قال الحطاب: يقال العتق بكسر العين وفتحها، والعَتاقَةُ والعَتَاقُ بفتحها فقط. ويقال: عتق يعتق كضرب يضرب، ولا يقال عُتِقَ بضم العين، والله أعلم.
قال: وقال في الذخيرة: والعتق في اللغة الخلوص، ومنه عتاق الخيل، وعتاق الطير أي خالصوها، وقيل للبيت الحرام عتيقًا لخلوصه من أيدي الجبابرة. وهو في الشرع خلوص الرقبة من الرق.
وحكمه الندب، وهو من أفضل الأعمال وأعظم القربات، ويدل على عظيم قدره ما في الصحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لَنْ يُجْزِئَ وَلَدٌ وَالِدَهُ إِلَّا أَنْ يَجدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَريَهُ فَيَعْتِقَهُ". قال في التوضيح: وكأن الوالد لما كان سببًا لوجود الولد، وذلك من أعظم النعم، فالذي يشبه ذلك إخراج الولد لوالده من عُدْم الرق إلى وجود الحرية؛ لأن الرقيق كالمعدوم، وربما كان العدء خيرًا منه. ا. هـ.
وفي الصحيحين، قال رسول الله - ﷺ - "مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ إِرَبًا مِنْه مِنْ النَّارِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَعْتِقُ الْيَدَ بِالْيَدِ وَالرِّجْلَ بِالرَّجُلِ وَالْفَرْجَ بِالْفَرَجِ". وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة: "مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ، حَتَّى يُعْتِقَ فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ".
وروى الترمذي وصححه أنه ﵊ قال: "أيُّمَا امْرِئَ مُسْلِمٍ، أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا، كَانَ فَكَاكَهُ مِنَ النَّار يُجْزِئَ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ، وَأَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ، أَعْتَقَ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ كَانَتَا فَكَاكَهُ مِنَ النَّارِ يُجْزِئُ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُمَا عُضْوًا مِنْهُ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ، أَعْتَقَتْ امْرَأَةً مُسْلِمَةً، كَانَتْ فَكَاكَهَا مِنَ النَّارِ يُجْزِئُ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهَا". قيل: ولعل هذا لأن دية المرأة على النصف من دية الرجل. انتهى.
وقد يجب العتق أحيانًا لأسباب هي: إلزام الرجل نفسه ذلك وتبتله عتق مملوكه ابتداء، وبنذره ذلك لأمر كان أو يكون، وبالحنث في يمين بذلك، أو بحمل مملوكته منه، أو بعتقه بعضه فيبتل عليه باقيه، وبالتمثيل به، وبشرائه من يعتق عليه، وبقتل النفس خطأً، وبوطء المظاهر، وبكتابة العبد، وبمقاطعته على مال، وبكفارة اليمين بالله تعالى، وبكفارة الفطر في رمضان عمدًا، إلا أن الفرض في كفارة اليمين موضوع لأنه مخير بينه وبين غيره.
[ ٤ / ٣٨٥ ]
كتاب العتق
بَابٌ: إنَّمَا يَصِحُّ إعْتَاقُ مُكَلَّفٍ (١) بِلَا حَجْرٍ وإحَاطَةِ دَيْنٍ، ولِغَريمِهِ رَدُّهُ أوْ بَعْضِهِ إلَّا أنْ يَعْلَمَ أوْ يَطُولَ، أوْ يُفِيدَ مَالًا ولَوْ قبْلَ نُفُوذِ البَيْعِ، رَقيقًا لمْ يتَعَلَّقْ بهِ حَقٌّ لَازِمٌ بِهِ وبِفَكِّ الرَّقَبَةِ والتَّحْرِيرِ وَإنْ في هذَا الْيَوْمِ، بِلَا قرِينَةِ قَدْحٍ أوْ خُلْفٍ أوْ دَفْعٍ أوْ مَكْسٍ، بِلَا مِلْكَ أوْ سَبِيلَ لي عَلَيْكَ، إلَّا لِجَوابِ، وبِكوَهَبْتُ لَكَ نَفْسَكَ وبكاسْقِني أو اذْهَبْ أو اعْزُبْ بِالنِّيَّةِ. وعَتَق عَلَى