَتُهُ فَهِيَ طَالِقٌ، وَهِيَ حَامِلٌ فَهَلْ التَّمَادِي فِي الْحَمْلِ كَابْتِدَائِهِ وَتَطْلُقُ عَلَيْهِ أَمْ لَا تَطْلُقُ إلَّا بِحَمْلٍ آخَرَ فِيهِ خِلَافٌ قَالَهُ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ النُّذُورِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَدَوَامُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ كَابْتِدَائِهِ إنْ أَمْكَنَ تَرْكُهُ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ عَبْدُوسٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ كَاللُّبْسِ وَالسُّكْنَى وَالرُّكُوبِ لَا الْحَمْلِ وَالْحَيْضِ وَالنَّوْمِ، أَوْ قَالَ لِحَامِلٍ أَوْ حَائِضٍ أَوْ نَائِمَةٍ إذَا حَمَلْت أَوْ حِضْت أَوْ نِمْت فَأَنْتِ طَالِقٌ لَمْ تَطْلُقْ بِتِلْكَ الْحَالَةِ، بَلْ لِمُسْتَقْبَلٍ فَيُجْعَلُ فِي الْحَيْضِ لِإِتْيَانِهِ، وَجَعَلَهُ أَشْهَبُ كَالْحَمْلِ التُّونُسِيُّ اُخْتُلِفَ فِي كَوْنِ تَمَادِي الْحَمْلِ وَالْحَيْضِ وَالنَّوْمِ كَالرُّكُوبِ.
[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ إنْ قَضَى اللَّهُ حَاجَتَهُ]
(مَسْأَلَةٌ) سُئِلَ ابْنُ الْحَاجِّ عَمَّنْ حَلَفَ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ إنْ قَضَى اللَّهُ حَاجَتَهُ وَوَصَلَ إلَى مَوْضِعٍ نَوَاهُ لَيَتَصَدَّقَنَّ عَلَى مَسَاكِينِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِشَيْءٍ سَمَّاهُ، فَوَصَلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ الَّذِي نَوَاهُ وَبَقِيَ مَعَ زَوْجَتِهِ مُدَّةً طَوِيلَةً بَعْدَ وُصُولِهِ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ، ثُمَّ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ بَعْدَ تِلْكَ الْمُدَّةِ وَتَصَدَّقَ بَعْدَ طَلَاقِهِ فَهَلْ كَانَ مَعَ زَوْجَتِهِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ عَلَى بِرٍّ أَوْ حِنْثٍ.؟ (جَوَابُهَا) إنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ حِينَ وُصُولِهِ عَاجِلًا فَلَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ بِالطَّلَاقِ، وَإِنْ قَصَدَ التَّأْخِيرَ فَلَا يَحْنَثُ غَيْرَ أَنَّهُ إنْ رَاجَعَهَا فَهُوَ مَعَهَا عَلَى حِنْثٍ، فَإِنْ تَصَدَّقَ سَقَطَتْ الْيَمِينُ وَإِلَّا دَخَلَ عَلَيْهِ الْإِيلَاءُ مِنْ يَوْمٍ تَرْفَعُهُ لِلْقَاضِي، وَكَذَا الْحُكْمُ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فِي تَعْجِيلِ الصَّدَقَةِ، وَلَا تَأْخِيرِهَا، انْتَهَى. ثُمَّ قَالَ: وَوَقَعَتْ مَسْأَلَةٌ وَهِيَ أَنَّ رَجُلًا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ لِزَوْجَاتِهِ إنْ بَقِينَ لَهُ بِزَوْجَاتٍ.؟ قَالَ: الْأَمْرُ بَعْدَ الْمُرَاجَعَةِ لِشَيْخِنَا الْفَقِيهِ الْإِمَامِ - ﵀ - إلَى أَنْ يُطَلِّقَهُنَّ وَاحِدَةً عَلَى فِدَاءٍ وَيَبَرَّ فِي يَمِينِهِ بَعْدَ أَنْ أَفْتَى أَوَّلًا بِلُزُومِ الثَّلَاثِ.
ص (وَبِجَمْعِ الْأَسْوَاطِ فِي لَأَضْرِبَنَّهُ كَذَا)
ش: وَكَذَا لَوْ ضَرَبَهُ بِسَوْطٍ لَهُ رَأْسَانِ لَمْ يَبَرَّ لَكِنْ فِي مَسْأَلَةِ جَمْعِ الْأَسْوَاطِ يَسْتَأْنِفُ الْمِائَةَ جَمِيعَهَا، وَفِي مَسْأَلَةِ السَّوْطِ بِرَأْسَيْنِ يَجْتَزِئُ بِخَمْسِينَ قَالَهُ التُّونُسِيُّ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَنَصُّهُ: وَعَلَى الْمَشْهُورِ يَسْتَأْنِفُ الْمِائَةَ فِي مَسْأَلَةِ الْجَمْعِ وَيَجْتَزِئُ بِخَمْسِينَ فِي مَسْأَلَةِ ذِي الرَّأْسَيْنِ قَالَهُ التُّونُسِيُّ، وَانْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالْقُرْبِ مِنْ قَوْلِهِ: هَذِهِ الْأُصُولُ وَذَكَرُوا فُرُوعًا، وَانْظُرْ النَّوَادِرَ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ فِي تَرْجَمَةِ الْحَالِفِ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ أَوْ امْرَأَتَهُ، وَانْظُرْ سَمَاعَ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ.
. ص " وَهَرِيسَةٌ وَإِطْرِيَةٌ فِي خُبْزٍ "
ش: أَصْلُهُ لِابْنِ بَشِيرٍ وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَالَ: قُلْت: الْحِنْثُ بِالْهَرِيسَةِ بَعِيدٌ، انْتَهَى. وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص
[ ٣ / ٢٩٤ ]
لَا عَكْسُهُ)
ش: هُوَ شَامِلٌ لِمَا قَبْلَهُ إلَى قَوْلِهِ: وَبِكَعْكٍ.
ص (وَبِضَأْنٍ وَمَعْزٍ)
ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ.
[فُرُوعٌ الْأَوَّلُ حَلَفَ لَا آكُلُ كِبَاشًا بِالنِّعَاجِ وَالصِّغَارِ مُطْلَقًا]
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مُحَمَّدٌ وَابْنُ حَبِيبٍ فِي " لَا آكُلُ كِبَاشًا " بِالنِّعَاجِ وَالصِّغَارِ مُطْلَقًا لَا بِالصِّغَارِ فِي " لَا آكُلُ كَبْشًا " الصَّقَلِّيُّ وَكَذَا عِنْدَنَا فِي " لَا آكُلُ كِبَاشًا " لَا يَحْنَثُ بِالصِّغَارِ وَلَا إنَاثِ الْكِبَارِ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يَحْنَثُ فِي " لَا آكُلُ نَعْجَةً أَوْ نِعَاجًا " بِصَغِيرٍ مُطْلَقًا وَلَا بِكِبَارِ الذُّكُورِ مُحَمَّدٌ. لَا يَحْنَثُ فِي " لَا آكُلُ خَرُوفًا " بِكَبِيرٍ الشَّيْخُ عَنْهُ. وَيَحْنَثُ بِالْعَتُودِ، وَوَقَفَ عَنْهَا مُحَمَّدٌ أَصْبَغُ أَمْرُهُمَا وَاحِدٌ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يَحْنَثُ فِي الْعَتُودِ وَالْخَرُوفِ وَيَحْنَثُ بِالْعَكْسِ فِي تَيْسٍ أَوْ تُيُوسٍ بِالْعَتُودِ وَصَغِيرِ ذُكُورِ الْمَعْزِ، وَلَا حِنْثَ فِي عَتُودٍ أَوْ عَتِدَانِ ابْنُ حَبِيبٍ أَوْ جِدْيَانٍ بِالتُّيُوسِ وَلَا بِكِبَارِ الْإِنَاثِ، وَيَحْنَثُ بِصِغَارِهَا ابْنُ حَبِيبٍ يَحْنَثُ فِي التُّيُوسِ بِالْجَدْيِ، انْتَهَى.
[الثَّانِي الْحَالِفُ عَلَى اللَّحْمِ ثُمَّ أَكُلّ الرَّأْسِ]
(الثَّانِي) قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَالْحَالِفُ عَلَى اللَّحْمِ يَحْنَثُ بِأَكْلِ الرَّأْسِ، وَالْحَالِفُ عَلَى الرَّأْسِ لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ اللَّحْمِ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِكُلِّ مَا يَخْرُجُ مِنْ الشَّاةِ مِنْ كِرْشٍ وَأَمْعَاءٍ وَدِمَاغٍ وَغَيْرِهِ
[الثَّالِثُ حَلَفَ لَا آكُلُ لَحْمًا فَأَكَلَ قَدِيدًا]
(الثَّالِثُ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ أَيْضًا: وَمَنْ حَلَفَ لَا آكُلُ لَحْمًا فَأَكَلَ قَدِيدًا فَهُوَ حَانِثٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى الْقَدِيدِ لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ اللَّحْمِ، وَلَا أَسْأَلُهُ عَنْ نِيَّتِهِ.
. ص (وَدِيَكَةٌ وَدَجَاجَةٌ فِي غَنَمٍ وَدَجَاجٍ) ش قَالَ فِي سَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ: مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ دَجَاجَةً فَأَكَلَ دِيَكَةً لَا يَحْنَثُ، وَكَذَا عَكْسُهُ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ دَجَاجًا فَأَكَلَ دِيَكَةً حَنِثَ؛ لِأَنَّ اسْمَ الدَّجَاجِ يَشْمَلُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ، وَمَنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ فَرَسًا حَنِثَ بِالْبِرْذَوْنِ، وَمَنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ بِرْذَوْنًا فَرَكِبَ فَرَسًا لَمْ يَحْنَثْ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ: لِأَنَّ يَمِينَ الْحَالِفِ إذَا عَرِيَتْ مِنْ نِيَّةٍ أَوْ بِسَاطٍ أَوْ مَقْصِدٍ يُخَالِفُ لَفْظَهُ حُمِلَتْ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ فِي اللِّسَانِ، وَالدَّجَاجَةُ لَا تُسَمَّى دِيكًا وَلَا دِيَكَةً، فَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ دِيكًا وَلَا دِيَكَةً فَلَا يَحْنَثُ بِالدَّجَاجَةِ، وَالدَّجَاجُ يَقَعُ عَلَى الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ فَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ دَجَاجًا فَأَكَلَ دِيكًا حَنِثَ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ اقْتَضَاهُ، وَكَذَا الْبِرْذَوْنُ يُسَمَّى فَرَسًا وَالْفَرَسُ لَا يُسَمَّى بِرْذَوْنًا فَوَجَبَ أَنْ يَحْنَثَ مَنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ فَرَسًا فَرَكِبَ بِرْذَوْنًا، وَلَا يَحْنَثُ مَنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ بِرْذَوْنًا فَرَكِبَ فَرَسًا، انْتَهَى.
. ص (وَبِاسْتِرْخَاءٍ لَهَا فِي لَا قَبَّلْتُكِ أَوْ قَبَّلَتْنِي)
ش: أَمَّا فِي لَا قَبَّلَتْنِي فَيَحْنَثُ مُطْلَقًا اسْتَرْخَى أَمْ لَمْ يَسْتَرْخِ كَمَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَفِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ وَقَبِلَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ وَنَحْوُهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ: وَلَمْ أَرَ مَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا يَحْنَثُ بِالِاسْتِرْخَاءِ لَهَا فِي لَا قَبَّلْتُكِ إذَا قَبَّلَتْهُ عَلَى فَمِهِ، وَأَمَّا لَوْ تَرَكَهَا تُقَبِّلُهُ عَلَى غَيْرِ الْفَمِ لَمْ يَحْنَثْ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ عِيَاضٍ
[ ٣ / ٢٩٥ ]
بِخِلَافِ قَوْلِهِ: لَا قَبَّلَتْنِي قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ قَبَّلْتُكِ أَوْ ضَاجَعْتُكِ فَقَبَّلَتْهُ مِنْ وَرَائِهِ أَوْ ضَاجَعَتْهُ وَهُوَ نَائِمٌ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْهُ اسْتِرْخَاءٌ، وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ إنْ قَبَّلَتْنِي أَوْ ضَاجَعَتْنِي حَنِثَ بِكُلِّ حَالٍ، انْتَهَى. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ عِيَاضٌ: قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْقُبْلَةِ اسْتِرْخَاءٌ هَذَا إذَا كَانَتْ عَلَى الْفَمِ لِأَنَّهُ مُقَبِّلٌ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى غَيْرِهِ، فَلَا يَحْنَثُ وَلَوْ تَرَكَهَا اللَّخْمِيُّ وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنْ قَبَّلَتْنِي فَيَحْنَثُ سَوَاءٌ قَبَّلَتْهُ عَلَى الْفَمِ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْفَمَ، انْتَهَى. وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ التَّقْيِيدَيْنِ عَنْ اللَّخْمِيِّ، وَقَالَ زَادَ الصَّقَلِّيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي عَدَمِ حِنْثِهِ بِتَقْبِيلِهَا إيَّاهُ فِي لَا قَبَّلْتُكِ غَيْرَ طَائِعٍ وَيَحْلِفُ، انْتَهَى. فَإِطْلَاقُ الشَّيْخِ يُوهِمُ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا قَبَّلَتْنِي لَا يَحْنَثُ إلَّا أَنْ يَسْتَرْخِيَ، وَهُوَ خِلَافُ نَصِّ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ وَسَمَاعِ عِيسَى وَاللَّخْمِيّ وَغَيْرِهِمْ.
ص (وَإِنْ أُحَالَهُ) ش قَالَ أَبُو الْحَسَنِ وَسَوَاءٌ تَفَرَّقَا مِنْ الْمَجْلِسِ أَوْ لَمْ يَتَفَرَّقَا؛ لِأَنَّ بِالْحَوَالَةِ فَارَقَهُ حُكْمًا، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ لَا يَرْتَفِعُ الْحِنْثُ إنْ نَقَضَ الْحَوَالَةَ وَقَضَاهُ قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَهُ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يُفَارِقَهُ إلَّا بِحَقِّهِ فَأَحَالَهُ عَلَى غَرِيمٍ لَهُ وَأَخَذَ مِنْهُ حَقَّهُ، ثُمَّ وَجَدَ فِيهِ نُحَاسًا أَوْ رَصَاصًا أَوْ نَاقِصًا نَقْصًا بَيِّنًا أَوْ زَائِفًا لَا يَجُوزُ أَوْ اُسْتُحِقَّ مِنْ يَدِهِ بَعْدَ أَنْ فَارَقَهُ فَهُوَ حَانِثٌ، انْتَهَى.
ص (وَبِفَرْعٍ فِي لَا آكُلُ مِنْ كَهَذَا الطَّلْعِ)
ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ.
[فَرْعٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ فَاكِهَةً هَلْ يحنث بِالْعِنَبِ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْقَوَانِينَ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ فَاكِهَةً يَحْنَثُ بِالْعِنَبِ وَالرُّمَّانِ وَالتُّفَّاحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى بِالْفُولِ الْأَخْضَرِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ تَمْرًا حَنِثَ بِالرُّطَبِ، انْتَهَى. وَفِي تَفْسِيرِ سُورَةِ قَدْ أَفْلَحَ لِلْقُرْطُبِيِّ: مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ فَاكِهَةً فَفِي الرِّوَايَةِ عِنْدَنَا يَحْنَثُ بِالْبَاقِلَاءِ الْأَخْضَرِ، انْتَهَى.
