ش: كَلَامُ الشَّارِحِ فِي ضَبْطِهَا فِيهِ خَلَلٌ وَهِيَ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ هَكَذَا ضَبَطَهَا الْأَكْثَرُ وَعَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ خِلَافُ الْقِيَاسِ وَبَعْضُهُمْ أَنْكَرَ فَتْحَ الْقَافِ وَزَعَمَ أَنَّهَا بِالسُّكُونِ عَلَى الْأَصْلِ وَبَعْضُهُمْ رَوَاهَا بِالْوَجْهَيْنِ مِنْهُمْ ابْنُ الْأَثِيرِ، وَقَالَ: الْفَتْحُ أَصَحُّ وَمِنْهُمْ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَقَالَ: السُّكُونُ أَوْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (مَالٌ مَعْصُومٌ عُرِضَ لِلضَّيَاعِ)
ش: الظَّاهِرُ أَنَّ ضَالَّةَ الْإِبِلِ دَاخِلَةٌ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ وَهِيَ لَيْسَتْ لُقَطَةٌ وَكَذَلِكَ الْآبِقُ، وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: لَا يُسَمَّى لُقَطَةً وَلَا تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ اللُّقَطَةِ وَلِذَا حَدَّهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهَا مَالٌ وُجِدَ بِغَيْرِ حِرْزٍ مُحْتَرَمًا لَيْسَ حَيَوَانًا نَاطِقًا وَلَا نَعَمًا فَيَخْرُجُ الرِّكَازُ وَمَا بِأَرْضِ الْحَرْبِ وَتَدْخُلُ الدَّجَاجَةُ وَحَمَامُ الدُّورِ لَا السَّمَكَةُ تَقَعُ فِي السَّفِينَةِ وَهِيَ لِمَنْ وَقَعَتْ إلَيْهِ، قَالَهُ ابْنُ عَاتٍ عَنْ الشَّعْبَانِيّ وَالْأَظْهَرُ فِي السَّمَكَةِ إنْ كَانَتْ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَأْخُذْهَا مَنْ سَقَطَتْ إلَيْهِ نَجَتْ بِنَفْسِهَا لِقُوَّةِ حَرَكَتِهَا وَقُرْبِ مَحَلِّ سُقُوطِهَا فِي مَاءِ الْبَحْرِ فَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ فِي زَاهِيهِ: وَإِلَّا فَهِيَ لِرَبِّ السَّفِينَةِ وَاعْلَمْ أَنَّ حَدَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ لِدُخُولِ التَّمْرِ الْمُعَلَّقِ فِيهِ وَلَيْسَ لُقَطَةً فَقَوْلُ الْجَمَاعَةِ مُعَرَّضٌ لِلضَّيَاعِ أَحْسَنُ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَحَدُّ الِالْتِقَاطِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هُوَ أَخْذُ مَالٍ ضَائِعٍ لِيُعَرِّفَهُ سَنَةً ثُمَّ يَتَصَدَّقَ بِهِ أَوْ يَتَمَلَّكَهُ إنْ لَمْ يَظْهَرْ مَالِكُهُ بِشَرْطِ الضَّمَانِ إذَا ظَهَرَ الْمَالِكُ، انْتَهَى.
ص (وَفَرَسًا وَحِمَارًا)
ش: يُرِيدُ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَصِحُّ لُقَطَتُهُ، قَالَ فِي لُقَطَتِهَا: وَمَنْ الْتَقَطَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ حُلِيًّا مَصُوغًا أَوْ عُرُوضًا أَوْ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَلْيُعَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا لَمْ آمُرْهُ بِأَكْلِهَا كَثُرَتْ أَوْ قَلَّتْ دِرْهَمًا فَصَاعِدًا إلَّا أَنْ يُحِبَّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا وَيُخَيِّرُ صَاحِبَهَا إنْ جَاءَ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَوَابُهَا أَوْ يَغْرَمُهَا لَهُ فَعَلَ وَأَكْرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا قَبْلَ السَّنَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ التَّافِهُ، انْتَهَى. وَقَوْلُهُ وَلْيُعَرِّفْهَا سَنَةً يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي مَحَلِّهِ وَكَذَا لَمْ آمُرْهُ بِأَكْلِهَا وَفِي كِتَابِ الضَّحَايَا مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يُصَادُ حَمَامُ الْأَبْرِجَةِ وَمَنْ صَادَ مِنْهَا شَيْئًا رَدَّهُ أَوْ عَرَّفَ بِهِ إنْ لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ وَلَا يَأْكُلُهُ وَإِنْ دَخَلَ حَمَامُ بُرْجٍ لِرَجُلٍ فِي بُرْجٍ لِآخَرَ رَدَّهَا إلَى رَبِّهَا إنْ قَدَرَ وَإِلَّا فَلَا
[ ٦ / ٦٩ ]
شَيْءَ عَلَيْهِ وَمَنْ وَضَعَ أَجْبَاحًا فِي جَبَلٍ فَلَهُ مَا دَخَلَهَا مِنْ النَّحْلِ وَمَنْ صَادَ طَائِرًا فِي رِجْلَيْهِ سِبَاقَانِ أَوْ ظَبْيًا فِي أُذُنَيْهِ قُرْطَانِ أَوْ فِي عُنُقِهِ قِلَادَةٌ عَرَّفَ بِذَلِكَ ثُمَّ يَنْظُرُ فَإِنْ كَانَ هُرُوبُهُ لَيْسَ بِهُرُوبِ انْقِطَاعٍ وَلَا تَوَحُّشٍ رَدَّهُ وَمَا وَجَدَ عَلَيْهِ لِرَبِّهِ وَإِنْ كَانَ هُرُوبُهُ هُرُوبَ انْقِطَاعٍ وَتَوَحُّشٍ فَالصَّيْدُ خَاصَّةً لِصَائِدِهِ دُونَ مَا عَلَيْهِ فَإِنْ قَالَ رَبُّهُ: نَدَّ مِنِّي مُنْذُ يَوْمَيْنِ، وَقَالَ الصَّائِدُ: لَا أَدْرِي مَتَى نَدَّ مِنْك فَعَلَى رَبِّهِ الْبَيِّنَةُ وَالصَّائِدُ مُصَدَّقٌ، انْتَهَى. وَانْظُرْ قَوْلَهُ فَإِنْ كَانَ هُرُوبُهُ لَيْسَ بِهُرُوبِ انْقِطَاعٍ إلَى آخِرِهِ فَهَلْ يَجِبُ تَعْرِيفُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَاللُّقَطَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَتَأَمَّلْهُ، وَقَالَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْجَامِعِ مِنْ الْبَيَانِ: مَا أَوَى إلَى بُرْجِ الرَّجُلِ مِنْ حَمَامِ بُرْجِ غَيْرِهِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ بِعَيْنِهِ أَوْ عَرِفَهُ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِهِ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ فِيهِ وَإِنْ عَرَفَ صَاحِبَهُ هَذَا مَا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَعْلَمَهُ وَاخْتُلِفَ إذَا عَلِمَهُ وَقَدَرَ عَلَى أَخْذِهِ وَلَمْ يَعْرِفْ صَاحِبَهُ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ وَهُوَ دَلِيلُ قَوْلِ ابْنِ كِنَانَةَ وَنَصُّ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ يُعَرَّفُهُ كَاللُّقَطَةِ وَلَا يَأْكُلُهُ وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ حَكَى فَضْلٌ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُنْصَبُ لِشَيْءٍ مِنْ حَمَامِ الْأَبْرِجَةِ وَلَا يُرْمَى وَمَنْ صَادَ مِنْهُ شَيْئًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ أَوْ يُعَرِّفَهُ وَلَا يَأْكُلُهُ وَحُكْمُ أَفْرَاخِهَا إذَا عَرَفَ عُشَّهَا حُكْمُ مَا عَرَفَهُ وَقَدَرَ عَلَى أَخْذِهِ فَإِنْ عَرَفَ صَاحِبَهُ رَدَّهُ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاخْتِلَافِ، انْتَهَى. وَانْظُرْ مَا حَكَاهُ عَنْ فَضْلٍ فَإِنَّهُ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ وَهَذَا مَا تَيَسَّرَ جَمْعُهُ الْآنَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَرُدَّ بِمَعْرِفَةِ مَشْدُودٍ فِيهِ وَبِهِ) ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيَجِبُ رَدُّهَا بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالْإِخْبَارِ بِصِفَتِهَا مِنْ نَحْوِ عِفَاصِهَا وَوِكَائِهَا وَهُمَا الْمَشْدُودُ فِيهِ وَبِهِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَمَّا رَدُّهَا بِالْبَيِّنَةِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ وَيَجِبُ أَيْضًا رَدُّهَا عِنْدَنَا بِالْإِخْبَارِ بِصِفَتِهَا مِنْ نَحْوِ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ لِلْحَدِيثِ ثُمَّ فَسَرَّهُمَا بِقَوْلِهِ وَهُمَا الْمَشْدُودُ فِيهِ وَبِهِ فَالْأَوَّلُ لِلْأَوَّلِ وَالثَّانِي لِلثَّانِي وَهَذَا هُوَ الْمَعْلُومُ فِي اللُّغَةِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ بَلْ نَقَلَ صَاحِبُ الِاسْتِذْكَارِ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ وَنَقَلَ الْبَاجِيُّ عَنْ أَشْهَبَ عَكْسَهُ، وَالْوِكَاءُ مَمْدُودٌ وَقِيلَ مَقْصُورٌ قِيلَ وَهُوَ غَلَطٌ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: نَحْوَ عِفَاصِهَا إلَى أَنَّ مَا لَا عِفَاصَ لَهُ وَلَا وِكَاءَ مِنْ اللُّقَطَةِ يُدْفَعُ بِالْإِخْبَارِ بِصِفَاتِهِ الْخَاصَّةِ الْمُحَصِّلَةِ لِلظَّنِّ، انْتَهَى. ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَفِي اعْتِبَارِ عَدَدِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ قَوْلَانِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ بِاعْتِبَارِهِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَالْأَخِيرُ لِأَصْبَغَ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيَكْتَفِي بِبَعْضِ الصِّفَاتِ الْمُغَلِّبَةِ لِلظَّنِّ عَلَى الْأَصَحِّ وَيَسْتَأْنِي فِي الْوَاحِدَةِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: أَيْ يَكْتَفِي بِبَعْضِ الصِّفَاتِ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ وَيَسْتَأْنِي فِي الْوَاحِدَةِ وَالْأَصَحُّ لِأَشْهَبَ، قَالَ: إنْ عَرَفَ وَصْفَيْنِ وَلَمْ يَعْرِفْ الثَّالِثَ دُفِعَ لَهُ وَمُقَابِلُهُ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: لَوْ وَصَفَ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الصِّفَةِ وَأَخْطَأَ الْعُشْرَ لَمْ يُعْطِهَا إلَّا فِي مَعْنًى وَاحِدٍ أَنْ يَذْكُرَ عَدَدًا فَيُصَابَ أَقَلُّ مِنْهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَدْ اُغْتِيلَ فِيهِ، انْتَهَى. وَهَذَا
[ ٦ / ٧٠ ]
أَيْضًا يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بَعْدُ وَاسْتُؤْنِيَ فِي الْوَاحِدَةِ إنْ جَهِلَ غَيْرَهَا لَا غَلَطَ عَلَى الْأَظْهَرِ وَفِي الشَّامِلِ وَدُفِعَ لِمَنْ عَرَفَ وَصْفَيْنِ دُونَ ثَالِثٍ وَقِيلَ إنْ أَخْطَأَ وَاحِدًا مِنْ عَشَرَةٍ لَمْ يُعْطِهِ إلَّا فِي عَدَدٍ يُوجَدُ أَقَلُّ وَلَوْ عَرَفَ وَاحِدًا مِنْ عِفَاصٍ وَوِكَاءٍ فَثَالِثُهَا الْأَظْهَرُ لَا شَيْءَ لَهُ إنْ غَلِطَ فِي الْآخَرِ وَاسْتُؤْنِيَ بِهِ فِي الْجَهْلِ وَلَوْ أَخْطَأَ فِي وَصْفِهِ ثُمَّ أَصَابَ لَمْ يُعْطِهِ وَلَا يَضُرُّهُ الْغَلَطُ فِي زِيَادَةِ الْعَدَدِ إنْ عَرَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ وَفِي نَقْصِهِ قَوْلَانِ، انْتَهَى.