البَائعِ إِنْ عَلَّقَ هُوَ وَالمُشْتَري على الْبَيْع والشِّراءِ وبِالاشْتِراءِ الْفَاسِدِ في إنْ اشْتَريْتُكَ كأنْ اشْتَرى نَفسَهُ فَاسدًا. والشِّقْصُ والمدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَوَلَدُ عَبْدِي مِنْ أمَتِهِ وإنْ بعْدَ يَمِينهِ، والإِنْشَاءُ فيمَنْ يَمْلِكُهُ، أوْ لي أوْ رَقِيقي أوْ عَبِيدي أوْ مَمَاليكي، لا عَبيدُ عَبِيدِهِ كأمْلِكُهُ أبَدًا. وَوَجَبَ بِالنّذْرِ ولم يُقْضَ إلَّا بَبَتٍّ معَيَّنٍ. وهو في
تنبيهٌ: كلما كثرت أسباب الشيء كان إلى الوقوع أقرب: ألا ترى أن الله قد وعد بالمغفرة على أسباب كثيرة تكاد تخرج عن الحصر؟ قال - ﷺ -: "صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالآتِيَةَ". وقال: صَوْمُ يَوْم عَاشُورَاءَ يُكَفِّر الْمَاضِيَةَ". وقال "رَمَضَانُ إلَى رَمَضَانَ يُكَفِّرُ مَا بَيْنَهُمَا". وقال: "الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ يُكَفِّرْنَ مَا بَيْنَهُنَّ". وقال: "وَإِنْ تَوَضَّأَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ بيْنِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ".
وقال الحطاب لشيخه شهاب الدين: إذا كان عرفة يكفر الماضية والآتية، فأي شيء يكفر عاشوراء، وكل ما ذكرناه؟ فقال: ذلك دليل على أنه تعالى مريد للمغفرة لعباده، فإن العبد إن أخطأه سبب لا يخطئُهُ غيره، وما كثرت أسبابه كان إلى الوقوع أقرب. ا. هـ.
قال: وحكمة مشروعيته، التنبيه على شرف الآدمي وتكرمته، فإن الرِّقَّ إذلال له، والترغيب في العتق من مكارم الأخلاق، وتعاطي أسباب النجاة من النار. ا. هـ. منه.
والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ (^١). وأما السنة فما تقدم ذكره من الأحاديث وغيره، وأجمعت الأمة على صحة العتق وحصول القربة به.
(١) قوله: إنما يصح إعتاق مكلف ألخ. يريد به، والله أعلم، أن العتق يصح من كل من يصح =
_________________
(١) سورة البلد: ١٣.
[ ٤ / ٣٨٦ ]
خُصُوصِهِ وعُمُومِهِ ومَنْعٍ من وَطْءٍ وبَيْعٍ في صيغَة حِنْثٍ وعِتْقِ عُضْوٍ، وتَمْلِيكهِ الْعَبْدَ، وجَوابِهِ، كالطَّلاقِ، إلَّا لأجَلٍ أو إحْدَاكمُا فَلَهُ الاخْتِيارُ. وإنْ حَمَلْتِ فأنْتِ حُرَّةٌ فَلَهُ وَطْؤُهَا في كُلِّ طُهْر مَرَة، وإنْ جَعَلَ عِتقَهُ لاثْنَيْنِ لم يَسْتَقِلَّ أحَدُهُمَا إن لَهَا يَكَونَا رَسُولَيْنِ. وإنْ قالَ إن دَخلْتُما فَدَخَلَتْ إحْدَاهُمَا، فَلا شَيْء عَليه فيهما.
وعَتَقَ بِنَفْسِ الْمِلكِ الأبَوَانِ (١) وإن عَلَوا والْوَلَدُ وإنْ سَفلَ كَبنتٍ وأخٍ وأخْتٍ مُطْلَقًا وإن بِهِبَةٍ أو صَدَقَةٍ أو وَصِيَّةٍ إن عَلِمَ المُعْطِي ولوْ لَمْ يَقْبَله، ووَلَاؤُهُ لَه ولا يكُمِّلُ في جُزْء لَمْ يَقْبَلْهُ كبيرٌ أو قَبِلَهُ وِليُّ صَغِيرٍ أو لم يَقْبَلْهُ، لا بإرْثٍ
= تصرفه في المال؛ وهو البالغ العاقل الرشيد، ولا يصح من غير جائز التصرف كالصبي والمجنون. قال ابن المنذر: هذا قول عامة أهل العلم، وممن حفظنا عنه ذلك: الحسن، والشعبي، والزهري. ومالك والشافعي، وأصحاب الرأي. قال: وذلك لقول النبي - ﷺ -: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَن الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَفِيق، وعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ". أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة.
