قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل بالبيوع، ما يصح ومالا يصح وما يتعلق بذلك وهو باب مهم لكثرة مسائله وكثرة وقوعه.
الإجماع أنه لا يجوز لأحد أن يقدم على فعل حتى يعلم حكم الله فيه.
فائدة: خلق الله تعالى بفضله المنافع في العالم لخلقه، فلو تركهم وإياها لاقتتلوا عليها لتزاحم دعاويهم.
فشرع بحكمته الأسباب كالبيع ونحوه، وخصص المنافع والأعيان لمن اختص بأسبابها، فاندفعت الفتنة. انتهى من الذخيرة.
وفيه تنبيه: لا يملك الأعيان إلا الله تعالى، وإنما يملك الخلق المنافع، لأن الملك هو التصرف في الأعيان بالإيجاد والإعدام، وذلك مختص بالله تعالى، ثم المنافع قد تقع المعاوضة عليها على وجه يرفع العين إلى المعارض فهو إجارة، وإلا فالجميع ملك وتمليك في المنافع. انتهى.
قوله: (ينعقد البيع بما يدل على الرضا) أي ويتم انعقاد البيع بين المتبايعين بكل ما يدل على الرضى من قول أو فعل منهما أو من أحدهما عرفا، فكل عصر ومصر بحسب عرفه.
وقوله: (وإن بمعاطاة) أي وإن كان البيع بمعاطاة وإن لم يتكلما.
قوله: (وببعني فيقول: بعت) أي وينعقد البيع بقول المشتري: بعني سلعتك بكذا، ويقول الآخر بعتكها، وهذا من باب عطف الخاص على العام.
قوله: (وبابتعت، أو بعتك ويرضى الآخر فيهما) أي وكذلك ينعقد البيع بقوله: ابتعت سلعتك بكذا أو قال: بعتك سلعتي هذه بكذا ويرضى الآخر في الصورتين،
[ ٢ / ٤٦٨ ]
وهو من باب عطف الخاص على العام.
قاعدة: العقود قسمان قسم مستلزم لمصلحته عند العقد فشرع على اللزوم تحصيلا للمصلحة وترتيبا للمسببات.
ببات على أسبابها وهو الأصل كالبيع، فإن بمجرد العقد يتمكن كل واحد من المتعاقدين من تحصيل مصلحة الثمن والمثمن بالبيع والهبة وأنواع الانتفاع من إجارة وغيرها.
وقسم لا يستلزم مصلحته كالقراض والجعالة، فإن المقصود الربح وهو غير حاصل بل ربما ضاع تعب العامل وخسر المال.
ومقصود الجعالة رد الآبق مثلا وقد لا يحصل ويضيع التعب، فجعلت هذه العقود على الجواز نفيا للضرر عن المتعاقدين لأنه قد تظهر أمارته فلا يلزم بالعقد.
انتهى (^١).
قوله: (وحلف، وإلا لزم إن قال: أبيعكها بكذا، أو أنا أشتريها به، أو تسوق بها فقال: بكم؟ فقال: بمائة، فقال: أخذتها) أي ويحلف من توجهت إليه اليمين من بائع أو مشتر في هذه الصور الثلاث وهي إن قال أبيعكها بلفظ المضارع بكذا أو يقول أنا أشتريها بكذا أو تسوق بسلعته فقال له: بكم، فقال له ربها: بمائة، فقال: أخذتها بها أي فإن البيع ينعقد في هذه الصور الثلاث، إن لم يحلف من توجهت عليه اليمين من بائع في المسألة الأولى والثالثة، أو مبتاع في الصورة الثانية، وأما إن حلف أنه ما رضي فلا يلزمه البيع.
قوله: (وشرط عاقده تمييز إلا بسكر، فتردد) أي وشرط عاقد البيع من بائع أو مشتر تمييز، إلا أن يكون عدم التمييز بسبب سكر حرام أو حلال، ففي إمضاء عقده وعدمه تردد في الفهم، فنسب لابن رشد الجزم بانعقاد بيعه قائلا: ولا يقال أن بيعه غير منعقد على مذهب مالك، وإنما يقال غير لازم. وفي الذخيرة الجزم بعدم انعقاده.
قوله: (ولزومه تكليف) أي وشرط لزوم البيع تكليف، وانظر: عبر بتكليف هنا عن الرشد والطواعية وعقود المالية، فلو صدر من صبي لوقف على رضى وليه، وكذلك السفيه وغيره ممن حجر عليه.
_________________
(١) الذخيرة للقرافي: ج ٦، ص: ٥٥.
[ ٢ / ٤٦٩ ]
قوله: (لا إن أجبر عليه جبرا حراما) أي على البيع جبرا حراما فإنه لا يلزمه البيع، وأما إن أجبر عليه جبرا جائزا فإنه يلزمه كما إذا أجبره القاضي على بيع عروضه لقضاء ديونه لأنه جبر شرعي.
قوله: (ورد عليه بلا ثمن) أي فإن أجبر على البيع جبرا حراما، رد عليه متاعه بلا دفع ثمن وإن لم يعلم المشتري بجبره.
يريد إلا أن يصرف الثمن في مصالحه، وقد نص عليه ابن القاسم قال: لأن أخذ الثمن على ذلك ليس بأخذ سواء قبض الظالم الثمن من المبتاع أو قبضه منه المضغوط فدعه للظالم، فللبائع أخذ شيئه إذا ظفر به بيد مبتاعه أو من ابتاع منه. انتهى.
قال المواق في التاج والإكليل: قال ابن عرفة: وبيع قريب المضغوط لفكاكه من عذاب كزوجته وولده أو قريبه لازم.
قال ابن أبي زيد: إذا وقع مغرم في قرية من قبل السلطان وأسلم لهم الدراهم على الزيتون وغيره. وثبت أن أهل القرية مضغوطون، فمن سلم إليهم فلا دراهم له ولا زيتون وإن ثبت أن تلك الدراهم أخذها السلطان بأعيانها. انتهى (^١).
انظر: ولو قبض الدراهم أرباب الزيتون خلافا لسحنون أول المسألة.
والذي صدر به الحكم في زماننا أن المضغوط إذا تولى قبض الثمن لا يأخذ شيئا حتى يرد الثمن وهذا هو البين.
وانظر أول مسألة من سماع عيسى من كتاب الوديعة.
ونقل البرزلي عن سفيان أنه قال: هو من أضغط في مال فبيعه جائز (^٢) ونحوه لابن كنانة، ومال إليه شيخنا الإمام وهو مذهب المتأخرين. انتهى.
قوله: (ومضى في جبر عامل) أي ومضى البيع في جبر عامل وهو إضافة المصدر إلى المفعول. يريد أن السلطان إذا أجبر أحدا من عماله بسبب ظلم ظلم فيه أحدا أخذ ماله فيلجئه ذلك على بيع أمتعته فإن ذلك البيع ماض لا يرد لأنه بيع شرعي.
قال ابن فرحون: والعمال يأخذون أموال الناس بغير حق، ثم يعزلون على
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق بهامش الحطاب: ج ٦، ص: ٤٣، ط ١: ١٩٩٥ م، دار الكتب العلمية. بيروت. لبنان
(٢) نوازل البرزلي: ج ٣، ص: ٤٤.
[ ٢ / ٤٧٠ ]
سخطة من الوالي، ويعذبهم في غرم يغرمهم انتقاما لله تعالى منهم، فيلجئوا في ذلك إلى بيع أمتعتهم، فذلك ماض عليهم، سائغ لمن ابتاعه منهم، بمنزلة ما باعه المضغوط في الحق الذي يلزمه، أو في الدين الذي ثبت عليه، لأن أغرامهم ذلك كان من الحق وأن يرد ذلك لأربابه، فإن احتبس الوالي ذلك لنفسه، فإنما هو ظالم لرعيته في ذلك. انتهى (^١).
[شروط الجواز]
قوله: (ومنع بيع مسلم، ومصحف، وصغير لكافر) أي ومنع ابتداء بيع مسلم لكافر، سواء مسلما حقيقة أو حكما كالمجوسي، لأنه يجبر على الإسلام، إذ لا يجوز أن يملك الكافر المسلم يمنع وإن كان البائع كافرا، وكذلك يمنع بيع مصحف لكافر، لما فيه من إهانة القرآن، ولتعرضه للنجاسة، وكذلك يمنع بيع صغير كتابي لكافر، لأنه يجبر على الإسلام، وكذلك لا يباع لكافر آلة الحرب، والدار لتتخذ كنيسة، والعنب يعصر خمرا، أو خشبا يعمل منه ناقوسا.
وقوله: ومنع بيع مسلم مفهومه أن الهبة والصدقة لا تمنع والمفهوم صحيح، ولكن يخرج ذلك عن ملك الكافر.
قوله: (وأجبر على إخراجه بعتق أو هبة ولو لولدها الصغير على الأرجح) أي فإن وقع البيع على مسلم أو مصحف أو على صغير كتابي لكافر، فإنه يجبر على إخراجه بعتق أو هبة أو صدقة، ولو الهبة لولده المسلم، لأن الكفر يمنع الاعتصار على ما اختاره ابن يونس.
قوله: (لا بكتابة ورهن وأتى برهن ثقة، إن علم مرتهنه بإسلامه، ولم يعين) أي ولا تكون الكتابة إخراجا من يده، لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وكذلك رهنية لا تكون إخراجا من يده، لأن الرهن ملك لربه بل يخرج من يده ويأتي برهن ثقة للدين بشرط إن علم مرتهنه حين قبضه بإسلام العبد الرهن وإن لم يعين الرهن حين الارتهان.
قوله: (وإلا عجل) أي وإن لم يكن الأمر كذلك بل المرتهن لا يعلم إسلام العبد حين الرهنية أو عين فإن الحق يعجل.
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ٢، ص: ١٤٢.
[ ٢ / ٤٧١ ]
قوله: (كمثقه) أي تشبيه لإفادة الحكم أي كما يعجل الحق إذا أعتق الكافر العبد المسلم الرهن. انتهى.
وقال المواق: قال ابن عرفة المذهب بيع عبد الكافر يسلم عليه قالوا: وله العتق وهذا واضح دليله في المدونة. انتهى (^١).
وهذا هو الفرع المذكور في هذا الموضع، وأما عتق الرهن فليس ها هنا موضع ذكره وقد نص عليه هو بقوله: ومضى عتق الموسر. انتهى من التاج والإكليل (^٢).
قوله: (وجاز رده عليه بعيب) أي وجاز رد العبد المسلم على البائع الكافر لأجل عيب ظهر فيه بناء على أن الرد بالعيب نقض بيع لابتداء، وعلى القول بأنه ابتداء بيع لا يجوز رده عليه بل يرجع بقيمة العيب.
قوله: (وفي خيار مشتر مسلم يمهل لانقضائه) أي وإن أسلم العبد في أيام الخيار لمشتر مسلم يمهل إلى انقضاء أمد الخيار لمشتر فإن اختاره فلا كلام وإن رده بيع على الكافر.
قوله: (ويستعجل الكافر) أي وإن أسلم العبد في أيام خيار لكافر فلا يمهل بل يستعجل باستعمال ما عنده من رد أو إمضاء ولم يمهله إلى مدة الخيار لئلا يدوم ملك الكافر على المسلم.
قوله: (كبيعه إن أسلم) تشبيه لإفادة الحكم والجامع بينهما الاستعجال.
المعنى: كما يعجل بيع عبد الكافر إذا أسلم (وبعدت غيبة سيده)، وأما إن قربت غيبته، فلا يستعجل بيعه حتى يعرف حاله لعله أسلم قبله أو الآن.
قوله: (وفي البائع يمنع من الإمضاء) أي وإن أسلم العبد الكافر في أيام خيار البائع المسلم، فإنه يمنع من إمضاء البيع بناء على أن بيع الخيار منحل.
قوله: (وفي جواز بيع من أسلم بخيار تردد) أي وفي جواز بيع عبد أسلم في يد كافر بخيار، وعدم جوازه فيه تردد لعدم النص، والمتردد هنا هو الإمام المازري وحده لا مع غيره لأنه تحير فيه المازري، لأنه إن منع فهو تضييق على الذمي، وإن أجيز ففيه بقاء المسلم بيد كافر مدة، ولذلك تحير فيه الإمام المازري. انتهى.
قوله: (وهل منع الصغير إذا لم يكن على دين مشتريه أو مطلق) أي وهل منع بيع
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق: ج ٦، ص: ٥٣.
(٢) التاج والإكليل للمواق بهامش الحطاب: ج ٦، ص: ٥٣.
[ ٢ / ٤٧٢ ]
الصغير المتقدم ذكره، هو إذا لم يكن على دين مشتريه، وأما إذا كان على دينه فلا يمنع، (إن لم يكن معه أبوه)، أو يمنع مطلقا كان على دين مشتريه أم لا إن لم يكن معه أي أبوه، وأما إن كان معه أبوه يكون هو تبعا فيه (تأويلان) على المدونة.
قوله: (وجبره تهديد، وضرب) أي وجبر الكافر الذي يجبر على الإسلام من حيث هو تهديد وضرب لا ضرب قتل.
غفل الشارحان هنا وابن عبد الكريم ﵏.
قوله: (وله شراء بالغ على دينه) أي وللكافر شراء بالغ تدين بدينه (إن أقام به) في دار الإسلام ليؤمن كونه جاسوسا، وأما إن أراد أن يخرج به لدار الحرب، فإنه يمنع من شرائه لما يخشى من اطلاع الكفرة على عورات المسلمين.
قوله: (لا غيره على المختار) أي لا غير من كان على دينه، فلا يترك نصراني يشتري يهوديا، أو يهودي يشتري نصرانيا، لما بينهما من العداوة على ما اختاره اللخمي، واختلف في الكتابي يشتري مجوسيا، أو من ليس من أهل الكتاب على ثلاثة أقوال: حكى المازري وغيره الجواز مطلقا وهو ظاهر المدونة، لقوله فيها: ما علمته حراما وغيره أحسن. والمنع مطلقا وعزاه المازري لابن عبد الحكم. والثالث في العتبية: الفرق الجواز في الكبار دون الصغار. انتهى في الشارح الكبير.
وقوله: (والصغير على الأرجح).
قال ابن غازي: ظاهر اللفظ عطفه على قوله: لا غيره ولم أر لابن يونس فيه ترجيحا، حيث مظنته في كتاب التجارة لأرض الحرب. انتهى (^١).
[شروط المشتري]
قوله: (وشرط للمعقود عليه: طهارة) لما فرغ تحلله من الصيغة ومن العاقد، شرع يذكر المعقود عليه وهو الكثير في الباب، فقال: وشرط للمعقود عليه طهارة كان ثمنا أو مثمونا، فلذلك (لا) يجوز بيع نجس (كربل) وأحرى العذرة.
قوله: (وزيت تنجس) أي وكذلك لا يجوز بيع زيت تنجس على المشهور، لأنه لا يقبل التطهير، وقيل يجوز بيعه إذا بين أنه يقبل التطهير.
ابن غازي: خرج به نحو ثوب تنجس مما نجاسته عارضة وزوالها ممكن،
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٥٩٩.
[ ٢ / ٤٧٣ ]
ويجب تبيينها إن كان الغسل يفسده. انتهى (^١).
قوله: (وانتفاع) أي ومن شرط المعقود عليه انتفاع به، فلا يصح بيع مالا منفعة فيه، لأنه من أكل المال بالباطل، بل لا يصلح تملكه، وما في معناه ما كانت فيه منفعة، إلا أنها كانت محرمة، إذ لا فرق بين المعدوم حسا والممنوع شرعا. قاله في الجواهر. انتهى (^٢).
وقال المواق في التاج: وكل ما جاز اللعب به جاز بيعه.
البرزلي: وعلى هذا الآلات التي يلعب بها الصبيان.
قال شيخنا الغبريني: يشترى للأيتام الدوريات والزرابط ونحوها.
وقال ابن القاسم: للوصي أن يشتري لمحجوره بعض ما يلهو به. انتهى (^٣).
قال ابن شاس في الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة: وأما من تنوعت منافعه إلى محللة ومحرمة، فإن كانت المنافع المقصودة من العين في أحد النوعين خاصة، كان الاعتبار بها والحكم تابع لها فاعتبر نوعها، وصار الآخر كالمعدوم.
وإن توزعت في النوعين لم يصح البيع، لأن ما يقابل ما حرم منها من أكل المال بالباطل، وما سواه من بقية الثمن يصير مجهولا.
وهذا التعليل يطرد في كون المحرم منفعة واحدة مقصودة، كما يطرد في كون المنافع بأسرها محرمة.
وهذا النوع وإن امتنع بيعه لما ذكرناه من الوجهين، فملكه صحيح لينتفع مالكه بما فيه من منفعة مباحة.
فرع: لو تحقق وجود منفعة محرمة، ووقع الالتباس في كونها مقصودة، فمن الأصحاب من يقف في حكم جواز البيع، ومنهم من يكره ولا يمنع ولا يحرم.
ويكفي من أمثلة هذا الأصل على اتساعها، مسألة بيع كلب الصيد، فإذا بني الخلاف فيها على هذا الأصل، قيل في الكلب من المنافع كذا وكذا وعددت جملة منافعه، ثم نظر فيها.
فمن رأى أن جملتها محرمة منع، ومن رأى أن جميعها محلل أجاز.
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٥٩٩.
(٢) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٢، ص: ٦٢٠.
(٣) التاج والإكليل للمواق: ج ٦، ص: ٦٤.
[ ٢ / ٤٧٤ ]
ومن رأى ها متنوعة نظر: هل المقصود المحلل أو المحرم، ثم جعل الحكم للمقصود.
ثم إذا تقرر اشتراط المنفعة، فيكفي مجرد وجودها وإن قلت، ولا يشترط كثرة القيمة فيها، ولا عزة الوجود، بل يصح بيع الماء والتراب والحجارة، لتحقق المنفعة وإن كثر وجودها وقلت قيمتها. انتهى (^١).
قوله: (لا كمحرم أشرف) أي ولا يجوز بيع حيوان محرم الأكل إذا أشرف على الموت، مفهومه أن غير المحرم المشرف يجوز، ومفهومه أن المحرم غير المشرف يجوز والمفهومان صحيحان.
قوله: (وعدم نهي) أي ومن شروط المعقود عليه أن يكون غير منهي عنه، فلذلك لا يجوز بيع كلب صيد أو زرع أو ماشية، اقتصر المصنف فيه على القول بالمنع فمثل به وإن كان مأذونا فيه، لأن غير المأذون فيه أحرى بالمنع، وهو في غاية الحسن، لأن فيه نهي نوعي فلا يرفعه بالكلي الإذن الوصفي، وقد دخل غيره من باب أحرى، ولو حذف المصنف قيد الصيد، لأوهم قصر الحكم على المنهي عنه، والمقصود بخلافه، فقصد الوجه المشكل لله دره.
عبارة عياض: المراد بالكلب كلب الماشية الذي يسرح معها، وبكلب الزرع الذي يحفظه من الوحش بالليل أو بالنهار لا من السارق. انتهى (^٢).
إنما منع بيع كلب الصيد ونحوه صونا، لمكارم الأخلاق عن الفاسد. انتهى.
وفي القلشاني: قال مالك: يقتل ما يؤذي من الكلاب، وما يكون موضع لا ينبغي (^٣) اتخاذها فيه مثل الفسطاط (^٤).
قيل: فأهل الريف يتخذونها في دورهم مخافة اللصوص على دوابهم، والمسافر يتخذ كلبه يحرسه.
قال: لا أدري ذلك ولا يعجبني، إنما الحديث في الزرع، ولا بأس باتخاذه للمواشي كلها، ولكن بغير شراء. انتهى.
_________________
(١) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ٢، ص: ٦٢٠. ٦٢١.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٤٥٢.
(٣) التاج والإكليل للمواق: ج ٦، ص: ٧٠.
(٤) البيان والتحصيل لابن رشد: ج ٩، ص: ٣٥٤.
[ ٢ / ٤٧٥ ]
فقاعدة ما يجوز بيعه ما اجتمع فيه شروط خمسة، وقاعدة ما لا يجوز بيعه ما فقد فيه أحد هذه الشروط.
فالشروط الخمسة هي الفرق بينهما وهي الطهارة، وأن يكون مقدورا على تسليمه حذرا من الطير في الهواء والسمك في الماء، وأن يكون منتفعا به بحج، ليصح مقابلة الثمن به، وأن يكون معلوما للمتعاقدين، وأن يكون الثمن والمثمون ملكا لهما أو وكيل منهما.
وقوله: (لا ككلب صيد) أدخل بالكاف الفهود ونحوها، ولو قال المصنف: لا كلب كصيد ليدخل كلب رعي الزرع والماشية وفي قتله خلاف.
قوله: (وجازهر وسبع للجلد) أي وجاز بيع هر لأنه ينتفع به، وكذلك يجوز بيع سبع لأجل جلده، وكذلك كل ما تعمل فيه الذكاة في جلده، ويؤخذ منه جواز بيع الجلد قبل السلخ.
قوله: (وحامل مقرب) أي وجاز بيع حامل مقرب الوضع، لأن الغالب سلامتها.
قال ابن غازي: إدراجه في شرط المعقود عليه يفيد أن الحامل هنا معقود عليها لا عاقدة (^١).
قوله: (وقدرة عليه، لا كابق، وإبل أهملت) أي ومن شرط المعقود عليه أن يكون مقدورا عليه، فلذلك لا يجوز بيع عبد آبق إذ لا يقدر عليه، ولا يدرى أحي أم ميت، وعلى تقدير حياته أصحيح أم سقيم أم سليم سالم أم معيب، وكذلك لا يجوز بيع البعير الشارد مثلا، وكذلك بيع إبل أهملت في المرعى إذ لا يقدر عليها إلا أن تمسك.
قوله: (ومغضوب إلا من غاصبه) أي فلا يجوز بيع شيء مغصوب، لأن ربه لا يقدر عليه، إلا إذا كان البيع فيه لغاصبه، فإن بيعه منه يجوز إذا عزم على الرد أو أقر وهو حيث تجري عليه الأحكام.
وإن أشكل أمره، هل هو عازم على الرد أم لا؟ ففي بيعه له قولان، وإن لم يعزم على الرد فلا يجوز بيعه له.
قوله: (وهل إن رد لربه مدة؟ تردد) أي وهل يجوز بيع المغصوب للغاصب مطلقا، وهو ظاهر المدونة الجواز مطلقا وهو الذي يظهر فيما يأتي في باب الغصب،
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٦٠٠.
[ ٢ / ٤٧٦ ]
أو إنما يجوز إذا رده لربه مدة يخرج بها من معنى مدة الإكراه فيه تردد من الأشياخ في فهم النقل.
وقوله: (وللغاصب نقض ما باعه إن ورثه) أي ويجوز للغاصب نقض البيع فيما باعه من المغصوب إن ورثه لأن من مات عن حق فلورثته.
قوله: واستشكل (لا اشتراه) أي فإن اشترى المغصوب من ربه، ليس له نقض البيع فيه إذا اشتراه، لأنه تحلل صنفه واستشكل.
قوله: (ووقف مرهون على رضا مرتهنه) أي ووقف بيع مرهون قبل فكاكه على رضى مرتهنه، فإن أمضاه مضى وإلا رد، (و) كذلك يوقف بيع (ملك غيره على رضاه)، فإن أمضاه المالك مضى، (ولو علم المشتري) بتعديه بالبيع.
وقيل: إن علم بالتعدية فالبيع فاسد لا يوقف، وقد يلحق الضرر للمبتاع في وقف المبيع إذا بعدت غيبة المالك، ويسمى هذا البيع بيع الفضولي.
قوله: (والعبد الجاني على رضا مستحقها. وحلف إن ادعي عليه الرضا بالبيع. ثم للمستحق رده) أي وكذلك يوقف البيع في العبد الجاني إذا باعه سيده على رضى مستحق الجناية، ويحلف سيده إن ادعي عليه الرضا بدفع الأرش بالبيع، فإن نكل غرم الأرش، فإن حلف أنه ما قصد بالبيع تحمل الجناية، كان لمستحق الجناية رد البيع (إن لم يدفع له السيد أو المبتاع الأرش).
وقوله: (وله أخذ ثمنه ورجع المبتاع به أو بثمنه) أي وللمستحق للجناية أخذ ثمن العمد من المبتاع، ويرجع المبتاع على السيد بإرش الجناية، إن كان أقل من الثمن لأنه هو الذي دفع عنه، أو يرجع بالثمن (إن كان أقل)، لأنه هو الذي خرج من يده.
والحاصل: يرجع على السيد بأقل من الأرش ومن الثمن.
ابن غازي: لو قال الشيخ: ثم للمستحق رده أو أخذ ثمنه إن لم يدفع له السيد أو المبتاع الأرش لكان أولى (^١).
قوله: (وللمشتري رده) أي والمشتري العبد الجاني الرد بعيب الجناية (إن تعمدها)، إن لم يعلم بها حين اشتراه لأنها عيب.
قوله: (ورد البيع في الأضربنه) ضربا (ما يجوز، ورد لملكه) أي ورد العبد في حلفه بحريته ليضربنه ضربا يجوز له، ثم باعه قبل أن يضربه، فإن البيع فيه ينتقض، ويرد
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٦٠٢
[ ٢ / ٤٧٧ ]
العبد إلى ملكه. قاله في المدونة.
قال ابن دينار: لا يرد إلى ملكه بل يعتق، لا يقال أن هذه المسألة ليس هذا موضعها بل هو موضعها، لأنه لما حلف بحريته ليضربنه ضربا يجوز صار غير مقدور عليه، وإن مات قبل أن يضربه عتق من ثلثه. انتهى.
وأما إن حلف ليضربنه ضربا لا يجوز، فإنه لا يمكن من ذلك لأنه معصية وعتق عليه. قاله في المدونة. انتهى من الشارح الكبير (^١).
قوله: (وجاز بيع عمود عليه بناء للبائع، إن انتفت الإضاعة وأمن كسره ونقضه البائع)
أي ويجوز بيع عمود عليه بناء للبائع أو غيره بشروط هي:
أن ينتفي فيه إضاعة المال، بأن يكون البناء الذي عليه خفيفا، أو يحتاج إلى النقض، أو ضوعف فيه الثمن.
والشرط الثاني: أن يؤمن كسر العمود عند إزالته، وإلا فلا يجوز فيه الثمن لأنه غرر، واشترط حيث جاز بيعه وخلعه على البائع حتى ينقضه (^٢) المبتاع.
والعمود يسمى بالمغرب سارية.
فرع: فإن اشترى عمود الزيتونة رجل، واشترى الأغصان آخر واستؤني بقطعها حتى أثمرت، فإن الثمرة لصاحب الفروع وعليه كراء العمود، وعلى صاحب العمود كراء الأرض، وهذا إذا كانا غائبين باتفاق أو حاضرين على اختلاف. انتهى من التاج والإكليل (^٣).
قوله: (وهواء فوق هواء) أي وجاز بيع هواء فوق هواء، وكذلك هواء تحت هواء (إن وصف البناء) فيهما العلوي والسفلي، والهواء ممدود ويجمع على الأهوية، وهوى النفس مقصور ويجمع على أهواء.
قوله: (وغرز جذع في حائط، وهو مضمون إلا أن يذكر مدة، فإجارة تنفسخ بالهدامه)
أي وجاز بيع موضع غرز جذع وهو مضمون في ذمة البائع متى أنهدم، فإنه يعيده إلا أن يذكر مدة معلومة، فيكون العقد عقد إجارة فتنفسخ بانهدام الحائط.
والجذع بكسر الجيم وسكون الدال المعجم.
_________________
(١) قاله في الأوسط بعد قول خليل: ورد البيع في لأضربنه. ولم أجد بعد الجزء الثالث من الكبير.
(٢) ن: يخلصه
(٣) التاج والإكليل للمواق: ج ٦، ص: ٨٤.
[ ٢ / ٤٧٨ ]
قوله: (وعدم حرمة) أي وهذا من شروط المعقود عليه وهو مستغنى عنه بقوله: وعدم نهي والمحرم منهي عنه، لعله كرره ليرتب عليه ما بعده من قوله: (ولو لبعضه) أي ومن شروط المعقود عليه ثمنا كان أو مثمونا عدم الحرمة ولو الحرمة ببعضه، لأن الصفقة إذا جمعت حلالا وحراما فسد العقد، خلافا لابن القصار فإنه قال: يصح منه ما كان حلالا ويفسد منه ما كان حراما.
قوله: (وجهل بمثمون أو ثمن) أي ويشترط في الثمن والمثمون عدم الجهل، فلا يصح البيع إلا إذا علم المتعاقدان معا الثمن والمثمون، وإلا فسد، فمتى حصل الجهل فيهما، أو في أحدهما عند أحد المتعاقدين فسد البيع.
قال القرافي في أنوار البروق وأصل الغرر هو الذي لا يدرى هل يحصل أم لا؟ كالطير في الهواء والسمك في الماء.
وأما ما علم حصوله وجهلت صفته فهو المجهول كبيعه ما في كمه فهو يحصل قطعا، ولكن لا يدرى أي شيء هو (^١).
القاعدة أن كل تصرف لا يترتب عليه مقصوده لا يشرع (^٢)، ولذلك لا يجوز في البيع الجهل بالثمن والمثمون.
وقوله: (ولو تفصيلا، كعبدي رجلين بكذا فأحرى جملة أي ولو كان الجهل في ذلك في التفصيل وأحرى جملة، كزنة بحجر مجهول، ومثل الشيخ أي للتفصيل فقال: كعبدي رجلين.
والجهل بالتفصيل كالجهل بالجملة، فلا يشرع عقد البيع مع الجهل ولا الغرر، لأن مقصوده تنمية لما جهل تفصيله دون جملته، وهو أن يشتري عبدي رجلين سلعتيهما في صفقة واحدة، ولم يعين ما لكل واحد منهما مانابه من الثمن، فإن كان ذلك بعد التقويم جاز ويقض الثمن على القيمتين.
قوله: (ورضل من شاة) هذا مثال لما جهلت صفته أي فلا يجوز بيع رطل من شاة قبل سلخها لأنه لحم مغيب، وقد نص في المدونة على عدم الجواز.
قال أشهب: أكرهه فإن جسها وعرفها وشرع في الذبح جاز.
وحكى ابن شعبان قولا بالجواز من غير كراهة، والأول هو المشهور.
_________________
(١) أنوار البروق: الفرق الثالث والتسعون والمائة بين قاعدة المجهول وقاعدة الغرر: ج ٣، ص: ٢٢١.
(٢) الذخيرة للقرافي: ج ٤، ص: ٣٤١.
[ ٢ / ٤٧٩ ]
قوله: (وتراب صائغ) أي وكذلك لا يجوز بيع تراب صائغ، إذ لا يدرى هل فيه شيء أم لا؟ وعلى تقديره هل هو قليل؟ أو كثير، هو مثال لما جهل قدره.
قوله: (ورده مشتريه ولو خلصه وله الأجر) أي فإن وقع ذلك البيع في تراب صائغ، فإن مشتريه يرده لربه ولو خلص ما فيه، وللمبتاع أجر تخليصه إياه، لئلا يذهب عمله باطلا.
قوله: (لا معدن ذهب أو فضة) أي لا يمنع بيع تراب معدن ذهب أو فضة فإنه يجوز؛ لأنه حجارة معروفة يمكن حزرها على المشهور، والجواز في معدن الذهب على القول الأقوى، وأما تراب معدن الفضة فيجوز باتفاق.
قوله: (وشاة قبل سلخها) أي ويجوز شراء شاة مذبوحة قبل سلخها قياسا على بيعها وهي حية، ولا تراد إلا للذبح، والفرق بينهما وبين الرطل أن الشاة يضمنها بالعقد المبتاع، ولا يضمن الرطل مشتريه.
قوله: (وحنطة في سنبل وتبن، إن بكيل) أي ويجوز بيع حنطة في سنبل، كان قبل الحصاد أو بعده وقبل الدرس، أو كانت الحنطة في تبن بعد الدرس وقبل التذرية، لأنه يعلم حال الحنطة في السنبل بالسلت وفي التبن بالتذرية، وهذا كله إن كان البيع فيهما بكيل وإلا فلا يجوز، ويغتفر في تأخير القبض فيه نصف شهر، ولا يقال في ذلك معين يتأخر قبضه.
قوله: (وقت جزافا) أي ويجوز بيع الحب جزافا أي في حال كونه مجمعا أو حال كونه جزافا، والقت هو الحزم التي تعمل عند حصاد الزرع أي ويجوز بيع الحب جزافا في حال كونه قتا أي مجمعا.
قوله: (لا منفوشا) أي ولا يجوز بيع الزرع في حال كونه منفوشا أي مفترقا، لقوة الغرر فيه لأنه لا يمكن حزره.
قوله: (وزيت زيتون بوزن) أي ويجوز بيع زيت زيتون قبل عصره، إن كان ذلك بوزن لا بكيل، إلا أن يكون عادتهم فيه الكيل فيجوز.
وهذا كله (إن لم يختلف) خروجه، وأما إن اختلف فلا يجوز، (إلا أن يخير) من جهل ذلك منهما بائعا كان أو مبتاعا.
قوله: (ودقيق حنطة) أي ويجوز بيع دقيق حنطة قبل الطحن وهو في ضمان البائع، ولو لم يقل الشيخ في الحنطة إن لم يختلف خروجه، لأن خروجه متساويا أو
[ ٢ / ٤٨٠ ]
متقاربا.
قوله: (وصاع، أو كل صاع من صبرة، وإن جهلت) أي ويجوز بيع صاع من صبرة بكذا، أو كل صاع منها بكذا، وإن جهل قدر الصبرة، وأحرى إن علم إذا جاء جزاء الصبرة متساويا، وليس المقصود من الحبوب أعيان آحادها.
قوله: (لآمنها، وأريد البعض) أي فلا يجوز البيع من الصبرة، إن أريد بلفظ من التبعيضية لأن البعض يقل أو يكثر، وأما إن أريد بها بيان الجنس فإنه يجوز.
قوله: (وشاة، واستثناء أربعة أرطال. ولا يأخذ لحم غيرها) أي ويجوز بيع شاة واستثناء أربعة أرطال من لحمها، إذا كانت الأرطال قليلة بالنسبة إلى الشاة، والشاة ليس بشرط، كذلك البعير والبقرة، ولا يجوز استثناء أكثر من أربعة أرطال على المنصوص، واستحب بعضهم أن يزاد على أربعة في البعير والبقرة، فإن استثنى الأرطال الأربعة فلا يأخذ لحم غير المستثنى ذلك منهما، لأنه بيع الطعام قبل قبضه، وبيع لحم بالحيوان.
قوله: (وصبرة) أي ويجوز بيع صبرة ويستثني منها قدر الثلث فأقل لنفسه، وذكر القدر يدل على أنه أراد الكيل لا الجزء.
قوله: (وثمرة، واستثناء قدر ثلث) أي ويجوز بيع الثمر المعلق في رؤوس الشجر، ويستثني منها الثلث فأقل لنفسه، وذكر القدر يدل على أنه ما أراد الكيل في الجزء.
قوله: (وجلد وساقط بسفر فقط) أي ويجوز بيع حيوان واستثناء جلده فقط، وساقط في سفر فقط لا في حضر إذ لا ثمن لذلك في السفر بخلاف الحضر، خلافا لابن يونس، فإنه قال: لا يكره ذلك في حضر ولا في سفر.
قوله: (وجزء مطلقا) أي وجاز بيع صبرة وثمرة وحيوان ويستثني جزء منه مطلقا حضرا أو سفرا، قل الجزء أو كثر، وإن كان الحيوان بيع للذبح.
قوله: (وتولاه المشتري) أي وتولى المشتري المبيع، (ولم يجبر) المشتري (على الذبح فيهما) أي في مسألة الساقط والجزء، (بخلاف) مسألة (الأرطال)، فإنه يجبر على الذبح، لأنه دخل على أن يدفع له اللحم وهو لا يأخذ لحم غيرها، ومسألة الأرطال ليس لنافيها إلا اتباع المتقدمين، وأما من جهة القياس فلا يجوز إذا قلنا المستثنى مبقى، لأن المشتري لا يعلم ما اشترى، وإن قلنا المستثنى مشتري، والبائع اشترى
[ ٢ / ٤٨١ ]
لحما مغيبا. انتهى.
وإن قلنا أن المستثنى مبقى يجوز بيعه قبل قبضه، وإن قلنا أنه مشترى لا يجوز بيعه قبل قبضه.
قوله: (وخير في دفع رأس أو قيمتها وهي أعدل، وهل التخيير للبائع أو للمشتري؟ قولان) أي وخير الإمام مالك تخلله في دفع مثل رأس، يريد أو جلد أو قيمتهما وهي أعدل، وهل هذا التخيير للبائع فيأخذ أيهما شاء أو التخيير للمبتاع فيدفع أيهما شاء؟ فيه قولان.
لو أسقط المصنف لفظ دفع لأنه يقتضي أن الخيار إنما كان للمبتاع فقط. انتهى.
وهذه المسألة من المسائل الأربع التي قضى فيها في المدونة بالمثل، وإن كانت من ذوات القيم.
الثانية: إذا وهب لرجلين شاة، لأحدهما اللحم، وللآخر الجلد، فلصاحب اللحم أن يدفع له مثل الجلد، فإن ولدت الشاة، فالولد لصاحب اللحم.
الثالثة من أولد مخدمة فاليدفع مثلها للمخدم.
الرابعة في كتاب الغصب حيث قال: ورفا الثوب مطلقا. انتهى.
انظر أنث الشيخ الرأس هنا، وفي الحج حيث قال: وتجفيفها وإنما يؤنثه العامة.
قوله: (ولو مات ما استثني منه معين ضمن المشتري جلدا وساقطا) أي لأنه لا يجبر على الذبح فيهما.
وقوله: (لا لحما) أي بخلاف الأرطال فإنه لا يضمنها لأنه شريك، وأحرى الجزء فإنه لا يضمنه.
[شروط الجزاف]
قوله: (وجزاف إن ريء ولم يكثر جدا، وجهلاه، وحزرا واستوت أرضه، ولم يعد بلا مشقة، ولم تقصد أفراده، الجيم في جزاف مثلثة أي ويجوز بيع جزاف بشروط سبعة، وأجيز للضرورة، وهو من المستثنيات لأنه مجهول، والمستثنيات في الشرع كثيرة.
فشروط جواز بيع الجزاف أن يكون مرئيا، وأن لا يكون كثيرا جدا بحيث لا يمكن حزره، وأن يكون المتبايعان يجهلان قدره، وأما إن علماه أو علمه أحدهما فلا يجوز بيعه جزافا، وأن يكونا من أهل الحزر والتقدير، ولذلك أسقط الضمير في حزر، وأن يكون استوت أرض الجزاف، فإن كان في حفرة أو مكان علو فلا يجوز،
[ ٢ / ٤٨٢ ]
وأن يكون العد فيه مشقة، وأما ما لا مشقة في عده فلا يجوز، كالعبيد والثياب مثلا، وأن يكون لم تقصد أفراده كالطعام، إذ لا يتعلق الغرض بقمحة دون قمحة بخلاف الثياب، فإن الغرض يتعلق بثوب دون الآخر، وأما إن كانت أفراده تقصد فلا يجوز، كالإبل والبقر والعبيد.
قوله: (إلا أن يقل ثمنه) أي فلا يجوز بيع ما كانت أفراده تقصد جزافا، إلا أن يكون قليل الثمن، كالبطيخ والبيض والأترج، فيجوز بيعه جزافا، ولو كانت أفراده تقصد.
وقوله: (لا غير مرئي) هو مفهوم قوله: إن ريئ، وقد يكتفي بالمفهوم وقد يصرح به.
قوله: (وإن ملء ظرف) ملء بكسر الميم، مقدار ما يلي الشيء أي ولا يجوز بيع جزاف غير مرئي، وإن كان ملء أظرف، (ولو) ملئ (ثانيا بعد تفريفه)، لأنه قصد الشراء بالمكيال المجهول، (إلا في) مثل (كسلة تين)، فإنه يجوز، لأن السلة بمنزلة المكيال عندهم.
قوله: (وعصافير حية بقفص)، معطوف على قوله: لا غير مرئي أي فلا يجوز بيع عصافير حية في قفص، لأنه لا يمكن حزرها، لأنها يدخل بعضها في بعض. وقوله: حية، مفهومه لو كانت ميتة لجاز، إذ يمكن حزرها، (و) كذلك لا يجوز بيع (حمام) كائن في (برج)، إذ لا يمكن حزرها، لتداخل بعضها في بعض. انتهى.
