قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه الرهن.
ابن العربي: الرهن مصلحة من مصالح الناس شرعها الله تعالى لمن لم يرض بذمة صاحبه الذي عامله، وفائدته التوثيق بالحق مخافة ما يطرأ عليه من العدم.
ابن عرفة قوله: الرهن مال قبض توثقا. الرهن من اللزوم والحبس قال تعالى: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ [المدثر: ٣٨] وجمعه رهون ورهان وليس رهن جمع رهان لأن رهانا جمع وليس كل جمع يجمع إلا أن ينص عليه بعد ألا يحتمل غير ذلك كأكلب وأكالب وأيد وأياد وأسقية وأساق. انتهى من المحكم.
الرهن جائز بالسفر بلا خلاف وفي غيره جائز على المشهور.
قوله: (الرهن بذل من له البيع) احترز به من الصبي والمجنون وغير المأذون.
قوله: (ما يباع) أخرج به الخمر وكل ما لا يجوز بيعه.
قوله: (أو غررا، ولو اشترط في العقد) معطوف على ما يباع أي الرهن إعطاء ما يباع أو ما هو غرر كابق وشارد، ولو اشترط هذا الغرر عند عقد البيع، وقيل: لا يجوز اشتراط الرهن الغرر عند العقد، سبب الخلاف هل للرهن حصة في الثمن فلا يجوز أم لا فيجوز.
قوله: (وثيقة بحق) أي لا وديعة ولا مستأجرا ووجه جواز الغرر في الرهن أنه لما كان للمرتهن أن يعطي حقه بغير وثيقة ساغ له أن يأخذ ما هو غرر إذ هو شيء في الجملة فهو خير من لا شيء.
قوله: (كولي، ومكاتب، ومأذون) وهذه الثلاثة أمثلة لمن له البيع.
قوله: ومكاتب له أن يرهن ويرتهن، لأنه أحرز نفسه وماله، وقيده في المدونة بأن يصيب وجه الرهن تحرزا عما لو رهن كثيرا في قليل لئلا يدعي عليه المرتهن بمقدار قيمة الرهن فيكون كالشاهد في قدر الدين، وكذلك لو ارتهن قليلا في كثير ولم يذكر المصنف هذا القيد انتهى من فتح الجليل (^١).
قوله: (وآبق، وكتابة) هذان من أمثلة الغرر.
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٣، اللوحة: ١٣٥. بعد قول خليل: كولي ومكاتب.
[ ٣ / ٢٣ ]
قوله: (واستوفي منها، أو رقبته إن عجز) أي فإن أرهنه الكتابة استوفى الحق منها إن أداها، فإن عجز عن أداء الكتابة ورق، استوفى الحق من رقبة العبد.
قوله: (وخدمة مدبر. وإن رق جزء فمنه) أي وجاز رهن خدمة مدبر فإن استوفى الحق من الخدمة، فلا كلام، وإن مات السيد أو فلس ورق جزء من المدبر أو رق كله، فالحق من رقبة المدبر.
قوله: (لا رقبته. وهل ينتقل لخدمته؟ قولان) أي لا يجوز من رقبة المدبر ليباع الآن فإن وقع ونزل أنه رهن رقبته، فهل ينتقل الرهن لخدمة المدبر لأنها التي يملك فيه، أولا ينتقل إليها بل يبطل الرهن، قولان من غير ترجيح.
قوله: (كظهور حبس دار) يعني أن من رهن دارا فظهر أنها حبس هل ينتقل الرهن إلى غلة الدار لأنها التي يملك فيها أو يبطل الرهن في ذلك قولان من غير ترجيح.
قوله: (وما لم يبد صلاحه، وانتظر ليباع) معطوف على قوله: وآبق وهو من أمثله الغرر، فإن رهن ما لم يبد صلاحه انتظر الى حين جواز بيعه ليباع ويستوفي منه الحق، ويفهم منه أن ما لم يطلع من النخل لم يجز رهنه وسكت الشيخ ت عن رهن الدين من المديان وغيره فإنه جائز، وكذلك رهن السلعة في ثمنها، وكذلك رهن الأم دون ولدها والولد دون الأم على المشهور وتكون معه عند المرهن.
قوله: (وحاص مرتهنه في الموت والفلس، فإذا صلحت بيعت، فإن وفى رد ما أخذه وإلا قدر محاصا بما بقي) أي وإذا رهن ما لم يبد صلاحه وفلس الراهن أو مات فإن المرتهن يحاصص الغرماء بجميع دينه فإذا صلحت الثمرة بعد ذلك، فإن وفي ذلك الحق رد المرتهن ما أخذ للغرماء وإن لم يوف ذلك بالحق كله قدر المرتهن محاصا بما بقي من دينه.
قوله: (لا كأحد الوصيين) هذا راجع لقوله: كولي أي لا يجوز رهن أحد الوصيين أو مقدمين دون إذن صاحبه.
قوله: (وجلد ميتة) أي لا يجوز رهن جلد ميتة ومنع في الكتاب رهن جلود الميتة وإن دبغت إذ لا يحل بيعها أبدا وأجاز فيه رهن جلود السباع المذكات وبيعها وإن لم تدبغ.
قوله: (وكجنين) أي ولا يجوز رهن جنين لقوة الغرر فيه وكذلك ما لم يطلع من النخل.
[ ٣ / ٢٤ ]
قوله: (وخمر، وإن لذمي، إلا أن تتخلل، وإن تخمر أهراقه بحاكم) أي ولا يجوز رهن خمر وإن كان الخمر لذمي أرهنه لمسلم لئلا يتوهم جوازه حين يملكه، فإن وقع ونزل لا يكون المرتهن المسلم أحق به في الموت والفلس، إلا أن يتخلل فيكون أحق به، فإن رهن مسلم المسلم عصيرا فتخمر أي صار خمرا فيكون أهراقه بأمر حاكم إذا كان في البلد الذي فيه المذاهب الأربعة، إذ لعل الحاكم حكم بتخليله، وأما البلاد التي ليس فيها إلا مذهب مالك فإنه يهرق بلا إذن حاكم إن ثبت أنه تخمر ولو كان الراهن للعصير ذميا فتخمر ردت إليه. قاله اللخمي (^١) وابن يونس وغيرهما.
قوله: (وصح مشاع، وحيز بجميعه، إن بقي فيه للراهن) أي وصح رهن جزء مشاع ويكون حوزه حوز المشاع فيه كله إذا بقي فيه للراهن شيء غير الرهن.
