قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فية حكم الشهادة.
ابن راشد حكمة مشروعية الشهادة صيانة الحقوق، أما حد الشهادة فهو: إخبار يتعلق بمعين.
وبقيد التعين المعين يفارق الرواية، الفرق الرواية لا تختص بشخص معين، بل على الشهادة صيانة حقوق جميع الخلق في جميع الأعصار، وكذلك القضاء وأمانة الحكم وغير ذلك من الولايات مما في معنى هذه لو فوضت لمن لا يوثق به، لحكم بالجور وانتشر الظلم بخلاف قول العدل عند الحاكم لهذا عند هذا دينار إلزام لمعين لا يتعداه لغيره، فهذا شأن الشهادة المحضة والأول هو الرواية المحضة، ووجه المناسبة بين الشهادة واشتراط العدد حينئذ وبقية الشروط أن إلزام المعين تتوقع فيه عداوة باطنية لم يطلع علها الحاكم فتبعث العدو على إلزام عدوه ما لم يكن لازما له.
فاحتاط الشارع لذلك واشترط معه آخر إبعادا لهذا الإحتمال، فإذا اتفقا في المقال قرب الصدق جدا بخلاف الواحد. انتهى من كتاب أنوار البروق (^١).
فاشتراط العدالة في محل الضرورة كالشهادة، فإن الضرورة تدعو لحفظ دماء الناس وأموالهم وأبضاعهم وأعراضهم عن الضياع، فلو قبلنا فيها قول الفسقة ومن لا يوثق به لضاعت وكذلك القضاء وأمانة الحكم، وغير ذلك من الأولويات مما في معنى هذه لو فرضت لمن لا يوثق به لحكم بالجور وانتشر الظلم والمكر ولضاعت المصالح، وكثرت المفاسد، وإنما تشترط العدالة لأجل الاعتماد على قوله: فقط.
قال صاحب المقدمات كل من علم شيئا بوجه من الوجوه الموجبة للعلم شهد به. فلذلك صحت شهادة هذه الأمة لنوح ﵇ ولغيره على أمهم بإخبار رسول الله ﷺ على ذلك.
ومدارك العلم أربعة: العقل واحد ومدارك الحواس الخمس، والنقل المتواتر،
_________________
(١) نوار البروق للقرافي: ج ١، ص: ٢٠.
[ ٣ / ٣٦٥ ]
والاستدلال فتجوز الشهادة بأحد هذه الوجوه (^١).
العدالة حق الله تعالى فلا يجوز للقاضي أن يحكم بشهادة مسخوط وإن رضي الخصم.
قوله: (العدل حر، مسلم) إلى آخر صفاته هنا فسر العدل إذ قال: أهل القضاء عدل فقال: العدل حر في حال الأداء، فأخرج الرقيق القن ومن فيه بقية رق، و(عاقل) أخرج به غير العاقل في حال التحمل والأداء معا ل (بالغ) أي في حال الأداء (بلا فسق) أي غير فاسق عند أداء الشهادة (و) بلا (حجر) أي غير محجور عليه. والمحجور لا يشهد، وإن كان وليا، وإن كان يطير في السماء (وبدعة) أي وبلا بدعة (وإن تأول) في بدعته وأحرى إن تعمد أو جهل، لأن البدعي إما كافر على القول به أو فاسق.
قوله: (كخارجي، وقدري) مثالان لأهل البدع.
قوله: (لم يباشر كبيرة) أي العدل من لم يباشر كبيرة ليس المراد بالمباشرة أنه لا تصدر منه الكبيرة البتة، وإنما مراده ألا يكون ملتبسا بها تلبسا لا تعرف له توبة بعده.
قوله: (أو كثير كذب) والكذب داخل في الكبيرة، وذكره اهتماما به لأن الكذب قل من يسلم منه في قليله، ولأن شروط الشهادة كلها خوف الكذب.
قوله: (أو صغيرة خسة) أي ولم يباشر صغيرة خسيسة، كسرقة لقمة، أو تطفيف حبة في الوزن، لأن ذلك يدل على عدم مروءته.
قوله: (وسفاهة) أي لم يباشر سفاهة لأن السفيه لا يشهد، وقد يكون سفيها لم يحجر عليه بعد، ويكون محجورا عليه بسبب السفه ما لم يفك عنه الحجر.
قوله: (ولعب نرد) أي لم يباشر لعب نرد. اللعب بكسر العين لعب نرد أو غيره، وبفتح العين سيلان ماء الفم.
قوله: (ذو مروءة بترك غير لائق من حمام، وسماء غناء، ودباغة، وحياكة اختيارا) أي العدل مبتدأ وحر خبره، وذو مروة خبر بعد خبر أي العدل ذو مروءة، وتكون المروءة بترك كل مالا يليق فعله بمثله، وذلك كاللعب بحمام أو غيره ظاهره وإن لم يغامر عليها، وروي عن سفيان الثورى أنه قال: كان اللعب بالحمام من عمل قوم
_________________
(١) المقدمات لابن رشد: ج ٢، ص: ٤/¬٥. بتصرف.
[ ٣ / ٣٦٦ ]
لوط وأن من لعب بالحمام الطيارة لم يمت حتى يذوق ألم الفقر كما في حياة الحيوان، وسماع غناء قصدا، وتكون المروءة بترك دباغة، وحياكة اختيارا، لا اضرارا إليه، فإنه لا يقدح، وكذلك إذا كانت الدباغة والحياكة من فعل آبائه، وكذلك إن قصد بها كسر نفسه ومباعدتها من الكبر وتخليقها بأخلاق الفضلاء.
قوله: (وإدامة شطرنج) أي لم يباشر إدامة لعب بشطرنج، وإدامته أن يلعب به أكثر من مرة في السنة.
قوله: (وإن أعمى في قول، أو أصم في فعل) أي العدل حر وإن كان العدل أعمى في قول، أو كان أصم في فعل، لأنه يراه وأما أعمى أصم فلا تجوز شهادته.
قوله: (ليس بمغفل) أي المغفل الذي لا يضبط، لا تجوز شهادته، وأما المتغافل فتجوز شهادته، وهو الفطن الذي يتغافل عن أمور ضرته، لأنه من وصف الكرام.
قوله: (إلا فيما لا يلبس ولا متأكد القرب كأب وإن علا، وزوجهما وولد، وإن سفل، كبنت وزوجهما) أي ولا يشهد المغفل إلا فيما لا يلبس عنه كضرب هذا الرجل هذا الآخر أو قتله مثلا فإن شهادته في مثل هذا تجوز، وأما إن طال الأمر حيث يلبس عليه فلا تقبل شهادته فيه.
لما فرغ الله من شروط الشهادة شرع يذكر موانعها وهو أن لا يكون الشاهد مغفلا أو لا متأكد القرب أي القرابة كأب وإن على، فإن الولد لا يشهد له، وكذلك الأم وزوجها وزوجة الأب، وكذلك الأب لا يشهد للولد وإن سفل كما لا يشهد لبنته وزوجها والبنت داخلة في الولد لعله ذكرها ليركب عليها ما بعده. وكذلك لا يشهد الزوج لولد زوجته ولا تشهد لولد زوجها.
التهمة على ثلاثة أقسام منها ما يعتبر في الشرع كشهادة المرء لنفسه فلا تجوز بلا خلاف.
ومنها ما لا يعتبر شرعا كشهادة امرئ على رجل من قبيلته أو بلده فتجوز. ومنها ما اختلف فيه كتهمة القرابة.
وفي الطرر لابن عات: قال ابن عبد الغفور (^١) في الاستغناء: حكى بعض
_________________
(١) خلف بن مسلمة بن عبد الغفور فقيه حافظ. ألف كتاب الاستغناء في أدب القضاة والأحكام. كتاب كبير نحو خمسة عشر جزءا، كثير الفائدة والعلم، وقفت عليه. وكانت وفاته نحو أربعين وأربعمائة. ﵀. ترتيب المدارك للقاضي عياض: ج ٢، ص: ٣١٩.
[ ٣ / ٣٦٧ ]
شيوخنا المتأخرين من الثقات أن أهل البادية إذا اشهدوا في حق لامرأة أو غيرها ولم يكن فيهم عدل أنه يستكثر منهم ويقضي بشهادتهم (^١).
قوله: (وشهادة ابن مع أب واحدة) أي وشهادة واحدة وتلغى الأخرى، إذ يتهم أنه إنما شهد لتقوية شهادة الآخر.
قوله: (ككل عند الآخر، أو على شهادته، أو حكمه) أي كما تلغى شهادة أحدهما عند الآخر، وهو حاكم والعمل على خلاف هذا، وكذلك لا يشهد نقلا على شهادة الآخر، وكذلك لا يشهد أحدهما على حكم الآخر.
قوله: (بخلاف أخ لأخ، إن برز، ولو بتعديل وتؤولت أيضا بخلافه) أي ولا تجوز شهادة متأكد القرب إلا الأخ لأخيه، فإنها تجوز بشرط أن يكون الأخ الشاهد مبرزا في العدالة، بأن يكون بلغ أقصى غاية الصلاح والزهد والورع، ولو كانت شهادته هذه في تعديل الأخ بالتزكية، وقيل: لا تجوز شهادته له في التزكية، لأنه يتشرف بشرف أخيه، وتؤلت أيضا المدونة بخلاف الجواز في التعديل، لما قال: أيضا علمنا أن الأول تأويل.
قال بعضهم: سمعت اسحاق بن عبدوس (^٢) يقول: وقد ذكرت عنده التزكية، فقال: من كف لسانه وإذايته في زماننا فهو عدل. انتهى من المدارك (^٣).
قوله: (كأجير، ومولى، وملاطف، ومفاوض في غير مفاوضة، وزائد، أو منقص، وذاكر بعد شك) إلى قوله: (وتزكية) وهذه المسائل الثمانية يشترط فيها التبريز، فالأجير لا يشهد لمن استأجره إلا أن يكون مبرزا في العدالة، وكذلك المولى لا يشهد لمن أعتقه إلا أن يكون مبرزا فيجوز، والصديق الملاطف لا يشهد لصديقه إلا بشرط التبريز في العدالة، وكذلك الشريك المفاوض لا يشهد لشريكه في غير مال المفاوضة إلا أن يكون مبرزا، وأما في مال المفاوضة فلا يشهد له وإن كان مبرزا،
_________________
(١) بلوغ الأمنية ومنتهى الغاية الفضية لشرح ما أشكل من وثائق البوتقية تأليف: ابن عات. اللوحة: ٢٥١. مخطوط. كتاب الطرر لابن عات. ونوازل البرزلي: ج ٤، ص: ٧٣.
(٢) إسحاق بن عبدوس: كان أكبر من أخيه محمد بسنة. ولكن محمدا أعلى منه في الزهد والفقه. وهو كان المشهور المقصود في العلم. وقد سمع من إسحاق بشر كثير، وكان سماعه، مع أخيه من سحنون. وتوفي إسحاق في رمضان سنة ست وستين ومائتين. ومولده سنة إحدى ومائتين. ترتيب المدارك للقاضي عياض: ج ١، ص: ٤٣٦/ ٤٣٧.
(٣) ترتيب المدارك للقاضي عياض: ج ١، ص: ٤٣٧.
[ ٣ / ٣٦٨ ]
وكذلك الشاهد إذا أدى شهادته ثم زاد فيها بعد أدائها، وكذلك من نقص فيها بعد أدائها فلا تقبل شهادته إلا أن يكون مبرزا، وكذلك من طلب منه أداء الشهادة فشك فيها فذكر بعد الشك، فإنه لا تقبل منه شهادته إلا أن يكون مبرزا في العدالة، وكذلك لا يزكي الشاهد إلا مبرزا في العدالة بالنسبة إلى المكان والزمان.
قوله: (وإن بحد) لو قال الشيخ ولو بدم ليشير إلى الخلاف إلى الدم أن الدم لا يقبل فيه من يحتاج إلى التزكية.
قوله: (من معروف، إلا الغريب) أي وتزكية حاصلة من معروف عند القاضي إلا الغريب أي إلا أن يكون الشاهد غريبا فإنه يزكيه من لا يعرفه القاضي، إذا زكاه من يعرفه القاضي فتكون تزكية في تزكية وكذلك النساء وخميل الذكر.
قوله: (بأشهد أنه عدل رضا) أي وتزكية يقول المزكي أشهد أن الشاهد عدل رضى، وقد يكون عدلا وليس بمرضي بغفلة وشبهها، والعدل إنما يتعلق في الدين.
قوله: (من فطن) أي تزكية حاصلة من فطن (عارف) بما يقدح الشاهد (لا يخدع) والمخدوع لا يزكي.
قوله: (معتمد على طول عشرة) أي من فطن معتمد على طول العشرة والشهر قليل.
قوله: (لا سماع) أي لا يعتمد في تزكية الشاهد على السماع أنه عدل رضى.
قوله: (من سوقه أو محلته إلا لتعذر) أي وتزكية حاصلة من فطن من أصل سوق الشاهد أو محلته إلا لتعذر من أهل سوقه أو محلة من يزكيه فتجوز من غيرهم لأن العدول عنهم مع إمكان الوجود ريبة.
قوله: (ووجبت إن تعين كجرح) أي ووجبت التزكية إن تعينت عليه لعدم المزكي غيره، كما يجب الجرح إن تعين عليه، إن بطل حق لعدم التزكية والجرح.
قوله: (إن بطل حق) راجع إليهما، وخالف هنا قاعدته الأكثرية، أن الشرط راجع لما بعد الكاف.
قوله: (وندب تزكية سر معها) أي مع التزكية العلانية وأحد هما كاف.
قوله: (من متعدد، وإن لم يعرف الاسم، أو لم يذكر السبب) أي وتزكية حاصلة من متعدد لا واحد وإن لم يعرف المزكي اسم الشاهد، فإن قلت: كيف يزكيه ولم يعرف إسمه. قلت: قد يغلب عليه اللقب أو الكنية، وكذلك تجوز التزكية وإن لم يذكر
[ ٣ / ٣٦٩ ]
السبب الذي زكاه به، (بخلاف الجرح) لا بد أن يذكر السبب، إذ لعله يذكر ما لا يقدح فيه.
قوله: (وهو مقدم) أي إذا أشهد الشاهد وزكاه شهود وجرحه آخرون، فإن بينة الجرح تقدم لأنها زادت، والحافظ مقدم، هذا إذا لم يكذب بعضهم بعضا وإذا قال الشهود بات ليلة العيد قائما يصلي. وقالت البينة الأخرى بات فيه يشرب الخمر، وكذب بعضهم بعضا فإن الحاكم يجتهد ويقدم الأعدل منهما.
قوله: (وإن شهد ثانيا) أي وإن شهد الشاهد فزكى وحكم بشهادته، ثم شهد ثانيا في قضية أخرى (ففي الاكتفاء بالتزكية الأولى) فيحكم بشهادته أولا يكتفي بها فلا بد له من تزكية أخرى فيه (تردد)، لو قال: قولان لكان أولى إذ في المسألة قولان قول أشهب وسحنون.
قوله: (وبخلافها لأحد ولديه على الآخر، أو أبويه إن لم يظهر ميل له) معطوف على قوله: بخلاف أخ لأخ، فإنها تجوز كرر بخلافها لطول ما بينهما أي وبخلاف شهادة الوالد لأحد ولديه على الآخر، فإنها تجوز لاستواء الدرجة، وكذلك تجوز شهادة لأحد أبويه على الآخر وهذا كله إذا لم يظهر ميل الشاهد للمشهود له، وأما إن ظهر له ميل فلا تجوز كما إذا شهد الصغير على الكبير أو الفقير على الغني أو للبار على العاق ويكون ظهور الميل بهذه الأشياء.
قوله: (ولا عدو ولو على ابنه) أي راجع إلى الموانع أي فلا يشهد عدو على عدوه ولا على ابن عدوه، كان الأب حيا أو ميتا، إذ تهمة العداوة أقوى من تهمة المحبة.
قوله: (أو مسلم وكافر) أي ولو كانت العداوة الدنيوية بين مسلم وكافر فلا يشهد عليه المسلم.
قوله: (وليخبر بها) أي فإن شهد شاهد على عدوه، فإنه يخبر الحاكم بالعداوة بينهما لئلا يكون دلسة، وقيل: لا يخبر بها، لأنه علم صحة ما شهد به، وكيف يبطل ما يعلم صحته، قيل: وهو الأصح، وأما إن علم بالجرح في نفسه غير العداوة، فلا يخبر به وقيل: يخبر به.
قوله: (كقوله بعدها، تتهمني وتشبهني بالمجانين) أي كما لا تقبل شهادة الشاهد إذا قال بعد أداء الشهادة للمشهود عليه تتهمني في شهادتي وتشبهني بالمجنون، في حال كونه (مخاصما) بذلك، لأنه أخبر بالعداوة الطارئة (لا) إن قال له ذلك في حال
[ ٣ / ٣٧٠ ]
كونه (شاكيا)، فإنه لا يقدح في شهادته.