ويحصل العتق بالقول، والملك، والاستيلاء.
أما القول: فإنه ينقسم إلى صريح وكناية، فالصريح هو لفظ الحرية والعتق وما تصرف من ذلك: لأن هذين اللفظين وردا في كتاب اللّه تعالى، وفي سنة رسول الله - ﷺ -، وهما المستعملان عرفًا في العتق، فمتى أتى المرء بشيء من هذه الألفاظ حصل العتق ولو لم ينو العتق.
وأما الكناية: فهي كنحو قوله: لا سبيل لي عليك، ولا سلطان لي عليك وأنت سائبة، واذهبي حيث شئت، فهذا ونحوه يدور الحكبم فيه حول النية، فإد نوى العتاق به لزم وإلا فلا، لقوله - ﷺ - "إِنَّمَا الْأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وإنَّمَا لِكُلِّ امْرئٍ مَا نَوَى". الحديث.
(١) وقوله: وعتق بنفس الملك الأبوان ألخ. ففي أبي داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل، قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي - ﷺ -، وقال موسى في موضع آخر: عن سمرة بن جندب فيما يحسب حماد قال، قال رسول الله - ﷺ -. "مَنَ مَلَكَ ذَا =
[ ٤ / ٣٨٧ ]
أو شِراءٍ وعليْهِ دَيْنٌ فَيبَاعُ. وبالحُكْم إِنْ عمد لِشَيْنٍ بِرَقيقِهِ (١) أوْ رقيق رقيقه أو لِوَلدٍ صَغيرٍ غيرُ سَفيهٍ، وعَبْدِ وذمِّيٍّ بمثله وزوجةٍ ومَريضٍ في زائد الثُّلُث.
= رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ". قال أبو داود: روى محمد بن بكر البرساني، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، وعاصم عن الحسن، عن سمرة عن النبيِّ - ﷺ - مثل ذلك الحديث. قال أبو داود: ولم يحك ذلك الحديث إلا حماد بن سلمة وقد شك فيه.
قال الخطابي في معالم السنن: الذي أراد أبو داود من هذا أن الحديث ليس بمرفوع، أو ليس بمتصل، إنما هو عن الحسن النبي - ﷺ -.
قال: وقد اختلف العلماء في هذا، فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه إذا ملك ذا رحم محرم عتق عليه، روى ذلك عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود ﵄ ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة، هو قول الحسن وجابر بن زيد، وعطاء، والشعبي، والزبير، والحكم، وحماد، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وسفيان، وأحمد، وإسحاق.
وقال مالك بن أنس: يعتق عليه الولد والوالد والإِخوة، ولا يعتق عليه غيرهم.
وقال الشافعي: لا يعتق عليه إلا آباؤه وأمهاته وأولاده، ولا يعتق عليه إخوته؛ ولا أحد من ذوى قرابته ولحمته. وأما ذوو المحارم من الرضاعة فإنهم لا يعتقون في قول أكثر أهل العلم، وكان شريك بن عبد الله القاضي يعتقهم. وقال ابن التركماني في الجوهر النقي في الكلام على رواية البيهقي لهذا الحديث، قال: رواه محمد بن بكر عن حماد من غير هذا الشك، وكذا أخرجه من طريقه النسائي وابن ماجة. وأخرجه النسائي أيضًا من حديث حجاج وأبي داود وبهز وعبد الله يعني ابن المبارك عن حماد، وليس فيه الشك المذكور، وكذا أخرجه أحمد في مسنده من حديث أبي كامل ويزيد بن هارون عن حماد، وكذا أخرجه الترمذي عن عبد الله بن معاوية الجمحي عن حماد، وكذا رواه مسلم بن إبراهيم كما تقدم وكذا رواه موسى بن إسماعيل مرة، ومن شك ليس بحجة على من لم يشك، فكيف والذين لم يشكوا جماعة؟
(١) وقوله: وبالحكم إن عمد لشين برقيقه ألخ. أخرج مالك في الموطإ بلاغًا أن عمر بن الخطاب أتته وليدة قد ضربها سيدها بنار أو أصابها بها فأعتقها.
