قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل الزكاة، الزكاة في اللغة: الزيادة، وفي الشرع: عبارة عن مال مخصص يؤخذ من مال مخصوص، إذا بلغ قدرا مخصوصا في زمن مخصوص، يصرف في جهة مخصوصة، وهي واجبة بالكتاب والسنة والإجماع ولها أسماء غير الزكاة ومنها حق لقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١] ومنها صدقة لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣]، ومنها نفقة لقوله تعالى: ﴿ولا ينفقونها﴾ [التوبة: ٣٤] أي ولا يزكونها، ومنها العفو لقوله تعالى: ﴿خذ العفو﴾ [الأعراف: ١٩٩] ومنها الماعون لقوله تعالى: ﴿ويمنعون الماعون﴾ [الماعون: ٧]. انتهى.
وفي الشعب لابن غالب تخلله أن الله تعالى جعل الزكاة طهرا للأموال والأبدان، وتنزيها للنفوس والأرواح.
وقال: وذلك أن الله خلق الخلق بحكمته، وأفقر بعضهم لبعض، وجعل منهم الأغنياء والفقراء أي وذوي الحاجات المختلفة، ليستقيم إيجاد الخليفة وقال تعالى: ﴿ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا﴾ [الزخرف: ٣٢] فجعل للفقراء ذوي الحاجات حقوقا في أموال الأغنياء فهي مفروضة لهم، ليس لأصحاب الأموال فيها شيء، ولو كانت لهم، لما وقع الوعيد على من منعها بالويل الذي وقع الوعيد به على من لم يصلي لله تعالى في قوله: ﴿فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون﴾ [الماعون: ٤ - ٧] وهي الزكاة. فالزكاة مفروضة لأهلها، وهي حق لهم على الأغنياء، كما أن الصلاة مفروضة لله تعالى، وهي حق له على عباده. وكذلك تجدها حيث جاءت في كتاب الله مقرونة مع الصلاة ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [الزمر: ٢٠] فلهم في الأموال حق فرضه الله، لأن المال مال الله، والخلق خلق الله يعطي من يشاء المقدار الذي يشاء، فهذا المقدار الذي هو حقوق الغير، قد علم الله بلطيف علمه وخفي نظره، أن ربع العشر من زكاة الورق والذهب، والعشر أو نصف العشر من الطعام، والشاة من أربعين شاة، وغير ذلك من نصاب الزكاة أنها قائمة بأهل الحاجة الذين فرض لهم، ويبقى النصاب بأيدي مالكيه إلى وقت حاجة أخرى، وعلم سبحانه أن المال لا
[ ١ / ٤٣٠ ]
يطهر ولا يطيب لما لكه حتى يخرج ذلك القدر، فممسك الزكاة إنما يأكل أو ساخ الفقراء بل دماءهم. وكذلك أخذها بغير حقها، ووضعها في غير حقها لأنه أكل لحقوق الغير، وهم محتاجون إلى حقوقهم. انتهى.
[زكاة الماشية]
قوله: (تجب زكاة نصاب النعم): النصاب من النصب وهو الإنتصاب أو هو من الغاية التي تنتهي إليه أوهو من النصيب، لأنه إذا بلغ هذا القدر يكون للمساكين فيه نصيب. النعم جمع أنعام وهي الماشية الإبل والبقر والغنم. فلا تجب الزكاة فيما دون النصاب منها.
قوله: (بملك، وحول، كملا وإن معلوفة وعاملة ونتاجا) أي تجب زكاة نصاب النعم بسبب ملك تام ومرور حول كامل كان النعم معلوفة أو عاملة أو نتاجا وحده أو مع الأمهات.
وقوله: (لا منها ومن الوحش) أي لا زكاة فيما تولد من النعم، والوحش وإن تأنس، هذا هو المشهور.
وقيل: إن كانت الأم من النعم والأب من الوحش تجب فيه الزكاة. وإن كان الأب من النعم والأم من الوحش فلا زكاة وقيل تجب فيه الزكاة مطلقا.
قوله: (وضمت الفائدة له، وإن قبل حوله بيوم) أي وتضم الفائدة له إلى النصاب في الزكاة وإن قبل حوله بيوم بل ولو بساعة المراد بالفائدة هنا ما تجدد ملكه بهبة أو صدقة أو إرث أو شراء أي الفرق بين نصاب العين والماشية أن نصاب العين لا تضم له الفائدة، ونصاب الماشية تضم إليه الفائدة، ولأن الماشية لها سعات، وفيها أوقاص بخلاف العين.
قوله: (لا لأقل): أي لا تضم الفائدة بأقل من النصاب بل حولهما حول الأخير.
وقوله: (الإبل في كل خمس ضائنة إن لم يكن جل غنم البلد المعز، وإن خالفته) لما ذكر النعم جعل يفصل قدر النصاب من كل جنس فبدأ بالإبل اتباعا لكتاب رسول الله ﷺ الذي كتب فيه الزكاة.
وزكاة الإبل في كل خمس منها شاة ضائنة، إن لم يكن جل غنم البلد المعز، وإن خالفت الجل غنمه، كما إذا كان جل غنم البلد المعز وغنمه هو ضأن. فإن الواجب عليه المعز هو جذع أو جذعة أو ثني أو ثنية، إذ لا فرق على المشهور.
[ ١ / ٤٣١ ]
قوله: (والأصح إجزاء بعير) أي والقول الأصح إجزاء إخراج بعير عن الخمس، عوضا من الشاة، لأنه مواساة من جنس المال بما هو أفضل، وهو قول عبد المنعم القروي (^١) وصححه ابن عبد السلام (^٢).
قال بعضهم: لأنه الأصل، والشاة تخفيف.
وقال القاضيان (^٣): لا يجزئ لأنه من باب إخراج القيمة.
البعير يطلق على الذكر والأنثى من الإبل. الأصل أن يخرج من كل جنس زكاته فيه.
قوله: (إلى خمس وعشرين فبنت مخاض، فإن لم تكن له سليمة فابن لبون، وفي ست وثلاثين بنت لبون، وست وأربعين حقة، وإحدى وستين جذعة، وست وسبعين بنتا لبون، وإحدى وتسعين حقتان، ومائة وإحدى وعشرين إلى تسع وعشرين حقتان أو ثلاث بنات لبون: الخيار للساعي، وتعين أحدهما منفردا، ثم في كل عشر يتغير الواجب: في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، وبئت المخاض الموفية سنة) أي وتزكى الإبل بشياه في كل خمسة شاة إلى أن تبلغ خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض، وهي الموفية سنة ودخلت في الثانية ولو بيوم، فإن لم تكن له أو كانت له وليست سليمة من العيوب أو الشركة فالواجب عليه ابن لبون إن وجده وإن فقدا معا كلفه الساعي الإتيان ببنت مخاض على المنصوص إلا أن يرى ذلك نظرا للمستحقين.
وعن ابن القاسم: إن أتى بابن اللبون قبل منه. انتهى.
فإذا بلغت الإبل ستا وثلاثين ففيها بنت لبون، وإذا بلغت ستا وأربعين ففيها حقة، وهي التي يصلح على ظهرها الحمل، فإذا بلغت إحدى وستين ففيها جذعة، وإذا بلغت ستا وسبعين ففيها ابنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان، فإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين إلى تسع وعشرين ففيها حقتان أو ثلاث بنات لبون، الخيار للساعي ينظر المصرف بالتقوى لا بالهوى، وإنما له الخيار إذا وجدامعا أو
_________________
(١) أبو الطيب عبد المنعم بن إبراهيم الكندي المعروف بابن بنت خلدون دخل مصر وغيرها وأخذ عن أبي عمران الفاسي وبه تفقه اللخمي وعبد الحق وغيرهما. مات سنة: ٤٣٥ هـ. الشجرة: ج ١، ص: ١٦٠، الترجمة: ٣١٦.
(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدرديري: ج ١، ص: ٤٣٣.
(٣) القاضيان أبو الحسن بن القصار وتلميذه القاضي أبو محمد عبد الوهاب. أنظر التعريف بالرجال المذكورين في جامع الأمهات لابن الحاجب: ص: ٢٨٤.
[ ١ / ٤٣٢ ]
فقدا معا، وأما إن لم يوجد إلا أحد النوعين فإنه يتعين أخذه رفقا بأرباب الماشية، ومابين هذه الأقدار المذكورة أوقاص لا زكاة فيها، ثم بعد هذه الأقدار كل عشر يتغير فيه الواجب لا أقل من عشر. ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، ففي مائة وثلاثين بنتا لبون وحقة تصديرا للأربعين وإلا تسقط الثلاثون، وفي المائة والأربعين حقتان وبنت لبون تقديما للخمسين وإلا ألغى عشرة، وفي مائة وخمسين ثلاثة حقائق، وفي مائة وستين أربع بنات لبون عملا بالأربعين وحفظا على العشرة ثم كذلك في كل عشر ففي مائة وسبعين ثلاث بنات لبون وحقة، وفي مائة وثمانين حقتان وبنتا لبون، وفي مائة وتسعين ثلاث حقائق وبنت لبون، وفي مائتين أربع حقائق أو خمس بنات لبون، وبنت مخاض المذكورة هي الموفية سنة ودخلت في الثانية ولو بيوم واحد، ثم كذلك بنت لبون هي الموفية سنتين ودخلت في الثالثة ولو بيوم، والحقة هي الموفية ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، والجذعة هي الموفية أربع سنين ودخلت في الخامسة ولو بيوم. انتهى.
ولما فرغ من زكاة الإبل جعل يذكر زكاة البقر.
قوله: (ثم كذلك البقر في كل ثلاثين: تبيع ذو سنتين وفي أربعين مسنة ذات ثلاث، ومائة وعشرين كمائتي الإبل) أي وفي كل ثلاثين من البقر تبيع ذكر، وسنه ذو سنتين كاملتين على المشهور، وقيل: ذو سنة كاملة ودخل في الثانية، سمي تبيعا لأنه يتبع أمه إلى المرعى، وقيل: لأن قرنه تابع لأذنه. ويجب في أربعين منها مسنة، وهي ذات ثلاث سنين ودخلت في الرابعة ولو بيوم، إلا أن يتطوع ربها بأفضل، وفي مائة وعشرين منها ثلاث مسنات أو أربعة أتبعة، الخيار للساعي ينظر فيما هو أفضل للمصرف بالتقوى لا بالهوى، كما يخير في زكاة مائتين من الإبل بين أربع حقائق أو خمس بنات لبون.
تنبيه: لم يذكر الشيخ زكاة مائتي البقر ولكن يفهم فيما تقدم. انتهى.
قوله: (الغنم في أربعين شاة جذع أو جذعة ذو سنة ولو معزا) لما فرغ من زكاة البقر، شرع يذكر الواجب في الغنم. يجب في أربعين شاة جذع ذكر أو جذعة، وهو ذو سنة كاملة، ولو كان الجذع أو الجذعة ماعزا.
ولم يذكر الشيخ ﵀ ونور الله ضريحه - في زكاة الإبل بالغنم جذعا ولا جذعة اكتفاء بما هنا.
[ ١ / ٤٣٣ ]
لو قال الشيخ: في كل أربعين لكان في مائة وعشرين شاة ثلاث شياه وليس كذلك، ففي كل نسخة فيها لفظ كل فهو خطأ. انتهى.
قوله: (وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان وفي مائتين وشاة ثلاث، وفي أربعمائة أربع؛ ثم لكل مائة شاة) أي ويجب في مائة وإحدى وعشرين شاتان إلى مائتين، ويجب في مائتين وشاة إلى ثلاث مائة وتسعة وتسعين ثلاث شياه، ويجب في أربع مائة أربع شياه، ثم بعد ذلك لكل مائة شاة، وما نقص عن مائة فلا شيء فيه.
قوله: (ولزم الوسط، ولو انفرد الخيار أو الشرار، إلا أن يرى الساعي أخذ المعيبة لا الصغيرة) أي ويلزم في كل ما وجب من كل النعم الوسط، ولو انفرد الخيار أو الشرار، فلا يأخذ كرائم الأموال، إلا أن يتطوع ربها بأفضل، فلا يأخذ الساعي من شرار الماشية، إذ ليس له المسامحة لأنه وكيل، إلا أن يرى أخذ المعينة نظرا لمصرف الزكاة لكثرة لحمها أو ثمنها، فليس له أخذ الصغيرة القاصرة عن السن الواجب.
مسألة: وفي البيان (^١): قال عيسى: قال ابن القاسم: إذا كان لرجل إبل، فسيرها في سفر، فحال الحول عليها وهي في سفرها، فليس عليه صدقتها حتى تقدم، فإن ماتت فلا صدقة عليه فيها.
قال محمد بن رشد: إنما لم تجب عليه صدقتها من أجل أنه لا يدري ما حدث عليها من تلف أو عطب، ولا يلزمه أيضا أن يخرج زكاتها إلا منها، وهو لا يقدر على ذلك مع مغيبها عنه.
وقوله: فإن ماتت فلا صدقة عليه فيها، يريد وإن علم أنها ماتت بعد حلول الحول عليها، إذ لم يفرط في ذلك، وليس عليه أن يخرج زكاتها إلا منها، وإن كانت زكاتها من غيرها. انتهى (^٢).
وجدته بخط شيخنا محمود بن عمر حفظه الله آمين.
قوله: (وضم بخت لعراب، وجاموس لبقر، وضأن لمعز، وخير الساعي إن وجبت واحدة وتساويا) لما فرغ من ذكر النصاب، وقدر ما يؤخذ، شرع يذكر ما يضم في الزكاة أي
_________________
(١) البيان: هو البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة، لأبي الوليد محمد بن احمد بن رشد القرطبي
(٢) البيان والتحصيل لأبي الوليد محمد بن رشد: ج ٢، ص: ٤٤٣.
[ ١ / ٤٣٤ ]
يضم بخت وهي إبل خراسان ذات سنامين، إلى عراب وهي غير ذات سنامين.
وكذلك يضم جاموس لبقر، فتكون كنوع واحد. وكذلك ضأن لمعز، فإن وجبت واحدة والحال أنهما تساويا، كثمانية عشر بخت، وثمانية عشر عراب، فالواجب فيها بنت لبون، أو خمسة عشر جاموسا وخمسة عشر بقرا، أو عشرين ضائنة وعشرين معزا، فإن الساعي مخير في أخذ ذلك الواجب في أي النوعين، بمعنى لا يتعين عليه ما يأخذ من ذلك، بل ينظر بالأصلح للمساكين.
قوله: (وإلا) أي وإن لم يتساويا بل تفاوتا (ف) إنه يأخذ (من الأكثر) منهما.
قوله: (وثنتان من كل إن تساويا أو الأقل نصاب غير وقص، وإلا فالأكثر) أي وإن وجب أخذ اثنتين أخذ من كل واحدة، إن تساويا أو كان الأقل نصابا، كمائة وعشرين ضائنة وأربعين معزا والأربعين غير وقص وإلا فالأكثر أي وإن لم يكن الأقل نصابا أو كان نصابا ولكنه وقص كمائة وشاة مع أربعين، الوقص بفتح القاف أفصح من سكونها.
قوله: (وثلاث وتساويا فمنهما) أي وإن وجبت ثلاث، والحال أنها متساوية، كمائة وعشرين مع مثلها، فإنه يأخذ اثنتين منهما في النوعين (وخير في الثالثة).
قوله: (وإلا فكذلك) أي وإن لم يتساويا فكالتفصيل المتقدم يأخذ من الأكثر منهما.
قوله: (واعتبر في الرابعة فأكثر كل مائة، وفي أربعين جاموسا وعشرين بقرة منهما) أي فإن وجبت أربع شياه فأكثر، يعتبر كل مائة، ففي مائتين وستين مع مائة وأربعين شاة من الأقل وثلاث من الأكثر، وفي مائتين وخمسين مع مثلها اثنتين من كل، وخير في الخامسة، وإن كان أربعين جاموسا وعشرين بقرة، فإنه يأخذ من كل نوع تبيعا، لأنه يأخذ تبيعا عن ثلاثين من الجاموس، يصير أكثر الباقي بقرا لأنها عشرون، والجاموس عشرة.
قوله: (ومن هرب بإبدال ماشية أخذ بزكاتها ولو قبل الحول على الأرجح) أي ومن هرب من الزكاة بإبدل ماشيته بماشية أخرى أو عرض أو عين أخذ بزكاة تلك الماشية المبدلة، خلافا لمن قال: إنما يؤخذ بزكاة الثمن، معاملة بنقيض مقصوده، ولو كان إنما باعها قبل الحول على ما اختاره ابن يونس، خلافا لمن قال: إذا باعها قبل الحول، فلا يؤخذ بزكاتها، إذ ليس بهارب من الزكاة.
[ ١ / ٤٣٥ ]
قوله: (وبنى في راجعة بعيب أو فلس) هذا شروع منه الله حيث يبني على ما مضى من الحول، وحيث لا يبني أي وإن باع ماشية فرجعت إليه لأجل عيب ظهر فيها، فإنه يبني فيها على ما مضى من حولها وهي في يده، بناء على أن الرد بالعيب نقض بيع، وأما على القول أنه ليس بنقص، فإنه يستقبل بها حولا. وكذلك إذا باع ماشية ثم فلس المبتاع فوجد ماشية في يده لم تفت فرجع فيها، فإنه يبني فيها على حولها الأصلي لأنه نقض بيع.
قوله: (كمبدل ماشية تجارة) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يبني على الحول الأصلي مبدل ماشية تجارة (وإن) كانت (دون نصاب بعين) فيها نصاب، إنما يبني لأنه انتقل من ظاهر إلى خفي.
قوله: (أو نوعها) أي أو أبدل ماشية تجارة بنوعها، كبخت لعراب، أو جاموس لبقر، أو ضأن لمعز أو العكس، فإنه في ذلك كله يبني على حول الأصل، كانت الأولى نصابا أم لا على المشهور.
قوله: (ولو لاستهلاك) أي من كانت له ماشية فاستهلكها إنسان، فأخذ منه في القيمة ماشية من نوعها، فإنه يبني على حول الأصل، لأن أخذ الماشية في الاستهلاك كالمبادلة.
قوله: (كنصاب قنية) تشبيه أي كما يبني على حول الأصل، إذا أبدل نصاب ماشية قنية بعين النصاب شرط في إبدالها بعين، وأما إذا أبدلها بنوعها، فإنه يبني على حول الأصل، وإن كانت الأولى دون نصاب.
قوله: (لا بمخالفها، أو راجعة بإقالة) أي هذا راجع إلى قوله: أو نوعها أي لا إن أبدلها بمخالف لنوعها، كما إذا أبدل بقرا بغنم أو إبل أو العكس، فإنه يستقبل بها حولا، وكذلك يستقبل الحول بها، إذا رجعت إليه بالإقالة، لأن الإقالة ابتداء بيع، إلا في المسائل المعدودة فيما يأتي إن شاء الله.
تنبيه: ذكر الشيخ نور الله ضريحه الراجعة بالعيب وبالفلس وبالإقالة، وسكت عن الراجعة لفساد البيع، والحكم سواء، والأولى أن يذكرها.
قوله: (أو عينا بماشية) أي وإن أبدل عينا بماشية فإنه يستقبل بها حولا إذ لا تهمة، لأنه مال باطن باعه بظاهر، وأما الماشية بعين، فإنه مال ظاهر بيع بمال خفي وهناك تهمة.
[ ١ / ٤٣٦ ]
قوله: (وخلطاء الماشية كمالك، فيما وجب من قدر وسن وصنف) أي وإذا توفرت شروط الخلطة في الماشية، فإن الخلطاء كمالك واحد فيما يجب فيها من قدر وسن وصنف.
الخليط: هو الذي يميز.
والشريك: هو الذي لا يميز ماله، وكل شريك خليط، وليس كل خليط شريك. مثال القدر ثلاثة لكل واحد أربعون شاة، فالواجب شاة على كل واحد ثلثها، ومثال السن كاثنين لكل واحد منهما ست وثلاثون من الإبل، فإن الواجب عليهما جذعة على كل واحد نصفها. ومثال الصنف كاثنين لواحد ثمانون من الضأن، وللآخر أربعون معزا، فإن الواجب شاة من الضأن لأنها الأكثر، وعلى صاحب المعز ثلثها.