قال المواق: هذا الفرع مقحم هنا.
قال ابن المواز: قال ابن القاسم: لا بأس ببيع ما في البرج من حمام، أو بيعه بحمامه جزافا.
وسمعه أصبغ وقال: إذا عاينه وأحاط به نظرا أو معرفة. انتهى (^١).
مسألة: ذكر ابن فتوح (^٢) عن الشيخ أبي الوليد أن البرج إذا بيع ولم يذكر حمامه، أن الحمام للبائع حتى يشترطه المبتاع.
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق: ج ٦، ص: ١٠٦.
(٢) أبو محمد عبد الله بن فتوح بن موسى بن عبد الواحد السبتي ثم الأندلسي: الفقيه العالم والإمام الفاضل. ألف الوثائق المجموعة جمع فيه كتب الوثائق. كانت وفاته نحو الستين وأربعمائة. شجرة النور الزكية: ج ٢، ص: ١٧٦، الترجمة: ٣٧٠.
[ ٢ / ٤٨٣ ]
قال: وهو خلاف ابن العطار.
ذكر أبو الوليد في كتابه الكبير: أن بيع الطير في القفص جزافا وبيع النحل جزافا جائز بالتفاق، لعدم القدرة على عدها (^١)، وبيع الحمام في الأبراج جزافا فيه قولان الجواز والمنع وعند قوله: كان حمامه للمبتاع، فرق الشيخ أبو الوليد بين النحل والحمام، فجعل النحل للمبتاع، والحمام للبائع. انتهى من الفيدة.
قوله: (وثياب) أي ولا يجوز بيع ثياب جزافا، وهذا مفهوم قوله: ولم تقصد أفراده، إذ الثياب لا مشقة في عدها، وهي تقصد أفرادها.
قوله: (ونقد، إن سك) أي ولا يجوز بيع أحد النقدين ذهبا كان أو فضة، إذا كان مسكوكا، (و) الحال أن (التعامل) فيه بالعدد، وإلا جاز أي وإن لم يكن مسكوكا أو كان مسكوكا، والتعامل فيه بالوزن جاز بيعه جزافا.
قوله: (فإن علم أحدهما بعلم الآخر بقدره خير أي وإن علم أحد المتبايعين بعلم الآخر بقدر الجزاف، خير في إمضاء البيع أو رده، (وإن أعلمه أولا) قبل العقد بقدره (فسد) البيع فيه.
قوله: (كالمغنية) تشبيه لإفادة الحكم أي وإن أعلمه بعد العقد أنها مغنية، خير في إمساكها أو ردها، وإن أعلمه أولا قبل العقد أنها مغنية، فإن البيع فيها يفسد، وينبغي أن يقيد هذا بما إذا بينه له على وجه المدح ليزيد في الثمن، وأما إن بينه على أنه عيب فلا يفسد.
قوله: (وجزاف حب مع مكيل منه، أو أرض) أي ولا يجوز بيع جزاف حب مع مكيل منه في صفقة واحدة، وكذلك لا يجوز بيع جزاف حب مع مكيل من أرض في صفقة واحدة.
قوله: (وجزاف أرض مع مكيله) أي وكذلك لا يجوز بيع أرض جزافا مع مكيل من الحب في صفقة واحدة.
قوله: (لا مع حب) أي لا يمنع بيع أرض جزافا مع مكيل من الحب في صفقة لأن كلا منهما على أصله.
_________________
(١) البيان والتحصيل لابن رشد: ج ٨، ص: ١٩
[ ٢ / ٤٨٤ ]
[ما يجوز في الجزاف]
قوله: (ويجوز جزافان، ومكيلان) أي ويجوز بيع جزافين من الحب في صفقة واحدة، اتحد الجنس أو النوع أم لا، وكذلك يجوز بيع مكيلان من الحب في صفقة واحدة، اتحد النوع أو الجنس أم لا.
قوله: (وجزاف مع عرض) أي ويجوز بيع جزاف حب مع عرض في صفقة.
قوله: (وجزافان على كيل، إن اتحد الكيل والصفة) أي وكذلك يجوز بيع جزافين على كيل، بشرط أن يتحد الكيل فيهما واتحاد الصفة فيهما.
قال ابن عبد الكريم فيه أربع صور:
الأولى: إذ اتحدت الصفة والكيل، كصبرتين من طعام بيعت كل واحدة منهما جزافا على أن كل ثلاثة أمداد بدرهم وهي جائزة اتفاقا، وإن كانت إحدى الصبرتين أكبر من الأخرى.
الثانية: إذ اختلف الكيل والصفة، كصبرتي قمح وشعير بيعت كل واحدة منهما جزافا على أن إحداهما ثلاثة أمداد بدرهم، والأخرى أربعة منها بدرهم وهي ممتنعة اتفاقا، لقوة الجهالة لكثرة الاختلاط.
الثالثة: إذا اتحد الكيل واختلفت الصفة، كصبرتي قمح وشعير بيعت كل واحدة منهما جزافا على أن إحداهما ثلاثة أمداد منهما بدرهم.
الرابعة: إذ اتحدت الصفة واختلف الكيل، كصبرتي طعام واحد بيعت كل واحدة منهما جزافا على أن كل ثلاثة أمداد منها بدرهم، والأخرى كل أربعة منها بدرهم، وكل من الصور ممتنع على المعتمد من المذهب نظرا لطرف الاختلاف. انتهى.
قوله: (ولا يضاف لجزاف على كيل غيره) أي ولا يضاف على عقد جزاف غيره (مطلقا)، كان مما أصله أن يباع جزافا أم لا.
قوله: (وجاز برؤية بعض المثلي) أي وكفى رؤية بعض المثلي في غير الجزاف، وأما الجزاف فلا بد من رؤيته كله، فإن ظهر له خلاف ما قد رآه من بعض المثلي، فله الخيار في قبوله وسخطه.
قوله: (والصوان) أي وكذلك يكفي رؤية بعض الصوان من ذي صوان كالبيض والرمان.
[ ٢ / ٤٨٥ ]
الصوان بضم الصاد وكسرها هو الوعاء.
قوله: (وعلى البرنامج) أي ويجوز البيع على البرنامج.
البرنامج: لفظة فارسية أعربت، والمراد به الدفتر المكتوب فيه صفات ما في العدل.
والبرنامج بفتح ميمه وبكسرها، وكذلك الباء فيه.
قوله: (ومن الأعمى) أي ويجوز البيع من الأعمى وشراؤه بالصفة لضرورة التعامل.
قال ابن شاس: سواء طرأ عليه العمى أو ولد أعمى.
قال الأبهري: لا يصح بيع من ولد أعمى ولا شراؤه، لأنه لا يقف على حقائق المدرك بمجرد الوصف (^١).
وكذلك يجوز البيع من الأصم والأبكم، وأما إن كان أصم أبكم أعمى لم يجز شيء من عقوده لا في معاملة ولا في مناكحة، وإن كان أصم أعمى، فالظاهر المنع قياسا على عدم حده إذا زنا.
قال ابن فرحون: لأنه لم تبلغه الدعوة. انتهى.
قوله: (وبرؤية لا يتغير بعدها) أي ويجوز عقد البيع على رؤية متقدمة لا يتغير بعدها المبيع، مفهومه أنه إذا كان يتغير بعدها فلا يجوز شراؤه، وقيل: يجوز، وإن كان يتغير بعد الرؤية.
قوله: (وحلف مدع لبيع برنامج أن موافقته للمكتوب) حقه أن يوصل بقوله: وعلى البرنامج لأنه منه أي وحلف مدع ببيع برنامج إذ موافقته أي لأجل موافقته للمكتوب، وإذ بمعنى لأجل.
وفي بعض النسخ أن موافقته وفي بعضها أو موافقته.
قوله: (وعدم دفع رديء أوناقص) أي وكذلك يحلف مدع عدم دفع رديء أو ناقص أنه ما دفع في علمه إلا جيدا، ولا دفع إلا كاملا، إنما يحلفان إذا لم يصدقا، وأما إن صدقا أو قامت بينة فلا يمين.
قوله: (وبقاء الصفة) أي وكذلك يحلف من ادعى بقاء المبيع على الصفة السابقة في الرؤية المتقدمة، إذ اختلفا في بقاء المبيع على الصفة، فالقول قول البائع
_________________
(١) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ٢، ص: ٦٢٧.
[ ٢ / ٤٨٦ ]
مع يمينه، لأن الأصل بقاء الصفة، وكذلك القول قوله إن لم يتقدم مدة يتغير فيها المبيع عادة.
وقوله: (إن شك) هو قيد في وحلف، وهو راجع إلى المسائل الأربع.
قوله: (وغائب ولو بلا وصف على خياره بالرؤية) أي وجاز بيع شيء غائب ولو بلا وصف أحرى بالوصف، على خيار المبتاع بالرؤية.
قوله: (أو على يوم) أي ويجوز بيع شيء غائب على مسافة يوم أو يومين.
وقال في المدونة: ومن باع عروضا أو رقيقا أو ثيابا بعينها حاضرة أو غائبة قريبة الغيبة، مثل يوم أو يومين جاز (^١)، لكن لم يذكره إلا مع الوصف أو الرؤية لقوله بعينها.
قوله: (أو وصفه غير بائعه) لو أسقط المصنف تحمله لفظة غير لكان أحسن.
وقال ابن عبد الكريم في مفتاح الكنوز: قوله: ووصفه غير بائعه جاء بجملة خبرية، ليشعر بالأولوية دون الشرطية، لقوله في توضيحه: لا يشترط.
قال القرافي في أنوار البروق: ويشترط في صفة الغائب أن يصفه بصفاته التي تتعلق الأغراض بها؛ وهي شروط التسليم ليكون مقصود المالية حاصلا، فإن لم يذكر الجنس بأن يقول: ثوب أو عبد امتنع إجماعا، بسبب توقع المخالفة الغرض عند الرؤية. انتهى (^٢).
قوله: (إن لم يبعد) أي وجاز بيع الشيء الغائب إن لم يبعد جدا، (ك) بعد (خراسان من إفريقية)، وأما إن بعد جدا فلا يجوز، لتوقع تغيره قبل التسليم، أو يتعذر تسليمه (ولم تمكن رؤيته بلا مشقة)، وأما إن أمكن رؤية الغائب المبيع بلا مشقة فلا يجوز فيه البيع، لأنه عدول عن اليقين إلى توقع الغرر.
قال القرافي في أنوار البروق في أنواع الفروق:
تنبيه: حيث اشترطنا الصفات في الغائب أو السلم، فينزل كل وصف على أدنى رتبة، وصدق مسماه لغة؛ لعدم انضباط مراتب الأوصاف في الزيادة والنقص، فيؤدي ذلك للخصام والقتال والجهالة بالمبيع. انتهى (^٣).
_________________
(١) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ٣، ص: ٦٤.
(٢) أنوار البروق للقرافي: ج ٣، ص: ٣٩٦. الفرق السابع والثمانون والمائة بين قاعدة ما يجوز بيعه على الصفة وبين قاعدة ما لا يجوز بيعه على الصفة.
(٣) أنوار البروق للقرافي: ج ٣، ص: ٤٠٠. الفرق السابع والثمانون والمائة بين قاعدة ما يجوز بيعه
[ ٢ / ٤٨٧ ]
قوله: (والنقد فيه ومع الشرط في العقار) أي ويجوز النقد في ثمن المبيع الغائب، إذا كان بغير شرط في غير العقار، ويجوز النقد فيه مع الشروط، إذا كان المبيع عقارا، وكذلك كل ما يؤمن تغيره.
والعقار: الأرض وما يتصل بها من بناء وشجر.
قوله: (وضمنه المشتري) أي ويضمن المبتاع العقار بالعقد لا من تغيره، وهذا إذا وصفه غير بائعه وكان جزافا، وأما إن كان بالعدد والذرع (^١) فلا يضمنه لما فيه من حق التوفية.
قوله: (وفي غيره إن قرب كاليومين، وضمنه بائع) أي ويجوز النقد بالشرط في غير العقار ولو كان حيوانا، إن قربت غيبته، كاليومين، ويضمنه البائع لأنه غير عقار. غفل الشارح هنا رحم.
قوله: (إلا لشرط) أي ويضمن المبتاع العقار، والبائع في غير العقار، إلا لشرط، فينتقل الضمان من المبتاع في العقار إلى البائع، ومن البائع في غير العقار إلى المبتاع.
قوله: (أو منازعة) أي وكذلك إن تنازع المتبايعان في كون السلعة الغائبة سالمة حين العقد أو لا، إنما يتصور هذا في ضمان المشتري، لأن الأصل أن يصادفه العقد سالما فيستصحب، وحيث يكون الضمان من المشتري بعد أن يكون البيع عقارا، أو اشترط عليه في غير العقار.
قوله: (وقبضه على المشتري) أي وقبض الشيء المبيع غائبا على المشتري.
[موانع البيع]
قوله: (وحرم في نقد وطعام ربا فضل ونساء)، لما فرغ من أركان البيع وهي: الصغة، والعاقد، والمعقود عليه، شرع يذكر موانع تمنع من صحته بعد حصول أركانه.
قال القرافي: إذا شرف الشيء وعظم في نظر الشرع كثرت شروطه وشدد في حصوله تعظيما له، لأن شأن كل عظيم أن لا يحصل بالطرق السهلة، حفت الجنة
على الصفة وبين قاعدة ما لا يجوز بيعه على الصفة
_________________
(١) ن: والوزن
[ ٢ / ٤٨٨ ]
بالمكاره، ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جهدوا منكم ويعلم الصبرين﴾ [آل عمران: ١٤٢] أي الصابرين على آلام المجاهدات، فمن هذه القاعدة النكاح لما شرف قدره بكونه سبب الاعفاف، ومن أعظم مغايظ الشيطان، ووسيلة لتكثير العباد، وحاسما لموارد الفساد، شدد الشرع فيه، فاشترط الصداق والبينة والولي، بخلاف البيع والنقدان لما عظم خطرهما، بكونهما مناط الأعراض ورؤوس الأموال وقيم المتلفات، ونظام العالم، شدد الشرع فيهما، بحيث لا يباع واحد بأكثر منه ولا بنسيئة بخلاف العروض، وكذلك الطعام لما كان لجنس الحيوان وبه قوام بنية الإنسان، والمعونة على العبادة، وأسباب السيادة والسعادة، شدد الشرع فيه بحيث لا يباع قبل قبضه فعلى هاتين القاعدتين تخرج أكثر مسائل المقاصة في الديون. انتهى (^١).
قوله: وحرم في نقد أي يحرم في نقد وهو الذهب والفضة، كان مسوغا أو مسكوكا أو تبرا ربا فضل أي بزيادة من جنس واحد، وكذلك يحرم فيه ربا نساء كانا من جنس واحد أو من جنسين، واختلف في الربا المنهي عنه في الكتاب العزيز في قوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا﴾ [البقرة: ٢٧٨] قيل: هو ربا الجاهلية، إما أن يقضي له أو يربي له، وقيل: الربا هو كل بيع فاسد، وقيل: الربا هو التفاضل فيما لا يجوز فيه التفاضل.
وقيل: النهي عن الربا تعبد لم تظهر لنا علته، وقيل معلل. انتهى.
فاشترط في النقديين المساواة والتناجز على التعليل هل العلة الثمنية؟ وعليه الربا يدخل فيه كل ما يكون ثمنا وإن لم يكن غالبا كالودع في بلاد تنبكت ونحوها، أو العلة لغلبة الثمنية، كالنقدين فلا يكون ربا فضل ونساء في غيرهما، وقال في المدونة: ولو جرت الجلود بين الناس مجرى العين المسكوك لكرهت بيعها بالذهب أو الفضة نظرة (^٢).
قوله: وطعام يعني طعاما ربويا فيحرم فيه ربى فضل من جنس واحد وربي نساء من جنسين.
قوله: (لا دينار ودرهم أو غيره بمثلهما) أي فلأجل طلب المماثلة لا يجوز بيع دينار ودرهم وغيره مثليا كان أو غيره بمثلهما، وهو دينار ودرهم أو غيره، خشية أن
_________________
(١) الذخيرة للقرافي: ج ٥، ص: ٢٩٨.
(٢) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ٣، ص: ٢.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
تكون الرغبة في أحد الدينارين أو أحد الدرهمين، فيقابله من الجهة الأخرى أكثر، فيؤدي ذلك إلى التفاضل بين الدينارين أو الدرهمين.
قوله: (ومؤخر) أي ولا يجوز التأخير بين النقدين، (ولو كان التأخير (قريبا)، وأحرى إن كان بعيدا.
قوله: (أو غلبة، أو عقد ووكل في القبض) أي ولو كان التأخير بسبب غلبة، سواء غلبا معا أو أحدهما أو غلب غيرهما، كما إذا جعل الدنانير والدراهم بيد رجل لينظرها، فغلب ذلك الرجل فإن ذلك يمنع من المناجزة كالمفارقة اختيارا، وكذلك إن عقد الصرف ووكل غيره على القبض، فإن ذلك يمنع المناجزة، ظاهره وإن كان شريكه، ظاهره وإن حضر عند القبض، وقيل إن حضر القبض فلا يضر.
قوله: (أو غاب نقد أحدهما وطال أي وكذلك يمنع المناجزة في الصرف غيبة نقد أحدهما إذا طال ذلك، إذ هو صرف على الذمة، وإن كانت غيبة نقد أحدهما قريبة جاز على المشهور، ظاهره وإن علم صاحبه بغيبة نقده وهو ظاهر المدونة.
وقيل: معنى ما في المدونة إن لم يعلم.
قوله: (أو نقداهما) أي ويمنع المناجزة غيبة نقديهما معا طال أو لم يطل، لأن استسلا فهما معا مظنة التأخير، والتعليل بالمظان لا يتخلف الحكم فيه عند تخلف العلة.
غفل الشارح هنا تحمله الله.
قوله: (أو بمواعدة) أي ولو كان التأخير بسبب مواعدة، فإن ذلك يمنع المناجزة، كما إذا قال: اذهب إلى السوق لا صرف عندك.
قوله: (أو بدين إن تأجل، وإن من أحدهما) أي ولو كان التأخير بسبب دين، إن تأجل ذلك الدين، وإن كان التأجيل من أحد الدينين، كما إذا كان لأحدهما على الآخر دين دنانير وللآخر عليه دين دراهم، فإن كان الدينان قد حلا فذلك جائز، وإن لم يحلا أو لم يحل أحدهما لا يجوز، وهو صرف ما في الذمة.
قوله: (أو غاب رهن، أو وديعة) أي ولا يجوز صرف رهن غائب، أو وديعة غائبة، ولوسك) الرهن أو الوديعة.
قوله: (كمستأجر، وعارية، ومغصوب، إن صيغ إلا أن يذهب) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يمنع صرف مستأجر وعارية غائبة، وكذلك لا يجوز صرف مغصوب، إن كان مسوغا، وأما إن كان مسكوكا يجوز صرفه، وكذلك إن أتلف المغصوب، (فيضمن)
[ ٢ / ٤٩٠ ]
الغاصب (قيمته)، يجوز صرف تلك القيمة، لأنها دين حل، وهو المراد بقوله: (فكالدين) والمستأجر والمعار لا يكونان إلا مسوغان، وهو من باب صرف الكلام لما يصلح له.
قوله: (وبتصديق فيه، كمبادلة ربويين، ومقرض ومبيع لأجل، ورأس مال سلم، ومعجل قبل أجله) إلى آخر النظائر أي وهذه المسائل يمنع فيها التصديق أي وحرم التصديق في الصرف في العدد أو الوزن أو الجودة خيفة ترقب الحل، فإن وقع ونزل فلا يفسخ، كما يمنع التصديق في مبادلة ربويين خيفة وجد النقص لأنه يؤدي إلى التأخير بين الطعامين، وكذلك يمنع التصديق في القرض خيفة وجود النقص فيسكت فيكون هدية المديان، فإن وقع ونزل هل يفسخ أم لا؟ وكذلك يمنع التصديق في مبيع بأجل ورأس مال سلم، ومعجل قبل أجله وهذا كالقرض. انتهى.
قوله: (وبيع وصرف) أي وحرم بيع وصرف في صفقة واحدة، لأن البيع يجوز فيه الخيار والصرف لا يجوز فيه، والتوقع حل الصرف لترقب عيب في المبيع أجازه أشهب. انتهى.
وأنشد بعضهم على هذا فقال: (^١)
عقود منعناها مع البيع ستة … ويجمعها في اللفظ جص مشنق
فجعل وصرف والمساقاة شركة … نكاح قراض منع هذا محقق
فالجيم للجعالة، والصاد للصرف، والميم للمساقاة، والشين للشركة، والنون للنكاح، والقاف للقراض.
قوله: (وبيع وصرف إلا أن يكون الجميع دينارا) أي حرم بيع وصرف في صفقة، إلا أن يكون البيع والصرف في الدينار الواحد فيجوز، كما إذا دفع دينارا واحدا وأخذ في بعضه دراهم وفي بعضه الآخر غيرها.
قوله: (أو يجتمعا فيه) أي وكذلك إذا اجتمع البيع والصرف في دينار واحد، مثاله أن يدفع عشرة دنانير ويأخذ مائة وتسعين درهما وسلعة بالمائة وثمانين درهما
_________________
(١) ذكرها التسولي في البهجة في شرح التحفة المؤلف: أبو الحسن علي بن عبد السلام التسولي: ج ٢، ص: ١٤ دون ذكر لقائلها. دار النشر: دار الكتب العلمية - لبنان/ بيروت - ١٤١٨ هـ. - ١٩٩٨ م الطبعة: الأولى تحقيق: ضبطه وصححه: محمد عبد القادر شاهين.
[ ٢ / ٤٩١ ]
مقابلة لتسعة دنانير، والعشرة الباقية والسلعة مقابلة للدينار العاشر.
قوله: (وسلعة بدينار، إلا درهمين إن تأجل الجميع، أو السلعة، أو أحد النقدين، بخلاف تأجيلهما) أي وحرم بيع سلعة بدينار إلا درهمين إن تأجل الجميع، كما إذا دفع سلعة ودرهمين في الدينار إن تأجل الجميع وهو الدينار والدرهمان والسلعة، أو تؤجل السلعة وحدها أو تأجل أحد النقدين وهذه ثلاث صور لا تجوز، وأما إن تأجل النقدان مع الدينار والدرهمين أو تأجل الجميع فهذه صورتان جائزتان، واختصار ما ذكره المصنف يمنع سلعة بدينار إلا درهمين إن تأجلت السلعة أو أحد النقدين أو الجميع بخلاف تأجيل النقدين (أو كدراهم من دنانير بتعجيل الجميع) فيجوز.
قوله: (كدراهم من دنانير ب) شرط (المقاصة) تشبيه لإفادة الحكم في الجواز فقط، كما يجوز استثناء دراهم من دنانير بشرط المقاصة، (ولم يفضل شيء من الدراهم بعد المقاصة، كما إذ اشترى ستة عشر ثوبا مثلا بستة عشر دينارا كل دينار إلا درهم والصرف ستة عشر، إذ كأنه اشتراها بخمسة عشر دينار فهذا جائز وإن تأجل النقدان.
غفل الشارح هنا نعم الله وكم أجاد وأصلح.
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها … كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
والكمال كله لله.
قوله: (شيء. وفي الدرهمين كذلك) أي والحكم في فضل الدرهمين كما تقدم في التفصيل في الدينار إلا درهمين إن تأجل الجميع، فلا يجوز لأنه صرف متأخر، والسلعة إن كانت معينة فهو معين يتأخر قبضه، وإن لم تكن معينة فهو دين بدين.
غفل البساطي هنا نعم الله.
قوله: (وفي أكثر كالبيع والصرف) أي والحكم في فضل أكثر من درهمين فحكمه حكم البيع والصرف وقد تقدم.
قوله: (وصائغ يعطى الزنة والأجرة) أي ولا يجوز إعطاء قدر الزنة لصائغ وأجرة عمله، فيأخذ مثل الزنة مصوغا لأن الأجرة زيادة على وزن حليه.
قوله: (كزيتون وأجرته لمعصره) تشبيه في المنع أي كما لا يجوز أن تأتي بزيتونك وأجرة العصر لمعصر الزيتون، فتأخذ مثل ما يخرج من زيتونك زيتا
[ ٢ / ٤٩٢ ]
وقيل يجوز.
قوله: (بخلاف تبر يعطيه المسافر، وأجرته دار الضرب ليأخذ زنته، والأظهر خلافه)
أي دار السكة أي مسافر اضطر لخوف فوات أصحابه، فإنه يجوز أن يأخذ زنة تبره دنانير أو دراهم، والأظهر لابن رشد خلاف الجواز، وللإمام مالك فيه قولان.
قوله: (وبخلاف درهم بنصف وقلوس أوغيره) كأكبر أي فإنه يجوز للضرورة، والنصف ليس بشرط، وكذلك أقل من النصف لا أكثر، ومفهوم اللقب من الدرهم أن الدينار لا يجوز، مفهوم العدد درهم وأن الدرهمين لا يجوز.
قوله: (في بيع، وسكا، واتحدت، وعرف الوزن، وانتقد الجميع، كدينار إلا درهمين، وإلا فلا) أي إنما يغتفر ذلك في الدرهم بنصف وفلوس إنما هو في بيع أو ما في معناه من إجارة أو كراء، وأما في القرض فلا يغتفر، ويشترط في الدرهم والنصف أن يكونا مسكوكين وأن تتحد السكة فيهما، وعرف وزن كل منهما وانتقد الجميع، يريد أو السلعة يدل عليه (كدينار إلا درهمين) وقد تقدم التفصيل فيه.
قوله: وإلا فلا أي وإن انخرم شرط من هذه الشروط فلا يجوز.
قوله: (، وإلا فلا وردت زيادة بعده لعيبه) أي وترد الزيادة التي زادها أحد المتصارفين لصاحبه بعد عقد الصرف، ثم ظهر عيب في الأصل، فيرد الزيادة لأنها استصلاح للعقد.
قوله: (لا لعيبها، وهل مطلقا أو إلا أن يوجبها أو إن عينت تأويلات) أي ولا ترد السلعة لزيادة لأجل ظهور عيب فيها لأنها كالهبة، وهل هذه الزيادة لا ترد مطلقا عينت أم لا، أو جبها على نفسه أم لا وهو تأويل، أو ترد إلا أن يوجبها على نفسه فلا ترد، فإن علمنا في حاله أنه أوجبها على نفسه فإنها ترد وهو تأويل، وإنما ترد إن عينت، كما إذا قال لصاحبه: أزيدك هذا الدينار أو هذا الدرهم، أما إن قال له: أزيدك دينارا أو درهما غير معين فلا ترد وهو تأويل.
قوله: (وإن رضي بالحضرة بنقص وزن، أو بكرصاص بالحضرة، أو رضي بإثمامه، أو بمغشوش مطلقا صح) أي وإن رضي القابض بالحضرة بنقص وزن أو عدد أو رضي بقبض رصاص أو نحاس بالحضرة أو رضي الدافع لنقص الوزن أو العدد أو الرصاص أو النحاس بإتمامها بالحضرة صح العقد، وكذلك إن رضي القابض بمغشوش مطلقا طال أو لم يطل بحضرة أم لا وقع الصرف على معين أم لا فإن العقد يصح.
[ ٢ / ٤٩٣ ]
قوله: (وأجبر عليه) أي على الإتمام إما بتبديلهم الوزن أو العدد أو تبديل الرصاص أو النحاس (إن لم تعين) ما وقع عليه الصرف من الدراهم أو الدنانير، وأما إن عين فلا يجبر.
قوله: (وإن طال نقض إن قام به) أي وإن طال ما بين العقد والإطلاع على العيب نقض الصرف إن قام بالعيب، وأما إن لم يقم بالعيب فلا ينقض إن رضي به وإن طال، فإن قلت: هذا خلاف مفهوم قوله أولا: وإن رضي بالحضرة.
قلت: قصاراه تعارض المفهومين في محل مختلف فيه فخطبه سهل أي فأمره سهل.
قوله: (كنقص العدد) تشبيه في النقص فقط يسيرا أو كثيرا ولو رضي به لأن الناقص لم يقبض حسا ولا معنى.
أصبغ اليسير كدرهم من ألف، ولابن القاسم كقول أشهب في اليسير كالدانق والدانقين التشبيه بينهما في النقص فقط المعنى كما ينتقض الصرف في نقص العدد قام به أم لا.
قوله: (وهل معين ما غش كذلك) أي فينتقض فيه الصرف ولا يجوز فيه البدل، لأن المعين وغيره سواء، (أو يجوز فيه البدل) إن قام فيه (تردد) في فهم النقل.
وقال اللخمي: لا خلاف أنه يجوز التراضي بالبدل (^١) وهي طريقة أبي بكر بن عبد الرحمن، لأنهما لم يفترقا وفي ذمة أحدهما شيء، فلم يزل مقبوضا إلى حين البدل، بخلاف غير المعين، فإنهما افترقا وذمة أحدهما مشغولة. انتهى من الشارح الصغير (^٢).
قوله: (وحيث نقض) أي وحيث حكمنا بالنقض فيما تقدم بنقص وزن أو عدد أو برصاص أو مغشوش (ف) إنما ينتقض (أصغر دينار) إذا كانت في الدنانير كبار وصغار لأنه لا ينقض إلا ما تدعو الحجة إلى نقضه، وذلك يحصل بنقض الأصغر (إلا أن يتعداه) المردود (ف) ينقض (أكبر منه) وإن تعدى الأكبر فأكبر منه وأصغر ثم كذلك ف (لا) ينقض الصرف في (الجميع).
_________________
(١) تبصرة اللخمي، ج ٥، ص: ٢٧٧٢.
(٢) الشرح الصغير للشيخ بهرام ج ٢، الوحة ١٣ بعد قول خليل في مختصره وهل معين ما غش كذلك يجوز فيه البدل؟ تردد.
[ ٢ / ٤٩٤ ]
قوله: (وهل ولو لم يسم لكل دينار؟) أي وهل لا ينقض الجميع سمى لكل دينار أم لا، وإنما ينقض الجميع هو إذا سمى لكل دينار فيه (تردد) في فهم النقل إنما ينتقد الصرف في الدينار لأن كسره لا يجوز والشركة فيه ممتنعة، وهذا كله إذا اتحدت السكة، (و) أما إذا اختلفت (هل ينفسخ في السكك أعلاها) تأديبا للدافع، لأنه إما مدلس أو مقصر في النظر فيها، (أو ينفسخ (الجميع)، لأن كل درهم له حظ في الدنانير، وكل دينار له حصة في الدراهم في ذلك (قولان).
قوله: (وشرط للبدل جنسية وتعجيل) أي وحيث يجوز البدل شرط فيه جنسية، فإن رد الذهب فلا يأخذ إلا ذهبا والفضة فلا يأخذ إلا الفضة ويشترط فيه التعجيل، فلا يجوز فيه التأخير لأنه صرف متأخر.
قوله: (وإن استحق معين سك) أي وإن استحق معين مسكوك معين (بعد مفارقة) في المكان وإن لم يطل في الزمان، (أو) بعد (طول) في الزمان وإن لم يفارق في المكان نقض الصرف، وتعيين المسكوك إنما يكون بالشرط وإن لم يقبض أو بالقبض وإن لم يشترط.
قوله: (أو مصوغ مطلقا نقض) أي وكذلك ينقض الصرف في المصوغ إذ استحق فارق أم لا طال أم لا وهو مراده بقوله: مطلقا.
قوله: (وإلا صح) هذا راجع إلى مسألة المسكوك لا على المصوغ أي وإن لم تكن مفارقة ولا طول في المسكوك صح فيه العقد.
قوله: (وهل إن تراضيا؟ تردد) أي وهل هذه الصحة مقيدة بما إذا تراضيا بالبدل أو يصح مطلقا فيه تردد في فهم النقل.
قوله: (وللمستحق إجازته) أي وللمستحق لهذا المسكوك إجازة الصرف بحضرته (إن لم يخبر المصطرف) أنه متعد، وأما إن أخبره أنه متعد فلا يجوز إجازة ذلك العقد لأنه دخل على صرف فيه خيار، والخيار الحكمي كالخيار الشرطي.
قوله: (وجاز محلى، وإن توبا يخرج منه، إن سبك بأحد النقدين إن أبيحت، وسمرت، وعجل مطلقا، وبصنفه إن كانت الثلث، وهل بالقيمة أو بالوزن؟ خلاف) أي ويجوز بيع شيء محلى بأحد النقدين للضرورة، والضرورة تبيح بعض الممنوع، كما أن المعروف يبيح بعض الممنوع كالقرض لأن أصله ذهب بذهب أو طعام بطعام إلى أجل وإباحة المعروف.
[ ٢ / ٤٩٥ ]
قوله: بأحد النقدين أي ويجوز بيع محلى بأحد النقدين ذهبا أو فضة، وإن كان هذا المحلى ثوبا يجوز بشروط وهي:
أن يخرج منه غيره إن سك، وأما إن لم يخرج منه فكالعدم، فيجوز بيعه بغير هذه الشروط على المشهور، لأنه مستهلك. وقيل لا يجوز لأنه عين قائمة.
الشرط الثاني: أن يكون المحلى مباحا كالمصحف والسيف وحلي النساء، وأما ما لا يجوز تحليه فلا يجوز بيعه.
الشرط الثالث: أن يجعل الثمن والمثمون بغير صنفه مطلقا كان الأصل تبعا أم لا، ولا يجوز بصنفه إن كان تبعا الثلث فأقل، وهل هذا الثلث إنما يعرف بالوزن بلا قيمة وهو ظاهر الموطأ والموازية أو إنما يعرف بالوزن.
الباجي: وهو ظاهر المذهب.
سبب الخلاف هل تعتبر الصيغة أو لا تعتبر، ومثاله إذا كان وزن ما فيه عشرون مثلا والأصل أربعون وقيمة الصيغة مع الوزن ثلاثون ومن اعتبر الوزن أجاز لأنه ثلث، ومن اعتبر القيمة منع لأنه أكثر من الثلث.
قوله: (وإن حلي بهما لم يجز بأحدهما، إلا إن تبعا الجوهر) أي وإن حلي المحلى بالنقدين معا فلا يجوز بيعه بأحدهما، إلا إذا كانا تبعا للجوهر وهو الأصل فيجوز.
وقال المواق في التاج والإكليل: لو قال: وجاز محلى بأحد النقدين إن أبيحت وسمرت بغير صنفه وإن لم يكن تبعا وبصنفه إن كان الثلث، لتنزل على ما يتقرر (^١).
انتهى هنا الكلام في الصرف.
قوله: (وجازت مبادلة القليل المعدود) أي وجاز للضرورة مبادلة الدراهم بالدراهم أو الدنانير بالدنانير بشروط ثلاثة:
أحدها: أن يكون بلفظ المبادلة.
الثاني: أن يكون ذلك بالعدد لا بالوزن.
الثالث: أن تكون قليلة (دون سبعة بأوزن منها: بسدس، سدس) أو أقل لا أكثر، ولا خلاف في الجواز في الثلاث، كما لا خلاف في منع ذلك في السبعة، وإنما الخلاف في ما بين السبعة والثلاث، مذهب المدونة الجواز وعليه مشى الشيخ، ومذهب الموازية المنع وعليه أصلح سحنون المدونة، وهذه المسألة جاءت على خلاف
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق: ج ٦، ص: ١٧٢. ١٧٣.
[ ٢ / ٤٩٦ ]
الأصل لأنه يحرم في النقدين ربا فضل وهي مما ترك فيه الدليل للتيسير وهي من المستحسنات، والمبادلة عبارة عن بيع مسكوك بمسكوك من نوعه وعدده، والمراطلة بيع الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة وزنا بوزن.
قوله: (والأجود أنقص، أو أجود سكة ممتنع) أي ولا يجوز مبادلة الأجود لأصل أنقص وزنا بالرديء الكامل، وكذلك لا يجوز مبادلة الأجود سكة ناقص الوزن بأكمل أدنى سكة لدوران الفضل من الجانبين.
قوله: (وإلا جان) أي وإن لم يكن الأنقص أجود بل كان مساويا وأحرى إذا كان أردى، فإنه تجوز المبادلة، لأن الفضل من جهة واحدة.
قوله: (ومرا طلة عين بمثله بصنجة أو كفتين) أي ويجوز مراطلة عين بمثله بوزن بصنجة وهو أبلغ في المماثلة، أو بكفتي الميزان وهو أبلغ في المناجزة.
قوله: (ولو لم يوزنا على الأرجح) أي والمراطلة جائزة ولو لم يوزنا للعيان، قيل ذلك على ما اختاره ابن يونس، ومقابله لا يجوز في المسكوك إلا بعد الوزن.
وقوله: (وإن كان أحدهما أو بعضه أجود) مبالغة في الجواز.
قوله: (لا أدنى وأجود) أي ولا تجوز مراطلة الأجود البعض وأدنى البعض، مثاله أن يكون مع أحدهما درهمان إسكندري ومغربي ومع الآخر مصريان فالإسكندري أدنى والمغربي أعلى والمصري متوسط بينهما، فيمنع ذلك لتقابل الفضل من الجهتين.
قوله: (والأكثر على تأويل السكة) صوابه والأقل أي والأكثر من الشيوخ أن قول المدونة ليس على ظاهره بل ظاهرها أن السكة (والصياغة كالجودة)، والمشهور أن السكة والصياغة لا تعتبران وقيل تعتبر الصياغة دون السكة، وفي بعض الحواشي معناه أن الأكثر على تأويل قولها بلسان ظاهرها السكة والصياغة كالجودة ومعناه الأكثر على تأويل السكة والصياغة حالة كونهما في ظاهرها كالجودة.
قوله: (ومغشوس بمثله وبخالص، والأظهر خلافه لمن يكسره أو لا يغش به. وكره لمن لا يؤمن، وفسخ ممن يغش، إلا أن يفوت، فهل يملكه، أو يتصدق بالجميع، أو بالزائد على من لا يغش؟ أقوال) أي ويجوز مراطلة مغشوش بمثله في النوع وفي الغش، وكذلك تجوز مراطلة مغشوش بخالص، والأظهر عند ابن رشد خلاف الجواز لعدم المماثلة، فعلى الجواز، إنما يراطله لمن يكسره أو لا يكسره ولكن لا يغش به بل يبين إن
[ ٢ / ٤٩٧ ]
باعه، ويكره بيع المغشوش لمن لا يؤمن أن يغش به، وأما من علم أنه يغش به فلا يجوز، فإن وقع ونزل فسخ فيه البيع إلا أن يفوت، فإن فات فهل يملك الثمن كله ولكن يستحب له التصدق به ويستغفر الله، أو يتصدق بالجميع أي بجميع الثمن أو يتصدق بالزائد على شراء من لو اشتراه لا يغش به في ذلك ثلاثة أقوال. انتهى.
والأصل في العقوبة في المال أمر النبي ﷺ بالقدور التي أغليت بلحوم الغنم قبل أن تقسم أن تكفى (^١)، وإعتاقه على من مثل بعبده. انتهى.
ابن ناجي: وما ذكر في الكتاب من طرح عمر ﷺ اللبن المغشوش أخذ منه الأدب بالمال، وظاهره ولو كثر اللبن، ويتحصل فيه أربعة أقوال: أحدها هذا قاله ابن العطار في الملاحم الرديئة فإنها تحرق بالنار وبه أفتى ابن عتاب في أعمال الجزارين إذا غشوا فيها، وقيل تقطع في الملاحم خرقا وتعطى للمساكين إذا تقدم إلى أهله قاله ابن عتاب أيضا، وقيل يجوز الأدب في المال اليسير فقط وهو قول ابن القاسم مقيدا به سماعه، وقيل لا يجوز الأدب في مال مسلم قاله ابن العطار في الجبن المغشوش الناقص.
قال ابن سهل وهذا تناقض منه لقوله في الملاحم وأخذ القول الأول من قول أهل المذهب: ومن مثل بعبده فإنه يعتق عليه وهو ضعيف لحرمة الآدمي، واعلم أن هذا الخلاف إنما هو في نفس المغشوش هل يصح الأدب به أم لا، وأما ما يفعله الولاة من خسارة من وجد على منكر بدفع مال، فإنه لا قائل به بل من جورهم. انتهى.
قال البرزلي مفتي تونس: ونزلت مسألة وهي أن رجلا يدعى ابن أبي بكر، وكان صاحب الوقت بتونس ظهر على محله قطعة منها فيها غش، فأخذه السلطان وسجنه فمكث طويلا.
