قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل الإجارة يقال: آجر وأجر بالمد والقصر وهو من الأجر وهو الثواب، لأنه أخذ ثواب عمله ويطلقون الإجارة على ما إذا كان حيوانا عاقلا، والكراء على الحيوان غير العاقل وغيره كالجمادات.
والإجارة من العقود التي تلزم بالقول كالبيع والنكاح والهبة والصدقة.
الأصل في العقود اللزوم، لأن العقد إنما شرع لتحصيل المقصود من المعقود به أو المعقود عليه ودفع الحاجات فيناسب ذلك اللزوم دفعا للحاجة، وتحصيلا للمقصود، غير أن مع هذا الأصل انقسمت العقود قسمين: أحدهما كذلك البيع والإجارة والنكاح والهبة والصدقة وعقود الولايات، فإن التصرف المقصود بالعقد يحصل عقب العقد، والقسم الآخر لا يستلزم مصلحته مع اللزوم، بل مع الجواز، وعدم اللزوز وهو خمسة عقود الجعالة والقراض والمغارسة والوكالة وتحكيم الحاكم ما لم يشرعا في الحكومة، وأن الجعالة لو شرعت لا زمة مع أنه يطلع على فرط بعد مكان الآبق أو عدمه مع دخوله على الجهالة بمكانه، فيؤدي ذلك لضرورة، فجعلت جائزة لئلا تجتمع الجهالة بالمكان واللزوم، وهما متنافيان، وكذلك القراض حصول الربح فيه مجهول، فقد يتصل به أن السلع متعذرة أو لا يحصل فيها ربح فإلزامه بالسفر مضرة بغير حكمة، ولا يحصل مقصود العقد الذي هو الربح، وكذلك المغارسة مجهولة العاقبة في نبات الشعر وجودة الأرض، ومؤونات الأسباب على معونة الشجر مع طول الأيام، فقد يطلع على تعذر ذلك أو فرط بعده، فإلزامه بالعمل ضرر من غير حصول المقصود، وكذلك الوكالة قد يطلع فيما وكل عليه على تعذر أو ضرر فجعلت على الجواز، وتحكيم الحاكم خطر على المحكوم عليه لما فيه من اللزوم، إذا حكم، فقد يطلع الخصمان على سوء العاقبة في ذلك، فلا يشرع اللزوم في حقيهما نفيا للضرر عنهما، واشترك الجميع في عدم انضباط العقد بحصول مقصوده، فكان الجميع على الجواز. انتهى من أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي (^١).
_________________
(١) أنوار البروق للقرافي: ج ٤، ص: ٣٦. الفرق التاسع والمائتان.
[ ٣ / ٢٤١ ]
قوله: (صحة الإجارة بعاقد) أي كعاقد البيع، وشرطه تمييز إلا بسكر ففيه تردد (وأجرك) الأجر في (البيع) والأجر في الإجارة كالثمن في البيع، وقال فيما تقدم في البيع وشرط للمعقود عليه طهارة إلى آخر ما تقدم ذكره.
قوله: (وعجل إن عين، أو بشرط، أو عادة، أو في مضمونة لم يشرع فيها) أي وعجل الأجر وجوبا إن عين ذلك الأجر، لئلا يكون معينا يتأخر قبضه، أو كان التعجيل بشرط أو عادة، وكذلك يعجل الأجر في منافع مضمونة لم يشرع فيها، لأنه إن لم يعجل ابتداء دين بدين، وأما إن شرع في المنافع يجوز التأخير في الأجر لأن قبض الأوائل كقبض الأواخر وهو خلاف المشهور.
قوله: (إلا كري حج فاليسير) أي فإنه إنما يعجل له اليسير من الأجر أجاز مالك حمد لله ذلك للضرورة، ولأن الأكرياء يقتطعون أموال الناس.
قوله: (وإلا فمياومة) أي وإن لم يكن الأجر معينا ولم يشترط تعجيله أو كان التعجيل عادة فيأخذ الأجر كل يوم بحسابه.
قوله: (وفسدت إن انتفى عرف تعجيل المعين) أي وفسدت عقدة الإجارة إن انتفى عرف تعجيل المعين بأن العرف التأخير، أولا عرف، هذا قول ابن القاسم، وقال غيره يصح العقد وعجل بناء على أن الإطلاق يحمل على العرف المؤدي إلى فساد أولا.
قوله: (كمع جعل) أي كما تفسد الإجارة مع جعل في عقد واحد لما بينهما من التنافي، لأن الجعل لا يستحق منه شيء إلا بالتمام، والأجير يستحق في الأجر حساب ما عمل، والإجارة تنعقد بالكلام والجعل لا ينعقد به.
قوله: (لا بيع) أي لا تفسد الإجارة مع بيع في عقد واحد، مثل أن يشتري منه شقة على أن يخيطها له أو غيرها.
قوله: (وكجلد لسلاح، أو نخالة لطعان) أي فلا تجوز الإجارة بجلد أو لحم أو شحم لسلاخ، وكذلك لا تجوز الإجارة على طحن بنخالة للجهل بقدر ما يخرج منه، فإن وقع ونزل الفساد في المسألتين فلصاحبه الجلد والنخالة وعليه للعامل أجر المثل.
قوله: (وجزء ثوب لنساج) أي فلا يجوز أن يؤاجر النساج بنصف الثوب مثلا، لأنه لا يدري كيف يخرج، وأما إن استأجره بجزء من الغزل فلا بأس.
قوله: (أو رضيع وإن من الآن) أي ولا يجوز أن يستأجره على رضع رضيع بنصفه
[ ٣ / ٢٤٢ ]
وإن ملكه الآن، إذ لا يتصرف فيه إلا بعد الفطام.
قوله: (وبما سقط أو خرج في نفض زيتون، أو عصره) وهذا من باب اللف والنشر أي ولا يجوز أن يستأجره بما يسقط من نفض زيتون، لأنه مجهول القدر، أو بما خرج من عصر زيتون، لأنه لا يدري صفة ما يخرج.
ابن يونس: ولو قال انفضه كله ولك نصفه جاز.
قوله: (وكاحصد وادرس ولك نصفه) أي كما تفسد الإجارة إذا قال له: احصد هذا الزرع وأدرسه ولك نصفه، وإنما فسدت لأجل الدرس، لأن الأجر جزاف غير مرئي، وأما أحصد زرعي هذا ولك نصفه لأنه جزاف مرئي، وما حصدت فلك نصفه.
قال ابن القاسم: يجوز وهي جعالة وله الترك متى شاء، وقال غيره: لا يجوز، وأحصد اليوم ولك نصفه لا يجوز.
قوله: (وكراء أرض بطعام، أو بما تنبته إلا كخشب) أي ولا يجوز كراء الأرض بطعام وإن لم تنبته أو ما تنبته وإن لم يكن طعاما، إلا أن يكون ما تنبته مثل الخشب والحشيش والثياب أحرى فيجوز.
قوله: (وحمل طعام لبلد بنصفه، إلا أن يقبضه الآن) أي ولا يجوز حمل طعام إلى بلد بنصفه إلا أن يقبض ذلك الآن، والطعام ليس بشرط، وكذلك غيره، والبلد ليس بشرط، والنصف ليس بشرط، ولا يضره تأخير القبض اليومان والثلاث، لأن المعين يجوز تأخيره ثلاثة أيام، وكذلك يجوز إن قال له: متى شئت فاقبض، وأما إن شرط ألا يقبض إلى الموضع المشترط فلا يجوز، وإن اتهما ولم يذكرا شيئا ففيه قولان.
قوله: (وكإن خطته اليوم بكذا وإلا فبكذا، واعمل على دابتي فما حصل فلك نصفه، وهو للعامل، وعليه أجرتها) أي ولا يجوز أن يقول له إن خطت هذا الثوب اليوم فبدرهمين وإن خطته بعد اليوم فبدرهم واحد، وكذلك لا يجوز أن يقول له اعمل على دابتي هذه فما حصل فبعه ويكون الثمن بيننا يفسره ما يأتي بعد من قوله: وجاز بنصف ما يحتطب فإن وقع ونزل فما حصل منه ذلك للعامل وحده، لأنه إنما أكترى الدابة كراء فاسدا وعليه كراؤها.
قوله: (عكس لتكريها) أي هذا الفرع عكس الذي فوقه فيما يحصل وأما في الفساد فهما سواء فإذا دفع إليه دابته ليكريهما فما حصل من الكراء بينهما لم يجز فيكون ما حصل من ذلك لرب الدابة وعليه للعامل أجر مثله.
قوله: (وكبيعه نصفا بأن يبيع نصفا، إلا في البلد، إن أجلا ولم يكن الثمن مثليا) أي
[ ٣ / ٢٤٣ ]
وكذلك يفسد العقد إذا باع له نصف سلعة بأن يبيع النصف الآخر فيكون النصف أجر البيع، وكذلك إن باعه نصفا بالدنانير أو الدراهم على أن يبيع له النصف الآخر فلا يجوز إلا بثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون ذلك في البلد.
الثاني: أن يذكر لذلك أجلا، لأن الأجرة لا بد فيها من ذكر الأجل.
الثالث: أن يكون المبيع غير مثلي، وأما المثلي فلا يجوز، لأنه تارة ثمنا وتارة سلفا، لأنه إذا غاب على المثلي لا يعرف بعينه، لأن الأجير على البيع إذا باع قبل الأجل إنما له حساب ذلك فيرد غيره. انتهى.
ابن الحاجب: فلو باعه نصف سلعة على أن يبيع له نصفها، أو بأن يبيع له نصفها فثالثها إن عين الأجل جاز، ورابعها عكسه، وعلى الصحة في التعيين لو بقي بعض الأجل حوسب ولو انقضى ولم يبع استحقه، فإن كان طعاما لم يجز إلا بالتأجيل. انتهى (^١).
قوله: (وجاز بنصف ما يحتطب عليها) أي وجاز بيع واستثناء ركوبها عليها أي ويجوز أن يدفع له دابة ليحتطب عليها، فيكون الحطب بينهما إذا عرفا قدر الحمل، وأما إن جهلاه أو أحدهما فلا يجوز، وكذلك يجوز أن يعمل عليها اليوم حملا، ولربها في اليوم الآخر حملا. وكذلك للعامل نقلة ولربها نقلة، إذا كان ذلك عندهم معلوم وإلا فلا يجوز.
قوله: (وصاع دقيق منه، أو من زيت لم يختلف) أي وجاز أن يقول له أطحن هذا القمح ولك صاع من دقيقه، أو صاع من زيته قبل عصره، إن لم يختلف خروجه، وهذا تفسير الشارح.
وأما البساطي قال: أو من زيت هذا الزيتون إن عصرته، إن لم يختلف خروج الزيت، وأما الدقيق فلا يختلف خروجه. انتهى.
وقال محمد: لا يجوز، لأنه قد يهلك بعد العمل، فيذهب عمله باطلا، بخلاف البيع إذ ملك في البيع ولم يملك هاهنا. انتهى من ابن شاس (^٢).
الصاع والصواع والصوع والصيع مكيال.
_________________
(١) جامع الأمهات لابن الحاجب: ص: ٤٣٥،
(٢) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٣، ص: ٩٢٧.
[ ٣ / ٢٤٤ ]
قوله: (واستنجار المالك منه) أي وجاز أي ومن أجر عبدا أو أكرى دابة جاز له أن يستأجره من المستأجر أو المكتري.
قوله: (وتعليمه بعمله سنة من أخذه) أي وجاز أن يستأجر عبده بعمله سنة مثلا على أن يعلمه صناعة، وتكون الخدمة أجر العمل وتحسب المدة من يوم اتخذه.
