قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل الجهاد وأحكامه.
الجهاد لغة: التعب والمشقة، ولم يعرفه الشيخ اصطلاحا، وعرفه ابن عرفة بأنه:
قتال مسلم كافرا غير ذي عهد لإعلاء كلمة الله تعالى، أو حضوره له، أو دخول أرضه له، فيخرج قتال الذمي المحارب على المشهور أنه غير نقض. انتهى.
الجهاد من أفضل الطاعات لعظم المبذول وهو النفس.
قوله: (الجهاد في أهم جهة كل سنة - وإن خاف محاربا، كزيارة الكعبة - فرض كفاية)، وفي كلامه خمس فوائد:
الأول: أن يكون في أهم جهات العدو مع خوف غيرها أقل.
الثاني: أن يكون الجهاد في كل سنة، وأن لا يسقطه خوف محارب إلا بين يديه، أو على جهة أخرى، لأن جهاد العدو أشد.
الثالث: أن زيارة الكعبة في كل سنة، وأن لا يسقطه خوف محارب.
الخامس: هو الحكم، وهو كونه فرض كفاية.
قوله: (ولومع وال جائر) أي والجهاد في أهم جهة فرض كفاية، ولو مع وال جائر، ارتكابا لأخف الضررين، وإليه رجع مالك.
ابن نافع: لا أحب لأحد أن يخرج معهم، فيكون لهم عونا على ما يريدون من طلب الدنيا، وهو مشهور أيضا، قاله الأقفهسي.
لو قال المصنف: وهل ولو مع وال جائر خلاف لكان أولى.
قوله: (على كل حر ذكر مكلف قادر)، هذا هو المخاطب بالجهاد كفاية هو حر لا عبد، ذكر لا أنثى، قادر لا عاجز عن الزاد، وعن آلة.
قوله: (كالقيام بعلوم الشرع والفتوى) أي كما أن القيام بعلوم الشرع - كالفقه وما يتعلق به من النحو واللغة وأصول الفقه فرض كفاية، وأما ما لا يسع الإنسان من الاعتقاد، وصفة طهارته وصلاته وزكاته إن كان ممن تجب عليه الزكاة ففرض عين، وكذلك القيام بالفتوى فرض كفاية.
الحاصل أن التعلم والتعليم فرض كفاية.
(و) كذلك (دفع الضرر عن المسلمين)، ومن في حكمهم كأهل الذمة من جوع وعطش وستر عورة.
[ ٢ / ١٤٨ ]
قوله: (والقضاء والشهادة، والإمامة) أي وكذلك القضاء بين المسلمين فرض كفاية، لما فيه من مصالح العباد، كفصل الخصومة، ودفع التهاجر، وإقامة الحدود، وكف الظالم، ونصرة المظلوم، وكذلك الشهادة بين الناس فرض كفاية، وكذلك الإمامة فرض كفاية، والقضاء والشهادة والإمامة داخل في قوله: ودفع الضر عن المسلمين أي ودفع الضر عن المسلمين.
قوله: (والأمر بالمعروف) أي وكذلك الأمر بالمعروف فرض كفاية، إذا توفرت فيه شروطه، ولم يذكر النهي عن المنكر، لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، ومن شروطهما علمه، لئلا يأمر بالمنكر، وينهى عن المعروف، ومنها أن لا يؤدي إنكاره لمنكر أعظم منه، كنهيه عن شرب خمر، فيؤول لقتل نفس، ومنها علمه تأثير ذلك ونفعه، وفقد الشرطين الأولين يمنع الجواز، والثالث يسقط الوجوب فقط، ويبقى الجواز والندب.
ابن ناجي: ويشترط ظهور المنكر من غير تجسس ولا استراق سمع ولا استنشاق ريح، ليتوصل بذلك لمنكر، ولا يبحث عما أخفى بيد أو ثوب أو حانوت أو دار، فإنه حرام وأقوى مراتبه اليد ثم اللسان برفق ولين ثم بقلبه وهو أضعف ثم لا يضره من ضل. انتهى.
قوله: (والحرف المهمة) أي وكذلك الحرف المهمة فرض كفاية كالخياطة والحياكة والبناء وغير ذلك مما لا يستقيم صلاح الناس إلا بها وأما الحرف غير المهمة فليست بواجبة بل قد يكون منها محرما، والحرف جمع حرفة أي صناعة.
قوله: (ورد السلام) فرض أي ورد السلام فرض كفاية فيسقط برد واحد من جماعة، ويتعين على الواحد في حق غير القارئ ومستمع الخطبة وقاضي الحاجة والملبي والمؤذن فلا رد عليهم وقيل: الرد فرض عين وفهم منه أن الابتداء ليس بفرض كفاية وهو كذلك بل سنة كفاية على المشهور.
قوله: (وتجهيز الميت) أي وكذلك تجهيز الميت من غسل وتكفين وصلاة وغيرها، فرض كفاية. وكذلك التمريض ويسقط بقيام البعض.
قوله: (وفك الأسير) أي وفك الأسير فرض كفاية ولو بجميع أموالهم لوجوب القتال عليه لخلاصه ولو بالتعرض لإتلاف النفس فالمال أولى.
قال عبد الملك: الذي أفداه أحق به ويلزم على قوله أن يفدي بهذا المال الذي خلفه فيبعث لافتدائه وإن كره غرماؤه، وهذا التغليب أحد الضررين لما يناله من
[ ٢ / ١٤٩ ]
العدو أو يخشى عليه أن يفتتن، فإن لم يوجد له شيء اتبع متى أيسر، والقياس أن يأخذ ما أفداه به من بيت المال، فإن لم يكن فمن جميع المسلمين. انتهى من اللخمي (^١).
ويكفي في سقوط فرض الكفاية ظن الفعل لا تيقنه. قاله القرافي (^٢).
قوله: (وتعين بفجيء العدو) أي وقد يتعين فرض الكفاية لعارض فمن ثم يتعين الجهاد بفجئ العدو على قوم بغتة (وإن على امرأة) وأحرى العبد.
غفل الشارح هنا تحمله فكم أجاد وأصلح
كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
قوله: (وعلى من بقربهم إن عجزوا) أي ويتعين على من بقربهم عونهم إن عجزوا عن الدفع عن أنفسهم إلا أن يخافوا على أنفسهم أو موضعهم إذا أعانوهم فيسقط عنهم عونهم ويحتمل عطفه على امرأة فيدخله المبالغة أي وإن على قربهم. انتهى.
قوله: (وبتعيين الإمام) أي ويتعين فرض الكفاية فيصير فرض عين بتعيين الإمام طائفه، ولا تجوز مخالفته مع ظن كفاية العدو، وظاهره كان من عينه قريبا من العدو أم لا، كان من أهل الجهاد أم لا كالعبد والمرأة، كان له مانع من منع أبويه أو رب دين أم لا، ويحتمل الكل وجعلها كلها احتمالات في قول ابن الحاجب، ويتعين على من عينه الإمام مطلقا.
وحكى بعضهم عن ابن فرحون أن جميع فروض الكفاية تتعين بتعيين الإمام، ولا يجوز الهرب إلا في القضاء إذا كان غير المعين يصلح. انتهى.
قوله: (وسقط بمرض، وصبا، وجنون، وعمى، وعرج، وأنوثة) إلى آخره أي وسقط وجوب الجهاد بسبب مرض وبسبب صبا وجنون لأنهما غير مكلفين وسقوطه عن الصبي مجاز لأنه لم يكن عليه فيسقط.
وكذلك يسقط بأنوثة لضعف بنيتها عن مكافحة الرجال وسقوطه عنها مجاز إذ لم يكن واجبا عليها.
وكذلك يسقط بالعمى والعرج قال تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج﴾ [الفتح: ١٧] والعمى الطارئ كالجنون والأصلي كالصبا.
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج ٣، ص: ١٤٥٥. بتصرف
(٢) أنوار البروق للقرافي: ج ١، ص: ٢١١، الفرق بين قاعدتي فرض الكفاية وفرض العين
[ ٢ / ١٥٠ ]
قوله: (وعجز عن محتاج له، ورق) أي ويسقط الجهاد بسبب عجز عن محتاج له، ورق، من سلاح ومركوب عند الحاجة له ونفقته ذهابا وإيابا بحسب حاله وكذلك يسقط بسبب رق لأن حق السيد فرض عين فيقدم على الكفاية إلا بإذن قياسا على الحج.
قوله: (ودين حل) أي وكذلك يسقط الجهاد بدين حل وقدر على قضائه إلا بإذن صاحبه فإن لم يحل جاز، وظاهره ولو حل في غيبته وهو كذلك، قاله في توضيحه، ويوكل في قضائه، والعاجز عن القضاء لا يحتاج لإذن ولكن لا يشعر به كلامه هنا وقاله في توضيحيه (^١).
قوله: (كوالدين في فرض كفاية) تشبيه لإفادة الحكم أي ويسقط فرض الكفاية بسبب منع الوالدين أو أحدهما، وخرج بالكفاية فرض العين فإنه لا يسقط بمنعهما.
قوله: (ببحر، أو خطر) صوابه كتجر ببحر أي كما للوالدين المنع من ركوب البحر لتجر أو سفر ببر في خطر.
قوله: (لا جد، والكافر كغيره في غيره) أي ليس للجد المنع في فرض الكفاية والوالد الكافر كغيره أي كالوالد المسلم له المنع في غير الجهاد وليس له منعه من الجهاد، لأن منع الأب من الجهاد مظنة التوهين.
سحنون: له المنع منه، إلا أن يعلم أن منعه للتوهين. انتهى.
قوله: (ودعوا للإسلام، ثم جزية) أي ودعو الكفار إلى الإسلام وجوبا، فيعرض عليهم قبل القتال جملة من غير تفصيل الشرائع، إلا أن يسألوا عنها فتبين لهم، فإن أسلموا وجب الكف عن قتالهم، ولم يذكر المصنف هل تكرر الدعوى أم لا؟.
الفاكهاني: أقلها ثلاثة أيام متوالية كالمرتد.
ابن عرفة: وفيها لعلي الله ثلاث مرات، فإن امتنعوا من الإسلام بالدعوة دعوا إلى الجزية إجماعا من غير توقيت ولا تحديد، إلا أن يسلموا فيبين لهم فإن أجابوا وجب الكف عنهم (^٢).
قال صاحب فتح الجليل وأتى المصنف بثم لينبه على مخالفة ظاهر قول ابن الحاجب: يدعوا إلى الإسلام أو الجزية فإن ظاهره التخيير (^٣).
_________________
(١) التوضيح: ج ٣، ص: ٤٠٥ بتصرف
(٢) فتح الحليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٤١
(٣) فتح الحليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٤١
[ ٢ / ١٥١ ]
قوله: (بمحل يؤمن) أي هذا شرط الدعوة إلى الإسلام أو الجزية إن أبوا الإسلام أن يكونوا في محل يؤمن بحيث لا يخاف عونهم على المسلمين، وظاهره سواء بلغتهم الدعوة أم لا؟ قربت دارهم أم بعدت؟ شك في إجابتهم أم لا؟ وهو كذلك. انتهى.
قال اللخمي: تجب لمن لم تبلغه اتفاقا، وأما من بلغته فأربعة أوجه واجبة إن غلب على ظنه إجابتهم ولا طاقة لهم بنا، ومستحبة إذا شك في إجابتهم، ومباحة إن علم عدم إجابتهم، ومحرمة إن قل المسلمون وخشي بالدعوة على المسلمين. انتهى (^١).
قال الفاكهاني: ولا تقبل منهم الجزية إلا أن ينتقلوا لبلد تنالهم فيه أيدينا وتجري عليهم أحكامنا. انتهى (^٢).
قوله: (وإلا قوتلوا، وقتلوا إلا المرأة؛ إلا في مقاتلتها، والصبي والمعتوه) أي وإن لم يجيبوا إلى الإسلام ولا إلى الجزية قوتلوا وقتلوا إلا ما استثني، فلا تقتل المرأة إلا في حال مقاتلتها فتقتل خوف أن تقتل هي أحدا من المسلمين. وكذلك الصبي لا يقتل وإن أطاق القتال إلا في مقاتلته فيقتل، وهل قتاله بالحجر كالسيف والرمح أم لا؟ قولان، وإن لم يطق لطفولته فليس قتاله قتالا، قاله ابن سحنون. انتهى.
وكذلك لا يقتل المعتوه وهو ضعيف العقل. وكذلك المجنون والمختبل العقل إلا في مقاتلتهم فيقتلون.
قوله: (كشيخ فان، وزمن، وأعمى، وراهب منعزل بدير أو صومعة بلا رأي تشبيه لإفادة الحكم أي كما لا يقتل شيخ فان لا بقية فيه، وكذلك لا يقتل زمن.
الزمانة هو المرض الدائم وكذلك الأعمى لا يقتل وهو عطف خاص على عام لقول سحنون من الزمنا الأعمى والمقعد والأشل.
قوله: بلا رأي قيد فيما بعد الكاف، وأما إذا كان للشيخ أو زمن أو أعمى أو راهب منعزل رأي فإنهم يقتلون ويفهم من استثنائه لمن ذكر جواز قتل العسيف وهو الأجير والزراع والحراث والفلاح وأهل الصنائع وهو كذلك.
وقيل: لا يقتلون بل يؤسرون. قاله اللخمي انتهى من فتح الجليل (^٣).
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج ٣، ص: ١٣٤٣ - ١٣٤٤.
(٢) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٤١
(٣) فتح الجليل للتتائي: ج ١، اللوحة: ٢١٥ مخطوط أصله في تشيت.
[ ٢ / ١٥٢ ]
وقوله: منعزل بدير أو صومعة مفهومه أن رهبان الكنائس يقتلون ويسبون وهو كذلك وترك قتل المنعزل منهم لا لدينه ولا لتبتله بل هم أبعد عن الله من غيرهم لشدتهم في كفرهم وإنما هو لاعتزالهم أهل دينهم عن محاربة المؤمنين.
قوله: (وترك لهم الكفاية فقط) أي وترك لمن لا يقتل ولا يؤسر ما يكفيهم من أموالهم فقط للأكل.
مالك: مثل البقرتين والغنيمات وما يكفيه ويقوم بمعاشه. انتهى.
والدير بفتح الدال وسكون الياء وهو في كلام العرب زاوية بمعنى قرية صغيرة أنفرد بها الراهب ومن تعلق به.
قوله: (واستغفر قاتلهم، كمن لم تبلغه دعوة، وإن حيزوا فقيمتهم) أي وإن قتل من لا يقتل فليستغفر الله الغفور لأنه عاص بقتلهم كما يستغفر قاتل من لم تبلغه دعوة ولكن لا كفارة عليه.
ابن محرز: كمن قتل مرتدا قبل استتابته وظاهره ولو كان متمسكا بكتابه وآمن بنبيه ونبينا محمد ﷺ وجهل ببعثته، وهذا كله إن قتله بدار الحرب قبل الحوز في الغنيمة، وأما إن قتلهم بعد الحوز في الغنيمة، فعليه قيمتهم، يجعلها الإمام في المغنم.
قوله: (والراهب والراهبة حران) أي لا يؤسران ولا يسترقان، وهذا قول مالك، وخالف سحنون في الراهبة فقال: تسترق. انتهى.
وظاهر كلام المصنف ولو وجد في المنهزمين، وادعى أنه هرب خوفا وهو كذلك يصدق ولا يؤسر، وظاهره ولو ترهب ببلد الإسلام وذهب لبلاد الحرب وهو كذلك.
ويستصحب ذلك الحكم حتى يثبت خلافه. انتهى.
ابن عرفة: إذا وجد الملح قد طين على نفسه في تفتح في صومعته وله كوة ينظر منها فهو راهب لا يتعرض له.
قوله: (بقطع ماء) لو أسقط الشيخ لفظ قطع لكان أشمل لقطع الماء وإرساله عليهم ويقول الماء أي ويقاتل الكفار بقطع الماء عنهم وإرساله عليهم ليغرقوا.
قوله: (وآلة) أي وكذلك يقاتلون بآلة القتال كالسيف والرمح والنبل وغير ذلك من آلات الحرب، ظاهره ولو كان فيهم النساء والصبيان وهو كذلك ولو خيف
[ ٢ / ١٥٣ ]
على الذرية.
قوله: (وبنار؛ إن لم يمكن غيرها) ولم يكن فيهم مسلم أي ويقاتلون بنار إن لم يمكن غيرها (ولم يكن فيهم مسلم) وخيف منهم، وأما إن أمكن قتالهم بغيرها، أو كان فيهم مسلم فلا يقاتلون بها، وإن كنا نحن معهم في سفن والاغياء في (وإن بسفن) راجع للمفهوم، وبهذا يندفع اعتراض الشارح على المبالغة مع حكاية ابن رشد وابن زرقون جواز رميهم بها في السفن ونحن أيضا في السفن، وإن كان معهم النساء والصبيان لأنهم إن لم يرموا بها رمونا. أنتهى.