[مَسْأَلَة الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ تَدَّعِي أُمُّهُ أَنَّهُ الْتَقَطَ دَنَانِيرَ]
(مَسْأَلَةٌ)، قَالَ فِي النَّوَادِرِ: بَابٌ فِي الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ تَدَّعِي أُمُّهُ أَنَّهُ الْتَقَطَ دَنَانِيرَ وَمِنْ كِتَابِ سَحْنُونٍ وَكَتَبَ شَجَرَةٌ إلَى سَحْنُونٍ فِي امْرَأَةٍ أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ مَعَهُ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ فَزَعَمَتْ أَنَّهُ الْتَقَطَهَا مِنْ الطَّرِيقِ فِي غَيْرِ صُرَّةٍ فَرَفَعَتْهَا عَلَى أَيْدِي أُنَاسٍ فَأَتَى مَنْ ادَّعَاهَا وَوَصَفَ سِكَّةَ بَعْضِ الدَّنَانِيرِ وَلَمْ يَصِفْ الْبَعْضَ فَكَتَبَ إلَيْهِ الْأُمُّ مُقِرَّةٌ بِأَنَّ الصَّبِيَّ أَصَابَهَا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُقِرَّ عَلَى غَيْرِهَا فَأَرَى الدَّنَانِيرَ لِلصَّبِيِّ وَمَا كَانَ مِنْ لُقَطَةٍ مَعْرُوفَةٍ فَوَصَفَ الْمُدَّعِي لَهَا بَعْضًا وَلَمْ يَصِفْ بَعْضًا فَلَا شَيْءَ لَهُ
ص (وَوَجَبَ أَخْذُهُ لِخَوْفِ خَائِنٍ إلَى قَوْلِهِ عَلَى الْأَحْسَنِ)
ش: حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ إنْ خَافَ عَلَيْهَا أَنْ يَأْخُذَهَا خَائِنٌ وَجَبَ عَلَيْهِ الِالْتِقَاطُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ مِنْ نَفْسِهِ هُوَ الْخِيَانَةَ فَيَحْرُمُ سَوَاءٌ خَشِيَ عَلَيْهَا أَنْ يَأْخُذَهَا خَائِنٌ أَوْ لَمْ يَخْشَ وَإِلَّا كُرِهَ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا خَائِنًا وَلَا عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْخِيَانَةَ فَيُكْرَهُ لَهُ الِالْتِقَاطُ عَلَى الْأَحْسَنِ هَذَا حَلُّ كَلَامِهِ وَفِيهِ أَبْحَاثٌ: الْأَوَّلُ كَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْ نَفْسِهِ الْأَمَانَةَ وَلَا الْخِيَانَةَ وَخَافَ عَلَيْهَا الْخَوَنَةَ وَجَبَ عَلَيْهِ الِالْتِقَاطُ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَرَّرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ مِنْ أَنَّ الَّذِي لَا يَتَحَقَّقُ مِنْ نَفْسِهِ يُكْرَهُ لَهُ الِالْتِقَاطُ وَإِنَّمَا جَعَلَ وُجُوبَ الِالْتِقَاطِ إذَا تَحَقَّقَ مِنْ نَفْسِهِ الْأَمَانَةَ وَخَافَ عَلَيْهَا الْخَوَنَةَ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ.
الثَّانِي نَقَلَ فِي التَّوْضِيحِ فِي الْقِسْمِ الْمَكْرُوهِ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ الَّذِي فِيهِ الْأَحْسَنُ وَمُقَابِلُهُ وَهُوَ مَا إذَا لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا الْخِيَانَةَ وَعَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْأَمَانَةَ أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ قَيَّدَ الْخِلَافَ بِأَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ عَدْلًا فَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ فَالِاخْتِيَارُ أَنْ لَا يَأْخُذَهَا اتِّفَاقًا وَكَذَا قَيَّدَ قِسْمَ الْوُجُوبِ وَهِيَ مَا إذَا كَانَتْ بَيْنَ قَوْمٍ غَيْرِ مَأْمُونِينَ بِكَوْنِ الْإِمَامِ عَدْلًا لَا يُخْشَى أَنْ يَأْخُذَهَا إذَا عَلِمَ بِهَا بِتَعْرِيفِهِ إيَّاهَا، قَالَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ أَمَّا إذَا كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ، فَقَالَ: يُخَيَّرُ بَيْنَ أَخْذِهَا وَتَرْكِهَا بِحَسَبِ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ فَتَأَمَّلْهُ وَنَصُّ كَلَامِ التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالِالْتِقَاطُ حَرَامٌ عَلَى مَنْ يَعْلَمُ خِيَانَةَ نَفْسِهِ وَمَكْرُوهٌ لِلْخَائِفِ وَفِي الْمَأْمُونِ الْكَرَاهَةُ وَالِاسْتِحْبَابُ فِيمَا لَهُ بَالٌ وَالْوُجُوبُ إذَا خَافَ عَلَيْهَا الْخَوَنَةَ يَعْنِي أَنَّ حُكْمَ اللُّقَطَةِ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ حَالِ الْمُلْتَقِطِ وَجَعَلَ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ الْأَقْسَامَ ثَلَاثَةً، أَوَّلُهَا أَنْ يَعْلَمَ مِنْ نَفْسِهِ الْخِيَانَةَ فَيَكُونُ الْتِقَاطُهَا عَلَيْهِ حَرَامًا، وَثَانِيهَا أَنْ يَخَافَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُ الشَّيْطَانُ وَلَا يَتَحَقَّقُ فَيَكُونُ مَكْرُوهًا، وَثَالِثُهَا أَنْ يَثِقَ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ، وَقُسِّمَ هَذَا إلَى قِسْمَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ نَاسٍ لَا بَأْسَ بِهِمْ وَلَا يَخَافُ عَلَيْهَا الْخَوَنَةَ، وَالثَّانِي أَنْ يَخَافَهُمْ فَإِنْ خَافَهُمْ وَجَبَ الِالْتِقَاطُ وَحُكِيَ عَلَيْهِ الِاتِّفَاقُ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ فَثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِمَالِكٍ، الِاسْتِحْبَابُ وَالْكَرَاهَةُ وَالِاسْتِحْبَابُ فِيمَا لَهُ بَالٌ وَقَيَّدَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا الْخِلَافَ بِأَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ عَدْلًا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ وَكَانَتْ بَيْنَ قَوْمٍ مَأْمُونِينَ.
فَالِاخْتِيَارُ أَنْ لَا يَأْخُذَهَا اتِّفَاقًا وَإِنْ كَانَتْ بَيْنَ قَوْمٍ غَيْرِ مَأْمُونِينَ
[ ٦ / ٧١ ]
فَيُخَيَّرُ بَيْنَ أَخْذِهَا وَتَرْكِهَا، انْتَهَى. وَزَادَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ مِنْ أَحَدِ الْخَوْفَيْنِ، انْتَهَى.
فَهَذَا الْأَخِيرُ تَقْيِيدٌ لِمَا أَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ فِي نَقْلِ قِسْمِ الْوُجُوبِ بَلْ نَقَلَ الْقَرَافِيُّ عَنْ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ يَحْرُمُ أَخْذُهَا إذَا كَانَ الْإِمَامُ غَيْرَ مَأْمُونٍ إذَا أَنْشَدْت أَخْذَهَا، انْتَهَى. الثَّالِثُ قَوْلُهُ عَلَى الْأَحْسَنِ فِيهِ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ وَهُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الشَّامِلِ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ وَمَا قَيَّدَهَا بِهِ وَهُوَ أَيْضًا أَعْنِي هَذَا الِاخْتِلَافَ فِيمَا عَدَا لُقَطَةِ الْحَاجِّ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْهَا وَمَعْنَى نَهْيِهِ عَنْهَا مَخَافَةُ أَنْ لَا يَجِدَهَا رَبُّهَا لِتَفَرُّقِ الْحَاجِّ فِي بُلْدَانِهِمْ الْمُخْتَلِفَةِ فَتَبْقَى فِي ضَمَانِهِ فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَلْتَقِطَ لُقَطَةَ الْحَاجِّ لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ - ﵇ - فَإِنْ الْتَقَطَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ تَعْرِيفِهَا مَا يَجِبُ فِي سِوَاهَا، انْتَهَى.
وَهَذَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - فِي غَيْرِ الْمَحَلِّ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الِالْتِقَاطُ بَلْ صَرِيحُ كَلَامِهِ أَنَّهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُ تَقْيِيدٌ لِلثَّلَاثَةِ الْأَقْوَالِ وَهِيَ إنَّمَا هِيَ فِي غَيْرِ قِسْمِ الْوُجُوبِ فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ وَإِلَّا كُرِهَ إلَّا أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِيهَا أَقْوَى فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(التَّنْبِيهُ الثَّانِي) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بَعْدَ أَنْ حَكَى الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ: وَالْأَظْهَرُ إنْ كَانَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْحِفْظِ أَنْ يَجِبَ الِالْتِقَاطُ وَلَا يُعَدُّ عِلْمُهُ بِخِيَانَةِ نَفْسِهِ مَانِعًا وَأَحْرَى خَوْفُهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ الْخِيَانَةِ وَالْحِفْظُ لِلْمَالِ الْمَعْصُومِ وَقُصَارَى الْأَمْرِ أَنَّ مَنْ يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ الْخِيَانَةَ فَقَدْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْخِطَابُ بِالْحِفْظِ وَحْدَهُ وَمَنْ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الْخِيَانَةَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَمْرَانِ الْحِفْظُ وَتَرْكُ الْخِيَانَةِ وَبَعْدَ تَسْلِيمِ هَذَا فَالْأَظْهَرُ مِنْ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ الِاسْتِحْبَابُ أَوْ الْوُجُوبُ لَوْ قِيلَ بِهِ لِوُجُوبِ إعَانَةِ الْمُسْلِمِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْإِعَانَةِ، انْتَهَى.
وَكَلَامُهُ حَسَنٌ - ﵀ - (التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: كُلُّ فِعْلٍ وَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ لَا تَتَكَرَّرُ مَصْلَحَتُهُ بِتَكَرُّرِهِ كَإِنْقَاذِهِ الْغَرِيقَ أَوْ إزَاحَةِ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ فَهُوَ عَلَى الْكِفَايَةِ وَمَا تَتَكَرَّرَ مَصْلَحَتُهُ بِتَكَرُّرِهِ فَهُوَ عَلَى الْأَعْيَانِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي مُقَدَّمَةِ هَذَا الدِّيوَانِ فَعَلَى هَذَا يَتَّجِهُ الْأَخْذُ وَوُجُوبُهُ عِنْدَ تَعَيُّنِ هَلَاكِ الْمَالِ وَعِنْدَ تَعَيُّنِ الْهَلَاكِ بَيْنَ الْأُمَنَاءِ يَكُونُ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ إذَا خَافُوا غَيْرَهُمْ عَلَى اللُّقَطَةِ وَمَنْدُوبًا فِي حَقِّ هَذَا الْمُعَيَّنِ بِخُصُوصِهِ كَمَا (قُلْتُ) فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَغَيْرِهَا أَصْلُهَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَفِعْلُ هَذَا الْمُصَلِّي الْمَخْصُوصِ يُنْدَبُ ابْتِدَاءً فَإِذَا شَرَعَ اتَّصَفَ بِالْوُجُوبِ، انْتَهَى. فَتَأَمَّلْهُ
ص (وَتَعْرِيفُهُ سَنَةً إلَخْ)
ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) يَجِبُ التَّعْرِيفُ عَقِبَ الِالْتِقَاطِ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيَجِبُ تَعْرِيفُهَا سَنَةً عَقِيبَهُ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ، أَيْ: عَقِبَ الِالْتِقَاطِ وَظَاهِرُهُ لَوْ أَخَّرَ التَّعْرِيفَ يَضْمَنُ وَفِي اللَّخْمِيِّ إنْ أَمْسَكَهَا سَنَةً وَلَمْ يُعَرِّفْهَا ثُمَّ عَرَّفَهَا فَهَلَكَتْ ضَمِنَهَا، انْتَهَى. وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَقَيَّدَ بِالسَّنَةِ اهـ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَالضَّمِيرُ مِنْ قَوْلِهِ عَقِيبَهُ رَاجِعٌ إلَى الِالْتِقَاطِ الْمَفْهُومِ مِنْ السِّيَاقِ وَلَا يُؤَخِّرُ التَّعْرِيفَ فَإِنَّ ذَلِكَ دَاعِيَةٌ إلَى إيَاسِ رَبِّهَا فَلَا يَتَعَرَّضُ إلَى طَلَبِهَا فَإِنْ تَرَكَ تَعْرِيفَهَا حَتَّى طَالَ ضَمِنَهَا كَذَا قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ نَقَلْت كَلَامَهُ عَلَى مَا فَهِمْت، انْتَهَى. وَفِي مُعِينِ الْحُكَّامِ (فَرْعٌ) وَإِذَا أَمْسَكَ
[ ٦ / ٧٢ ]
الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ سَنَةً وَلَمْ يُعَرِّفْهَا ثُمَّ عَرَّفَهَا فِي الثَّانِيَةِ فَهَلَكَتْ ضَمِنَهَا وَكَذَلِكَ إنْ هَلَكَتْ فِي السَّنَةِ الْأُولَى ضَمِنَهَا إذَا تَبَيَّنَ أَنَّ صَاحِبَهَا مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي وُجِدَتْ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِ فَغَابَ بِقُرْبِ ضَيَاعِهَا وَلَمْ يُقَدَّمْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي ضَاعَتْ فِيهِ لَمْ يَضْمَنْ، انْتَهَى.
(الثَّانِي) قَوْلُهُ لَا تَافِهًا مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ تَعْرِيفُهُ لَا يُقَيِّدُ السَّنَةَ وَيَعْنِي أَنَّ التَّافِهَ لَا يُعَرَّفُ، وَلَمْ يَقُلْ: لَهُ أَكْلُهُ؛ لِأَنَّ إبَاحَةَ الْأَكْلِ لَا تُنَافِي سُقُوطَ الضَّمَانِ كَالْكَثِيرِ بَعْدَ السَّنَةِ بِخِلَافِ عَدَمِ التَّعْرِيفِ فَإِنَّهُ مُنَافٍ لِلضَّمَانِ، وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ (الثَّالِثُ) جَزَمَ الْمُؤَلِّفُ بِأَنَّ الْكَثِيرَ وَمَا دُونَهُ مِنْ فَوْقِ التَّافِهِ يُعَرَّفُ لِسَنَةٍ أَمَّا الْكَثِيرُ فَلَا خِلَافَ فِيهِ وَأَمَّا مَا دُونَ الْكَثِيرِ وَفَوْقَ التَّافِهِ وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ كَدَلْوٍ فَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ فِيهِ قَوْلَيْنِ، تَعْرِيفُ سَنَةٍ وَتَعْرِيفُ أَيَّامًا مَظِنَّةَ طَلَبِهِ وَرُجِّحَ فِي التَّوْضِيحِ وَنَصُّهُ: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَأَمَّا مَا فَوْقَهُ مِنْ نَحْوِ مُخِلَّاتٍ وَدَلْوٍ فَقِيلَ يُعَرَّفُ أَيَّامًا مَظِنَّةَ طَلَبِهِ وَقِيلَ: سَنَةٌ كَالْكَثِيرِ قَوْلُهُ فَوْقَهُ، أَيْ: فَوْقَ التَّافِهِ وَدُونَ الْكَثِيرِ مِمَّا يَشِحُّ بِهِ صَاحِبُهُ وَيَطْلُبُهُ ابْنُ رُشْدٍ وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ تَعْرِيفِهِ إلَّا أَنَّهُ يُخْتَلَفُ فِي حَدِّهِ فَقِيلَ: سَنَةٌ كَاَلَّذِي لَهُ بَالٌ وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقِيلَ لَا يَبْلُغُ بِهِ الْحَوْلَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ رَأْيِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا وَرِوَايَةُ عِيسَى عَنْ ابْنِ وَهْبٍ فِي الْعُتْبِيَّة فِي مِثْلِ الدُّرَيْهِمَاتِ وَالدَّنَانِيرِ أَنَّهُ يُعَرِّفُ ذَلِكَ أَيَّامًا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَتَأَوَّلَ الْمُدَوَّنَةِ بَعْضُهُمْ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِمْ، انْتَهَى. فَتَرَكَ الْمُؤَلِّفُ الْقَوْلَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ.