ثم إنه تشفع بالشيخ الفقيه الصالح أبي الحسن البطرني (^٢)، وكان يمد له العصا
_________________
(١) الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك الحديث: ٢٦٠٢. والبيهقي في السنن الكبرى المؤلف: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخسروجردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: ٤٥٨ هـ.) باب النهي عن نهب الطام الحديث: ١٨٠٠٩. المحقق: محمد عبد القادر عطا الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنات الطبعة: الثالثة، ١٤٢٤ هـ. - ٢٠٠٣ م.
(٢) أبو الحسن محمد بن الشيخ الفقيه الشهير الراوية أبي العباس أحمد البطرني والعامة تقول عوض أبي الحسن أبا عبد الله وهو أخبرني بالكنية الأخرى ببلده مدينة تونس سنة ثلاث وتسعين
[ ٢ / ٤٩٨ ]
يوم الجمعة حين كان خطيبا بجامع القصبة، فكلم فيه السلطان الله فقال: إنه ليس في سجني إنما هو في سجن المفتي، يعني شيخنا الإمام ﵀ ورضي عنه - فبعثني سيدي الفقيه البطرني إليه، وذكر له من الجزئيات ما يستميله لإخراجه، فأتيته وذكرت له ذلك، وقال لي: ما تقول في من يقطع الدنانير والدراهم، وما نقل عن ابن المسيب فيه؟.
فقلت: إنه من معنى الفساد في الأرض، فقال لي: وما تحفظ عن بعض السلف فيه؟، فقلت له: إنه ضرب عنق من فعل هذا أو قطع يده، والشك مني في ما نحفظه عن ابن الزبير.
فقال لي: هذا عندي أشد، لأن هذا غش عام خفي يفسد كثيرا على الناس في أموالهم، لا يزال في السجن حتى يموت وأبى أن تقبل فيه شفاعة، فبقي فيه حتى مات، ومنه أخرجت جنازته هذا على التوهم، فكيف لو حقق عليه.
وكان تحلله شديدا في الحدود والآداب، لغلبة الفساد على عامة أهل العصر.
انتهى (^١).
قوله: (وقضاء قرض بمساء وأفضل صفة) أي ويجوز قضاء قرض بما هو مساو له قدرا وصفة قبل الأجل وبعده، وبأفضل صفة لأنه حسن القضاء، وقال السلام: «خياركم أحسنكم قضاء» (^٢).
قوله: (وإن حل الأجل بأقل صفة وقدرا، لا أزيد عددا) أي وإن حل أجل القرض جاز قضاؤه بأقل صفة وقدرا لأنه حسن الاقتضاء، فلا يجوز بأزيد عددا (أووزنا)، لأن الزيادة في العدد والوزن فيه سلف بزيادة، (إلا) أن يكون الزائد (كرجحان ميزان) فيغتفر.
قوله: (أو دار فضل من الجانبين) أي وكذلك لا يجوز قضاء القرض في ما فيه
_________________
(١) نوازل البرزلي: ج ٣، ص: ١٥١.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٤٨) - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر. (٧). باب حسن القضاء. الحديث: ٢٢٦٣
[ ٢ / ٤٩٩ ]
الفضل من الجانبين، حل الأجل أم لا، كما إذ اقتضى تسعة محمدية عن عشرة يزيدية، لأنه إنما ترك فضل العدد في اليزيدية لفضل المحمدية.
قوله: (وثمن المبيع من العين كذلك) أي كالقرض، فكل ما يجوز في القرض يجوز فيه، وأما ثمن المبيع عرضا فلا يجوز قبل الأجل أفضل صفة لأن فيه حط عني الضمان وأزيدك.
قوله: (وجاز بأكثر) أي جاز قضاء ثمن المبيع بأكثر عددا من العين لأنه أحسن القضاء.
قوله: (ودار الفضل بسكة وصياغة وجودة)، ولم يذكر المصنف هنا الخلاف الذي ذكره في المراطلة لأن المراطلة ليس في ذمة أحدهما شيئا.
قوله: (وإن بطلت فلوس فالمثل) أي وإن انقطع التعامل بالفلوس أو غيرها مما يتعامل به الناس، كالودع في بعض البلدان والحديد في بعضها فالواجب فيها المثل، وكذلك الدنانير والدراهم.
قوله: (أو عدمت فالقيمة وقت اجتماع الاستحقاق والعدم) أي وإن عدمت الفلوس ونحوها مما يتعامل به أو هلكن لم يقطع التعامل بها، فالواجب فيها القيمة حين اجتماع الاستحقاق للطلب والعدم لا قبل ذلك.
قوله: (وتصدق بما غش ولو كثر) أي ويتصدق بما جهل فيه الغش من الأموال ولو كان كثيرا عند مالك. ابن القاسم إن كثر بل يباع عليه ولا يمكن منه، وهذه هي العقوبة في المال فهي جائزة، وأما ما يفعله الولاة من خسارة ما وجدوه على منكر فلا قائل به بل هو جورهم.
قوله: (إلا أن يكون اشتري كذلك، إلا العالم ليبيعه) أي يتصدق بالمغشوش إلا أن يكون اشترى مغشوشا فلا يتصدق به، إلا أن يكون عالما بالغش لأجل بيعه مغشوشا، فإنه يتصدق به لا عليه لأنه غاش.
قوله: (كبل الخمر بالنشاء، وسبك ذهب جيد برديء، ونفخ اللحم) إلخ أمثلة للغش.
والنشاء بالضم يمد ويقصر.
ونفخ اللحم ينقص طعم اللحم، إنما كان نفخ اللحم عيبا إذا كان بعد السلخ وأما النفخ لأجل السلخ فلا بأس به، وما يفعله الجزارون من تزويق اللحم بالشحم فلا يجوز.
[ ٢ / ٥٠٠ ]
فصل [في بيان ما يحرم فيه ربا الفضل والنساء من الطعام ومتعلقاته]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه ربا الطعام ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب قال عبد الله ابن سلام وللربى اثنان وسبعين حوبا أصغرها كمن أتى أمه في الإسلام، ودرهم في ربى أشد من بضعة وثلاثين زنية في الإسلام، قال: ويأذن الله تعالى بالقيام للبر والفاجر، إلا آكل الربا فإنه لا يقوم إلا ﴿كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ [البقرة آية ٢٧٥] (^١).
قوله: (علة طعام الربا: اقتيات وادخار) المراد بالربا هنا ربا الفضل، وأما ربا النساء فلا يجوز في كل ما يؤكل من أجل طعامه من غير تداو فإنه لا يجوز فيه ربا النساء، كان من جنس واحد أو من جنسين، والطعام كل ما يتخذ لأكل بني آدم وشرابهم غالبا، والقوت كل ما يقوم به بنية الآدمي. والطعام لما كان به قوام بنية الإنسان منع بيعه نساء بعضه ببعض، والقاعدة إذا عظم قدر الشيء وشرفه شدد فيه الشرع لأن عادة كل عظيم لا يؤخذ بالطرق المسهلة.
قوله: (وهل لغلبة العيش تأويلان) أي وهل يشترط في الادخار كونه لغلبة العيش أو لا يشترط فيه تأويلان.
الربا هو كل بيع فاسد، وقيل: ربا الجاهلية، وقيل: التفاضل فيما لا يجوز فيه التفاضل.
قوله: (كحب وشعير، وسلت، وهي جنس) إلى آخر ما عد شروع منه في ذكر أمثلة الطعام الذي يكون فيه ربا الفضل مما هو جنس واحد فقال: كقمح وشعير وسلت فلا يجوز فيها التفاضل، لأنها جنس واحد خلافا للسيوري وعبد الحق.
قوله: (وعلس) أي وكذلك العلس وهو بفتح العين وهو في قشره حبتان.
قوله: (وأرز، ودخن) والأرز معروف، والدخن هو البشن.
قوله: (وذرة) الذرة بضم الذال المعجمة المخففة قيل هو البشن وهو بالبربرية أقل.
قوله: (وهي أجناس) أي وهذه الأربعة أجناس مختلفة يجوز التفاضل فيها
_________________
(١) الشرح الطبي على مشكاة المصابيح المسمى الكاشف عن حقائق السنن.
[ ٢ / ٥٠١ ]
يدا بيد.
قوله: (وقطنية) وهي بضم القاف وكسرها وتخفيف الياء وتشديدها.
قوله: (ومنها كرسنة، وهي أجناس) أي ومن القطنية كرسنة وهو حب الجلجلان الصغير، والقطنية من قطن إذا أقام بالمكان، لأن الغالب في القطنية لا يرغب في أكلها، وإنما تعمل في الديار، ولا خلاف أن القطنية في البيوع أجناس يجوز التفاضل فيها يدا بيد وهو قول مالك المرجوع عنه.
قوله: (وتمر، وزبيب) أي والتمر والزبيب من الأطعمة الربوية.
قوله: (ولحم طير، وهو جنس، ولو اختلفت مرقته) أي ولحم الطير كلها جنس واحد لا يجوز فيه التفاضل إنسيها ووحشيها، طير الماء وغيره، والنعامة من الطير، واللحم بسكون الحاء وفتحها واطرد ذلك في عين كل ثلاثي، وعينه حرف الحاء، ولحم الطير كله جنس واحد لا يجوز فيه التفاضل، ولو كان مرقه مختلفا، كما إذا طبخ أحدهما بخل والآخر بعسل، فإن ذلك لا يخرجه عن كونه جنسا واحدا وأحرى إذ اتفق المرق.
قوله: (كدواب الماء) تشبيه لإفادة الحكم أي كما أن دواب الماء كلها جنس واحد وإن كان إنسان الماء.
قوله: (وذوات الأربع، وإن وحشيا) أي ولحوم ذوات الأربع جنس واحد إنسيها ووحشيها.
قوله: (والجراد. وفي ربويته خلاف) معطوف على كحب زاده عبد الوهاب صنفا رابعا، وفي كونه ربويا وعدم كونه ربويا خلاف.
المازري: ليس بربوي فيجوز فيه التفاضل.
قوله: (وفي جنسية المطبوخ من جنسين) أي وفي كون المطبوخ من جنسين جنسا واحدا كلحم الطير ولحوم ذوات الأربع وعدم جنسيته (قولان)، قيل: لأن الطبخ يصيره جنسا واحدا، وقيل: لا.
قوله: (والمرق والعظم، والجلد كهو) أي والمرق والعظم والجلد من هذه الأصناف الثلاث كاللحم سواء بيع منفردا أو بيع مع اللحم، سواء المرق له عين قائمة أم لا.
قوله: (ويستثنى قشر بيض النعام) أي فإذا بيع بيض النعام ببيض النعام أو غيره فإنه يستثني قشره لأنه سلعة.
[ ٢ / ٥٠٢ ]
قوله: (وذو زيت كفجل) أي وكذلك حب كل ذي زيت فهو ربوي لا يجوز فيه التفاضل في جنس واحد، وذلك كفجل ونحوه مما يخرج منه الزيت (والزيوت أصناف).
قوله: (كالعسول) تشبيه لإفادة الحكم أي كما أن العسول أصناف، عسل النحل جنس واحد، وعسل السكر صنف، وعسل الرطب صنف.
قوله: (لا الخلول، والأنبدة) أي فالخلول كلها صنف واحد وإن اختلف الأصل، وكذلك الأنبذة كلها صنف واحد وإن اختلفت أصولها.
قوله: (والأخبان) أي والأخباز كلها صنف واحد (ولو بعضها) قمحا وبعضها (قطنية)، وهذا يخالف ما قال ابن جماعة وأخبازها كأصولها.
قوله: (إلا الكعك بأبزار) أي وهو مستثنى من الأخبار لأن الأبزار صيرته جنسا آخر.
قوله: (وبيض، وسكر، وعسل) معطوف على قوله: كحب أي وبيض ربوي، وكذلك السكر والعسل.
قوله: (ومطلق لبن) أي واللبن مطلقا حليبا كان أو مخيضا أو مضروبا، لبن إبل أو بقر أو غنم ربوي لا يجوز فيه التفاضل، لأن دوامه يقوم مقام الادخار.
قوله: (وحلبة وهل إن اخضرت؟) أي والحلبة ربوي وهل ذلك مطلقا أخضرت أو يبست؟، أو إنما تكون ربويا إن كانت خضرة، وأما إن كانت يابسة فهي دواء فيه (تردد).
وقيل: إنما التردد هل هي طعام أو دواء.
قوله: (ومصلحه كملح، وبصل، وتوم، وتابل: كفلفل، وكزبرة، وكراويا، وآنيسون، وشمار، وكمونين - وهي أجناس) أي ومصلح الطعام ربوي كملح وبصل وثوم وتابل.
التابل بفتح الباء كمصلح الطعام وذلك كفلفل وكزبرة، ويقال فيه كسبرة بالسين، وكذلك كارويا وهو في بيان الذي ذكر في المدونة، وكرويا يمد ويقصر، وكذلك أنيسون وهو حبة حلاوة، وكذلك شمار.
الشمار بفتح الشين وبفتح الميم المخففة هو زريعة البسباس، وكذلك كمونين الأخضر والأسود، يقال للأسود الشونيز وحبة السوداء والكمون الأخضر وهي أجناس أي والتوابل كلها أجناس.
[ ٢ / ٥٠٣ ]
قوله: (لا خردل، وزعفران، وخضر، ودواء، وتين، وموز، وفاكهة) إلى قوله: (ولو ادخرت) الخردل بالدال المهملة وهو زعفران ليسا بربويين، وحكى بعضهم الإجماع عليه، وكذلك الخضر كله ليس بربوي، والخضر ما يقطع ويبقى أصله، ويجوز بيع غير الربوي متفاضلا يدا بيد، وكذلك جميع الأدوية ليست ربوي كصبر وشاهترج وهو بالعجمية سلطان العشب، وكذلك التبن والموز ليسا بربويين، وكذلك كل فاكهة ولو ادخرت (بقطر) أي بناحية بقطر.
والقطر بضم القاف الناحية، وبالفتح المطر، وبالكسر النحاس المذاب.
قوله: (وكبندق) الكاف المشمول أتى به ليدخل الموز والجوز والفستق ونحوها أي والبندق وما يشبهه ليس بربوي.
قوله: (وبلح إن صغر) يعني أن البلح الصغير ليس بربوي ما لم يكبر، وإن كبر فهو ربوي.
قوله: (وماء. ويجوز بطعام لأجل) أي وكذلك الماء ليس بربوي، ويجوز بيعه بطعام إلى أجل ويجوز بيعه قبل قبضه، فالماء أعز مفقود وأذل موجود.
قوله: (والطحن، والعجن، والصلق) أي وطحن القمح، وعجن الدقيق، والصلق بالماء وحده لا ينقل عن أصله الذي هو القمح مثلا، (إلا الترمس) فإن الصلق بالماء ينقله عن أصله، لطول أمره، الترمس نوع من القطاني.
قوله: (والتنبيذ لا ينقل) أي وكذلك التنبيذ لا ينقل عن الأصل، فلا يجوز بيع التمر والعنب بالمنبوذ منهما إلا مثلا بمثل، والتنبيذ أن يجعل التمر أو العنب في الماء حتى يخرج منه طعمه.
قوله: (بخلاف خله، وطبخ لحم بأبزار، وشيه، وتخفيفه بها) أي بخلاف خل ما نبذ، فإنه ينقله عن أصله لطول صنعته، وكذلك طبخ لحم وشيه وتجفيفه بالأبزار فإنه ينقله ذلك عن أصله فيجوز فيه التفاضل مع جنسه يدا بيد لأن الأبزار صيرته شيئا آخر.
قوله: (والخبز) أي والخبز في الطعام ينقله عن أصله، والخبز هو بفتح الخاء كل ما صنع من الأطعمة من الحبوب.
قوله: (وقلي قمح) القمح ليس بشرط وإنما هو تمثيل أي وكل ما قلي من الحبوب فالقلي ينقله عن أصله فيجوز فيه التفاضل يدا بيد.
[ ٢ / ٥٠٤ ]
قوله: (وسويق وسمن) قال محمد بن عبد الكريم في مفتاح الكنوز: أقرب ما ظهر لي أنها مسألة واحدة، والواو المتوسط بمعنى مع، والمعنى أن لت السويق بسمن ينقله عن السويق. انتهى.
وقال شيخنا محمود بن عمر - حفظه الله -: وقوله: وسويق مستغنى عنه لأن السويق لا يسمى سويقا إلا بعد القلي والطحن، والقلي وحده ناقل.
قوله: (وجاز تمر ولو قدم بتمر) أي ويجوز بيع تمر بتمر جديدين أو قديمين، أو أحدهما قديم والآخر جديد يدا بيد.
قوله: (وحليب) أي ويجوز بيع حليب بمثله، وقيل: لا يجوز لاختلاف الزبد. انتهى.
انظر اللباهل يجوز باللبن متفاضلا لاختلاف منفعتهما ولاختلاف اسمهما، ولأنه لا يؤكل إلا بعد الطبخ، أو لا يجوز لأن أصله اللبن.
قوله: (ورطب، ومشوي) أي ويجوز بيع رطب من التمور بمثلها لأن الرطوبية أصلية، بخلاف البلل لأن البلل يتفاوت.
الرطب بضم الراء رطب التمر، وبفتح الراء ضد اليابس من كل شيء، والرطب بضم الراء وسكون الطاء هو النبات.
قوله: (وقديد، وعفن) أي وجاز بيع لحم مقدود بمثله في القد، وكذلك يجوز بيع العفن من التمر وغيره بمثله في العفن.
قوله: (وزبد وسمن، وجبن وأقط بمثلها) أي وكذلك يجوز بيع الزبد بالزبد متماثلا، وكذلك السمن بالسمن متماثلا، وجبن بجبن متماثلا، وكذلك الأقط بالأقط يجوز متماثلا.
قوله: (كزيتون ولحم) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يجوز بيع زيتون بزيتون متماثلا وكذلك لحم بلحم متماثلا.
قوله: (لا رطبهما بيابسهما) أي لا يجوز بيع الزيتون الرطب أو اللحم الرطب باليابس لأجل المزابنة، وقيل: يجوز والقولان في المدونة.
قوله: (ومبلول بمثله) أي ولا يجوز بيع مبلول بمبلول ولو متماثلا، لأن البلل يختلف، وقيل يجوز بشرط تساوي البلل.
قال سند: وهو قول ابن القاسم.
[ ٢ / ٥٠٥ ]
قوله: (ولبن بزبد) أي ولا يجوز بيع لبن بزبد، (إلا أن يخرج زبده) فيجوز، لو قال المصنف: ولبن بزبد أو سمن وأسقط السمن في المنقولات لكان أسعد لموافقة المدونة.
قوله: (واعتبر الدقيق في خبز بمثله) أي ويعتبر مقدار الدقيق إذا بيع خبز بمثله لا وزنه إذا كانا من صنف واحد، وأما إن كانا من صنفين فلا يعتبر إلا الوزن.
قوله: (كعجين) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يعتبر مقدار الدقيق إذا بيع عجين (بحنطة أو دقيق).
قوله: (وجاز قمح بدقيق، وهل إن وزنا؟ تردد) أي ويجوز بيع قمح بدقيق متماثلا، وهل الجواز مقيد بما إذا وزنا أو يجوز مطلقا كيلا أو وزنا فيه تردد في فهم النقل.
قوله: (واعتبرت المماثلة) أي وتعتبر المماثلة المطلوبة في العين والأطعمة الربوية (بمعيار الشرع) إن وجد.
قوله: (وإلا فبالعادة) أي فإن لم يحفظ عن الشرع معيار معروف، فمعيار العادة بين الناس كان كيلا أو وزنا وإن اختلفت العادة فعادة محله.
قوله: (فإن عسر الوزن جاز التحري لا إن لم يقدر على تحريه لكثرته) أي فإذا لم يجد ما يوزن به جاز التحري إن قدر على تحريه، فإن لم يقدر على تحريه فلا يجوز، وسكت الشيخ عن الكيل؛ لأن المكيال لا يعدم وإن كان مجهولا، لأن المعتبر المماثلة وقد وجدها.
[ ٢ / ٥٠٦ ]
فصل [في البيوع المنهي عنها]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه بعض البيوع المنهي عنها، ليكون أصلا ودليلا لكل ما يذكر من العقود الفاسدة، والأصل في الأحكام المعقولية لا التعبد، والأصل في المنافع الإباحة لا الحظر، والأصل في المضار المنع.
قوله: (وفسد منهي عنه) هذا ضابط أي يفسد العقد في كل منهي عنه، لأن النهي يدل على فساد المنهي عنه، فيفسد (إلا بدليل) من الكتاب أو السنة أو الإجماع منفصل يدل على أنه خارج عن النهي، كإجازة التولية والشركة في الطعام من بيع الطعام قبل قبضه، فيكون مستثنى، والمستثنيات في الشرع كثيرة، فاعلم أنه يجب عليك أن تعتقد أن الله تعالى ما أمر بشيء إلا وفيه مصلحة عاجلة أو آجلة أو كلاهما، وما نهى عن شيء إلا وفيه مفسدة عاجلة أو آجلة أو كلاهما، وما أباح شيئا إلا وفيه مصلحة عاجلة، وأكثر هذه المصالح والمفاسد ظاهر جلي، ومنها ما لا تظهر فيه مصلحة ولا مفسدة، سواء جلب الثواب أو دفع العقاب، ويعبر عنه بالتعبد. انتهى.
قوله: (كحيوان بلحم جنسه) شروع منه ﵀ في أمثلة البيع المنهي عنها أي فلا يجوز بيع حيوان بلحم جنسه (إن لم يطبخ)، وأما إن طبخ فيجوز، وظاهر كلامهم بشرط الطبخ بالأبزار.
قوله: (أو بما لا تطول حياته) أي وكذلك لا يجوز بيع حيوان بحيوان لا تطول حياته كطير الماء والشارف على الموت، فلا يجوز بيع طير الماء بالطير البري، لأنه كاللحم فلا يباع باللحم لأنه حيوان.
قوله: (أو لا منفعة فيه: إلا اللحم، أو قلت فلا يجوز إن بطعام لأجل: كخصي ضأن) أي وكذلك لا يجوز بيع حيوان بحيوان لا منفعة فيه إلا اللحم، وذلك كخصي معز، أو كانت فيه منفعة إلا أنها قليلة كخصي ضأن له صوف، وللصوف منفعة ولكن قليلة، فبسبب ذلك لا يجوز بيع ما لا تطول حياته، أو ما لا منفعة فيه إلا اللحم أو كانت فيه إلا أنها قليلة بطعام إلى أجل وهو المراد بقوله فلايجوزان بطعام إلى أجل وإن نوى القيمة في الخصي.
قوله: (وكبيع الفرر) أي ومما نهي عنه بيع الغرر وهو بيع يشك في حصول
[ ٢ / ٥٠٧ ]
المقصود منه غالبا، فكل سلعة بحسبه، فإنها للمعاوضة على غير منتفع به للشك، واختلف في علة المنع من بيع الغرر. ابن عبد السلام: هو ما يؤدي إليه من التنازع.
وقيل العلة لاشتماله على حكمة هي حجز البائع عن التسليم.
قال المازري: علته أنه من أكل أموال الناس بالباطل لقوله اللي في بيع الثمار قبل بدو صلاحها: «أرأيت إذا منع الله الثمرة فيم يأخذ أحدكم مال أخيه» (^١). انتهى (^٢).
والغرر لغة ما له ظاهر محبوب وباطن مكروه، ولذلك سميت الدنيا متاع الغرور، وقد يكون من الغرارة وهي الخديعة، ومنه الرجل الغر بكسر الغين الخداع، ويقال للمخدوع أيضا ومنه قوله اللي: «المؤمن غر كريم» (^٣).
قوله: (كبيعها بقيمتها) هذا شروع منه الله في ذكر أمثلة الغرر، والإجماع على أن الغرر اليسير في البيوع مغتفر والكثير لا يجوز وفيما بينهما خلاف وهو خلاف بغير ذكر ثمن معه في شهادة أي فلا يجوز أن يبيع سلعة بغير ذكر ثمن معين، بل قال: أبيعكها بما تساوي من القيمة عند أهل المعرفة، لأن ذلك مجهول والجهل بالثمن يفسد البيع.
قوله: (أو على حكمه أو حكم غير) أي وكذلك لا يجوز عقد البيع على أن يكون الثمن بحكم أحد المتبايعين أو غيرهما، لأنه جهل بالثمن للجهل بما يحكم به.
قال اللخمي: إلا أن يقوم ما يدل على المكارمة لقرابة أو غيرها فيجوز، وكذلك لا يجوز أن يقول اشتريتها بما يخرج به من العسر أو بما تساوي في السوق فيفسخ العقد إن وقع، وكذلك لا يجوز أن تقول له امض بسلعتك إلى السوق فما سوت أخذتها به. قاله ابن جماعة (^٤).
قال المواق: قال ابن القاسم: من قال بعتكها بما شئت ثم سخط ما أعطاه إن
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: (٣٩) - كتاب البيوع. ٨٧ - باب إذا باع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ثم أصابته عاهة فهو من البائع. الحديث: ٢٠٨٦. ومسلم في صحيحه: (٢٢). كتاب المساقاة (٣) باب وضع الجوائح. الحديث: ١٥٥٥.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٣١٨.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب الإيمان الحديث: ١٢٨. والإمام أحمد في مسنده الحديث: ٩١١٨.
(٤) مسائل ابن جماعة: ص: ٦ مخطوط من مكتبة الشريف عبد المؤمن بتشيت
[ ٢ / ٥٠٨ ]
أعطاه القيمة لزمه.
الباجي: حمله على المكارمة، وهو كهبة الثواب (^١).
قوله: (أورضاه) أي وكذلك لا يجوز عقد البيع على رضى أحد المتبايعين أو غيرهما لأنه جهل بما يرضى به من الثمن.
قوله: (أو توليتك سلعة لم يذكرها، أو ثمنها بإلزام) أي ومن الغرر توليتك سلعة لم تذكرها بوصفها المقصود لمن وليتها له، أو ذكرتها بوصفها ولم تذكر ثمنها.
قوله: بإلزام قيد في المسائل الست وأما إن كان على خيار فلا بأس.
قوله: (وكملامسة الثوب) وهو من أمثلة الغرر أي ولا يجوز أن ينعقد البيع بلمس الثوب لأنه جهل بصفة المبيع.
قوله: (أو منا بدته، فيلزم) أي وكذلك لا يجوز عقد البيع بالمنابذة وهو أن ينبذ إليه سلعته، وينبذ إليه الآخر سلعته بغير تأمل كاشف لما بها عن المقصود، وأما إن كانا على الخيار فلا بأس.
قوله: (وكبيع الحصاة وهل هو بيع منتهاها أو يلزم بوقوعها، أو على ما تقع عليه) أي ومما نهي عنه بيع الحصاة في الحديث النبوي (^٢)، واختلف في تفسيره قال بعضهم: هو منتهى رمية أحدهما أو غيرهما من الأرض يقع عليه البيع فلا يجوز وإن كانا يعلمان منتهى رميته قبل ذلك، ولا يخفى ما في ذلك من الجهالة لاختلاف قوة الرامي وعوائق الرمي، فلا يدرى قدر المثمون إذ لا يدرى منتهى الرمية.
وقال بعضهم: هو أن يلزم البيع في زمن وقوع الحصاة، فلا يجوز لأنه أجل مجهول إذ لا يدري متى تقع.
وقال بعضهم: معناه أن يرمي بالحصاة فيلزم البيع فيما تقع عليه الحصاة.
قوله: (بلا قصد، أو بعدد ما يقع عليه؟) الظاهر أنه عائد على الذي يليه، وقال بعضهم: معناه أن يرمي بالحصا ويتلقاها بظاهر كفه فيعدد ما يقع من الحصياة يقع عليه البيع فلا يجوز، لأنه جهل بقدر المبيع ففيه (تفسيرات).
قوله: (وكبيع ما في بطون الإبل أو ظهورها، أو إلى أن ينتج النتاج وهي المضامين
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق: ج ٦، ص: ٨٨.
(٢) الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده مسند أبي هريرة الحديث: ٧٤١١ وابن ماجة في سننه: باب النهي عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر، الحديث: ٢١٩٤.
[ ٢ / ٥٠٩ ]
(والملاقيح - وحبل الحبلة) أي ومما نهي عنه بيع ما في بطون الإبل وهي المضامين، وكذلك ما في ظهور الإبل وهي الملاقيح، والإبل ليس بشرط بل في كل حيوان.
قوله: أو إلى أن ينتج النتاج أي ومما نهي عنه البيع إلى أن ينتج النتاج وهو حبل الحبلة، لأنه أجل مجهول.
فائدة في الإكمال: (الحبلة) جمع حابلة، وهو مختص ببنات آدم وفي غيرهن، إنما يقال له حمل قاله أبو عبيد (^١) (^٢).
وروي بسكون الباء في حبل المضاف للحبلة. انتهى من الذخيرة.
قوله: (وكبيعه بالنفقة عليه) أي ومما نهي عنه أن يبيع سلعته بالنفقة عليه مدة حياته، لأنه من الغرر إذ لا يدري منتهى (حياته)، فإن وقع ونزل رد المبيع إلى ربه إن لم يفت فإن فات رد القيمة. غفل الشارح هنا نفع الله.
قوله: (ورجع بقيمة ما أنفق، أو بمثله، إن علم ولو سرفا على الأرجح، ورد، إلا أن يفون) أي ويرجع المنفق على المنفق عليه بقيمة ما أنفق إن لم يعلم قدره، أو بمثله إن علم، ولو كان ما أنفق سرفا على ما اختاره ابن يونس لأنه كالهبة.
السرف هنا خرج مخرج العوض فمن ثم يرجع به.
قال المواق: المسألة الثانية: إذا أسكنه إياها على أن ينفق عليه حياته.
قال ابن يونس: فهذا كراء فاسد.
ولم يذكر خليل هذه المسألة، وفي هذه المسألة: ذكر ابن يونس الخلاف في الرجوع بالسرف ورجح الرجوع، قال: لأنه كهبة من أجل البيع، فانظر قول ابن يونس من أجل البيع ولم يقل من أجل الكراء، وانظر لم يذكر هذا الخلاف في البيع، وقد نقلت كلام ابن يونس بنصه فانظره في نفسه ومع لفظ خليل (^٣).
_________________
(١) أبو عبيد: هو القاسم بن سلام الهروي الأزدي الخزاعي، بالولاء، الخراساني البغدادي، أبو عبيد: من كبار العلماء بالحديث والأدب والفقه من أهل هراة. ولد سنة: ١٥٧ هـ. ومات سنة: ٢٢٤ هـ .. من كتبه " الغريب المصنف - ط " مجلدان، في غريب الحديث، ألفه في نحو أربعين سنة، وهو أول من صنف في هذا الفن، و" الطهور " في الحديث، و" الاجناس من كلام العرب " و" أدب القاضي " و" فضائل القرآن " و" الأمثال " و" المذكر والمؤنث " و" المقصور والممدود " … إلخ. الأعلام للزركلي: ج ٥، ص: ١٧٦.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٣٢٠.
(٣) التاج والإكليل للمواق: ج ٦، ص: ٢٢٧.
[ ٢ / ٥١٠ ]
قال ابن رشد لو قال رجل لرجل بعني دينك الذي لك على فلان، فأنا عالم بوجوبه لك عليه فباعه منه لجاز بل باتفاق، وإن أنكره بعد كانت مصيبة دخلت عليه. انتهى (^١).
قال ابن جماعة ولا يجوز للبائع أن يبيع على أن المبتاع إن لم يجد قضاء أو مات فهو في حل ويفسخ إن وقع، وإن فات فعليه رد المثل فيما له مثل، أو القيمة فيما هو من ذوات القيم.
وقال: لا يجوز أن تشتري من البائع إلى أجل على أنك إن سافرت قبل الأجل فالثمن حال، ويجوز أن يشتري منه إلى أجل على أنك إن سافرت قبل الأجل أتيته بضامن. انتهى (^٢).
قوله: (وكعسيب الفحل يستأجر على عقوق الأنثى) أي ومما نهي عنه بيع عسيب الفحل ووهو ضرابه.
وقيل: ماؤه، فلا يجوز إذ لا يدري متى تعق الأنثى منه، ولأنه غير مقدور على تسليمه، ولأنه إجارة مجهولة.
قوله: (وجاز زمان أو مرات) أي وتجوز الأجرة فيه بزمان معلوم أو مرات معلومات (فإن أعقت انفسخت) أي فإن حملت في الزمن أو بمرات انفسخت الإجارة فيما بقي وله بحساب ما مضى.
وقوله أعقت فالمعروف في اللغة أعاق بلفظ الرباعي، والعقوق من البهائم الحامل.
قوله: (وكبيعتين في بيعة) أي ومما نهي عنه بيعتين في بيعة لأنه غرر في العقد.
قوله: (يبيعها بإلزام بعشرة نقدا، أو أكثر لأجل) هذا تفسير البيعتين في بيعة، والبيعتين في بيعة عند الإمام مالك يج الله أن يبيع السلعة بأقل نقدا أو بأكثر لأجل بإلزام العقد بأحد الثمنين أو هما معا، وأما إذا كان ذلك بخيار فلا بأس، أما لو عكس ذلك، فإن باعها بعشرين نقدا مثلا أو عشرة لأجل فإن ذلك يجوز لأن العاقل لا يختار إلا الأقل في المقدار إلا بعد الأجل.
قوله: (أو سلعتين مختلفتين) أي في النوعية والجنسية وهو مثال آخر للبيعتين
_________________
(١) التاج والإكليل: ج ٦، ص ٢٣٤.
(٢) مسائل ابن جماعة ص ٦ مخطوط
[ ٢ / ٥١١ ]
في بيعة.
قوله: (إلا بجودة ورداءة، وإن اختلفت قيمتهما) أي إلا أن يكون اختلاف السلعتين بالجودة والرداءة فيجوز حينئذ العقد، وإن كانت قيمتها مختلفة.
قوله: (لا طعام) أي وهذا كله في غير الطعام، وأما الطعام فلايجوز لأن من خير بين شيئين يعد مختارا لما ترك، ويكون فيه التفاضل بين الطعامين وبيع الطعام قبل قبضه فلا يجوز في الطعام (وإن) كان (مع غيره).
قوله: (كنخلة مثمرة من نخلات) هذا مثال الطعام إذا كان مع غيره، كما إذا اشترى نخلة مثمرة من نخلات مثمرات.
قوله: (إلا البائع يستثني خمسا من جنانه) أي فإنه يجوز بناء على أن المستثنى مبقى، وأما على القول بأن المستثنى مشترى فلا يجوز، والجواز مقيد بما إذا كان المستثنى الثلث فأقل.
قوله: (وكبيع حامل) أي ومما نهي عنه بيع حامل (بشرط الحمل)، لأنه الإستزاد في الثمن لأجل الجنين، وأما إذا ذكر أنها حامل ولم يشترط فلا بأس، وكذلك إن قصد بذكر الحمل التبري من العيب فإنه جائز.
قوله: (واغتفر غرر يسير للحاجة لم يقصد) هنا انتهى بيع الغرر أي واغتفر في البيع غرر يسير إجماعا ومنع الكثير إجماعا وفيما بينهما خلاف في شهادة، ومن رآه يسيرا أجاز ومن رآه كثيرا منع.
قال العبدري: يجوز اليسير ويغتفر في نيف وعشرين مسألة: الغرر اليسير في البيع والعمل في الصلاة والنجاسة إذا وقعت في إناء ماء على الخلاف وفي الطعام إذا وقع في الماء اليسير ولم يتغير، قيل: مطهر، وقيل: غير مطهر، وفي نصاب الزكاة لا يمنع وجوبها، وفي الضحك في الصلاة، وفي نقصان سننها وفي المرض الذي لا يمنع التصرف، وفي العيب لا يرد به المشتري ولا يرد به إذا أحدث عنده، وفي زيادة الوكيل عما أمر فيلزم الأمر، وكذلك أحد الشركاء على صاحبه لا يفسد الشركة كانت في الأموال والأعمال، وفي هبة العبد من ماله والوصي من مال اليتيم وعلى وجه المصلحة، وينفذ شراء السفيه اليسير لنفقته، ويقرأ الجنب اليسير، ويكتب اليسير من القرآن للكفار، ويقرأ المصلي كتابا في صلاته من غير نطق، وينصت للخبر في صلاته، ويبدل الناقص بالوازن في الصرف، وفيما إذا باع سلعة بدينار إلا
[ ٢ / ٥١٢ ]
درهمين إلى أجل، وفي الصرف في المسجد ووصي الأم في القليل دون الكثير ويغتفر عند انفصال الشريكين مثل الثوب على أحدهما بيسير القيمة وكذلك عامل القراض ويجب على الزوج الكسوة إذا بقي على المرأة ما هو يسير الثمن ويشترط على المغارس يسير العمل وكذلك المساقي وعامل القراض على رب المال ويؤخذ من طريق المسلمين مالا يضربهم ويترك للمفلس نفقة شهر. انتهى من الذخيرة (^١).
قوله: (للحاجة) أي لأجل حاجة الناس إلى مثل ذلك، كما إذا اكترى دارا شهرا، والشهر يكون تسعة وعشرين ويكون ثلاثين وأمثال ذلك كثيرة.
قوله: (لم يقصد) أي وشرط اغتفار الغرر اليسير إذا كان غير مقصود، وأما إن قصد فلا يغتفر هنا. انتهى أمثلة الغرر.
فرع يكره الذم والمدح في البيع لأنه خديعة ويأثم فاعله ولا يفسخ منه البيع. قاله القرافي.
قوله: (وكمزابنة) أي ومما نهى عنه ربى بيع المزابنة وهو بيع (مجهول بمعلوم أو بمجهول) بمجهول (من جنسه)، وأما من غير جنسه فلا تكون فيه المزابنة.
المزابنة لغة: الدفع يقال: زبنت الناقة إذا دفعتها برجلها.
قوله: (وجاز إن كثر أحدهما) أي وجاز بمجهول إن كثر أحدهما (في غير ربوي) وهو العين والطعام الربوي، لأنه لما تبين الفضل من أحد الجانبين، فقد انتفى الغرر، وأما العين والطعام الربوي فلا يجوز، إذ لا يجوز فيهما التفاضل.
قوله: (ونحاس بتور، لا قلوس) أي ويجوز بيع نحاس بتور وهو إناء من نحاس يشرب فيه لطول الصنعة فيه، فلذلك لا يجوز بيع النحاس بالفلوس لقلة الصنعة فيهما واستشكل.
قوله: (وككالي بمثله: فسخ ما في الذمة في مؤخر، ولو معينا يتأخر قبضه، كغائب، ومواضعة) الكالئ مهموز أي ومما نهي عنه بيع الكالئ بمثله وهو المعبر عنه بيع الدين بالدين، وبفسخ ما في الذمة في مؤخر، ولو كان ذلك المؤخر في معين يتأخر قبضه، كغائب مثلا بيع بصفة وإن كان دارا، إلا أن ثمنها حاضرة أكثر من ثمنها غائبة، فترك رب الغائب الفضل بين الثمن لمكان التأخير، وكذلك إذا كان المعين المؤخر أمة متواضعة، لأنها معين يتأخر قبضه.
_________________
(١) الذخيرة للقرافي: ج ٨، ص: ٢٤ بتصرف
[ ٢ / ٥١٣ ]
قوله: (أو منافع عين) أي ولو كان المؤخر منافع عين، كسكني دار أو ركوب دابة معينة وأخرى المضمون، وهذا مذهب ابن القاسم بناء على أن قبض الأوائل ليس قبضا للأواخر، وأجازه أشهب بناء على أن قبض الأوائل كقبض الأواخر.
قوله: (وبيعه بدين) أي ومما نهي عنه بيع الدين بالدين ويتصور في ثلاثة كما إذا قال: اتبعني وأتبع غريمك، ويتصور أيضا في أربعة كما إذا قال: اتبع غريمي وأتبع غريمك، ويجوز التأخير في بيع الدين بالدين مثل يوم أو يومين. انتهى.
فلو قال: أبيعكه على أنه إن أنكر رددت إليك الثمن لم يجز قولا واحدا، ولا يجوز أن تستخدمه في دين لك عليه إلا أن يكون يسيرا كالدرهم ونحوه، ويجوز أن تستخدمه بأجرة معينة.
فإذا فرغ من عمله دفعت إليه أجرته فأعادها عليك في الحال فيما لك عليه، ولا يجوز أن تقاضيه بذلك، ولا يجوز أن تكتري من رجل داره أو عبده بدين لك عليه. انتهى من مسائل ابن جماعة (^١).
قوله: (وتأخير رأس مال سلم) أي ولا يجوز تأخير رأس مال السلم لأنه ابتداء الدين بالدين.