وللبساطي كلام هنا.
قوله: (وبالحصن) أي وقوتلوا في الحصن (بغير تحريق) بالنار (وتفريق) بالماء بل بما عداهما من قطع الماء عنهم، وسائر أنواع السلاح حال كونهم (مع ذرية) والفرق عمومها من بالحصن دون غيرها.
قوله: (وإن تترسوا بذرية تركوا) أي وإن تترس الكفار بذرية لهم أو نساء خوفا من الرمي بأن جعلوهم كالترس الذي يلقي به عن نفسه تركوا ولم يرموا لأجل حق الغانمين (إلا لخوف) على المسلمين من تركهم فيرموا حينئذ وإن تترسوا بهم.
قوله: (وبمسلم) أي وإن تترسوا بمسلم (لم يقصد الترس) الذي هو المسلم بالرمي (إن لم يخف على أكثر المسلمين) فإن خيف وجب الدفع وسقطت مراعات الترس. انتهى.
ولا يقتل المسلم أباه الكافر إلا أن يضطره إلى ذلك بأن يخاف على نفسه. قاله في الجواهر (^١).
قوله: (وحرم نبل سم) أي وحرم قتال الكفار بنبل فيه سم إن لم يكن عندهم مثله لخوف رده علينا ولأنه لم يكن فيما مضى من السلف، ولكن المنقول عن مالك الكراهة، وحملت على المنع.
قال ابن أبي زيد كره سحنون جعل سم في قلال خمر ليشربها العدو. انتهى (^٢).
_________________
(١) الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ١، ص: ٣١٨
(٢) النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات لأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن أبي زيد القيرواني. تحقيق د. محمد حجي المجلد الثالث، ص: ٦٩ الطبعة الأولى: ١٩٩٩ م، دار الغرب الإسلامي.
[ ٢ / ١٥٤ ]
(و) كذلك حرم (استعانة بمشرك) في قتال، ولو كانوا بناحية على المشهور، لقوله تعالى: ﴿ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا﴾ [النساء: ٨٩] والاستعانة: طلب الإعانة. مفهومه إن لم يطلب منهم الإعانة بل خرجوا بلا طلب منهم تركوا ولم يمنعوا وهو ظاهر كلام غيره، وهو ظاهر سماع سحنون، وقال أصبغ: يمنع أشد المنع، وأجاز ابن حبيب أن يستعان بهم، إذا كانوا ناحية. قاله اللخمي (^١).
ابن حبيب: تجوز استعانتهم في هدم حصن أو رمي منجنيق. انتهى (^٢).
قوله: (إلا لخدمة) أي وحرم استعانة بمشرك إلا لخدمة يستعمل فيها كهدم حصن.
قوله: (وإرسال مصحف لهم، وسفر به لأرضهم) أي وحرم إرسال مصحف إلى الكفار وسفر به إليهم لنهيه ﵇ عن ذلك، وذلك مخافة أن يناله العدو.
ابن حبيب لما يخشى من استهزائهم به وتصغير ما عظم الله منه انتهى من اللخمي (^٣).
مالك: ولا يعلمون القرآن ولا الكتاب (^٤).
قوله: (كامرأة) تشبيه لإفادة الحكم أي كما لا يجوز السفر بامرأة إلى أرض العدو (إلا في جيش آمن)، وهذا القيد راجع إلى ما بعد الكاف على قاعدته الأكثرية، فإذا كان الجيش آمنا يجوز السفر بالمرأة فيه، الفرق بينها وبين المصحف أنها تنبه على نفسها إن تركت، والمصحف لا ينبه إن سقط أو نسي.
قوله: (وفرار؛ إن بلغ المسلمون النصف ولم يبلغوا اثني عشر ألفا) أي وحرم فرار المسلم من الكفار، إن بلغ المسلمون النصف منهم كمائة من مائتين ولو فر الإمام، إذ فرار الإمام لا يبيح فرار الرعية، وذلك إن لم يخافوا الزيادة، وأما إن خافوها فالفرار لهم جائز، لأنهم لم يفروا للمثلين وإنما فروا بما زاد. انتهى.
وحرمة فرار المسلمين إذا بلغ عددهم نصف العدو مقيد بما إذا لم يبلغوا اثني عشر ألفا، فإن بلغوها حرم عليهم الفرار، ولو كان دون النصف، ومفهوم قوله: إن
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج ٣، ص: ١٤٣٧.
(٢) تبصرة اللخمي: ج ٣، ص: ١٤٣٧.
(٣) تبصرة اللخمي: ج ٣، ص: ١٣٤٩.
(٤) تبصرة اللخمي: ج ٣، ص: ١٣٤٩.
[ ٢ / ١٥٥ ]
بلغ المسلمون النصف لأنهم لو نقصوا عنه جاز الفرار، وأن المعتبر العدد لا القوة والجلد وهو قول ابن القاسم والجمهور، وقال عبد الملك: المعتبر الجلد والقوة.
قوله: (إلا تحرفا وتحيزا إن خيف) أي فيجوز التحرف وهو الذي يظهر من نفسه الانهزام وليس قصده ذلك ليتبعه العدو ويرجع عليه وهو من مكايد الحرب.
التحيز: هو الذي يرجع إلى أمير الجيش أو جماعة بشرط القرب وأما إن بعد فلا يجوز لأنه فرار، وإنما يفعل التحرف والتحيز إن خيف بتركهما وأما إن لم يخف بتركهما فلا يجوز أنتهى.
وظاهر كلام المصنف كان في الصف أو لا.
قوله: (والمثلة. وحمل رأس لبلد أو وال) أي وحرمت المثلة في العدو بعد الظفر به ولا يعبث به، ولا يقطع وسطه بالسيف إلا أن يمثلوا بنا فيفعل بهم مثل ما فعلوه، وأما قبل الظفر به فيقتل أي قتل أمكن. وكذلك حرم حمل رأس منهم إلى بلد ليعلق به ولا إلى وال، لأنه من فعل فارس والروم.
قوله: (وخيانة أسير ائتمن طائعا) أي وحرم خيانة أسير أتمنوه طائعا (ولو أتمنوه على نفسه) لعموم خبر: «أدي الأمانة إلى من ائتمنك» (^١) وأشار ب «لو» إلى خلاف المخزومي (^٢)، وابن الماجشون في أن له أن يهرب ويأخذ أموالهم ويقتلهم وإن ائتمنوه وإن أحلفوه فلا حنث عليه، لأن أصل يمينه الإكراه (^٣)، ومفهوم كلام المصنف أنه إذا لم يؤتمن أو ائتمن مكرها جازت خيانته، وبه صرح في توضيحه.
قوله: (والغلول. وأدب إن ظهر عليه) الغلول: خيانة في المغنم قال تعالى: ﴿ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة﴾ [آل عمران: ١٦١] وقال ﷺ: «لا تغلوا فإن الغلول نار وعار وشنار» (^٤)، والشنار: العيب وحرم الغلول إجماعا.
قال عياض: لا خلاف أنه من الكبائر. انتهى (^٥).
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه الحديث: ١٢٦٤ وأبو داود في سننه: الحديث: ٣٥٣٧
(٢) المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي: الإمام الفقيه أحد من دارت عليه الفتوى بالمدينة بعد مالك سمع أباه وهشام ومالكا وعنه أخذ جماعة خرج له البخاري، ولد سنة: ١٣٤ هـ ومات سنة: ١٨٨ هـ. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٨٤، الترجمة: ٥٠.
(٣) التاج والإكليل للمواق:
(٤) أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (أبو بكر عن أبي سلام الأسود) الحديث: ١٥٠٢
(٥) إكمال الإكمال للأبي: (٣٣) - كتاب الإمارة (٦) - باب غلظ تحريم الغلول: ج ٦، ص: ٥١٨.
[ ٢ / ١٥٦ ]
ويؤدب الغال إن ظهر عليه قبل التوبة، وإن جاء تائبا يسقط عنه الأدب، ولكن يرد ما غل إن أمكن، وإلا تصدق به، وحيث أدب ولا يحرق رحله، ولا يمنع سهمه، ويصلي عليه إن مات غير الإمام.
قوله: (وجاز أخذ محتاج نعلا، وحزاما، وإبرة، وطعاما وإن نعما، وعلفا) لما فرغ من الغلول شرع يبين ما ليس بغلول، فقال: وجاز أي لمجاهد أخذ محتاج إليه من المغنم نعلا وحزاما وإبرة وطعاما وإن بعد حوزه بغير إذن الإمام ظاهرا وخفية وإن كان المحتاج إليه نعما إبلا أو بقرا أو غنما بغير ذكاة للأضحية أو غيرها، وظاهر كلامه أن مطلق الحاجة كاف، لا يتوقف على الضرورة المبيحة للميتة وهو ظاهر كلام الباجي، وأتى بالمبالغة من قوله: وإن نعما ليبين أنه لا فرق في المأكول بين مالا يحتاج في أكله لواسطة كالعسل والزبيب ونحو ذلك وما يحتاج لواسطعة كالنعم وكذلك يجوز له أخذ العلف لدوابه.
قوله: (كثوب وسلاح ودابة) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يجوز له أخذ ثوب وشبهه كغرارة يحمل فيها متاعه أو سلاح أو دابة ليرد ذلك عند الاستغناء عنه ولو كانت حاجته لكل من ذلك لبلده قاله ابن يونس، لأنه لا يجوز له أخذه بنية التملك بخلاف ما قبله لأن الانتفاع بهذه من بقاء عينها وتلك ذهابها.
وقوله: (ليرد) راجع إلى ما بعد الكاف على قاعدته الأكثرية.
قوله: (ورد الفضل إن كثر) أي وإن استغنى عن ما أخذ من طعام ونحوه فإنه يرد الفضل إن كان كثيرا وإن كان يسيرا فليس عليه رده.
واليسير عند مالك كالدانق وعند ابن القاسم: ما لا ثمن له أو ثمنه كالدرهم، (فإن تعذر) رد ما عليه رده من ذلك من فضل الطعام والعلف والثوب ونحوه والسلاح والدابة لأجل تفرق الجيش (تصدق به) أو جعله في سبيل الخير.
وكذلك كل مال جهل أربابه يصرف في مصالح المسلمين الأولى فالأولى.
قاعدة: الأموال المحرمة من المغصوب وغيرها إذا علم أربابها ردت إليهم وإلا فهي من أموال بيت المال، تصرف في مصارفه الأولى فالأولى من الأبواب والأشخاص على ما يقتضيه نظر الصارف من الإمام أو نوابه، أو من حصل ذلك عنده من المسلمين فلا تتعين الصدقة فقد يكون الغزو أولى في وقت أو بناء جامع أو قنطرة فتحرم الصدقة لتعيين غيرها من المصالح وإنما يذكر الأصحاب الصدقة
[ ٢ / ١٥٧ ]
في فتاويهم في هذه الأمور لأنها الغائب وإلا فالأمر كما ذكرته لك. انتهى من الأخيرة (^١).
قوله: (ومضت المبادلة بينهم) أي فإن تبادلوا أي المجاهدين فيما بأيديهم كما إذا أخذ هذا لحما وهذا عسلا فمنع أحدهم صاحبه حتى يبادله مضت المبادلة بينهم وهو المدافعة وإن لم تكن شرعية، ولذلك جاز فيه التفاضل، ولا عبرة بصورة الربا.
قاله اللخمي.
قال سحنون لأن كل واحد منهما إنما يعطي ما استغنى عنه، فللآخر أن يأخذه بغير عوض. انتهى من اللخمي (^٢).
وفي قول المصنف مضت إشعار بعدم الجواز ابتداء وهو كذلك، ويشعر قوله: بينهم بعدم الجواز مع غيرهم وهو كذلك، وأشعر أيضا بأنه لو باعه بنقد لغير غاز لم يكن الحكم كذلك، وهو كما أشعر لنصه في التهذيب على أنه ير- يرجع مغنما ويخمس اللهم إلا أن يشترى به سلاحا أو كسوة ولا شيء عنده فلا بأس به كما لو أخذه من الغنم. انتهى فتح الجليل (^٣).
قوله: (وببلدهم إقامة الحد) أي وجاز إقامة الحد في بلد العدو، سواء كان الحد لحق الله أو لآدمي كحد الزنا وشرب الخمر أو سرقة أو قذف ولو على من أسلم ولا يراعى خوف ارتداده لإقامة الحد عليه.
قوله: (وتخريب وقطع نخل وحرق: إن أنكى، أو لم ترج، والظاهر أنه مندوب) أي وجاز تخرب قرى الكفار وحصونهم، وكذلك يجوز قطع نخلهم وغيره من الأشجار وحرقها وحرق الزرع إن أنكى ذلك العدو، وسواء رجي للمسلمين أو لم يرج أو كانت لم ترج للمسلمين، وإن لم ينك، لما فيه من التضييق عليهم، والظاهر أن التخريب والقطع والحرق مندوب إليه عند ابن رشد إن لم يرج لنكايتهم.
قوله: (كعكسه) أي كما يندب عدم القطع والحرق والتخريب إذا رجيت ولم ينكأ فالإبقاء مندوب.
قوله: (ووطء أسير زوجة، أو أمة سلمتا) أي وجاز لأسير وطئ زوجته وأمته سبيا
_________________
(١) الذخيرة للقرافي: ج ٦، ص: ٢٨.
(٢) تبصرة اللخمي: ج ٣، ص: ١٤٣٣.
(٣) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٤٣
[ ٢ / ١٥٨ ]
معه وسلمتا من وطئ الكافر، لأن السبي لا يهدم النكاح ولا يبطل الملك، فقال المصنف: سلمتا ولم يقل سلما مراعاة للشخص أي سلم الشخصان وفي بعض النسخ سبيتا والأول أصح.
قوله: (وذبح حيوان، وعرقبته وأجهز عليه) أي وجاز ذبح حيوان وعرقبته وجاز ذبح حيوان عجز عن الانتفاع به ويجوز عرقبته إن استعصى أي قطع عرقوبه ويجهز عليه بعد التعرقب لئلا يموت جوعا وعطشا ولا يترك المعجوز عنه حيا لما في بقائه من تقوية العدو. انتهى.
وأما مراكب العدو فيجوز إتلافها بكل وجه أمكن اتفاقا توصلا لقتل راكبها.
انتهى. فتح الجليل (^١).
قوله: (وفي النحل إن كثرت ولم يقصد عسلها) أي وفي جواز إتلاف النحل بلا كراهة إن كثرت وأما إن قلت فلا يجوز ولم يقصد عسلها وأما إن قصد فيجوز بلا خلاف وكراهة إتلافه فيه (روايتان) في الكراهة والجواز بلا كراهة والخلاف فيما إذا كثرت ولم يقصد عسلها.
قوله: (وحرق إن أكلوا الميتة) أي وحرق الحيوان بعد إتلافه إن أكل الميتة استحلالا كي لا ينتفعوا به.
قوله: (كمتاع عجز عن حمله) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يجوز حرق متاع عجز عن حمله سواء لنا أولهم، فيتلف كي لا ينتفعوا به. انتهى.
ابن عرفة وغيره: ما ترك إتلافه مما ينبغي إتلافه إن كان غنيمة فلمن حمله، ابن رشد اتفاقا، قال: وإن كان ملك بشراء أو قسم وحمل من أرض الحرب ففي كونه كذلك أو لربه وعليه أجرة مؤنته إن شاء قولان ابن حبيب وأصبغ مع سحنون: وإن حمل من أرض الإسلام فللثاني اتفاقا، إلا في الشيخ والعجوز.
قال ابن حبيب: تركهما عتق. انتهى فتح الجليل (^٢).
قوله: (وجعل الديوان) أي وجاز جعل الديوان بفتح الجيم بأن يجعل الإمام ديوانا لطائفة يجمعها.
ابن عرفة: الديوان اسم لرسم جميع أنواع المعدين لقتال العدو وبعطاء. أول من
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٤٣
(٢) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٤٣
[ ٢ / ١٥٩ ]
دون الدواوين عمر بن الخطاب ﵁.
قوله: (وجعل) بضم الجيم أي وجاز جعل (من قاعد) يدفعه لمن يخرج عنه) للغزو (إن كانا بديوان) واحد، وظاهر كلام المصنف سواء كان الجعل هو عطاء من يخرج عنه من الديوان أو قدر معين فخيره غيره وظاهره سواء أذن الإمام أم لا وهو ظاهر المدونة.
اللخمي وابن محرز: لا يجوز إلا بإذنه أو إذن الأمير وظاهره أيضا عين الإمام الجاعل باسمه أوصفته أو لا وهو ظاهر المدونة أيضا. انتهى فتح الجليل (^١).