قوله: (واحصد هذا ولك نصفه، وما حصدت فلك نصفه) أي وجاز أحصد هذا الزرع ولك نصفه، وهو إجارة بجزاف مرئي وتنعقد بالكلام، وما حصدت فلك نصفه فهو جعل فله الترك متى شاء، وكذلك مالقطت فلك نصفه، وكذلك الإقتضا كما إذا قال: خذ ديني من فلان فلك نصفه، وهو إجارة وكل ما تقتضيه منه، فلك نصفه فهو جعل.
قوله: (وإجارة (^١) دابة لكذا على إن استغنى فيها حاسب) أي وجاز إجارة دابة لكذا على أن يستغني عن الدابة في المسافة، حاسب ما تقدم في المسافة من الكراء.
قوله: (واستنجار مؤجر، أو مستثنى منفعته، والنقد فيه إن لم يتغير غالبا) أي وجاز استئجار مؤجر بفتح الجيم أي وجاز لمن استأجر عبدا مثلا إلى مدة، أن يستأجره لآخر بعد المدة، ويحتمل استئجار مؤجر بكسر الجيم أي وجاز لمن استأجر عبدا أو دابة أن يؤاجره إلى المدة، وكذلك يجوز لمن استثنى منفعة دابته مثلا، أن يستأجر تلك المنفعة إلى المدة، وجاز النقد فيه أي في المستأجر إن كان لا يتغير غالبا في المدة، وأما إن كان يتغير فيها فلا يجوز النقد فيه بشرط إذ قد يكون تارة ثمنا وتارة سلفا.
قوله: (وعدم التسمية لكل سنة، وكراء أرض لتتخذ مسجدا مدة، والنقض لربه إذا انقضت) أي وجاز لمن أكرى داره أو أرضه بمائة عشر سنين وإن لم يسم مالكل سنة من الكراء، وكذلك يجوز كراء أرض يبني فيها مسجدا مدة معلومة، فإذا انقضت المدة يكون النقض لربه يفعل به ما يشاء، بخلاف من بنى مسجدا في أرض ثم استحقت الأرض، فإن النقض حبس يجعل في مسجد آخر.
قوله: (وعلى طرح ميتة، والقصاص، والأدب) أي وجاز استيجار على طرح ميتة.
لو قال الشيخ: كطرح ميتة ليعم كل نجاسة لكان أحسن، إذا ماتت بهيمة في دار قوم ففي أحكام ابن عمران إخراجها على من ماتت في داره. وأحفظ في الطرر فيها
_________________
(١) في النسخ المطبوعة من المختصر: وكراء، وفي مخطوطات الوداني وإجارة.
[ ٣ / ٢٤٥ ]
قولا آخر إنه على صاحبها.
ووقعت بالقيروان في سوق ماتت فيه ناقة فأفتى الغبريني فيها بالثاني لأنه ينتفع ربها بها لكلابه، وينتفع بجلدها بعد الدبغ. وكان شيخنا الإمام ﵀ يأخذ القول الآخر من قوله في رهونها إن مات العبد الرهن فعلى الراهن كفنه ودفنه، لأنه من توابع الحياة. البرزلي (^١).
وكذلك يجوز الاستيجار على القصاص نفسا كان أو غيرها، بخلاف من أخذ الأجر على الحرام، فإنه يؤخذ منه، واختلف هل يرد إلى ربه أو يتصدق به قولان.
وكذلك ما أخذت المرأة على الزنا فلا يترك في يدها، وهل يرد إلى الزاني أو يتصدق به قولان. وكذلك يجوز الاستيجار على الأدب.
المؤدبون خمسة: الإمام يؤدب جميع الناس، والسيد يؤدب رقيقه، والأب يؤدب صغير أولاده، والمعلم يؤدب الصغير، والزوج يؤدب زوجته.
قوله: (وعبد خمسة عشر عاما): أي وجاز استئجار عبد خمسة عشر عاما والجواز في الدور أبين.
قوله: (ويوم): أي وجاز استيجار عبد يوما واحدا أو يومين أو ثلاثا مثلا.
قوله: (أو خياطة ثوب مثلا): أي وجاز الإستيجار على خياطة ثوب، أو ضرب حديد، أو غير ذلك مما قيده بالعمل، والفرع الذي قبله قيده بالزمان.
قوله: (وهل تفسد إن جمعهما وتساويا؟ أو مطلقا؟ خلاف): أي وهل تفسد الإجارة إن جمع اليوم والخياطة وتساويا اليوم والخياطة، وأحرى إن ضاق اليوم وإن اتسع اليوم فجائز، كما إذا قال: خط لي هذا الثوب، فخط الثوب اليوم وتساويا، كما إذا شرع في الخياطة أول النهار ففرغ منه آخره، أو تفسد مطلقا تساويا أم لا كان اليوم أو سع أم لا في ذلك قولان.
قوله: وهل تفسد إن جمعهما أي ومن الإجارة قسم لا يجوز تعيين الزمان فيه، بل يترك مجهولا وهو الأعمال في الأعيان كخياطة الثياب ونحوها لا يجوز أن يعين أزمان الخياطة بأن يقول له اليوم مثلا، فتفسد لأن ذلك يوجب الغرر بتوقع تعذر العمل في ذلك اليوم بل مصلحته، ونفى الغرر عنه أن يبقى مطلقا، وكذلك الجعل لا يجوز أن يكون العمل فيها محددا معلوما، لأن ذلك فيه يوجب الغرر في العمل بأن
_________________
(١) نوازل البرزلي: ج ٤، ص: ٣٨٥.
[ ٣ / ٢٤٦ ]
لا يجد الآبق في ذلك الوقت، ولا بذلك السفر المعلوم، بل نفي الغرر عن الجعالة بحصول الجهالة فيها، والجهالة في هذين القسمين شرط. انتهى من كتاب أنوار البروق (^١).
قوله: (وبيع دار لتقبض بعد عام، وأرض لعشر) أي وجاز بيع دار لتقبض بعد عام لا من التغيير فيها، وكذلك يجوز بيع أرض لتقبض بعد عشر سنين لقوة الأمن فيها، فإن هدمت الدار في المدة لم يرجع البائع على المبتاع.
قوله: (واسترضاع، والعرف في كغسل خرقة) أي وجاز الاستيجار على رضع طفل، وإن كان فيه استيفاء عين قصد النص القرآن: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: ٦] ويجوز بالطعام والمعتبر العرف في كغسل خرقه ودهنه، وإن لم يكن عرف فليس على الظئر، وإنما هو على الأب، وإن اختلفا في موضع الرضاع، فالموضع المشترط أو في العرف، وإن لم يكونا فالشأن عند أهل الطفل.
قوله: (ولزوجها فسخه إن لم يأذن) أي ولزوجها فسخ العقد إن لم يأذن في الاسترضاع، وله أن يسافر بها وله أن يطأها إن لم يختر الفسخ.
والمستأجر بالخيار بين أن يرضى بالإجارة على أن الزوج يطأ أو يفسخ.
فإن كان بإذنه صح، ثم لا يكون له أن يفسخ الإجارة ولا أن يسافر بالمرأة ولا أن يطأها إلا أن يرضى المستأجر، قال أصبغ: لا يمنع من الوطئ إلا أن يشترطوا ذلك عليه، وإلا لم يمنع إلا أن يتبين ضرر ذلك على الولد فيمنع حينئذ. انتهى من الجواهر (^٢).
قوله: (كأهل الطفل إذا حملت) أي كما لأهل الطفل الفسخ، إذا حملت الظئر إذا لم يخف على الطفل، وأما إن خيف عليه وجب الفسخ.
قوله: (وموت إحدى الظنرين) أي فإذا مات أحد الظئرين فللآخر الفسخ، إذا استأجرهما معا أو واحدة بعد واحد وماتت الأولى، وأما إن لم تعلم بالأخرى فليس لها الفسخ.
قوله: (وموت أبيه، ولم تقبض أجرة) أي وللظئر الفسخ إذا مات أبو الطفل، إن لم تقبض الأجرة من الأب، وأما لو قبضته فليس لها الفسخ، بل يرجع بقية الورثة على
_________________
(١) أنوار البروق للقرافي: ج ٤، ص: ٣٤.
(٢) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٣، ص: ٩٣٠.
[ ٣ / ٢٤٧ ]
الطفل، بخلاف المعلم إذا دفع له أب الطفل أجرته ثم مات، فإن بقية الورثة لا يرجعون على الطفل، الفرق بينهما أن الأب في الرضيع أعطا شيئا يظن أنه وجب عليه، بخلاف ما أعطى المعلم، فإنه لا يحاسب به الطفل في ميراثه، لأنه بوصوله إلى المعلم صار ملكا للطفل.
قوله: (إلا أن يتطوع بها متطوع) أي فللظئر الفسخ بموت أبي الطفل، إذا لم تكن قد قبضت الأجرة من الأب، إلا أن يتطوع متطوع بدفع الأجر لها فليس لها حينئذ الفسخ.
قوله: (وكظهور مستأجر أوجر بأكله أكولا) أي كماله الفسخ إذا استأجره بأكله فوجده أكولا، إلا أن يرضى بالمعتاد، فليس له الفسخ، وهذا يخالف ما تقدم في باب النفقة فيمن تزوج امرأة فوجدها أكولة فلا رد له بل مصيبة نزلت به.
قوله: (ومنع زوج رضي من وطء، ولو لم يضر وسفر كأن ترضع معه) أي ومنع زوج رضي بالاسترضاع من وطئ المرضع، ولو كان الوطء لم يضر بالولد إذ قد تحمل، وإرضاع الحامل يضر بالولد، وكذلك يمنع الزوج من السفر بزوجته إذا أذن في الإرضاع، وكذلك يمنع للمرضع أن ترضع مع الطفل طفلا آخر، لأنهم ملكوا لبنها.
قوله: (ولا يستتبع حضانة كعكسه) أي فإن استأجرها على رضاع فلا تستتبعه حضانة، وكذلك إن استأجرها على الحضانة، فلا يستتبعها على الإرضاع، وهو المراد بقوله: كعكسه.
قوله: (وبيعه سلعة على أن يتجر بثمنها سنة إن شرط الخلف) أي وجاز أن يبيع له سلعة بثمن كذا على أن يتجر بالثمن بسبعة شروط ذكر منها الشيخ شرطين:
الأول: أن يتجر بالثمن مدة معلومة.
والثاني: أن يشترط عليه خلف ما تلف من الثمن.
الثالث: أن ينقد الثمن ليخرج من ذمة إلى أمانة.
الرابع: أن يعين السلعة التي يتجر فيها.
الخامس: أن تكون السلعة موجودة.
السادس: ألا يتجر في الربح.
السابع: أن يكون مديرا لا محتكرا.
فإن توفرت الشروط جاز وإلا فلا.
قوله: (كفنم لم تعين) أي كما يجوز عقد الإجارة على رعي غنم أو بقر أو إبل،
[ ٣ / ٢٤٨ ]
أو غير ذلك، وإن لم يشترط الخلف، لأن الحكم يوجبه.
قوله: (وإلا فله الخلف) أي وإن عينت فلا بد من شرط الخلف، وعلى الجواز فله الخلف (على آجره).
قوله: (كراكب) أي كما له خلف الراكب، إذا تعذر ركوبه بموت أو مرض.
قال في الرسالة: ولا ينتقض الكراء بموت الراكب (^١).
قوله: (وحافتي نهرك ليبني بيتا، وطريق في دار ومسيل مصب مرحاض) أي وجاز كراء حافتي نهرك ليبنى المكتري فيها بيتا، وكذلك يجوز كراء طريق في وسط الدار ليجوز لبيته، وكذلك يجوز كراء نصب مرحاض إذا عرف قدر العيال.