ص (بِكَبَابِ مَسْجِدٍ) ش، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَتُعَرَّفُ اللُّقَطَةُ حَيْثُ وَجَدَهَا وَعَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَحَيْثُ يُظَنُّ أَنَّ رَبَّهَا هُنَاكَ أَوْ خَبَرَهُ، انْتَهَى. وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ اللُّقَطَةِ وَسَأَلْته يَعْنِي مَالِكًا عَنْ تَعْرِيفِ اللُّقَطَةِ فِي الْمَسَاجِدِ، فَقَالَ: لَا أُحِبُّ رَفْعَ الصَّوْتِ فِي الْمَسَاجِدِ وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَمَرَ أَنْ تُعَرَّفُ اللُّقَطَةُ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَأَحَبُّ إلَيَّ الْخَوْفَيْنِ أَنْ لَا تُعَرَّفَ فِي الْمَسَاجِدِ وَلَوْ مَشَى هَذَا إلَى الْخَلْقِ فِي الْمَسَاجِدِ يُخْبِرُهُمْ بِاَلَّذِي وَجَدَ وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ، لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: ظَاهِرُهُ أَنَّ التَّعْرِيفَ يَكُونُ فِيهَا وَلَعَلَّ ذَلِكَ مَعَ خَفْضِ الصَّوْتِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ: فِي بَابِ الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ وَهُوَ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُ كَذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا وَلِلْحَدِيثِ، انْتَهَى. وَفِي التَّمْهِيدِ التَّعْرِيفُ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ فِيمَا عَلِمْت لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْأَسْوَاقِ وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الْعَامَّةِ وَاجْتِمَاعِ النَّاسِ، انْتَهَى.
ص (أَوْ بِمَنْ يَثِقُ بِهِ)
ش: ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ ضَاعَتْ إذَا دَفَعَهَا إلَى مِثْلِهِ فِي الْأَمَانَةِ، انْتَهَى. قَالَهُ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَهِيَ أَمَانَةٌ (تَنْبِيهٌ) وَيُخَيَّرُ فِي دَفْعِهَا إلَى الْإِمَامِ إنْ كَانَ عَدْلًا، قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ
ص (وَدُفِعَتْ لِحَبْرٍ إنْ وُجِدَتْ بِقَرْيَةِ ذِمَّةٍ)
ش: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي سَمَاعِ مُوسَى مِنْ كِتَابِ اللُّقَطَةِ وَنَصُّهُ:
[ ٦ / ٧٣ ]
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ اللُّقَطَةِ تُوجَدُ فِي قَرْيَةٍ لَيْسَ فِيهَا إلَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ، فَقَالَ: تُدْفَعُ إلَى أَحْبَارِهِمْ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا قَوْلٌ فِيهِ نَظَرٌ إذْ فِي الْأَمَاكِنِ أَنْ تَكُونَ لِمُسْلِمٍ وَإِنْ كَانَتْ وُجِدَتْ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ أَنْ لَا تُدْفَعَ إلَى أَحْبَارِهِمْ إلَّا بَعْدَ التَّعْرِيفِ بِهَا اسْتِحْسَانًا لِغَلَبَةِ الظَّنِّ أَنَّهَا لَهُمْ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ فَإِذَا دُفِعَتْ إلَيْهِمْ بَعْدَ التَّعْرِيفِ لَهَا ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا غَرِمُوهَا لَهُ وَإِنَّمَا كَانَ يَلْزَمُ أَنْ تُدْفَعَ ابْتِدَاءً إلَى أَحْبَارِهِمْ لَوْ تَحَقَّقَ أَنَّهَا لِأَهْلِ الذِّمَّةِ بِيَقِينٍ لَا شَكَّ فِيهِ مَعَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّ مِنْ دِينِنَا أَنْ يَكُونَ حُكْمُ لُقَطَةِ أَهْلِ مِلَّتِنَا مَصْرُوفًا إلَيْنَا وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ فَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا تُدْفَعَ إلَى أَحْبَارِهِمْ وَتَكُونُ مَوْقُوفَةً أَبَدًا، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقِ، انْتَهَى. فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ التَّصَدُّقِ) ش، قَالَ فِي الطِّرَازِ فِي بَابِ إخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ فِي تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ: وَلِأَنَّا نُجَوِّزُ لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِاللُّقَطَةِ عَنْ رَبِّهَا ثُمَّ إنَّهُ إذَا عَلِمَ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَرَضِيَ جَازَ، انْتَهَى. فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالتَّصَدُّقِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَنْ رَبِّهَا وَأَمَّا تَصَدُّقُهُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي تَمَلُّكِهِ إيَّاهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَأَكْرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا قَبْلَ السَّنَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ التَّافِهُ، انْتَهَى. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: الْكَرَاهَةُ هُنَا عَلَى الْمَنْعِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ، انْتَهَى.
ص (أَوْ التَّمَلُّكِ وَلَوْ بِمَكَّةَ)
ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ وَعِبَارَةُ ابْنِ رُشْدٍ قَوِيَّةٌ إذْ قَالَ بَعْدَ أَنْ حَكَى الْخِلَافَ فِي تَمَلُّكِ اللُّقَطَةِ: وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِيمَا عَدَا لُقَطَةِ مَكَّةَ فَأَمَّا مَكَّةُ فَقَدْ وَرَدَ النَّصُّ فِيهَا أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ فَلَا يَحِلُّ لَهُ اسْتِنْفَاقُهَا بِإِجْمَاعٍ وَعَلَيْهِ أَنْ يُعَرِّفَهَا أَبَدًا وَإِنْ طَالَ زَمَانُهَا، انْتَهَى. فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ مُشْكِلٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْإِكْمَالِ عَنْ الْمَازِرِيِّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ حُكْمَ اللُّقَطَةِ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ حُكْمٌ وَاحِدٌ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ لُقَطَةَ مَكَّةَ بِخِلَافِ غَيْرِهَا، انْتَهَى. مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ (تَنْبِيهٌ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: وَفِي جَمِيعِ أَحَادِيثِ الْبَابِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْتِقَاطَ اللُّقَطَةِ وَتَمَلُّكَهَا لَا يَفْتَقِرُ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ وَلَا إذْنِ سُلْطَانٍ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَفِيهَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى. وَفِي التَّمْهِيدِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْفَقِيرِ أَنْ يَأْكُلَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ وَاخْتَلَفُوا فِي الْغَنِيِّ، فَقَالَ مَالِكٌ: أُحِبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا بَعْدَ الْحَوْلِ وَيَضْمَنَهَا، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: (قُلْتُ) لِمَالِكٍ، قَالَ: إنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهَا وَإِنْ شَاءَ اسْتَنْفَقَهَا وَإِنْ شَاءَ صَاحِبَهَا أَدَّاهَا إلَيْهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَأْكُلُ اللُّقَطَةَ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ بَعْدَ حَوْلٍ وَهَذَا تَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَقَوْلِهِ، انْتَهَى.
[مَسْأَلَةٌ وَجَدَ لُقَطَةً فَعَرَّفَهَا سَنَةً ثُمَّ أَنْفَقَهَا فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْصَى بِهَا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَا وَفَاءَ لَهُ]
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ اللُّقَطَةِ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ اللُّقَطَةِ يَجِدُهَا الرَّجُلُ فَيُعَرِّفُهَا سَنَةً فَلَا يَجِدُ صَاحِبَهَا فَيَسْتَنْفِقُهَا ثُمَّ يَحْضُرُهُ الْوَفَاةُ فَيُوصِي بِهَا وَيَتْرُكُ دَيْنًا عَلَيْهِ وَلَا وَفَاءَ لَهُ كَيْفَ تَرَى؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يُحَاصَّ الْغُرَمَاءُ بِهَا أَهْلَ الدَّيْنِ بِقَدْرِ مَا يُصِيبُهَا ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْمِدْيَانِ بِالدَّيْنِ عِنْدَ مَالِكٍ جَائِزٌ لِمَنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ كَانَ إقْرَارُهُ فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ عِنْدَ الصِّحَّةِ مِنْ الْمَرَضِ فِي رَهْنِهِ وَقَضَاءِ بَعْضِ غُرَمَائِهِ
[ ٦ / ٧٤ ]
دُونَ بَعْضٍ وَفِي إقْرَارِهِ بِالدَّيْنِ لِمَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْمَرَضِ وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ فِي الصِّحَّةِ فَمَرَّةً أَجَازَ ذَلِكَ وَمَرَّةً لَمْ يُجِزْهُ وَمَرَّةٌ فَرَّقَ فَأَجَازَ الرَّهْنَ وَالْقَضَاءَ وَلَمْ يُجِزْ الْإِقْرَارَ وَمَرَّةٌ أَجَازَ الْقَضَاءَ خَاصَّةً وَلَمْ يُجِزْ الرَّهْنَ وَلَا الْإِقْرَارَ وَأَمَّا إنْ أَقَرَّ أَنَّهُ اسْتَنْفَقَ اللُّقَطَةَ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَقُمْ بِذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ فَإِنْ كَانَ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ جَازَ ذَلِكَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ عَلَى وَرَثَتِهِ وَإِنْ كَانَ إقْرَارُهُ فِي مَرَضِهِ فَإِنْ كَانَ يُورَثُ بِوَلَدٍ جَازَ إقْرَارُهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَإِنْ أَوْصَى أَنْ يُتَصَدَّقَ بِهَا عَنْ صَاحِبِهَا أَوْ تُوقَفَ لَهُ وَاخْتَلَفَ إنْ كَانَ يُورَثُ بِكَلَالَةٍ فَقِيلَ إنَّهُ إنْ أَوْصَى أَنْ تُوقَفَ وَتُحْبَسَ حَتَّى يَأْتِيَ صَاحِبُهَا جَازَتْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَإِنْ أَوْصَى أَنْ يُتَصَدَّقَ بِهَا عَنْهُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَلَمْ تُخْرَجْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَلَا مِنْ الثُّلُثِ وَقِيلَ إنَّهُ يَكُونُ مِنْ الثُّلُثِ وَقِيلَ إنَّهُ إنْ كَانَتْ يَسِيرَةً جَازَتْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً لَمْ تَكُنْ فِي رَأْسِ الْمَالِ وَلَا ثُلُثٍ، انْتَهَى. وَفِي سَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: سَأَلْت ابْنَ وَهْبٍ عَنْ اللُّقَطَةِ يَجِدُهَا الرَّجُلُ فَيَسْتَنْفِقُهَا بَعْدَ السَّنَةِ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ الْغُرَمَاءُ وَلَمْ يَأْتِ صَاحِبُهَا أَتَرَى أَنْ يُحَاصَّ بِهَا الْغُرَمَاءُ، قَالَ: نَعَمْ أَرَى لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُحَاصَّ بِهَا الْغُرَمَاءَ وَسَأَلْت أَشْهَبَ، فَقَالَ لِي مِثْلَهُ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ السُّلْطَانَ ابْنُ رُشْدٍ لَيْسَ سُكُوتُ أَشْهَبَ عَنْ ذِكْرِ السُّلْطَانِ فِي هَذَا مُخَالِفًا لِمَا قَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ؛ لِأَنَّ السُّلْطَانَ هُوَ النَّاظِرُ فِيهَا لِصَاحِبِ اللُّقَطَةِ لِكَوْنِهِ فِي مَنْزِلَةِ الْغَائِبِ إذْ لَا يُعْرَفُ وَمَعْنَى ذَلِكَ إذَا عَلِمَ إقْرَارَهُ بِاسْتِنْفَاقِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ الْغُرَمَاءُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إقْرَارُ الْمُفْلِسِ بَعْدَ التَّفْلِيسِ لِمُعَيَّنٍ مَعْلُومٍ فَكَيْفَ لِغَائِبٍ مَجْهُولٍ، انْتَهَى.