قوله: (إن نويت، وكل حر مسلم ملك نصابا بحول) شروع منه الله في ذكر شروط الخلطة وهي: أن تكون الخلطة منوية لأرباب الماشية، وأما إن لم ينووها فلا عبرة بها، وأن يكون كل من الخلطاء حرا، فإن كان أحدهما عبدا، فإن الحر يستقبل بما عنده، ولا شيء على العبد، وأن يكون كل منهم مسلما، وإن كان أحدهم كافرا لا عبرة به، وأن يكون كل من الخلطاء ملك نصابا وحده حال عليه الحول، وإن كان لأحدهما نصاب دون الآخر، فإن مالك النصاب يزكي ما عنده إن حال عليه الحول، ولا شيء على الآخر، وإن كان لكل منهما نصاب، ولم يحل حول واحد منهما، فإن كلا منهما يزكي على حوله.
قوله: (واجتمعا بملك، أو منفعة في الأكثر من ماء، ومراح، ومبيت، وراع بإذنهما، وفحل) غفل البساطي هنا تعالله لأنه جعل الضمير في اجتمعا للغنمين أي واجتمع الخليطان في ملك رقبة أو منفعة في الأكثر من هذه الخمسة وهي مراح وهو الموضع الذي تقيل فيه. وماء ومبيت وراع وفحل.
هذا كله إذا كان بإذن المالكين، وأما إن تعاون الرعات بغير إذن فليس ذلك بخلطة.
قوله: (برفق) أي إنما تعتبر الخلطة إذا كانت برفق، لا لأجل الفرار من الزكاة.
فرع ولا تشترط الخلطة في جميع الحول، بل يكفي اختلاطها في آخره. واختلف في تقدير ذلك بمدة، وفي قدرها على القول بها.
فقال القاضي ابو محمد: إذا لم يقصد الفرار زكاها الساعي على ما يجدها عليه
[ ١ / ٤٣٧ ]
من اجتماع أو افتراق، ويقبل قول أربابها؛ لأن الظاهر أنهم يفعلون ذلك للإرتفاق بالفرقة والإجتماع، فيجب ألا يخالف ما ظهر، ويصار إلى خلافه، إلا بأمارة تقوي التهمة.
وروى ابن القاسم في الكتاب: إذا كان ذلك قبل الحول بشهرين وأقل فهم خلطاء، وذكر أنه لم يسأل عن أقل من ذلك.
ثم قال: وأنا أرى أنهم خلطاء في أقل من الشهرين، ما لم يتقارب الحول ويهربا فيه، إلا أن يكونا خليطين فرارا من الزكاة. وما يرى أنه نهي عن مثله في حديث عمر بن الخطاب.
وقال ابن حبيب: أدنى ذلك الشهر، وما كان دون الشهر لم يجز لهما اجتماع ولا افتراق.
وقال محمد بن المواز: إن اجتمعا أو افترقا فيما دون الشهر فجائز ما لم يقرب جدا، ويكن الساعي قد أظلهما. هذا كله إن كان ما وجدا عليه من اجتماع أو افتراق منقصا من الزكاة، فإن لم يكن منقصا، فلا يتهمان عليه. انتهى من ابن شاس (^١).
قوله: (وراجع المأخوذ منه شريكه بنسبة عدديهما، ولو انفرد وقص لأحدهما) أي فإن أخذ الساعي الواجب من أحد الخليطين، فإنه يرجع على شريكه في الخلطة، بنسبة عدد ما لكل واحد منهما، ولو انفرد وقص، لأحدهما أربعون شاة، ولصاحبه ثمانون، وأحرى إذا كان لهما وقص، فإنهما يتراجعان بنسبة عدديهما.
قوله: (في القيمة) أي وراجع المأخوذ منه شريكة في القيمة لا في الأجزاء، لضرورة الشركة.
ولم يذكر الشيخ وقت القيمة، هل هو يوم الأخذ؟ لأن الشريك كالمتلف، فتكون عليه القيمة يوم التلف، أو القيمة يوم التراجع، لأنه كالمسلف فيه قولان.
قوله: (كتأول الساعي الأخذ من نصاب لهما، أو لأحدهما، وزاد للخلطة، لا غصبا، أو لم يكمل لهما نصاب) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يتراجعان إذا تأول الساعي الأخذ من نصاب واحد لهما متبعا لقول من قال به أو وافقه اجتهاده إن كان مجتهدا. وكذلك إن كان لأحدهما نصاب، ومال الآخر ليس فيه نصاب، ولكن زاد المأخوذ للخلطة، كما إذا كان لأحدهما مائة شاة وللآخر إحدى وعشرين، فأخذ شاتان فإنهما
_________________
(١) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ١، ص: ٢٠٤.
[ ١ / ٤٣٨ ]
يتراجعان بالنسبة، لأن تأويل الساعي كحكم حاكم، فلا يتراجعان إن أخذ ذلك غصبا، بل هو مصيبة لمن نزل به.
وكذلك لا يتراجعان إن أخذ شاة في غنم لهما لم يكمل نصابا لأنه ظلم أخرق الإجماع فهو مصيبة لمن أخذه منه.
قوله: (وذو ثمانين خالط بنصفيها ذوي ثمانين) أي وصاحب ثمانين شاة خالط بنصفيها ذوي أربعين كل منهما خالطه بأربعين فإنهم كالخليط الواحد عليه شاة وعلى صاحبه شاة وعلى كل واحد منهما نصفها.
قوله: (أو بنصف فقط ذا أربعين، كالخليط الواحد عليه شاة، وعلى غيره نصف بالقيمة) أي فإن خالط ذو ثمانين بأربعين منها ذا أربعين، فالواجب عليهما شاة، وعلى صاحب الثمانين ثلثاها، وعلى صاحب الأربعين ثلثها، ولم يذكر الشيخ الواجب عنه لوضوحه.
قال صاحب التاج والإكليل: وأما مسألة ذى ثمانين خالط أربعين منها بأربعين لغيره، وبقيت الأربعين بغير خليط.
فقال ابن شاس: حكى الشيخ أبو الوليد عن عبد الملك وسحنون: أن على صاحب الأربعين نصف شاة، وعلى صاحب ثمانين شاة كاملة. انتهى (^١).
وهذ النقل موافق لما اختصر عليه خليل، إلا أنه ليس بمشهور، ولا اتفق النقل به عن سحنون وعبد الملك، وإنما المشهور الذي ينبغي أن تكون به الفتوى ما في المدونة. انتهى (^٢).
قال صاحب الجواهر: حيث ثبة للساعي على أحد الخلطاء حصة من شاة أو غيرها من ماشية الزكاة، أخذ منه قيمة ذلك ذهبا أو ورقا.
وقيل: إنه يأتي بها، فيكون شريكا معه فيها. انتهى (^٣).
قوله: (وخرج الساعي ولو بجدب طلوع الثريا بالفجر) لفظه لفظ الخبر والمراد به الأمر أي يخرج الساعي ولو في سنة الجدب، خلافا لمن قال: لا يخرج سنة الجدب، وعلى خروجه على المشهور فهل يكلف رب الماشية الإتيان بالوسط
_________________
(١) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ١، ص: ٢٠٥.
(٢) التاج والإكليل: ج ٢، ص: ٣١٩.
(٣) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ١، ص: ٢٠٦
[ ١ / ٤٣٩ ]
اللازم؟ أو لا يكلفه بل يأخذ من الماشية على ما كانت عليه من الهزال فيه قولان.
وإذا فرعنا على القول أنه لا يخرج سنة الجدب، وخرج في السنة التي تليها، هل يأخذ ما كان في السنة الماضية؟ أم لا قولان.
ووقت خروجه طلوع الثريا مع الفجر، وهو أول الصيف رفقا بالساعي لأنه يجد الناس مجتمعين على المياه، ورفقا لأرباب الماشية من ليس عنده السن الواجب يجده عند الناس هناك، ولا مشقة على الفريقين.
الجدب بدال مهملة ضد الخصب، ويختص بجدب الزرع، ولا يستعمل لفظ الجدب إلا في احتياج النبات إلى المطر.
الثريا مثلثة الثاء، وهو النجم المعروف، وهو من الثروة، وهو كثرة العدد.
قوله: (وهو) أي الساعي (شرط وجوب؛ إن كان، وبلغ) أي ووصل وإن لم يكن أو كان ولم يصل فكالعين يزكيها ربها، وقيل: الساعي شرط أداء وهو الظاهر، والأول هو المشهور. انتهى.
فإن قلت: لنا زكاة حولها بالسنة القمرية، ولنا زكاة حولها بالسنة الشمسية؟.
قلت: أما الأولى فهي زكاة العين، وأما الثانية فهي زكاة الماشية، فإن حولها أول فصل الصيف عند طلوع الثريا، وهو وقت خروج الساعي، وتدور مع الفصول ولا تدور مع الأشهر القمرية، قاله ابن الفخار (^١) في تعقبه على الرسالة لأبي محمد بن أبي زيد. انتهى من درة الغواص لابن فرحون (^٢).
قوله: (وقبله: يستقبل الوارث) حولا أي وإن مات رب الماشية قبل مجيء الساعي، فإن الوارث يستقبل بالماشية حولا لأنها فائدة. وكذلك إن مات الوارث قبل مجيء الساعي إليها، فإن وارثه يستقبل بها حولا.
قوله: (ولا تبدأ إن أوصى بها ولا تجزئ) أي وإن أوصى الميت بإخراج الزكاة لا تبدء على الوصايا، ولا يأخذها الساعي، ولا تجزء الزكاة إن أخرجها قبل مجيء الساعي، وإن بعد مضي حولها، ولا ينبغي لرب الماشية أن يضيف الساعي ولا أن
_________________
(١) هو محمد بن على بن محمد بن احمد بن الفخار الجذامي المالقي أبو بكر من مؤلفاته: نصح المقالة في شرح الرسالة وغيره مات سنة: ٧٢٣ هـ الديباج المذهب في معرفة علماء أعيان المذهب لابن فرحون، ج ١، ص: ١٤٧. وقد ورد في كل النسخ الموجودة عندي ابن الفخار وفي درة الغواص ابن البخاري بدل ابن الفخار، ولم أجد في كتب التراجم مالكيا يعرف بابن البخاري أو أي أحد له تعقيب على الرسالة ولابن الفخار شرح لها كما تقدم والله أعلم.
(٢) درة الغواص في محاضرات الخواص لابن فرحون، باب الزكاة: ص: ١٥٥.
[ ١ / ٤٤٠ ]
يعيره دابة، خيفة أن يرفق به، لأن الهدية إذا دخلت دارا تتطاير الأمانة من كواها.
قوله: (كمروره بها ناقصة، ثم رجع وقد كملت) إلى آخره تشبيه لإفادة الحكم أي كما يستقبل بها حولا إذا مر بها الساعي، وهي ناقصة عن النصاب بعد حولها، ثم رجع وقد كملت بولادة، أو وجود ضالة، أو إبدال قليل بأكثر، لأن المعتبر المرور الأول، إذ به حكم الحول.
قوله: (فإن تخلف وأخرجت أجزأ على المختار، وإلا عمل على الزيد والنقص للماضي بتبدئة العام الأول، إلا أن ينقص الأخذ النصاب أو الصفة فيعتبر) أي فإن تخلف الساعي لعذر وأخرجت الزكاة، أجزء على ما اختاره اللخمي، ومقابله: لا تجزء. وإلا أي وإن لم تخرج حيث تخلف الساعي ثم جاء، فإنه يعمل على ما كانت عليه الماشية من الزائد والناقص في السنين الماضية، فيبدأ بالعام الأول ثم بالذي يليه على الترتيب إلا أن ينقص الأخذ النصاب، كما إذا تخلف عنها أربع سنين وهي اثنان وأربعون شاة فإنه يأخذ للعام الأول شاة وللثاني شاة وللثالث شاة وبقيت الغنم تسعا وثلاثين ليست بنصاب. وكذلك إن نقص الأخذ الصفة، كما إذا تخلف عنها وهي خمسون من الإبل فوجدها خمسا وعشرين فإنه يأخذ للسنة الأولى بنت مخاض وللسنين الباقية شياه.
قوله: (كتخلفه عن أقل فكمل، وصدق، لا إن نقصت هاربا، وإن زادت له فلكل ما فيه بتبدئة الأول، وهل يصدق؟ قولان) تشبيه أي كما يعمل على الزيد والنقص إذا تخلف عنها وهي أقل من النصاب، فكملت بعد ذلك في غيبته، فلا يأخذ إلا عن الأعوام التي كملت فيه النصاب وهو قول مالك وابن القاسم. ويصدق رب الماشية فيها في كل عام لأنه ليس بهارب.
قوله: لا إن نقصت هاربا راجع لقوله: عمل على الزيد والنقص أي لا إن نقصت هاربا، فإنه لا يعمل على النقص، بل يعمل على ما علم حتى يثبت خلافه، وإن زادت الماشية في حال هروبه، فإن الساعي يأخذ لكل سنة ما فيه إن صدقه، فيبدء بالعام الأول. وأما إن لم يصدقه فإنه يأخذ لكل سنة على الزيد.
واختلف هل يصدق في دعوى نقصها؟ لأنه الأصل وهو قول سحنون، أو لا يصدق لأنه الهارب، وهو قول عبد الملك.
قوله: (وإن سأل فنقصت أو زادت، فالموجود إن لم يصدق) أي وإن سأل الساعي رب
[ ١ / ٤٤١ ]
الماشية عن قدرها، فأخبره به وغاب عنها، ثم نقصت قبل عدها بموت أو ضالة، أو زادت بولادة أو فائدة، أو إبدال قليل بكثير، فإن المعتبر في ذلك هو الموجود الآن، لا إن لم يصدقه في إخباره بقدرها، لأنه لما لم يصدقه كان كلامه بالإخبار لغو.
قوله: (أو صدق ونقصت وفي الزيد تردد) أي وكذلك إن سأله عن قدرها، فأخبره به وصدقه، ونقصت بعد ذلك وقبل العد، فالمعتبر الموجود الآن، فإن أخبره بعددها وصدقه، وزادت قبل العد فيه طريقان الأول المعتبر ما صدقه فيه. والطريق الآخر في ذلك قولين: أحدهما أن المعتبر ما صدقه فيه.
والثاني: أن المعتبر ما وجد، تردد فيه الأشياخ في فهم النقل. قال بعضهم: المذهب كله على طريق واحد. وقال بعضهم: المذهب على قولين.
قوله: (وأخذ الخوارج بالماضي، إن لم يزعموا الأداء، إلا أن يخرجوا لمنعها) أي وأخذ الخوارج عن الإمام العدل بزكاة الماضي من السنين، إلا أن يزعموا أداءها للفقراء، فإنهم يصدقون في ذلك لأنهم متأولون، إلا أن يكون خروجهم لأجل منع الزكاة، فلا يصدقون في إخراجها بل تؤخذ منهم.
وفي إكمال الإكمال: قال عياض: وتعليق الزكاة بالنصاب المذكور يدل على أن لا زكاة في أقل منها عددا ولا خلاف في شيء منها إلا ما في الحب، فإن أبا حنيفة وبعض السلف، قالوا: يزكي قليل الحب وكثيره، لقوله: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ [البقرة: ٢٦٦/ ٢٦٧] وحديث: «في ما سقت السماء العشر» (^١).
ولنا عليهم الأحاديث المقيدة بالنصب، والمطلق يرد إلى المقيد. انتهى منه (^٢).
[زكاة الحرث]
قوله: (وفي خمسة أوسق فأكثر، وإن بأرض خراجية، ألف وستمائة رطل: مائة وثمانية وعشرون درهما مكيا، كل: خمسون وخمسا حبة، من مطلق الشعير) أي الواجب في خمسة أو سق فأكثر لا أقل خلافا لأبي حنيفة، وإن كان الحرث في أرض خراجية، شرعية
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٣٠) - كتاب الزكاة (٥٤) - باب العشر فيما يسقى من ماء السماء، الحديث: ١٤١٢ - ١٤٨٣. وأخرج البيهقي في السنن الكبرى (١٠) - كتاب الزكاة (٥٤) - باب قدر الصدقة فيما أخرجت الأرض، الحديث: ٧٧٤٠. وأخرج الإمام أحمد في مسنده، الحديث: ٢٢٠٣١.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٣، ص: ٤٠٣.
[ ١ / ٤٤٢ ]
كانت أو ظلما.
وفي إكمال الإكمال: الله أعلم هذا موضعه.
قوله: ألف وست مائة رطل، يصح أن يكون بدلا من خمسة أوسق ويكون بالعكس، ويصح أن يكون خبرا لمبتدء محذوف أي وهي الخمسة الأوسق ألف رطل وست مائة رطل.
الرطل بفتح الراء وكسره، والرطل وزنه مائة وثمانية وعشرون درهما بالدرهم المكي، وهو الدرهم الشرعي، ووزن كل درهم خمسون حبة وخمسا حبة من مطلق الشعير أي وسطها لا يوصف بالصغير ولا بالكبير ولا بالممتلئ ولا بالضامر.
قوله: (من حب وتمر فقط) أي والخمسة الأوسق من حب أو ثمر فقط احترازا من قول عبد الملك تتعلق الزكاة لكل ذي أصل ثابت كالرمان والخوخ وغير ذلك. قال ابن غازي: كأنه أدرج الزبيب في التمر فإنهما متفق عليهما (^١).
قوله: (منقى مقدر الجفاف، وإن لم يجف) أي في حال كونه منقى من التبن ومن الصوان، يريد إلا قشر ما يخزن بقشره من أرز وعلس، يدل عليه ما يأتي مقدر الجفاف فيه وإن لم يجف، يقال: لو جف هذا يكون فيه خمسة أوسق. قوله: (نصف عشره:) هو خبر مبتدء محذوف أي الواجب في خمسة أوسق نصف عشره، ويصح أن يكون فاعلا أي يجب في خمسة أوسق نصف عشره، الوسق ما وسق أي جمع ومنه قوله تعالى: ﴿واليل وما وسق﴾ [الانشقاق: ١٧] أي وما جمع.
فائدة مكائل المدينة تسعة أعلاها الكز وهو إثني عشر وسقا، ثم يليه الوسق وهو ستون صاعا، ثم يليه القفيز وهو ثمانية وأربعون صاعا، ثم يليه الإردب وهو ثلاثون صاعا، ثم يليه الوبية وهو خمسة أصع، ثم يليه الفرق وهو ثلاثة أصع، ثم يليه الصاع وهو أربعة أمداد، ثم يليه القسط وهو نصف صاع، ثم يليه المد وهو وزن رطل وثلث. والرطل إثنى عشر أوقية، والأوقية أربعون درهما، والدرهم خمسون حبة وخمسا حبة. انتهى.
قوله: (كزيت ما له زيت، وثمن غير ذي الزيت، وما لا يجف، وقول أخضر) تشبيه لإفادة الحكم في وجوب الزكاة، وفي الإخراج من زيتها أي كما يخرج من زيت ما له
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١/ ٢٦١.
[ ١ / ٤٤٣ ]
زيت، كالزيتون والجلجلان وحب الفجل إذا بلغ ذلك خمسة أوسق وعصر الزيت، وحصاد الزرع ودرسه على المالك، لا على الفقراء.
وكذلك يخرج من ثمن غير ذي الزيت، ومن ثمن ما لا يجف، كرطب مصر، ومن ثمن فول أخضر إذا باعه أخضر.
وكذلك إذا أكله فيقومه ويزكي من الثمن، وإن كان أقل من دينار.
قوله: (إن سقي بآلة وإلا فالعشر، ولو اشتري السيح أو أنفق عليه) أي وإنما يجزئ نصف العشر في ذلك إن سقي ذلك بآلة كالدلو وغيره وإلا أي وإن سقي بغير آلة كالسيح أو المطر فالواجب فيه العشر ولو اشترى السيح أو أنفق عليه أي على جريانه إليها. والسيح الماء الجاري كالنهر.