قوله: (لا ميزاب، إلا لمنزلك في أرضه) أي لا يجوز كراء مصب ماء ميزاب لأن المطر يكون وقد لا يكون، فإن كان قد يقل ويكثر فلا يجوز، إلا أن يكون الكراء لأجل ميزابك في أرضه. وفي بعض النسخ إلا لمنزلك في أرضه أي إلا أن يكون الميزاب لمنزلك في أرضه، فاللام لام الإستحقاق والملك.
قوله: (وكراء رحى ماء بطعام، أو غيره، وعلى تعليم قرآن مشاهرة، أو على الحذاق) أي ويجوز كراء رحى ماء بطعام وغيره، وكذلك تجوز الإجارة على تعليم قرآن مشاهرة أو مسانهة أو مجامعة أو مياومة أي كل شهر، أو كل سنة بكذا، ولا يحتاج في هذا إلى اختبار حال الطفل، لأنه إجارة على تعليم زمنا، وكذلك تجوز الإجارة على الحذاق وهو الحفظ، ولكن لا بد فيه من اختبار حال الطفل.
قوله: (وأخذها وإن لم تشترط) أي وجاز أخذ الإجارة على التعليم أو الحفظ، وإن لم تشترط الإجارة، إن أحسن ما أخذ تم عليه أجرة كتاب الله تعالى.
قوله: (وإجارة ماعون كصحفة، وقدر) أي وجاز إجارة ماعون، والماعون ما ينتفع به أهل البيت، والماعون الذي في القرآن هو الزكاة مثل بالقصعة والقدر تنبيها على القول بمنع كرائهما.
قوله: (وعلى حفر بئر إجارة، وجعالة) أي وجاز التعاقد على حفر بئر إجارة كان أو جعالة، فإن ذكر كيفية الحفر وطوله ووسعه فهو إجارة، وإن كان على إخراج الماء فهو جعالة.
قوله: (ويكره حلي، كإجار مستأجر دابة، أو توب لمثله، وتعليم فقه وفرائض، كبيع
_________________
(١) متن الرسالة: ص: ١٠٥.
[ ٣ / ٢٤٩ ]
(كتبه) لما فرغ من الجائز بلا كراهة شرع في ذكر المكروه أي وكره إجارة حلى، لأنه غير شأن الناس ويقال: زكاة الحلي إعارته، كما كره لمن اكترى دابة أن يكريها لمثله من الناس، وأما إن اكتراها لحمل، جاز أن يحمل عليها مثل ذلك في الثقل، وكذلك كره إجارة على تعليم فقه وفرائض، كما كره بيع كتب الفقه أتى بهذا استدلالا.
قوله: (وقراءة بلحن) أي وكره قراءة القرآن بلحن.
ابن ناجي: على التحريم ولفظ المدونة ولا يصح.
قوله: (وكراء دف ومعزف لعرس) أي وكره كراء دف ومعزف لعرس.
الدف بضم الدال وفتحها الغربال. المعزف بكسر الميم: ضرب من عيدان اللهو له صوت مليح.
قوله: (وكراء كعبد كافر) أي وكره إجارة عبد مسلم لكافر يستخدمه في غير الحرام، وأما في الحرام فممنوع. وفي بعض النسخ: وكراء لعيد كافر أي ولا يجوز للمسلم أن يكري دابته لكافر يركبها لعيده كلاهما صحيح، وفي بعض النسخ: وكراء عبد كافر ويكون الكافر اسم فاعل.
قوله: (وبناء مسجد للكراء، وسكنى فوقه) أي وكره أن يبني مسجدا للكراء، وكذلك يكره سكني فوق المسجد ظاهره عند البساطي كان مع أهله أو غيره، وأما الشارح قيده بما إذا كان مع أهله، هذا كله إذا لم يتجرد للعبادة، وأما إن تجرد لها فيجوز.
قوله: (بمنفعة تتقوم) متعلق بأول الباب أي وصحت الإجارة بعاقد وأجر بسبب منفعة تتقوم أي لها قيمة، وأما ما لا نفع فيه فلا يستأجر، كاستيجار التفاحة للشم، والطعام لتزيين البيت، فإنه لا يجوز، إذ لا قيمة له، وقال فيما تقدم في البيوع: وشرط للمعقود عليه طهارة وانتفاع، وانظره مع ما يأتي بعد في باب الجعل: وفي شرط منفعة الجاعل قولان، ولم يذكر هذا الخلاف فيما تقدم.
قوله: (قدر على تسليمها) أي قدر على تسليم المنفعة حسا وشرعا، احترز مما إذا اكترى أرضا غرقا، فإنه لا يجوز، كآبق وبعير شارد، وكذلك لا يجوز استئجاره على قطع يد رجل عدوانا، لأنه ممنوع شرعا.
قوله: (بلا استيفاء عين قصدا) أي وشرط جواز المنفعة أن تكون بلا استيفاء عين قصدا، فلا يجوز كراء الطعام وغيره من المثليات إذ لا ينتفع به، إلا باستيفاء
[ ٣ / ٢٥٠ ]
عينه قصدا، واحترز بقوله: قصدا من كراء الثوب للبس فإنه يجوز وإن كان فيه استيفاء عين لأنه يبيد ولكن لم يقصد ذلك بخلاف الطعام.
قوله: (ولا حظر) أي ولا منع أي ولا تجوز الإجارة على ممنوع، كإجارة على قطع يد رجل عدوانا وإجارة حائض على دخول مسجد.
قوله: (وتعين) أي فلا تجوز الإجارة على عمل تعين عليه، كقضاء بين الناس، إذا تعين عليه وسنذكر مثال الفرعين.
قوله: (ولو مصحفا) أي ولو كانت المنفعة القراءة في المصحف.
قال محمد وابن حبيب: لا يجوز، بخلاف بيعه، وكأنه ثمن للقرآن، وفي البيع الثمن للرق والخط.
ابن حبيب وكره إجارته من لقيت من أصحاب ملك. قال: واختلف قول ابن القاسم فيه. والذي في الكتاب لابن القاسم إجازة إجارته. انتهى من الجواهر (^١).
قوله: (وأرضا غمر ماؤها، وندر انكشافه) أي ولو كانت المنفعة منفعة أرض غمر ماؤها وندر انكشافها، وأحرى في الجواز إن لم يندر انكشافه، وهو قول ابن القاسم في المدونة، وفي سياقته في حيز الإغياء تعريض بابن الحاجب المقتصر فيه على قول غير ابن القاسم.
قوله: (وشجرا لتجفيف عليها على الأحسن) أي وجاز كراء الشجر لتجفيف الثياب عليها على القول الأحسن.
قال ابن عرفة: ولا أعرف القول بالمنع، ومقتضى المذهب الجواز، كأجرة مصب مرحاض وحائط لحمل خشب.
قوله: (لا لأخذ ثمرته) أي لا يجوز كراء الشجر لأخذ ثمرته، لأنه شراء ثمر لم يبد صلاحه وفيه استيفاء عين قصدا.
قوله: (أو شاة للبنها) معطوف على شجر غفل الشارح هنا تخليته أي ويجوز كراء شياه، أو بقر، أو غيرها على لبنها، ولكن بستة شروط:
الأول: أن تكون عشرة فأكثر.
الثاني: أن تكون في الألبان.
الثالث: أن يعرف وجه الحلاب وقدر اللبن.
_________________
(١) عقد الدواهر لابن شاس: ج ٣، ص: ٩٢٨.
[ ٣ / ٢٥١ ]
الرابع: ألا ينقص اللبن في المدة.
الخامس: أن يضرب لذلك أجلا.
السادس: أن يشرع في الأخذ. الشيخ تحلله لم يذكر شرطا واحدا.
قوله: (واغتفر ما في الأرض، ما لم يزد على الثلث بالتقويم) أي وإذا اكترى أرضا أو دارا وفيها شجر واستثنى ثمرتها، فإنه جائز بشروط أربعة لم يذكر الشيخ هنا إلا واحدا وهو: أن تكون الثمرة لم تزد على ثلث كراء الأرض.
الثاني: أن يستثني الثمار كلها.
الثالث: أن تطيب الثمار قبل مدة الكراء.
الرابع: أن يقصد به دفع الضرر. وإنما يعرف قدر الثلث بالتقويم يقال: كم كراء الأرض أو الدار، قيل: عشرة، وقيمة الثمرة خمسة فذلك الثلث.
قوله: (ولا تعليم غناء) أي ولا يجوز الإستئجار على تعليم غناء، لأنه لا منفعة فيه. الغناء بالمد، وأما الغناء بالقصر اليسار.
قوله: (أو دخول حائض لمسجد، أو دار لتتخذ كنيسة، كبيعها لذلك، وتصدق بالكراء، وبفضلة الثمن على الأرجح) وهذا من أمثلة قوله: ولا حظر أي ولا يجوز استئجار حائض لدخول مسجد لكنسه، وكذلك لا يجوز كراء دار لتتخذ كنيسة أو بيعة، كما لا يجوز بيعها لتتخذ كنيسة، فإن وقع ونزل وفات تصدق بما أخذه من الكراء كله، وبفضلة الثمن في البيع. يقال: كم ثمنها إذا بيعت ممن لا يتخذها كنيسة، قالوا: عشرة، ويقال: كم ثمنها إذا بيعت ممن يتخذها يقال خمسة عشر، فالخمسة هو الفضلة، وقد تقدم في البيوع في مسألة الغش.
قوله: (ولا متعين) أي ولا يجوز أن يستأجره على فعل تعين عليه فعله، كركعتي الفجر، كرر التعيين تأكيدا لتحريم المذكور، ونبه بركعتي الفجر على ما هو أحرى منها كالوتر، وأحرى منه كالفرض.
ومنعنى تعينها أنها لا يصح وقوعها من غير من خوطب بها، فلو أجيز الإستيجار عليها لأدى ذلك إلى أكل المال بالباطل.
القاضي أبو إسحاق بن عبد الرفيع (^١) لم يحكم بتونس في أجرة من صلى
_________________
(١) إبراهيم بن حسن عبد الرفيع الربعي التونسي (أبو إسحاق) قاضي القضاة بتونس. مات في رمضان. وألف كتاب معين الحكام في مجلدين، الرد على ابن حزم في اعتراضه على مالك، =
[ ٣ / ٢٥٢ ]
بالناس في قيام رمضان ولم يعطها، واعتل لأن القاضي لا يحكم بالمكروه. انتهى من البرزلي (^١).
وظاهر كلام ابن حبيب أن القاضي الذي لم يجعل له من بيت المال شيء، فإنه يجوز أن يأخذ من الغريمين.
وهو كذلك عندي لاضطراره، ومثله ما كان يفعله بتونس الشيخ الفقيه المحصل المفتي أبو علي بن علوان (^٢) أنه يأخذ على الفتوى أجرا في بعض المسائل، وأصل ذلك قول عبد الحميد الصائغ حيث سئل عن ذلك فقال: وأي شيء يمنع من ذلك ولم يقدم على الجواز ومنعه أبو الحسن اللخمي ورءا أنه داعية إلى الرشوة. انتهى برزلي (^٣).
ومن وثائق ابن كوثر والإجارة على كتب التوثيقة لمن أحكم العقد حلال ولا عين على الموثق في أخذها إذ يجزء الصواب والصدق فإن تركها تنزيها كان أفضل بإجماع من الأئمة لقوله تعالى: ﴿ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله﴾ [البقرة: ٢٨٢] وكان أبو عبد الله ابن العطار لا يأخذ عليها تنزيها لا تحريما له واستحب الإفتاء به في ذلك ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا. انتهى من المفيدة.
قوله: (كركعتي الفجر، بخلاف الكفاية) أي فإنه تجوز الإجارة على فعل فرض كفاية، أو سنة كفاية كغسل الميت وكفنه ودفنه وحمله.