قوله: (واعتمد في إعسار بصحبة) وهذا شيء آخر أي فإذا شهد شاهد بعسر المديان بالدين أو نفقة من تلزمه نفقته، فإن الشاهد يعتمد على غلبة الظن فيه بصحبة طويلة، (و) لم ير عنده مال أو (قرينة) أي علامة (صبر ضر من جوع وعري، إذ لا يصبر من له مال على هذه الحال، ولا يصل الشائهد في علم مثل هذا بالعلم بل بغالب الظن، لأنه يجوز عقلا حصول المال للمفلس وهو يكتمه، وشهادة النفي في مثل هذا مقبولة، (ك) ما يعتمد الشاهد على (ضرر الزوجين) على الظن الغالب بما ظهر.
قوله: (ولا إن حرص على إزالة نقص فيما رد فيه: لفسق، أو صبا، أو رق، أو على التأسي، كشهادة ولد الزنى فيه، أو من حد فيما حد فيه) وهذا من موانع الشهادة أي ولا تجوز شهادة الشاهد إن حرص على إزالة نقص رد به فيما رد فيه، لأجل فسق اعتقادا كان أو بغير اعتقاد، كسائر المعاصي الجوارحية، وأما إن شهد بغير مثل النازلة فإنه يقبل، أو رد لأجل صبي أو رق، وكذلك إن حرص على التأسي أي التقليد، ويكون ذلك بشهادة ولد الزنى فيه أي في الزنى فلا يشهد فيه، وكذلك إن شهد الشاهد فيما حد فيه فلا تقبل شهادته، كمن حد في الزنى فلا يشهد فيه، أو حد في الشرب فلا يشهد فيه، أو حد في السرقة فلا يشهد في السرقة، أو حد في القذف، فلا يشهد فيه. والعرف يقول المصيبة إذا عمت هانت وإذا خصت هالت، وأما غير ما حد فيه فيشهد فيه إن تاب وحسنت حاله.
قوله: (ولا إن حرص على القبول، كمخاصمة مشهود عليه مطلقا، أو شهد وحلف، أو رفع قبل الطلب في محض حق الآدمي. وفي محض حق الله تجب المبادرة بالإمكان، إن استديم تحريمه، كعتق، وطلاق، ووقف، ورضاع) أي فإن شهد الشاهد وحرص على قبول شهادته، مثل أن يخاصم المشهود عليه، فلا تقبل شهادته مطلقا أي سواء كان ذلك حقا للآدمي أو حقا لله تعالى، وقيل ذلك لا يقدح فيه إذا كان ذلك حقا لله تعالى، وكذلك لا تقبل شهادته إن حرص على قبولها بأن حلف على شهادته، لأنه إنما حلف على صحة شهادته وذلك قادح، لأن اليمين دالة على التعصب والحرص على إنفاذها.
ابن عبد السلام وهذا للعالم، وأما العامي فلا يقدح فيه.
[ ٣ / ٣٧١ ]
وروي عن ابن وضاح أنه قال: أرى لفساد الزمان أن يحلف الحاكم الشهود. وابن وضاح هذا ممن أخذ عن سحنون. انتهى من ابن فرحون (^١).
وكذلك لا تقبل شهادة الشاهد إذا رفعها للحاكم قبل أن تطلب منه، إذ كأن الحق للآدمي، ولكن يخبر بها من له الحق بأن يقول له: كانت لك عندي شهادة فاعلم بها، وأما في محض حق الله تعالى تجب المبادرة بها على الشاهد، والتأخير بها من غير جرحة في شهادته، والمبادرة بالإمكان، إنما تجب المبادرة إن استديم تحريم ذلك الحق الله تعالى، وذلك كعتق وطلاق ووقف ورضاع، فإن شهد على إنسان أنه اعتق عبده، يجب أن يبادر برفع الشهادة، وكذلك إن سمع رجلا يطلق زوجته، فإنه تجب عليه المبادرة بالرفع إلى القاضي، وكذلك إن شهد على حبس فإنه تجب المبادرة بالرفع إذ كان الوقف على غير معنين، وأما إن كان على المعين فهو داخل في حق الآدميين. وظاهر كلام الشيخ لم يفرق بين معين وغير معين، وكذلك إن شهد أن أحد الزوجين أخ للآخر من الرضاعة، فإنه تجب المبادرة بالرفع لئلا يستديم التحريم في الفروع الأربعة.
قوله: (وإلا خير) أي وإن كان محض حق الله تعالى ولكن لا يستديم، وذلك (كالزنى)، لأن بالفراغ منه انقطع، فإن الشاهد يخير في رفعه وتركه، وترك الرفع أولى للستر على العباد، إلا أن يكون مجاهرا به فالرفع أولى من الترك.
قوله: (بخلاف الحرص على التحمل) أي تحمل الشهادة، فإنه لا يقدح ذلك في شهادته. انتهى.
قوله: (كالمختفي) تشبيه لإفادة الحكم أي كما تجوز شهادة المختفي عن المشهود عليه، ليتحمل الشهادة من إقراره. انتهى.
وفي وثائق ابن الهندي: اختلف في شهادة الاستغفال، وهي أن يدخل شهودا خلف ستر، ثم يستجر الذي يسغفل في الحديث فيقر بشيء، فأجاز ذلك قوم وكرهه آخرون، والمشهور أن ذلك لا يضر. وحجته شهادة الأعمى على معرفة الصوت، وأخذ الناس عن أزواج النبي ﷺ وهن وراء حجاب، ومن حجة من كرهه، أن الشهود شاركوا في التدليس ولا يحل لهم ذلك. مع أن الأصوات قد تختلف وقد
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ٢، ص: ١٢٣.
[ ٣ / ٣٧٢ ]
تتفق ويشبه بعضها بعضا (^١).
تنبيه: وحيث أجزنا شهادته فلا يكون من باب الحرص على التحمل. قاله ابن رشد.
تنبيه: ينبغي للشاهد التنبيه أن يرفع نفسه عن أن يختفي ليشهد. هذا مما لم يندب إليه ولا افرض عليه، فإن فعل فقد فعل ما لا يليق بالفضلاء ولا يختاره العقلاء. انتهى من ابن فرحون (^٢).
قوله: (ولا إن استبعد كبدوي لحضري، بخلاف إن سمعه، أو مر به) وهذا من الموانع أي ولا تقبل شهادته إن عد ذلك بعيدا، كشهادة بدوي لحضري، لأن العدول عن شهود الحضر، وإشهاد البدوي مع إمكان الحضري ريبة وتهمة فيما شهدوا فيه، وفي شهادة الحضري للبدوي خلاف، لو قال الشيخ: كبدوي لقروي لوافق لفظ الحديث، وهذا كله بخلاف إن سمعه البدوي يقر له بلا إشهاد عليه، فإن ذلك لا يقدح في شهادته، وكذلك إن مر به وهو يفعل كذا، فإنه لا يقدح في شهادته.
قوله: (ولا سائل في كثير) أي ولا تقبل شهادة سائل في مال كثير، لأن العدول عن إشهاد الأغنياء في المال الكثير ريبة، مفهومه أن المال القليل تقبل فيه شهادتهم وهو صحيح.
قوله: (بخلاف من لم يسأل، أو يسأل الأعيان) أي بخلاف شهادة من لم يسأل الناس أصلا، ولكن إذا أعطي قبل، أو إنما يسأل من الناس الأعيان، كالسلاطين ونحوهم، فإنه لا يقدح ذلك في شهادته.
قوله: (ولا إن جر بها نفعا، كعلى مورثه المحصن بالزنا، أو قتل العمد، إلا الفقير، أو بعثق من يتهم في ولائه) أي بالشهادة نفعا، وذلك كشهادته على مورثه المحصن بالزني، أو شهد عليه بقتل عمد، فلا تقبل شهادته، لأنه يتهم أن يقتل فيرثه، إلا أن يكون المحصن أو القاتل فقير، فإن شهادته فيه تقبل لنفي التهمة، وكذلك إذا كان غير محصن، أو القتل خطأ، فإن شهادته تقبل، وكذلك إن جر الشاهد لنفسه نفعا، كما إذا شهد بعتق من يتهم في ولائه، كما إذا كان ممن يرغب في ولائه، وليس معه من يدخل معه في الولاء، وهو يرث الآن، فلا تجوز شهادته بعتقه.
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ٢، ص: ٩/¬١٠.
(٢) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ٢، ص: ١١.
[ ٣ / ٣٧٣ ]
قوله: (أو بدين لمدينه) أي وكذلك إن جر الشاهد لنفسه نفعا، وذلك كشهادته لمن عليه دينه بمال، كان معسرا أم لا، وقيل: يجوز إن كان مليا، وقيل: يجوز مطلقا.
قوله: (بخلاف المنفق للمنفق عليه) أي بخلاف شهادة المنفق للمنفق عليه فإنها تجوز بخلاف العكس وهو شهادة المنفق عليه للمنفق.
قوله: (وشهادة كل للآخر، وإن بالمجلس) أي وبخلاف شهادة كل من الشاهدين للآخر، وإن كانت الشهادة في مجلس واحد، كما إذا شهد واحد للآخر بحق على شخص واحد أو أكثر، وشهد له الآخر بحق على ذلك الشخص بعينه فإنها تجوز.
قال شيخنا محمود بن عمر حفظه الله: الله أعلم وهذا في غير هذا الزمان.
قوله: (والقافلة، بعضهم لبعض) أي وبخلاف شهادة بعض القافلة لبعض في (حرابة)، فإنها تجوز، وأما إن شهد لنفسه فلا تقبل، أجيزت هذه الشهادة للضرورة، ولا يلتفت هنا إلى العداوة.
قوله: (لا المجلوبين) أي فلا تقبل شهادة بعضهم على بعض (إلا) أن يكثروا (ك (عشرين) فتجوز شهادتهم لبعض، ومن هذا المعنى ما لابن عات: أن أهل البادية إذا شهدوا في حق لامرأة أو غيرها ولم يكن فيهم عدل أنه يستكثر منهم ويقضي بشهادتهم (^١).
قوله: (ولا من شهد له بكثير ولغيره بوصية) أي وهذا من الموانع فإن شهد لنفسه بمال كثير ولغيره بمال قليل أو كثير، وذلك في وصيته فلا تقبل شهادته، لأن الشهادة إذا ردت للتهمة ردت كلها، وإن ردت للسنة، جاز منها ما أجازته السنة، كشاهد بسرقة يوجب غرم المال، ولا يوجب القطع.
قوله: (وإلا قبل لهما) أي وإن لم يشهد لنفسه بكثير بل بيسير ولغيره بكثير أو يسير قبلت شهادته لهما في الوصية وأما غير الوصية فلا تقبل وإن قل وحيث أجيزت شهادته بأن شهد لنفسه، فقيل إنه يأخذه بلا يمين لأنه تابع ويحلف الغير معه فيأخذ له ما شهد له به، وإن شهد مع الشاهد غيره فإنه يحلف معه والمسألة مسألة اختلاف. وقال بعضهم فيها: إذا كانت الوصية مكتوبة وإلا فلا تقبل وإن قل.
قوله: (ولا إن دفع كشهادة بعض العاقلة بفسق شهود القتل) حيث فرغ من الموانع لجر النفع شرع يذكر الموانع لأجل الدفع عن نفسه، ويكون ذلك بشهادة بعض
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق، ج ٨، ص: ١٩٤. وفتاوي البرزلي: ج ٤، ص: ٧٣.
[ ٣ / ٣٧٤ ]
العاقلة بجرح شهود القتل في الخطأ فلا تقبل شهادتهم، لأنه يتهم بالدفع عن نفسه، إلا أن يكون ممن لم تلزمهم الدية لقتلهم، فتجوز شهادته في الجرح.
قوله: (أو المدان المعسر لربه) أي وهو من الموانع أي وإن شهد الذي عليه الدين في حال كونه معسرا فلا تقبل شهادته لرب الدين الذي عليه، لأنه يتهم أنه إن لم يشهد له ضيق عليه، وقيل: تقبل مطلقا.
قوله: (ولا مفت على مستفتيه، إن كان مما ينوى فيه) أي وهو من الموانع أي ولا يشهد المفتي على من استفتاه في النازلة، إذا كان سؤال المستفتي مما ينوى فيه، كما إذا جاءه مستفتيا أنه حلف بطلاق زوجته، لا أكلم فلانا فكلمه بعد شهر، ينوي ألا يكلمه شهرا، فإذا دعته زوجته يشهد لها بما أقر به عنده من حلف بالطلاق ألا يكلمه وأنه كلمه بعد شهر لم يجز للمفتي له أن يشهد عليه بذلك، وإن شهد لم تقبل شهادته، لأنه يعلم من باطن اليمين خلاف ما يوجب ظاهرها. انتهى.
قوله: (وإلا رفع) أي وإن كان مما لا ينوى فيه رفع الشهادة للحاكم.
قوله: (ولا إن شهد باستحقاق، وقال: أنا بعته له) وهذا من الموانع أي وإن شهد شاهد باستحقاق شيء، وقال: أنا بعته له أي للمستحق فلا تقبل شهادته لأنه قد يبيع له غير ملكه، وكذلك إن شهد أنه اشتراه له فلا تقبل شهادته له إذ قد يشتري ممن ليس بمالك.
قال شيخنا محمود بن عمر حفظه الله: سألت الشيخ الصالح عمر المسيلي في مكة أو المدينة عمن شهد للمستحق أنه له، وقال: أنا أشتريته له، فقال: هو كمن قال أنا بعته له.
قوله: (ولا إن حدث فسق) هو من الموانع أي فإن شهد شاهد وقبلت شهادته، وظهر فيه فسق (بعد الأداء) وقبل الحكم، فإن شهادته لا تقبل، لأن الغالب أن لا يظهر أول الفسق، وإن ظهر الفسق بعد الحكم بالشهادة فلا ينقض.
قوله: (بخلاف تهمة جر، ودفع وعداوة) أي بخلاف حدوث تهمة جر نفع بعد أداء الشهادة، فإنها لا يقدح فيها، كمن شهد لامرأة بحق فأدى شهادته، وقبلت، ثم تزوج تلك المرأة قبل الحكم بالشهادة، وكذلك حدوث التهمة دفع عن نفسه، كما إذا شهد شاهد بفسق آخر، ثم بعد ذلك شهد المشهود بفسقه على رجل أنه قتل رجلا خطئا، والشاهد الأول من عاقلة القاتل، فإن ذلك لا يقدح في شهادته، وأما ظهور العداوة بعد الأداء وقبل الحكم، فلا يقدح في الشهادة.
[ ٣ / ٣٧٥ ]
قوله: (ولا عالم على مثله) أي ولا يشهد عالم على مثله في المذهب أي في الفن لعل هذا ممن ثبتت العداوة بينهم، لأن العلماء أشد تحاسدا، وهذا الذي قال هو خلاف ما عليه العمل.
قوله: (ولا إن أخذ من العمال، أو أكل عندهم بخلاف الخلفاء) وهذا من الموانع أي ولا يشهد من يأخذ من العمال أو يأكل عندهم، بخلاف أخذه من الخلفاء والأكل عندهم، فإن ذلك لا يقدح في شهادته.
قوله: (ولا إن تعصب) أي ولا يشهد من تعصب في شهادته أي يميل فيها للمشهود له.
العصبية هو أن يبغض الرجل الرجل لأنه من بني فلان أو من قبيلة كذا. انتهى.
قوله: (كالرشوة) الرشوة بفتح الراء وكسرها وضمها أي فلا يشهد الراشي والمرتشي، لأنه ملعون في الحديث النبوي.
والرشوة دفع مال وأخذه ليبطل الحق، أو يثبت الباطل، دافعا كان أو آخذا، والدافع على أن يدفع عن نفسه الباطل أو يثبت الحق فليس بداخل في اللعنة. قوله: (وتلقين خصم) أي وهذا من موانع الشهادة أي ولا يشهد من يلقن الخصم الحجج ويعينه على باطل فقيها كان أو عاميا، وهذا في من يعلم الحجج بنفسه، وأما الضعيف العيي عن الحجاج فلا بأس في عونه.
قوله: (ولعب بنيرون) أي ولا يشهد من يلعب ليوم النيروز، وهو أول يوم يناير، والذي لابن عات يخرج الرجل بصنيعته النيروز والمهرجان إذ هو من فعل النصارى لقوله: «من أحب قوما فهو منهم» (^١)، ولقوله ﷺ: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فليس منا» (^٢). انتهى (^٣).
_________________
(١) لم أطلع عليه بهذا اللفظ وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «المرء مع من أحب» صحيح البخاري: (٨١). كتاب الأدب (٩٦) - باب علامة الحب في الله. الحديث: ٥٨١٧ ومسلم في صحيحه: (٤٥). كتاب البر والصلة والآداب. (٥٠). باب المرء مع من أحب الحديث: ١٦١. (٢٦٣٩٩).
(٢) لم أطلع على قوله: فليس منا الحديث بهذ المعنى في صحيح البخاري (٢٦٩٧) وصحيح مسلم (١٧١٨) بلفظ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي رواية عند مسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد».
(٣) نوازل البرزلي: ج: ٤، ص: ٢١١. منسوبا لابن لبابة.