قال شيخنا محمود بن عمر - حفظه الله تعالى ورعاه -: إنما يجوز الجعل لمن يخرج عنه إذا لم يعنيه الإمام، وأما إن عينه فلا يجوز لتعينه وقد تقدم وبتعيين الإمام أي ويجب بتعيين الإمام. انتهى.
وقال أيضا صاحب فتح الجليل: قال التونسي لو عين الإمام من يخرج باسمه أو صفته لم يجز له أن يجعل لمن يخرج عنه إلا بإذنه، لأن الإمام يثق بخروج من سماه، فقد يأتي هو بمن دونه، وينبغي إن أتاه بمن يقوم مقامه أن يقبله.
وما قاله التونسي هو الموافق لقول المصنف أول الباب: وبتعيين الإمام. انتهى (^٢).
وسكت المصنف عن السهم لمن هو.
الصقلي: سهم الخارج بجعالة من ديوان واحد للجاعل لا للخارج، به أفتى شيوخنا عن بعض القرويين ابن عرفة: الأظهر بينهما. انتهى (^٣) ..
ومفهوم الشرط من قوله: إن كان بديوان أنهما إن كانا بديوانين لا يجوز، وفيها قال مالك: ولا يعجبني أن يجعل لمن ليس معهم في ديوان (^٤) وعلله في الأم بأنه إجازة لا تجوز وربما يكون العطاء وربما لا يكون مقدار معين. انتهى.
ويستحب أن يجعله خالصا لله تعالى لطلب ثوابه لا لغرض الدنيا.
قوله: (ورفع صوت مرابط بالتكبير) أي وجاز رفع صوت مرابط بالتكبير إرهابا
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٤٣
(٢) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٤٣
(٣) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٤٤
(٤) التوضيح: ج ٣، ص: ٤١١.
[ ٢ / ١٦٠ ]
للعدو ولا يرفع الصوت بالذكر إلا في ثلاث مواضع في هذا والتكبير في الخروج للعيدين والتلبية والسر في غير هذه المواضع أولى، (وكره التطريب) في هذا الذكر وفي الأذان التطريب التغني.
قوله: (وقتل عين وإن أمن) أي وجاز قتل عين وهو الجاسوس على المسلمين وإن أعطي له الأمان بأن دخل إلينا بأمان إلا أن يسلم فلا يقتل، (والمسلم) الجاسوس على المسلمين للكفار يقتل ولا تقبل توبته (كالزنديق) عند ابن القاسم وسحنون.
ابن رشد: هو الصحيح.
قوله: (وقبول الإمام هديتهم، وهي له إن كانت من بعض لكقرابة) أي وجاز قبول الإمام هدية الكفار الحربيين، وتكون له خاصة إن كانت من بعض الرعية، لأجل قرابة بينه وبينه ونحو ذلك، كما إذا أراد المهدي مكافأة أو ما دل على أنه لخاصته.
قوله: (وفيء إن كانت من الطاغية، إن لم يدخل بلده) أي وإن كانت الهدية من الطاغية هو سلطان الكفار فهي فيء فلا تخمس، وهذا إن لم يدخل الإمام بجيشه بلد العدو.
واختلف الشارحان هنا في معنى مفهوم الشرط، فحمله الشارح على أنه إن دخل بلد الطاغية فالهدية غنيمة تخمس. وقال البساطي: لا يجوز له الأخذ لأنه توهين ورشوة.
قوله: (وقتال روم وترك) أي وجاز قتال روم وترك.
الروم من ولد الروم بن عيصو لأنهم أمة عاتية لأن الأهم فالأهم ولا خصوصية على غيرهم وفي المدونة عن مالك: لا يقتل القبط. انتهى.
وأما نحو القبطة والحبشة من الضعفاء، فيقاتلون في بعض الوجوه إذا أبو أن يجيبوا للإسلام، لأنهم لسفالتهم يميلون للرضا بالذل والصغار وبما قررناه يندفع قول الشارح، مفهومه أن قتال غيرهم من الحبشة والقبط لا يجوز، والمشهور جوازه.
انتهى فتح الجليل (^١).
قوله: (واحتجاج عليهم بقرآن، وبعث كتاب فيه كالآية) أي وجاز احتجاج على الكفار بالقرآن إذا أمن أن يسبوه لقوله تعالى: ﴿قل يتأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ [آل عمران ٦٤] الآية، وكذلك يجوز بعث كتاب فيه، آية وآيتين.
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٤٤
[ ٢ / ١٦١ ]
قوله: (وإقدام الرجل على كثير، إن لم يكن ليظهر شجاعة على الأظهر) أي وجاز إقدام رجل واحد على جمع كثير من الكفار إن لم يكن إقدامه ليظهر به شجاعته بل تقربا إلى الله تعالى، وإن علم أنه يقتل إذا كان يحصل بذلك النكاية في العدو جاز له ذلك على الأظهر عند ابن رشد ومقابله يكره.
قوله: (وانتقال من موت لآخر أي وجاز انتقال من سبب موت إلى سبب آخر عند استوائهما كحرق العدو سفينة المسلمين إن استمر بها هلك وإن طرح نفسه في البحر هلك وزاد في المدونة وإن صبر فهو أكرم. ابن القاسم: لا ينتقل اختاره ابن المواز.
قوله: (ووجب إن رجا حياة) أي ووجب الانتقال إن رجا حياة مستمرة (أو طولها)، لأن حفظ الحياة واجب ما أمكن، وظاهره ولو كان طول الحياة مع موت أشد وأصعب من الموت العجل.
قوله: (كالنظر في الأسرى - بقتل أو من، أو فداء، أو جزية، أو استرقاق) أي كما يجب النظر بالاجتهاد في حال الأسرى في أحد هذه الخمسة بحسب المصلحة، لا أنه يفعل أيهما شاء بهواه.
ولا يجوز اتباع الهوى في شيء من ذلك، ولا اتباع المصالح وترك الأصلح. انتهى من ابن فرحون (^١).
والأشياء الخمسة: القتل، والمن بأن يتركوا بلا قتل، والفداء بمال أو أسير عندهم، أو ضرب جزية عليهم، أو استرقاق، فإذا ضرب عليه الجزية لم يجز استرقاقه بعد، ويجوز أن يفادي به برضاه، وإذا استرقه جاز ضرب الجزية عليه والمن والفداء. انتهى.
وظاهر كلام المصنف جواز استرقاق جميع كفار العرب وهو المشهور، ولابن وهب سبع قبائل لا يجوز استرقاقهم: قريش والأنصار ومزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار.
قال القرافي في كتاب أنوار البروق في أنواء الفروق ووجه ما يعتمده الإمام في الأسارى أن من كان منهم شديد الدهاء كثير التوليب على المسلمين برأيه ودهائه فالواجب على الإمام فيه القتل إذا ظهر له ذلك منه في اجتهاده بالسؤال عن أخباره
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ٢، ص: ٦٠.
[ ٢ / ١٦٢ ]
وأحواله وما يتصل به من سيرته، وإن كان الأسير قد ظهر له منه أنه ليس من هذا القبيل، بل هو مأمون الغائلة، وتتألف بإطلاقه طائفة كثيرة على الإسلام، أو إطلاق كثير من أسارى المسلمين إذا من عليه قوبل على ذلك بمثله، ونحو ذلك من المصالح التي تعرض في النظر والفكر المستقيم بعد بذل الجهد، فإنه يمن عليه حينئذ من غير شيء وإن كان لا يرتجى منه ذلك، والإمام محتاج للمال لمصالح الغزو ونحوه فإنه يفديه بالمال، وإن رأى المسلمين محتاجين إلى من يخدمهم استرقهم وإن انتفت هذه الوجوه كلها ولم يجد في اجتهاده شيئا من ذلك مصلحة ورأى أن ضرب الجزية مصلحة لما يتوقع من إسلامهم وأنهم قريبون من الإسلام إذا اطلعوا على محاسن الإسلام بمخالطة أهله ورؤيتهم لشعائره، فحينئذ يجب عليه ضرب الجزية عليهم، ولا يجوز له العدول عنها إلى غيرها، فهو في جميع الوجوه إنما يفعل ما يجب عليه من غير إباحة ولا خيرة في ذلك بل بهذ التفسير. انتهى (^١).
قوله: (ولا يمنعه حمل بمسلم، ورق إن حملت به بكفر) أي ولا يمنع الاسترقاق حمل بمسلم كأن يتزوجها مسلم ببلد الحرب ثم سبيت وولدها حر لا يرق وأما إن حملت به في حال كفر الأب ثم سبيت بعد إسلام الأب فإن الولد يرق مع أمه.
قوله: (والوفاء بما فتح لنا به بعضهم) أي ووجب الوفاء بالشيء الذي فتح لنا بسببه بعضهم، (و) كذلك يجب الوفاء بأمان الإمام مطلقا) قيد بزمن أول بلد أو صفة كان ببلده سلطان آخر أم لا فلا يجوز نقضه اتفاقا سواء أمنهم على شيء أم لا.
قوله: (كالمبارز مع قرنه) تشبيه أي ووجب الوفاء بما شرط القرن على المبارز لما برز عليه ظاهره مطلقا خيف عليه الضعف والغلبة أولا خلافا لابن المواز في قوله: لا بأس بإعانته.
قوله: (وإن أعين بإذنه قتل معه) أي وإن عين الكافر المبارز بإذنه لواحد أو
جماعة قتل معه مع معينه، ومفهومه لو عين بغير إذنه لم يقتل هو وإنما يقتل معينه.
قوله: (ولمن خرج في جماعة لمثلها إذا فرغ من قرنه الإمانة) أي ويجوز لمن خرج في جماعة مبارزة إلى مثلها إذا فرغ من قتل قرنه الإعانة لأصحابه، كما فعل علي،
_________________
(١) الفروق للإمام شهاب الدين أبي العباس الصنهاجي الشهير بالقرافي: ج ٣، ص: ١٨ الفرق العشرون والمائة. وبهامشه: أدرار الشروق على أنواء الفروق لابن الشاط. تحقيق: عبد الحميد الهنداوي ط: ٢٠٠٣ م. المكتبة العصرية صيدا - بيروت
[ ٢ / ١٦٣ ]
وحمزة بن عبد المطلب (^١)، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب (^٢) يوم بدر بأن بارزوا: الوليد بن عتبة، وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، فقتل علي بن أبي طالب الوليد بن عتبة، وقتل حمزة عتبة بن ربيعة، وأما عبيدة بن الحارث ضربه شيبة بن ربيعة فقط رجله فكر عليه علي وحمزة فاستنقذاه منه.
قوله: (وأجبروا على حكم من نزلوا على حكمه، إن كان عدلا وعرف المصلحة، وإلا نظر الإمام) أي وأجبروا أهل الحصن مثلا أو من قدم بتجارة أو نحوها إذا نزلوا بأمان على اتباع حكم من نزلوا على حكمه بشرط أن يكون من نزلوا على أتباع حكمه عدلا عارفا لمصلحة المسلمين فيما فعل معهم وإلا أي وإن لم يكن عدلا عارفا أو كان عدلا ولم يعرف المصلحة أو عرف المصلحة ولم يكن عدلا، نظر الإمام في حكمه ذلك فإن رآه مصلحة ونظرا أمضاه وإلا رده وتولى هو الحكم بما يراه نظرا.
قوله: (كتأمين غيره) هذا تشبيه في النظر أي كما ينظر الإمام في تأمين غيره من آحاد الناس (إقليما) فإن رآه مصلحة ونظرا أمضاه وإلا رده، لأن آحاد الناس لمن له تأمين إقليم، وإنما هو للإمام فقط.
قوله: (وإلا فهل يجوز؟ وعليه الأكثر، أو يمضي من مؤمن مميز ولو صغيرا، أو امرأة أو رقا)
_________________
(١) حمزة بن عبد المطلب: ١٨٢٨ - حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي أبو عمارة عم النبي ﷺ وأخوه من الرضاعة أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب ولد قبل النبي ﷺ بسنتين وقيل بأربع وأسلم في السنة الثانية من البعثة ولازم نصر رسول الله ﷺ وقد ذكر بن إسحاق قصة إسلامه مطولة وآخى بينه وبين زيد بن حارثة وشهد بدرا وأبلى في ذلك وقتل شيبة بن ربيعة وشارك في قتل عتبة بن ربيعة أو بالعكس وقتل طعيمة بن عدي وعقد له رسول الله ﷺ اللواء وأرسله في سرية فكان ذلك أول لواء عقد في الإسلام في قول المدائني واستشهد بأحد. الإصابة في تمييز الصحابة: ج ٢، ص: ١٢١.
(٢) عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي القرشي المطلبي يكنى أبا الحارث وقيل: أبو معاوية. وأمه وأم أخويه سخيلة بنت خزاعي بن الحويرث الثقفي. وكان أسن من رسول الله ﷺ بعشر سنين وكان إسلامه قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم بن أبي الأرقم. أسلم هو وأبو سلمة بن عبد الأسدي وعبد الله بن الأرقم المخزومي وعثمان بن مظعون في وقت واحد، وهاجر عبيدة إلى المدينة ثم شهد عبيدة بدرا قال: وحدثنا يونس عن ابن إسحاق قال: ثم خرج عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة فدعوا إلى البراز فخرج إليهم فتية من الأنصار ثلاثة فقالوا: ممن أنتم قالوا: رهط من الأنصار. قالوا: ما لنا إليكم حاجة. ثم نادى مناديهم: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا فقال رسول الله ﷺ: «قم يا حمزة قم يا علي قم يا عبيدة» فبارز عبيدة عتبة فاختلفا ضربتين كلاهما أثبت صاحبه. أسد الغابة: ج ١، ص: ٧٣٧.
[ ٢ / ١٦٤ ]
(١) أي وإن لم يكن تأمين غير الإمام إقليما بل المحصورين، فهل يجوز التأمين ابتداء؟
وعليه أكثر الشيوخ، أولا يجوز ابتداء، ولكن إن وقع ونزل يمضي، وإذا قلنا أنه جائز ابتداء أو ماض إن وقع إنما يكون من مؤمن مسلم مميز لا غير مميز، وإن كان المميز صغيرا أو امرأة أو رفيقا فيه تأويلان؛ فقول الشارح: الاستثناء منقطع غير جلي.
قوله: (أو خارجا على الإمام) هذا فرع مستقل بنفسه أي ويصح أمان الخارج عن الإمام، كما إذا أمن حربيا كان معه، فإن ظهرنا على الجميع بقتال أو غيره، فلا يتعرض للحربي.
قال سحنون لأنه انعقد له أمان. انتهى.
لو قدم المصنف التأويلين عن هذا لكان أولى، لأنه ليس داخلا في التأويلين.
قوله: (لا ذميا أو خائفا منهم؟ تأويلان) أي لا يصح تأمين الذمي فلا تعتبر، وقيل: يجوز تأمينه، وكذلك لا يجوز تأمين الخائف منهم أسيرا كان أو غيره، لأنه إنما راعى مصلحة نفسه لا مصلحة المسلمين.
قوله: (وسقط القتل ولو بعد الفتح) أي وسقط القتل عمن دخل تحت الأمان ولو كان التأمين بعد الفتح على المشهور خلافا لسحنون، وظاهر كلام المصنف قبول قوله بعد الفتح أنه أمنه قبله لأن الأصل الصدق وهو قول ابن القاسم وأصبغ.
سحنون لا يقبل قوله: أمنتهم قبل الفتح إلا ببينة. انتهى.
قوله: (بلفظ، أو إشارة مفهمة) أي والتأمين يكون بلفظ بأي لسان كان.
الباجي: يثبت بكل لسان عبر عنه ولو لم يفهمه المؤمن ويكون بإشارة مفهمة لأن الإشارة تقوم مقام العبارة.
قوله: (إن لم يضر) أي إنما يجوز التأمين إن لم يضر الأمان بالمسلمين، كما إذا أشرفوا على أخذ حصن فأمنهم مسلم فإن الإمام ينظر فإن رآه غير نظر رده.
قوله: (وإن ظنه حربي فجاء، أو نهى الناس عنه فعصوا، أو نسوا أو جهلوا، أو جهل إسلامه) إلى ءاخر ما ذكر أي وإن ظن حربي الأمان فجاء إلينا معتمدا على ظنه، أو نهى الإمام الناس عن الأمان فعصوا نهيه وأعطوا الأمان، أو نسوا نهيه عن ذلك أو جهلوا نهيه بأن لم يعلموا به، أو أعطى الأمان من جهل إسلامه بأن ظنه حربي أنه مسلم فتبين أنه ذمي.