[مَسْأَلَة قَالَ لَهُ صَاحِبُ الْحَانُوتِ هَذَا الدِّينَارُ وَجَدْته فِي مَكَانك بَعْدَ خُرُوجك]
(مَسْأَلَةٌ) مِنْ كِتَابِ اللُّقَطَةِ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ حَانُوتَ رَجُلٍ بَزَّازٍ لِيَشْتَرِيَ مِنْهُ ثَوْبًا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ فَاتَّبَعَهُ صَاحِبُ الْحَانُوتِ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ هَذَا دِينَارٌ وَجَدْته فِي حَانُوتِي وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيَّ الْيَوْمَ أَحَدٌ غَيْرُك فَعَمِدَ الرَّجُلُ فَافْتَقَدَ دِينَارًا مِنْهَا أَتَرَى أَنْ يَأْخُذَهُ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا أَدْرِي هُوَ أَعْلَمُ بِيَقِينِهِ إنْ اسْتَيْقَنَ أَنَّهُ دِينَارُهُ فَلْيَأْخُذْهُ قِيلَ لَهُ التَّاجِرُ يَقُولُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيَّ الْيَوْمَ غَيْرُك وَقَدْ افْتَقَدَ الرَّجُلُ مِنْ نَفَقَتِهِ دِينَارًا، قَالَ: إنْ اسْتَيْقَنَ أَنَّهُ لَهُ فَلْيَأْخُذْهُ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: فِي قَوْلِهِ إنْ اسْتَيْقَنَ فَلْيَأْخُذْهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَأْخُذُهُ إلَّا إنْ اسْتَيْقَنَ أَنَّهُ لَهُ بِزِيَادَةٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ يَحْصُلُ لَهُ بِهَا الْيَقِينُ أَنَّهُ لَهُ وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّوَرُّعِ، وَالنِّهَايَةُ فِيهِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْتَرِضْهُ شَكٌّ فِي أَنَّهُ لَهُ فَأَخَذَهُ لَهُ سَائِغٌ حَلَالٌ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَهُ إذْ قَدْ افْتَقَدَ دِينَارًا وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ عَدَدَ نَفَقَتِهِ لَسَاغَ لَهُ عِنْدِي أَنْ يَأْخُذَهُ لِقَوْلِ صَاحِبِ الْحَانُوتِ إنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيَّ الْيَوْمَ أَحَدٌ غَيْرُك وَإِنْ كَانَ التَّوَرُّعُ مِنْ أَخْذِهِ أَوْلَى وَأَحْسَنُ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ صَاحِبُ الْحَانُوتِ: هَذَا الدِّينَارُ وَجَدْتُهُ فِي مَكَانِكَ بَعْدَ خُرُوجِك وَلَا أَدْرِي هَلْ هُوَ لَكَ أَوْ لِغَيْرِك مِمَّنْ دَخَلَ الْحَانُوتَ فَعَدَّ الرَّجُلُ نَفَقَتَهُ فَافْتَقَدَ دِينَارًا وَأَمَّا لَوْ قَالَ لَهُ: هَذَا الدِّينَارُ وَجَدْتُهُ فِي مَكَانِكَ بَعْدَ خُرُوجِك وَلَا أَدْرِي هَلْ هُوَ لَك أَوْ لِغَيْرِك مِمَّنْ دَخَلَ الْحَانُوتَ وَالرَّجُلُ لَا يَعْلَمُ عَدَدَ نَفَقَتِهِ لَمَا سَاغَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالشَّكِّ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
ص (كَنِيَّةِ أَخْذِهَا قَبْلَهَا) ش، قَالَ الشَّارِحُ بَهْرَامُ فِي الْوَسَطِ: يَعْنِي أَنَّ الْمُلْتَقِطَ إذَا نَوَى قَبْلَ السَّنَةِ أَكْلَ اللُّقَطَةِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا يُرِيدُ إذَا ضَاعَتْ عِنْدَهُ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَضْمَنُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ أَبَا الْحَسَنِ الصَّغِيرَ، قَالَ: الْمَشْهُورُ أَنَّ النِّيَّةَ بِمُجَرَّدِهَا لَا تُوجِبُ شَيْئًا إلَّا أَنْ يُقَارِنَهَا فِعْلٌ، انْتَهَى. وَمَا نَقَلَهُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ فَلَيْسَ هُوَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ الْتَقَطَ لُقَطَةً فَبَعْدَ أَنْ حَازَهَا وَبَانَ بِهَا رَدَّهَا بِمَوْضِعِهَا أَوْ بِغَيْرِهِ ضَمِنَهَا فَأَمَّا إنْ رَدَّهَا فِي مَوْضِعِهَا مَكَانَهُ سَاعَتَهُ كَمَنْ مَرَّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ فَوَجَدَ شَيْئًا فَأَخَذَهُ وَصَاحَ بِهِ أَهَذَا لَكَ فَيَقُولُ لَا فَتَرَكَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي وَاجِدِ الْكِسَاءِ بِأَثَرِ رُفْقَةٍ فَأَخَذَهُ وَصَاحَ أَهَذَا لَكُمْ فَقَالُوا لَا فَرَدَّهُ، قَالَ: قَدْ أَحْسَنَ فِي رَدِّهِ وَلَا يَضْمَنُ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ لِيُعَرِّفْهَا اُنْظُرْ هَلْ تَعْرِيفًا عَامًّا الَّذِي هُوَ السَّنَةُ أَوْ تَعْرِيفًا خَاصًّا
[ ٦ / ٧٥ ]
كَوَاجِدِ الْكِسَاءِ عِيَاضٌ اخْتَلَفَ تَأْوِيلُ الشُّيُوخِ عَلَى كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقِيلَ إنَّ الثَّانِيَةَ بِخِلَافِ الْأُولَى وَإِنَّهُ ضَمِنَهُ فِي الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهَا بِنِيَّةِ التَّعْرِيفِ فَلَزِمَهُ حِفْظُهَا وَالثَّانِيَةُ لَمْ يَأْخُذْهَا بِنِيَّةِ التَّعْرِيفِ فَالْقُرْبُ وَالْبَعْدُ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ وَحَكَى ذَلِكَ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَتَأَوَّلَ آخَرُونَ أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إذَا رَدَّهَا بِالْقُرْبِ يَعْنِي إذَا أَخَذَهَا بِنِيَّةِ التَّعْرِيفِ وَإِلَيْهِ نَحَا اللَّخْمِيُّ فَحَاصِلُهُ أَنَّ قَوْلَهُ مَنْ أَخَذَ لُقَطَةَ الْمَسْأَلَةُ، وَقَوْلُهُ فَأَمَّا إنْ رَدَّهَا فِي مَوْضِعِهَا مَكَانَهُ اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِهِ فَذَهَبَ بَعْضُ الشُّيُوخِ إلَى أَنَّهُ إنَّمَا ضَمِنَهَا فِي الْأَوَّلِ إذَا لَمْ يَرُدَّهَا بِالْقُرْبِ لِقَوْلِهَا فَبَعْدَ أَنْ حَازَهَا وَبَانَ بِهَا وَلَمْ يَضْمَنْهُ فِي الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ رَدَّهَا بِالْقُرْبِ وَهَذَا تَأْوِيلُ اللَّخْمِيِّ وَذَهَبَ غَيْرُهُ إلَى أَنَّهُ إنَّمَا ضَمِنَهُ فِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهَا بِنِيَّةِ التَّعْرِيفِ فَلَزِمَهُ حِفْظُهَا فَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ وَفِي الثَّانِيَةِ لَمْ يَأْخُذْهَا بِنِيَّةِ تَعْرِيفِ الْعَامِّ وَهَذَا تَأْوِيلُ ابْنِ رُشْدٍ الشَّيْخُ. وَهَلْ تُوجِبُ النِّيَّةُ بِمُجَرَّدِهَا شَيْئًا أَمْ لَا فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا لَا تُوجِبُ شَيْئًا لِقَوْلِهِ - ﵊ - «مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» فَمَنْ نَوَى قُرْبَةٌ فَلَا تَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ إلَّا أَنْ يُقَارِنَهَا قَوْلٌ كَالنَّذْرِ أَوْ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ ثُمَّ هَذَا الْعَمَلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يَتَجَزَّأُ كَصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ فَهَذَا يَلْزَمُ إتْمَامُهُ بِالشُّرُوعِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَجَزَّأُ كَالْجِوَارِ وَقِرَاءَةِ أَحْزَابٍ أَوْ نَوَى إطَالَةَ الْقِيَامِ فِي الرُّكُوعِ بَدَا لَهُ فِيمَا شَرَعَ فِيهِ لَزِمَ وَمَا لَمْ يَأْتِ لَيْسَ فِيهِ إلَّا مُجَرَّدُ النِّيَّةِ فَلَا يَلْزَمُهُ وَالتَّعْرِيفُ مِمَّا يَتَجَزَّأُ فَلَيْسَ فِيمَا يَأْتِي إلَّا مُجَرَّدُ النِّيَّةِ فَانْظُرْ، انْتَهَى. فَتَأَمَّلْهُ، وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ، أَيْ: وَكَذَلِكَ يَضْمَنُ الرَّجُلُ إذَا نَوَى لَمَّا وَجَدَ اللُّقَطَةَ أَنْ يَأْخُذَهَا تَمَلُّكًا وَكَانَتْ هَذِهِ النِّيَّةُ قَبْلَ وَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ بِهَذِهِ النِّيَّةِ كَالْغَاصِبِ، انْتَهَى. وَإِنْ (قُلْتُ) حَمَلْت اللَّفْظَ عَلَى مَا لَا يَحْتَمِلُ (قُلْتُ) بَلْ يُحْمَلُ وَغَايَةُ مَا يُورَدُ أَنِّي غَيَّرْت الْأَخْذَ حَتَّى يَصِحَّ الْمَعْنَى الْمَنْصُوصَ وَقَدَّرْت مُضَافًا مَحْذُوفًا بَعْدَ قَبْلُ، أَيْ: قَبْلَ قَبْضِهَا لِأَجْلِ ذَلِكَ وَمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ الشَّارِحُ أَوَّلًا لَا يَصِحُّ مَعْنًى وَلَا نَقْلًا، انْتَهَى. فَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ بَهْرَامُ هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ وَقَدْ عَلِمْت مَا فِي قَوْلِهِ وَظَاهِرِهِ إلَى آخِرِهِ وَاحْتِجَاجَهُ بِكَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَسَيَأْتِي كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ يَجِبُ الضَّمَانُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اتِّفَاقًا فَيَبْقَى كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الْبِسَاطِيُّ فَأَوَّلَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ لِيُوَافِقَ مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فَإِنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ الضَّمَانَ إذَا أَخَذَهَا بِنِيَّةِ تَمَلُّكِهَا، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَهِيَ أَمَانَةٌ مَا لَمْ يَنْوِ اخْتِزَالَهَا فَتَصِيرُ كَالْمَغْصُوبِ، قَالَ الشَّيْخُ فِي التَّوْضِيحِ: هُوَ ظَاهِرٌ تَصَوُّرًا وَتَصْدِيقًا، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَعْنِي أَنَّ اللُّقَطَةَ بِيَدِ مُلْتَقَطِهَا عَلَى حُكْمِ الْأَمَانَةِ بِمُقْتَضَى حُكْمِ الشَّرْعِ وَإِنْ قَبَضَهَا بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهَا مَا لَمْ يَنْوِ اغْتِيَالًا وَغَصْبًا فَإِنْ نَوَى ذَلِكَ ضَمِنَهَا كَمَا يَضْمَنُ الْغَاصِبُ وَهَذَا بَيِّنٌ إذَا كَانَتْ هَذِهِ نِيَّتُهُ حِينَ الْتَقَطَهَا وَإِنْ حَدَثَتْ لَهُ هَذِهِ النِّيَّةُ بَعْدَ الِالْتِقَاطِ جَرَى ذَلِكَ عَلَى تَبَدُّلِ النِّيَّةِ مَعَ بَقَاءِ الْيَدِ، انْتَهَى. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: (قُلْتُ) يُرَدُّ بِأَنَّ الْقَوْلَ بِلَغْوِ أَثَرِ النِّيَّةِ إنَّمَا هُوَ مَعَ بَقَاءِ الْيَدِ كَمَا كَانَتْ لَا مَعَ تَغَيُّرِ بَقَائِهَا عَمَّا كَانَتْ بِوَصْفٍ مُنَاسِبٍ لِتَأْثِيرِ النِّيَّةِ، وَيَدُ الْمُلْتَقِطِ السَّابِقَةُ عَنْ نِيَّةِ الِاغْتِيَالِ كَانَتْ مَقْرُونَةً بِالتَّعْرِيفِ أَوْ الْعَزْمِ عَلَيْهِ وَهِيَ بَعْدَهَا مَقْرُونَةٌ بِنَقِيضِ ذَلِكَ فَصَارَ ذَلِكَ كَالْفِعْلِ فَيَجِبُ الضَّمَانُ اتِّفَاقًا، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ (قُلْتُ) الْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُنْظَرُ لِحَالِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَالْغَصْبِ، انْتَهَى. وَكَذَلِكَ هُوَ صَرِيحٌ فِي عِبَارَةِ الشَّامِلِ وَنَصُّهُ وَلَوْ نَوَى أَكْلَهُ قَبْلَ الْعَامِ ضَمِنَهُ إنْ تَلِفَ، انْتَهَى. وَهُوَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَيْضًا فَكَلَامُ الْمُؤَلِّفِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَا يَحْتَاجُ لِتَأْوِيلٍ عَلَى مَا قَالَ الْبِسَاطِيُّ
[فَرْعٌ مُلْتَقِطُ اللُّقَطَةِ هَلْ عَلَيْهِ زَكَاتُهَا]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مِنْ التَّوْضِيحِ: وَأَمَّا مُلْتَقِطُ اللُّقَطَةِ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَنْوِ إمْسَاكَهَا لِنَفْسِهِ وَإِنْ نَوَى ذَلِكَ وَلَمْ يَتَصَرَّفْ فَفِي ضَمَانِهِ قَوْلَانِ وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ ضَمَانِهِ لِابْنِ الْقَاسِمِ، الْمَجْمُوعَةُ. وَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ ضَمِنَهُ بِلَا خِلَافٍ، انْتَهَى. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ عَرَفَةَ
[ ٦ / ٧٦ ]
وَنَصُّهُ: وَفِي صَيْرُورَتِهَا دَيْنًا عَلَى مُلْتَقِطِهَا لِإِرَادَةِ أَكْلِهَا أَوْ بِتَحْرِيكِهِ نَقْلَا الشَّيْخِ عَنْ سَحْنُونٍ مَعَ الْمُغِيرَةِ وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَعَزَا ابْنُ رُشْدٍ الْأَوَّلَ لِرِوَايَتَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ، انْتَهَى. وَالْمَسْأَلَةُ فِي رَسْمِ نَقَدَهَا مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[فَرْعٌ قَالَ لَهُ صَاحِب اللُّقَطَة أَخَذَتْهَا لِتَذْهَبَ بِهَا وَقَالَ هُوَ بَلْ لِأُعَرِّفَهَا]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، قَالَ أَشْهَبُ: وَلَوْ ادَّعَى صَاحِبُهَا أَنَّهُ الْتَقَطَهَا لِيَذْهَبَ بِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُلْتَقِطِ أَنَّهُ الْتَقَطَهَا لِيُعَرِّفَ بِهَا بِغَيْرِ يَمِينٍ، انْتَهَى. وَمَا عَزَاهُ لِأَشْهَبَ هُوَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّهَا وَإِنْ ضَاعَتْ اللُّقَطَةُ مِنْ الْمُلْتَقَطِ لَمْ يَضْمَنْ، ابْنُ يُونُسَ، قَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ: وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ وَمَذْهَبُ الْكِتَابِ فِي هَذَا لَا يَمِينَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُتَّهَمَ، وَقَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، انْتَهَى. مِنْ أَبِي الْحَسَنِ وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ ثُمَّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ قَالَ لَهُ رَبُّهَا: أَخَذْتهَا لِتَذْهَبَ بِهَا، وَقَالَ هُوَ: بَلْ لِأُعَرِّفَهَا صُدِّقَ الْمُلْتَقِطُ، ابْنُ يُونُسَ، قَالَ أَشْهَبُ: بِلَا يَمِينٍ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَلَا يُعَرَّفُ الْوَجْهُ الَّذِي الْتَقَطَهَا عَلَيْهِ إلَّا مِنْ قِبَلِهِ فَإِنْ تَلِفَتْ عِنْدَهُ أَوْ ادَّعَى تَلَفَهَا وَادَّعَى أَنَّهُ أَخَذَهَا لَيُحْرِزَهَا عَلَى صَاحِبِهَا فَهُوَ مُصَدَّقٌ دُونَ يَمِينٍ إلَّا أَنْ يُتَّهَمَ، وَسَوَاءٌ أَشْهَدَ حِينَ الْتِقَاطِهَا أَوْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الْإِشْهَادَ مُسْتَحَبٌّ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَا يَلْزَمُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهَا حَالَ الْتِقَاطِهَا خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، انْتَهَى.