[ ٣ / ٣٧٦ ]
قوله: (ومطل) أي ولا تجوز شهادة الذي يمطل الدين، وفي معنى المطل من سكت عن اقتضاء دينه حيا ولم يدفعه له.
قوله: (وحلف بعثق وبطلاق) أي ولا يشهد من يحلف بعتاق ولا بطلاق، لأنهما من أيمان الفساق.
وقد كتب رسول الله ﷺ كتابا بعث فيه للأمصار: «هذا كتاب محمد رسول الله ﷺ إلى ورثة الأنبياء وإلى الناس وإلى أشباه الناس: لا تحلفوا بالعتاق ولا بالطلاق، لأنها من أيمان الفساق، وورثة الأنبياء هم العلماء والناس هم أهل الحضر، وأشباه الناس البوادي».
قوله: (وبمجيء مجلس القاضي ثلاثا بلا عذر) أي ولا تجوز شهادة من يأتي مجلس القاضي كل يوم ثلاث مرات بلا عذر، كأداء شهادة أو سماع كلام الخصمين ليشهد عليه، لأن مجلس القاضي عورة الناس فلا يريد أحد أن يطلع أحد على عورته، ويكفي القاضي في معرفة قبح الرجل أن يصحبه في غير حاجة ولا دفع مظلمة ولا خصومة، وحق عليه أن يمنعه من ذلك، لأنهم إنما يلزمون ذلك لإستكال أموال الناس، لأنهم يروا الناس أن لهم عند القاضي منزلة، ولهذا قال: ومن تردد إلى القاضي ثلاث مرات في غير حاجة فذلك جرحة في عدالته، ويمنع من يجلس في دهاليزه من غير حاجة، لأن في ذلك مأكلة الناس.
قوله: (وتجارة لأرض حرب) أي ومما يقدح في الشهادة التجارة بأرض الحرب، حيث تنا له أحكام العدو، وأما المشي إلى دار الحرب في مصلحة المسلمين، مثل فك أسراهم وغير ذلك من المصالح، فإن ذلك لا يقدح في شهادته.
قوله: (وسكنى مغصوبة، أو مع ولد شريب، وبوطء من لا توطأ، وبالتفاته في الصلاة، وباقتراضه حجارة من المسجد، وعدم إحكام الوضوء والغسل، والزكاة لمن لزمته، وبيع نرد، وطنبور، واستخلاف أبيه) أي ومما يقدح في الشاهد سكنى دار مغصوبة، وكذلك غير الدار فلا تقبل شهادته، لأنه في كل وقت مأمور بردها فهو على مخالفة المأمور به، وإن كان الغاصب غيره، وكذلك لا تقبل شهادته إن سكن مع ولد شريب للخمر، وأحرى ألا تقبل شهادته إن يسكن مع أجنبي شريب قصد الشيخ الوجه المشكل، لأن الولد يعسر مفارقته عن الوالد، وكذلك لا تقبل شهادة رجل يطأ من لا توطأ شرعا أو عادة، كالحائض والصائمة والمحرمة والمستبرأة، أو صغيرة جدا، وكذلك
[ ٣ / ٣٧٧ ]
لا تقبل شهادة من يلتفت في صلاته، وإن كان الإلتفات في الصلاة مكروها، لأن الإلتفات فيها يدل على قلة المبالات بها، وكذلك لا تقبل شهادة من يقترض حجارة المسجد، أو خشبه، وإن كان يرده، إلا أن يكون جاهلا بالحكم، فتجوز شهادته، وكذلك لا تقبل شهادة من لا يعرف أحكام الوضوء والغسل أي إتقانه، وكذلك التيمم، وكذلك من لا يقيم صلبه في صلاة فريضة، أو نافلة، وكذلك من لم يعرف الواجب من الزكاة إذا كان يلزمه، وكذلك لا تقبل شهادة من يبيع النرد، والطنبور (^١). لو قال الشيخ: كطنبور ليعم كل آلة اللهو، وكذلك لا تقبل شهادة من استحلف أباه أو أمه وإن كان مباحا لأنه عقوق.
قوله: (وقدح في المتوسط بكل، وفي المبرز بعداوة وقرابة وإن بدونه كغيرهما على المختار) أي وقدح في الشاهد المتوسط في العدالة بكل قادح من عداوة أو قرابة، أو غيرهما من الموانع، وأما المبرز في العدالة فلا يقدح فيه، إلا بالعداوة والقرابة، وإن كان القادح فيه من دونه في التبريز وأحرى مثله، وأحرى من فوقه، فيقدح فيه كما يقدح فيه بغير العداوة والقرابة على ما اختاره اللخمي من الخلاف، وقيل: لا يقدح فيه مطلقا.
والمبرز العدل العالم بما تصح به الشهادة، فتجوز شهادته في كل شيء ولا يسأل عن كيفية علمه بما شهد به، والشاهد المبرز بالعدالة غير العالم بما تصح به الشهادة فحكمه حكم الأول إلا أنه يسأل عن كفية علمه بما شهد به. انتهى من ابن فرحون (^٢).
قوله: (وزوال العداوة والفسق) أي وزوال العداوة بين الشاهد والمشهود عليه (بما يغلب على الظن) بحسب الفطنة (بلاحد)، خلافا لمن حده بالسنة، وكذلك زوال الفسق عن الشاهد بما يغلب على الظن بحسن حاله وتوبته، لا بقوله: تبت عن الفسق، فإن التوبة تخفى فلا يصدق حتى يستبرء أمره مدة يظهر بقرائن الأحوال صلاح سريرته فيها، ويغلب على الظن أنه ندم عليها، وكفرها بالتوبة والأعمال الصالحة.
_________________
(١) قال الزبيدي في تاج العروس: (الطنبور)، بالضم، (والطنبار بالكسر)، معروف، فارسي (معرب) دخيل، ﴿أصله دنبه﴾ (بره بضم الدال المهملة وسكون النون، وفتح الموحدة، وبره، بفتح الموحدة وتشديد الراء المفتوحة، شبه بألية الحمل)، فدنبه هي الألية، وبره: الحمل. وقال الليث: الطنبور الذي يلعب به، معرب، وقد استعمل في لفظ العربية. تاج العروس: ج ١٢، ص: ٤٣٨.
(٢) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ١٨٠.
[ ٣ / ٣٧٨ ]
والتحقيق أن يستند في ذلك إلى قرائن أحوال الرجال، فإن منهم من لا يظهر معتقده وباطنه على طول الدهر، ويخالط الحذاق بظاهره حتى يظنوه صالحا، وإن كان في الباطن زنديقا. ومنهم من هو بالعكس. والصحيح الرجوع إلى قرائن الأحوال واستناد غلبة الظن في الإنتقال إلى العدالة لا إلى مجرد مضي الزمن.
قوله: (ومن امتنعت له لم يزك شاهده ويجرح شاهدا عليه، ومن امتنعت عليه فالعكس، إلا الصبيان، لا نساء في كعرس، في جرح، أو قتل. والشاهد حر، مميز، ذكر تعدد، ليس بعدو ولا قريب، ولا خلاف بينهم، ولا فرقة إلا أن يشهد عليهم قبلها، ولم يحضر كبير أو يشهد عليه أو له. ولا يقدح رجوعهم، ولا تجريحهم. وللزنا واللواط أربعة بوقت ورؤيا اتحدا. وفرقوا فقط أنه أدخل فرجه في فرجها، ولكل النظر للعورة) أي ومن امتنعت شهادة الشاهد له لم يزك شاهده، ولم يجرح شاهدا عليه، وهو ضابط حسن، واقتصار عجيب، ومن امتنعت عليه فالعكس فتمنع شهادته لتزكية من شهد عليه، أو تجريح من يشهد له.
قوله: إلا الصبيان مستثنى من قوله: العدل حر ذكر عاقل بالغ المعنى لا تشترط في الصبيان جميعا بل بعضها وتجوز شهادة الصبيان فيما بينهم للضرورة لا شهادة النساء في اجتماعهن في عرس ونحوه كالجنائز في جرح القتل إنما يشهد الصبيان في الجراح والقتل لأنهم مأمورون باللعب دون النساء ولكن شهادتهم لها شروط وهو أن يكون الشاهد حر لا عبد وأن يكون عاقلا للشهادة وأن يكون الشهود اثنان فأكثر وأن يكون الشاهد ليس بعدو للمشهود عليه ولو بالعداوة بين آبائهم بل هي أكبر من العدواة بينهما وأن يكون الشاهد ليس بغريب للمشهود له.
قوله: الشاهد حر يتضمن اشتراط الحكم بإسلامه إذ لا يشهد الكافر البالغ فكيف بالصغير.
قوله: ولا خلاف بينهم ولا فرقة، وهذه موانع الشهادة لهم، فإن اختلفوا في شهادتهم فقال بعضهم: هذا جرحه أو قتله.
وقال بعضهم: بل هذا فإن شهادتهم لا تقبل وكذلك إن تفرقوا قبل الشهادة لأن التفرق مظنة التخبيب إلا أن يشهد عليهم عدول قبل التفرق، ويشترط ألا يحضر بينهم كبير عدلا كان أو غير عدل رجلا كان أو امرأة مسلما كان أو كافرا، ويشترط في الشهادة منهم السلامة من جرحة الكذب.
قوله: ولا يقدح رجوعهم ولا تجريحهم ولا يقدح في شهادتهم الرجوع عنها ولا تجريحهم سواء رجعوا قبل الحكم أو بعده، لأن الظاهر أن الذي شهدوا به أولا
[ ٣ / ٣٧٩ ]
هو الموافق دون الثاني، ولو تأخر الحكم بشهادتهم حتى بلغوا ثم رجعوا، فإن رجوعهم يقبل.
قوله: وللزنا شرع يذكر مراتب الشهادة أعلاها أربعة وأدناها امرأتان.
ويشترط في شهادة الزنا شهادة أربعة ذكور بزنا واحد في وقت واحد ورؤيا.
وأخذ كيفية شهادتهم أن يشهد كل منهم أن الزاني أدخل فرجه في فرج المزنا بها، فشهادة الزنا خاصة لا تتم إلا بأربعة عدول تغليظا على المدعي وسترا على العباد، ولما كان هذا الفعل من كبير الفواحش وهو ﷾ ستار على عبيده كلف من البينة ما لم يكلف في غيره فضلا منه تعالى ورحمة، والله كريم خبير ستار متفضل.
قوله: وفرقوا فقط أي وفرق شهود الزنا واللواط فقط، إذ ربما اختلفوا في كيفية شهادتهم.
وفي ظاهر المدونة لا يلزم مطالبة المقر بالزنا بصفته بخلاف الشهود.
عبد الوهاب: إلا أن يتهم بغفلة أو جهل فيستكشف. انتهى من البرزلي (^١).
وينبغي أن يفرق الشهود في هذا الزمان لفساده.
قوله: (وندب سؤالهم كالسرقة ما هي؟ وكيف أخذت؟) أي وندب سؤال شهود الزنا واللواط عن كيفية اطلاعهم عليه ومن أين دخلوا عليهم وما سبب اطلاعهم عليهما ولفظ المدونة فيه وينبغي وفسره أبو الحسن بالوجوب.
قوله: كالسرقة كما يندب سؤال شهود السرقة عن جنسها وفي الحرز أو غيره.
قوله: (ولما ليس بمال ولا آيل له كعتق، ورجعة، وكتابة- عدلان، وإلا فعدل وامرأتان، أو أحدهما بيمين كأجل، وخيار، وشفعة، وإجارة، وجرح خطا أو مال، وأداء كتابة وإيصاء بتصرف فيه، أو بأنه حكم به) أي ويشترط في شهادته فيما ليس بمال ولا آئلا لمال وذلك كعتق ورجعة وطلاق ونكاح وكتابة عدلان بالنسبة إلى الزمان.
قال صاحب إكمال الإكمال: قال ابن المناصف وأما الشهادة بالمال تؤل إلى غير المال، كالشهادة بأن المكاتب دفع نجومه فيعتق وكالشهادة بأنه باع العبد ممن يعتق عليه وكالشهادة بأنه باع الأمة من زوجها فيفسخ النكاح، فيقبل فيها الشاهد واليمين. فهي كالأموال ولم يذكر في ذلك خلافا. قال: لأن غير المال فيها تابع
_________________
(١) نوازل البرزلي: ج ٦، ص: ١٤٨.
[ ٣ / ٣٨٠ ]
لتمام الشهادة بالمال. قال: وليس كذلك السرقة تستحق بالشاهد واليمين ولا يقطع فيها السارق، والفرق هو أن دفع النجوم يستلزم العتق ولا يتصور دونه، والضمان في السرقة لا يستلزم القطع لأنه يتصور دونه. انتهى من إكمال الإكمال (^١).
وإلا أي وإن كان مالا أو آئلا لمال وإن كان لغير مال فشهادة عدل وامرأتان أو عدل مع يمين أو امرأتان مع يمين وإليه أشار بقوله: أو أحدهما بيمين ومثال ما ليس بمال ولكن يؤول إلى المال كأجل في البيع وجوده وقدره وحلوله، وكذلك الخيار في البيع يثبت بعدل وامرأتين أو أحدهما مع يمين، وكذلك ثبوت الشفعة والأخذ به يثبت بهما، وكذلك إجارة، وكذلك جرح خطأ يثبت بأحدهما مع يمين، وكذلك يثبت جرح المال وهو الذي لا يقتص منه كالجائفة والمأمومة وكذلك أداء كتابة وإن أدى إلى العتق، وكذلك يثبت الإيصاء بعدل وامرأتان ولا يتصور فيه اليمين مع العدل أو مع امرأتين على المشهور فتصرف فيه أي في المال المعنى إيصاء يتصرف بمال، وكذلك يثبت حكم الحاكم بالمال بعدل وامرأتان أو بعدل مع يمين أو امرأتين مع يمين.
قوله: (كشراء زوجته، وتقدم دين عتقا، وقصاص في جرح) تشبيه الإفادة الحكم لا تمثيلها كما توهمه بعضهم أي كما يثبت شراء زوجته بعدل ويمين، أو بعدل وامرأتين أو امرأتين مع يمين، وإن كان ذلك يؤدي إلى فسخ النكاح، وكذلك يثبت تقدم دين عن عتق بشهادة عدل وامرأتين أو أحدهما مع يمين، وكذلك يثبت بهما قصاص في جرح.
قوله: (ولما لا يظهر للرجال امرأتان، كولادة، وعيب فرج، واستهلال، وحيض) أي ويشترط فيما لا يظهر للرجال شهادة امرأتان وذلك كولادة إذ لا يحضر هناك غيرهن. وكذلك يشترط في النظر إلى الفرج في العيب امرأتان وهذا في الإماء دون الحرائر. وكذلك استهلال المولود يشترط فيه امرأتان ويثبت الإرث والنسب له وعليه فيورث، وكذلك حيض يشترط فيه امرأتان، وكذلك في الاستبراء للإماء وأما الحرائر يصدقن لأنهن مأمونات على فروجهن.
قوله: (ونكاح بعد موت) أي سبقيته أو موت ولا زوجة ولا مدبر ونحوه وحقه أن يصل هذا لما يثبت بعدل وامرأتين أو أحدهما بيمين لعل الناسخ وضعه في غير
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٦، ص: ٢٢٥/ ٢٢٦.
[ ٣ / ٣٨١ ]
موضعه، فإن شهد شاهد أن فلانا تزوج فلانة بعد موت الزوج، فإن المال يثبت بشهادته مع يمينه، وكذلك يثبت الإرث بشهادة امرأتين مع يمين أن فلانا تزوج فلانة بعد موت الزوج إذ لم يبق إلا المال وأما النكاح والنسب فلا يثبت.
قوله: (أو سبقيته، أو موت ولا زوجة، ولا مدبر ونحوه، وثبت الإرث والنسب له وعليه بلا يمين، والمال دون القطع في سرقة، كقتل عبد آخر) أي وكذلك يثبت سبقية موت أحد الوارثين بعدل وامرأتين إذا لم يبق إلا المال وكذلك يثبت بعدل وامرأتين أو احدهما إذا كان الميت لا زوج له ولا مدبر ونحوه كالموصى بعتقه وهذه المسائل الثلاث مما يثبت بعدل وامرأتين أو احدهما وليست من المسائل التي يكتفى فيها بامرأتين.
قوله: (وثبت الإرث والنسب له وعليه) وحقه أن يوصل بقوله: وما لا يظهر للرجال لعل الناسخ وضعه في غير موضعه أي وإذا شهد امرأتان بولادة مولود واستهل ومات بعد أمه فإنه يرثها وترثه ورثته فلا يمين من الطالب وكذلك يثبت المال على السارق دون القطع بشهادة عدل وامرأتين أو أحدهما بيمين.
قوله: بما يثبت بعدل وامرأتين أو واحدهما لكان أحسن ولكن الشيخ نكل على دس السامع للبينة وكذلك تثبت الجناية بقتل عبد عبدا آخر بعدل وامرأتين أو احدهما بيمين، فلا يجب القصاص إن قتله عمدا، بل إما أن يسلمه ربه أو يفديه بدفع الأرش.