[ ٤ / ٣٨٨ ]
ومَدِينٍ كَقَلْعِ ظفُرٍ وقَطْعِ بَعْضِ أذُنٍ أو جَسَدٍ أو سِنّ أوْ سَحْلِها أو خَرم أنْفٍ، أوْ حَلْقِ شَعرِ أمَةٍ رَفيعَةٍ أوْ لحْيَةِ تَاجِرٍ، أو وَسْمِ وجْهٍ بِنَارٍ لا غَيْرِهِ. وفي غَيْرها فيه قَوْلَانِ. والْقَوْلُ لِلسَّيِّدِ في نَفْي العَمدِ لَا في عِتْقٍ بِمَالٍ. وبالْحكْم جَمِيعُهُ إنْ أَعْتَقَ جُزْءًا والْبَاقي لَهُ، كأنْ بَقي لِغَيْره (١)، إن دَفَعَ الْقِيمَةَ يَوْمَهُ وإنْ كَانَ المُعْتِقُ مُسْلِمًا أو الْعَبْدُ وإنْ أيْسَر بها أوْ بِبَعْضِهَا فمُقابِلُهَا وفَضَلتْ عَنْ مَتْروكِ المُفْلِسِ وإنْ حَصَلَ عِتْقُهُ باخْتِيارِهِ لَا بإرْثٍ وَإنْ ابْتَدَأَ العِتْقَ لا إن كانَ حُرَّ الْبَعْضِ وقُوِّمَ عَلى الأولِ وَإِلَّا فَعَلى حِصَصِهِمَا إنْ أيْسَرَا وإلَّا فَعَلى المُوسرِ. وعُجِّلَ في ثُلُثِ مَريضٍ أُمِنَ، ولم يَقوَّمْ عَلى مَيِّتٍ لم يُوصِ، وَقُوِّمَ كَامِلًا بِمَالِه بَعْدَ امْتِنَاعِ شَرِيكهِ مِنَ الْعتْقِ ونُقِضَ لَهُ بَيعٌ مِنْهُ وتَأجيل الثَّانِي أو تَدْبِيرهُ.
(١) وقوله: وبالحكم جميعًا إن أعتق جزءًا والباقي له كأن بقي لغيره: هذا الكلام على العض بالسراية، قال في المدونة: من أعتق جزْءً من عبده عتق جميعه، قال في التلقين: ولا يجوز تبعيض العتق ابتداء. ا. هـ. المواق.
قلت: لعله يعني بعدم الجواز لمن يملك سائر العبد وعتق بعضه، فهذا الذي يظهر أنه لا يجوز وكذا من أعتق شقصًا له في عبد وهو ملي، فإنه يقوم عليه باقي العبد وإن لم يرض هو ولا مالك باقيه لقوله - ﷺ - المتفق عليه: "مَنْ أَعْتَق شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ". ولا يجوز له الامتناع عن دفع ما قوم به عليه أما أن يقال أن الإِقدام على عتق شقص من عبد ابتداء، فما أرى أنه يريد ذلك. والله أعلم.
روى أبو داود: حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا همام (ح) وحدثنا محمد بن كثير المعنى أخبرنا همام، عن قتادة، عن أبي المليح، قال أبو الوليد: عن أبيه أن رجلًا أعتق شقصًا له من غلام فذكر ذلك للنبي - ﷺ - فقال: "لَيْسَ لِلهِ شَرِيكٌ". زاد ابن كثير في حديثه، فأجاز النبي - ﷺ - عتقه.