ص (وَرَدُّهَا بَعْدَ أَخْذِهَا لِلْحِفْظِ إلَّا بِقُرْبٍ فَتَأْوِيلَانِ)
ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فَإِنْ أَخَذَهَا لِيَحْفَظَهَا ثُمَّ رَدَّهَا ضَمِنَهَا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ إنَّمَا تَتَفَرَّعُ عَلَى الْقِسْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، انْتَهَى. يَعْنِي مِنْ أَقْسَامِ الِالْتِقَاطِ وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ الِالْتِقَاطُ هُوَ مَأْمُورٌ بِالرَّدِّ وَالْقِسْمَ الَّذِي يَجِبُ يَضْمَنُ بِمُجَرَّدِ تَرْكِهَا وَقَدْ عَلِمْت كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ وَالتَّأْوِيلَيْنِ عَلَيْهِ فِيمَا سَبَقَ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِعَادَةِ وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ بَعْدَ أَخْذِهَا لِلْحِفْظِ احْتِرَازٌ مِمَّا إذَا أَخَذَهَا لَا بِنِيَّةِ الْحِفْظِ وَلَا بِنِيَّةِ اغْتِيَالِهَا فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ إذَا رَدَّهَا بِالْقُرْبِ بِلَا خِلَافٍ وَيَضْمَنُ إذَا رَدَّهَا بَعْدَ الْبُعْدِ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ عِيَاضٌ: لَا خِلَافَ إذَا أَخَذَهَا بِغَيْرِ نِيَّةِ التَّعْرِيفِ كَأَخْذِ الْكِسَاءِ أَنَّهُ غَيْرُ ضَامِنٍ إذَا رَدَّهَا لِمَوْضِعِهَا فِي الْحِينِ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَاجِدُ اللُّقَطَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا أَنْ يَأْخُذَهَا وَلَا يُرِيدُ الْتِقَاطَهَا وَلَا اغْتِيَالَهَا، وَالثَّانِي أَنْ يَأْخُذَهَا مُلْتَقِطًا لَهَا، وَالثَّالِثُ أَنْ يَأْخُذَهَا مُغْتَالًا لَهَا فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ مِثْلُ أَنْ يَجِدَ ثَوْبًا وَهُوَ يَظُنُّهُ لِقَوْمٍ بَيْنَ يَدَيْهِ يَسْأَلُهُمْ عَنْهُ فَهَذَا إنْ لَمْ يَعْرِفُوهُ وَلَا ادَّعَوْهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ حَيْثُ وَجَدَهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ فِي يَدِهِ وَلَا تَعَدَّى عَلَيْهِ وَإِنَّمَا أَعْلَمَ بِهِ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَهُ وَلَمْ يَلْتَزِمْ فِيهِ حُكْمَ اللُّقَطَةِ وَهَذَا إذَا رَدَّهَا بِالْقُرْبِ وَأَمَّا إنْ رَدَّهَا بَعْدَ طُولٍ فَهُوَ ضَامِنٌ، انْتَهَى. وَالْقِسْمَانِ الْبَاقِيَانِ تَقَدَّمَا فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَذُو الرِّقِّ كَذَلِكَ وَقَبْلَ السَّنَةِ فِي رَقَبَتِهِ)
ش: يَعْنِي: ذُو الرِّقِّ إذَا الْتَقَطَ لُقَطَةً فَعَلَيْهِ أَنْ يُعَرِّفَهَا سَنَةً فَبَعْدَ السَّنَةِ إنْ أَكَلَهَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا ضَمِنَهَا فِي ذِمَّتِهِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ كَذَلِكَ وَقَوْلُهُ: وَقَبْلَ السَّنَةِ فِي رَقَبَتِهِ وَاضِحٌ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْ التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ يَصِحُّ حِينَ تَصَرُّفِهِ لِسَيِّدِهِ وَلَا يَقْطَعُهُ ذَلِكَ عَنْ بَيْعِهِ لِسَيِّدِهِ وَلِسَيِّدِهِ أَنْ يَنْتَزِعَهَا وَيُوقِفَهَا عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ لِئَلَّا يَخَافَ عَلَيْهَا أَنْ تَتْلَفَ أَوْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا الْعَبْدُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ كَانَ أَبْيَنُ أَنْ تُوقَفَ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ، انْتَهَى. وَإِذَا كَانَتْ فِي ذِمَّتِهِ فَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يُسْقِطَهَا، قَالَهُ اللَّخْمِيُّ أَيْضًا قَالَ فِي النَّوَادِرِ، قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يَسْتَهْلِكُ اللُّقَطَةَ قَبْلَ السَّنَةِ إنَّهَا فِي رَقَبَتِهِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ
[ ٦ / ٧٧ ]
وَأَصْبَغُ: سَوَاءٌ أَكَلَهَا أَوْ أَكَلَ ثَمَنَهَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا أَوْ وَهَبَهَا، قَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ الْمُغِيرَةِ: وَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرُ فَإِنْ أَسْلَمَ سَيِّدُهُ خِدْمَتَهُ فِيهَا أَخْدَمَهُ فِيهَا ثُمَّ عَادَ إلَى رَبِّهِ فَإِنْ مَاتَ رَبُّهُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ رَبِّهَا قِيمَتَهَا مِنْ خِدْمَتِهِ عَتَقَ فِي ثُلُثِ سَيِّدِهِ وَاتُّبِعَ بِمَا بَقِيَ، قَالَ أَشْهَبُ: وَإِنْ كَانَ مُكَاتَبًا فَهِيَ فِي رَقَبَتِهِ إمَّا أَنْ يُؤَدِّيَ قِيمَتَهَا وَإِلَّا عَجَزَ ثُمَّ خُيِّرَ رَبُّهُ فِي إسْلَامِهِ بِهَا عَبْدًا أَوْ افْتِدَائِهِ وَيَبْقَى لَهُ عَبْدًا وَإِنْ اسْتَهْلَكَهَا بَعْدَ السَّنَةِ فَهِيَ فِي ذِمَّتِهِ وَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَإِنْ اسْتَهْلَكَتْ أُمُّ الْوَلَدِ قَبْلَ السَّنَةِ فَكَالْجِنَايَةِ يَضْمَنُ سَيِّدُهَا الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ قِيمَةِ اللُّقَطَةِ، انْتَهَى.
ص (وَلَهُ أَكْلُ مَا يَفْسُدُ) ش ظَاهِرُهُ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيفٍ أَصْلًا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْرِيفِ وَنَصُّهُ: وَمَنْ الْتَقَطَ مَا لَا يَبْقَى مِنْ الطَّعَامِ فَأَحَبُّ إلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ كَثُرَ أَوْ قَلَّ وَلَمْ يُؤَقِّتْ مَالِكٌ فِي التَّعْرِيفِ بِهِ وَقْتًا فَإِنْ أَكَلَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ لِرَبِّهِ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَالتَّصَدُّقُ بِهِ أَوْلَى وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْأَصَحِّ وَثَالِثُهَا إنْ تَصَدَّقَ بِهِ لَا أَكَلَهُ، انْتَهَى. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ أَمْ لَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ ثَمَنٌ بِيعَ وَوُقِفَ ثَمَنُهُ ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الضَّحَايَا وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ بِرُمَّتِهِ فِي الضَّحَايَا فَرَاجِعْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَشَاةٌ بِفَيْفَاءَ)
ش: عَطَفَ الشَّاةَ عَلَى مَا يَفْسُدُ وَلَمْ يُشَبِّهْ الشَّاةَ بِهِ كَمَا فَعَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا شَبَهَهُ بِالشَّاةِ كَمَا فَعَلَ فِي الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْلٌ وَرَدَّ فِيهِ حَدِيثَ أَمَّا الشَّاةُ فَالْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ «هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيك أَوْ لِلذِّئْبِ» وَأَمَّا مَا يَفْسُدُ فَجَرَى ذِكْرُهُ فِي حَدِيثِ الثَّمَرَةِ وَغَيْرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ بِفَيْفَاءَ يَعْنِي لَا عِمَارَةَ فِيهِ لِكَوْنِهِ يَخْشَى عَلَيْهَا فِيهِ السِّبَاعَ وَتَرَكَ الْمُؤَلِّفُ شَرْطًا آخَرَ ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَهُوَ كَوْنُهُ يَعْسُرُ حَمْلُهَا وَأَقَرَّهُ فِي التَّوْضِيحِ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَالثَّانِي لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْسُرْ حَمْلُهَا لَلَزِمَهُ حَمْلُهَا وَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْكُلَهَا، انْتَهَى. وَإِذَا أَكَلَهَا بِالْفَيْفَاءِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهَا، قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَوْلُهُ بِفَيْفَاءَ اُحْتُرِزَ بِهِ مِمَّا لَوْ وَجَدَهَا فِي الْقَرْيَةِ أَوْ بِقُرْبِ الْعُمْرَانِ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُعَرِّفَهَا، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ وَجَدَ ضَالَّةَ غَنَمٍ بِقُرْبِ الْعُمْرَانِ عَرَّفَ بِهَا فِي أَقْرَبِ الْقُرَى إلَيْهَا وَلَا يَأْكُلُهَا وَإِنْ كَانَتْ فِي فَلَوَاتِ الْأَرْضِ وَالْمَهَامِهِ أَكَلَهَا وَلَا يُعَرِّفُ بِهَا وَلَا يَضْمَنُ لِرَبِّهَا شَيْئًا، انْتَهَى.
[فَرْعٌ وَجَدَ شَاةً اخْتَلَطَتْ بِغَنَمِهِ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ يُونُسَ، قَالَ سَحْنُونٌ فِيمَنْ وَجَدَ شَاةً اخْتَلَطَتْ بِغَنَمِهِ فَهِيَ كَاللُّقَطَةِ يَتَصَدَّقُ بِهَا أَوْ بِثَمَنِهَا يُرِيدُ بَعْدَ السَّنَةِ فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا ضَمِنَهَا لَهُ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَلَوْ ذَبَحَهَا فِي الْفَلَاةِ ثُمَّ أَتَى بِلَحْمِهَا أَكَلَهُ غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا أَصْبَغُ وَيَصِيرُ لَحْمُهَا وَجِلْدُهَا مَالًا مِنْ مَالِهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ رَبُّهَا وَهِيَ فِي يَدَيْهِ فَيَكُونُ أَحَقَّ بِهَا وَإِنْ أَتَى بِالشَّاةِ مِنْ الْفَلَاةِ إلَى الْعِمَارَةِ فَلَهَا حُكْمُ اللُّقَطَةِ يُعَرِّفُهَا وَإِنْ أَتَى رَبُّهَا أَخَذَهَا اللَّخْمِيُّ. يُرِيدُ وَيُعْطِيهِ أُجْرَةَ نَقْلِهَا، انْتَهَى.