قوله: (وحيلت أمة مطلقا) أي وحيل بين أمة وبين من هي في يده، بسبب إقامة شاهد عدل، أو بإقامة اثنين يزكيان، وكذلك واحد يزكي، كانت الأمة رائعة أم لا، مأمون عليها أم لا، طلب القائم الحيلولة أم لا، لأن الحيلولة حق الله تعالى، وتجعل في يد أمين حتى يأتي المدعي بعدل آخر، أويزكي شاهديه المجهولين.
قوله: (كغيرها، إن طلبت بعدل، أو اثنين يزكيان وبيع ما يفسد، ووقف ثمنه معهما، بخلاف العدل فيحلف، ويبقى بيده) أي فإن أقام المدعي عدلا واحدا فزعم أن له آخر، أو أقام مجهولين، فزعم أنه يأتي بمن يزكيهما على غير الأمة عبدا كان أو أمة أو دابة أو ثوبا، فإن المدعى عليه يحال بينه وبين المدعى فيه، إن طلب المدعي الحيلولة، وإن كان المدعى فيه مما يخشى فساده من طعام وشبهه بيع ووقف ثمنه، إذا أقام المدعي شاهدين يزكيان إلى أن يزكيا، بخلاف إذا قام العدل الواحد فلا يوقف، بل يحلف المدعى عليه ويبقى المدعى فيه بيده، لأن المدعى القائم بالعدل قادر على إثبات حقه باليمين مع شاهده، وحيث وقف الثمن لأجل الشاهدين يزكيان، فإن
[ ٣ / ٣٨٢ ]
ضاع فهو ممن ثبت له، وإن كان المدعى فيه عقارا يمنع من الأحداث والهدم، وللعبد طلب الحيلولة عند إقامة شاهدين. ابن شاس (^١).
قوله: (وإن سأل ذو العدل) أي وإن طلب من أقام عدلا واحد (أو أقام بينة سمعت)، أن مثل هذا العبد هرب منه مثلا، أو سرق، (وإن لم تقطع البينة بهروبه (وضع قيمة) ذلك (العبد ليذهب به إلى بلد يشهد له على عينه) أي شخصه، (أجيب) لمراده في المسألتين، وهذا إذا لم يحلف مع العدل ولو حلف معه لاستحقه.
قوله: (لا إن انتفيا وطلب إيقافه ليأتي ببينة، وإن بكيومين، إلا أن يدعي بينة حاضرة أو سماعا يثبت به، فيوقف ويوكل به في كيوم، والغلة له للقضاء، والنفقة على المقضي له به) أي لا يجاب إن انتفى العدل أو بينة سمعت بل طلب إيقافه لغيرهما، ليأتي ببينة تشهد على عينه فلا يجاب، وإن كانت بينته في مسافة كيومين وأحرى أكثر، إلا أن يدعي بينة حاضرة بالبلد، أو سماعا يثبت به، فيوقف حينئذ المدعى فيه، ويوكل من يحفظه في يوم ويومين، والغلة للمدعى عليه مدة الإيقاف إلى الحكم، وأما نفقة المدعى فيه فعلى المقضي له، وظاهره قول مالك أن المدعى عليه هو الذي ينفق عليه، فإن استحق من يده رجع بها على المستحق.
ابن القاسم: ينفقان عليه فمن استحقه رجع على الآخر.
قوله: (وجازت على خط مقر بلا يمين) أي وجازت الشهادة على خط مقر على نفسه بلا يمين من الطالب، وقيل بيمين لضعف الخط، وجازت على خط المقر اتفاقا، لأن خطه كلفظه، وقيل: على المشهور، ولا بد من شهادة اثنين على الخط.
قوله: (وخط شاهد مات أو غاب ببعد) أي وتجوز الشهادة على خط شاهد مات، سواء عرفه الشاهد على خطه قبل موته أم لا، وكذلك لا تجوز الشهادة على خط شاهد غائب مسافة بعيدة، وحد عبد الملك البعد بمسافة القصر. وقال بعضهم: من مصر إلى افريقية.
قوله: (وإن بغير مال) أي وتجوز الشهادة على الخط، وإن كان ذلك في غير مال (فيهما) أي في خط غير المقر وخط الميت.
قوله: (إن عرفته كالمعين، وأنه كان يعرف مشهده، وتحملها عدلا) أي إنما تشهد البينة على الخط إذا عرفته كالمعين أي كمعرفة الشيء المعين حيث لا يشك فيه،
_________________
(١) انظر عقد الجواهر لابن شاس: ج ٣، ص: ١٠٤٤.
[ ٣ / ٣٨٣ ]
وإن كان الشاهد على الخط يعرف أن الشاهد الميت كان يعرف من أشهده على نفسه، فلو لم يعرف الشاهد على الخط ذلك لم يجز له أن يشهد على خطه وأن يعرف أنه تحملها عدلا.
قوله: (لا على خط نفسه حتى يذكرها) أي فلا يشهد الشاهد على خط نفسه حتى يذكر الشهادة ويحققها.
قال ابن فرحون في تبصرته: والمروي عن مالك أنه إذا لم يشك في خطه، ولم ير في الكتاب محوا ولا إلحاقا ولا شيئا يكرهه فليشهد، وبه قال ابن الماجشون، والمغيرة، وابن أبي حازم، وابن دينار، وابن وهب، وابن عبد الحكم، وسحنون. ورواه مطرف عن مالك.
قال مطرف: ثم رجع فقال: لا يشهد وإن عرف خطه، حتى يذكر الشهادة أو بعضها، أو ما يدل منها على أكثرها. وبه قال ابن القاسم وأصبغ، قال ابن حبيب: وهو أحوط والأول جائز.
وفي المدونة: لا يشهد حتى يستيقن الشهادة ويذكرها، وفي سماع ابن أبي زيد: لا يشهد حتى يذكر ما في الكتاب حرفا بحرف. وقال ابن نافع في المجموعة عن مالك: وقد أثبت غير مرة بخط يدي ولم أثبت الشهادة فلم أشهد لقوله تعالى: ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ [يوسف: ٨١]. انتهى.
مسألة: أما إذا كان كتاب الوثيقة كله بخط الشاهد، وشهادته في أسفله، وهو يعرف خطه ولم يرتب غير أنه لم يذكر الشهادة، فحكى ابن يونس الاتفاق في مذهب مالك على جواز الشهادة، وإن لم يذكرها.
وفي المدونة ما يدل على خلافه. انتهى من تبصرة ابن فرحون (^١).
قوله: (وأدى بلا نفع) أي وإن عرف خطه ولم يذكر الشهادة أداها عند الحاكم بلا نفع عنده هو، بل قد يكون لها عند القاضي، إذ قد يرى من رأيه جوازها.
قوله: (ولا على من لا يعرف) أي ولا تجوز شهادته على من لا يعرفه ونسبه، إلا على عينه) أي شخصه، فتجوز، فإن رآه يقول هذا الذي شهدت عليه.
قوله: (وليسجل من زعمت أنها ابنة فلان) أي وليكتب القاضي على امرأة لا يعرفها أقرت من زعمت أنها أبنت فلان هذا صيغة ما يكتب.
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ٣٠٩/ ٣١٠.
[ ٣ / ٣٨٤ ]
قوله: (ولا على منتقبة لتتعين للأداء، وإن قالوا أشهدتنا منتقبة وكذلك نعرفها قلدوا) أي ولا يشهد على منتقبة، بل يكشف عن وجهها لتتعين للأداء، هذه علة الكشف، وإن قال الشهود أشهدتنا في حال كونها منتقبة، وكذلك نعرفها ولا تعرف بغير نقاب قلدوا فيما قالوا ويعتمد عليه.
قوله: (وعليهم إخراجها) هذا فرع مستقبل أي وإذا شهدوا على امرأة وقال الخصم: لم يعرفوها، وعلى الشهود إخراجها من بين النساء، (إن قيل لهم عينوها).
قوله: (وجاز الأداء إن حصل العلم وإن بامرأة، لا بشاهدين إلا نقلا) أي وجاز أداء الشهادة، إن حصل العلم بها، وإن بإخبار امرأة واحدة أوصبي أو عبد بل أو كافر، لا بقول شاهدين، إن لم يحصل العلم به، إلا شهادة نقل، فيشهد بها بشروطها.
قوله: (وجازت بسماع فشا عن ثقات) أي (و) جازت الشهادة بسماع فشا عن ثقات مع غيرهم بملك لحائز متصرف تصرف الملاك حائزا حوزا (طويلا)، والمراد بالحوز هنا عدم المنع أي لم تمنع الشهادة على سماع السامع ما يفيد علمه الظن، وأما السماع الذي أفاد العلم، فإنه شهادة على القطع.
قوله: (وقدمت بينة الملك، إلا بسماع أنه اشتراها من كأبي القائم ووقف، وموت ببعد) أي فإن أقام بينة على أنه ملكه، وأقام الآخر بينة على السماع أنه ملكه، فإن بينة القطع بالملك تقدم على بينة السماع، لأن الشهادة بالقطع على الملك أقوى من بينة السماع، إلا أن يطول السماع من الحائز الزمن الطويل اشتراها من أبي هذا القائم الطالب أو وجد أنهم ما زالو يسمعون أن هذا الحائز اشتراها من ابن هذا القائم أو جده، فحينئذ تقدم شهادة السماع، لأنها ناقلة والناقل مقدم.
قوله ووقف وموت معطوفان على قوله: بملك أي وتجوز شهادة السماع بأنهم ما زالوا يسمعون من ثقات مع غير أن هذا حبس، وكذلك يثبت الموت بشهادة السماع أن فلانا مات ببلد بعيد.
قوله: (إن طال الزمان، بلا ريبة، وحلف، وشهد اثنان) أي وشروط شهادة السماع أربعة:
الأول: أن يطول الزمان ولا تسمع إلا من سنين كثيرة، كأربعين. ابن القاسم: عشرون سنة وبه عمل بقرطبة.
والثاني: أن يكون فيها ريبة كما إذا شهد بموت رجل وببلدته جمع غفير لم يعلموا بذلك لم يقبل.
[ ٣ / ٣٨٥ ]
الثالث: أن يحلف المشهود له، لاحتمال أن تكون شهادة السماع عن واحد.
الرابع: أن يشهد اثنان فأكثر.
قوله: (كعزل، وجرح، وكفر، وسفه، ونكاح) تشبيه لإفادة الحكم أي كما تجوز شهادة السماع من ثقات وغيرهم، أن القاضي أو الشاهد أو الولي أو الوكيل عزل، وكذلك تجوز شهادة السماع على جرح إنسان بفسق وإن لم يعيناه، وكذلك يشهدان بأن هذا الشاهد جرح عند القاضي بكل قادح في الشهادة، وكذلك تجوز شهادة السماع على كفر فلان، وكذلك تقبل شهادة السماع أن فلانا سفيه، وكذلك النكاح يثبت بشهادة السماع، وقد تقدم في باب النكاح كرره للنظائر.
والفرق بين النكاح والطلاق والعتق، لأن الغالب في النكاح الاشتهار بخلاف الطلاق والعتق.
قوله: (وضدها) أي وتجوز شهادة السماع في ضد الخمسة المذكورة، وضد العزل التولية، وضد الجرح التزكية، وضد الكفر الإسلام، وضد السفه الرشد، وضد النكاح الطلاق، (وإن) كان الطلاق (بخلع).
قوله: (وضرر زوج، وهبة، ووصية، وولادة وحرابة، وإباق، وعدم، وأسر وعتق، ولوث) أي ومما يثبت بشهادة السماع من الجيران وغيرهم ضرر الزوجين وقد تقدم، وكذلك الهبة تثبت بالسماع الفاشي، وكذلك تثبت الوصية بشهادة سماع أن فلانا وصى فلانا، أو فلان مقدم القاضي على الأيتام، ونصه في الكافي لابن عبد البر، وكذلك تقبل شهادة السماع في الولادة، فلان ولد فلان، وكذلك تقبل شهادة السماع بحرابة فلان وإن لم يعلموا عينه، وكذلك إباق عبد، وعدم أسر وعتق، أي وتجوز شهادة السماع أنه أبق منه عبد، وكذلك تجوز شهاتدة السماع على فقر فلان، وعلى أسر العدو فلانا، وعلى أن فلانا أعتق عبده، وكذلك اللوث أي لوث القسامة في النفس. ذكره اللخمي وقبله ابن عبد السلام وابن هارون وابن عرفة.
قوله: (والتحمل إن اقتقر إليه فرض كفاية) أي وتحمل الشاهد إن افتقر إليه أي إلى التحمل فرض كفاية، لأن إباية الناس كلهم إضاعة للحقوق، وإجابة الكل إليه إضاعة للأشغال إليه، وإنما يكون عليه التحمل فرض كفاية، إذا لم يكن ما يعذر به من مرض أو زمانة أو حق مثل ذلك الحق، ليخاف فواته أو ما أشبه ذلك من الأعذار فلا يلزمه وليس على الفقهاء أن يشهدوا بين الناس ولا أن يضيفوا أحدا ولا أن
[ ٣ / ٣٨٦ ]
يكافؤوا على الهدية، وحكي ذلك عن مالك، فإن لم يكن إلا هو تعين عليه وإن كان معه غيره ممن كان عدلا فلا يكون فرضا عليه، فإن شهد فمأجور.
قوله: (وتعين الأداء من كبريدين، وعلى ثالث إن لم يجتز بهما) أي وتعين على الشاهد أداء شهادته، إذا كانت مسافته مسافة بريدين أو ثلاثة وهذا هو المرجوع عنه، والمرجوع إليه ما لا مشقة فيه على الشاهد، ويتعين الأداء على شاهد ثالث، إن لم يجتز الحاكم بالاثنين، وكذلك رابع وخامس حتى يكمل النصاب، وأما إن شهد عدلان، فأراد الطالب أن يزيد على عدلين فأبى المشهود عليه، فليس ذلك للمشهود له، فلا يجب عليه أكثر من عدلين لقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [٢٨٢: البقرة].
قلت: الصواب اليوم إذا كان يكثر فيهم العزل مطلقا أو بجرحة أن التكثير مطلوب. وقد شاهدنا ذلك كثيرا وتعطل كثير من العقود وبقيت بشاهد واحد. انتهى من البرزلي (^١).
قوله: (وإن انتفع فجرح، إلا ركوبه لعسر مشيه، وعدم دابته) أي وحيث تعين الأداء على الشاهد، وإن انتفع من المشهود له فذلك جرح في شهادته، إلا أن يكون ذلك الانتفاع ركوبه لعسر مشيه وعدم دابته فيجوز الانتفاع بمثل هذا بأن يأتيه بدابة يركبها وليس له أن يأخذ كراء الدابة إذا لم توجد من المشهود له.
والشهود لا يجوز لهم قبول الهدية من أحد الخصمين، ما دامت الخصومة بينهما. ابن فرحون (^٢).
قوله: (لا كمسافة القصر. وله أن ينتفع منه بدابة، ونفقة) أي فلا يتعين الأداء على الشاهد، إذا كان على مسافة القصر، بل يكتب القاضي لمن يأمنه هناك فليؤد شهادته عنده فليكتبها إليه.
قوله: (وحلف بشاهد في طلاق، وعتق، لا نكاح، فإن نكل حبس، وإن طال دين) وهذا فرع آخر أي إذا شهد شاهدان أن رجلا طلق زوجته أو عتق عبده، فأنكر المشهود عليه، فإن المشهود عليه يحلف أنه ما طلق ولا أعتق، فإن نكل عن اليمين حبس، وإن طال الحبس ولم يقر دين أي وكل إلى دينه فالله حسيبه، وحد بعضهم الطول
_________________
(١) نوازل البرزلي: ج ٤، ص: ١٧٧.
(٢) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ٢٧.
[ ٣ / ٣٨٧ ]
بالسنة، وقيل: يسجن حتى يقر أو يموت.
قوله: (وحلف عبد وسفيه مع شاهد) أي وإذا أقام العبد أو السفيه شاهدا على حق، فإنه يحلف معه ويستحقه. ذكر الشيخ ما إذا حلفا وسكت عما إذا نكلا، فإن نكل العبد المأذون حلف المشهود عليه وبرئ وإن كان العبد غير مأذون له، فإن سيده يحلف مع شاهد العبد فيسحق، وأما السفيه فاختلف فيه إذا نكل ثم رشد بعد تحليف المطلوب، فقال مطرف: يحلف بعد رشده.
قال ابن القاسم: قد نفذ الحكم ولا تعاد اليمين.
قوله: (لا صبي وأبوه) أي فلا يحلف صبي مع شاهده، لأنه غير مكلف ولا أبوه، لأنه ليس بمالك للمدعى فيه، (وإن أنفق) على الولد، هذا إذا لم يتولاه الأب، وأما إن تولاه فإنه يحلف.
