بَابٌ: الْمُحَارِبُ قَاطِعُ الطَّرِيق لِمَنْعِ سُلُوكٍ، أوْ آخِذُ مَالِ مُسْلِمٍ أوْ غَيْرهِ عَلى وَجْهٍ يَتَعَذَّرُ مَعَة الغَوْثُ، وإنْ انْفَرَدَ بِمَدِينَةٍ كمُسْقي السَّيْكُرَانِ لِذلِكَ ومُخِادِعِ الصَّبِيِّ أوْ غيْرِهِ ليَأخذَ مَا مَعَهُ، والدَّاخِل في لَيْلٍ أوْ نَهَارٍ في زُقَاقٍ أو دارٍ، قَاتَلَ لِيَأْخُذَ المَالَ، فَيُقَاتَلُ بَعْدَ المناشَدَةِ إنْ أمْكَنَ ثُمَّ يُصْلَبُ فَيُقْتَلُ (١)، أوْ يُنْفَى الحُرُّ كالزِّنَا (٢) وَالْقَتْلِ أو تُقْطَعُ يَمِينُه ورِجْلُهُ اليُسْرَى وِلاءً (٣) وبالْقَتْلِ يَجِبُ قَتْلُهُ ولَوْ بكافِرٍ أو بإعَانةٍ، ولَوْ جَاءَ تائبًا، ولَيْسَ لِلْولِيِّ العَفْو (٤). ونُدِبَ لذِي التَّدْبِير الْقَتْلُ، والبَطْشِ الْقَطْعُ، ولغَيْرِهِمَا ولِمَنْ وَقَعَتْ مِنْهُمْ فَلْتَةٌ النَّفْيُ والضَّربُ، والتَّعْيِينُ لِلإِمَامِ لا لِمَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ ونَحْوُهَا وغَرِمَ كلٌّ عَنِ الجَمِيعِ مُطلَقًا. اتُّبِعَ كَالسَّارِقِ ودُفِعَ مَا بِأيْدِيهِمْ لِمَنْ طَلَبَهُ بَعْدَ الاسْتينَاءِ وَالْيَمِينِ أَوْ بِشَهَادَهِ رَجُلَيْنِ مِنَ الرُّفْقَة لَا لأنْفُسِهِمَا، وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أنَّهُ المشْتَهَرُ بِهَا ثَبَتَتْ وإنْ لَمْ يُعَاينَاهَا، وسَقطَ حَدُّها بإتْيانِ الإِمَام طَائعًا أوْ تَرْك مَا هو عَلَيْهِ (٥).
الكلام على المحارب
اختلف العُلماء فيمن يطلق عليه اسم المحارب وتجري عليه أحكام الحرابة، فقال مالك بن أنس: المحارب عندنا من حمل على الناس في مصر أو في برية وكابرهم عن أنفسهم وأموالهم دون نائر ولا ذحل ولا عداوة. وقال ابن المنذر: اختلف عن مالك في هذه المسألة، فأثبت المحاربة في المصر مرة ونفى ذلك مرة، وقالت طائفة: حكم ذلك في المصر أو في المنازل والطرق وديار أهل البادية والقرى سواء وحدودهم واحدة، وهذا قول الشافعي وأبي ثور. قال ابن المنذر: كذلك هو لأن كلًا يقع عليه اسم المحاربة، والكتاب على العموم، وليس لأحد أن يُخْرِج من جملة الآية قومًا بغير حجة. ولذلك ترى المصنف اعتمد في تعريف المحارب.
(١) قوله: المحارب قاطع الطريق لمنع سلوك أو آخذ مال مسلم أو غيره على وجه يتعذر معه =
[ ٤ / ٣٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
= الغوث … إلى قوله: ثم يصلب فيقتل … ألخ.
قال الخرقي من أصحاب مذهب الإِمام أحمد: المحاربون الذين يعرضون للقوم بالسلاح في الصحراء فيغصبونهم المال مجاهرة، قال ابن قدامة: هذا قول أبي حنيفة، والثوري، وإسحاق.
قال القرطبي: والمغتال محارب، وهو الذي يحتال على قتل إنسان لأخذ ماله. وإن لم يشهر عليه السلاح، لكن دخل عليه بيته، أو صحبه في سفر فأطعمه سمًا فقتله، فإنه يقتل حدًّا لا قودًا.
قال الحطاب: أي على وجه الاستحباب، قال ابن رشد: واستحب مالك أن يدعو إلى التقوى والكف، فإن أبوا قوتلوا، وإن عاجلوا قوتلوا. ا. هـ. منه.
وعقوبة المحاربين نزل فيها قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (^١). قال مالك: الإِمام مخير في الحكم على المحاربين، يحكم عليهم بأي الأحكام التي أوجبها الله تعالى من القتل والصلب أو القطع أو النفي بظاهر الآية، وهذا قول أبي ثور، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، والضحاك، والنخعي. قال القرطبي: قال ابن عباس: ما كان في القرآن "أَوْ" فصاحبه بالخيار، قال: وهذا القول أنسب لظاهر الآية، فإن الذين قالوا إن "أَوْ" للترتيب - وإن اختلفوا - فإنك تجد أنهم يجمعون عليه حدين: فمنهم من يقول يقتل ويصلب، ومنهم من يقول تقطع يده ورجله وينفى، وليس كذلك الآية، ولا معنى "أَوْ" في اللغة، قاله النحاس.
(٢) وقوله: أو ينفى الحر كالزنا، نسب المواق هنا لابن الحاجب: أما النفي فللحر لا للعبد، كما ذكر في الزنى، إلى أن تظهر توبته، قال القرطبي عند قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال السدّي هو أن يطلب أَبدًا بالخيل والرجل حتى يؤخذ فيقام عليه حد الله، أو يخرج من دار الإِسلام هربًا ممن يطلبه. عن ابن عباس وأنس بن مالك ومالك بن أنس، والحسن، والسدّي، والضحاك، وقتادة، وسعيد بن جبير، والربيع بن أنس. والزهري، حكاه الروماني في كتابه. وحكي عن الشافعي أنهم يخرجون من بلد إلى بلد ويطلبون لتقام عليهم الحدود، وقاله الليث بن سعد والزهري أيضًا. =
_________________
(١) سورة المائدة: ٣٣.
[ ٤ / ٣٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وروي عن مالك أيضًا: ينفى من البلد الذي أحدث فيه هذا إلى غيره ويحبس فيه كالزاني. وقال مالك أيضًا والكوفيون: نفيهم سجنهم؛ فينفوا من سعة الدنيا إلى ضيقها، فصار كأنه إذا سجن فقد نفي من الأرض إلا من موضع استقراره، واحتجوا بقول بعض أهل السجون في ذلك:
خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها … فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا
إذا جاءنا السجان يومًا لحاجة … عجبنا وقلنا: جاء هذا من الدنيا
وحكى مكحول أن عمر بن الخطاب ﵁ أول من حبس في السجون وقال: أحبسه حتى أعلم منه التوبة، ولا أنفيه من بلد إلى بلد فيؤذيهم.