ص (كَإِبِلٍ)
ش: ظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ، قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ الْعُتْبِيَّة وَقِيلَ هُوَ خَاصٌّ بِزَمَنِ الْعَدْلِ وَصَلَاحِ
[ ٦ / ٧٨ ]
النَّاسِ وَأَمَّا فِي الزَّمَنِ الَّذِي فَسَدَ فِيهِ النَّاسُ فَالْحُكْمُ أَنْ تُؤْخَذَ فَتُعَرَّفَ فَإِنْ لَمْ تُعَرَّفْ بِيعَتْ وَوُقِفَ ثَمَنُهَا لِصَاحِبِهَا فَإِنْ أَيِسَ مِنْهُ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مَا فَعَلَهُ عُثْمَانُ لَمَّا دَاخَلَ النَّاسَ فِي زَمَنِهِ الْفَسَادُ وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ، انْتَهَى. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَصَحِيحُ مَذْهَبِ مَالِكٍ عَدَمُ الْتِقَاطِهَا مُطْلَقًا، انْتَهَى. وَظَاهِرُهُ أَيْضًا سَوَاءٌ كَانَتْ بِمَوْضِعٍ يَخَافُ عَلَيْهَا السِّبَاعَ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ، وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَاخْتَلَفَ إنْ كَانَتْ الْإِبِلُ بَعِيدَةً مِنْ الْعُمْرَانِ بِحَيْثُ يَخَافُ عَلَيْهَا السِّبَاعَ فَقِيلَ إنَّهَا فِي حُكْمِ الْغَنَمِ، لِوَاجِدِهَا أَكْلُهَا وَقِيلَ إنَّهَا تُؤْخَذُ فَتُعَرَّفُ إذْ لَا مَشَقَّةَ فِي جَلْبِهَا، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَاخْتَلَفَ هَلْ تُلْتَقَطُ حَيْثُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا السِّبَاعُ، انْتَهَى. وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي التَّوْضِيحِ وَلَمْ يَنْقُلْهُ عَنْ الْمُقَدِّمَاتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَظَاهِرُهُ أَيْضًا سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الْعُمْرَانِ أَوْ فِي الصَّحْرَاءِ لِإِطْلَاقِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَا تُلْتَقَطُ الْإِبِلُ فِي الصَّحْرَاءِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَوْلُهُ فِي الصَّحْرَاءِ نَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ مَفْهُومٌ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَفْهُومٌ ثُمَّ هُوَ مُحْتَمَلٌ لِلْمُوَافَقَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ الْتِقَاطُهَا حَيْثُ يُتَوَهَّمُ ضَيَاعُهَا فَامْتِنَاعُهُ حَيْثُ لَا يُتَوَهَّمُ أَوْلَى وَمُحْتَمَلٌ لِلْمُخَالَفَةِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّهَا تُلْتَقَطُ فِي الْعُمْرَانِ لِسُهُولَةِ وُجْدَانِ رَبِّهَا لَهَا بِخِلَافِ مَا إذَا نَقَلَهَا مِنْ الصَّحْرَاءِ إلَى الْعِمَارَةِ فَلَا تَتَأَتَّى مَعْرِفَةُ رَبِّهَا؛ وَلِأَنَّهَا فِي الْعُمْرَانِ لَا تَجِدُ مَا تَأْكُلُ فَتَهْلَكُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْأَوَّلُ أَسْعَدُ بِظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَالثَّانِي أَقْرَبُ إلَى لَفْظِهِ، انْتَهَى قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ مَالِكٌ وَلَهَا مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا حِذَاؤُهَا أَخْفَافُهَا لِمَا فِيهَا مِنْ الصَّلَابَةِ وَسِقَاؤُهَا كِرْشَهَا لِكَثْرَةِ مَا تَشْرَبُ فِيهِ مِنْ الْمَاءِ وَتَكْتَفِي بِهِ الْأَيَّامُ وَكِلَاهُمَا مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَغَلَّتِهَا دُونَ نَسْلِهَا)
ش: قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ
[ ٦ / ٧٩ ]
وَأَمَّا مَنَافِعُ اللُّقَطَةِ وَغَلَّاتُهَا وَلَبَنُهَا، فَقَالَ مَالِكٌ: لِلْمُلْتَقِطِ وَلَا يُتْبَعُ بِذَلِكَ وَيُتْبَعُ بِهَا وَبِنَسْلِهَا خَاصَّةً وَقِيلَ يُتْبَعُ بِالْجَمِيعِ إنْ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ وَلَهُ أَنْ يَكْرِيَ الْبَقَرَ وَغَيْرَهُ فِي عَلَفِهَا كِرَاءً مَأْمُونًا وَلَهُ الرُّكُوبُ وَلَهُ بَيْعُ مَا يَخَافُ ضَيَاعَهُ وَتَلَفَهُ، انْتَهَى.
ص (وَوَجَبَ لَقْطُ طِفْلٍ نُبِذَ كِفَايَةً)
ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: اللَّقِيطُ طِفْلٌ ضَائِعٌ لَا كَافِلَ لَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَسَوَاءٌ عُلِمَ نَسَبُهُ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ وَالْكَافِلُ الْمَنْفِيُّ هُوَ الْقَرِيبُ وَإِلَّا فَالْمُلْتَقِطُ كَافِلٌ، انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: كِفَايَةً، قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: وَكُلُّ صَبِيٍّ ضَائِعٍ لَا كَافِلَ لَهُ فَالْتِقَاطُهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ فَمَنْ وَجَدَهُ وَخَافَ عَلَيْهِ الْهَلَاكَ إنْ تَرَكَهُ لَزِمَهُ أَخْذُهُ وَلَمْ يَحِلَّ لَهُ تَرْكُهُ، انْتَهَى.
ص (وَنَفَقَتُهُ إنْ لَمْ يُعْطَ مِنْ الْفَيْءِ إلَخْ) ش لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِمُنْتَهَى النَّفَقَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: فَإِنْ تَعَذَّرَ فَعَلَى مُلْتَقَطِهِ حَتَّى يَبْلُغَ أَوْ يَسْتَغْنِيَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَعْنِي فَإِنْ تَعَذَّرَ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ مِنْ الْوُجُوهِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى مُلْتَقِطِهِ إمَّا بِمُقْتَضَى الْعَادَةِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ تَدُلُّ عَلَى مِثْلِ هَذَا وَإِمَّا لِأَنَّهُ أَوْلَى النَّاس بِهِ وَيَسْتَمِرُّ إنْفَاقُهُ عَلَيْهِ إلَى الْبُلُوغِ أَوْ يَسْتَغْنِي قَبْلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْبَاجِيَّ وَغَيْرَهُ مِمَّنْ نَقَلَ هَذَا الْفَرْعَ عَنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ إنَّمَا عَطَفَ يَسْتَغْنِي عَلَى مَا قَبْلَهُ بِالْوَاوِ وَذَلِكَ يُوهِمُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ فِي النَّفَقَةِ حِينَئِذٍ كَحُكْمِ الْوَلَدِ تَسْتَمِرُّ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ الذَّكَرُ صَحِيحًا أَوْ تَتَزَوَّجَ الْأُنْثَى وَيَدْخُلَ بِهَا زَوْجُهَا وَمَا أَظُنُّهُ يُرِيدُ مِثْلَ هَذَا، انْتَهَى. وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: نَفَقَتُهُ عَلَى مُلْتَقِطِهِ حَتَّى يَبْلُغَ وَيَسْتَغْنِيَ هَكَذَا نَقَلَ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ بِالْوَاوِ خِلَافَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوْ يَسْتَغْنِيَ، انْتَهَى. فَتَأَمَّلْهُ، وَفِي الشَّامِلِ حَتَّى يَبْلُغَ وَيَسْتَغْنِيَ بِالْوَاوِ وَكَنَقْلِ الْبَاجِيِّ.
ص (وَرُجُوعُهُ عَلَى أَبِيهِ إنْ طَرَحَهُ عَمْدًا)
ش: تَصَوُّرُهُ
[ ٦ / ٨٠ ]
وَاقِعٌ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: فَإِنْ ثَبَتَ لَهُ أَبٌ بِالْبَيِّنَةِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَوْلُهُ ثَبَتَ لَا مَفْهُومَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ وَلَدُهُ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ الْبَاجِيُّ وَإِنَّمَا تُشْتَرَطُ الْبَيِّنَةُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا فِي التَّصْدِيقِ فِي الِاسْتِلْحَاقِ، انْتَهَى.
وَعِبَارَةُ التَّهْذِيبِ نَحْوُ عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَنَبَّهَ عَلَيْهَا أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ إنْ طَرَحَهُ عَمْدًا كَقَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَإِنْ ثَبَتَ لَهُ أَبٌ بِالْبَيِّنَةِ طَرَحَهُ عَمْدًا لَزِمَتْهُ وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ وَكَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَطْرَحْهُ أَوْ طَرَحَهُ بِلَا عَمْدٍ لَا رُجُوعَ عَلَيْهِ وَلَكِنْ إنَّمَا تَكَلَّمَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُؤَلِّفُ عَلَى الْمَفْهُومِ الْأَوَّلِ وَهُوَ كَوْنُهُ لَمْ يَطْرَحْهُ وَكَذَا الشَّارِحُ بَهْرَامُ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ.
، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ الْتَقَطَ لَقِيطًا فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ فَأَتَى رَجُلٌ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ابْنَهُ فَلَهُ أَنْ يَتْبَعَهُ بِمَا أَنْفَقَ إنْ كَانَ الْأَبُ مُوسِرًا فِي حِينِ النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ هَذَا إنْ تَعَمَّدَ الْأَبُ طَرْحَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ طَرَحَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي صَبِيٍّ ضَلَّ عَنْ وَالِدِهِ فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَلَا يَتْبَعُ أَبَاهُ بِشَيْءٍ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: هَذَا دَلِيلٌ عَلَى قَوْلِهِ لَمْ يَتَعَمَّدْ طَرْحَهُ كَأَنَّهُ يَقُولُ فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتِك فِي الَّذِي لَمْ يَتَعَمَّدْ الْأَبُ طَرْحَهُ، انْتَهَى. وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ: وَرُجُوعُهُ عَلَى أَبِيهِ إلَى آخِرِهِ، أَيْ: وَوَجَبَ لِلْمُنْفِقِ الرُّجُوعُ عَلَى أَبِي اللَّقِيطِ إذَا طَرَحَهُ عَمْدًا أَمَّا إنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ فَلِأَنَّ النَّفَقَةَ بِالْأَصَالَةِ عَلَى الْأَبِ وَطَرْحَهُ لَا يُسْقِطُهَا وَأَمَّا إنَّهُ إذَا لَمْ يَطْرَحْهُ أَوْ طَرَحَهُ بِوَجْهٍ كَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَّ مَنْ طَرَحَ ابْنَهُ يَعِيشُ لَهُ الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ فَلِأَنَّ أَخْذَ الْمُلْتَقِطِ لَهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ مَنْعٌ مِنْ إنْفَاقِ الْأَبِ عَلَيْهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا طَرَحَهُ بِوَجْهٍ، انْتَهَى. فَتَأَمَّلْهُ مَعَ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَبَقِيَ عَلَى الْمُؤَلِّفِ قَيْدَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ، الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الْأَبُ حِينَ الْإِنْفَاقِ مُوسِرًا وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَبَّهَ عَلَيْهِ فِي التَّوْضِيحِ وَتَرَكَهُ الْمُصَنِّفُ اعْتِمَادًا عَلَى مَا قَدَّمَهُ فِي فَصْلِ النَّفَقَةِ مِنْ أَنَّ نَفَقَةَ الْوَلَدِ إنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْمُوسِرِ. الْقَيْدُ الثَّانِي أَنْ لَا يَكُونَ الْمُنْفِقُ أَنْفَقَ حِسْبَةً وَهَذَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، أَنَّهُ لَمْ يُنْفِقْ حِسْبَةً فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إنَّهُ لَمْ يُنْفِقْ حِسْبَةً) ش يَعْنِي إذَا طَرَحَهُ أَبُوهُ عَمْدًا وَلَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ فَادَّعَى عَلَى الْمُنْفِقِ أَنَّهُ إنَّمَا أَنْفَقَ حِسْبَةً وَادَّعَى الْمُنْفِقُ عَدَمَ الْحِسْبَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: مَعَ يَمِينِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي أَنَّهُ أَنْفَقَ لِيَرْجِعَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِيَمِينٍ، انْتَهَى. يَظْهَرُ أَنَّهُ بَحْثٌ مِنْ عِنْدِهِ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ شَاسٍ كَمَا عَلِمْت وَنَبَّهَ عَلَيْهِ فِي التَّوْضِيحِ (تَنْبِيهٌ) اُنْظُرْ لَوْ اخْتَلَفَا فِي طَرْحِهِ فَادَّعَى الْمُلْتَقِطُ أَنَّ أَبَاهُ طَرَحَهُ عَمْدًا وَأَنْكَرَهُ الْأَبُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ أَشْبَهَ مِنْهُمَا وَكَذَلِكَ لَوْ اخْتَلَفَا فِي عُسْرِ الْأَبِ وَقْتَ الْإِنْفَاقِ أَوْ يُسْرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ)
ش: قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: وَلَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمُلْتَقِطُ إلَّا بِتَخْصِيصِ الْإِمَامِ، انْتَهَى. وَقَالَ فِيهَا أَيْضًا: وَأَرْشُ خَطَئِهِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ فَالْأَرْشُ لَهُ، انْتَهَى.
ص (كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا بَيْتَانِ إنْ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ)
ش: قَالَ فِي تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ إلَّا الْبَيْتَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَنَقَلَهُ فِي الْجَوَاهِرِ فَمَفْهُومُهُ أَنْ لَوْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ أَوْ كَافِرٌ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَيُفْهَمُ مِنْ تَعْيِينِ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ هَذِهِ الصُّورَةَ لِلْخِلَافِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ مُسَاوِينَ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ التَّسَاوِي أَنْ يُحْمَلَ اللَّقِيطُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَوْ الْتَقَطَهُ مُشْرِكٌ، انْتَهَى. وَمَفْهُومُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ إذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا قَرِيبًا مِنْ التَّسَاوِي لَحُكِمَ بِإِسْلَامِهِ مُطْلَقًا كَمَا تَقَدَّمَ وَانْظُرْ قَوْلَهُمْ الْبَيْتَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا إلَّا وَاحِدٌ
[ ٦ / ٨١ ]
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحُكْمَ مُتَّحِدٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفِي قُرَى الشِّرْكِ مُشْرِكٌ) ش نَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: وَسَوَاءٌ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ أَوْ كَافِرٌ، انْتَهَى. وَفِي الذَّخِيرَةِ وَفِي قُرَى الْكُفْرِ وَمَوَاضِعِهِمْ فَهُوَ كَافِرٌ وَلَا يَعْرِضُ لَهُ إلَّا أَنْ يَلْتَقِطَهُ مُسْلِمٌ فَيَجْعَلَهُ عَلَى دِينِهِ، انْتَهَى. فَتَأَمَّلْهُ.