[ ٢ / ١٦٥ ]
قال صاحب فتح الجليل: قال بعض من تكلم على هذا المحل في بعض النسخ أو ظن إسلامه ولم نقف على هذه النسخة ويبعدها قول بعض تلامذة المصنف: كتب المصنف بخطه على حاشية أصله: قولي أو أجهل إسلامه هو مما اختلف فيه قول ابن القاسم فمرة قال: هو فيء ومرة يرد لمأمنه. محمد وهو أحب إلي. وقاله ابن حبيب وغيره ولذا اقتصرت عليه هنا. انتهى (^١).
قوله: (لا إمضاؤه -) أي لا إن جهل إمضاؤه بأن علم أنه ذمي واعتقد أن أمانه ماض فلا أمان لهم وقد صاروا فيئا.
قوله: (أمضي أو رد لمحله) أي أمضى الأمان في المسائل الخمس أو رد المؤمن إلى محله الذي كان فيه وقت التأمين ولا يجوز قتله ولا استرقاقه.
قوله: ﴿وإن أخذ مقبلا بأرضهم، وقال: جئت أطلب الأمان، أو بأرضنا وقال: ظننت أنكم﴾ لا تعرضون لتاجر، أو بينهما، رد لمأمنه) أي وإن أخذ حربي في حال كونه مقبلا وعليه آثار الإقبال إلينا، وقال: جئت أطلب الأمان، أو كان حين أخذ وهو بأرضنا، وقال: ظننت أنكم لا تتعرضون لتاجر وأنه لا يحتاج إلى أمان أو أخذ بين أرضنا وأرضهم رد لمأمنه في المسائل الثلاث، والأول في المدونة، وقال: إنه أمر مشكل، وجزم المصنف برده لمأمنه في الثانية، والذي لابن القاسم تصديقه أورده لمأمنه.
قوله: (وإن قامت قرينة، فعليها) أي وإن قامت قرينة أي علامة على كذبه أو تصديقه يحمل عليها العمل، فإن وجدوا السلاح كذبوا إن زعموا أنهم تجار فالإمام يرى فيهم رأيه، فإن زعموا أنهم تجار ومعهم متاجر العادة السفر بها إلى بلاد المسلمين صدقوا، وإن لم تكن العادة السفر بها إلى بلاد المسلمين، أو لا متاجر معهم، ومعهم السلاح كانوا فيئا. قاله اللخمي في تبصرته.
قوله: (وإن رد بريح، فعلى أمانه حتى يصل) أي وإن رد الحربي المستأمن بريح إلى أرضنا بعد أن خرج من عندنا فهو على أمانه الأول حتى يصل إلى بلده، وظاهره كالمدونة، سواء خرج من بلد الإسلام أم لا، سواء رمتهم الريح لعمل السلطان الذي أعطاهم الأمان أم لا، ردتهم الريح غلبة أو اختيارا، أو ظاهره أن له النزول بمكانه الذي كان به، وقيل: الإمام مخير بين إنزاله أو رده. انتهى فتح الجليل (^٢).
_________________
(١) فتح الجليل: ج ٢، اللوحة: ٤٦
(٢) فتح الجليل: ج ٢، اللوحة: ٤٦
[ ٢ / ١٦٦ ]
قوله: (وإن مات عندنا فماله فيء: إن لم يكن معه وارث ولم يدخل على التجهيز) أي وإن مات عندنا حربي دخل علينا بأمان، فله أحوال أشار لأحدها بقوله: فماله فيء لبيت المال بشرطين إن لم يكن معه وارث وأما إن كان معه وارث فإنه يدفع له المال.
الشرط الثاني أنه لم يدخل إلينا على التجهيز، بل دخل على الإقامة عندنا، وأما إن دخل على التجهيز، فإنه يرسل لوارثه إن علم وإلا فلحكامهم.
قوله: (ولقاتله إن أسر ثم قتل) وهذا مفهوم الشرطين أي وإن لم يمت عندنا بل خرج من الأمان وحارب المسلمين وقتل، فما له لقاتله إن أسر ثم قتل عند ابن القاسم وأصبغ لأن قاتله ملك رقبته بأسره قبل قتله. انتهى فتح الجليل (^١).
قال ابن غازي: وإن مات عندنا، فما له فيء، إن لم يكن له وارث ولم يدخل على التجهيز، وإلا أرسل مع ديته لوارثه كوديعة، وهل وإن قتل في معركة، أو فيء؟ قولان، ولقاتله إن أسر ثم قتل. يقع هذا الكلام في النسخ بتقديم وتأخير على خلاف هذا الترتيب والصواب ما رسمت لك يظهر بالتأمل. انتهى (^٢).
قوله: ولقاتله إن أسر لعل الناسخ وضعه في غير موضعه وموضعه بعد قوله: وهل وإن قتل في معركة أو فيء قولان.
قوله: (وإلا) أي وهذا تصريح بمفهوم ما سبق أي وإن لم يكن الأمر كذلك بل كان معه وارث أو دخل على التجهيز ومات أو قتل في غير معركة أو لم يؤسر (أرسل) ماله فقط أو (مع ديته) حيث وجبت (لوارثه) إن علم وإلا فلحاكمهم ولا حق للمسلمين في ذلك يقوم منه إن مات بغير بلده ولا وارث له فميراثه لأهل بلدة لا لمن مات عندهم إذا لم يستوطن وبه أفتى ابن رشد قاله الطنجي شارح التهذيب.
انتهى من دواء الغليل في فتح مشكل خليل (^٣).
قوله: (كوديعته) أي كما ترسل وديعته المتروكة عندنا إلى وارثه، ولما كان مفهوم القتل في غير المعركة، القتل في المعركة وفيه خلاف آخره فقال: (وهل إن قتل في معركة) أي وهل ترسل وديعته لوارثه، وإن قتل في معركة من غير أسر، (أو) هي
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٤٦.
(٢) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، اللوحة: ٤١٠
(٣) لم أطلع عليه
[ ٢ / ١٦٧ ]
(فيء؟) فلا تخمس لأنها لم يوقف عليها فيه (قولان) من غير ترجيح. قوله: ولقاتله إن أسر ثم قتل صوابه أن يجعل هنا. انتهى.
قوله: (وكره لغير المالك اشتراء سلعه) أي وإذا قدم الحربي إلينا بأمان وعنده سلع للمسلمين غنمها فإنه يكره لغير المالك اشتراء تلك السلع لما فيه من تفويتها على ربها إن شاء أخذها بالثمن ولما فيه من تقوية الكفار من زجرهم بقدر الطاقة وأما المالك فلا يكره له لأنه فداء لسلعته.
قوله: (وفاتت به) أي وفاتت على مالكها بالإشتراء منهم (وبهبتهم لها) لغير ربها على المشهور وهو قول ابن القاسم، قال إسماعيل القاضي: لا تفوت.
قوله: (وانتزع ما سرق، ثم عيد به لبلدنا على الأظهر) أي وانتزع ما سرقه المستأمن من بلد الإسلام حين أمانه ثم خرج به لأرضهم ثم عيد به لأرض الإسلام بأمان على الأظهر عند ابن رشد.
وقوله: عد به بناه للمفعول لأنه سواء كان العائد به سارقه أو غيره، لكن إن عاد به سارقه قطع على مذهب المدونة، أشهب لا يقطع، ولم يختلف في قتله إن قتل.
قوله: (لا أحرار مسلمون) أي ولا ينزع من المستأمن أحرار مسلمون (قدموا بهم) بأمان ذكورا كانوا أو إناثا لتضمن الانتزاع نقض العقد قاله ابن القاسم. انتهى. وأما أصحاب مالك يجبرون على بيعهم بالثمن إذ لا مضرة عليهم.
قال البساطي: ولعمري لقد أصابوا. انتهى.
قوله: (وملك بإسلامه) أي وملك المستأمن بإسلامه فيما غنمه من المسلمين (غير الحر المسلم) فإنه لا يملكه لأنه بإسلامه يحقق ملكه لما في يده من مال أو رقيق تأليفا لهم على الإسلام وقيل يملكه وقيل لا يملكه ولكن يتبعه بالقيمة.
قوله: (وفديت أم الولد) أي وفديت أم الولد وجوبا على سيدها بقيمتها لأنها تشبه الحرة إن كان مليا وإلا اتبع بالقيمة.
قوله: (وعتق المدبر من ثلث سيده، ومعتق لأجل بعده، ولا يتبعون بشيء) أي وإن كان الرقيق الذي في يده حين أسلم مدبر فإنه يعتق كله من ثلث مال سديه إن حمله وإلا عتق منه ما حمله ورق باقيه، وإن كان معتقا لأجل فإنه يعتق عليه بعد الأجل، كما لو كان بيد سيده فإن عتق المدبر بموت سيده، أو معتق لأجل يمضي الأجل، فإنهما لا يتبعان بشيء، لأنهما لم يملك منهما غير الخدمة وقد انقطعت.
[ ٢ / ١٦٨ ]
قوله: (ولا خيار للوارث) أي ولا خيار للوارث في فداء المدبر إن لم يحمله الثلث بل يسترقه المستأمن، لأن سيد المدبر لم يكن قادرا على انتزاعه فأحرى وارثه. انتهى.
ولو صرح بحكم المكاتب في أن الكتابة للمستأمن، وإن عجز رق له ولا شيء لسيده تركه ولم يذكره.
قوله: (وحد زان وسارق، وإن حين المغنم) أي وحد زان بامرأة من المغنم، أو سارق نصاب إن حيز المغنم عنه، وإلا فلا عند ابن القاسم خلافا لعبد الملك: لا حد في الزنا، ولا قطع في السرقة ما لم يزد نصابا فوق حقه، وأما من بيت المال فإنه يحد ويقطع.
القرافي في كتابه أنوار البروق في أنواع الفروق: إذا حيزت المغانم فقد انعقد للمجاهدين سبب المطالبة بالقسمة والتمليك، فهل يعدون مالكين لذلك أم لا؟
قولان، فقيل يملكونه بالحوز والأخذ، وهو مذهب الشافعي ﵁، وقيل: لا يملكون إلا بالقسمة، وهو مذهب مالك ﵀. انتهى (^١).
قوله: (ووقفت الأرض) أي ووقفت الأرض المفتوحة عنوة لتكون في أعطيات المقاتلة وأرزاق المسلمين ومنافعهم، (ك) ما وقفت أرض (مصر، والشام، والعراق) لفعل عمر ﵁.
قال مالك: بلغني أن بلالا وأصحابه خالفوا عمر في قسم الأرض التي أخذت عنوة فأبى عليهم وكان بلال أشد الناس عليهم كلاما، فزعم من ذكر ذلك أن عمر دعى عليهم فقال: اللهم أكفينهم فلم يحل الحول وواحد منهم حي، ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة. انتهى (^٢).
ولا خلاف أن مكة افتتحت عنوة ولم تقسم، وإنما الخلاف هل تركت لأهلها منا عليهم، فيجوز لهم بيع دورها وكراؤها أو تركها فيئا للمسلمين، ولم يختلف أنه من على الرجال وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «مكة حرم لا يحل إجارة بيوتها ولا بيعها» (^٣)
_________________
(١) الفروق للقرافي: ج ٣، ص: ٢١ - ٢٢. الفرق الحادي والعشرون والمائة
(٢) البيان والتحصيل لابن رشد: ج ٢، ص: ٥٣٨
(٣) مصنف في الأحاديث والآثار. المؤلف: أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي. (٣١٠) - من كان يكره كراء بيوت مكة وما جاء في ذلك ج ٣، ص: ٣٢٩ الحديث: ١٤٦٧٩ تحقيق: كمال =
[ ٢ / ١٦٩ ]
انتهى من اللخمي (^١).
قوله: (وخمس غيرها إن أوجف عليه) أي وخمس غير الأرض من سائر الأموال من عين وعرض ودواب وغيرها، فتقسم أخماسا خمس لبيت المال لقوله تعالى: ﴿فأن لله خمسه﴾ [الأنفال آية ٤١] والأربعة الباقية للمجاهدين، إن أوجف عليه أي قوتل عليه، ومفهوم الشرط أن ما لا يوجف عليه الخمس وهو المسمى فيئا قال الله تعالى: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾ [الحشر: ٦] فأخبر أن استحقاقهم القسم لا تكون إلا بالإيجاف والآية نزلت في بني النضير وكانت مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب بل انجلى عنها أهلها فحاز ﷺ الديار وما فيها فكانت خالصة له دون سائر الناس لأنه لا ينسب لتسبب أحد فلا معنى لتخميسه إذ مصرفه كله مصرف الخمس.
ابن رشد وقيل بعكس ذلك.
والغنيمة ما كان بغير قتال، والفيء ما كان به والأول هو الصحيح الذي يعضده القرآن.
قوله: (فخراجها، والخمس، والجزية) أي فخراج الأرض الموقوفة المذكورة والخمس من الغنيمة أو الركاز، والجزية التي على الجماجم ونحوها وزاد ابن حبيب وما صولح عليه أهل الحرب وما أخذ من تجارهم وتجر الحربيين. انتهى.
ويصرف من ذلك (لآله ﵊ وهم بنو هاشم وبنو المطلب، لفعل عمر ﷺ.
ابن يونس ويوفر نصيبهم لمنعهم من الزكاة، وكان عمر بن عبد العزيز يخص ولد فاطمة ﷺ كل عام باثني عشر ألف دينار سوى ما يعطي غيرهم من ذوي القربى وقيل: يسوي فيها بين الغني والفقير وهو فعل أبي بكر ﷺ.
قوله: (ثم للمصالح) أي ثم يليهم الصرف لمصالح المسلمين الأوكد فالأوكد من بناء المساجد والقناطير والغزو ونحوه من عمارة الثغور وأرزاق القضاة والمؤذنين وزواج عزب وظاهر كلامه أن الإمام لا يبدأ من ذلك بنفقه نفسه وعياله، وبه قال ابن عبد الحكم في بيان الحكم، وأن ذلك خاص به ﷺ وقال عبد الوهاب:
=
_________________
(١) يوسف الحوت الناشر: مكتبة الرشد - الرياض الطبعة الأولى: ١٤٠٩ هـ
(٢) تبصرة اللخمي: ج ٣، ص: ١٤٠٨.
[ ٢ / ١٧٠ ]
يبدأ بنفقته وعياله بغير تقدير، ولو احتاج لجميعه (^١).
وبما قررناه تندفع مناقشة الشارح للمصنف بأن ظاهره الدفع أولا للآل، فإن لم يوجد منهم أحد وما فضل عنهم أرصده للمصالح، وليس له أن يجعل ذلك إلا بعد إعطائهم وأشعر كلام المؤلف بأن الخمس لا يلزم تخميسه وبه صرح ابن الحاجب.
قوله: (وبدئ بمن فيهم المال، ونقل للأحوج الأكثر) أي وبدئ في قسم الفيء بمن فيهم المال عند مساواة غيرهم في الحاجة حتى يغنوا وما فضل أعطي غيرهم.
قال أبو الحسن: يريد غناء سنة، وإن لم يتساووا في الحاجة نقل إلى الأحوج منهم الأكثر من المال كما تقدم في الزكاة.
قوله: (ونفل منه السلب لمصلحة) أي ونقل الإمام لمن أراد من الجيش من الخمس لأجل مصلحة كجشاعته ورأيه، أو كان جاسوسا على الكفار، وغير ذلك مما هو مصلحة.
والنفل بغير السلب من باب أحرى وأولى فلو أسقط لفظ السلب لكان أشمل وأخص ولعله ذكره لأنه أصل القضية. قاله صاحب فتح الجليل (^٢).
والنفل لغة: الزيادة، وشرعا الزيادة من الغنيمة انتهى. ومفهوم قوله: لمصلحة أن الإمام لا ينفل لغير مصلحة.
قوله: (ولم يجز إن لم ينقض القتال:) أي ولم يجز للإمام إن لم ينقض القتال أن يقول للمجاهدين «من قتل قتيلا فله السلب»، لأن ذلك يؤدي إلى فساد النيات فيقاتل للدنيا، أو يؤدي إلى التحامل على الهلاك، ومفهوم الشرط جوازه إن انقض القتال، وهو كذلك لأنه من النفل.
قوله: (ومضى) أي فإن وقع ونزل وقال ذلك قبل أن ينقضي القتال مضى العمل عليه، (إن لم يبطله) بالرجوع عنه (قبل المغنم) وأما إن أبطله بعد المغنم فلا يمنع السلب من القاتل وإنما يمضي ذلك بعد الوقوع للاختلاف فيه لأنه حكم المختلف فيه فلا ينقض فإن أبطله أعتبر فيما بعد الإبطال لا قبله.
_________________
(١) المعونة على مذهب عالم المدينة أبي عبد الله مالك بن أنس. تصنيف: القاضي: أبي محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر المالكي. تحقيق: محمد حسن: ج ١، ص: ٤٠٥، ط ٢: ٢٠٠٤ م، دار الكتب العلمية
(٢) فتح الجليل: ج ٢، لوحة: ٤٨.