والظاهر أن الأرض في الآية هي أرض النازلة، وقد تجنب الناس قديمًا الأرض التي أصابوا فيها الذنوب، ومنه حديث الذي ناء بصدره نحو الأرض المقدسة. قال: وينبغي للإِمام، إن كان هذا المحارب مخوف الجانب يظن أنه يعود إلى حرابة أو إفساد، أن يسجنه في البلد الذي يغرب إليه، وإن كان غير مخوف الجانب فظن أنه لا يعود إلى جناية سرح، قال ابن عطية: وهذا صريح مذهب مالك: أن يغرب ويسجن حيث يغرب، وهذا على الأغلب في أنه مخوف، ورجحه الطبري وهو الواضح لأن نفيه من أرض النازلة هو نص الآية. وسجنه بعدُ، بحسب الخوف منه، فإن تَاب وفهمت حاله سرح. قال: وأصل النفي لغة الإِهلاك، ومنه الإِثبات والنفي، ومنه اشتقت النفاية لرديء المتاع، والنَّفِيُّ لما تطاير من الماء عن الدلو. قال الراجز:
كأن متْنيْه من النَّفِيِّ … مواقعُ الطيْر على الصُّفِّيِّ ا. هـ. منه.
(٣) وقوله: أو تقطع يمينه ورجله اليسرى ولاءً قال ابن قدامة: تقطع يده اليمنى للمعنى الذي تقطع به يمنى السارق، ثم تقطع رجله اليسرى لتحقق المخالفة، فهذا معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾. فإنه أرفق به في إمكان مشيه، قال: ولا ينظر اندمال اليد في قطع الرجل، بل يقطعان معًا، يبدأ بيمينه فتقطع وتحسم، ثم برجله؛ لأن الله تعالى بدأ بذكر الأيدي، قال: ولا خلاف بين أهل العلم في أنه لا يقطع منه غير يد ورجل، إذا كانت يداه ورجلاه صحيحتين. ا. هـ. منه بتصرف.
مسألة: قال الخرقي: ولا يقطع منهم إلا من أخذ ما يقطع السارق في مثله. قال ابن قدامة: وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر.
[ ٤ / ٣٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال مالك وأبو ثور: للإِمام أن يحكم عليه بحكم المحارب لأنه محارب لله ورسوله، ساع في الأرض بالفساد فيدخل في عموم الآية. ا. هـ. منه.
قال القرطبي: وهو الصحيح، يعني قول مالك، فإن الله تعالى وقَّت على لسان نبيه ﵊ القطع بالسرقة بربع دينار، ولم يوقّت في الحرابة شيئًا، بل ذكر جزاء المحارب، فاقتضى ذلك توفية الجزاء لهم على الحرابة عن حبة. قال: وكيف يصح قياس المحارب على السارق وهو يطلب خطف المال، فإن شعر به فرَّ؟ وحتى أن السارق إذا دخل بالسلاح يطلب المال، فإن منع منه وصيح عليه وحارب عليه فهو محارب يحكم عليه بحكم المحارب. قال ابن العربي: كنت أيام حكمي بين الناس إذا جاءَني أحد بسارق، وقد دخل الدار بسكين يحبسه على قلب صاحب الدار وهو نائم، وأصحابه يأخذون مال الرجل، حكمت فيهم بحكم المحاربين. فافهموا هذا من أصل الدين وارتفعوا إلى يفاع العلم عن حضيض الجاهلين. ا. هـ. منه.
(٤) وقوله: وبالقتل يجب قتله ولو بكافر، أو بإعانة، ولو جاء تائبًا وليس للولي العفو، نقل المواق عن ابن عرفة: حد المحارب بأحد الأربعة ما لم يقتل، فإن قتل تعين قتله، ولم يختلف فيه قول مالك، وفي المدونة قتل عثمان مسلمًا قتل ذميًا حرابة. وقال في المدونة: إن كانوا جماعة قتلوا رجلًا ولّي أحدهم قتله والباقون عون له، قتلوا كلهم، وإن تابوا قبل أن يؤخذوا، دفعوا إلى أولياء الدم فقتلوا من شاءوا وعفوْا عمن شاؤوا أو أخذوا الدية ممن شاؤوا.
وقال ابن قدامة: إذا قتل وأخذ المال فإنه يقتل ويصلب في ظاهر المذهب، وقتله متحتم لا يدخله عفو، أجمع على هذا كل أهل العلم، قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه، وروى ذلك عن عمر، وبه قال سليمان بن موسى، والزهري، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، قالوا: لأنه حد من حدود الله تعالى، فلم يسقط بالعفو كسائر الحدود. قال: وهل يعتبر التكافؤ بين القاتل والمقتول في الحرابة؟ فيه روايتان.
قال القرطبي: ولا خلاف في أن الحرابة يقتل فيها من قتل وإن لم يكن المقتول مكافئًا للقاتل، وللشافعي فيها قولان: أحدهما أنها تعتبر المكافاة لأنه قتل فاعتبر فيه المكافأة كالقصاص، قال: وهذا ضعيف لأن القتل هنا ليس على مجرد القتل وإنما هو على الفساد العام؛ من التخويف وسلب المال، =
[ ٤ / ٣٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
= والله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ (^١) فأمر الله بإقامة الحدود على المحارب إذا جمع شيئين؛ محاربة وسعيًا في الأرض فسادًا، ولم يخص شريفًا من وضيع، ولا رفيعًا من دنِيء. ا. هـ. منه.
تنبيهٌ: اختلف العُلماء في وقت صلب المحارب حسبما يقتضيه قوله تعالى: ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾. فقد قال مالك، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، والأوزاعي، والليث قالوا: يصلب حيًا ثم يقتل مصلوبًا. يطعن بالحربة، لأن الصلب عقوبة، وإنما يعاقب الحي لا الميت، ولأنه جزاء على المحاربة فيشرع في الحياة كسائر العقوبات. وخالف الشافعي، فقال: يصلب بعد القتل، قال ابن قدامة: لأن الله تعالى قدم القتل على الصلب لفظًا، والترتيب بينهما ثابت بغير خلاف، قال: ولأن القتل إذا أطلق في لسان الشرع كان بالسيف. قال: وصلبه حيًا تعذيب له، وقد نهى - ﷺ - عن تعذيب الحيوان.
(٥) وقوله: وسقط حدها بإتيان الإِمام طائعًا، أو بترك ما هو عليه، قال القرطبي: فإن تابوا وجاؤوا تائبين، لم يكن للإِمام عليهم سبيل، وسقط عنهم ما كان حدًا لله تعالى، وأخذوا بحقوق الآدميين، فيقتص منهم من النفس والجراح، وكان عليهم ما أتلفوه من مال ودم لأوليائه في ذلك، ويجوز لهم العفو والهبة كسائر الجناة من غير المحاربين، هذا مذهب مالك، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. قال: وإنما أخذ ما بأيديهم من الأموال وضمنوا قيمة ما استهلكوا، لأن ذلك غصب فلا يجوز ملكه لهم، ويصرف إلى أربابه أو يوقفه الإِمام عنده حتى يعلم صاحبه.