ص (وَقُدِّمَ الْأَسْبَقُ إلَخْ) ش، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى ضَيَاعِهِ عِنْدَ الْأَوَّلِ، انْتَهَى. وَنَقَلَهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَنَصُّهُ: وَلَوْ ازْدَحَمَ اثْنَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا أَهْلٌ قُدِّمَ السَّابِقُ فَإِنْ اسْتَوَيَا قَدَّمَ الْإِمَامُ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ لِلصَّبِيِّ فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي ذَلِكَ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، انْتَهَى. وَقَالَ فِي تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ الْتَقَطَ لَقِيطًا فَكَابَرَهُ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَنَزَعَهُ مِنْهُ فَرَافَعَهُ إلَى الْإِمَامِ نَظَرَ الْإِمَامُ لِلصَّبِيِّ فَأَيُّهُمَا كَانَ أَقْوَى عَلَى مُؤْنَتِهِ وَكَفَالَتِهِ وَكَانَ مَأْمُونًا دَفَعَهُ إلَيْهِ، انْتَهَى. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: هُوَ لِلْأَوَّلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّانِي أَكْفَأَ مِنْهُ وَأَحْرَزَ الشَّيْخُ وَهُوَ مَعْنَى الْكِتَابِ وَقَوْلُهُ مَأْمُونًا، أَيْ: أَنْ يَبِيعَهُ، انْتَهَى. فَتَأَمَّلْ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ وَشَارِحِهَا فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ الْأَكْفَأِ ثُمَّ الْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْهُ مَعَ كَلَامِ التَّوْضِيحِ وَانْظُرْ هَلْ يُرَجَّحُ هُنَا بِالصَّلَاحِ وَعَدَمِهِ فَيُقَدَّمُ غَيْرُ الْفَاسِقِ عَلَى الْفَاسِقِ وَقَدْ يُتَلَمَّحُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ وَكَانَ مَأْمُونًا، فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَلَيْسَ لِمُكَاتَبٍ وَنَحْوِهِ الْتِقَاطٌ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: لِأَنَّهُ يَشْتَغِلُ بِتَرْبِيَتِهِ وَنَفَقَتِهِ عَنْ سَيِّدِهِ وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى الْمُكَاتَبِ وَإِنَّمَا صَحَّ؛ لِأَنَّهُ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ إنَّمَا أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ وَوَجْهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّقِيطَ يَحْتَاجُ إلَى حَضَانَةٍ وَالْحَضَانَةُ تَبَرُّعٌ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ وَانْظُرْ الْمَرْأَةَ هَلْ يَصِحُّ الْتِقَاطُهَا بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا؟ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَنُدِبَ أَخْذُ آبِقٍ لِمَنْ يَعْرِفُ وَإِلَّا فَلَا يَأْخُذُهُ)
[ ٦ / ٨٢ ]
ش: قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: الْإِبَاقُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ اسْمٌ لِلذَّهَابِ فِي اسْتِتَارٍ وَهُوَ الْهُرُوبُ وَالْأَبْقُ بِالْفَتْحِ وَسُكُونِ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا أَيْضًا اسْمُ الْفِعْلِ وَالْمَصْدَرِ وَالْأُبَّاقُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ جَمْعُ آبِقٍ، انْتَهَى. وَعِبَارَةُ الْمُؤَلِّفِ هِيَ كَقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ وَجَدَ آبِقًا فَلَا يَأْخُذُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِقَرِيبِهِ أَوْ جَارِهِ أَوْ لِمَنْ يَعْرِفُهُ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَأْخُذَهُ وَهُوَ مِنْ أَخْذِهِ فِي سَعَةٍ، انْتَهَى. وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ فَلَا يَأْخُذُهُ هُوَ لَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: أَمَّا أَخْذُ الْآبِقِ فَقَدْ، قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: تَرْكُهُ خَيْرٌ مِنْ أَخْذِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِقَرِيبِهِ أَوْ جَارِهِ أَوْ لِمَنْ يَعْرِفُهُ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَأْخُذَهُ، انْتَهَى. أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ أَوْ لِمَنْ يَعْرِفُهُ هُوَ الضَّابِطُ وَلَا يُقَالُ أَنَّ ذَلِكَ لِلْقَرَابَةِ، انْتَهَى.
وَلِهَذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ وَقَيَّدَ الْبِسَاطِيُّ هَذَا بِمَا إذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يُخْشَى عَلَيْهِ فِيهِ الْهَلَاكُ وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا الْحَسَنِ، قَالَ فِي قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَهُوَ مِنْ أَخْذِهِ فِي سَعَةٍ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: أَمَّا إذَا كَانَ عَلَى الْأَمْيَالِ الْيَسِيرَةِ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَبَقَ مِنْهُ فَلَا سَعَةَ فِي تَرْكِهِ إذَا لَمْ يَخَفْ مِنْهُ الشَّيْخُ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ تَلَفٌ لَهُ، انْتَهَى.
ص (فَإِنْ أَخَذَهُ رَفَعَهُ لِلْإِمَامِ وَوُقِفَ سَنَةً ثُمَّ بِيعَ وَلَا يُهْمَلُ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ أَخَذَ آبِقًا رَفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ وَيُوقِفُهُ سَنَةً وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ وَيَكُونُ فِيمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ كَالْأَجْنَبِيِّ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ وَإِلَّا بَاعَهُ وَأَخَذَ مِنْ ثَمَنِهِ مَا أَنْفَقَ وَحَبَسَ بَقِيَّةَ الثَّمَنِ لِرَبِّهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَأَمَرَ مَالِكٌ بِبَيْعِ الْإِبَاقِ بَعْدَ السَّنَةِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِإِطْلَاقِهِمْ يَعْمَلُونَ وَيَأْكُلُونَ وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ كَضَوَالِّ الْإِبِلِ؛ لِأَنَّهُمْ يَأْبِقُونَ ثَانِيَةً، انْتَهَى. فَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ رَفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ كَقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ رَفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ أَبُو الْحَسَنِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَطْلُوبٌ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فَالرَّفْعُ إلَى الْإِمَامِ أَوْلَى وَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ هُوَ مَا يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ، انْتَهَى. وَقَالَ: قَوْلُهُ وَيَكُونُ فِيمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ كَالْأَجْنَبِيِّ يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ يَفْعَلُ فِيهِ مَا يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّفْعُ، انْتَهَى. وَقَالَ الرَّجْرَاجِيُّ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ: فَإِنْ أَخْذَهُ فَلَا يَخْلُو السُّلْطَانُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا أَوْ جَائِرًا فَإِنْ كَانَ عَدْلًا فَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ رَفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ وَإِنْ شَاءَ عَرَّفَ بِهِ ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ جَائِرًا فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْفَعَهُ إلَيْهِ وَيُعَرِّفَهُ سَنَةً وَيُنْفِقَ عَلَيْهِ وَيَكُونَ حُكْمُهُ فِي النَّفَقَةِ حُكْمَ السُّلْطَانِ، انْتَهَى.
وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ وَوُقِفَ سَنَةً ثُمَّ بِيعَ وَلَا يُهْمَلُ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَيُوقِفُهُ سَنَةً إلَى قَوْلِهِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِإِطْلَاقِهِمْ وَفِيهِ أَمْرَانِ، أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُحْبَسُ سَنَةً، وَالثَّانِي أَنَّهُ يُبَاعُ بَعْدَ السَّنَةِ وَلَا يُمْهَلُ، أَمَّا الْأَوَّلُ، فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ، قَالَ سَحْنُونٌ: لَا أَرَى أَنْ يُوقِفَهُ سَنَةً وَلَكِنْ بِقَدْرِ مَا يَتَبَيَّنُ أَمْرَهُ ثُمَّ يُبَاعُ وَيَكْتُبُ الْحَاكِمُ صِفَاتِهِ عِنْدَهُ حَتَّى يَأْتِيَ لَهُ طَالِبٌ ابْنُ يُونُسَ وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ عَلَيْهِ سَنَةً رُبَمَا ذَهَبَتْ بِثَمَنِهِ، انْتَهَى. وَفِي سَمَاعِ عِيسَى، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الشَّأْنُ وَالسَّنَةُ فِي الْآبِقِ أَنْ يُحْبَسَ سَنَةً إلَّا أَنْ يَخَافَ الضَّيْعَةَ فَيُبَاعُ (قُلْتُ) أَرَأَيْت إذَا انْقَضَتْ السَّنَةُ وَلَمْ يَخَفْ ضَيْعَةً أَيُبَاعُ، قَالَ: نَعَمْ وَلَا يُحْبَسُ بَعْدَ السَّنَةِ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ أَنَّ الْآبِقَ يُحْبَسُ هُوَ مِثْلُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَوْلُهُ إنَّهُ إذَا خُشِيَتْ الضَّيْعَةُ عَلَيْهِ بِيعَ قَبْلَ السَّنَةِ هُوَ تَفْسِيرٌ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَدْ مَضَى فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ أَنَّهُ إذَا خُشِيَتْ عَلَيْهِ الضَّيْعَةُ خُلِّيَ سَبِيلَهُ وَلَمْ يُبَعْ وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ هُنَالِكَ فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ، انْتَهَى.
فَمَا فِي سَمَاعِ عِيسَى تَفْسِيرٌ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَمَّا كَلَامُ سَحْنُونٍ فَإِنَّهُ خِلَافٌ لِلْمُدَوَّنَةِ فَإِنَّهُ لَا يَرَى حَبْسَهُ سَنَةً أَصْلًا، قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ، قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ أَنَّ الْآبِقَ يُحْبَسُ سَنَةً وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَتَحْصِيلُهُ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُخْشَى عَلَيْهِ الضَّيْعَةُ فِي هَذَا الْأَمَدِ أَمْ لَا فَإِنْ خِيفَ بِيعَ قَبْلَ السَّنَةِ وَهِيَ رِوَايَةُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ وَإِنْ لَمْ يُخْشَ عَلَيْهِ هَلْ يُنْتَظَرُ بِهِ سَنَةً وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يُوقَفُ سَنَةً وَإِنَّمَا يُوقَفُ بِقَدْرِ مَا يَتَبَيَّنُ ضَرَرَهُ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ، انْتَهَى.
وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّانِي وَهُوَ كَوْنُهُ يُبَاعُ بَعْدَ السَّنَةِ وَلَا يُمْهَلُ، فَقَالَ فِي سَمَاعِ
[ ٦ / ٨٣ ]
أَشْهَبُ: إنَّهُ إذَا عَرَّفَهُ فَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهُ أَنَّهُ يُخَلِّيهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَبِيعَهُ فَيَهْلَكَ ثَمَنُهُ وَيُؤْكَلَ أَوْ يُطْرَحَ فِي السِّجْنِ فَيُقِيمُ وَلَا يَجِدُ مَنْ يُطْعِمُهُ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا الْإِبَاقُ فَسَوَّى فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ضَوَالِّ الْإِبِلِ فِي أَنَّهُمْ يُرْسَلُونَ إذَا عُرِّفُوا فَلَمْ يُعْرَفُوا، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنَّهُمْ يُحْبَسُونَ ثُمَّ يُبَاعُونَ فَتُحْبَسُ أَثْمَانُهُمْ لِأَرْبَابِهِمْ وَلَا يُرْسَلُونَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ مِنْ الْقَوْلِ وَعَلَى ذَلِكَ يَحْمِلُهُ الشُّيُوخُ وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ فَيَكُونُ الْوَجْهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ خَشِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَضِيعَ فِي السِّجْنِ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ وَأَنْ يَتْلَفَ ثَمَنُهُ إنْ بِيعَ كَانَ إرْسَالُهُ أَوْلَى مِنْ حَبْسِهِ عَلَى مَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَإِنْ لَمْ يَخْشَ عَلَيْهِ أَنْ يَضِيعَ فِي السِّجْنِ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ وَلَا يَتْلَفُ ثَمَنُهُ إنْ بِيعَ كَانَ حَبْسُهُ سَنَةً ثُمَّ بَيْعُهُ بَعْدَ السَّنَةِ وَإِمْسَاكُ ثَمَنِهِ أَوْلَى مِنْ إرْسَالِهِ.
، وَمَوْضِعُ الْخِلَافِ عِنْدَ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْخِلَافِ إنَّمَا هُوَ إذَا خَشِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَضِيعَ فِي السِّجْنِ وَأَنْ يَتْلَفَ ثَمَنُهُ إذَا بِيعَ فَمَرَّةً رَأَى أَنْ إرْسَالَهُ أَوْلَى لِئَلَّا يَضِيعَ أَوْ يَتْلَفَ ثَمَنُهُ، وَمَرَّةً رَأَى أَنَّ حَبْسَهُ وَبَيْعَهُ وَإِمْسَاكَ ثَمَنِهِ أَوْلَى لِئَلَّا يَأْبِقَ ثَانِيَةً، وَالِاخْتِلَافُ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الِاجْتِهَادِ، أَيُّ الْخَوْفَيْنِ أَشَدُّ؟ وَأَمَّا إنْ لَمْ يُخْشَ عَلَيْهِ أَنْ يَضِيعَ فِي السِّجْنِ وَلَا أَنْ يَتْلَفَ ثَمَنُهُ إذَا بِيعَ فَلَا يُرْسَلُ؛ لِئَلَّا يَأْبِقَ قَوْلًا وَاحِدًا وَلَوْ لَمْ يُخْشَ عَلَيْهِ أَنْ يَضِيعَ فِي السِّجْنِ وَخُشِيَ عَلَى ثَمَنِهِ أَنْ يَضِيعَ لَوَجَبَ أَنْ يُسْجَنَ سَنَةً يُعَرَّفُ فِيهَا ثُمَّ يُسَرَّحُ وَلَا يُحْبَسُ أَكْثَرَ مِنْهَا الَّتِي هِيَ حَدُّ تَعْرِيفِ اللُّقَطَةِ وَلَوْ لَمْ يُخْشَ عَلَى ثَمَنِهِ ضَيَاعٌ وَخُشِيَ عَلَيْهِ إنْ سُجِنَ لَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَاعَ وَيُوقَفَ ثَمَنُهُ وَلَا يُسْجَنُ، انْتَهَى. فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص.