قوله: (ولا يستأذن شريكه) أي ولا يستأذن الراهن شريكه في رهنية حصته إذا أراد أن يرهنها.
قوله: (وله أن يقسم ويبيع ويسلم) أي وللشريك الذي لم يرهن حصته أن يقسم المشترك إذا كان مما ينقسم وله أن يبيع ويسلم ما باعه لمبتاعه.
قوله: (وله استنجار جزء غيره، ويقبضه المرتهن له) أي وللراهن للجزء استئجار جزء شريكه ولكن إنما يقبض له المرتهن ذلك لا هو.
قوله: (ولو أمنا شريكا فرهن حصته للمرتهن، وأمنا الراهن الأول بطل حوزهما) أي ولو أمن الراهن والمرتهن أي جعلاه أمينا يمسك بينهما الرهن ثم رهن الشريك الذي أمناه حصته للمرتهن وجعلا الراهن الأول أمينا بينهما بطل حوزهما أي حوز الحصتين لأن المبتاع رجع إلى ما كان عليه في يد راهنه.
قوله: (والمستأجر والمساقى، وحوزهما الأول كاف) أي وصح رهن المستأجر والمساقي لمن كان بيده أو غيره ويكفي في الحوز فيها حوزهما الأول إذ الدوام كالابتداء.
قوله: (والمثلي ولو عينا بيده إن طبع عليه) أي وصح رهن بالمثلي ولو كان المثلي عينا بيد المرتهن بشرط أن يطبع عليه، وإن لم يطبع عليه فإنه يطبع عليه، وإنما يحتاج الرهن المثلي إلى الطبع إذا كان في حوز المرتهن، وأما إن كان بيد
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج ١٢، ص: ٥٧٣٧.
[ ٣ / ٢٥ ]
أمين فلا يحتاج فيه إلى الطبع.
قوله: (وفضلته إن علم الأول ورضي) أي وصح رهن فضلة الرهن وهي الزائد على قدر الدين المرتهن فيه أولا بشرط إن علم المرتهن الأول ورضي بذلك، وإنما يشترط رضاه ليكون جائزا للمرتهن الثاني. ولو قال الشيخ: وفضلته إن رضي الأول لكان أقصر لأن الرضى يستلزم العلم والعلم لا يستلزم الرضى.
قوله: (ولا يضمنها الأول) أي ولا يضمن الفضلة المرتهنة المرتهن الأول لأنه أمين فيها وكذلك الثاني لأنها ليست في يده.
قوله: (كترك الحية المستحقة أو رهن نصفه) تشبيه أي كما لا يضمن المرتهن الحصة في الرهن استحقت من يده وتركت فيه لأنه أمين فيها لأنها لما استحقت خرجت من الرهن.
قوله: (ومعطي دينارا ليستوفي نصفه ويرد نصفه) أي وكذلك لا يضمن من أعطى دينارا ليستوفي من دينه نصفه فلا يضمن النصف الباقي عن دينه لأنه أمين فيه ظاهره ضاع قبل الصرف أم لا وهو كذلك.
قوله: رهن نصفه أي وكذلك إذا رهن نصف الثوب مثلا فتلف فلا يضمن إلا نصفه لأنه في النصف الآخر أمين قال في رهون المدونة: من ارهن نصف ثوب فقبض جميعه فهلك عنده، لم يضمن إلا نصفه (^١).
قوله: (فإن حل أجل الثاني أولا قسم، إن أمكن) أي فإن أرهن فضلة الرهن فإن حل أجل المرتهن الثاني قبل أجل الأول قسم الرهن إن أمكن قسمه، يريد إذا كان بقي منه شيء بعد ما يوفي حق المرتهن الأول، وأما إن لم يبق فيه كيف يقسم وحق الأول متعلق في الكل وليس للثاني إلا الفضلة.
قوله: (وإلا بيع وقضيا) أي وإن لم يمكن قسم الرهن بيع كله، وقضى من ثمنه الدينان، ظاهره أنه يباع ولا يوقف، ولو أتى الأول برهن كالأول وهو كذلك وظاهره أيضا سواء بيع بعين أولا. ابن عرفة عن أشهب أن هذا إن بيع بعين أو بما يقضى مثله، وحق الأول مثله ولو بيع بعرض، وهو مثل ما عليه أو بدينار ودينه بدرهم، أو بطعام مخالف لما عليه وضع له رهنا إلى حلول حقه. انتهى من فتح الجليل (^٢).
_________________
(١) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ٣، ص: ٢٨١.
(٢) فتح الجليل للتتائي: ج ٣ بعد قول خليل في باب الرهن وإلا بيع وقضيا
[ ٣ / ٢٦ ]
وسكت الشيخ نعم الله عن ما إذا سبق أجل الأول أو حلا معا لو ضوحه.
قوله: (والمستعار له، ورجع صاحبه بقيمته، أو بما أذى من ثمنه) أي وصح الرهن المستعار للرهن، فإن فكه فلا كلام وإن دفعه في الدين فإن صاحبه يرجع عليه بقيمة شيئه يوم العرية، وعليه نقل ابن أبي زيد المدونة، والعرية ظاهر المدونة.
ابن يونس: إنما يرجع بما أدى عنه من ثمن تشيئه، وعليه نقل أبو سعيد المدونة. قال ابن غازي الفاعل بأدى ضمير يعود على صاحب الرهن المعار؛ لأنه لما كان أداء الدين من ثمن شيئه كان مؤديا وإن لم يباشر الأداء فهو كقول أبي سعيد: ويتبع المعير المستعير بما أدى عنه من ثمن سلعته. انتهى (^١).
قوله: (نقلت عليهما) أي نقلت المدونة على الروايتين.
قوله: (وضمن إن خالف، وهل مطلقا، أو إذا أقر المستعير لمعيره وخالف المرتهن ولم يحلف المعير؟ تأويلان) أي وضمن المستعير إن خالف ما أعاره له به المعير كما إذا أعاره له على أن يرهنه في دراهم وخالف فأرهنه في الطعام أو غيره، وهل هذا الضمان مطلقا؟ أقر المستعير بتعديه أم لا وهو تأويل ابن أبي زيد لأنه متعد، أو إنما يضمن إذا أقر المستعير لمعيره أنه تعدى، وخالفهما المرتهن فكذبهما ولم يحلف المرتهن أن المستعير تعدى وهو تأويل ابن يونس، وأما إن لم يخالف المرتهن، أو حلف المعير فلا ضمان بل يجعل في ما استعير له، وإنما يضمن المستعير إذا لم يحلف المعير أنه أقر له بالتعدي، والمراد من يمين المعير أنه إذا لم يحلف بقي الرهن في يد المرتهن فيما أرهن فيه. قوله: (وبطل بشرط مناف: كأن لا يقبض) أي وبطل الرهن بشرط مناف لفائدة الرهن وذلك كشرط ألا يقبض أو لا يباع في الدين لأن الرهن لابد فيه من الحوز وأن يباع في الدين وإن لم يقبض.