وقال قوم من الصحابة والتابعين: لا يطالب به من المال إلا بما وجد عنده، أما ما استهلكه فلا يطالب به. وذكر الطبري ذلك عن مالك من رواية الوليد بن مسلم عنه، وهو الظاهر من فعل عليّ بن أبي طالب ﵁ بحارثة بن بدر الغُدَنيّ فإنه كان محاربًا ثم تاب قبل القدرة عليه، فكتب له بسقوط الأموال والدم عنه كتابًا منشورًا. وقال ابن خويزمنداد: واختلفت الرِّواية عن مالك في المحارب إذا أقيم عليه الحد ولم يوجد له مال، هل يتبع دينًا بما أخذ أو يسقط عنه كما يسقط عن السارق؟ قال: والمسلم والذميّ في ذلك سواء. ا. هـ.
وقال ابن قدامة: لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في أنهم إن تابوا من قبل أن يقدر عليهم سقطت عنهم =
_________________
(١) سورة المائدة: ٣٣.
[ ٤ / ٣٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= حدود الله تعالى، وأَخذوا بحقوق الآدميين إلا أن يعفى لهم عنها، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، وأبو ثور. والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^١). فإن تابوا بعد القدرة عليهم لم يسقط عنهم شيء من الحدود، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾. فأوجب عليهم الحد. قال: وإن فعل المحارب ما يوجب حدًا لا يختص بالمحاربة كالشرب والسّرقة والقذف، فذكر القاضي أنها تسقط بالتوبة إلا القذف لأنه حق الآدمي، قال: وإن تاب من عليه حد من غير المحاربين وأصلح، قيل: يسقط عنه الحد لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ (^٢) من المائدة ولقوله - ﷺ -: "التَّائِبُ مِنَ الذنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَه". أخرجه ابن ماجة.
قال: ومن لا ذنب له لا حدّ عليه.
وقال قوم: لا يسقط عنه الحد. وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، واحتجوا ججج انظرها في المغني.
_________________
(١) سورة المائدة: ٣٤.
(٢) سورة المائدة: ٣٩.
[ ٤ / ٣٧٠ ]
جريمة الشرب
بَابٌ: بِشِرْب المُسْلِمِ المُكَلَّفِ مَا يُسْكِر جِنْسُهُ (١) طَوْعًا بِلَا عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ وظَنِّه غيْرًا، وإنْ قَلَّ، أوْ جَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ أوْ الحُرْمَةَ لِقُرْب عَهْدٍ، وَلوْ حَنفيًّا يَشْرَبُ النبِيذَ، وصُحِّحَ نَفْيُهُ، ثَمَانُونَ بَعْدَ صَحْوِه (٢) وتَشَطَّرَ بالرِّقَّ (٣) وَإن قَلَّ إنْ أقَرَّ أوْ شَهِدَا بشُرْبٍ (٤) أوْ شَمٍّ (٥)، وإنْ خُولِفَا. وجَازَ لإِكْرَاهٍ وإسَاغَةٍ، لَا دَواءٍ وَلَوْ طِلاءً (٦) والحُدُودُ بِسَوْطٍ وضَرْبٍ مُعْتَدِلَيْن قاعِدًا بِلَا رَبْطٍ وَشَدِّ يَدٍ، بظَهْرِهِ وكتِفيْه (٧)، وجُرِّدَ الرَّجُلُ والمرْأَةُ مِمَّا يَقي الضَّرْبَ، ونُدِبَ جَعْلُهَا في قَفَّةٍ. وعَزَّر الإِمَامُ لمعْصِيَةِ اللَّهِ أو لحَقِّ آدَمِيٍّ (٨)، حَبْسًا وَلوْمًا وبالإِقامَةِ (٩) ونَزْع العِمَامَةِ وضَرْبٍ بِسَوْطٍ أوْ غَيْرهِ وإنْ زَادَ عَلى الحَدِّ أوْ أتَى عَلى النَّفْسِ، وضَمِن مَا سَرى، كطبِيب جَهِلَ أوْ قَصَّرْ (١٠) أوْ بِلَا إذْنٍ مُعْتَبَرٍ وَلَوْ إذْنَ عَبْدٍ بِفَصْدٍ أو حجَامَةٍ أوْ خِتَانٍ، وكَتأجِيج نَارٍ في يَوْمٍ عَاصفٍ، وكسُقُوطِ جِدَارٍ مَالَ وَأُنْذِرَ صَاحِبُهُ وأمْكنَ تَدَارُكُهُ، أو عَضَّهُ فَسَلَّ يَدَهُ فَقَلَعَ أسْنَانَهُ، أوْ نَظَرَ لَهُ مِنْ كُوَّةٍ فقصَدَ عَيْنَهُ (١٢) وإلَّا فَلَا، كسُقُوطِ مِيَزابٍ، أوْ بَغْتِ رِيحٍ لِنَارٍ كحَرْقِهَا قَائِمًا لِطَفْيِهَا. وجَازَ دَفْعُ صَائلٍ (١٣) بَعْدَ الإِنْذارِ لِلْفَاهِمِ وإنْ عَنْ مَالٍ، وقَصْدُ قَتْلِهِ إنْ عَلِمَ أنهُ لا يَنْدَفِعُ إلَّا بِهِ، لَا جُرْحٌ إنْ قَدَرَ عَلى الْهَربِ مِنْهُ بِلَا مَشَقَّةٍ.
ومَا أتْلفَتْهُ الْبَهَائِمُ لَيْلَا فعلى رَبِّهَا (١٤) وإنْ زَادَ عَلى قِيمَتِهَا، بِقِيمَته عَلى الرجَاءِ والْخَوْفِ، لَا نَهَارًا، إن لَمْ يكن مَعَهَا راعٍ وسُرِّحَتْ بُعْدَ المَزَارِع وإلَّا فَعَلى الراعي.
الكلام على جريمة الشرب
قال ابن قدامة: الخمر حرام بالكتاب، والسنة، والإِجماع. أما الكتاب فقد قال الله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ =
[ ٤ / ٣٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فَاجْتَنِبُوهُ﴾ (^١). وأما السنة فقد قال رسول الله - ﷺ -: "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٌ حَرَامٌ". قال ابن قدامة: رواه أبو داود والإِمام أحمد. قال: وأجمعت الأمة على تحريم الخمر. ا. هـ.
قال القرطبي: والخمر مأخوذةٌ من خَمَرَ إذا ستر، ومنه اشتق خمار المرأة، وكل شيء غطَّى شيئًا فاقد خَمره. ومنه"خَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ". فالخمر تَخْمُر الْعَقْلَ أي تُغَطِّيهِ وتسْتره قال: ومن ذلك يقال للشجر الملتف الخَمَرُ - بفتح الميم - لأنه يغطي ما تحته ويستره. يقال منه: أخْمَرتْ الأرضُ. إِذا كَثُرَ خَمَرُهَا، قال الشاعر:
ألَا يا زيادُ والضَّحاكَ سيرا … فَقد جَاوَزْتُما خَمَرَ الطريق
أي فقد جاوزتما الوهدة التي يستتر فيها الذئب وغيره. قال: ومن ذلك قولهم: دخلت في غُمَّار الناس وخُمَّارهم، أي في مكان خاف. قال: فلما كانت الخمر تستر العقل وتغطيه سميت بذلك.
وقيل سميت خمرًا لأنها تركت حتى أدركت، كما يقال خُمِر الرأي إذا ترك حتى تبين فيه الوجه، كما يقال اختمر العجين أي بلغ إدراكه.