قوله: (وعين متعلم، ورضيع، ودار، وحانوت، وبناء على جدار، ومحمل) إلى آخره أي وعين متعلم لكتابة، أو خياطة، أو حياكة أو غير ذلك، وكذلك الرضيع لاختلاف الرضع، وكذلك إذا اكترى دارا، أو حانوتا فلا بد من التعيين لإختلاف المواضع، وكذلك البناء على جدار لا بد فيه من الوصف، وأما البناء على الأرض فلا يحتاج إلى الوصف، لأنه معلوم، وكذلك إذا اكترى محملا، فلا بد فيه من التعيين.
قوله: (إن لم توصف) راجع على الكل، وأما إن وصف فلا يحتاج للتعيين، لأن
_________________
(١) = مختصر التفريع في الفروع. معجم المؤلفين: ج ١، ص: ٢٠.
(٢) انظر نوازل البرزلي: ج ١، ص: ٣٤٢. بتصرف
(٣) عمر بن محمد بن علوان الهذلي، التونسي (أبو علي) فقيه. توفي في ٤ شعبان سنة: ٧١٦ هـ .. من آثاره: مؤلف في موجبات احكام مغيب الحشفة. معجم المؤلفين تأليف: عمر رضا كحالة: ج ٧، ص: ٣١٤.
(٤) نوازل البرزلي: ج ٣، ص: ٦١٠. بتصرف.
[ ٣ / ٢٥٣ ]
الوصف يقوم مقام التعيين.
قوله: (ودابة لركوب. وإن ضمنت فجنس، ونوع، وذكورة) أي ولا بد أن تركب للتجريب، وأما إن اكتراها للحمل فلا يشترط ذلك، لأن المقصود البلاغ، إلا أن يكون المتاع مما يخاف عليه الكسر كالزجاج فلابد من التعيين، وإن كانت الدابة مضمونة فلا بد من ذكر الجنس من إبل أوخيل أو بغال، ونوع بخت أو عراب ذكورا أو إناثا.
قوله: (وليس لراع رعي أخرى) الراعي ليس بشرط، وكذلك معلم الصبيان.
قوله: (إن لم يقو إلا بمشارك، أوتقل، ولم يشترط خلافه، وإلا فأجره لمستأجره، كأجير لخدمة أجر نفسه) مفهومه لو قوى لكان له ذلك وهو كذلك، وأما إن لم يقو على ذلك فلا يجوز، إلا بمشارك معه يعينه، أو تقل الماشية فيكون له ذلك، إلا أن يشترط عليه رب الماشية ألا يرعى غيرها، فإن اشترط عليه ذلك، فرعى غيرها، فإن أجرته لآجره الأول، كما إذ استأجر أجيرا للخدمة واشترط عليه ألا يخدم غيره، فإن خالف فأجرته لمستأجره ويعطيه هو أجرته أو يحاسبه بها.
قوله: (ولا يلزمه رعي الولد إلا لعرف. وعمل به في الخيط ونقش الرحى، وآلة بناء) أي ولم يلزم الأجير على رعي الماشية رعي ولدها، إلا أن يكون ذلك عرفا فيلزمه، وعمل بالعرف في الخيط، إذا استأجره على خياطة، فإن كان العرف أن الخيط الذي يخيط به على الأجير فعليه، وإن كان العرف على رب الثوب، فيكون عليه، وكذلك إذا استأجره على الطحن، فاحتاجت الرحا بالنقش، فالمعتبر فيه العرف، فإن كان العرف على أنه على رب القمح فيكون عليه، وإن كان العرف على رب الرحي فيكون عليه، وكذلك يعمل في العرف في آلة البناء.
قوله: (وإلا فعلى ربه) أي وإن لم يكن عرف في المسائل الثلاث فالخيط ونقش الرحى وآلة البناء على رب المصنوع من الثوب والرحى وآلة.
قوله: (عكس إكاف، وشبهه) أي فإنه على رب الدابة إن لم يكن عرف. الإكاف بضم الهمزة وكسرها البردعة، وشبه الإكاف اللجام والسرج. غفل الشارح هنا رحم الله.
قوله: (وفي السير والمنازل، والمعاليق، والزاملة، ووطائه بمحمل، وبدل الطعام المحمول، وتوفيره) أي وعمل بالعرف في كيفية السير، ومحل النزول، والمعاليق وهو ما يعلقه المكتري على الدابة سوى الحمل. وأجاز مالك للمكتري أن يحمل في غيبته ثوبا أو ثوبين لغيره، ولا يخير بذلك الجمال، وهو من شأن الناس، ولو بين
[ ٣ / ٢٥٤ ]
هذا ووزنه كان أحسن. انتهى من المواق في التاج والإكليل (^١).
والزاملة وهو الخرج الذي يعمل فيه حوائجه التي لا يستغني عنها، وكذلك يعمل بالعرف في الوطأ في المحمل وهو الفراش، وكذلك ما يتغطى به، وكذلك الإعانة على الركوب والنزول، وحط الأرحال ورفعها، وكذلك يعتبر العرف في بدل الطعام المحمول إذا بيع أو أكل وإن لم يكن عرف فعليه البدل، وكذلك يعتبر العرف في توفير الطعام المحمول أي عدم نقصه.
قوله: (كنزع الطيلسان قائلة) أي فإن اكترى طيلسانا يلبسه فإنه ينزعه قائلة أي وسط النهار للعرف وأحرى ليلا.
الطيلسان كساء من خز يلبسه خواص الناس.
قوله: (وهو أمين، فلا ضمان ولو شرط إثباته، إن لم يأت بسمة الميت، أو عثر بدهن، أو طعام بآنية فانكسرت) أي والمستأجر أمين لمن استأجره، وإن لم يكن أمينا فبسبب أنه أمين له فلا ضمان عليه، ولو شرط عليه إثبات الضمان، لأن الشرط لا يغير ما ثبت بالحكم، إن لم يأت بعلامة الميت، وأحرى إن أتى بها، وكذلك لا ضمان عليه إذا عثر بدهن أو طعام ففسد، أو عثر بآنية فانكسرت.
قوله: (ولم يتعد، أو انقطع الحبل، ولم يغر بفعل) أي وحيث لا ضمان عليه في المسائل كلها، إنما ذلك إذا لم يتعد، وأما إن تعدى عن المعتاد فإنه يضمن، وكذلك لا يضمن إذا علق المتاع وانقطع الحبل إذا لم يغر بفعل، وأما إن غر بفعل مثل أن يربطه ربطا خفيفا، أو علقه بحبل ضعيف فيضمن.
قوله: (كحارس، ولو حماميا، وأجير لصانع كسمسار، إن ظهر خيره على الأظهر، ونوتي فرقت سفينته بفعل سائغ) أي فإن استأجرته على حرس متاع فتلف المتاع فلا يضمن، يريد إلا إذا رآ من يرفعه ويتركه ظانا أنه المالك فإنه يضمن. انتهى.
مسألة: وسئل موسى بن عبد الرحمن عن قوم مسافرين فأجروا دليلا يدلهم، فسألوا رجلا منهم أن يعطي للدليل كما أعطوا فأبى فقالوا: لا تصاحبنا، وقال له الدليل كذلك فجعل يحاذيهم في الطريق إذا نزلوا نزل حذاهم وإذا رحلوا رحل
_________________
(١) التاج والإكليل لمختصر خليل المؤلف: محمد بن يوسف بن أبي القاسم بن يوسف العبدري الغرناطي، أبو عبد الله المواق المالكي (المتوفى: ٨٩٧ هـ.): ج ٧، ص: ٥٦٨. الناشر: دار الكتب العلمية الطبعة: الأولى، ١٤١٦ هـ. -١٩٩٤ م.
[ ٣ / ٢٥٥ ]
معهم ولولاهم لم يسلك الطريق هل ترى أن تلزمه إجارة الدليل فقال: تلزمه إجارته.
وقد سئل محمد بن سحنون عما يشبهها من حوانيت أهل القيروان وآجر أهل السوق على حوانيتهم حارسا بالليل فأبى أحدهم فقال: يغرم معهم على ما أحب أو كره وكذلك مسألتك. انتهى من أسولته.
ولو كان صاحب الحمام على المشهور، وقيل: يضمن، وكذلك لا يضمن أجير لصانع إن لم ينصب نفسه لذلك، وكذلك لا يضمن السمسار إن ظهر خيره على الأظهر عند ابن رشد، وأما إن لم يظهر خيره فإنه يضمن.
قوله: على الأظهر وضعف هذا القول، لأن السمسار إن كان أجيرا فلا يضمن وإن كان صانعا فإنه يضمن.
السمسار وهو المتوسط بين البائع والمشتري، وكذلك النوتي إذا غرقت سفينته بفعل جائز، وأما إن غرقت بفعل غير جائز فإنه يضمن. النوتي خادم السفينة.
قوله: (لا إن خالف مرعى شرط، أو أنزى بلا إذن، أو غر بفعل) لما فرغ تعلله مما لا يضمن فيه شرع في ذكر ما يضمن فيه أي فإن خالف الراعي مرعى شرطه المالك عليه فإنه يضمن، وهذا إذا علم رب الماشية وحده أن المرعى يضرها، وأما إذا علم الراعي أنه يضرها فإنه يضمن ولو بغير شرط، وكذلك يضمن الراعي إذا أطلق الفحل على الأنثى بلا إذن ربها، وكذلك إن غر بفعل، وهو مفهوم قوله: ولم يغر بفعل.
قوله: (فقيمته يوم التلف) أي وحيث لزمه الضمان، إنما يحكم عليه بقيمته يوم التلف لا يوم الدفع، لأنه على الأمانة.
قوله: (أو صانع في مصنوعه، لا غيره ولو محتاجا له عمل) أي ويضمن الصانع في مصنوعه إذا تلف لا غيره أي لا يضمن غير مصنوعه، ولو كان ذلك العمل محتاجا إلى الغير، ككتاب يستنسخ منه أو قفة فيه طعام لطحن مثلا فتلف الكتاب أو القفة، فإن الصانع لا يضمنه.
قوله: (وإن ببيته) أي ويضمن الصانع وإن كان يصنع في بيته وأحرى حانوته.
قوله: (أو بلا أجر) أي فإنه يضمن وإن استصنع بلا أجر، وأحرى إن استصنع نفسه بأجر.
[ ٣ / ٢٥٦ ]
قال في الرسالة: والصناع ضامنون لما غابوا عليه، عملوه بأجر أو بغير أجر (^١).
قوله: (إن نصب نفسه وغاب عليها): أي إنما يضمن الصانع مصنوعه إذا نصب نفسه للصنعة لجميع الناس، وغاب على المصنوع للصنعة لجميع الناس، وإلا فلا ضمان عليه. تضمين الصانع مما ترك فيه الدليل للمصلحة، لأن الأصل أن الأجير لا يضمن، وقد قضى الخلفاء بتضمين الصناع للمصلحة العامة، وألحق الفقهاء السبعة حامل الطعام بالصناع لسرعة الأيد إليه.
قوله: (فبقيمته يوم دفعه ولو شرط نفيه، أو دعا لأخذه): أي وحيث يضمن الصانع، فإنما يحكم عليه بقيمة المصنوع يوم الدفع، وإن رئي بعد ذلك في يده فيضمن، ولو شرط نفي الضمان عن نفسه، لأن الشرط لا يغير ما ثبة بالحكم، وكذلك يضمن الصانع وإن دعى المالك لأخذ شيئه.
قوله: (إلا أن تقوم بينة فتسقط الأجرة): أي يضمن الصانع مصنوعه إلا أن تقوم بينة على هلاكه، فإنه لا يضمن، لأن ضمانه ضمان تهمة، فارتفعت بالبينة فبسبب قيام البينة تسقط الأجرة عن المالك، لأن الصانع لم يسلم إليه المصنوع.