قوله: (ومنع بيع دين ميت، أو غائب) أي ومنع بيع دين على ميت وإن اتسعت تركته لأنه غرر، إذ قد يكون عليه دين أكثر مما ترك فيدخل في الحصاص وقدر منابه فيه مجهول، وكذلك الغائب لا يجوز شراء دين عليه (ولو قربت غيبته)، إذ لا يدرى أحي أم ميت وعلى حياته أمقر أم منكر موسر أم معسر.
ابن رشد: أجازه ابن القاسم إن كانت غيبته قريبة بحيث يعرف حاله. قاله أصبغ في نوازله.
قوله: (وحاضر إلا أن يقر) أي إلا أن يقر بذلك الدين، وهو ممن تجري عليه الأحكام ويكشف عن ذمته، وإلا فلا يجوز، لأنه شراء ما فيه الخصومة.
قوله: (وكبيع العربان أن يعطيه شيئا على أنه إن كره المبيع لم يعد إليه) أي ومما نهي عنه بيع العربان، وتفسيره هو أن يكون اشترى سلعة فدفع من ثمنها شيئا على أنه إن رضي بالبيع حاسبه به في الثمن، وإن كره البيع فلا شيء له مما دفع، وذلك لا يجوز لأنه من أكل المال بالباطل.
_________________
(١) مسائل ابن جماعة: ص: ٥ مخطوط
[ ٢ / ٥١٤ ]
قوله: (وكتفريق أم فقط من ولدها) أي ومما نهي عنه تفريق أم نسب آدمية على المشهور لا أم رضاع لقوله: «من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة (^١) والمعروف في البهائم التفرقة ولم أر فيه نصا، وظاهر الحديث عند ابن الفاكهاني العموم، واحترز بقوله فقط من غير الأم كالأب والجدة فإنهما لا حق لهما في التفرقة.
قوله: (وإن بقسمة أو بيع أحدهما لعبد سيد الآخر) تأكيد في عدم التفريق أي لا تجوز التفرقة بين الأم وولدها، وإن كان التفريق بسبب قسمة، فيأخذ أحدهما الأم والآخر الولد، وكذلك لا تجوز التفرقة وإن بيع أحدهما لعبد عبد الآخر، إذ يعتق العبد ويتبعه ماله، وجعل العبد هنا يملك، وأيضا فإنه يباع في دين المأذون.
قوله: (ما لم يثفر) أي ولا يفرق بين الأم وولدها ما لم يثغر الولد إثغارا معتادا، فلا عبرة بالإثغار قبله، وحد الإثغار غالبا سبع سنين.
والإثغار سقوط الأسنان، وقيل: نباتها، والقول أن الإثغار هو حد منع التفرقة هو المشهور، وقيل إلى البلوغ، وقيل أبدا.
وفي نظم اللباب: عبد الحق: من ولد لستة أشهر أو تسعة نبت له اثنان وثلاثون سنا، ومن ولد لسبعة أشهر نبتت له ثمانية وعشرون سنا، يريد فلا تنبت له النواجذ. انتهى.
قوله: (معتادا، وصدقت المسبية، ولا توارث) أي وتصدق الكافرة المسبية أنه ولدها كانا سبيا معا أم لا في بلد واحد أم لا، سباهما رجل واحد أم لا، ولكن لا يتوارثان بذلك إذ لا ميراث بالشك، ولإتهام العجم بإغراء أموالهم عن المسلمين، وإن كان الولد ذكرا فلا يخلو معها إن بلغ بلوغ التكليف.
قوله: (ما لم ترض) أي ونهى عن التفرقة بينهما ما لم ترض الأم بالتفرقة بناء على أن الحق للأم فيجوز إن رضيت به.
قوله: (وفسخ إن لم يجمعاهما في ملك) أي فإن وقعت التفرقة بين الأم والولد فسخ ذلك، إلا أن يجمعاهما في ملك واحد، وكذلك لا يفسخ إذا لم يطلع عليه حتى كبر
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه (١٢) - كتاب البيوع (٥٢) باب ما جاء في كراهية الفرق بين الأخوين أو بين الوالدة وولدها في البيع الحديث: ١٢٨٣. وأخرجه الإمام أحمد في مسنده: الحديث: ٢٣٤٩٩
[ ٢ / ٥١٥ ]
الولد أو مات أو عتق.
قوله: (وهل بغير عوض كذلك، أو يكتفى بحوز كالعتق؟ تأويلان) أي وهل العقد في التفرقة إذا كان بغير عوض كهبة وصدقة، هل هو كالبيع في التفرقة، أو يكتفي فيه بالجمع في حوز واحد، كما يكتفي بالحوز الواحد إذا أعتق أحدهما فيه تأويلان على المدونة.
قوله: (وجازبيع نصفهما) أي ويجوز بيع نصف الأم ونصف الولد لشخص واحد، والنصف ليس بشرط وإنما هو تمثيل، وكذلك ثلثهما وربعهما.
قوله: (وبيع أحدهما للعتق) أي ويجوز بيع أحدهما لأجل العتق لأنه إذا عتق لم يفرق بينهما لو قال الشيخ: وجاز بيع جزئهما بل يجمعان في حوز واحد. غفل الشارح هنا ﵀.
قوله: (والولد مع كتابة أمه) أي وجاز بيع الولد مع كتابة أمه لأنها إن عجزت كانا لمالك واحد وإن عتقت لم يفرق بينهما، ومن ثم لا يجوز بيعه دون كتابتها ولا كتابتها دونه.
قوله: (ولمعاهد التفرقة، وكره الاشتراء منه) أي وللحربي المعاهد التفرقة بين الأم وولدها في البيع، وأما الذمي فلا يترك بالتفرقة وإن فرق الحربي يكره لمسلم أو ذمي الإشتراء منه على التفرقة.
قوله: (وكبيع وشرط يناقض المقصود) أي ومما نهي عنه بيع وشرط يناقض ذلك الشرط المقصود من البيع، كما إذا اشترط عليه ألا يبيع ما اشتراه منه، أو على أن يخرجه من البلد أو لا يهبه وغير ذلك، لأن هذا يناقض المقصود من المبيع لأن المقصود منه أن يفعل به ما شاء إذ لا يبيع له ثم يحجر عنه.
قوله: (كأن لا يبيع إلا بتنجين العتق) مستثنى من قوله: يناقض المقصود فإن شرط العتق ينجز عليه لشرف العتق.
قوله: (ولم يجبر إن أبهم) أي ولم يجبر المبتاع على العتق إن أبهم الأمر ولم يقيده، كما إذا قال له بعه لي لأعتقه ولم يقيده بتنجيز العتق ولا بغيره.
قوله: (كالمخير) تشبيه أي كما لا يجبر المخير بين أن يعتق أو يملك، (بخلاف الاشتراء على إيجاب العتق) فإنه يجبر على العتق إن أبى أن يعتق.
قوله: (كأنها حرة بالشراء) أي فإن العتق فيها يلزمه بنفس العقد لأنه تعليق.
[ ٢ / ٥١٦ ]
قوله: (أو يخل بالثمن) وهو معطوف على قوله: يناقض المقصود أي ومما نهي عنه شرط يخل بالثمن وذلك (كبيع وسلف) في عقد واحد لأن فيه سلف بزيادة، وكذلك لا يجوز أن يشتري سلعة ممن كان عليه دين له على أن يقاصه بدينه لأنه بيع وسلف لأجل تأخيره إياه دينه.
قوله: (وصح إن حذف) أي ويصح العقد إن حذف السلف وهذا يخالف بعض البيوع الفاسدة.
قوله: (أو حذف شرط التدبير) أي وكذلك يصح العقد إن حذف شرط التدبير ونحوه كالعتق إلى أجل أو كتابة.
قوله: (كشرط رهن، وحميل، وأجل) أي كما أن العقد يصح بشرط رهن أو حميل وإن كان يخل بالثمن، لأنه من مصالح البيع.
قوله: (ولو غاب) راجع لقوله: وصح إن حذف أي إن حذف السلف ولو غاب بالسلعة لو وصله الشيخ به لكان أولى.
قوله: (وتؤولت بخلافه) أي وتؤولت المدونة على خلاف الصحة إذا غاب بالسلعة.
قوله: (وفيه إن فات أكثر الثمن أو القيمة إن أسلف المشتري) أي فإن وقع البيع والسلف ونزل ففيه إن فات بما يفوت به البيع الفاسد أكثر من الثمن والقيمة إذا كان المشتري هو المسلف، وإن كان البائع هو المسلف فله الأقل من الثمن أو القيمة وإليه أشار بقوله: (وإلا فالعكس).
قوله: (وكالنجش) أي ومما نهي عنه النجش في البيع، وهو أن يزيد) في السلعة وهو لا يريد شراءها بما أعطى (ليغر) غيره فيزيد فيها، وذلك حرام وذنب عظيم يجب على من فعله أن يتوب إلى الله التواب الرحيم، وكذلك لا يجوز الاستفتاح.
قوله: (فإن علم فللمشتري رده) أي وإن علم البائع بالنجش وأحرى إن أمر أو كان من ناحيته كولده أو صديقه، فللمشتري رد المبيع إن كان قائما، (فإن فات ف) عليه (بالقيمة) ما لم تزد على الكذب، أو لم تنقص عن ثمن الصدق لئلا يتم ما دخلا عليه. قوله: (وجاز سؤال البعض ليكف) أي وجاز لمن أراد أن يبتاع سؤال بعض الناس
[ ٢ / ٥١٧ ]
ليكف (عن الزيادة) في السلعة وهو عكس النجش، ويجوز أن يقول كف عني ولك مثقال، وإن كف فله المثقال وإن لم يشترهما، وكذلك يجوز كف عني إن اشتريتها فأنت شريكي فيها، بخلاف ما لو قال: كف عني ولك نصفها فلا يجوز، لأنه أعطى ما لا يملك.
قوله: (لا الجميع) أي فلا يجوز أن يقول لجميع الناس كفوا عن الزيادة في السلعة، لأن ذلك ضرر على البائع، وحكم من يقتدى به حكم الجميع، وكذلك لا يجوز سؤال أكثر الناس أن يكفوا عنه.
قوله: (وكبيع حاضر لعمودي ولو بإرساله له، وهل لقروي؟ قولان. وفسخ وأدب) أي ومما نهي عنه بيع حاضر لباد ولو أرسل إليه المبتاع ليبيعه له، ولا يجوز أن يخبره بالأسعار ولا يشير إليه ويأثم إن فعله فاعله، فإن وقع وباع له فسخ البيع، وأدب فاعله، إلا أن يعذر بجهل وهو ممن يجهل مثل ذلك.
قوله: وهل القروي أي وهل يمنع بيع حضري لقروي كالبدوي، أو يجوز بيعه له كالمدني فيه قولان.
قوله: (وجاز الشراء له) أي ويجوز للحضري الشراء للبدوي، وقيل لا يجوز، وبيع الحاضر للبادي، إنما هو أن يتولى الحاضر العقد، ويقف مع رب السلعة ليزهد في البيع، ويعلمه أن السلعة لم تبلغ ثمنها، وقيل: إنما كان هذا النهي في أمر الحضري للبدوي، أن يتربص بسلعته لغلاء السعر، فالبدوي إن باع بسعر اليوم، فيرتفق الناس بذلك، فإذا قال له: أنا أتربص لك بها حرم الناس الرفق. انتهى من إكمال الإكمال (^١).
قوله: (وكتلقي السلع أو صاحبها) أي ومما نهي عنه تلقي السلع مع صاحبها بعد أن وصلت إلى البلد.
قوله: (كأخذها في البلد) أي كما يمنع أخذ السلعة منه في البلد (بصفة) وهي لم تصل إلى البلد، ولكن إن وقع العقد في هذه الصور الثلاث لم يفسخ، ولكن يؤدب، وقيل يفسخ، (و) قيل (لا يفسخ)، ولكن يشارك فيها.
قوله: (وجاز لمن على كستة أميال أخذ محتاج إليه) أي وجاز لمن كان ساكنا خارج البلد بكستة أميال لا أقل مرت به سلع أخذ ما احتاج لنفسه ولعياله، لا لتجارة مما
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٤٠.
[ ٢ / ٥١٨ ]
يمر به من السلع القاصدة لسوقها، ولو كانت داره في البلد التي تجلب إليها فمرت به السلعة ففيه قولان، ومذهب مالك أن منع تلقي السلع لأجل حق المجلوب إليه، والشافعي حق للجالب، وقيل حق لهما.
[ ٢ / ٥١٩ ]
فصل في انتقال ضمان البيع الفاسد وملكه
عقد البيع الفاسد يوجب الشبهة للمشتري وقبضه يوجب الضمان عليه وفوته يوجب له الملك.
(وإنما ينتقل ضمان الفاسد) عن البائع إلى المبتاع (بالقبض) لا قبله، ولا ينتقل له الملك إلا بالقبض مع الفوت معا، فإن قبض ولم يفت فهو على ملك بائعه (و) ي (رد) بعينه (ولا غلة) له، لأن الخراج بالضمان أي يتوقع الضمان.
قوله: (فإن فات مضى المختلف فيه بالثمن) أي فإن فات المبيع بيعا فاسدا بما يفوت به البيع الفاسد؛ مضى المختلف في فساده مراعاة للخلاف، كمن أسلم في حائط بعينه قد أزهت ثمرته واشترط أخذه تمرا.
قوله: (وإلا ضمن قيمته حينئذ) أي وإن لم يختلف في فساده بل متفق عليه ضمن قيمته حين القبض.
قوله: (ومثل المثلي) أي ويضمن مثل المثلي لأن مثله يقوم مقامه إن فات، كما يضمن القيمة في المقوم، لتعذر المثل فيه، وكذلك يضمن قيمة المثلي إن جهل قدره، والمثلي هو الموزون والمعدود والمكيل.
قوله: (بتغير سوق غير مثلي) أي والفوات المذكور يكون بتغير سوق وغير مثلي وعقار، مفهومه أن المثلي لا يفوت بتغير الذات، لأن مثله يقوم مقامه، فانظره مع قوله: وبنقل عرض ومثلي لبلد بكلفة. انتهى من المواق.
وقوله: (وعقار) أي وكذلك العقار لا يفوت بتغير سوق، لأن الغالب أخذه للقيمة.
قوله: (وبطول زمان حيوان) أي ويكون الفوت في الحيوان بطول زمن، لأن الطول فيه مظنة التغير.
قوله: (وفيها شهر وشهران، واختار أنه خلاف، وقال: بل في شهادة) ظاهره أنه طول وليس كذلك، وفيها أيضا شهران ليس بطول، واختار اللخمي أن ما وقع في المدونة خلاف.
وقال المازري: ليس بخلاف بل خلاف في شهادة.
ونص المصنف في توضيحه عند قول ابن الحاجب: وفي طول الزمان في
[ ٢ / ٥٢٠ ]
الحيوان قولان أي وفي مجرد الطول فقط. والقول بأنه مفيت مذهب المدونة، والقول الآخر ذكره ابن شاس. وعلى المشهور فذكر فيها في الفوت أن مرور الشهر فوت، وذكر في السلم أن الشهر والشهرين لا يكون فوتا، وحمله اللخمي على الخلاف، وروى المازري أنه ليس بخلاف وإنما هو اختلاف في شهادة (^١). فمذهب المدونة أن الشهر في الحيوان مظنة التغير من غير اختلاف، ويظهر ذلك بنصها.
ففي العيوب قلت: أرأيت إن اشتريت جارية ببيع فاسد، فكاتبتها وجعلت كتابتها نجوما كل شهر، فعجزت من أول نجم، ولم تتغير بزيادة سوق ولا بنقصانه، ولا زيادة بدن، ولا تغير بدن، ثم رجعت إلي رقيقا، فأردت ردها أيكون ذلك لي أم تراه فوتا في قول مالك قال: قال مالك: الحيوان لا يثبت في الأيام اليسيرة على حال واحدة ورآه مالك فوتا، فالشهر أبين عند مالك أنه فوت في البدن وإن لم تتغير الأسواق، فمذهب المدونة أن الشهر بل ما دونه يفيت الحيوان في البيع الفاسد من غير اختلاف.
قوله: (وبنقل عرض ومثلي لبلد) أي ومما يفيت المبيع بيعا فاسدا، إذا كان عرضا أو مثليا نقله إلى بلد آخر (بكلفة) أي بمشقة للنقل لا كلفة فيه ومن ثم لم يفت الحيوان بالنقل لأنه لا كلفة في نقله، إلا في كخوف كمكسر، أو بعد مسافة، فينبغي أن يفوت به كالعرض والمثلي.
قوله: (وبالوطء) أي ومما يفيت المبيع بيعا فاسدا، الوطء بكرا كانت أو ثيبا، ويصدق إن ادعاه وإن أنكره، فإن صدقه البائع فلا كلام، وإن لم يصدقه صدق المبتاع في الوخش دون العلية.
قوله: (وبتغير ذات غير مثلي) مفهومه أن المثلي لا يفوت بتغير الذات، لأن مثله يقوم مقامه.
قوله: (وخروج عن يد) أي ويفيت المبيع بيعا فاسدا بخروجه عن يد مبتاعه ببيع، أو هبة، أو صدقة وغير ذلك، (و) كذلك يفوت بسبب (تعلق حق) فيه، وذلك (كرهنه، وإجارته) أو إعارته.
قوله: (وأرض ببئر، وعين، وغرس، وبناء عظيمي المؤونة) أي وتفوت الأرض المبيعة بيعا فاسدا بحفر بئر فيها، أو إجراء عين، لأن الغالب فيهما كثير العمل فيهما،
_________________
(١) التوضيح للشيخ خليل: ج ٥، ص: ٥١٠. ٥١١.
[ ٢ / ٥٢١ ]
وكذلك يفيتها بناء، وغرس إذا كانا عظيمي المؤنة.
واحتز بالبناء والغرس من الزرع فإنه لا يفيتها قاله ابن القاسم.
قال محمد: فإن فسخ في إبان الزرع لم يقلع وعليه كراء المثل، وإن فسخ بعد الإبان فلا كراء عليه.
قوله: (وفاتت بهما جهة هي الربع فقط) أي ويفوت البناء والغرس جهة هي الربع يريد أو الثلث (لا أقل) من الربع، وأما لو أحاط جوانب الأرض بالغرس، فإنها تفوت وإن كان وسطها بقي بياضا.
قوله: (وله القيمة قائما) أي فإن رد الأرض بأجمعها لأجل عدم الفوات بما يفوت به من غرس أو بناء أقل من الربع، فللمبتاع قيمة بنائه أو غرسه قائما للشبهة (على المقول) للمازري (والمصحح) لابن محرز.
قوله: (وفي بيعه قبل قبضه مطلقا تأويلان) أي وفي بيع المبيع بيعا فاسدا بيعا صحيحا قبل قبضه في البيع الفاسد تأويلان، هل يفوت بذلك؟ وفيه قولان لمالك في الموازية.
قوله: مطلقا سواء كان عدم القبض من المبتاع أو غيره، حيوانا كان المبيع أو غيره، ولا يصح أن يكون معنى الإطلاق بيعا صحيحا أم لا، لأن البيع الفاسد لا يفيت البيع الفاسد.
قوله: (لا إن قصد بالبيع الإفاتة) أي فإن ذلك البيع لا يفيت.
عياض واختلف المتأولون في الفوت بالبيع قبل القبض إن لم يقصد بالبيع الإفاتة، لا إن قصد بالبيع الإفاتة، فإنهم لا يختلفون أن بيعه غير ماض.
قوله: (وارتفع المفيت إن عاد) أي وإن عاد المبيع بيعا فاسدا للحال الذي كان عليه قبل الفوت، فإن المفيت يرتفع، وهذا إذ ارتفع قبل الحكم وأما بعد الحكم فلا عبرة بعوده.
قوله: (إلا بتغير السوق) أي فإن الفوت لا يرتفع وهذا إذا ارتفع قبل الحكم، وأما بعد الحكم وإن عاد إلى حاله.
واختلف في البيع الفاسد، قيل: إنما منع ابتداء فإن وقع يمضي بالعقد، وقيل: لا يمضي بالعقد بل بالقبض، والمشهور ما في الكتاب أنه إنما يمضي بالفوت المختلف فيه، وقيل لا يمضي أبدا.
[ ٢ / ٥٢٢ ]
فصل [في بيع الآجال وأحكامه]
قوله: (فصل) أي: هذا فصل يذكر فيه مسائل الآجال، ليس مما تقدم فناسب الفصل، وليس ببعيد فيناسب الباب، والمعتبر في هذا الفصل تهمة قصد الدين بالدين، وبيع وسلف بزيادة، فيمنع لأجل التهمة ما كثر قصد الناس إليه، كبيع وسلف، مثاله أن يبيع سلعتين بدينارين إلى شهر، ثم يشتري واحدة منهما بدينار نقدا، فالسلعة التي خرجت من اليد وعادت إليها ملغاة، وقد خرج من يد البائع سلعة ودينار نقدا، يأخذ منهما عند الأجل دينارين أحدهما عوض عن السلعة وهو بيع، والثاني عوض عن الدينار المنقود وهو سلف.
قوله: (ومنع للتهمة ما كثر قصده، كبيع وسلف، وسلف بمنفعة) أبو عمر: أبى هذا جماعة من الفقهاء بالمدينة وغيرها ولم يفسخوا صفقة ظاهرها حلال بظن يخطئ ويصيب، وقالوا: الأحكام موضوعة على الحقائق لا على الظنون. انتهى من التاج والاكليل (^١).
ومثال ما يمنع لاتهامهما على قصد سلف بمنفعة، المسألة التي هي أصل الباب أن يبيع سلعة بعشرة إلى شهر مثلا، ثم يشتريها بثمانية نقدا، فقد رجعت إليه سلعته، وخرج من يده ثمانية يأخذ عنها عشرة، اجتمعت الأمة على منع بيع وسلف مع جواز كل واحد منهما على حدة، والأصل أن يكون معللا، ولم نجد له علة غير التهمة على سلف بزيادة، فوجب منع كل بيع تحصل فيه مثل تلك العلة، لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما.
قوله: (لا ما قل) أي لا يمنع لأجل التهمة ما يقل قصد الناس إليه، وإنما يمنع إن صرحا به.
قوله: (كضمان بجعل، أو أسلفني وأسلفك) أي هذان لا يمنعان لأجل التهمة، إنما يمنعان إذا صرحا بذلك.
مثال ضمان بجعل أن يبيع له ثوبين بدينارين إلى شهر، فلما حل الأجل اشترى أحدهما بدينارين.
_________________
(١) التاج والإكليل: ج ٦، ص: ٢٦٨.
[ ٢ / ٥٢٣ ]
ومثال أسلفني وأسلفك أن يبيع له ثوبا بدينارين إلى شهر، ثم اشتراه بدينار إلى شهرين، فالسلعة قد رجعت إلى صاحبها ودفع الآن دينارا يأخذ بعد شهر دينارين أحدهما عوضا عما كان أعطاه، والثاني كأنه سلف يعطي عنه آخر بعد شهر آخر.
بيوع الآجال هو لقب لمكرر بيع على عاقدين الأول قبل اقتضاء الأول، فتمنع بعض صوره سدا للذريعة، لأن سد الذريعة مجتمع عليه، وإن اختص البعض بسدها في بعض الأحوال، كاختصاص مذهب مالك بسدها في بيوع الآجال.
الأصل في سد الذريعة قوله تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله﴾ الآية [الأنعام: ١٠٨].
الذرائع على ثلاثة أقسام: ما منع مطلقا كحفر بئر، أو وضع شوك في طريق. وما يجوز مطلقا كغرس أشجار العنب، واتخاذ الأغراب دارا. وما اختلف فيه كما هنا وتمسك به الإمام مالك ﵀ دون غيره، واستدل بالآية ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله﴾ الآية [الأنعام: ١٠٨].
ابن راشد في شرح ابن الحاجب: كان ينبغي للمصنف أن يقتصر على سلف جر نفعا، لأن البيع والسلف إنما منع للآية إلا سلفا جر نفعا والإجماع على جواز البيع والسلف مفترقين، وتحريمهما مجتمعين سدا لذريعة الربا؛ ولقوله ﷺ: «لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين» (^١) خشية الشهادة بالباطل، ومنع شهادة الآباء للأبناء، والعكس (^٢).
وعلة تحريم جر السلف للنفع للمسلف، وذلك أن الله تعالى شرع السلف قربة للمعروف، ولذلك استثناه من الربا المحرم، فيجوز دفع دينار ليأخذ عوضه دينارا إلى أجل قرضا. ترجيحا لمصلحة الإحسان على مفسدة الربا، وهذا من الصور التي قدم الشرع فيها المندوبات على المحرمات، قيل: فإذا وقع القرض ليجر نفعا بطلت مصلحة الإحسان بالمكايسة، فيبقى الربا. من كتاب أنوار البر وق للقرافي (^٣).
تنبيه: قال اللخمي: اختلف في وجه المنع في بيوع الآجال.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه: ج ٥، ص: ٩٦.
(٢) الفروق للقرافي: الفرق الرابع والتسعون والمائة بين قاعدة ما يسد من الذرائع، وقاعدة ما لا يسد منها: ج ٣، ص: ٢٢٢.
(٣) الفروق للقرافي: الفرق المائتان بين قاعدة ما يجوز من السلم وبين قاعدة ما لا يجوز منه: ج ٣، ص: ٢٣٨. ٢٣٩. ٢٤٠.
[ ٢ / ٥٢٤ ]
قال أبو الفرج (^١): لأنها أكثر معاملات أهل الربا (^٢).
وقال ابن مسلمة: بل سدا لذرائع الربا، فعلى الأول: من عاداته تعمد الفساد حمل عقده عليه، وإلا مضى، فإن اختلفت العادة منع الجميع، وإن كان من أهل الدين والفضل.
قال في الجواهر: وضابط هذا الباب أن المتعاقدين إن كانا يقصدان إظهار ما يجوز ليتوصلا به إلى ما لا يجوز، فيفسخ العقد إذا كثر القصد إليه اتفاقا من المذهب، كبيع وسلف جر نفعا، فإن بعدت التهمة بعض البعد وأمكن القصد إليه كدفع الأكثر مما فيه ضمان وأخذ الأقل منه إلى أجل فقولان مشهوران. من كتاب أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي (^٣).
قلت: ذكر المسألتين إشارة منه الله إلى ما يكثر القصد إليه، تارة يكون مقصودا لذاته، وتارة مقصودا لكونه وسيلة، وأفادنا أن كلا منهما يكون مقتضيا للمنع اتفاقا، فلو اقتصر على ما يقصد لذاته لم يلزم كثرة القصد فيما يقصد لكونه وسيلة ضرورة، لأن قصد المقاصد أقوى من قصد وسائلها، فلو عكس إيراده لكان صوابا. انتهى من خط الفقيه محمود وقد نسخه من خط سيدي محمد بن عبد الكريم.
قوله: (فمن باع لأجل ثم اشتراه بجنس ثمنه من عين وطعام وعرض فإما نقدا، أو لأجل، أو أقل، أو أكثر بمثل الثمن، أو أقل أو أكثر يمنع منها ثلاث، وهي ما تعجل فيه الأقل، وكذا لو أجل بعضه ممتنع ما تعجل فيه الأقل، أو بعضه، كتساوي الأجلين، إن شرطا نفي المقاصة للدين بالدين) أي من باع شيئا مقوما كان أو غيره، لأجل قرب أو بعد، ثم اشتراه قبل اقتضاء ثمنه الذي باعه به بجنس ثمنه الذي هو تارة من عين، وتارة من طعام، وتارة من عرض، فإما أن يشتري به نقدا، أو للأجل الذي كان في البيعة الأولى، أو لأجل أقل من الأجل الأول، أو لأجل أكثر من الأجل الأول، وعلى تقدير كل إما أن يكون شراؤه إياه بمثل الثمن الذي كان في البيعة الأولى، أو بثمن
_________________
(١) هو القاضي أبو الفرج عمر بن محمد الليثي البغدادي: الإمام الفقيه الحافظ الثقة، تفقه بالقاضي إسماعيل وكان من كتابه، وعنه أخذ أبو بكر الأبهري وغيره، ألف الحاوي في مذهب مالك واللمع في أصول الفقه. مات سنة: ٣٣١. شجرة النور الزكية: ج ٢، ص: ١١٨، الترجمة: ١٧٤.
(٢) تبصرة اللخمي: ج ٩، ص: ٤١٧٢.
(٣) الفروق للقرافي: الفرق الرابع والتسعون والمائة بين قاعدة ما يسد من الذرائع وقاعدة ما لا يسد منها: ج ٣، ص: ٢٢٤.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
أقل من ذلك الثمن، أو بثمن أكثر من ذلك الثمن، وقد علمت أن الثمن إما أن يكون من عين أو من طعام، أو من عرض صارت الصور ستا وثلاثين صورة اثنى عشر صورة في الثمن العين ومثلها في الثمن الطعام ومثلها في الثمن العرض، ثم كل إثنى عشر صورة يمنع منها ثلاث فقط وهي: ما عجل فيه الأقل والعلة فيها التهمة على سلف بزيادة الأقل نقدا أو الأقل إلى دون الأجل، أو الأكثر إلى أبعد من الأجل، فالأقل نقدا أو الأقل إلى دون الأجل منع لأنه سلف بزيادة من البائع فيهما، فأما بأكثر إلى أبعد من الأجل فإنه سلف بزيادة من المبتاع.
وأمثلة القسم الثاني: إذا أبدلت من الدنانير وسقا من طعام، وكذلك أمثلة القسم الثالث مثالها إذا أبدلت من الدنانير ثيابا، وهذا كله حكم ما لو كان الثمن الثاني كله نقدا أو كله مؤجلا حسب ما رأيت، وكذا لو أجل بعضه، هذا التشبيه في المنع أي والحكم هكذا، إذا أجل بعض الثمن الثاني وعجل بعضه ممتنع ما تعجل فيه الثمن الأقل، أو بعض الثمن الأقل، والصور فيه سبع وعشرون صورة، لأن البعض المؤجل إما للأجل الذي كان في البيعة الأولى أو لأقل منه أو لأكثر منه، وعلى كل تقدير فجميع ثمن البيعة الثانية إما أن يكون مثل ثمن البيعة الأولى أو أقل منه أو أكثر، ثم الثمن في البيعتين إما أن يكون عينا أو طعاما أو عرضا فهذه سبع وعشرون صورة، تسع صور في ثمن العين، ومثلها في ثمن الطعام، ومثلها في ثمن العرض ممتنع من كل تسع أربع، وهي ما تعجل فيه الأقل أو بعضه، والعلة التهمة على سلف بزيادة.
الحاصل: الضابط إذا اتفقت الآجال فلا تبالي بالأثمان إلا إذا اشترطا نفي المقاصة فلا يجوز حينئذ لأجل الدين بالدين لعمارة ذمة كل منهما، وأما إن شرط المقاصة أو سكت عنها، فإن ذلك يجوز، وكذلك إذا اتفقت الأثمان فلا تبالي بالآجال، وإن اختلفت الآجال نظر إلى ما خرج من اليد السابقة بالدفع، فإن رجع إليها أكثر مما خرج منها لم يجز لأنه سلف بزيادة.
قوله: (ولذلك صح في أكثر لأبعد إذا اشترطاها) أي ولذلك المعنى هو دوران المنع بين تهمة الدين بالدين وسلف بزيادة صح العقد في مسألة شرائهما ثانيا بثمن أكثر من ثمن البيعة الأولى وأبعد من الأجل الأول، إذا شرطا المقاصة لأنه عند الأجل الأول لم يدفع شيئا حتى يكون سلفا.
قوله: ولذلك صح الظاهر أن مراده بيان كون المنع دائرا مع تهمة دين بدين، أو
[ ٢ / ٥٢٦ ]
تهمة دفع قليل في كثير أي ولأجل أن المنع دائر مع تهمة دين بدين، أو تهمة سلف بزيادة وجودا أو عدما منعت مسألة اتحاد الأجل إذا شرطا عدم المقاصة بوجود دين بدين وجازت مسألة إذا اشتراها بأكثر إلى أبعد من الأجل، لارتفاع سلف بزيادة. انتهى من خط شيخنا محمود بن عمر نسخه من بعض شروح سيدي محمد بن عبد الكريم لطف الله بنا وبهم،، آمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
قوله: (والرداءة والجودة كالقلة والكثرة) أي والرداءة في الثمن والمثمون كالقلة والجودة فيهما، كالكثرة من جهة النقص والزيادة لا من جهة المنع والجواز فالأردى كالأنقص، والأجود كالأوفى.
قوله: (ومنع بذهب وفضة) أي ومنع كون أحد الثمنين ذهبا والآخر فضة، كما لو باعه أولا بذهب لأجل، ثم اشتراه ثانيا بفضة نقدا أو للأجل نفسه أو لأقرب أو لأبعد، للزوم صرف متأخر، (إلا أن يعجل) ناجزا (أكثر من قيمة المتأخر جدا)، فجائز لانتفاء التهمة بالكثرة مع كون الثاني نقدا، وذلك كما لو باعه إلى شهر، واشتراه منه بمائة درهم نقدا، والصرف بعشر بين الناس أو نحو ذلك.
قوله: (وبسكتين إلى أجل) أي ويمنع أيضا من الصور ما أدى للمعاملة بسكتين، كائنتين معا إلى أجل، اتحد الأجل فيهما أم لا، للزوم دين بدين.
قوله: (كشرائه للأجل بمحمدية ما باع بيزيدية) تمثيل أي فلايجوز للبائع أن يشتري ما باعه للأجل نفسه أو أقل أو أبعد من محمدية بزيدية، فإن المحمدية أفضل من اليزيديه.
قوله: (وإن اشترى بعرض مخالف ثمنه جازت ثلاث النقد فقط) أي وإن اشترى ما باعه أولا بعين وطعام أو عرض بعرض مخالف ثمنه الذي باعه به أولا مخالفة يجوز معها سلمه فيه، كما إذا باع ثوبا بجمل ثم اشتراه ببغل أو غيره مما هو مخالف للجمل في الجنسية، جازت صور النقد الثلاثة وهي: أن تكون قيمة هذا العرض الثاني مساوية لقيمة الجمل في مثالنا أو أقل أو أكثر، ومن النقد هنا أجل لا يضر بالمسلم. ونبه بقوله: فقط على منع صور الآجال التسع الدين بالدين.
قوله: (والمثلي صفة وقدرا كمثله، فيمنع بأقل لأجله، أو لأبعد؛ إن غاب مشتريه به) أي فإن اشترى ما باعه في الصفة والقدر كما إذا باع محمولة ثم اشترى من المبتاع مثله صفة وقدرا، فإن ذلك المثل كعين ما باعه، لأن المثلي يقوم مثله مقامه فيمنع ما قل لأجله أو لأبعد منه، إن غاب مشتريه عليه قبل البيعة الثانية.
[ ٢ / ٥٢٧ ]
ابن غازي: لا شك أن الواو هنا أولى من الفاء، وأن الشرط مختص بها تين الصورتين وأما الثلاث التي في الضمن فممنوعة غاب أو لم يغب. انتهى (^١).
قوله: (وهل غير صنف طعامه كقمح وشعير مخالف أو لا؟ تردد) أي وهل إن اشترى منه صنف طعامه كما إذا باع قمحا واشترى شعيرا، هل حكمه حكم من اشترى سلعا مخالفة للمبيع فيجوز مطلقا لاختلاف ما بينهما حكاه صاحب النكت، أو ليس حكمه حكم المخالف قاله ابن أبي زمنين، ففي ذلك تردد في الفهم، ويحتمل أنه تردد لعدم النص.
قوله: (وإن باع مقوما فمثله كفيره) أي فإن كانت السلعة المبيعة من المقومات كالعروض والحيوان، وما يعرف بعينه، فإن مثلها كمخالفها، لأن المقوم لا يقوم المثل فيه مقام مثله، فمن باع سلعة ثم اشترى من مشتريها قبل اقتضاء ثمنها سلعة مثلها، فلا تضم البيعة الثانية للأولى في تلك السلعة.
قوله: (كتغيرها كثيرا) أي إن تغيرت السلعة تغيرا كثيرا، فإن ذلك يصيرها كسلعة أخرى.
قوله: (وإن اشترى أحد ثوبيه لأبعد) وهذا الذي تقدم كله إذا اشترى السلعة كلها، وهذا شروع منه تخلله فيما إذ اشترى بعض السلعة أي وإن اشترى أحد ثوبيه الذين باعهما لأجل إلى أبعد من ذلك الأجل (مطلقا) بمثل الثمن (أو أقل) أو أكثر، وكذلك يمتنع إذا باعه له بأقل (نقدا)، أو إلى دون الأجل، لأنه بيع وسلف، ومثاله أن يبيع الجميع بعشرة إلى شهر، ثم يشتري منه واحدا بثمانية نقدا، لأنه يدفع الآن ثمانية يأخذ عنها ثمانية وهو سلف والباقي فهو بيع وسلف. صح من البساطي.
وأما بمثل الثمن فإن أحد الثوبين قد رجع إليه، وآل الأمر إلى أنه خرج من يده ثوب على أن يسلفه المشتري عشرة مثلا يأخذ عنها عشرة، والثوب زائد، فهو سلف جر نفعا، وإذا كان هذا مع المثل فأحرى مع الأقل والأكثر. البساطي.
قوله: (امتنع لا بمثله أو أكثر) أي لا بمثل الثمن نقدا، أو ما دون الأجل فإنه يجوز، وهذه أربع صور صرح بجوازها، فيبقى من الإثنى عشر ثلاثة جائزة أيضا وهي: ما كان للأجل نفسه لوضوحه سكت عنها، والممنوعة خمس من الإثنى عشر صورة خمس.
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٦٤٦.
[ ٢ / ٥٢٨ ]
قوله: (وامتنع بغير صنف ثمنه) أي وامتنع شراء أحد الثوبين بغير صنف الثمن الأول، كما إذا باعهما بالذهب واشترى أحد هما بالفضة أو العكس، فإن ذلك لا يجوز، لأنه رجع إليه أحد ثوبيه وخرج منه ذهب وثوب يأخذ منه عند الأجل فضة، وسواء كان الثمن الثاني أقل أو مساويا، نقدا أو إلى أقل من الأجل الأول أو إليه نفسه أو إلى أبعد منه، لاجتماع البيع والصرف، ولما كان كلامه شاملا لما إذا كان الثاني أكثر ولو نقدا أخرجه بقوله: ﴿إلا أن يكثر المعجل﴾ أي فيجوز. انتهى من الصغير (^١).
قوله: (ولو باعه بعشرة ثم اشتراه مع سلعة نقدا مطلقا، أو لأبعد بأكثر) أي إذ اشترى المبيع لأجل مع سلعة أخرى نقدا، أطلق النقد على الحال، وما كان لأجل دون الأجل بمثل الثمن أو أقل أو أكثر، وإليه أشار بقوله: مطلقا امتنع، وكذلك إن اشتراه لأبعد من الأجل بأكثر ممتنع، وسيصرح بمفهوم قوله بأكثر حيث يقول: وبمثل وأقل لأبعد، وسكت عن الثالثة التي للأجل نفسه لوضوح جوازها، فخرج من كلامه أن سبعا ممنوعة وخمسا جائزة.
قوله: (أو بخمسة وسلعة: امتنع) أي إن اشترى الثوب وحده بخمسة وسلعة.
والمسألة بحالها من كون الثمن نقدا بوجهيه أو لأبعد، فهذه ثلاث ممنوعة تبقى من صور الأقل واحدة للأجل نفسه وجوازها لا يخفى. انتهى من بن غاز (^٢).
قوله: (لا بعشرة وسلعة) أي فإن ذلك لا يمتنع وهو مذهب ابن القاسم، وهو إذا كانت العشرة نقدا أو إلى دون الأجل وهو مراده هنا.
قوله: (وبمثل أو أقل لأبعد) أي فيجوز أي أن البائع إذا اشترى الثوب بمثل الثمن الأول، فإنه يجوز كان الثمن نقدا، أو إلى دون الأجل أو إليه أو أبعد.
قوله: أو أقل لأبعد فيجوز أيضا إذ لا تهمة فيه.
قوله: (ولو اشترى بأقل لأجله ثم رضي بالتعجيل قولان) أي ولو وقع البيع على الوجه الجائز، كما إذا اشترى بثمانية إلى شهر ما باعه بعشرة إلى الشهر نفسه، ثم رضي بتعجيل الأقل قبل الأجل الأول، فهل يجوز ذلك إذ لا تهمة أو يمنع لاتهامهما والقولان للمتأخرين.