[فَرْعٌ حَلَفَ عَلَى اللَّبَنِ الْحَلِيبِ]
(فَرْعٌ) وَإِنْ حَلَفَ عَلَى اللَّبَنِ الْحَلِيبِ فَلَهُ أَكْلُ الْمَضْرُوبِ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى الْمَضْرُوبِ فَلَهُ أَكْلُ الْحَلِيبِ، وَالْحَالِفُ عَلَى الْجُبْنِ لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْحَالُومِ
[ ٣ / ٢٩٦ ]
وَالْحَالِفُ عَلَى الْحَالُومِ لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ الْجُبْنِ إلَّا أَنْ تَكُونَ نِيَّةٌ أَوْ سَبَبٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَرِهَ مَا يَخْرُجُ مِنْ اللَّبَنِ قَالَهُ فِي النَّوَادِرِ.
ص (وَبِمَا أَنْبَتَتْ الْحِنْطَةُ إنْ نَوَى الْمَنَّ) ش.
[فَرْعٌ وَهَبَهُ رَجُلٌ شَاةً ثُمَّ مَنَّ بِهَا عَلَيْهِ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَ مِنْ لَبَنِهَا]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنْ وَهَبَهُ رَجُلٌ شَاةً، ثُمَّ مَنَّ بِهَا عَلَيْهِ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَ مِنْ لَبَنِهَا، وَلَا يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِهَا، فَإِنْ أَكَلَ مِمَّا اشْتَرَى بِثَمَنِهَا أَوْ اكْتَسَى مِنْهُ حَنِثَ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ غَيْرِ ثَمَنِهَا مَا شَاءَ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى أَنْ لَا يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِنْهُ أَبَدًا قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ أَصْلُ يَمِينِهِ قَدْ خَرَجَتْ عَنْ كَرَاهَتِهِ مِنْهُ لِمَنْ وَهَبَ الشَّاةَ فَعَلَّقَ يَمِينَهُ عَلَى مَا كَانَ مِنْ جِهَةِ الشَّاةِ وَحْدَهَا، وَأَرَى أَنَّهُ إذَا وَهَبَهُ الْمَانُّ شَيْئًا آخَرَ لَا يَكُونُ عِوَضًا عَنْ الشَّاةِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْيَمِينِ وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ مِنْهُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ كَرِهَ مَنَّهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنِّهِ فِي هَذِهِ الشَّاةِ وَغَيْرِهَا، انْتَهَى. وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَأَسْقَطَ قَوْلَهُ فِيهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى أَنْ لَا يَنْتَفِعَ مِنْهُ بِشَيْءٍ أَبَدًا فَحَصَلَ فِي كَلَامِهِ خَلَلٌ، ذُكِرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ مِنْهُ قَبْلَ الْكَلَامِ عَلَى الْإِدَامِ بِأَسْطُرٍ، ثُمَّ كَرَّرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِوَرَقَتَيْنِ بِتَمَامِهِمَا.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَا يَفْعَلُ بِالشَّاةِ إذَا لَمْ يَقْبَلْهَا مِنْ الْوَاهِبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ قَبُولُ الْهِبَةِ، وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَنْتَفِعَ مِنْهَا بِغَلَّةٍ وَلَا ثَمَنٍ فَهَلْ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَتُحْمَلُ يَمِينُهُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَتَأَثَّلُ مِنْهَا مَالًا أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ دَاخِلًا فِي الِانْتِفَاعِ فَيَتَصَدَّقُ بِهَا عَنْ رَبِّهَا، إذْ هُوَ أَكْثَرُ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى بِالْمَعْنَى.
ص (وَبِالْحَمَّامِ فِي الْبَيْتِ) ش قَالَ فِي الْكَبِيرِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إذَا حَلَفَ لَا دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتًا فَاجْتَمَعَا تَحْتَ ظِلِّ جِدَارٍ أَوْ شَجَرَةٍ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ إذَا كَانَتْ يَمِينُهُ بُغْضًا فِيهِ أَوْ لِسُوءِ عِشْرَتِهِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إذَا كَانَتْ نِيَّتُهُ ذَلِكَ أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِوُقُوفِهِ مَعَهُ فِي الصَّحْرَاءِ، انْتَهَى. وَقَالَهُ فِي الشَّامِلِ ابْنُ الْقَاسِمِ، فَإِنْ اجْتَمَعَ مَعَهُ فِي ظِلِّ جِدَارٍ أَوْ شَجَرَةٍ حَنِثَ إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِقَضَاءٍ فِيهِ أَوْ سُوءِ عِشْرَتِهِ، وَقِيلَ: وَبِوُقُوفِهِ مَعَهُ فِي الصَّحْرَاءِ، انْتَهَى. وَلَا يَنْبَغِي عَدُّ كَلَامِ ابْنِ حَبِيبٍ خِلَافًا إذَا كَانَتْ تِلْكَ نِيَّتُهُ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَوْ حَلَفَ لَا دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتًا حَنِثَ بِالْحَمَّامِ لَا بِالْمَسْجِدِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْحَبْسَ كُرْهًا أَوْ طَائِعًا، ثُمَّ قَالَ وَأَلْحَقَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِهَذَا إذَا اجْتَمَعَا تَحْتَ ظِلِّ جِدَارٍ أَوْ شَجَرَةٍ إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بُغْضًا فِيهِ أَوْ سُوءَ عِشْرَتِهِ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ ذَلِكَ أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِوُقُوفِهِ مَعَهُ فِي الصَّحْرَاءِ، انْتَهَى.
ص (وَدَارُ جَارِهِ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ
[ ٣ / ٢٩٧ ]
عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ الْمَسْجِدَ لَمْ يَحْنَثْ وَلَيْسَ عَلَى هَذَا حَلَفَ، وَإِنْ دَخَلَ عَلَى جَارِهِ فَوَجَدَهُ عِنْدَهُ حَنِثَ، انْتَهَى.
ص (وَبِدُخُولِهِ عَلَيْهِ مَيِّتًا فِي بَيْتٍ يَمْلِكُهُ)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا دَخَلَ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا يَمْلِكُهُ كَذَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَقَالَ مَا دَامَ فِي مِلْكِهِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ بَشِيرٍ، ثُمَّ إنَّ الْحَالِفَ دَخَلَ عَلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي بَيْتٍ كَانَ يَمْلِكُهُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِدُخُولِهِ وَاسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ بِمَوْتِهِ انْتَقَلَ الْمِلْكُ لِلْوَرَثَةِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَأَصْلُهُ لِابْنِ بَشِيرٍ وَرَاعَى فِي الرِّوَايَةِ كَوْنَهُ لَهُ حَقٌّ يَجْرِي مَجْرَى الْمِلْكِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ حَتَّى يُجَهَّزَ، انْتَهَى. وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ كِتَابِ النُّذُورِ: وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا فِي حَيَاتِهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ مَيِّتًا حَنِثَ ابْنُ رُشْدٍ هُوَ مِثْلُ قَوْلِ أَصْبَغَ فِي نَوَازِلِهِ فِيمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ بَيْتَ فُلَانٍ مَا عَاشَ أَوْ حَتَّى يَمُوتَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ مَاتَ قَبْلَ دَفْنِهِ حَنِثَ قَالَ سَحْنُونٌ لَا يَحْنَثُ. وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ قَوْلَهُ مَا عَاشَ وَحَيَاتَهُ لَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ وَقْتًا لِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ إرَادَتِهِ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِ أَبَدًا فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِحَيَاتِهِ أَوْ مَا عَاشٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْغَايَةُ الَّتِي يَقْصِدُ النَّاسُ بِهَا التَّأْبِيدَ فِي عُرْفِ كَلَامِهِمْ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الرَّجُلِ: لَا أَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ، وَلَا آكُلُ هَذَا الطَّعَامَ، وَلَا أُكَلِّمُ فُلَانًا حَيَاتِي أَوْ مَا عِشْت إذَا أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَبَدًا، وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ إتْبَاعُ ظَاهِرِ اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى، فَقَوْلُ مَالِكٍ أَوْلَى بِالصَّوَابِ، وَلَوْ قَالَ الرَّجُلُ: لَا أَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا أَبَدًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ مَيِّتًا حَنِثَ إلَّا أَنْ يُرِيدَ حَيَاتَهُ قَوْلًا وَاحِدًا عَلَى مَا قَالَ فِي أَوَّلِ رَسْمِ الطَّلَاقِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ، وَمَا فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْهُ، انْتَهَى أَكْثَرُهُ بِاللَّفْظِ، وَمِنْهُ مَا نَقَلَهُ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ ابْنِ الْبَرَاءِ وَنَصُّهُ: وَسُئِلَ ابْنُ الْبَرَاءِ عَمَّنْ خَطَبَ ابْنَةَ أَخِيهِ لِابْنِهِ مِنْ أَخِيهِ فَلَمْ يُسْعِفْهُ فَحَلَفَ لَا أَحْضُرُهُ فِي فَرَحٍ وَلَا حُزْنٍ فَمَاتَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فَهَلْ لِلْحَالِفِ حُضُورُ دَفْنِهِ وَتَكْفِينِهِ وَتَعْزِيَتِهِ أَمْ لَا.؟
فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَحْضُرُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ إذَا قَصَدَ الْحَالِفُ إيلَامَ نَفْسِ أَخِيهِ فِي عَدَمِ اجْتِمَاعِهِ مَعَهُ فِيمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِائْتِلَافِ الْقَرَابَةِ فِيهِ، وَإِذَا مَاتَ فَلَا إيلَامَ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: لَا حَاضِرَهُ لَا حَضَرَ كُلَّ مَا يُنْسَبُ إلَيْهِ قَصْدَ الْمُبَاعَدَةِ وَالْقَطِيعَةِ فَحُضُورُ جِنَازَتِهِ هُوَ مِمَّا يُنْسَبُ إلَيْهِ، وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ حَلَفَتْ لَا تَحْضُرُ لِأُخْتِهَا مَحْيًا وَلَا مَمَاتًا فَمَاتَتْ بِنْتُ أُخْتِهَا فَأَرَادَتْ انْتِظَارَهَا عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ لِتُصَلِّيَ عَلَيْهَا وَيَمِينُهَا بِالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ فَكَرِهَ مَالِكٌ ذَلِكَ لَهَا، وَهِيَ لَمْ تُعَزِّ وَلَمْ تُعَزَّ وَلَمْ تَحْضُرْ مَشْهَدَهَا، وَالْحِنْثُ يَكُونُ بِأَقَلِّ سَبَبٍ فَتَرْكُ ذَلِكَ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا حَاضِرَهُ قَوِيٌّ فِي إرَادَةِ الْحَيَاةِ، وَلِمَا عُرِفَ عَادَةً بِإِيلَامِهِ بِعَدَمِ حُضُورِهِ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ قُلْت: عِنْدِي أَنَّهَا تَجْرِي عَلَى مَسْأَلَةِ لَا أَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا حَيَاتَهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَنَصُّ الرِّوَايَةِ يَحْنَثُ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ وَهُوَ الْأَصَحُّ لَا تَسْمِيَةَ بِاسْمِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَجَازَ مِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ الْإِيلَامُ لِقَلْبِهِ، وَقَدْ مَاتَ، فَلَا إيلَامَ.
ص (لَا بِدُخُولِ مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَنْوِ الْمُجَامَعَةَ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إثْرَ هَذَا الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَدَارُ جَارِهِ فِي مَسْأَلَةِ إنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا، وَإِنْ دَخَلَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ عَلَى الْحَالِفِ فَخَافَ مَالِكٌ عَلَيْهِ الْحِنْثَ، وَقَالَ
[ ٣ / ٢٩٨ ]
ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَحْنَثُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنْ لَا يُجَامِعَهُ فِي بَيْتٍ فَيَحْنَثُ، انْتَهَى. .
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ ابْنُ الْمَوَّازِ وَقِيلَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ مَعَهُ بَعْدَ دُخُولِهِ عَلَيْهِ ابْنُ يُونُسَ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَكَذَا يَنْبَغِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ لَا يَجْلِسَ بَعْدَ دُخُولِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فَإِنْ جَلَسَ وَتَرَاخَى حَنِثَ وَيَصِيرُ كَابْتِدَاءِ دُخُولِهِ هُوَ عَلَيْهِ، انْتَهَى. وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِاسْتِمْرَارِهِ فِي الدَّارِ إذَا حَلَفَ لَأَدْخُلُهَا، وَكَذَلِكَ هُنَا إنَّمَا حَلَفَ عَلَى الدُّخُولِ عَلَيْهِ فَتَأَمَّلْهُ، وَقَوْلُهُ فَخَافَ عَلَيْهِ مَالِكٌ الْحِنْثَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ لِأَنَّهُ خَافَ أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ أَعُمَّ مِنْ لَفْظِهِ، انْتَهَى.
[فَرْعٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَنْفَعَ فُلَانًا شَيْئًا وَهُوَ وصى لِرَجُلٍ مَاتَ]
ص (وَبِتَكْفِينِهِ فِي لَا أَنْفَعُهُ حَيَاتَهُ) ش تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَنْفَعَ فُلَانًا شَيْئًا، وَهُوَ وَصِيٌّ لِرَجُلٍ مَاتَ وَأَوْصَى أَنْ يُقَسَّمَ عَلَى الْمَسَاكِينِ أَوْ سَمَّى لِفُلَانٍ، وَفُلَانٌ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِمَا دَفَعَهُ إلَيْهِ مِنْ الْوَصِيَّةِ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ فِي أَنَّهُ أَرَادَ لَا يَنْفَعُهُ بِمِثْلِهِ فَيَصْدُقُ إلَّا أَنْ تَكُونَ يَمِينُهُ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ، فَلَا يَنْوِي إذَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ كَانَتْ إلَيْهِ مِنْهُ صَنَائِعُ مِنْ الْمَعْرُوفِ فَيَنْوِي فِيمَا ادَّعَاهُ مَعَ يَمِينِهِ، قَالَهُ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ النُّذُورِ.
[فَرْعٌ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ أَخَاهُ فَاحْتَاجَ أَوْلَادُ أَخِيهِ فَأَعْطَاهُمْ شَيْئًا]
(فَرْعٌ) فَإِنْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ أَخَاهُ فَاحْتَاجَ أَوْلَادُ أَخِيهِ فَأَعْطَاهُمْ شَيْئًا فَهَلْ يَحْنَثُ بِذَلِكَ.؟ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا، لَكِنْ ذُكِرَ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ فِي عَكْسِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهِيَ مَا إذَا حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ أَخِيهِ هَدِيَّةٌ وَلَا مَنْفَعَةٌ وَكَانَ لَهُ وَلَدٌ صَغِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ فَيَدْخُلُ عَلَيْهِ فَيُصِيبُ الْيَسِيرَ مِنْ الطَّعَامِ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ، هَلْ تَرَى ذَلِكَ لَهُ مَنْفَعَةً فَيَكُونُ حَانِثًا أَمْ مَا تَرَى فِي ذَلِكَ.؟ قَالَ أَمَّا مَنْ خَرَجَ مِنْ وِلَايَةِ أَبِيهِ مِنْ وَلَدِهِ الْكِبَارِ وَاسْتَغْنَوْا عَنْهُ فَأَصَابُوا مِنْهُ شَيْئًا فَلَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا أَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ مَنْفَعَةِ وَلَدِهِ شَيْءٌ، وَأَمَّا وَلَدُهُ الصِّغَارُ فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا يُصِيبُوا مِنْ عِنْدِهِ إلَّا الْيَسِيرَ الَّذِي لَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْأَبُ فِي عَوْنِ وَلَدِهِ، مِثْلُ الثَّوْبِ يَكْسُوهُ إيَّاهُ فَيَكُونُ قَدْ انْتَفَعَ بِهِ حِينَ كَفَاهُ ذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ ثَوْبًا أَوْ يُطْعِمَهُ طَعَامًا يُغْنِيهِ ذَلِكَ عَنْ مُؤْنَتِهِ أَوْ شِبْهِ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ رَأَيْتَ أَنْ قَدْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ مَنْفَعَةٌ فَأَرَاهُ حَانِثًا. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ صَحِيحَةٌ بَيِّنَةٌ لَا وَجْهَ لِلْقَوْلِ فِيهَا.