[ ٢ / ١٧١ ]
قوله: (وللمسلم فقط سلب اعتيد؛ لا سوار وصليب، وعين، ودابة) أي وللقاتل المسلم فقط لا ذمي، إلا أن يمضيه الإمام له سلب أعتيد وجوده مع القتيل حال الحرب كفرسه الراكب عليه والممسوك معه للقتال ودرعه وبيضته وسيفه ورمحه ومنطقته مع ما في ذلك من حليته ورايته وثيابه التي عليه لا سوار بيده وصليب معه وعين ذهب وفضة لا طوقه وفرطه.
قال سحنون: ومطوقه وقرطه.
الطوق ما كان في رقبته والقرط ما كان في أذنه وكذلك الدابة التي يحمل عليها متاعه لا تدخل في السلب والدابة تشمل البغل والحمار.
قوله: (وإن لم يسمع أو تعدد؛ إن لم يقل قتيلا) أي والسلب للقتال إن لم يسمع قول الإمام من قتل قتيلا فله سلبه.
وكذلك له السلب وإن تعدد مقتوله فله سلبهم قلوا أو كثروا وإن لم يقل الإمام لرجل معين: إن قتلت قتيلا فلك سلبه، فقتل قتيلا واحدا فله سلبه.
قوله: (وإلا فالأول) أي وإن قتل اثنين فأكثر فله سلب الأول فقط إن علم فإن جهل فنصفهما وقيل أقلهما وقيل أكثرهما.
قوله: (ولم يكن لكمرأة؛ إن لم تقاتل) هذا هو الشرط الثاني في السلب الأول سلب أعتيد أي ولم يكن السلب للمرأة ونحوها ممن لا يجوز قتله إن لم يقاتل، ونحو المرأة صبي وزمن وراهب وشيخ فان وأعمى والمعتوه إلا أن يقاتل هؤلاء فله سلبهم لإجازة قتلهم.
قوله: (كالإمام؛ إن لم يقل منكم، أو يخص نفسه) تشبيه لإفادة الحكم أي كما أن السلب للإمام إن قتل قتيلا إن لم يقل من قتل منكم قتيلا فإن الإمام لا سلب له حينئذ قتله مبارزة أو غيرها، لأنه أخرج نفسه بقوله: منكم، وكذلك له السلب إن قتل قتيلا إن لم يخص نفسه بأن يقول: إن قتلت قتيلا فلي سلبه فلا سلب له لأنه خادم نفسه.
قوله: (وله البغلة) أي وللقاتل البغلة التي عليها المقتول (إن قال) الإمام: من قتل قتيلا (على بعل) فهو له، لصدق البغل على الأنثى والذكر كالحمار والبعير، ومفهوم الشرط في قوله: إن قاتل على البغل أنه لو قال: من قتل قتيلا على بغلة فهي له، فقتله على بغل لم يكن له كذا في النوادر. انتهى من فتح الجليل (^١).
_________________
(١) فتح الجليل: ج ٢، لوحة: ٤٩.
[ ٢ / ١٧٢ ]
وقال في فتح الجليل ولم يعرج البساطي عليه بل ذهب لما ليس بمراد ولا صواب. انتهى (^١).
وقال: ولو أدخل المصنف الكاف على بغل لأفاد ما لو قال: على حمار، فكان على أتان فهي له، ولو قال: على أتان أو حماره فكان على حمار ذكر لم يكن له وكذا بعير وناقة، ولو قال: من قتل قتيلا فله دابته فهي له ذكرا كانت أو أنثى أو برذونا (^٢).
قوله: (لا إن كانت بيد غلامه) أي لا إن كانت الفرس أو البلغة أو غيرها مجلوبة بيد غلامه والمقتول راجلا لعدم دخولها في السلب. قاله في النوادر.
سحنون لو وضع المبارز بعض سلاحه بالأرض ثم قاتل فقتل فليس للقاتل إلا ما عليه بخلاف ما لو كان فرسه أو بغلته بيده أو مربوطة بمنطقة فله، قاله سحنون.
انتهى فتج الجليل (^٣).
قوله: (وقسم الأربعة) لما قدم مصرف الخمس شرع يذكر مصارف الأربعة الباقية أي وقسم الإمام الأربعة الأخماس الباقية (لحر) ذكر لا عبد، أو من فيه بقية رق (مسلم) لا كافر (عاقل) لا مجنون (بالغ) لا غير بالغ (حاضر) الموقعة حسا أو حكما كمن ضل في بلاد العدو أو تخلف لمصلحة الجيش.
قال فتح الجليل: قال الشارح ونحوه للبساطي: استغنى عن الذكورة بإتيانه بالأوصاف مذكرة انتهى. وقد يقال إنما لم يذكره لأن الخنثى يسهم له وعليه فهل نصف نصيب ذكر أو ربعه قولان. انتهى (^٤).
ومن اجتمعت فيه الأوصاف المذكورة يسهم له قاتل أو لم يقاتل.
قوله: (كتاجر وأجير؛ إن قاتلا، أو خرجا بنية غزو) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يسهم لتاجر وأجير بشرط إن قاتلا أو خرجا بنية غزو، وإن لم يقاتلا أو لم يخرجا بنية غزو فلا سهم لهما. وظاهر كلامه سواء كانت التجارة والإجازة تابعة أو مقصودة لهما على حد سواء وهو كذلك، وظاهره كانت التجارة تتعلق بالجيش من
_________________
(١) فتح الجليل: ج ٢، لوحة: ٤٩.
(٢) فتح الجليل: ج ٢، لوحة: ٤٩.
(٣) فتح الجليل: ج ٢، لوحة: ٤٩.
(٤) فتح الجليل: ج ٢، لوحة: ٤٩.
[ ٢ / ١٧٣ ]
مطعوم وملبوس أولا.
قال البساطي: والتفصيل في الثاني. انتهى.
وأما الأول فيسهم له ولو لم يقاتل.
قوله: (لا ضدهم ولو قاتلوا، إلا الصبي ففيه إن أجيز) أي لا يسهم لضد من ذكر ولو قاتلوا لأنهم ليسوا مخاطبين بالجهاد، وضد الحر العبد ومن فيه بقية رق، وضد المسلم الكافر، وضد العاقل المجنون، وضد البالغ الصبي، إلا أن الصبي المطيق للقتال ففيه إن أجازه الإمام (وقاتل خلاف) في إسهامه وعدمه، مذهب الرسالة: يسهم له، وظاهر المدونة: لا يسهم له.
قوله: (ولا يرضخ لهم) الرضخ لغة: هو العطاء اليسير أي ولا يعطى شيئا لمن لا يسهم لهم وحضورهم كالعدم.
قوله: (كميت قبل اللقاء، وأعمى، وأعرج، وأشل، ومتخلف لحاجة إن لم تتعلق بالجيش، وضال ببلدنا، وإن بريح، بخلاف بلدهم، ومريض شهد) تشبيه أي كما لا يسهم لميت مات قبل اللقاء، وإن بأرض الحرب، لأن نيته انقطعت بالموت، وأما بعد لقاء العدو فإنه يسهم له اتفاقا وسهمه لوارثه، وكذلك لا يسهم لأعمى وأعرج عرجا شديد، إلا أن يكون فارسا، فإنه يسهم له، ولا من بهم شلل فلا يسهم لهم ولو كانت لهم شفعة، وكذلك لأقطع والمقعد وكذلك لا يسهم لمتخلف ببلد الإسلام لحاجة إن لم تتعلق بالجيش، مفهومه إن تعلق بالجيش يسهم له وهو كذلك، وكذلك لا يسهم لضال في بلدنا، وإن كان ضلاله بسبب ريح، ثم رجع بعد حصول الغنيمة، بخلاف ضال في بلد العدو فإنه يسهم له، وكذلك يسهم لمريض شهد أي حضر القتال كله حتى انقضى.
قوله: (كفرس رهيص) تشبيه أي كما يسهم لفرس رهيص.
قوله: (أو مرض بعد أن أشرف على الغنيمة) أي وكذلك يسهم لمريض مرضا حصل لمجاهد بعد أن أشرف على الغنيمة.
قوله: (وإلا فقولان) أي وإن مرض قبل الإشراف عليها بأن خرج من بلد الإسلام مريضا واستمر كذلك حتى انقضى القتال، أو خرج صحيحا ثم مرض قبل دخوله بلد الحرب، أو خرج صحيحا ومرض بعد دخوله، أو خرج صحيحا وشهد القتال كذلك ثم مرض قبل الإشراف على الغنيمة، فقولان في الإسهام وعدمه في
[ ٢ / ١٧٤ ]
كل منهذه الصور الأربع.
قوله: (وللفرس مثلا فارسه، وإن بسفينة، أو بردونا، وهجينا) أي ويسهم للفرس سهمان مثلا وسهم فارسه فللفارس وفرسه ثلاثة أسهم وللراجل سهم واحد، لفعله ﷺ وعللوه بكلفة نفسه والفرس وخادمه فهي ثلاثة أسهم، ولا فرق بين الفرس ذكرا أو أثنى، وإن كان الفرس في سفينة لقى العدو أهلها فقاتلهم بها، فإنه يسهم له، ونحوه في المدونة خلافا لقول اللخمي: القياس أن لا سهم له لأنه لم يعد البحر ولا بلغ موضوع القتال (^١)، ويشهد للأول ما لو تركوا خيلهم بمضيق وقاتلوا على أرجلهم، فإن الفرس يسهم له، وكذلك يسهم للفرس وإن كان برذونا أو هجينا. البرذون بالذال المعجمة ابن النبطيين، والهجين أبوه عربي وأمه نبطيه، والمفرق عكسه وكذلك أن الفرس صغيرا.
وقوله: (وصغيرا يقدر بها على الكر والفر) شرط في الثلاث البرذون والهجين والصغير ظاهره ولو لم يجزها الوالي، ونحوه لابن حبيب.
وشرط في المدونة إجازة الوالي لهما، ولم يذكره المصنف مفهومه إن لم يقدر كل منهما على الكر والفر فلا يسهم له.
قوله: (ومريض رجي، ومحبس ومغصوب من الغنيمة، أو من غير الجيش) أي وكذلك يسهم لفرس مريض رجي برؤه مفهومه إن لم يرج برؤه فلا يسهم له وهو كذلك، وكذلك يسهم لفرس محبس في سبيل الله، وسهماه للراكب المقاتل عليه لا لمحبسه ولا لمعالجته وكذلك يسهم لفرس مغصوب من الغنيمة، أو من غير الجيش، وسماه للمقاتل عليه في المسألتين، وإن كان آثما.
قوله: (ومنه لربه) أي وسهما الفرس المغصوب من الجيش لربه المغصوب منه.
اللخمي: قال أشهب وسحنون وسهماه للغاصب وعليه أجرة مثله (^٢).
قوله: (لا أعجف أو كبير لا ينتفع به وبغل، وبعير، وأتان) أي لا يسهم لفرس أعجف، ولا لفرس كبير، حيث لا ينتفع بهما، وكذلك لا يسهم لبغل والحمار أحرى. وكذلك لا يسهم للبعير، ولا للفيل، ولا فرس ثان، لأنه لا يمكن أن يقاتل عليهما.
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج ٣، ص: ١٤٢١.
(٢) تبصرة اللخمي: ج ٣، ص: ١٤١٩.
[ ٢ / ١٧٥ ]
قوله: (والمشترك للمقاتل، ودفع أجر شريكه) أي وسهما الفرس المشترك للمقاتل عليه من الشركاء، ويدفع أجر نصيب شريكه.
قوله: (والمستند للجيش كهو) أي والمستند للجيش في خروجه إلى الكفار كان واحدا أو متعددا أذن له الوالي في الخروج أولا هو كالجيش حكما، فلا يختص بما غنمه منفردا، لأنه إنما وصل له إلا بسبب الجيش وقوته، كما لا يختصون بما غنموه عنه.
قوله: (وإلا فله) أي وإن لم يعتمد على الجيش بل انفرد لخروجه غازيا، فله ما غنمه من العدو مختص به.
قوله: (كمتلصص، وخمس مسلم ولو عبدا على الأصح) تشبيه أي كما يختص متلصص دخل بلاد الحرب فنهب، أو سرق بما أخذ، ويخمس ما غنم من ذلك مسلم مما اختص به ولو كان عبدا على الأصح وهو قول ابن القاسم ومقابله لسحنون: لا يخمس العبد وشمل المسلم المرأة والصبي وهو كذلك على أحد القولين في المسئلة.
قوله: (لا ذمي) أي فلا يخمس ذمي ما أخذه، ويختص به، (و) كذلك (من عمل) من أهل الجيش (سرجا، أوسهما)، فإنه يختص به ولا يخمسه، ونحوه وفي المدونة، وظاهرهما ولو كان فعله لذلك حال قتال الجيش وهو كذلك، وظاهرهما كان ذلك يسيرا، أو كثيرا، وقيده سحنون باليسير.
قوله: (والشأن القسم ببلدهم) أي والسنة قسم الغنائم في بلد الكفار، لأنه أحفظ للغنيمة، ولما فيه من تطييب نفوس المجاهدين، وتعجيل فرحهم، والرفق بهم في التفرق لبلادهم ولما فيه من غيظ الكفار وإدخال النكاية عليهم.
قوله: (وهل يبيع) الإمام أي وحيث يقسم الإمام، أو أمير الجيش الغنيمة، هل يبيع ذلك ليقسم) الأثمان؟ لأن ذلك أقرب إلى المساواة من قسمهما نفسها، لما يدخل في التقويم من الخطأ وهو قول مالك، أو لا يبيعها بل يقسمها بأعيانها وهو قول ابن المواز فيه (قولان).
قوله: (وأفرد كل صنف) أي وحيث قسمها بأعيانها فإنه يفرد كل صنف منها وقسمه أخماسا، (إن أمكن) قسمه (على الأرجح)، وقوله: على الأرجح صوابه على المختار.
[ ٢ / ١٧٦ ]
قوله: (وأخذ معين - وإن ذميا - ما عرف له قبله مجانا، وحلف أنه ملكه، وحمل له إن كان خيرا) أي وأخذ إنسان معين حاضر، وإن كان هذا المعين الحاضر ذميا ما عرف له، لأن مال الذمي معصوم كمال المسلم قبل القسم يأخذه مجانا أي بلا شيء يدفعه، ولكن يحلف أنه ملكه إلى الآن ما خرج عن ملكه بوجه من الوجوه، وحمل له المتاع الذي عرف له إن كان غائبا إن كان الحمل خيرا له وعليه كراؤه.
قوله: (وإلا) أي وإن لم يكن حمله خير له، (بيع له) وليس لربه غير ثمنه.
قوله: (ولم يمض قسمه) أي وإن قسم الإمام ما يعرف أنه لمعين لم يمض قسمه، (إلا لتأول) منه أن الكافر يملك مال المسلم، فيمضي القسم حينئذ (على) القول (الأحسن)، لأنه حكم حاكم بما اختلف فيه، ومفهوم قوله: لتأول، عدم إمضاء القسم جهلا بالحكم، أو عمدا على أنه في توضيحه سوى في الإمضاء بين التأويل والجهل. انتهى.
ابن عرفة: ولو هرب عبد من مغنم فغنمه جيش آخر، رد للأول مجانا، ولا يخمس مرتين، إلا أن ينفلت قرب أخذه قبل استحكام الغنيمة، كانفلاته من رباط وانسلاله مختفيا.
والفرس يوجد في مغنم في فخذه حبس في قسمه وتركه حبسا، نقل الشيخ عن العتبي عن أصبغ مع سحنون وعن أبنه عنه قائلا: وكذا لو لم يكن في فخذه إلا لله فهو حبس إن استوقن أنه خيل الإسلام. انتهى فتح الجليل (^١).
قوله: (لا إن لم يتعين) أي فإن لم يتعين مالكه بل علم أنه ملك لمسلم كالمصحف مثلا، أو كتاب من كتب الفقه ونحوها مما يعلم أنه لا يملكه إلا مسلم، فإنه يقسم على المشهور تغليبا لحق المجاهدين، فإن جاء ربه وأثبت أنه له أخذه بالثمن الذي بيع به، أو بالغنيمة التي قوم بها.
قوله: (بخلاف اللقطة) أي فإنها لا تقسم لقطة ما عرف أنه لمسلم، لأن الأصل بقاء ملكه عليه بل يعرف بها، والفرق بينهما وبين ما لا يعرف بعينه على المشهور، مبني على أن ما أخذه المشرك من مال المسلم قهرا، يصير له فيه شبهة ملك عندنا خلافا للشافعي، وإذا أسلم تقرر ملكه عليه ولذا لو أتفله قبل إسلامه ثم أسلم لم يطالب به إجماعا، والمغانم تنزل منزلته بخلاف اللقطة لا حق للملتقط فيها.