_________________
(١) الشرح الصغير للشيخ بهرام: ج ٢، اللوحة: ١٠.
(٢) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٦٤٨.
[ ٢ / ٥٢٩ ]
ابن رشد: وكذلك الخلاف إذا اشترى بأكثر إلى أجله ثم تراضيا بالتأخير.
قوله: (كتمكين بائع متلف ما قيمته أقل من الزيادة عند الأجل) قولان، التشبيه بينهما في القولين أي إذا أتلف البائع السلعة ما باعه فوجب عليه قيمته، وهي إذ ذاك أقل من الثمن، هل يمكن من أخذ الزيادة على القيمة عند الأجل لبعد التهمة، وهو قوله في المجموعة، أو لا يمكن إلا من مقدار ما دفع فقط، إذ يتهمان على سلف بزيادة، وهو قول ابن القاسم في العتيبية، كما إذا باع شاة بعشرة إلى شهر ثم استهلكها وكانت قيمتها حينئذ ثمانية، فإن المبتاع يمكن من القيمة وهي الثمانية لينتفع بها، وإنما الخلاف في الزائد، هل يمكن البائع من قبضه عند الأجل إذ لا تهمة، أولا يمكن إلا من مقدار ما دفع فقط، إذ يتهمان على سلف بزيادة، وها هنا تم الكلام في بيوع الآجال بالإشارة لفصوله، وأما الحصر فوراء العقل لأنه اندرج في كلام المصنف ها هنا أكثر بكثير من ثلاثين ألف صورة من غير تعرض لشرط المقاصة وعدمها، ومن غير تعرض لصور الانتقال من صورة لصورة، فسبحان من بيده ملكوت كل شيء وهو على كل شيء قدير. انتهى من مفتاح الكنوز.
ثم اخذ المصنف ﵀ يتكلم على برذون ابن القاسم وحمار ربيعة.
قوله: (وإن أسلم فرسا في عشرة أثواب) أي وإن أسلم شخص فرسا في عشرة أثواب، (ثم استرد مثله) قبل الأجل (مع خمسة) من تلك الأثواب، على أن أسقط عنه الباقي (منع مطلقا)، كانت الخمسة نقدا أو لأجل نفسه أو لأقل أو لأبعد، لأن الأمر آل إلى أنه أسلفه فرسا فرد إليه مثله، والذي دفع معه هو زيادة لأجل السلف وذلك ممنوع.
قوله: (كما لو استرده) أي الفرس بعينه مع خمسة، يريد وإيراده منه من باقي الثياب، كما في المدونة، لأنه لو أبقى الخمسة الأثواب إلى الأجل، وأخذ الفرس عوضا عن الأخرى جاز كما نبه عليه، إلا أن تبقى الخمسة لأجلها، ثم أشار بقوله: لأن المعجل لما في الذمة، أو المؤخر مسلف، إلا أن علة المنع في ذلك هو اجتماع البيع والسلف، ووجهه أن الذي عليه الحق عجل لك الخمسة الأثواب سلفا منه يقبضها من نفسه إذا حل الأجل، والفرس بيع بالخمسة الباقية. انتهى.
والمعجل لما في الذمة مسلف على المشهور، والمؤخر لما في الذمة مسلف اتفاقا.
قوله: (إلا أن تبقى الخمسة لأجلها، لأن المعجل لما في الذمة أو المؤخر مسلف أي
[ ٢ / ٥٣٠ ]
فيجوز، والاستثناء والتعليل في قوله: إلا أن تبقى الخمسة لأجلها، لأن المعجل لما في الذمة والمؤخر مسلف قاصران على ما بعد الكاف، على قاعدة الأكثرية المنبه عليه أول الكتاب، فإن كانت الخمسة قبل الأجل كان بيعا وسلفا من المدين، وإن كان لأبعد كان بيعا وسلفا من رب الدين. انتهى.
قوله: (وإن باع حمارا بعشرة لأجل، ثم استرده ودينارا نقدا، أو مؤجلا منع مطلقا) أي وإن باع حمارا بعشرة دنانير أو دراهم ثم أقاله في الحمار ودفع له معه دينارا نقدا أو مؤجلا، ونبه على أن الدينار من المزيد إن لم يكن معجلا، فإنه يمتنع مطلقا أي سواء قبل الأجل الأول أو مؤخر عنه، ولما كان الإطلاق يوهم دخول المنع أيضا، ولو كان إلى الأجل نفسه أخرجه بقوله: (إلا في جنس الثمن، للأجل) فإنه جائز. انتهى من الصغير.
وقال صاحب مفتاح الكنوز مطلقا أي سواء كان الحمار يساوي تسعة أو أقل أو أكثر.
قوله: (وإن زيد غير عين وبيع بنقد لم يقبض جان، إن عجل المزيد) أي وإن زيد مع الحمار غير عين وبيع الحمار بنقد أي بتعجيل لكن لم يقبض البائع ثمنه حتى تقابلا الحمار، ودفع المشتري معه الزيادة، فإن كان المزيد معجلا جاز وإلا منع، وأما إن قبض الثمن جاز وإن لم يعجل المزيد.
قوله: (وصح أول من بيوع الآجال فقط) لما فرغ الشيخ ﵀ من مسألة الفرس ومسألة الحمار، رجع إلى بيوع الآجال فقال: وصح أول من بيوع الآجال فقط هذا هو المشهور.
وقيل: يفسخان، وهو قول ابن الماجشون.
قوله: (إلا أن يفوت الثاني فيفسخان) أي إلا أن يفوت الثاني بما تفوت به البيوع الفاسدة، فيفسخ البيعتان معا.
قوله: (وهل مطلقا، أو إن كانت القيمة أقل؟ خلاف) أي وهل يفسخ البيعتان مطلقا أي كانت القيمة أقل من الثمن أو أكثر أو المثل، وهو ظاهر قول عائشة، وهو قول ابن الماجشون، أو إنما يفسخان إذا كانت القيمة أقل فيه قولان مشهوران.
تنبيه: لم يقول إلا أن يفوت فيفسخان وقد قال قبل هذا: فإن فات مضى المختلف فيه.
[ ٢ / ٥٣١ ]
فصل [في بيان العينة وأحكامه]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه مسائل أهل العينة.
والعينة بكسر العين، هل هي من العون لأن البائع يستعين بالمشتري على تحصيل مراده، أو من العين أي طلب الربح من العين بواسطة تحريك العرض، أو من العنا وهو التعب.
ابن رشد بيع أهل العينة على ثلاثة أقسام: جائز وبه بدأ، ومكروه وبه ثنى، وممنوع وبه ثلث، وإن كان في بعض صوره جائز ومكروه. انتهى (^١).
وهذا الفصل بينه وبين الذي قبله مناسبة، وقد قال ابن عرفة: بيع أهل العينة هو البيع المتحيل به على دفع عين في أكثر منها.
قوله: (جاز لمطلوب منه سلعة) أي جاز لمن طلبت منه سلعة لم تكن عنده فقال: ليست عندي، أو لم يقل بل سكت، فانقلب الطالب من غير وعد، ولا عادة (أن يشتريها ليبيعها) منه (بمال، ولو ب) مال (مؤجل بعضه) وبعضه نقدا، وفاقا لظاهر مسائل الكتاب، وللأمهات خلافا لما في العتبية من سماع ابن القاسم كراهته.
قوله: (وكره خذ بمائة ما بثمانين، أو اشترها ويؤمن لتربيحه) أي وكره لمن طلب منه سلعا أن يقول للطالب خذ مني بمائة ما يباع بثمانين، فإنه لا يحل لي أن أعطيك ثمانين بمائة، وكذلك يكره له أن يقول له اشتريها، ويشير من غير تسمية له بتربيحه فيها بقوله مثلا وأنا اشتريها منك وأربحك، من غير تسمية ربح ولا تعريض ولا عادة.
قوله: (ولم يفسخ) وإن وقع المكروه لم يفسخ وهو مستغنى عن قوله: ولم يفسخ، لأنه لما قال وكره، علمنا أنه لا يفسخ.
قوله: (بخلاف اشترها بعشرة نقدا وأخذها باثني عشر لأجل) أي فإن هذا لا يجوز لأنه سلف بزيادة. غفل الشارح هنا الله.
قوله: (ولزمت الآمر، إن قال: لي) أي فإن وقع ونزل لزمت الأمر، وهو المشتري الثاني في هذا الفرع، وفي كل فرع يأتي بما اشترى لها به المأمور، على ما اشتراها به
_________________
(١) البيان والتحصيل لابن رشد: ج ٧، ص: ٨٦. بتصرف
[ ٢ / ٥٣٢ ]
من نقد أو أجل، إن قال: اشترها لي، لأن الشراء إنما يقع بعقد صحيح، والمأمور وكيل بوجه فاسد، وتوهم بعضهم من قوله: بخلاف بعد نفي الفسخ، أن ذلك يفسخ، وهو غلط فاحش.
قوله: (وفي الفسخ إن لم يقل لي إلا أن تفوت فالقيمة، أو إمضائها ولزومه الإثنا عشر قولان) أي ففي وجوب الفسخ إن لم يقل اشترها لي فترد السلعة بعينها، لأنه باع ما ليس عنده، إلا أن تفوت تلك السلعة فترد القيمة يوم قبضها بالغا ما بلغت، أو إمضائها بالعقد، وتلزمه الإثني عشر لأجلها، لأن المأمور كان ضامنا لها، ولو شاء الأمر ألا يشتريها منه لكان له ذلك فيه قولان لابن حبيب ورواية لابن القاسم.
قوله: (وبخلاف اشترها لي بعشرة نقدا وأخذها باثني عشر نقدا، إن نقد المأمور بشرط) أي فإنه لا يجوز إن نقد المأمور بشرط لأنه إجارة فاسدة بشرط السلف من الأجير، ومفهومه إن نقد بغير شرط يجوز وسيأتي به بعد مصرحا به.
قوله: (وله الأقل من جعل مثله) أي وله إن نقد بشرط، ولم يمض مدة نفع السلف الأقل من جعل مثله، (أو الدرهمين فيهما) أي في المسألتين، وهما: اشترها لي بعشرة نقدا، وأنا أشتريها باثني عشر إلى أجل، أو اشترها لي بعشرة نقدا وأنا أشتريها منك باثني عشر نقدا، (والأظهر) عند ابن رشد (والأصح) عند ابن زرقون: (لا جعل له).
قوله: (وجاز بغيره) وهو مفهوم قوله: إن نقد المأمور بشرط.
قوله: (كنقد الأمر) أي كما يجوز العقد إذا نقده الأمر.
قوله: (وإن لم يقل لي) أي وإن لم يقل الأمر اشترها لي بعشرة، وآخذها باثني عشر نقدا، (ففي الجوان) فيه (والكراهة) لأجل المراوضة التي وقعت بينهما قبل أن تدخل السلعة في ملك المأمور (قولان).
قوله: (وبخلاف اشترها لي باثني عشر لأجل وأشتريها بعشرة نقدا، فتلزم بالمسمى) أي فإنه لا يجوز، لأنه سلفه عشرة على أن يشتري له تلك السلعة باثني عشر، ويدفع عنه الدرهمين الزائدين فيها، وقد تقدم أن السلعة تلزمه بما اشتراها به المأمور على ما اشتراها به من نقد أو أجل، إن قال لي، فإن وقع هذا ونزل، فيلزم الأمر المسمى، وهو الإثني عشر، (ولا تعجل العشرة) للمأمور لأنها سلف بزيادة، (وإن عجلت أخذت منه غاب عليها أو لم يغب، (وله جعل مثله) بالغا ما بلغ اتفاقا.
قوله: (وإن لم يقل لي فهل لا يرد البيع إذا فات وليس على الآمر إلا العشرة؟ أو يفسخ الثاني مطلقا إلا أن يفوت فالقيمة؟ قولان) أي وإن لم يقل الأمر في مسألتها اشتريها
[ ٢ / ٥٣٣ ]
لي، فهل يرد البيع إن لم يفت، فإن فات فلا يرد، وليس على الأمر حينئذ إلا العشرة نقدا، أو يفسخ البيع الثاني، وهو الواقع بين المأمور وأمره مطلقا على كل حال، فترد السلعة بعينها للمأمور، إلا أن تفوت بما يفوت به البيع الفاسد، فالقيمة يوم القبض فيه قولان لابن القاسم وابن حبيب.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
فصل [في البيع بشرط الخيار]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه بيع الخيار.
والخيار على ضربين خيار التروي وخيار النقيصة.
وكل خيار من جهة العاقد فهو خيار التروي، وكل ما كان من جهة المعقود عليه كالعيب والاستحقاق فهو خيار النقيصة، وكل ما كان قبل العقد فهو خيار النقيصة، فكلما كان قبل العقد فهو خيار النقيصة، وما كان بعد العقد فهو خيار التروي.
الخيار في البيوع غرر، ولكن جوزه الشرع، سواء كان الخيار للبائع أو للمبتاع أولهما.
قوله: (إنما الخيار بشرط) إنما حرف الحصر يثبت الحكم المذكور وينفيه عما سواه، وعبر عنها بعضهم بتحقيق المتصل وتمحيص المنفصل، نبه بأدات الحصر على أن خيار المجلس باطل عند مالك ﵀ وهو من المسائل التي خالف فيها الجمهور، حتى حلف عبد الحميد الصائغ بالمشي إلى مكة، أنه لا يفتي فيها بمذهب مالك:
الأولى: التدمية البيضاء وهو قول الميت دمي عند فلان.
الثانية: جنسية القمح والشعير، وقال ابن رشد: إنما تكلم مالك على شعير بلده. انتهى.
قوله: (كشهر في دار) شرع الله في أمثلة الخيار في السلع، لأن السلع تختلف في سرعة التغيير غالبا.
قوله: (ولا يسكن) أي ولا يسكن من له الخيار في الدار المبيعة بخيار شرط ولا بغير شرط في مدة الخيار، لأن الدار تختبر بغير سكناها، فإن تبرع رب الدار بسكناها بعد العقد ففيه نظر.
قوله: (وكجمعة في رقيق) أي ومدة الخيار في الرقيق سبعة أيام ونحوها صغيرا كان أو كبيرا، إنما وصل الجمعة - وإن كان حيوانا - لأنه مظنة كتم عيوبه، ويستخدمه مشتريه في مدة الخيار بما هو وسيلة اختياره وإن بغير شرط، فتكون الخدمة للمبتاع لغو، وأما أجر صنعته وخراجه غلة لبائعه، والأنثى في ذلك كالذكر ولا يغيب عليها بائع ولا مبتاع.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
قوله: (واستخدمه، وكثلاثة في دابة، وكيوم لركوبها ولا بأس بشرط البريد، أشهب: والبريدين. وفي كونه خلافا تردد) أي ومدة الخيار في الدابة، إن قصد اختبارها في الجملة، وإن قصد منها الركوب فقط، فمدة الخيار فيها يوم، ولا بأس أن يشترط فيها ركوب بريد واحد عند ابن القاسم، وقال أشهب ولا بأس بشرط ركوب بريدين، وفي كون قول أشهب خلافا لقول ابن القاسم، وهو ظاهر المدونة، وعليه فقال أبو عمران: كل واحد منهما حد الذهاب فقط، فالذهاب والإياب عند ابن القاسم بريدان وعند أشهب أربعة، أو وفاق كما جوزه عياض قائلا: قد يحتمل موافقة القولين، فإن ابن القاسم حد الذهاب دون الرجوع إذ لابد منه، وأشهب حدهما فيه تردد للمتأخرين في الفهم، لعل اللائق في اصطلاحه تأويلان.
قوله: (وكثلاثة في ثوب) أي ونحوه أي ومدة الخيار في الثوب ونحوه ثلاثة أيام، ولا يشترط لبسه بخلاف استخدام العبد، لأنه لا يختبر باللبس، وإنما يحتاج فيه إلى معرفة قيمته، وحال الثمن فقط.
وإذا لم يجز اشترط اللبس، فأحرى أن لا يجوز بغير شرط. وإن شرط اللبس
فسد البيع، وإذا فسخ البيع لزم الكراء لأجل اللبس، ولم يجعلوه كسائر البيوعات الفاسدة إذا فسخت لا يلزم فيها رد الغلة ولا عوض عنها. انتهى من إكمال الإكمال (^١).
فلو بيع عرض بعرض اعتبر في تلك المدة المقصود منهما بالخيار.
وفي إكمال الأكمال: قال عياض: واختلف إذا شرطا الخيار ولم يعينا مدته، فقال مالك: البيع جائز، ويضربانه بحسب المبيع.
وقال أحمد وإسحاق: ويجوز البيع ويلزم الشرط، والخيار له أبدا حتى يرد أو يأخذ.
وقال الأوزاعي: البيع جائز ويسقط الخيار.
وقال الشافعي وأبو حنيفة: البيع فاسد (^٢).
قوله: (وصح بعد بت، وهل إن نقد؛ تأويلان) أي وصح جعل الخيار بعد بت العقد، وهل يصح الخيار بعد البت مطلقا نقد الثمن أم لا، لأن المقصود تطييب نفس من
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٣٥٢.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٣٥٢/ ٣٥٣.
[ ٢ / ٥٣٦ ]
جعل له الخيار منهما، أو إنما يصح إذا نقد الثمن الذي ترتب في ذمته بعقد بيع البت، وإن لم ينقد فلا يجوز، للزوم فسخ دين في مؤخر وهو سلعة فيها خيار، وإليه ذهب أكثر الأشياخ.
قوله: وصح بعد بت لو قال الشيخ ﵀: وجاز، لكان أولى.
قوله: صح يوهم أنه لا يجوز ابتداء.
قوله: (وضمنه حينئذ المشتري) أي وحيث جعل في البيع خيارا بعد البت، ضمن المشتري حينئذ المبيع، لأنه صار بائعا في الحقيقة بخيار، كان الخيار له أو للبائع.
قوله: (وفسد بشرط مشاورة بعيد، أو مدة زائدة) أي وفسد البيع بشرط مشاورة شخص بعيد، وحد البعد ما زاد على أمد أيام الخيار المعهود شرعا، وفسخ وإن أسقط ذلك الشرط، لأن العقد وقع فاسدا، وكذلك ما بعده من شرط مدة زائدة عن أمد الخيار، أو مدة مجهولة كمتى يقدم فلان، وأما إن عقد البيع على خيار، ولكن لم يضربا أجل الخيار جاز البيع.
قال في المدونة: ومن باع عبدا بالخيار ولم يضرب له أجلا جاز البيع، وجعل له من المدة ما ينبغي في مثل تلك السلعة. انتهى (^١).
اختلف ابن عبدوس وابن سحنون فيمن باع بالخيار واشترط أكثر من الأمد الذي يصلح في الشرع في الخيار، فهلك المبيع فممن ضمانه، فابن عبدوس هو من المشتري يجوز، وابن سحنون هو من البائع لأنه بيع خيار.
فقال أبو القصي السوسي: سمعت ابن المواز هو بيع فاسد، فقيل له: رواية، قال: نعم، إذا باع بالخيار وشرط النقد فالبيع فاسد، فهذه نظيرها، لأنه اشترط الزائد على ما يصلح من ضرب الأجل كاشتراط النقد. انتهى من المدارك.
قوله: (أو مجهولة أو غيبة على ما لا يعرف بعينه، أو لبس ثوب ورد أجرته) أي وكذلك لا يجوز شرط غيبة بائع أو مبتاع على ما لا يعرف بعينه، وكذلك لا يجوز شرط لبس ثوب في أمد الخيار، إذ هو كبيع العربان فإن وقع ذلك الشرط ونزل رد أجرة لبس الثوب.
_________________
(١) تهذيب المدونة: ج ٣، ص: ٤٨. ونص المدونة: قلت: أرأيت إن اشتريت سلعة على أني بالخيار ولم أجعل للخيار وقتا أترى هذا البيع فاسدا أو جائزا؟ قال: أراه جائزا وأجعل له من الخيار مثل ما يكون له في مثل تلك السلعة.
[ ٢ / ٥٣٧ ]
قوله: (ويلزم بانقضائه) أي ويلزم المبيع خيارا من له الخيار بانقضاء أمد الخيار وهو بيده إذا لم يشهد أنه لم يختر، أو أتى بعذر له وجه (ورد) المبيع خيارا (في كالقد) بعد انقضاء المدة، لأن دلالة الإنقضاء لا تقوم إلا بعد انفصال بين ينزل السكوت كالنطق عرفا.
قوله: (وبشرط نقد كغائب، وعهدة ثلاث، ومواضعة، وأرض لم يؤمن ريها، وجعل، وإجارة لحرز زرع، وأجير تأخر شهرا) أي وفسد أيضا بيع الخيار بشرط النقد، كما يفسد البيع في الغائب، بيع برأية متقدمة أو صفة بشرط النقد فيه إذا كان غير عقار أو قريب، وكذلك يفسد البيع بشرط النقد في عهدة الثلاث، مفهومه أن عهدة السنة ليست كذلك والمفهوم صحيح.
ابن عرفة: ولو شرط إسقاط العهدة حيث العادة، ثبوتها، ففي سقوطها ولزومها ثالثها يفسد البيع، وكذلك يفسد البيع بشرط النقد في الأمة المواضعة، وكذلك يفسد البيع بشرط النقد في كراء أرض لم يؤمن ريها، مفهومه لو أمن ريها لجاز وهو كذلك، وكذلك لا يجوز الجعل بشرط النقد، وكذلك يفسد العقد في الإجارة بذهب أو غيره لحرز زرع بشرط النقد فيه.
وفي بعض النسخ: محرز زرع، وفي بعضها بجزء زرع.
وكذلك يفسد العقد في إجارة معين عاقل أو غيره بتأخير شروعه في العمل شهرا وأحرى أكثر، وإنما يفسد العقد بشرط النقد في هذه النظائر كلها، لأن المفقود متردد بين أن يكون ثمنا أو سلفا لتردد العقد بين النقص وعدمه، ومن ثم يجوز النقد فيها بغير شرط في بعضها.
قوله: (ومنع وإن بلا شرط في مواضعة، وغائب، وكراء ضمن)، لو أسقط ضمن لكان موافقا للمشهور، وسلم بخيار أي ومنع النقد وإن بلا شرط فيما لا يمكن التناجز فيه بعد الإمضاء، وذلك في بيع مواضعة بخيار، وبيع غائب بخيار، وكراء مضمون بخيار، وسلم بخيار.
الضابط: أن كلما يتأخر قبضه بعد أمد الخيار لا يجوز فيه النقد مطلقا لأنه فسخ دين في دين.
قوله: (واستبد بائع) بخيار (أو مشتر على مشورة غيره) أي وانفرد بائع أو مشتر بالامضاء والرد، إذا باع أو اشترى على مشاورة غيره، فله الإمضاء والرد قبل المشورة أو بعدها.
[ ٢ / ٥٣٨ ]
قوله: (لا خياره ورضاه، وتؤولت أيضا على نفيه في مشتر، وعلى نفيه في الخيار فقط، وعلى أنه كالوكيل فيهما) أي لا يستبد البائع أو المشتري إذا كان عقد المبيع على خيار غيرهما أو رضاه، بل لا بد من خيار الغير ورضاه، وتأولت المدونة أيضا على نفي الاستبداد في مشتر فقط، وتأولت أيضا على نفيه في الخيار فقط، وتأولت المدونة أيضا على أن من شرط خياره أو رضاه كالوكيل فيها البائع والمشترى، فالحكم لمن سبق بالإمضاء أو الرد من الوكيل أو المتبايعين.
قوله: (ورضي مشتر كاتب، أو زوج ولو عبدا، أو قصد تلددا، أو رهن، أو آجر، أو أسلم للصنعة، أو تسوق) رضي رضا لغتان أي ورضي مشتر كاتب في أيام الخيار، وأحرى إن عتق أو دبر الأمة في أيام خياره، أو زوج الأمة في أيام خياره ولو كان المزوج عبدا، والمشهور أنه رضي منه خلافا لأشهب، وكذلك إن قصد في الأمة تلذذا وإن بنظر فإن ذلك يعد منه رضى ولكن لا يعلم ذلك إلا منه بإقراره، وكذلك إن رهن المبيع في أيام الخيار، فإن ذلك يعد منه رضى، وكذلك إن آجره أو أسلمه لصنعة أو عرضه للسوق، فإن هذه الاشياء تعد منه رضى.
قوله: (أو جنى إن تعمد) أي وإن تعمد من له الخيار الجناية على المبيع في أيام الخيار، فإن ذلك يعد منه رضى، واستشكله بعضهم بأن له أخذه بغير جناية.
قوله: (أو نظر الفرج) فإن نظر من له الخيار إلى فرج الأمة في أيام الخيار، فإن ذلك رضى منه وإن زعم أنه لم يقصد لذة، لأن الفرج لا ينظر إليه إلا النساء في العيوب، أو من يحل له الفرج.
قوله: (أو عرب دابة) أي فصد إما ما قبلها أو دونها أي فصد أسافلها (أو ودجها) أي فصد أوداجها وأحرى إن هلبها أي قطع شعر ذنبها وعنقها.
قوله: (لا إن جرد جارية) أي لا يعد ذلك منه رضى لأنها قد تجرد للتقليب، وإن كان ذلك لا يحل إلا أن يقر بأنه قصد التلذذ.
والحاصل أن كل ما دل على الرضى عرفا يعد منه رضى، وذلك ما خص صدوره بالملك.
قوله: (وهو رد من البائع) يريد أن كل فعل يعد رضى من المبتاع فهو رد من البائع، (إلا الإجارة) وحدها في أمد الخيار، وأما ما زاد على أمد الخيار فإنه رد منه.
قوله: (ولا يقبل منه أنه اختار أو رد بعده، إلا ببينة) أي ولا يقبل ممن له الخيار أنه
[ ٢ / ٥٣٩ ]
اختار أورد بعد فعل ما يدل على الرضى عرفا إلا ببينة تشهد له بما ادعاه.
قال المواق: انظر هذا مع قوله ويلزم بانقضائه. انتهى (^١).
قال شيخنا محمود هذا تفسير ذلك لأنه إذا أشهد عند انقضاء أمد الخيار أنه لم يختر لم يلزمه.
قوله: (ولا يبع مشتر، فإن فعل، فهل يصدق أنه اختار بيمين، أو لربها نقضه؟ قولان)
على الخيار أي ولا يبيع مشتر على الخيار المبيع قبل أن يختار، لأن بيعه قبل اختياره تصرف في ملك الغير وهو غير جائز، فإن وقع نزل وفعل ذلك لم يبطل خياره بذلك لعدم دلالته على اختياره عرفا، وعليه فإن قال: بعت قبل أن يختار صدق، وكان رب السلعة بالخيار، إن شاء أمضى البيع وله الربح، وإن شاء رده ورجع المشتري بخياره وإن لم يمض مدته، وإن قال: بعت بعد أن اخترت، فهل يصدق أنه اختار قبل بيعه بيمين؟ فيمضي البيع وله الربح، أولا يصدق وعليه يكون لربها نقضه، وتعود لما كانت عليه من الخيار إن لم تمض مدته وله إمضاؤه وأخذ ثمنها قولان لمالك، والثاني رواية على بيعها، فطرحه سحنون قائلا: إنما روي على أن الربح للبائع لا النقص، وصوبه ابن يونس.
[موانع شرط الخيار]
قوله: (وانتقل لسيد مكاتب عجز أي وإذا كان من له الخيار مكاتب ثم عجز، فإن الخيار ينتقل للسيد لأنه محجور ملكه بملك جديد، (و) كذلك ينتقل الخيار ﴿لغريم أحاط دينه﴾ لما في يد المدين الحي أو تركة الميت، فللغرماء الأخذ إن كان نظرا ثم الربح للميت والنقص عليه، بخلاف أخذهم ما ابتاع بتا بدفعهم ثمنه، فإنه لا نقص عليه، وذلك لاشتغاله بت عقده بهم الرد أيضا وإن كان الأخذ أرجح، ولا كلام لوارث في ذلك إلا أن يأخذ ما رده بما لنفسه فذلك له، ويكون الربح للميت لا للوارث.
غفل الشارح هنا نعم الله.
قوله: (ولا كلام لوارث، إلا أن يأخذ بماله) تتمة لمسألة الغرماء معه، ولهم الرد وإن كان الأخذ أرجح، إلا أن يأخذ الوارث السلعة بماله والربح حينئذ للميت.
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق: ج ٦، ص: ٣١٩.
[ ٢ / ٥٤٠ ]
قوله: (ولوارث) أي وانتقل الخيار لوارث مات موروثه، فإنه يقوم مقامه فيما كان له من الخيار، فإن كان الوارث واحدا فلا كلام، فإن تعدد واتفقوا على الامضاء أو الرد فكالواحد.
قوله: (والقياس رد الجميع إن رد بعضهم) أي فإن تعدد الوارث، فرد بعضهم الصفقة وأجازها بعضهم، فالقياس رد الجميع أي جميع السلعة، لأن ميتهم لم يكن له رد بعض الصفقة وإجازة بعضها، والقياس حمل أحد القولين على الآخر في إثبات الحكم وإسقاطه الاستحسان اختيار لقول من غير دليل ولا تقليد.
قوله: (والإستحسان أخذ المجيز الجميع) أي والاستحسان عند أشهب أيضا في ذلك أخذ المجيز الجميع أي جميع السلعة إن شاء، لأن ضرر التبعيض الذي يتعلل به رب السلعة قد ارتفع، وضرر إخراج حصة الراد عن ملكه بغير رضاه أخف من ضرر إسقاطه حق المجيز بالكلية، وكذلك في الموازية.
قوله: (وهل ورثة البائع كذلك)
المازري: وهذا التفصيل يجري في موت المشتري والبائع. يريد فيتنزل الراد من ورثة البائع منزلة المجيز من ورثة المشتري، فيدخله القياس والاستحسان وإليه ذهب أبو محمد.
وقال بعض القرويين: لا يدخله الإستحسان.
وليس لمن أراد أن يأخذ نصيب من أجاز، وإلى هذا أشار بقوله: وهل ورثة البائع كذلك (تأويلان).
قوله (وإن جن نظر السلطان ونظر المغمى، وإن طال فسخ) أي وإن جن من له الخيار نظر السلطان في الاصلح له ولا ينظر إفاقته وهذا إذا علم أنه لا يفيق من جنونه، أو يفيق بعد طول يضر بصاحبه التأخير إليه، وأما المغمى عليه فإنه ينظر لنفسه بعد إفاقته لا السلطان، إلا أن يطول إغماؤه فيفسخ، والطول هنا أدى إلى الضرر على الآخر.
قوله: (والملك للبائع، وما يوهب للعبد: إلا أن يستثني ماله، والغلة وأرش ما جنى أجنبي له) أي والملك في المبيع في زمن الخيار للبائع فله نماؤه (^١) وعليه نقصه، فالإمضاء نقل لا تقرير بناء على أن بيع الخيار منحل، وله ما يوهب للعبد في أيام
_________________
(١) ن: إمضاؤه
[ ٢ / ٥٤١ ]
الخيار، إلا أن يشترط المبتاع ما له فإنه يتبعه ما وهب له في أيام الخيار، وإليه أشار بقوله: إلا أن يستثنى ماله، وكذلك الغلة إلا الصوف، لأن له حظ في الثمن وكذلك يكون للبائع أرش ما جنى أجنبي على المبيع في مدة الخيار.
قوله: (بخلاف الولد، والضمان منه. وحلف مشتر إلا أن يظهر كذبه، أو يغاب عليه، إلا ببينة) أي فإنه لا يكون للبائع بل للمبتاع كصوف الغنم، والضمان من البائع في زمن الخيار، إذ هو اقدم ملكا، فلا ينتقل الضمان عنه إلا بتمام انتقال ملكه عنها.
والضمان منه فيما قبضه المبتاع مما لا يغاب عليه، وفيما يثبت هلاكه مما يغاب عليه ببينة على الضياع بغير سببه فإن لم تقم بينة فإن المبتاع يضمنه لأن قبضه خارج عن الأمانة وإنما قبضه لنفسه وعلى وجه المبايعة دون الأمانة وحلف المشتري أنه هلك بغير سببه وهو مما لا يغاب عليه فإنه يصدق إلا أن يظهر كذبه فيكون الضمان منه لأن كل مصدق مصدق ما لم يظهر كذبه.
قوله: (وضمن المشتري إن خير البائع الأكثر، إلا أن يحلف، فالثمن) الأكثر من القيمة أو الثمن إذا قبض المبيع وغاب به، وهو مما يغاب عليه، إذا كان الخيار في المبيع للبائع، إلا أن يحلف المشتري أنه لم يتلفه فيكون الثمن عليه فقط، وإنما يحلف لاحتمال أنه اخفاه.
قوله: (كخياره، وكغيبة بائع، والخيار لغيره. وإن جنى بائع والخيار له عمدا فرد، وخطأ، فللمشتري خيار العيب، وإن تلفت انفسخ فيهما) أي كما يلزم الثمن المشتري إذا كان الخيار له، كما يلزم الثمن فقط البائع إذا غاب بالمبيع وهو مما يغاب عليه، إذا كان الخيار للمشتري في قوله: وإن جنى بائع إلى آخره شروع منه الله في جناية كل من المتبايعين وفيه ستة عشر صورة ثمانية في البائع وثمانية في المشتري، وإن جنى بائع في حال كون الخيار له عمدا فهو رد منه، واستشكل لأن له رده بغير جناية، فإن جنى البائع خطئا والخيار له، فللمشتري الخيار بعد إمضاء البائع البيع، إن شاء أخذه معيبا وإن شاء تركه لأجل العيب، لأن كل عيب حادث في المبيع أيام الخيار فهو كالقيديم، وهذا كله إذا لم يتلف المبيع، وأما إن تلف بجناية البائع عمدا أو خطأ انفسخ البيع فيهما.
قوله: (وإن خير غيره وتعمد فللمشتري الرد أو أخذ الجناية، وإن تلفت ضمن الأكثر، وإن أخطأ فله أخذه ناقصا، أو رده، وإن تلفت انفسخ) أي وإن كان الخيار لغير البائع بل
[ ٢ / ٥٤٢ ]
للمشتري، وتعمد البائع الجناية على المبيع، فللمشتري الرد وأخذ أرش الجناية مع البيع، واستشكل أخذ الأرش لأن المبيع لم يزل في ملك البائع، وهذا كله إذا لم يتلف المبيع، فإن تلف ضمن البائع الأكثر من الثمن أو القيمة، فإن جنى البائع على المبيع خطأ والخيار للمشتري، فللمشتري أخذ المبيع ناقصا أو رده، وهذا إذا لم يتلف، فإن تلف انفسخ البيع.
قوله: (وإن جنى مشتر والخيار له ولم يتلفها عمدا فهو رضى، وخطأ فله رده وما نقص، وإن أتلفها ضمن الثمن، وإن خير غيره وجنى عمدا أو خطأ فله أخذ الجناية أو الثمن، فإن تلفت ضمن الأكثر) إلى آخره أي وإن جنى مشتر على المبيع، في حال كون الخيار له عمدا ولكن لم يتلفها، فهو رضى وقد تقدم، فإن جنى خطأ والخيار له، فله رده مع ما نقص وله الإمضاء، وهذ إذا لم يتلفها، وإن أتلفها عمدا أو خطأ ضمن الثمن، وإن كان الخيار للبائع وجنى المشتري عمدا أو خطأ ولم يتلفها، فللبائع رد المبيع وأخذ الأرش، أو إمضاؤه بحكم الخيار المشترط (^١) له، ويأخذ الثمن، فإن أتلف المبيع بجناية المشتري والخيار للبائع ضمن المشتري الأكثر من الثمن والقيمة.
[شروط بيع الاختيار]
قوله: (وإن اشترى أحد ثوبين وقبضهما ليختار فادعى ضياعهما ضمن واحدا بالثمن فقط ولو سأل في إقباضهما) أي وإن اشترى أحد ثوبين على البيع، فقبضهما ليختار أحدهما ويرد الآخر، فادعى ضياعهما، ضمن واحدا بالأصالة والآخر بعدمها، فهو فيهما أمين، سواء سأل البائع في قبضهما أو تطوع به البائع والمسألة مسألة الإختيار لا مسألة خيار واختيار.
قوله: (أو ضياع واحد) أي وادعى ضياع أحد الثوبين (ضمن نصفه) بالأصالة والنصف الآخر هو فيه أمين، (وله اختيار الباقي) من الثوبين لضرر الشركة.
قوله: (كسائل دينار) أي كما أن سائل دينار على رجل (ا فيعطى ثلاثة) دنانير (ليختار منهما واحدا، (فزعم تلف اثنين، فـ) الحكم أن يكون شريئا) في الضياع، والباقي على الثلث، لأن له في كل دينار ثلثه، ولكن يحلف على ما ذكر من الضياع في الثلثين.
_________________
(١) ن ب ون ج: المشترك
[ ٢ / ٥٤٣ ]
قوله: (وإن كان ليختارهما فكلاهما مبيع، ولزماه بمضي المدة، وهما بيده) أي وإن اشترى الثوبين معا، وقبضهما على أنه بالخيار فيهما فكلاهما مبيع، فإن ادعى ضياعنهما يلزمه كل منهما بالثمن، ولزماه بمضي مدة الخيار وهما بيده، وقد تقدم ذكره ولكن كرره ليرتب عليه ما بعده.
قوله: (وفي اللزوم لأحدهما يلزمه النصف من كل وفي الاختيار لا يلزمه شيء) أي فإن انعقد البيع على لزوم أحد الثوبين، ومضت المدة وهما بيده، لزمه من كل ثوب نصفه إذا لم يتعين الذي اختار منهما، وهذه المسألة مسألة خيار واختيار، وأما في الإختيار فقط فلا يلزمه شيء، وإن مضت المدة وهما بيده.
ابن يونس: سواء كانا بيد البائع أو المبتاع، إذ بمضي الخيار انقطع خياره، ولم يقع البيع على ثوب معين فيلزمه، ولا على إيجاب أحدهما فيكون شريكا.
[خيار العيب]
لما فرغ المصنف حمدالله من الكلام على خيار التروي شرع في الكلام على خيار النقيصة، وهو أن يجد المشتري في السلعة نقصا يخالف ما التزم البائع شرعا أو عرفا في زمان ضمانه، وإليه أشار بقوله: (ورد بعدم مشروط فيه غرض كثيب ليمين فيجدها بكرا) أي ورد المبيع في عدم المشروط، شرط فيه غرضا وإن لم تكن فيه مالية، وأحرى إن كانت فيه مالية، ومثال الشرط الذي فيه الغرض غير المالية، وذلك كشرط ثيب لأجل يمين ألا يشتري بكرا، وكذلك إذا كان شيخا لا يقدر على افتضاض البكر، وكذلك إذا اشترى أمة يظنها كافرة فوجدها مسلمة، وذلك كله كشرط فيه غرض يرد به المبيع.
قوله: (وإن بمناداة) أي وإن كان الشرط الذي فيه الغرض بسبب منادات في السوق، كقوله: من يشتري أمة عذراء، فاشتراها فوجدها ثيبا، فإن له الرد.
قوله: (لا إن انتفى) أي الغرض والمالية في الشرط فإن المبيع لا يرد به.
قوله: (وبما العادة السلامة منه)، هذا هو الضابط، ثم ذكر أمثلة بعض ذلك.
قوله: (كعور وقطع، وخصاء، واستحاضة، ورفع حيضة استبراء، وعسر، وزنى، وشرب، وبخر، وزعر، وزيادة سن، وظفر، وعجر، وبجر) شروع منه تحمله في أمثلة العيب فقال: كعور يعني العور الذي يمكن خفاؤه، وأما العور الظاهر الذي لا يخفى فلا يرد به، لأنه ظاهر يراه كل أحد، وكذلك قطع عضو من أعضاء المبيع وإن أصبعا، فإنه عيب
[ ٢ / ٥٤٤ ]
يرد به، وكذلك خصاء عبد عيب يرد به، وإن زاد الخصاء في قيمته لأن النقص محقق، ولا يجبر بما زاد لأجل غرض آخر، وكذلك استحاضة أمة عيب ترد به، وكذلك رفع حيضة استبراء عيب يرد به.
والحيض صلاح لأجسامهن، وكذلك العسر عيب يرد به، وهو الذي يعمل بيسراه، وكذلك الزنا عيب يرد به ذكرا كان أو أنثى رفيعا كان أو وخشا والله أعلم، هذا في البلد الذي لم يفش فيه الزنا، وكذلك شرب الخمر عيب يرد به، وكذلك البخر: وهو نتن الفرج والفم، عيب يرد به وكذلك الزعر وهو عدم شعر العانة، لأن ذلك مما تنتقى عاقبته، وكذلك زيادة سن في الذكر والأنثى في رفيع أو وخش بمقدم الفم أو مؤخره، وكذلك ظفر وهو جلدة تغطي بياض العين إلى سوادها، وهو عيب يرد به وكذلك البجر عيب يرد به.