وقيل اشتق لها ذلك الإِسم من المخامرة وهي المخالطة لأنها تخالط العقل، قال: ومن ذلك قولهم: دخلت في خُمَّار الناس، أي اختلطت بهم، فالمعاني الثلاثة متقاربة. فالخمر تركت وخمرت حتى أدركت ثم خالطت العقل ثم خمرته، والأصل الستر.
والخمر ماء العنب الذي غَلَى أو طبخ، وما خامر العقل من غيره فهو في حكمه.
وجمهور الأمة على أن ما أسكر كثيره من غير خمر العنب، محرم قليله وكثيره.
وأن الحد في ذلك واجب. وقال أبو حنيفة، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة وجماعة من فقهاء الكوفة: ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فهو حلال، وإذا سكر منه أحد دون أن يتعمد الوصول إلى حد السكر فلا حد عليه، قال: وهذا ضعيف يرده النظر والخبر. ا. هـ. منه.
(١) قوله: بشرب المسلم المكلف ما يسكر جنسه إلخ. قال ابن رشد: الشِّرب الموجب للحد هو شرب مسلم مكلف ما يسكر كثيره مختارًا. وقوله: وإن قلّ، لقوله - ﷺ -: "مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ". ا. هـ. المواق. =
_________________
(١) سورة المائدة: ٩٠.
[ ٤ / ٣٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= قال ابن قدامة: إن كل مسكر حرام قليله وكثيره، وهو خمر، حكمه حكم عصير العنب في تحريمه، ووجوب الحد على شاربه. وروي تحريم ذلك عن عمر، وعليّ، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة، وسعد بن أبي وقاص، وأبيِّ بن كعب، وأنس، وعائشة ﵃ أجمعين، وبه قال عطاء، وطاوس، ومجاهد، والقاسم، وقتادة، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وأبو عبيد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة ومن وافقه: عصير العنب إذا طبخ فذهب ثلثاه، ونقيع التمر والزّبيب إذا طبخ وإن لم يذهب ثلثاه، ونبيذ الحنطة والذرة والشعير ونحو ذلك، نقيعًا كان أو مطبوخًا، كل ذلك حلال إلا ما بلغ السكر. قال: وأما عصير العنب إذا اشتد وقذف زبده، أو طبخ فذهب أقل من ثلثيه، ونقيع التمر والزبيب إذا اشتد بغير طبخ فهذا حرام قليله وكثيره، واحتج بما روي عن ابن عباس عن النبي - ﷺ -: "حُرِّمَتِ الْخَمْرُ لِعَيْنِهَا، وَالْمُسْكِرُ مِنْ كُلّ شَرَابٍ". ا. هـ. منه.
قلت: ذكر القرطبي عند قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (^١) الآية من المائدة؛ ذكر أن سبب نزولها ما رواه ابن عباس والبراء بن عازب وأنس بن مالك أنه لما نزل تحريم الخمر قال قوم من الصحابة: كيف بمن مات منا وهو يشربها، ويأكل الميسر؟ فنزلت الآية. قال: وروى البخاري عن أنس بن مالك قال: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة فنزل تحريم الخمر، فأمر النبي - ﷺ - مناديًا، فقال أبو طلحة: اخرج فانظر ما هذا الصوت؟! قال: فخرجت فقلت: هذا منادٍ ينادي. ألا إنَّ الخمر قد حُرّمت. قال: إذهب فأهرقها - وكان الخمر من الفضيخ - قال فجرت في سكك المدينة، فقال القوم: قتل قوم وهي في بطونهم، فأنزل الله ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. الآية. ومعلوم أن الفضيخ يتخذ من البسر المفضوخ وحده من غير أن تمسه النار.
قال القرطبي: هذا الحديث في نزول الآية دليل واضح على أن نبيذ التمر إذا خمر أسكر، وهي نص، ولا يجوز الاعتراض عليه، لأن الصحابة رضوان الله عليهم، هم أهل اللغة، وقد عقلوا أن شرابهم ذلك خمر، إذ لم يكن لهم شراب ذلك الوقت بالمدينة غيره، وقال الحكمي: =
_________________
(١) سورة المائدة: ٩٣.
[ ٤ / ٣٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= لنا خمر وليست خمر كرم … ولكن من نتاج الباسقات
كرام في السماء ذهبن طولًا … وفات ثمارها أيدي الجناة
قال: ومن الدليل الواضح على ذلك ما رواه النسائي: أخبرنا القاسم بن زكريا، أخبرنا عبيد الله عن شيبان، عن الأعمش، عن محارب بن دثار، عن جابر عن النبي - ﷺ - قال: "الزَّبيبُ وَالتَّمْرُ هُوَ الْخَمْر".
قال: وثبت بالنقل الصحيح أن عمر بن الخطاب ﵁ - وحسبك به عالمًا باللسان والشرع - خطب على منبر النبي - ﷺ - فقال: أيها إنه، ألا إنه نزل تحريم الخمر يوم نزل، وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل.
قال: وهذا أبين ما يكون في معنى الخمر يخطب به عمر بالمدينة على منبر النبي - ﷺ - بمحضر جماعة من الصحابة وهم أهل اللسان ولم يفهموا من الخمر إلا ما ذكرناه، فإذا ثبت هذا بطل مذهب أبي حنيفة والكوفيين القائلين بأن الخمر لا تكون إلا من العنب، وما كان من غيره لا يسمى خمرًا ولا يتناوله اسم الخمر وإنما يسمى نبيذًا. ا. هـ. منه.
فإذا عرفت معنى الخمر لغة وشرعًا، فاعلم أن تحريم الخمر وقع بالتدريج لأن العرب كانوا مولعين بشربها، وأول ما نزل فيها قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (^١) الآية. أي في تجاراتهم.
فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس، وقالوا: لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير. ولم يتركها بعض الناس، وقالوا نأخذ منفعتها ونترك إثمها. فنزل فيها قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (^٢)، فتركها الناس وقالوا: لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة، وشربها بعض الناس في غير أوقات الصلاة حتى نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (^٣) الآية. فصارت حرامًا عليهم حتى صار يقول بعضهم: ما حرم الله شيئًا أشد من الخمر. وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: نزلت فيَّ آيات من القرآن، وفيه =
_________________
(١) سورة البقرة: ٢١٩.
(٢) سورة النساء: ٤٣.
(٣) سورة المائدة: ٩.
[ ٤ / ٣٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= قال: وأتيت على نفر من الأنصار، فقالوا: تعال نُطعمْك ونسقك خمرًا، وذلك قبل أن تحرم الخمر، قال: فأتيتهم في حشٍّ - والحشُّ البستان - فإذا رأس جزور مشوي عندهم وزقٌّ من خمر، قال: فأكلت وشربت معهم، قال: فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم، فقلت: المهاجرون خير من الأنصار، قال: فأخذ رجل لحي جمل فضربني به فجرح أنفي - وفي رواية: فَفَزَره - وكان أنف سعد مفْزورًا - فأتيت رسول الله - ﷺ - فأخبرته، فأنزل الله فيَّ - يعني نفسه - شأن الخمر: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ الآية.
(٢) وقوله: ثمانون بعد صحوه، قال المواق: هذا هو المخبر عنه بقوله: بشرب المسلم ألخ.