_________________
(١) فتح الجليل: ج ٢، لوحة: ٥٢
[ ٢ / ١٧٧ ]
قوله: (وبيعت خدمة معتق لأجل ومدبر. وكتابة) أي وإذا وجد في الغنيمة معتق لأجل عرف أنه لمسلم غير معين فإن خدمته إلى الأجل تباع، فإن جاء ربه خير في فدائها وإسلامها لمشتريها.
اللخمي: إن استخدمه المشتري إلى الأجل خرج حرا ولا شيء لربه، وإن جاء بعد مضي نصف خدمته خير في الباقي (^١).
وفهم من قوله: بيعت خدمته أن رقبته لا تباع وهو كذلك. انتهى.
وكذلك تباع خدمة مدبر علم أنه لمسلم غير معين لأنها مال من الأموال فيقسم ثمنها حكاه ابن عرفة عن سحنون. انتهى.
واستشكل لأن خدمة المدبر إلى موت السيد، وهو غير معلوم، وذلك غرر لأنها محدودة بحياة السيد، وهي مجهولة الغاية.
قال صاحب فتح الجليل: وإنما ينبغي أن يؤاجر زمنا محدودا يظن حياة سيده له، ولا يزاد على الغاية المذكورة في باب الإجارة، وكذلك تباع كتابة مكاتب علم أنه لمسلم ولم يعين ما أخذ منه لأنه أحرز نفسه وماله، فإن أدى الكتابة لمشتريها عتق وولاؤه للمسلمين وإن عجز رق لمشتريها (^٢).
قوله: (لا أم ولد) أي لا تباع خدمة أم ولد، إذ ليس فيها غير الاستمتاع، وهو لا يقبل معاوضة، وكأنهم رأوا أن يسير خدمتها لغو.
قوله: (وله بعده أخذه بثمنه وبالأول إن تعدد) أي ولصاحب المعين بعده أي بعد القسم أخذ ما عرف له بثمنه ويأخذه بالثمن الأول، إن تعدد فيه البيع، فليس له أن يأخذ بغيره، لأنه إن أمضى الأول فهو إمضاء لما بعده، خلافا للشافعية فإنه يخير في أي ثمن شاء، وقيل: يخير كالشفيع.
قوله: (وأجبر في أم الولد) أي وأجبر السيد (على) دفع (الثمن) في أم الولد، تقسم كان بعد تقويمها جهلا بها، وإن كان الثمن أضعاف القيمة، إن كان مليا به، ﴿واتبع به إن أعدم، إلا أن تموت هي أو سيدها﴾ قبل الحكم بالفداء، فلا شيء على ورثته لأنها حرة بموته، إذ ليس بدين ثاتب عليه، وإنما هو تخليص الرقبة وقد فات. انتهى.
ولو قسمت مع العلم بحالها، لأخذها سيدها من غير شيء اتفاقا. انتهى فتح
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج ٣، ص: ١٣٧٥.
(٢) فتح الجليل: ج ٢، لوحة: ٥٣. بتصرف
[ ٢ / ١٧٨ ]
الجليل (^١)
قوله: (وله فداء معتق لأجل، ومدبر لحالهما) أي وللسيد فداء معتق لأجل، ومدبر، ليرجعا على حالهما، إذا بيعت خدمتهما مع العلم بحالهما، لعدم العلم بسيدهما، (و) في له (تركهما) في حال كونه (مسلما لخدمتهما) تمليكا لا تقاضيا.
قوله: (فإن مات سيد المدبر) أي وإن مات المدبر الذي هو السيد (قبل الاستيفاء) لما اشتريت به خدمة المدبر (فحران حملة الثلث، واتبع بما بقي) عليه، وأما بعد الاستيفاء فواضح أنه حر.
قوله: (كمسلم أو ذمي قسما) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يتبع المسلم والذمي قسما في المغنم، ساكنين بالثمن أو بالقيمة التي قوم بها كل منهما وأوفى.
قوله: أو ذمي بمعنى الواو ويدل عليه قوله: قسما بضمير التثنية.
قوله: (ولم يعذرا في سكوتهما بأمر) جملة حالية لا إنشائية أي والحال أنهما لم يعذرا في سكوتهما بأمر، أما لو أعذرا في سكوتهما بعذر من صغر أو عدم فطنة فلا يتبعان بشيء. غفل الشارح هنا ﵀.
قوله: (وإن حمل بعضه رق باقيه) أي وإن حمل الثلث بعض المدبر، عتق ذلك البعض ورق باقيه لمن هو بيده، ﴿ولا خيار للوارث﴾ بين إسلامه وفدائه، لتركه سيده (بخلاف الجناية)، فإن الوارث يخير بين إسلامه رقا للمجني عليه، وفدائه فيما بقي عليه من الجناية.
قوله: (وإن أدى المكاتب ثمنه) أي وإن أدى المكاتب ثمن الكتابة، أو ثمنه إذا بيع قبل أن يعلم أنه مكاتب، (فعلى حاله) مكاتب، (وإلا) أي وإن لم يؤد ذلك (فـ) هو (ـــقن أسلم) لمن بيده (أو فدي).
قوله: (وعلى الأخذ إن علم بملك معين، ترك تصرف ليخيره، وإن تصرف مضى) أي ويجب على الآخذ لشيء من المغنم إن علم بملك مسلم أو ذمي معين، ترك تصرفه فيه بوطء أو غيره، ليخيره في أخذه بالثمن أو تركه، لأنه مملوك له، فإن وقع ونزل وتصرف فيه، فإن تصرفه يمضي، وإن ارتكب محرما.
قوله: (كالمشتري من حربي) تشبيه أي كما أن على المشترى ملك معين لمسلم، أو ذمي من حربي ألا يتصرف فيه حتى يخيره في أخذه بعوضه أو تركه.
_________________
(١) فتح الجليل: ج ٢، لوحة: ٥٣.
[ ٢ / ١٧٩ ]
قوله: (باستيلاد، إن لم يأخذه على ربه لربه، وإلا فقولان وفي المؤجل تردد) متعلق بقوله: وإن تصرف أي وإن تصرف باستيلاد مضى التصرف، والعتق أحرى، وكذلك يمضي بالتدبير والكتابة، وهذا كله إن لم يأخذه من المغنم على نية رده لربه، وإلا أي وإن أخذه على نية رده لربه ثم بدا له فاعتقه ناجزا، أو استولدهما فقولان في الإمضاء وعدمه، الإمضاء للقابسي وأبي بكر بن عبد الرحمن، وعدم الإمضاء لابن الكاتب (^١) وجماعة، لأنه أخذه ليرده لصاحبه. انتهى.
وإن أعتقه إلى أجل ففي إمضائه لمن صار له العبد أو الأمة، ورده تردد، لعدم نص المتقدمين. انتهى.
قوله: (ولمسلم أو ذمي أخذ ما وهبوه) أي أخذ ما وهبه الكفار (بدارهم) أي بلدهم (مجانا) أي بلا شيء إذ هو هبة بغير عوض.
قوله: (وبعوض به) أي وإن وهبوه بعوض فلربه أخذه بالعوض المدفوع فيه، مثليا كان أو غيره حيث لقيه أو حاكمه كالسلف.
قوله: (إن لم يبع فيمضي، ولمالكه الثمن أو الزائد) أي إنما له أخذ ما وهبوه مجانا، وأخذه بالعوض إن كان بعوض، إن لم يبع الشيء، فأما إن بيع، فإن البيع ماض، ولربه الثمن كله في الموهوب، وله الزائد عن العوض المدفوع فيه.
وقوله: إن لم يبع قيد في المسألتين.
قوله: (والأحسن في المفدي من لص) أي والأحسن من القولين في المفدي من لص أو غاصب (أخذه بالفداء)، إذ لو أخذ بغير شيء مع كثرة أخذ اللصوص، استد هذا الباب مع حاجة الناس إليه، ومقابله أخذه بغير شيء.
قال ابن رشد: وهو الأقيس لأن اللص ليس له شبهة ملك بخلاف الحربي.
واقتصر المصنف على ما قاله، مع أن كل واحد منهما رجح. زاد في توضيحه عن ابن عبد السلام: لا شك في منع أخذ المفدي الأجرة إن دفع الفداء من عنده،
_________________
(١) هو عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الكناني، أبو القاسم المعروف بابن الكاتب. فقيه مالكي، من فقهاء القيروان المشاهير وحذاقهم. قال ابن سعدون: كان موصوفا بالعلم والفقه والنظر، وفضله مشهور. تفقه في مسائل مشتبهة من المذهب. ولقيه أبو القاسم الطائي بمصر، وسأله عن فروق أجوبته في مسائل مشتبهة من المذهب. قال الطائي: وقد كان أعضل جوابها بكل من لقيته من علماء القيروان: فأجابني أبو القاسم فيها ارتجالا على ما كان عليه من شغل البال بالسفر. ولأبي القاسم كتاب كبير في الفقه، نحو مائة وخمسين جزءا. [ترتيب المدارك ٣/ ٧٠٦ - ٧٠٧]
[ ٢ / ١٨٠ ]
لأنه سلف وإجارة، وإن كان الدافع غيره ففي ذلك مجال للنظر. انتهى. فتح الجليل (^١).
وهذا كله إن فداه لربه، وأما إذا فداه لنفسه، فإن ربه يأخذه منه بغير شيء، كما هو كثير في هذا الزمان، وإن أشهد أنه إنما فداه لربه، لأن ذلك من حيل الفساق في إسقاط الاستحقاق. انتهى.
ومن فدى حرا من أيدي العدو بأمره أو بغير أمره، فله اتباعه على ما أحب أم كره، قاله في المدونة (^٢).
قوله: (وإن أسلم لمعاوض) شمل المعاوض المشتري والمكافئ أي وإن أسلم المعاوض (مدبر ونحوه) من معتق لأجل، فيما دفعه عوضا عن كل بدار الحرب، أو غيرها ليستوفي عوضه من خدمته (استوفيت خدمته) في ذلك فإن وفت من المدبر قبل موت سيده، ومن المعتق قبل الأجل، فلا كلام للمعاوض، لوصوله لما دفعه، (ثم) إن لم تف الخدمة قبل ذلك، هل يتبع إن عتق المدبر بموت السيد؟ أو انقضاء الأجل في المعتق لأجل بالثمن) للمعاوض فيه كله، (أو إنما يتبع بما بقي؟ قولان).
قوله: (وعبد الحربي يسلم - حر إن فر، أو بقي حتى غنم) أي وإن أسلم عبد لحربي فهو حر إن فر إلينا لأنه غنم نفسه، فإن فر بمال فهو له، وكذلك حر إن أسلم وبقي بدار الكفر حتى غنم وسيده كافر.
أبن الماجشون: يرق للجيش.
ابن يونس: وهو أقيس.
ومفهوم إن فر إلينا أنه لا يكون حرا بمجرد إسلامه وهو كذلك خلافا لأشهب وسحنون: في حريته خرج إلينا أم لا وثمرة للخلاف لو باعه إثر إسلامه لمسلم أو أعتقه أو وهبه هل يلغى تصرفه أم لا وعلى إلغائه أبتاع أبو بكر بلالا حين أسلم بدار الشرك من أمية بن خلف لما رآه يعذبه وأعتقه فلو كان ملكه انتقل عن أمية حين إسلامه كان فداء ولم يكن ولاؤه لأبي بكر. انتهى فتح الجليل (^٣).
وأول من أسلم من العبيد بلال.
_________________
(١) فتح الجليل: ج ٢، اللوحة: ٥٤.
(٢) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ١، ص: ٢٦٠.
(٣) فتح الجليل: ج ٢، اللوحة: ٥٤.
[ ٢ / ١٨١ ]
قوله: (لا إن خرج بعد إسلام سيده، أو بمجرد إسلامه) أي لا يكون حرا إن خرج إلينا بعد إسلام سيده بل ملك لسيده، وكذلك لا يكون حرا إذا خرج إلينا مسلما بمجرد إسلام السيد بأن أسلما معا.
الحاصل: عبد الحربي يسلم حر في وجهين، وعبد في وجهين. انتهى.
قال اللقاني: حل الشارح هذا كما قد علمت أنه لا يكون حرا بمجرد إسلام السيد، وهذا مستفاد من قوله: لا إن خرج بعد إسلام سيده، والظاهر أنه أشار بهذا إلى قول ابن القاسم في المدونة: إذا أسلم عبد وبقي عند سيده ببلاد الحرب، فدخل مسلم إليهم بأمان فابتاعه منه فإنه ملك لمبتاعه، خلاف قول أشهب وغيره في المدونة: أنه يكون بمجرد إسلامه حرا قام أو قدم إلينا، لكن حق العبارة أن يقول: لا بمجرد إسلامه. انتهى منه.
قوله: (وهدم) الهدم بالدال المعجمة القطع أي وقطع (السبي النكاح) بين الزوجين الكافرين، سبيا معا أو مفترقين، واستبرأها سابيها لحيضة لأنها أمة، ثم اسنتثى من عموم هذا السبي نكاح مسلمة واحدة فلا يهدمه بل يبقيان على نكاحهما بقوله: (إلا أن تسبى) أي الزوجة (وتسلم بعده) أي بعد إسلام الزوج، ويقران على نكاحهما، لأنها أمة مسلمة تحت مسلم، ومفهوم تسلم إن لم تسلم لم يبقيا زوجين، وهو كذلك لأنها أمة كافرة والمسلم لا يتزوجها.
وعلى ظاهر كلام المصنف: أن مجرد السبي هادم للنكاح، من اشترى زوجين مسبيين فله وطئ الأمة وقاله ابن قسيط (^١).
قوله: (وولده وماله فيء) أي وولد من أسلم وخرج إلينا وماله فئ (مطلقا) أي كان الولد صغيرا أو كبيرا، إلا إذا حملت به بعد أن أسلم، فيكون مسلما، قسم المال أو لم يقسم خرج إلينا أم لا، ولو بقي بدار الحرب ففي كونه كما لو خرج قولان للمتأخرين.
وفي نوازل ابن الحاج مال المسلم المقيم بدار الحرب، كمال من أسلم وأقام بدار الحرب.
قال ابن الحاج: يترجح أن يحكم في مال المدجنين بقول أشهب وسحنون.
_________________
(١) يزيد بن عبد الله بن قسيط ابن أسامة الليثي أبو عبد الله المدني الأعرج: ثقة من الرابعة مات سنة: ١٢٢ هـ وله تسعون سنة. تقريب التهذيب لابن حجر: ص: ٥٣٢، الترجمة: ٧٧٤١.
[ ٢ / ١٨٢ ]
ولأن مال من أسلم كان مباحا قبل إسلامه بخلاف مال المدجنين. انتهى من التاج والإكليل (^١).
قوله: (لا ولد صغير لكتابية سبيت، أو مسلمة، وهل كبار المسلمة فيء، أو إن قاتلوا؟ تأويلان) أي لا يرق ولد صغير ولد بدار الحرب لكتابية، أو مسلمة، فسبيت وولدت كل منهما عندهم، ثم غنمهما المسلمون فولد هما بمنزلتهما فلا يكون ولدهما رقا على المشهور.
قال في التهذيب: وإن أسر العدو حرة مسلمة أو ذمية، فولدت عندهم أولادا، ثم غنمها المسلمون، فولدها الصغار بمنزلتها لا يكونون فيئا، وأما الكبار إذا بلغوا وقاتلوا فهم فيء. انتهى (^٢).
وهل كبار أولاد المسلمة فئ؟ لأنهم على حال يمكنهم القتال، وإليه ذهب ابن شبلون، أولا يكونوا فيئا إلا أن يقاتلوا وإلا فلا، وإليه ذهب ابن أبي زيد وعبد الوهاب فيه تأويلان على قولهما، وأما الكبار إذا بلغوا وقاتلوا فهم فيء، وأما كبار الذمية ففيء اتفاقا. انتهى.
قال صاحب فتح الجليل: خص المصنف كبار المسلمة مع أنه في المدونة لم يخصهم بل لما ذكر المسألة السابقة وهي ما إذا أسر العدو حرة مسلمة أو ذمية فولدت عندهم أولادا ثم غنمها المسلمون أن الصغير بمنزلتها لا يكون فيئا.
قال: وأما الكبار إذا بلغوا وقاتلوا فهم فيء، وقد يجاب فإنه ذكر كبار المسلمة للخلاف فيهم، وأما كبار الذمية ففيء اتفاقا، وهو ظاهر كلام ابن الحاجب، وصرح به ابن بشير (^٣).
قوله: (وولد الأمة لمالكها) أي وولد الأمة يغنمه المسلمون لمالكهما، صغارا كانوا أو كبارا من زوج أو غيره على المشهور، وإن بلغ وقاتل، لأن الولد تابع لأمه في الرق والحرية.