(وَأَخَذَ نَفَقَتَهُ)
ش: فَاعِلُ أَخَذَ ضَمِيرٌ عَائِدٌ عَلَى الْمُنْفِقِ الْمَفْهُومِ مِنْ السِّيَاقِ سَوَاءٌ كَانَ الْإِمَامُ أَوْ غَيْرُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَمَضَى بَيْعُهُ وَإِنْ قَالَ رَبُّهُ: كُنْتُ أَعْتَقْته)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا جَاءَ رَبُّ الْآبِقِ بَعْدَ أَنْ بَاعَهُ الْإِمَامُ بَعْدَ السَّنَةِ وَالْعَبْدُ قَائِمٌ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا الثَّمَنُ وَلَا يُرَدُّ الْبَيْعُ وَلَوْ قَالَ رَبُّهُ: كُنْتُ أَعْتَقْته أَوْ دَبَّرْته بَعْدَ مَا أَبَقَ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَأْبِقَ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَى نَقْضِ الْبَيْعِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، انْتَهَى. أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ بَعْدَ السَّنَةِ، الشَّيْخُ وَكَذَلِكَ إذَا بَاعَهُ قَبْلَ السَّنَةِ
لِمَا
رَأَى مِنْ وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ الَّذِي يَقُولُ لَا يُوقَفُ سَنَةً فَلَا إشْكَالَ، انْتَهَى. وَقَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: أَمَّا الْعِتْقُ وَالتَّدْبِيرُ وَسَائِرُ عُقُودِ الْعِتْقِ غَيْرِ الْإِيلَادِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي نَقْضِ الْعِتْقِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إثْرَ الْكَلَامِ السَّابِقِ: وَلَوْ كَانَتْ أَمَةٌ فَبَاعَهَا الْإِمَامُ بَعْدَ السَّنَةِ ثُمَّ جَاءَ سَيِّدُهَا، فَقَالَ: قَدْ كَانَتْ وَلَدَتْ مِنِّي وَوَلَدُهَا قَائِمٌ فَإِنَّهَا تُرَدُّ إلَيْهِ إنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ، وَقَالَهُ مَالِكٍ فِيمَنْ بَاعَ جَارِيَةً لَهُ وَوَلَدَهَا ثُمَّ اسْتَلْحَقَ الْوَلَدُ أَنَّهُ إذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَى مِثْلِهَا رُدَّتْ إلَيْهِ وَلَوْ قَالَ: كُنْتُ أَعْتَقْتهَا لَمْ يُصَدَّقْ وَلَمْ تُرَدَّ إلَيْهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ قِيلَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا وَلَدٌ، فَقَالَ بَعْدَ مَا بَاعَهَا: كَانَتْ وَلَدَتْ مِنِّي، قَالَ: أَرَى أَنْ تُرَدَّ إلَيْهِ إنْ لَمْ يُتَّهَمْ فِيهَا، انْتَهَى. وَقَالَ الرَّجْرَاجِيُّ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ: فَإِنْ ادَّعَى أَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْهُ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا وَلَدٌ أَمْ لَا فَإِنْ كَانَ مَعَهَا وَلَدٌ فَهَلْ تُرَدُّ إلَيْهِ أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ مَنْصُوصَيْنِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، أَحَدُهُمَا أَنَّهَا تُرَدُّ إلَيْهِ سَوَاءٌ اُتُّهِمَ أَوْ لَمْ يُتَّهَمْ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ، وَالثَّانِي أَنَّهَا تُرَدُّ إلَيْهِ إنْ لَمْ يُتَّهَمْ وَإِنْ اُتُّهِمَ فِيهَا لَمْ تُرَدَّ إلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا وَلَدٌ فَإِنْ اُتُّهِمَ فِيهَا لَمْ تَرُدَّ إلَيْهِ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنْ لَمْ يُتَّهَمْ فَهَلْ تُرَدُّ إلَيْهِ أَمْ لَا؟ الْمَذْهَبُ عَلَى قَوْلَيْنِ قَائِمَيْنِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، أَحَدُهُمَا أَنَّهَا لَا تُرَدُّ إلَيْهِ وَهِيَ رِوَايَةُ أَكْثَرِ الْأَنْدَلُسِيِّينَ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ اللَّبَّادِ، وَالثَّانِي أَنَّهَا تُرَدُّ إلَيْهِ وَهِيَ رِوَايَةُ أَكْثَرِ الْقَرَوِيِّينَ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَابْنُ أَبِي زَمَنِينَ وَالْبَرَاذِعِيُّ وَحَكَاهَا ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: إنَّمَا قَالَ فِي الْعِتْقِ: لَا يُصَدَّقُ وَفِي الِاسْتِيلَادِ يُصَدَّقُ إنْ لَمْ يُتَّهَمْ فِيهَا مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْعِتْقَ سَبِيلُهُ أَنْ يَتَوَثَّقَ فِيهِ وَيُشْهِدُ، هَذِهِ عَادَةُ النَّاسِ فَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ اُتُّهِمَ، وَوِلَادَةُ الْأَمَةِ لَيْسَ شَأْنُ النَّاسِ فِيهِ الْإِشْهَادَ وَالِاشْتِهَارَ لَهُ فَإِذَا انْتَفَتْ التُّهْمَةُ صُدِّقَ، انْتَهَى. وَقَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ يُتَّهَمُ، قَالَ عِيَاضٌ
[ ٦ / ٨٤ ]
يَعْنِي: بِصَبَابَةٍ إلَيْهَا، انْتَهَى. مِنْ أَبِي الْحَسَنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَهُ عِتْقُهُ وَهِبَتُهُ لِغَيْرِ ثَوَابٍ)
ش: أَبُو الْحَسَنِ وَجَمِيعُ الْمَعْرُوفُ فِيهِ جَائِزٌ ابْنُ يُونُسَ، وَهُوَ لَازِمٌ وَكَذَلِكَ عِتْقُهُ إلَى أَجَلٍ فَإِنْ جَعَلَ الْأَجَلَ مِنْ يَوْمِ أَبَقَ ثُمَّ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ حَتَّى انْقَضَى الْأَجَلُ كَانَ حُرًّا، انْتَهَى.
ص (إلَّا لِخَوْفٍ مِنْهُ)
ش: قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: فَإِنْ أَرْسَلَهُ لِعُذْرٍ كَمَا إذَا خَافَ مِنْهُ أَنْ يَقْتُلَهُ أَوْ يَضْرِبَهُ أَوْ يَذْهَبَ بِحَوَائِجِ بَيْتِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُخْتَلَفَ فِيمَا قَالَهُ إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ الْخَوْفُ بِمَا ظَهَرَ مِنْ ظَوَاهِرِ حَالِ الْعَبْدِ ثُمَّ قَالَ: وَلَيْسَ شِدَّةُ النَّفَقَةِ بِعُذْرٍ مُسْقِطٍ عَنْهُ الضَّمَانَ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ رَفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ وَإِلَّا فَلَا يُرْسِلُهُ وَلْيَرْفَعْهُ إلَى الْإِمَامِ فَتَأَمَّلْهُ.
(لَا إنْ أَبَقَ مِنْهُ وَإِنْ مُرْتَهِنًا وَحَلَفَ) ش يَعْنِي أَنَّ الْعَبْدَ إذَا أَبَقَ مِنْ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ثُمَّ بَالَغَ، فَقَالَ: وَإِنْ كَانَ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ أَخَذَهُ مِنْ رَبِّهِ عَلَى جِهَةِ الرَّهْنِ لَكِنْ يَحْلِفُ، فَقَوْلُهُ وَحَلَفَ رَاجِعٌ إلَى مَسْأَلَةِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَبَقَ مِنْهُ، قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَهْرُبَ مِنْ الدَّارِ أَوْ يُرْسِلَهُ إلَى بَعْضِ حَوَائِجِهِ فَإِنْ أَبَقَ مِنْ دَارِهِ فَإِنْ ظَهَرَ ذَلِكَ وَاشْتَهَرَ قُبِلَ قَوْلُهُ بِلَا يَمِينٍ قَوْلًا وَاحِدًا كَانَ مِمَّنْ يُتَّهَمُ أَمْ لَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا دَعْوَاهُ هَلْ يَحْلِفُ أَمْ لَا؟ الْمَذْهَبُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا أَنَّهُ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ يَحْلِفُ لَقَدْ انْفَلَتَ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَالثَّالِثُ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ التُّهْمَةِ حَلَفَ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ أَرْسَلَهُ فِي حَاجَةٍ خَفِيفَةٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَرْسَلَهُ فِي حَاجَةٍ يَأْبِقُ فِي مِثْلِهَا فَهُوَ ضَامِنٌ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ فِي كِتَابِهِ، انْتَهَى. وَاقْتَصَرَ ابْنُ يُونُسَ عَلَى الثَّانِي فَانْظُرْهُ فِيهِ.
ص (وَأَخَذَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا دَعْوَاهُ إنْ صَدَّقَهُ)
ش: نَحْوُ هَذَا قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ ادَّعَى أَنَّ هَذَا الْآبِقَ عَبْدُهُ وَلَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً فَإِنْ صَدَّقَهُ الْعَبْدُ دُفِعَ إلَيْهِ ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ بَعْدَ التَّلَوُّمِ وَيُضَمِّنُهُ إيَّاهُ، قَالَ أَشْهَبُ فِي كِتَابِهِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ مُدَّعِيهِ: ثُمَّ إنْ جَاءَ لَهُ طَالِبٌ لَمْ يَأْخُذْهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ وَإِنْ أَقَرَّ لَهُ الْعَبْدُ بِمِثْلِ مَا أَقَرَّ لِلْأَوَّلِ مِنْ الرِّقِّ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: فَإِنْ ادَّعَاهُ يَعْنِي الْآبِقَ أَحَدٌ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ يُقِيمُهَا فَلَا يَخْلُو الْعَبْدُ مِنْ أَنْ يُقِرَّ لَهُ أَمْ لَا فَإِنْ أَقَرَّ لَهُ أَخَذَهُ بَعْدَ الِاسْتِينَاءِ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ لَهُ بِالْمِلْكِ فَعَلَى قَوْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ بَعْدَ الِاسْتِينَاءِ كَمَا لَوْ اعْتَرَفَ بِهِ وَيُضَمِّنُهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا، وَالثَّانِي لَا يُدْفَعُ لَهُ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ، انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ إنَّمَا قَالَ: يُدْفَعُ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ لَهُ إذَا وَصَفَهُ وَلَمْ يَعْتَرِفْ لِغَيْرِهِ بِالرِّقِّ وَنَصُّهُ بَعْدَ مَسْأَلَةِ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي: فَإِنْ ادَّعَى الْعَبْدَ وَوَصَفَهُ وَلَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ فَأَرَى أَنَّهُ مِثْلُ الْمَتَاعِ يَنْظُرُ فِيهِ الْإِمَامُ وَيَتَلَوَّمُ لَهُ فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يَطْلُبُهُ وَإِلَّا دَفَعَهُ إلَيْهِ وَضَمَّنَهُ إيَّاهُ قِيلَ وَلَا يُلْتَفَتُ هَهُنَا إلَى الْعَبْدِ إنْ أَنْكَرَ أَنَّ هَذَا مَوْلَاهُ إلَّا أَنَّهُ مُقِرٌّ أَنَّهُ عَبْدٌ لِفُلَانٍ بِبَلَدٍ آخَرَ، قَالَ: يَكْتُبُ
[ ٦ / ٨٥ ]
السُّلْطَانُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَيَنْظُرُ فِي قَوْلِ الْعَبْدِ فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلَّا ضَمَّنَهُ هَذَا وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ كَالْأَمْتِعَةِ، انْتَهَى. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: إنْ اعْتَرَفَ الْآبِقُ لِأَحَدٍ بِالرِّقِّ كَانَ لِمَنْ اعْتَرَفَ لَهُ دُونَ مَنْ وَصَفَهُ قَوْلًا وَاحِدًا فَإِنْ اعْتَرَفَ لِغَائِبٍ كَتَبَ إلَيْهِ فَإِنْ ادَّعَاهُ كَانَ أَحَقَّ بِهِ وَاخْتَلَفَ إذَا أَنْكَرَ الْعَبْدُ هَذَا الْمُدَّعِيَ وَلَمْ يُقِرَّ لِغَيْرِهِ وَهُوَ مُقِرٌّ بِالْعُبُودِيَّةِ أَوْ قَالَ: أَنَا حُرٌّ وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالرِّقِّ هَلْ يَكُونُ لِمَنْ ادَّعَاهُ فَإِمَّا بِالصِّفَةِ فَأَرَى أَنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ إذَا وَصَفَهُ صِفَةً تَخْفَى وَلَيْسَتْ ظَاهِرَةً، انْتَهَى.
(قُلْتُ) فَمَفْهُومُ الشَّرْطِ فِي قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ إنْ صَدَّقَهُ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ وَكَذَلِكَ يُدْفَعُ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ إذَا وَصَفَهُ وَلَمْ يُقِرَّ لِغَيْرِهِ أَوْ أَقَرَّ وَأَكْذَبَهُ الْغَيْرُ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.