قال المواق: قال ابن بشير: إن كان يشرب بالسيح لكن رب الأرض لا يملك ماء وإنما يشتريه بالثمن ففيه قولان المشهور وهو الصحيح أنه يزكي بالعشر إذ فيه نص الحديث، وقال اللخمي في ما اشتري أصل مائه العشرون السقي منه علة، وفيما سقي بواد أجرى إليه النفقة نصف عشر أول عام وعشر ما بعده (^١)، ورد ابن بشير هذا قال: والعلة التي تعود على النص بالإبطال باطلة.
وقال ابن يونس: سئل ابن حبيب عن الزرع يعجزه الماء فيشتري صاحبه ما يسقيه به، كيف يزكيه؟ قال: يخرج عشره، وسئل عنها ابن الحسن (^٢) فقال: يخرج نصف العشر.
ابن يونس: قال بعض فقهائنا وهذا أعدل، لأن الحديث إنما فرق بين النضح والسواني من أجل إخراج الثمن للأجراء ومن يتولى له ذلك فلا فرق.
ابن يونس: وينبغي على هذا القياس في عمل الكروم ومشقتها أن يخرج فيها نصف العشر لأن ذلك أشد من السقي وأكثر تعبا ونفقة، ولو قاله قائل كان صوابا (^٣). انتهى من التاج والإكليل (^٤).
قوله: (وإن سقي بهما فعلى حكميهما، وهل يغلب الأكثر خلاف) أي وإن سقي الزرع
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج ٣، ص: ١٠٨٨. بتصرف
(٢) هو عبد الملك ابن الحسن كما ذكره ابن يونس في جامعه.
(٣) الجامع لابن يونس: ج ٣، ص: ١٤١١ بتصرف وجيز.
(٤) التاج والإكليل للمواق: ج ٢، ص: ٣٣٤.
[ ١ / ٤٤٤ ]
بالآلة والسيح أو السماء فإنه يزكيه على حكميهما إن تساويا أو تقاربا، وإن لم يتساويا فهل يغلب الأكثر منهما؟ فيزكى على حكمه من عشر أونصفه ولا يغلب الأكثر بل كل على حكمه وهو قول ابن القاسم أيضا، ورواه عن مالك والأول قول مالك وابن القاسم. انتهى.
نظائر
قال صاحب الذخيرة: قال العبادي (^١): إلحاق الأقل بالأكثر إثنا عشرة مسألة في المذهب: السيح والنضح، والمعز والضأن، يؤخذ من أكثرهما.
والمأخوذ في زكاة الإبل من غالب غنم البلد، ضأنا أو ماعزا، وإذا أدار بعض ماله دون بعض زكي بحكم غالبه.
وزكاة الفطر من غالب عيش البلد. وبياض المساقاة مع السواد يتبعه إذا كان أقل، وإذا نبة أكثر الغرس فللغارس الجميع، وإن نبة الأقل فلا شيء له فيها، وقيل له الأقل، وإذا أطعم أكثر الغرس سقط عنه العمل.
وإذا حد المساقي أكثر الحائط سقط عنه السقي وإذا أبر أكثر الحائط فجميعه للبائع وإذا حبس على أولاده الصغار أو وهب وحاز الأكثر صح الحوز في الجميع. وإذا استحق الأقل من البيع أو وجد به عيبا فليس له الرد، ويرجع بقدره. انتهى من الذخيرة (^٢).
قوله: (وتضم القطاني: كقمح، وشعير، وسلت، وإن ببلدان؛ إن زرع أحدهما قبل حصاد الآخر، فيضم الوسط لهما، لا أول لثالث) لما فرغ الشيخ رحمه اللاه من ذكر ما تجب فيه الزكاة، ومن ذكر ما يخرج منها، ومن ذكر قدر المخرج شرع يذكر ما يضم في ذلك وما لا يضم، وتضم القطاني بعضها لبعض في الزكاة وهي: الفول والعدس والحمص والجلبان واللوبيا وغير ذلك، فتجمع في النصاب، كما يجمع قمح وشعير وسلت وإن زرعها في بلدان وأحرى بلد واحد، إذا زرع أحدهما قبل حصاد الآخر،
_________________
(١) لعله محمد بن أحمد بن محمد العبادي الهروي، أبو عاصم: فقيه شافعي، من القضاة. ولد بهراة سنة: ٣٧٥ هـ، وتفقه بها وبنيسابور، وتنقل في البلاد. ومات سنة: ٤٥٨ هـ وصنف كتاب، منها: أدب القضاة والمبسوط والهادي إلى مذهب العلماء وطبقات الشافعيين. الأعلام للزركلي: ج ٥، ص: ٣١٤
(٢) الذخيرة للقرافي: ج ٣، ص: ٨٤.
[ ١ / ٤٤٥ ]
كما إذا زرع وقبل حصاده زرع آخر، ثم حصد الأول، ثم زرع ثالثا قبل حصاد الثاني، فبسبب ذلك يضم الوسط لهما على البدلية لا على المعية، فإن كان في الأول ثلاثة أوسق، وفي الثاني وسقين، فإنه يزكيه. وكذلك إن كان في الثاني وسقين، وفي الثالث ثلاثة، ولا يضم أول الثالث بناء على أن خليط الخليط ليس بخليط.
قوله: (لا لعلس) أي لا يضم القمح أو الشعير أو السلت إلى علس (ودخن وذرة وأرز، وهي أجناس) أي وهذه الأربعة أجناس لا يضم بعضها لبعض.
قوله: (والسمسم هو حب الجلجلان (وبزر الفجل) البزر بفتح الباء وكسرها، (والقرطم) وهو حب العصفور، وهذه الثلاث (كالزيتون) في وجوب الزكاة، وفي الإخراج أخرج من زيتها، وحقه أن يذكر هذا قبل قوله: وتضم القطاني لأنه أولى به.
قوله: (لا الكتان) أي فلا زكاة في بزر الكتان.
قوله: (وحسب قشر الأرز والعلس) أي وحسب قشر الأرز في الخمسة الأوسق فلا تلغى قياسا على نوى التمر، من وجد في حرثه خمسة أوسق من أرز وعلس بقشره فعليه زكاته خلافا للشافعية، ولا حجة لمن قال: ولا ينتفع به إلا إذا أزيل قشره، ومن فسره بغير هذا فقد أخطأ في اللفظ والنقل.
غفل فيه الشارح ﵀.
كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
قوله: (وما تصدق به): أي ويحسب في الأوسق ما تصدق به إن لم ينو به الزكاة فإن نواه به يجزيه، ولا يحسب ما التقطه اللاقطون، وكذلك لا يحسب ما أعطاه لخدمة السلاطين لأنه كالجائحة. انتهى.
قال البرزلي: وسئل السيوري عما يأخذه الأعراب قطيعة عن الزرع وحب الزيتون من العين، هل يسقط زكاة ما يقابله أم لا؟ وبعض الأعراب يزكي، هل يشتري من الفقراء الشاة المأخوذة عن الزكاة منهم أو لا؟.
فأجاب: يؤمرون بالزكاة المذكورة ويسقط من الزكاة قدر ما ذكر مما يؤدونه.
وسئل في موضع آخر عن أهل الزرع والزيتون يجور عليهم الأعراب أو السلطان الزرع والزيتون قبل حصاده أو قطافه وعصره ويجعلون عليهم مالا كثيرا عينا ويؤخرون قبضه بعد حصاده شهرا أو شهرين هل تسقط عنهم من الزرع بقدر ما ألزموا من المغارم ويزكى ما بقي أو يزكي ذلك كله؟.
[ ١ / ٤٤٦ ]
فأجاب: يسقط من الزكاة بقدر ما أخذ منهم إن لم يؤخذ من عينه. انتهى (^١).
قوله: (واستأجر فتا) أي ويحسب في الأوسق ما استأجر به قتا أي حزما وإن قبل حصاده.
قوله: (لا أكل دابة في درسها) أي فإنه لا يحسب ما أكلت الدواب في درسها هذا إن لم يتعمده وإن بترك علفها، وأما إن تعمد ذلك فإنه يحسبه.
قوله: (والوجوب بإفراك الحب) أي والوجوب في زكاة الحرث إنما يكون بإفراك الحب (وطيب الثمر) فبسبب ذلك (فلا شيء على وارث قبلهما) إن (لم يصر له نصاب) في حصته. وأما إن مات بعد الإفراك والطيب فإن الزكاة على الميت.
قوله: (والزكاة على البائع بعدهما إلا أن يعدم فعلى المشتري) أي وإن باع حرثه بعد الإفراك والطيب، فإن زكاته عليه لأنها قد وجبت عليه لا على المشتري، إلا أن يعدم البائع، فتؤخذ من المشتري إن وجد ذلك قائما في يده، وإن فاته فلا شيء عليه.
قال صاحب الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة فلو فلس البائع والثمرة بيد المبتاع أخذ منه حق المساكين، ويرجع هو على البائع بما يخص ذلك من الثمن.
وقيل لا يؤخذ من المشتري شيء، ومنشأ الخلاف: هل المساكين كالشركاء يرجعون في عين شيئهم أم لا؟. انتهى (^٢).
قوله: (والنفقة على الموصى له المعين بجزء لا للمساكين، أو كيل فعلى الميت)، المراد بالنفقة هنا المؤنة من السقي والعلاج أي والمؤنة على الموصى له المعين بجزء شائع كالربع مثلا، لأنه بمجرد الإيصاء والفوات يستحقه وله فيه التصرف التام، واحترز بالمعين من المساكين كما ذكر هنا إذ لا مؤنة، ذلك على المساكين لعدم التعيين، إذ لا يملك إلا بالقبض، واحترز بالجزء من الكيل المعين أم لا كعشرة أردب لأحمد أو للمساكين فإن المؤنة في ذلك على الميت.
قوله: (وإنما يخرض التمر والعنب)، الخرص واجب بالسنة، فلا يخرص غير الثمر والعنب بل يصدق أربابه، فإن خانوا فالله حسيبهم، ووقت الخرص (إذا حل بيعهما) بالزهو لا قبل ذلك.
قوله: (واختلفت حاجة أهلهما نخلة نخلة، بإسقاط نقصها) صوابه لاختلاف حاجة
_________________
(١) نوازل البرزلي: ج: ١، ص: ٥٤٦.
(٢) الجواهر الثمينة لابن شاس: ج: ١، ص: ٢٢٢.
[ ١ / ٤٤٧ ]
أهلها، وقد يريد صاحبها بيعها أو أكلها، وكيفية الخرص أن يخرصها الخارص نخلة نخلة وذلك أحفظ، ويسقط ما نقصه الجفاف، لا ما يسقطه الهواء ولا ما يأكله الطير وإليه أشار بقوله: (لا سقطها). ولا يترك شيئا لهم للأكل ولا لأجل الفساد، نص عليه الباجي وابن رشد. انتهى.
وحكى في الجلاب أنه يترك لهم ما يأكلون. انتهى من الكبير (^١).
قوله: (وكفى الواحد) أي وكفى الخارص الواحد لأنه كحاكم وله نظائر القائف والمقوم والمرأة التي تخبر باستبراء الأمة، والمحلف وفيهم الخلاف هل من باب الخبر؟ فيكتفي بواحد أو من باب الشهادة فلابد من اثنين.
فائدة: في القضاء بالشهادة التي مستندها الحزر والتقريب، والتخمين من ذلك قول الخارص في الثمار الواجبة فيها الزكاة، ومن ذلك الشهادة في قيم المتلفات، إذا لم تكن عينها حاضرة، ومن ذلك قول الحكمين في جزاء الصيد، ومن ذلك شهادة القائف، ومن ذلك قول المؤمنين في تحرير جهة الكعبة فقطعهم بذلك من باب التقريب والتخمين، وقد ذكره القرافي في القواعد.
قوله: (وإن اختلفوا فالأعرف، وإلا فمن كل جزء، وإن أصابته جائحة اعتبرت) أي وإن تعدد الخراص وتساووا في معرفة الخرص فلا كلام، وإن اختلفوا فالحكم على قول الأعرف منهم، وإلا: أي وإن لم يكن أعرف بل تساووا في المعرفة، اعتبر قول كل منهم، فيؤخذ من كل خرص جزء على عدد الخراص، فإن أصابت المخروص جائحة بعد الخرص فإنها تعتبر.
قال ابن غازي: ابن عرفة: روى أشهب في «المجموعة» إن فسد كرمه بعد خرصه فلا شيء عليه. ابن القاسم: ولو بقي منه دون نصاب. وعلى قول ابن الجهم (^٢): يزكي ما بقي.
الباجي: ويصدق في الجائحة. أبو عمر: ما لم يتبين كذبه، وإن اتهم حلف: ابن القاسم: وجائحة ما بيع إن لم توجب رجوعا ملغاة، وإلا أسقطت زكاة ما أسقطته
_________________
(١) أنظر التفريع للجلاب: ج ١، ص ٢٩٣، ولم أطلع على الكبير.
(٢) هو القاضي أبو بكر محمد بن أحمد بن الجهم: يعرف بابن الوراق المروزي، سمع القاضي إسماعيل وتفقه معه، وروى عن ابن حماد وابن عبدوس وغيرهم. وعنه الأبهري وغيره. من مؤلفاته: كتاب مسائل الخلاف وشرح مختصر ابن عبد الحكم الصغير والحجة في مذهب مالك. مات سنة ٣٢٩ هـ. شجرة النور الزكية: ج ١، ص ١١٨، الترجمة: ١٧٣.
[ ١ / ٤٤٨ ]
واعتبر ما بقي. انتهى (^١).
قوله: (وإن زادت على تخريص عارف فالأحب الإخراج، وهل على ظاهره أو الوجوب؟ تأويلان) أي وإن زادت الثمرة المخروصة على تخريص عارف بالخرص، فالأحب عند الإمام مالك الإخراج، وهل قوله: أحب إلي؟ على بابه فيكون الإخراج مستحبا لقوله لقلة إصابة الخراص اليوم، أو هو على الوجوب لأنه كحكم حاكم تبين خطوه فينتقض، وهذا كله في خرص العارف، وأما غير العارف فكالعدم.
سكت الشيخ عن ما إذا نقصت، كما سكت عنه غيره.
وقال ابن الحاجب: ولو تبين خطأ العارف ففي الرجوع إلى ما تبين قولان. انتهى (^٢).
وذكر ابن الجلاب الخلاف في الزيادة ثم قال: وإن نقص الخرص لم تنقص الزكاة. انتهى (^٣).
قوله: (وأخذ من الحب كيف كان كالتمر نوعا أو نوعين، وإلا فمن أوسطها) أي وأخذ الزكاة من الحب كيف كان، فإن اختلف بنوعيه كقمح وشعير أو جودة كسمراء أو محمولة، أخذ من كل نوع بحسبه. وكذلك التمر إن كان نوعا أو نوعين وإلا أي وإن كانت أنواعا فتؤخذ الزكاة من أوسطها، وأنواع تمر المدينة مائة وعشرون نوعا. وقوله: كيف كان خلاف زكاة الماشية، لأن ربها يكلف بالوسط. هنا انتهى الكلام في زكاة الحرث ويليه: «زكاة العين».
[زكاة النقود وما يتعلق بها]
قوله: (وفي مائتي درهم شرعي) أي والواجب في مائتي درهم شرعي (أو عشرين دينارا فأكثر) وإن قل ما زاد عليها إذ لا وقص فيها، حمله بعضهم على ظاهره أنه يزكي الزيادة القليلة، وإن لم يمكن الإخراج منها، وحمله بعضهم على ما إذا أمكن، وإلا فلا.
ولم يذكر الشيخ قدر الدينار، وذكر قدر الدرهم. والدينار الشرعي اثنان وسبعون
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ٢٦٦.
(٢) جامع الأمهات لابن الحاجب ص: ١٦٢.
(٣) التفريع لابن الجلاب: ج ١، ص: ٢٩٣.
[ ١ / ٤٤٩ ]
حبة من وسط الشعير، فجملة نصاب الذهب، ألف حبة وأربع مائة وأربعون حبة، وجملة نصاب الفضة عشرة آلاف حبة وثمانون حبة من مطلق الشعير.
قوله: (أو مجمع منهما) صوابه ومجمع منهما أي من الذهب والفضة صرفا (بالجزء)، لجعل كل دينار في مقابلة عشرة دراهم، فإذا كان عنده مائة وثمانون درهما وديناران زكى الجميع.
قوله: (ربع العشر) أي الواجب في نصاب العين ربع العشر (وإن) كانت العين (لطفل) يتيما كان أو غيره، (أو) كانت ل (مجنون) لأنه من باب المواسات وخطاب الوضع، لا من باب خطاب التكليف، إنما المخاطب بإخراج ذلك عنه وليه ويصدق في الإخراج.
المازري: شرعت الزكاة للمواساة.
ولما كانت المواساة إنما تكون بما له بال من الأموال، وضعها الشرع في الأموال النامية، وهي: العين والحرث والماشية.
واختلف في ما سوى ذلك من العروض فأوجبها فيها أبو حنيفة لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣] وأسقطها منها داود لقوله: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» (^١).
وأوجبها مالك على المدبر على شروط وحمل الآية على ما كان للتجارة والحديث على ما كان للقنية. انتهى من إكمال الإكمال (^٢).
قوله: (أو نقصت، أو برداءة أصل، أو إضافة، وراجت: ككاملة) أي أو نقضت العين وزنا نقصانا لا يحطها عن الكاملة، لأن المعتبر العدد لا الوزن فيها.
وكذلك إذا كانت العين رديئة الأصل والمعتبر القدر لا الجودة. وكذلك إذا كانت الدراهم أو الدنانير مضافة بغيرها من النحاس ونحوه والحال أنها راجت أي راجت كالكاملة، المراد بالكاملة كاملة الوزن، الخالصة من الغش.
غفل الشارح هنا غفله الله.
قوله: (وإلا حسب الخالص) أي وإن لم تجز جواز الكاملة حسب ما فيها من
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٥) - كتاب الزكاة - (٣) - باب ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة.
(٢) إكمال الإكمال: ج ٣، ص: ٤٠٤.
[ ١ / ٤٥٠ ]
العين أو عرض تجارة.
قوله: (إن تم الملك، وحول غير المعدن) أي وإنما تجب زكاة نصاب العين، إن تم فيه الملك، وحال عليه الحول، والحول شرط في زكاة العين والماشية، وجعل شرطا لأنه عدل بين أرباب الأموال والمساكين، لأن الأموال تنموا فيه وليس على المساكين إجحاف في الصبر إليه، ولهذ المعنى لم يجعل شرطا في الحرث، لأن النماء يحصل فيه قبل الحول. انتهى من إكمال الإكمال (^١).
واحترز بتمام الملك من ملك العبد فلا زكاة عليه فيه ولا على سيده، وبالمدين المحاط فلا زكاة عليه لأن المال للغرماء، إنما يشترط الحول في غير المعدن، وأما المعدن فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.
قوله: (وتعددت بتعدده في مودعة ومتجر فيها بأجر) أي هذا شروع منه كله حيث تتعدد الزكاة، وحيث لا تتعدد فيه أي وتعددت الزكاة بتعدد الحول في عين مودعة، لأنه يقدر على قبضها والتنمية فيها. وكذلك تتعدد بتعدد الحول في عين مدفوعة بأجر لمن يتجر فيها، وأخرى المدفوعة بغير أجر.
قصد الشيخ الوجه المشكل، لأنه لا يقدر على أخذه.
قوله: (لا مغصوبة، ومدفونة، وضائعة، ومدفوعة على أن الربح للعامل) أي لا تتعدد الزكاة في عين مغصوبة بل إن ردت إليه يزكيها لعام واحد. وللبساطي هنا كلام بعيد. وكذلك لا تتعدد الزكاة في عين مدفونة، ونسي موضعها في فلاة، أو غيرها، ثم وجدها بعد ذلك. وكذلك لا تتعدد في عين ضائعة ثم التقطت، بل يزكيها لعام واحد. وكذلك لا تتعدد الزكاة في عين مدفوعة للتجر بها على أن الربح كله للعامل، وإن بلا ضمان عليه، وهذا لا يفعله إلا الأخيار، ولم يفرق الشيخ بين دفعها لأجل أو غيره.