قال الخطابي: هذا الحديث فيه دليل على أن المملوك يعتق كله إذا أعتق الشقص منه، ولا يتوقف على عتق الشريك الآخر وأداء القيمة، ألا ترى إلى قوله: فأجاز رسول الله - ﷺ - عتقه وقالْ "لَيْسَ لِلهِ شَرِيكٌ". قال: هذا إذا كان المعتق موسرًا، وإذا كان معسرًا فإن الحكم بخلاف ذلك على مما ورد في =
[ ٤ / ٣٨٩ ]
وَلَا ينتقِلُ بَعْدَ اخْتِيارِهِ أحَدهُمَا، وإذا حُكِمَ بِبَيْعِهِ لِعُسْرِه مَضَى، كَقَبْلَهُ ثمَّ أيْسَرَ إنْ كَانَ بَيِّنَ الْعُسْرِ وحَضَرَ الْعَبْدُ. وأحكامُهُ قَبْلَهُ كالْقِنِّ، ولَا يَلْزَمُ اسْتِسْعَاءُ الْعَبْدِ (١) ولَا قَبُولُ مَالِ الْغيْرِ ولَا تَخْلِيدُ الْقيمَةِ في ذِمَّةِ المُعْسِرِ برضَا الشّرِيكِ. ومَنْ أعْتَقَ حِصَّتَهُ لِأجَلٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ لِيُعْتَقَ جَمِيعُهُ عِنْدَهُ إلَّا أن يَبُتَّ الثَّانِي فَنَصيبُ الأوَّل عَلى حَالِهِ. وَإنْ دَبَّرَ حِصَّتَهُ تَقَاوَيَاهُ لِيُرَقَّ كُلُّهُ أوْ يُدَبَّرَ وإنْ ادَّعَى المُعْتِقُ عَيْبَهُ فَلَهُ اسْتِحْلَافُهُ، وإن أذِنَ السَّيِّدُ أوْ اسْتَجَازَ عِتْقَ عَبْدِهِ جُزْءًا قُوِّمَ في مَالِ السَّيِّدِ وإنْ احتِيجَ لِبَيْع المعْتِقِ بِيعَ، وإنْ أعْتَقَ أوَّلَ وَلَدٍ لَمْ يَعْتِقْ الثَّانِي ولَوْ مَاتَ، وإنْ أعْتَق جَنينًا أوْ دَبَّره فَحُرٌّ وَإنْ لأكْثَر الْحَمْلِ إلَّا لِزَوْجٍ مُرْسَلٍ عَلَيْها فلأقَلِّهِ، وبيعَتْ إن سَبَقَ العِتْقَ دَيْنٌ، وَرُقَّ ولَا يُسْتَثْنَى بِبَيْعٍ أو عِتْقٍ ولم يَجُزِ اشْتِراءُ وَليٍّ مَنْ يَعْتِقُ على وَلَدٍ صغِيرٍ بِمَالِهِ، ولَا عَبْدٍ لم يُؤْذَنْ
= السنة، وسيجيء ذكره فيما بعد إن شاء الله.
واختلف العُلماء في ذلك، فذهب ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وسفيان الثوري والشافعي - في أظهر قوليه - إلى أن العتق إذا وقع من أحد الشريكين في شقصه، وكان موسرًا، سرى في جميع العبد وعتق العبد، ثم غرم المعتق لشريكه قيمة نصفه، ويكون الولاء كله للمعتق.
وقال مالك بن أنس: نصيب الشريك لا يعتق حتى يقوم العبد على المعتق، ويؤمر بأداء حصته من القيمة إليه، فإذا أدَّاها عتق العبد كله. وهو أحد قولي الشافعي في القديم. ا. هـ.
(١) وقوله: ولا يلزم استسعاء العبد ألخ. لما رواه أبو داود: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: "مَنْ أَعْتَقَ شَرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ أُقِيمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَأعْتِقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ".
قال الخطابي: هذا الحديث يدل على أنه لا عاقبة وراء ذلك، وفيه سقوط السعاية، وهو أثبت شيء روي من الحديث في هذا الباب. ا. هـ. فقد رواه البخاري في العتق، ومسلم في العتق، والترمذي في الأحكام، والنسائي في البيوع، وابن ماجة في العتق.