ص (وَبِأَكْلٍ مِنْ تَرِكَتِهِ قَبْلَ قَسْمِهَا فِي لَا أَكَلْتُ طَعَامَهُ إنْ أَوْصَى أَوْ كَانَ مَدِينًا)
ش: قَالَ فِي الرَّسْمِ الْمُتَقَدِّمِ: وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْخُذَ لِفُلَانٍ مَالًا فَمَاتَ فَأَخَذَ مِنْ تَرِكَتِهِ قَبْلَ قَسْمِهَا، وَلَا يَأْكُلَ لَهُ طَعَامًا فَأَكَلَ مِنْ مَالِهِ قَبْلَ قَسْمِهَا فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ إلَّا إنْ كَانَ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ أَوْ عَلَيْهِ دِينٌ ابْنُ رُشْدٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ مُحِيطًا، وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ لَا حِنْثَ، وَإِنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِتَرِكَتِهِ، وَقَالَ أَشْهَبُ وَهُوَ أَظْهَرُ لِأَنَّ الْمَيِّتَ إذَا مَاتَ فَقَدْ ارْتَفَعَ مِلْكُهُ عَنْ مَالِهِ وَوَجَبَ لِمَنْ يَجِبُ أَخْذُهُ مِنْ وَرَثَتِهِ وَأَهْلِ وَصَايَاهُ وَغُرَمَائِهِ إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إنَّمَا هُوَ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْحَالِفِ نِيَّةٌ، وَلَا كَانَ لِيَمِينِهِ بِسَاطٌ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى إرَادَتِهِ، فَإِنْ كَانَتْ يَمِينُ الْحَالِفِ كَرَاهِيَةً لِلْمَالِ لِخُبْثِ أَصْلِهِ فَهُوَ حَانِثٌ بِكُلِّ حَالٍ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ أَوْ وَصِيَّةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَإِنْ كَانَ كَرَاهِيَةً لِمَنِّهِ عَلَيْهِ، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ وَكَانَتْ لَهُ وَصِيَّةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ الْكَاتِبِ قَوْلُهُمْ: يَحْنَثُ إذَا أَوْصَى مَعْنَاهُ عِنْدِي أَوْصَى بِمَالٍ مَعْلُومٍ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى بَيْعِ مَالِ الْمَيِّتِ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ كَالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ فَهَاهُنَا يَكُونُ الْمُوصِي شَرِيكًا لِلْوَرَثَةِ وَكَأَحَدِهِمْ سَاعَةَ يَمُوتُ، فَلَا حِنْثَ عَلَى الْحَالِفِ، وَهَذَا كُلُّهُ مَعَ عَدَمِ النِّيَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ فَتُقْبَلُ مِنْهُ، أَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَا أَوْصَى بِوَصَايَا فَلَا يَحْنَثُ بِاتِّفَاقٍ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الطَّلَاقِ عَنْ الْمَسَائِلِ الْمَنْسُوبَةِ لِلرَّمَّاحِ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لِغَيْرِهِ طَعَامًا فَأَكَلَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ إذَا أَعْطَاهُ ثَمَنَهُ قَرُبَ الْأَمْرُ أَوْ بَعُدَ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ، انْتَهَى فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَبِكِتَابٍ إنْ وَصَلَ أَوْ رَسُولٍ فِي لَا كَلَّمَهُ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا كَلَّمَهُ فَكَتَبَ إلَيْهِ كِتَابًا وَوَصَلَهُ الْكِتَابُ فَإِنَّهُ بِمُجَرَّدِ وُصُولِهِ يَحْنَثُ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ فَلَا يَحْنَثُ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا فَكَتَبَ إلَيْهِ كِتَابًا أَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا حَنِثَ إلَّا أَنْ
[ ٣ / ٢٩٩ ]
يَنْوِيَ مُشَافَهَةً، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا يَنْوِي فِي الْكُتُبِ وَيَحْنَثُ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى فُلَانٍ فَلَا يَحْنَثُ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي حِنْثِهِ بِمُجَرَّدِ وُصُولِهِ أَوْ حَتَّى يَقْرَأَ وَلَوْ عُنْوَانَهُ، نَقَلَا اللَّخْمِيُّ عَنْ الْمَذْهَبِ وَابْنُ رُشْدٍ عَنْهُ مَعَ نَصِّ ابْنِ حَبِيبٍ وَعَلَيْهِ فِي حِنْثِهِ بِمُجَرَّدِ قِرَاءَتِهِ أَوْ بِقَيْدِ كَوْنِهَا لَفْظًا قَوْلَانِ لِظَاهِرِ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ وَنَصَّ أَشْهَبُ قَائِلًا: لِأَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَقْرَأُ جَهْرًا فَقَرَأَ بِقَلْبِهِ لَا يَحْنَثُ (قُلْت:) إنْ رَدَّ بِأَنَّ قَوْلَهُ: جَهْرًا فِي الْأَصْلِ يَمْنَعُ الْقِيَاسَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْفَرْعِ بِمَنْعٍ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْفَرْعِ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْغَيْرِ لَا يَكُونُ إلَّا جَهْرًا، وَهُوَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ، انْتَهَى. فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ حِنْثَهُ بِمُجَرَّدِ وُصُولِهِ الْكِتَابِ هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَجَعَلَهُ اللَّخْمِيُّ الْمَذْهَبَ، وَأَمَّا كَوْنُهُ إذَا لَمْ يَصِلْ لَمْ يَحْنَثْ، فَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ التُّونُسِيِّ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَوْ رُدَّ الْكِتَابُ قَبْلَ وُصُولِهِ لَمْ يَحْنَثْ ابْنُ رُشْدٍ اتِّفَاقًا، وَلَوْ كَتَبَهُ عَازِمًا عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ، انْتَهَى. إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ هَذَا لَا قِرَاءَتُهُ بِقَلْبِهِ يُعَارِضُ هَذَا إلَّا أَنْ يَحْمِلَ قَوْلَهُ لَا قِرَاءَتُهُ بِقَلْبِهِ يَعْنِي لَا بِقِرَاءَةِ الْحَالِفِ الْكِتَابَ الْمَحْلُوفَ عَلَى عَدَمِ قِرَاءَتِهِ جَهْرًا إذَا قَرَأَهُ بِقَلْبِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إنْ وَصَلَ وَقُرِئَ، وَهَذِهِ تُوَافِقُ لَا قَرَأَهُ بِقَلْبِهِ، وَيَكُونُ مَشَى أَوَّلًا عَلَى مَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إنَّهُ الْمَذْهَبُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ وُصُولِهِ، وَلَا يَحْنَثُ إلَّا بِالْقِرَاءَةِ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ
ص (وَلَمْ يَنْوِ فِي الْكِتَابِ وَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ)
ش: تَقَدَّمَ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا فَكَتَبَ إلَيْهِ كِتَابًا أَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا حَنِثَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مُشَافَهَةً، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا يَنْوِي فِي الْكِتَابِ وَيَحْنَثُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَعَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْحِنْثِ بِالْكِتَابِ وَالرَّسُولِ فَهَلْ يَنْوِي فِي إرَادَةِ الْمُشَافَهَةِ إنْ كَانَتْ بِطَلَاقٍ وَعِتَاقٍ قَالَ فِيهَا حِنْثٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مُشَافَهَةً، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا يَنْوِي فِي الْكِتَابِ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَيْهِ فَلَا يَحْنَثُ وَلِمَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا يَنْوِي فِي الْكِتَابِ وَالرَّسُولِ، وَعَلَى أَنَّهُ يَنْوِي فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ، انْتَهَى.
ص (وَبِالْإِشَارَةِ لَهُ)
ش: كُرِّرَ فِي التَّوْضِيحِ هَذَا الْفَرْعُ، فَقَالَ أَوَّلًا عِنْدَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَمِنْهُ لَوْ حَلَفَ لَا كَلَّمَهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ. الْفَرْعُ الثَّالِثُ لَوْ حَلَفَ لَا كَلَّمَهُ فَأَشَارَ إلَيْهِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ لَا يَحْنَثُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يَحْنَثُ انْتَهَى.
وَقَالَ ثَانِيًا عِنْد قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ لَوْ حَلَفَ لَا كَلَّمَهُ فَكَتَبَ إلَيْهِ أَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ. الْفَرْعُ الثَّالِثُ لَوْ أَشَارَ إلَيْهِ فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ حَبِيبٍ وَغَيْرُهُمْ: يَحْنَثُ ابْنُ حَبِيبٍ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ أَصَمَّ أَوْ سَمِيعًا، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَحْنَثُ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، انْتَهَى.
وَنَصُّ مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ: قَالَ فِي رَجُلٍ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ رَجُلًا فَأَشَارَ
[ ٣ / ٣٠٠ ]
إلَيْهِ بِالسَّلَامِ أَوْ غَيْرِهِ فَقَالَ: مَا أَرَى الْإِشَارَةَ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَرَ عَلَيْهِ حِنْثًا إنْ فَعَلَ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ مِثْلَ هَذَا فِي الْمَجْمُوعَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي كِتَابِ الْإِيلَاءِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَفِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إنَّهُ حَانِثٌ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] فَجَعَلَ الرَّمْزَ كَلَامًا؛ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَاهُ مِنْ الْكَلَامِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحُجَّةٍ قَاطِعَةٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْفَصِلًا غَيْرُ مُتَّصِلٍ مُقَدَّرٌ بِلَكِنْ، وَمِثْلُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ لِأَصْبَغَ فِي سَمَاعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْكَلَامَ عِنْدَ النَّاسِ فِيمَا يَعْرِفُونَ إنَّمَا هُوَ الْإِفْهَامُ بِالنُّطْقِ بِاللِّسَانِ، فَعَمَلُ يَمِينِ الْحَالِفِ عَلَى ذَلِكَ إنْ عَرِيَتْ مِنْ نِيَّةٍ أَوْ بِسَاطٍ يَدُلُّ عَلَى مَا سِوَاهُ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ حَقِيقَةَ الْكَلَامِ وَالْقَوْلِ هُوَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا﴾ [المجادلة: ٨] الْآيَةَ، وَقَالَ: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ﴾ [الملك: ١٣] الْآيَةَ، فَإِذَا أَفْهَمَ الرَّجُلُ مَا فِي نَفْسِهِ بِلَفْظٍ أَوْ إشَارَةٍ فَقَدْ كَلَّمَهُ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ أَفْهَمَهُ مَا فِي نَفْسِهِ مِنْ كَلَامِهِ بِذَاتِهِ دُونَ وَاسِطَةٍ مِنْ رَسُولٍ أَوْ كِتَابٍ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيمَ وَإِنْ كَانَ يَقَعُ عَلَى مَا سِوَى الْإِفْهَامِ بِاللِّسَانِ فَقَدْ تُعُرِّفَ بِالنُّطْقِ بِالْإِفْهَامِ بِاللِّسَانِ دُونَ مَا سِوَاهُ، فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ وَأَنْ لَا يَحْنَثَ الْحَالِفُ عَلَى تَرْكِ تَكْلِيمِ الرَّجُلِ بِمَا سِوَاهُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ، انْتَهَى. فَانْظُرْ هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي تَرَكَهُ الْمُؤَلِّفُ مَعَ قُوَّتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْأَيْمَانِ فِي أَثْنَاءِ مَسْأَلَةِ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فَقَرَأَ بِقَلْبِهِ: وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ رَجُلًا فَنَفَخَ فِي وَجْهِهِ فَلَيْسَ بِكَلَامٍ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ وَنَقَلَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعَ وَنَقَلَهُ الْجُزُولِيُّ عَنْهُ فِي الْكَبِيرِ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَالنَّفْخُ فِي الصَّلَاةِ كَالْكَلَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَلَا بِسَلَامٍ عَلَيْهِ فِي صَلَاةٍ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ زَيْدًا فَأَمَّ قَوْمًا فِيهِمْ زَيْدٌ فَسَلَّمَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ أَوْ صَلَّى خَلْفَ زَيْدٍ، وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ فَرَدَّ ﵇ حِينَ سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَحْنَثْ، وَلَيْسَ مِثْلُ هَذَا كَلَامًا، انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ إنْ كَانَ إنَّمَا سَلَّمَ عَلَيْهِمْ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً، فَلَا يَحْنَثُ إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ سَلَّمَ اثْنَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَحْنَثُ، وَقَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: يَحْنَثُ، وَقَالَ أَيْضًا: إنْ كَانَ الْإِمَامُ الْحَالِفُ فَسَلَّمَ تَسْلِيمَتَيْنِ حَنِثَ، وَقَالَ ابْنُ مُيَسَّرٍ لَا يَحْنَثُ اللَّخْمِيُّ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْمَأْمُومُ عَلَى يَسَارِ الْإِمَامِ وَأَسْمَعَهُ؛ لِأَنَّ ثَانِيَةَ الْإِمَامِ يُشِيرُ بِهَا إلَى الْيَسَارِ فَلَمْ يُحَنِّثْهُ بِالْأُولَى؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْخُرُوجُ بِهَا مِنْ الصَّلَاةِ وَحَنَّثَهُ بِالثَّانِيَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِمُرَاعَاةِ الْأَلْفَاظِ وَلَمْ يُحَنِّثْهُ عَلَى الْقَوْلِ بِمُرَاعَاةِ الْمَقَاصِدِ، انْتَهَى.
ص (وَبِسَلَامِهِ عَلَيْهِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ غَيْرُهُ) ش قَالَ فِي الشَّامِلِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَلَوْ كَلَّمَ رَجُلًا غَيْرَهُ يَظُنُّهُ هُوَ يَعْنِي الْحَالِفَ لَمْ يَحْنَثْ، وَلَوْ قَصَدَهُ كَأَنْ سَلَّمَ عَلَى مَنْ رَأَى مِنْ جَمَاعَةٍ أَوْ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَرَهُ مَعَهُمْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَلَّمَ مَنْ عَرَفَ.
ص (أَوْ فِي جَمَاعَةٍ إلَّا أَنْ يُحَاشِيَهُ)
ش: قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ عَبْدُ الْحَقِّ فِي النُّكَتِ: وَمَعْنَى قَوْلِهِ: يَعْنِي فِي الْمُدَوَّنَةِ إلَّا أَنْ يُحَاشِيَهُ أَيْ بِقَلْبِهِ
[ ٣ / ٣٠١ ]
أَوْ بِلِسَانِهِ إذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، وَإِذَا حَدَثَتْ لَهُ الْمُحَاشَاةُ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ لَمْ تَنْفَعْهُ إلَّا أَنْ يَلْفِظَ بِهَا كَالِاسْتِثْنَاءِ، وَلَوْ أَدْخَلَهُ أَوَّلًا بِقَلْبِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ إخْرَاجُهُ بِلَفْظِهِ، وَيَقُومُ مِنْهَا جَوَازُ السَّلَامِ عَلَى جَمَاعَةٍ فِيهِمْ نَصْرَانِيٌّ إذَا حَاشَاهُ، انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَبِعَدَمِ عِلْمِهِ فِي لَأَعْلَمَنَّهُ إلَخْ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ حَلَفَ لِرَجُلٍ إنْ عَلِمَ بِكَذَا لَيُعْلِمَنَّهُ أَوْ لَيُخْبِرَنَّهُ فَعَلِمَاهُ جَمِيعًا لَمْ يَبَرَّ حَتَّى يُعْلِمَهُ أَوْ يُخْبِرَهُ، وَإِنْ كَتَبَ بِهِ إلَيْهِ أَوَأَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا بَرَّ قَالَ اللَّخْمِيُّ يُرِيدُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِعِلْمِهِ، وَأَمَّا إنْ عَلِمَ بِعِلْمِهِ، فَلَا يَحْنَثُ إلَّا بِمُرَاعَاتِ الْأَلْفَاظِ، انْتَهَى. وَأَبْقَاهَا أَبُو عُمْرَانِ عَلَى إطْلَاقِهَا.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَإِذَا حَلَفَ لَيُكَلِّمَنَّهُ فَلَا يَبَرُّ بِالْكِتَابِ وَالرَّسُولِ، بِخِلَافِ لَيُعْلِمَنَّهُ وَلَيُخْبِرَنَّهُ، انْتَهَى بِالْمَعْنَى.