قال ابن عرفة: حده ثمانون فيها ويتشطر بالرق، وقال في المدونة، لا يحد السكران حتى يصحو، وزاد في سماع أبي زيد، ولو خاف أنا يأتيه بشفاعة تبطل حده، قال ابن سلمون: فخفف بعض التخفيف في الشراب، وروي أن رجلًا سكر فانطلق به إلى رسول الله - ﷺ - فلما حاذى دار العباس انفلت فدخلها، فذكر ذلك للنبي - ﷺ - فضحك وقال: "أَفَعَلَهَا"؟ ولم يأمر فيه بشيء. ا. هـ. منه.
قلت: وهو في أبي داود: حدثنا الحسن بن علي ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج عن محمد بن علي بن ركانة، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله لم يؤقت في الخمر حدًا. وقال ابن عباس: شرب رجل فسكر فلقي يميل في الفج، فانطلق به إلى النبي - ﷺ -، فلما حاذى دار العباس انفلت فدخل على العباس فالتزمه، فذكر ذلك للنبي - ﷺ - فضحك وقال: "أَفَعَلَهَا"؟ ولم يأمر فيه بشيء. قال أبو داود: هذا مما تنفرد به أهل المدينة؛ حديث الحسن بن علي هذا.
قال ابن قدامة: وفي قدر الحد روايتان: إحداهما أنه ثمانون، وبهذا قال مالك، والثوري، وأبو حنيفة ومن تبعهم لإِجماع الصحابة، فإنه روي أن عمر استشار الناس في حد الخمر، فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعله كأخف الحدود؛ ثمانين. فضربه عمر ثمانين، وكتب به إلى خالد وأبي عبيدة بالشام. وروي أن عليًّا قال في المشورة: إنه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فحدوده حد المفتري. روى ذلك الجوزجاني والدارقطني وغيرهما.
والرواية الثانية أن الحد أربعون، وهو اختيار أبي بكر ومذهب الشافعي، لأن عليًّا جلد الوليد بن عقبة أربعين، ثم قال جلد النبي - ﷺ - أربعين وأبو بكر أربعين، وعمر ثماني، وكل سنة. وهذا أحب =
[ ٤ / ٣٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= إليَّ. رواه مسلم. ا. هـ. منه.
قلت: الذي استشار عمر فيه الناس هو قدامة بن مظعون الجمحي ﵁ قال القرطبي:
ذكر الحميديّ عن أبي بكر البرقاني عن ابن عباس، قال: لما قدم الجارود من البحرين قال: يا أمير
المؤمنين، إن قدامة بن مظعون قد شرب مسكرًا، وإني إذا رأيت حقًا من حقوق الله حق عليّ أن أرفعه
إليك؛ فقال عمر: من يشهد على ما تقول؟ فقال: أبو هريرة؛ فدعا عمر أبا هريرة فقال: علامَ تشهد
يا أبا هرير؟ فقال: لم أره حين شرب، ورأيته سكران يقيء، فقال عمر: لقد تنطَّعت في الشهادة؛
كتب عمر إلى قدامة وهو بالبحرين يأمره بالقدوم عليه، فلما قدم قدامة والجارود بالمدينة، كلم الجارود
عمر، فقال: أقم على هذا كتاب الله، فقال عمر للجارود: أشهيد أنت أم خصم؟ فقال الجارود أنا
شهيد، قال: قد كنت أديت الشهادة؛ ثم قال لعمر: أنشدك الله! فقال عمر: أما والله لتملكنَّ لسانك
أو لأسوأنّك فقال الجارود: أما والله ما ذلك بحق، أيشرب ابن عمك وتسوؤني؟ فأوعده عمر، فقال أبو هريرة وهو جالس: يا أمير المؤمنين، إن كنت في شك من شهادتنا فسل بنت الوليد امرأة ابن مظعون، فأرسل عمر إلى هند يسألها بالله، فأقامت هند على زوجها الشهادة، فقال عمر: يا قدامة، إني جالدك، فقال قدامة: والله لو كنت شربت، كما يقولون، ما كان لك أن تجلدني يا عمر. قال: ولِمَ يا قدامة؟. قال: لأن الله ﷾ يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (^١) الآية: فقال عمر: أخطأت التأويل يا قدامة، إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم الله. ثم أقبل عمر على القوم فقال: ما ترون في جلد قدامة؟ فقال القوم: لا نرى أن تجلده ما دام وجعًا، فسكت عمر عن جلده، ثم أصبح يومًا فقال لأصحابه: ما ترون في جلد قدامة؟ فقال القوم: لا نرى أن تجلده ما دام وجعًا، فقال عمر: إني والله لأن يلقى الله تحت السوط أحب إليَّ من أن يلقى الله وهو في عنقي، والله لأجلدنه، ائتوني بسوط فجاءه مولاه أسلم بسوط رفيق صغير، فاخذه عمر فمسحه بيده ثم قال لأسلم: أخذتك دقرارة أهلك، ائتوني بسوط غير هذا. قال فجاءه أسلم بسوط تام، فأمر عمر بقدامة فجلد. فغاضب قدامةُ عمرَ وهجره؛ فحجّا وقدامة مغاضب لعمر حتى قفلوا من حجهم ونزل عمر بالسُّقيا ونام بها، فلما استيقظ قال: عجلوا علي بقدامة، انطلقوا فائتوني به، والله لأرى في النوم أنه جاءني =
_________________
(١) سورة المائدة: ٩٣.
[ ٤ / ٣٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= آت فقال: سالمْ قدامة إنه أخوك، فلما جاؤوا قدامة أبي أن يأتيه، فأمر عمر بقدامة أن يجر إليه جرًا حتى كلمه عمر واستغفر له، فكان أول صلحهما. ا. هـ. منه.
وجاء في أبي داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام، وحدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن هشام المعنى عن قتادة عن أنس بن مالك، أن النبي - ﷺ - جلد في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر ﵁ أربعين، فلما ولي عمر دعا الناس فقال لهم: إن الناس قد دنوا من الريف، وقال مسدد: من القرى والريف، فما ترون في جلد الخمر؟ فقال له عبد الرحمن بن عوف: نرى أن تجعله كأخف الحدود، فجلد فيه ثمانين.
وحدثنا مسدد بن مسرهد وموسى بن إسماعيل، المعنى، قالا: حدثنا عبد العزيز بن المختار، حدثنا عبد الله الداناجُ، حدثني حُضين بن المنذر الرّقاشي - هو أبو سليمان - قال: شهدت عثمان بن عفان وأتي بالوليد بن عقبة، فشهد عليه حمران ورجل آخر، فشهد أحدهما أنه رآه شربها - يعني الخمر - وشهد الآخر أنه رآه يتقيؤها، فقال عثمان إنه لم يتقيأها حتى شربها، فقال لعلي ﵁ أقم عليه الحد، فقال عليّ للحسن: أقم عليه الحد، فقال الحسن: ولِّ حارَّها من تولَّى قارَّها، فقال علي لعبد الله بن جعفر: أقم عليه الحد، قال: فأخذ السوط فجلد وعليّ يعد، فلما بلغ أربعين قال حسبك، جلد النبي - ﷺ - أربعين، أحسبه قال: وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذه أحب إليَّ. قال الخطابي: وقوله وكل سنة: يريد أن الأربعين سنَّةٌ قد عمل بها النبيُّ - ﷺ - في زمانه، والثمانون سنة رآها عمر ﵁، ومن وافقه من الصحابة فصارت سنة، فتد قال - ﷺ -: "اقتَدُوا بِاللَّذَيْنِ من بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ". ا. هـ. منه.