[ ٤ / ٣٩٠ ]
لَهُ، مَنْ يَعْتِقُ عَلى سَيِّدِهِ، وإنْ دَفَعَ عَبْدٌ مَالًا لِمَنْ يَشْتَرِيهِ بِهِ، فإنْ قَالَ اشْتَرِني لِنَفْسِكَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ اسْتثنَى مَالَهُ وَإلَّا غَرِمَهُ وبِيعَ فِيهِ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ على العبد، والْوَلَاءُ له، كلِتُعْتِقَني، وإنْ قَالَ لِنَفْسِي فَحُرٌّ وَوَلَاؤُهُ لِبَائعِهِ إنْ اسْتَثْنَى مَالَهُ وإِلَّا رُقَّ. وإنْ أَعْتَقَ عَبيدًا في مَرَضِهِ (١) أوْ أوْصَى بِعتْقِهِمْ وَلَوْ سَمَّاهُمْ، ولَمْ يَحْمِلْهُمْ الثُّلُثُ، أو أوْصَى بِعِتْقِ ثُلُثِهِم أوْ بعَدَدٍ سَمَّاهُ مِنْ أكْثَرَ، أُقْرعَ كالْقِسْمَةِ إلَّا أن يُرَتِّبَ فَيتَّبَعُ أو يقُولَ ثلثَ كُلٍّ أو أنْصَافَهُمْ أوْ أثْلَاثَهُمْ، وتَبِعَ سَيِّدَهُ بِدَيْنٍ إنْ لَمْ يَسْتَثْنِ مَالَهُ. وَرُقَّ إنْ شهدَ شَاهِدٌ برقِّهِ أو تَقَدُّمِ دَيْنٍ وحَلَفَ واسْتُؤني بِالْمَالِ إنْ شَهِدَ شَاهِدٌ بالولاء أو اثنان أَنَّهُمَا لَمْ يَزَالَا يَسْمَعَانِ أنَّه مَوْلاهُ وَوَارِثُهُ وحَلَف. وإن شَهِدَ أحَدُ الْوَرثَةِ أوْ أقَرَّ أنَّ أباهُ أعْتَقَ عَبْدًا لم يَجُزْ ولَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِ. وإن شَهِدَ على شَريكِهِ بِعِتْقِ نَصِيبهِ فنصِيبُ الشَّاهِدِ حُرٌّ إن أيْسَرَ شَرِيكُهُ والأكثَرُ على نَفْيهِ كعُسِره.
(١) وقوله: وإن أعتق عبيدًا في مرضه ألخ. روى أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين أن رجلًا أعتق ستة أعبد عند موته، ولم يكن له مال غيرهم، فبلغ ذلك النبي - ﷺ -، فقال له قولًا شديدًا، ثم دعاهم فجزأهم ثلاثة أجزاء، فأقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة. ا. هـ.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الإيمان والنذور، باب من أعتق شركًا له في عبد، والترمذي في الأحكام باب: فيمن عتق مماليكه، والنسائي في الجنائز، وابن ماجة في الأحكام باب: القضاء بالقرعة.
قال الخطابي: هذا الحديث، قال الشافعي، أصل في جواز الوصية في المرض بالثلث للأجانب، لأن عتقه إياهم في معنى الوصية لهم وهم أجانب، قال: وكانت العرب لا تستعبد من بينها وبينه نسب.
قال: وقد اختلف العُلماء في هذه المسألة، فقال بظاهر الحديث مالك والشافعي، وأحمد بن حنبل =
[ ٤ / ٣٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وإسحاق بن راهويه، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يعتق من كل واحد منهم الثلث ويستسعى في ثلثيه للورثة ويعتق، ويروى ذلك عن الشعبي والنخعي. وعلى هذا القياس إذا أعتق في المرض الذي مات فيه عبدًا، ولم يكن له مال غيره، فإنه يعتق منه الثلث، ويكون ثلثاه رقيقًا للورثة في قول مالك والشافعي؛ وعند أبي حنيفة وأصحابه يعتق ثلثه، ويستسعى في ثلثيه للورثة ويعتق.
قال الخطابي: وقد أخبر عمران بن حصين في هذا الحديث أنه أعتق اثنين منهم وأرَقَّ أربعة، فصرح بوقوع القسمة في الأعيان دون الأجزاء، ولو أراد الأجزاء، لقال: فأعتق الثلث وأرق الثلثين، وما أشبه ذلك من الكلام. والله أعلم.