وقوله: (بلا ضمان) والضمان أحرى لا تتعدد فيه الزكاة.
قوله: (ولا زكاة في عين فقط ورثت، إن لم يعلم بها أو لم توقف) أي ولا زكاة في عين فقط ورثت. وفي لفظة قط خمسة لغات: فتح القاف وضمها مع شد الطاء المضمومة، وفتح القاف مع سكون الطاء وكسرها مشددة ومخففة، وهي لتوكيد
_________________
(١) إكمال الإكمال: ج ٣، ص: ٤٠٦.
[ ١ / ٤٥١ ]
معنى المضي أي ولا زكاة في عين فقط، احترازا من الحرث والماشية، فإنهما يزكيان علم بهما الوارث أم لا، وقفت له أم لا، وأما العين لا زكاة فيها إن لم يعلم بها الوارث، أو لم توقف له، هذا قول مالك، مفهومه إن علم بها، أو وقفت له، فإن فيها الزكاة، وهو خلاف قول ابن القاسم، وهو المشهور هنا، وهو مذهب المدونة.
قوله: (إلا بعد حول بعد قسمها أو قبضها، ولا موصى بتفرقتها، ولا مال رقيق، ومدين، وسعة، وصياغة، وجودة) أي ولا زكاة في عين فقط إلا بعد حول من قسمها وقبضها. وكذلك لا زكاة في عين موصى بتفرقتها، وبقيت في يد مفرق عاما، أو أكثر لأنه خرج من ملك ربه. وكذلك لا زكاة في مال رقيق، وإن قل المرقوق منه. وكذلك لا زكاة في العين على المدين المحاط. وكذلك لا زكاة في سكة، كما إذا كان في يده ثمانية عشر دينارا مسكوكة سكة يكمل بها النصاب.
وكذلك الجودة والصياغة، لأن المعتبر العدد، لا السكة والجودة والصياغة.
قوله: (وحلي وإن تكسر، إن لم يتهشم، ولم ينو عدم إصلاحه، أو كان لرجل، أو كراء) أي ولا زكاة في حلي مباح لرجل أو امرأة، وقد تقدم أول الكتاب ما هو مباح للرجل وما هو مباح للمرأة، وإن تكسر ذلك الحلي، إلا أن يتهشم حتى لا يستطاع إصلاحه إلا بعد سبك، أو لم ينوي عدم إصلاحه، وأما إذا انكسر ونوى عدم إصلاحه، أو لم ينوه، فإنه يزكيه إذا حال عليه الحول بعد التهشم، لأنه صار كالتبر. وكذلك لا زكاة في الحلي لرجل كخاتمه السني، وحلي مصحفه، أو سيفه.
وكذلك إن كان الحلي مشدودا لأجل الكراء وإن كان لرجل.
قوله: (إلا محرما) أي محرم اللبس أو معدى لعاقبة، أو صداق، أو منويا به التجارة، وإن رصع بجوهر) أي فإنه يزكيه.
لو قال الشيخ: إلا محرما بإسقاط اللبس لأشتمل اللبس وغيره مما يحرم استعمال الذهب والفضة فيه. وكذلك تجب الزكاة في الحلي المعد للعاقبة كالاحتياج، أو معدا للصداق، أو كان منويا به التجارة، وإن رصع الحلي المزكى بجوهر، إغياء في الزكاة.
قوله: (وزكى الزنة إن نزع بلا ضرر، وإلا تحرى)، هذا كيفية إخراج الزكاة عن الحلي. المرصع أي الملصق بجوهر أي فإنه يزكي زنة الحلي، لأن نزع الترصيع بلا
[ ١ / ٤٥٢ ]
ضرر، وإلا أي وإن لم ينزع إلا بضرر، تحرى ما فيه من العين فيزكيه كل سنة.
قوله: (وضم الربح لأصله، كغلة مكترى للتجارة: ولو ربح دين لا عوض له عنده)، نماء المال ثلاثة: الربح وبه بدأ، والفائدة وبها ثنى، والغلة وبها ثلث: أي وضم الربح لأصله كان الأصل نصابا أم لا، ولو كان الربح عن سلعة اشتراها بدين، لا عوض عنده لوفائه، وأحرى إذا كان عنده وفاء لدينه، كما إذا اشترى سلعة بخمسين دينارا، ثم باعها بثمانين بعد عام، فإنه يزكي الثلاثين ولا يستقبل بها حولا، وقيل يستقبل بها حولا.
وقوله: كغلة مكترى للتجارة مقحمة في وسط المسألة: أي كما يضم غلة مكترى للتجارة لأصله، المكترى شرط، والتجارة شرط ثان، والمشترى للتجارة فسيأتي إن شاء الله. وكذلك غلة مكترى للسكنى، فإنه يستقبل بذلك حولا.
قال مالك في الموازية: من اكترى دارا ليكريها، فما غل منها مما فيه الزكاة فليزكيه لحول من يوم زكى ما نقد من كرائها لا من يوم اكتراها. انتهى (^١).
الربح بسكون الباء وكسر الراء وفتح الراء والباء اسم لما يربح.
قوله: (ولمنفق بعد حوله مع أصله وقت الشراء) أي وكذلك يضم الربح إلى مال منفق بعد حوله، كائن مع أصله في ملكه وقت الشراء، كما لو كانت عنده عشرة حال عليها الحول، فاشترى بخمسة منها سلعة، ثم أنفق الخمسة الأخرى، ثم باع السلعة بخمسة عشر فإنه يزكي العشرين مكانه، لأن الربح كائن في السلعة، لأن الربح كأصله، يعد موجودا معه في المشترى به، كان الأصل نصابا أم لا.
هنا انتهى الكلام على الربح.
قوله: (واستقبل بفائدة) أي ومن أفاد فائدة فإنه يستقبل بها حولا.
قوله: (تجددت، لا عن مال، كعطية أو غير مزكى، كثمن مقتنى) أي والفائدة في العرف الفقهي: مالية تجددت لا عن مال، وذلك كعطية، أو صدقة، أو إرث، أو صداق، أو عن خلع، أو دية، أو كانت عن مال غير مزكى، وذلك كثمن مقتني.
وقوله: تجددت تفسير للفائدة.
قوله: (وتضم ناقصة - وإن بعد تمام - لثانية أو ثالثة، إلا بعد حولها كاملة. فعلى حولها كالكاملة أولا)، لما ذكر الفائدة وفسرها، شرع يذكر ما يضم منها، وما لا يضم
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق وهو بهامش الحطاب: ج ٢، ص ٣٥٧.
[ ١ / ٤٥٣ ]
أي وتضم الفائدة في حال كونها ناقصة في الأصل عن النصاب، أو كانت تامة ونقصت قبل الحول إلى فائدة ثانية أو ثالثة، أو رابعة مثلا، فيكون حولها حول الثانية، إذا كمل فيهما النصاب وكذلك إلى الثالثة، أو إلى الرابعة، فيكون حولها حين تمام النصاب، إلا أن تنقص الأولى عن النصاب بعد حولها كاملة، فإنها تبقى على حولها.
وقوله: كالكاملة أولا مستغنى عنه، لقوله: إلا بعد حولها كاملة.
قوله: (وإن نقصتا فربح فيهما أو في إحداهما تمام نصاب عند حول الأولى، أو قبله؛ فعلى حوليهما، وقض ربعهما) أي وما تقدم هو ما إذا كانتا فيهما النصاب، وأما إن نقصتا عن النصاب فاتجر فيهما، فربح فيهما خلطهما أم لا، أو اتجر بإحداهما فربح فيها تمام النصاب عند حول الأولى أو قبله فإنهما تبقيان على حوليهما أي فكل واحدة على حولها وفض ربحهما عليهما بالنسبة، فيزكي كل ربح مع أصله.
قوله: أو قبله مستغنى عنه، ولكن عادة الشيوخ يذكرون أقسام المسألة، وإن كان بعضها مستغنى عنه.
قوله: (وبعد شهر فمنه) أي وإن حصل الربح بعد حول الأولى بشهر، فمن ذلك الشهر. الشهر ليس بشرط المراد به مابين حول الأولى والثانية.
قوله: (والثانية على حولها) أي وتبقى الفائدة الثانية على حولها.
قوله: (وعند حول الثانية، أو شك فيه لأيهما، فمنه) أي وإن حصل الربح عند حول الثانية، أو شك فيه لأيهما هو، فمن حول الثانية حول كل واحد منهما.
قوله: (كبعده) أي كما يصير حولهما معا حول الثانية إن ربح فيهما، أو في إحداهما بعده.
قوله: (وإن حال حولها فأنفقها، ثم حال حول الثانية ناقصة، فلا زكاة) أي وإن حال حول الفائدة الأولى، كان فيها نصابا أم لا، فأنفقها، أو تلفت، ثم حال حول الثانية في حال كونها ناقصة عن النصاب، فلا زكاة عليه في الثانية لأنهما لم يجتمعا في ملك وحول.
هنا انتهى الكلام على الفائدة.
قوله: (وبالمتجدد عن سلع التجارة بلا بيع كفلة عبد وكتابة وثمرة مشترى، إلا المؤبرة، والصوف التام) أي وكذلك يستقبل الحول بفائدة تجددت عن سلع التجارة
[ ١ / ٤٥٤ ]
بلا بيع في رقابها، وذلك كغلة عبد مشترى للتجارة.
لو قال الشيخ: غلة كعبد ليشمل لكان أولى.
وكذلك يستقبل الحول، بكتابة العبد المشترى للتجارة، بناء على أن الكتابة ليست ببيع.
وكذلك يستقبل الحول بثمن ثمرة شجر مشترى للتجارة، إلا أن تكون مؤبرة حين الشراء، أو كانت الغلة صوفا تاما حين الشراء، فإنه يزكي ذلك لحول الأصل لأن لكل منهما حصة في الثمن ألا ترى أنه لا يأخذه المشتري إلا أن يشترطه.
قوله: (وإن اكترى وزرع للتجارة زكى) أي وإن اكترى أرضا للتجارة وزرعها للتجارة، زكى الثمن إذا باع الزرع لحول الأصل، إذا كان الزرع دون النصاب، يدل عليه قوله بعد وإن وجبت في عينها زكى.
قوله: (وهل يشترط كون البدر لها؟ تردد) أي وهل يشترط في ذلك كون البذر للتجارة، وعليه حمل ابن يونس المدونة، أو لا يشترط ذلك، وإليه ذهب أبو عمران تردد فيه الأشياخ للفهم.
قوله: (لا إن لم يكن أحدهما للتجارة) أي لا زكاة في الثمن إن لم يكن أحدهما للتجارة، كما إذا كان الزرع لقوته والأرض للتجارة، أو كان الزرع للتجارة دون الأرض، فإنه يستقبل بثمن الزرع حولا، وهذا هو المشهور، ترجيحا لجانب المسقط على جانب الموجب، إذ الأصل عدم الزكاة. انتهى.
قوله: (وإن وجبت زكاة في عينها زكى ثم زكى الثمن لحول التزكية) أي وإن وجبت زكاة في عين الحرث بأن بلغ نصابا زكى عند الحصاد ما خرج منها، ثم زكى الثمن لحول التزكية.
هنا انتهى الكلام على الفائدة المتجددة عن سلع التجارة.
[زكاة الدين]
قوله: (وإنما يزكى دين إن كان أصله عينا بيده أو عرض تجارة وقبض عينا) هذا شروع منه ﷺ في زكاة الدين، ولها شروط فإن توفرت زكي، وإن انخرم شرط واحد، فلا زكاة، وهي: أن يكون أصل الدين عينا في يده فأسلفه، أو كان أصله عرض تجارة، وأن يقبض في حال كونه عينا، وجعل البساطي القبض شرطا، وكونه عينا شرط آخر.
[ ١ / ٤٥٥ ]
قوله: (ولو بهبة، أو إحالة كمل بنفسه، ولو تلف المتم) أي ولو كان القبض بسبب هبة الدين لغير من عليه، لأن قبض الموهوب كقبض الواهب، وأما إذا وهب الدين لمن عليه، فلا زكاة عليه لعدم القبض.
قوله: أو إحالة أي ولو كان القبض بسبب إحالة، لأن قبض المحال كقبض المحيل، ويلغز بهذه المسألة مال يزكى ثلاث مرات في عام واحد، لأن المحيل يزكيه بقبض المحال، لأن قبضه كقبضه، والمحال يزكيه لأنه قبضه لأنه دينه. والمحال عليه يزكيه لأنه مال حال عليه الحول عنده، وعنده عوض لدينه.
الشرط الرابع: أن يكون الاقتضاء كمل فيه النصاب بنفسه مرة أو مرات، ولو تلف المتم منه بإنفاق أو غيره خلافا لمن قال: إذا أتلف المتم قبل التمام فلا زكاة.
قوله: (أو بفائدة جمعهما ملك وحول، أو بمعدن على المقول) أي أو كمل الاقتضاء، بفائدة جمعها ملك وحول كامل. كما إذا أفاد عشرة، فأقامت عنده سنة، ثم اقتضى من دينه عشرة بعد عام، فإنه يزكي العشرتين. وكذلك إن كمل نصاب الاقتضاء بما وجده من معدن، فإنه يزكيه حينئذ، إذ لا يشترط الحول في المعدن على المقول أي على ما اختاره المازري من الخلاف.
انظر حكى الشيخ هنا الخلاف مع أنه قال في توضيحه: لم أر فيه خلافا، لعله رآه بعد ذلك.
قوله: (لسنة من أصله، ولو فر بتأخيره) أي إنما يزكى الدين المذكور لسنة واحدة من أصله، لا أكثر من سنة واحدة، ولو فر بتأخيره قبضه عن الزكاة، إذ لا يتهم عاقل بمثل هذا، لأنه لو قبضه واتجر به لربح فيه أكثر من الزكاة، وقيل يزكيه لكل عام.
قوله: (إن كان عن كهبة أو أرش) لعل الناسخ أسقط شيئا، أو غفلة من الشيخ.
قال المواق: لا يشك منصف أن مأخذ المقدمات هو الذي أخذ. فلو قال: وإنما يزكي دين إن كان أصله عينا أو كذا وكذا لسنة من أصله وإلا فلا. ولو فر بتأخيره، كما لو كان عن كهبة أو أرش لتنزل على ما تقدم لابن رشد. انتهى ﴿١﴾.
قوله: (لا عن مشترى للقنية، وباعه لأجل، فلكل) أي لا إن كان أصل الدين عن
_________________
(١) ﴿١﴾ التاج والإكليل للمواق: ج ٢، ص: ٣٧٢.
[ ١ / ٤٥٦ ]
ثمن مشترى للقنية بناض عنده، وباعه بأجل وفر بتأخيره من الزكاة، فإنه يزكيه لما مضى من الأعوام.
قال في المقدمات: ولا خلاف في وجه من هذه الوجوه (^١).
إلا أنه زاد في المقدمات قيدا لابد منه، وهو أن يكون اشتراه بناض عنده (^٢)، فإن كلامه هنا يوهم أنه لو ملك عرضا من ميراث، أو هبة، أو غيرها، فاشترى به عرضا للغنية ثم باع ذلك العرض بدين مؤجل، وأخر قبضه فرارا أن الحكم سواء وليس كذلك.
قوله: (وعن إجارة أو عرض مفاد قولان) أي وإن كان أصل الدين عن إجارة، أو ترتب من ثمن عرض من عروض الفائدة، فأخر قبضه فرارا من الزكاة، هل عليه زكاته لكل عام مضى، أو لعام واحد فيه قولان من غير ترجيح.
وقيل: يستقبل به حولا.
قوله: (وحول المتم من التمام، لا إن نقص بعد الوجوب) أي وحول المقتضى الناقص عن النصاب من يوم اقتضى تمام النصاب، لا إن نقص عن النصاب بعد وجوب الزكاة فيه، فإنه يبقى على حوله فلا ينتقل إلى حول اقتضى آخره.
قوله: (ثم زكى المقبوض وإن قل) أي فإن كمل الاقتضاء بنفسه أو بفائدة أو بمعدن زكاة ثم يزكي المقبوض بعد ذلك وإن قل ولو درهما واحدا فيكون حول كل من يوم زكاته.
قوله: (وإن اقتضى دينارا فآخر، فاشترى بكل سلعة: باعها بعشرين، فإن باعهما معا أو إحداهما بعد شراء الأخرى؛ زكى الأربعين، وإلا أحدا وعشرين) أي وإن اقتضى دينارا واحدا، فاقتضى دينارا آخر بعده، واشترى بكل من الدينارين سلعة، وباعها بعشرين، فإن باع السلعتين معا، أو باع إحداهما بعد شراء الأخرى، زكي الأربعين لأن الربح كائن في السلعة.
قوله: وإلا أي وإن لم يكن الأمر كذلك، بل باع إحداهما قبل شراء الأخرى، زكى إحدى وعشرين.
قوله: (وضم لاختلاط أحواله آخر لأول: عكس الفوائد) أي ويضم الاقتضاء لأجل
_________________
(١) المقدمات لابن رشد: ج ١، ص: ١٥٠.
(٢) المقدمات لابن رشد: ج ١، ص: ١٥٠.
[ ١ / ٤٥٧ ]
اختلاط أحواله آخر الأول منهما احتياطا للفقراء عكس الفوائد، فإن الأولى تضم إلى الثانية، الفرق أن الأصل في الدين وجوب الزكاة، بخلاف الفوائد، لئلا تزكى قبل حولها إذا اختلط عليه أحوالها.
قوله: (والاقتضاء لمثله مطلقا) أي ويضم الاقتضاء لمثله، سواء تخلل بينهما الفائدة أم لا، وإليه أشار بالإطلاق. غفل فيه الشارح ﵀.
قوله: (والفائدة للمتأخر منه، فإن اقتضى خمسة بعد حول، ثم استفاد عشرة وأنفقها بعد حولها، ثم اقتضى عشرة زكى العشرتين، والأولى إن اقتضى خمسة) أي وتضم الفائدة للمتأخر من الاقتضاء، فمثال ذلك هو إن اقتضى خمسة بعد حول أنفقها أم لا، ثم استفاد عشرة وأنفهقا بعد حولها، وأحرى إن بقيت عنده، ثم اقتضى عشرة أخرى من دينه، زكى العشرتين ويزكي الخمسة الأولى، إذا اقتضى أيضا خمسة لأن
الاقتضاءات حصل من مجموعها نصاب.
هنا انتهى الكلام في زكاة الدين.
[زكاة العروض]
قوله: (وإنما يزكى: عرض لا زكاة في عينه. ملك بمعاوضة بنية تجر أو مع نية غلة أو قنية على المختار، والمرجح) المراد بالعرض ما سوى العين أي وإنما يزكى عرض بشروط، فإن انخرم منها واحد فلا يزكي.
الأول: أن يكون ذلك العرض مما لا زكاة في عينه، كالبز والخيل والبغال والحمير وغير ذلك، كأقل من النصاب في الحرث والماشية، وأما ما في عينه الزكاة، كنصاب الماشية، أو الحرث، فإنه يزكي بعينه.
الشرط الثاني: أن يكون ملكا بمعاوضة، وأما إذا ملك بغير معاوضة كهبة، أو صدقة، أو ميراث، فلا زكاة، وأن يكون ملك بمعاوضة بنية تجر، أو نية غلة مع تجر، كما إذا اشترى دارا للتجارة، ونوى أن يكريها حتى تجد من يشتريها منه، أو بنية تجر مع نية قنية، كما إذا اشترى خادمة يستخدمها، فنوى مع ذلك إن وجد الربح باعها، على ما اختاره اللخمي، ورجحه ابن يونس ولكن صرح اللخمي بهما. وأما ابن يونس إنما صرح بنية التجر والقنية، ولم يصرح بنية الغلة، ولكنه من باب أحرى، ومقابل المختار والأرجح فلا زكاة عليه، ترجيحا لجانب المسقط.