قوله: (وحلف مطلوب ليترك بيده، وأسجل ليحلف، إذا بلغ كوارثه قبله؛ إلا أن يكون نكل أولا، ففي حلفه قولان) أي وحيث قلنا: لا يحلف الصبي ولا أبوه، فإن المدعي يحلف ليترك المدعى فيه بيده توقيفا لا تمليكا وأسجل الحاكم أي يكتب شهادة الشاهد، ويسجلها للصبي صونا لحقه، وخوفا من موت الشاهد، أو تغير حاله عن العدالة قبل بلوغ الصبي، فيكتب ذلك ليحلف الصبي إذا بلغ أو وارثه إن مات الصبي قبل بلوغه، إلا أن يكون الوارث نكل أولا، فيكون في حلفه وعدم حلفه قولان. وصورته أن يكون الشاهد شهد بحق لصغير أخ له كبير، فنكل الكبير عن اليمين واستؤني الصغير ثم مات الصغير قبل البلوغ، فكان الكبير الناكل وارثه فأراد أن يحلف، ففي تمكينه من اليمين ليستحق نصيب مورثه أو لا يمكن، لأنه نكل عنها فيه قولان للمتأخرين.
قال المازري: لا نص فيها للمتقدمين. انتهى. غفل الشارح هنا ﵀.
قوله: (وإن نكل) أي من توجهت عليه اليمين من صبي بعد بلوغه، أو وارثه إن مات الصبي قبل البلوغ (اكتفي بيمين المطلوب الأولى)، فأما إن نكل المطلوب أولا حيث أمر باليمين ليترك المدعى فيه بيده حتى يبلغ الصبي ففي أخذه منه تمليكا أو وقفا قولان.
وقد أغفله المصنف مع أن ابن الحاجب ذكره.
قوله: (وإن حلف المطلوب، ثم أتى بآخر فلا ضم، وفي حلفه معه، وتحليف المطلوب إن
[ ٣ / ٣٨٨ ]
(لم يحلف قولان) أي وإذا أقام شاهدا على حق فأمره الحاكم باليمين مع شاهده، ونكل عنها، وحلف المطلوب ثم أتى بشاهد آخر، فلا تضم شهادة الشاهدين فحيث لا تضم وفي حلفه مع شاهده الثاني، لأن شهادته الأولى كالعدم بنكول الطالب، ويمين المطلوب أو لا يمكن من اليمين، لأنه نكل أولا، وحلف المطلوب وانفصل الأمر فيه قولان.
وإذا فرعنا على أنه يحلف مع الشاهد الثاني فنكل، هل يحلف المطلوب ثانيا عند هذا النكول بناء على إلغاء ما تقدم كله؟ أو يكتفي بيمينه الأولى بناء على أن الواجب عليه عند نكول الطالب إنما هو يمين واحدة وقد حلفها فيه قولان.
مسألة: ومن وجبت عليه يمين فامتنع منها، حتى يبرز المطلوب المال الذي يحلف عليه، وحينئذ يحلف، فإن ذلك لا يجب على المطلوب إلا بعد يمين الطالب إذ لا يستحق المال إلا باليمين، فإن قال: أخشى أن أحلف ثم يدعي الذي أحلفني العدم، كان من حقه أن يشهد له صاحبه أنه موسر وليس بعديم، فإذا أشهد له بذلك حلف واستحق، فإن ادعى المطلوب العدم حبس حتى يؤدي، فإن شهدت له بينة بالعدم لم يسمع منها لأنه قد أكذبها، فثمرة إشهاده على نفسه تطويل سجنه حتى يؤدي. انتهى من ابن فرحون (^١).
قوله: (وإن تعذر يمين بعض كشاهد بوقف على بنيه وعقبهم، أو على الفقراء حلف، وإلا فحبس) أي وإن تعذر يمين بعض من شهد له لعدم وجودهم، ومثال ذلك قام شاهد بوقف على بني الواقف وعقبهم، فإن اليمين تتعذر على العقب كما قال، وكذلك إن تعذر يمين الجميع كما إذا قام شاهد على أنه وقف على الفقراء والمساكين، أو طلبة العلم ونحوهم ممن لا حصر له، فإن اليمين في حقهم ممتنعة غير مرجوة فالحكم فيهما أن يحلف المشهود عليه على نفي ما قال الشاهد، وإن نكل وأبى أن يحلف، فالحبس ثابت، هذا تصور المسألة، ومن قال غير هذا فضرب في حديد بارد. وقد غفل الشارحان هنا: بهرام والبساطي، وتوقف المواق، وتفطن ابن غازي وصاحب فتح الجليل.
قوله: (فإن مات ففي تعيين مستحقه من بقية الأولين أو البطن الثاني تردد) إلى آخره هذا مستغنى عنه. لو سكت عنه الشيخ، لأنه تفريع على قول ولم يذكره في
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ١٦٢.
[ ٣ / ٣٨٩ ]
مختصره.
الحاصل أن في المسألة أربعة أقوال: إذا حلف أحد ممن تعذرت يمين البعض منهم (^١)، وأحد الأقوال إن حلف واحد ثبت الحبس للكل.
وثانيها إن حلف الجل ثبت الجميع للكل.
والثالث: من حلف أخذ نصيبه، ومن لم يحلف فلا شيء له.
ورابع الأقوال: هو الذي ذكره المصنف سبب الخلاف أن الشهادة شاملة على ما تصح اليمين منه وما لا تصح، فمن التفت إلى جانب تعذر اليمين بطل الحبس، ومن التفت إلى جانب الصحة صحح الحبس، فإن مات هذا الحالف ففي تعيين مستحق ذلك الحبس من بقية الأولين أو إنما يستحقه البطن الثاني، لأن الأولين قد نكلوا، وقيل من حلف أبوه يأخذ منه ومن لا فلا، وهذا كله خاص بمن يمكن اليمين من بعضهم.
قوله: (ولم يشهد على حاكم قال ثبت عندي إلا بإشهاد منه) أي ولا يشهد شاهد على سماع قول حاكم قال (^٢): ثبت عندي إلا أن يشهده أنه ثبت عنده، ومن الحكمة والمصلحة منع القاضي الحكم بعلمه خوف كونه غير عدل فيقول: علمت فيما لا علم له به، وعلى هذا التعليل لا يقبل قوله: ثبت عندي إلا أن يسمي البينة.
قوله: (كاشهد على شهادتي، أو رآه يؤديها) هذا شروع منه ﷺ في نقل الشهادة أي كما لا بد أن يشهد الشاهد من ينقل شهادته عنه ورآه الشاهد الناقل يؤدي شهادته عند الحاكم، فإنه يشهد بها، وأما إن سمعه يقول: شهدت بكذا، فلا يشهد على شهادته والخلاف فيما إذا حضر حين يشهد الشهود على شهادته، هل يشهد بها؟ أم لا قولان.
قوله: (إن غاب الأصل، وهو رجل بمكان لا يلزم الأداء منه) أي وإنما تجوز شهادة النقل إن غاب الأصل وهو الشاهد المنقول عنه، والشرط أن يكون رجلا في مكان بعيد، حيث لا يلزمه الأداء كمسافة القصر، وأما إن كان الأصل امرأة فإنها ينقل عنها، وإن كانت في البلد. قال بعضهم: لم أر قط امرأة في المدينة أدت شهادتها عند الحاكم.
_________________
(١) ن: ولهم.
(٢) ن: فإن
[ ٣ / ٣٩٠ ]
قوله: (ولا يكفي في الحدود الثلاثة الأيام) أي ولا يكفي في نقل الشهادة في الحدود مسافة ثلاثة أيام.
قوله: (أو مات، أو مرض) معطوف على قوله: إن غاب الأصل أي أو مات أو مرض مرضا لا يقدر معه على الركوب، أو لم يكن مركوبا.
قوله: (ولم يطرأ فسق، أو عداوة) أي ومن شرط جواز أداء شهادة النقل إذا لم يطرأ فسق على الأصل، أو العداوة بينه وبين المشهود عليه قبل الحكم، وأما إن طرأ الفسق أو العداوة قبل الحكم فإن الحاكم لا يحكم بها، لأن المعتبر في الشاهد وقت الأداء.
قوله: (بخلاف جن ولم يكذبه أصله قبل الحكم) أي بخلاف طروء جن على الشاهد الأصل قبل الحكم، فلا يمنع ذلك من قبول شهادة الناقل عنه في صحته، لأن الجن مرض من الأمراض.
قوله: ولم يكذبه أصله أي ومن شرط جواز أداء شهادة الناقل عن الأصل، إن لم يكذبه الأصل، وقال: لم أشهدك مفهومه إن لم يكذبه بل شك أنه لا يضر شهادة الناقل.
قوله: (وإلا مضى) أي وإن لم يكن الأمر كما تقدم بل طرأ الفسق أو العداوة أو كذبه بعد الحكم مضى ذلك الحكم (بلا غرم).
قوله: (ونقل عن كل اثنان ليس أحدهما أصلا، وفي الزنا أربعة عن كل، أو عن كل اثنين اثنان) أي ومن شروط شهادة النقل، أن ينقل عن كل من الشهود شاهدان ليس أحدهما شاهد الأصل، ويشترط في النقل في شهادة الزنى أربعة عن كل شاهد فيكون ذلك ستة عشر شاهدا، وينقل عن كل اثنين من شهود الزني اثنان فيكون ذلك أربعة.
قوله: (ولفق نقل بأصل، وجاز تزكية ناقل أصله) أي وجاز تلفيق شاهد الزنى نقل مع شاهد أصل فيتم النصاب، ويجوز تزكية ناقل أصله أي كشاهد الأصل وهو خلاف لمن قال: لا ينقل إلا على من يزكيه.
قوله: (ونقل امرأتين مع رجل في باب شهادتهن) أي وجاز نقل امرأتين مع نقل رجل فيما تجوز فيه شهادة النساء، وقد تقدم بيانه، ولا يكفي في ذلك نقل امرأتين، وإن كان مما تجوز فيه شهادتهما.
[ ٣ / ٣٩١ ]
قوله: (وإن قالا: وهمنا بل هو هذا سقطنا) هذا شروع ﴿حكمته﴾ في رجوع الشهود عن الشهادة. الوهم بفتح الهاء هو ذهاب ظنه ولفظ بغير ما قصد. وبكسر الهاء الغلط في الحساب. أي فإن شهدا على رجل أن لفلان عليه مائة مثلا، ثم قالا قبل استيفاء الحكم عليه: وهمنا في شهادتنا أي غلطنا، بل هو هذا الذي شهدنا عليه سقطت الشهادتان، لإخراجهما أنفسهما عن العدالة، بإقرارهما أن هما شهدا على الوهم، وأما إن رجعا بعد استيفاء الحكم، فإنهما يغرمان ما فوتاه بشهادتهما.
قوله: (ونقض إن ثبت كذبهم كحياة من قتل أو جبه قبل الزنا) أي نقض الحكم إن ثبت كذب الشهود إن أمكن النقض، وذكر لذلك مثالين فقال: كحياة من قتل أي شهد شاهدان أن فلانا قتل فلانا، فحكم الحاكم بالقصاص فلم يقتص منه حتى قدم المشهود بقتله، فإن الحكم ينقض.
وكذلك إن شهد أربعة على الزنى فحكم الحاكم برجم المحصن، ثم ثبت أنه مجبوب قبل الزنا.
قوله: (لا رجوعهم، وغرما مالا ودية ولو تعمدا، ولا يشاركهم شاهدا الإحصان في الفرم) أي لا ينقض الحكم إن ثبت رجوعهم بعد الحكم، وإن قبل الاستيفاء، لاحتمال كذبهم، فلما لم ينقض الحكم غرما ما أتلفاه إن كان مالا، وإن كان دما غرما ديته، ولو تعمدا شهادة الزور، وقيل: إن تعمدا يقتص منهما، ولا يشاركهما شاهدا الإحصان في الغرم، لأنهما لم يتلفا الزاني بها كما إذا شهد أربعة بالزنا وشهد اثنان بإحصان الزاني لأن الزني إنما ثبت بالأربعة.
قوله: (كرجوع المزكي) أي كما لا يغرم المزكي للشهود، لأن الحق ثبت بغيره، أتى به استدلالا غفل البساطي هنا غفلة عظيمة.
قوله: (وأدبا في كقذف) أي وإذا شهدا أن فلانا قذف فلانا، أو شرب خمرا، فحكم الحاكم بجلده، ثم رجعا عن شهادتهما، فإنهما يؤدبان، لأنهما لم يفوتا شيئا.
قوله: (وحد شهود الزنا مطلقا) أي فإذا شهد شهود على الزني ثم رجعوا قبل الحكم أو بعده وقبل الاستيفاء أو بعده، ولذلك أشار إليه بقوله: مطلقا، فإنهم يحدون.
قوله: وحد شهود الزنا لفظه لفظ الخبر والمراد به الأمر.
قوله: (كرجوع أحد الأربعة قبل الحكم، وإن رجع بعده) أي فإذا شهد أربعة على الزني ثم رجع أحدهم قبل الحكم فإن الجميع يحدون حد القذف، لأن نصاب
[ ٣ / ٣٩٢ ]
الشهادة لم يكمل، وإن رجع أحد الأربعة بعد الحكم (حد الراجع فقط)، لأنه أقر على نفسه بالقذف ولا يحد الباقين.
قوله: (وإن رجع اثنان من ستة، فلا غرم، ولا حد، إلا إن تبين أن أحد الأربعة عبد، فيحد الراجعان والعبد وغرما فقد ربع الدية، ثم إن رجع ثالث، حد هو والسابقان، وغرموا ربع الدية) أي وإن شهد ستة على الزنى ثم رجع اثنان بعد الحكم وقبل الاستيفاء فلا غرم عليهما ولا حد، لكمال النصاب، إلا أن يتبين أن أحد الأربعة الباقين عبد، فيحد الراجعان حينئذ، والعبد، وغرم الراجعان فقط ربع الدية، ولا يغرم العبد، لأنه لم يرجع، ثم إن رجع الثالث من الستة بالنسبة إلى الراجعين رابع بالنسبة إلى الباقين حد هو والسابقان وغرموا ربع الدية، لأنهم لم يفوتوا غيره، وهذه المسألة تفريع على أن الشهود الستة أحرار.
قوله: (ورابع: فنصفها) أي وإن رجع رابع من الستة بالنسبة إلى الراجعين ثالث بالنسبة إلى الباقين، فإنهم يغرمون نصف الدية، لأنه يلزم برجوع الرابع ربع الدية، يشارك فيها كل من رجع قبله، ويشاركهم هو فيما غرموا قبله، فيصير نصف الدية بين جميعهم على عددهم. انتهى.
قوله: (وإن رجع سادس بعد فقء عينه، وخامس بعد موضحته، ورابع بعد موته فعلى الثاني خمس الموضحة مع سدس العين كالأول، وعلى الثالث ربع دية النفس فقط) أي وإن شهد ستة على الزنى فحكم الحاكم برجمه ثم رجع أحدهم بعد فقئ عينه، ثم رجع خامس بعد موضحته، ثم رجع رابع بعد موته فعلى الراجع الثاني خمس الموضحة مع دية سدس العين كما أن على الراجع الأول دية سدس العين فقط، وعلى الثالث بالنسبة إلى الراجعين ربع دية النفس فقط، لأن العين والموضحة مندرجة في النفس.
قوله: (ومكن مدع رجوعا من بينة) أي ومكن مدعي رجوع البينة عن الشهادة من إقامة بينة على رجوعهم ليغرموا له ما أتلفوه بشهادتهم ولم ينقض الحكم، لأن الحكم قد ثبت بعدول، ودعوى الشهود بعد ذلك الكذب اعتراف منهم أنهم فسقة، والفاسق لا ينقض الحكم.
قوله: (كيمين) أي كما يمكن المحكوم عليه من تحليف البينة أنهما لم يرجعا (إن أتى بلطخ) أي بوجه ولو بسماع أنهم رجعوا.
قوله: (ولا يقبل رجوعهما عن الرجوع) أي فإذا شهدا على شيء ثم رجعا فلا يقبل رجوعهم على الرجوع، لأنه قد ثبت به حق، لأن رجوعهم للأول إقرار بإتلاف فلا
[ ٣ / ٣٩٣ ]
يقبل رجوعهما عن الإقرار. انتهى.
ولو لم يصرح الشاهد بالرجوع ولكن عاد فقال للقاضي: توقف في قبول شهادتي، ثم عاد وقال: اقض فقد ذهب عني الشك، فقال الإمام أبو عبد الله: لا يبعد أن يجري في قبولها القولان الجاريان في التشكك قبل الأداء، كما لو سئل عن شهادة لم يذكرها ثم عاد فقال: تذكرتها، قال: ولكن اشترط مالك في قبول هذه الشهادة البروز في العدالة، قال: والواجب قبولها على الإطلاق لأن التشكك يعرض للعالم بالشيء ثم يذهب عنه ويرجع على اليقين. انتهى من الجواهر (^١).
قوله: (وإن علم الحاكم بكذبهم، وحكم فالقصاص) أي وإن علم الحاكم بكذب الشهود فحكم بالقصاص من المشهود عليه، فالقصاص ثابت على الحاكم، ظاهره باشر أو أمر بالقصاص، وقيل إن لم يباشر فعليه الدية فلا وصول إلى علمه بكذبهم إلا بإقراره أنه عالم بكذبهم.
قوله: (وإن رجعا عن طلاق) أي فإن شهدا أن فلانا طلق زوجته فطلقت عليه، ثم رجعا عن شهادتهما (فلا غرم) عليهما، لأنهما لم يفوتا عنه إلا الإستمتاع، والاستمتاع لا قيمة له، وإنما عليهما الأدب.