قوله: (وإلا أن يحضره بشرطه): أي يضمن الصانع المصنوع، إلا أن يحضره لربه على الصفة المشترطة عليه، وقد قبض الأجرة، وأما إن لم يكن قبضهما فلا يبرأ من الضمان.
فرع: وإذا قطع الخياط الثوب بمحضر ربه وقبضه ليخيطه، فادعى ضياعه فقيل: يضمنه صحيحا، وقيل: مقطوعا. قال بعض المتأخرين: وهذا أحسن.
وفي مختصر الواضحة: لو دفع الرجل للصانع أجرته، وقام الصانع ليخرج إليه ثوبه فقال له ربه: دعه الساعة، ثم ادعى الصانع تلفه بعد ذلك، فقال أصبغ بن خليل: لا ضمان عليه، ووجهه أنه لما قال له دعه، فكأنه صدقه أنه في الحانوت، وتركه عنده وديعة. انتهى من ابن فرحون (^٢).
قال ابن شاس: سألت أبا صالح ما الأصل في تضمين الصانع، قال: قوله: ﵊: ﴿لا تلقوا السلع﴾ (^٣) فحكم للعامة على الخاصة، فكذلك حكم هنا
_________________
(١) متن الرسالة: ص: ١٠٥.
(٢) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ٢، ص: ٢٤٢.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: (٣٩) كتاب البيوع. (٧١) - باب النهي عن تلقي الركبان. الحديث: ٢٠٥٧.
[ ٣ / ٢٥٧ ]
للعامة على الخاصة، لأن الصناع خاصة والمستعملون لهم عامة. انتهى.
قوله: (وصدق إن ادعى خوف موت فنحر أو سرقة منحوره، أو قلع ضرس أو صبعا) أي وصدق راع الماشية إن ادعى خوف موت شيء منها فنحره أو ذبحه، وكذلك يصدق إذا ادعى خوف موت شيء منها فنحره أو ذبحه فسرق المنحور أو المذبوح، لأنه أمين على الرعي وغيره، وكذلك يصدق الحجام، إذ استؤجر على قلع ضرس فقلعه، فقال صاحب الضرس: ليس هذا الذي استأجرتك عليه، فقال الحجام: بل هو، فإن الحجام يصدق، وكذلك الصباغ إذ استؤجر على الصبغ فصبغ فخولف في لون الصبغ، فإنه يصدق.
قوله: (فتوزع فيه) راجع إلى المسائل الأربع.
قوله: (وفسخت بتلف ما تستوفى منه، لا به إلا صبي تعلم ورضع، وفرس نزو، وروض وسن لقلع فسكنت كعفو القصاص) أي وفسخت الإجارة بسبب تلف ما يستوفي منه المنفعة، كالدار والدابة المعينة والأجير لا به أي لا تنفسخ بتلف ما يستوفى به كموت الراكب والساكن، إلا ما استثنى من ذلك وهو تلف صبي رضيع، وصبي تعلم، وفرس نزو، وفرس روض استثنى هذه الأربعة من قوله: لا به لتعذر الخلف، وكذلك تنفسخ الإجارة إذ استأجره على قلع سن فسكنت السن لتعذر الخلف وكذلك تنفسخ الإجارة إذا استأجره على قصاص فعفى عن المقتص منه.
ابن عرفة: هذا إذا عفى عنه غير من استأجره، وأما من استأجره فلا تنفسخ، لأن الإجارة تلزم بالقول.
قوله: (وبغصب الدار، وغصب منفعتها، وأمر السلطان بإغلاق الحوانيت) أي وتنفسخ الإجارة بسبب غصب الدار، أو غصب منفعتها، هذا إذا غصبها من لا تجري عليه الأحكام الشرعية، وإلا فلا تنفسخ لأن الإمام أو نائبه يدفع عنه الظلم، سواء إذا فسخت دفع الكراء أم لا، وكذلك تنفسخ الإجارة بسبب أمر السلطان بإغلاق الحوانيت.
قوله: (وحمل ظئر، أو مرض لا تقدر معه على رضاع) أي وإذا عقد الإجارة لظئر على رضع طفل، فظهر أنها حامل، فإن الإجارة تنفسخ، وإن لم يكن تصوير المسألة هكذا يكون فيه مع ما تقدم من قوله: كأهل الطفل تكرار وتناقض، وكذلك تنفسخ الإجارة بسبب مرض ظئر مرضا لا تقدر معه على الرضاع.
الرضع لغة نجد كضرب يضرب ضربا. الرضاع لغة الحجاز كسمع يسمع
[ ٣ / ٢٥٨ ]
سماعا.
قوله: (ومرض عبد وهربه لكعدوة، إلا أن يرجع في بقيته) أي وتنفسخ الإجارة بسبب مرض العبد المستأجر أو هربه لكالعدو أتى بالكاف ليدخل حيث لا تجري عليه الأحكام، إلا أن يرجع العبد في بقية المدة فإنه يتمه. قال غيره: إلا أن يستأجر، وهل هو وفاق؟ أم لا.
قوله: (بخلاف مرض دابة بسفر ثم تصح) أي فإنه لا يرجع فيما بقي من المدة إذا أتى بها المكري، بعد أن اكترى المكتري دابة أخرى للضرر، اختلف الجواب باختلاف السؤال، فلو كان العبد في السفر والدابة في الحضر لعكس الجواب، ولو كانا في سفر أو حضر لاتحد الجواب.
قوله: (وخير، إن تبين أنه سارق) أي وإن استأجر أجيرا على الخدمة فوجده سارقا، فإنه يخير في فسخ العقد وإبقائه، ولا يعارض هذا في قوله في المساقاة: وإن ساقيته أو اكثريته فوجدته سارقا لم تنفسخ، لأن معناه اكتريته دارك. الفرق بينهما أن الأجير مخالط لمن استأجره.
قوله: (وبرشد صغير عقد عليه، أو على سلعه ولي) أي وتنفسخ الإجارة بسبب رشد صغير عقد عليه وليه أو عقد على سلعه، وهو قول الغير في المدونة وعليه مشى الشارحان ولا ينبغي، وأما ابن القاسم في المدونة فرق بين العقد على الصبي بنفسه لما يلحقه من الضرر في نفسه، وبين العقد على سلعه فيلزمه وإن كثر ما بقي في المدة.
وفي بعض النسخ: كرشد صغير أي كما يخير الصغير إذا رشد في الفسخ والإبقاء وهو صواب.
قوله: (إلا لظن عدم بلوغه، وبقي كالشهر) أي فإن عقد على الصغير وليه، وهو ظان عدم البلوغ في المدة وبلغ فيها، فإنه لا يخير في الفسخ.
قوله: (كسفيه) أي كما لا يخير سفيه عقد على سلعة بالكراء (ثلاث سنين)، ثم رشد في المدة، فإنه لا يخير في فسخ الكراء، بل يبقى إلى المدة، الفرق بينه وبين الصغير أن السفه لا حد له، والصغر له حد وهو البلوغ.
قوله: (وبموت مستحق وقف آجر، ومات قبل تقضيها على الأصح) أي وتنفسخ الإجارة بموت مستحق منفعة حبس قد أكراه، ومات قبل أن تنقضي مدة الكراء، لأن المنفعة صارت لغيره، وهو الأصح عند ابن رشد، وقيل: لا تنفسخ لأنه فعل ما كان
[ ٣ / ٢٥٩ ]
جائزا له.
قوله: (لا بإقرار المالك) أي فإذا أكرى دابته أو عبده أو داره، ثم أقر بعد الكراء بأن ذلك لغيره، فإن الكراء لا ينفسخ، لتقدم حق المستأجر فيه قبل الإقرار، وكذلك إذا باع سلعة ثم أقر أنها لغيره، فلا ينفسخ البيع، إلا أن تقوم بينة على ما قال.
قوله: (أو خلف رب دابة في غير معين، أو حج وإن فات مقصده) أي ولا ينفسخ الكراء في الدابة إن تخلف ربها بها في غير زمان معين وإن فات مقصوده، وأما إن كان في زمان معين كهذه الأيام، أو كان الكراء لحج فإنها تنفسخ بتخلفه.
قوله: (أو فسق مستأجر. وآجر الحاكم، إن لم يكف) أي فإذا أكرى داره لرجل فوجده فاسقا، فإن الكراء لا ينفسخ، بل آجر الحاكم عليه إن لم يكف عن الفسق، وكذلك من يؤذي جيرانه، فإن الحاكم يزجره، وإن لم يكف باع عليه داره.
قوله: (أو بعتق عبد وحكمه على الرق، وأجرته لسيده، إن أراد أنه حر بعدها) أي فإذا آجر عبده ثم أعتقه بعد العقد، فإن الإجارة لا تنفسخ، وحكم المعتق على الرق في الجنايات والشهادات لا في الوطء، فإن أراد السيد أن العبد حر بعد انقضاء أمد الإجارة، فأجرته له، وإن أراد أنه حر الآن، فالأجرة للعبد.
فصل [في أحكام كراء الدواب]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه كراء الدواب.
الدابة هنا ما لا يعقل أي (وكراء الدابة كذلك) أي كالإجارة وصحته بعاقد وأجر كالبيع، والكراء كالثمن في البيع، وما جاز في الإجارة جاز هنا.
قوله: (وجاز على أن عليك علفها أو طعام ربها، أو عليه طعامك) أي وجاز أن اكترى دابة على أن عليك علفها، أو على أن عليك طعام ربها، لأن ذلك معروف عندهم، وكذلك يجوز كراؤها على أن طعامك على رب الدابة.
أطلق الشيخ هنا الله وقيده أبو الحسن بما إذا كان الكراء غير طعام، وأما إذا كان الكراء طعاما فلا يجوز للتفاضل بين طعامين وللتأخير.
قوله: (أو ليركبها في حوائجه، أو ليطحن بها شهرا) أي ويجوز كراء الدابة ليركبها في حوائجه إذا كان ذلك معروفا شهرا، وكذلك يجوز أن يكتريها ليطحن بها شهرا، وذكر الشهر تمثيل يريد أو أقل أو أكثر.
[ ٣ / ٢٦٠ ]
قوله: (أو ليحمل على دوابه مائة، وإن لم يسم ما لكل) أي وجاز كراء الدواب على أن يحمل عليها مائة إردب مثلا أو مائة قنطار، ولم يسم ما تحمل كل دابة، وهذا إذا كانت الدواب لرجل واحد، وأما إذا كانت لرجلين فلا يجوز، لأنه جمع سلعتين في بيع.
قوله: (وعلى حمل آدمي لم يره، ولم يلزمه الفادح بخلاف ولد ولدته) أي وجاز الكراء على حمل آدمي لم يره المكتري لتقارب الأجسام، ولم يلزمه حمل إنسان فادح وهو الغليظ الثقيل، والكراء قائم بينهما وليأت بالوسط، أو يكري الإبل، بخلاف امرأة مكترية ولدت بعد الكراء، فإن الولد يلزم حمله رب الدابة، لأنه كان في بطنها.
قوله: (وبيعها، واستثناء ركوبها الثلاث، لا جمعة، وكره المتوسط) أي وجاز بيع دابة واستثناء ركوبها ثلاثة أيام، وكذلك للحمل، ولا يجوز أن يستثنى ذلك جمعة أي سبعة أيام، لأنه معين يتأخر قبضه، وكره ذلك الإستثناء في المتوسط بين الثلاث والجمعة وهو أربعة وخمسة وستة، وهذه المسألة أجنبية هنا لو ذكرها الشيخ في البيوع لكان أولى.