قوله: (وباشتراطه في بيع فاسد ظن فيه اللزوم) أي ومن اشترى شيئا بيعا فاسدا فأرهن فيه ظانا أن ذلك يلزمه فإن الرهن يبطل هذا نص الوجيز للغزالي الله في الوجيز.
قال ابن غازي: وما أراه إلا مخالفا للمذهب فتأمله (^٢)، وقد أصاب ابن الحاجب
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٧١٩. ٧٢٠.
(٢) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٧٢٠.
[ ٣ / ٢٧ ]
في أضرابه عنه صفحا تبع فيه الشيخ ابن شاس. انتهى.
ابن يونس: قال ابن حبيب عن أصبغ عن ابن القاسم: ومن ابتاع بيعا فاسدا على أن يرتهن بالثمن رهنا صحيحا أو فاسدا فرهنه إياه وقبضه، فإنه أحق به من الغرماء لأنه وقع عليه البيع، وكذلك إن كان البيع صحيحا والرهن فاسد على أن اللخمي وابن يونس لم يتنزلا لظن اللزوم. انتهى منه.
قوله: (وحلف المخطئ الراهن أنه ظن لزوم الدية ورجع) يريد أن من قتل إنسانا خطئا ثم أرهن في الدية ملكه ظانا أن الدية تلزمه وحده فإنه يحلف أنه ما فعل ذلك إلا لظنه أن الدية تلزمه وحده ويرجع في رهنه، وهذا إذا كان مثله يجهل ذلك ولو علمه للزمه الرهن وإنما يحلف لاحتمال علمه.
قوله: (أو في قرض مع دين قديم) أي وبطل الرهن إذا اشترطه في القرض مع دين قديم عليه فإن الرهن يبطل في الدين القديم لأن شرط الرهن سلف يجر منفعة وأما الجديد وهو القرض فإن الرهن يصح فيه وإليه أشار بقوله: (وصح في الجديد).
قوله: (وبموت راهنه أو فلسه قبل حوزه، ولو جد فيه) أي ويبطل الرهن بموت راهنه أو فلسه قبل قبضه ولو جد في قبضه بخلاف الهبة، والفرق بينهما أن الرهن لم يزل عليه ملك الراهن والهبة زال عنها ملك الواهب.
قوله: أوبفلسه مفهومه أن قيام الغرماء قبل حكم الحاكم بفلسه لا يبطل الرهن.
قوله: (وبإذنه في وطء، أو إسكان، أو إجارة ولو لم يسكن) أي وبطل الرهن بإذن المرتهن بوطء الأمة المرهونة وإن لم يطأ، وكذلك يبطل الرهن إذا كانت أمة مخلاتا فوطئها راهنها على المشهور وقيل كالغصب، وكذلك يبطل الرهن بإذن المرتهن بإسكان الدال وإن لم يسكن، وكذلك إن أذن له في إجارة وإن لم يآجر لو قال الشيخ الله وإن لم يفعل لرجع المسائل الثلاثة.
قوله: (وتولاه المرتهن بإذنه) أي وتولى المرتهن الإسكان والإجارة بإذن الراهن.
قوله: (أو في بيع وسلم) أي وبطل الرهن بإذن المرتهن ببيع الراهن الرهن وسلم الرهن للمبتاع.
قوله: (وإلا حلف وبقي الثمن، إن لم يأت برهن كالأول) أي وإن أذن له في البيع ولكن لم يسلم الرهن حلف أنه ما أمره ببيع الرهن إلا لإحياء الرهن ويبقى الثمن
[ ٣ / ٢٨ ]
رهنا بيده إن لم يأت الراهن برهن كالرهن الأول في القيمة والصفة.
قوله: (كفوته بجناية، وأخذت قيمته) أي كما يأتي الراهن برهن كالرهن الأول إذا أخذ أرش الجناية وأما إن فات الرهن بسماوي أو جنا عليه غير عاقل فإن الراهن ليس عليه أن يأتيه برهن آخر بل مصيبة نزلت بالمرتهن.
قوله: (وبعارية أطلقت وعلى الرد، أو رجع اختيارا، فله أخذه) أي وبطل الرهن إذا أعاره المرتهن للمستعير إعارة مطلقة أي لم تقيد بعدم رد ولا برد وأحرى إن صرح بعدم الرد وأما إن أعاره على أن يرده الراهن إليه يريد ردها له بغير عارية لتقدم العارية المطلقة فللمرتهن أخذه منه متى شاء وكذلك له أخذه منه متى شاء كما إذا أودعه إياه أو أجره له وهذا كله حيث يملك المرتهن المنفعة بشرطه.
قوله: (إلا بفوته بكعتق أو حبس، أو تدبير، أو قيام الغرماء) أي وإن أعار المرتهن الرهن للراهن أورده اختيارا إليه له أخذه منه متى شاء إلا أن يفوت الرهن من يد الراهن بعتق أو استيلاد أو حبس أو تدبير أو قيام الغرماء فإن المرتهن حينئذ ليس له أخذه من الراهن.
قوله: (وغصبا فله أخذه مطلقا) أي وإن أخذ الراهن من المرتهن الرهن غصبا فللمرتهن أخذه منه مطلقا فات بما ذكر أو لم يفت. قوله: (وإن وطئ غصبا فولده حر، وعجل المليء الدين أوقيمتها) أي وإن وطأ الراهن أمة الرهن غصبا فولدت منه، فولده حر لا حق النسب فإن كان ملي يعجل الدين أو قيمة الرهن الأقل منهما فإن كان الدين هو الأقل هو الذي عليه وإن كانت القيمة هي الأقل هي التي عليه.
قوله: (وإلا بقي) أي وإن لم يكن الراهن الواطئ أمة الرهن مليا بقيت رهنا إلى أجل الدين وتباع ومنه يفهم ما ذكره في المدونة من بيع الجارية بعد الوضع وبعد حلول الأجل وهذه إحدى المسائل التي تباع أم الولد فيها.