* * *
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق: ج ٤، ص: ٥٩٢.
(٢) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ١، ص: ٢٦١.
(٣) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٥٤ - ٥٥.
[ ٢ / ١٨٣ ]
فصل [في الجزية وأحكامها]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه الجزية وشروطها، والمهادنة، وفك الأسير، وما يتعلق بذلك، ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب.
وسميت الجزية جزية لأنها جزت عن القتل أي كفت عنه، واقتضت عصمة الأموال والدراري.
قوله: (عقد الجزية) أي إنما يكون عقد الجزية بإذن الإمام) أو نائبه، فلا ينعقد بإذن غيره (لكافر صح سباؤه)، وإن كان قرشيا، واحترز بالكافر من الكافرة لأنها لا جزية عليها وأحرى مسلم، وبقوله: صح سباه احترازا من المرتد لأنه لا جزية عليه، بل إن أسلم فلا كلام وإلا قتل. انتهى.
قال في الجواهر: قال القاضي أبو الوليد: هذا ظاهر مذهب مالك قال: وقال عنه القاضي أبو الحسن أنه استثنى القرشي من ذلك، قال ابن الجهم: تؤخذ الجزية من كل من دان بغير الإسلام، إلا ما أجمع عليه من كفار قريش.
وذكر في تعليل ذلك أنه إكرام لهم عن الذلة والمهانة والصغار، لمكانهم من النبي ﷺ.
وقال غيره إنما ذلك لأن جميعهم أسلم يوم فتح مكة (^١).
وقوله: (مكلف) احترز به من المجنون والصبي لأنه لا جزية عليهما.
وقوله: (حر) احتراز من العبد لأنه لا جزية عليه وبقوله: (قادر) أي على أدائها من العاجز عنها فإنها لا تضرب عليه.
قوله: (مخالط) أي مخالط لقومه أو راهب الكنيسة احترازا من رهبان الأديرة والصوامع فإنهم لا جزية عليهم.
قال صاحب فتح الجليل: قال ابن حارث: اتفاقا، وهل تسقط عمن كانت عليه بترهبه أولا قولان:
الأول لابن القاسم مع ظاهرة كلام مالك.
والثاني لمطرف وابن الماجشون (^٢).
_________________
(١) الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ١، ص: ٣٢٦ - ٣٢٧.
(٢) فتح الجليل: ج ٢، اللوحة: ٥٥
[ ٢ / ١٨٤ ]
قوله: (لم يعتقه مسلم) احترز به مما إذا أعتقه مسلم فإنه لا تؤخذ منه الجزية بخلاف معتق الذمي تنزيلا للمعتق منزلة معتقه وهو قول ابن القاسم في المدونة وهو المشهور خلافا لابن حبيب.
وظاهر كلام المصنف سواء عتق ببلاد الحرب أو الإسلام.
قال ابن رشد: إنما الخلاف في معتق ببلد الإسلام، وأما معتق بلاد الحرب فعليه بكل حال (^١).
قوله: (سكنى غير مكة) أي والجزية في سكنى غير مكة (والمدينة واليمن) وهي جزيرة العرب وأما جزيرة العرب فلا يسكنون فيها لقوله ﷺ: لا يبقين دينان بجزيرة العرب. انتهى.
وقوله: (ولهم الاجتيان) مستغنى عنه بمفهوم قوله: سكنى أي وللكفار الاجتياز بجزيرة العرب.
قوله (بمال) أي إنما يكون العقد بها بمال.
قال في الأخيرة: فلو أقرهم من غير جزية أخطأ، ويخيرون بين الجزية والرد للمأمن (^٢).
قوله: (العنوي) هو من فتحت بلده قهرا أي وقدر الجزية على العنوي (أربعة دنانين) من أهل الذهب أو أربعون درهما) من أهل الورق (في) كل (سنة) قمرية واللام في قوله: للعنوي بمعنى على، قال سحنون وإن كونوا أهل إبل فما أرضاهم عليه الإمام (^٣).
قال صاحب الذخيرة عادة الشرع دفع أعظم المفسدتين بإيقاع أدناهما، وتفويت المصلحة الدنيا بدفع المفسدة العليا، ومفسدة الكفر توفي على مصلحة المأخوذ من أموال الكفار جزية بل على جملة الدنيا. انتهى (^٤).
فلم أقروا على الكفر بهذا القدر اليسير، ولم لا حتم المقتدى درء للمفسدة، فأجاب بأن هذا من باب التزام المفسدة الدنيا، لتوقع المصلحة العليا، لأن الكافر إذا قتل انسد عليه باب الإيمان ومقام السعادة، فشرعت الجزية رجاء إسلامه في
_________________
(١) هذا نص ما ذكره في منح الجليل شرح مختصر خليل
(٢) الذخيرة للقرافي: ج ٣، ص: ٤٥٣
(٣) فتح الجليل: ج ٢، اللوحة: ٥٥
(٤) الذخيرة للقرافي: ج ٣، ص: ٤٥٣.
[ ٢ / ١٨٥ ]
المستقبل لا سيما مع اطلاعه على محاسن الإسلام، وإن مات توقعنا ذلك من ذراريه إلى يوم القيامة، وساعة من إيمان تعدل دهرا من كفر، وفعقد الجزية من آثار الرحمة. انتهى فتح الجليل (^١).
قوله: (والظاهر آخرها) أي والظاهر عند ابن رشد أنها تؤخذ آخر السنة.
قال مغني النبيل: وهو الصحيح لأنه حق تعلق وجوبه بالحول فوجب أن يؤخذ آخره. انتهى.
قال فتح الجليل: قال بن عرفة عن ابن رشد: لا نص لمالك وأصحابه في زمن وجوبها، وظاهره المذهب والمدونة آخر العام وهو القياس كالزكاة. انتهى (^٢).
أبو حنيفة: تؤخذ أول السنة الشافعي: آخرها. انتهى.
قال ابن فرحون في تبصرته جباية الجزية، وخراج أراضي العنوة للحاكم، ولو جعلت للعامة لفسد الحال (^٣).
قوله: (ونقص الفقير بوسعه) أي ونقص الفقير عما ذكر وأخذ منه بقدر طاقته، ولو درهما بتدريج وتسقط عمن لا يقدر على شيء ولا يطالب بها بعد غناه (ولا يزاد) الجزية على أربعة دنانير من أهل المذهب أو أربعون درهما من أهل الورق وإن كثر غناه، وفي الكافي يزاد وزاد أنها تؤخذ ممن بغ ولا ينظر به الحول. انتهى فتح الجليل (^٤).
قوله: (وللصلحي) أي وقدر به للصلحي وهو من منع نفسه وبلده حتى صولح (ما شرط) عليه ورضي به من قليل أو كثير من غير حد من كيفية وكم وزمان.
قوله: (وإن أطلق) أي وإن أطلق الصلحي في صلحه بأن أوقعه مبهما ولم يشترط شيئا (فكالأول) وهو العنوي أربعة دنانير أو أربعون درهما (والظاهر) عند ابن رشد: (إن بذل الأول أي ما ذكر أولا من المال (حرم قتاله) ولزم الإمام قبوله.
غفل الشارح هنا تخلته في بعض شروحه.
قوله: (مع الإهانة) أي ويكون العقد بمال مع الإهانة لهم (عند أخذها) منهم
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٥٥
(٢) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٥٥
(٣) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ٨٦.
(٤) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٥٥
[ ٢ / ١٨٦ ]
بالغلظة والشدة لا على وجه التملق والترفق قال الله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صغرون﴾ [التوبة: ٢٩] الآية.
قوله: (وسقطنا بالإسلام) أي وسقطت الجزية العنوية والصلحية بسبب إسلام من كانت عليه.
قوله: (كأرزاق المسلمين، وإضافة المجتاز ثلاثا للظلم) تشبيه لإفادة الحكم أي كما تسقط عنهم أرزاق المسلمين التي كان قدرها عمر ﵁ مع الجزية لأجل الظلم الذي أحدث عليهم مفهومه إن لم يكن ظلم فلا تسقط وهو كذلك.
وكذلك يسقط عنهم إضافة المجتاز بهم ثلاثا لأجل الظلم عليهم، والأرزاق التي قدرها عمر ﵁ عليهم مدان من حنطة على كل نفس في الشهر، مع ثلاثة أقساط زيت ممن كان بالشام والجزيرة.
وعلى من كان من أهل مصر إردب من حنطة في كل شهر، قال: ولا أدري كم من الودك والعسل، وعليهم من الكسوة التي كان عمر يكسي الناس.
وعلى أهل العراق خمسة عشر صاعا كل شهر على كل رجل مع كسوة معروفة، ولا أدري كمن قدرها، كان عمر يكسوها الناس، فإن زيد اليوم عليهم من الذهب والورق ما بينهم وبين ما كان عليهم من سوى العين؛ لم يخرج فاعله من قضاء عمر ﵁ وقال مالك: أرى أن يوضع عنهم اليوم من الضيافة والأرزاق لما أحدث عليهم من الجور. انتهى من تبصرة اللخمي (^١).
قوله: (والعنوي حر) أي والذمي العنوي حر على المشهور مع أهله وماله، وقيل عبيد للمسلمين، (وإن مات أو أسلم فالأرض التي كانت بيده (فقط للمسلمين) لأنها أبقيت في أيديهم ليعملوا فيها فتكون لهم إعانة على أداء الجزية فإذا مات أو أسلم ذهب.
وأشار بقوله: فقط إلى أن غير الأرض من الأموال كالرقيق والحيوان والعروض له أو لورثته، وشهره أبن الحاجب واقتصر عليه المصنف مع قوله: لم أر من شهره وسواء كان ذلك بأيديهم قبل الفتح، أو اكتسبوه بعده، وقيل لا يملكون شيئا.
ابن نافع: يملكون ما اكتسبوه بعده فقط.
قوله: (وفي الصلح) أي وأما الصلح (إن أجملت) الجزية بأن وقعت على البلد وما حوت من شجر وأرض ورقاب بغير تفصيل (فلهم أرضهم).
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج ٣، ص: ١٤٥٣.
[ ٢ / ١٨٧ ]
ابن القاسم: يبيعونها ويقسمونها، (و) لهم (الوصية بمالهم)، ولو كله (وورثوها)، فإن لم يكن له وارث، فلأهل مؤداهم إذ لا تنقض الجزية بموت من مات. انتهى.
ابن حبيب الأرض الموقوفة للجزية لا تباع ولا تورث ولا تكون لهم وإن أسلموا عليها، (وأما إن فرقت) جزيتهم (على الرقاب) فقط، كعلى كل رأس كذا، (فهي) أي الأرض (لهم) يبيعونها ويقسمونها ويرثونها، وتكون لهم إن أسلموا، إلا أن يموت أحد منهم (بلا وارث)، (ف) يكون للمسلمين) متروكه من أرض ومال لا لأهل مؤداه، (ووصيتهم) نافذة (في الثلث) فقط، (وإن فرقت) المعاقدة (عليها) أي على الأرض كعلا كل زيتونة مثلا كذا، (أو عليهما) أي على الرقاب، أو الأرض معا، (فلهم بيعها، ويكون (خراجها على البائع) عند ابن القاسم في المدونة وغيرها، ويبقى وجه رابع ذكره ابن يونس وهو ما إذا كانت مجملة على الرقاب دون البلد، فلهم بيع الأرض وتورث عنهم كالمفصلة على الجماجم. انتهى.
وروي عن ابن حبيب أن الجزية الصلحيه جزيتان:
إحداهما على الجماجم، فتزيد بزيادتهم، وتنقص بنقصانهم، ويبرأ من أداها وإن لم يؤد غيره شيئا.
والثانية على جملتهم فلا تزاد بزياتهم، ولا تنقص بنقصانهم، ولا يبرأ أحد منهم إلا بأداء الجميع لأنهم حملاء. انتهى فتح الجليل (^١).
مسألة: وإذا قلنا بجواز بيع الأرض الصلحية، فلا يخلو أن يكون ذلك على الإطلاق، أو على اشتراط الخارج، فإن كان على الإطلاق، فإن ظاهر المدونة في قول ابن القاسم يقتضى أن الخارج على البائع أبتاعها من مسلم أو ذمي، ووجهه أن عقد الصلح قد اقتضى تعلق الخراج بذمته، فلا يزيله عن ذلك بيعه الأرض ولا هبتها، يدل على ذلك أنه إذا أسلم سقط الخراج عن الأرض، فوجب أن يتعلق الخراج به دون الأرض لأن المراعى في ذلك صفته لا صفة الأرض، وظاهر قول أشهب في المدونة أن الخراج على المبتاع، ووجه ذلك أن الخراج إنما يجب بسبب الأرض مع بقاء المصالح عليها على الكفر، فوجب أن ينتقل الخراج حيث انتقلت الأرض، لأن تلك الأرض لو استعذرت فتلفت تلفا لا يكمن جبره، سقط الخراج بسببها، فوجب أن ينتقل الخراج معها.
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٥٦
[ ٢ / ١٨٨ ]
فرع: فإن قلنا بقول ابن القاسم إن الخراج على البائع مع إطلاق العقد، فإن شرطه على المبتاع، ففي المدونة من قول ابن القاسم إن البيع حرام لا يحل، لأنه اشترط عليه ما لا يدري قدره ولا منتهاه ولا مبلغه، ومعنى ذلك أن البائع قد يبقى على كفره فيدوم بقاء الخراج على الأرض، وقد يسلم بعد بيعه بيوم فيسقط الخراج عن الأرض، وهذا غرر لا يجوز مثله في البيع.
وقد ألحق أهل بلدنا بذلك ما لزم أرض الإسلام ومن وظائف الظلم للسلاطين فأجروها مجراها على مذهب ابن القاسم عندهم.
قال القاضي أبو الوليد الله وهذا عندي غير صحيح، لأن هذه الوظائف ليست بحق ثابت، وإنما هي مظالم لا تثبت بوجه حق ولا تجب، يدل على ذلك أنه من أمكنه دفعها عن نفسه بفرار أو غيره لم يأثم بذلك، وخراج أرض الصلح إذا ثبت عليه لم يحل له دفعه عن نفس بفرار ولا امتناع وإنما ذلك مثل هذه المظالم الموظفة على الأرض، مثل: ابتياع الإنسان الثياب في البلد التي يجب على المبتاع منه مكس في كل ما يبتاع منه، فإن ذلك لا يمنع صحة بيعه ولا صحة ابتياعه، وكذلك من أكترى دابة في طريق يعلم أنه سيؤخذ منه على كل دابة مكس، وربما خفى أمره فسلم، فإن ذلك لا يمنع صحة الكراء. انتهى من المنتقى (^١).
قوله: (وللعنوي إحداث كنيسة، إن شرط) أي وجاز للعنوي إحداث كنيسة إن شرط ذلك عند عقد الجزية وفاءا، (وإلا) أي وإن لم يشرطه (فلا) يجوز عند غير ابن القاسم وعنده يجوز.
قوله: (كرم المنهدم تشبيه لإفادة الحكم أي كما له رم أي إصلاح المنهدم إن شرطه وإلا فلا يجوز.
قوله: (وللصلحي) أي وجاز للصلحي (الإحداث) للكنيسة وفاء لعهدهم، ورم المنهدم ببلد لا يسكنها مع المسلمين شرطه في صلحه أولا نص عليه ابن القاسم، (و) يجوز له (بيع عرصتها) أي عرصة الكنيسة، (أوحائط) منها.
قال في مغني النبيل: أي أو حائط حبس عليها.
قوله: (لا ببلد الإسلام) أي ولا يجوز شيء من ذلك ببلد الإسلام اتفاقا وإن أعطوا على ذلك ملء الأرض ذهبا، إلا لمفسدة أعظم من الإحداث بارتكاب أخف
_________________
(١) المنتقى للباجي
[ ٢ / ١٨٩ ]
الضررين.
قوله: (ومنع ركوب الخيل والبغال والسروج، وجادة الطريق) أي ومنع الذمي ركوب الخيل، والبغال النفسية، ويمنع الركوب على السروج.
قال صاحب فتح الجليل: قال في الذخيرة: إما لأنه شرط في العقد أو لأن الصغار يأباه (^١).
قال الشارح في الصغير: ولا يركب السرج على الحمير ويركبون على الأكف عرضا (^٢)، وكذلك يمنع سلوك جادة الطريق أي معظمه إذا لم تكن خالية لخبر: «لا تبدءوهم بالسلام والجئوهم لأضيق الطريق» (^٣) (^٤).
قوله: (وألزم بلبس يميزه، وعزر لترك الزنار، وظهور السكر، ومعتقده، وبسط لسانه، وأريقت الخمر، وكسر الناقوس) اللبس بكسر اللام ملبوس أي وألزم الذمي بملبوس يميز به عن المسلمين، وعزر لترك الزنار.