قوله: (وكراء دابة شهرا إن لم ينقد) أي وجاز كراء دابة على أن لا يقبضها إلا بعد شهر إن لم ينقد الكراء، وأما إن نقد الكراء فلا يجوز لأنه يكون تارة ثمنا وتارة سلفا، إذ قد تهلك فتنفسخ الإجارة وذكر الشهر تمثيلا.
قال في المدونة: ومن اكترى راحلة بعينها على أن يركبها إلى اليوم أو اليومين وما قرب جاز ذلك، وجاز فيه النقد، وإن كان الركوب إلى شهر أو شهرين جاز ما لم ينقد، وقال غيره: لا يجوز (^١).
قوله: (والرضا بغير المعينة الهالكة إن لم ينقد، أو نقد واضطر) أي ومن اكترى دابة معينة فضلت أو مرضت أو ماتت جاز للمكتري الرضا بغيرها ما لم ينقد الكراء، أو نقد ولكن اضطر إلى الدابة، وإن نقده فلا يجوز الرضا بها لأنه فسخ دين في دين، لأنه فسخ ما بقي من الكراء بعد تلف الدابة في شيء لم يقبضه، لأن قبض الأوائل هنا ليس كقبض الأواخر عند ابن القاسم.
قوله: (وفعل المستأجر عليه) أي وفعل المكترى ما استأجر عليه الدابة ومثله
_________________
(١) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ٣، ص: ١٥٥.
[ ٣ / ٢٦١ ]
(ودونه) لا أضر منه وقد تقدم مثله في العارية.
قوله: (وحمل برؤيته، أو كيله، أو وزنه، أو عده، إن لم تتفاوت) أي وجاز الكراء على حمل برؤية المحمول أو كيله أو وزنه أو عدده، إن كان المعدود لا يتفاوت في المقدار وإن تفاوت فلا بد من الرؤية أو الوصف.
قوله: (وإقالة قبل النقد وبعده، إن لم يغب عليه) أي وجاز إقالة من الكراء مع الزيادة قبل النقد من المكتري ومن المكرى، وتجوز الإقالة بعد النقد مع الزيادة منها إن لم يغب (^١) المكتري على النقد.
قوله: (وإلا فلا؛ إلا من المكتري فقط، إن اقتصا) أي وإن نقد وغاب المكري بالنقد فلا تجوز الزيادة إلا من المكتري بشرط المقاصة فيتقاصان في الكراء ويدفع له الباقي وإن لم يتقاصا، فيكون المكتري كأنه دفع ذهبا ومنفعة في ذهب فيكون ذهبا وعوضا بذهب، وأما الزيادة من المكري فلا تجوز لأنه سلف بزيادة.
قوله: (أو بعد سير كثير) أي وإلا بعد سير كثير فتجوز الزيادة في الإقالة من المكري لنفي التهمة في سلف بزيادة.
قوله: (واشتراط هدية مكة إن عرف، وعقبة الأجير) أي وجاز اشتراط حمل هدية مكة من كسوة البيت وطيبه، لأن ذلك معروف، وكذلك يجوز اشتراط عقبة الأجير على رب الدابة وإن لم يشترطه، فلا يجوز إلا بإذنه، لأن العيان أثقل من المستريح، وكذلك النائم أثقل من اليقظان، والميت أثقل من الحي. العقبة بضم العين هو النوبة.
قوله: (لا حمل من مرض) أي لا يجوز اشتراظ المكتري على المكري حمل من مرض قال في الكتاب: وإن اكترى مشاة على حمل أزوادهم على أن لهم حمل من مرض منهم لم يجز (^٢)، لأنهم قد يمرضون كلهم، أو يمرض بعضهم، أو يدعي واحد مرضا وليس كذلك، وقد لا يمرضون وذلك غرر.
قوله: (ولا اشتراط إن ماتت معينة) أي ولا يجوز اشتراط المكتري على المكري إن ماتت الدابة المعينة (أتاه بغيرها)، لأن الكراء إما أن يكون على معين أو مضمونا وهذا معين مضمون.
_________________
(١) ن: إن لم يفت
(٢) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ٣، ص: ١٥٩.
[ ٣ / ٢٦٢ ]
قوله: (كدواب لرجال، أو لأمكنة) أي كما لا يجوز أن يكتري دوابا لرجال متعددة لأنه جمع سلعتين في صفقة، وقد تقدم في البيوع وفيه الخلاف كالبيع وهذا مفهوم. قوله: أو ليحمل على دوابه إذ مفهومه لو كان على دوابهم فلا يجوز، وكذلك لا يجوز أن يكتري دوابا لأمكنة متفرقة، كما إذا اكترى إحداها إلى إفريقية، والأخرى إلى برقة، فلا يجوز حتى يعين التي إلى إفريقية والتي إلى برقة، لأنهما إن لم يعينا ذلك قد يؤدي إلى الإختلاف بينهما.
قوله: (أو لم يكن العرف نقد معين) أي ولا يجوز الكراء إذا كان عرف البلد عدم نقد معين، لأنه معين يتأخر قبضه، وقد تقدم في الإجارة وقال: وفسدت إن انتفى عرف تعجيل المعين وزاد هنا: (وإن نقد) أي فلا يجوز هذا الكراء وإن نقد المكتري إذ لا يتلافا بالصحة لأنه حق الله تعالى.
قوله: (أو بدنانير عينت، إلا بشرط الخلف) أي فلا يجوز الكراء بدنانير غائبة معينة، إلا أن يشترط عليه الخلف إن تلفت فيجوز، لأن الدنانير والدراهم يقوم مثلها مقامها، وأما بالعروض المعينة الغائبة فلا يجوز وإن اشترط الخلف، لأن بعضها لا يقوم مقام البعض.
قوله: (أو ليحمل عليها ما شاء، أو لمكان شاء، أو ليشيع رجلا، أو بمثل كراء الناس، أو إن وصلت في كذا فبكذا) أي ولا يجوز أن يكتري دابة على أن يحمل عليها ما شاء لتفاوت الأشياء، وكذلك لا يجوز أن يكتريها إلى مكان شاء، لأن الأمكنة تختلف في الصعوبة والسهولة، وكذلك لا يجوز أن يكتريها ليشيع عليها رجلا، إلا أن يكون موضع التشييع معروفا فيجوز، وكذلك لا يجوز أن يكتري منه بمثل ما يكتري به الناس فيما تقدم أو تأخر، لأنه مجهول، والجهل في الثمن لا يجوز، وكذلك لا يجوز أن يكتري منه على أني إن وصلت البلد في كذا فلك كذا وإلا فلك كذا لا يجوز لأنه كراء مجهول.
قوله: (أو لينتقل لبلد وإن ساوت، إلا بإذن) أي ولا يجوز للمكتري إلى بلد أن ينتقل إلى بلد آخر، وإن ساوت في المسافة والصعوبة والسهولة، إلا بإذن رب الدابة، فإن أذن فللمكتري أن ينتقل وإن لم يتساويا، وقيل لا يجوز وإن أذن لأنه فسخ دين في دين.
قوله: (كإردافه خلفك، أو حمل معك، والكراء لك، إن لم تحمل زنة) أي كما لا يجوز لرب الدابة الإرداف خلفك إلا بإذن منك أيه المكتري لأنك ملكت ظهر الدابة ولأن
[ ٣ / ٢٦٣ ]
الرديف يضر بمن على مقدم الدابة، وكذلك لا يجوز للمكري أن يحمل معك متاعا إلا بإذنك، فإن فعل فالكراء لك أيها المكتري إن لم تحمل زنة، وأما إن حملت زنة فله الحمل معك والكراء له.
قوله: (كالسفينة) تشبيه لإفادة الحكم حرفا بحرف أي فإن اكتريت سفينة فليس لربها أن يحمل معك إلا بإذنك فإن حمل فلك الكراء.
قوله: (وضمن إن اكرى لغير أمين، أو عطبت بزيادة مسافة، أو حمل تعطب به، وإلا فالكراء، كأن لم تعطب) أي وإن اكترى المكتري ما اكتراه لغير أمين ضمنه، مفهوم الصفة أنه لو أكراها لأمين فلا يضمن، ولو أقل أمانة، والمفهوم صحيح، وكذلك يضمن المكتري الدابة بزيادة مسافة ميل، وإن لم تعطب في مثله، وكذلك يضمن بزيادة حمل تعطب بمثله وعطبت، وإن زاد ما لم تعطب بمثله، فعليه الكراء، كما عليه الكراء فقط إن لم تعطب في مثل ما تعطب فيه.
الفرق بين زيادة المسافة وبين زيادة الحمل، أن الزيادة في المسافة لم يأذن بها، وفي زيادة الحمل فيه ما أذن فيه وفيه ما لم يؤذن به.
قوله: (إلا أن يحبسها كثيرا فله كراء الزائد، أو قيمتها) مستثنى من قوله: وإلا فالكراء أي وإلا فله الكراء، إلا أن يحبسها كثيرا، فلربها كراء الزائد أو قيمتها. قوله: (ولك فسخ عضوض، أو جموح، أو أعشى أو دبره فاحشا، كأن يطحن لك كل يوم إردبين بدرهم فوجد لا يطحن إلا إردبا، وإن زاد أو نقص ما يشبه الكيل فلا لك ولا عليك) أي ولك أيه المكتري فسخ بعير أو غيره إذا وجدته عضوضا أو جموحا أي لا ينقاد أو أعشى وهو الذي لا يبصر بالليل، والذي لا يبصر بالنهار فهو أجهر، وكذلك له فسخ الكراء إذا وجد دبر البعير فاحشا، أو يضره نتنه حادثا كان أو غيره، وكذلك فسخ الكراء على أن يطحن لك كل يوم أردبين بدرهم فوجدته لا يطحن إلا أردبا واحدا وهو على القول بجواز الجميع العمل اليوم.
قوله: وإن زاد أو نقص يحتمل أن يكون تماما لمسألة الطحن أي فإن زاد على إردبين ما يشبه أو نقص فلا لك ولا عليك، ويحتمل أن يكون فرعا مستقلا أي وإن اكريته على حمل مكيل أو موزون أو معدود فوجد زائدا يشبه أو نقصانا فليس له كراء الزائد ولا لك كراء النقص.
[ ٣ / ٢٦٤ ]
فصل [في أحكام كراء الحمام والدار والأرض وما يناسبها]
قوله: (فصل) يذكر فيه مسائل كراء الحمام والدور والأرض.
قوله: (جازكراء حمام) مسألة مستقلة. قال في المدونة ولا بأس بكراء الحمامات (^١).
وفي العتبية: والله ما دخوله بصواب (^٢) ودخوله الحمام وحده أو مع زوجته أو جاريته خاليا جائز، ومع غير المستورين حرام.
قوله: (ودار غائبة، كبيعها) أي وجاز كراء دار غائبة برؤية لا تتغير بعدها، أو بوصف كما في بيعها، فإذا كان كراء الدار الغائبة جائزا فالحاضرة أحرى.
قوله: (أو نصفها، أو نصف عبد) أي وجاز كراء نصف الدار أو ثلثها أو ربعها.
فالنصف ليس بشرط والمراد جزء شائع منها، وكذلك يجوز استئجار نصف عبد أو ثلثه أو ربعه يخدم لسيده يوما مثلا وللمستأجر يوما.
قوله: (وشهرا على إن سكن يوما لزم، إن ملك البقية) أي وجاز كراء الدار شهرا على أن يسكن يوما لزم الكراء في الشهر كاملا، إنما يجوز هذا إن ملك المكتري بقية الشهر يسكنها فيه أو يكريها أو يهبه، وأما إن شرط عليه المكري ألا يملك البقية فلا يجوز كأن يمنعه التصرف فيه.