قوله: (كعفو القصاص) تشبيه أي إذا شهد على مستحق القصاص أنه عفى عن القاتل، ثم رجعا بعد استيفاء القصاص، فإن الشاهدين لا يغرمان الدية، لأنهما لم يفوتا عنه، إلا الدم ولا قيمة له.
قوله: (إن دخل) أي إنما لا يغرمان الراجعان عن شهادة الطلاق إن دخل به الزوج، لأن الصداق قد وجب بأول الدخول، وهما لم يفوتا عنه الاستمتاع.
قوله: كعفو القصاص داخل بين جزئي مسألة الطلاق، فإن قلت: لأي شيء وسط المؤلف مسألة العفو بين جزئي مسألة الطلاق.
قلت: لأنه لو أخرجها عن القسمين لم يعلم التشبيه هل في سقوط الغرم؟ أو في ثبوته.
قوله: (وإلا فنصفه) أي وإن لم يكن المشهود عليه بالطلاق ولم يدخل بزوجته فطلقت عليه بشهادتهما ثم رجعا بعد الحكم، فإنهما يغرمان نصف الصداق للزوج بناء على أنها لا تملك شيئا بالعقد لاحتمال الفسخ أو ارتدادها والعياذ بالله من
_________________
(١) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٣، ص ١٠٥٩.
[ ٣ / ٣٩٤ ]
الردة، وبعضهم يغرمان ذلك للزوجة، ويرى أن الصداق كان واجبا لها على الزوج.
قوله: (كرجوعهما عن دخول مطلقة) أي وإذا شهد رجلان على رجل أنه دخل بزوجته وهو مقر بالطلاق وناكر للدخول معها، ثم رجعا عن شهادتهما، فإنهما يغرمان له النصف، لأنهما قد أتلفاه عليه بدفعه صداقا كاملا.
قوله: (واختص الراجعان بدخول عن الطلاق) أي واختص الراجعان عن دخول بالغرم دون الراجعان عن شهادة الطلاق. صورته إن شهد اثنان بدخول الزوج بها وشهد اثنان آخران أنه طلقها، والزوج منكر ثم رجع الكل عن شهادته، فإنه يختص الراجعان عن الدخول بالغرم دون الراجعان عن الطلاق.
قوله: (ورجع شاهدا الدخول على الزوج بموت الزوجة إن أنكر الطلاق) أي والمسألة بحالها أي ورجع شاهدان بالدخول ثم رجعا عنه على الزوج بموت الزوجة بما غرماه أولا لكونه منكرا لشهادتهما مقر بوجوب جميع الصداق، لكون الزوجة ماتت في عصمته وهو منكر لطلاقها.
وقوله: إن أنكر الطلاق مستغنى عنه، لأن المسألة مفروضة في إنكار الطلاق.
قوله: (ورجع الزوج عليهما بما فوتاه من إرث، دون ما غرم ورجعت عليهما بما فوتاه من إرث وصداق) أي ورجع الزوج على شاهدي الطلاق الراجعان عنه بما فوتا من إرث إن ماتت الزوجة، ولا يرجع عليهما بما غرم من الصداق إذ لو لا هما لورثها، فإن مات الزوج رجعت الزوجة عليهما أي على شاهدي الطلاق الراجعين عنه بما فوتاها من إرث أو صداق، إذا كانت غير مدخول بها.
قوله: (وإن كان عن تجريح أو تغليط شاهدي طلاق أمة غرما للسيد ما نقص بزوجيتها) أي فإن شهد رجلان بطلاق أمة وقبلهما القاضي، فحكم بطلاقها ثم جاء رجلان آخران فجرحاهما في شهادتهما، أو غلطاهما، فردت إلى العصمة، ثم رجع المجرحان أو المغلطان عن شهادتهما بالتجريح أو التغليط، فإن الراجعين يغرمان لسيد الأمة ما نقص من قيمتها بزوجيتها فتقوم غير ذات زوج بعشرين مثلا ثم تقوم ذات زوج، فإن كانت القيمة خمسة عشر يغرمان خمسة، وهذا كله إذا كان السيد يدعي الطلاق أو لا يدعيه ولا ينكره، وأما إن أنكر الطلاق فلا غرم عليهما، لأنه مقر أنها في العصمة. انتهى. غفل الشارح هنا ﵀.
قوله: (ولو كان بخلع بثمرة لم تطب، أو آبق فالقيمة حينئذ) أي وإن شهد رجلان أن هذا خالع زوجته بثمرة لم تطب، أو بابق أو شارد، أو كل ما لا يجوز بيعه، فحكم
[ ٣ / ٣٩٥ ]
الحاكم بالطلاق بالخلع ثم رجعا عن شهادتهما، فإنهما يغرمان قيمة ذلك حين الرجوع.
قوله: (كالإتلاف) أي كما يغرمان قيمتها إذا أتلفاها حين الإتلاف أتى بهذا استدلالا.
قوله: (بلا تأخير للحصول فيغرم القيمة حينئذ على الأحسن) أي يغرمان القيمة حين رجوعهما، فلا يؤخر الغرم إلى حصول طيب الثمر، أو وجود الأبق، خلافا لمن قال: يؤخر إلى الحصول بالطيب أو لوجود فيغرم حينئذ أي حين الحصول وهو مقابل الأحسن، فالقيمة الأولى في المسألة حين الرجوع، وهي مثبتة، والقيمة الثانية حين الحصول وهي منفية، فلم يتواردا على موضع واحد ولا حكم فلا تكرار ولا إعادة. قوله: (وإن كان بعثق غرما قيمته وولاؤه له) أي وإن شهدا بعتق عبد، فأنكر السيد، فحكم الحاكم بعتقه، ثم رجعا عن شهادتهما، فإنهما يغرمان للسيد قيمة العبد، ويكون ولاؤه لسيده، لأنهما معترفان أنه مولاه.
قوله: (وهل إن كان لأجل يغرمان القيمة، والمنفعة إليه لهما، أو تسقط منها المنفعة، أو يخير فيهما؟ أقوال) أي وإن كانا شهدا بعتق الراجل فحكم الحاكم بشهادتهما ثم رجعا عن شهادتهما، فإنهما يغرمان لسيده القيمة، فتكون المنفعة بالعبد إلى الأجل لهما يستوفيا منها ما دفعا إلى السيد، فإن استوفياه قبل الأجل، فما بقي من الأجل للسيد، فإن مات قبل أن يستوفيا ذلك من منفعته فعليهما الخسر، لأنهما يخسران ولا يربحان، وقيل: يقدم العبد وتسقط المنفعة من القيمة، وقيل: يخير السيد في إسلام المنفعة للشاهدين، أو يتماسك بها ويدفع قيمة المنفعة لهما وقتا بعد وقت بحسب ما يرى منه مقتضى الاجتهاد فيه ثلاثة أقوال.
قوله: (وإن كان بعتق تدبير فالقيمة، واستوفيا من خدمته. فإن عتق بموت سيده فعليهما، وهما أولى إن رده دين، أو بعضه) أي وإن كان رجوعهما عن شهادة تدبير عبد، فعليهما لسيده القيمة، ويستوفيا من خدمته ما دفعا للسيد، فإن استوفياها قبل الموت وما بقي من الخدمة للسيد، فإن مات العبد أو السيد قبل الاستيفاء فلا شيء لهما، لأنه عتق بموت السيد وهما يخسران ولا يربحان، فإن رد المدبر بسبب دين والشاهدان أولى به من الغرماء، لأن حقهما متعلق بعينه وحق الغرماء متعلق بذمة السيد، وكذلك إن رد الدين بعضه فهما أولى بالبعض المردود.
قوله: (كالجناية) تشبيه أي كما أن المدبر إذا جني ثم رده دين أو بعضه، فإن
[ ٣ / ٣٩٦ ]
المجني عليه أولى به من أرباب الديون، لأن حق المجني عليه تعلق بعينه، وحق الغرماء تعلق بذمة السيد.
قوله: (وإن كان بكتابة فالقيمة، واستوفيا من نجومه وإن رق فمن رقبته) أي وإن كان رجوعهما عن الشهادة بكتابة، فعليهما القيمة يوم الحكم ويستوفيا ما دفعا للسيد من نجوم الكتابة، فما بقي لسيده، وإن عجز ورق يستوفيان ما دفعا من رقبة العبد.
قوله: (وإن كان بإيلاد فالقيمة، وأخذا من أرش جناية عليها، وفيما استفادته قولان) أي وإن شهدا بإيلاد الأمة فحكم القاضي أنها أم ولد ثم رجعا عن شهادتهما، فعليهما قيمتها يوم الرجوع تقدم على أنها أمة، وأخذ الشاهدان الراجعان ما أغرما من أرش الجناية عليهما، إذا جني عليها، وهل يأخذ ذلك فيما استفادته من عمل يدها، أو وهب لها أو تصدق به عليها، أو ليس لهما الأخذ في ذلك فيه قولان من غير ترجيح.
قوله: (وإن كان بعثقها) أي وإن كان رجوعهما عن الشهادة بعتقها أي بعتق أم الولد (فلا غرم) عليهما، لأنهما لم يفوتا إلا الاستمتاع والاستمتاع لا قيمة له.
قوله: (أو بعتق مكاتب فالكتابة) أي وإن كان رجوعهما عن الشهادة بعتق مكاتب، فإنهما يغرمان الكتابة بعينها من عين أو عرض.
قوله: (وإن كان ببنوة فلا غرم: إلا بعد أخذ المال بإرث) أي وإن كان الرجوع عن شهادة ببنوة فلا غرم على الشاهدين، لأنهما لم يفوتا له شيئا، إلا أن يكون رجوعهما بعد موت المشهود عليه وهو الأب، فإنهما يغرمان ما فوتاه من إرث لورثة المشهود عليه الذي يحجبهم المشهود له، أو يشاركهم في الميراث أو بيت المال إن لم يكن وارث.
وصورته: أن هذا الإنسان ولد فلان بإقراره أنه ولده والرجل ينفيه، فأثبت الحاكم السبب للمشهود له بالبنوة، ثم رجعا بقرب ذلك، ولم يمت المشهود عليه الذي هو الأب، فلا غرم على الشاهدين، لأنهما لم يفوتا عليه شيئا.
قال البساطي: ينبغي أن يحمل هذا على حالة لا تجب فيها نفقة الابن، وإلا فقد ألزما النفقة للأب بشهادتهما وما قاله ظاهر، فإن قلت: أي فائدة في قوله: بالإرث قلت: لو أخذ هذا الولد المال على غير وجه الإرث من دين ونحوه لم يكن على الشاهدين شيء.
قوله: (إلا أن يكون عبدا) أي وإلا أن يكون المشهود له بالبنوة عبد للمشهود
[ ٣ / ٣٩٧ ]
عليه (فقيمته أولا) أي فعلى الشاهدين لسيد المشهود عليه قيمته، لأن شهادتهما بالبنوة قد نفذت وعتق.
قوله: (ثم إن مات وترك آخر فالقيمة للآخر، وغرما له نصف الباقي) أي ثم فرع على ما يترتب على موت المشهود عليه بالبنوة بعد الحكم الأول، فقال: ثم إن مات أي الأب المشهود عليه وترك ولدا آخر ثابت النسب، فالقيمة التي أخذها الأب من الشاهدين للولد الآخر الثابت النسب فقط لا أن أخاه المشهود له بالبنوة يقر أن لا حق لأبيه في القيمة التي أخذها لصحة نسبه على دعواه وأن أباه ظلم الشهود فيها، فلا ميراث له فيها، وتقسم التركة بين الولدين الثابت النسب والآخر نصفين، وإذا قسمت التركة غرم الشاهدان له أي لثابت النسب نصف الباقي بعد القيمة.
قوله: (وإن ظهر دين يستغرق أخذ من كل النصف، وكمل بالقيمة) أي وإن ظهر على الأب الميت دين مستغرق لجميع التركة، أخذ الغرماء من كل من الولدين ثابت النسب والآخر نصفه الذي أخذه من التركة، فإن وفا المأخوذ منها الدين فواضح، وإن لم يوفه كمل من القيمة التي اختص بها ثابت النسب، فإن فضل شيء منها له اختص به، إنما بدأ بالتركة في قضاء الدين لأنها المحقق للميت، والقيمة التي أخذ فيها شك، ولذلك أخرت في قضاء الدين.
قوله: (ورجعا على الأول بما غرمه العبد للغريم) أي ورجع الشاهدان على الأول الثابت النسب بما غرمه للعبد أي الأخ الذي كان عبدا وشهدا ببنوته، فيغرمانه مثل الذي غرماه، لأنهما إنما غرماه بسبب إتلافهما له بشهادتهما، فلما ثبت الدين على أبيهما، وجبت التركة للمدين، فلم يتلفا عليه شيئا. انتهى.
قال البساطي: إنما عدل إلى قوله: بما غرمه العبد للغريم لأن الدين قد لا يستغرق، فلا يخرج من يد الابن الثاني جميع ما أخذ بل يبقى شيء فلا يرجعان على الأول، إلا بما غرم الثاني للغريم، والشيء فيه إنما أخذ بالدين لم يتلفا منه شيئا فيرجعان به، فإذا استغرق الدين التركة لم يفوتا على الولد شيئا فيرجعان عليه بما أخذ منهما.
قوله: (وإن كان برق لحر فلا غرم، إلا لكل ما استعمل ومال انتزع، ولا يأخذه المشهود له، وورث عنه، وله عطيته، لا تزوج) أي فإن شهدا على حر أنه عبد لفلان، فحكم الحاكم برقه، ثم رجعا عن شهادتهما بعد الحكم فلا قيمة عليهما في الرقبة، ولكن يغرمان للمشهود عليه بالرق كل ما استعمل وكل خراج أداه إلى السيد من غلته، فإن
[ ٣ / ٣٩٨ ]
كان له مال فانتزعه غرماه له، ولا يأخذه المشهود له من يده بل يبقى في يد المشهود عليه بالرق، فإن مات ورثه عنه ورثته لو كان حرا وله عطيته ولا يتزوج لأن التزوج عيب.
قوله: (وإن كان بمائة لزيد وعمرو، ثم قالا لزيد) أي وإن كان الرجوع عن شهادة بمائة لزيد وعمرو، فقالا: بل هي لزيد وحده (غرما خمسين للغريم) وهو المقضي عليه. وفي بعض النسخ لعمرو مكان الغريم وهو تصحيف فظيع.
وأصل المسألة في النوادر عن ابن عبد الحكم: أن الشاهدين إذا شهدا على رجل أنه أقر لفلان وفلان بمائة دينار ثم رجعا بعد القضاء، وقالا: إنما شهدنا بها لأحدهما وعيناه: رجع المقضي عليه بالمائة بخمسين على الشاهدين، ولا تقبل شهادتهما للآخر بكل المائة؛ لجرحتهما برجوعهما ولا يغرمان له شيئا؛ لأنه إن كان له حق فقد بقي على من هو عليه وليس قول من قال: يغرمان له خمسين بشيء، لأنهما إنما أخذا خمسين من المطلوب أعطياها لمن لا شيء له عليه. انتهى من ابن غازي (^١). والله أعلم غفل الشيخ الكبير هنا ﵀.
من ذا الذي ترضى سجاياه كلها … كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
وأما الشارح فقد غفل فيه.
قوله: (وإن رجع أحدهما) أي أحد الشاهدين (غرم نصف الحق) هذا راجع لجميع الفروع فلا يختص بمسألة زيد وعمرو.
قوله: (كرجل مع نساء) أي وإن شهد رجل مع نساء فيما تجوز شهادتهن فيه، ثم رجعوا كلهم بعد الحكم، فإن الرجل يغرم نصف الحق وإن كثر النساء، لأنهن كامرأتين وامرأتان كرجل واحد.
قوله: (وهو معهن في الرضاع) أي والرجل معهن أي إن شهد معهن على الرضاع وهو (كاثنتين) كما إذا شهد هو وعشرة نسوة برضاع رجل وامرأة، والنكاح معقود بينهما ثم رجع الكل كان على الرجل مثل غرامة اثنتين من النساء فيغرم السدس، وعلى كل امرأة نصف السدس، ولو رجع الكل إلا امرأتين لم يجب غرم باعتبار من يستقل (^٢) الحكم بعدمه.
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ١٠٦١.
(٢) ن: يشغل.
[ ٣ / ٣٩٩ ]
قوله: (وعن بعضه) أي وإذا رجع الشاهد عن بعض الحق (غرم نصف) ذلك (البعض)، وإذا حكم الحاكم بشهادة شاهد مع يمين الطالب ثم رجع الشاهد عن شهادته، فهل يغرم الشاهد جميع الحق، لأنه بشهادته قضى على المشهود عليه واليمين استظهارا أولا يغرم إلا النصف، لأن اليمين كشاهد ثان فيه قولان.
قوله: (وإن رجع من يستقل الحكم بعدمه فلا غرم) أي كما إذا شهد ثلاثة بحق ثم رجع واحد منهم، فإنه لا يغرم شيئا، لاستقلال الحكم بمن بقي، وهذا تكرار مع قوله: وإن رجع اثنان من ستة.