الثانية: من وطأ أمة جانية وهو عالم بالجناية.
الثالثة: المفلس وطئ أمته بعد التفليس.
الرابعة: أحد الورثة وطأ أمة التركة عالما بالدين.
الخامسة: أحد الشريكين وطأ أمة الشركة.
السادسة: عامل القراض وطأ أمة من القراض.
[ ٣ / ٢٩ ]
قال ابن رشد في آخر كتاب السلطان: الذي جرى به العمل أن القاضي لا يحكم للمرتهن ببيع الرهن حتى يثبت عنده الدين والرهن، وملك الرهن له، ويحلفه مع ذلك أنه ما وهبه دينه، ولا قبضه، ولا أحال به ولا استحال به، وأنه لباق عليه إلى حين قيامه. انتهى من ابن فرحون (^١).
قوله: (وصح بتوكيل مكاتب الراهن في حوزه، وكذا أخوه على الأصح) أي وصح الرهن بتوكيل مكاتب الراهن في حوز الرهن لأن المكاتب صار أجنبيا. وكذلك يصح الرهن بتوكيل أخي الراهن في الحوز على القول الأصح انظر حكى الشيخ الخلاف في الأخ ولم يذكره في المكاتب مع أن المكتاب قد يعجز.
قوله: (لا محجوره ورقيقه) أي فلا يصح توكيل محجور الراهن في حوز الرهن كولده السفيه أو الصغير أو زوجته أو رقيقه وإن كان مأذونا له في التجارة.
قوله: (والقول لطالب تحويزه لأمين) أي وإن تنازع الراهن والمرتهن في وضع الرهن عند أمين فإن القول قول طالب التحويز، فإن كان المرتهن هو طالب التحويز فالقول قوله لأنه يقول أخاف أن يتلف الرهن فيلزمني أو أخائف التعب في حفظه، فإن كان الراهن هو الطالب للتحويز فالقول قوله، لأنه يقول أخاف أن يتلفه المرتهن. والتحويز أمر الراهن للمرتهن بجواز الرهن، والشاذ عدم اشتراط التحويز كالمشهور في الهبة الفرق قوة بقاء ملك الراهن.
قوله: (وفي تعيينه نظر الحاكم) أي وإن اتفقا على كونه بيد أمين وتنازعا في تعيين الأمين نظر الحاكم فيمضي قول أصوبهما وإن تساويا أقرع.
قوله: (وإن سلمه دون إذنهما، فإن سلمه للمرتهن ضمن قيمته، وللراهن ضمنها أو الثمن) أي وإن جعلاه في يد أمين فأسلمه لأحدهما بغير إذن الآخر ضمن قيمة الرهن للراهن إن أسلمه للمرتهن لأنه تعدى به على شيئه وهذا إذا كان قبل أجل الدين وأما عند حلول الأجل أو بعده فإنهما يتقاصان القيمة والدين فمن بقي له شيء فليرجع به وإن أسلمه للراهن ضمن القيمة أو المثمن الأقل منهما لأن القيمة إن كانت أقل هي التي أتلفها وإن كان الدين أقل فإنه لا يسأل غيره والشيء قد رجع إلى مالكه.
قوله: أو الثمن أطلق الثمن على الدين.
قوله: ضمن قيمته هذا إذا فات وأما إذا لم يفت فإنه يرده بعينه.
_________________
(١) تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ١٢٨.
[ ٣ / ٣٠ ]
قوله: (واندرج صوف تم، وجنين، وفرخ نخل) أي وإذا أرهن نعاجا وعليها صوف تام فإنه يدخل في الرهن لأن له حصة في الثمن وأما الصوف قبل التمام فإنه لا يندرج وكذلك الشعر للمعز، والوبر للإبل وكذلك يندرج الجنين مع أمه في الرهن سواء قد حصل في البطن أو بعد الرهنية وكذلك يندرج فرخ نخل مع الأصل في الرهن وفرخ النخل هي الفسيلة وجمعه فسلان.
قوله: (لا غلة) أي لا تندرج الغلة في الرهن كاللبن والثمرة والسمن والجبن.
قوله: (وثمرة، وإن وجدت) وهو من باب عطف الخاص على العام لعله ذكره لسبب قوله: وإن وجدت أي لا يندرج الثمن في الرهن وإن وجدت حين الرهينة وأحرى إن لم توجد.
قوله: (ومال عبد) أي ولا يندرج مال العبد معه في الرهن يريد وكذلك خراجه.
قوله: (وارتهن إن أقرض أو باع أو يعمل له وإن في جعل) أي وجاز الرهن قبل وجود الدين إذ ليس من شروط الرهن أن يكون بعد ثبوت الدين ولكن لفظ الشيخ فيه ما فيه، والمراد يجوز أن يقول: هذا رهن لك إن اقترضني أو أقرضت فلانا أو بعت لي أو بعت لفلان. وكذلك إن قال له: إن علمت لي كذا فهذا رهن في إجارتك وإن كان العمل في جعل إذ قد يؤول إلى اللزوم.
قوله: (لا في معين أو منفعته، ونجم كتابة من أجنبي) أي لا يجوز الرهن في شيء معين قد يتلف وينفسخ فيه البيع، إنما يكون الرهن والضمان لما في الذمة، وكذلك لا يجوز الرهن في منفعة المعين كسكنى دار، وأما المضمون فيجوز فيه، وكذلك لا يجوز رهن نجم كتابة من أجنبي لأنه غرر إذ قد يعجز المكاتب فأما رهنه من المكاتب نفسه فجائز.
قوله: (وجاز شرط منفعته، إن عينت ببيع) أي وجاز شرط منفعة الرهن إن عينت المنفعة، إن كان ذلك في بيع، لأنه كراء وبيع، ظاهره كان حيوانا أم لا، وهو قول ابن القاسم، وكرهه مالك الله في الحيوان.
قوله: (لا قرض) أي ولا يجوز اشتراط منفعة الرهن في القرض لأنه سلف يجر منفعة.
قوله: (وفي ضمانه إذا تلف تردد) أي وفي ضمان الرهن المشترط منفعة لأنه رهن، وعدم ضمانه إذا تلف من يد المرتهن لأنه مستأجر فيه تردد.
[ ٣ / ٣١ ]
قوله: (وأجبر عليه، إن شرط ببيع وعين) أي وأجبر الراهن على دفع الرهن إن
شرط عليه في بيع وعين ذلك الرهن.