وقوله: (وعدم بيان الإبتداء وحمل من حين العقد) أي وجاز الكراء للدار أو الأرض مع عدم بيان حين الإبتداء، وحمل من حين العقد.
قوله: (ومشاهرة، ولم يلزم لهما، إلا بنقد فقدره) أي وجاز كراء الدار مشاهرة أي كل شهر بكذا، وكذلك مسانهة ومجامعة ومياومة ولم يلزم لهما، بل للمكتري الخروج، وللمكري الإخراج، إلا أن ينقد المكتري شيئا غير كراء ما نقد سكنه، فقدر ما نقد لازم لهما فيما يستقبل، وليس لأحد منهما نقضه.
قوله: (كوجيبة بشهر كذا، أو هذا الشهر، أو شهرا، أو إلى كذا) تشبيه أي كما يلزمهما
_________________
(١) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ٣، ص: ١٧٣.
(٢) البيان والتحصيل، ج ١٨، ص ٥٤٧.
[ ٣ / ٢٦٥ ]
الوجيبة وهي كقوله: اكتريت هذه الدار في شهر رمضان أو ربيع مثلا أو قال: هذا الشهر بعينه أو قال: اكتريتها ثلاثة أشهر مثلا، أو قال: أكتريتها إلى كذا، فهذه أربعة أمثلة للوجيبة.
قوله: (وفي سنة بكذا) أي وفي كون كرائه سنة بكذا وجيبة أم لا (تأويلان) على المدونة.
قوله: (وأرض مطر عشرا إن لم ينقد وإن سنة إلا المأمونة كالنيل، والمعينة فيجون أي وجاز كراء أرض المطر عشر سنين إن لم ينقد الكراء بشرط، وأما بغير شرط فلا بأس، وأما إن نقد بشرط فلا يجوز، وإن كان المنقود كراء سنة واحدة، إلا أن تكون الأرض مأمونة فيجوز فيها النقد، كما يجوز في مأمونة النيل وأرض ذات العيون.
قوله: (ويجب في مأمونة النيل) أي ويقضى لرب الأرض على المكتري بنقد الكراء في مأمونة النيل، لأنه تمكن من الإنتفاع بها، (إذا رويت)، لأنها لا تحتاج إلى السقي فيما يستقبل، واحترز بقوله: مأمونة النيل، من أرض النيل غير المأمونة، كما إذا كانت بعيدة أو مرتفعة يبلغها الماء مرة بعد الوفاء، ومرة لا يبلغها، أو لايطول مقامه عليها، وتقسيم اللخمي في هذا الباب عجيب فعليك به.
قوله: (وقدر من أرضك إن عين، أو تساوت، وعلى أن يحرثها ثلاثا، أو يزبلها، إن عرف) أي وجاز كراء قدر من أرضك مائة ذراع مثلا، إن عين ذلك القدر في الأرض، أو كانت الأرض متساوية (^١) في الصلاح، وكذلك يجوز كراء الأرض على أن يحرثها أي بقلبها ثلاثا أو يزبلها ثلاثا إن عرف قدر التقليب والتزبيل، وهذا كله إذا كانت الأرض مأمونة لأن الحرث والزبل نقد.
قوله: (وأرض سنين لذي شجر بها سنين مستقبلة) وفي الكلام تقديم وتأخير أي وجاز كراء أرض اكتريت سنين ماضية سنين مستقبلة لذي شجر بها.
قوله: (وإن لغيرك) أي وإن كان الشجر لغيرك، وفي كلامه ما لا يخفى، لأنه قد قال: لذي شجر بها.
قوله: (لا زرع) أي لا يجوز كراء أرض فيها زرع أخضر، ما دام زرع هذا فيها، لأن الزرع إذا انقضت مدة الكراء لم يكن لرب الأرض قلعه، وإنما له كراء أرضه بخلاف رب الشجر.
_________________
(١) مستوية
[ ٣ / ٢٦٦ ]
قوله: (وشرط كنس مرحاض، أو مرمة، أو تطبين من كراء وجب) أي وجاز شرط المكتري أو المكري كنس مرحاض على الآخر، لأن الخلاف في كنس مرحاض هل هو على المكتري؟ أو على المكري، فإن قلنا: هو على المكترى، جاز للمكري أن يشترطها عليه، وإن قلنا على المكتري جاز أن يشترطه على المكري، وكذلك يجوز أن يشترط المكري على المكتري مرمة الدار التي اكتراها أو تطيينها، وهو جعل الطين على السطح، ويكون ذلك من كراء وجب أي يقضى بحلوله فإن كان العرف النقد أو بالشرط.
قوله: (لا إن لم يجب، أو من عند المكتري، أو حميم أهل ذي الحمام، أو نورتهم مطلقا) أي لا يجوز شرط ذلك من كراء لم يجب، لأنه لا يدري متى يحتاج إلى المرمة والتطيين، وكذلك لا يجوز ذلك إذا كان من عند المكتري لأنه مجهول القدر، وكذلك لا يجوز اشتراط رب الحمام على مكتريه حمام أهله أو نورتهم مطلقا علم المكتري عددهم أم لا.
قوله: (أو لم يعين بناء وغرس وبعضه أضر، ولا عرف، وكراء) أي ولا يجوز كراء الأرض إذا لم يعين ما يجعل فيه بناء أو غرسا، وكان بعض ذلك أضر بالأرض، وأما إن كان لم يكن أضر فلا بأس، وهذا إذا لم يكن عرف، وأما إن كان العرف فكالشرط.
قوله: (وكيل بمحاباة أو عرض) أي ولا يجوز كراء وكيل بمحابات أو بعرض إلا أن يكون الشأن.
قوله: (أو أرض مدة لغرس فإذا انقضت فهو لرب الأرض، أو نصفه) إلى آخره أي ولا يجوز كراء أرض مدة لتغرس فإذا انقضت مدة الكراء فالمغروس لرب الأرض أو جزء منه وهو كراء مجهول.
قوله: (والسنة في المطر بالحصاد وفي السقي بالشهور، فإن تمت وله زرع أخضر فكراء مثل الزائد) أي وإذا اكترى أرض مطر سنة فمنتهاه الحصاد، لأن ما بعد الحصاد لا فائدة له فيه، وأما أرض السقي إذا اكتراها سنة فالسنة بالشهور إثنى عشر شهرا يجعل فيها ما يشاء، فإن تمت السنة وللمكتري فيها زرع أخضر فعليه مثل كراء الزائد بالسنة إلى الكراء.
قوله: (وإذا انتثر للمكتري حب فنبت قابلا فهو لرب الأرض، كمن جره السيل إليه) أي وإذا اكترى أرضا سنة فزرعها، وانتثر من زروعه حب فنبت قابلا فالنابت لرب
[ ٣ / ٢٦٧ ]
الأرض، ولا يقول المكتري الزرع لي وأدفع كراء الأرض، وهذا إذا انتشر بعض الحب وأما إذا انتثر كله ففيه خلاف.
ذكر المتيطي الله في آخر كراء الأرض من وثائقه: أن لرب التراب أخذه إن شاء، وإن طلبه بإزالة ما صار في أرضه لم يلزمه ذلك.
قال: وكذلك إن وقع التراب على شجر فأضربها. وأما ما له ثمن وينتفع به كالحجر والخشب والآجر فعلى ربه رفعه من الموضع وإزالته. انتهى من البرزلي (^١).
وكذلك الزرع لرب الأرض إذا جره السيل إليه أي إلى رب الأرض، وهذا بخلاف الأشجار، فإنه لرب الأشجار، فإن كان لا يصلح للغرس، فرب الأرض مخير بين أن يعطيه قيمته مقلوعا أو يأمره بقلعه.
قوله: (ولزم الكراء بالتمكن، وإن فسد لجائحة أو غرق بعد وقت الحرث، أو عدمه بدرا، أو سجنه، أو انهدمت شرفات البيت، أو سكن أجنبي بعضه) أي ولزم كراء المكترى بسبب التمكن من الإستيفاء بالمنفعة، فإذا حصل التمكين فالأجرة مستحقة استوفيت المنفعة أم لا، كما إذا فسد الزرع لأجل جائحة أو غرق الزرع بعد وقت الحرث، وأما إن غرق وقت الحرث فلا كراء عليه، وكذلك يلزمه الكراء إذا عدم وحده بذرا يزرعه، وأما إن عدم الناس كلهم فلا كراء عليه، وكذلك يلزمه الكراء إذا أمكنه مما اكتراه ثم سجن، إلا أن يسجن بسبب الأرض فلا كراء عليه، وكذلك يلزمه الكراء إن انهدمت شرفات البيت، إلا أن يكون الكراء زائدا لأجلها، وكذلك يلزمه الكراء إن سكن أجنبي بعض البيت، فإن شاء هو يرجع على الأجنبي بكرائه.
قوله: (لا إن نقص من قيمة الكراء، وإن قل، أو انهدم بيت فيها، أو سكنه مكريه، أو لم يأت بسلم للأعلى، أو عطش بعض الأرض، أو غرق) أي لا يلزمه ما نقص الهدم، إن نقص من قيمة الكراء وإن قل، وكذلك إذا اكترى دارا فيها بيوت، فانهدم منها بيت، أو سكن مكري الدار بيتا منها.
غفل الشارح هنا ﵀.
وكذلك إن لم يأت بسلم لأعلى، كما إذا كان في الدار غرفة، وكذلك إن عطش بعض الأرض، أو غرق.
قوله: (فبحيته) جواب عن المسائل الست أي فإنه يرجع على المكري بحصة
_________________
(١) ٤/ ٤٠٥: نوازل البرزلي: ج، ص
[ ٣ / ٢٦٨ ]
ذلك من الكراء.
قوله: (وخير في مضر، كهطل، فإن بقي فالكراء) أي وخير المكتري في مضر حادث، كهطل بين أن يخرج أو يبقى ساكنا، فإن بقي ساكنا فعليه جميع الكراء، ويحتمل أن يكون كهطل تشبيه لإفادة الحكم ويحتمل أن يكون تمثيلا لمضر.
الهطل هو قطر سقف البيت.
قوله: (كعطش أرض صلح، وهل مطلقا؟ أو إلا أن يصالحوا على الأرض؟ تأويلان) أي كما يلزم خراج الأرض كله أهل الصلح، إذا عطش أرض الصلح، وهل يلزمهم ذلك الخراج مطلقا أي صالحوا على الأرض، أو على الجماجم، أو عليهما وهو قول ابن القاسم، أو يلزمهم ذلك إلا أن يصالحوا على الأرض، فلا يلزمهم، وهو قول الغير فيه تأويلان الثاني هو التأويل الأول، وهو ظاهر المدونة فسماهما تأويلان وقد يفعله.
قوله: (عكس تلف الزرع لكثرة دودها، أو فأرها، أو عطش، أو بقي القليل) أي لا يلزم الكراء المكتوب إذا تلف الزرع لأجل كثرة دود الأرض، أو فأرها، أو تلف بسبب عطشها، وكذلك إن بقي القليل من الزرع كخمس فدان في مائة لأجل أن التلف بسبب الأرض.
قوله: (ولم يجبر آجر) أطلق الأجر على الكرى أي ولم يجبر مكري الدار (على إصلاح) ما انهدم منها (مطلقا) مضر أم لا، لأنه إن كان مضرا فالمكتري مخير في الخروج والبقا كما تقدم، وإن كان غير مضر فلا كلام له.