قوله: (فإذا رجع غيره) أي وإذا رجع من يستقل الحكم به بعد أن رجع الذي يستقل الحكم بعدمه (فالجميع) داخلون في الغرم.
قوله: (وللمقضي عليه مطالبتهما) يعني أن الشاهدين إذا شهد رجلان على آخر بحق ثم رجعا عن شهادتهما قبل أن يغرم المقضي عليه، فإن له أن يطالبهما (بالدفع للمقضي له) لأن الحق توجه عليه للمقضي له بشهادتهما أولا، وتوجه عليهما للمقضي عليه برجوعهما عن شهادتهما فله أن يخرج عهدة الخسارة بأن يلزمهما الدفع للمقضي له.
قوله: (وللمقضي له ذلك) أي وللمقضي له أن يطالب الشاهدين بما كانا يغرمانه للمقضي عليه بسبب رجوعهما عن الشهادة، (إذا تعذر) قبض المقضي به (من المقضي عليه) بعدمه أو هربه أو ظلمه، لأن غرم الغريم كالغريم. هنا انتهى من مسائل الرجوع.
خرج صاحب ابن عبد الملك بن عبد الرحمن إلى الناس بصنعاء (^١) فقال: يامعشر الشهود القاضي يقول لكم هو على النفوذ وليس بقاض المنفذ قال الله تعالى: ﴿ستكتب شهدتهم ويسئلون﴾ [الزخرف: ١٩] وقال: ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾ [الزخرف: ٨٦] ويعلنا أن الله ﵎ أوحى إلى بعض أنبيائه: لا تشهد بمالا يعي سمعك ويعقد عليه قلبك فإني موقف أهل الشهادة على شهادتهم ويسألون عنها سؤالا عنيفا (^٢).
قوله: (وإن أمكن جمع بين البينتين جمع) أي جمع بينهما، كما شهد له شاهدان أنه
_________________
(١) ن: بصنفا. ون: مصنفا
(٢) نوازل البرزلي: ج ٤، ص: ٣٨/¬٣٩.
[ ٣ / ٤٠٠ ]
أسلم إليه ثوبا واحدا في مائة إردب، وأقام المدعى عليه بينة أنه سلم إليه ثوبين في مائة إردب، وكذلك إن شهد له شاهد بمائة، وشاهد بخمسين، فإن البينة تجمع إن شاء أخذ خمسين بلا يمين، لأنهما اجتمعا عليها، أو يحلف مع شاهده فيأخذ مائة.
وقوله: (وإلا رجح بسبب ملك كنسج، ونتاج) أي وإن لم يمكن الجمع بين البينتين رجح، ويكون الترجيح بسبب ملك أي إذا ذكرت إحدى البينتين مع الملك سبب الملك من نسج ثوب ونتاج حيوان أو نسخ كتاب أو اصطياد وحش، ولم تذكر الأخرى سوى مجرد الملك، فإن التي ذكرت السبب مرجحة على التي لم تذكره، بل ذكرت الملك المطلق. غفل الشارح هنا هنا.
قوله: (إلا بملك من المقاسم) أي إلا إذا شهدت البينة أن هذا اشتراه من المقاسم، فإن بينته تقدم لأنها ناقلة، والحافظ مقدم فيثبت له إن شاء أخذه بالثمن منه أو يتركه.
قوله: (أو تاريخ أو تقدمه) أي ويكون الترجيح بسبب التاريخ كما إذا شهدت بينة أنه ملكه في الوقت الفلاني، وشهدت البينة الأخرى بالملك بلا تاريخ فإن البينة المؤرخة مرجحة، وكذلك إن ذكرت البينتان التاريخ فإن إحداهما ترجح بتقدم التاريخ.
قوله: (وبمزيد عدالة) أي ويكون الترجيح بمزيد عدالة فيقضى بأعدلهما وهل يعتبر أعدل المزكين أم لا قولان.
قوله: (لا عدد) أي لا يكون الترجيح بمزيد عدد كما إذا أشهد عشرة عدول وشهد اثنان أعدل منهم، فإنه يحكم بشهادة العدلين فلا يعتبر كثرتهم.
قوله: (وبشاهدين على شاهد ويمين، أو امرأتين) أي ويرجح بشهادة شاهدين عن الشاهد واليمين أضعف من الشاهدين وأن بعض الحكام لا يحكم به، وكذلك يرجح بشهادة شاهدين عن شاهد وامرأتين لأن الله تعالى أخرهن فقال: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ [سورة البقرة من الآية: ٢٨٢] فأخرهن أخرهن حيث أخرهن الله.
قوله: (وبيد إن لم ترجح بينة مقابله فيحلف) أي ويرجح بين البينتين بسبب يد أي حوز بالقرب والاتصال، وهذا إذا لم ترجح بينة الآخر بما يكون به الترجيح فبسبب ذلك يحلف ذو اليد فيبقى بيده.
قوله: (وبالملك) أي ويرجح بينة الملك (على) بينة (الحوز) فقط لأن الحائز قد
[ ٣ / ٤٠١ ]
يحوز ما ليس ملكه.
قوله: (وبنقل على مستصحبة) أي فإن شهدت بينة أنه ملكه، وشهدت الأخرى أن هذا المدعي اشتراه منه، أو وهبه له أو تصدق به عليه فإن بينة النقل تقدم لأنها حافظة.
قوله: (وصحة الملك بالتصرف وعدم منازع، وحوز طال كعشرة أشهر، وأنها لم تخرج عن ملكه في علمهم، وتؤولت على الكمال في الأخير) أي ويعتمد الشاهد بالملك على التصرف، لأن صحة الملك إنما تكون بأربعة شروط على القول، وثلاثة على القول وهي: التصرف تصرف المالك.
وعدم منازع.
الثالث: حوز طال كعشرة أشهر.
الرابع: أنه لم يخرج ذلك عن ملكه في علمهم. وتأولت المدونة على أن هذا الشرط الرابع شرط كمال لا شرط صحة، ظاهره ولا يسأل عن بيان وجه الملك، وقيل: يكلف به إن كان الأصل عرفا للمدعي، وقيل: إن كان الحائز معروفا بالظلم يكلف، وقيل: لا يكلف مطلقا.
قوله: (لا بالإشتراء) الظاهر أنه معطوف على بالتصرف أي وصحة الملك بالتصرف وما معه لا بالإشتراء، إذ قد يشتري ممن لا ملك له فيه. ابن عرفة: قال سحنون من حضر رجلا يشتري سلعة فلا يشهد أنها ملكه، وقد يبيعها من لا يملكها.
قوله: (وإن شهد بإقرار استصحب) أي إن شهد شاهدان على رجل أن هذه الدار مثلا لفلان، أو أقر بها له، استصحب ذلك الإقرار، فتكون للمدعي. غفل الشارح هنا ﵀.
قوله: (وإن تعذر ترجيح سقطتا) أي وإن تعذر ترجيح بين البينتين بل تكافأتا سقطتا (وبقي) المدعى فيه (بيد حائزه) إن ادعاه لنفسه (أو لمن يقر) أنه (له).
قوله: (وقسم على الدعوى إن لم يكن بيد أحدهما) صوابه إن لم يكن بيد أحدهما أو لم يكن بيد أحد أي قسم المدعى فيه إن لم يكن بيد أحدهما بل إنه في يديهما جميعا لو كان في يد غيرهما ولم يكمن في الأرض على قدر الدعوى (كالعول) في الفرائض كما إذا ادعى أحدهما الكل، وادعى الآخر نصفه، فإن لصاحب الكل الثلثان ولصاحب النصف الثلث، وهذا مخالف لما تقدم في النكاح أن صاحب
[ ٣ / ٤٠٢ ]
النصف قد سلم لصاحبه النصف الآخر وتنازعا في النصف فيقسم بينهما، فيكون لصاحبه ثلاثة أرباع.
غفل الشارح هنا ﵀.
من ذي الذي ترضى سجاياه كلها … كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
المازري في إكمال الإكمال: اختلف عندنا فيمن باع أرضا فوجد فيها شيئا مدفونا، هل يكون ذلك للبائع أو للمشتري؟ في ذلك قولان.
القرطبي: يعني بالشيء المدفون ما كان من أنواع الأرض، كالحجارة والعمد والرحام ولم يكن خلفه فيها، وأما ما ليس من أنواع الأرض كالذهب والفضة، فإن كان من دفن الجاهلية فهو ركاز، وإن كان من دفن المسلمين فهو لقطة، وإن جهل ذلك فهو مال ضائع يحفظ في بيت المال، وإن لم يكن بيت المال صرف في الفقراء أو فيما أمكن من مصالح المسلمين.
قلت: وعلى أنه ركاز، فقال ابن القاسم: هو للمشتري، وقال مالك: هو للبائع، وصوبه اللخمي. وما ذكر من أنه لقطة، كان الشيخ يقول: إنما هو للبائع، والخلاف فيما يكون للمشتري أو للبائع إنما هو فيما وجد من الركاز، وكانت نزلت في دار رجل يقال له القباطي توفي فبيعت الدار فوجد المشتري فيها بوقالا مملوءا ذهبا فحكم القاضي عمر بن عبد الرفيع به لورثة البائع، وأشهد على حكمه بذلك الشيخ وغيره من أكابر العدول، وكان الشيخ يصوب حكمه بذلك. والأقرب - والله أعلم - أن ما كان من دفن الإسلام في القديم فهو لقطة، وإن كان دفنه فيما قرب من الزمان فهو للبائع أو لورثته وللقرائن في ذلك مدخل. وكان هذا القباطي مات فجأة قتيلا لم يوص، وجعل ذلك من القرائن الدالة على أن المال له. انتهى (^١).
قوله: (ولم يأخذه بأنه كان بيده) هذا فرع مستقبل أي ولم يأخذ المدعي المدعى فيه بأنه كان بيده قبل هذا وأقام على ذلك (^٢) بينة، لأنه إن كان قبل هذا حائز وهذا حائز والحوز لا يدل على الملك، ولا يعتبر تقدم الحوز بخلاف تقدم الملك.
قوله: (وإن ادعى أخ أسلم أن أباه أسلم فالقول للنصراني وقدمت بينة المسلم؛ إلا بأنه تنصر، أو مات إن جهل أصله فيقسم كمجهول الدين، وقسم على الجهات بالسوية) أي وإن
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٦، ص: ٢٦٠/ ٢٦١.
(٢) ن: هذا
[ ٣ / ٤٠٣ ]
ادعى أخ لنصراني أن أباهما أسلم فقال النصراني: أنه لم يسلم فالقول للنصراني، لأنه مدعي الاستصحاب ولا بينة، فإن أقاما بينة قدمت بينة المسلم، لأنها ناقلة، والناقلة حافظة والحافظ مقدم، إلا إذا أقام النصراني بينة أن الأب نطق بالتنصر ومات عقبه، فلا تقدم واحدة من البينتين إن جهل أصله، للتعارض بين البينتين فيقسم ميراثه بينهما نصفين كما يقسم بينهما نصفين إذا أجهل دينه ولم تقم بينة. الفرق بينهما أن هذه لم تقم لأحدهما بينة أتى به استدلالا، وقسم ذلك المال على الجهات بالسوية أي جهة الإسلام، وجهة الكفر، كما إذا ترك عشرة أولاد تسعة منهم كفار وواحد منهم مسلم أو العكس، فإن المسلم يأخذ النصف والكفان يأخذون النصف.
قوله: (وإن كان معهما طفل فهل يحلفان ويوقف الثلث فمن وافقه أخذ حصته ورد على الآخر. وإن مات حلفا وقسم أو للصغير النصف ويجبر على الإسلام؟ قولان) أي وإن كان مع الولدين الكبيرين طفل صغير فهل يحلفان على دعواهما ويأخذ كل منهما ثلث التركة ويوقف الثلث الباقي للصغير حتى يبلغ، فإذا بلغ فمن وافقه في الدين أخذ حصته منه ورد على الآخر السدس، فإن مات هذا الطفل قبل البلوغ حلف كل من الكبيرين على تصديق دعواه، وقسم الموقوف بينهما نصفين وهذا قول سحنون، والقول الآخر أن نصف التركة يوقف للصغير ويجبر على الإسلام والنصف الآخر يقسم بين الكبيرين.
قال سحنون: وإن مات أحدهما قبل بلوغ الصغير وله ورثة يعرفون فهم أحق بميراثه. هنا (^١) انتهى من مسائل الترجيح.
قوله: (وإن قدر على شيئه فله أخذه إن يكن غير عقوبة وأمن فتنة ورذيلة) أي على حقه فله أخذه بعلمه أو بغير علمه هذا إذا لم يؤتمن على ذلك، كان الحق من جنس حقه، أو من غير جنسه، إن كان ذلك الحق غير عقوبة، إذ العقوبة لا يقيمها إلا الحاكم، وأن يكون آمنا من الفتنة بسبب ذلك، وأن يكون آمنا من نسبة الرذيلة إليه من سرقة أو غصب، فإن أمن ذلك لم يلزمه الرفع إلى الحاكم، لأنه إذا رفعه إليه كفله البينة، ولو كان حقه دينا، ومن هو عليه ممتنع من أدائه وحصل له في يد صاحب الحق شيء من جنس ما عليه أو من غير جنسه فقد اختلفت الروايات في
_________________
(١) الشامل لبهرام، ج ٢، ص ٨٧٣.
[ ٣ / ٤٠٤ ]
ذلك، فروي أنه له مقدار دينه من الجنس كان الغريم غير مديان أو مقدار ما يخصه لو حاصص بدينه إن كان مدينا.
وروى أنه ليس له ذلك من الجنس ولا غيره على أي تقدير كان، وروي له ذلك وإن كان من غير جنس حقه فيتحرى قيمته، ويأخذ مقدار ما يستحق. حكاهما القاضيان: أبو الحسن وأبو بكر واختاراها، واستدل عليها القاضي أبو الحسن بقصة هند، ولو جحد من عليه الحق وله على المستحق مثله والحقان حالان، لجاز له أن يجحد على الرواية الأولى والأخيرة ويحصل التقاضي. انتهى من الجواهر.
قوله: (وإن قال أبرأني موكلك الغائب انظر) أي وإن قال الذي عليه الحق للموكل عليه أبرأني موكلك من الحق الذي تطلبه، ورب الحق غائب، نظر الذي عليه الحق ظاهره مطلقا قرب أو بعد وفيه نظر للحرج على أرباب الديون، وقد فرق ابن كنانة بين القرب والبعد، فإنه ينظر في القرينة حتى يعرف ما قال الموكل، فإن أكذبه حلف أنه ما أبرأه، وإن نكل حلف المطلوب وبرئ، وأما في بعيد الغيبة فإن الوكيل يحلف أنه ما علم ببراءة الموكل، فيأخذ الحق، فإن جاء الموكل حلف أنه ما أبرأه فيستمر الآخذ، وإن نكل حلف المطلوب واسترجع ما أخذ منه، وقيل: قول ابن كنانة تفسير. انتهى.
جرى عمل القضاة بيمين الرغبة، وهي أن يوكل رجلا على قبض دين على غائب فخاف أن يقول الذي عليه الحق: قد قضيته لربه، فإن الموكل يحلف حين التوكيل أنه ما قبض شيئا لئلا يدعي الغريم قضاء ذلك الدين.
قوله: (ومن استمهل لدفع بينة أمهل بالاجتهاد كحساب وشبهه) أي وهذا في حق المطلوب أي وإن طلب المدعى عليه المهلة، لأجل دفع البينة التي شهدت بالتجريح أمهل بالإجتهاد من الإمام بالعلم والتقوى لا بالجهل والهوى، كما يمهل إذا قال: أمهلوا علي أحسب هل بقي علي شيء، أو ما أشبه ذلك كما إذا قال: أمهلوا حتى أسأل وكيلي، أو أنظر في كتابي، أو أتفكر في ذلك، فإنهما يمهلان (بكفيل بالمال) لأن الحق قد ثبت عليه.
قوله: (كأن أراد إقامة ثان، أو بإقامة بينة فبحميل بالوجه) وهذا في حق الطالب التشبيه بينهما الكفيل بالمال أي فإن أقام المدعي شاهدا واحدا ولم يرد أن يحلف معه وادعى أن له شاهدا ثان أمهل ليأتي به بكفيل بالمال بناء على أن الحق يثبت بشاهد واليمين استظهارا، وأما على القول بأن اليمين جزء نصاب فليس على
[ ٣ / ٤٠٥ ]
المطلوب أن يأتي بكفيل بالمال.
قوله: أو بإقامة بينة معطوف على قوله: لدفع بينة أي وإذا طلب المدعي إقامة بينة على المدعى عليه فعلى المدعي أن يأتي بحميل بوجه، وهذا يناقض ما قال في آخر الضمان: ولم يجب وكيل للخصومة ولا كفيل بالوجه بالدعوى إلا بشاهد.