الزنار بضم الزاي ما يشد به الوسط ليكون علامة على ذله، وكذلك يعزر على كظهور السكر بين المسلمين، وكذلك يعزر في إظهار معتقده في المسيح أنه ابن الله تعالى، ويعزر على بسط لسانه على مسلم، أو بحضرته، وأريقت الخمر إن ظهروها أو حملوها من بلد لآخر، وأما إن لم يظهروها فأراقها المسلم ضمن لتعديه، وكذلك يكسر الناقوس وهو خشبة لها صوت حسن إذا ضربت، يضربونها ليجتمعوا لصلاتهم، وكذلك يؤدب من أظهر خنزيرا، أو صليبيا في أعيادهم. قاله في الجواهر (^٥).
وقال: قال عمر ﵁: سموهم، ولا تكنوهم، وأذلوهم، ولا تظلموهم، ولا تبدؤوهم بالسلام، ونهى عمر أن يتخذ منهم كاتب، قال الله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾ [آل عمران: ١١٨] (^٦).
_________________
(١) الذخيرة للقرافي: ج ٣، ص: ٤٥٩.
(٢) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٥٦
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى: ٤٨ - باب إنصاف الخصمين في المخل الحديث: ٢٠٩٦٩
(٤) الشرح الصغير للشيخ بهرام: اللوحة: ١٠٧. مخطوط أصله في مكتبة الشريف عبد المؤمن بمدينة تيشيت. بتصرف.
(٥) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ١، ص: ٣٣٢ - ٣٣٣.
(٦) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ١، ص: ٣٣٢.
[ ٢ / ١٩٠ ]
قوله: (وينتقض بقتال، ومنع جزية، وتمرد على الأحكام، وبغصب حرة مسلمة، وغرورها، وتطلعه على عورات المسلمين، وسب نبي بما لم يكفر به، قالوا كليس بنبي، أو لم يرسل، أو لم ينزل عليه قرآن، أو تقوله) أي وينتقض العهد بقتال، المفهوم من السياق بقتال المسلمين، لمنافاته الإيمان والتأمين وهما مقصود العقد، وكذلك ينتقض بمنع جزية، لأنها عوض عن تأمينهم وحقن دمائهم، وكذلك ينتقض بسبب تمرد على الأحكام بأن يظهر عدم المبالاة بترك ما أمر به أو فعل ما نهي عنه، أو استعانة بجاه من يخشى منه الحاكم على نفسه أو ماله أو عرضه، وكذلك ينتقض بسبب غصب حرة مسلمة وزنى بها، واحترز بالغصب من الطوع فليس نقضا عند مالك خلافا لابن وهب نقله اللخمي عنهما، وبالحرة من الأمة، وبمسلمة من ذمية، فإنه لا ينتقض بغصب الأمة المسلمة.
قال في الجلاب: وان استكره أمة فالعقوبة الشديدة، وما نقص من ثمنها. انتهى. قال محمد: إلا أن يعاهد على أنه إن أتى شيئا من ذلك انتقض، وكذلك ينتقض عهده بسبب غرور مسلمة بأنه مسلم وتزوجها.
وقال مغني النيل: وغرورها بإسلام حتى استمتع بها وإن بزني، وكذلك ينتقض العهد بسبب تطلع على عورات المسلمين، وإن لم يطلع عليها، وبإطلاعه عليها عدوا، وإن لم يطلع عليها، وكذلك ينتقض العهد بسبب سب نبي بالشيء الذي لم يكفروا به إذا ثبتت نبوته عندنا، سواء ثبت عندهم أولا، فسب يهودي سليمان وداوود صلى الله عليهما وسلم نقض، ولا ينفعه قوله ليس بنبي عندي، وأما إن سبه بما كفر به كقوله في نبينا لم يرسل إلينا وإنما بعث للعرب، فإنه لا ينتقض عهده، ومثل المصنف لما ذكره مما ينقض العهد من السب بقوله: قالوا كليس بنبي أو لم يرسل أو لم ينزل عليه قرآن أو تقوله أي اختلقه من تلقاء نفسه.
القول يحتمل الصدق والكذب، والتقول لا يحتمل إلا الكذب، قال تعالى: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل﴾ [الحاقة: ٤٤] ﴿أو عيسى خلق محمدا، أو﴾ قال (مسكين محمد يخبركم أنه في الجنة ماله لم ينفع نفسه حين أكلته الكلاب).
قال شيخنا محمود بن عمر حفظه الله تعالى: ينبغي أن لا يدخل هذا في التبري لأن فيه استهزاء للنبي ﷺ.
سأل ابن القاسم مالكا عن نصراني بمصر قاله وزاد لو قتلوه استراح الناس منه.
[ ٢ / ١٩١ ]
فقال: أرى أن تضرب عنقه.
قوله: (وقتل إن لم يسلم) أي فإن حصل من الذمي شيء من الأمور التي يكون بها ناقضا للعهد فإنه يقتل لأنا لم نعطه العهد أو الذمة على هذا، إلا أن يسلم فلا يقتل إذ قتله لنقض العهد لا للحد. انتهى.
والشفا فيما يتعلق بهذا الباب في الشفا بتعريف حقوق المصطفى.
قوله: (وإن خرج لدار الحرب) أي هذا الذمي المعاهد ناقضا للعهد إلى دار الحرب هاربا وقدر عليه بعد ذلك (وأخذ استرق) عند مالك وأصحابه إلا أشهب (إن) لم يظلم، وإلا) أي وإن خرج لظلم لحقه (فلا) يسترق على المشهور وهو مذهب المدونة.
قوله: (كمحاربته) تشبيه لإفادة الحكم أي كما لا يسترق لأجل محاربته بدار الإسلام غير مظهر للخروج عن الذمة، فإن حكمه كالمسلم المحارب، وسيأتي في آخر الكتاب إن شاء الله، ولا معارضة بين هذا وما تقدم من أنه إذا قاتل المسلمين انتقض عهده، كما توهمه بعضهم، لأنه هناك أظهر القتال وها هنا متلصص.
وقال ابن مسلمة: يرق.
قوله: (وإن ارتد جماعة وحاربوا فكالمرتدين) أي وإن ارتد جماعة بعد إسلامهم، وحاربوا المسلمين وأخذوا، فحكمهم حكم المرتدين الذين لم يحاربوا، فإن تابوا وإلا قتلوا، ولا تسبى العيال وهو فعل عمر ﵁، وعليه جماعة العلماء وأئمة السلف إلا قليلا، وقال أصبغ كالكفار المحاربين فيسترقوا أولادهم وعيالهم وهو فعل الصديق ﵁.
قوله: (وللإمام المهادنة) أي وللإمام المسالمة مع الكفار (لمصلحة؛ إن خلا) عقدها (عن) شرط فاسد (كشرط بقاء مسلم) أسيرا في أيديهم، وأن يحكموا بين المسلم والكفار بحكمهم.
واستغنى المصنف عن حدها بذكر شروطها وهي أربعة كما في الأخيرة: أولها بقوله: وللإمام فلا يتولى عقدها غيره.
وثانيها بقوله: لمصلحة كالعجز عن القتال علي وفق الرأي السديد للمسلمين لقوله تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ [الأنفال: ٦١]، فإن لم تكن مصلحة بأن ظهر المسلمون عليهم لم يجز.
[ ٢ / ١٩٢ ]
الشرط الثالث: أن يكون عقدها خال عن شرط فاسد، (وإن) كان الفساد (ب) سبب (مال) يدفعه الإمام لهم، (إلا لخوف) على استئصال المسلمين فيجوز المصالحة على الشرط الفاسد.
والشرط الرابع: قوله: (ولا حد) أي ولا حد لمدة الهدنة من طول وقصر بل يجتهد الإمام فيما هو أصلح بقدر الحاجة، ولا يطيل مدتها لما قد يحدث من قوة الإسلام.
(وندب أن لا تزيد) مدتها (على أربعة أشهر) مع القدرة.
قوله: (وإن استشعر خيانتهم نبذه) أي وإن استشعر الإمام خيانتهم قبل المدة، نبذ العهد ويرده إليهم.
قال صاحب فتح الجليل: ظاهره وجوبا.
ابن العربي: إن قيل كيف ينقض العهد المتيقن بالخوف وهو ظني، قيل: إذا ظهرت آثار الخيانة ودلائلها، وجب نبذه خوف الوقوع في الهلكة بالتمادي، وسقط اليقين هنا بالظن بالضرورة، وقرره الشارح على أن له ذلك تبعا لقوله في الذخيرة: فله ذلك (^١).
قوله: (وأنذرهم) أي وحذرهم.
قوله: (ووجب الوفاء وإن برد رهائن، ولو أسلموا كمن أسلم، وإن رسولا، إن كان ذكرا) أي وهذا إشارة لحكم عقد الهدنة، وهو وجوب على الإمام الوفاء بما شرطوا في العقد، وإن كان اشترط برد ما عندنا لهم من رهائن فيرودن ولو أسلموا وفاء بالعهد، وكذلك من أسلم منهم ولحق بنا، وشرط رده إليهم فإنهم يوفي لهم بذلك، وإن كان من أسلم رسولا وفاء بالعهد إن كان ذكرا، وأما الأنثى فلا ترد لقوله تعالى: ﴿فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ [الممتحنة: ١٠] وبالغ عليه لمخالفة ابن الماجشون.
قوله: (وفدي بالفيء، ثم بمال المسلمين، ثم بماله، ورجع بمثل المثلي وقيمة غيره) أي وفدي من رد إليهم وغيره من الأسرى بالفيء، وهو بيت المال، فإن عجز بيت المال، أو لم يوصل إليه، فدي بمال المسلمين، لأنه فرض كفاية عليهم على قدر أموالهم، والأسير كأحدهم إن كان له مال، وظاهره ولو بجميع مالهم وقاله
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٥٨.
[ ٢ / ١٩٣ ]
اللخمي (^١).
وقال: ويلزم على قوله: أن يفتدى بالمال الذي خلفه، فيبعث لافتدائه وإن كره عز ماؤه، وهذا التغليب أحد الضررين فيما يناله من العدو، أو يخشى عليه أن يفتتن.
انتهى من التبصرة.
ابن عرفة: ما لم يخش استيلاء العدو لذلك، ثم إن ضيع الإمام والمسلمون ذلك فدي بماله، وظاهر كلام المصنف وجوب الفداء وعليه مالك والأكثر. انتهى.
وإن فداه غيره بمال نفسه رجع عليه بمثل المثلي وقيمة غيره، واعترض لأن السلف إنما عليه رد مثله.
ابن عبد السلام: الأظهر المثل مطلقا لأنه فرض.
قوله: (على الملي والمعدم، إن لم يقصد صدقة، ولم يمكن الخلاص بدونه) أي يرجع الفادي على المليء حالا، وعلى المعدم بأن يتبع ذمته، فيأخذ منه عند يسره فلا يسقط بفقره، وظاهره ولو فداه عالما بعدمه حال الفداء، وهو كذلك عند ابن القاسم هنا خلاف في ما له في عدم الرجوع في منفق على صغير معدم، والفرق أن الكبير قادر بخلاف الصغير فهو محتسب، ومحل رجوع الفادي إن لم يقصد بالفداء صدقة عليه، ولم يكن الخلاص بدون الفداء، ليشمل صورتين بأن يخلصه مجانا، أو بدون ما يفدي به، فإن قصد الصدقة أو فداه مجانا فلا رجوع له بشيء، وإن فداه بدون ما يفدي به رجع بقدره فقط.
قوله: على المليء متعلق بقوله: ورجع.
قوله: (إلا محرما أو زوجا إن عرفه أو عتق عليه، إلا أن يأمره به ويلتزمه)، هذا استثناء من قوله: رجع أي فلا يرجع الفادي على قريب محرم أو زوج، إن عرفه الفادي حين الفداء، أو عتق عليه المحرم، وإن لم يعرفه، إلا أن يأمره المحرم الذي يعتق عليه أو الزوج بالفداء، ويلزمه كأن يشهد قبل الفداء أنه إنما فداه ليرجع به ويرضى المفدي بذلك، فإنه يرجع حينئذ قولا واحدا، لأنه لم يشترط لنفسه، وإنما قصد الفداء ولم يقصد الهبة، لما شرط الرجوع، إلا أن يكون الأب فقيرا فلا يرجع عليه، لأنه مجبور على افتدائه، كما يجبر على النفقة عليه، وهو في الافتداء أكد كذا. قاله الحوفي.
وفهم من كلام المصنف الرجوع على الأجنبي، وعلى القريب ذي رحم غير
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج ٣، ص: ١٤٥٥. بتصرف
[ ٢ / ١٩٤ ]
المحرم، أو محرم لا يعتق عرفه أو لا.
قوله: (وقدم على غيره، ولو في غير ما بيده) أي وقدم الفدي على غيره من الديون التي على الأسير، ولو فيما بغير يده غائبا عنه ببلد الإسلام.
قوله: (على العدد؛ إن جهلوا قدرهم) أي ومن أفدى جماعة من الأسرى من يد العدو في صفقة واحدة، رجع على كل واحد منهم بما ينوبه بالسواء، إن جهل العدو قدرهم أي قدر الأسارى من غني وفقير، وظاهره مساوات العبد للحر في ذلك وهو كذلك، ويخير سيده بين فدائه وإسلامه، ومفهوم الشرط إن علموا قدرهم أقسم الفداء على تفاوتهم.
قوله: (والقول للأسير في الفداء أو بعضه) أي والقول للأسير في إنكار الفداء جملة إذا تنازع مع الفادي، أو في إنكار بعضه أو شيء من صفته، ظاهره أشبه قوله أم لا، وهو خلاف أصولهم.
والذي يأتي على أصولهم أن الأسير يصدق إذا أشبه.
قوله: وإن أشبه قول الفادي وأما إن لم يشبه قول الأسير يصدق الفادي إن أشبه.
قوله: وإن لم يشبه حلفا ورجع إلى فداء المثل. انتهى.
هكذا قرره شيخنا محمود بن عمر حفظه الله.
قال فتح الجليل وظاهره أشبه قوله أم لا وهو كذلك قاله ابن القاسم.
وابن يونس يريد بيمين، وظاهره سواء أخرجه من بلد الحرب أو لا، وهو كذلك، سواء كان بيد الفادي أم لا، أما إن لم يكن بيده فاتفاق وبيده فخلاف (^١).
قوله: (ولو لم يكن بيده) قال صاحب فتح الجليل: فحق المبالغة في قوله: ولو لم يكن بيده ولو كان بيده (^٢).
قوله: (وجاز بالأسرى المقاتلة) أي وجاز فداء أسير المسلمين بالأسرى الكفار التي شأنها المقاتلة إن لم يرضوا إلا بهم، لفدائه ﷺ أسيرين بمشرك، لتحقق خلاص المسلم الآن وقتالهم مترقب.
وفهم من كلام المصنف جواز الفداء بالصغار من باب أولى.
قوله: (والخمر والخنزير) أي ويجوز فداء المسلم بالخمر والخنزير في أحد
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٥٩
(٢) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٥٩
[ ٢ / ١٩٥ ]
قولي ابن القاسم، وبه قال سحنون (على الأحسن) عند ابن عبد السلام، وسبقه إليه اللخمي وعليه فكيف الطريق لذلك.
قال سحنون: يأمر الإمام أهل الذمة بدفعه، ويحاسبهم بما عليهم، نقله ابن رشد وابن يونس ونقل عنه الباجي يبتاع للفداء.
قوله: (ولا يرجع به على مسلم وفي الخيل وآلة الحرب قولان) أي فإن فدى الأسير بالمذكور من خمر أو خنزير، فلا يرجع به على مسلم، ومفهومه أنه يرجع به على الذمي.
قال البساطي: وهو ظاهر إذا كان الفادي ذميا، وظاهر كلامه أيضا أن الذمي لا يرجع على المسلم، ونص سحنون على رجوعه عليه بقيمة الخمر والخنزير حكاه ابن يونس. وكذلك الميتة إن كانت مما يملكون. انتهى.
وفي جواز الفداء لأسير من أيدي العدو بالخيل وآلة الحرب ومنعه قولان، الأول لأشهب وعبد الملك وسحنون والثاني لابن القاسم.
قال اللخمي: قال أشهب: يفدى بالخيل والسلاح، ولا يفدى بالخمر ولا الخنزير ولا الميتة.
وعكسه ابن القاسم في كتاب محمد فقال: لا يصلح فداؤه بالخيل. انتهى (^١).
قال صاحب مغني النبيل: ولكل شيء وجه فيرتكب أخف الضررين وليس الخبر كالعيان.
* * *
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج ٣، ص: ١٤٥٥ - ١٤٥٦.
[ ٢ / ١٩٦ ]