قوله: (بخلاف ساكن أصلح له بقية المدة قبل خروجه) أي وهذا بخلاف ساكن أصلح له رب الدار بقية المدة قبل خروجه من الدار، فإنه يجبر على دفع الكراء، وأما إذا كان ذلك بعد أن خرج المكتري، فلا يجبر على الرجوع لأنه قد يكتري. قوله: (وإن اكتريا حانوتا فأراد كل مقدمه قسم إن أمكن، وإلا أكري عليهما) أي وإن اكتر رجلان حانوتا، فأراد كل منهما مقدمه قسم بينهما إن أمكن القسم، ليأخذ كل منهما مقدما ومؤخرا، وإلا أي وإن لم يمكن القسم أكري عليهما، فالربح لهما وعليهما الخسر، وهذا كله إذا لم يكن شرط ولا عادة.
قوله: (وإن غارت عين مكر) صوابه عين مكتر (سنين بعد زرعه أنفقت حصة سنة فقط) أي وإن اكترى أرضا سنين فغارت عينه بعد زرعه أي بعد دفن البذر، أنفق كراء
[ ٣ / ٢٦٩ ]
تلك السنة فقط في سقي الزرع، لئلا يهلك، فما زاد على كراء السنة فعلى المكتري، وإن نقص فلا شيء على رب الأرض.
قوله: (وإن تزوج ذات بيت وإن بكراء فلا كراء، إلا أن تبين) أي وإن تزوج رجل امرأة ذات بيت فسكن معها فيه، وإن كان البيت بكراء فلا كراء على الزوج، إلا إن تبين أنه بالكراء فيلزمه، وكذلك إذا كان البيت لأبوي المرأة، فسكن معها فيه، فلا كراء عليه.
قوله: (والقول للأجير أنه وصل كتابا، أو أنه استصنع، وقال: وديعة، أو خولف في الصفة وفي الأجرة) إلى قوله: (إن أشبه).
وقوله: (إن أشبه) راجع إلى الفروع الأربعة.
وقوله: (وحان) قيد في الفرع الأخير أي والقول للأجير على وصول كتاب أو غيره أنه أوصله إلى الموضع الذي أرسل إليه، إن أشبه وصوله إليه في المدة عادة، ولا يعتبر أفراد الناس والأولياء، وكذلك القول لصانع أنه استصنع في الشيء، إن قال ربه لم أرك بالصنعة بل هو وديعة عندك، فإن الصانع يصدق إن أشبه أن يستصنعه، لأنهم لا يشهدون في مثل هذا، ولو جاز هذا لذهبت أعمالهم، وقال غير ابن القاسم: الصانع مدع، وكذلك الصانع إذا صنع فخولف في صفة الصنعة، قال المالك: أمرتك أن تصبغه أحمر، فقال الصباغ: بل أسود، فإن الصانع يصدق إن أشبه ما قال.
قال سحنون: لأن أرباب المتاع يدعون تضمينهم، فالقول قول الصناع مع أيمانهم، ولهم أجر عملهم، إلا أن يزيد على ما سموا، فلا يزاد على ما سموه، وكذلك الأجير إذا خولف في الأجرة وقال: استصنعتني بأجرة، وقال المالك: بغير أجرة. ابن القاسم: يصدق فيما يشبه من الأجر وإلا رد إلى أجرة مثله وقال غيره: يحلف ويأخذ الأقل مما ادعاه أو من أجر مثله أو تخالفا في قدر الأجرة فإن الأجير يصدق إن أشبه.
قوله: وإن لم يشبه قول واحد من هذه الأربعة فالقول قول الآخر.
قوله: وجاز أي لم يخرج المصنوع من يده.
قوله: (لا كبناء) وهو مفهوم قوله: وجاز أي فإن البناء لا يصدق في قدر الأجرة إذا تنازعا في قدرها، لأن البناء ليس في جوزه، أتى بالكاف ليدخل كل ما لا يبقى تحت يد الصانع، فإنه لا يصدق فيه، كما إذا قال بنيت الحائط بعشرة، وقال ربه: بل بخمسة، فإن المالك يصدق مع يمينه.
[ ٣ / ٢٧٠ ]
قوله: (ولا في رده، فلربه وإن بلا بينة) أي لا يصدق الصانع في رد المصنوع لربه وإن قبضه بلا بينة، لأنه أخذه على الضمان لو قال الشيخ ولو بلا بينة ليشير إلى قول عبد الملك بن الماجشون: إن قبض بلا بينة يصدق في الرد، وكذلك المرتهن لا يصدق في رد الرهن لربه، وكذلك المستعير لا يصدق في رد المستعار، وكذ المشتري بخيار لا يصدق وإن رد السلعة لربها، لأنهم أخذوا على الضمان.
قوله: (وإن ادعاه، وقال: سرق مني، وأراد أخذه دفع قيمة الصبغ بيمين، إن زادت دعوى الصانع عليها، وإن اختار تضمينه، فإن دفع الصانع قيمته أبيض فلا يمين، وإلا حلفا واشتركا) أي وإن ادعى الصانع الإستصناع، وقال المالك: لا بل سرق مني، وأراد المالك أخذ المصنوع، فإنه يدفع قيمة الصبغ مع يمينه على ما قال، إن زادت دعوى الصانع وهي الإجارة على قيمة الصبغ، وأما إن لم تزد الأجرة على القيمة، فلا يمين على المالك، إنما كانت اليمين عليه لتسقط الزيادة عنه، هذا كله إذا أراد أخذ المصنوع بصنعته، وأما إن أراد تضمين الصانع القيمة، فإن الصانع إذا دفع قيمته أبيض، فلا يمين على واحد منهما، وإن أبى الصانع من دفع قيمته أبيض حلفا أي حلف كل واحد منهما على ما ادعاه واشتركا في المصنوع، هذا بقدر قيمة ثوبه بلا صنعة، وهذ الآخر بقيمة صنعته.
الصبغ بفتح الصاد اسم للفعل، وبالكسر اسم لما يصبغ به.
قوله: (لا إن تخالفا في لت السويق وأبى من دفع ما قال اللات فمثل سويقه) أي فإنهما لا يشتركان، فإن اختلفا فقال الصانع: أمرتني بلت هذا الدقيق، فقال ربه لم آمرك به، فإن أبى المالك من دفع ما قاله اللات، فعلى الأجير مثل دقيقه، فيأخذ هو السويق، إنما لا يشتركان في السويق، لأنه مثلي ومثله يقوم مقامه، والفرع الأول مقوم فافترقا.
قوله: (وله وللجمال بيمين في عدم قبض الأجرة وإن بلغا الغاية، إلا لطول فلمكتريه بيمين) أي وللأجير وصاحب الجمل القول مع يمين في عدم قبض الأجرة والكراء، وإن بلغا الغاية أي منتهى العمل والسفر، إلا إذا طال فيكون القول للمكتري مع يمنه، ولا يدعي الطول إلا بعد بلوغ الغاية وقبض المتاع.
قوله: وله وللجمال بيمين جعل العرف هنا شاهد واحد، ولو جعله شاهدين فلا تكون اليمين عليه.
قوله: (وإن قال: بمائة لبرقة، وقال: بل الإفريقية حلفا. وفسخ إن عدم السير، أو قل وإن نقد إلى آخره شرع هنا تخلله في بيان حكم اختلاف المتكاريين في المسافة أي
[ ٣ / ٢٧١ ]
فإن قال الجمال - يقال له الكري والمكري والمكارى -: أكتريتك هذا البعير بمائة إلى برقة، وقال المكتري بل إلى إفريقية، حلفا وفسخ عقدهما، إذا كان تخالفهما قبل وجود السير أو بعد سير قليل، لأن القليل كالعدم فسخ، وإن نقد المكتري الكراء.
قوله: (وإلا فكفوت المبيع) أي وإن تخالفا بعد السير الكثير، فحكمه كحكم فوت المبيع شبهه بما قال في اختلاف المتبايعين، وهو قوله: وصدق مشتر ادعى الأشبه وحلف إن فات.
قوله: (وللمكري في المسافة فقط، إن أشبه قوله فقط، أو أشبها وانتقد، وإن لم ينتقد حلف المكتري، ولزم الجمال ما قال إلا أن يحلف على ما ادعى فله حصة المسافة على دعوى المكتري، وفسخ الباقي، وإن لم يشبها حلفا. وفسخ بكراء المثل فيما مشى) لو أسقط الشيخ المسافة فقط، كأن المسألة فرضت في المسافة أي والقول للمكري إن أشبه قوله فقط، أو أشبه قولهما وانتقد أي قبض الكراء، وإن أشبه قولهما، ولكن لم ينقد الجمال الكراء أي لم يقبضه، حلف المكتري على ما قال، ويلزم الجمال، إلا أن يحلف الجمال على ما ادعى، فيكون له حصة ما سار في المسافة على دعوى المكتري، وفسخ الباقي من المسافة إذ لا ضرر على كل منهما، لأن الجمال لم يكلف السير في المسافة كلها، والمكري لم يكلف دفع كراء المسافة في دعوى الجمال، وإن لم يشبه ما قالا حلفا أي حلف كل واحد منهما على ما قال، وفسخ بكراء المثل فيما قد مشى.
قوله: (وإن قال: أكريتك للمدينة بمائة وبلغاها، وقال: بل لمكة بأقل، فإن نقده فالقول للجمال فيما يشبه وحلفا وفسخ، وإن لم ينقد فللجمال في المسافة وللمكتري في حصتها مما ذكر بعد يمينهما) أي وبلغاها وقال المكتري بل لمكة بأقل من المائة، فإن كان قد نقد الأقل، فالقول للجمال في ادعائه ما يشبه وحلفا، وفسخ العقد فيما بقي، ويحلف الجمال لتسقط عنه المسافة، ويحلف المكتري لتسقط عنه خمسين، وقد انتفع كل منهما، وإن كان لم ينقد فالقول للجمال في المسافة، وهذا كله إذ ادعى ما يشبه، وللمكتري في حصتها أي والقول للمكتري في حصة المسافة من الخمسين، وهو ما ذكر بعد أيمانهما، أو بعد نكولهما وإن نكل واحد فالقول للآخر.
قوله: (وإن أشبه قول المكري فقط فالقول له بيمين) أي وإن أشبه قول الجمال ولم يشبه قول المكتري، فالقول للجمال مع يمينه.
[ ٣ / ٢٧٢ ]
قوله: (وإن أقاما بينة قضي بأعدلهما) أي وإن أقام المتكاريين بينة قضى بأعدل البينتين.
قوله: (وإلا) أي وإن تكافأتا (سقطتا).
قوله: (وإن قال: أكتريت عشرا بخمسين، وقال: خمسا بمائة حلفا وفسخ. وإن زرع بعضا ولم ينقد فلربها ما أقر به المكتري، إن أشبه وحلف، وإلا فقول ربها إن أشبه، فإن لم يشبها حلفا، ووجب كراء المثل فيما مضى، وفسخ الباقي مطلقا) أي وإن قال المكتري: اكتريت الأرض منك عشر سنين بخمسين دينارا مثلا، وقال: رب الأرض بل اكثريتها لك خمس سنين بمائة، واختلفا في المدة وقدر الكراء، فإنهما يحلفان، وفسخ العقد إن لم يزرع بعض السنين، وإن زرع بعضها، ولكن لم ينقد، فلرب الأرض على المكتري ما أقر به إن أشبه ما قال المكتري، أشبه ما قال رب الأرض أم لا، ولكن يحلف المكتري، وإن لم يشبه ما قال المكتري فالقول قول ربها إن أشبه، وإن لم يشبه حلف كل منهما على صدق دعواه، ويجب فيها كراء المثل فيما مضى وفسخ الباقي.
وقوله: مطلقا أشبها أولم يشبها أشبه أحدهما.
قوله: (وإن نقد فتردد) راجع لقوله: ولم ينقد أي وإن نقد ففيه تردد، هل الحكم كما تقدم؟ أو القول قول المكري لأنه مدعى عليه وقاعدة الشرع تصديقه.
[ ٣ / ٢٧٣ ]