قال: وفي قوله: فأعتق اثنين، بيان صحة وقوع العتق لهما والرق لمن عداهما. وفي قول من يرى استسعاء كل واحد منهم في ثلثي قيمته، ترك الأمرين معًا، لأنه لا يعتق أحدًا منهم ولا يرقه، وفي ذلك مخالفة الحديث على وجهه، وقد جاء بيان ما قلناه صريحًا من رواية الحسن عن عمران بن حصين: حدثنا إبراهيم بن فارس، حدثنا أحمد بن علي بن سهل، حدثنا عبد الأعلى بن حماد النرسي، حدثنا حماد بن سلمة عن عطاء الخراساني، عن سعيد بن المسيب، وأيوب عن محمد بن سيرين عن عمران بن حصين، وقتادة، وحميد، وسماك بن حرب، عن الحسن عن عمران بن حصين: أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته وليس له مال غيرهم، فأقرع رسول الله - ﷺ - بينهم، فأعتق اثنين ورد أربعة في الرِّقِّ. فقوله: ورد أربعة في الرق، يبطل كل تأويل بخلاف ظاهر الحديث.
وقال ابن قدامة: وقد أنكر أصحاب أبي حنيفة القرعة وقالوا: هي قمار، وحكم الجاهلية، قال: والقرعة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع. فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ (^١). الصافات، وقوله تعالى في آل عمران: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ (^٢). وأما السنة: فقد ثبت أنه - ﷺ - أقرع بين نسائه - وأنه أقرع في ستة مملوكين - وقال لرجلين: "اسْتَهِمَا" وقال: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاء وَالصَّفِّ الْأوَّلِ لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ". إلى غير ذلك من الأحاديث الثابتة في القرعة. =
_________________
(١) سورة الصافات: ١٤١.
(٢) سورة آل عمران: ٤٤.
[ ٤ / ٣٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
= تنبيهٌ: ومال العبد المعتق يتبعه عند أصحابنا إلَّا إذا اشترطه السيد، هذا قول مالك وأهل المدينة، والحسن، وعطاء، والشعبي، والنخعي، قالوا: لما روى نافع عن ابن عمر قال: قال رسول - ﷺ -: "مَنْ عْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُ الْعَبْدِ لَهُ، إلَّا أنْ يَشْتَرطَه السَّيِّدُ". رواه أبو داود، وهو في البخاري في الشرب والمساقاة، وأخرجه مسلم في البيوع باب: من باع نخلًا عليها ثمر. وأخرجه الترمذي في البيوع، وابن ماجة في العتق.
وقال ابن قدامة: من أعتق عبدًا وله مال فمال العبد لسيده. روي هذا عن ابن مسعود، وأبي أيوب، وأنس بن مالك. وبه قال قتادة، والحكم، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي، وروي ذلك عن حماد، والبتي، وداود بن أبي هند. واحتجوا بما روى الأثرم عن ابن مسعود أنه قال لغلامه عمير: إني أريد أن أعتقك عتقًا هنيئًا، فأخبرني بمالك، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ عَبْدَهُ أَوْ غلَامَهُ فَلَمْ يُخْبِرْهُ بِمَالِهِ فَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ". قالوا: ولأن العبد وماله كانا جميعًا للسيد، فأزال ملكه عن أحدهما وبقي ملكه في الثاني كما لو باعه، وبدليل قوله - ﷺ -: "مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ". أخرجه البخاري، ومسلم وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة.
وقال الخطابي في معالم السنن: وإذا ثبت هذا الحديث ومقتضاه، وجب أن يحمل قوله - ﷺ -: "مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُ الْعَبْدِ لَهُ". على الاستحباب أن يسمح به للعبد إذ كان العتق منه إنعامًا عليه، ومعروفًا اصطنعه إليه، فندب إلى مسامحته فيما بيده من المال؛ ليكون ذلك إتمامًا للصنيعة التي أسداها إليه، وقد جرئ من عادة السادة أن يحسنوا إلى مماليكهم إذا أرادوا إعتاقهم، فكان أقرب ذلك أن يتغاضى عما في يده من المال. والله أعلم. ا. هـ. منه بتصرف.
قلت: الإِنصاف والاعتدال يلوحان على ما قاله الخطابي في هذه المسألة. وبالله تعالى التوفيق.
تنبيهٌ آخر في بيان في الرقاب أفضل، فقد أخرج في الموطإ مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن
عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - سئل عن الرقاب أيها أفضل؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "أَغْلَاهَا ثَمَنًا وأنفَسَهَا عِنْدَ أَهْلِهَا". والله الموفق.
[ ٤ / ٣٩٣ ]