قوله: (لا بلا نية، أونية قنية أو غلة أو هما) أي فلا زكاة إن ملكها بعوض، ولم
[ ١ / ٤٥٨ ]
ينو به التجر لأن الأصل القنية. وكذلك إن نوى به القنية، أو الغلة.
وقوله: أو هما مستغنى عنه.
قوله: (وكان كأصله) هذا عكس التشبيه صوابه وكان أصله كهو أي كعرض التجارة ملك بمعاوضة.
قوله: (أو عينا وإن قل) أي أو كان أصل هذا العرض عينا بيده.
قوله: (وبيع بعين، وإن لاستهلاك) وهذا شرط خامس، وإن كان هذا العين قبض لأجل قيمة عرض استهلك فأخذ قيمته.
قوله: (فكالدين) أي فإنه يزكيه لسنة من أصله.
وقوله: (إن رصد به السوق) راجع لقوله وبيع بعين أي وبيع بعين إن رصد به السوق، فالمراد برصد السوق هو ألا يبيعه، إلا إذا وجد ربحا معتبرا. غفل الشارح هنا نحمد الله.
قوله: (وإلا زكى عينه ودينه النقد الحال المرجو، وإلا قومه) أي وإن لم يرصد به السوق هو ألا يبيعه، إلا إذا وجد ربحا معتبرا، بل بأقل الربح، وقد يبيعه بلا ربح، زكى عينه الذي هو بيده، وإن لم يكن في يديه عين، فلا زكاة حتى يجدها وإن قل، فينتقل إليه الحول ويزكي دينه النقد الحال المرجو المراد بالنقد العين.
قوله: (وإلا قومه، ولو طعام سلم، كسلعه ولو بارت، لا إن لم يرجه، أو كان قرضا، وتؤولت أيضا بتقويم القرض وهل حوله للأصل، أو وسط منه ومن الإدارة؟ تأويلان) أي وإن لم يكن دينه عينا بل هو عرض، أو كان عينا مؤجلا قومه، فيقوم العين بالعروض، ثم يقوم العروض بالعين، فإن كان الدين عرضا قومه بالعين فيزكي القيمة، ولو كان العرض طعام سلم قومه كما يقوم سلعة ولو بارت، ظاهره بارت كلها، أو جلها، أو نصفها، أو أقلها.
وقال بعضهم: إنما يقومها إذا كان الأقل البارة وأما إن بار منها الأكثر، فلا تقوم لبطلان حكم الإدارة عنها واختلف في الحد الذي تعد فيه بارة. قال بعضهم: سنتين.
قوله: لا إن لم يرجه ولو قدم هذا عقب قوله: الحال المرجو أي لا الدين غير المرجو، كما إذا كان على عديم أو على ظالم لأن غير المرجو كالعدم، فإنه لا يقومه.
وكذلك إذا كان الدين دين قرض، فإنه لا يقومه لأنه لم يرد فيه النماء.
[ ١ / ٤٥٩ ]
وتأولت المدونة أيضا على تقويم القرض، لقول عياض: ظاهرها أنه يزكي جميع ديونه من قرض أو غيره. انتهى.
وهل حول المدير للأصل، وهو الموضع الذي كان يزكي فيه، أو أفاد منه المال، أو من وسط من الأصل ومن الإدارة عدلا بينه وبين مصرف الزكاة. كما إذا كان أصل حوله من المحرم، والإدارة من رجب، الوسط من ذلك هو انسلاخ ربيع الأول.
قوله: (ثم زيادته ملغاة) فإذا قوم عرض الإدارة، ثم باعه بأزيد من القيمة، فإن الزيادة ملغاة لا زكاة فيها، لاحتمال ارتفاع الأسواق، (بخلاف حلي التحري)، إذا تحراه حيث رصع بجوهر، وفي نزعه ضرر، وتحرى مافيه من العين وزكاة، فإن نزعه بعد الزكاة بالتحري، فوجده أكثر وزنا مما تحراه به، فإنه يزكي الزائد لتحققه.
قوله: (والقمح والمرتجع من مفلس، والمكاتب يعجز كغيره) أي والقمح كالعرض. القمح ليس بشرط، وإنما هو تمثيل، وكذلك كل حب وثمر ونحو ذلك.
وفي بعض النسخ: والفسخ أي وفسخ البيع، وكذلك المرتجع من يد المفلس، فإنه يقومه.
وكذلك المكاتب يعجز فإنه يقومه في عروضه، جعل عجز المكاتب هنا ليس ابتداء ملك واختلف فيه، هل هو ابتداء ملك؟ أم لا.
قوله: (وانتقل المدار للاحتكار) أي وينتقل العرض المدار للاحتكار بالنية، أو بالفعل لأن الاحتكار هو الأصل، وينتقل إليه بأقل الأشياء.
قوله: (وهما للقنية بالنية) أي والعرض المدار، وعرض الاحتكار، ينتقلان إلى القنية بالنية، لأن القنية هي الأصل.
قوله: (لا العكس) أي فلا ينتقل الاحتكار إلى الإدارة بالنية، ولا تنتقل القنية إلى الإدارة والاحتكار بالنية إذا القنية هي الأصل فلا ينتقل من الأصل إلا بأمر بين.
قوله: (ولو كان أولا للتجارة) أي فلا ينتقل عرض القنية إلى الاحتكار ولو كان أول الأمر عرضا للتجارة كما إذا اشتراه للتجارة ثم نوى به القنية فلا ينتقل عن القنية بالنية خلافا لأشهب.
قوله: (وإن اجتمع إدارة واحتكار وتساويا، أو احتكر الأكثر؛ فكل على حكمه، وإلا فالجميع للإدارة) أي وإن اجتمع له عروض إدارة، وعروض احتكار، وتساويا في
[ ١ / ٤٦٠ ]
القدر، أو كان عرض الاحتكار أكثر فإن كلا من العرضين يزكى على حكمه، ولم يجعل الأقل هنا تبعا للأكثر تغليبا لحق مصرف الزكاة.
قوله: وإلا أي وإن لم يكن الأمر كذلك بل المدار هو الأكثر، فالحكم للإدارة جعل الأقل هنا تبعا للأكثر تغليبا لحق الفقراء.
قوله: (ولا تقوم الأواني) أي ولا يقوم المدير الأواني التي يستعين بها على الإدارة، كآلة العطار.
قوله: (وفي تقويم الكافر لحول من إسلامه) أي وإذا أسلم الكافر المدير، هل يزكي لحول من إسلامه؟ حكاه ابن حارث (^١) عن محمد بن عبد الحكم (أو استقباله بالثمن قولان).
وسكت الشيخ عما إذا أسلم وهو محتكر ولم يذكره، وحكمه أنه يستقبل بالثمن حولا.
قال شيخنا محمود بن عمر حفظه الله ورعاه: ما الفرق هنا انتهى الكلام في زكاة العروض.
ويليه:
زكاة القراض
قوله: (والقراض الحاضر يزكيه ربه، إن أدارا أو العامل من غيره، وصبر إن غاب فيزكى والقراض الحاضر يزكيه ربه، إن أدارا أو العامل من غيره، وصبر إن غاب فيزكي لسنة الفصل ما فيها، وسقط ما زاد قبلها) أي والقراض الحاضر إن تم حوله بيد العامل قبل أن يشغله، زكاه مكانه على ما كان عليه، وإلا اعتبر فيه حكم العامل وربه، ويزكيه ربه إن أدار أي رب المال والعامل، أو كان العامل وحده مديرا، فيزكيه ربه في غير مال القراض، بل من مال نفسه، وإن كان القراض غائبا عن ربه، فلا زكاة عليه حتى يحضر، أو يعلم حاله، وإليه أشار بقوله: وصبر إن غاب، فإن حضر زكي لسنة الفصل ما فيها، وسقط ما زاد قبل سنة الفصل، فلا يعتبر الزائد قبلها، لأنه لما لم
_________________
(١) أبو عبد الله محمد بن حارث الخشني القيرواني ثم الأندلسي تفقه بابن نصر وابن اللباد وغيرهما من مؤلفاته: كتاب الاتفاق والاختلاف في مذهب الإمام مالك وطبقات فقهاء المالكية. مات سنة: ٣٦١ هـ شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ١٤١، الترجمة: ٢٥٦.
[ ١ / ٤٦١ ]
يصل إليه كأنه لم يكن، مثال ذلك: كان في العام الأول أربع مائة، وفي الثاني ثلاث مائة، وفي الثالث مائتين وخمسين، فإنه يزكيه لسنة الفصل مائتين وخمسين، ثم كذلك السنتين الأوليين، إلا ما نقصها جزء الزكاة، وألغى الزائد لكونه لم يصل إلى ربه، ولم ينتفع به.
قوله: (وإن نقص فلكل ما فيها): أي وإن نقص ما قبل سنة الفصل، عن ما في سنة الفصل، فإنه يزكي لكل عام ما فيها، مثاله لو كان في العام الأول مائتين، وفي الثاني ثلاث مائة، وفي الثالث أربع مائة.
قوله: (وأزيد وأنقص) أي فإن حصل زيد أو نقص (قضي بالنقص على ما قبله) من الأعوام، مثاله أن يكون في العام الأول خمس مائة، وفي الثاني مائتان، وفي الثالث أربع مائة، فإنه يزكي لعام الإنفصال أربع مائة، ثم مائتين للعامين الأولين.
قوله: (وإن احتكرا، أو العامل فكالدين) أي وإن كان رب المال والعامل محتكرين، أو العامل وحده هو المحتكر، فإن زكاة ذلك القراض كزكاة الدين.
هذا التشبيه أفاد فائدتين:
إحداهما: أنه لا يزكيه إلا بعد قبضه.
الثانية: إنما يزكيه لسنة واحدة من أصله.
قوله: (وعجلت زكاة ماشية القراض مطلقا، وحسبت على ربه وهل عبيده كذلك أو تلغى كالنفقة؟ تأويلان) أي فإذا أخذ عينا قراضا، فاشترى بها ماشية، وحال عليها الحول، وفيها نصاب، فإنه يزكى مكانه، سواء كان ربه حاضرا أم لا، كان المتقارضان محتكرين أم لا، أو أحدهما وإلى هذا أشار بالإطلاق، وتزكى من مال ربها إن أمكن وإلا فمنها، وحسبت على ربه بأن تسقط من رأس ماله بناء على أن العامل أجير، وهل زكاة الفطر عن عبيد القراض كذلك، تحسب على ربه من رأس ماله، أو تلغى فلا تحسب عليه، كما تلغى النفقة عليهم فيه تأويلان على المدونة.
قوله: (وزكي ربح العامل، وإن قل مبني للمفعول والمزكى له هو العامل بناء على أنه شريك، وعلى أنه أجير فالمزكي هو رب المال.
وسبب الخلاف أن الفرع إذا كان يختص بأصل واحد جرى عليه من غير خلاف، ومتى دار بين أصلين أو أصول يقع الخلاف فيه، لتغليب بعض العلماء بعض تلك الأصول، وتغليب غيره أصلا آخر، وعامل القراض دائر بين أن يكون
[ ١ / ٤٦٢ ]
شريكا بعمله، ورب المال بماله، لتساويهما في زيادة الربح، ونقصه كالشريكين، ولعدم تعلق ما يستحقه العامل بالذمة، وبين أن يكون أجيرا، لاختصاص رب المال بغرم رأس المال، ولأنه معاوضة على عمل، وهو شأن الإجارة.
ومتقضى الشركة أن يملك بالظهور، ومقتضى الإجارة ألا يملك إلا بالقسمة فاجتماع هذه الشوائب، سبب الخلاف فمن غلب الشركة كمل الشروط في حق كل واحد منهما، ومن غلب الإجارة جعل المال وربحه لربه، فلا يعتبر العامل أصلا وابن القاسم صعب عليه إطراح أحدهما، فاعتبر وجها فمن هذه ووجها من هذا. انتهى من الذخيرة (^١).
قوله: وزكى ربح العامل وإن قل قيده بعضهم بما إذا لم يكن في ربح العامل نصاب وإلا فزكاته على رب العامل بناء على أنه شريك وإن كان أقل من النصاب فزكاته على رب المال بناء على أنه أجير.
قوله: ﴿إن أقام بيده حولا وكانا حرين مسلمين بلا دين، وحصة ربه بربحه نصاب، وفي كونه شريكا أو أجيرا خلاف﴾ أي إنما يزكى ربح العامل بخمسة شروط، فإن انخرم منها واحد فلا يزكي.
الأول: أن يكون مال القراض أقام بيده حولا كاملا.
الثاني: أن يكون هو ورب المال حرين، وإن كان أحدهما عبدا فلا زكاة.
الثالث: أن يكونا مسلمين، فإن كان أحدهما كافرا فلا زكاة.
الرابع: أن يكونا لا دين عليهما مسقط للزكاة، فإن كان على أحدهما دين فلا زكاة.
قال سند قال المازري: الشرط الخامس: أن يكون في حصة رب المال، وهو رأس المال مع ربحه نصاب وإلا فلا زكاة، وفي كون العامل شريكا، فتكون زكاة حصته من الربح عليه، أو أجيرا، فتكون زكاة نصيبه على رب المال فيه خلاف.
قوله: ﴿ولا تسقط زكاة حرث ومعدن وماشية بدين، أو فقد، أو أسر﴾ هذا شروع منه عمل لله فيما لا يسقط الدين فيه الزكاة، وما يسقطها أي ولا تسقط زكاة حرث، ولا معدن، ولا ماشية، بسبب وجود دين على المالك، أو فقده، أو أسره في يد العدو. وذكر الشيخ هذه الثلاثة، وترك اثنين مما لا يسقط زكاته بسبب الدين، أو الفقد، أو
_________________
(١) الذخيرة للقرافي: ج ٣، ص: ٢٦.
[ ١ / ٤٦٣ ]
الأسر، وهما زكاة الفطر، وخمس الركاز.
قوله: (وإن ساوى ما بيده) أي ولا تسقط زكاة حرث وماشية، ومعدن بدين، وإن ساوى الدين ما حصل بيده، كما إذا كان عليه خمسة أو سق، وحصل له في حرثه خمسة أو سق، فإنه يزكيها، أو كان عليه دين خمسة من الإبل، وفي يده خمسة من الإبل، فإنه يزكي الخمسة التي بيده، (إلا زكاة فطر عن عبد عليه مثله) دينا، فإنها ليست عليه، وهو مذهب المدونة.
قوله: (بخلاف العين، ولو دين زكاة، أو مؤجلا، أو كمهر أو نفقة زوجة مطلقا، أو ولد إن حكم بها) هذا شروع منه ﵀ فيما يسقط الدين الزكاة فيه أي فالدين يسقط زكاة العين الذهب والفضة، ولو كان ذلك الدين دين زكاة، لأن طالبه معين، وهو الإمام، وإن كان مستحقه غير معين، وكذلك لو كان الدين الذي عليه مؤجلا، فإنه يسقط زكاة العين التي في يده، لتعلق الدين بذمته.
وكذلك إذا كان الدين الذي عليه، مهر الزوجة ونحوه.
ذلك لأنه أدخل بالكاف في كمهر من دين الأب على ولده، أو دين الزوج أو الزوجة، إذ لا يطلب عادة، إلا عند الفراق أو الموت أو المشاورة، فإن ذلك يسقط زكاة العين على المشهور، وكذلك نفقة الزوجة مطلقا، مما يسقط زكاة العين مطلقا أي حكم بها الحاكم أم لا، وكذلك نفقة ولد، بشرط أن يحكم به الحاكم، لا إن لم يحكم به خلافا لأشهب أنه مطلقا لا يسقط. وحمل بعضهم كلام كل واحد منهما على ظاهره وبعضهم ليسا مختلفين، وحمل كلام ابن القاسم بما إذا تقدم يسر ثم افتقر، فلابد من الحكم به على الأب، وحمل كلام أشهب، بما إذا لم يتقدم يسر، وأما إن تقدم فيتفقان، وإلى هذا أشار بقوله: (وهل إن تقدم يسر؟) أي وهل خلاف أشهب لابن القاسم في ذلك إن لم يتقدم للولد يسر، أو مطلقا فيه (تأويلان).
قوله: (أو والد بحكم إن تسلف) أي ومما يسقط زكاة العين، نفقة ولد بشرطين: إن حكم بها، وتسلف لأجل النفقة، لا إن لم يحكم بها، أو أنفق على نفسه بكسؤال.
قوله: (لا بدين كفارة أو هدي)، شروع منه ﵀ في الدين الذي لا يسقط الزكاة، وذلك دين لا يحبس فيه كدين كفارة، أو هدي فرط فيه، إذ ليس لهما طالب معين، والفرق بينه وبين دين زكاة العين أنه مسقط، وإن لم يتعين مستحقه، لأن له طالب معين، وهو الإمام بخلاف الكفارة والهدي.
[ ١ / ٤٦٤ ]
قوله: (إلا أن يكون عنده معشر زكي، أو معدن، أو قيمة كتابة، أو رقبة مدبر، أو خدمة معتق لأجل، أو مخدم، أو رقبته لمن مرجعها له، أو عدد دين حل، أو قيمة مرجو، أو عرض حل حوله) إلى آخر ما ذكر، هذا راجع إلى قوله: بخلاف العين.
لو قال الشيخ: إلا أن يكون عنده نعم، أو معشر مزكى، لكان أشمل وأبين للمعنى أي أن الدين مسقط لزكاة العين، إلا أن يكون عنده معشر زكى، أو لم يزكي، لكونه دون النصاب لأنه يصير كالعروض، أو كان عنده معدن، أو قيمة كتابة كائنة قبل الدين، أو بعده، أو كان عنده رقبة مدبر، مراعاة للخلاف أنه يجوز بيعه، أو خدمة معتق لأجل أو خدمة مخدم على غررها، أو رقبة المخدم لمن مرجعه إليه، على تقدير وجوده، أو عدد دين له مرجو حل، كما إذا كان في يده عشرون، وعليه عشرين، وله عشرون دينا حل أجلها، فإنه يزكي العشرين التي في يده، ويقابل الدين الذي عليه بالدين الذي له بال، أو قيمته إن لم يحل أجله، أو كان عنده عرض حل حوله على المشهور، فإنه يقابل دينه بقيمة العرض.
قال في الجواهر: ففي شرط ملك العرض الذي يجعل فيه الدين من أول الحول خلاف.
رو محمد عن ابن القاسم: أنه لا يزكي حتى يكون العرض عنده من أول الحول.
وروى عيسى عنه أيضا: أنه لو أفاده عند الحول جعل دينه فيه وزكي.
وقال أشهب: يزكي سواء أفاد العرض عند الحول أو قبله بيسير، وإن أفاده بعد الحول، زكى حينئذ، قال محمد وبه أقول، وبه قال أصحاب ابن القاسم (^١).
قوله: (إن بيع، وقوم وقت الوجوب على مفلس) أي وإنما يجعل الدين في العرض على الذي يباع على المفلس. غفل فيه الشارح ﵀.
وقوله: وقوم وقت الوجوب، مقحم في أثناء المسألة، ووقت تقويم العرض الذي يجعل فيه الدين، هو وقت وجوب الزكاة، لا قبله ولا بعده.
قوله: (لا آبق وإن رجي، أو دين لم يرج) أي لا يجعل الدين في آبق وإن رجي وأحرى إن لم يرج إذ لا يجوز بيع الآبق. لو قال الشيخ: ولو رجي ليشير إلى الخلاف لكان أولى.
_________________
(١) الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ١، ص: ٢٠٩/ ٢١٠.
[ ١ / ٤٦٥ ]
قوله: (وإن وهب الدين أو ما يجعل فيه، ولم يحل حوله أو مر لكمؤجر نفسه بستين دينارا ثلاث سنين حول) أي وإن وهب الدين لمن هو عليه عند الحلول، وليس له غيره فروى ابن القاسم: لا يزكيه حتى يحول الحول بعد الهبة، خلافا لأشهب أنه يزكيه حين وهب له، ولو لم يكن له مال غيره.
وكذلك لا زكاة على من وهب له شيء يجعله في دينه، ولم يحل حوله في ملكه، وجعله لم يحل حوله راجع إلى الفرعين.
وكذلك لا زكاة على مؤجر نفسه ثلاث سنين ومر منها حول، وقبض الستين دينار، لأن العشرين الأولى لم يتحقق ملكها إلا الآن، والأربعين الباقية دين عليه، وليس عنده مال يقابله به.
وقوله: (فلا زكاة) جواب عن المسائل الثلاث.
قوله: (أومدين مائة، له مائة محرمية، ومائة رجبية يزكي الأولى) أي ومن عليه دين مائة، وله هو على الناس مائتان مائة محرمية ومائة رجبية، فإنه يزكي المائة الأولى منها، ويجعل دينه الذي عليه في المائة الثانية فلا يزكيها.
قوله: (وزكيت عين وقفت للسلف: كنبات وحيوان، أو نسله على مساجد، أو غير معينين). شروع منه تعلله في زكاة الأحباس نباتا كان أو عينا أو حيوانا أي وزكى الذهب والفضة إذا وقفت للسلف لمن احتاج، وإن استغنى رد تغليبا لحق الفقراء، كما يزكى النبات من الزرع، وثمر النخل والأعناب. وكذلك الحيوان المحبس، أو نسله.
وقال في المدونة: وتؤدى الزكاة عن الحوائط المحبسة في سبيل الله (^١)، فيزكى ذلك على ملك ربه، إن حبسه على مسجد، أو مساجد، أو على غير معينين، كالفقراء، أو طلبة العلم، أو بني تميم سواء تولى المالك تفرقته أم لا، حصل لكل مسجد، أو لكل شخص نصاب أم لا، إذا كان المجموع نصابا.
قوله: (كعليهم، إن تولى المالك تفرقته، وإلا إن حصل لكل نصاب، وفي الحاق ولد فلان بالمعينين أو غيرهم قولان) أي كما يزكي على ملك ربه إذا حبسها على المعينين، بشرط أن المالك هو المتولي للتفرقة والسقي، وإلا أي وإن لم يكن المالك متولي للتفرقة، بل تولاه غيره، والوقف على معينين، فإن المعتبر ما ينوب كل شخص
_________________
(١) المدونة: ج ١، ص: ٢٨٥.
[ ١ / ٤٦٦ ]
منهم، فإن حصل له نصاب زكى وإلا فلا.
قوله: وفي إلحاق ولد فلان بالمعينين نظر إلى فلان، وعدم إلحاقهم بل بغير معينين نظر إليهم، إذ لا يعلم قدر منتهاهم في ذلك قولان من غير ترجيح، قائمان من المدونة.
[زكاة المعادن]
قوله: (وإنما يزكى معدن عين، وحكمه للإمام، ولو بأرض معين) هذا شروع منه تعلته في زكاة المعدن وحكمها.
إنما للحصر أي لا يزكى من المعادن إلا معدن العين أي الذهب والفضة. وأما معدن النحاس، والرصاص، والزرنيخ، والشب وشبه ذلك، فلا زكاة فيه حتى يباع، ويستقبل بالثمن حولا.
وحكم المعدن للإمام، كان عينا، أو غيره، يجتهد فيه بالتقوى لا بالهوى، والمعتبر الإمام العدل، فأما غير العدل فكالعدم، وإن لم يكن الإمام العدل، فجماعة المسلمين، وحكم المعدن للإمام العدل، ولو كان المعدن ظهر في أرض معين، وأحرى إذا كان في أرض غير معين، وأحرى في أرض لا ملك لأحد فيه.
وقيل: إذا كان في أرض معين، فحكمه إليه، بناء على أن من ملك ظاهر الأرض ملك باطنها.
قوله: (إلا مملوكة لمصالح فله)، هذا مستثنى من قوله: وحكمه للإمام أي وحكم المعدن للإمام، إلا إذا كان في أرض مملوكة لمصالح، فإن حكمه حينئذ للمصالح لا للإمام، إلا أن يسلم المصالح، فينتقل حكم ذلك المعدن إلى الإمام العدل.
قوله: (وضم بقية عرقه) لما ذكر أن في المعدن زكاة، وذكر حكمه، شرع يذكر ما يضم منه وما لا يضم، فقال: وضم بقية عرقه أي عرق المعدن إلى ما قبله منه، (وإن تراحى العمل) في أثناء ذلك، سواء كان التراخي اختيارا، أو اضطرارا، وفهمنا من قوله: وضم أن العرق الأول بعضه باق، إذ لو انقطع لا يضم لآخر كما سيذكره.
قوله: (لا معادن) أي لا يضم معادن بعضها ببعض، وإن اتحد مكانها وزمان وجودها.
وكذلك لا يضم معدن الذهب لمعدن الفضة، ولا معدن الفضة لمعدن الذهب. سمي المعدن معدنا من عدن أي أقام، لإقامة الناس فيه، أو لإقامة الذهب
[ ١ / ٤٦٧ ]
والفضة فيه.
قوله: (ولا عرق آخر) أي لا يضم عرق إلى عرق آخر، وإن اتصل العمل، لأنهما لم يجتمعا في ملك، وسمى الرسالة العرق نيلا.
قوله: (وفي ضم فائدة حال حولها) أي وفي ضم فائدة حال عليها الحول إلى ما حصل من معدن، كما إذا أفاد عشرة، فحال عليها الحول، ثم أصاب عشرة من الذهب، فهل يضم لأن الفائدة حال حولها، وما خرج من المعدن لا يحتاج إلى مرور الحول، إذ كأنهما اجتمعا في ملك وحول، أو لا تضم إليه، فيه تردد الأشياخ في الفهم.
قوله: (وتعلق الوجوب بإخراجه أو تصفيته تردد) أي وفي تعلق الوجوب بإخراج العين من المعدن، فيجب عليه زكاتها، تصدق أو وهب قبل التصفية، أو تعلق الوجوب بالتصفية، فيه تردد الأشياخ المتأخرون في فهم النقل فيه. قوله: (وجاز دفعه بأجرة غير نقد على أن المخرج للمدفوع له) أي وجاز للإمام دفع المعدن بأجرة يأخذها غير نقد، على أن المخرج من المعدن للمدفوع له وحده، وهذه التصفية على أنها مسألة واحدة.
وفي بعض النسخ: وعلى أن المخرج بزيادة الواو، وعليه فمسألتان أي وجاز للإمام دفعه بأجرة، ويجوز له دفعه على أن المخرج منه للمدفوع له مجانا.
قوله: (واعتبر ملك كل) أي وإذا دفع الإمام المعدن لجماعة على كل وجه، اعتبر حصة كل من بلغ حصته النصاب زكاه، ومن لا فلا كان حرا، أو عبدا، مسلما كان، أو كافرا.
قوله: (وفي بجزء - كالقراض) أي وفي جواز دفع المعدن بجزئ شائع، كالقراض، وعدم جوازه، (قولان) من غير ترجيح، القول بالجواز لمالك وابن القاسم، واختاره فضل بن مسلمة (^١)، والقول بالمنع لأصبغ، واختاره ابن المواز.
قوله: (وفي ندرته الخمس) أي وفي ندرة المعدن الخمس. الندرة بفتح النون: ما
_________________
(١) فضل بن مسلمة بن جرير الجهني البجائي الحافظ الكبير الفقيه العالم بالمسائل والوثائق سمع من ابن مجلون والمقامي وأحمد بن سليمان وغيرهم. من مؤلفاته: مختصر المدونة واختصر الواضحة لابن حبيب وهو من أحسن كتب المالكية واختصر الموازية. وله كتاب جمع فيه الموازية والمستخرجة. مات سنة: ٣١٩ هـ. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ١٢٣، الترجمة: ١٩٢.
[ ١ / ٤٦٨ ]
وجد مجتمعا لا يحتاج إلى تصفية، ولم يذكر الشيخ مصرف هذا الخمس.
قال المواق: لم أر فيه نصا، ومقتضى روايات ابن القاسم أن مصرفه مصرف الفيء.
وفي كتاب معرفة المعبود والرسول المحمود: قال ابن بشير: الأموال التي ينظر فيها الإمام على ثلاثة أقسام قسم يحل للأغنياء والفقراء بلا خلاف، وهو المأخوذ من الكفار والحربيين، والمعاهدين، والخمس من الغنيمة، وما انجلى عنه أهله، وخمس الركاز والجزية، وما يؤخذ من تجارهم، وما يؤخذ من أرض العنوه، وأرض الصلح، وقسم لا يحل إلا للفقراء بلا خلاف، إلا من ذكر معهم في آية الزكاة، وهذا هو الزكاة.
وقسم اختلف فيه المذهب على قولين، هل هو كالثاني؟ لأنه مال أصله للمسلمين، فأشبه الزكاة، أو هو كالأول، لأنه لم يؤخذ من مالكه بالطوع، ولا يعرف مالكه بعينه فأشبه الفيء، وهذا كأموال مستغرق الذمم بالحرام، واللقطة إذا لم يعرف ربها. انتهى.
قوله: (كالركان، وهو دقن جاهلي - وإن بشك) - التشبيه أفاد فائدتين: الندرة مقيس على الركاز، وأن فيه الخمس.
قوله: (كالركان) أي كما أن في الركاز الخمس، لقوله ﷺ: «وفي الركاز الخمس» (^١) ومصرفه مصرف الفيء.
والركاز دفن جاهلي، وإن كان شك فيه، كما إذا لم تظهر عليه علامة الجاهلي. الجاهلية ما قبل الإسلام.
قوله: (أو قل، أو عرضا، أو وجده عبد أو كافر، إلا لكبير نفقة أو عمل في تخليصه فقط فالزكاة) أي وفي الركاز الخمس، وإن كان قليلا، أو كان عرضا، أو وجده عبد، أو كافرا، وأحرى حر مسلم، لأنه كالغنيمة، إلا أن يكون إنما ناله بكثير نفقة على إخراجه أو كثير عمل على استخلاصه فقط، فالواجب فيه الزكاة.
قوله: (وكره حفر قبره، والطلب فيه) فاعل كره الإمام مالك: أي وكره مالك حفر قبر جاهلي، والطلب في القبر، لقوله ﷺ: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٩١) كتاب الديات (٢٨) باب العجماء جبار الحديث ٦٥١٥. وأخرجه مسلم ٢٩/ كتاب الحدود (١١) باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار الحديث: ١٧١٠.
[ ١ / ٤٦٩ ]
وأنتم باكون (^١).
وقيل: لئلا يصدف قبر نبي، أو صالح، والأول أظهر.
قوله: (وباقيه لمالك الأرض) لما ذكر حكم خمس الركاز، شرع يذكر باقي الركاز بعد الخمس، وهو لمالك الأرض، بناء على أن من ملك ظاهر الأرض، ملك باطنها، (ولو) كان المالك (جيشا).
قوله: (وإلا فلواجده، وإلا دفن المصالحين فلهم، إلا أن يجده رب دار بها فله) أي وإن لم يكن للأرض مالك، بل هو في موات الأرض، فالباقي لواجده، إلا أن يكون الركاز دفن المصالحين، فالباقي لهم، لا لواجده، إلا أن يكون الواجد وجده في داره له دونهم، وقيل أن سحنون شك في أرض إفريقية، هل بأرض الصلح، فيكون شك في أرض إفريقية، هل هي أرض صلح؟ أو عنوة، ولذلك يأكل بالورع، ويملك بالشرع، ويجعل نفسه مساقا فيما يملكه من الأشجار.
ومنهم من عكس فقال: إن الأكل لا بد منه، وهو بالشرع، والملك بالورع.
قوله: (ودفن مسلم أو ذمي لقطة) لفظة الذي تقدم دفن جاهلي، وأما دفن مسلم بعلامة ظهرت عليه، أو دفن ذمي، فحكمه حكم اللقطة، يعرف بها سنة.
قوله: (وما لفظه البحر - كعنبر - فلواجده بلا تخميس) أي وما رماه البحر، كعنبر ونحوه، هو لواجده بلا تخميس، فإن رأى ذلك شخص، فابتدره آخر، فهو لأخذه، لأن الرؤية لا أثر لها في باب الاستحقاق، وهذا حكم ما لم يتقدم عليه ملك لأحد، وأما إن تقدم عليه ملك قيل: هو لمالكه، إذا لم يتركه اختيارا.
وقيل: لواجده لأنه مستهلك، والخلاف كذلك فيما تركه ربه في بر، أو بحر، عاجزا عنه في محل ضيعة. انتهى.
الدابة إذا تركها صاحبها، فأعلفها غيره، ثم وجدها.
قال مالك: هو أحق بها، لأنه مكره على تركها، ويدفع ما أنفق عليها، وقيل: هي لعالفها لإعراض المالك عنها. انتهى (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١١) - أبواب المساجد (٢١) - باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب الحديث ٤٢٣. وأخرجه مسلم في صحيحه (٥٣) - كتاب الزهد (١) - باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا … الحديث: ٢٩٨٠.
(٢) الذخيرة للقرافي: ج ٤، ص: ١٣١.
[ ١ / ٤٧٠ ]
فصل [في مصرف الزكاة]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه المحل الذي تصرف فيه الزكاة، ليس مما تقدم فناسب الفصل، وليس ببعيد فيناسب الباب.
قوله: ﴿ومصرفها: فقير، ومسكين، وهو أحوج﴾ أي ومصرف الزكاة ثمانية أصناف، رتبها كما رتبتها الآية الكريمة: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ [التوبة: ٦٠] إلى آخر الآية.
الفقير: هو الذي له بلغة لا تقوم به.
والمسكين هو الذي لا شيء له. ولذلك قال: وهو أحوج أي والمسكين أحوج من الفقير.
قوله: (وصدقا إلا لريبة) أي ويصدق الفقير والمسكين في ادعائهما الفقر والمسكنة. وكذلك يصدقان في وجود العيال لهما، إلا لأجل ريبة فلا يصدقان، كما إذا كانا يظهر عليهما علامة الغنى، إلا أن يأتيا بما يزيل الريبة عنهما.
قوله: (إن أسلم وتحرر، وعدم كفاية بقليل أو إنفاق أو صنعة وعدم بنوة لهاشم) شروع منه الله في شروط المستحق للزكاة، وهي أن يكون مسلما فلا تعطى لكافر.
وسمع ابن القاسم: ويعطى أهل الأهواء إن احتاجوا هم من المسلمين.
ابن رشد: إن خف هواهم، كتفضيل علي. انتهى (^١).
ابن أبي زيد والمصلي أولى من غيره، ويعطى غير المصلي، إذا كان ذا حاجة بينة.
ابن العربي: قال رسول الله ﷺ: «لا يأكل طعامك إلا تقي (^٢) فمن الحق الأفضل أن تعتمد بمعروفك أهل التقى. انتهى من التاج والإكليل (^٣).
وفي إكمال الإكمال عياض: الصدقة، وأن يكون حرا، فلا تعطى لعبد لأنه غني
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق: ج ٢، ص: ٤٠٦.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه (٣٤) / كتاب الزهد (٥٥) / باب ما جاء في صحبة المؤمن الحديث: ٢٣٩٥. وأخرجه أبو داود في سننه (٣٥) / كتاب الأدب (١٩) / باب من يؤمر أن يجالس ٤٨٢٤: الحديث
(٣) التاج والإكليل للمواق: ج ٢، ص: ٤٠٦.
[ ١ / ٤٧١ ]
بسيده، ولو كان مدبرا، فإن عجز سيده عن النفقة عليه، بيع القن، وعتق عليه المدبر، وأن يكون عدم كفاية بما عنده لقلته، أو عدم كفاية مع إنفاق عليه، سواء كان الإنفاق شرعا أم لا، كان بالنص من المنفق أم لا، أو عدم كفاية بصنعة وأن يكون عدم بنوة لهاشم لا المطلب، وأما بنو هاشم استثنى أبو حنيفة منهم آل أبي لهب. وبنوا المطلب لا تعطى لهم لحرمة الصدقة عليه صلى الله عليه وعلى آله (^١).
قوله: (لا المطلب) خلاف المشهور لأن المشهور تعطى الزكاة لبني المطلب، والمطلب أخو هاشم. غفل الشارح هنا تخلله، لو قال الشيخ: لا المطلب لوافق المشهور.
قوله: (كحسب على عديم)، تشبيه لإفادة الحكم أي كما لا يجوز حسب الزكاة على عديم، كما إذا كان له على إنسان عديم دين، فيقول له: لي عليك دين، ولك علي كذا من الزكاة، فإنه لا يجزيه، لأن ذلك الدين تاو أي هالك.
قوله: (وجاز لمولاهم وقادر على الكسب، ومالك نصاب. ودفع أكثر منه وكفاية سنة) أي وجاز دفع الزكاة لمولى بني هاشم والمطلب، وقيل لا يجوز لأن مولى القوم منهم (^٢).
وكذلك يجوز دفع الزكاة لقادر على الكسب. وقيل: لا يجوز، لأن قدرته على الكسب تقوم مقام الغنى، وكذلك يجوز دفع الزكاة لمالك نصاب لا يقوم به. وكذلك يجوز دفع أكثر من النصاب لمستحقها.
وكذلك يجوز أن يعطى كفاية سنة، إن لم يدخل عليه يسر فيها.
قوله: (وفي جواز دفعها لمدين ثم أخذها تردد): أي وفي جواز دفع الزكاة لمدينه ثم أخذه وعدم جوازه تردد للمتأخرين لعدم النص، هذا كله إذا لم يكن في ذلك شرط ولا واى ولا عادة، وأما إن كان فيه ذلك، فلا يجوز بغير تردد.
قوله: (وجاب، ومفرق حر عدل عالم بحكمها. غير هاشي) هذا هو المصرف الثالث هو العاملين عليها، والجابي هو الجامع.
ابن شاس وكذلك الحاسب والكاتب لا ساق وراع على المشهور، مقابله
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٣، ص: ٥٩٢.
(٢) أخرجه النسائي في سننه (٢٣) / كتاب الزكاة (٩٧) / باب مولى القوم منهم، الحديث: ٢٦١٤. وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده الحديث: ١٩٠١٤.
[ ١ / ٤٧٢ ]
تعطى للساقي والراعي، لأنهما من العاملين عليها، وهو ظاهر، وشرط المفرق أن يكون عدلا في الفرق، وأن يكون عالما بحكم الزكاة فيما يأخذ وفي المصرف، وأن يكون غير هاشمي، لحرمتها عليه، وغير كافر.
وقوله: (وكافر) مستغنى عنه بقوله: عدل، لأن العدل لا يكون كافرا.
قوله: (وإن غنيا وبدئ به) أي وتعطى الزكاة للعامل عليها، وإن كان غنيا، ويبدأ به عن غيره من الأصناف.
قوله: (وأخذ الفقير بوصفيه) أي وإن كان العامل عليها فقيرا، فإنه يأخذ من الزكاة بوصفيه الفقر والعمل، إلا أن يستغني بما يأخذ من عمله، فلا يأخذ حينئذ إلا بوصف العمل.
قوله: (ولا يعطى حارس الفطرة منها) أي ولا يعطى حارس زكاة الفطرة منها أي ولا يعطى حارس زكاة الفطرة من الزكاة، كانت زكاة فطرة، أو غيرها، بل أجرته من الفيء.
قوله: (ومؤلف كافر ليسلم وحكمه باق) أي هذا هو الصنف الرابع من الثمانية الأصناف، وتعطى الزكاة لكافر ليسلم لقوله تعالى: ﴿والمؤلفة قلوبهم﴾ [التوبة: ٦٠]، وحكم المؤلف باق ولم ينسخ بمضي صدر الإسلام.
قوله: (ورقيق مؤمن ولو بعيب يعتق منها) هذا هو الصنف الخامس من المصرف وهو كقوله تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾ [البقرة: ١٧٧]: أي يعتق رقبة مؤمنة من الزكاة، يعتقه ربه أو الإمام، ولو كان الرقيق معيبا، خلافا لمن قال: لا يعتق من الزكاة، إلا رقبة سالمة من العيوب، والمعيب أحق بالإعانة.
قوله: (- لا عقد حرية فيه - وولاؤه للمسلمين) أي إنما يعتق الرقبة من الزكاة، رقيق قن، لا مكاتب ومعتق إلى أجل، ومعتق بعضه، أو مدبر، وولاء الرقبة المعتقة من الزكاة، لجميع المسلمين، بخلاف المعتق من الكفارات، فإن ولاءه لمعتقه.
قوله: (وإن اشترطه له) أي لنفسه أي وإن اشترط معتق الرقبة من زكاته الولاء لنفسه، (أو فك أسيرا) من يد العدو بزكاته، (لم يجزه) عن الزكاة، بل يخرجها ثانيا، وعتق العبد. انتهى.
أجاز ابن حبيب فك الأسير من الزكاة قائلا: هو أحق وأولى من فك الرقاب
[ ١ / ٤٧٣ ]
التي بأيدينا (^١).
ابن عبد الحكم لو أخرجها فأسر قبل صرفها جاز فداؤه بها (^٢)، ولو افتقر بعد إخراجها لم يعطها، وفرق بينهما بعوده له في الفقر دون الفداء.
ابن حارث لو أطلق أسيرا بفداء دين عليه، أعطى منها اتفاقا (^٣).
قوله: (ومدين ولو مات يحبس فيه، لا في فساد) هذا هو الصنف السادس أي ومن الأصناف التي هي مصرف الزكاة المدين فيعطى منها ليقضى دينه، ولو كان ميتا، لأن الميت أولى بقضاء الدين عنه، خلافا لمن قال: لا يقضى منها دين الميت إنما يعطى المدين من الزكاة، إذا كان ذلك الدين مما يحبس فيه، وأما الدين الذي لا يحبس فيه كالكفارات فلا يعطى لأجله، ومن شرط الدين الذي يقضى من الزكاة، أن يكون ترتب عليه في إصلاح كنفقة وضمان، لا إن ترتب عليه في فساد، كخمر، أو قمار وغير ذلك من وجوه الفساد.
ابن رشد في أسولته إن أجحف به قضاء الدين بأن يبيع ذمته، أو يبيع نفقته، ونفقة عياله، فإنه يعطى ما يغرم به من الزكاة. قاله ابن بشير (^٤). انتهى من تقريب الفلاح.
قوله: ﴿ولا لأخذها إلا أن يتوب على الأحسن﴾ أي ولا تعطى الزكاة لمن تداين لأجل أن يأخذها، كما إذا وسع على نفسه، وسعا غير معتاد في مثله، إلا أن يتوب من تداين لأجل الفساد، فإنه يعطى منها على القول الأحسن.
فرع قال البرزلي وكثيرا ما يفعل اليوم، يأخذها المرابطون ويجرونها على من يرد عليهم من الأضياف والأعراب وغيرهم من أبناء السبيل. وكان شيخنا أبو محمد الشبيبي ينكر هذا ويقول: لا يجوز ذلك ولا يجزي لأنهم صانوا بها أموالهم، ويؤخرونها عن مستحقها، فلم يخرجوها في محلها. انتهى منه (^٥).
قوله: (إن أعطى ما بيده من عين، وفضل غيرها، ومجاهد وآلته، ولو غنيا، كجاسوس)
_________________
(١) التاج والإكليل: ج ٢، ص: ٤١٥.
(٢) مواهب الجليل للحطاب
(٣) التاج والإكليل: ج ٢، ص: ٤١٥.
(٤) التنبيه على مبادئ التوجيه لإبراهيم بن عبد الله بن بشير: ج ٢، ص: ٨٥٢، ط ١: ٢٠٠٧ م تحقيق: د. محمد دار ابن حزم
(٥) نوازل البرزلي: ج ١، ص: ٥٨٣.
[ ١ / ٤٧٤ ]
أي إنما تعطى الزكاة لمدين بشرط أن يدفع ما بيده من العين لأرباب الديون وفضل غير العين، كما إذا كان له دار أو خادم يسوا مائة ويجد دارا أو خادما دون ذلك، فإنه لا يعطى الزكاة، حتى يدفع ذلك الفضل لأرباب الديون، لأن الزكاة لا تكون كنزا ولا حافظة للكنز.
قوله: ومجاهد وآلته، هذا هو الصنف السابع وهو قوله تعالى: ﴿وفي سبيل الله﴾ [التوبة: ٦٠] أي ومما تعطى له الزكاة مجاهد في سبيل الله، وتجعل في آلة المجاهد، كفرس، ورمح، ونبل، ومدفع، ونحو ذلك، ولو كان ذلك المجاهد غنيا، كما تجعل الزكاة في أجرة الجاسوس ونفقته، وإن كان كافرا، لأنه يذب عن مسلمين. وكذلك تدفع لذي معونة برأي.
قوله: (لا سور ومركب) أي لا يعمر سور محيط بالبلد، ولا مركب بالزكاة، وكذلك لا يعمر بها القنطرة.
قوله: (وغريب محتاج لما يوصله في غير معصية ولم يجد مسلفا وهو ملي ببلده، وصدق، وإن جلس نزعت منه، كغار وفي غارم يستغني تردد) هذا هو الصنف الثامن، وبه تمم أصناف المصرف، أي ومن مستحق الزكاة غريب محتاج لما يوصله إلى بلده، أو ينتفع به في إقامته، إن لم تكن معصية، كطلب العلم، أو جالس لعذر، وأما إن جلس لغير عذر أو عبادة، فإنه تنزع منه، كما ذكر الشيخ، وكذلك لا يعطى إذا كان يستعين بها في إدامة سفره. وهذا كله إذا لم يجد مسلفا، والحال أنه ملي ببلده، وأحرى إن كان فقيرا، ويصدق أنه محتاج لما يوصله وإن جلس لغير عذر أو عبادة، نزعت منه. تلك الزكاة التي دفعت له كما تنزع من يد غاز دفعت له على أن يجاهد، ولم يجاهد، وهل تنزع الزكاة من يد مدين دفعت إليه؟ ليقضي بها دينه، ويستغني قبل دفعها في الدين لانتفاء الوصف الذي دفعت لأجله، أو لا تنزع منه لأنه أخذها بالوصف الثابت، فيه تردد لعدم النص، والمتردد هنا عالم واحد وهو اللخمي قال: وفيه إشكال. ولو رده لكان أولى.
قوله: (وندب إيثار المضطر دون عموم الأصناف، والاستنابة، وقد تجب) أي وندب للمتولي تفرقة الزكاة إيثار المضطر والأصلح، دون عموم الأصناف، إذ لا يندب تعميمها. ويندب لمخرج الزكاة أن يستنيب في تفريقها، لأن ذلك أسلم له من خوف الرياء والمحمدة، وقد تجب عليه الاستنابة لجهل مصرفها، أو خوف الرياء.
[ ١ / ٤٧٥ ]
قوله: (وكره له حينئذ تخصيص قريبه) أي وكره للنائب حين الإستنابة، تخصيص أقارب المالك.
وهذه التسمية أحسن مما قال بعضهم: وكره للمالك حين الاستنابة، تخصيص أقاربه بالإيصاء على إعطائه لهم، وأحسن مما قال: يكره للمالك أن يلي إعطاءها لهم، إن فرقها بنفسه من المدونة.
قال مالك: أما من لا تلزمه نفقته من قرابته، فلا يعجبني أن يلي هو إعطاءهم، ولا بأس أن يعطيهم من يلي تفرقتها بغير أمره، كما يعطي غيرهم إن كانوا لها أهلا.
قال اللخمي: كره مالك ذلك خوف أن يحمدوه عليها.
ابن حبيب: لا بأس بذلك. قال مطرف: وحضرت مالكا يعطي زكاته قرابته.
ونقل الواقدي (^١) عن مالك أنه قال: أفضل من وضعت فيه زكاتك، قرابتك الذين لا تعول (^٢).
قال اللخمي: وهذا أحسن (^٣).
قال ابن العربي: الصدقة على الأهل أفضل من الصدقة على الأجانب، كانت فرضا أو تطوعا.
فإن قيل: يخاف المحمدة؟ قلنا: لا بد أن يحمد الرجل على ما فعل من الخير، وإنما المذموم أن يحب أن يحمد بما لم يفعل، وإذا خرج الرجل بصدقته إلى ذوي رحمه الذين لا تلزمهم النفقة عليهم، فقد فعل خصلتين عظيمتين: أدى الزكاة ووصل رحمه. انتهى من التاج والإكليل (^٤).
قال ابن شاس: فإن كانوا ممن لا تلزمه نفقتهم، لكنهم في عياله، فقد روى مطرف: لا ينبغي أن يفعل ذلك، فإن فعل فقد أساء، ولا يضمن إن لم يقطع عن
_________________
(١) محمد بن عمر بن واقد الواقدي مولى بني سهم بن أسلم أبو عبد الله مدني: عداده في البغداديين. سكن بغداد وولي القضاء بها للمأمون، بعسكر المهدي والجانب الشرفي، والصلاة بالرصافة. ولي القضاء من قبل الرشيد، روى عن مالك حديثا كثيرا، وفقها ومسائل وتوفي الواقدي ببغداد وهو على قضاء عسكر المهدي ليلة الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، سنة سبع ومائتين، مولده سنة ثلاث ومائة. ترتيب المدارك وتقريب المسالك المؤلف: القاضي عياض.
(٢) تبصرة اللخمي: ج ٣، ص: ٩٦٦/ ٩٦٧. والتاج والإكليل للمواق: ج ٢، ص: ٤١٩/ ٤٢٠.
(٣) تبصرة اللخمي: ج ٣، ص: ٩٦٧.
(٤) التاج والإكليل للمواق: ج ٢، ص: ٤٢٠.
[ ١ / ٤٧٦ ]
نفسه بذلك الإنفاق عليهم.
قال ابن حبيب: فإن قطع بذلك الإنفاق عليهم عن نفسه فلا تجزيه، لأنه انتفع بزكاة ماله حيث قطع بها نفقة من كان التزم الإنفاق عليه والقيام به. انتهى (^١).
عياض في إكمال الإكمال واختلف في دفعها للمحتاجين من القرابة. واختلف فيه قول مالك بالجواز والكراهة.
ووجه الكراهة أنها خوف أن تكون سببا لقطع صلة أرحامهم من غيرها، وضياع من عداهم لميل النفس إلى القرابة دونهم (^٢).
قوله: (وهل يمنع إعطاء زوجة زوجا، أو يكره؟ تأويلان).
قال في المدونة: قال ابن القاسم: لا تعطي المرأة زوجها من زكاتها، حملها ابن زرقون (^٣) وغيره على عدم الإجزاء، وروى ذلك ابن حبيب عن مالك، وحملها ابن القصار على الكراهة، وأنها إن فعلت أجزأت.
قال اللخمي: وإن أعطى أحد الزوجين الآخر ما يقضي به دينه من الزكاة جاز (^٤).
قوله: (وجاز إخراج ذهب عن ورق، وعكسه): أي وجاز إخراج ذهب عن واجب في ورق، وإخراج ورق عن واجب في ذهب، وهو المراد بالعكس، هذا هو المشهور.
وقيل: ليس له ذلك لأنه كلف الفقير صرف ما كان فيه في مندوحة. قاله اللخمي (^٥).
قوله: (بصرف وقته مطلقا) أي إنما يعتبر في إخراج الذهب عن الفضة، وعكسه صرف وقت الإخراج مطلقا، صادف الصرف عشرة بدينار، أو أقل، أو أكثر، هذا هو
_________________
(١) عقد الجواهر لابن شاس: ج ١، ص: ٢٤٥.
(٢) إكمال الإكمال: ج ٣، ص: ٤٥٩.
(٣) محمد بن سعيد الأنصاري أبو عبد الله ابن زرقون فقيه مالكي أندلسي ولد بشبريس، ولي قضاء شلب وقضاء سبته من مؤلفاته: جوامع أنوار المنتقى والاستذكار، كان مولده سنة: ٥٠٢ هـ، ومات سنة: ٥٨٦ هـ. الأعلام للزركلي: ج ٦، ص: ١٣٩
(٤) من قوله قال في المدونة … إلى قوله جاز، انظر التاج والإكليل: ج ٢، ص: ٨٦٥. وتبصرة اللخمي: ج ٣، ص: ٩٦٦.
(٥) قاله اللخمي باب في زكاة العين فصل: واختلف إذا كان العشرون دينارا نقصا: ج ٢، ص: ٤٨ - ٤٩.
[ ١ / ٤٧٧ ]
وقيل: لا يجوز إن كان أقل.
قوله: (بقيمة السكة، ولو في نوع) أي فيعتبر مع ذلك قيمة السكة وقت الإخراج، ولو كان ذلك في نوع واحد، مثل أن يخرج التبر عن الدنانير وعن الدراهم، لأن الفقراء لهم حق في السكة، وأحرى أن تعتبر السكة في نوعين.
قوله: (لا صياغة فيه، وفي غيره تردد) أي لا تعتبر قيمة الصياغة في النوع الواحد، كما إذا أخرج ذهبا تبرا عن ذهب مصوغ، فلا تعتبر قيمة الصياغة، بل الوزن فقط، وهل تعتبر فيه الصياغة في إخراج نوع عن نوع آخر، كذهب غير مصوغ عن فضة مصوغة تردد.
قوله: (لا كسر مسكوك، إلا لسبك) أي وإنما كان تعلق حق الفقراء بالصياغة أشد من تعلقه بالسكة، لأنه جاز كسر المصوغ، وإن لغير سبك، لا كسر مسكوك إلا لأجل سبك، فكان له أن يكسر المصوغ ليعطيهم منه، بخلاف المسكوك. انتهى. وسئل ابن رشد عمن وجبت عليه زكاة، فاشترى بها ثيابا أو طعاما، وتصدق به. فقال: يقول ابن القاسم: لا يجزيه. وأشهب يقول: يجزيه.
قلت: أجراها على ما لو أخرج ذلك من عنده، واختيار اللخمي فيها إن كان خيرا للفقراء جوازه، بل هو محسن، واحتج بحديث معاذ: «ائتوني بخبيص أو لبيس، هو أيسر عليكم، وأنفع بأصحاب رسول الله ﷺ» (^١). انتهى من البرزلي (^٢).
قوله: (ووجب نيتها، وتفرقتها بموضع الوجوب أو قربه) أي نية الزكاة، لأنها عبادة، وإن اشتملت على سد الخلة. وكذلك يجب على المزكي تفرقة الزكاة في موضع الوجوب، أو قربه فيما دون مسافة القصر قاله سحنون (^٣).
واختلف هل تعطى لفقير حاضر، وهو من غير أهل موضع الوجوب على ثلاثة أقوال: قيل: لا يعطى منها لأنه نقل للزكاة، لقوله ﷺ لمعاذ: «فترد على فقرائهم» (^٤).
_________________
(١) نوازل البرزلي: ج ١، ص: ٥٦٦.
(٢) نوازل البرزلي: ج ١، ص: ٥٦٥ - ٥٦٦.
(٣) التاج والإكليل للمواق: ج ٢، ص: ٤٢٤.
(٤) أخرجه البخاري (٦٧) - كتاب المغازي (٥٧) - باب بعث موسى ومعاذ بن جبل ﵁ إلى اليمن قبل الوداع، الحديث: ٤٠٩٠. وأخرجه مسلم في صحيحه (١) - كتاب الإيمان (٧) - باب الدعاء إلى
[ ١ / ٤٧٨ ]
وقيل: تعطى له لفقره، لأن عموم الآية في الفقراء.
وقيل: بالتفرقة، إن أقام أربعة أيام صحاح أعطي لأنه مقيم.
قوله: (إلا لأعدم فأكثرها له بأجرة من الفيء) أي ووجب تفرقتها بموضع الوجوب، إلا لبلد أحوج من أهل موضع الوجوب، فإنها تنقل إليهم أكثر الزكاة، فتكون أجرة وصلها إليهم من بيت المال لا من الزكاة. انتهى.
ابن ناجي أفتى شيخنا أبو محمد عبد الله الشبيبي الله في الفقير إذا قدر أن يأخذ من مال من يعلم أنه لا يزكي قطعا، قدر ما عليه من الزكاة، أنه لا يجوز، إذ لا شعور لصاحبه بخلاف المكره. انتهى (^١).
قال المواق: وانظر رسم البز من سماع ابن القاسم من البضائع: أجاز مالك لمن بعث معه بمال للمنقطعين أن يأخذ منه إذا احتاج. انتهى (^٢).
وكذلك من وكل على تفرقة مال على الفقراء، فإنه يأخذ منه إن احتاج، ولا يقال أنه وكيل، والوكيل منعزل عن نفسه.
قوله: (وإلا بيعت) أي وإن لم يكن الفيء، أو كان ولم يمكن الوصول إليه، فإن الزكاة تباع، (واشتري مثلها)، في الموضع المنقولة إليه، وإن كان المشترى أقل مما نقل.
قوله: (كعدم مستحق)، تشبيه لإفادة الحكم حرفا بحرف أي كما تنقل الزكاة إذا عدم المستحق بموضع الوجوب إلى أقرب البلاد إليها بأجرة من الفيء، وإن لم يوجد الفيء، بيعت واشترى مثلها في الموضع المنقولة إليه، ولا يتعدى البلد إلى بلد إلا أن يكون أهله أحوج.
قوله: (وقدم) أي وقدم المزكي المنقول (ليصل) إلى المنقول إليه (عند الحول).
قوله: (وإن قدم معشرا أو دينا أو عرضا قبل قبضه، أو نقلت لدونهم، أو دفعت باجتهاد لغير مستحق، وتعذر ردها إلا الإمام، أو طاع بدفعها لجائر في صرفها أو بقيمة لم تجن إلى آخره أي وإن قدم المزكي زكاة حرث، أو قدم زكاة دين له على الناس قبل قبضه، أو زكاة عرض قبل بيعه، أو قبل قبض ثمنه.
_________________
(١) ابن ناجي لم أطلع على هذه الإحالة في شرحه للرسالة ولا غيرها مما هو موجود.
(٢) التاج والإكليل للمواق: ج ٢، ص: ٤١٤.
[ ١ / ٤٧٩ ]
وقوله: قبل القبض عائد عليهما، أو نقلت الزكاة لدون أهل موضع الوجوب في الحاجة، إذا كان البلد الذي نقلت إليه مسافة القصر، وأما ما دونه فجائز، أو دفعت باجتهاد لغير مستحق، وأخطأ اجتهاده، وتعذر ردها إلى المالك، وأما إن لم يتعذر ردها فإنه يأخذها ويصرفها في مصارفها إلا أن يكون المجتهد المخطئ لدفعها الإمام، فإنها تجزيه وغير المستحق: العبد، والكافر، والغني، وقيل: تجزئ، بناء على أن الواجب عليه الاجتهاد وقد حصل، والإصابة ولم تحصل.
وقيل: لا تجزئ في العبد والكافر، وتجزئ في الغني، لأن حاله يخفى غالبا. وقوله: لم تجز، جواب عن المسائل السبع.
قوله: (لا إن أكره أو نقلت لمثلهم أو قدمت بكشهر في عين وماشية) أي لا إن أكرهه الجائر في صرفها، وأما إن طاع بدفعها لجائر في صرفها، فلا تجزيه، وإن كان جائرا، ولكن يصرفها في مصارفها، فإنها تجزيه، أو أكرهه على دفع قيمة عن الواجب، أو نقلت الزكاة، لمثل أهل موضع الوجوب في الحاجة، أو قدمت الزكاة في عين وماشية بكشهر، فإنها تجزئ في المسائل الأربع.
قوله: (فإن ضاع المقدم فعن الباقي) أي وإن ضاع المقدم الذي أجيز تقديمه في الزكاة من العين والماشية، فإنه يزكي الباقي إذا كان ذلك التقديم بالأمد الكثير، وأما لو قدمها باليوم أو اليومين، فإنها تجزيه عن الباقي، وأما زكاة الزرع فلا يجوز تقديمها لأنه لم يملكه بعد. انتهى.
قوله: (وإن تلف جزء نصاب ولم يمكن الأداء سقطت) أي وإن تلف جزء نصاب عنده عند الحول، والحال أنه لم يمكن له الأداء، لعدم مستحق وشبهه، سقط عنه التكليف بها، مفهومه أنه لو أمكن له الأداء لم تسقط عنه، والمفهوم صحيح.
قوله: (كعزلها فضاعت)، تشبيه لإفادة الحكم أي كما تسقط الزكاة إذا عزلها، فضاعت بلا تفريط منه، (لا إن ضاع أصلها)، بعد أن عزلها، فإنه يفرق ما أخرج ولا يأخذه هو، وإن كان فقيرا، إذ لا ينتفع بزكاة نفسه.
قوله: (وضمن إن أخرها عن الحول، أو أدخل عشره مفرطا، لا محصنا، وإلا فتردد) أي وضمن الزكاة في ذمته، إن أخرها مفرطا عن محلها.
وكذلك إن أدخل عشره بيته مفرطا في دفعها لمستحقها، ولا يضمن إن أدخلها في حال كونه محصنا لها عن الضياع.
[ ١ / ٤٨٠ ]
قوله: وإلا أي وإن لم يعلم حاله هل مفرط؟ أو محصن. فتردد في تصديقه الشيوخ في فهم النقل.
قوله: (وأخذت من تركة الميت) أي وأخذت الزكاة من تركة الميت من رأس المال، إن أقر بحلولها، وأوصى بها.
قوله: (وكرها وإن بقتال وأدب) أي تؤخذ الزكاة ممن منع من أدائها كرها، وإن أدى ذلك إلى قتاله، وأدب بعد أخذها منه.
قوله: (ودفعت للإمام العدل، وإن عينا) أي ودفعت الزكاة للإمام العدل، وإن كان زكاة عين على الخلاف فيها.
قوله: (وإن غر عبد بحرية فجناية على الأرجح) أي وإن غر عبد بحرية فأخذ الزكاة، فذلك جناية في رقبته، إن شاء سيده فداه بما أخذ، أو أسلمه للمساكين على ما رجحه ابن يونس، ومقابله يصح تعلقه بذمته، لأن الدافع متطوع به.
قوله: (وزكى مسافر ما معه. وما غاب) أي وزكى المالك ما معه من ماله اتفاقا، وما غاب عنه على القول (إن لم يكن) للغائب (مخرج ولا ضرورة) عليه بإخراجه عنه، وأما إذا كان عليه في الإخراج ضرورة بموضعه، لكونه محتاجا لما يوصله، فإنه لا يجب عليه الإخراج حينئذ عن الغائب، واختلف هل المعتبر مكان المال؟ وقت تمام الحول، إذ هو سبب الوجوب، أو مكان المالك، إذ هو المخاطب بها في ذلك قولان. انتهى.
فصل [في زكاة الفطر]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه زكاة الفطر، ليس مما تقدم فناسب الفصل، وليس ببعيد فيناسب الباب «زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» (^١) انتهى.
_________________
(١) هذا نص ما أخرجه أبو داوود عن ابن عباس (٣) - كتاب الزكاة (١٧) - باب زكاة الفطر، الحديث: ١٦٠٦. وأخرجه ابن ماجه في سننه (٦/¬٨) - كتاب الزكاة (٢١/¬٢١) - باب صدقة الفطر، الحديث: ١٨٢٧.
[ ١ / ٤٨١ ]
قوله: (يجب بالسنة صاع أو جزؤه عنه) أي يجب بالسنة صاع أو جزؤه، لمن لم يجده، صغيرا كان أو كبيرا، حرا أو عبدا، ولكن يخرجه عنه سيده، ذكرا أو أنثى، لأن حكمتها التطهير، وعدم وجوده في الصبي لا يضر، لأنها زكاة بدن لا مال، وتجب على الحضري والبدوي والغني والفقير.
وقصر الليث (^١) والزهري (^٢) وجوبها على أهل الحضر والقرى، وأسقطها عن أهل العمود والخصوص. انتهى من إكمال الإكمال (^٣). مع تقديم وتأخير.
وفي الحديث: «اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا» (^٤).
القرطبي في إكمال الإكمال أي في المكيل بهما.
قلت: الأظهر في البركة في المكيل، وقت الاقتيات بهما في الحال، فلا يتناول غير الطعام، ولا الطعام المقتنى، وكذلك يتناول الأدام المأكول في الحال الموزون، لأن الحديث خرج مخرج الغالب في المعيار (^٥).
السنة النبوية ما رسم ليحتذوا به، هذا أصل موضع هذا اللفظ، ولذلك يقال: سنة النبي ﷺ بمعنى أنه ما رسمه بقول، أو فعل لتقتدي به فيه أمته، ويحتذا في ما رسمه. وقوله: يجب خلافا لمن قال: لا يجب.
وقوله: بالسنة خلافا لمن قال: إنما يجب بالقرآن.
وقوله: صاع خلافا لمن قال: يجب نصف صاع من القمح، وصاع من غيره، وإذا قلنا بالقرآن هل له آية؟ أم لا، قيل: يدخل في قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا
_________________
(١) الليث ابن سعد عبد الرحمن الفهمي، بالولاء أبو الحارث إمام أهل مصر في عصره، حديثا وفقها، من أصحاب مالك. ولد سنة: ٩٤ هـ. ومات سنة: ١٧٥ هـ. الأعلام للزركلي: ج ٥، ص: ٢٤٨.
(٢) الزهري: محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري أول من دون الحديث وقد كتب عمر ابن عبد العزيز إلى عماله عليكم بابن شهاب فإنكم لا تجدون أحدا أعلم بالسنة الماضية منه. كان مولده سنة: ٥٨ هـ ومات سنة: ١٢٤ هـ الأعلام للزركلي: ج ٧/ ص: ٩٧.
(٣) إكمال الإكمال: ج ٤، ص: ٤١٦.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (٦٠) - كتاب الجهاد واليسر وفيه (٧٠) - باب فضل الخدمة في الغزو الحديث: ٢٧٣٢. وأخرج مسلم في صحيحه (١٥) - كتاب الحج (٨٦) - باب الترغيب في سكنى المدينة الحديث: ١٣٧٣ - ١٣٧٤.
(٥) إكمال الإكمال: ج ٤، ص: ٤٦٩.
[ ١ / ٤٨٢ ]
﴿الزكوة [البقرة: ١١٠]﴾ قيل: له آية قوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى﴾ [الأعلى: ١٤] انتهى.
الشرع هو الأحكام لنا أو علينا أي يجب بالسنة إخراج صاع، أو جزؤه وإن لم يكن عنده صاع كامل على نفسه، ذكرا كان أو أنثى، حرا أو عبدا، صغيرا أو كبيرا، غنيا أو فقيرا، أخرج الصغير الطارئ بعد ذلك بطلوع الفجر من شوال، وغفل ابن غازي هنا ﵀.
الجواد قد يكبو، والصارم قد ينبو، وأن النار قد تخبو، وأن الإنسان محل النسيان، وأن الحسنات يذهبن السيئات (^١).
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها … كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
قوله: (فضل عن قوته وقوت عياله) أي إنما يجب عليه ذلك، إذا كان يفضل عن قوت نفسه إن لم يكن له عيال، أو قوت عياله إن كان له عيال، والمراد بالقوت قوت يومه لا ما بعده، وإن خاف جوعا بعده، (وإن) كان وجود ذلك (بتسلف)، يعني إذا رجى قضاءه، وإلا فلا يجب عليه، لأن قاعدة الشيخ في إن وقد يشير به إلى خلاف مذهبي، وقد يشير به إلى خلاف خارج المذهب، وقد لا يشير به بل بالتأكيد.
قوله: (وهل بأول ليلة العيد أو بفجره؟ خلاف) أي وهل وجوب إخراج الصاع، أو جزئه بأول ليلة العيد، لأن المراد بالفطر فطر الغروب وهو المشهور عند ابن الحاجب، أو إنما يجب بفجره وهو المشهور عند الأبهري فيه خلاف.
وفي إكمال الإكمال والخلاف في ذلك مبني على الخلاف في قوله: «الفطر من رمضان» (^٢)، هل المراد الفطر المعتاد في سائر الشهر، فتجب بغروب الشمس؟ أو المراد الفطر الطارئ بعد ذلك بطلوع الفجر من شوال، فيكون الوجوب من حينئذ؟. انتهى (^٣).
_________________
(١) مغني اللبيب عن كتب الأعاريب المؤلف: جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف بن هشام الأنصاري ص: ١٧/¬١٨ - الناشر: دار الفكر - بيروت. الطبعة: ١٩٩٨ تحقيق: د. مازن المبارك ومحمد علي حمد الله. راجعه: سعيد الأفغاني
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (١٢) - كتاب الزكاة (٤) - باب زكاة الفطر على المسلمين من التمرد والشعر، الحديث: ٩٨٤. وأخرج مالك في الموطأ (١٧) - كتاب الزكاة (٢٧) - باب من تجب عليه زكاة الفطر، الحديث: ٥١.
(٣) إكمال الإكمال: ج ٣، ص: ٤١٥.
[ ١ / ٤٨٣ ]
وتظهر فائدة الخلاف في وجوبها، وسقوطها في حق المولود، والميت، والناكح والمطلق، والمشتري رقيقا، والمعتق، ومن أسلم.
قوله: (من أغلب القوت) متعلق بقوله: صاع أي يجب بالسنة صاع، من أغلب قوت البلد، فيبينه ما يأتي إن شاء الله، غفل الشارح هنا نحلله وكم أجاد وأصلح.
كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
قوله: (من معشر) من هنا للبيان أي من أغلب قوت البلد، من معشر، المراد بالمعشر، ما تجب فيه الزكاة من الحبوب، معشر كان أو نصف عشر، (أو أقط). الأقط: لبن حامض أخرج زبده ثم يجفف، وفيه ثلاث لغات، أقط بفتح الهمزة، وسكون القاف، وكسر الهمزة، وسكون القاف، وفتح الهمزة، وكسر القاف.
قوله: (غير علس) أي معشر غير علس، العلس فيه حبتان في قشر واحد.
قوله: ﴿إلا أن يقتات غيره﴾، وعن كل مسلم يمونه بقرابة أو زوجية، وإن لأب. وخادمها أو رق ولو مكاتبا وآبقا رجي، ومبيعا بمواضعة أوخيار ومخدما، إلا لحرية فعلى مخدمه أي صاع من معشر إلا أن يقتات غيره، فيخرجه منه كاللبن واللحم وورق الشجر وعروقه، لأن المراد تسوية الفقراء مع الأغنياء في ذلك اليوم.
قال ابن ناجي في شرحه الصغير: وإذا فرعنا على المشهور فكان شيخنا أبو محمد الشبيبي يفتي بأنه يخرج من اللحم واللبن وشبههما مقدار عيش الصاع، وكان شيخنا حفظه الله لا يرتضيه، إذا نقلته له ويقول: الصواب أن يكال كالقمح، وهو بعيد لأن اللحم وشبهه لا يعرف فيه الكيل. انتهى (^١).
قال: قال بعض شيوخنا والمعتبر بالغالب ما يأكلونه في شهر رمضان لا ما قبله.
وكان شيخنا - حفظه الله تعالى - يعجبه ذلك، لأن زكاة الفطر طهرة للصائم، فيعتبر ما يؤكل فيه، لأنه سبب ولأنه بفراغه تجب - والله أعلم - وعارضني بعض أصحابنا بأن ما ذكرته ينتقض بما ذكروه في فصل الخليطين من أنه لا يعتبر إجماعهما، أو افتراقهما عند قرب الحول، وإنما المعتبر ما قبله، وأو جبته بأن ذلك معلل باتهامهما، واتهامهما أقرب من اتهام أهل البلد، وبأن رمضان هو السبب بذاته في زكاة الفطر لا جميع العام، وفي مسألة الخليطين السبب هو جميع العام لا الشهر.
_________________
(١) مواهب الجليل للحطاب: ج ٢، ص: ٤٣٧.
[ ١ / ٤٨٤ ]
الذي وقعت فيه الخلطة خاصة. انتهى منه (^١).
قوله: وعن كل مسلم يمونه معطوف على قوله: عنه أي يجب إخراج صاع عن نفسه، وعن كل مسلم ينفق عليه وجوبا بالقرابة كالآباء والأولاد أو كان يمونه بسبب زوجية، وإن كانت الزوجة لأب وخادمها أي زوجته هو أو زوجة أبيه التي عليه مؤونتها أي وتجب عليه نفقة بسبب ملك إلا أن يكون العبد كافرا، ولو كان ذلك المملوك مكاتبا، لوجوب نفقته عليه، وإنما هي مندرجة في الكتابة على المشهور، لأنه عبد ما بقي عليه درهم.
وكذلك يجب عليه الإخراج عن عبد آبق رجي رده استصحابا للسلامة، وكذلك يجب عليه الإخراج عن أمة مواضعة لأن الضمان منه، وكذلك على عبد أو أمة مبيع بالخيار بناء على أنهما ملك البائع، وكذلك يجب عليه الإخراج عن عبد مخدم لأنه يرجع إليه، إلا أن يكون بعد تمام الخدمة حرا، فزكاته حينئذ على المخدم لأجل ملك لا على المالك.
قوله: (والمشترك والمبعض بقدر الملك، ولا شيء على العبد) أي وزكاة الفطر عن الرقيق المشترك بين اثنين أو أكثر بقدر ملك كل فيه، وكذلك بقدر الملك في عبد بعضه حر وبعضه عبد، ولا شيء على العبد في حصة الحرية فيه.
قوله: (والمشترى فاسدا على مشتريه) أي والعبد المشترى شراء فاسدا، فدخل موجب الزكاة قبل رده فإن زكاته على مشتريه لأن ضمانه منه إن قبضه، وإن لم يقبضه فعلى بائعه لأن ضمانه منه، وكذلك يجب عليه الإخراج عن عبده المجنون، أو الموقوف للقتل أو غائبا لم ييأس منه.
قوله: (وندب إخراجها بعد الفجر قبل الصلاة) هذا شروع منه في مندوبات زكاة الفطر أي ويستحب إخراج زكاة الفطر بعد طلوع الفجر من يوم العيد قبل صلاة العيد، ولذلك استحب بعضهم تأخير الصلاة في عيد الأضحى، لتوسع وقت المندوب لزكاة الفطر، واستحب تعجيل الصلاة في عيد الأضحى، ليعجل الناس لأضاحيهم.
قوله: (ومن قوته الأحسن وغربلة القمح) أي وندب للمزكي أن يخرجها من قوته، الأحسن من قوت أهل البلد. وكذلك يندب له إذا كان له قوتان أن يخرجها
_________________
(١) مواهب الجليل للحطاب: ج ٢، ص: ٤٣٧.
[ ١ / ٤٨٥ ]
من أحسنهما.
ومما يندب غربلة القمح المخرج، القمح ليس بشرط، وكذلك إن أخرجها في غير القمح، لعله ذكره لأنه الغالب عندهم.
قوله: (إلا الغلث) أي إلا أن يكون المخرج منه مغلوثا بتبن ونحوه، فإنه يجب غربلته حينئذ.
قوله: (ودفعها لزوال فقر، ورق يومه، وللإمام العدل) أي وندب لمن زال فقره بعد طلوع الفجر، أو زال عنه الرق، دفع زكاة الفطر عن نفسه لمستحقها، ولا يجب عليه ذلك، وندب أن تدفع زكاة الفطر إلى الإمام العدل في صرفها ليفرقها، وأما غير العدل فلا.
قوله: (وعدم زيادة وإخراج المسافر) أي ومما يندب عدم زيادة في زكاة الفطر عن الصاع النبوي.
وروى أشهب: قيل لمالك أيؤدي الرجل الفطر بالمد الأكبر. قال: لا بل بمد النبي ﷺ (^١)، ثم إن أراد أن يفعل خيرا فليفعله على حدته، وهذ التفسير أولى مما قال الشارح.
وكذلك يندب للمسافر أن يخرج عن نفسه زكاة الفطر حيث هو.
قوله: (وجاز إخراج أهله عنه، ودفع صاع لمساكين واصع لواحد)، لما فرغ من المندوبات شرع يذكر الجائزات أي وجاز إخراج أهل المسافر عنه إذا أوصاهم بذلك، أو كان ذلك عادتهم، وإلا فالأظهر عدم الأجزاء لفقد النية.
ومما يجوز دفع صاع لمساكين، ودفع أصع عدة لمسكين واحد. ينظر المفرق بالعلم والتقوى، لا بالجهل والهوى.
قوله: (ومن قوته الأدون إلا لشح) أي ويجوز إخراجها من قوته الأدون من قوت البلد، لأجل فقره، أو كان ذلك قوته عادة، إلا أن يقتات الأدون لأجل بخل عن نفسه، فإنه يجب عليه الإخراج من أغلب قوت البلد.
ابن حبيب: مد النبي ﷺ حفنة باليدين جميعا، من رجل وسط، والصاع أربع حفنات، كذلك بكف الرجل الذي ليس بعظيم الكفين (^٢).
_________________
(١) التاج والإكليل: ج ٢، ص: ٤٤٣.
(٢) التاج والإكليل للمواق: ج ٣، ص: ٢٥٥.
[ ١ / ٤٨٦ ]
قوله: (وإخراجه قبله بكاليومين، وهل مطلقا أو لمفرق تأويلان) أي وجاز له إخراج زكاة الفطر قبل يوم الفطر بيومين أو ثلاث، وهل الجواز مطلقا سواء فرقها هو بنفسه أو دفعها لمفرق، أو إنما يجوز إذا أخرجها ودفعها لمفرق، وإلا فلا فيه تأويلان وخلاف، فإن قلت: فهذا واجب تقدم على سببه، فإن سبب وجوب زكاة الفطر، غروب الشمس من آخر أيام رمضان، أو طلوع الفجر على الخلاف في ذلك، فالإخراج قبل ذلك إخراج قبل السبب، وهو كالإخراج قبل ملك النصاب والإخراج قبل ملكه النصاب لا يجزئ، فيلزم ألا تجزئ الزكاة المخرجة هاهنا.
قلت: سؤال حسن، غير أن زكاة الفطر لها تعلق بصوم رمضان، فهي جابرة لما عساه اختل عنه بالرفث وغيره من أسباب النقص، ولذلك ورد في الحديث: أنها طهرة للصائم، وقد تقدم الصوم، فيكون إخراجها بعد أحد سببيها الذي هو: الخلل الواقع في الصوم، والحكم إذا توسط بين سببيه، أو سببه وشرطه، جرى فيه الخلاف بين العلماء، بخلاف تقدمه عليهما، وفي الإخراج قبل سبب ملك النصاب تقدم عليهما فلا جرم لم يجزئ وهاهنا توسط وهو سبب الإجزاء. انتهى من أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي ﵀ (^١).
قوله: (ولا تسقط بمضي زمنها) أي ولا تسقط زكاة الفطر على قادر عليها بمضي زمنها، لترتبها في ذمته للمساكين، فلا تبطل بزوال وقتها، وإن بسنين، وغير القادر عليها لا قضاء عليه. وزكاة الفطر لا تسقط بمضي زمانها، بخلاف الضحية، لأن الزكاة واجبة، وتعلق بها حق المساكين، والضحية سنة، ولم يتعلق بها حق المساكين. انتهى.
قوله: (وإنما تدفع لحر مسلم فقير) هذا بيان مصرف زكاة الفطر أي ولا تدفع إلا لحر، لا لعبد قنا أو فيه بقية رق، ولا تدفع لكافر لأنها قربة، والكافر ليس من أهل القربة، وإن كان جاسوسا أو مؤلفا، ولا تدفع لغني وإن مجاهدا أو مفرقا، ولا تعمل في عتق الرقاب، ولا تدفع لمدين لقضاء دينه.
_________________
(١) أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي، الفرق الرابع والخمسون بين قاعدة ما ليس بواجب في الحال والمآل وبين قاعدة ما ليس بواجب في الحال وهو واجب في المال، المسألة الثالثة: ج ٢، ص: ٢٩.
[ ١ / ٤٨٧ ]