ص (وَبِمَرْهُونٍ فِي لَا ثَوْبَ لِي)
ش: اعْلَمْ أَنَّ الرِّوَايَاتِ اخْتَلَفَتْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاخْتَلَفَتْ الْأَجْوِبَةُ فِيهَا قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ وَتَحْصِيلُهَا أَنْ نَقُولَ: لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ أَوْ لَا تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي الثَّوْبَيْنِ فَضْلٌ أَمْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الثَّوْبَيْنِ فَضْلٌ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَنْوِي وَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ، وَهَلْ يَحْلِفُ عَلَى نِيَّةٍ أَمْ لَا؟ فَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ قُبِلَتْ نِيَّتُهُ فِيمَا يَنْوِي فِيهِ، فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ عَلَى أَصْلِ الْمُدَوَّنَةِ وَلِمَالِكٍ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ يَحْلِفُ أَنَّهُ أَرَادَ مَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ لِلْعَارِيَّةِ وَذَلِكَ نِيَّتُهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمَا فَضْلٌ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى افْتِكَاكِهِ قَبْلَ الْأَجَلِ أَوْ قَادِرًا عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى الْفِكَاكِ لِعُسْرِهِ أَوْ لِدَيْنٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَعْجِيلِهِ إلَّا بِرِضَا صَاحِبِهِ كَالطَّعَامِ وَسَائِرِ الْعُرُوضِ مِنْ بِيَعٍ، فَلَا إشْكَالَ أَنَّهُ يَنْوِي وَلَا يَحْنَثُ، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْفِكَاكِ بِتَعْجِيلِ الدَّيْنِ، وَهُوَ ذُو مَالٍ فَهَلْ يَنْوِي أَوْ يَحْنَثُ؟ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَنْوِي، وَهُوَ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ الثَّانِي يَحْنَثُ وَلَا يَنْوِي، وَهَذَا الْقَوْلُ مُخَرَّجٌ مِنْ ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِهِ: أَوْ كَانَ فِي الثَّوْبَيْنِ فَضْلٌ، وَمَا رَأَيْتَ فِيهَا نَصًّا إلَّا أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ قَالَ: يَحْنَثُ، وَأَظُنُّ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، هَذَا نَصُّ قَوْلِهِ: وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَاَلَّذِي يَتَخَرَّجُ مِنْ الْكِتَابِ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ يَحْنَثُ كَانَ فِي الثَّوْبَيْنِ فَضْلٌ أَمْ لَا، وَهَذَا نَقْلُ أَبِي سَعِيدٍ فِي التَّهْذِيبِ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ كَانَ فِي الثَّوْبَيْنِ فَضْلٌ أَمْ لَا، وَهِيَ رِوَايَةُ الدَّبَّاغِ فِي الْمُدَوَّنَةِ الَّتِي قَالَ: لَا أَرَاهُ حَانِثًا.
وَالثَّالِثُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِيهِمَا فَضْلٌ أَمْ لَا، فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا فَضْلٌ حَنِثَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا فَضْلٌ لَمْ يَحْنَثْ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَضْعَفُ الْأَقْوَالِ، انْتَهَى. وَلَفْظُ تَهْذِيبِ أَبِي سَعِيدٍ: وَإِنْ اُسْتُعِيرَ ثَوْبٌ فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ مَا يَمْلِكُ إلَّا ثَوْبًا وَلَهُ ثَوْبَانِ مَرْهُونَانِ، فَإِنْ كَانَا كَفَافَ دَيْنِهِ لَمْ يَحْنَثْ إنْ كَانَتْ
[ ٣ / ٣٠٢ ]
تِلْكَ نِيَّتُهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ حَنِثَ كَانَ فِيهِمَا فَضْلٌ أَمْ لَا، انْتَهَى
ص (وَبِبَقَائِهِ وَلَوْ لَيْلًا فِي لَا سَكَنْتُ) ش أَيْ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ، وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَقَالَ أَصْبَغُ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَزِيدَ عَلَيْهِمَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ أَقَامَ لِنَقْلِ حَوَائِجِهِ لِكَثْرَتِهَا يَحْنَثُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ التُّونُسِيُّ، وَانْظُرْ إذَا حَلَفَ أَنْ لَا يُسَاكِنَهُ فَابْتَدَأَ بِالنَّقْلَةِ فَأَقَامَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً يَنْقُلُ قُمَاشَهُ لِكَثْرَتِهِ أَوْ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى نَقْلُهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالْيَمِينِ، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ نَقْلِهِ مَا تَقَدَّمَ قُلْت مِثْلُهُ قَوْلُهَا ذَلِكَ فِي أَخْذِ طَعَامٍ مِنْ مَدِينٍ، انْتَهَى. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَإِنْ أَخَذَ فِي النَّقْلَةِ فَأَقَامَ يَنْقُلُ مَتَاعَهُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً لِكَثْرَتِهِ لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، انْتَهَى. ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ التُّونُسِيِّ، وَانْظُرْ لَوْ كَانَ فِي الدَّارِ مَطَامِيرُ، وَقَدْ أَكْرَى الدَّارَ فَهَلْ يَنْقُلُ مَا فِي الْمَطَامِيرِ، وَيَنْبَغِي إذَا كَانَتْ الْمَطَامِيرُ لَا تَدْخُلُ فِي الْكِرَاءِ إلَّا بِاشْتِرَاطٍ فَإِنَّ النَّاسَ يُكْرُونَ الْمَطَامِيرَ وَحْدَهَا لِخَزْنِ الطَّعَامِ، إلَّا أَنْ لَا تَدْخُلَ فِي الْيَمِينِ، وَإِنَّ لَهُ تَرْكَهَا إذَا كَانَ قَدْ أَكْرَى الْمَطَامِيرَ عَلَى الِانْفِرَادِ ثُمَّ سَكَنَ، أَوْ سَكَنَ ثُمَّ أَكْرَى الْمَطَامِيرَ، إلَّا أَنْ لَا يَثِقَ بِالْمَطَامِيرِ أَنْ تَبْقَى إلَّا بِمَكَانِ سُكْنَاهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْقُلَهَا مَعَ قَشِّهِ اهـ.
(قُلْت) وَشِبْهُ الْمَطَامِيرِ الصَّهَارِيجُ عِنْدَنَا بِالْحِجَازِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَكْرَى فِي عِبَارَةِ التُّونُسِيّ بِمَعْنَى اكْتَرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) إذَا خَرَجَ لَمْ يَرْجِعْ إلَى سُكْنَى مَا حَلَفَ أَنْ لَا يُسَاكِنَهُ أَبَدًا؛ لِأَنَّهُ عَلَى الْعُمُومِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: لَأَنْتَقِلَنَّ قَالَهُ التُّونُسِيُّ.
(الثَّانِي) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيّ لَوْ حَلَفَ لَيَسْكُنَنَّهَا بَرَّ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَعَلَى قَوْلِ أَصْبَغَ بِأَكْثَرَ، وَعَلَى رَعْيِ الْقَصْدِ لَا يَبَرُّ إلَّا بِطُولِ مُقَامٍ يَرَى أَنَّهُ قَصَدَهُ (قُلْت) يَلْزَمُهُ عَلَى إجْرَائِهِ الْبِرَّ عَلَى مَا بِهِ الْحِنْثُ بِرُّهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِسَاعَةٍ وَنَحْوِهَا، أَوْ مَا يُوجِبُ الْحِنْثَ قَدْ لَا يُوجِبُ الْبِرَّ، انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ، وَإِنْ حَلَفَ لَيَسْكُنَنَّهَا قِيلَ لَمْ يَبَرَّ إلَّا أَنْ يَسْكُنَهَا بِنَفْسِهِ وَمَتَاعِهِ وَعِيَالِهِ اللَّخْمِيُّ وَأَرَى أَنْ يَبَرَّ، وَإِنْ لَمْ يَسْكُنْ بِمَتَاعِهِ انْتَهَى.
ص (وَلَا بِخَزْنٍ)
ش: لِأَنَّ الْخَزْنَ لَا يُعَدُّ سُكْنَى إذَا انْفَرَدَ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ
ص (وَانْتَقَلَ فِي لَا أُسَاكِنُهُ عَمَّا كَانَا) ش قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ
[ ٣ / ٣٠٣ ]
لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ لَهُ: لَا سَاكَنْتُكَ، أَوْ لَا سَكَنْت مَعَكَ، أَوْ لَا جَاوَرْتُكَ، وَظَاهِرُ الْمَجْمُوعَةِ أَنَّ لَفْظَ الْمُجَاوَرَةِ أَشَدُّ فِي طَالِبِ التَّبَاعُدِ عَلَى مَا فَهِمْت، وَهُوَ أَبْيَنُ، انْتَهَى. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: انْتَقَلَ الِانْتِقَالُ عَنْ الْحَالَةِ الَّتِي كَانَا عَلَيْهَا حِينَ الْيَمِينِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَإِنْ كَانَا حِينَ الْيَمِينِ فِي حَارَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ رَبَضٍ وَاحِدٍ انْتَقَلَ أَحَدُهُمَا مِنْ تِلْكَ الْحَارَةِ إلَى حَارَةٍ أُخْرَى وَإِلَى رَبَضٍ آخَرَ حَيْثُ لَا يَجْتَمِعَانِ لِلصَّلَاةِ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَا حِينَ الْيَمِينِ فِي قَرْيَةٍ وَاحِدَةٍ انْتَقَلَ عَنْهَا إلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فِي قَرْيَةٍ بَعُدَ عَنْهُ إلَى حَيْثُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ فِي مَسْقًى وَلَا مَحْطَبٍ وَلَا مَسْرَحٍ، وَإِنْ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْعَمُودِ فَحَلَفَ أَنْ لَا يُجَاوِرَهُ أَوْ لَيَنْتَقِلَنَّ عَنْهُ فَلْيَنْتَقِلْ حَيْثُ يَنْقَطِعُ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ خُلْطَةِ الْعِيَالِ وَالصِّبْيَانِ حَتَّى لَا يَنَالَ بَعْضُهُمْ بَعْضَهُمْ فِي الْعَارِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِ إلَّا بِالْكُلْفَةِ وَالتَّعَبِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَيْضًا: فَإِنْ انْتَقَلَ أَحَدُهُمَا إلَى الْعُلُوِّ وَبَقِيَ الْآخَرُ فِي السُّفْلِ أَجْزَأَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَرَأَى بَعْضُ الشُّيُوخِ أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَكْفِي إذَا كَانَ سَبَبُ الْيَمِينِ مَا يَقَعُ بَيْنَهُمَا مِنْ أَجْلِ الْمَاعُونِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ عَدَاوَةٍ حَصَلَتْ بَيْنَهُمَا فَلَا يَكْفِي، وَمِثْلُ انْتِقَالِ أَحَدِهِمَا إلَى الْعُلُوِّ انْتِقَالُهُمَا إلَى دَارٍ فِيهَا مَقَاصِيرُ وَحُجَرٌ سَكَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْصُورَةً، وَإِنْ كَانَا حِينَ الْيَمِينِ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ الْحَالَيْنِ أَعْنِي أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا فِي عُلُوٍّ وَالْآخَرُ فِي سُفْلٍ، أَوْ كَانَا فِي دَارٍ ذَاتِ مَقَاصِيرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَقْصُورَةٍ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْتَقِلَا فَيَسْكُنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَنْزِلٍ مُخْتَصٍّ بِهِ، انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فُرُوعٌ حَلَفَ لَا سَاكَنَهُ وَهُمَا فِي دَارٍ]
(فُرُوعٌ) (الْأَوَّلُ) إذَا حَلَفَ لَا سَاكَنَهُ وَهُمَا فِي دَارٍ لَمْ يَحْنَثْ إذَا سَاكَنَهُ فِي بَلَدٍ قَالَهُ الْبِسَاطِيُّ، وَهَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَلَا بِسَاطٌ وَإِلَّا عُمِلَ عَلَى ذَلِكَ اُنْظُرْ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ هُنَا انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) فَقَالَ الْبِسَاطِيُّ الِانْتِقَالُ هُنَا يَصْدُقُ بِانْتِقَالِهِمَا مَعًا أَوْ بِانْتِقَالِ أَحَدِهِمَا، وَلِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ عَمَّا كَانَا لَكِنَّهُ يَصْدُقُ بِانْتِقَالِ أَحَدِهِمَا إلَى مَوْضِعِ الْآخَرِ مَعَ بَقَاءِ الْحِنْثِ اهـ. بِالْمَعْنَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا قَالَهُ الْبِسَاطِيُّ لَا يَرُدُّ عَلَى الْمُؤَلِّفِ لِمَنْ اعْتَنَى بِكَلَامِهِ، وَمَا قَالَهُ فِي الِانْتِقَالِ مِنْ أَنَّهُ يَصْدُقُ بِانْتِقَالِهِمَا مَعًا أَوْ بِانْتِقَالِ أَحَدِهِمَا هُوَ عَامٌّ حَتَّى فِي الْقَرْيَتَيْنِ وَالْحَارَتَيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَحْنَثُ فِي لَا سَاكَنَهُ بِسَفَرِهِ مَعَهُ وَيَنْوِي ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ لِمُحَمَّدٍ عَنْ أَشْهَبَ ابْنُ رُشْدٍ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ التَّنَحِّيَ عَنْهُ.
[آذَاهُ جَارُهُ فَحَلَفَ لَا سَاكَنْتُكَ أَوْ قَالَ جَاوَرْتُكَ فِي هَذِهِ الدَّارِ]
(الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ مَنْ آذَاهُ جَارُهُ فَحَلَفَ لَا سَاكَنْتُكَ أَوْ قَالَ جَاوَرْتُكَ فِي هَذِهِ الدَّارِ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يُسَاكِنَهُ فِي غَيْرِهَا، وَلَا يَحْنَثُ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، وَأَمَّا إنْ كَرِهَ مُجَاوَرَتَهُ أَبَدًا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، قَالَ: وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: لَا سَاكَنْتُكَ بِمِصْرَ فَسَاكَنَهُ بِغَيْرِهَا مِثْلُ ذَلِكَ سَوَاءٌ، انْتَهَى.
ص (لَا لِدُخُولِ عِيَالٍ)
ش: يُشِيرُ لِقَوْلِهِ: فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ كَانَتْ لِمَا يَدْخُلُ بَيْنَ الْعِيَالِ وَالصِّبْيَانِ فَهُوَ أَخَفُّ ابْنُ يُونُسَ أَيْ لَا يَحْنَثُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (إنْ لَمْ يُكْثِرْهَا نَهَارًا أَوْ بَيَّتَ بِلَا مَرَضٍ)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَاخْتُلِفَ إنْ أَطَالَ التَّزَاوُرَ، فَقَالَ أَشْهَبُ وَأَصْبَغُ لَا يَحْنَثُ، وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ: يَحْنَثُ وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّ الطُّولِ فَقِيلَ: مَا زَادَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يُكْثِرَ الزِّيَارَةَ نَهَارًا وَيَبِيتَ بِغَيْرِ مَرَضٍ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ مِنْ بَلَدٍ آخَرَ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يُقِيمَ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ عَلَى غَيْرِ مَرَضٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ، وَمِثْلُهُ حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ.