الجوهري (^١): البجر خروج السرة وغلظ أصلها. انتهى (^٢).
وأكثر ما يكون البجر في السودان، وقيل البجر كبر البطن، وكذلك العجر عيب يردبه. والعجرة عقد في عروق الجسد أو العقدة في الخشب.
قوله: ﴿ووالدين أو ولد﴾ أي إذا اشترى عبدا أو أمة، فوجد له ولدا أو والدا، فإن ذلك عيب يرد به، إذ قد يميل إليهما بقوته فيبقا ضعيفا.
قوله: ﴿لا جد، ولا أخ﴾ أي فلا يكون الجد عيب ولا الأخ شقيقا كان أو غيره.
قوله: ﴿وجذام أب، أو جنونه بطبع، لا بمس جن﴾ أي فإنه عيب يرد به، لأن النفوس تكرهه، والمراد بالأب هنا جنس، وفي سواد (^٣) الأب قولان.
ولا اختلاف أن من اشترى ثوب مجذوم أنه عيب يرد به، لأن النفوس تكرهه، والقمل الكثير في الثوب عيب، وكثرة البق في الدار عيب، والعمل بقرطبة أيضا رد
_________________
(١) إسماعيل بن حماد الجوهري، أبو نصر: أول من حاول الطيران. لغوي، من الأئمة. أشهر كتبه (الصحاح) وكتاب في (العروض) ومقدمته في (النحو) أصله من فاراب، دخل العراق، وسافر إلى الحجاز فطاف البادية، ثم أقام في نيسابور. وصنع جناحين من خشب وربطهما بحبل، وصعد سطح داره، فتأبط الجناحين ونهض بهما، فخانه اختراعه، فسقط إلى الارض قتيلا سنة: ٣٩٣ هـ
(٢) الصحاح؛ تاج اللغة وصحاح العربية. المؤلف: إسماعيل بن حماد الجوهري (ت ٣٩٣ هـ.). ج ٤، ص: ٣٩ الناشر: دار العلم للملايين - بيروت الطبعة: الرابعة - يناير ١٩٩٠. ولسان العرب: البجر بالتحريك خروج السرة ونتوها وغلظ أصلها.
(٣) ن ج: سو
[ ٢ / ٥٤٥ ]
السرير المبقق، وكثرة العمل في الثوب عيب يرد به كان صوفا أو كتانا، والصيبان في الثوب عيب لأنه ملازم كالقمل، وكان بعض من لقيناه وأظنه منصوصا للمتقدمين أن البرغوث ليس بعيب لأنه يوجد ولا يقيم. برزلي.
وكذلك المنفق عيب يرد به وفي الدار المشوم قولان لأن الشؤم قد يتقدم وقد يتأخر، وقد تكون مشومة على أحد دون غيره، وكذلك جنون الأب عيب يرد به إذا كان الجنون طبعا، وأما مس الجن للاب فلا يكون عيبا يرد به.
قوله: (وسقوط سنين، وفي الرائعة الواحدة، وشيب بها فقط وإن قل، وجعودته، وصهوبته، وكونه ولد زنى ولو وخشا) أي فإنه عيب يرد به ذكرا كان أو أنثى، رفيعا كان أو وخشا، في مقدم الفم أو مؤخره، وفي الرائعة الواحدة أي وسقوط سن الواحدة في الأمة الواحدة الرفيعة عيب ترد به في مقدم الفم أو مؤخره، وكذلك الشيب في الرأس عيب في الرائعة وإن قل ذلك الشيب في مقدم الرأس أوفي مؤخره، فإن غلب على الظن أنه أراد الأمة للفراش فلها حكم الرائعة، وإن غلب على الظن إرادتها للخدمة فهي وخش، وكذلك جعودة شعرها وصهوبته عيب ترد به الرفعية، وكذلك كون الرقيق ولد زنا لأنه عيب في النسب، وهذا في بلد لم يفش فيه ذلك - والله اعلم - ولو كان ذلك الرقيق وخشا، فإنه عيب فيه على المشهور.
قوله: (وبول في فراش في وقت ينكر؛ إن ثبت عند البائع) أي وكذلك البول في الفراش في وقت ينكر ذلك، وهو الزمن الذي إذا بلغه الصغير غالبا لا يبول في الفراش، فإنه عيب يرد به، وذلك إذا ثبت أنه يبول عند البائع، لأن ذلك مما يحدث في ليلة، وقيل يحمل على أنه كان يبول قبل ذلك عند البائع، والمسألة خلافية هل هو عيب قديم؟ أو حادث، والمصنف اختار أنه عيب حادث حتى يتبين خلافه. قال ابن ناجي: لم أر من اختار أحد القولين على الآخر.
قوله: (وإلا حلف، إن أقرت عند غيره) أي وإن لم يثبت أنه كان يبول عند البائع، حلف البائع إذا كان الرقيق وضع عند أمين، ويقبل في ذلك قول امرأة واحدة، أو قول الزوج عن قول زوجته، لأن ذلك من باب الخبر لا من باب الشهادة.
قوله: (وتخنث عبد، وفحولة أمة اشتهرت، وهل هو الفعل أو التشبه؟ تأويلان) أي وتخنث عبد وهو أن يكون مشيه كمشي النساء فإنه عيب يرد به اشتهر به أم لا، وكذلك فحولة أمة عيب ترد به إن اشتهرت بذلك، وهل التخنث المذكور هو الفعل
[ ٢ / ٥٤٦ ]
أن يؤتى كما تؤتى النساء، أو تؤتى كما يؤتى الرجل فيه تأويلان.
قوله: (وقلف ذكر، وأنثى مولد، أو طويل الإقامة) أي وقلف بالقاف، ويقال بالغين عدم الإختتان للذكر والخفاض للأنثى، إذا كان الرقيق مولودا في الإسلام، أو طالت إقامته في الإسلام.
قوله: (وختن مجلوبهما) أي فإن وجد المجلوب مختونا أو مخفوضا، فإنه عيب يرد به خفية أن يكون للمسلم.
قوله: (كبيع بعهدة ما اشتراه ببراءة، وكرهص، وعثر، وحرن، وعدم حمل معتاد) أي فإذ ابتاع عبدا ببراءة أو بيع ميراث، فلا يبيعه بيع الاسلام، وعهدته حتى يتبين أنه ابتاعه بالبراءة، والمراد بالعهدة هنا الرجوع في الثمن عند ظهور العيب، فإن لم يبين فإنه عيب يرد به، لأن المبتاع يقول: لو علمت أنك ابتعته بالبراءة لم أشتره منك، إذ قد أصيب به عيبا وتفلس أو تكون عديما فلا يمكون لي الرجوع على بائعك.
قال بعض أصحا بنا: يجب على هذا لو باع عبدا قد وهب له ولم يبين أنه وهب له، أن يكون للمشتري متكلم في ذلك؛ إذ لو ظهر له عيب لم يكن له متكلم مع الواهب. انتهى من ابن غازي (^١).
وكذلك الرهص في الدابة والحرن فيها والعثر فيها وعدم حمل معتاد في مثلها وهي غير مريضة ولا عجفا فإنه عيب ترد به الدابة وهذا كله يدخل في قوله: وبما العادة السلامة منه.
قوله: (لا ضبط وتيوبة، إلا فيمن لا يفتض مثلها) أي فإنه ليس بعيب والأضبط هو الذي يعمل بكلتا يديه وهذا إذا لم تضعف قوة يده اليمنى وأما إن ضعفت فهو عيب كالأعسر وكذلك كون الأمة ثيبا ليس بعيب إلا أن تكون صغيرة لا يفتض مثلها فتكون الثيوبة عيبا فيها.
قوله: (وعدم فحش ضيق قبل، وكونها زلاء، وكي لم ينقص) أي فإنه ليس بعيب مفهومه إن تفاحش يكون عيبا والمفهوم صحيح وكون الامة زلاء وهي الرشخا أي التي لا لحم في إليتيها ليس بعيب إلا أن تكون صغيرة الأليتين جدا فيكون عيبا والكي الذي لم ينقص الثمن ليس بعيب.
قوله: (وتهمة بسرقة) أي فإن اتهم العبد بسرقة قد (حبس فيها ثم ظهرت براءته)
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٦٦٥.
[ ٢ / ٥٤٧ ]
من تلك السرقة فإن ذلك ليس بعيب يرد به إذا بيع.
قوله: (وما لا يطلع عليه إلا بتغير: كسوس الخشب، والجوز، ومر قثاء، ولا قيمة) أي وكل ما لا يطلع على عيبه إلا بتغير المبيع فليس بعيب لأن العيب إذا كان المتبايعان يجهلانه فليس بعيب يرد به وذلك كسوس الخشب إذ لا يظهر الابعد كسر الخشب وكذلك الجوز ومرقثاء، وهذا فيما لا صنعة فيه للآدمي وأما ما فيه صنعة للأدمي فإن وجد فيه العيب بعد التغير فإنه يرد به فإن وجد ما ليس فيه صنعة للآدمي بعد التغير معيبا فلا يرد البائع قيمة العيب على المبتاع، بل هو مصيبة نزلت بالبائع وإليه أشار بقوله: ولا قيمة.
قوله: (ورد البيض) أي ورد البيض إذا كان به عيب لأن فساده يعلم قبل كسره سواء كان البيض للنعام أو غيره، وهذا كله إذا كسر هناك لأن فساده مما يحدث.
قوله: (وعيب قل بدار، وفي قدره تردد، ورجع بقيمته: كصدع جدار لم يخف عليها منه) أي العيب القليل في الدار والعقار ليس بعيب يرد به، ولكن يرجع بقيمة العيب ومثل القليل بقوله: كصدع جدار ولم يخف على الدار من الصدع مفهومه إن خيف منه فإنه يكون عيبا والمفهوم صحيح.
قوله: وفي قدره القليل تردد أي واختلف في قدر القليل الذي لا ترد به الدار قيل الربع، وقيل الثلث، وقيل السدس.
قوله: (إلا أن يكون واجهتها، أو بقطع منفعة: كملح بئرها بمحل الحلاوة) أي إلا أن يكون القليل وجه الدار فيكون عيبا ترد به وإن لم يخف عليها منه وكذلك قطع منفعة الدار عيب ترد به كهدم بئرها أو ملح بئرها في محل الحلاوة فإن ذلك عيب ترد به وعيوب الدار ثلاثة أقسام عيب لا ترد به الدار ولا يرجع بقيمته ليسارته.
الثاني: لا ترد به ولكن يرجع بقيمة العيب وذلك كصدع في حائط ونحوه.
الثالث: ترد الدار من أجله لكثرته مثل أن يخاف سقوط الدار منه أو الحائط.
قوله: (وإن قالت: أنا مستولدة لم تحرم، لكنه عيب، إن رضي به بين) أي وإن قالت الامة: أنا مستولدة لسيدي أو قالت أنا حرة وهي في ضمان البائع كما إذا قالت ذلك قبل البيع أو في زمن الاستبراء أو العهدة أو في أيام الخيار لم تحرم على مبتاعها بذلك لكنه عيب إن شاء ردها إن لم يرض به وإن رضي به بين ذلك إذا باعها.
قوله: (وتصرية الحيوان كالشرط) أي وتصرية الحيوان كشرط كثرة اللبن بالنطق.
[ ٢ / ٥٤٨ ]
قوله: (كتلطيخ ثوب عبد بمداد) التشبيه لإفادة الحكم وذلك كالشرط أنه نساخ.
ابن عرفة: هذا إذا ثبت أن السيد هو الذي فعله أو أمر بفعله.
قوله: (فيرده بصاع من غالب القوت، وحرم رد اللبن) أي فإن وقع التصرية ونزل رد الذي وقع فيه التصرية مع صاع من أغلب القوت وهو المشهور وقيل صاع من تمر فقط وإن غلا الثمن لأن الحديث جاء: وصاعا من تمر (^١)، وحرم رد اللبن عوضا عن الصاع.
قال مالك ﵀: وهذا الحديث ليس لأحد فيه رأي.
قوله: (لا إن علمها مصراة) أي فإنه لا يردها بل لزمته إلا أن يخالف العادة فيكون له الرد.
قوله: (أو لم تصر، وظن كثرة اللبن؛ إلا إن قصد واشتريت في وقت حلابها، وكتمه) أي فإنه لا يردها إلا بثلاث شروط وهي أن يقصد اللبن لا غيره وأن تكون مشتراة وقت الحلاب وأن يكون البائع كتم قلة لبنها فإن توفرت هذه الشروط فإنه يردها وكذلك من اشترى شاة ليضحي بها فذبحها فوجدها عجفى لا تجزي فإنه يردها، وكذلك من اشترى بذرا وزرعه فوجده لا ينبت فإنه عيب يرد به وكذلك إذ اشترى بقرة للحرث فوجدها لا تعرف الحرث.
قوله: (ولا بغير عيب التصرية) أي فإن رضي البائع بعيب التصرية ثم وجد بها عيبا يردها به فإنه إن ردها بذلك فلا يرد معها صاعا (على الأحسن).
قوله: (وتعدد بتعددها على المختار والأرجح) أي ويتعدد الصاع بتعدد المصرات على ما اختاره اللخمي وابن يونس، والذي عليه الأكثر الإكتفاء بصاع واحد عن الجميع.
قوله: (وإن حلبت ثالثة فإن حصل الاختبار بالثانية فهو رضى، وفي الموازية له ذلك، وفي كونه خلافا تأويلان) أي فإن حلبت المصرات حلبة ثالثة فإن حصل الإختبار بالحلبة الثانية فذلك رضا من المبتاع بها وفي الموازية له ردها بعد الحلبة الثالثة، وفي كون قوله ذلك خلافا للمدونة أووفاقا تأويلان.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه: (٣٩) كتاب البيوع (٦٤) - باب النهي للبائع أن لا يحفل الإبل والبقر والغنم وكل محفلة الحديث: ٢٠٤٣ وأخرجه مسلم في صحيحه: (٢١). كتاب البيوع، (٤). باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه … الحديث: ١١. (١٥١٥).
[ ٢ / ٥٤٩ ]
هنا انتهى الكلام على خيار النقيصة وشرع الله في موانع رد المبيع على البائع لأجل العيب فقال: (ومنع منه بيع حاكم، ووارث رقيقا فقط بين أنه إرث) أي ومنع من الرد المفهوم من قوله: ورد بيع حاكم باع رقيق غيره كمفلس أوغيره بين أنه لغيره وأما غير الرقيق فلا يمنع بيع الحاكم من الرد. وكذلك بيع الوارث تركة الميت لقضاء ديون الميت أو لإنفاذ وصيته فإنه يمنع من الرد إذا بين أن الرقيق إرث. والفرق بين الرقيق وغيره أن الرقيق عاقل إن أحبك كتم عيوبه وإن كرهك أظهر ما ليس فيه.
قوله: (وخير مشتر ظنه غيرهما) أي وخير مشتر في الرد والإمضاء إذا اشترى من الحاكم أو الوارث يظنهما غيرهما أوظن المبيع لهما، وأما إن جهل الحكم بأن لا رد له عليها فإنه ليس له الرد لأن الجهل بالحكم لا يمنع ما ترتب بالحكم.
قوله: (وتبري غيرهما فيه مما لم يعلم إن طالت إقامته، وإذا علمه بين أنه به ووصفه أو أراه له ولم يجمله) هذا هو المانع الثاني أي ومنع من الرد أي وتبرأ غير الحاكم والوارث في الرقيق من عيب لم يعلمه يمنع من الرد بشرط إن طالت إقامة الرقيق عنده، وأما إن لم تطل إقامته عنده فإنه لا ينفعه التبري منه لأن هؤلاء يريدون أن يذهبوا بأموال الناس باطلا، فلا ينفعهم البراءة وإن علم البائع العيب بين أنه بالمبيع ووصفه وصفا شافيا كاملا كالروية أو أراه ولم يحمله أي ولم يحمل البائع العيب بل يفصله تفصيلا ولا يقول لسارق بل يفصل السرقة أو الأباق أو الدبر مثلا كيف كان ذلك فلا يحمله إجمالا كما إذا قال: هو سارق فقط فوجد ينقب البيوت، أو قال: يأبق، فوجد يأبق إلى بلد بعيد فإن ذلك عيب يرد به.
قوله: (وزواله) هذا هو المانع الثالث أي وزوال العيب قبل الرد به يمنع من الرد لأن المعلول يدور مع العلة وجودا وعدما.
قوله: (إلا محتمل العود) أي وزوال العيب يمنع من الرد إلا العيب المحتمل العود في المبيع كالجنون مثلا أو البول في الفراش فإنه لا يمنع زواله الرد.
قوله: (وفي زواله بموت الزوجة وطلاقها وهو المتأول، والأحسن، أو بالموت فقط وهو الأظهر أولا؛ أقوال) أي وفي زوال عيب التزويج بموت زوجة العبد أو زوج الأمة وطلاقها وهو المتأول على المدونة، والأحسن عند التونسي، وإنما يزول ذلك العيب بموت الزوجة أو الزوج دون الطلاق وهو الأظهر أولا يزول ذلك العيب
[ ٢ / ٥٥٠ ]
بالموت ولا بالطلاق، لأن القلب متعلق بالتزويج وهو قول مالك رحمة الله فيه ثلاثة أقوال.
قوله: (وما يدل على الرضا) هذا هو المانع الرابع أي وكل ما يدل على الرضى فهو مانع من الرد من قول أو فعل أوسكوت، والذي يدل على الرضى قد تقدم في خيار التروي في قوله: ورضي مشتر كاتب إلى اخر ما ذكر.
قوله: (إلا ما لا ينقص؛ كسكنى الدار، وحلف إن سكت بلا عذر في كاليوم) أي وكل ما يدل على الرضى فإنه يمنع من الرد إلا الشيء الذي لا ينقص المبيع وذلك كسكني الدار أوجنى الثمار، فإن ذلك لا يمنع من الرد لأن الخراج بالضمان، ولا ينقص ذلك المبيع بل يبقى سالما وهو يخاصم في العيب وحلف المبتاع إن سكت عن القيام بالعيب في اليوم واليومين بلا عذر أنه ما سكت رضى منه، وأما إن كان سكوته لأجل عذر فلا يسقط ما كان له من الرد وإن طال سكوته.
قوله: (لا كمسافر اضطر لها أو تعذر قودها لحاضر) يريد أن المسافر إذا وجد العيب في الدابة في ابتداء السفر، واضطر للحمل على الدابة أو الركوب، فإنه لا يمنعه ذلك من الرد بالعيب لأنه كالمكره، هذا إذا وصلت بحالها، وأما إن عجفت فإنه يردها وما نقصت إن شاء أو يرجع بقيمة العيب القديم وكذلك إذا تعذر قود الدابة لحاضر أي حضري من جهة الراكب كرجل شريف لا ينزل ويقودها أو تعذر قودها من جهتها كما إذا أبت أن تنقاد فإن المبتاع لا يمنع ركوبه بهذه الأعذار وما كان له من الرد بالعيب.
قوله: (فإن غاب بائعه أشهد، فإن عجز أعلم القاضي فتلوم في بعيد الغيبة إن رجي قدومه، كأن لم يعلم موضعه على الأصح) أي فإن غاب الذي باع له أو وكيله أشهد أنه مارضي ورده إن كان قريبا، فإن عجز عن الرد لبعد غيبة البائع وعدم وكيله أعلم القاضي بأمره أي بشأنه فيتلوم القاضي باجتهاده إذا كانت غيبة البائع بعيدة كعشرة أيام بشرط إن رجى قدومه كما يتلوم إن لم يعلم قدومه أوموضعه على القول الأصح إذا غاب بموضع لا يعرف منزله بعيدا أو قريبا يقضى عليه بعد التلوم وهو قول أبي مروان بن مالك (^١) من أئمة قرطبة، والقول بأنها بمنزل قريب الغيبة لا يقضى
_________________
(١) واسمه عبيد الله بن محمد بن عبيد الله بن مالك القرطبي كان أبوه محمد يتفقه على ضعف معرفته وكتب لأبي الحسن ابن بقي في قضائه بطليطلة. ثم توفي وابنه هذا قد علق بصناعة قبي =
[ ٢ / ٥٥١ ]
عليه حتى يرد بالبينة في الغيبة البعيدة ثم يقول: فحيث لا يعلمون هو قول أبي عمران القطان.
وأما القريب الغيبة يكتب إليه ليقدم، فإن أبى أن يقدم حكم عليه، كما يحكم على الحاضر البلد.
قوله: (وفيها أيضا نفي التلوم، وفي حمله على الخلاف تأويلان) أي وفي المدونة في موضع آخر عدم ذكر التلوم قال في كتاب التجارة لأرض الحرب فيها: إن بعدت غيبته قضي عليه، ولم يذكر التلوم ونحوه لابن القاسم في كتاب القسم منها، وحمله غير واحد من الشيوخ على الخلاف لما في كتاب العيوب يعني من قوله: وأما البعيد فيتلوم له إن كان يطمع بقدومه فإن لم يأتي قضى عليه برد العبد ثم يبيعه عليه الإمام ويقضي للمبتاع ثمنه الذي نقد بعد أن تقول البينة أنه نقده وهو كذا وكذا فما فضل حبسه الإمام للغائب وإن كان نقصان رجع المبتاع على البائع بما بقي وحمله بعضهم على الوفاق كأنه قال: يتلوم الإمام إن رجى قدومه ولم يخف على العبد ضيعة فإن خيف عليه الضيعة أولم يطمع بقدومه باع العبد.
قوله: (ثم قضى إن أثبت عهدة مؤرخة، وصحة الشراء) أي ثم قضى الحاكم على الغائب إن أثبت المبتاع العهدة وهي الرجوع بالثمن عند ظهور العيب أو الإستحقاق ويثبت صحة اشتراء ووجود العيب الموجب للرد وأنه أقدم من أمد البيع لأنه بالتاريخ يظهر قدم العيب أو حدوثه.
قوله: (إن لم يحلف عليهما) أي إنما يكون عليه إن أيثبت العهدة وصحة الشراء إن لم يحلف عليهما فإن حلف عليهما فلا يلزمه ثبوتهما.
قوله: (وفوته حسا: ككتابة وتدبير) أي هذا هو المانع الخامس أي وفوت المبيع حسا كتلفه أوفوته حكما كالتدبير والعتق والإيلاء.
قوله: (فيقوم سالما ومعيبا، ويؤخذ من الثمن النسبة) أي فبسبب ما ذكرنا من
_________________
(١) = الحرير، فتعلق إذ ذاك بالطب فانقطع إليه، فجلس الى فقهاء طليطلة. ثم عاد الى وطنه فجد في طلبه، وأخذ عن القرشي وابن الأصبغ، وأبي عمر ابن القطان، ومن أدركه. فأعمل لحينه، ورسخ في مذهب مالك. وتوفي بقرطبة ليلة الثلاثاء الحادية عشرة من جمادى الأولى سنة ستين وأربعمائة عام وفاة ابن القطان بشبه الفجأة. ذكر أهله أنه انصرف من صلاة العشاء بمسجده وآوى بعد حين الى فراشه فقبض أسهل قبض لم يعلم به ضجيعه حتى جف. وسنه إذ ذاك ستون سنة، مولده سنة أربعماية ﵀. ترتيب المدارك للقاضي عياض: ج ٢، ص: ٣٥٥.
[ ٢ / ٥٥٢ ]
الفوت يقوم المعيب سالما ثم يقوم معيبا، ويأخذ المشتري نسبة العيبين من الثمن ليس إلا، لأن الرد قد فات.
قوله: (ووقف في رهنه وإجارته لخلاصه) أي ووقف أمر العيب إذا رهن المشتري المبيع، أو أجره ثم ظهر على عيب، فإنه يوقف إلى خلاصه، فإن خلصه فله رده.
قوله: (ورد إن لم يتغير) أي ورد المبيع المعيب إن لم يتغير وأما إن تغير فسيأتي حكمه في قوله: وتغير المبيع إن توسط.
قوله: (كعوده له بعيب أو ملك مستأنف: كبيع أو هبة أو إرث) أي كما يكون الرد للمشتري إذا باعه ثم رد إليه لأجل عيب قديم أو عاد إليه بملك مستأنف كما إذا اشتراه أووهب له أوتصدق به عليه أوورثه ثم ظهر على عيب قديم فإن له رده.
قوله: (فإن باعه لأجنبي مطلقا، أو له بمثل ثمنه، أو بأكثر إن دلس، فلا رجوع) أي فإن باع المشتري المبيع لأجنبي مطلقا بمثل الثمن أو أقل أو أكثر فلا رجوع لأنه إن باعه بمثل الثمن فقد رجع إليه مثل ما خرج من يده وإن باعه بأكثر فقد ربح وإن باعه بأقل فذلك لم يضره لأنه ينقص من أجل العيب وإنما نقصه حوالة الأسواق أو عدم معرفة البيع وظاهر قول المصنف سواء ظن حدوث العيب عنده أم لا وقيل إن ظن البائع الأول حدوث العيب عنده أو تصرف فيه وكيله بغير علمه أن له الرجوع بالأقل من أرش العيب وما نقص من الثمن، وقيل: هذا القول تفسير وقيل خلاف وهو الظاهر من قول المصنف ﵀ لأنه لم يفرق.
قوله: أوله أي وإن باع المشتري لبائعه بمثل ثمنه أو بأكثر إن دلس البائع الأول فلا رجوع على البائع.
قوله: (وإلا رد ثم رد عليه، وله بأقل كمل) أي وإن لم يدلس البائع الأول رد بالعيب ثم رد عليه وإن باعه المشتري لبائعه بأقل من الثمن كمل له الثمن وفيه نظر وجه النظر أن الفرق بين أن يبيعه الأجنبي أو البائع. انتهى.
قوله: (وتغير المبيع إن توسط: فله أخذ القديم ورده، ودفع الحادث) أي وتغير المبيع المعيب بسماوي أوجناية في العيب المتوسط أي ليس بمخرج عن المقصود وليس بيسير وسيذكر أمثلة ذلك أي فللمشتري حينئذ أي حين تغير المبيع ثم ظهر على ذلك العيب أخذ أرش العيب القديم أو يرده ودفع أرش العيب الحادث إنما كان الخيار للمشتري لأن البائع مدلس غالبا.
[ ٢ / ٥٥٣ ]
قوله: (وقوما بتقويم المبيع يوم ضمنه المشتري) أي قوم العيبان القديم والحادث مع تقويم المبيع سالما هذا إذا كان المشتري أراد الرد وأما إن أراد التمسك فإنه يقوم المعيب تقويمين فقط والتقويم إنما يكون يوم ضمن المشتري المبيع لايوم المبيع ولا يوم الحكم كما قيل وقد تقدم بيانه.
قوله: (وله إن زاد بكصبغ أن يرد ويشترك بما زاد يوم البيع على الأظهر) أي وللمشتري إن زاد فعليه قيمة المبيع ثم ظهر على عيب قديم أن يرد ويشترك بقيمة ما زاد فيه الفعل كصبغ أو خياطة أوغير ذلك، إنما تكون القيمة في هذا يوم البيع على الأظهر.
قال الشيخ في التوضيح: صوابه على الأرجح.
ابن المواز: يوم الحكم وله التمسك، ويرجع بأرش العيب.
قوله: (وجبر به الحادث) أي وجبر العيب الحادث بالزائد في المبيع وإن ساوى فلا كلام وإن كان الزائد أكثر فليشاركه بما بقي وإن كان أقل فليرد معه ما بقي من أرش الحادث.
[أحكام التدليس]
قوله: (وفرق بين مدلس وغيره. إن نقص) أي شرع المصنف الله حيث يفرق بين المدلس وغيره في الحكم في ست مسائل أي وإن نقص المبيع بكصبغ ثم ظهر به على عيب فإن المدلس إن رد عليه المبيع لعيب قديم وفيه عيب حادث فإن المدلس لا شيء له في العيب الحادث، وأما غير المدلس فإن رد عليه المشتري بعيب يدفع له أرش الحادث فإن تمسك به فله أرش القديم.
قوله: (كهلاكه من التدليس) أي كما يفرق بين مدلس وغيره إذا هلك المبيع بسبب التدليس كما إذا كان العبد محاربا فقتل بالحرابة أو سارقا فقطعت يده فإن المشتري يرجع بجميع الثمن إذا كان بائعه مدلسا، وإن لم يكن مدلسا فإنه يرجع عليه بأرش العيب فقط.
قوله: (وأخذه منه بأكثر) أي وأخذ البائع من المشتري بأكثر من الثمن ومعناه إذا باعه السلعة معيبة ثم اشتراها من مشتريها بأكثر من الثمن الذي باعها به فإن كان البائع الأول مدلسا به فلا رجوع له على البائع الثاني من أرش العيب الحادث وإن لم يكن مدلسا رجع عليه بما زاد على الثمن.
[ ٢ / ٥٥٤ ]
قوله: (وتبرأ مما لم يعلم) أي ومما يفرق بين مدلس وغيره أن المدلس إذا تبرأ من عيب رقيق لم يعلم به وفي الرقيق عيب آخر دلس فيه فإنه يعد مدلسا فيما ما تبرأ منه لثبوت تدليسه في غيره.
قوله: (ورد سمسار جعلا) أي إذا دلس البائع بالعيب فرد المبيع عليه بذلك لم يلزم السمسار رد الجعل بخلاف ما إذا لم يدلس فإن السمسار يرد الجعل.
قوله: (ومبيع لمحله إن رد بعيب) أي ولزم البائع المدلس أخذ المبيع بمحل ظهور العيب إن رد عليه بعيب.
قوله: (وإلا رد إن قرب، وإلا فات) أي وإن لم يكن مدلسا رد عليه إن قرب وإن لم يكن قريبا بل بعيد فات فيرجع المبتاع بأرش العيب القديم.
قوله: (كعجف دابة وسمنها، وعمى، وشلل) شرع في أمثلة العيب المتوسط أي إذا اشترى دابة فعجفت عنده ثم اطلع على عيب قديم عند البائع فإنه يخير بين ردها ودفع أرش العجف وبين التماسك وأخذ أرش العيب القديم. وسمن الدابة كعجفها قال مالك ﵀: والمشتري بالخيار إن شاء رد ولاشيء عليه أو يتمسك ويرجع بأرش العيب، واختلف في العمى والشلل هل يخير المشتري بين الرد ودفع قيمة ما نقص الحادث أو يتمسك ويأخذ أرش القديم.
المازري: وهو المشهور. وابن مسلمة جعل العمى والشلل من المفيت واستظهره بعضهم.
قوله: (وتزويج أمة) أي ليس تزويج الأمة مفيت للرد أي فإذا زوج المشتري الأمة ثم اطلع على عيب قديم فإنه يخير بين ردها ودفع ما نقصها التزويج أو يتماسك وأخذ أرش العيب القديم.
قوله: (وجبر بالولد) أي وجبر عيب التزويج بالولد الحاصل عند المبتاع فلا شيء عليه إن ردها.
قوله: (إلا أن يقبله بالحادث) أي يخير المشتري فيما تقدم مقيد بما إذا لم يقبل البائع ذلك المبيع مع العيب الحادث فيه فإنه لاكلام للمبتاع وكذلك إن قبله المبتاع بالقديم فلا كلام للبائع.
قوله: (أو يقل، فكالعدم: كوعك، ورمد، وصداع، وذهاب ظفر، وخفيف حمى، ووطء تيب) أي فإن كان العيب الحادث عند المبتاع يسيرا فإنه يكون كالعدم فإذا رد المبيع
[ ٢ / ٥٥٥ ]
لأجل عيب قديم، فلا يرد بسبب الحادث القليل شيئا، ومثل العيب القليل بقوله: كوعك ورمد وصداع إلى اخر ما ذكروا.
(وفي المشارق (^١): الوعك: إزعاج الحمى المريض وتحريكها إياه.
وفي مختصر العين (^٢): وعكته الحمى وعكا أي دكته.
وفي الجوهري: الوعك مغث الحمى، والمغث ضرب ليس بالشديد) (^٣).
الصداع: وجع الرأس.
قوله: (وقطع معتاد) أي إذا أشترى شقه فقطعها قميصا أو نحوها مما هو العادة ثم ظهر على عيب فإن له الرد فلا يدفع شيئا أما لو قطعه قطعا غير معتاد كما إذا قطعه برنسا أو نحوه مما ليس بعادة فإن ذلك مفيت يمنع الرد.
قوله: (والمخرج عن المقصود مفيت، فالأرض ككبر صغير، وهرم) أي وتغير المبيع بالعيب المخرج عن المقصود فيه مفيت من الرد، فليس للمبتاع إلا قيمة العيب القديم وذكر لذلك أربعة أمثلة فقال: ككبر صغير أي إذا اشترى صغيرا فكبر عنده ثم اطلع على عيب قديم، فإن الرد بالعيب قد فات فليس له إلا أرش العيب، وكذلك إذا اشتراه شابا وهرم عنده، فإن ذلك يفيت الرد ويتعين له أرش العيب.
قوله: (واقتضاض بكر) يريد البكر العلية وأما الوخش فذلك يزيدها.
قال صاحب شفاء الغليل: عد هذا من المفت مخالف للنصوص، وإنما هو من المتوسط (^٤).
قال ابن راشد في تحصيل قواعد المذهب أن افتضاض البكر مخرج عن المقصود وهو المشهور. انتهى.
قوله: (وقطع غير معتاد، إلا أن يهلك بعيب التدليس، أو بسماوي زمنه كموته في إباقه)
_________________
(١) أظنه مشارق الأنوار على صحاح الآثار للقاضي عياض بن موسى
(٢) تأليف: محمد بن الحسن بن عبيد الله بن مذحج الزبيدي الأندلسي، الاشبيلي، أبي بكر: عالم باللغة والأدب، شاعر. أصل سلفه من حمص في الشام ولد ونشأ واشتهر في إشبيلية. وطلبه الحكم (المستنصر بالله) إلى قرطبة، فأدب فيها ولي عهده هشاما (المؤيد بالله ثم ولي قضاء إشبيلية، فاستقر، وتوفي بها من تصانيفه الواضح، وطبقات النحويين، واللغويين ولحن العامة، ومختصر العين والاستدراك على سيبويه في كتاب الأبنية. كان مولده سنة: ٣١٦ هـ، ومات سنة: ٣٧٩ هـ. الأعلام للزركلي: ج ٦، ص: ٨٢.
(٣) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٦٧٤.
(٤) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٦٧٤.
[ ٢ / ٥٥٦ ]
أى وهو من المفيت للرد بالعيب القديم لفواته كما إذا اشترى شقة فقطعها قلانس أو برانس، ثم اطلع على عيب فيها فإنها تفوت فليس له إلا أرش العيب القديم.
قوله: إلا أن يهلك بعيب التدليس تكرار مع قوله كهلاكه بالتدليس لعله كرره ليرتب عليه ما بعده أي والمخرج عن المقصود مفيت الرد بالعيب إلا أن يهلك المبيع بعيب التدليس كما إذا كان العبد محاربا فحارب فقتل أو سارق فقطعت يده فمات منه أو مات بسماوي من التدليس كما إذا كان العبد ابقا فدلس به فأبق ومات في إباقه ذلك فإن المبتاع يرجع بجميع الثمن على البائع المدلس بلا رد شيئ.
قوله: (وإن باعه المشتري، وهلك بعيبه: رجع على المدرس إن لم يمكن رجوعه على بائعه بجميع الثمن) أي وإن باع المشتري المبيع ولم يعلم بالعيب فهلك عند المشتري الثاني بعيب التدليس من البائع الأول رجع المشتري الثالث على المدلس إن لم يمكن رجوعه على الذي باعه لعدمه أو غيبته بجميع الثمن لأن المدلس غريم غريمه وغريم الغريم كالغريم.
قوله: (فإن زاد: فللثاني، وإن نقص فهل يكمله؟ قولان) أي فإن زاد ما أخذ عن الثمن الأول من المدلس عن الثمن الثاني فالزيادة المأخوذة للثاني وإن نقص الذي أخذ من المدلس عن الثمن الأول، فهل يكمل له البائع الثاني ما نقص من الثمن لأنه هو الذي يأخذ الزيادة، أو لا يكمله له لأنه تركه أولا فرجع على غيره فيه قولان.
فرع قال ابن القاسم: إذا قال المبتاع أبق، وقال البائع بل غيبته وقد دلس بإباقه فإن المبتاع مصدق مع يمينه.
[التنازع أسباب رد المبيع]
قوله: (ولم يخلف مشتر ادعيت رؤيته إلا بدعوى الإراءة، ولا الرضا به إلا بدعوى مخبر) أي وليس اليمين على مشتر ادعى عليه البائع رؤية العيب، إلا إذا ادعى البائع أنه أراه له فإنه يحلف حينئذ. وكذلك لا يمين عليه إذ الدعى عليه الرضى بالعيب إلا إذ ادعى عليه البائع أن مخبرا صدقا أخبره أنه رضي بالعيب، فإنه يحلف حينئذ بعد أن يحلف البائع أن مخبر صدق أخبره أنك رضيت بالعيب، وهذا إذا لم يعين المخبر وأما إن عينه فقال هذا أخبرني أنك رضيت بالعيب فلا يحلف البائع حينئذ وإن كان مخبره مسخوطا بل يحلف المشتري فقط أنه ما رضي ويرد إن لم يفت.
قوله: (ولا بائع أنه لم يأبق لإباقه بالقرب) أي وليس اليمين على البائع أن العبد
[ ٢ / ٥٥٧ ]
لا يأبق بسبب أن العبد أبق بقرب عقد البيع.
قوله: (وهل يفرق بين أكثر العيب فيرجع بالزائد وأقله بالجميع أو بالزائد مطلقا) إلى آخره إذا بين البائع بعض البيع وكتم وكتم البعض، وهل يفرق بين تبين أكثر العيب، فسبب تبيينه يرجع بالزائد، وهو أرش العيب المكتوم لأن الأقل تبع الأكثر وأقله أي إذا بين أقل العيب وكتم أكثره فيرجع بسبب ذلك بجميع الثمن أو يرجع المبتاع مطلقا بين مدلس أكثر العيب أو أقله بقيمة العيب فقط.
قوله: (أو بين هلاكه فيما بينه أو لا؟) أي وهل يفرق بين هلاك المبيع فيما بينه فيرجع الزائد وهو أرش العيب أو لا يفرق في هلاكه فيما بينه من العيب أو فيما لم يبينه فيرجع بجميع الثمن فيه (أقوال) ثلاثة.
قوله: (ورد بعض المبيع بحصته) أي ورد بالعيب بعض المبيع بمثله من الثمن اتحد المبيع أو تعدد وهذا أعم من كون الثمن عينا أو عرضا.
قوله: (ورجع بالقيمة، إن كان الثمن سلعة) أي وهذه كيفية الرجوع إذا كان الثمن مقدما، إنما يرجع بالقيمة لضرر الشركة، وأما إذا كان مثليا، فإنه يأخذ ما ناب المعيب من الثمن نفسه.
قوله: (إلا أن يكون الأكثر، أو أحد مزدوجين، أو أما وولدها) مستثنى مما علمت أنه أعم أي ورد بعض المبيع إلا أن يكون المعيب أكثر من الصفقة أو أحد مزدوجين كالخفين أو مصراعين، وكذلك أم وولدها، لأن الشرع نهى عن تفرقتهما فإنه ليس يرد البعض بل يرد الكل إن شاء أو يمسك ويرجع بقيمة العيب.
فرع ومن أهلك أحد المزدوجين يضمنهما.
قوله: (ولا يجوز التمسك بأقل استحق أكثره) صوابه عيب أكثره، لأنه قال في الاستحقاق: وإن استحق بعض فكالمعيب، فلا يجوز التمسك بأقل عيب اكثره وإن رضي البائع إذ لا يعرف حتى يقوم وقد وجب الرد فصار بيعا مؤتنفا بثمن مجهول. قال بعضهم: يعني هذه العلة إذا استحق الأقل.
قوله: (وإن كان درهمان وسلعة تساوي عشرة بثوب فاستحقت السلعة وفات الثوب) أي فإن كان الثمن درهمان مع سلعة تساوي تلك السلعة عشرة دراهم فاشترى بذلك ثوبا فاستحقت السلعة أو معيبة والثوب قد فات من يد المبتاع فحوالة سوق فأعلى (ف) إن المشتري (له قيمة الثوب بكماله، ورد الدرهمين).