مسألة: يجب هذا الحد على من شرب قليلًا من المسكر أو كثيرًا منه، وهو قول الإمام مالك والإِمام أحمد والإِمام الشافعي وهو مروي عن الحسن، وعمر بن عبد العزير وقتادة والأوزاعي، ودليله قوله - ﷺ - "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ". رواه أبو داود وغيره. وقد ثبت أن كل مسكر خمر، فتناول الحديث القليل والكثير. فقد جاء عنه - ﷺ -: "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْر". وفي بعض الروايات: "كُل مُسْكِرٍ حَرَامَ".
والحد إنما يلزم من شربها مختارًا لربها، فإن أكره على شربها فلا حد عليه ولا إثم، فإن النبيّ =
[ ٤ / ٣٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= - ﷺ - قال: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ". وقالوا: إن المضطر إليها لدفع غصة بها، بأن لم يجد مائعًا سواها، فإن الله تعالى قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ (^١). وقال جل شأنه: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (^٢). الآية.
(٣) وقوله: وتشطر بالرِّقِّ، لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (^٣). والعبد والأمة في ذلك سواء، وقد تقدم بحث ذلك في الكلام على حد جريمة الزنى. أعاذنا الله والمسلمين منها.
(٤) وقوله: إن أقر أو شهد اثنان بشرب، قال ابن قدامة: لا يجب الحد حتى يثبت شربه بأحد شيئين: الإِقرار، أو البينة، ويكفي في الإِقرار مرة واحدة، في قول عامة أهل العلم، لأنه حد لا يتضمن إتلافًا، وإذا رجع عن إقراره قبل رجوعه لأنه حد لله تعالى، يقبل رجوعه عنه كسائر الحدود. ا. هـ. منه.
(٥) وقوله: أو شمٍّ، نقل المواق، قال ابن عرفة: ويثبت بثبوت رائحة. قال أبو عمر: الحد بالرائحة، وهو قول مالك وجمهور أهل الحجاز، خلافًا للشافعي وغيره. وقال ابن القاسم: إذا رأى الحاكم تخليطًا في قول أو مشي شبه السكران أمر باستنكاهه؛ لأنه قد بلغ إلى الحاكم فلا يسعه إلا تحقيقه، وإذا لم يظهر عليه شيء لم يستنكهه، ولم يتجسس عله. ا. هـ. من المنتقى. ا. هـ. من المواق.
واستدل مالك على رأيه هذا بأن ابن مسعود جلد رجلًا وجد منه رائحة الخمر، وبما روي عن عمر أنه قال: إني وجدت من عبد الله ريح شراب. فأقر أنه شرب الطِّلا، فقال عمر: إني سائل عنه، فإن كان يسكر جلدته. قالوا: ولأن الرائحة تدل على شربه فجرى مجرى الإِقرار. ا. هـ.
(٦) وقوله: لا دواء ولو طلاءً، قال مالك: التداوي من القرحة بالبول أخف من التداوي فيها بالخمر. قال ابن رشد: لما جاء فيها أنها رجس، ولم يأت في البول إلا أنه نجس. قاله المواق.
وقال ابن قدامة: وروى الإِمام أحمد بإسناده عن مخارق أن النبي - ﷺ - دخل على أم سلمة وقد نبذت نبيذًا في جرة فخرج والنبيذ يهدر، قال "مَا هذَا"؟ فقالت فلانة اشتكت بطنها، فنقعت لها، فدفعه =
_________________
(١) سورة البقرة: ١٧٣.
(٢) سورة الأنعام: ١١٩.
(٣) سورة النساء: ٤٥.
[ ٤ / ٣٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= برجله فكسره وقال: "إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكمْ شِفَاءً". ا. هـ. منه. وهذا الحديث أخرجه ابن حبان والبيهقي من رواية أم سلمة. ا. هـ.
(٧) وقوله: والحدود بضرب وسوط معتدلين قاعدًا بلا ربط وشدّ يد، بظهره وكتفيه، نقل المواق عن المدونة: صفة الضرب في الزنى، والشرب، والفرية، والتعزير واحدة إضرب بين ضربين؛ ليس بالمبرح ولا بالخفيف، قال ولا يتولى ضرب الحد قوي ولا ضعيف ولكن وسط من الرجال، ويضرب على الظهر والكفين دون سائر الأعضاء، والمحدود قاعد لا يربط وتخلى له يداه. ا. هـ. منه.
وقال الخرقي: ويضرب الرجل في سائر الحدود قائمًا، بسوط لا خلق ولا جديد ولا يمد ولا يربط، ويتقى وجهه. وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة.
وقال مالك: يضرب جالسًا لأن الله تعالى لم يأمره بالقيام، ورواه حنبل عن الإِمام أحمد. واحتج الشافعي ومن وافقه يقول عليّ: لكل موضع في الجسد حظ، يعني في الحد، إلا الوجه والفرج. وقال للجلاد: اضرب وأوجع، واتق الرأس والوجه.
وقد وقع الاتفاق على أنه لا يمد ولا يربط، قال ابن قدامة: لا نعلم خلافًا في ذلك. قال ابن مسعود: ليس في ديننا مد ولا قيد ولا تجريد. قال: ولأن النبي - ﷺ - وأصحابه جلدوا ولم ينقل عن أحد منهم مد ولا قيد ولا تجريد ولا تنزع عنه ثيابه، بل يكون عليه الثوب والثوبان.
قال: وعن أحمد - لو تركت عليه ثياب الشتاء ما بالى بالضرب، وقال مالك: يجرد لأن الأمر بجلده يقتضي مباشرة جسمه.
وأما الضرب بالسوط فهو مسألة وفاق بين أهل العلم في سائر الحدود غير حد الخمر، فقد قال بعضهم: يقام عليه الحد بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، وذكر بعض أهل مذهب أحمد أن للإِمام فعل ذلك إذا رآه، واحتجوا بأن النبي - ﷺ - أُتي برجل قد شرب فقال: "اضْرِبُوهُ" قال: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، رواه أبو داود. والدليل لمن اشترط السوط حتى في الخمر أن الخلفاء الراشدين جلدوا بالسياط. وكذلك غيرهم فكان إجماعًا، وأجابوا عن الحديث: فمنا الضارب بيده … الحديث. بأن ذلك كان في بدء الأمر، ثم جلد النبي - ﷺ - واستقر الأمر على ذلك. وبالله تعالى التوفيق.