قوله: (وفيها أيضا نفيه، وهل خلاف؟ أو المراد وكيل يلازمه؟ أو إن لم تعرف عينه؟ تأويلات) أي نفي الحميل بالوجه، وهذا التأويل يوافق ما في الضمان، وهل هذا خلاف في المدونة؟ أو ليس بخلاف، ويكون المراد بالأول وكيل يلازمه ويحرسه أو على المطلوب أن يأتي بكفيل بوجهه، لتوقع البينة على عينه إن لم يعرف عينه، وأما إن كان معروفا فلا يلزمه كفيل، فيه تأويلات ثلاث.
قوله: (ويجيب عن القصاص العبد، وعن الأرش السيد) أي وإذا ادعي على العبد ما فيه القصاص، فإنه هو الذي يجيب عنه، لأنه المأخوذ به، وأما الدعوى الذي فيه الأرش، فإن السيد هو الذي يجيب عنه لأنه المطلوب به.
الحاصل أن الذي يتكلف الجواب هو من يتوجه عليه الحق ويقع الحكم عليه، وقد علم أن المطلوب بالقصاص العبد وفي معناه حد القذف. والسيد هو المطلوب بالأرش إلا لقرينة توجب قبول إقرار العبد فيها بالمال، كعبد راكب على برذون مشى على أصبع صبي فقطعها، فتعلق به وهي تدمي يقول فعل بي هذا فصدقه العبد أن الأرش تتعلق برقبة العبد. انتهى.
قوله: (واليمين في كل حق بالله الذي لا إله إلا هو ولو كتابيا، وتؤولت على أن النصراني يقول بالله فقط) أي وصفة اليمين في كل حق: بالله الذي لا إله إلا هو، وهذا يعارضه اللعان، لأن اليمين فيه أشهد فإن حلف بغير لفظ بالله الذي لا إله إلا هو فلا يجزيه، فإن قال: بالله وحده فلا يجزيه بالذي لا إله إلا هو، بل يحلف بالله الذي لا إله إلا هو، ولو كان الحالف يهوديا.
وروي عن الحسين بن علي أنه رد يمينا على رجل كان ادعى عليه دعوى كاذبة، فلما قام الرجل يحلف قال له: اقتصر على قولك: والله، ففعل الرجل، فما استتم يمينه حتى سقط ميتا، فقيل له في ذلك، فقال: خشيت أن يمجد الله تعالى فيحلم عنه.
وتأولت المدونة أيضا على أن النصراني يقول في يمينه بالله فقط.
ابن رشد اليمين تارة تكون لدفع الدعوى كالمدعى عليه بمال فينكره، وتارة
[ ٣ / ٤٠٦ ]
لتصحيحها كاليمين مع الشاهد، وتارة لإيقافها كالحاف على نفي حق ثبت لصغير بشاهد، وتارة لتتميم الحكم: كيمين الاسبتراء. انتهى من ابن فرحون (^١).
وبعض العلماء يحلف بالمصحف وبعضهم بطلاق، وقال ابن وضاح لسحنون ابن عاصم (^٢) كان يحلف بالطلاق فمن أين أخذه قال: من قول عمر ابن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية إلى آخره.
قوله: (وغلظت في ربع دينار بجامع، كالكنيسة، وبيت النار، وبالقيام لا بالاستقبال وبمنبره ﵊ أي وغلظت اليمين إن بلغ الحق ربع دينار بالحلف في الجامع في حق مسلم، فإن لم يكن جامع فحيث يصلون فيه، فإن لم يكن لهم مصلى فحيث قضى عليه كما تغلظ اليمين بالقيام في حق اليهودي بالحلف بالكنيسة والنصراني في البيعة، والمجوسي في بيت النار، وكذلك تغلظ اليمين بالقيام حين الحلف، ولا تغلظ بالاستقبال بل يتوجه حيث شاء، وتغلظ بالحلف عند النبي (^٣) ﵊ لمن بالمدينة المشرفة فقط لا في المساجد غيره، وقيل: كل مسجد كمسجده االسلام، فإن امتنع من توجهت عليه اليمين عن ما تغلظ به عندنا كلا، وإن كان الحق أقل من ربع دينار، أيحلف في غير الجامع، وقيل: حيث قضى عليه.
قوله: (وخرجت المخدرة فيما ادعت، أو ادعي عليها، إلا التي لا تخرج نهارا، وإن مستولدة فليلا) أي وتخرج المستترة في بيتها لأجل يمين توجهت عليها كانت طالبة أو مطلوبة، إلا المرأة التي لا تخرج نهارا، وإن كانت مستولدة فتخرج ليلا فتحلف، وأما التي لا تخرج أصلا، لا ليلا ولا نهارا كنساء الملوك، فإنها تحلف في بيتها.
قوله: (وتحلف في أقل ببيتها) أي وتحلف المخدرة في بيتها في أقل من ربع دينار.
قوله: (وإن ادعيت قضاء على ميت لم يحلف) أي وإن كان لميت دين على حي فطلبه منه الورثة فادعى أنه قضاه له وأنهم عالمون بالقضاء لم يحلف منهم (إلا من يظن به العلم من ورثته).
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ١٥٧.
(٢) هو حسين بن عاصم.
(٣) ن: منبره ﵊.
[ ٣ / ٤٠٧ ]
قوله: (وحلف في نقص بتا، وغش علما) أي ومن عليه دنانير أو دراهم فدفعها إلى غريمه فوجدها ناقصة أو مغشوشة، فإن المطلوب يحلف على البت أنه ما دفعت إليك إلا كاملا، لأن النقص يحققه وأما المغشوش، فإنه يحلف ما دفعت لك إلا جيدا في علمي إذ الغش مما يخفى.
قوله: (واعتمد البات على ظن قوي كخط أبيه، أو قرينة) أي ويعتمد الحالف على البت على ظن قوي، وذلك يكون بخط أبيه أو خطه أو قرينة تقوي ظنه كنكول خصم ونحوه اكتفى الشرع في مثل هذا بالظن القوي ولم يشترط فيه العلم.
قوله: (ويمين المطلوب ما له عندي كذا، ولا شيء منه. ونفى سببا إن عين وغيره) أي وصفة يمين المطلوب أن يقول بالله الذي لا إله إلا هو ماله عندي ما ادعاه ولا شيء منه.
قال المازري: التحقيق عندي ألا يزيد ولا شيء منه، لأن المدعي لم يدعيه، وينفي في يمينه السبب، إن عين ذلك السبب، كما إذا ادعى عليه عشرة سلفا، فإنه يحلف ما أسلفه وينفي مع ذلك غير السلف.
قوله: (فإن قضى نوى سلفا) أي فإن كان قد تسلف منه وقضى له ذلك السلف فأنكر القضاء فإن توجهت اليمين على المطلوب فإنه يحلف على نفي دعوى الطالب وينوي قضاء (يجب رده) عليه الآن، ومن أراد تعجيل اليمين فالقول قوله.
قوله: (وإن قال وقف، أو لولدي لم يمنع مدع من بينته. وإن قال لفلان، فإن حضر ادعي عليه، فإن حلف فللمدعي تحليف المقر، وإن نكل حلف وغرم ما فوته) أي وإن قال: من ادعى عليه بشيء معين في يده ليس لي بل هو وقف أو قال: هو لولدي الكبير أو الصغير لم يمنع المدعي من إقامة البينة، لأن هذا لم ينازعه فيه، وينتقل خصام المدعي لناظر الوقف وللولد إن كان كبيرا، أو للأب إن كان صغيرا، وإن قال المدعى عليه هو لفلان، فإن كان فلان حاضرا ادعى عليه الطالب فانتقلت الدعوى إليه باعتراف الأول له، وهو المقر فلا يخلو المقر له من أن يحلف أو ينكل، فإن حلف فللمدعي تحليف المقر الذي بيده الشيء المقر به أنه للمقر له وهي تهمة، وصفة يمينه أنه ما أقر إلا بالحق، فإن حلف فلا كلام وإن نكل المقر حلف المدعي وغرم المقر قيمة ما فوته عليه بإقراره، أو مثله إن كان مثليا.
قوله: (أو غاب لزمه يمين أو بينة، وانتقلت الحكومة له، فإن نكل أخذه بلا يمين، وإن جاء المقر له فصدق المقر أخذه) أي وهذا قسيم قوله: إن حضر أي وإن كان المقر له
[ ٣ / ٤٠٨ ]
في المسألة السابقة غائبا غيبة بعيدة لا يعذر له فيها لزم المقر بيمين أو بينة أنه لفلان الغائب أودعه عنده أو رهنه، فإذا حلف أو أتى ببينة انتقلت الحكومة للغائب فيبقى على حقه إذا قدم، وإن نكل المقر عن اليمين أخذ المدعي الشيء المدعى فيه بلا يمين، إذ لا معنى لليمين هنا، لأنها لا تقطع حجة الغائب.
المازري: الأولى عندي أن يستظهر باليمين الواجبة في القضاء على الغائب، فإن جاء الغائب المقر له بعد نكول المقر، وتسلم المدعي الشيء المدعى به، فصدق المقر فيما أقر له به أخذه بإقرار المقر، وهذا كقول ابن سحنون من ادعى دارا بيد غيره فقال: هي لفلان الغائب، فإنه إن حلف بقيت بيده، وإن نكل تسلمها المدعي بلا يمين حتى يقدم الغائب فيأخذها بإقرار من كانت بيده. انتهى من فتح الجليل (^١).
وسكت الشيخ رحمه الله تعالى عما إذا لم يصدقه وفيه خلاف، ظاهر الروايات يأخذه بيت المال، وقيل: يبقى بيد المدعي إذ لا منازع له، وقيل: يعرض عنه الإمام صلحا.
قوله: (وإن استحلف وله بينة حاضرة أو كالجمعة يعلمها لم تسمع أي وإن طلب المدعي يمين المدعى عليه وللمدعي بينة حاضرة بالبلد أو كانت قريبة الغيبة كسبعة أيام يعلم بها وأراد إقامتها بعد ذلك لم تسمع أي لم تقبل عند ابن القاسم، لأن استحلافه له إسقاط لها، وقال أشهب تسمع، وصححه ابن القصار وغيره، لقول عمر ﵁: البينة العادلة خير من اليمين الفاجرة.
قوله: (وإن نكل في مال وحقه استحق به بيمين) أي وإن نكل مدعى عليه على اليمين في مال وحقه كخيار وأجل وشفعة ونحو ذلك استحق المدعي فيه بسبب نكول المدعى عليه مع يمينه وهو لا يستحقه بمجرد نكول المدعى عليه، إذ لا يستحق بشيء واحد، إنما يستحق بشيئين إما شاهدين ذكرين أو شاهد مع امرأتين، أو شاهدا مع يمين أو يمين مع نكول.
قوله: (إن حقق) أي إنما تكون اليمين على المدعي إذا نكل المدعى عليه أن يحق دعواه بأن يعرف ما ادعى فيه، وأما إن كان موجب اليمين التهمة فلا يحتاج بيمين المدعي إذا نكل المدعى عليه، لأن المشهور توجهها وعدم انقلابها والنكول كما قال بن عرفة: من وجبت عليه فإن قال: لا أحلف أو قال لخصمه: احلف أنت، فذلك نكول منه.
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٣، في آخر باب الشهادات بعد قول خليل: وإن نكل أخذه بلا يمين.
[ ٣ / ٤٠٩ ]
قوله: (وليبين الحاكم حكمه) ظاهره الوجوب أي وليبين الحاكم لمن توجهت عليه اليمين حكم النكول بأن يقول له إن نكلت حلف خصمك واستحق.
قوله: (ولا يمكن منها إن نكل بخلاف مدع التزمها، ثم رجع) أي ولا يمكن مدعى عليه من اليمين بعد أن نكل عنها ثم بدى له الرجوع لها، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم، لأنه تعلق لخصمه حق بنكوله، فلا يمكن من إبطال ما تعلق به.
قال في التوضيح: مثاله ما في المدونة فيمن أقام له شاهد بحق فرد اليمين على المدعى عليه أنه لا رجوع له في ذلك.
أبو عمران وهو متفق عليه، قال: وأما المدعى عليه يلتزم اليمين ثم يريد الرجوع عنها إلى تحليف المدعي فذلك له، لأن التزامه لا يكون أشد من الزام الله ﷾. انتهى (^١).
وإلى قوله: وأما المدعى عليه إلى آخره، أشار بقوله هنا بخلاف مدعى عليه التزمها أي اليمين ثم رجع عنها فله ذلك قال بعض من تكلم على هذا المحل كذا هو في جل النسخ. انتهى من فتح الجليل (^٢).
لا شك أن ما في خط المؤلف بخلاف مدع، وما أظنه فيها إلا سهوا في الكتابة وصوابه بخلاف مدعى عليه.
قوله: (وإن ردت على مدع وسكت زمنا فله الحلف. وإن حاز أجنبي غير شريك وتصرف، ثم ادعى حاضر ساكت بلا مانع عشر سنين لم تسمع، ولا بينته، إلا بإسكان ونحوه) أي وإن ردت يمين من مطلوب على مدع، فسكت غير ملتزم ولا ناكل ثم أراد أن يحلف، فله ذلك طال سكوته أم لا، ولا مقال للمدعى عليه، إذ لا يعد سكوته نكولا.
قوله: وإن حاز أجنبي غير شريك، وصفة الحوز التصرف بالهدم والبناء كما رآه ابن القاسم، وقيدوا الهدم والبناء لكونه للتوسعة وهدم ما لا يخشى سقوطه وليس المراد الهدم وما يخشى سقوط، فإن ذلك لا يقطع الدعوى، ثم ادعى حاضر أو ما في معناه كقريب الغيبة وهو ساكت حين الهدم والبناء، وهو عالم أن ذلك ملكه بلا مانع من قرابة ونحوها كالمصاهرة، إذا عرف بينهم تسامح وإن أشكل، محمولون على التسامح ومن الموانع خوف سلطان وأشار بقوله: ساكت بأنه لو نازع الحائز لم
_________________
(١) التوضيح للشيخ خليل: ج ٨، ص: ٣٩.
(٢) فتح الجليل للتتائي: ج ٣، بعد قول خليل في آخر باب الشهادات: إن نكل بخلاف مدع التزمها.
[ ٣ / ٤١٠ ]
يسقط حقه، فإن حضر وسكت مع الهدم والبناء الذي له بال عشر سنين لم تسمع دعواه ولا تقبل بينته لأن كل دعوى ينفيها العرف وتكذبها العادة، فإنها مرفوضة غير مسموعة قال الله ﵎: ﴿وأمر بالعرف﴾ [الأعراف: ١٩٩] وهل يحلف المدعى عليه لأن العرف شاهد؟ أولا، لأن العرف شاهدين، إلا إذا شهدت له بينة أنه هو الذي أسكنه أو أعمره أو ساقاه، أو زارعه، فيحلف مع بينته ويقضى له به قال المصنف: وهذا إذا كان الحائز يدعي الابتياع ونحوه منه، وأما إن لم يدعي نقل الملك وتمسك بمجرد الحوز فلا يمين على القائم مع بينته.
قوله: (كشريك أجنبي حاز فيها؛ إن هدم وبنى. وفي الشريك القريب معهما قولان) أي كحوز شريك أجنبي فيها أي في العشر سنين إن هدم وبنا فتثبت له الحيازة بذلك.
قوله: إن هدم يحتمل أنه شرط فيهما، ويحتمل أن يرجع على ما بعد الكاف على قاعدته الأكثرية، وفي حيازة الشريك القريب مع الهدم والبناء قولان لابن القاسم فمرة، قال: عشر سنين حيازة، ومرة: لا يكون حيازة إلا أن يطول الأمر، مثل: الأربعين.
وفهم من قوله: معهما أي الهدم والبناء أنها لا تكون بينهم بالسكنى وإلا زاد راع.
قوله: (لا بين أب وابنه إلا بكهبة، إلا أن يطول معهما ما تهلك البينات، وينقطع العلم، وإنما تفترق الدار من غيرها في الأجنبي ففي الدابة وأمة الخدمة السنتان، ويزاد في عبد وعرض) أي لا تعتبر هذه الحيازة بين أب وابنه إلا بما يحصل به التفويت مع الحوز، المعنى حازه ثم وهبه أو تصدق به كهبة وصدقة وعتق وتدبير وشبه ذلك مما لا يفعله الرجل إلا في ماله فيعتبر بلا خلاف.
ابن رشد: ولا يعتبر بالهدم والبناء إذا فعله أحدهما وادعاه لنفسه قام على الآخر في حياته أو بعد وفاته وهو المشهور في المذهب، إلا أن يطول زمان تهلك البينات فيه وينقطع العلم معه، فتعتبر الحيازة حينئذ بينهما، ومدة الحيازة بالنسبة إلى الأقارب لا فرق فيها بين الرباع والأصول والثياب والحيوان، وإنما تفترق الدار من غيرها في حيازة الأجنبي، فأما الحيازة في الدابة وأمة الخدمة بالنسبة إلى الأجنبي السنتان وأما أمة الوطء فبالوطء مرة ويزاد على السنتين في عبد وعرض (^١) ولم يذكر الحد للزيادة.
_________________
(١) البيان والتحصيل، ج ١١، ص ١٤٧ - ١٥٠.
[ ٣ / ٤١١ ]