(فَرْعٌ) الْحَالِفُ لَا يَأْوِي إلَى فُلَانٍ فَأَلْجَأَهُ مَطَرٌ أَوْ خَوْفٌ وَجَنَّهُ اللَّيْلُ فَأَوَى إلَيْهِ لَيْلَةً أَوْ بَعْضَ لَيْلَةٍ فَقَدْ حَنِثَ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى السُّكْنَى اهـ. مِنْ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ
[ ٣ / ٣٠٤ ]
ص (كَأَنْتَقِلَنَّ)
ش: الظَّاهِرُ يُرِيدُ كَأَنْتَقِلَنَّ السَّابِقَةِ فِي قَوْلِهِ: لَا فِي لَأَنْتَقِلَنَّ وَيُشِيرُ بِهِ إلَى أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَيَنْتَقِلَنَّ فَانْتَقَلَ، ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ إلَى الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ نِصْفُ شَهْرٍ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُكْمِلَ الشَّهْرَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي مَسْأَلَةِ لَأَنْتَقِلَنَّ وَلِابْنِ الْقَاسِمِ: إنْ رَجَعَ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ لَمْ يَحْنَثْ، وَالشَّهْرُ أَحَبُّ إلَيَّ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَكَذَلِكَ إذَا حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ فُلَانًا مِنْ دَارِهِ فَأَخْرَجَهُ فَلَهُ رَدُّهُ بَعْدَ شَهْرٍ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا قَصَدَ بِالِانْتِقَالِ تَرْهِيبَ جَارِهِ، وَأَمَّا إنْ كَرِهَ جِوَارَهُ فَلَا يُسَاكِنُهُ أَبَدًا قَالَهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ: أَوْ لَأَنْتَقِلَنَّ مِنْ بَلَدٍ أَوْ مِنْ حَارَةٍ أَوْ مِنْ بَيْتٍ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ إلَّا أَنَّهُ فِي الْبَلَدِ لَا بُدَّ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ أَبْعَدَ مِنْ بَلَدِهِ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَالْحَالِفُ لَأَنْتَقِلَنَّ إنْ لَمْ يَضْرِبْ أَجَلًا فَهُوَ عَلَى حِنْثٍ، وَلَا يَحْنَثُ إنْ أَخَّرَ الِانْتِقَالَ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ الْبِسَاطِيُّ وَيُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِطَلَاقٍ، وَإِنْ ضَرَبَ أَجَلًا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَهُوَ فِيهِ عَلَى بِرٍّ، انْتَهَى.
[فَرْعٌ سَكَنَ مَنْزِلًا لِامْرَأَتِهِ فَمَنَّتْ عَلَيْهِ فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَيَنْتَقِلَنَّ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ سَكَنَ مَنْزِلًا لِامْرَأَتِهِ فَمَنَّتْ عَلَيْهِ فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَيَنْتَقِلَنَّ وَلَمْ يُؤَجِّلْ فَأَقَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَطْلُبُ مَنْزِلًا فَلَمْ يَجِدْهُ فَأَرْجُو أَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. قِيلَ: إنْ أَقَامَ شَهْرًا. قَالَ: إنْ تَوَانَى فِي الطَّلَبِ خِفْت أَنْ يَحْنَثَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَيْسَ هَذَا خِلَافًا لِمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ الْوَاضِحَةِ لِمَا فِي هَذَا مِنْ بِسَاطِ الْمِنَّةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَوَانَى شَهْرًا قَوِيَتْ مِنَّتُهَا عَلَيْهِ، وَلَا يَحْنَثُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَطْلُبُ فِيهَا مَنْزِلًا؛ لِأَنَّ هَذَا الْمِقْدَارَ لَا يَحْصُلُ بِهِ مِنَّةٌ أَلْبَتَّةَ اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَوْ بِبَقَاءِ رَحْلِهِ لَا بِكَمِسْمَارٍ)
ش: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا رَاجِعٌ لِأَصْلِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا قَالَ الْبِسَاطِيُّ، وَقَوْلُهُ: كَمِسْمَارٍ يَعْنِي بِهِ أَنَّ الشَّيْءَ التَّافِهَ الَّذِي لَا بَالَ لَهُ لَا يُحْنَثُ بِهِ كَالْمِسْمَارِ وَالْوَتَدِ لِلنَّزَارَةِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَنَصَّ فِي الْمَوَّازِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ إذَا تَصَدَّقَ بِمَتَاعِهِ عَلَى صَاحِبِ الْمَنْزِلِ أَوْ غَيْرِهِ فَتَرَكَهُ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ فِي الْمَنْزِلِ لَمْ يَحْنَثْ، وَنَزَلَتْ فَأَفْتَيْتُ فِيهَا بِذَلِكَ إذَا أُمِنَ مِنْ التَّوْلِيجِ وَلَمْ يَطْمَعْ بِمُكَافَأَةِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إنْ طَمَعَ فِي ذَلِكَ فَفِيهِ نَظَرٌ، انْتَهَى. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ قَالَ مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ أَبْقَاهُ صَدَقَةً عَلَى رَبِّ الدَّارِ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَحْنَثْ.
(قُلْت) إنْ قَبِلَهُ حِينَئِذٍ، وَأَمَّا إنْ تَأَخَّرَ عَنْ قَدْرِ مَا يُحْنَثُ بِهِ جَرَى حِنْثُهُ عَلَى الْمُتَرَقَّبِ هَلْ يُعَدُّ حَاصِلًا يَوْمَ حُصُولِهِ أَوْ يَوْمَ حُصُولِ سَبَبِهِ، انْتَهَى.
[فَرْعٌ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ فَأَدْخَلَ يَدَهُ أَوْ رَأْسَهُ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ فَأَدْخَلَ يَدَهُ أَوْ رَأْسَهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ أَدْخَلَ رِجْلًا وَاحِدَةً فَقَالَ مَالِكٌ يَحْنَثُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ وَضَعَهَا مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ أَوْ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْعَتَبَةِ يَمْنَعُ الْغَلْقَ حَنِثَ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إنْ أَقَلَّ الْخَارِجَةَ لِيَدْخُلَ فَتَذَكَّرَ فَأَخْرَجَهَا حَنِثَ، وَإِنْ وَقَفَ عَلَيْهَا لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ أَدْخَلَ رَأْسَهُ وَصَدْرَهُ قَائِمًا لَمْ يَحْنَثْ وَمُضْطَجِعًا حَنِثَ، انْتَهَى. وَالْمَسْأَلَةُ فِي النَّوَادِرِ نَقَلَهَا عَنْ الْعُتْبِيَّةِ وَالْوَاضِحَةِ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَبِاسْتِحْقَاقِ بَعْضِهِ أَوْ عَيْبِهِ قَبْلَ الْأَجَلِ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ إلَى أَجَلٍ فَقَضَاهُ إيَّاهُ، ثُمَّ وَجَدَ فِيهِ صَاحِبُ الْحَقِّ دِرْهَمًا نُحَاسًا أَوْ رَصَاصًا أَوْ نَاقِصًا بَيِّنًا أَوْ زَائِفًا لَا يَجُوزُ أَوْ اُسْتُحِقَّتْ مِنْ يَدِهِ فَقَامَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْأَجَلِ فَهُوَ حَانِثٌ، انْتَهَى. .
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: لَا إشْكَالَ فِي الْحِنْثِ إذَا كَانَ الدَّافِعُ عَالِمًا بِذَلِكَ حِينَ الْقَضَاءِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْلَمْ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ يَحْنَثُ قَالَ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ وَهُوَ مُشْكِلٌ
[ ٣ / ٣٠٥ ]
لِأَنَّ الْقَصْدَ أَنْ لَا يُمَاطِلَ، وَقَدْ فَعَلَ اللَّخْمِيُّ الْحِنْثُ عَلَى مُرَاعَاةِ الْأَلْفَاظِ، وَلَا يَحْنَثُ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ أَنْ لَا يَلِدَ، انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ لَيْسَ هُوَ صَرِيحًا فِيهَا كَمَا تَقَدَّمَ لَكِنَّهُ ظَاهِرُهَا كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ كِتَابِ النُّذُورِ مِنْ الْعُتْبِيَّةِ. قَالَ فِيهَا فِي عَبْدٍ مَمْلُوكٍ حَلَفَ لِغَرِيمٍ لَهُ لَيَقْضِيَنَّهُ إلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ، فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعَةٌ خَافَ الْحِنْثَ فَعَمَدَ إلَى غَرِيمٍ لِسَيِّدِهِ فَتَقَاضَى مِنْهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَقَضَى غَرِيمَهُ، فَلَمَّا عَلِمَ سَيِّدُهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَأَخَذَ مِنْ الْغَرِيمِ مَا قَضَاهُ الْغُلَامُ قَالَ مَالِكٌ أَرَاهُ حَانِثًا. وَكَذَلِكَ لَوْ سَرَقَهَا فَقَضَاهُ إيَّاهَا حَانِثًا قِيلَ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَجَازَ السَّيِّدُ بَعْدَ الْعَشَرَةِ الْأَيَّامِ. قَالَ: مَا أَرَى مِنْ أَمْرٍ بَيِّنٍ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَرَاهُ فِي هَذَا حَانِثًا حِينَ لَمْ يُجْزِ قَبْلَ أَنْ يَنْقَضِيَ الْأَجَلُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ مَا أَعْطَاهُ عَبْدُهُ مِنْ مَالِهِ أَخَذَهُ، فَإِنَّمَا وَقَعَ الْقَضَاءُ بَعْدَ الْأَجَلِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إنْ عَلِمَ السَّيِّدُ قَبْلَ الْعَشَرَةِ الْأَيَّامِ فَأَجَازَ بَرَّ الْعَبْدُ، فَإِنْ لَمْ يُجِزْ وَأَخَذَ حَقَّهُ حَنِثَ إلَّا أَنْ يَقْضِيَ غَرِيمَهُ ثَانِيَةً قَبْلَ الْعَشَرَةِ الْأَيَّامِ وَلَا اخْتِلَافَ فِي هَذَا، وَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ الْعَشَرَةِ الْأَيَّامِ فَثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ الْعَبْدَ حَانِثٌ أَجَازَ السَّيِّدُ أَوْ لَمْ يُجِزْ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ الْمُسْتَحِقُّ مَا اسْتَحَقَّ أَوْ لَا يَأْخُذُهُ، وَظَاهِرُ مَا فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ.
وَالثَّانِي لِابْنِ كِنَانَةَ أَنَّهُ إنْ أَجَازَ السَّيِّدُ وَإِلَّا حَنِثَ.
وَالثَّالِثُ لَا حِنْثَ عَلَى الْعَبْدِ أَجَازَ السَّيِّدُ أَوْ لَمْ يُجِزْ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ مَا مَضَى إلَّا وَقَدْ اقْتَضَى الْغَرِيمُ حَقَّهُ وَدَخَلَ فِي ضَمَانِهِ، وَلَوْ تَلِفَ كَانَتْ مُصِيبَتُهُ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ يَدْخُلُ بِأَقَلِّ الْوُجُوهِ، انْتَهَى.
وَجَزَمَ اللَّخْمِيُّ بِنِسْبَةِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لِلْمُدَوَّنَةِ قَالَ: إنْ كَانَ عَالِمًا حَنِثَ وَيُخْتَلَفُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يَحْنَثُ، ثُمَّ قَالَ: وَاخْتُلِفَ إذَا لَمْ يَأْخُذْهَا الْمُسْتَحِقُّ، فَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ لَا يَحْنَثُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَحْنَثُ، انْتَهَى. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: صَرَّحَ ابْنُ بَشِيرٍ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى الْحِنْثِ إذَا لَمْ يُجِزْ الْمُسْتَحِقُّ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْبَيَانِ ثَالِثًا أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَإِنْ لَمْ يُجِزْ الْمُسْتَحِقُّ، انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ كَلَامِ الْبَيَانِ الْمُشَارُ إلَيْهِ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قِيلَ: وَإِنَّمَا يَحْنَثُ إذَا اسْتَحَقَّ الْعَيْنَ بَعْدَ الْأَجَلِ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى عَيْنِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا تَتَعَيَّنُ.
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ أَوْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، انْتَهَى. وَمَا حَكَاهُ بِقِيلَ جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَنَصُّهُ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ: وَهَذَا الِاخْتِلَافُ كُلُّهُ إنَّمَا هُوَ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الدِّينَارِ بِعَيْنِهِ عِنْدَ الْغَرِيمِ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي سَرَقَهُ الْعَبْدُ أَوْ اقْتَضَاهُ مِنْ غَرِيمِ سَيِّدِهِ فَقَضَاهُ إيَّاهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الدَّنَانِيرَ تَتَعَيَّنُ.
وَأَمَّا إنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، فَلَا يَكُونُ لِلسَّيِّدِ سَبِيلٌ إلَى غَرِيمِ الْعَبْدِ وَيَرْجِعُ عَلَى عَبْدِهِ بِالدَّنَانِيرِ إنْ كَانَ وَكِيلًا لَهُ عَلَى الِاقْتِضَاءِ أَوْ عَلَى غَرِيمٍ إنْ كَانَ الْعَبْدُ مُتَعَدِّيًا فِي الِاقْتِضَاءِ وَيَبَرُّ الْعَبْدُ فِي يَمِينِهِ، انْتَهَى.
[فَرْعٌ حَلَفَ ليقضين فُلَانًا حَقَّهُ فِي الْأَجَلِ الْفُلَانِيِّ فَأَعْطَاهُ رَهْنًا]
(فَرْعٌ) مَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ فِي الْأَجَلِ الْفُلَانِيِّ فَأَعْطَاهُ رَهْنًا لَمْ يَبَرَّ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ أَشْهَبُ يَبَرُّ بِذَلِكَ نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ نَذْرِ سَنَةٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِأَنَّهُ لَا يَرَى الْبِرَّ إلَّا بِأَكْمَلِ الْوُجُوهِ، وَعَزَا ابْنُ عَرَفَةَ لِلْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يَبَرُّ وَلَمْ أَرَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ فِي الْمُدَوَّنَةِ، فَإِنَّهُ نَقَلَ الْقَوْلَيْنِ وَلَمْ يَعْزُ أَحَدُهُمَا لِلْمُدَوَّنَةِ، وَوَقَعَتْ مَسْأَلَةٌ: وَهِيَ أَنَّ رَجُلًا حَلَفَ أَنَّهُ أَوْصَلَ لِغَرِيمِهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ دِينَارًا وَنَوَى أَنَّهُ أَعْطَى لِشَرِيكِهِ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرِ وَأَعْطَى لِصَاحِبِ الْحَقِّ رَهْنًا يُسَاوِي عَشَرَةَ دَنَانِيرَ، فَلَمْ أَرَ فِيهَا نَصًّا لَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ النِّيَّةَ تَنْفَعُهُ، أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ فَظَاهِرٌ لِأَنَّهُ جَعَلَ إعْطَاءَ الرَّهْنِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ قَضَاءِ الْحَقِّ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ مَسْأَلَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ أَنَّ الْحَالِفَ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّلْ عَدَمَ الْحِنْثِ بِأَنَّ إعْطَاءَ الرَّهْنِ
[ ٣ / ٣٠٦ ]
مُخَالِفٌ لِقَضَاءِ الْحَقِّ، وَإِنَّمَا عَلَّلَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ لَا يَرَى الْبِرَّ إلَّا بِأَتَمِّ الْوُجُوهِ، بَلْ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ إعْطَاءَ الرَّهْنِ هُوَ مِنْ إعْطَاءِ الْحَقِّ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِأَتَمِّ الْوُجُوهِ، وَعَلَى هَذَا فَإِذَا قَالَ: نَوَيْتُهُ قُبِلَتْ نِيَّتُهُ عَلَى أَنِّي لَا أَجْزِمُ بِقَبُولِ النِّيَّةِ اعْتِمَادًا عَلَى هَذَا الْبَحْثِ، وَلَعَلَّ اللَّهَ يَفْتَحُ فِيهَا بِنَصٍّ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
ص (إنْ لَمْ تَفِ)
ش: أَيْ إنْ لَمْ تَفِ قِيمَةُ السِّلْعَةِ بِالدَّيْنِ، فَإِنْ وَفَتْ بِهِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْمُبْتَاعَ مَلَكَ السِّلْعَةَ بِالْفَوَاتِ وَلَزِمَهُ قِيمَتُهَا، وَهِيَ مُسَاوِيَةٌ لِدَيْنِهِ فَهِيَ قَضَاءٌ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُسَاوِيَةً حَنِثَ لِكَوْنِهِ لَمْ يَقْضِهِ.
ص (كَأَنْ لَمْ تَفُتْ عَلَى الْمُخْتَارِ)
ش: يَعْنِي إذَا لَمْ تَفُتْ السِّلْعَةُ فَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُفْصَلُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ مُسَاوِيَةً أَوْ لَا، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَأَصْبَغَ. وَقَالَ سَحْنُونٌ يَحْنَثُ.
ص (وَبِهِبَتِهِ لَهُ)
ش: يَعْنِي إذَا حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ دَيْنَهُ فَوَهَبَ الطَّالِبُ الدَّيْنَ لِلْحَالِفِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: لِعَدَمِ حُصُولِ الْقَضَاءِ اللَّخْمِيُّ هَذَا عَلَى مُرَاعَاةِ الْأَلْفَاظِ، وَأَمَّا عَلَى مُرَاعَاةِ الْمَقَاصِدِ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ أَنْ لَا تَكُونَ نِيَّتُهُ لَدَدًا وَعَلَى الْحِنْثِ فَهَلْ يَحْنَثُ بِنَفْسِ قَبُولِ الْهِبَةِ.
وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ الْأَجَلُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَصْبَغُ وَابْنُ حَبِيبٍ أَوْ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ وَلَمْ يَقْضِهِ الدَّيْنَ، وَلَوْ قَضَاهُ إيَّاهُ بَعْدَ الْقَبُولِ وَقَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ لَمْ يَحْنَثْ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَشْهَبَ، انْتَهَى.
ص (أَوْ دَفَعَ قَرِيبٌ عَنْهُ وَإِنْ مِنْ مَالِهِ)
ش: اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ وَرَسْمَ بِعْ، وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْكَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى وَاَلَّذِي بَعْدَهُ مِنْ النُّذُورِ، وَرَسْمَ أَسْلَمَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ.
ص (وَبِعَدَمِ قَضَاءٍ فِي غَدٍ فِي لَأَقْضِيَنَّكَ غَدًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْسَ هُوَ)
[ ٣ / ٣٠٧ ]
ش: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ لَأَقْضِيَنَّكَ غَدًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غَدًا، الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ قَالَهُ فِي رَسْمِ سَلَفَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ وَقَبِلَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَابْنُ يُونُسَ.
وَقَالَ فِي رَسْمِ الطَّلَاقِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ: وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَحْلِفُ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ لَيَقْضِيَنَّ رَجُلًا حَقَّهُ يَوْمَ الْفِطْرِ، وَهُوَ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْمِيَاهِ فَأَفْطَرُوا يَوْمَ السَّبْتِ وَقَضَاهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، ثُمَّ جَاءَ السَّبْتُ مِنْ أَهْلِ الْحَاضِرَةِ أَنَّ الْفِطْرَ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ هُوَ حَانِثٌ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ صَحِيحَةٌ فِي أَصْلِ الْمَذْهَبِ فِي أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ فِعْلًا فَفَعَلَهُ مُخْطِئًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ تُحْمَلُ عَلَى عُمُومِ لَفْظِهِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَخُصَّ بُنَيَّتِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَتَكُونُ لَهُ نِيَّتُهُ.
ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَنْتَفِعُ بِجَهْلِهِ أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَانَ يَوْمَ الْفِطْرِ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ تُخْرِجُهُ مِنْ الْحِنْثِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا مِثْلُ ذَلِكَ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ لَيَقْضِيَنَّ الرَّجُلَ حَقَّهُ يَوْمَ كَذَا فَيَمُرُّ ذَلِكَ الْيَوْمُ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ، انْتَهَى.
ص (وَبَرَّ إنْ غَابَ بِقَضَاءِ وَكِيلٍ تَقَاضَ أَوْ مُفَوَّضٍ)
ش: قَالَ فِي رَسْمِ جَاعَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ: وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَحْلُوفُ لَهُ حَاضِرًا فَالسُّلْطَانُ يُحْضِرُهُ وَيُجْبِرُهُ عَلَى قَبْضِ حَقِّهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ مَا لَا يُجْبَرُ عَلَى قَبْضِهِ كَعَارِيَّةٍ غَابَ عَلَيْهَا فَتَلِفَتْ عِنْدَهُ.
وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَيَبْرَأُ مِنْ يَمِينِهِ عَلَى دَفْعِ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِدَفْعِهِ إلَى السُّلْطَانِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ، انْتَهَى وَانْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ.
ص (كَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ يُشْهِدُهُمْ)
ش: يَعْنِي فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَكِيلٌ لَهُ وَلَا سُلْطَانٌ أَوْ لَهُ سُلْطَانٌ وَهُوَ جَائِرٌ أَوْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْوُصُولِ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَبَرُّ فِي يَمِينِهِ بِأَنْ يَأْتِيَ بِالْحَقِّ وَيُشْهِدَ عَلَى وَزْنِهِ وَعَدَدِهِ، وَلَوْ رَجَعَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى دَارِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ اللَّخْمِيُّ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ أَشْهَدَ عَلَى إحْضَارِهِ الْحَقَّ فِي الْأَجَلِ، ثُمَّ جَاءَ الطَّالِبُ بَعْدَ الْأَجَلِ فَمَطَلَهُ
[ ٣ / ٣٠٨ ]
لَمْ يَحْنَثْ، قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
(فَرْعٌ) لَوْ دَفَعَ الْحَقَّ إلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَوْقَفَهُ عَلَى يَدَيْهِ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَكِيلٌ وَلَا سُلْطَانٌ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ.
ص (أَوْ لِاسْتِهْلَالِهِ شَعْبَانَ) ش كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ الَّتِي رَأَيْتَ بِجَرِّ اسْتِهْلَالٍ فَاللَّامُ الْجَرِّ وَهُوَ مُشْكِلٌ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ لِاسْتِهْلَالِ رَمَضَانَ يَحْنَثُ بِخُرُوجِ شَعْبَانَ، وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ رَأْسَ الشَّهْرِ أَوْ عِنْدَ رَأْسِهِ أَوْ إذَا اسْتَهَلَّ فَلَهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ، وَإِنْ قَالَ إلَى رَمَضَانَ أَوْ إلَى اسْتِهْلَالِهِ، فَإِذَا انْسَلَخَ شَعْبَانُ وَاسْتَهَلَّ الشَّهْرُ وَلَمْ يَقْضِهِ حَنِثَ قَالَ ابْنُ يُونُسَ ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا ذُكِرَ فِيهِ إلَى فَهُوَ يَحْنَثُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ شَهْرٍ هُوَ فِيهِ كَقَوْلِهِ: إلَى الْهِلَالِ أَوْ إلَى مَجِيئِهِ أَوْ إلَى رُؤْيَتِهِ وَنَحْوِهِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ إلَى وَذَكَرَ اللَّامَ أَوْ عِنْدَ أَوْ إذَا فَلَهُ لَيْلَةُ يُهِلُّ الْهِلَالُ وَيَوْمُهَا كَقَوْلِهِ: لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ لِدُخُولِهِ لِاسْتِهْلَالِهِ أَوْ عِنْدَ اسْتِهْلَالِهِ أَوْ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ أَوْ إذَا اسْتَهَلَّ أَوْ إذَا دَخَلَ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا إنْ قَالَ: إلَى انْسِلَاخِ الشَّهْرِ أَوْ لِانْسِلَاخِهِ أَوْ فِي انْسِلَاخِهِ فَيَحْنَثُ بِالْغُرُوبِ، وَإِذَا قَالَ: عِنْدَ انْسِلَاخِهِ أَوْ إذَا انْسَلَخَ فَلَهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَقَوْلُهُ: فِي انْقِضَائِهِ كَقَوْلِهِ: فِي انْسِلَاخِهِ سَوَاءٌ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ إنَّ الِانْسِلَاخَ وَالِاسْتِهْلَالَ وَإِلَى رُؤْيَتِهِ وَإِلَى رَمَضَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ وَاحِدٌ وَلَهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، انْتَهَى.
ص (وَبِجَعْلِ ثَوْبٍ قَبَاءٍ أَوْ عِمَامَةٍ فِي لَا أَلْبِسُهُ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَلْبَسَ هَذَا الثَّوْبَ فَقَطَعَهُ قَبَاءً أَوْ قَمِيصًا أَوْ سَرَاوِيلَ أَوْ جُبَّةً أَوْ قُلَنْسِيَةً فَلَبِسَهُ حَنِثَ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَرِهَ الْأَوَّلَ لِضِيقِهِ أَوْ لِسُوءِ عَمَلِهِ فَحَوَّلَهُ فَلَا يَحْنَثُ، وَإِنْ ائْتَزَرَ بِهِ أَوْ لَفَّ بِهِ رَأْسَهُ أَوْ جَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبِهِ حَنِثَ، وَلَوْ جَعَلَهُ فِي اللَّيْلِ عَلَى فَرْجِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَأْتَزِرَ بِهِ، انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ كَرِهَ إلَخْ قَالَ أَبُو عُمَرَ إنَّ هَذَا إذَا كَانَ الثَّوْبُ حِينَ حَلَفَ يُلْبَسُ عَلَى وَجْهٍ مَا، وَأَمَّا إنْ كَانَ لَا يُلْبَسُ عَلَى وَجْهٍ كَالشَّقَائِقِ فَيَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ هَكَذَا يُلْبَسُ (الشَّيْخُ) مِثْلُ مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذِهِ الْحِنْطَةَ فَأَكَلَ خُبْزَهَا، وَقَوْلُهُ: فَإِنْ ائْتَزَرَ بِهِ إلَى آخِرِهِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي هَذَا الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: لَا يَحْنَثُ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: وَجْهٌ لَا يَحْنَثُ فِيهِ بِاتِّفَاقٍ، وَهُوَ إذَا جَعَلَهُ عَلَى نَاصِيَتِهِ. وَوَجْهٌ الِاخْتِلَافُ أَنَّهُ يَحْنَثُ، وَهُوَ إذَا لَبِسَ الثَّوْبَ عَلَى هَيْئَةِ لُبْسِهِ إذَا أَخَذَ عِمَامَةً فَأَدَارَهَا عَلَى رَأْسِهِ أَوْ رِدَاءً فَالْتَحَفَ بِهِ. وَوَجْهٌ اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَهُوَ إذَا لَبِسَ الثَّوْبَ عَلَى غَيْرِ هَيْئَتِهِ كَالْقَمِيصِ يَأْتَزِرُ بِهِ وَشِبْهِهِ، وَقَوْلُهُ: لَمْ يَعْلَمْ إنَّمَا هُوَ فِي السُّؤَالِ وَالْمُعْتَبَرُ إنَّمَا هُوَ اللُّبْسُ، انْتَهَى. وَلِهَذَا أَسْقَطَهُ الْمُصَنِّفُ فَصَنِيعُهُ أَحْسَنُ مِنْ صَنِيعِ صَاحِبِ الشَّامِلِ حَيْثُ ذَكَرَهُ فَإِنَّهُ يُوهِمُ اعْتِبَارَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحٌ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا فَحَمَلَ فِيهِ زَرْعًا عَلَى أَكْتَافِهِ أَوْ حَمَلَتْ الْمَرْأَةُ فِيهِ وَلَدَهَا قَالَ: لَا يَحْنَثُ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ زَانِيفٍ يَحْنَثُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَحْنَثُ الشَّيْخُ يَعْنِي بِالْغَيْرِ نَفْسِهِ.
[فَرْعٌ حَلَفَ ليدخلن هَذِهِ الدَّارَ فَقَامَ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْهَا]
ص (وَبِقِيَامٍ عَلَى ظَهْرِهِ وَبِمُكْتَرَى فِي لَا أَدْخُلُ لِفُلَانٍ)
ش: أَيْ فِي قَوْلِهِ: لَا أَدْخُلُ لِفُلَانٍ بَيْتًا، وَلَا أَدْخُلُ بَيْتَ فُلَانٍ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ دَارَ فُلَانٍ فَدَخَلَ بَيْتًا سَكَنَهُ فُلَانٌ بِكِرَاءٍ أَوْ قَامَ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْهَا حَنِثَ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي تَهْذِيبِ الطَّالِبِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ: نَحْنُ نَقُولُ لَوْ حَلَفَ لَيَدْخُلَنَّ هَذِهِ الدَّارَ فَقَامَ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْهَا أَنَّهُ لَا يَبَرُّ، انْتَهَى.
ص (وَبِأَكْلٍ مِنْ وَلَدٍ دَفَعَ لَهُ مَحْلُوفٌ عَلَيْهِ)
ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ، وَأَمَّا لَوْ حَلَفَ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ بِشَيْءٍ فَأَكَلَ وَلَدُهُ
[ ٣ / ٣٠٩ ]
مِنْهُ فَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَبِتَكْفِينِهِ فِي لَا أَنْفَعُهُ حَيَاتَهُ أَنَّهُ قَالَ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ: إنَّ الْوَلَدَ إذَا كَانَ خَرَجَ مِنْ وِلَايَةِ أَبِيهِ، فَلَا حِنْثَ عَلَى الْأَبِ الْحَالِفِ بِمَا أَخَذَ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، وَأَمَّا الصِّغَارُ، فَإِنْ كَانَ مَا أَخَذُوهُ يَسِيرًا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْأَبُ فِي عَوْنِ وَلَدِهِ، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَإِنْ أَخَذَ مِنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ شَيْئًا يَنْتَفِعُ بِهِ الْأَبُ فِي عَوْنِ وَلَدِهِ مِثْلُ الثَّوْبِ يَكْسُوهُ إيَّاهُ أَوْ يُطْعِمُهُ طَعَامًا يُغْنِيهِ ذَلِكَ عَنْ مُؤْنَتِهِ فَقَدْ حَنِثَ وَأَقَرَّهُ ابْنُ رُشْدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ حَلَفَ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا أَيَّامًا فَهَلْ يُلْغَى الْيَوْمُ الَّذِي حَلَفَ فِيهِ]
ص (وَبِالْكَلَامِ أَبَدًا فِي لَا أُكَلِّمُهُ الْأَيَّامَ)
ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ.
(فَرْعٌ) مَنْ حَلَفَ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا أَيَّامًا فَهَلْ يُلْغَى الْيَوْمُ الَّذِي حَلَفَ فِيهِ؟ ذَكَرَ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ النُّذُورِ فِيهِ خِلَافًا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْإِلْغَاءِ، وَذَكَرَ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ صَلَاةِ السَّفَرِ أَنَّ الْإِلْغَاءَ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَدْ نَبَّهْت عَلَى ذَلِكَ فِي شَرْحِ نَظَائِرِ الرِّسَالَةِ، وَانْظُرْ رَسْمَ الْبِرِّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ.
[تَنْبِيهٌ حَلَفَ فِي دَرَاهِمَ أَنَّ زَوْجَتَهُ أَخَذَتْهَا فَثَبَتَ أَنَّ أَخَذَهَا غَيْرُهَا]
ص (وَبِاذْهَبِي الْآنَ
[ ٣ / ٣١٠ ]
إثْرَ لَا كَلَّمْتُكَ)
ش: اُنْظُرْ رَسْمَ الْعُرْيَةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ.
ص (وَلَا إنْ دَفَنَ مَالًا فَلَمْ يَجِدْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ مَكَانَهُ فِي أَخْذَتَيْهِ) اُنْظُرْ رَسْمَ بِعْ وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْكَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الطَّلَاقِ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمَنْسُوبَةِ لِلرَّمَّاحِ إذَا حَلَفَ فِي دَرَاهِمَ أَنَّ زَوْجَتَهُ أَخَذَتْهَا فَثَبَتَ أَنَّ أَخَذَهَا غَيْرُهَا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَجَدَهَا لَمْ يَأْخُذْهَا أَحَدٌ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ إنْ مَرَّتْ فَمَا أَخَذَهَا إلَّا هِيَ التُّونُسِيُّ هَذَا عَلَى الْمَعْنَى وَظَاهِرُ اللَّفْظِ أَنَّهُ يَحْنَثُ، وَأَمَّا الْأَوْلَى فَمِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ الَّذِي لَا يُفِيدُ فِي غَيْرِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَانْظُرْ مَا تَقَدَّمَ عَنْ أَلْغَازِ ابْنِ فَرْحُونٍ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَبِوُجُودِ أَكْثَرَ فِي لَيْسَ مَعِي غَيْرُهُ.
ص (وَبِتَرْكِهَا عَالِمًا فِي لَا خَرَجْت إلَّا بِإِذْنِي)
ش: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ حَلَفَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ الْعُتْبِيَّةِ: تَحْصِيلُ الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ أَنْ لَا تَخْرُجَ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ وَإِنْ أَذِنَ لَهَا، وَإِذَا حَلَفَ لِامْرَأَتِهِ أَنْ تَخْرُجَ فَلَهَا أَنْ تَخْرُجَ حَيْثُ شَاءَتْ إذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهَا، وَإِذَا حَلَفَ أَنْ لَا تَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِهِ وَلَمْ يَقُلْ إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ فَيُجْزِئُهُ أَنْ يَقُولَ لَهَا اُخْرُجِي حَيْثُ شِئْتِ فَيَكُونُ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ حَيْثُ شَاءَتْ وَكُلَّمَا شَاءَتْ فَلَا يَحْنَثُ، وَإِنْ أَذِنَ لَهَا فِي مَوْضِعٍ بِعَيْنِهِ فَذَهَبَتْ إلَى غَيْرِهِ حَنِثَ، فَإِنْ ذَهَبَتْ إلَيْهِ ثُمَّ ذَهَبَتْ مِنْهُ لِغَيْرِهِ فَقِيلَ لَا يَحْنَثُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْوَاضِحَةِ، وَقِيلَ: يَحْنَثُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ، وَقَوْلُ أَصْبَغَ فِي نَوَازِلِهِ، وَفِي الْوَاضِحَةِ فَإِنْ رَجَعَتْ تَارِكَةً لِلْخُرُوجِ ثُمَّ خَرَجَتْ ثَانِيَةً مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ حَنِثَ، وَإِنْ رَجَعَتْ مِنْ الطَّرِيقِ
[ ٣ / ٣١١ ]
لِشَيْءٍ نَسِيَتْهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ ثَوْبٍ تَتَجَمَّلُ بِهِ وَنَحْوِهِ ثُمَّ خَرَجَتْ ثَانِيَةً عَلَى الْإِذْنِ الْأَوَّلِ فَقِيلَ: يَحْنَثُ، وَقِيلَ: لَا يَحْنَثُ. اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فَلَهُ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَهُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ نَافِعٍ وَلَهُ فِي الْوَاضِحَةِ أَنَّهُ يَحْنَثُ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ، وَأَمَّا إذَا حَلَفَ أَنْ لَا تَخْرُجَ إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ إلَّا بِإِذْنِهِ أَوْ قَالَ: إلَى مَوَاضِعَ وَلَمْ يَقُلْ مِنْ الْمَوَاضِعِ فَأَذِنَ لَهَا إلَى مَوْضِعٍ فَخَرَجَتْ إلَى غَيْرِهِ أَوْ إلَيْهِ وَإِلَى غَيْرِهِ حَنِثَ، وَإِنْ رَجَعَتْ مِنْ الطَّرِيقِ غَيْرَ تَارِكَةٍ لِلْإِذْنِ، ثُمَّ خَرَجَتْ عَلَيْهِ ثَانِيًا فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاخْتِلَافِ، وَإِنْ قَالَ لَهَا اُخْرُجِي حَيْثُ شِئْتِ فَقِيلَ لَا يُجْزِئُهَا الْإِذْنُ وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ حَتَّى تَسْتَأْذِنَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَتُعْلِمَهُ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي تَخْرُجُ إلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ هَاهُنَا وَقَوْلُ مُطَرِّفٍ وَأَصْبَغَ وَقِيلَ: يُجْزِئُهَا الْإِذْنُ وَلَهَا أَنْ تَخْرُجَ بِغَيْرِ إذْنِهِ إلَى حَيْثُ شَاءَتْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَمَّ فِي الْإِذْنِ لَهَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَشْهَبَ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ الْإِذْنِ بَعْدَ مَا أَذِنَ لَهَا، فَقَالَ لَا تَخْرُجِي فَخَرَجَتْ عَلَى الْإِذْنِ الْأَوَّلِ حَنِثَ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ لَا يَحْنَثُ، انْتَهَى.
ص (لَا إنْ أَذِنَ لِأَمْرٍ فَزَادَتْ بِلَا عِلْمٍ) ش ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ هَذَا مُخَرَّجٌ مِنْ قَوْلِهِ: لَا خَرَجَتْ إلَّا بِإِذْنِي وَأَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا خَرَجْت إلَّا بِإِذْنِي فَأَذِنَ لَهَا فِي الْخُرُوجِ لِأَمْرٍ فَزَادَتْ أَنَّهُ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى أَحَدِ قَوْلِيِّ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ وَحَمَلَ الشَّارِحُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ هُنَا عَلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْذَنَ لَهَا إلَّا فِي عِيَادَةِ مَرِيضٍ فَخَرَجَتْ فِي الْعِيَادَةِ بِإِذْنِهِ، ثُمَّ مَضَتْ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى حَاجَةٍ أُخْرَى لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَلَوْ خَرَجَتْ إلَى الْحَمَّامِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا أَنْ يَتْرُكَهَا بَعْدَ عِلْمِهِ، وَحَمْلُهَا عَلَى الْأَوَّلِ أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَبِعَوْدِهِ لَهَا بَعْدُ بِمِلْكٍ آخَرَ فِي لَا أَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ دَارَ فُلَانٍ هَذِهِ إنْ لَمْ يَنْوِ مَا دَامَتْ لَهُ لَا دَارَ فُلَانٍ، وَلَا إنْ خَرِبَتْ وَصَارَتْ طَرِيقًا إنْ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى دَارٍ لِشَخْصٍ أَنَّهُ لَا يَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ دَارَ فُلَانٍ هَذِهِ فَخَرَجَتْ الدَّارُ عَنْ مِلْكِ ذَلِكَ الشَّخْصِ لِشَخْصٍ آخَرَ فَسَكَنَهَا الْحَالِفُ بَعْدَ خُرُوجِهَا عَنْ مِلْكِ الْأَوَّلِ وَدُخُولِهَا فِي مِلْكِ الثَّانِي فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِعَوْدِهِ لَهَا هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ، وَمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ الْبِسَاطِيُّ وَاعْتَرَضَهُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ جِدًّا، فَإِنَّهُ حَمَلَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا أَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ وَهِيَ لَهُ، ثُمَّ خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ، ثُمَّ عَادَتْ لِمِلْكِهِ بِسَبَبٍ آخَرَ ظَاهِرٍ فِي عَدَمِ قَصْدِ تَخَيُّلِهِ وَسَكَنَهَا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، انْتَهَى. فَتَأَمَّلْهُ إنْ أَرَدْتَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: وَلَا إنْ خَرِبَتْ وَصَارَتْ طَرِيقًا إنْ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ قَالَ الشَّارِحُ بَهْرَامُ وَقَيَّدَ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ بِمَا إذَا لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ وَانْظُرْ مَا مَعْنَاهُ، وَقَالَ ابْنُ غَازِيٍّ أَيْ إنْ لَمْ يَأْمُرْ الْحَالِفُ بِتَخْرِيبِهَا
[ ٣ / ٣١٢ ]
حَتَّى صَارَتْ طَرِيقًا هَذَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ لَفْظِهِ عَلَى أَنَّا لَمْ نَقِفْ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ هَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ دَخَلَهَا مُكْرَهًا بَعْدَ مَا بُنِيَتْ، فَقَالَ: وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ هَذِهِ الدَّارَ فَهُدِمَتْ أَوْ خُرِبَتْ حَتَّى صَارَتْ طَرِيقًا فَدَخَلَهَا لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ بُنِيَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَدْخُلُهَا، وَإِنْ دَخَلَهَا مُكْرَهًا لَمْ يَحْنَثْ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِذَلِكَ فَيَحْنَثُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ فَهِمَ أَنَّ مَعْنَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِالْهَدْمِ وَالتَّخْرِيبِ، وَفِيهِ بُعْدٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَالظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا قَالَهُ ابْنُ غَازِيٍّ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الشَّيْخَ - ﵀ - فَهِمَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ رَاجِعٌ لِأَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ رَاجِعٌ إلَى مَسْأَلَةِ الْإِدْخَالِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ فَإِنَّهُ قَالَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِنْ قَالَ لَهُنَّ: احْمِلُونِي وَأَدْخَلُونِي فَفَعَلَ فَهَذَا يَحْنَثُ لَا شَكَّ فِيهِ، انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ - ﵀ - كَالْمُدَوَّنَةِ وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ يَمِينُهُ مِنْ أَجْلِ صَاحِبِهَا أَمْ لَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ إثْرَ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ: وَظَاهِرُهُ كَانَتْ يَمِينُهُ مِنْ أَجْلِ صَاحِبِهَا أَمْ لَا قَالَ مُحَمَّدٌ أَمَّا إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ مِنْ أَجْلِ صَاحِبِ الدَّارِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْمُرُورِ، وَإِنْ كَانَتْ كَرَاهِيَةً فِي الدَّارِ خَاصَّةً، فَلَا يَمُرُّ فِيهَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ تَفْسِيرًا، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَمَنْ حَلَفَ لَا دَخَلَ هَذَا الْبَيْتَ فَحُوِّلَ مَسْجِدًا، فَلَا يَحْنَثُ بِدُخُولِهِ، انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ نَاجِي وَأُخِذَ مِنْ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ هَذِهِ الدَّارَ فَهُدِمَتْ إلَخْ مَسْأَلَتَانِ: إحْدَاهُمَا مَنْ تَرَكَ رُبْعَهُ لِلنَّاسِ يَمْشُونَ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حَبْسًا وَلَوْ طَالَ، وَهَذَا الْأَخْذُ نَقَلَهُ شَيْخُنَا حَفِظَهُ اللَّهُ وَعَرَفْتُ أَنَّهَا وَقَعَتْ بِالْمَهْدِيَّةِ مُنْذُ أَيَّامٍ قَلَائِلَ، وَأَفْتَى فِيهَا شَيْخُنَا الْمَذْكُورُ بِمَا قُلْنَا فَأُوقِفَ عَلَى مَا كَانَ أَفْتَى بِهِ بَعْضُ شُيُوخِنَا أَنَّهُ إنْ طَالَ مَشْيُ النَّاسِ فِيهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ حَبْسًا فَرُوجِعَ فِي ذَلِكَ فَأَفْتَى بِهِ. وَالثَّانِيَةُ أَخَذَ مِنْهَا بَعْضُ شُيُوخِنَا أَنَّ الْمَسْجِدَ إذَا خَرِبَ وَصَارَ طَرِيقًا وَدَخَلَهُ رَجُلٌ فَإِنَّهُ لَا يُطْلَبُ فِيهِ بِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
. ص (وَفِي لَا بَاعَ مِنْهُ أَوْ لَهُ بِالْوَكِيلِ إنْ كَانَ مِنْ نَاحِيَتِهِ)
ش: هَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَتَرَكَ الْمُصَنِّفُ قَيْدًا مِنْ قُيُودِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ الْحَالِفُ عَالِمًا بِأَنَّهُ وَكِيلُهُ، فَإِنْ عَلِمَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ نَاحِيَتِهِ أَمْ لَا، وَأَجْرَى أَبُو الْحَسَنِ التَّأْوِيلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي قَوْلِهِ: وَبِهِ لِوَكِيلٍ هُنَا فَانْظُرْهُ، وَقَوْلُهُ: إنْ كَانَ مِنْ نَاحِيَتِهِ أَشَارَ بِهِ لِمَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ:، وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَبِيعَ لِفُلَانٍ شَيْئًا فَدَفَعَ فُلَانٌ ثَوْبًا لِرَجُلٍ فَأَعْطَاهُ الرَّجُلُ لِلْحَالِفِ فَبَاعَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ مِنْ سَبَبِ فُلَانٍ وَنَاحِيَتِهِ مِثْلُ الصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ أَوْ مَنْ فِي عِيَالِهِ وَنَحْوِهِ لَمْ يَحْنَثْ وَإِلَّا حَنِثَ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ اللَّخْمِيُّ اُخْتُلِفَ فِيمَنْ هُوَ مِنْ سَبَبِهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: الصَّدِيقُ الْمُلَاطِفُ وَمَنْ هُوَ فِي عِيَالِهِ أَوْ هُوَ فِي نَاحِيَتِهِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ هُوَ الَّذِي يُدَبِّرُ أَمْرَهُ أَبٌ أَوْ أَخٌ مِمَّنْ يَلِي أَمْرَهُ، وَأَمَّا الصَّدِيقُ وَالْجَارُ وَالْجُلَسَاءُ فَلَا، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَانْظُرْ لَوْ اشْتَرَى لِنَفْسِهِ، ثُمَّ وَلَّى الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بِحَضْرَةِ الْمَبِيعِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ الْمُوَلَّى عَلَى الْبَائِعِ، هَلْ يَحْنَثُ الْبَائِعُ؛ لِأَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ هُوَ يَطْلُبُهُ بِعُهْدَةِ الِاسْتِحْقَاقِ أَمْ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ لَمْ يَطْلُبْ بِثَمَنِهِ إلَّا الْمُوَلَّى اُنْظُرْ بَقِيَّتَهُ. وَشَبَهُهُ مَسْأَلَةُ مَنْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي لِامْرَأَتِهِ شَيْئًا فَوَلَّاهَا مَا اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ، وَهِيَ فِي رَسْمِ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ النُّذُورِ وَرَسْمِ تَسَلَّفَ مِنْهُ
. ص (وَإِنْ قَالَ حِينَ الْبَيْعِ: أَنَا حَلَفْتُ فَقَالَ: هُوَ لِي، ثُمَّ صَحَّ أَنَّهُ ابْتَاعَ لَهُ لَزِمَ الْبَيْعُ)
ش: هَذَا مُبَالَغَةٌ فِي الْكَلَامِ السَّابِقِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ لَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الشِّرَاءِ لِفُلَانٍ بَعْدَ تَقَدُّمِ قَوْلِهِ: لِنَفْسِي اشْتَرَيْتُهُ لَمْ يَحْنَثْ بِذَلِكَ الْحَالِفُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُصَدَّقٍ فِيمَا يَدَّعِي بَعْدَ أَنْ قَالَ لِنَفْسِي اشْتَرَيْتُهُ، انْتَهَى. قَالَ ابْنُ نَاجِي قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: يَقُومُ مِنْهَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ أَنَا أَبِيعُ مِنْكَ بِشَرْطِ أَنَّكَ إنْ اشْتَرَيْتَ لِفُلَانٍ، فَلَا بَيْعَ بَيْنَنَا فَثَبَتَ الشِّرَاءُ لِفُلَانٍ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَقَوْلُ التُّونُسِيِّ وَاللَّخْمِيِّ
[ ٣ / ٣١٣ ]
يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْنَثَ، وَلَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ رُدَّ بِقَوْلِهَا: قَالَ ابْنُ نَاجِي قُلْتُ وَفِيمَا ذَكَرَهُ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْمُدَوَّنَةِ انْعَقَدَ الْبَيْعُ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ وَكَانَ الْبَائِعُ صَدَقَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ كَذِبُهُ، وَفِي مَسْأَلَتِهَا الْبَيْعُ لَمْ يَنْعَقِدْ وَالصَّوَابُ الرَّدُّ عَلَيْهِمَا بِقَوْلِهَا فِي الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِالثَّمَنِ إلَى أَجَلِ كَذَا وَإِلَّا فَلَا بَيْعَ، فَإِنَّ الْبَيْعَ مَاضٍ وَالشَّرْطَ بَاطِلٌ، انْتَهَى.
ص (وَأَجْزَأَ تَأْخِيرُ الْوَارِثِ فِي إلَّا أَنْ تُؤَخِّرَنِي)
ش: قَالَ ابْنُ نَاجِي قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: وَظَاهِرُ الْكِتَابِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تُؤَخِّرْهُ الْوَرَثَةُ أَنَّهُ حَانِثٌ، وَهُوَ خِلَافُ نَقْلِ ابْنِ حَارِثٍ عَنْ الْمَجْمُوعَةِ لَوْ حَلَفَ لَأَقْضِيَنَّكَ إلَى أَجَلِ كَذَا، فَمَاتَ رَبُّهُ قَبْلُ فَقَضَى وَرَثَتُهُ بَعْدَ الْأَجَلِ لَمْ يَحْنَثْ، انْتَهَى. وَانْظُرْ أَبَا الْحَسَنِ الصَّغِيرَ.
ص (لَا فِي دُخُولِ دَارٍ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ أَنْ لَا يَدْخُلَ دَارَ زَيْدٍ أَوْ لَا يَقْضِيَهُ حَقَّهُ إلَّا بِإِذْنِ مُحَمَّدٍ فَمَاتَ مُحَمَّدٌ لَمْ يَجْزِهِ إذْنُ وَرَثَتِهِ، إذْ لَيْسَ بِحَقٍّ يُورَثُ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ فَإِذَا أَذِنَ لَهُ فَدَخَلَ فَلَا يَدْخُلُ ثَانِيَةً إلَّا بِإِذْنٍ ثَانٍ، وَإِنْ مَاتَ فَقَدْ انْقَطَعَ الْإِذْنُ وَصَارَ كَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ الدَّارَ مُبْهَمًا إلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ قَدْ أَذِنْتُ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ كُلَّمَا شِئْتَ فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فَلَمْ يَدْخُلْ حَتَّى نَهَاهُ قَالَ أَشْهَبُ فَقَدْ قِيلَ لَا يَدْخُلُ، فَإِنْ دَخَلَ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، انْتَهَى. ثُمَّ قَالَ قَوْلُهُ: إذْ لَيْسَ بِحَقٍّ يُورَثُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَإِنْ زَوَّجَتْ امْرَأَةٌ مَمْلُوكَتَهَا لِعَبْدِ امْرَأَةٍ فَعَلِمَتْ سَيِّدَتُهُ فَفَرَّقَتْ بَيْنَهُمَا فَحَلَفَتْ سَيِّدَةُ الْجَارِيَةِ لَا زَوَّجَتْهَا إيَّاهُ ثَانِيَةً إلَّا بِرِضَا سَيِّدَتِهِ، وَوَرِثَهُ وَرَثَتُهَا فَلَهَا أَنْ تُزَوِّجَهَا لِلْعَبْدِ بِإِذْنِ وَرَثَتِهَا الَّذِينَ مَلَكُوهُ؛ لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ وَرِثُوهُ فَهُمْ كَمَيِّتِهِمْ، انْتَهَى. وَهَذَا عَلَى مُرَاعَاةِ الْمَقَاصِدِ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى مُرَاعَاةِ الْأَلْفَاظِ فَقَدْ يُقَالُ: إنَّهَا تَحْنَثُ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَتَأْخِيرُ وَصِيٍّ بِالنَّظَرِ وَلَا دَيْنَ)
ش: قَالَ ابْنُ نَاجِي الْمَشْهُورُ لَا يُجْزِئُ تَأْخِيرُ الْوَصِيِّ مَعَ الْغُرَمَاءِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ، انْتَهَى بِالْمَعْنَى قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَالَ اللَّبِيدِيُّ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْوَصِيِّ الْغَرِيمَ بِأَحَدِ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ التَّأْخِيرُ يَسِيرًا.
الثَّانِي خَوْفَ الْجُحُودِ.
الثَّالِثُ خَوْفَ الْمُخَاصَمَةِ.
الرَّابِعُ أَنْ يَشُكَّ هَلْ هُوَ نَظَرَ أَمْ لَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ إذَا أَخَّرَهُ التَّأْخِيرَ الْكَثِيرَ بَرِيءَ الْحَالِفُ مِنْ الْيَمِينِ وَالْوَصِيُّ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، انْتَهَى. وَأَطْلَقَ فِي الْمُدَوَّنَةِ هُنَا تَأْخِيرَ الْوَصِيِّ وَقَيَّدَهُ فِي الْوَصَايَا بِالنَّظَرِ.
ص (وَتَأْخِيرُ غَرِيمٍ إنْ أَحَاطَ وَأَبْرَأَ)
ش: قَالَ ابْنُ نَاجِي قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: وَكَذَا فِي حَيَاتِهِ إذَا فَلَّسَ، وَقَيَّدَ أَبُو عِمْرَانَ قَوْلَهَا بِكَوْنِ الْحَقِّ مِنْ جِنْسِ دَيْنِ الْغُرَمَاءِ، وَتَكُونُ حَوَالَةً وَيَقْضِي بِهَا يُرِيدُ وَإِلَّا جَاءَ فَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ، انْتَهَى. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ وَانْظُرْ إذَا لَمْ يَتَجَانَسْ الدَّيْنَانِ هَلْ يَكُونُ مِثْلَ تَأْخِيرِ الْوَصِيِّ لَا لِلنَّظَرِ أَوْ مِثْلَ الْقَضَاءِ الْفَاسِدِ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ إذَا جَعَلَ الْوَرَثَةُ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ الْخِيَارِ بِأَيْدِي الْغُرَمَاءِ أَلَا تَرَى أَنَّ الطَّالِبَ إذَا أَحَالَ عَلَى غَرِيمٍ لَهُ فَأَخَّرَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ لَمْ يَبَرَّ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ الطَّالِبُ ذَلِكَ إلَيْهِ، انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: إذَا أَحَالَ عَلَى غَرِيمٍ لَهُ يُرِيدُ وَكَانَ ذَلِكَ الْغَرِيمُ حَلَفَ لَهُ لَيَقْضِيَنَّهُ إلَّا أَنْ يُؤَخِّرَهُ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ.
(فَرْعٌ) قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: إنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ رَأْسَ الشَّهْرِ إلَّا أَنْ يُؤَخِّرَهُ فَأَخَّرَهُ شَهْرًا، ثُمَّ قَالَ الْمَطْلُوبُ بَعْدَ حُلُولِ الشَّهْرِ الْآخِرِ مَا بَقِيَ عَلَيَّ يَمِينٌ، قَالَ مَالِكٌ الْيَمِينُ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْضِهِ حَنِثَ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) فَإِنْ أَنْظَرَهُ الطَّالِبُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ الْحَالِفُ قَالَ مَالِكٌ عَسَى بِهِ أَنْ يُجْزِئَهُ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ هُوَ فِي سَعَةٍ اللَّخْمِيُّ هَذَا عَلَى مُرَاعَاةِ الْأَلْفَاظِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ إلَّا أَنْ يُؤَخِّرَنِي وَقَدْ أَخَّرَهُ، وَعَلَى مُرَاعَاةِ الْمَقَاصِدِ وَهُوَ أَحْسَنُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ أَنْ لَا يَلِدَّ، فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِتَأْخِيرِهِ فَقَدْ لَدَّ، انْتَهَى مِنْ اللَّخْمِيِّ.
. ص (وَفِي بِرِّهِ فِي لَأَطَأَنَّهَا فَوَطِئَهَا حَائِضًا)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَسَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ فِي لَيَطَأَنَّهَا لَا يَبَرُّ بِوَطْئِهَا حَائِضًا، وَلَا فِي رَمَضَانَ، وَيَحْنَثُ فِي لَا وَطِئَهَا بِأَحَدِهِمَا ابْنُ رُشْدٍ الصَّوَابُ نَقْلُ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ بِرَّهُ بِذَلِكَ، انْتَهَى.
وَالْمَسْأَلَةُ فِي رَسْمِ لَمْ يُدْرَكْ مِنْ
[ ٣ / ٣١٤ ]
سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ فَانْظُرْهَا.
ص (وَفِي لَتَأْكُلَنَّهَا فَخَطَفَتْهَا هِرَّةٌ فَشَقَّ جَوْفَهَا وَأَكَلَتْ أَوْ بَعْدَ فَسَادِهَا قَوْلَانِ)
ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَتَوَانَ فَفِي حِنْثِهِ قَوْلَانِ قَالَ الشَّارِحُ فِي الصَّغِيرِ: وَالْقَوْلُ بِالْبِرِّ حَكَاهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَالْقَوْلُ بِالْحِنْثِ إنْ لَمْ يَتَوَانَ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ، انْتَهَى. وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ، وَالْمَسْأَلَةُ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ قَالَ فِيهِ فِي رَجُلٍ تَغَذَّى مَعَ امْرَأَتِهِ لَحْمًا فَجَعَلَتْ الْمَرْأَةُ لَحْمًا بَيْنَ يَدَيْهِ لِيَأْكُلَهُ فَأَخَذَ الزَّوْجُ بِضْعَةً، فَقَالَ لَهَا: كُلِي هَذِهِ فَرَدَّتْهَا، فَقَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ تَأْكُلِيهَا فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَذَهَبَتْ بِهَا فَأَكَلَتْهَا فَأَخَذْتِ الْهِرَّةَ فَذَبَحَتْهَا فَأَخْرَجْتُ الْبِضْعَةَ فَأَكَلَتْهَا الْمَرْأَةُ هَلْ يَخْرُجُ مِنْ يَمِينِهِ، فَقَالَ لَيْسَ ذَبْحُ الْهِرَّةِ، وَلَا أَكْلُهَا، وَلَا إخْرَاجُ مَا فِي بَطْنِهَا، وَلَا أَكْلُهُ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ، وَلَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ مِنْ يَمِينِهِ فِي شَيْءٍ يَحْنَثُ فِيهِ، فَإِذَا كَانَ سَاعَةَ حَلَفَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَمِينِهِ وَبَيْنَ أَخْذِ الْهِرَّةِ قَدْرُ مَا تَتَنَاوَلُهَا الْمَرْأَةُ وَتَحُوزُهَا دُونَهَا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَوَانَتْ قَدْرَ مَا لَوْ أَرَادَتْ أَنْ تَأْخُذَهَا وَتَحُوزَهَا دُونَهَا فَعَلَتْ فَهُوَ حَانِثٌ ابْنُ رُشْدٍ.
مِثْلُ هَذَا حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ.
وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ مِنْ حَمْلِ الْأَيْمَانِ عَلَى الْمَقَاصِدِ الَّتِي تَظْهَرُ مِنْ الْحَالِفِينَ، وَإِنْ خَالَفَ فِي مُقْتَضَى أَلْفَاظِهِمْ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ فِي الْمَسْأَلَةِ لَمْ يُرِدْ إلَّا أَنْ تَأْكُلَهَا، وَهِيَ عَلَى حَالِهَا مُسْتَمِرَّةٌ مُسَاغَةٌ لَا عَلَى أَنَّهَا مَأْكُولَةٌ تُعَافَ، وَقَدْ رَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهَا إنْ اُسْتُخْرِجَتْ مِنْ بَطْنِ الْهِرَّةِ صَحِيحَةً كَمَا هِيَ بِحَدَثَانِ مَا بَلَعَتْهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَحَلَّلَ فِي جَوْفِهَا شَيْءٌ مِنْهَا فَأَكَلَتْهَا فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ.
وَهَذَا يَأْتِي عَلَى مُرَاعَاةِ مَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ، وَهُوَ أَصْلٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، انْتَهَى. فَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلًا بِالْحِنْثِ إذَا لَمْ تَتَوَانَ، بَلْ الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ مَعَ التَّوَانِي فَابْنُ الْقَاسِمِ يُحَنِّثُهُ بِذَلِكَ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ
[ ٣ / ٣١٥ ]
لَا يُحَنِّثُهُ.
وَهَذَا هُوَ الْجَارِي عَلَى الْأَصْلِ الْمَعْلُومِ مِنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ إذَا مَنَعَ مِنْهُ مَانِعُ عَقْلٍ لَا يَحْنَثُ بِفَوَاتِهِ كَمَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَمَّامَاتِ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ فِي التَّفْرِيعِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْحَمَّامَاتِ قَالَ وَانْظُرْ لَوْ حَلَفَ لِرَجُلٍ عَلَى قِطْعَةِ لَحْمٍ فَانْتَهَبَتْهَا هِرَّةٌ، فَإِنْ أَكَلَتْهَا لِحِينِهَا لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ دَخَلَتْ بِهَا فِي غَارٍ حَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا كَانَتْ كَمَسْأَلَةِ السَّارِقِ فَيَحْنَثُ اهـ.، وَقَدْ ذَكَرَ الرَّجْرَاجِيُّ أَيْضًا فِي آخِرِ كِتَابِ الْأَيْمَانِ خَطْفَ الْهِرَّةِ وَشَقَّ جَوْفِهَا، وَذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلًا بِالْحِنْثِ إذَا لَمْ يَتَوَانَ.
فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهَا إنْ لَمْ تَتَوَانَ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَشُقَّ جَوْفَ الْهِرَّةِ وَيُخْرِجْهَا، وَالْعَجَبُ مِنْ الشَّارِحِ كَيْفَ اعْتَرَضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ هُنَا وَذَكَر الْقَوْلَيْنِ فِي شَامِلِهِ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ دِينَارٍ وَأَشْهَبَ فِي الْحَالِفِ لَيَشْتَرِيَنَّ لِزَوْجَتِهِ بِهَذَا الدِّينَارِ ثَوْبًا فَخَرَجَ بِهِ لِذَلِكَ فَسَقَطَ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ أَرَادَ بِالدِّينَارِ بِعَيْنِهِ فَقَدْ حَنِثَ، وَإِنْ أَرَادَ الشِّرَاءَ بِهِ وَبِغَيْرِهِ فَلْيَشْتَرِ بِغَيْرِهِ، وَلَا يَحْنَثُ، انْتَهَى.
[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ بِالْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ لَا لَعِبْتُ مَعَكَ شِطْرَنْجًا إلَّا هَذَا الدَّسْتَ]
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ صَاحِبُ الْقَبَسِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْهُ حَلَفَ شَخْصٌ بِالْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ لَا لَعِبْتُ مَعَكَ شِطْرَنْجًا إلَّا هَذَا الدَّسْت فَجَاءَ رَجُلٌ فَخَبَطَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الدَّسْت قَالَ: اخْتَلَفَتْ فَتَاوَى الْفُقَهَاءِ فِيهِ حِينَئِذٍ فَأَفْتَى بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِعَدَمِ حِنْثِهِ، وَأَفْتَى غَيْرُهُمْ بِحِنْثِهِ وَاجْتَمَعْتُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالطُّرْطُوشِيِّ فَأَفْتَى بِعَدَمِ الْحِنْثِ، انْتَهَى مِنْ الذَّخِيرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