تنبيهٌ: ذكر العلامة أبو عبد الله القرطبي في الجامع لأحكام القرآن في الكلام على آية المائدة التي =
[ ٤ / ٣٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
= نزلت بتحريم الخمر، بعد ما ذكر الأحاديث التي وردت في أسباب نزول الآيات التي نزلت في الخمر، قال: هذه الأحاديث تدل على أن شرب الخمر كان إذ ذاك مباحًا معمولًا به، معروفًا عندهم بحيث لا ينكر ولا يغير، وأن النبي - ﷺ - أقر عليه، وهذا ما لا خلاف فيه، يدل عليه قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (^١). وهل كان يباح لهم شرب القدر الذي يسكر؛ وحديث حمزة فيه حين بقر خواصر ناقتي عليّ ﵄، وجبّ أسنمتهما، فأخبر عليّ بذلك النبي - ﷺ -، فجاء إلى حمزة فصدر عنه للنبي - ﷺ - من القول الجافي المخالف لما يجب من احترام النبي - ﷺ - وتوقيره وتعزيره، ما يدل على أن حمزة ﵁ كان قد ذهب عقله بما يسكر، ولذلك قال الراوي: فعرف رسول الله - ﷺ - أنه ثمل؛ ثم إن النبي - ﷺ - لم ينكر على حمزة ولم يعنفه، لا في حال سكره ولا بعد ذلك، بل رجع لمَّا قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبي، رجع على عقبيه القهقرى وخرج عنه. قال أبو عبد الله: وهذا خلاف ما قاله الأصوليون وحكوه، فإنهم قالوا: إن السكر حرام في كل شريعة، لأن الشرائع مصالح العباد لا مفاسدهم، وأصل المصالح العقل، كما أن أصل المفاسد ذهاب العقل، فيجب المنع من كل ما يذهبه أو يشوشه.
قلت: كون الخمر كانت تستعمل في صدر الإِسلام لا يقتضي أنها كانت مباحة في شرائع من قبلنا؛ لأن أهل الفن قرروا أنها كانت مباحة في صدر الإِسلام بالبرآءة الأصلية لأن الأصل في الأشياء الإِباحة قبل نزول الشرع بتحريمها، ولذلك قال شيخ مشائخنا الشيخ عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي في مراقي السعود:
أباحها في أول الإِسلام … براءةٌ ليست من الأحكام
يعني الخمر.
وكون المسلمين في صدر الإِسلام كانوا يستعملون الخمر على البراءة الأصلية، ليس فيه أي دليل يستدل به على إباحتها في شرائع الأنبياء قبل نبينا عليه وعلى جميع الأنبياء أفضل الصلاة وأزكى السلام، وحتى على القول بأنها أبيحت شرعًا في شرع نبينا ﵊ في صدر الإِسلام كما ذهب إليه بعض المحققين أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ (^٢).
_________________
(١) سورة النساء: ٤٣.
(٢) سورة النحل: ٦٧.
[ ٤ / ٣٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= قالوا: لأن الآية جاءت في مساق الامتنان، والله لا يمتن بمحرم، وحتى على هذا القول فليس هناك ما يستدل به على إباحتها في شرع من قبلنا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (^١) الآية. هذا ما ظهر لي، والله تعالى أعلم.
(٨) وقوله: وعزر الإِمام لمعصية الله أو لحقّ آدمي، قال المواق: من المدونة، أما النّكال والتعزير فجوزوا فيه العفو والشفاعة وإن بلغ الإِمام. وذكر شهاب الدين أن الحدود مقدرة بخلاف التعزير، والحد واجب إقامته بخلاف التعزير، والحد تعبد، فحد من سرق ربع دينار ومن سرق مائة ألف واحد، بخلاف التعزير فبحسب الجناية، والحد في مقابلة المعاصي، بخلاف التعزير فإنه يكون للمكلف والبهيمة والمجنون، والتعزير يسقط بالتوبة بخلاف الحد إلا الحرابة.
وقال مالك: يجوز أن يزاد التعزير على الحد إذا رأى الإِمام، لما روي أن معن بن زائدة عمل خاتمًا على نقش خاتم بيت المال، ثم جاء به صاحب بيت المال فأخذ منه مالًا، فبلغ عمر ﵁ فضربه مائة وحبسه، فكُلّم فيه فضربه مائة أخرى، فكلم فيه من بعد فضربه مائة ونفاه. وروى الإمام أحمد أن عليًا أتي بالنجاشي قد شرب خمرًا في رمضان، فجلده ثمانين، الحد، وعشرين سوطًا لفطره في رمضان.
وروي عن أحمد ﵀ أنه لا يزاد التعزير على عشر جلدات. وبهذا قال إسحاق لما روى أبو بردة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرَة أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ تَعَالَى". متفق عليه. ومذهب أبي حنيفة والشافعي أنه لا يبلغ به أدنى حد مشروع، وعلى هذا فلا يبلغ التعزير أربعين سوطًا لأنها حد العبد في الخمر والقذف عند أبي حنيفة، ولا يبلغ عشرين في العبد وأربعين في الحر عند الشافعي. انظر المغني.
(٩) وقوله: حبسًا ولومًا وبالإِقامة ألخ. نقل المواق عن ابن شأس: كانوا يعاقبون الرجل على قدره وقدر جنايته؛ منهم من يضرب، ومنهم من يحبس، ومنهم من يقام واقفًا على قدميه في المحافل، ومنهم من تنزع عمامته، ومنهم من يحل إزاره. وقال ابن عرفة: ومما جرى به العمل من أنواع التعزير ضرب القفا مجردًا عن ساتر بالأكف. ولا يخص جنس التعزير بسوط أو يد أو غيره. وقال ابن عرفة: =
_________________
(١) سورة المائدة: ٤٨.
[ ٤ / ٣٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= المشهور صحة الزيادة عن الحد باجتهاد الإِمام. لعظم جريمة الجاني، فقد ضرب عمر مائة من نقش على خاتمه. قال ابن شاس: وأمر مالك بضرب شخص أربعمائة سوط وجد مع صبي مجردًا فانتفخ ومات ولم يستعظم ذلك مالك. ا. هـ. المواق.
ومذهب مالك، وأحمد، وأبي حنيفة أن التعزير واجب إذا رآه الإِمام، وقال الشافعي: ليس بواجب، لأن رجلًا جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: إني رأيت امرأة فأصبت منها ما دون أن أطأها، فقال: "أَصَلَّيْتَ مَعَنَا"؟ قال: نعم! فتلا عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (^١). وقال رجل للنبي - ﷺ - في حكم حكم به للزبير ﵁: أن كان ابن عمتك؟ فغضب النبي - ﷺ - ولم يعزره.
وإذا مات شخص تحت التعزير فلا ضمان عند الجمهور، وخالف الشافعي فقال: يضمنه لقول عليّ ﵁: ليس أحد أقيم عليه الحد فيموت فأجد في نفسي شيئًا لأن الحق قتله، إلا حد الخمر، فإن رسول الله - ﷺ - لم يسنه لنا. وأشار إلى عمر بضمان التي أجهضت جنينها حين أرسل إليها.
(١٠) وقوله: وضمن ما سرى كطبيب جهل أو قصر، قال الحطاب نسبه للجواهري: التعزير جائز بشرط سلامة العاقبة، فإن سرى ضمنت عاقلة المعزر، بخلاف الحد. ا. هـ.
وقال ابن رشد: من مات من سقي طبيب أو ختن حجام أو تقليعه ضرسًا، لم يضمنه إن لم يخطئ، إلا أن ينهاهم الحاكم عن القدوم على ذي غرر إلا بإذنه، فمن خالفه ضمن في ماله، هذا ظاهر السماع، وما كان يخطئ في فعله؛ كسقيه ما لا يوافق المرض، أو تزل يد الخاتن أو يقلع غير الضرس المأمور بها، فإن كان من أهل المعرفة، ولم يغر من نفسه، فذلك خطأ تحمل عاقلته الثلث فصاعدًا، وإن غر من نفسه عوقب بالسجن والضرب، قال: وفي كون أرش الجناية إلى الخطإ أو في ماله قولان. ا. هـ. المواق.