قوله: (ورد): (ورد أحد المشتريين) أي ورد أحد المشتريين أو أكثر حصته من المعيب
[ ٢ / ٥٥٨ ]
على البائع بناء على أن العقد يتعدد بتعدد المشتري، وقياسا على أحد البائعين، وهذا خلاف لقول أشهب وهما في المدونة. (و) كذلك يرد المبيع المعيب (على أحد البائعين) في حصته بحصته من الثمن.
قوله: (والقول للبائع في العيب) أي إذا تنازع المتبايعان في وجود العيب في المبيع قال المشتري: فيه عيب، وقال البائع: ليس فيه عيب فالقول قول البائع مع يمينه في نفي العيب لأن قوله جاء على وفاق الأصل لأن الأصل السلامة.
قوله: (أو قدمه، إلا بشهادة عادة للمشتري. وحلف من لم يقطع بصدقه، وقبل للتعدر غير عدول وإن مشركين، ويمينه بعته، وفي ذي التوفية، وأقبضته، وما هو به بتا في الظاهر، وعلى العلم في الخفي) أي وإذا تنازعا في العيب الذي ظهر في المبيع فقال المشتري: قديم. وقال البائع: حادث فالقول قول البائع في نفي القدم إلا أن تشهد البينة على القطع أنه قديم أو شهدت البينة أن مثل هذا العيب لا يكون إلا قديما في العادة وإن لم تقطع أنه قديم فيكون القول حينئذ للمشتري.
اعلم أنه إنما يكون القول قول البائع في القول المشكوك فيه، إذا لم يصاحبه عيب قديم، وأما إذا صاحبه عيب قديم، فالقول قول المشتري أنه ما حدث عنده مع يمينه، لأن البائع قد وجب الرد عليه بالعيب القديم، فصار مدعيا على المبتاع في الحادث، وبه أخذ ابن القاسم واستحسنه. انتهى من التوضيح (^١).
قوله: وحلف من لم يقطع بصدقه من بائع أو مشتر وصفة يمين البائع: بالله الذي لا إله إلا هو لقد بعته إياه وليس به عيب، ويحلف بتا في العيب الظاهر الذي لا يخفى كالعمى والعور، ونحو ذلك مما لا يخفى على الناظر ولا يحتاج إلى تقليب، ويحلف على نفي العلم في العيب الذي يخفى.
قوله: وفي ذي التوفية أي وإن كان المبيع مما فيه حق التوفية كالمكيل، والموزون والمعدود يزيد مع قوله: بعته له وما فيه عيب، أو أقبضته له وليس فيه عيب، إذ هو قبل الإقباض في ضمان البائع.
قوله: وقبل للتعذر غير عدول أي وقبل غير العدول وإن مشركين بشرط السلامة من جرحة الكذب وإلا لم يقبل اتفاقا في العيب أو قدمه أو حدوثه لأجل تعذر العدول.
_________________
(١) التوضيح: ج ٥، ص: ٤٨٢.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
قوله: (والغلة له للفسخ) أي والغلة للمشتري إلى أن يفسخ البيع لأن النبي ﷺ قال: «الخراج بالضمان» أي يتوقع الضمان إن تلف.
وقوله: (ولم ترد) مستغنى عنه لأنه لما قال: وله الغلة علمنا أنها لا ترد الغلة لعله كرره ليرتب عليه ما بعده من قوله: (بخلاف ولد وثمرة أبرت، وصوف تم) فإن هذه الأشياء ترد لأنها سلعة ثانية لها حظ في الثمن والثمرة إذا لم تؤبر أو صوف لم يتم فإن ذلك غلة.
قوله: (كشفعة، واستحقاق، وتفليس، وفساد) إلى آخر النظائر أي كما لا ترد العلة إذ اشترى شقصا فيه شفعة فاستغله ثم أخذ بشفعة أو اشترى شيئا فاستغله ثم استحق بملك أو حبس أو حرية فإنه لا يرد الغلة، وكذلك إذا اشترى متاعا أو حيوانا فاستغله ثم فلسه، فإن المفلس لا يرد الغلة، وكذلك من اشترى شيئا بيعا فاسدا فاستغله ثم فسخ البيع فإنه لا يرد الغلة، والغلة للمشتري في الشفعة والاستحقاق إذا يبست الثمرة وله في التفليس إذا حدث وله في الرد بالعيب والبيع الفاسد إذا أزهت.
قوله: (ودخلت في ضمان البائع إن رضي بالقبض، أو ثبت عند حاكم وإن لم يحكم به) أي ودخلت السلعة المعيبة في ضمان البائع بعد أن خرجت منه وإن رضي يأخذ المعيب الذي باعه وإن بغير حكم حاكم بالقبض أي إن رضي بقبض تلك السلعة الميبة، أو ثبت العيب عند الحاكم، فإن المعيب يدخل في ضمان البائع، وإن لم يحكم الحاكم بالرد ولم يرض البائع بالقبض.
قوله: (ولم يرد بغلط) أي ولم يرد المبيع بغلط (إن سمي) المبيع (باسمه) كما إذا قال: من يشتري حجرا فاشتراه منه انسان فوجده يا قوتة فلا يرد، لأن الياقوتة حجر، وأما إن لم يسم باسمه فإنه يرده.
قوله: (ولا بغبن) أي ولا يرد المبيع بسبب غبن (ولو خالف) ثمن (العادة) مما يتغابن به الناس وهذا كله إذا باع متاع نفسه وأما إذا باع متاع غيره فلا خلاف فإنه يقوم بالغبن إذا جاوز ما يتغابن الناس بمثله كحاكم أو وصي أو وكيل باع متاع غيره، اقتصر المصنف رحمة الله على طريقتين من الثلاث التي ذكرها في توضيحه وترك منها طريقة عبد الوهاب في المعونة أنه لا خلاف في ثبوت الخيار لغير العارف، وفي العارف قولان، فلو قال هنا وهل إلا لغير عارف أو إلا أن يستسلم إلى آخره
[ ٢ / ٥٦٠ ]
لاستوفى، ولابن عرفة هنا تحرير فعليك به. انتهى من ابن غازي (^١).
الغبن بفتح الغين وسكون الباء الغبن في الثمن أو المثمون وبفتح الباء غبن في الرأي.
قوله: (وهل إلا أن يستسلم ويخبره بجهله، أو يستأمنه؟ تردد) أي وهل لا يرد الغبن مطلقا إستسلم له بأن يخبره بجهله وهو تفسير للإستسلام أو لم يستسلمه أو لا يرد الغبن إلا أن يستسلمه فيرد وهو طريق المازري، أو يستسلمه فيرد كما إذا قال له بع لي كما تبيع للناس في ذلك تردد.
قوله: (ورد في عهدة الثلاث بكل حادث، إلا أن يبيع ببراءة، ودخلت في الإستبراء، والنفقة عليه وله الأرض: كالموهوب له، إلا المستثنى ماله. وفي عهدة السنة بجدام وبرض وجنون بطبع أو مس جن، لا بكضربة) أي ورد الرقيق بكل عيب حادث في عهدة ثلاث إلا أن يبيع الرقيق بيع براءة فلا يرد وعهدة الثلاث هي الصغير في الزمان كبرى في الضمان وعهدة السنة كبرى في الزمان صغرى في الضمان لأنه لا يضمن فيه، إلا الجذام وإن قل وبرص وجنون طبعا أو مسا لا إن جن بسبب كضربة فإنه لا يرد بها.
قوله: ودخلت في الاستبراء أي ودخلت عهدة الثلاث في زمن الاستبراء.
قوله: والنفقة عليه وله أي والنفقة على البائع أي وله بمعنى عليه وله الأرش إن جنى عليه في العهدة الثلاث لأنه في ضمانه وكذلك الموهوب لأن الرقيق في عهدة الثلاث للبائع، إلا المشترط ماله فيكون الموهوب للعبد للمشتري لأنه كما له.
قوله: (إن شرطنا أو اعتيدا، وللمشتري إسقاطهما) أي إنما تكون العهدتان إن شترطا عند العقد أو كانتا عادة في البلد أو حمل السلطان الناس عليها وللمشتري والبائع إسقاط العهدتين عند العقد لأن ذلك حق لهما.
قوله: (والمحتمل بعدهما منه) أي والعيب المحتمل كونه بعد العهدتين من المشتري عند ابن القاسم لأن الأصل السلامة، وأما عند الامام مالك وهو من البائع لأن الأصل براءة الذمة، وأن الأصل ضمان البائع، وتبع الشيخ هنا الله قول ابن القاسم وترك قول مالك ولا ينبغي.
قوله: (لا في منكح به أو مخالع، أو مصالح في دم عمد، أو مسلم فيه، أو به، أو قرض، أو على صفة، أو مقاطع به مكاتب، أو مبيع على كمفلس، ومشترى للعتق، أو مأخوذ عن دين، أو رد
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٦٨٠.
[ ٢ / ٥٦١ ]
بعيب، أو ورث، أو وهب أو اشتراها زوجها، أو موصى ببيعه من زيد، أو ممن أحب، أو بشرائه للعتق، أو مكاتب به، أو المبيع فاسدا إلى آخر النظائر أي لا عهدة في رقيق منكح به لأن النكاح بابه المكارمة لا المكايسة ولا في رقيق مخالع به لأن المطلوب في الخلع المناجزة ولا في رقيق مصالح به من دم عمدا لأن الأصل ضمان البائع لوجوب المناجزة خوف الدين بالدين، ولا في رقيق مسلم فيه لأن السلم إنما رخص لأجل التخفيف ولأن السلم مستثنى من بيع ما ليس عندك، والعهدة تنافي التخفيف، ولا في رقيق مسلم به فيكون رأس مال السلم لوجوب المناجزة خوف الدين بالدين، ولا في رقيق مقرض لأن القرض معروف، ولا في رقيق غائب اشتري على الصفة لأن المشاحة إنما تكون في الحاضر وأما الغائب ففيه مسامحة والعهدة تنافي المسامحة، ولا رقيق مقاطع به مكاتب ولا رقيق بيع على مفلس أو غائب أو ميت، ولا رقيق مشترى لأجل العتق لا عهدة فيه، لتشوفه للعتق، ولا رقيق مأخوذ من دين، لأن المأخوذ من الدين يؤخذ بأقل من قيمته، وكذلك المأخوذ من دم خطئ، ولا رقيق رد بعيسب لأن الرد بالعيب نقض بيع ولا رقيق بيع في الميراث ولا رقيق موهوبا للثواب لأن الهبة معروفة. وزاد بعضهم والرقيق المقال فيه والأمة اشتراها زوجها أو العكس لما بينهما من المودة، ولا رقيق أوصى سيده ببيعه من زائد أو ممن أحب العبد ولا رقيق موصى بشرائه للعتق ولا رقيق كاتبه المكاتب لأن العهدة فيه تؤدي إلى عجز المكاتب ولا رقيق بيع بيعا فاسدا، فإن فات فليس على المبتاع إلا قيمته وإن لم يفت رد.
قوله: (وسقطنا بكعثق فيهما) أي العهدتان بعتق أو تدبير أو استيلاد بعتق في زمنها.
ابن عرفة: ولو شرط سقوط العهدة حيث العادة ثبوتها ففي سقوطها ولزومها ثالثها يفسد البيع. انتهى.
وتختص عهدة السنة بأن هذه الأدوات تتقدم أسبابها ويظهر ما يظنه منها في فصل من فصول السنة دون فصل بحسب ما أجرى الله تعالى العادة باختصاص تأثير ذلك السبب بذلك الفصل، فانتظر بذلك الفصول الاربعة وهي الستة كلها، حتى يؤمن من هذا العيب ومن التدليس به.
وعهدة الثلاث بأن الرقيق يكتم عيبه، فيستظهر عليه بثلاثة أيام حتى يتبين
[ ٢ / ٥٦٢ ]
للمشتري ماكتم عنه. وبأنه يختص بذكر عيبه، بخلاف غيره، فيمكن أن يكون ذكر ذلك لسيده، فبادر ببيعه خوفا أن يتبين مرضه، فجعل الثلاث أمدا لبيان ارتفاع تدليسه، كما جعلت في التصرية التي دلس بها البائع، ولأن هذه المدة هي أمد حمى الربع. انتهى من ابن شاس (^١).
قوله: (وضمن بائع مكيلا بقبضه بكيل، كموزون ومعدود، والأجرة عليه) أي وضمن بائع ما فيه حق التوفية من مكيل أو موزون أو معدود أو مذروع إلى أن يقبضه المبتاع وأجرة المكيال أو الوزن أو العاد على البائع إلا أن يشترطه على المبتاع فيكون بعض الثمن.
قوله: (بخلاف الإقالة، والتولية، والشركة على الأرجح، فكالقرض) أي فإن الأجرة فيها على المقال والمولى والمشرك لأنها معروفات على ما اختاره ابن يونس إذ هي كالقرض والقرض فالأجرة فيه على المستقرض.
قوله: (واستمر بمعياره، ولو تولاه المشتري) أي واستمر الضمان المتقدم الذكر في معيار الشيئ المبيع من مكيال أو ميزان ولو تولى المشتري الكيل والوزن لأنه وكيل البائع إلى أن يصل إلى وعاء المشتري.
قوله: (وقبض العقار بالتخلية) والعقار الأرض وما تعلق بها من الشجر والبنيان وقبض ذلك هو ألا يحول البائع بينه وبين المبتاع وإن كان متاع البائع في المبيع.
قوله: (وغيره بالعرف) أي وقبض غير العقار بالعادة في قبض مثله.
[ضمان الصحيح والفاسد من البيع]
قوله: (وضمن بالعقد، إلا المحبوسة للثمن، وللإشهاد، فكالرهن، وإلا الغائب فبالقبض، وإلا المواضعة فبخروجها من الحيضة) أي وضمن المشتري المبيع بيعا صحيحا بالعقد إلا المحبوسة لأجل الثمن أو لأجل الإشهاد فإنها كالرهن والمرتهن يضمن ما يغاب عليه إن لم تقم بينة على هلاكه فلا يضمن ما لا يغاب عليه، إلا الغائب فإنه لا ينتقل ضمانه على البائع إلا بالقبض وإلا الأمة المتواضعة فإن ضمانها من البائع إلى أن تخرج من حيضتها فحيتئذ تصير في ضمان المبتاع، وقيل: في ضمان البائع حتى تدخل في الحيض، فحينئذ تدخل في ضمان المشتري (وإلا الثمار
_________________
(١) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٢، ص: ٧١٩ بتصرف.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
للجائحة) أي فإن الضمان على بائع الثمار إلى أن تنتهي حيث يرمى عليها الجائحة.
قوله: (وبدئ المشتري للتنازع) أي وإذا تنازع المتبايعان في تبدئة دفع ما في يده من الثمن أو المثمون بدء المشتري لدفع الثمن ليأخذ المبيع وهونص الكتاب في العيوب.
قلت: أرأيت لو أني اشتريت عبدا أيكون لسيده أن يمنعني من قبضه في قول ملك حتى أدفع إليه حقه قال: نعم. انتهى.
وأما جبره فتردد فيه المتأخر، ولم يتكلم عليه المصنف ولا الكتاب عليه وإنما تكلم على التبدئة التي هي أعم من الجبر ومن ثم قال المازري: لا نص لأن الأعم لا إشعار له بالأخص، فالاستدلال بنص الكتاب عليه وهم. انتهى من ابن عرفة.
قوله: (والتلف وقت ضمان البائع بسماوي: يفسخ) أي وتلف المبيع في زمان ضمان البائع له بأمر من الله أي بما لا صنع فيه لآدمي يفسخ البيع، ولا يقال للبائع آت بمثله فإن ذلك لا يلزمه لأن المبيع هلك في ضمانه، ولا يقول البائع للمشتري فأد إلي الثمن آتك بمثل المبيع، لأن المشتري إنما اشترى معيبا.
قوله: (وخير المشتري إن غيب) البائع المبيع في ضمانه في فسخ البيع وتضمينه القيمة، أو المثل في المثلي بعد يمين البائع أن المبيع هلك.
قوله: (أو عيب) أي وإذا عيب البائع المبيع في وقت ضمانه خير المبتاع بين الرد وامساكه ويرجع بأرش العيب.
قوله: (أو استحق شائع) أي وإن استحق جزء شائع في المبيع خير المشتري بين الرد لضرر الشركة وإمساكه، ويرجع بما نقص من الثمن وإن قل الجزء المستحق.
قوله: (وإن قل، وتلف بعضه أو استحقاقه: كعيب به) إلى آخره والذي تقدم المبيع كله أي وتلف بعض المبيع في ضمان البائع أو استحقاقه في ضمان البائع أو المبتاع كوجود عيب به وقد تقدم حكمه.
قوله: (وحرم التمسك بالأقل إلا المثلي) أي وحرم للمشتري التمسك بالأقل من البيع عيب أكثره أو استحق إذا كان ذلك مقوما وأما المثلي فيجوز فيه التمسك بالأقل، لأن ما بقي منه معروف وحصته من الثمن معروفة. غفل الشارح هنا ﵀.
قوله: (ولا كلام لواجد في قليل لا ينفك، كقاع) أي ولا كلام لمشتر واجد في المبيع عيبا قيلا لا ينفك المبيع عنه وذلك كتراب القاع في الطعام (وإن انفك) المبيع
[ ٢ / ٥٦٤ ]
من ذلك العيب (فللبائع التزام الربع) فأقل لنفسه (بحيته) من السالم.
قوله: (لا أكثر، وليس للمشتري التزامه بحيته مطلقا) أي فليس للبائع أن يلزم نفسه أكثر من الربع بحصته، إلا برضى المشتري، وليس للمشتري التزام السالمة لنفسه بما ينوبه من الثمن مطلقا، كان المعيب قليلا أو كثيرا، إلا برضى البائع.
قوله: (ورجع للقيمة لا للتسمية، وصح ولو سكتا، لا إن شرطا الرجوع لها) أي ورجع إلى القيمة إذا تعدد المبيع واستحق بعضه أو عيب لا يرجع إلى التسمية وصح البيع إذا سكتا عن الرجوع إلى القيمة على المشهور ويحملان على الرجوع إلى القيمة، وقيل: لا يصح البيع إذا سكة عن الرجوع للقيمة وأما إن شرطا الرجوع إلى التسمية عند ظهور العيب أو طرأ الإستحقاق استحقاق فإن البيع يفسخ.
قوله: (وإتلاف المشتري: قبض) أي وإذا أتلف المشي المبيع في وقت ضمان البائع فذلك قبضه فيلزمه الثمن.
قوله: (والبائع والأجنبي: يوجب الغرم، وكذلك إتلافه) أي وإن أتلف البائع أو الأجنبي المبيع في وقت ضمان البائع يوجب ذلك الاتلاف الغرم على المتلف، لأن الملك قد تم للمبتاع وكذلك تعييب المبيع.
قوله: (وإن أهلك بائع صبرة على الكيل، فالمثل تحريا ليوفيه، ولا خيار لك) إلى آخره أي وإن هلك البائع الصبرة المبيعة على الكيل أو الوزن أو على العدد تعديا لزمه أن يأتي بمثلها تحريا ليستوفي المبتاع ما كان له فيه والإختيار لك أيه المشتري في أخذ ثمنك لأن هذا يقوم مقامه.
قوله: (أو أجنبي فالقيمة: إن جهلت المكيلة، ثم اشترى البائع ما يوفي، فإن فضل فلبائع، وإن نقص، فكالاستحقاق) أي وإن أهلك الأجنبي الصبرة المبيعة على الكيل أو الوزن أو العدد فعليه القيمة إن جهلت المكيلة وأما إن علمت فالمثل فإن أخذت القيمة منه اشترى بها ما يوفى به فإن فضل شيء من القيمة بعد ما اشترى فللبائع وإن نقص ما أخذ من القيمة عن ثمن ما يشتري بسبب غلاء الطعام فحكمه حكم الاستحقاق فإن كان كثيرا فللمشتري فسخ البيع وإن لم يكن كثيرا أسقط حصته من الثمن.
قوله: (وجاز البيع قبل القبض إلا مطلق طعام المعاوضة، ولو كرزق قاض) أي وجاز بيع كل شيء اشتريته قبل أن تقبضه من بائعه إلا ما استثنى وهو مطلق الطعام أي كان ربويا أو غيره من طعام المعاوضة، ولو كان ذلك الطعام رزق قاض، أو إمام، أو
[ ٢ / ٥٦٥ ]
مؤذن، أو ذي شرطة وكلما أخذ من منافع عن خلع أو صداق أو مثل التلف أو أرش جناية لأنه عن معاوضة واحترز بالمعاوضة من طعام القرض والهبة فإنه يجوز بيعه قبل قبضه.
قوله: وجاز البيع قبل القبض وهذه إحدى المسائل التي خالف فيها مالك الله جميع الفقهاء ومنع بيع الطعام قبل قبضه تعبد، وقيل معلل، لينتفع به الكيالون والحمالون ببيعه، وأن يبرز الطعام ببيعه فتقوى النفوس بإظهاره، ولو أجيز البيع قبل القبض لتمادا الناس على بيعه في السر.
قوله: (أخذ بكيل) شرط في منع بيعه قبل القبض، وأما إن أخذ طعام جزافا فإنه يجوز بيعه قبل قبضه.
قوله: (أو كلبن شاة) معطوف على قوله: أخذ بكيل أي أو كان كلبن شاة، وهذا مناسب لاجتماعهما في كونهما في ضمان البائع قبل القبض، ولو عطفته على قوله: كرزق قاض لكان في حيز لو المشعرة بالخلاف؛ ولكنه يؤدي إلى تشتيت في الكلام، ويفوت معه التنبيه على مناسبتهما في الضمان المذكور. انتهى من ابن غازي (^١).
قوله: (ولم يقبض من نفسه، إلا كوصي ليتيميه) أي ولا يجوز أن يقبض الطعام من نفسه لنفسه كما إذا وكل على شراء طعام أو بيعه أن يبيعه من نفسه ولا أن يقبضه من نفسه لنفسه لأنه بيع الطعام قبل قبضه، قال: إلا أن يكون رأس المال عينا فيجوز بمعنى الإقالة. انتهى من الكبير.
وإذا كان له عليه طعام فدفع له دراهم وقال له اشتري بهذه الدراهم طعاما وخذه في طعامك الذي لك علي فلا يجوز، لأنه لا يجوز أن يكون قابضا مقبضا فلا يقبض من نفسه لنفسه إلا وصي الأيتام أو مقدم القاضي يقبض من اليتيم ليتيم آخر وكذلك الأب من ولده لولد آخر.
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٦٨٤.
[ ٢ / ٥٦٦ ]
[ما يحترز في قيد البيع]
قوله: (وجاز بالعقد: جزاف، وكصدقة) أي وجاز بيع الجزاف قبل قبضه.
وقله وكصدقة أي وجاز بيع طعام صدقة ونحوه كطعام الهبة أو الميراث قبل قبضه.
قوله: (وبيع ما على مكاتب منه) أي وجاز بيع جميع ما على المكاتب من طعام الكتابة قبل قبضه من المكاتب نفسه لا غيره لأن الكتابة ليست بدين ثابت ألا ترى أنه لا يحاصص به الغرماء إذا فلس.
قوله: (وهل إن عجل العتق أي وهل يجوز ذلك مطلقا عجل العتق أم لا قبل قبضه ما يتولى وإنما يجوز إذا عجل العتق بأن باع الكتابة كلها وأما إذا باع له نجما منها فلا يجوز بيعه (تأويلان).
قوله: (وإقراضه، أو وفاؤه عن قرض، وبيعه لمقترض) أي وجاز قرض الطعام المشترى قبل قبضه لأن الممتنع من بيع الطعام قبل قبضه ما يتوالى فيه بيعتان لا يتخللهما قبض، فلذلك جاز لمشتري الطعام المكيل إقراضه أو توفيته عن قرض وبيعه قبل قبضه لمن اقترضه.
قوله: (وإقالة من الجميع) أي وجاز إقالة من جميع الطعام المبيع قبل قبضه غاب عليه أم لا، والاقالة في بعضه تجوز إن لم يغب عليه وإن لم يعرف عينه، وأما إن غاب عليه ولا يعرف بعينه فلا يجوز لأنه بيع وسلف وما رد سلف وما لم يرد بيع أي فإذا اشتريت طعاما يجوز لك أن تقيل من جميعه قبل قبضه (وإن تغير سوق شيئك) الذي دفعت إليه ثمنا لطعامه وتغير سوق لا يفيت الإقالة من رأس مال السلم إذا كان عرضا وهى من المسائل التي لا يفيتها حوالة الأسواق.
ثانيها: الرد بالعيب لا يفيتها حوالة الأسواق.
الثالث: الاستحقاق.
الرابع: هبة الثواب لا يفيتها حوالة سوق.
وأما الأربعة التي تفيتها حوالة الاسواق البيع الفاسد، وبيع المرابحة حوالة السوق، وكذلك بيع العرض بالعرض، يفيتها حوالة السوق، وكذلك اختلاف المتبايعين.
قوله: (لا بدنه) أي لا بتغير بدن المبيع فإنه يفيت الإقالة.
[ ٢ / ٥٦٧ ]
قوله: (كسمن دابة، وهزالها) تمثيل للتغيير.
قوله: (بخلاف الأمة) لو قال المصنف الله بخلاف الرقيق فإذا كان رأس مال السلم رقيقا فإن تغيره في بدنه بسمن أو هزال لا يفيت الإقالة لأن الرقيق لا يشترى لحمه بخلاف الدابة. وقال يحيى: الحكم سواء. ابن يونس: هو الصواب.
قوله: (ومثل مثليك إلا العين، وله دفع مثلها، وإن كانت بيده) معطوف على قوله: لا بدنه، والمعنى أن الإقالة لا تجوز على أن تأخذ مثل مثليك، وإنما تجوز على أن تأخذه بعينه لأنه يراد بعينه. واستثنى من المثلي العين، لأن العيون تراد لعينها، ولذلك له دفع مثل العين وإن كانت تلك العين قائمة بيده، لأنه لما قبضها صارت في ذمته، فإذا أعطاك غيرها لم يظلمك، وكذلك البيع الناجز.
قوله: (والإقالة بيع إلا في الطعام والشفعة والمرابحة) أي بيع ثان إلا ما استثني وهو الاقالة في الطعام فإنه حل لا بيع ولو كان بيعا لكان بيع الطعام قبل قبضه، وكذلك الإقالة في الشقص الذي فيه الشفعة حل لا بيع حادث لأنه لو كان بيعا حادثا لكتب الشفيع عهدته على أيهما شاء ولكن فيه الشفعة لتهمة إسقاط حق الشفيع بالاقالة وعهدته على المشتري كما لم يكن أقاله، وكذلك إقالة مرابحة حل لا بيع أي فإذا أقاله بعد أن باعه بأكثر من الثمن الذي اشتراه به فلا يبيعها المقال مرابحة بأكثر مما باعه به أولا كما إذا اشترا سلعة بعشرة مثلا ثم يبيعها بخمسة عشر ثم يندم المشتري فيقيله البائع فلا يجوز أن يبيعها مرابحة على خمسة عشر ويقول هي علي خمسة عشر إلا أن يبين الاقالة إنما يبيعها مرابحة على الثمن الأول وهو عشرة.
قوله: (وتولية وشركة، إن لم يكن على أن ينقد عنك) أي وجازت التولية والشركة في الطعام قبل أن تقبضه إن لم تشترط عليه أن ينقد عنك الثمن، وأما بشرط أن ينقد عنك فلا يجوز لأنه بيع وسلف منه لك.
قوله: (واستوى عقداهما فيهما، وإلا فبيع كغيره) أي واستوى عقد المولي والمولي وعقد المشرك والمشرك في القدر والأجل إن كان، والرهن إن كان والضمان وان لم يستويا فبيع ثان كغيره، فإن كان المبيع طعاما منع بيعه قبل قبضه.
قوله: (وضمن المشترى المعين، وطعاما كلته وصدقك) أي وضمن المشتري المشترك المعين بالعقد الصحيح فإن هلك بعد ذلك فمصيبته منه وكذلك يضمن المشتري طعاما كاله بائعه بأمره بكبله فضاع ذلك الطعام وصدقه المشتري في الكيل
[ ٢ / ٥٦٨ ]
لأنه لما كاله وصدقته صرت قابضا له.
قوله: (وإن أشركه حمل وإن أطلق) أي حمل على ما قيد من الثلث أو والربع أو غير ذلك وإن أطلق حمل (على النصف) وفي بعض النسخ إن أطلق بإسقاط الواو.
قوله: (وإن سأل ثالث شركتهما) أي وإن سأل شخص شركة شخصين في المشتري فاشركاه (فله الثلث) إن كانا معا حيث أشركاه وأما إن كانا مفترقين فأشركه كل منهما فله النصف لأنه شريك كل منهما.
قوله: (وإن وليت ما اشتريت بما اشتريت: جاز، إن لم تلزمه، وله الخيار أي وإن وليت سلعة اشتريتها بما اشتريتها به ولم تعلم السلعة ولا ما اشتريتها به جاز العقد إن لم يكن على الالزام وله الخيار إذا رآ السلعة وعلم الثمن وأما على الالزام فلا يجوز لأنه جهل بالثمن والمثمون.
قوله: (وإن رضي بأنه عبد ثم علم بالثمن فكره، فذلك له) أي وإن رضي المولي بأن المشتري عبد ثم علم بالثمن فكرهه فإن ذلك له، وهذا من ناحية المعروف يلزم المولي، ولا يلزم المولى إلا أن يرضى أما إن كنت بعت منه عبدا في بيتك بمائة دينار ولم تصفه له ولا رآه قبل ذلك فالبيع فاسد ولا يكون للمبتاع فيه الخيار إذا نظره لأن البيع وقع على الإيجاب والمكايسة ولو جعلته فيه بالخيار إذا نظره لأن البيع وقع على الإيجاد والمكايسة، ولو جعلته فيه بالخيار إذا نظره جاز وإن كان على المكايسة.
قوله: (والأضيق: صرف) أي وأضيق باب الربى في تأخير الصرف لأنه منع فيه التأخير ولو قريبا، وكذلك الصرف، وكذلك ما في معنى الصرف من مراطلة الذهب بالذهب والمبادلة بين المسكوكين.
قوله: (ثم إقالة طعام) أي إقالة رأس مال سلم طعام فإنه لا يجوز فيه التأخير.
قوله: (ثم تولية) في الطعام المسلم فيه (وشركة فيه) أشركهما في الحكم لأنهما مستويان في الحكم في التأخير، ثم إقالة عروض، وفسخ الدين في الدين، ثم بيع الدين والمستقر في الذمة يغتفر فيه تأخير اليوم واليومان (ثم ابتداؤه) أي ثم ابتداء الدين بالدين ويغتفر فيه تأخير ثلاثة أيام.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
فصل [في أحكام المرابحة]
قوله: (وجاز مرابحة) أي وجاز البيع مرابحة، منصوب على الحال أي والبيع على أقسام بيع مرابحة، وبيع مزايدة، وبيع الاستئمان.
قال الجوهري واستنام إليه أي سكن إليه واطمأن إليه (^١).
وفي مختصر العين واستنام الرجل استناس إليه (^٢).
وبيع المكايسة ويقال بيع المزايدة وهو أفضل البيوع وأسلمها.
قوله: (والأحب خلافه) أي والأحب من البيوع خلاف المرابحة لأن المرابحة تحتاج إلى صدق وبيان، وإلا أكل الحرام فيه بسرعة لكثرة شروطه ونزوع النفس فيه إلى الكذب، وظاهر كلام المصنف ان الاحب خلافه من البيوع للعامة والخاصة أكثر من البيع به أو لا.
قوله: (ولو على مقوم) أي وجاز البيع مرابحة ولو كان على مقوم مثل أن يشتري جملا بعشرة أثواب جاز أن يبيعه مرابحة بزيادة ثوب خلافا لمن قال لا يجوز إلا على المثلي.
قوله: (وهل مطلقا أو إن كان عند المشتري؟ تأويلان) أي وهل يجوز البيع مرابحة على المقوم مطلقا سواء كان ذلك المقوم عند المشتري أم لا، لأن منع بيع ما ليس عندك على أن يكون عندك حالا مقيد بما إذا كان معينا عند الغير، وأما إن كان مضمونا فلا بأس به، وإنما يجوز البيع مرابحة على المقوم إذا كان عند المشتري، وإلا فلا يجوز لأنه بيع ما ليس عندك فيه تأويلان على المدونة.
قوله: (وحسب ربح ما له عين قائمة كصبغ، وطرز، وقصر، وخياطة، وقتل، وكمد، وتطرية) أي وحسب ربح ماله عين يؤثر زيادة في الثمن، فإذا حسب الربح ورأس المال أحرى فقال في أمثلة ما يؤثر الزيادة في الثمن كصبغ وطرز.
الطرز خياطة يعمل على إعلاء الكمت وكمد هو الدق وفتل الهدب وتطرية وهو تليينه.
_________________
(١) الصحاح للجوهري: ج ٦، ص: ٣٢٥.
(٢) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٦٨٩.
[ ٢ / ٥٧٠ ]
قوله: (وأصل ما زاد) أي وحسب أصل ما يزيد (في الثمن) ولا يحسب ربحه لأنه لا عين له وذلك (كحمولة) أي أجرة حمولة.
اللخمي: وهذا إذا حمل إلى موضع يزيد فيه ثمنه، وأما إن حمله على موضع نقص فيه ثمنه فليبينه، لأن ذلك عيب فيه. والمصنف تحمله أطلق ولم يقيده بما ذكر اللخمي.
قوله: (وشد، وطي اعتيد أجرتهما، وكراء بيت لسلعة) أي وحسب أجرة الشد والطي إذا كانتا عادة كمن لا يفعل ذلك بنفسه يحسب ذلك على رأس المال ولا يحسب ربحه، وكذلك يحسب كراء بيت لسلعة بلا ربح، وأما الكراء على سكناه فلا يحسب.
قوله: (وإلا لم يحسب، كسمسار لم يعتد، إن بين الجميع، أو فسر المؤونة فقال: هي بمائة أصلها كذا وحملها كذا، أو على المرابحة وبين كربح العشرة، أو أحد عشر ولم يفصلا ما له الربح، وزيد عشر الأصل) أي وان لم يؤثر العين في المبيع زيادة في الثمن ولم يكن شيء مما تقدم فإن ذلك لا يحسب ولا ربحه وذلك كسمسار لم يعتد أي لم يحسب أجرة السمسار إذا كانت أجرته غير معتاد واما المعتاد فيحسب كمن لا يشتري بنفسه والمراد بالسمسار هنا الذي يتولى الشراء للمشتري لا البائع.
قوله: إن بين راجع لقوله: وجاز مرابحة أي وجاز البيع مرابحة أن يبين ما يحسب وما لا يحسب وماله ربح، وما لا ربح له، وفسر المؤنة فقال: هي بمائة أصلها كذا وحملها كذا أو باع على المرابحة وبين قدر الربح كما إذا قال ربح العشرة إحدى عشر أي يصير ربح العشرة احد عشر وزيد عشر الأصل وهو الواحد.
قوله: (والوضيعة كذلك) أي والوضعية أن يكون وضعية أحد عشر عشرة.
قوله: (لا أبهم) أي وجاز مرابحة إن بين الجميع، لا يجوز إن أبهمه ولم يفصله وذلك قوله: (كقامت علي بكذا، أو قامت بشدها وطيها بكذا ولم يفصل ما للشد وما للطي.
قوله: (وهل هو كذب أو غش؟ تأويلان) أي فإن وقع ونزل هذا الإجمال، فهل هو مسألة الكذب أو مسألة الغش؟ فمسألة الكذب إن حط الكذب وربحه لزم المشتري، وأما الغش فلا يلزمه وإن أزيد عنه.
قوله: (ووجب تببين ما يكره) أي ووجب على البائع تبيين كل ما يكره في المبيع وهذا غير خاص بالمرابحة.
[ ٢ / ٥٧١ ]
قال في الرسالة: ولا أن يكتم من أمر سلعة ما إذا ذكره كرهه المبتاع أو كان ذكره أبخس له في الثمن (^١).
قوله: (كما نقده وعقده) أي ووجب تبيين ما نقده إذا عقد على غيره وتبيين ما عقد عليه إذا نقد غيره (مطلقا) أي باعه على ما نقده أو باعه على ما عقده عليه. قوله: (والأجل، وإن بيع على النقد وطول زمانه) أي ووجب تبيين الأجل إن اشتراه لأجل وبين قدر الأجل لأن ثمن المؤجل ليس كثمن النقد، وأن يبين الأجل وإن بيع له على النقد ثم أجل فإن باعه مرابحة فلا بد من تبيين ذلك، وكذلك يبين طول زمان المبيع لأن الناس أرغب في الطارئ مما يتقادم في أيديهم. غفل الشارح هنا ﵀.
قوله: (وتجاوز الزائف وهبة اعتيدت وأنها ليست بلدية أو من التركة) أي ووجب تبيين تجاوز الزائف أي مسامحته فيه كما إذا اشتراه بمائة صحيحة ثم أخذ منه مائة زائفة مسامحة، وكذلك يجب عليه أن يبين هبة من البائع له إذا كانت الهبة معتادة عند الناس كما إذا اشتراه بخمسة وتسعين فزاده خمسة، وأما إن لم تكن الهبة معتادة فليس عليه تبيينها، وكذلك يجب على البائع مرابحة أن السلعة ليست بلدية يريد إذا كانت البلدية أجود أو العكس، ويجب عليه أن يبين أن السلعة كانت من التركة، لأن سلع التركة تشترى غالبا بالغلاء ولأن بعض الناس يكرهه.
قوله: (وولادتها) أي ووجب عليه أن يبين أنها ولدت عنده (وإن باع ولدها معها) وأحرى إن باعها وحدها.
قوله: (وجذ ثمرة أبرت، وصوف تم) أي وجب عليه أن يبين أنه جذ الثمرة اشترى أصلها مأبورة، لأن الثمرة لها نصيب في الثمن. وكذلك يجب عليه أن يبين أنه اشتراها وعليها صوف تم أم لا، ثم جز الصوف، لأنه إن كان تاما له نصيب في الثمن وإن لم يتم، فذلك يدل على طول زمنه بمدة تتغير فيها.
قوله: (وإقالة مشتريه) أي ووجب عليه أن يبين أنه أقال المبتاع في المبيع كما إذا باعه بعشرة ثم أقال المبتاع، فإذا باعه مرابحة فإنه يبين له أنه أقال فيه لأن بعض الناس يكره السلعة التي أقيلت (إلا) إذا كانت الإقالة وقعت ﴿بزيادة أو نقص﴾ فإنه لا يحتاج إلى التبيين لأنه بيع ثان.
_________________
(١) متن الرسالة: ص: ١٠٠.
[ ٢ / ٥٧٢ ]
قوله: (والركوب واللبس) أي ووجب عليه أن يبين إذا باع مرابحة أنه ركبها أو لبس الثوب، وهذا إذا كان الركوب واللبس متعبرين، وأما ما لا بال له فكالعدم كالركوب في وسط البلد ولبس خفيف.
قوله: (والتوظيف ولو متفقا) أي وجب عليه أن يبين أن السلعة اشتراها توظيفا، والتوظيف التوزيع والتوضيع هو أن يشتري سلعا متعددة في صفقة واحدة جملة فلا يبيع بعضها مرابحة حتى يبين ذلك لأن الناس يغبطون في الجملة ويعطون أكثر من الثمر ولو كانت تالك السلع متفقة وأحرى إن اختلفت (إلا) أن يكون ذلك (من سلم) فإنه يجوز أن يبيع بعضها مرابحة لأنها في ضمان المسلم إليه.
قوله: (لا غلة ربع) أي فلا يحتاج إلى تبيينه، وكذلك غلة الحيوان فلا يحتاج إلى تنبييه.
قوله: (كتكميل شرائه) تشبيه لإفادة الحكم مراده إذا ابتاع جزءا شائعا من سلعة ثم ابتاع من شريكه بقيمتها، فإن له بيعها مرابحة من غير تبيين وهذا إذا لم يشتره لضرر الشركة.
قوله: (لا إن ورث بعضه) أي فلا بد من بالتبين إن باع المشترى منه مرابحة (وهل) ذلك إن تقدم الإرث على الشراء وأما إن تقدم الشراء على الإرث فليس على التبيين (أن عليه أن يبين (مطلقا) تقدم الإرث أم لا فيه (تأويلان».
قوله: (وإن غلط بنقص وصدق، أو أثبت: رد، أو دفع ما تبين وربحه، فإن فاتت خير مشتريه بين الصحيح، وربحه وقيمته يوم بيعه، ما لم تنقص عن الغلط وربحه، وإن كذب: لزم المشتري إن حطه، وربحه بخلاف الغش أي وإن غلط بنقص كما إذا اشتراه بعشرة فقال: اشتريته بثمانية وصدقه المبتاع أو أثبة البائع النقص ببينة أو رقوم لأن الرقوم تدل على قيمة السلع فرد المشتري المبيع، إن لم يفت إن شاء، أودفع ما تبين من الثمن الصحيح وربحه فله الخيار فيهما، وإن فات المبيع فيهما بنماء أو نقص لا بتغير سوق خير المشتري بين أخذ المبيع بالثمن الصحيح وربحه وبين قيمته يوم بيعه، لأنه بيع صحيح ما لم تنقص القيمة عن الغلط وربحه أو تزيد على الصحيح وربحه.
قوله: وإن كذب أي وإن كذب البائع مرابحة بأن قال: اشتريته بإثني عشر مثلا وهو لم يشتره إلا بعشرة لزم المشتري المبيع إن حط البائع الكذب وربحه وقيل لا يلزمه وإن حطه لخبث مكسبه.
[ ٢ / ٥٧٣ ]
قوله: بخلاف الغش أي فإنه لا يلزمه وإن حط عنه الغش كما إذ اشتراه بعشرة وكتب على المبيع خمسة عشر مثلا فباعه بعشرة لأن المبتاع يظن أنه غبنه.
قال ابن رشد: من باع مرابحة وغش المبتاع، فان كتمه من أمر سلعته ما يكرهه ولم يزد عليه في الثمن فحكمه أن يكون المبتاع في قيام السلعة بالخيار بين أن يتمسك بجميع الثمن أو يرد، وليس للبائع أن يحط عنه بعض الثمن ويلزمها إياه، وإن كانت فاتت كان فيها الأقل من القيمة أو الثمن. انتهى من التاج والاكليل (^١).
قوله: (وإن فاتت، ففي الغش أقل الثمن والقيمة، وفي الكذب: خير بين الصحيح وربحه، أو قيمتها) أي وإن فات المبيع ففي الغش أقل الثمن أو القيمة، وفي مسألة الكذب خير المشتري بين الثمن الصحيح وربحه أو قيمة السلعة وهل القيمة يوم العقد أو يوم القبض روايتان.
قوله: (ما لم تزد على الكذب وربحه) أي خير المشتري بين الثمن الصحيح وربحه أو القيمة ما لم تزد القيمة على الكذب وربحه يريد أو نقصت عن الصحيح وربحه.
قوله: (ومدلس المرابعة كغيرها) أي من البيوع.
_________________
(١) التاج والإكليل: ج ٦، ص: ٤٤٣.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
فصل [في بيان ما يتناوله البيع وما لا يتناوله]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه ما يندرج بالعقد وما لا يندرج فقال: (تناول البناء والشجر: الأرض، وتناولتهما، لا الزرع والبدر) أي وتناول البناء والشجر مكانهما من الأرض للعرف، وكذلك الأرض تناولتهما لا الزرع النابت فلا تتناوله الأرض، بخلاف البذر المدفون فإن الأرض تتناوله، والصواب تقديم البذر على قوله: لا الزرع.
لعل الناسخ وضعه في غير موضعه.
قوله: (ومدفونا) أي فلا يتناول الأرض المدفون فيها إذا علم مالكه فهو لمالكه.
قوله: (كلوجهل) المجهول المدفون أي كما لا يتناول الأرض المدفون فيها المجهول مالكه فهو كاللقطة.
وقوله: ومدفونا كلو جهل مسألتان.
قوله: (ولا الشجر: الثمر المؤبر، أو أكثره، إلا بشرط) أي ولا يتناول الشجر الثمر المؤبر أي من اشترى شجرا وفيها ثمر مؤبر، فالثمر للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، فللمشتري أي اشتراط المؤبر كله لا بعضه وأما البائع فلا يجوز له اشتراط غير المؤبر، وكذلك إذا أبر أكثر الشجر فإن الثمرة للبائع.
قوله: (كالمنعقد) أي كما لا يتناول الشجر المنعقد من الأشجار غير النخل إذ الانعقاد فيها كالأبار في النخل.
والأبار: هو تذكيره، وهو تعليق طلع الفحل في الأنثى.
والانعقاد: هو أن ينعقد الزهر قبل انفتاحه.
قوله: (ومال العبد) أي فإنه للسيد إلا أن يشترطه المبتاع ومال العبد على ثلاثة أوجه فإن يبع لم يتبعه ماله إلا أن يشترطه المبتاع فإن عتق يتبعه ماله، إلا أن يستثنيه السيد فإن وهب أو تصدق ففيه خلاف هل هو كالعتق؟ لأنه لا عوض فيه، أوكالبيع لأنه من ملك إلى ملك، واشتراط المبتاع مال العبد فإن اشترطه للعبد يجوز على كل حال، وحيث اشترط المبتاع المال للعبد وفي المال أمة حامل منه، فإن الوالد لا يدخل ذلك الشرط، لأن العبد لا يملك ولده، بل يبقى للبائع ملكا، وإن اشترطه
[ ٢ / ٥٧٥ ]
لنفسه فإنه كسلعة ثان، فيشترط فيه ما يشترط في سلعة ثان، فإن كان فيه العيب فلا يجوز بسلعة ثان، إنما يجوز اشتراط مال العبد كله وأما بعضه فلا يجوز، وإن اشترى بالعين وكان فيه مال فإن كان في العين فلا يجوز، وإن اشترط مال العبد ولم يشترطه للعبد ولا لنفسه بل أبهم ففيه قولان هل يكون له أو يفسد البيع فيه قولان.
قوله: (وخلفة القصيل) أي من اشترى قصيل شعير فلا يتناول العقد عليه خلفته بل للبائع.
قوله: (وإن أبر النصف) أي وإن أبر نصف الشجر (فلكل نصف حكمه) وما أبر للبائع وما لم يؤبر للمبتاع.
قوله: (ولكليهما السقي) أي ولصاحب الأصل وصاحب الثمر سقي الثمر. الأصل (ما لم يضر بالآخر) وقيل كليهما عائد على المؤبر والمنعقد ويكون قوله الآخر للمشتري فقط.
قوله: (والدار الثابت: كباب، ورب، ورحا مبنية بفوقانيتها، وسلما سمر، وفي غيره: قولان) أي ويتناول الدار الثابت فيه وذلك كباب ورف.
الرف: هو ما يعمل من الخشب ويجعل عليه المتاع بشبه العلاق، وكذلك يتناول الدار الرحا، إذا كانت مبنية مع فوقانيتها، مفهومه إذا كانت غير مبنية فلا يتناوله، وكذلك يتناول الدار سلما سمر فيها، وأما غير المسمر ففيه قولان هل كالمتصل أو المنفصل؟.
قوله: (والعبد، ثياب مهنته، وهل يوفى بشرط عدمها وهو الأظهر؟ أو لا:) أي ويتناول العبد ثياب مهنته أي ثياب خدمة وإن لم تكن عليه وأما ثياب الزينة فلا يتناولها واختلف هل يوفى شرط عدم ثياب المهنة بأن يبيعه عريانا وهو الأظهر عند ابن رشد.
وقال بعضهم: وبه الفتوى أو لا يوفى بذلك الشرط وصحح. وقال بعضهم وبه الفتوى.
قوله: (كمشترط زكاة ما لم يطب، وأن لا عهدة أو لا مواضعة أو لا جائحة؟ أو إن لم يأت بالثمن لكذا فلا بيع؛ أو ما لا غرض فيه ولا مالية) أي كما لا يوفى بشرط من اشترط زكاة زرع لم يطب على بائعه ولكن يصح البيع ويبطل الشرط، وذلك لا يستوفي بشرط العهدة حيث العهدة، وأن لا مواضعة، وألا جائحة عليه في الثمار، وكذلك لا يوفى
[ ٢ / ٥٧٦ ]
بشرط البائع على المبتاع إن لم يأتي بالثمن لأجل كذا فلابيع، واختلف فيها قول مالك فمرة أجاز البيع ومرة أبطل الشرط، ومرة ألزم الشرط وجعل للآخر الخيار. إكمال الإكمال (^١).
وكذلك لا يوفى بشرط ما لا غرض فيه ولامالية كاشتراط كون العبد أميا فيجده كاتبا وهذه النظائر الستة يجوز البيع فيها ويبطل الشرط.
قوله: (وصحح؟ تردد) راجع لقوله: أولا.
قوله: (وصح بيع ثمر ونحوه بدا صلاحه) لو قال المصنف وجاز لأن بيع الثمار بعد بدو الصلاح جائز ابتداء.
قوله: (ونحوه) أي وجاز بيع ثمر شجر نخل أو غيره، ونحو الشجر كالزرع والبقول وشبه ذلك.
قوله: (إن لم يستتر) أي وجوز بيع ذلك إذا لم يستتر في أكمامها أو تبنه، وأما إن استتر فلا يجوز، لأنه جزاف غير مرئي.
قوله: (وقبله مع أصله أو ألحق به) أي وجاز بيع الثمار ونحوها قبل بدو الصلاح، إذا بيع ذلك مع أصله وهو الشجر في الثمار، والأرض في الزرع، فيكون تبعا، ونهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها.
قلت: نهى المبتاع عن أن يغر بماله، والبائع عن أن يأخذ مال أخيه بغير عوض يقابله إذا هلكت الثمرة. كما قال ﷺ: «أرأيت إن منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه (^٢). إكمال الإكمال (^٣).
وكذلك إن ألحق الثمر بالأصل كما إذ اشترى الأصل ثم ألحق الثمرة إليه بالشراء فإن ذلك يجوز قبل بدو الصلاح على المشهور لأنه ملحق بالعقد على الأصل. واختلف في الملحقات بالعقد هل تعد واقعة في العقد أم لا.
قوله: (أو على قطعه إن نفع واضطر له ولم يتمالا عليه) أي ويجوز بيع الثمار على قطعه الآن بشروط ثلاثة وهي:
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٣٨٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٣٩) كتاب البيوع. (٩٣). باب بيع المخاضرة. الحديث: ٢٠٩٤. وأخرجه مسلم في صحيحه (٢٢) كتاب المساقاة (٣) باب وضع الجوائح. الحديث: ١٥. (١٥٥٥)
(٣) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٣٥٨.
[ ٢ / ٥٧٧ ]
أن ينفع ذلك وإلا فلا لإضاعة المال وقد نهى الشرع عنه.
الشرط الثاني: أن يكون البائع مضطرا إلى بيعه وإلا فلا يجوز.
الشرط الثالث: أن لا يكون البيع قبل البدو متما لأ عليه في البلد وإن تماما عليه في البلد فلا يجوز لأنه من الفساد والله لا يحب الفساد.
قوله: (لأ على التبقية) أي ولا يجوز بيع الثمار ونحوه على أن يبقيه في أصوله حتى يطيب لأن في ذلك غرر، ولأنها تتعرض للعاهات، فلا يؤثر بالقدرة على التسليم حال القطاف ببينة.
قوله: (أو الإطلاق) أي ولا يجوز شراء الثمر على الإطلاق وهو إن لم يذكر القطع الأن ولا التبقية وهو المشهور لأنه يحمل على التبقية وظاهر المدونة الجواز، وقال بعضهم هو أظهر لأنه يحمل على القطع فيجوز كاشتراطه.
قوله: (وبدوه في بعض حائط كاف في جنسه) أي وبدو الصلاح في بعض الحائط كاف في بيع جميعه كان له أو لغيره أي كان في جنسه، وأما إن كان غير جنس المبيع فلا يكفي عند بعض العلماء، والمذهب أن بدو صلاح بعض الحائط كاف في بيع جميعه، وإنما اختلف في غيره من حوائط البلد، وفيه ثلاثة أقوال، ثالثها المشهور: يكفي في بيع ما جاوره لا في بيع ما بعد عنه. انتهى من إكمال الإكمال (^١).
قوله: (إن لم تبكر) أي والبد وفي البعض كاف ان لم يعجل ذلك البعض بالبدو.
قوله: (لا بطن ثان بأول) أي فلا يباع بطن ثان يبدو صلاح البطن الأول كما إذا كان للشجر بطنان فالثاني ليس للمبتاع إلا أن يشترطه.
قوله: (وهو الزهو) أي وبدو الصلاح المذكور هو الزهو في الثمر (وظهور الحلاوة) في غير الثمر كالزبيب مثلا (والتهيؤ للنضج) في كالموز.
قوله: (وفي ذي النور: بانفتاحه، والبقول بإطعامها وهل هو في البطيخ الاصفرار؟) أي والزهو في ذي النور بانفتاح النور في كالورد والياسمين والزهو في البقول بإطعامها أي إذا كان له طعم وهل الزهو في البطيخ الإصفرار لأن المقصود (أو التهيئ للتبطيخ؟) وإن لم يصفر (قولان) من غير ترجيح.
قوله: (وللمشتري بطون: كياسمين، ومقثأة. ولا يجوز بكشمر) أي وللمشتري بطون ما
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٣٥٨.
[ ٢ / ٥٧٨ ]
ينقطع ولا يتميز وذلك كياسمين وكذلك للمشتري بطون مقثأة وهو ذات أزهار أي ولا يجوز شراء ما يطعم ذلك في شهر مثلا، لأنه يقل ويكثر.
قوله: (ووجب ضرب الأجل إن استمر) أي وجب ضرب الأجل إذا اشترى ثمر ما لا ينقطع ولا يتميز وذلك كالمون).
قوله: (ومضى بيع حب أفرك قبل يبسه) أي ومضى ان وقع ونزل بيع حب أفرك (بقبضه) وأما قبل القبض يفسخ وقيل يمضي بالعقد.
وفي إكمال الإكمال قال عياض: فرق ﷺ فأجاز بيع الثمار بأول الطيب، ولم يجزه في الزرع حتى يتم طيبه، لأن الثمار تؤكل غالبا من أول الطيب، والزرع لا يؤكل غالبا إلا بعد الطيب.
قلت: بدو صلاح الزرع أن يبيض (^١) فيه والصلاح دليل خلاصه من الآفة.
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٣٦١.
[ ٢ / ٥٧٩ ]
فصل في العرية
(ورخص لمعر أو قائم مقامه، وإن باشتراء الثمرة فقط، اشتراء ثمرة تيبس، كلوز) الرخصة ما شرع على وجه التخفيف والمسامحة أي ورخص لمعر أو قائم مقامه من وارث أو موهوب أو متصدق عليه، وإن كان القائم مقامه باشتراء ثمرة فقط اشتراء ثمرة من معر أي بشروط هي أن تكون الثمرة مما يبس كاللوزر وشبهه وأما الثمرة التي لا تيبس كالبسر الذي لا يتمر أو العنب الذي لا يتزبب لا يجوز لأنه خرج عن محل الرخصة.
قوله: (لا كموز) مثال لما لا ييبس، وكذلك الخضر والفواكه مثل التفاح والرمان والخوخ والبطيخ إنما يجوز بيع ذلك كله بعين أو عرض حين جواز بيعه.
قوله: (إن لفظ بالعرية وبدا صلاحها، وكان بخرصها ونوعها يوفي عند الجدان، وفي الذمة، وخمسة أوسق فأقل) أي شروع منه تحمله في الشروط المجيزة لاشتراء العرية، ومن شروط جواز اشتراء العرية للمعري أو قائم مقامه بخرصها إن لفظ حين أعراه بلفظ العرية لا بلفظ الهبة ولا بالنحلة.
ومن شروط جواز شراء العرية للمعري بدو صلاحها، ولكن هذا غير خاص بالعرية، بل هو شرط في شراء كل ثمرة ونحوها.
ومنها: أن يكون ذلك الشراء بخرصها بكسر الخاء فيها أي بتقديرها.
ومنها: أن يكون ذلك الكيل من نوع العرية إن صيحاني فصيحاني وإن عجوة فعجوة.
ومنها: أن يوفي ذلك عند الجذاذ وإن وفاه قبله هل يجبر على أخذه لأنه كالقراض أو لا يجبر لأنه كالبيع والدال في الجذاذ يهمل ويعجم ومنها أن يكون ذلك الخرص في الذمة.
ومنها: أن تكون العرية خمسة أوسق فأقل لا أكثر، وقيل: لا يجوز الأقل من خمسة أوسق لأن الراوي للحديث شك في الخمسة والشاك هنا أظهر من المشهور.
وفي إكمال الأكمال: قال عياض: العرية مستثناة من أصول أربعة: المزابنة، ومن ربا الفضل، ومن ربى النسا، ومن العود في الهبة. واختلف في القدعذر الذي رخص لأجله في شرائها؛ فقيل: هو دفع الضرر، لأن المعري يتضرر بدخول من أعريها عليه
[ ٢ / ٥٨٠ ]
في حائطه واطلاعه على أهله. وقيل: تتميما للمعروف، ليكفيه تلك المؤنة (^١).
وقيل: العقلة هما جميعا على البدل أي لكل واحد منهما هو قول مالك وابن القاسم.
وفي إكمال الإكمال قال عياض والتحديد بهذا القدر إنما هو إذ اشتريت بخرصها. وأما إذا اشتريت بالعين أو العرض فجائز لربها وغيره أن يشتريها وإن كانت أكثر من خمس (^٢)، فإن خرص العرية بخمسة أوسق فوجد أكثر منها، فإنه يرد الزائد وإن وجد أقل فلا يدفع إلا ما أخذ.
قوله: (ولا يجوز أخذ زائد عليه معه) أي ولا يجوز للمعري أو وقائم مقامه أخذ زائد على خمسة أو سق والزائد مع الخمسة بعين على الأصح) مقابله يجوز.
قوله: (إلا لمن أعرى عرايا في حوائط، فمن كل: خمسة إن كان بألفاظ لا بلفظ على الأرجح مستثنى من قوله: وخمسة أوسق أي فلا يجوز شراء عرية أكثر من خمسة أوسق، إلا لمن أعرى عرايا لناس شتى من حائط أو حوائط في بلد واحدا أو بلدان شتى وكل عرية خمسة أوسق أو أقل جاز له أن يشتري من كل واحد قدر الإعراء خمسة أو سق فأدنى وشرط ذلك أن يكون الإعراء بألفاظ أن يقول لهذا أعريتك ولهذا أعريتك لا يجوز ذلك إن كان الإعراء بلفظ واحد على ما رجحه ابن يونس.
قوله: (لدفع الضرر، أو للمعروف) أي إنما رخص للمعري أو قائم مقامه اشترى ثمرة العرية لأجل دفع الضرر عن نفسه أو لأجل المعروف أي وقصد أحدها كاف وما اشتراه لغير دفع الضرر أو للمعروف فلا يجوز كالتجر فيه وقد صرح اللخمي بمنعه وإن بالعين.
قوله: (فيشتري بعضها، ككل الحائط) أي فبسبب دفع الضرر أو المعررف يشتري المعري بضم العرية إذ لو كان الجواز لأجل دفع الضرر فقط لكان الشراء لم يجز لأن الضرر باق، وكذلك شراء كل الحائط المعري صرح بجوازه في المدونة، وإن لم يكن فيه دفع ضرر.
قوله: (وبيعه الأصل) أي ويجوز للمعري الثمرة أن يبيع الأصل بعد أن أعرا الثمرة لا يقال أن حق المعري تعلق بالأصل.
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٣٦٩ - ٣٧٠.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٣٧٤.
[ ٢ / ٥٨١ ]
قال المواق: وقوله: وبيعه الأصل نقض هنا كلام الله أعلم به. وقد تقدم نقل ابن يونس إذا باع المعري أصل حائطه وثمرته جاز له شراء العرية لأنه رفق بالمعري، وما كان خليل ليترك هذا الفرع لأنه قد نقل ما قاله ابن يونس هنا وما رجحه فقوله: وبيعه الأصل لا شك أنه يريد الفرع. انتهى من التاج والاكليل (^١).
قوله: (وجاز لك شراء أصل في حائطك بخرصه إن قصدت المعروف فقط) أي وجاز لك شراء ثمر أصل لغيرك في حائطك بخرصه إن قصد المعروف فقط وإلا فلا يجوز.
قوله: (وبطلت إن مات قبل الحوز، وهل هو حوز الأصول، أو أن يطلع ثمرها؟ تأويلان. وزكاتها وسقيها على المعري، وكملت) أي وبطلت العرية إن مات المعري قبل أن تحاز عنه كسائر الهبات، وهل الحوز المذكور هو حوز الأصل؟ وهو لأبي عمران، أو هو حوز الأصل، وأن يطلع الثمر فيه تأويلان. وزكاة العرية وسقيها على المعري، فإن نقصت العرية عن النصاب كملت في باقي حوائط المعري.
قوله: (بخلاف الواهب) أي فإنه لا سقي عليه.
فصل [في الجائحة]
الجائحة هي المصيبة المستهلكة.
قوله: (وتوضع جائحة الثمار كالموز والمقائي) نبه بالثمار على ما يدخر كالتمر والعنب ونبه بالموز على ما لا يدخر كالخوخ والرمان ونبه بالمقاثي على ماله بطون كالورد والياسمين والبطيخ.
قوله: كالموز تشبيه لإفادة الحكم.
قوله: (وإن بيعت على الجد) أي وتوضع جائحة الثمار وإن بيعت على الجذ الآن لأن الجذاذ قد يسبق بعضه بعضا.
قوله: (وإن من عريته) معطوف على الأغياء في قوله: وإن بيعت على الجذ أي وإن كانت الثمرة المشتراة من العرية.
قوله: (لا مهر) أي لا جائحة في تمر ونحوه دفعت في مهر لأن النكاح مبني
_________________
(١) التاج والإكليل: ج ٦، ص: ٤٥٨.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
على المكارمة لا على المكايسة، وينبغي أن تكون فيه الحاجة لأنه عوض عن العصمة ألا ترى أن بيعها لا يجوز قبل القبض في المهر.
قوله: (إن بلغت ثلث المكيلة) أي وشرط وضع الجائحة المذكورة أن يبلغ المجاح ثلث قدر المكيلة لا القيمة خلافا لقول أشهب أن ذلك إذا بلغ ثلث القيمة ولو كان القولان في المدونة الشرط ولو كان الثمر (من كصيحاني وبرني) أطلق الشيخ ولم يفرق بين أن يكون المجاح في ناحية وإن كانت في الحائط أصناف كالرمان والتين فأصابت الجائحة بعض تلك الأصناف فقال مالك: يعتبر كل صنف على حدته فإذا بلغت الجائحة ثلث الصفقة وضعت.
قوله: (وبقيت لينتهي طيبها، وأفردت، أو ألحق أصلها) أي والشرط الثاني في وضع الجائحة أن تبقى الثمرة لينتهي طيبها.
الشرط الثالث: أن تكون الثمرة أفردت بالشراء أو اشتريت ثم اشترى أصلها وألحق بها فالجائحة فيها.
قوله: (لا عكسه أو معه) أي فلا جائحة في عكس ذلك وهو أن يشتري الأصل ثم ألحقه بالثمرة وكذلك لا جائحة في الثمار إذا اشترى الأصل مع الثمرة.
قوله: (ونظر ما أصيب من البطون إلى ما بقي في زمنه) هذا إنما يتصور فيما له بطون كما إذا اشتراه فأجيح بعضه ينظر إلى ما أجيح من البطون على ما سلم في زمنه فإذا كان له ثلاث بطون.
البطن الأولى تساوي: ثلاثين.
والوسطى: عشرين.
والأخيرة: عشرة، فإن أجيح البطن الأول كله وضع عنه نصف الثمن، وإن أجيح الوسط وضع عنه ثلث الثمن، وإن اجيح الآخر وضع عنه سدس الثمن، وإن اختلفا في الجائحة فقال البائع: لم تجح.
وقال المشتري: أجيحت فالقول قول البائع لأن الأصل السلامة من الجائحة إلا أن تثبت الجائحة.
قوله: (لا يوم البيع) أي إنما ينظر في قيمة البطون زمنها لا يوم البيع.
قوله: (ولا يستعجل على الأصح) هذا مستغنى عنه بقوله: في زمنه، بل يقوم كل بطن في زمنه.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
قوله: (وفي المزهية التابعة للدار تأويلان. وهل هي ما لا يستطاع دفعه كسماوي وجيش أو وسارق خلاف) أي وفي إسقاط الجائحة في الثمرة التابعة للدار لأنها تبع للدار، وعدم إسقاطها لأنها مشترى تأويلان كما إذا اشترى دارا وفيها ثمر مزهية فاشترطها والمزهية التابعة للدار هي التي فيها الخلاف وأما غير التابعة فلا خلاف أن فيها الجائحة، وهل الجائحة المذكورة هي: ما لا يستطاع دفعه لو علم به، وذلك كأمر سماوي، كالجراد والريح والغرق والبرد والمطر والدود وعفن الثمر في الشجر أو جيش أو سارق إذا لم يعلم به وأما لو علمه، فإنه يتبعه بماسرق، فلا يلزم البائع، والخلاف في السارق إذا لم يعلم.
قوله: (وتعييبها كذلك) أي وتعييب الثمرة كالجائحة وقد تقدم حكمها وتعييب الثمرة يكون بالربح والغبار فينقص القيمة.
قوله: (وتوضع من العطش وإن قلت كالبقول والزعفران والريحان والقرط والقضب وورق التوت، ومغيب الأصل كالجزر) أي وتوضح الجائحة من الثمرة وإن قلت: إذا كانت الجائحة بسبب العطش كما توضع جائحة البقول، وإن قلت لأن الغالب أنها توجد بسبب العطش، وكذلك الزعفران والريحان والقرط بضم القاف وورق التوت ومغيب الأصل وذلك كالجزر عند المصريين وهو الإسفرائية عند الفاسيين وما أشبه ذلك من مغيب الأصل كاللفت والبصل والكرات.
قوله: (ولزم المشتري باقيها وإن قل) أي ولزم المشتري السالم من الجائحة وإن قل ما بقي من الثمن بعد ما وضع من الجائحة وإن قل ما بقي.
قوله: (وإن اشترى أجناسا فأجيح بعضها وضعت؛ إن بلغت قيمته ثلث الجميع وأجيح منه ثلث مكيلته) أي وإن اشترى اجناسا مختلفة في صفقة واحدة في حائط أو حوائط فأجيح بعضها وضعت الجائحة بشرط أن يبلغ ثلثا قيمة المجاح ثلث جميع ما اشترى، ويبلغ ما أجيح من الجنس ثلث مكيلته.
قوله: (وإن تناهت الثمرة: فلا جائحة كالقصب الحلو، ويابس الحب) أي وإن تناهت الثمرة في الطيب ثم بيعت فلا جائحة فيها لأنها بلغت غايتها كما لاجائحة في القصب الحلو إذ لاتباع الا بعد الأمن من الجائحة وكذلك يابس الحب لا جائحة فيه لأنه لا يباع إلا بعد أن يتناهى.
قوله: (وخير العامل في المساقاة بين سقي الجميع أو تركه: إن أجيح الثلث فأكثر) أي وإذا أجيح الثمر المساقى فيها الثلث فأكثر فإن العامل يخير بين سقي جميع الشجر
[ ٢ / ٥٨٤ ]
فيأخذ ما شرط له أو تركه فلا شيء له.
قوله: (ومستثنى من الثمرة تجاح بما يوضع: يضع عن مشتريه بقدره) أي ومن استثنى من الثمر قدر الثلث فأقل فتجاح هذه الثمرة قدر ما يوضع في الجائحة وهو الثلث فما فوق يوضع عن مشتريه في الثمن بقدر ما أجيح وتكون الجائحة منها، وهذا كله بناء على أن المستثنى مشترى وأما على أن المستثنى مبقى فليس للمشتري إلا ما بقى بعد المستثنى ويضع قدر ما أجيح عن المشتري من الثمن.
فصل في اختلاف المتبايعيين
ولفظ الحديث قال ﷺ: «إذا اختلف المتبايعان فالقول ما قال البائع أو يتردان» (^١) وغير هذا فهو ما تأوله العلماء عليه (إن اختلف المتبايعان في جنس الثمن) كما إذا قال المبتاع: إنما اشتريت منك جملا، وقال البائع: بل حمارا (أو) اختلفا في (نوعه) أي الثمن، فقال المبتاع اشتريت منك قمحا، وقال البائع: بل شعيرا (حلفا وفسخ) البيع وكذلك إن نكلا، وإن نكل احدهما صدق الآخر.
قوله: (ورد مع الفوات قيمتها يوم بيعها) أي وفسخ البيع فات أو لم يفت ويرد المبيع إن لم يفت بعينه وإن فات رد قيمتها والفوت يكون بنماء أو نقص أو حوالة سوق على المشهور وهو مذهب المدونة والمعتبر في القيمة يوم البيع لأنه بيع صحيح لا يوم الفوت ولا يوم القبض.
قوله: (وفي قدره: كمثمونه، أو قدر أجل، أو رهن، أو حميل) إلى آخره أي وإن اختلفا في قدر الثمن حلفا وفسخ.
قوله: (وفي قدره) أي وإن اختفا في القدر ولم يذكر الشيخ ما إذ ختلفا في وجود الأجل وذكره في "التهذيب" قال: ومن ابتاع سلعة بثمن ادعى أنه مؤجل، وقال البائع: بل حال، فإن ادعى المبتاع أجلا يقرب لا يتهم فيه صدق مع يمينه، وإلا صدق البائع، إلا أن يكون للسلعة أمد معروف تباع عليه، فالقول قول مدعيه منهما. انتهى (^٢).
الحاصل: المعتبر العرف وإن لم يكن عرف الأصل الحول، وهذا كله إذا فاتت
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير: الحديث: ١٠٢١٤، ج ٩، ص: ١٩. والدارقطني في سننه: (١٣). كتاب البيوع. الحديث: ٦٧.
(٢) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ٣، ص: ٦٠.
[ ٢ / ٥٨٥ ]
السلعة وأما إن لم تفت (حلفا وفسخ).
قال بعض العلماء: يجوز لك طلب اليمين الفاجرة وإن كان سعيا في منكر، لأنه لو لا ذلك لبطلت الأيمان وضاعت الحقوق، ولأنه لولا ذلك لما جاز للحاكم أن يأذن له في تحليف خصمه لاعترافه أن خصمه كاذب، فيكون هذا مستثنى، كما جعل الحلف على نية المستحلف، والقاعدة أن النية للابطين. انتهى من الذخيرة (^١).
ويحلف البائع أولا أنه ما باع إلا بكذا ويحلف المشتري أنه ما شترى إلا بكذا كما يحلفان إذ اختلفا في قدر المثمون فقال البائع: بعتك هذا الثوب بعشرة فقال: المبتاع بل هذان الثوبان بالعشرة أو اختلفا في قدر أجل فقال البائع: شهر. وقال المبتاع: شهران، أو اختلفا في وجود الرهن وعدمه أو اختلفا في قدر الرهن أو اختلفا في الحميل فقال البائع: بعتك بحميل فقال: المبتاع بل اشتريت منك بغير شرط حميل حلفا في هذه المسائل، وفسخ البيع، وسكت الشيخ حمدالله عن وجود الأجل وعدمه، فإن اختلفا في ذلك حملا على العرف وإن لم يكن عرف حلفا وفسخ إن لم يفت وإن فات فالقول قول البائع مع يمينه، لأن الأصل في البيوع المناجزة.
قوله: (إن حكم به ظاهرا وباطنا)، وقوله: إن حكم به قيد في الفسخين معا وقيل يفسخ البيع بتمام التحالف كاللعان.
وقوله: باطنا مشكل لأن الأحكام على الظواهر والله يتولى السرائر وحيث حكمنا بالفسخ فإن باعه البائع بأكثر من الثمن رد الزائد للمبتاع لأنه أقر له به، فإن كان باعه بأقل فاليتبعه به في الآخر.
قوله: (كتناكلهما) أي كما يفسخ البيع إذا نكلا وهو مذهب جريج القاضي وأدخله سحنون المدونة لموافقته المذهب وعليه بداية البائع باليمين ليس بواجب وقيل إذا نكلا صدق البائع.
قوله: (وصدق مشتر ادعى الأشبه) أي وصدق المشتري إن ادعى الأشبه في قدر الثمن أشبه قول البائع أملا لأنه غارم مدعى عليه وقاعدة الشرع ترجيحه إن لم يشبه الأقوال البائع فالقول قوله.
قوله: (وحلف إن فات أي وحلف المشتري إن فات المبيع على صدق دعواه
_________________
(١) الذخيرة للقرافي: ج ١١، ص: ٧٥.
[ ٢ / ٥٨٦ ]
وإن لم تفت فلا يصدق وإن ادعى الأشبه بل يفسخ.
قوله: (ومنه تجاهل الثمن) أي ومما يصدق فيه مدع الأشبه التجاهل بالثمن مثل أن يقول أحد المتبايعين لا أعلم ما وقع عليه البيع وقال الآخر بل وقع بكذا فيكون القول قوله إن أشبه.
قوله: (وإن من وارث) أي ولو كان التجاهل من الورثة لا فرق بين تجاهل المتبايعين وتجاهل الورثة.
قوله: (وبدأ البائع) أي وبدئ البائع باليمين حيث حكمنا بالتحالف لأن الأصل بقاء السلعة في ملكه وظاهره الوجوب، لأن الحاكم لا يحكم إلا في الواجب.
وروى في المستخرجة أن البداية على المشتري. وقال بعض المتأخرين: هما شيان فيقدم بالقرعة ونظر في المشهور إلى أن الملك في الأصل للبائع والمشتري يدعي عليه إخراجه له بغير ما يقول أنه رضي به، ونظر في الرواية الأخرى أن البائع مقر بالبيع ونقل الملك للمشتري ومدع في زيادة الثمن عليه وينكرها ولما تقابل هذان الوجهان عند المتأخر المشار إليه قال بالقرعة.
قوله: (وحلف على نفي دعوى خصمه مع تحقيق دعواه) أي وحيث حكمنا بتحالف المتبايعين حلف كل منها على نفي دعوى خصمه مع تحقيق دعوى نفسه يحلف البائع ما بعتها إلا بكذا ويحلف المبتاع ما اشتريتها إلا بكذا.
قوله: (وإن اختلفا في انتهاء الأجل) أي وإن اختلف المتبايعان في بلوغ الأجل فالقول لمنكر إنقضاء الأجل منهما طالبا أو مطلوبا.
قوله: (فالقول لمنكر التقضي، وفي قبض الثمن أو السلعة فالأصل بقاؤهما إلا لعرف كلحم أو بقل بان به ولو كثر) أي وإن اختلفا في القبض فقال المبتاع دفعت له الثمن وقال البائع لم أقبضه أو قال البائع دفعت إليك سلعة فقال المشتري لم أقبضها فالحكم أن الأصل بقاء الثمن على المبتاع حتى يثبت الانتقال منه بعادة أو بينة.
وكذلك الأصل بقاء السلعة عند البائع إلا بعادة أو بينة ومثل بما ينتقل عن يد من كان ذلك في يده بعادة بقوله كلحم وبقل ذهب به المبتاع ولو كان ثمنه كثيرا لأن العادة في اللحم والبقل لا يدفعه البائع إلا بعد قبض الثمن.
قوله: (وإلا فلا، إن ادعى دفعه بعد الأخذ) أي وإن لم يبين به المبتاع فلا يصدق في دفع الثمن إن ادعى دفعه بعد أن أخذ اللحم أو البقل.
[ ٢ / ٥٨٧ ]
قوله: (وإلا فهل يقبل) الدفع أي وإلا إن ادعى دفعه فيه قبل الأخذ فهل يقبل منه مطلقا وهو رواية ابن القاسم (أو) إنما يقبل (فيما هو الشأن) ألا يأخذ إلا بدفع الثمن لأن البائع له أن يحبس السلعة حتى يقبض الثمن وهو قول ابن القاسم في الموازية (أولا؟) يقبل مطلقا وهو ظاهر قول مالك نعمله في العتبية فيه ثلاثة (أقوال) فيما هو الشأن لأن البائع له أن يحبس السلعة حتى يقبض الثمن وهو قول ابن القاسم في الموازية ولا يقبل وهو ظاهر قول مالك في العتبية.
قوله: (وإشهاد المشتري بالثمن مقتض لقبض مثمنه، وحلف بائعه إن بادر أي وإن اشهد المشتري بالثمن في ذمته والإشهاد موجب لقبض مثمونه لأن العاقل لا يشهد على نفسه بالثمن في ذمته إلا بقبض البيع. انتهى.
وأما لو قال علي لفلان كذا من ثمن سلعة اشتريتها منه، فإن إقراره بذلك لا يقتضي القبض بالثمن، فافترق الإشهاد والإقرار، وفي الإشهاد البائع مدعى عليه فالقول قوله.
ابن حبيب عن مالك بلا يمين، وحلف المشتري البائع إن بادر بالإنكار فقال: ما قبضت الثمن وإن لم يبادر فلا يمين.
قوله: (كإشهاد البائع بقبضه) الثمن أي كما يحلف المشتري إذا أشهد البائع بقبض الثمن إن بادر البائع بالإنكار.
قوله: (وفي البت مدعيه كمدعي الصحة إن لم يغلب الفساد) أي وإن اختلفا في بت البيع والخيار فيه، فالقول لمدعي بته، لأن الأصل في البيوع البت لا الخيار، كما أن القول لمدعي الصحة أي صحة البيع، إن لم يغلب الفساد كهذا الزمان، وأما إن غلب الفساد، فالقول لمدعي الفساد، إلا أن تقوم بينة على الصحة، وقيل: لو قامت بينة بالحكم بالفساد، وإن كان مدعي الصحة منهما فإنه يحلف.
قوله: (وهل إلا أن يختلف بهما الثمن فكقدره؟ تردد) أي وهل يصدق مدعي الصحة مطلقا اختلف بالبيعين الثمن أم لا أو يصدق إلا أن يختلف به الثمن كما إذا قال أحدهما بعت بالنقد وقال الآخر حتى يقدم فلان وبيع الحاضر يخالف بيع الأجل فيكون كالمخالفة في قدر الثمن وقد تقدم وفي ذلك تردد الأشياخ في الفهم.
قوله: (والمسلم إليه مع فوات العين بالزمن الطويل، أو السلعة: كالمشتري) أي: وإذا اختلف من له السلم ومن عليه السلم في المسلم فيه بعد فوات رأس المال في حال
[ ٢ / ٥٨٨ ]
كونه ذهبا أو فضة بالزمن الطويل وأما إن لم يفت حلفا وفسخ وكذلك إذا كان رأس المال سلعة وفاتت ولو بحوالة سوق وإن لم يطل الزمان وهو كالمشتري بالنقد.
قوله: (فيقبل قوله إن ادعى مشبها، وإن ادعيا ما لا يشبه فسلم وسط) وهذا تفسير أي فالقول قول المسلم إليه إذا فات رأس المال ثم اختلفا في المسلم فيه كما أن القول للمشتري بالنفد إن ادعى مشبها وإن أشبه قول الذي له السلم لأن المسلم إليه غارم مدعى عليه وقاعدة الشرع ترجيحه وإن لم يشبه.
قوله: وأشبه قول الآخر فالقول قوله وإن زاد على ما يشبه، وإن ادعيا ما لا يشبه ردا إلى سلم وسط وهو في الموازية وليس في المدونة وهذا كله مع فوات رأس المال وإلا تحالفا وتفاسخا.
قوله: (وفي موضعه صدق مدعي موضع عقده) أي وإن اختلفا في موضع القبض صدق مدعي موضع العقد.
قوله: (وإلا فالبائع، وإن لم يشبه واحد تحالفا وفسخ) أي وإن لم يدع كل واحد منهما موضع العقد فالقول للبائع إن أشبه.
قوله: وإن لم يشبه فالقول قول الآخر إن أشبه وإن لم يشبه قول كل واحد منهما تحالفا وفسخ ويرجع برأس ماله.
قوله: (كفسخ ما يقبض بمصر، وجزا بالفسطاط، وقضي بسوقها، وإلا ففي أي مكان منها) أي كما يفسخ العقد إذا اشترط القبض بمصر لأن موضع القبض مجهول لصفته وجاز شرط القبض بالفسطاط لأنه معروف وقضي بالقبض منها في سوق تلك السلعة إن كانت لها سوق وإن لم يكن لها سوق ففي أي مكان في الفسطاط كاف والفسطاط بيت شعر لأن عمرو بن العاص له نزل في ذلك الموضع وضرب فيه فسطاطه وسمي الموضع لذلك. هنا انتهى الكلام على البيع في المعين وشرع في بيع المضمون وهو السلم.
[ ٢ / ٥٨٩ ]