قوله: في بيع، ابن عرفة، وكذلك السلف، وقيل: لا يجبر في القرض، لأن المستقرض له أن يرد القرض ولا يدفع، والمبتاع ليس له فسخ البيع فافترقا. قوله: (وإلا فرهن ثقة) أي وإن لم يعين الرهن بل شرط الرهن بلا تعيين فعلى الراهن أن يأتي برهن ثقة باعتبار ذلك الدين.
قوله: (والحوز بعد مانعه لا يفيد. ولو شهد الأمين، وهل تكفي بينة على الحوز قبله وبه عمل؟ أو التحويز؟ تأويلان) أي وحوز الرهن بعد مانع الحوز بالموت أو الفلس أو مرض الموت لا يفيد وقيل يفيد وفي المدونة دليل على القولين، وعلى الأول لا يفيد ولو شهد له الأمين بالحوز قبل المانع، لأنه فعل نفسه، وكذلك إن شهد له الذي عليه الحق، وهل تكفي بينة على الحوز قبل المانع؟ وبه عمل في الأندلس أو لا يكفي إلا التحويز قولان.
والتحويز إذن الراهن للمرتهن في تحويز الرهن وعلى أنه لا بد من التحويز، فقال ابن ناجي على المدونة: يكفي شاهد واحد به، إذا كان بيده اتفاقا، وإذا كان بيد غيره كفا باختلاف. انتهى من فتح الجليل (^١).
قوله: (وفيها دليلهما) ليس هذا موضعه وإنما موضعه بعد قوله: والحوز بعد ما نعه لا يفيد وقيل: يفيد، وفي المدونة دليل القولين.
قال ابن شاس: ولا يكفي في ثبوت حيازته الاتفاق على الإقرار بذلك حتى تشهد البينة به، لأن حق الغير متعلق به حين الحاجة إلى الحكم بكونه رهنا بعد موت الراهن أو فلسه ووقت تعلق حق الغرماء به.
وأما قبل ذلك فلا حاجة بهما إلى الإثبات، ولا يمنع عليهما تصحيحه بكل وجه. انتهى (^٢).
قوله: (ومضى بيعه قبل قبضه، إن فرط مرتهنه، وإلا فتأويلان) أي وإن باع الراهن الرهن قبل قبض المرتهن الرهن مضا بيعه إن فرط مرتهنه في القبض، وإن لم يفرط
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٣ بعد قول خليل في باب الرهن: وهل تكفي بينة على الحوز قبله وبه عمل؟ أو التحويز.
(٢) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٢، ص: ٧٧٣/ ٧٧٤.
[ ٣ / ٣٢ ]
ففي إمضاء بيعه وعدم إمضائه تأويلان.
قوله: (وبعده فله رده إن بيع بأقل، أو دينه عرضا) أي وإن باع الراهن الرهن بعد حوز المرتهن له فللمرتهن رده إن بيع بأقل من الدين، أو كان دينه عرضا لا يجب تعجيله لغرض البيع.
قوله: (فله رده إن بيع بأقل) أي فللمرتهن رد الرهن إن باعه ربه بعد قبضه بأقل من الدين سواء كان دينه عينا أو عرضا، لما في بيعه حينئذ من الضرر على المرتهن، ومفهومه لو بيع بقدره فأكثر مضى ذلك وهو كذلك، ويتعجل للمرتهن حقه إن شاء الراهن أو أبا، وليس للمرتهن حينئذ رد البيع. انتهى من فتح الجليل (^١).
قوله: (وإن أجاز تعجل) أي وإن أجاز المرتهن البيع تعجل الدين بعد أن يحلف أنه إنما أجاز ليأخذ دينه.
قوله: (وبقي إن دبره) أي وإن دبر الراهن العبد الرهن بقي العبد رهنا فإن قضاه حقه بقي مدبرا وإن لم يوفه حقه بيع في الدين.
قوله: (ومضى عتق الموسر وكتابته، وعجل) أي ويمضي عتق الراهن الموسر وكتابته بعد الوفاء، وأما الإبتداء فلا يجوز لتعلق حق المرتهن في العبد، فإن أعتق أو كاتب عجل الحق الذي عليه.
قوله: (والمعسر يبقى، فإذا تعذر بيع بعضه بيع كله، والباقي للراهن) أي وإن أعتق الراهن المعسر أو كاتب، فإن العبد الرهن يبقا رهنا، فإن خلص الدين فالعبد حر وإن لم يخلصه بيع من العبد ما يقابل الدين إن وجد من يشتري البعض، وإن لم يوجد بيع العبد كله والباقي بعد خلاص الدين للراهن ويفعل به ما أراد.
قوله: (ومنع العبد من وطء أمته المرهون هو معها) أي ومنع ذلك لأن السيد لما أرهن الأمة كأنه نزعها من العبد. وقوله: المرهون هو معها وأحرى أن يمنع منها إذا أرهنت وحدها.
قوله: (وحد مرتهن وطئ) أي وإذا وطئ المرتهن أمة الرهن حد لأنها ملك الغير.
قوله: (إلا بإذن، وتقوم بلا ولد. حملت أم لا) أي حد إلا أن يأذن له الراهن بالوطء مراعاتا لقول عطاء: يجوز التحليل ولكن تقوم الأمة على المرتهن لتتم له الشبهة فيها حملت أم لا، ولا يقوم الولد لأنه انعقد على الحرية.
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٣ بعد قول خليل في باب الرهن: فله رده إن بيع بأقل.
[ ٣ / ٣٣ ]
قوله: (وللأمين بيعه بإذن في عقده) أي وللأمين عند تعذر الوفاء بغير استئذان ربه والحاكم إذا كان البيع بإذن سابق في عقده قال: ومفهوم قوله: بإذن منعه بغيره، لأنه كتصرف في ملك الغير أي وللأمين بيع الرهن بإذن الراهن في عقده وأحرى بعد العقد، إنما جاز وإن كان في نفس العقد لأنه محض توكيل سالم عن توهم كون الراهن فيه مكرها كما قال ابن عرفة.
قوله: (إن لم يقل: إن لم آت) أي وللأمين بيع الرهن إن لم يقل الراهن إن لم آت بأجل كذا، وأما إن قال ذلك فلا يباع الرهن إلا بعد الرفع للحاكم ليثبت عنده عدم مجيئه.
قوله: (كالمرتهن بعده) أي كما للمرتهن بيع الرهن إن لم يقل إن لم آت فإن قاله فالحاكم هو الذي يثبت عدمه عدم مجيئه.
قوله: كالمرتهن بعده أي الرهن بعد العقد لا في نفس العقد، وكذلك نسبه في التوضيح لصاحب البيان.
وابن زرقون قال: ولكن نقل المتيطي عن بعض الموثقين منعه لأنه هدية المديان.
قوله: (وإلا مضى فيهما) أي وإن قال: إن لم آت أو كان الرهن بعد العقد مضى بيع الأمين والمرتهن إن وقع ونزل، وهذا خلاف ما جرى به العمل من أن القاضي لا يحكم للمرتهن ببيع الرهن حتى يثبت عنده الدين والرهن وملك الراهن له ويحلف مع ذلك أنه ما وهبه له ولا قبضه منه ولا أحال به وإنه لباق عليه إلى حين قيامه. انتهى من البيان (^١).
قوله: (ولا يعزل الأمين، وليس له إيصاء به) أي وليس للراهن أن يعزل الأمين لتعلق حق المرتهن لأن كل وكيل تعلق به حق فليس لموكله عزله.
قوله: (وباع الحاكم إن امتنع) أي وباع الحاكم الرهن إن امتنع الراهن من دفع الدين أو غاب إن ثبت الدين والرهن وملكه للراهن وقيل وهل يشترط إثبات الرهن للراهن أو يفرق بين العقار وغيره فيشترط في العقار لأن إثباته هو وغيره لا يشترط فيه لأن الإثبات فيه يطول أو ينظر إلى ما يليق بالذكر وما يليق بالأنثى فيتبعه الحاكم، وينتظر في كل سلعة بحكمها ولا ينتظر انتظارا يصير ظلما.
_________________
(١) البيان والتحصيل لابن رشد: ج ٩، ص: ٤١٦.
[ ٣ / ٣٤ ]
قال ابن عات: إذا بيع الرهن بغيبة ربه أو بحضرته فأجرة السمسار على من طلب البيع والتقاضي في قول ابن القاسم. وقال عيسى ذلك على الراهن لأنه عنه بيع، وهو أشبه. وكذا ما بيع من مال المفلس. انتهى من البرزلي (^١).
قوله: (ورجع مرتهنه بنفقته في الذمة، ولو لم يأذن، وليس رهنا به إلا أن يصرح بأنه رهن بها، وهل وإن قال ونفقتك في الرهن؟ تأويلان) أي وإن أنفق مرتهن على الرهن، فإنه يرجع على الراهن بما أنفق وإن زاد على قيمة الرهن وإن لم يأذن له بالإنفاق على الرهن، لأن الراهن يعلم أن النفقة لا بد منها والنفقة في ذمة الراهن وليس الرهن رهنا بها إلا أن يصرح بأن الرهن رهن في النفقة فيكون حينئذ رهن بها، وهل كذلك؟ وإن قال ونفقتك في الرهن أو إن قال أنفق ونفقتك في الرهن فيكون رهنا بها فيه تأويلان على المدونة.
قوله: (ففي افتقار الرهن للفظ مصرح به تأويلان) أي فبسبب التأويلين هل يفتقر الرهن للفظ مصرح به وهو مذهب ابن القاسم أو لا يفتقر الرهن بلفظ مصرح به وهو قول أشهب، فلو دفع له سلعة فلم يزد على قوله أمسكها حتى أدفع إليك حقك كانت رهنا به عند أشهب لا عند ابن القاسم.
قال ابن عرفة وفي لزوم كون الدلالة مطابقة أو تكفي دلالة الإلتزام قولان لابن القاسم وأشهب. انتهى من القلشاني (^٢).
قوله: (وإن أنفق مرتهن على كشجر خيف عليه بدئ بالنفقة) أي خيف على هلاكه. بدأ بالنفقة لأنه سلف على معين، وأجيز هذا الفرع إن كان سلفا يجر نفعا صونا للأموال.
قوله: (وتؤولت) المدنة على عدم جبر الراهن عليه مطلقا، وعلى التقييد بالتطوع بعد العقد) أي وإن أبا المرتهن أن ينفق على الرهن تبرعا فأبا الراهن أن ينفق عليه فهلا يجبر على الإنفاق عليه مطلقا كان الرهن عند العقد أو بعده وهو ظاهر المدونة، وتأولت أيضا على عدم جبره بما إذا تطوع بالرهن بعد العقد، وأما إن شرط عند العقد فإنه يجبر.
قوله: (وضمنه مرتهن إن كان بيده مما يغاب عليه) هذا شروع منه فيما يضمن
_________________
(١) نوازل البرزلي: ج: ٣، ص: ٦٦٨.
(٢) تحرير المقالة في شرح الرسالة للقلشاني: ج: ٢، ص: ٢٢٩. مخطوط.
[ ٣ / ٣٥ ]
وما لا يضمن من الرهن وما اختلف فيه أي وضمن المرتهن الرهن بثلاثة شروط اثنين ثبوتين والثالث عدمي.
والثبوتيان: أن يكون الرهن تحت يد المرتهن.
الثاني: أن يكون الرهن مما يغاب عليه.
والعدمي هو إن لم تشهد بينة على حرق الرهن أو غصبه أو سرقته أو غرقه فإنه يضمن ولو شرط البراءة من الضمان، لأن الشرط لا يغير ما ثبت بالأحكام. انتهى.
قوله: (ولم تشهد بينة بكحرقه، ولو شرط البراءة) رواه ابن القاسم، وقال أشهب: يضمن، ولو قامت بينة، وسبب الخلاف هل الضمان بالأصالة أو بالتهمة. انتهى من ابن ناجي.
قال القلشاني: لوشرط سقوط الضمان فيما يغاب عليه، أو ثبوته فيما لا يغاب عليه فقولان، وأهل المذهب وجوب الوفاء بالشروط في هذا الفصل، لأن الضمان المختلف فيه يجوز نقله، كما علمت في ضمان بيع الفاسد وغير ذلك. انتهى من القلشاني (^١).
قال ابن ناجي: ولو شرط نفي الضمان، قال ابن القاسم: لا يعول عليه ويضمن.
قال أشهب: لا يضمن قيل إن كلا منهما خالف أصله وأجاب بعض شيوخنا عن ابن القاسم بأن الضمان يتوفر مع الشرط لأن الضمان عنده معلل بالتهمة وعن أشهب بأن شرط الضمان لما صح ناسخ. انتهى من ابن ناجي.
قوله: (أو علم احتراق محله، إلا ببقاء بعضه معرقا) أي فإنه يضمن ولو علم احتراق محل الرهن الذي يوضع فيه عادة، إلا أن يعلم احتراق المحل ويبقى بعض الرهن محرقا، وقيل عليه أن يثبت أن الحرق ليس من سببه، وقيل ليس عليه ذلك.
قوله: (وأفتي بعدمه في العلم) أي وأفتى بعدم الضمان مع العلم باحتراق المحل وإن لم يبق بعضه محرقا.
قوله: (وإلا فلا ولو اشترط تبوته) أي وإن لم يكن الرهن بيد المرتهن بل بيد أمين أو كان بيده وهو مما لا يغاب عليه، أو شهدت بينة بهلاكه أو احتراق محله فلا ضمان عليه، ولو اشترط عليه الضمان، لأن الشرط لا يغير ما ثبت بالأحكام، وقيل إن هذا الشرط يفيد قوله: (إلا أن يكذبه عدول) أي فلا يضمن المرتهن ما لا يغاب
_________________
(١) تحرير المقالة في شرح الرسالة للقلشاني: ج ٢، ص: ٢٣٠. مخطوط
[ ٣ / ٣٦ ]
عليه إلا أن يكذبه عدول (في دعواه) فإنه لا يصدق حينئذ، لأن كل مصدق مصدق ما لم يظهر كذبه كما إذا دعا (موت دابة) في وقت كذا أو غصبت في وقت كذا أو نحو ذلك فأكذبه العدول.
قوله: (وحلف فيما يغاب عليه أنه تلف بلا دلسة، ولا يعلم موضعه) أي وحيث لا
ضمان على المرتهن يحلف فيما يغاب عليه إذ لعله اخفاه ويضمن قيمته ثم يملكه بعد وصفه بيمينه بالله الذي لا إله إلا هو أنه هلك بلا سبب مني إن لم يكن متهما، وأما المتهم فإنه يحلف أنه تلف بلا دلسة ولا يعلم موضعه.
قوله: (واستمر ضمانه إن قبض الدين، أو وهب، إلا أن يحضره المرتهن، أو يدعوه لأخذه، فيقول: اتركه عندك) أي واستمر ضمان الرهن من المرتهن إن قبض الدين أو وكيله أو وهبه لمن هو عليه أو غيره، إلا أن يحضر الرهن ويقول أتركه عندك، وكذلك لا يضمن إن دعاه لأخذ رهنه فقال: أتركه عندك لأن المرتهن صار أمينا، وهذا إذا ثبت وجود الرهن حينئذ.
قوله: (وإن جنى الرهن واعترف راهنه لم يصدق إن أعدم وإلا بقي، إن فداه؛ وإلا أسلم بعد الأجل، ودفع الدين) أي وإن جنى العبد الرهن واعترف راهنه بجنايته فلا يصدق لتعلق حق المرتهن فيه، إن كان الراهن عديما، وإن لم يكن عديما بقي العبد رهنا كما كان أولا إن فداه الراهن، وإن لم يفده أسلم العبد للمجنى عليه بعد انقضاء الأجل وبعد الدين لأن الراهن قد اعترف بالجناية. قوله: (وإن ثبتت) ببينة (أو اعترفا وأسلمه، فإن أسلمه مرتهنه أيضا فللمجني عليه بماله) أي وإن ثبتت الجناية ببينة أو اعتراف الراهن أو المرتهن بالجناية فأبي الراهن أن يفديه وأسلمه، فإن أسلمه مرتهنه ولم يفده فللمجني عليه العبد مع ماله لأن العبد يتبعه ماله كالعتق.
قوله: (وإن فداه بغير إذنه ففداؤه في رقبته فقط، إن لم يرهن بماله) أي وإن فداه المرتهن بغير إذن الراهن ففداؤه في رقبة العبد على معين فقط دون ماله إن لم يرهن بماله، وإن رهن العبد مع ماله فالفداء فيهما لا في ذمة السيد إن فات العبد لأن ذلك الفداء سلف على معين.
قوله: (ولم يبع إلا في الأجل، وإن بإذنه فليس رهنا به) أي ولم يبع هذا العبد المفدي للرهن إلا بعد مضي الأجل قوله وبإذنه أي إن أفداه المرتهن بإذن الراهن
[ ٣ / ٣٧ ]
فالعبد الرهن ليس رهنا بالفداء إلا أن يصرح أنه رهن به وحيث لا يكون الرهن رهنا في الفداء فيكون العبد في ذمة السيد، تبع الشيخ هنا ابن الحاجب في الاقتصار على قول ابن المواز وهو أحد قولي أشهب، وترك قول مالك وابن القاسم يكون رهنا به، ونقل ابن يونس قول أشهب: أنه لا يكون رهنا به. انتهى من شفاء الغليل (^١).
قوله: (وإذا قضي بعض الدين أو سقط، فجميع الرهن فيما بقي) أي وإذا قضى الراهن بعض الدين أو وكيله أو تبرع عنه أحد به أو أسقط بعضه بصدقة أو هبة أو إبراء أو طلاق قبل البناء فجميع الرهن رهن بما بقي من الدين بعد ما سقط منه لأن الأسواق قد تحول سواء اتحد الرهن أو تعدد. وسكت الشيخ ﵀ عن ما إذا تعدد الراهن والمرتهن.
ابن عرفة: كل جزء من الرهن رهنا بكل جزء من الدين الذي رهن فيه بمعنى الكلية فيهما لا بمعنى التوزيع، إن اتحد مالك الدين، وإن تعدد ولا شركة بينهم فيه فعلى معنى التوزيع. انتهى من فتح الجليل (^٢).
قوله: (كاستحقاق بعضه) فهذا عكس الأولى في الصورة والحكم واحد أي وإذا استحق بعض الرهن أو غصب أو سرق، فالباقي في الدين كله، ثم إن كان الرهن مما ينقسم قسم وبقيت حصة الراهن رهنا، وإن كان مما لا ينقسم بيع جميعه كغيره من المشترك الذي لا ينقسم إذا طلب أحد الشريكين البيع أجبر له الآخر، وظاهر تشبيه المصنف أن البعض يبقى ولو بيع بما يوافق الدين جنسا وصفة، وهو كذلك عند ابن القاسم خلافا لأشهب في تعجيله للمرتهن، إذ لا فائدة في وقفه، وقد يضيع فلا ينتفع به الراهن ولا المرتهن. صح من فتح الجليل (^٣).
قوله: (والقول لمدعي نفي الرهنية) أي وإذا تنازعا في شيء في يد رب الدين فقال ربه: هو رهن في الدين، وقال الذي عليه الدين: ليس رهنا به وإنما هو وديعة، فإن الذي عليه الحق يصدق مع يمينه في نفي الرهنية لأن الأصل عدم الرهنية، وكذلك إذا كان الذي عليه الحق في يد الذي له الحق جبة أو نمط أحداهما رهنا والآخر وديعة فضاع أحدهما فقال الذي عليه الحق: الذي ضاع هو الرهن تضمنه،
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٧٢٨.
(٢) فتح الجليل للتتائي: ج ٣ بعد قول خليل: فجميع الرهن فيما بقي.
(٣) فتح الجليل للتتائي: ج ٣، بعد قول خليل في باب الرهن: كاستحقاق بعضه.
[ ٣ / ٣٨ ]
وقال الآخر: الذي ضاع هو الوديعة لا أضمنها فإنهما يصدقان في نفي الرهنية مع أيمانهما.
قوله: (وهو كالشاهد في قدر الدين - لا العكس - إلى قيمته) أي إذا اختلف في قدر الدين فالرهن كالشاهد على قدر الدين إلى قدر قيمة الرهن والقيمة إنما تعتبر يوم الحكم لا يوم الرهن ولا ينبغي أن تعتبر يوم الرهن.
قوله: لا العكس أي لا يكون الدين شاهدا على قدر الرهن إذا ضاع.
قال ابن فرحون هذا قول اشهب، ورجحه القاضي عبد الوهاب في المعونة بأن الراهن رضي بأمانته ولو لم يتوثق بالإشهاد على عين الرهن، ثم يدعي تضمينه وإثبات دعوى لا تعرف إلا بقوله، فوجب أن يكون القول قول المرتهن. وفي "معين الحكام" قال بعض المتأخرين وهذا مذهب ابن القاسم. انتهى من ابن فرحون (^١).
قوله: (ولو بيد أمين على الأصح) أي والرهن كالشاهد على قدر الدين لو كان الرهن في يد أمين على القول الأصح وقيل إنما يكون الرهن كالشاهد إذا كان في يد المرتهن.
قوله: (ما لم يفت في ضمان الراهن) أي والرهن كالشاهد في قدر الدين ما لم يفت في ضمان الراهن بل فات في ضمنان المرتهن، وأما إن فات في ضمان الراهن فإنه يكون كالعدم.
قوله: (وحلف مرتهنه، وأخذه إن لم يفتكه، فإن زاد حلف الراهن) أي وإذا كان الرهن شاهدا في قدر الدين فإن المرتهن يحلف ويأخذ الدين ويملكه إن وافقت القيمة ما ادعاه إن لم يفتكه الراهن بما ادعاه المرتهن، فإن زاد ما ادعاه على القيمة ووافق الراهن القيمة حلف الراهن ودفع القيمة.
قوله: (وإن نقص حلفا، وأخذه إن لم يفتكه بقيمته) أي وإن نقص ما أقر به الراهن على القيمة، وزاد عليها المرتهن حلف كل منهما على ما ادعاه، وأخذ المرتهن إن لم يفتكه الراهن بقيمته، ويبدء المرتهن باليمين، لأن الرهن كالشاهد له على قيمته فإن حلف حلف الراهن وإن نكل لزمه ما ادعاه المرتهن، وكذلك لو حلف الراهن ونكل المرتهن لم يلزم الراهن إلا ما حلف عليه وإن حلفا أو نكلا معا فعلى الراهن قيمته إن أحب وإلا أسلمه للمرتهن وإليه أشار بقوله: وأخذه إن لم يفتكه الراهن
_________________
(١) تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الحكام لابن فرحون: ج ٢، ص: ٦٤.
[ ٣ / ٣٩ ]
بقيمته وهو قول مالك. انتهى من الصغير.
قوله: (وإن اختلفا في قيمة تالف تواصفاه، ثم قوم، فإن اختلفا فالقول للمرتهن، فإن تجاهلا فالرهن بما فيه) أي وإن اختلف الراهن والمرتهن في قيمته رهن تالف مضمون تواصفاه ثم قوم الموصف، فإن اختلفا في الوصف فالقول قول المرتهن لأنه غارم مدعى عليه وقاعدة الشرع ترجيحه وإن تجاهلا في الوصف فقال كل منهما: لا أعلم وصفه فإن الرهن يكون بما فيه أي لا تابع ولا متبوع وعليه حمل أصبغ الحديث: «الرهن بما فيه» (^١).
قوله: (واعتبرت قيمته يوم الحكم، إن بقي، وهل يوم التلف أو القبض، أو الرهن إن تلف أقوال) أي واعتبرت القيمة المتقدمة الذكر يوم الحكم لا يوم الرهن، وينبغي أن تعتبر يوم الرهن، وهذا كله إن بقي الرهن قائما لم يفت فإن تلف فهل تعتبر القيمة الواجبة يوم التلف أو يوم قبض الرهن أو يوم الرهن فيه ثلاثة أقوال كلها لابن القاسم.
قوله: (وإن اختلفا في مقبوض فقال الراهن عن دين الرهن وزع بعد حلفهما) أي وإن اختلف المتراهنان فيما قبضه المرتهن من الدين، فقال الراهن: عن دين الرهن ليأخذ رهنه، وقال المرتهن: عن الدين الذي لم تقبضه ولا بينة لهما، فإن المقبوض يقسم بين الدينين بعد أن يحلف كل واحد على ما ادعاه. انتهى.
وكذلك إذا نكلا فإن المقبوض يقسم بين الدينين، فإن نكل أحدهما فالقول قول من حلف، وظاهر كلام المصنف ﵀ أن الدينين سواء حلا أو لم يحلا أو أحدهما، وقيده اللخمي بما إذا حلا أو تساوى الأجلان فيهما أو تقاربا، وأما إن حل أحدهما دون الآخر فالقول لمن ادعى القضاء في الحال.
قوله: (كالحمالة) أي كما يوزع الرهن بين الدينين أحدهما بالحمالة والآخر بلا حمالة وتنازعا في المقبوض، فقال الذي عليه الحق: هو عن الدين الذي فيه الحمالة، وقال الذي له الحق: بل عن الدين الذي لا حمالة فيه ولا بينة، فإن المقبوض يقسم بين الدينين بعد حلفهما.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى: باب من قال الرهن مضمون، الحديث: ١١٢٢٤، ج ٦، ص: ٦٨.
[ ٣ / ٤٠ ]