وقال الشافعي وأحمد: إن ختن في زمن معتدل من الحر والبرد لم يلزمه ضمان إن تلف؛ لأنه فعل فعلًا مأمورًا به من قبل الشرع، قالا: وإن كان رجلًا أو امرأة لم يختتنا، فأمر السلطان بهما فختنا بهما فختنا، فإن زعم الأطباء أنه تلف بالختان أو الغالب تلفه به فعليه الضمان، وإلَّا فلا ضمان.
والختان ليس بواجب عند مالك وأبي حنيفة لقوله - ﷺ -: "الْخِتَان سُنَّةٌ فِي الرِّجَالِ مَكْرمَةٌ في =
_________________
(١) سورة هود: ١١٤.
[ ٤ / ٣٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= النِّسَاءِ". وقال أحمد: هو واجب لأنه قطع عضو من البدن، يتألم بقطعه فلم يقطع إلا واجبًا، قال: ولأنه تكشف العورة من أجله، ولو لم يكن واجبًا لما جاز ارتكاب المحرم من أجله. وقد أجاب عن الخبر بأنه ضعيف.
(١١) وقوله: أو عضه فسل يده، نقل المواق عن ابن الحاجب: لو عضه فسل يده ضمن أسنانه، ابن عرفة: قال غير واحد أن هذا هو المشهور. قال المازري عن بعض شيوخه، عن بعض المحققين، إنما ضمنه من ضمنه لإمكانه النزع برفق. وحملوا الحديث في مسلم: "لَا دِيَة لَهُ" على هذا. ا. هـ. المواق.
قلت: الدليل إلى جانب من يقول: لا ضمان على من انتزع يده من فم العاضّ؛ لما روى يعلى ابن أمية قال: كان لي أجير فقاتل إنسانًا فعض أحدهما يد الآخر، قال فانتزع المعضوض يده من في العاض، فانتزع إحدى ثنيتيه، فأتى النبي - ﷺ - فأهدر ثنيته، فحسبت أنه قال: قال النبي - ﷺ -: "أَفَيَدَعُ يَدَهُ فِي فِيكَ تَقْضَمُهَا قَضْمَ الْفَحْلِ"؟ متفق عليه.
ولا دليل في قوله - ﷺ -: "في السِّنَّ خَمْسَ مِنَ الإِبِلِ". على ضمان سن العاض، إنما هو بيان لدية من نزعت سنه ظلمًا، وهذه لم تقلع ظلمًا. والله أعلم.
(١٢) وقوله: أو نظر له من كوة فقصد عينه، نقل المواق: لو رمى إنسانًا ينظر إليه في بيته فأصاب عينه، فأكثر أصحابنا على إثبات الضمان وأقلهم على نفيه، للحديث الصحيح.
قلت: من ذهب إلى نفي الضمان هنا أولى بالحق؛ لأخذه بحديث رسول الله - ﷺ -، فقد روى أبو هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "لَوْ أَنَّ امْرَءًا اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَه لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ حَرَجٌ". وعن سهل بن سعد أن رجلًا اطلع من حجر من باب النبي - ﷺ - ورسول الله - ﷺ - يحك رأسه بمدرى في يده، فقال رسول الله - ﷺ -: "لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَنْظرُنِي لَلَطَمْت أَوْ لَلَطَمْتُ بهَا فِي عَيْنِكَ" متفق عليهما.
ولا ينقضي عجبي ممن يضمن من نفى النبي - ﷺ - عنه الحرج. والله الموفق.
(١٣) وقوله: وجاز دفع صائل ألخ. نقل المواق عن ابن يونس في الجمل إذا صال على الرجل فخافه على نفسه فقتله، لا شيء عليه. ا. هـ. هذا مذهب مالك، وأحمد، والشافعي، وإسحاق، وخالف =
[ ٤ / ٣٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= أبو حنيفة، قال: عليه ضمانه لأنه أتلف مال الغير لإِحياء نفسه.
أما إن صال عليه رجل ودخل منزله بغير إذنه، فله إنذاره بالخروج من منزله، سواء كان معه سلاح أو لا؛ لأنه متعد بدخول ملك غيره بدون إذنه، فإن امتثل وخرج لم يكن له ضربه، فإن لم يخرج بالأمر، فله ضربه بأسهل ما يعلم أنه يدفعه، لأن المقصود دفعه، فإن لم يمكن دفعه إلَّا بالقتل، أو خاف أن يبدره بالقتل إن لم يقتله، فله قتله، فإن قتله أو أصاب منه عضوًا كان هدرًا، لأنه أتلفه لدفع شره، وإن قتل صاحب الدار كان شهيدًا لقوله - ﷺ -: "مَنْ أرِيدَ مَالُهُ بغَيْرِ حَقٍّ فَقَاتَلَ فَقتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ". قال ابن قدامة: رواه الخلال بسنده.
وكل من عرض للإنسان يريد نفسه أو ماله فحكمه ما ذكرنا فيمن دخل منزله، فقد ثبت عن أحمد في اللصوص يريدون نفسك ومالك: قاتلهم تمنع نفسك ومالك، وقال عطاء في المحرم يلقى اللصوص، قال: يقاتلهم أشد قتال، وقال ابن سيرين ما أرى أحدًا ترك قتال الحرورية واللصوص تأثمًا إلَّا أن يجبن، وقيل للحسن: إني أخرج في هذا الوجه، أخوف شيء عندي يلقاني المصلي يعرض لي في مالي، فإن كففت يدي ذهبوا بمالي، وإن قاتلت المصلي ففيه ما علمت. قال: يا بني من عرض لك في مالك فاقتله فإلى النار، وإن قتلك فشهيد. وروي نحو ذلك عن أنس، والشعبي، والنخعي.
وسئل الإمام أحمد عن امرأة راودها رجل على نفسها فقتلته لتحصن نفسها، فقال: إذا علمت أنه لا يريد إلَّا نفسها فقتلته لتدفع عن نفسهما فلا شيء عليها، وذكر حديثًا يرويه الزهري عن القاسم بن محمد، عن عبيد بن عمير، أن رجلًا أضاف ناسًا من هذيل، فأراد امرأة على نفسها، فرمته بحجر فقتلته، فقال عمر: والله لا يودى أبدًا. والأمر في هذا ظاهر؛ فإنه إن جاز الدفع عن المال الذي يجوز بذله، فإنه يجوز دفع المرأة عن نفسها وصيانتها عن الفاحشة من باب أولى.
(١٤) وقوله: وما أتلفته البهائم ليلًا فعلى ربها ألخ. الأصل في ذلك حديث الموطإ أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدت فيه فقضى رسول الله - ﷺ - أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها. قال ابن عبد البر: إن كان هذا مرسلًا فهو مشهور، حدث به الأئمة الثقات وتلقاه فقهاء الحجاز بالقبول. ا. هـ. والله الموفق.
[ ٤ / ٣٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .